Полный текст (384 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
إذًا عرفنا الآن ما ذكره الناظم وهو تسعٌ وعشرون سورة هذه حُكِمَ عليها بأنها مَدَنِيَّة، والخلاف والأدلة تجدونه مذكورًا في ((التحبير)) و ((الإتقان)) ونحو ذلك.
وما عَدا هَذا هُوَ الْمَكِيُّ ... على الَّذي صَحَّ بهِ المَرْوِيّ
أيهما أقل الْمَكِّيّ أم الْمَدَنِيّ، الْمَدَنِيّ لأنهم تسعٌ وعشرون بقي خمسٌ وثمانون وأيهما الأولى أن يشرع في تعداد الأقل أو الأكثر؟
الأقل فذكر عدَّد لك الأقل الذي هم تسعٌ وعشرون ثم أحالك على الأكثر وهو خمسٌ وثمانون سورة، والمستثنيات هذه موجودة في مواضعها ما من سورة اختلف فيها إلا وذكر أن بعضها ليس داخلاً في مسماها الكلي فيقال سورة كذا مَكِّيَّة إلا آية كذا وكذا، وهذه مَدَنِيَّة إلا آية كذا وكذا هذا تجدونه في و ((الإتقان)) ونحو ذلك، والسيوطي استوفى هذا الكلام كله في ((الإتقان)).
(وما عَدا هَذا) أي المذكور من السور وهو خمسٌ وثمانون سورة (هُوَ الْمَكِيُّ) هو المحكوم عليه بأنه مَكِّيّ سواءً كان اتفاقًا أو على الأرجح وعليه ما ذكره الناظم هنا بأن الفاتحة مَكِّيَّة، رجح بأن الفاتحة مَكِّيَّة وقيل: الرحمن والإنسان والإخلاص والفاتحة من الْمَدَنِيِّ يعني يضاف إلى ما سبق هذه السور الرحمن والإنسان والإخلاص والفاتحة من الْمَدَنِيِّ والأصح أنها مَكِّيَّة والأصح والمرجح عند الجمهور أنها مَكِّيَّة.
وقيل: الفاتحة نزلت مرتين والقول بأنه مَدَنِيَّة فقط أو بأنها نصفين النصف الأول مَكِّيّ والثاني مَدَنِيّ هذا ضعيف، بل قيل: بأن القول بأن الفاتحة مَدَنِيَّة فقط هذا قول مجاهد لا يعرف عن غيره وقيل: هو شاذ ضعيف. ولذلك قال بعضهم: قد تفرد به مجاهد حتى عُدَّ هفوةً منه. هفوة يعني بمعنى زلة.
وقيل: النساء والرعد والحديد والحج والصف والتغابن والقيامة، والمعوذتان مكيات والأصح أنها مدنية (على الَّذي صَحَّ بهِ الْمَرْوِيّ). على القول الذي صح به أي بذلك القول المروي من الأحاديث على النبي ﷺ كيف نقول المروي على النبي ﷺ ونحن نقول: الْمَكِّيُّ والْمَدَنِيُّ مرجعه حفظ الصحابة والتابعين المرجع في الحكم ومحل الاستنباط هو الأحاديث محل الاستنباط بأن هذه مَكِّيَّة أو مَدَنِيَّة لا بد أن يثبت قول أو فعل النبي ﷺ فنأخذ منه أن السورة مَكِّيَّة أو مَدَنِيَّة فما صح الأصل صح الاستنباط منه وما ضَعُف الأصل حينئذٍ ضعف الاستنباط منه لأن البعض قد يأتي ويحكم بأن السورة كذا وآية كذا مَكِّيَّة ثم ننظر نستند إلى دليل أثر عن النبي ﷺ من الأحاديث فننظر فيه فإذا به ضعيف حينئذٍ ماذا نقول؟ سقط الأصل، فيجب سقوط الفرع هذا هو الأرجح.
(وما عَدا هَذا هُوَ الْمَكِيُّ على الَّذي). يعني على القول (الَّذي صَحَّ بهِ المَرْوِيّ). صح المروي عن النبي ﷺ من الأحاديث والآثار.
стр. 107
هذا جملة ما يذكر في الْمَدَنِيِّ والمكي والأكثر أنه يذكر تعداد فيه وأما المستثنيات ترجع إلى أصولها، لكن ذكروا بأن الْمَكِّيَّ له ضوابط يمكن الْحُكم على السورة بأنها مَكِّيَّة والْمَدَنِيَّ له ضوابط يمكن الحكم على السورة بأنها مَدَنِيَّة لكن هذا في ما لم يصح نقله ولذلك ذكر الجعبري وغيره أن طريق الحكم على السورة بأنها مَكِّيَّة أو مَدَنِيَّة إسناد نقليٌ سماعيٌ وقياسيٌ اجتهاديٌ.
النقل السماعي وهو ما حكم به الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثم التابعون.
والاجتهادي أو النقلي هذا محل الاستنباط والنظر والبحث والتدبر.
لمعرفة الْمَكِّيِّ والْمَدَنِيّ طريقان سماعيٌ وقياسي، والسماعي يستند إلى النقل الصحيح لا بد من أن يكون النقل صحيحًا عن الصحابة الذي عاصروا الوحي وشاهدوا نزوله أو عن التابعين الذي أخذوا عن الصحابة وسمعوا منهم، ومعظم ما ورد في الْمَكِّيِّ والْمَدَنِيِّ من هذا القبيل، أكثر ما حكم فيه إما أن تجد قولاً لمجاهد أو قبل ذلك تجد قولاً لابن عباس، أو أُبي بن كعب، أو علي بن أبي طالب ... إلى آخره أو من التابعين كمجاهد وعطاء ونحوهم حينئذٍ نقول: هذا حكمهم أنه نقلي مستنده السمع فما صح عنهم حينئذٍ نحكم به، فما لم يرد أو إذا اختلفوا حينئذٍ لا بد من النظر والبحث ولذلك وُجد النوع الثاني وهو القياس والاجتهاد وهذا يستند إلى ماذا؟
إلى معرفة خصائص الْمَكِّيِّ وخصائص الْمَدَنِيِّ ولذلك بحثوا ونظروا في ما حكم عليه اتفاقًا أو عن الأرجح فيما حكم عليه بأنه مَدَنِيّ وجدوا بعض الألفاظ أو بعض القصص أو بعض المواضيع هذه تختص بالْمَكِّيِّ ولا توجد في الْمَدَنِيِّ، ووجدوا بعض الخصائص أيضًا توجد في الْمَدَنِيِّ ولا توجد في الْمَكِّيِّ فحينئذٍ إذا وجدت سورة أو آيات مختلفٌ فيها هل هي مَكِّيّة أو مَدَنِيّة نقول: نلحقها بأقربها شبهًا فما وجد فيه مما اتفق عليه أنه مَكِّيّ فنحكم عليه بأنه مَكِّيّ لماذا؟
لأن أسلوبه وألفاظه على أسلوب وألفاظ وطريقة موضوعات الْمَكِّيِّ فيلحق به وهذا هو أصل القياس فيه إلحاق وكذلك الْمَكِّيّ حينئذٍ يقال ضوابط الْمَكِّيِّ أمور:
стр. 108
أولاً: كل سورةٍ وهذه الضوابط أغلبية ليست كلية مطردة وإنما في الأغلب الأكثر كل سورةٍ فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وليس فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فهي مَكِّيَّة إلا سورة الحج ففي آخرها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. وبعضهم يرى أن هذه الآية الأخيرة مَكِّيَّة إذًا كل سورة اشتملت على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وليس فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ حكمنا عليها لأنها مَكِّيَّة لماذا؟ لأن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذا خطابٌ يشمل المؤمن والكافر وأهل مكة آمن بعضهم وإن كانوا قلة لكن في الجملة هم كفار فحينئذٍ يخاطبون بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذا شامل، وهذا من أدلة أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لأنهم داخلون في هذا العموم وكذلك ألحق بعضهم بهذا اللفظ ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ هذا يشمل الكافر والمؤمن فلا يختص بالمؤمنين لأن الخطاب في المدينة الغالب بل الأصل أنهم مؤمنون فحينئذٍ إذا خوطبوا بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ نظر إلى الجملة وإلى الأغلب، أما الْمَكِّيّ فهذا بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾.
فإذًا كل صورةٍ فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وليس فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فهي مَكِّيَّة إلا سورة الحج ففي آخرها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
طيب سورة البقرة فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] كيف نقول: مَدَنِيَّة فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. والضابط هنا كل سورةٍ فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وليس فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، وهذه فيها سورة البقر فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وفيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الضابط ما هو؟ إثبات ونفي، الإثبات ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وليس فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ إذا اجتمعا حينئذٍ ليس من ضوابط الْمَكِّيَّة ولذلك استثني ماذا؟ استثني سورة الحج.
الثاني: كل سورةٍ فيها سجدة فهي مَكِّيَّة.
الثالث: كل سورةٍ فيها قصة آدم وإبليس فهي مَكِّيَّة سوى سورة البقرة.
الرابع: كل سورةٍ فيها قصص الأنبياء والأمم الغابرة الخالية فهي مَكِّيَّة سوى البقرة كذلك.
الخامس: كل سورةٍ فيها لفظ: ﴿كَلَّا﴾ فهي مَكِّيَّة ﴿كَلَّا﴾ هذا حرف زجر وردع لماذا؟
لأنهم قالوا: لماذا وجد في السور الْمَكِّيَّة دون الْمَدَنِيَّة؟
لأن الْمَكِّيَّ كما سيأتي من خصائصه القوة والشدة في العبارة لماذا؟
لأن فيه جبابرة معاندين، جبابرةٌ معاندون مشاقون حينئذٍ ناسب أن يُؤتى بلفظٍ شاق ﴿كَلَّا﴾ إذًا كل سورةٍ فيها لفظ ﴿كَلَّا﴾ فهي مَكِّيَّة، ولم ترد إلا في النصف الأخير من القرآن الخمسة عشرة الأخيرة، ووردت ثلاثًا وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة في لفظ ﴿كَلَّا﴾، فدل على أن هذا خمس عشرة سورة نقول: هذه مَكِّيَّة.
سادس: كل سورةٍ تفتتح بحروف التهجي فهي مَكِّيَّة سوى الزهراوين البقرة وآل عمران واختلف في الرعد والصحيح أنها كما سبق مَدَنِيَّة، هذا من حيث الضوابط اللفظية.
стр. 109
وأما من حيث المميزات الموضوعية والأسلوب فنقول: الغالب في الْمَكِّيِّ الدعوة إلى التوحيد. الغالب في السورة الْمَكِّيَّة من حيث الموضوع تبحث في ماذا؟ ما هو موضوع السورة الْمَكِّيَّة؟ لو قيل هذا السؤال نقول: الغالب فيه أنها تتحدث عن التوحيد لأن المقام مقام دعوة إلى التوحيد قومٌ كفار فأول ما يُبدأ به هو التوحيد.
وعبادة الله وحده جل وعلا، وإثبات الرسالة والبعث والقيامة والنار وأهوالها والجنة ونعيمها ومجادلة المشركين بالبراهين العقلية، كل هذا موضوع البحث في السور الْمَكِّيَّة، نقول: الغالب في الْمَكِّيِّ الدعوة إلى التوحيد، وعبادة الله وحده وإثبات الرسالة والبعث - لأنهم منكرون للبعث -، والقيامة، والنار وأهوالها، والجنة ونعيمها، ومجادلة المشركين بالبراهين العقلية.
الثاني: قوة الأسلوب وشدة الخطاب مع قصر الفواصل يعني: الآيات تكون قصيرة في الْمَكِّيَّة. وقوة المحاجة لأن غالبهم معاندون فخوطبوا بما يقتضيه حالهم هذا ما يسمى بمراعاة مقتضى الحال.
أما الْمَدَنِيّ فضابطه:
الأول: كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مَدَنِيَّة سوى العنكبوت فإنها مَكِّيَّة لماذا؟ لأن النفاق أين وجد؟ في المدينة ولذلك صدر سورة البقرة قسمت الناس إلى ثلاث أصناف: مؤمن خُلَّص، وكفار خُلّص، وما ظاهرهم الإيمان وباطنهم الكفر والعياذ بالله. حينئذٍ نقول: كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مَدَنِيَّة سوى العنكبوت فإنها مَكِّيَّة.
الثاني: كل سورة فيها مجادلة أهل الكتاب فهي مَدَنِيَّة لأن أهل الكتاب إنما وجدوا في المدينة.
الثالث: كل سورة فيها فريضة أو حَدّ فهي مَدَنِيَّة.
أما من حيث الموضوع فالغالب في الْمَدَنِيِّ تفصيل العبادات والمعاملات والحدود والمواريث ونحو ذلك لأنه في الأصل شُرع ماذا؟ التوحيد هو الأصل ثم بعد ذلك يأتي البناء إذا لم يوجد التوحيد وهو الأصل حينئذٍ لا بناء وليس المراد أن النبي ﷺ جرد الدعوة في المدينة عن التوحيد لا وإنما يقال: كان الأصل المركز عليه في مكة قبل الهجرة هو التوحيد ثم في المدينة لما كانوا موحدين أضاف ولا نقول ترك الدعوة للتوحيد هذا فهم خاطئ ولذلك نقول: بدأ النبي ﷺ دعوته بالتوحيد وختمها بالتوحيد ولذلك مات ﵊ وهو يقول: «الصلاة وما ملكت أيمانكم». ثم قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». هذا توحيد أم ماذا؟ هذا توحيد هذا صميم التوحيد حينئذٍ بدأ بالتوحيد وختم بالتوحيد وليس المراد أن هذه الآيات الْمَدَنِيَّة تفصيل العبادات والمعاملات يفهم منها أنه لا دعوة للتوحيد لا وإنما أضاف إذًا الدعوة إلى التوحيد ماذا؟ الدعوة إلى تفصيل العبادات لأنها فرع وليست بأصل باعتبار التوحيد أما فيها بعضها في نفسها فهي أصول ولا إشكال.
الثاني: دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام هذا من موضوعات الْمَدَنِيّ.
الثالث: ذكر الجهاد وبيان أحكامه، وفضله، وتفصيلاته ... إلى آخره. نقول: هذا مَدَنِيّ.
الرابع: فضح المنافقين وكشف أستارهم أو ستارهم.
الخامس: طول المقاطع والآيات.
стр. 110
هذا من ضوابط الْمَدَنِيِّ فإذا اختلف السلف في الحكم على السورة أو الآية بأنها مَكِّيَّة أو مَدَنِيَّة حينئذٍ ننظر إلى مثل هذه الضوابط وخاصة في الموضوعات عرفنا هذا.
ثم قال: (النَّوعُ الثالثُ والرابعُ: الحَضَرِيُّ والسَّفَرِيُّ من آي القرآن)
وعرفنا الفوائد المترتبة على الْمَكِّيِّ والْمَدَنِيِّ وأهمها معرفة الناسخ والمنسوخ ولذلك لا يحل لأحد أن يُقدم على تفسير كلام الله إلا بعد معرفة هذا النوع الْمَكِّيّ والْمَدَنِيّ.
النوع الثالث والرابع من العقد الأول وهو اثنا عشر نوعًا: الْحَضَرِيّ والسَّفَرِيّ من آي القرآن. وما سيذكره الآن من العقود هذه لا ينبني عليها من الفائدة وإن كان لها أهمية من حيث تعلقها بالقرآن لا شك بذلك لكن لا ينبني عليها أحكام كما هو في شأن الْمَكِّيِّ والْمَدَنِيِّ، لا شك أن الْمَكِّيَّ والْمَدَنِيَّ ينبني عليه أحكام من جهة التحريم ونسخ إلى آخره وأما الحضري والسفري والصيفي والشتائي والنهاري والليلي والفراشي والنومي هذه من قبيل العلم فقط، من قبيل العلم بالآيات فقط أما هل يترتب عليها حكم شرعي أو لا؟
نقول: لا يترتب عليها شيء من ذلك.
(الحَضَرِيُّ) هذا نسبة إلى حضر والمراد به الإقامة لأن الإنسان إما أنه مقيم أو مسافر أما مستوطن هذا لا وجود له وإن ذكره كثير من الفقهاء إما مقيم وإما مسافر وزاد الفقهاء مستوطن وهو الذي يرد إلى بلد لم يقصد أنه يقيم يجعله بلده الخاص كما كان الأول يعني يستقيم من الأول وينتقل إلى الثاني حينئذٍ نقول: لا هذا يسمى مستوطنًا هذا عند الفقهاء ورتبوا عليه أحكام من حيث القصر والجمعة .. إلى آخره لكن الصحيح أنه لا وجود وإنما هو إما مقيم وإما مسافر، فالحضري هذا نسبة إلى الحضر الياء هذه ياء النسبة وهو ما نزل في الحضر يعني: في حالة إقامة النبي ﷺ . وإقامة النبي ﷺ قد تكون في مكة وقد تكون في المدينة إذًا هل لهذا النوع ارتباط بالْمَكِّيِّ والْمَدَنِيِّ؟
قد يكون له ارتباط فما نزل في المدينة وهو مقيم في الْمَدِينَةِ ﵊ بعد أن انتقل لأنه أقام في المدينة ترك مكة وأقام في المدينة نقول: هذا حضري ومدني، وما نزل في مكة قبل الهجرة فنقول: هذا مَكِّيّ حضري. لأنه كان مقيم قبل الهجرة حينئذٍ قد يجتمعان، قد يكون ارتباط بين الحضري والْمَكِّيِّ والْمَدَنِيِّ.
(والسَّفَرِيُّ) هذا نسبة إلى السفر مأخوذ من الإسفار وهو: البروز والظهور. ومنه: أسفر الصبح إذا أظهر الأشياء. ومنه: السفور. النساء إذا تبرجت أظهرت محاسنها وقيل: سُمِّيَ السفر سفرًا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال إذا أردت أن تجرب وتختبر صاحبك خذه في رحلة.
