إذًا عرفنا المترادف هو ما اتحد فيه المعنى وتعدد فيه اللفظ وقد ذكر ابن القيم ﵀ في ((روضة المحبين)) بأنه نوعان، قد يكون ترادفه ترادفًا محضًا لا يدل على صفة، وقد يكون مترادفًا لكنه ليس يكون بمحض بمعنى أنه يتضمن صفة مغايرة لما دل عليها اللفظ الآخر.
ثم قال رحمه الله تعالى:
النوع السادس: الاستعارة
النوع السادس من العقد الرابع فيما يرجع إلى النظم الاستعارة والاستعارة هذه من جهة اللفظ استعارة هذا مصدر اسْتِعَارة اسْتِعَارَهُ ثوبًا فأعراه إياه، إذًا مأخوذ من العارية، هنا قال: (النوع السادس: الاستعارة). ثم قال: (النوع السابع: التشبيه). (النوع السادس: الاستعارة) و (النوع السابع: التشبيه). والأولى أو المناسب تأخير الاستعارة عن التشبيه لماذا؟
لأن الاستعارة متولدة بين المجاز والتشبيه، ولذلك قيل: زَوِّج مَجَازَكَ تَشْبِيهَكَ يَلِدُ لك اسْتِعَارة، هكذا ذكره السيوطي في ((الإتقان))، إذًا الاستعارة متولدة بين المجاز والتشبيه، وأجيب عن الناظم وغيره ممن قدم الاستعارة عن الشبيه لأن الاستعارة أبلغ من التشبيه فحينئذٍ ناسب ماذا؟ ناسب تقديمها، لكن من حيث الفهم للطالب الأولى أن يفهم أولاً التشبيه ثم بعد ذلك يفهم الاستعارة.
(الاستعارة) هي: نوع من المجاز. ولذلك اختلفوا في ثبوتها وإنكارها لأنها فرع عن المجاز يعني: متولدة عن. أو الخلاف متولد عن الخلاف في المجاز، فمن أثبت المجاز أثبت الاستعارة ومن نفى المجاز نفى الاستعارة، وبعضهم على قلة أثبت المجاز ونفى الاستعارة في الوحي، أثبت المجاز ونفى الاستعارة على جهة الخصوص في الوحي.
إذًا الاستعارة من حيث العموم نقول: هي نوع من المجاز مختصة باسم وحده. وبعضهم يُطْلِقُ على المجاز كله: استعارة. المجاز كله يسميه استعارة كأنك استعرت اللفظ من مستحقه الذي وُضِعَ له ونقلته إلى غيره وعرفها أهل البيان بأنها مجاز علاقته المشابهة لماذا؟ لأننا نقول: المجاز ما هو؟
стр. 282
هو: اللفظ المستعمل في غير ما وُضِعَ له ابتداء. لا بد من عَلاقَة وهي: المعنى أو الرابط بين المعنى الأصلي الذي نُقِلَ عنه اللفظ إلى المعنى المجازي الثاني لا بد من ارتباط أليس كذلك؟ فإذا لم يكن ارتباط حينئذٍ لا مجاز، لا بد من علاقة ولذلك قيل في هذه العلاقة: لا بد أن تكون شيئًا مشهورًا معروفًا عند المخاطب، فلو قيل: رأيت أسدًا يخطب. بمعنى يخطب على المنبر حينئذٍ نقول: استعير لفظ الأسد من الحيوان المفترس إلى الرجل الشجاع حينئذٍ حصلت الاستعارة أو لا؟ هذا مجاز أو لا؟ هل هناك علاقة وجه شبهٍ نقول: نعم وهو الشجاعة. حيوان المفترس شجاع والخطيب قد يكون شجاعًا، فحينئذٍ لما وجدت الشجاعة استعير لفظ أسد المعنى الفاصل، الشجاعة هي العلاقة وهذه العلاقة لا بد أن تكون معلومة مشهورة في الاستعارة عند المتكلم والمخاطب لكن لو قيل: رأيت أسدًا يقرأ. وأردت بأسد هنا القرأ وجه الشبه بين الحيوان المفترس وبين من يقرأ ليس الشجاعة المعنى هنا الارتباط موجود علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى الثانوي لكن هل الأسد عُرِفَ واشتهر عند الناس أكثر بالبقر أم بالشجاعة؟ بالشجاعة فإذا أطلق الأسد على غير الحيوان المفترس ظُن ماذا؟ ظن الشجاعة، ولا يلتفت ملتفت عند سماع رأيت أسدًا يقرأ إلى كونه أبقر أبدًا، ولو كان الأسد الحيوان المفترس أبقر لماذا؟ لأن هذا المعنى الموجود بين المشبه به والمشبه أو الحيوان المفترس والرجل القارئ التي ليست بالشجاعة لكان البقر ولو كان البقر مما اشتهر به الأسد لصح ولكن لما لم يرد اشتهر به مع وجوده واختصاصه به لم يصح التشبيه، قالوا: وهذه العلاقة بين المعنيين الأصلي والفرعي، المعنى الأصلي الذي هو الحقيقي والمعنى الفرعي الذي هو المجازي لا بد من علاقة، هذه العلاقة لا تخرج عن اثنين إما مشابهة أو لا، أو لا يعني أو ليست المشابهة وإذا لم تكن ليست المشابهة حينئذٍ يعنون له بالمجاز المرسل، والمجاز المرسل له علاقات كثيرة جدًا أوصلها بعضهم إلى ثمان عشر وبعضهم إلى خمسة وعشرين، منها إطلاق الْمُتَعَلِّق على الْمُتَعَلِّق، ومنها إطلاق الكل على الجزء، والجزء على الكل. نقول: هذه العلاقات ليست بعلاقة المشابهة إذًا العلاقة إما أن تكون المشابهة أو لا، إن لم تكن المشابهة فهي المجاز المرسل، فإن كانت المشابه فهي الاستعارة التي معنا.
إذًا نقول: المجاز الذي هو نقل اللفظ عن معناه الأصلي الذي هو الحقيقي إلى المعنى الفرعي الذي هو المجاز لا بد من ارتباط علاقة جامع بين المعنيين، هذا الجامع وهذه العلاقة إما أن تكون المشابهة أو لا، إن كانت المشابهة فحينئذٍ نسمي هذا المجاز استعارة، وإن لم تكن المشابهة فهو مجاز لكنه مجاز مرسل.
стр. 283
إذًا إما استعارة وإما مجاز مرسل، حقيقة المجاز المرسل نقول: مجاز علاقته غير المشابهة. وهو واحد من ثماني عشر التي ذكرها البيانيون أو أكثر من ذلك، وأما الاستعارة فهي مجاز، إذًا كل منهما مجاز علاقته المشابهة، إذًا عرفها أهل البيان بأنها مجاز علاقته المشابهة، أو قل هي اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي لعلاقته وقرينته، اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي، الرجل الشجاع الذي قيل: زيد أسد. هذا مختلف فيه هل هو تشبيه أو استعارة فيه خلاف، وعلى القول بأنه استعارة حينئذٍ شبهت زيد بمعنى الأسد الأصلي وهو الحيوان المفترس لعلاقته وقرينته العلاقة ما هي؟ الشجاعة. ما هي القرينة؟ زيد. لأنك لما قلت: زيد أسد. علمت بأن الأسد ليس بحيوان مفترس لأنك وقفت به ماذا؟ أخبرت به عن زيد وهو آدمي ليس بحيوان مفترس، والعلاقة هي المناسبة بين المعنى المنقول عنه وإليه الجامع والرابط بين المشبه والمشبه به والقرينة ما هي؟ هي الأمر الذي يجعله المتكلم دليلاً على أنه أراد باللفظ غير ما وضع له، وهذا شرط عند البيانيين لا بد من قرينة تدل على المجاز وإلا لا يصح، يعني: إذا قيل: رأيت أسدًا. هل هذا يحتمل أو يتعين؟
يتعين، بماذا؟
أعطيني مسماه الحيوان المفترس هل يحتمل الرجل الشجاع يحتمل أو لا يحتمل؟
لا يحتمل. بناءً على ماذا؟
على أن الأسد له معنى حقيقي واحد وهو: الحيوان المفترس. ولذلك بعضهم ممن يمنع المجاز يقول: لا، الأسد لم يوضع للحيوان المفترس، بل وضع إلى الحيوان المفترس ووضع للرجل الشجاع، وهذا فاسد لا يمكن القول به، لماذا؟ لأنه هو لو قيل له: رأيت أسدًا. لصرف الأسد إلى الحيوان المفترس وهذا قطعًا لا يحتمل الرجل الشجاع. إذا قيل: رأيت أسدًا حينئذٍ نقول: رأيت أسدًا. فحينئذٍ يحمله على الحيوان المفترس ولا يحمله على الرجل الشجاع.