(والسَّفَرِيُّ) هذا نسبة إلى السفر، إذًا ما نزل في السفر في حال ليست حال الإقامة يسمى: سفرًا. حينئذٍ نقول: هذا يسمى بالسفري وهل يجتمع مع الْمَكِّيِّ والْمَدَنِيِّ نقول: نعم الشأن شأن الأول. إذًا النوعان الحضري والسفري قد يجتمعان مع الْمَكِّيِّ والْمَدَنِيِّ فيكون مدنيًّا حضريًّا ومدنيًّا سفريًّا، ومكي حضري ومكي سفري ممكن أو لا؟ نعم من آي القرآن قال ﵀:
стр. 111
والسَّفَرِيْ كَآَيَةِ التَّيَمُّمِ ... مَائِدَةً بذَاتِ جَيْشٍ فَاعْلَمِ
أَوْ هِيَ بِالبَيْدَاءِ، ثُمَّ الفَتْحُ في ... كُراعِ الغَمِيْمِ يا مَنْ يَقْتَفِي
(والسَّفَرِيْ) أي: من القرآن. ذكرنا أنه منسوب من السفر يعني: ما نزل على النبي ﷺ من القرآن وهو في حالة السفر ليس مقيمًا في المدينة (كَآَيَةِ التَّيَمُّمِ) السيوطي ﵀ استوفى هذا الباب في ((التحبير)) وفي ((الإتقان)) أظن أوصله إلى بضع وأربعين مثالاً في ((الإتقان)) هنا ذكر أمثلة (كَآَيَةِ التَّيَمُّمِ) هذه الكاف تمثيلية وليست استقصائية لأنه ذكر بعض الأمثلة ثم أنت تبحث في بقية الآيات (كَآَيَةِ التَّيَمُّمِ مَائِدَةً) (كَآَيَةِ التَّيَمُّمِ) التي في المائدة وهي المصدرة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ﴾ [المائدة: ٦] الآية ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ [المائدة: ٦] هذه تسمى آية التيمم ولم تسم بآية الوضوء؟
[نعم هو هذا] وله ملحظ آخر وهو خلافهم في الآية هل هي مؤسسة أو مؤكدة بمعنى مؤسسة هل الوضوء شُرع في هذه الآية وقبله لم يكن مشروعًا فصار الحكم تأسيسًا أو أن الوضوء كان مشروعًا ثم نزلت الآية مؤكِدة؟ الثاني أم الأول؟
إن قلتَ: التأسيس حينئذٍ يكون قد صلوا بلا وضوء قبل نزول الآية إذا أثبته من جهة السنة، ولم يثبت بالإجماع صلاة بدون وضوء لا في مكة لا قبل الهجرة ولا بعدها لم يثبت صلاة بلا وضوء فحينئذٍ نقول: هذه الآية مؤكِدة على الصحيح وليست مؤسسه بالنسبة للوضوء.
(كَآَيَةِ التَّيَمُّمِ مَائِدَةً) التي في سورة المائدة احترازًا من آية التيمم التي في سورة النساء ولا أدري لماذا يحترزون عنها مع أنهم يقولون: نزلت في السفر. (مَائِدَةً) بالنصب على نزع الخاص، والأصل كآية التيممِ التي في سورة المائدة فحذف حرف الجر فانتصب ما بعده.
وَعِدِّ لازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ ... وإِنْ حُذِفَ فَالنصبُ للمُنجرِ
نقلاً ..................... ... ............................
لكنه هنا من باب الضرورة بل توسعوا فيه جعلوه كالقياس هم يقولون: نقلاً. يعني مسموع ولا يقاس عليه لكن في تصانيفهم نظمًا ونثرًا يجعلونه كالمقيس وإلا الأصل أنه ماذا؟
لا يُنصب على نزع الخافض إلا سماعًا.
وَعِدِّ لازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ ... وإِنْ حُذِفَ فَالنصبُ للمُنجرِ
نقلاً وفي أَنَّ وَأَنْ يطرد ... مع أَمْنِ لَبَسٍ كَعَجِبْتُ أّنْ يَدُوا
في أنْ وأنَّ يطرد يعني: قياس. وما عداه من الموضعين فهو نقلي.
والسَّفَرِيْ كَآَيَةِ التَّيَمُّمِ ... مَائِدَةً بذَاتِ جَيْشٍ فَاعْلَمِ
стр. 112
(أَوْ هِيَ بِالبَيْدَاءِ) (بذَاتِ جَيْشٍ) هذا بيان للموضع الذي نزل فيه على قولين اختلاف بين الرواة هل هي بذات الجيش موضع يقال له: ذات الجيش أو هي بالبيداء؟ فيه قولان، في الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها نزلت بالبيداء - يعني: الآية آية التيمم - نزلت بالبيداء وهم داخلون المدينة. وفي لفظ: بالبيداء أو بذات الجيش. تردد الراوي بالبيداء أو بذات الجيش لهذه الرواية الثانية حصل تردد في الحكم على موضع نزول آية التيمم مقطوع بأنها سفرية لا إشكال في هذا هي سفرية نزلت في السفر لكن أين؟ هل هي بذات الجيش أو بالبيداء موضع خلاف، والخلاف هذا لا يخرجها عن كونها سفرية. (بذَاتِ الْجَيْشٍ) يعني: فإنها نزلت بمحل يسمى ذات الجيش وهو وراء ذي الحليفة قرب المدينة. يعني: موضوع وراء ذي الحليفة قرب المدينة.
(فَاعْلَمِ) ذلك الحكم بأنها نزلت بذات الجيش أو بتنويع الخلاف بين الرواة هي: بالبيداء. هي أي: آية التيمم نزلت بالبيداء، وهي ذو الحليفة قيل في طرفها، فالبيداء قيل: هي ذو الحليفة. وقيل: طرف ذي الحليفة. قولان في تفسير البيداء، وعلى كلٍّ هذا أو ذاك فهي سفرية وسبب النزاع هو ما ذكرناه من حديث عائشة في البخاري وفي لفظ: في البيداء أو بذات الجيش قرب المدينة في القفول من غزوة بني المصطلق.
وهذه الغزوة كانت في شعبان سنة ست أو خمس أو أربع، ثلاثة أقوال، في أقوال ثلاثة إذًا عرفنا أن السفري كان آية التيمم موضعها فيه خلاف هل هي بذات الجيش أو بالبيداء.
(ثُمَّ الفَتْحُ) أي: ثم سورة الفتح. يعني: يُذكر لك بعد ما سبق سورة الفتح. و (ثُمَّ) هنا للترتيب الذكري لا أصل معناها، ثم سورة الفتح هذا عطف على آية (كَآَيَةِ التَّيَمُّمِ) ثم سورة الفتح فحذف المضاف وأقيم المضاف مقامه فجر جرًا لأن المضاف هنا مكسور أليس كذلك مجرور ثم سورةِ الفتح سورة بالجر عطف على آية ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فالأصل قد ارتفع ارتفاعًا أو انتصب انتصابًا أو خفض خفضًا أو جر جرًّا فتقول حينئذٍ: هذا الفتح عطف على آية.
ثم سورة الفتح يعني: من السفر سورة الفتح ظاهره أن كل سورة الفتح نزلت في السفر أليس كذلك؟ ثم سورة الفتح دل على ماذا؟
على أن كل سورة الفتح نزلت في السفر لكن ليس بظاهر، ظاهره ... كلها وكذا قال الْبُلقيني تمسكًا بظاهر ما رواه البخاري من حديث عمر ... رضي الله تعالى عنه: بينما هو يسير مع النبي ﷺ .. فذكر الحديث وفيه قال رسول الله ﷺ : «لقد أنزلت عليَّ الليلة سورة هي أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس». فقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١، ٢]. قال السيوطي ﵀: ولا دليل فيه على نزولها تلك الليلة بل النازل منها أو فيها أولها. حينئذٍ نقول: سورة الفتح الأصح أن أولها هو الذي نزل في السفر.
(في كُراعِ الغَمِيْمِ)
стр. 113
كرع الغميم هذا موضع نزول سورة الفتح أو أول سورة الفتح كما قيل في آية التيمم نزلت بذات الجيش أو بالبيداء ما موضعها في السفر؟ هنا كذلك قال: الفتح سفرية أين موضعها قال: (كُراعِ الغَمِيْمِ) بالإضافة هذا الأصل (كُراعِ الغَمِيْمِ) وادي بينه وبين الْمَدَنِيَّة نحو مائةٍ وسبعين ميلاً من جهة الْمَدَنِيَّة وبينه وبين مكة نحو ثلاثين ميلاً حينئذٍ يكون أقرب إلى مكة من المدينة قال في القاموس: وكراع الغميم - هذا علم موضع كراع الغميم علم موضع - على ثلاث أميال من عسفان. وغميم هذا ككريم والكراع جبل أسود في طبق الحرة يمتد إليه. قيل كراع الغميم هذا علمٌ لموضع الأصل فيه الإضافة ... (كُراعٍ الغَمِيْمِ) بالألف لكن هناك للوزن لا بد من تنوين الأول (كُراعٍ الغَمِيْمِ) الأصل أن يجب الإضافة لماذا؟
لأنه من باب سعيد كرز تعرفون هذا؟
ولا يضاف اسم لِمَا بِهِ اتَّحَدْ ... معنى وأوِّلْ مُوهِمًا إذا وَرَدْ
لا يضاف الشيء إلى نفسه
ولا يضاف اسم لِمَا بِهِ اتَّحَدْ ... معنى وأوِّلْ مُوهِمًا إذا وَرَدْ
حينئذٍ سعيد كرز سعيد هو كرز وكرز هو سعيد سعِيد علم وكرز لقب ومسمى الاسم هو عين مسمى اللقب حينئذٍ كيف يضاف الأصل في الإضافة المغايرة أن يكون المضاف إليه مغايرًا للمضاف هذا الأصل غلامُ زيدٍ غلام ليس هو عين زيد وزيد ليس هو عين غلام لا بد من المغايرة، فإذا جاء غلام بمعنى زيد وزيد بمعنى غلام نقول: أضيف شيء إلى مسماه وهذا لا يجوز إلا على التأويل، ولذلك قال: وأول موهمًا. إذا أوهم أنه من باب إضافة سعيد كرز حينئذٍ يجب تأويله أليس كذلك؟
لكن في مقام العلم إذا كانا مفردين الاسم واللقب وجبت الإضافة عند البصريين وهذا من المواضع التي يتناقض فيها البصريون ولا جواب، لأنه في مقام الاسم واللقب - عفوًا سنخرج قليلاً فأنا عندي النحو كالملح في الدرس - الاسم واللقب إذا كانا مفردين حينئذٍ يجب الإضافة.
وإن يكونا مفردين فأضف ... حتمًا وإلا أتْبِع الذي ردف
وإن يكونا مفردين فأضف وجوبًا عند البصريين وإلا يكونا مفردين فأتبع الذي ردف، يكون تابعًا هذا في مقام العلم في باب العلم يذكرون هذا، أن الاسم واللقب إذا كانا مفردين وجبت الإضافة ولا يجوز الإتباع والكوفيون يجوزن الإتباع فيقولون: سعيد كُرْز. الثاني يكون تابعًا للأول عطف أو بدل ويأتون في باب الإضافة فيقولون:
ولا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ ... مَعْنى وأوِّل موهمًا إذا ورد
كيف ولا يضاف اسم لما به اتحد؟ ثم في باب العلم وإن يكونا مفردين فأضف حتمًا هذا لا جواب يعني: عجز كثير من النحاة أن يجيبوا عن مسألة البصريين في هذا الباب أوجبوا الإضافة في باب العلم سعيد كرز يجب الإضافة ثم جاءوا في باب الإضافة تكلموا عن المضاف والمضاف إليه إذا كانا متحدين معنى لا يجوز الإضافة فكيف الجمع؟
لا بد من النسخ هنا لا يمكن الجمع لأن الأول يوجب الإضافة والثاني يوجب عدم الإضافة فكيف هذا؟
لا جواب لا تنتظر شيء، لا جواب قيل: هذا تناقض بين البصريين لا جواب.
وإن يكونا مفردين فأضف ... حتمًا وإلا أتبع الذي ردف
فيجب حينئذٍ عندهم في باب العلم يقال: سعيد كرز. باب الإضافة كرعُ غميم من قبيل سعيد كرزٍ أليس كذلك؟
стр. 114
لأن كراع هذا طرف الشيء فالاسم هو عين المسمى، الغميم هو مسمى كرع الغميم، الغمِيم ككريم هذا موضع قطعة أرض ونحوها كما قال بعضهم: جبل أسود ينتهي إلى طرف حرة. حينئذٍ هو كرع غميم وهو الغميم نفسه فحينئذٍ صار من باب سعيد كرز، إذًا يجب الإضافة كرعُ غميم مضاف ومضاف إليه، وعند الكوفيين يجوز الإتباع كراعٌ الغميمُ يكون الثاني بدل كل من بعض أو عطف بيان سعيد كرز يجوز عند الكوفيين ولا يجوز عند البصريين فيكون الثاني تبعًا للأول هنا من باب ضرورة الوزن نمشي على مذهب الكوفيين (كُراعٍ الغَمِيْمِ) بالتنوين والأصل (كُراعِ الغَمِيْمِ) بالإضافة ولكن ينون الأول والثَّاني لا يكون منونًا لوجود أل حينئذٍ نجعل الثاني تابعًا للأول، وإلا أتبع الذي ردف يكون تابعًا له.
الحاصل: أن كراعٍ بالتنوين (الغَمِيْمِ) إذًا عرفنا كراع الغميم هذا وادي بينه وبين المدينة نحو مائة وسبعين ميلاً وكراعه طرفه إذ كراع كل شيء طرفه.
(يا مَنْ يَقْتَفِي) يعني: يا من يتبع. الاقتفاء هو الإتباع أي: يتبع طريقهم في معرفة السفر ونحو ذلك، إذًا عرفنا أن سورة الفتح هذه سفرية والمراد
به أولها، ثم موضع ذلك السفر الذي نزل فيه أوائل سورة الفتح هو كراع الغميم وهذا الموضع الذي عينه لنا ما رواه الحاكم في مستدركه ثم قال:
وبِمِنَى ﴿وَاتَّقُواْ﴾ وبعدُ ﴿يَوْماً﴾ ... و ﴿تُرْجَعُونَ﴾ أَوْلِ هذا الخَتْمَا
﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] هذه سفرية (وبِمِنَى) يعني: ونزلت بمنى بدون التنوين للوزن (وبِمِنَى ﴿وَاتَّقُواْ﴾) يعني: آية اتقوا أو قوله تعالى: ... ﴿وَاتَّقُواْ﴾ (وبعدُ) أي: بعد قوله: ﴿وَاتَّقُواْ﴾ (﴿يَوْماً﴾ و ... ﴿تُرْجَعُونَ﴾ أَوْلِ هذا الخَتْمَا) ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ﴾ (و ﴿تُرْجَعُونَ﴾ أَوْلِ) هذا أمر من الإله يعني: أجعل تالي هذا الذي هو ترجعون (الخَتْمَا) يعني: ختم الآية وهذا كما سبق أنه من الاقتباس والمراد به الإشارة ولا نجعل مضمون البيت هنا هو الآية وإنما تلفظ ببعض ألفاظ الآية على أنها أدلة على الآية وليست هي الآية وإلا هذا فيه تكلف، إذًا (وبِمِنَى) أي: نزلت آية ... (﴿وَاتَّقُواْ﴾ وبعدُ) أي: وبعد اتقوا بعد هذا مبني على الضم حد المضاف بنية معناه (وبعدُ ﴿يوْماً﴾) لو قال: وبعدَ. لكان أحسن لماذا؟ لأنه حذف المضاف هنا ونوى لفظه أو معناه؟ كيف بمعناه هو يريد أن يحكي لنا ألفاظ الآية (وبعدُ) وبعد اتقوا أو وبعد ما هو بمعنى اتقوا؟ الظاهر والله أعلم أنه أراد اتقوا وبمنى اتقوا وبعد اتقوا يومًا، اتقوا يومًا يَومًا هذا بعد اتقوا حينئذٍ قوله: (وبعدُ). لو ضبط بالنصب لكان أحسن حينئذٍ يكون قد حذف المضاف إليه ونوى لفظه وإنما يكون البناء إذا حذف المضاف إليه ونُوي معناه لذلك لو نصب بالفتح لكان أنسب ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً﴾ يومًا ما إعراب هذا؟
مفعول به.
الظَّرفُ وقتٌ أو مكانٌ ضُِمِّنًا ... فيه باطِّرادِ كَهُنَا امْكُثْ أَزْمُنَا
стр. 115
مفعول به ولا يصح جعله ظرف نعم تنبهوا ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً﴾ لأنك لو جعلته ظرفًا لقدرت في واتقوا في ذلك اليوم حينئذٍ سلم الناس في الدنيا من التكليف بالتقوى، صارت التقوى المأمور بها في ذلك اليوم الذي هو لا تكليف فيه في الأصل أما ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً﴾ أي: ذلك اليوم عينه نفسه ذاته اتقوه ... بماذا؟ بالعمل الصالح في الدنيا فيكون اليوم ذاته متقى، أما وقوع التقوى في ذلك اليوم هذا ليس بمراد هذا إفسادٌ للمعنى الذي دلت عليه الآية مثل: ... ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤، ١٨٥]. (وبِمِنَى ﴿وَاتَّقُواْ﴾ وبعدُ) لفظ اتقوا (﴿يَوْماً﴾ و ﴿تُرْجَعُونَ﴾) جاءت بعد يومًا (أَوْلِ) أمر من الإله اجعل بهذا الذي هو ترجعون الختما الألف هذه للإطلاق أي: ختم الآية.
هذه الآية نزلت عام حِجَّةِ الوداع يقال: حَجَّة، وحِجَّة. يقال: ذو القِعدة، وذو القَعدة، وذو الْحِجة وذو الْحَجة. الفتح فيه ذا القَعدة أولى من الكسر، والكسر في ذي الحِجة أولى من الفتح، عام حِجة الوداع فيما أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) وذكره السيوطي هناك.
ويومَ فَتْحٍ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ ... لآخرِ السُّورَةِ يا سَئُولُ
يعني: مما نزل وهو سفري (ويومَ فَتْحٍ) ونزلت يوم فتحٍ بالتنوين يعني: فتح مكة آية (﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ لآخرِ السُّورَةِ) اللام هنا بمعنى إلى (لآخرِ السُّورَةِ) يعني: لآخر سورة البقرة آيتان ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ والتي تليها ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ هذه نزلت في السفر، (لآخرِ السُّورَةِ) يعني: سورة البقرة (يا سَئُولُ) قال السيوطي رحمه الله تعالى: ولم أقف له على دليل. مع أنه يذكره في ((الإتقان)) وفي ((التحبير)) وفي ((النقاية)) لكنه يذكره تقليدًا لغيره وإلا لم يقف على دليل فذكره حينئذٍ يكون من باب التقليد.
إذًا ونزلت يوم فتح مكة آية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخر السورة سورة البقرة ولا دليل عليه (يا سَئُولُ) يعني: يا كثير السؤال (يا سَئُولُ) فعول صيغة مبالغة (يا سَئُولُ) عن أي شيء كثير السؤال عن ماذا؟ عن العلم الشرعي ومنه: معرفة السفري من غيره.
ويومَ بَدْرٍ سُورَةُ الأَنْفَالِ مَعْ ... ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ ومَا بَعْدُ تَبَعْ
(ويومَ بَدْرٍ) يعني: نزلت يوم بدر. (سُورَةُ الأَنْفَالِ) كلها سورة الأنفال كلها هذا ظاهر كلام المصنف مع أن السيوطي ﵀ في كتاب ((التحبير)) وفي ((الإتقان)) يعبر بأول الأنفال وهذا هو الظاهر.
(ويومَ بَدْرٍ سُورَةُ الأَنْفَالِ) كلها كما هو ظاهر النظم أو أولها، فقد روى الإمام أحمد ﵀ عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدرٍ قُتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه فأتيت به النبي ﷺ فقال: «اذهب فاطرحه». - ليس لك - فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قَتل أخي وأخذ سببي قال: فما جاوزت إلا يسيرًا حتى نزلت سورة الأنفال فقال رسول الله ﷺ : «اذهب فخذ سيفك». فدل على أنها نزلت في ماذا؟
يوم بدر، لما كان يوم بدرٍ الدليل على أنه أولها لأن الذي تعلق بالأنفال والتقسيم هو أول سورة الأنفال لا كلها.
стр. 116
ويومَ بَدْرٍ سُورَةُ الأَنْفَالِ مَعْ ... ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ ومَا بَعْدُ تَبَعْ
إِلى ﴿الْحَمِيدِ﴾ ......... ... ................................
﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] هذه في سورة الحج. (مَعْ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾) يعني: مع آية ... ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ يحكم عليها بأنها سفري (ومَا بَعْدُ) أي: بعد قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ (تَبَعْ) حينئذٍ تكون خمس آيات تقريبًا أو ست (ومَا بَعْدُ تَبَعْ) تبع هذا مصدر يعني: تبعًا لقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ في الحكم بأنها سفرية إلى قوله: ﴿الْحَمِيدِ﴾. والدليل كما ورد في البخاري عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أنه كان يُقسم أن هذه الآية نزلت في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه. قال الْبُلقيني ﵀: الظاهر أنها نزلت يوم بدرٍ وقت المبارزة لما فيه من الإشارة بـ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾. مشركون والمؤمنون وهذا كان في ماذا؟ في السفري في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه ومتى قتل حمزة؟
في أحد، وأحد هذه تعتبر سفرًا بالنسبة للمدينة ولم يقيد بثمانين ونحوها.
(ومَا بَعْدُ) أي: بعد خصمان حال كونه
تَبَعْ إِلى ﴿الْحَمِيدِ﴾ ثُمَّ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ ... فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم
ثم إن عاقبتم يعني: ثم نزل أو مما حكم عليه بأنه سفري آية ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ بضم الميم للراوي يعني من سورة النحل عبر عنها السيوطي هناك بخاتمة النحل من قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ إلى آخر السورة هذا سفري (ثُمَّ) آية ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم﴾) بضم الميمين في الموضعين للراوي، أخرج البيهقي في الدلائل والبزار في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة حين استُشهد وقد مُثِّل به. فذكر الحديث إلى أن قال: «لأمثلن بسبعين منهم مكانك». فنزل جبريل والنبي ﷺ واقف بخواتيم سورة النحل ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ إلى آخر السورة فهو صريح في نزولها بماذا؟ بأحد، ولذلك قال: (بأُحُدٍ) هذا دليل على أنها نزلت في ماذا؟ في أحد، ولكن أخرج الترمذي والحاكم عن أُبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أنها نزلت يوم فتح مكة. والحديث السابق أنها نزلت بأحد. قال السيوطي تبعًا لغيره: والجمع أنها نزلت أولاً بمكة، ثم ثانيًّا بأحد، ثم ثالثًا يوم الفتح تذكيرًا من الله لعباده. يعني: مما كرر نزوله. إذًا (ثُمَّ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم﴾ بأُحُدٍ) يعني: نزلت بأحد. هذا جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره نزل أي الآية السابقة.
بأُحُدٍ وعَرَفاتٍ رَسَمُوا ... ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
بضم الميم للراوي. (وعَرَفاتٍ) يعني: بعرفات. (رَسَمُوا) أي: كتبوا نزول آية (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾) يعني: في حَجة الوداع جاء في الصحيح من حديث عمر رضي الله تعالى عنه أنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع. وفي رواية: عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع.
وما ذَكَرْنَا هَا هُنَا اليَسِيْرُ ... والحَضَرِي وقُوعُهُ كَثِيْرُ
стр. 117
بعد أن أنهى لك بعض الأمثلة التي نزلت في السفر قال: (وما ذَكَرْنَا) والضمير هنا محذوف وهو مفعول به.
وحذف ما يعلم جائز
وحذف فضلة أجز
(وما ذَكَرْنَا) لك سابقًا (هَا هُنَا) من السفر (اليَسِيْرُ) يعني: فهو العدد اليسير وقد استوفاه السيوطي ﵀ في ((التحبير)) يعني: كل ما وقف عليه.
(والحَضَرِي وقُوعُهُ كَثِيْرُ) لماذا؟ لأن الأصل في الإنسان الإقامة والحضر أم السفر؟ الحضر فلزم من ذلك أن يكون الحضر أكثر من السفر (والحَضَرِيّ) لأن الحضر هو الأصل لأن الإقامة هي الأصل والسفر إنما يكون طارئًا (وقُوعُهُ كَثِيْرُ) وقوعه في القرآن كثير ولكونه الأصل حينئذٍ لا يحتاج إلى تمثيل لوضوحه.
ثم قال ﵀:
النوع الخامسُ والسادسُ: الليليُّ والنَّهاريُّ
الليلي والنهاري يعني: ما نزل بالليل وما نزل بالنهار. هذا نازل بالليل وهذا نازل بالنهار الليلي والنهاري أيهما الأفضل؟
النهار الأصل لأن الليل سكن صار النهار أصل والليل لأنه محل للمعاش، والليل محل للسكن واليقظة تكون في الليل أو في النهار؟
في النهار، والأصل أن الوحي ينزل للنبي ﷺ يقظة حينئذٍ صار النهاري هو الأصل بالنسبة الليلي.
وسُورَةُ الفَتْحِ أَتَتْ في اللَّيْلِ ... وآيةُ القِبْلَةِ أَيْ ﴿فَوَلِّ﴾
وقَولُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل﴾ ... بَعْدُ ﴿لِّأَزْوَاجِكَ﴾ والخَتْمُ سَهُلْ
أَعْنِي الَّتِي فيها البَنَاتُ لا الَّتِيْ ... خُصَّتْ بِها أَزْواجُهُ فَأَثْبِتِ
وآَيةُ ﴿الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ﴾ ... أَيْ ﴿خُلِّفُواْ﴾ بِتَوبَةٍ يَقِينَا
فَهذِهِ بَعْضٌ لِلَيْلِيٍّ عَلى ... أَنَّ الكَثِيْرَ بالنَّهارِ نَزَلا
لأنه الأصل أنه كثير وهو الأصل.
(وسُورَةُ الفَتْحِ أَتَتْ في اللَّيْلِ) أي: نزلت. أتت بمعنى نزلت وفي بعض الأحاديث إلى قوله: ﴿صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾. يعني: ليست كلها نزلت بالليل وإنما أوائلها إلى قوله: ﴿صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾. ففي البخاري كما سبق من حديث عمر: «لقد أنزلت عليَّ الليلة سورة هي أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس». فقرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ ... [الفتح: ١] الحديث فدل على ماذا؟ على أنها نزلت بالليل لأنه قال: «نزلت عليَّ الليلة» يعني: في الليل. فدل على أن سورة الفتح أي: أوائلها ليلي. (وسُورَةُ الفَتْحِ أَتَتْ في اللَّيْلِ وآيةُ القِبْلَةِ) ما هي آية القبلة فسرها قال: (أَيْ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾) هذه نزلت ماذا؟ نزلت بالليل في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ آتاهم آت فقال: إن النبي ﷺ قد أنزل عليه الليلة. - هذا الشاهد - إن ... النبي ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة. فدل على أن قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾. نزل بماذا؟
بالليل وأول صلاة صلاها النبي ﷺ هي؟
стр. 118
بِكُلٍّ قيل، قيل: الصبح. وقيل: الظهر. وقيل: العصر. ولذلك الرواية التي معنا هنا: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ آتاهم آت فقال: إن ... النبي ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن. إذًا متى نزلت؟ في الليل لزم من ذلك أن يكون أول صلاة صلاها إلى القبلة التي هي المسجد الحرام هو الصبح بناءً على ماذا؟
على أن تأخير البيان إلى غير وقت الحاجة هذا لا يجوز عن النبي ﷺ لماذا؟ لأنه من باب البلاغ، فلو جوز أن الآيات نزلت في الليل ثم كانت أول صلاة صلاها هي الظهر أو العصر لزم من ذلك ماذا؟ أنه صلى الفجر إلى القبلة المنسوخة فيكون النبي ﷺ قد أخر البيان عن وقت الحاجة وهذا لا يجوز. ففي الصحيحين عن البراء أن النبي ﷺ صلى قبل بيت المقدس ستة عشر. أو قال: سبعة عشر شهرًا وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت وإن أول صلاة صلاها العصر. وإن أول صلاة صلاها العصرُ بالضم وصلى معه قوم فخرج رجلٌ ممن خرج ممن صلى معه فمر على أهل مسجده وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليتُ مع رسول الله قِبَلَ الكعبة. فداروا كما هم قِبَلَ البيت.
فهذا يدل على ماذا؟
على أنه أول صلاة صلاها هي العصر لزم منه أن هذه الآيات نزلت بين الظهر والعصر والرواية رواية ابن عمر تدل على أنها نزلت بالليل وأن أول صلاة صلاها صلاة الصبح إذًا وقع ماذا؟
وقع اختلاف بين الروايتين قال جلال الدين القاضي الْبُلقيني: والأرجح بمقتضى الاستدلال نزولها ليلاً لأن قضية أو قصة أهل قباء كانت في الصبح لأنه يبعد قباء ليست بعيدة عن المدينة يبعد أن النبي ﷺ يصلي العصر إلى القبلة الجديدة الناسخة التي كانت ناسخةً لبيت المقدس ثم يبقى العصر والمغرب والعشاء ثم الفجر ولا يخبر أهل قباء بماذا؟ بتحويل القبلة هذا فيه نوع بعد لماذا؟
لكون قباء ليست ببعيدة عن المدينة.
ولكن ابن حجر ﵀ له تأويل آخر قال ابن حجر ﵀: الأقوى أن نزولها كانت نهارًا يعني بين الظهر والعصر وأول صلاة صلاها النبي ﷺ هي صلاة العصر - لكن هذا فيه إشكال - والجواب عن حديث ابن عمر أن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنوا حارثة، ووصل وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة وهم بني عمرو بن عوف أهل قباء يعني: الخبر كأنه لم ينتشر حتى يصل أهل قباء إلا الصبح. لكن هذا فيه نوع إشكال وقوله: يعني ابن عمر أو قول النبي ﷺ في رواية ابن عمر: «قد أنزلت عليَّ الليلة». مجازٌ من إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي والذي يلي على كلٍّ وقوله: (وآيةُ القِبْلَةِ أَيْ ﴿فَوَلِّ﴾). ليس متفق على أنها ليلية قيل: إنها نهارية استدلالاً بحديث البراء وأن أول صلاة صلاها النبي ﷺ هي صلاة العصر. وقيل: إنها ليلية استدلالاً بحديث ابن عمر.
وقَولُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل﴾ ... بَعْدُ ﴿لِّأَزْوَاجِكَ﴾ والخَتْمُ سَهُلْ
أَعْنِي الَّتِي فيها البَنَاتُ لا الَّتِيْ ... خُصَّتْ بِها أَزْواجُهُ فَأَثْبِتِ
стр. 119
طال عليه النظم (وقَولُهُ) هذا عطف على سورة الفتح (وسُورَةُ الفَتْحِ) ليلية (وقَولُهُ) تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. الآية التي في آخر الأحزاب هي ليلية هي التي يعنيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء﴾ وهناك آية أخرى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] هنا قال: ... (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل﴾ بَعْدُ ﴿لِّأَزْوَاجِكَ﴾). لم يحصل التعين لأي الآيتين فشملت الآيتين ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ﴾ آية التخيير وتلك آية الإذن حينئذٍ أراد ماذا؟
أن يبين لك أن الآية المقصودة هي التي ذكر فيها البنات فقوله: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل﴾ بَعْدُ) أي: بعده بعد المذكور السابق (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل﴾ بَعْدُ ﴿لِّأَزْوَاجِكَ﴾) (والخَتْمُ) للآية (سَهُلْ) سهل عليك.
(أَعْنِي) يعني: أقصد بهذه الآية الآيةُ (الَّتِي فيها البَنَاتُ) يعني: ذكر فيها البنات ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] وليست: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] لذلك قال: (لا). الآية (الَّتِيْ خُصَّتْ) هذا مغير الصيغة (بِها) بتلك الآية (أَزْواجُهُ) يعني: لا الآية التي خصت أزواجه بها بتلك الآية (فَأَثْبِتِ) أمر من الإثبات يعني: أثبت أنت لفظة البنات أو أثبت ولا تغفل عما ذكر.
إذًا قوله: (أَعْنِي الَّتِي فيها البَنَاتُ). هذا استدراك لما سبق لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ﴾. وهذه في موضعين قد (أَعْنِي الَّتِي فيها البَنَاتُ) الآية التي ذكر فيها لفظ البنات (لا) الآية (الَّتِيْ خُصَّتْ بِها أَزْواجُهُ فَأَثْبِتِ) هذا من باب التسليم.
ففي البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسمية لا تخفى على من لا يعرفها فرآها عمر رضي الله تعالى عنه فقال: يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين. وفي رواية: قد عرفناك. فقالت: فارتفعت راجعة إلى رسول الله ﷺ وإنه ليتعشى وفي يده عرقٌ فقلت: يا رسول الله خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا. فأوحى الله إليه وإن العرق في يديه فقال: «إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن». هذا دليل على أنها ليلية، ما الدليل أو ما وجه الاستدلال من هذه القصة؟
هنا قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها. جاء في قصة الإفك أن زوجات النبي ﷺ ما كن يخرجن لحاجتهن إلا ليلاً فقوله هنا: لحاجتها. ثم قال: «قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن». ومعلوم بالاستقراء وبنص عائشة رضي الله تعالى عنها كما في قصة الإفك أن الخروج للحاجة إنما يكون ليلاً هذا من باب التستر طلب الستر.
وآَيةُ ﴿الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ﴾ ... أَيْ ﴿خُلِّفُواْ﴾ بِتَوبَةٍ يَقِينَا
стр. 120
يعني: ومما نزل في الليل آية الثلاثة الذين خلفوا الذين الألف هذه للإطلاق
(وآَيةُ ﴿الثَّلاَثَةِ﴾) من هم الثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع أي: خلفوا بتشديد اللام مغير الصيغة حال كونها كائنة بسورة التوبة) بِتَوبَةٍ) يعني: بسورة توبة. (يَقِينَا) وتسمى براءة (يَقِينَا) أي: أتيقن أنها ليلية أيضًا يقينًا يَقينًا هذا مفعول مطلق لعامل محذوف وجوبًا أتيقن أنها ليلية أيضًا يقينًا ففي الصحيح من حديث كعب القصة الطويلة فأنزل الله توبتنا حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول الله ﷺ عند أم سلمة هذا دال على أنها ليلية.
(وآَيةُ ﴿الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ﴾ أَيْ ﴿خُلِّفُواْ﴾).
خُلِّفُوا أم تَخَلَّفُوا؟
هم تَخَلَّفُوا وخُلِّفُوا بمعنى أُخِّرُوا، تَخَلَّفُوا عن الخروج مع النبي ﷺ ، وخُلِّفُوا يعني: أُخِّرُوا بقبول عذرهم. حينئذٍ الوصف لا من حيث تأخرهم وإنما من حيث قبول التوبة لأن النبي ﷺ جاء من جاءه ممن لم يخرج فذكر بعضهم أسباب وبعضهم أعذار فقبل منهم وجاء العتب ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ ... [التوبة: ٤٣] ... إلى آخره وهؤلاء الثلاثة لا إنما ذكروا أنهم لم يعتذروا كما اعتذر غيرهم وإنما ذكروا الأسباب الحقيقة في عدم خروجهم أو في تخلفهم فأُخِّرُوا في قبول عذرهم وقبول توبتهم حينئذٍ ليس الوصف هنا خُلِّفُوا من حيث إنهم تَخَلَّفُوا عن الخروج والغزو وإنما من باب أنهم خُلِّفُوا وأَخِّرُوا عن قبول عذرهم.