عند أرباب الأصول لا يشترطون القرينة يعني: إذا أريد بالأسد هنا الرجل الشجاع لا يشترط فيه أن تأتي باللفظ بقرينة تدل على أن اللفظ مستعمل في غير ما وُضِعَ له أولاً، لماذا؟
لجواز استعمال عندهم الراجح لجواز استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي، رأيت أسدًا حينئذٍ يحتمل أنك أردت به الرجل الشجاع ويحتمل أنك أردت به الحيوان المفترس يعني: لا يشترط القرينة.
أما عند البيانيين قاطبة يكاد يكون إجماع وبعضهم ادّعي الإجماع أنه لا يجوز إلا بقرينة، فحينئذٍ إذا أردت الأسد الذي هو الحيوان المفترس يتعين أن تأتي بقرينة لفظية أو حالية فتقول: رأيت أسدًا يخطب. يخطب هذه قرينة خالصة عن كون الأسد مرادًا به الحيوان المفترس. إذًا القرينة هي الأمر الذي يجعله المتكلم دليلاً على أنه أراد باللفظ غير ما وُضِعَ له.
وأركان الاستعارة ثلاثة:
مستعار. وهو لفظ مشبه به.
ومستعار منه. وهو معنى لفظ المشبه.
ومستعار له. وهو المعنى الجامع.
стр. 284
وهذا ذكرناه فيما سبق أنكر قوم الاستعارة بناء على إنكارهم المجاز وقوم إطلاقها في القرآن لأن فيها إيهامًا للحاجة ولأنه لم يرد في ذلك إذن من الشارع، هذا خلاف الاستعارة. إذا عرفنا أركانها نقول: هي واقعة في كلام العرب وهي موجودة في القرآن ولا شك وبعضهم من القائلين بالمجاز من قد أنكر المجاز قاطبة قد أنكر وجود الاستعارة وبعضهم أثبت المجاز وحتى في القرآن أثبت المجاز في القرآن لكنه أنكر وجود الاستعارة في القرآن لماذا؟ قال: لأن فيها إيهامًا للحاجة. وهذا فاسد، ولأنه لم يرد في ذلك إذن من الشارع.
إذا أثبتَ المجاز ما ورد إذن أيضًا من الشارع، واختلفوا في الاستعارة هل هي مجاز لغوي أو عقلي على قولين، والأصح أنها مجاز لغوي لأنها موضوعة للمشبه به لا للمشبه ولا للأعم منهما، فأسدٌ في قولك: رأيت أسدًا يخطب. أسدٌ هذا موضوع لأي شيء في الأصل في السَّبُع الذي هو الحيوان المفترس لا للرجل الشجاع ما وُضع للرجل الشجاع أليس كذلك؟ ما وضع للرجل الشجاع، إذًا وضع الأسد في أي شيء في للمشبه به، رأيت أسدًا من المشبه هنا؟ رأيت أسدًا يخطب المشبه مَنْ؟ الخطيب والمشبه به الأسد السَّبُع واللفظ أسد وضع لمن للخطيب أم للحيوان؟ للحيوان لا شك وضع للحيوان فأسد في قولك: رأيت أسدًا يخطب. موضوع للسَّبُع لا للرجل الشجاع، ولا للأعم منهما لأن لفظًا يحتمل أن يكون أعم من الحيوان المفترس الذي هو السَّبُع والخطيب الجريء، فيقال: حيوان جريء. يختص بماذا عن هذا الحيوان الجريء؟ أعم من السَّبُع وأعم من الخطيب الشجاع فيصدق عليهما حقيقةً أو مجازًا أو على أحدهما حقيقة والثاني مجازًا؟ يصدق عليهما حقيقةً فإذا قلت: رأيت حيوانًا جريئًا يخطب. حينئذٍ هذا استعمال حقيقي أم مجازي؟ حقيقي وإذا قلت: رأيت حيوانًا جريئًا. فحينئذٍ يتعين أن يكون ماذا؟ مسماه مسماه السَّبُع المراد به السبع، إذًا الأسد نقول: موضوع للسَّبُع لا للرجل الشجاع ولا للأعم منهما كالحيوان الجريء ليكون إطلاقه عليهما حقيقةً كإطلاق الحيوان عليهما.