(فَهذِهِ) المذكورات السابقة من الأمثلة (بَعْضٌ لِلَيْلِيٍّ) بعض ليس الكل ذكر السيوطي كثير في الإتقان ونحوه (لِلَيْلِيٍّ عَلى أَنَّ الكَثِيْرَ) من الآيات ... (بالنَّهارِ نَزَلا) (عَلى أَنَّ الكَثِيْرَ) (نَزَلا) هذه الألف بالإطلاق بالنهار لأنه هو الأصل وهو محل اليقظة والأصل فيه أنه محل التنزل.
(السابعُ والثامنُ: الصَّيفيُّ والشتائِيُّ) الصيفي نسبة إلى الصيف، والشتائي نسبة إلى الشتاء ومعلوم أن الفصول أربعة فلِمَ خص أرباب علوم القرآن بالصيفي والشتائي فقط؟
لم يقولوا: هذا ربيعيٌّ. أو خرفيٌّ. قالوا: الصيف يلحق به الربيع لكونهما شماليين، والشتاء يلحق به الخريف لكونهما جنوبين. حينئذٍ نقول: كل من الربيع والخريف ألحق بالفصل الذي يليه وهذا من باب الاصطلاح فقط وإلا ما نص هذا نزل في الربيع وهذا نزل في الخريف وإنما جاء في بعض الروايات: آية الصيف. في قول النبي ﷺ ، في ليلة شاتية. فجاء لفظ الشتاء وجاء لفظ الصيف فألحق أرباب علوم القرآن بهذين الوصفين فكل ما جاء إما أنه صيفي وإما أنه شتائي ولذلك كل ما يمثل لا بد من لفظ كلمة صيف أو شتاء والقول بأن الخريف ملحق بكذا والربيع ملحق بكذا هذا لا مثال له إنما من باب تعميم الاصطلاحات.
إذًا الصيفي هو: ما نزل بالصيف.
والشتائي: ما نزل بالشتاء.
(الصَّيفيُّ) لَمْ تحذف الياء لماذا؟ حذف فعيلة، ليس من قبيل فعل صيف فعل وهناك فعيلة مدينة وصيف ليس كمدينة ليس كسليقة.
стр. 121
(والشتائِيُّ) قال في القاموس: الشتاء كالكساء شتاء مثل كساء والنسبة شَتْوِيٌّ ويحرك ويقال: شَتِيٌّ كَغَنِيّ. وكذلك في ((مختار الصحاح)) أن النسبة إلى لشتاء تكون شَتْوِيُّ وشَتَوِيٌّ مثل خَرْفِيُّ وَخَرَفِيُّ أساسًا الناظم هنا نسبه إلى نسبة غير مشهورة.
صَيْفِيَّةٌ كآَيِةِ الكَلالَةِ ... والشِّتَائِي كالعَشْرِ في عَائِشَةِ
بهذه الصيغة الوزن ينكسر والأولى أن يقال: والشَّتَوِيٌّ كالعشر في عائشة. وبعضهم أصلحه في قوله: والشتائي لكن هذا يحتاج إلى إتباع، وقد بحثت في القاموس في بعض المعاجم ما وجدت أنه يقال فيه مثل ما قيل في النسأي نسائي ونسأي كأنه على وجدانه، ذاك لا وإنما هو شتاء ككساء ولذلك نص في القاموس في ((مختار الصحاح)) أن نسبة إلى الشتاء شَتْوِيٌّ ويحرك ويقال: شَتِيٌّ كغني. وكذلك في ((المختار)) قال أيضًا: شَتْوِيٌّ وَشَتَوِّيٌّ. مثل خَرْقِيّ وَخَرَقِيّ أما شتأي هذا يحتاج إلى إثبات.
صَيْفِيَّةُ كآَيِةِ الكَلالَةِ ... والشَّتَوِيّ كالعَشْرِ في عَائِشَةِ
أي: القرآن. صيفيه أي: ما نزل في الصيف، (كآَيِةِ الكَلالَةِ) الكاف هذه للتمثيل ويحتمل أن هذه للاستقصاء لأن بعضهم ما ذكر إلا مثالاً واحدًا حينئذٍ إذا لم يثبت إلا آية الكلالة تكون الكاف هذه استقصائية، وإذا وجد مثال آخر فنقول: هذه الكاف تمثيلية (كآَيِةِ الكَلالَةِ) والكلالة هي: من لا والد له ولا ولد. في الكلالة كما قال الواحدي: أنزل الله في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء وهي التي في أول النساء، والأخرى في الصيفِ وهي التي في آخرها. ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] هي التي معنا الآن مثال التي في آخر سورة النساء، في صحيح مسلم عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة وما أغلظ لي في شيءٍ عليه - يعني: ما أغلظ لي فيه. - حتى طعن في أصبعه في صدري حتى قال: «يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر النساء»؟ الصيف فقال: «الصيف». فبين النبي ﷺ أنها نزلت في فصل الصيف، ... (صَيْفِيَّةُ كآَيِةِ الكَلالَةِ) عرفنا ماذا؟ أن آية الكلالة التي في آخر النساء هذه صيفية والتي في أولها هذه شَتَوِيَّة.
والشَّتَوِيُّ منسوبة للشتاء (كالعَشْرِ في عَائِشَةِ) يعني: كالآيات العشر التي في سورة النور في براءة عائشة رضي الله تعالى عنها مما لمزه المنافقون ففي صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت في ذكر قصتها: فوالله ما رام رسول الله ﷺ ولا خرج أحدٌ من أهل البيت حتى أُنْزِلَ عليه فأخذه من كان يأخذه حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شاتٍ من ثقل قول الذي ينزل عليه ... الحديث. قولها: في يوم شاتٍ. دل على ماذا؟ على أن هذه العشر نزلت في الشتاء.
التاسع: الفِراشيُّ من الآيات
стр. 122
الفراشي ويقال: النومي أيضًا يذكر معه. الفراشي نسبة إلى فراش وهو ما يتوسده الإنسان لينام عليه، فِرَاش فِعَال بمعنى مفعول فِرَاش: بمعنى مفروش. كغيرات بمعنى مغرور ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً﴾ [البقرة: ٢٢] فراش يعني: مفروش. فعال بمعنى: مفعول. وقل أن يوجد فِعَال بمعنى مفعول قليل هذا في اللغة لكن منه فراش وغِرَار [وكتاب يحتمل بمعنى فاعل كاتب جامع على أنه مجاز، ويحتمل أنه مجموع مكتوب ما في بعد، أما فراش وغرار ونحوه هذا قليل].
(الفِراشيُّ) من الآيات يعني: ما نزلت وهو فوق فراشه سواء كان نائمًا أم لا هم يقولون: سواء كان نائمًا أم لا. لكن نائمًا ما يرد أنه يوحى إليه وهو نائم هذا ليس بصحيح وإنما دائمًا يكون الوحي في اليقظة.
(التاسع: الفِراشيُّ من الآيات
كآَيَةِ الثَّلاثةِ المُقَدَّمَةْ ... في نَوْمِهِ في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةْ
يَلْحَقُهُ النَّازِلُ مِثلُ الرُّؤْيَا ... لِكَوْنِ رُؤيَا الأَنْبياءِ وَحْيَا
(كآَيَةِ) هذا خبر مبتدأ محذوف، والفراشي كآية خبر مبتدأ محذوف جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، والفراشي يعني: ما نزل من الآيات والنبي ﷺ فوق فراشه مثل: آية الثلاثة. فالكاف هنا إما اسمية وإما حرفية ولا بأس ... (كآَيَةِ الثَّلاثةِ الْمُقَدَّمَةْ) بفتح الدال أي المتقدمة (في نَوْمِهِ) فإنها نزلت في نومه ﷺ وليس المراد النوم وإنما ما يستعد به للنوم لأنها ما نزلت في النوم (في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةْ) هند بنت أبي أمية المخزومية تزوجها النبي ﷺ بعد موت أبي سلمة ففي الصحيح أنها نزلت وقد بقي من الليل ثلثه وهو ﷺ عند أم سلمة في فراشها، لكن استشكل هذا كونه نزل عند أم سلمة أو نزلت هذه الآية في فراش أم سلمة بقوله ﷺ في حق عائشة: «ما نزل عليَّ الوحيُّ في فراش امرأةٍ غيرها». وهنا نزل في بيت أم سلمة «ما نزل عليَّ الوحيُّ في فراش امرأةٍ غيرها». وهنا يقول: (في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةْ) فما الجمع؟
الجمع ما ذكره السيوطي بأنه روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها في مسند أبي يعلى أنها قالت: أُعطيتُ تسعًا. الحديث. وفيه: وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فينصرفون عنه - هذا غريب تقول: فينصرفون. والأصل فينصرفن - وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه. إذًا لا معارضة بين الحديثين قوله ﷺ : «ما نزل عليَّ الوحيُّ في فراش امرأةٍ غيرها». يعني: ينزل الوحي وتبقى في اللحاف وأما البقية ينزل ولكنها تقوم وتنصرف من مكانها إذًا هل هناك تعارض؟
لا معارضة بين الحديثين.
стр. 123
(يَلْحَقُهُ النَّازِلُ مِثلُ الرُّؤْيَا) هنا ما ذكر النوم لما ذكرناه سابقًا وإن كان كثير يذكرون هذا يقولون: التاسع والعاشر الفراشي والنومي. لكنه لم يذكر النومي لأنه مظنة أن الوحي نزل عليه وهو نائم وهذا لا وجود بل لا يدعيه مدعٍ وينفيه، لكنه قول ضعيف في سورة الكوثر أغفى إغفاءة لكن لا ليست هذه الإغفاءة بنوم وإنما هي ما يعتريه النبي ﷺ عند نزول الوحي من الثقل ونحوه (يَلْحَقُهُ) أي: يلحق الفراشيّ أيضًا. (يَلْحَقُهُ النَّازِلُ) من الآيات حال كونه (مِثلُ الرُّؤْيَا) كسورة الكوثر (لِكَوْنِ رُؤيَا الأَنْبياءِ وَحْيَا) لما روى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: بين رسول الله ﷺ بين أظهرنا إذا غفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: «أُنزل عليَّ آنفًا سورة». فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ... السورة حينئذٍ هذا نزل ماذا؟ نزل حيث أغفى النبي ﷺ إغفاءة، فهم البعض أنه نام فأوحي إليه لكن هذا ليس بظاهر، ولذلك نقول: القرآن كله نزل في اليقظة، فكأنه الجواب عن أغفى إغفاءة فكأنه عرض عليه الكوثر الذي نزلت فيه السورة فقرأها عليهم وفسرها لهم يعني: الرؤيا التي رآها النبي ﷺ فاستيقظ من الإغفاء وقد تبسم نقول: هذا لكونه رأى الكوثر فحينئذٍ فسر السورة بماذا؟ بما رواه وإلا السورة قد نزلت في اليقظة قبل ذلك، ولكن ما أخبره إلا بعد أن أغفى إغفاءة حينئذٍ لا تعارض بأن كون القرآن ينزل إلا يقظة وبين ظاهر هذا النص، وورد في بعض الروايات أنه أُغْمِيَ عليه لم يقل أغفى إغفاءة وإنما قال: أغمي عليه. وقد يحمل هذا على الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي ويقال له: بَرْحَاءُ. أو بُرْحَاءُ كما يقولها البعض الوحي فليس حينئذٍ الإغفاءة التي وردت في النص الأول إغفاءة النوم وإنما الإغفاءة هذه ما يعتري النبي ﷺ من ثقل الوحي.
يَلْحَقُهُ النَّازِلُ مِثلُ الرُّؤْيَا ... لِكَوْنِ رُؤيَا الأَنْبياءِ وَحْيَا
حينئذٍ ينزل في النوم إن صح التعبير (لِكَوْنِ رُؤيَا الأَنْبياءِ وَحْيَا) لماذا؟ لأنه كما جاء ((فإنهم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم)). حينئذٍ محل نزول الوحي هو القلب، والقلب يقظ حينئذٍ استوى في الحالين سواء كان يقظًا أو نائمًا لأن محل نزول الوحي هو القلب والقلب يقظ سواء كان نائمًا أغمضت عينيه أم لا ... (يَلْحَقُهُ النَّازِلُ مِثلُ الرُّؤْيَا لِكَوْنِ) يعني: قيل بهذا (لِكَوْنِ رُؤيَا الأَنْبياءِ وَحْيَا) فإنها تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ثم قال: العاشر أسباب النزول.
ونقف على هذا، وصلَّ الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 124
عناصر الدرس
* النوع العاشر (أسباب النزول)
* النوع الحادي عشر (أول ما نزل)
* النوع الثاني عشر (آخر ما نزل).
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فلا زال الحديث في بيان ما تضمنه العِقْد الأول وهو ما يرجع إلى النزول زمانًا ومكانًا وهو اثنا عشر نوعًا ذكر الأول والثاني والثالث والرابع والخامس والسادس ثم السابع والثامن والتاسع، ووقفنا على العاشرُ وهو (أَسبابُ النُّزُولِ).
هذا النوع، النَّوع العاشر تضيف النوع العاشر لا بد من ذكر كلمة النوع.
النوع (العاشرُ: أَسبابُ النُّزُولِ)، هذا النوع نوعٌ مهمٌ كما سيأتي بيانه في فوائد هذا العلم وهو علمٌ جليل قد أتانا به السلف كما أتانا به الخلف.
النوع (العاشرُ: أَسبابُ النُّزُولِ) أسباب جمع سببٍ، سَبَب فَعَل يُجمع على أَفْعَال وهو في اللغة الباعث على الشيء وهذا على القول بأن السبب قد يُرادف العلة كما سبق بيانه في أصول الفقه.
ومع علة ترادف السبب ... والفرق بعضهم إليه قد ذهب
لأن العلة فيها نوع أو دليل على كون الشيء باعث على ما جُعل علة له، والسبب قد يرادفه في بعض الأحوال وقيل: إنه مذهب جمهور الأصوليين.
ومع علة ترادف السبب ... والفرق بعضهم إليه قد ذهب
إذًا أسباب جمع سبب وهو الباعث على الشيء، وحدَّه بعضهم بحد يمكن أن يكون جامعًا مانعًا أو أشبه ما يكون بالرسم ليس على جهة الحدود بالجنس والفصل.
قال: سبب النزول هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثةً عنه أو مبينةً لحكمه أيام وقوعه. سبب النزول إذا أردنا ضابط هو: ما نزلت الآية أو الآيات متحدثةً عنه أو مبينةً لحكمه أيام وقوعه. إذًا ثم ارتباط بين وقوع الحدث والآية التي نزلت مبينة لحكم هذا أو هذه الحال. هذا احترز به عمَّا شاع وذاع عند بعض المفسرين حينما يذكرون مثلاً سورة الفيل نزلت قصة الفيل هل هناك ارتباط بين الحادثة والآيات؟ الجواب: لا، نقول: سبب النزول أن تكون الآية نزلت مبينةً لحكم الحادثة، وهذه الحادثة سبقت بزمنٍ يسير نزول الآيات حينئذٍ لا بد من ارتباطٍ بين الآيات وبين الواقع، فإذا كانت الواقعة قد خلا عليها الدهر كقصة أصحاب الفيل ثم نزل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]. لا نقول: هذه الآيات أو هذه السورة سبب نزولها ماذا؟ قصة أصحاب الفيل نقول: لا، قصة أصحاب الفيل تضمنت السورة بيانًا لحادثةٍ قد وقعت ومضى عليها الزمان الطويل حينئذٍ ليس ثم ارتباط بين السورة وبين هذه القصة، إذًا ما نزلت الآية أو الآيات متحدثةً عنه أو مبينةً لحكمه أيام وقوعه هذا فيه ردٌ على كل من وضع أمام قصةٍ من قصص الأنبياء أو سورةٍ تضمنت حادثة سابقة ربطها بماذا؟ بتلك الحادثة نقول: لا، جاءت هذه الآيات مبينة لحادثةٍ واقعةٍ في زمنٍ قد مضى، تحدثت كما تتحدث الآيات عن نوحٍ مع قومه، أو عن هودٍ مع قومه، أو عن صالحٍ، أو شعيب مع قومه هل نزلت هذه الآيات بسبب قوم نوح؟ لا، سورة نوح نقول: نزلت بسبب قوم نوح؟ الجواب: لا، وإنما تضمنت حادثة وواقعة وحكايةً لحالة أممٍ قد خلت في هذه السورة وليس ثَمَّ ارتباط من حيث النزول، يعني لم يكن سبب نزول الآيات هو تلك الحادثة.
стр. 125
أسباب النزول عرفنا أسباب النزول قال الجعبري ﵀: نزول القرآن على قسمين:
قسم نزل ابتداءً، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال.
القرآن كله إما أن ينزل ابتداءً دون سبب، وإما أن ينزل بسبب هل له قسم ثالث؟ الجواب: لا، كل القرآن من أوله إلى آخره إما أن ينزل لسبب أو لا ما لم ينزل لسبب هذا يسمى الابتدائي يعني: نزل ابتداءً لبيان قصة مثلاً أو لبيان حكم شرعي مثلاً ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] نقول: هذه الآية نزلت ابتداءً لم تنزل سببًا لحادثة وقعت أو سؤال قد حصل، وإنما أول ما نزلت الآية لبيان ما تضمنته من الأحكام، وقل غير ذلك في كثير من الآيات بل هو الغالب في آي القرآن، الغالب في آي القرآن أنه ابتدائي لا سببي.
قسم نزل ابتداءً وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال، والابتدائي بعضهم ضبطه بأنه ما لا يتقدم نزولَهُ سبب يقتضيه وهو الغالب في آي القرآن والسَّبَبِيّ هو ما تقدم نزولَهُ سببٌ يقتضيه وهذا السبب إما أن يكون سؤالاً وجه للنبي ﷺ أو تكون حادثة تحتاج إلى بيان وكشف لحكمها أو واقعة وقعت فأنزل الله جل وعلا بسبب هذه الواقعة ما يبين حكمها.
سؤال كما سئل النبي عن الأهلة فنزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩]. نقول: سبب نزول هذه الآية سؤال وجه إلى النبي ﷺ حينئذٍ نزلت الآية. إذًا هذه الآية لها سبب نزول، نزولها سببي أم ابتدائي؟ نقول: سَبَبِيٌّ.
ما نوع السبب؟
سؤال وجه إلى النبي ﵌.
النوع الثاني: نقول حادثة وقعت تحتاج إلى بيان وكشف. مثل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]. هذه كما هو معلوم نزلت في رجل من أهل النفاق في غزوة تبوك حيث قال: ما رأينا مثل قراءنا أرغب بطونًا وأكذب ألسنًا وأجبن عند اللقاء. فبلغ ذلك النبي ﷺ فنزل الوحي فجاء يعتذر من النبي ﷺ فكان يتلو عليه النبي ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦] إذًا هذه الآيات نزلت في ماذا؟
في بيان واقعة وحادثة تحتاج إلى بيان وكشف من الرب جل وعلا.
стр. 126
الثالث: أن تكون قد وقع فعل وهذا يمكن - بعضهم لا يذكره - أن يكون وقع فعلٌ يحتاج إلى معرفة حكمه، وهذا يمكن أن يدرج في السؤال أو في الحاجة، لكن فصله بعضهم والأكثر على أن السبب إما أن يكون سؤالاً أو حادثة تحتاج إلى بيان ولذلك ذكره في الحد هنا قال: وما نزلت الآية - أو الآيات - متحدثةً عنه أو مبينة لحكمه. قال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]. هذه نزلت في خولة بنت ثعلبة لما ظاهر منها أوس بن الصامت زوجها فنزلت هذه الآيات فنقول: هذه وقعت في الأصل أنها مبينة لحكم حادثة ويمكن أن يكون هذا الحادث سؤال لكنه ليس من جهة المقام وإنما من جهة يعني: يكون سؤالاً بلسان المقام أو بلسان الحال ولذلك أدرج بعضهم هذه الآية في السؤال هي لم تسأل وإنما جاءت تشتكي للنبي ﷺ حال زوجها وهذا يتضمن ماذا؟
يتضمن سؤالاً، فحينئذٍ السؤال قد يكون بالمقال ويمثل له ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] وقد يكون بالحال ويمثل له بـ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١].
قال بعضهم: أن هذا العلم لا طائل تحته لجريانه مجرى التأريخ لا فائدة منه لأنه يبين لك حادثة وقعت فنزل قول الرب جل وعلا إذًا كأنه حالة أو قصة من سيرة النبي ﷺ فأجريت مُجْرَى التاريخ فلا ينبني حينئذٍ عليها بعض الأحكام الشرعية من تحليل أو تحريم أو تخصيص أو تعميم ... إلى آخره. فنقول: هذا الكلام خطأ وليس بصواب يعني: قوله وهذا قيل به قديمًا وحديثًا بأن البحث في أسباب النزول هذا لا طائل تحته وإنما هو من ضياع الأوقات، أو يُجعل في ضمن ما يتحدث عنه التاريخ بأقسامه حينئذٍ يكون من قبيل التاريخ، نقول: أيضًا التاريخ خاصة إذا كانت من سيرة النبي ﷺ لا يمكن أن تخلو عن الفائدة. كيف يقال: هب أننا سلمنا أنه لا طائل تحته من جهة الأحكام الشرعية لكن كيف يقال: أسباب النزول وضعت من سيرة النبي ﷺ أليست سيرة النبي ﷺ محلاً للاقتداء والتأسي والبحث والنظر والاستنباط في حال الدعوة مع المشركين مع المؤمنين إلى آخره التعامل مع أهل الكتاب إلى آخره هذا لا طائل تحته؟
نقول: لا هذا الكلام في غاية السقوط ولذلك نقول: فوائد هذا العلم يمكن أن تجمل في بعض الأمور.
أولاً: في الوقوف على معرفة سبب النزول معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم. إذا ذكر سبب النزول عرفنا ما هي الحكمة من تشريع هذا الحكم لأن بعض الأحكام الشرعية في الآيات قد يجهل الناظر فيها أو يستبعد الناظر فيها وجه الحكمة من هذا الأمر أو هذا النهي فإذا وقف على سبب النزول حينئذٍ زال العجب ولذلك يقول العرب ماذا؟
إذا عُرِف السبب بطل العجب. أو زال العجب، هذا صحيح لأن الشيء الذي لا يعرف سببه تتعجب النفس منه وهذا مثل عربي صحيح قح حينئذٍ الشيء المجهول الذي لا يعرف سببه الإنسان يتعجب قد يسمع كلمة للعالم ولا يعرف ما سببها يتعجب كيف يقول هذا الكلام؟
فإذا وقف على السبب حينئذٍ زال أو بطل العجب.
стр. 127
إذًا إذا وقف على سبب النزول حينئذٍ تبين للناظر وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
الثاني يقال: تخصيص الحكم به بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب إذا كان اللفظ عامًا والسبب خاصًا الجماهير بل حكي إجماع على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب العبرة، فيكون اللفظ عامًا والسبب خاصًا كآيات اللعان مثلاً نزلت في هلال بن أمية وقيل: في عويمر العجلاني. لو نظر الناظر في الآيات وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ ... [النور: ٦] ... إلى آخر الآيات ﴿وَالَّذِينَ﴾ الذين هذا صيغة عموم اسم موصول وهو من صيغ العموم.
صيغُهُ كلٌّ أو الجميع ... وقد تلا الذي التي الفروع
حينئذٍ الموصولات بجميع أنواعها من صيغ العموم قوله ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ هذه نزلت في هلال بن أمية من يرى أن اللفظ العام يختص بسببه يقصر هذا النص على هلال بن أمية، ثم إذا جاءت قصة نظير قصة هلال بن أمية يقيسها يقول: اللفظ لا يشملها لا يتناولها وإنما يكون من باب القياس. هو لا ينفي أن يكون اللعان في غير هلال بن أمية، لا، وإنما يقول: ثبت الحكم في هلال بن أمية نصًا وثبت في غيره قياسًا. ولذلك اللعان ثابت في حق الأمة كلها، كل من وجد منه ما وجد من هلال حينئذٍ يكون الحكم ثابت فيه لكن في هلال بن أمية هذا من جهة النص واللفظ وغيره يكون من جهة حمله على قصة هلال بجامع ما ذكر.
حينئذٍ قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ عند من يرى التخصيص بسبب النزول نقول: هذه الآية تختص بها تختص بتلك الحادثة. فحينئذٍ هل هناك فائدة في الوقوف على معرفة سبب النزول؟
نقول: نعم لأن اللفظ يكون عامًا فإذا نُظر في سبب النزول عرفنا أن محله خاص فيحمل اللفظ العام على الخصوص وكيف لا نقول في هذه الفائدة، وإذا كان هذا المثال فيه نظر لكن على من يرى هذا الرأي.
إذًا نقول: تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب.
الثالث: إذا عُرف السبب قصر التقصير - يعني: إذا كان اللفظ عامًا - على ما عدا صورته فإن دخول الصورة في السبب قطعي - سبق مرارًا معنا في أصول الفقه - فإن دخل صورة السبب قطعي ولا يجوز إخراجها بالاجتهاد وحُكي الإجماع عليه.
واجزم بإدخال ذوات السببِ ... واروِ عن الإمام ظنًا تصِب
هكذا قال في مراتب السور.
[واجزم بإدخال ذوات السببِ] يعني: إذا كان اللفظ عامًا حينئذٍ نقول: هذا اللفظ العام هل يشمل الصورة التي نزلت الآية من أجلها أو لا؟
قطعًا يشملها ثم هل يجوز تخصيص هذا اللفظ العام بإخراج هذه الصورة؟
الجواب: لا، بالإجماع يعني: لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ نزلت في من؟
في هلال بن أمية، إذًا سبب النزول قصة هلال بن أمية داخلة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. ما نوع الدخول قطعيٌ أم ظني؟
قطعي، ما الذي ينبني على هذا؟
لو وجد ما وجد من المخصصات على جهة التَّنَزّل لا يمكن أن تخرج صورة هلال بن أمية أبدًا لماذا؟
لأنك لو جوزت إخراجها لخلا اللفظ عن الفائدة لأنه نزل لبيان حادثة فإذا أخرجت هذه الحادثة من مدلول اللفظ إذًا اللفظ ماذا صار نزل لأي شيء؟
لا لشيء ما، لماذا؟
стр. 128
لأن سبب النزول قد أخرجته من مدلول اللفظ، ولذلك نقول: العلم بالسبب حينئذٍ يعين أن السبب أو صورة السبب داخلة في اللفظ العام ولا يجوز إخراجها. [واجزم] أقطع، [واجزم بإدخال ذوات السبب]، فإذا جاء اللفظ عامًا والسبب خاصًا لا يمكن استثناءه ولذلك ذهب الإمام مالك ﵀ في القول المشهور عنه في أن صلاة التراويح السنة فيها أن يصليها في بيته منفردًا وإن كان يرى أن الجماعة سنة لا إشكال، الجماعة سنة، والصلاة في البيت سنة لا إشكال في هذا لا تعارض بين القولين، فمن يثبت أن السنة في صلاة التراويح أو القيام عمومًا أنه في البيت لا ينفي أو لا يلزم منه أن ينفي سنية الجماعة لأن هذا ثابت وهذا ثابت، ما دليل الإمام مالك مع أن الجمهور أو الكثير يرون أن السنة أن تقام في الجماعة وأن من صلى في بيته منفردًا قد ترك السنة ما الدليل؟
قالوا: قوله ﷺ : «فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة». إذًا استثنى ماذا؟
المكتوبة، والاستثناء معيار العموم، فكل ما عدا المكتوبة فالأفضل فعله في البيت أليس كذلك؟ «أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة». ما استثنى إلا المكتوبة حينئذٍ كل ما عدا المكتوبة حينئذٍ فالأفضل أن نصليه في بيته، استثنى بعضهم بما ثبت من خروج النبي ﷺ في معتكفه وصلى بالناس إلى آخره جعلوا ذلك دليلاً مخصصًا فقالوا: نعم كونه صلاة الرجل إلا المكتوبة هذا عام لكنه مخصوص كما خص بالمكتوبة خص بقيام الليل في جهة رمضان على جهة الخصوص. هذا تحليل أصولي أو لا؟
هذا لفظ عام وجاء فعل النبي ﷺ مخصص وثبت معنا وسبق أن فعل النبي ﷺ يعتبر من المخصصات، هذا قول الأكثر لكن هذا عند التأمل لا يستقيم لماذا؟
لأن ثَمَّ رواية عند الإمام البخاري في كتاب ((الاعتصام)) في أن سبب الحديث «فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة». قاله بعد أن التفت إلى الناس لما خرج إليهم المرة الثانية ثم التفت إليهم بعد أن صلى بهم فقال: ... «أيها الناس». بهذا النص في صحيح البخاري في كتابه ((الاعتصام)) ... «أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». حينئذٍ شمل التراويح أو لا؟
شمل التراويح، هل يمكن إخراجها؟
لا يمكن إخراجها، فلذلك ذهب الإمام مالك - أنا لا أضرب المسألة لا من باب الترجيح إنما مثال - لذلك ذهب الإمام مالك ﵀ إلى أنه يُصلي في بيته - والمسألة فيها خلاف - وجعل الشوكاني تبعًا للخطابي في معالم السنن أن الخلاف فيمن يحفظ القرآن ويقدر على الصلاة في بيته. لكن اللفظ عام حينئذٍ اتفقوا على أن من لم يحفظ فالأفضل أن يصلي جماعة مع المسلمين لأنه لو جلس في بيته لعجز أو كان يختم يحفظ القرآن لكنه يعجز عنده كسل فهذا الأفضل في حقه أن يصلي مع جماعة المسلمين لكن هذا من تبين الفاضل والمفضول، أما الحكم الشرعي فلا مدخل له في مثل هذه الأمور يعني: يقال الأفضل مطلقًا في صلاة التراويح في بيته منفردًا. هكذا قال الإمام مالك ولو حصل ما يعتري الفاضل بأن صيره مفضولاً حينئذٍ يختص الحكم بزيد فقط ولا يجعل حكمًا شرعيًا.
стр. 129
مثلاً بعض الناس قد السنة في الرواتب أن يصليها في بيته إلا الظهر فالأكثر كان ﷺ يصليها في المسجد فصلاة مثلاً سنة الفجر نقول: الأفضل يصليها في بيته هذا أفضل هذا حكم عام مطلق لكن لو وجد الإنسان من نفسه خشوعًا لو صلى في المسجد وخضوع وابتهال إلى الله نقول: وجد سبب أو مقتضى الصلاة وهو لب الصلاة فحينئذٍ في حق زيد صارت صلاة الراتبة راتبة الفجر في حقه فقط أفضل من كونه يصليها في البيت ولا نجعله حكمًا عامًا، وإنما ما صار في حق شخص معين صار الفاضل مفضولاً والمفضول فاضلاً، وإلا في حقه الأصل أنه الفاضل أن يصلي الراتبة في بيته والمفضول أن يصليها في المسجد، قد تنعكس المسألة في حق زيد أما إذا الحكم عام؟ فنقول: لا، ولذلك المسألة يعتبر فيها الخلاف عام مطلقًا كل من له أن يصلي صلاة التراويح فالحكم عام سواء قدر أو لا ثم إذا اعتراه كسل أو اعتراه نقص في الحفظ حينئذٍ يصير الفاضل في حقه على جهة العموم مفضولاً.
إذًا المسألة فيها خلاف وبعض الناس يقول: إذا ما صليت في الحرم ما صليت أبدًا. نقول: تركت السنة وحَرَّجْتَ على غيرك.
إذًا إذا عرف السبب قصر التخصيص إذا وجد اللفظ العام على ماذا؟ على ما عدا صورته، ما عدا صورة السبب التي نزلت الآية من أجلها حينئذٍ كله يجوز أن يخرج بدليل لكن الصورة نفسها لا يجوز إخراجها لأن دخولها قطعيٌ.
[واجزم بإدخال ذوات السببِ] وحكي الإجماع على ذلك.
الرابع: الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال فهو خير سبيل لفهم المراد من الآية ولذلك قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. يعني: أن يسعى بينهما سمي السعي طوافًا حينئذٍ قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ﴾. هذه من صيغ الإباحة حينئذٍ تدل هذه الآية على أن السعي مباح لكن هل هذا صحيح؟ نقول: السعي هذا في العمرة والحج ركن من أركان الحج لا يجوز أو لا تمم عمرة شخص إلا بالسعي بين الصفا والمروة في العمرة والحج، قوله جل وعلا: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾. ماذا نقول؟
السبب يُعِينُ على فهم المراد في الآية، ولذلك جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان الأنصار قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية وكان من أهل لها يَتَحَرَّجُ يَتَفَعَّلُ يَتَأَثَّمُ خروجًا من الحرج والإثم يَتَفَعَّلُ أن يطوف بالصفا والمروة فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾. إذًا حينئذٍ النظر في سبب النزول عرفنا أن قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ﴾. ليس مبينًا لحكم السعي في العمرة والحج، وإنما هو لرفع الحرج في النفوس فقط فمتعلق نَفْيَ الجناح ليس هو حكم السعي بين الصفا والمروة من أين عرفنا هذا؟
من سبب النزول، لأنهم كانوا يتحرجون لماذا؟
لأنهم كانوا يهلون لمناة الطاغية عند الصفا حينئذٍ ظنوا أنها من شعائر الجاهلية فلما جاء الإسلام أمسكوا فنزل قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ﴾. حينئذٍ رفع الجناح هنا في مقابلة ماذا؟ التأثم والتحرج فليس بيانًا للحكم.
стр. 130
الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال. فهو خير سبيل لفهم المراد من الآية قال الواحدي ﵀ في كتابه: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان ونزولها. لا يمكن معرفة تفسير الآية التي نزلت لسبب وليس المراد بها التي نزلت ابتداءً وإنما القسم الذي نحن فيه لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان ونزولها.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن. ثم يقال: لا طائلة تحته.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية - في المقدمة - معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسببِ يورث العلم بالمسبب.
فإن العلم بالسبب سبب النزول القصة أو السؤال يورث العلم بالمسبب وهو الآية على وجه الكمال.
الخامس من فوائد العلم بأسباب النزول: معرفة اسم النازل فيه الآية وتعين المبهم فيها.
إن كان هناك مبهم كما سيأتي في آخر الخاتمة مثلاً قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]. نزلت في من؟ تعرف في سبب النزول أنها في هلال بن أمية حينئذٍ عرفنا سبب النازل فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ ... إلى آخره هذا أكثر ما يذكر في بيان فوائد هذا العلم.
مستقاة ومرجعه قال الواحدي: لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن عليها. بمعنى: أن أسباب النزول علم نقليٍّ بحت ليس للرأي فيه مجال وليس من باب الاجتهاد لماذا؟ لأنه وقائع وأسئلة وجهت للنبي ﷺ حينئذٍ نقول: هذه الآية نزلت بسبب ما هو هذا السبب؟ هل نجتهد لا يمكن أن يسمى اجتهاد في بيان سبب النزول وإنما يرد كثير عن السلف يقال: نزلت هذه الآية في كذا. بيان أن هذه الآية تتضمن حكم هذه القصة أن هذه الآية تتضمن بيان حكم هذه القصة وليس المراد أنه تم ارتباط بين هذه القصة والنزول.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
وصَنَّفَ الأَئِمَةُ الأَسْفَارا ... فِيهِ فَيَمِّمْ نَحْوَها اسْتِفْسَارَا
ما فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحابِيٍّ رُفِعْ ... وإِنْ بِغَيْرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِعْ
أَو تَابِعِيْ فَمُرْسَلٌ وصَحَّتِ ... أَشْيَا كَما لإِفْكِهِمْ مِنْ قِصَّةِ
والسَّعْيِ والحِجَابِ مِنْ آياتِ ... خَلْفَ المَقَامِ الأَمْرُ بالصَّلاةِ
(وصَنَّفَ الأَئِمَةُ الأَسْفَارا) هذا من فعَّل مأخوذ من التصنيف.
والتصنيف لغةً: جعل الشيء أصنافًا متميزةً أي: بعضها عن بعض يعني: متميزة. يعني: بعضها عن بعض، يميز هذا عن ذلك فمؤلف الكتاب مثلاً إذا صنف ما وجه التصنيف؟ نقول: وقع فيه الإفراد والتمييز فإنه يفرد الذي هو فيه عن غيره ويفرد كل صنف مما هو فيه عن الآخر فيفرد المعاملات عن العبادات ويأتي بالعبادات يفرد الطهارة يميزها عن الصلاة والصلاة عن الزكاة والزكاة عن الصيام والصيام عن الحج هذا تصنيف.
واصطلاحًا: وضع ألفاظ مخصوصة دالة على معاني مخصوصة.
وأما التأليف الذي هو رديف له فينظر فيه بمعنى آخر وهو وجود الألفة والمناسبة لأنه في اللغة وضع شيء على شيء على وجه بينهما ألفت ومناسبة لذلك هو أخص من الترتيب مطلقًا.
стр. 131
واصطلاحًا: وضع ألفاظ مخصوصة على ألفاظ مخصوصة.
إذًا (وصَنَّفَ الأَئِمَةُ الأَسْفَارا) صنف بمعنى: أنهم ميزوا أسباب النزول عن غيرها بمصنفات (الأَسْفَارا) جمع سِفْر بكسر فسكون وهو: الكتاب الكبير. قال في القاموس: أو جزء من أجزاء التوراة. يعني: يطلق على هذا وهذا سِفْر ولذلك يجمع على أسفار، حمل على أفعال أحمال.
(وصَنَّفَ الأَئِمَةُ الأَسْفَارا) الأئمة جمع إمام فعال بمعنى مفعول وهو في اللغة: الْمُتَّبع. الإمام هو الْمُتَّبع.
واصطلاحًا: من يصح الاقتداء به بأن بلغ رتبة الاجتهاد.
إذًا ليس كل شخص يصح أن يطلق عليه أنه إمام كما هو الشأن الآن، بل لا بد أن يكون ممن يصح الاقتداء به وليس كل شخص يصح الاقتداء به بأن بلغ رتبة الاجتهاد فحينئذٍ من الخلل أن يطلق على بعض أهل البدع قال في القاموس: الإمام ما ائْتُمَّ به من رئيس وغيره. لكن هذا في اللغة لا باعتبار الشرع، أما في الشرع فالإمام من يُتْبَع يعني: من يُقْتَدى به أو يصح الاقتداء به، أما من ائْتُمَّ به من رئيس أو غيره نقول: هذا في اللغة عمومًا فكل من ائْتُمَّ ولو كان إمامًا في الشر صار إمامًا له، إبليس إمام لأتباعه وفرعون إمام لأتباعه .. وهلم جره.
جمعه: إمام. بلفظ واحد هكذا قال في القاموس: إمام مفرد وجمع متحد. ولكن المصنف قال: (وصَنَّفَ الأَئِمَةُ). ويقال: أيمة، وأئمة. وحكم عليه في القاموس بأنها شاذة ولكن كيف يقال هذا مع قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [السجدة: ٢٤]. وهي قراءة سبعية.
(وصَنَّفَ الأَئِمَةُ الأَسْفَارا) جمع سِفْر وهو الكتاب الكبير، (وصَنَّفَ الأَئِمَةُ الأَسْفَارا) إذًا جمعٌ من الأئمة اعتنوا بهذا العلم وهو: أسباب النزول. فصنفوا فيه المصنفات العديدة وهذا يدل على ماذا؟ إذا صنف الأئمة الكبار مصنفات في علم ما دل على ماذا؟
دل على اعتنائهم بهذا الفن بهذا العلم حينئذٍ لا يقال: لا طائلة تحته. ولذلك صنف علي بن المديني شيخ البخاري رحمه الله تعالى كتاب لأسباب النزول ومن أشهر ما كتب كتاب الواحدي ((أسباب النزول))، وألف الحافظ ابن حجر ﵀ كتابًا ما جعله مسودة كما قال السيوطي رحمه الله تعالى وقد اطلع على جزء منه وخاتمة هذه المصنفات كتاب السيوطي ﵀ ((لباب النقول في أسباب النزول)) وهو مطبوع.
(وصَنَّفَ الأَئِمَةُ الأَسْفَارا) هذه الألف للإطلاق الروي.
(فِيهِ) الضمير يعود على أسباب النزول.
(وصَنَّفَ الأَئِمَةُ الأَسْفَارا فِيهِ) الضمير يعود على ماذا؟ يعود على قوله: أسباب النزول. إذًا المصنف حينئذٍ لما يأتي بمثل هذه الضمائر ومرجعها قد عنون له في التراجم حينئذٍ تكون الترجمة داخلة في مضمون الأبيات وهي معتبرة تكون الترجمة داخلة في مضمون الأبيات لأنها لو كانت منفصلة لما صح للضمير مرجع ولكنه أراد أسباب النزول وهو قد عنون لهذا الباب.
(فِيهِ) في سبب النزول جار ومجرور متعلق بقوله: (صَنَّفَ). صنف فيه (الأَئِمَةُ الأَسْفَارا).
(فَيَمِّمْ نَحْوَها اسْتِفْسَارَا) الألف للإطلاق.
وقِفْ على المنصوبِ منهُ بالألفْ ... كمِثلِ ما تَكتُبُهُ لا يَختَلفْ
стр. 132
تَقولُ عَمرٌو قد أضَافَ زيدًا ... وخَالدٌ صَادَ الغَدَاةَ صَيدًا
ما نوع هذه الألف؟ بدل عن التنوين.
وقِفْ على المنصوبِ منهُ بالألفْ ... كمِثلِ ما تَكتُبُهُ لا يَختَلفْ
[تَقولُ عَمرٌو قد أضَافَ زيدا] زيدا مفعول به منصوب وقفت عليه بماذا؟ بالألف أليس كذلك؟ لما تقول: ضربت زيدا. بالألف حينئذٍ نقول: الألف هذه ليست للإطلاق وإنما هي بدل عن التنوين وهذا عن لغة مشهورة لغة العرب، وربيعة تقف عليه بالساكن كالمجرور والمرفوع لأنهم اتفقوا مع اللغة المشهورة بالوقف عليه بالسكون جاء زيدْ زيد هذا فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره حينئذٍ وقفت عليه بماذا؟ جاء زيدْ بالسكون وقفت عليه بالسكون جاء زيدْ جاء فعل ماضي وزيدْ فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة أين الضمة؟ مقدرة لأنك ما نطقت بها دائمًا الإعراب يتبع الملفوظات لا المرسومات انتبهوا إلى هذا.
حينئذٍ تقول: زيدْ. وقفت عليه بالسكون حينئذٍ صار الإعراب تقديرًا تقول: مرفوع علامة رفعه الضمة مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون الوقف، مررت بزيدْ يقال فيه مقيلة الأول اتفق العرب كلهم في الوقف هنا على آخر الدال من الرفع والجر بالسكون بقي حالة النصب رأيت زيدْ هكذا ربيعة كالمرفوع والمجرور، رأيت زيدْ، زيد مفعول به منصوب علامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون الوقف، جمهور العرب لا، يبدلون التنوين ألفًا فيقولون: ضربت زيدا. الألف هذه بدلٌ عن التنوين ولذلك يقال مثلاً: نون ساكنة زائدة تتبع الآخرة لفظًا لا خطًا هذا فيه استدراك لأنك تكتب الألف هذه - خرجنا نحن لكن نرجع - وضربت زيدا كتبت الألف فكيف يقال في التعريف: التنوين تلحق الآخر لفظًا لا خطًا صحيح أو لا هذا استدراك أو لا؟ نعم استدراك، لكن أزيل بأنها تتبع الآخر لفظًا لا خطًا باعتبار كتابته على الأصل وهنا ضربت زيدا أنت لم تكتب النون هذه بدل عن التنوين والذي كتب التنوين أو البدل؟ البدل ونحن نتكلم عن الأصل أو البدل؟ عن الأصل، إذًا لا قراءة.
إذًا (اسْتِفْسَارَا) نقول: هذه الألف بدل عن التنوين.
(فَيَمِّمْ نَحْوَها اسْتِفْسَارَا) كأن سائلاً يقول: إذا عرفت أن الأئمة صنفوا الأسفار الكبار في أسباب النزول فماذا أفعل؟ قال له: يمم. يعني: أقصد. هذا فعل أمر ﴿آمِّينَ﴾ بمعنى قاصدين ولذلك إذا قال لما نصلي: آمِّين. في التأمين بطل الصلاة آمِين اللهم استجب لو شدد الميم صار معنى قصد ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٦] يعني: قاصدين البيت الحرام. فحينئذٍ ... (فَيَمِّمْ) يعني: أقصد. (نَحْوَها) أي: جهتها. جهة هذه الأسفار الكتاب اسأل عنها لأن كتب لها أئمة (نَحْوَها) النحو هنا بمعنى الجهة.
قصد ومثل جهة مقدار ... قسم وبعض قاله الأخيار
стр. 133
(فَيَمِّمْ نَحْوَها) أي: نحو هذه الأسفار جهتها. (اسْتِفْسَارَا) أي: حال كونك مستفسرًا فأعربه حال أو مفعولاً لأجله أي: قصدًا استفساري والْفَسْر بفتح فسكون البيان وبابه ضرب فَسَرَ يَفْسِرُ فَسْرًا لأن المصدر الْفَسْر بفاء وسكون هذا مقابل للسفر هناك أسفار جمع سفرٍ، واستفسار هذا مأخوذ من استفعال من الفسر إذا اجتمعت الحروف كلها لكن قدم وأخر، (اسْتِفْسَارَا) أي: قصد استفساري والفسر هو البيان وبابه ضرب، استفسره كذا سأله أن يبينه له أن يفسره له قل ما شئت.
ما فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحابِيٍّ رُفِعْ ... وإِنْ بِغَيْرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِعْ
أَو تَابِعِيْ فَمُرْسَلٌ ............ ... .....................
قسم لك هنا تبعًا لصاحب الأصل ((النقاية)) سبب النزول إما أن يكون عن صحابي، وإما أن يكون عن تابعي، لأنه كما ذكرناه سابقًا - قول الواحدي: لا يحل القول في أسباب النزول - نزول الكتاب - إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها وهم الصحابة أو من أخذ عن الصحابة وهم التابعون. حينئذٍ سبب النزول إما أن يكون منقولاً عن صحابي وإما أن يكون مأخوذًا عن تابعي.
(ما فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحابِيٍّ)، (ما) هذا اسم موصول بمعنى الذي يصدق على ماذا؟ يصدق على سبب النزول يعني كأنه قال: وسبب النزول الذي يُروى عن صحابيٍّ بقيد؟ بسند متصل لا بد أن يزاد فيه قيد بسند متصل رُفع يعني: حكمه الرفع. يعني له حكم الرفع لأن المرفوع إما أن يكون حقيقةً بأن يصرح الصحابي يقول: قال رسول الله ﷺ . وإما أنه لا يصرح بذكر النبي ﷺ ويأتي بخبر لا يحتمل الرأي مثلاً فحينئذٍ نقول: هذا ليس من مجال الرأي ليس له حظ في الفكر والنظر حينئذٍ نعطيه حكم الرفع لأن الصحابة لا يذكرون خاصة في الغيبيات ونحو ذلك أسباب النزول لا يذكرون أشياء من تلقاء أنفسهم بل لا بد أن يقفوا عليها من حال النبي ﷺ فحينئذٍ إذا أسقطوا ذكر النبي ﷺ حكمنا عليه بكونه مرفوعًا لكن بشرط أن يتصل السند مثلاً من البخاري إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه مثلاً وأن يكون صحيحًا. (ما) يعني: وسبب النزول، الذي (يُرْوَى عَنْ صَحابِيٍّ رُفِعْ) يعني: حكمه حكم الرفع ولم يذكر الصحابي النبي ﷺ وحكمنا عليه بأنه له حكم الرفع لأن النبي ﷺ لا بد وأن يكون طرفًا في التنزيل لأن العلاقة هنا بين الآية وسبب النزول إذًا له ارتباط بالمنزل عليه أو لا؟ له ارتباط، إذًا لا بد وأن يذكر إما لفظًا وإما تقديرًا لا بد وأن يُذكر النبي ﷺ لأنه طرف في التنزيل.
(رُفِع) أي: حكمه الرفع فهو مقبول حينئذٍ بشرط ماذا؟ صحة السند فله حكم الرفع يعني: حكم الحديث المرفوع لا الموقوف.
وما أُضيفَ للنبي المرْفوعُ ... وما لتَابِعٍ هُوَ المقْطوعُ
стр. 134
ولا يكون موقوفًا لماذا؟ لماذا أعطيناه حكم الرفع؟ قالوا: لأنه لا مجال ولا مدخل للرأي والاجتهاد في أسباب النزول فلا بد حينئذٍ من النقل، ويبُعد كل البعد أن يكون الصحابي قد قال ذلك من تلقاء نفسه، فكل ما ثبت عن صحابي بسند متصل صحيح ولا مجال له يعني للرأي فيه حينئذٍ نقول: حكمه حكم الرفع كأنه حديث مرفوع.
وَما أَتَى وَمِثْلُهُ بِالرَّأْيِ لا ... يُقَالُ إِذْ عَنْ سَالِفٍ مَا حُمِلا
هذا حكمه حكم الرفع
ويعطى بالصواب أي يعطى حكم الرفع بالصواب
وَلْيُعَطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ ... نَحْوُ: مِنَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابِي
كَذَا: أُمِرْنَا .................... ... ................................
إلى أن قال:
وَما أَتَى وَمِثْلُهُ بِالرَّأْيِ لا ... يُقَالُ إِذْ عَنْ سَالِفٍ مَا حُمِلا
يعني: ما حمل عن بني إسرائيل، وهكذا تفسير ما قد صحب في سبب النزول وهكذا يعني مثله في حكم الرفع تفسير ما قد صحب بسبب النزول فإذا ثبت أن الصحابي قد نص على كون هذه القصة سببًا لنزول الآية فحينئذٍ نعطيه حكم الحديث المرفوع.
ما فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحابِيٍّ رُفِعْ ... وإِنْ بِغَيْرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِعْ
لذلك اشترطنا في الأول ماذا؟ صحة السند الاتصال بسند متصل قوله: ... (وإِنْ بِغَيْرِ سَنَدٍ). يعني: والسبب الذي روي عن صحابي بغير سند متصلٍ فحكمه أنه منقطع (فَمُنْقَطِعْ) يعني: فهو منقطع. الفاء واقعة في جواب الشرط، وفعل الشرط محذوف معلوم من السابق. وإن رُوي يعني السبب الذي روي عن الصحابي بغير سند يعني: من غير سند والسند هو حكاية الرجال.
والسندُ اْلإِخْبارُ عنْ طَرِيقِ ... مَتْنٍ كَاْلاِسْنادِ لَدَى فَرِيقِ
بغير سند متصل فما حكمه فهو منقطع مَنقطع هذا خبر مبتدأ محذوف والفاء واقعة في جواب الشرط فهو منقطع أي: فهذا المروي عن الصحابي حكمه أنه منقطع ولا يعطى حكم الرفع حينئذٍ يكون صحيحًا أو ضعيفًا؟ يكون ضعيفًا.
(أَو تَابِعِيْ) هذا النوع الثاني (أَو تَابِعِيْ فَمُرْسَلٌ) أو هذا عطف على الصحابي بسكون الياء (أَو تَابِعِيْ) عن صحابي أو تابعيٍّ لكن سكن لأجل الوزن بسكون الياء لأجل الوزن هذا معطوف على الصحابي أي: والسبب الذي روي بسند متصل عن تابعيٍّ فمرسل كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير لو ذكروا قصة فقالوا: فأنزل الله. هل أدركوا؟ أو قال: نزلت هذه الآية في قصة كذا. والقائل هو سعيد بن جبير ما حكمه؟
مرسل لماذا؟
لأنه أسقط الصحابي، لو علمنا أنه أسقط الصحابي قطعًا لما كان ضعيفًا لكنه أسقط راوٍ لم يُسنده إلى الصحابة فاحتمل حينئذٍ أن يكون أخذه عن صحابي أو عن غيره فلما وقع الاحتمال توقف فيه، وإلا لو قطع بأن الساقط هو الصحابي حينئذٍ لا إشكال لأن الساقط صار مبهمًا، والمبهم إذا كان عادلاً حينئذٍ لا يُطعن في السند من جهته وهم عدول كلهم لا يشتبه، النووي أجمع من يعتد به.
стр. 135
(أَو تَابِعِيْ) يعني: (فَمُرْسَلٌ) أو روي السبب الذي روي عن تابعي فمرسل يعني: فحكمه أنه مرسل لأنه سقط فيه راوٍ. يحتمل أنه الصحابي فإن كان بلا سند حينئذٍ يصير مردودًا لأنه منقطع، وشرط قبوله صحة السند، زاد بعضهم لأنه مرسل والمرسل هذا فيه خلاف عند أهل العلم هل هو مقبول مطلقًا أو فيه تفصيل هذا إذا كان عن الصحابي ومثله التابعي
الْمُرْسَلُ الْمَرْفُوعُ بِالتَّابِعِ أَوْ ... ذِي كِبَرٍ أَوْ سَقْطُ رَاوٍ قَدْ حَكَوْا
أَشْهَرُهَا الأَوَّلُ ثُمَّ الْحُجَّةُ ... بِهِ رَأَى الأَئِمَّةُ الثَّلاثَةُ
يعني: المرسل المرفوع التابعي مطلقًا لو كان كبيرًا أو صغيرًا أشهرها الأول ثم الحجة به رأى الأئمة الثلاثة.
وَرَدُّهُ الأَقْوَى وَقَوْلُ الأَكْثَرُ ... كَالشَّافِعِيْ وَأَهْلِ عِلْمِ الْخَبَرِ
ورده الأقوى.
إذًا فيه خلاف وبعضهم يقيده بشروط كالشافعي رحمه الله تعالى، فمنها ما ذكره السيوطي أنه يقيد يقبل مرسل التابعي في سبب النزول إذا كان بسند صحيح إذا اعتضد بمرسل آخر، أو كان من أئمة المفسرين الذين غلب نقلهم عن الصحابة، أو اعتضد بمتصل آخر ولو ضعيفًا، قالوا في هذه الأحوال الثلاثة المرسل حينئذٍ يكون صحيحًا ويكون مقبولاً أو يقبل ولو لم يصحح.
(أَو تَابِعِيْ فَمُرْسَلٌ) يعني: فحكمه أنه مرسل لأنه الذي سقط فيه من يحتمل أنه صحابي.
قال الحاكم رحمه الله تعالى في علوم الحديث: إذا أخبر الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا فإنه حديث مسند. كأنه مرفوع إلى النبي ﷺ بل له حكم الرفع ومشى على هذا ابن الصلاح وغيره ومثله بما أخرجه مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأة من دبرها لا في قبلها جاء الولد أحول. فأنزل الله ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. هنا حكاية النزول ممن؟ من جابر، جابر يقول: كانت اليهود تقول كذا وكذا فأنزل الله ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾. نقول: هذا له حكم الرفع.
قال شيخ الإسلام ﵀: قولهم: نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارةً سبب النزول ويراد به تارةً أن ذلك داخل في الآية. بمعنى: أنه ليس كل ما حكي أنه سبب نزول آية يكون نصًا صريحًا بل الصيغ التي يُؤدى بها سبب النزول نوعان: صيغة صريحة، وصيغة محتملة.
стр. 136
يعني: تفيد السببية على جهة الاحتمال، إذًا صيغة أو صيغ سبب النزول إما تكون نصًا صريحًا في السببية وإما أن تكون محتملة، النص نحو ماذا؟ نحو قول الراوي كالصحابي مثلاً: سبب نزول هذه الآية كذا. حينئذٍ تعلم أن هذا نص أو إذا أتى بفاء التعقيبية يعني: تدل على أن ما بعد الفاء نزل عقب ما قبلها. إذا أتى بالفاء حصل كيت وكيت فأنزل الله أتى بالفاء نقول: هذا نص في السببية. إذًا هاتان صيغتان صريحتان وتكون محتملة للسببية ولما تضمنته الآية من الأحكام التي نص عليها شيخ الإسلام ابن تيمية السابق نزلت هذه الآية في كذا، هذا لا يؤخذ منه أن هذه الآية سبب نزولها هي هذه القصة وهذا السؤال وإنما هذه الآية تتضمن هذه القصة، كما إذا قيل نزلت آيات اللعان في عويمر العجلاني نقول: الأصل أنها نزلت في هلال بن أمية لكنها تشمل ماذا؟ تشمل عويمر العجلاني فحينئذٍ نقول: نزلت هذه الآية في عويمر. هل معنى ذلك أن قصة عويمر هي سبب النزول؟ الجواب: لا، وإنما هذه القصة تضمنتها تلك الآية وتكون محتملة إذا قال الراوي نزلت هذه الآية في كذا أو قال: أحسب هذه الآية نزلت في كذا. أحسب أظن هذا واضح صريح إذًا عندنا صيغتان صريحتان وصيغتان محتملتان، ولذلك قال شيخ الإسلام هنا: قولهم - يعني بعض الصحابة والتابعين - نزلت هذه الآية في كذا يُراد به تارةً سبب النزول، ويراد به تارة أخرى أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب، كما تقول: عنى بهذه الآية كذا. حينئذٍ نقول: هذا لا يكون سببًا أو حكاية لسبب النزول.
ما فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحابِيٍّ رُفِعْ ... وإِنْ بِغَيْرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِعْ
أَو تَابِعِيْ فَمُرْسَلٌ). إذًا قول الصحابي: حصل كيت وكيت .... فأنزل الله أو فنزل قوله تعالى. نقول: هذا حكاية صريحة أن هذه القصة سبب للنزول لكن ذكروا مسألة وهي ما يجري مجرى التفسير قول الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا نزلت هذه الآية في كذا. هل هذا نص في السببية؟ ليس نصًا في السببية وإنما محتمل، تارةً يراد به سبب النزول وتارةً يراد به أن هذه القصة تضمنتها أحكام تلك الآية حينئذٍ ورد أو وردت مسألة على هذا التعبير من الصحابي، قول الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا. هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند؟
إذا قال الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا. قلنا: يحتمل السببية ويحتمل ماذا؟ أن هذه الآية تضمنت حكم هذه القصة هل هذا من قبيل التفسير أو لا؟
من قبيل التفسير هل يحكم بكونه تفسيرًا مرفوعًا أو لا؟ متصل مسند ... للنبي ﷺ أو لا؟
فيه خلاف، فالبخاري ﵀ يدخله في المسند وغيره لا يدخله فيه.
ولكن الأشهر أنه يعتبر أو يجري مجرى التفسير فقط، ويكون من قول الصحابي ولا يكون حكمه حكم المسند، لماذا؟
стр. 137
لأنه يحتمل أنه من قبيل الرأي والاجتهاد ومعلوم أن القاعدة أن قول الصحابي إذا احتمل الرأي والاجتهاد لا يُعطى حكم الرفع وهذا مثله، ولذلك بخلاف ما إن ذكر سببًا نزلت عقبه فإنه كله ... # ٥٦.٢٥ إلى آخره ولهذا قال الزركشي: قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا. فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل بما وقع. كل هذا تقرير لمسألة عامة وهي: إذا قال الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا. هل لها حكم الرفع بأنها تُحمل على حكاية سبب النزول فيعطى حكم الرفع كما ذكر هنا أو تجري مجرى التفسير؟ نقول: إذا كان مما لا قبيل له بالرأي يُعطى حكم الرفع لأنه سبب نزول، وإلا فيُعطى حكم الوقف يعني: التفسير على الصحابي.
(وصَحَّتِ أَشْيَا كَما لإِفْكِهِمْ مِنْ قِصَّةِ) يذكر بعض الأمثلة على آيات وردت على أسباب نزول نمرها سريعًا، (وصَحَّتِ) ما هذه التاء؟ تأنيث ... (وصَحَّتِ) تاء تأنيث مكسورة كيف تعربونها (وصَحَّتِ) التاء تاء تأنيث حرف مبني على السكون المقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الروم، تاء التأنيث حرف مبني على السكون أين هو؟ مقدر منع من ظهور اشتغال المحل بحركة الروم بكسر التاء بالروم.
(فَمُرْسَلٌ وصَحَّتِ أَشْيَا) أشياءُ أشياءٌ أين الهمزة؟ حذفت للوزن إذًا قصر اللفظ من أجل الوزن. وذلك (كَما) ثبت (لإِفْكِهِمْ مِنْ قِصَّةِ)، ... (وصَحَّتِ أَشْيَا) أشيا هذا فاعل مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على الهمزة المحذوفة للوزن هكذا تقول: أشيا فاعل مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على الهمزة المحذوفة من أجل الوزن. هذا هو الإعراب، (كَما لإِفْكِهِمْ) يعني: كما ثبت لإفكهم إفك هذا مصدر مصدَر ماذا؟ أَفَكَ كَضَرَبَ وَعَلِمَ والمصدر حينئذٍ يكون إِفْك وهو الكذب (لإِفْكِهِمْ) يعني: كذبهم. أي: المنافقين. الضمير يعود على المنافقين (مِنْ قِصَّةِ) من هذه بيانية لما ما الذي أَفِكُوه؟ نقول: ماذا؟ (مِنْ قِصَّةِ)، قصة من؟ عائشة رضي الله تعالى عنها والسبب النزول هذا مشهور كما في الصحيحين وغيرهما إذًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ﴾ [النور: ١١] ... إلى آخر عشر آيات نقول: هذا قرآن ابتدائي أو سببي؟
سببيٌّ. والقصة معروفة مشهورة (كَما) يعني: ما ثبت لإفك المنافقين (مِنْ قِصَّةِ).
(والسَّعْيِ) بالجر عطفًا على؟ على إفكهم (والسَّعْيِ) هذا بالجر عطفًا على؟ على إفكهم أي: وكما ثبت بالسعي من القصة والسبب والسَّبب ذكرناه قبل قليل حديث الصحيحين عائشة رضي الله تعالى عنها: كان الأنصار قبل أن يُسلموا يهلون لمناة الطاغية وكان من أَهَلَّ لها يترجح أن يَطَّوفَ أو يَطُوفَ بالصفا والمروة فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
стр. 138
(والحِجَابِ مِنْ آياتِ) من آياتِ هذا جار ومجرور متعلق بمحذوف بيان للحجاب وإن شئت تقول: حال. والأصل من آيات الحجاب حصل تقديم وتأخير (والحِجَابِ مِنْ آياتِ) أصل التركيب وآيات الحجاب أليس كذلك؟ وآيات الحجاب فقدم وأخر وفصل من أجل يعني: الوزن ونحوه ويصح بإظهار (مِنْ) كما تقول: خاتمُ حديدٍ وخاتمٌ من حديدٍ. يجوز هذا وذاك، (مِنْ آياتِ) أي: كما ثبت لآيات الحجاب من سبب، (خَلْفَ المَقَامِ الأَمْرُ بالصَّلاةِ) (خَلْفَ) هذا متعلق بالصلاة وهو مضاف والمقام مضاف إليه ... (الأَمْرُ) هذا معطوف على (لإِفْكِهِمْ) أي: كما ثبت للأمر بالصلاة خلف المقام من قصة وسبب (والحِجَابِ مِنْ آياتِ) المراد بها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] و (خَلْفَ المَقَامِ الأَمْرُ بالصَّلاةِ) هذان موضعان من موافقات عمر رضي الله تعالى عنه ولذلك دليلها واحد.
في البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه: وافقت ربي في ثلاثٍ - هي أكثر من ثلاث والعدد لا مفهوم له هنا - وافقت ربي في ثلاث قلت: يا رسول الله ﷺ لو اتخذنا مقام إبراهيم مصلى، فنزلت ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]- إذًا هذا سبب النزول - وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب - ذكرناها سابقًا - واجتمع على رسول الله نساؤه في الغيرة فقلت لهن (عَسَى ربّه إن طلقكنَّ أَن يبدله) ... الآية فنزلت كما هي. هذه ثلاث موافقات لعمر رضي الله تعالى عنه.
إذًا قوله: (وصَحَّتِ أَشْيَا كَما لإِفْكِهِمْ مِنْ قِصَّةِ
والسَّعْيِ والحِجَابِ مِنْ آياتِ ... خَلْفَ المَقَامِ الأَمْرُ بالصَّلاةِ
هذا المراد بها أمثلة لآيات سببية يعني: لها سبب نزول.
ثم قال:
النوع الحادي عشر: أَولُ ما نَزَلَ
والمراد بالأولية هنا المطلقة يعني: الذي لم يسبقه قرآن، ليس أول ما نزل في آية القتال أو أول ما نزل في آيات مثلاً بيان المنافقين وفضحهم، لا، المراد أول ما نزل من القرآن وكانت الأولية مطلقة حيث لم يسبق أن نزل قرآن قبل تلك الآيات.
النوع الحادي عشر: أَولُ ما نَزَلَ من القرآن مطلقًا
اقْرأْ عَلَى الأَصَحِّ، فالمُدَّثِّرُ ... أَوَّلُهُ، والعَكْسُ قَومٌ يَكْثُرُ
أَوَّلُهُ التَّطْفِيفُ، ثُمَّ البَقَرَةْ ... وقِيْلَ بالعَكْسِ بِدَارِ الهِجْرَةْ
стр. 139
(اقْرأْ عَلَى الأَصَحِّ) هذا مراد به الحكاية وهو خبر مقدم (أَوَّلُهُ) هذا مبتدأ مؤخر فالتركيب حينئذٍ (أَوَّلُهُ) أي: أول القرآن نزولاً مطلقًا (اقْرأْ عَلَى الأَصَحِّ) على القول الأصح فتفهم من قوله: (عَلَى الأَصَحِّ). أن ثم أقوالاً أُخر ولذلك أكثر ما حكي من أول ما نزل من القرآن مطلقًا أربعة أقوال: اقرأ المراد بها صدرها، والمدثر والمراد بها صدرها خمس آيات، وقيل: البسملة. وقيل: الفاتحة. ولما كان القول الثالث الفاتحة ضعيفًا والبسملة أيضًا قول ضعيف حينئذٍ ذكر المصنف قولين فقط واقتصر عليهما وصحح الأول وذكر الثاني من باب العلم بالشيء، (اقْرأْ عَلَى الأَصَحِّ) أوله يعني: أول ما نزل من القرآن على النبي ﵌ أوليةً مطلقةً بحيث لم يسبقه شيء البتة (اقْرأْ) على القول الأصح وهو قول الأكثر من أهل العلم وهو الصحيح وهو المرجح لظاهر السنة لما في الصحيحين من حديث عائشة حديث بدء الوحي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الحديث الطويل في البخاري في أوله قالت: جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ. فقال النبي ﷺ : «ما أنا بقارئ». فذكرت الحديث وفيه: ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]. حينئذٍ إذا أطلق القول بأن (اقْرأْ) أول ما نزل حينئذٍ نحمله على ماذا؟ على صدر اقرأ الخمس الآيات الأول ليست على السورة كلها وإنما على أولها.
(اقْرأْ عَلَى الأَصَحِّ، فالمُدَّثِّرُ) الفاء هذه عاطفة وأراد به الترتيب، وهل هو ترتيب النزول أو ترتيب الأقوال؟
يحتمل (اقْرأْ عَلَى الأَصَحِّ، فالمُدَّثِّرُ) بعده يعني بعد (اقْرأْ) أو فالقول الآخر الذي يقال بأن الأصح المدثر يحتمل هذا حينئذٍ إذا قيل: فالمدثر بعده يعني في النزول يكون قد تضمن ماذا؟ ردًّا على من قال بأن المدثر هي أول ما نزل. وأثبت بأن اقرأ هي أول ما نزل وأن المدثر بعده، ولذلك يقال: نُبِّأ بـ: ... (اقْرأْ) وأرسل بالمدثر، حصلت النبوة بـ: اقرأ وحصلت النبوة بالمدثر ... (فالمُدَّثِّرُ) بعده هذا إذا جعلناها ماذا؟ في النزول وإذا جعلنا الترتيب هنا للأقوال فالقول الثاني المدثر هي أول ما نزل لكن قوله: (أَوَّلُهُ). حكاية للمبتدأ بعد القولين قد يفهم منه أن المراد حكاية القولين كأنه قال: اقرأ على الأصح أوله (فالمُدَّثِّرُ أَوَّلُهُ) إذًا حكى ماذا؟ حكى القولين (والعَكْسُ) سيأتي دليل المدثر (والعَكْسُ قَومٌ يَكْثُرُ) العكس، فالعكس هنا المراد به العكس اللغوي وهو المخالف لا العكس الاصطلاح المنطقي.
العكس قلب جزأي القضية ... إلى آخره نقول هذا اصطلاح المناطقة والمراد به هنا العكس اللغوي يعني: خلافه. يعني: (والعَكْسُ) يعني: خلاف القول السابق (قَومٌ يَكْثُرُ) يعني: قوم كثير عددهم. (قَومٌ يَكْثُرُ) يعني: وهو أن المدثر نزلت أولاً ثم اقرأ (قَومٌ يَكْثُرُ) القائلون بهذا القول قوم كثر لا يُحصرون حينئذٍ اختار القول الأول كثيرون واختار القول الثاني كثيرون أيضًا حينئذٍ نحتاج إلى ماذا؟ إلى الدليل الفاصل.
стр. 140
إذًا قيل: أول ما نزل (اقْرأْ)، والمدثر تالية. لزم من ذلك من ترجيح أن (اقْرأْ) هي أول لزم من ذلك أن يكون المدثر تالية، وقيل العكس المدثر أول ما نزل حينئذٍ يلزم ماذا؟ أن اقرأ نزلت تالية ما الدليل على أن المدثر هي الأول حكينا الدليل على أن (اقْرأْ) هي الأول على الصحيح لحديث عائشة في الصحيحين في باب بدء الوحي، أما سورة اقرأ ففي الصحيحين أيضًا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أُنزل قبل؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ - هذا قول من الصحابي جابر - قلت: - يعني أبو سلمة -: أو ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قال: أحدثكم بما حدثنا رسول الله ﷺ أنه قال: «إني جاورت بحراء فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنُوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يمني وعن شمالي ثم نظرت إلى السماء فإذا هو - يعني: جبريل. - فأخذتني رجفة فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢]». هذا دليل على ماذا؟
على أن المدثر هي أول ما نزل أليس كذلك؟
стр. 141
لما أورد عليه إذًا جابر يعلم أن ثَمَّ قولاً بأن (اقْرأْ) نزلت أولاً لأن أبا سلمة لما قال: أي القرآن أُنزل قبل؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. قال له: أو ... ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. إذًا عنده علم لو لم يذكر هذا قلنا: ذاك مقدم على هذا، مَنْ عَلِمَ أو حَفِظَ حجة على من لم يحفظ. لكن هنا ذُكر أن القول بأن (اقْرأْ) هي أول ما نزل قال: - الفصل - أحدثكم بما حدثنا رسول الله ﷺ . حينئذٍ بماذا نجيب؟ أجاب قائلون بأن (اقْرأْ) هي الأصح في النزول أولاً لحديث الصحيحين أيضًا - الله أكبر - عن أبي سلمة عن جابر سمعت رسول الله ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي. لأن الوحي بعد أن نزل على النبي ﷺ في غار حراء فتر قطع ثم نزل فأتى بالمدثر فكانت المدثر أول ما نزل بعد فترة الوحي أن النبي ﷺ يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: «فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيٌّ بين السماء والأرض فرجعت فقلت: زملوني زملُوني. فدثروني فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾. قوله: «فإذا الملك الذي جاءني بحراء». في الحديث هذا حديث النبي ﷺ «فإذا الملك الذي جاءني بحراء» يدل على ماذا؟ على أن المدثر مسبوقة بوحي وهي ما تضمنه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في بدء الوحي فقوله: «الملك الذي جاءني بحراء». دالٌّ على أن هذه القصة متأخرة عن قصة حراء التي نزل فيها ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ولذلك ترجح ماذا؟ أن أول ما نزل مطلقًا هو: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. وقول جابر: أيُّ القرآن نزل قبل؟ نقول: هذا أولية نسبية إضافية، نجعلها أولية لا بأس لكنها نسبية إضافية بالنسبة إلى ماذا؟ إلى فتور الوحي يعني: انقطاع الوحي، أول ما نزل بعد انقطاع الوحي ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ نقول: هذا كلام صحيح لكن أول ما نزل مطلقًا ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ نقول: فيه نظر والصواب الأول.
أَوَّلُهُ التَّطْفِيفُ ثُمَّ البَقَرَةْ ... وقِيْلَ بالعَكْسِ بِدَارِ الهِجْرَةْ
أوله بدار الهجرة (التَّطْفِيفُ)، (أَوَّلُهُ) أي: أول القرآن نزولاً (بِدَارِ الهِجْرَةْ) المدينة النبوية متعلق بقوله: (أَوَّلُهُ). جار ومجرور متعلق بقوله: ... (أَوَّلُهُ). إذًا هذا حديث في ماذا؟ مقيد بأن أول ما نزل بالمدينة النبوية ما هو؟ قيل: المطففون ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ وقيل: سورة البقرة. وهنا إشكال لكن أريده منكم قوله: (أَوَّلُهُ التَّطْفِيفُ، ثُمَّ البَقَرَةْ). أريد الإشكال الذي في ذهني؟
نعم التطفيف هذه مكية أو مدنية؟
هل عدها أناس من المدني التسع والعشرين؟
لا لم يذكرها فدل على ماذا؟
على أنها مكية وليست مدنية فكيف يذكرها هنا هذا محل إشكال؟
(اقْرأْ عَلَى الأَصَحِّ، فالمُدَّثِّرُ أَوَّلُهُ) حينئذٍ جزم هناك بأن (اقْرأْ) هي الأصح، بأن أول ما نزل مطلقًا من القرآن (اقْرأْ)، ثم أول ما نزل بالمدينة المطففون ثم يذكر المطففين بأنها من المكي هذا تعارض؟
стр. 142
(أَوَّلُهُ) أي: أول ما نزل بالمدينة التطفيف وسبق أنه عدها من المدني [سبق لسان]. قال البلقيني: إذًا هو صار على قول. لكن الإشكال عندي من جهة اختيار الناظم نفسه هناك لم يعدها كان الأولى هنا من أجل أن يتفق اختياره هناك وهنا أن يطرد، وإلا ثَمَّ قول بأن المطففين مدنية وليست مكية هناك قول لكن هو لم يذكر هذا لم يجعلها مدنية بل جعلها مكية حينئذٍ يناسب أن يختار البقرة هي أول ما نزل بل حُكي الاتفاق عليه كما سيأتي.
قال الْبُلقيني ﵀: وأول سورة نزلت بالمدينة ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ لقول علي بن الحسين. إذًا هذا القول مقيد ليس على إطلاقه بل الجمهور أن المطففين مكية وليست بمدنية ثَمَّ رواية أو قول لعلي بن الحسين بأنها مدنية وبأنها أول ما نزل بالمدينة.
(أَوَّلُهُ التَّطْفِيفُ، ثُمَّ البَقَرَةْ) هذا قاله عكرمة بأن البقرة تالية للمطففين.
روى البيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أول ما نزل بالمدينة ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ ثم البقرة. لكن هذا لم يثبت عن ابن عباس، ولذلك قال ابن حجر ﵀ في [الفتح]: اتفقوا على أن سورة البقرة أول سورة نزلت بالمدينة. ولذلك نقول: أول ما نزل بالمدينة هي سورة البقرة، وأما المطففون فهذه مكية على قول الجمهور.
(أَوَّلُهُ التَّطْفِيفُ، ثُمَّ البَقَرَةْ) (التَّطْفِيفُ) هكذا وردت هي؟ سورة ... (التَّطْفِيفُ) على كلٍّ بعضهم يتجوز في حكاية أسماء السور، سورة المنافقون على الحكاية يجوز ويقول: سورة المنافقين. سورة المنافقون وسورة المنافقين، سورة المنافقون المنافقُون هذا مضاف إليه وهو مجرور فكيف رفعه؟ نقول: على الحكاية. سورة المؤمنين سورة المؤمنون يجوز الوجهان والحكاية أولى.
(أَوَّلُهُ التَّطْفِيفُ، ثُمَّ البَقَرَةْ وقِيْلَ بالعَكْسِ) يعني: البقرة ثم التطفيف وهذا قول منقول عن عكرمة.
(بِدَارِ الهِجْرَةْ) وقيل: بالعكس. يعني: الأول البقرة ثم التطفيف، لكن ذكر ابن حجر باتفاق على أن البقرة هي الأول (وقِيْلَ بالعَكْسِ بِدَارِ الهِجْرَةْ) (بالعَكْسِ) ما إعرابه؟ قول القول يصح أن يكون قول القول على الحكاية ... (بالعَكْسِ) أي: بخلاف ما سبق أن البقرة هي أولاً ثم (التَّطْفِيفُ).
النوع الثاني عشر: آخرُ ما نَزَلَ
وهو مقابل للنوع الحادي عشر أول ما نزل، لكن هل ينبني عليه فائدة لمعرفة أول ما نزل وآخر ما نزل؟
ناسخ ومنسوخ يحتمل لأن الآخر متأخر وذاك أول ويكون ما تضمنته الآيات في آخر ما نزل آخر ما يذكر من الأحكام حينئذٍ فيه فوائد ولو لم يكن إلا أن متعلقه القرآن الكريم لكفى، كل علم يتعلق بالقرآن الكريم لا بد من فائدة لكن المقصود هنا من جهة الأحكام الشرعية من تحريم وتحليل وناسخ ومنسوخ وإلا كل علم يتعلق بالقرآن فلا بد من فائدة.
النوع الثاني عشر: آخرُ ما نَزَلَ
стр. 143
وهذا أيضًا فيه خلاف طويل عريش، وليس فيها حديث مرفوع عن ... النبي ﷺ حينئذٍ نحمل كل الأقوال الواردة عن الصحابة أنها من اجتهاد الصحابة وإذا كانت من الاجتهاد حينئذٍ لا تنافي بينها، كل منهم يحكي ما سمعه آخرًا بأنه آخر ما نزل، يمكن أو لا؟ كل من سمع قبل وفاة النبي ﷺ بشهرين أو ثلاثة ثم ذهب ولم يلتقِ يقول: آخر ما نزل من النبي ﷺ كيت وكيت. فيحكي ماذا؟ يحكي حاله مع سماعه من النبي ﷺ فيأتي آخر ويقول: آخر ما نزل كيت كيت. حينئذٍ ماذا؟ يحكي ما سمعه من حاله مع النبي ﷺ فلا تنافي، ولذلك القطع بآخر ما نزل هذا فيه نوع صعوبة من كثرة الأقوال وصحتها.
النوع الثاني عشر: آخرُ ما نَزَلَ
وآَيَةُ الكلالَةِ الأَخِيْرَةْ ... قِيْلَ الرِّبا أَيضًا وقِيْلَ غَيْرَهْ
(وآَيَةُ الكلالَةِ) الكلالة الذي لا والد له ولا ولد، (وآَيَةُ الكلالَةِ) ذكرنا أنها في موضعين من سورة النساء الأولية والأخروية، الأولية هذه يقال: أنها شَتَوِيَّة. والأُخْرَوِيَّة هذه صيفية أليس كذلك؟
(وآَيَةُ الكلالَةِ الأَخِيْرَةْ) ماذا يقصد الأخيرة هنا الأخيرة أو الأخيرة في النزول؟ يحتمل (وآَيَةُ الكلالَةِ الأَخِيْرَةْ) هل يريد أن يخص آية الكلالة بكونها الأخيرة احترازًا من الأولى فحينئذٍ ما الذي يحكم بكون آية الكلالة الأخيرة هي آخر ما نزل؟
العنوان الترجمة - أحسنت - حينئذٍ لو حمل قوله: (وآَيَةُ الكلالَةِ الأَخِيْرَةْ) احترازًا عن الأولى بأن هي آخر ما نزل حينئذٍ نأخذ الحكم عليها بأنها آخر ما نزل من الترجمة لأني بدأت معكم بأن الترجمة داخلة في ماذا؟ في مضمون الآيات.
(وصَنَّفَ الأَئِمَةُ الأَسْفَارا فِيهِ) قلنا: الضمير يرجع إلى ماذا؟ إلى الترجمة، إذًا مضمون الترجمة داخل ومعتبر عند الناظم في الأبيات هنا (وآَيَةُ الكلالَةِ الأَخِيْرَةْ) بمعنى التي في آخر سورة النساء احترازًا من الأولى بأنها آخر ما نزل نأخذه من الترجمة، ولو جعل بالأخيرة بأن الأخيرة في النزول حينئذٍ لا بد من صفة محذوفة وآية الكلالة التي في آخر النساء أو الأُخْرَوِيَّة أو إن شئت تقول: الصيفية. احترازًا من الأولى، لأن الأولى ليست صيفية شَتَوِيَّة، وآية الكلالة الصيفية الأخيرة في النزول صار الأخيرة هذا خبرًا عن المبتدأ وعن الأول يكون ماذا؟ يصير صفة يجوز الوجهان ولا مانع لك أن تحمل هذا أو ذاك (وآَيَةُ الكلالَةِ الأَخِيْرَةْ) روى الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أنه قال: آخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]. آخر آية نزلت برأي البراء بن عازب ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى آخر الآية، وآخر سورة نزلت براءة. هذا الكلام متم لقول البراء آخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ وآخر سورة نزلت براءة. حينئذٍ قسم لك آخر ما نزل إما أن يكون آية وإما أن يكون سورة بتمامها فآخر ما نزل من الآيات آية الكلالة الصفية وآخر ما نزل من السور براءة.
стр. 144
و (قِيْلَ: الرِّبا) قيل بصيغة التضعيف حينئذٍ يُرجح المصنف ماذا؟ القول الأول بأن آية الكلالة الصيفية هي الأخيرة، و (قِيْلَ: الرِّبا) على إسقاط حرف العطف وقيل بالواو لكنه أسقطه لضيق النظم، و (قِيْلَ: الرِّبا) يعني: آية الربا. أخرج أبو عبيد عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهدًا بالعرش آية الربا وآية الدين. وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: آخر آية نزلت آية الربا. ما هي آية الربا ذكر عن عمر مثله أن آخر آية نزلت آية الربا ما هي؟ التي في البقرة أو التي في آل عمران؟ المشهور أنها التي في آخر البقرة ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] هذا هو المشهور لكن السيوطي ﵀ في ((التحبير)) لما أورد أثر عمر وهو ماذا؟ قال: والمراد بها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ... [البقرة: ٢٧٨] هذه في البقرة ليست في آل عمران قال: المراد بها هذه. والمشهور أنها من أول الآيات ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ إلى آخر آيات الربا فتكون داخلة في الأولى.
وعند النسائي عن ابن عباس أن آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] وهذه تابعة للآيات السابقة إذًا لا تنافي حينئذٍ تكون ماذا؟ نزلت دَفْعَةً واحدة أو دُفْعةً من أول ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ إلى ﴿وَاتَّقُواْ﴾ مع آية الدين حينئذٍ هذا حكى بعض ما نزل والآخر حكى بعض ما نزل.
وروى الحاكم في المستدرك عن أُبي بن كعب قال: آخر آية نزلت ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨].
وروى مسلم عن ابن عباس: آخر ما نزلت سورة إذا جاء نصر الله والفتح.
قال السيوطي ﵀ في ((الإتقان)) و ((التحبير)): ولا منافة عندي بين هذه الروايات. يعني: بين آية الدين، وآية الربا واتقوا لماذا؟ لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف ولأنها في قصة واحد فأخبر ... كل عن بعض ما نزل بأنه آخر وذلك صحيح، وقول البراء وآخر ما نزل ... ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ أي: في شأن الفرائض، إذًا الحكم بكونها هذه الآية آخر ما نزل مع كثرة الأقوال ومع صحتها فيه صعوبة.
(وآَيَةُ الكلالَةِ الأَخِيْرَةْ قِيْلَ: الرِّبا أيضًا) قيل الربا أيضًا آخر ما نزل أيضًا مفعول مطلق آضَ يَئِضُ أيضًا (وقِيْلَ: غَيْرَهْ) ضَعَّفَ القولين (قِيْلَ: الرِّبا) ضعفه لأنه حكاه بصيغة تمريض (وقِيْلَ: غَيْرَهْ) ضَعَّف كل ما ذكر من الآثار حتى ما رواه مسلم والبخاري وهذا فيه إشكال.
(وقِيْلَ: غَيْرَهْ) غيره صفة لمحذوف أي: وقيل قولاً غيره. أي: غير المذكور.
هذا ما يتعلق بأول ما نزل وآخر ما نزل وسيبدأ في عقدٍ جديد.
نقف على هذا وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 145
عناصر الدرس
* العقد الثاني (ما يرجع إلى السند وهي "٦" أنواع)
* النوع الأول والثاني والثالث (المتواتر والآحاد والشاذ).
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
سبق في قول الناظم رحمه الله تعالى: (أَوَّلُهُ التَّطْفِيفُ، ثُمَّ البَقَرَةْ وقِيْلَ بالعَكْسِ)، (بالعَكْسِ) عربناه هنا بأنه مقول القول نظرًا له يعرب نائب فاعل.
ثم قال المصنف ﵀: العِقْدُ الثاني. بكسر العين كما سبق العقد المراد به القلادة يسمى عقد العِقْدُ الثاني: مَا يَرجعُ إلى السَّنَدِ. العقد الثاني من العقود الستة قال: (وقَدْ حَوَتْهَا سِتَّةٌ عُقُودُ) ذكر العقد الأول وهو ما يتعلق بالنزول وتحته اثنا عشر نوعًا.
(مَا يَرجعُ إلى السَّنَدِ، العِقْدُ الثاني: مَا يَرجعُ إلى السَّنَدِ)، وهي ستة أنواع: مَا يَرجعُ إلى السَّنَدِ. مَا اسمٌ منصوب بمعنى الذي في محل رفع خبر المبتدأ، العقد هذا مبتدأ، الثاني صفته، مَا هذا اسم موصول بمعنى الذي ماذا في محله رفع خبر المبتدأ يَرجعُ هذا صلة الموصول، (يَرجعُ) وقال: وهي ستة أنواع. مصدق ما أنواع لأنه أراد أن يجمع الخمس والخمسين تحت ستة عقود حينئذٍ مسمى العقد أنواع كل عقدٍ تحته أنواع، والأنواع هذا جمع وكل جمعٍ فهو مؤنث حينئذٍ يصح أن يرجع إليه الضمير مؤنثًا، وهنا قال: يَرجعُ. وقال: وهي يَرجعُ. ولم يقل ترجع وقال: وهي. إذًا ذَكَّرَ وأنث أليس كذلك، فالتذكير باعتبار لفظ (مَا) لأن اللفظ مذكر، والتأنيث باعتبار معنى (مَا) ومصدقها وهي أنواع، لأنها ستة فهي جمع لم يذكر نوعًا واحدًا وإنما ذكر ستة أنواع تحت هذا العقد، إذًا لا إشكال في تذكير المصنف بقوله: يَرجعُ. ولم يقل ترجع بالتاء، ترجع هذا مؤنث ويرجع هذا للغائب الأصل فيه أنه مذكر، وهي الضمير يعود على (مَا)، لو قال: وهو ستة أنواع. صح باعتبار لفظ (مَا)، وقال هو هنا: وهي. باعتبار معنى (مَا)، ولو قال: ما يرجع. صح ما ترجع صح أليس كذلك، ما يرجع ما ترجع صح الوجهان.
(مَا يَرجعُ إلى السَّنَدِ) أنواع من الخمس والخمسين ترجع إلى السند يعني مبحثها القَدْر المشترك هو السند أو السند صار كالجنس لها حينئذٍ يوجد في ضمن كل الأنواع الستة فلذلك جعله قاسمًا مشتركًا فعنون به العِقْدُ الثاني.
(إلى السَّنَدِ) والمراد بالسند هو الإخبار عن طريقٍ المتن.
والسَّنَدُ الإِخْبَارُ عنْ طَرِيقِ ... مَتْنٍ كَالإِسْنَادِ لدى فَريقِ
هكذا قال السيوطي في ألفية المصطلح.
قال ابن جماعة ﵀: وأخذه إما من السند، وهو ما ارتفع وعلا من سفح الجبل، لماذا سمي الإخبار عن طريق المتن سندًا؟
لا بد وأن ثّمَّ قدرًا مشترك كما سبق تكريره مرارًا بين المعنى الاصطلاحي الجعلي المنقول إليه، وبين المعنى اللغوي لا بد أن نُنْشِئ وننظر لِما المحدثون نقلوا لفظ السند من اللغة لأنها سابقة عن الاصطلاح لما جعلوا هذا اللفظ السند مسماه الإخبار عن طريق المتن، قال ابن جماعة ﵀:
следующие страницы →