النوع السادس: الاستعارة
الاستعارة بحثتها طويل جدًا في باب البلاغة لكن ذكرنا أركانها وتعريفها وسيأتي مثالين للمصنف.
وَهِيَ تَشْبِيْهٌ بِلا أَدَاةِ ... وذَاكَ كالمَوْتِ وكالحَيَاةِ
فِيْ مُهْتَدٍ وضَدِّهِ كَمِثْلِ ... هَذَيْنِ مَا جَاءَ كَسَلْخِ اللَّيْلِ
(وَهِيَ تَشْبِيْهٌ) إذًا الاستعارة مبنية على التشبيه، (وَهِيَ) أي: الاستعارة (تَشْبِيْهٌ) والتشبيه هو: التمثيل. التشبيه في اللغة هو: التمثيل. والمراد به هنا تشبيه شيءٍ بشيء آخر تقول: زيد كالأسد. هذا ماذا نسميه؟ زيد كالأسد، هذا تشبيه لاستيفاء أركان التشبيه الأربعة:
المشبه وهو: زيد.
المشبه به وهو: الأسد.
أداة التشبيه وهي: الكاف.
والجامع وهو: الشجاعة.
إذًا الاستعارة تشبيه لشيء بشيء آخر (بِلا أَدَاةِ) يعني: بدون أداة. إذًا حصل عندنا تشبيه لكن بدون أداة، زيد أسد، هذا ماذا نسميه؟
اختلفوا فيه إذا نطقت ابتداءً زيد أسد فهو استعارة لأنك شبهة زيدًا بالأسد بدون أداة تشبيه.
وإذا قلت: زيد كالأسد. فهو تشبيه قولاً واحدًا.
وإذا قلت: زيدٌ أسدٌ. وحذفت أداة التشبيه ونويتها مقدرةً فهو تشبيه.
стр. 285
فحينئذٍ زيدٌ أسدٌ هل هو تشبيه أم استعارة؟
فيه تفصيل ما هو التفصيل؟ [ .... أسمع واحد الأذن واحدة أيمن .... لا، زيدٌ أسد أنت سمعت هذا الكلام زيد أسد هل هو تشبيه أم استعارة؟ ما هو طب هنا ما وجدت الأداة زيد أسد لم ألفظ بالأداة .... الله أعلم أي: إذا سمعتني إذا كنتَ أنتَ المتكلم فأنت تعرف هل نويتَ الأداة أم لا؟ إذا لم تنوها حينئذٍ هذا استعارة فتحكم على كلامك بكون استعارة، أما إذا كنت سامعًا فتقدر الكلام فتقول: إن نوى أداة التشبيه وهي: الكاف يعني: حذفها تخفيفًا واختصارًا ونواها فهو تشبيه بليغ، وهذا ضابط التشبيه البليغ إذا حذفت أداة التشبيه، وإذا لم ينو الأداة، بل تكلم ابتداءً دون أداة نقول: هذا استعارة].
(وَهِيَ تَشْبِيْهٌ بِلا أَدَاةِ)، (بِلا أَدَاةِ) أي: ومع حذف وجه الشبه، لأن وجه الشبه في التشبيه قد يُذكر تقول: زيد كالأسد لشجاعته. هذا مستوفي للأركان الأربعة، زيد كالأسد في شجاعته نطقت بالأركان الأربعة، ولك أن تحذف وجه الشبه زيد كالأسد، ولك أن تحذف أداة التشبيه فتقول: زيد الأسد. (وَهِيَ تَشْبِيْهٌ بِلا أَدَاةِ). تشبيه لشيء بشيء آخر بلا أداة أي ومع حذف وجه الشبه. وزاد بعضهم: وأحد المشبه والمشبه به أيضًا. أن يُحْذَف أحد المشبه والمشبه به أيضًا كما سيأتي، ويحذف المشبه في الاستعارة التصريحية، والمشبه به في الاستعارة المكنية، يعني تحذف أو تشبه مشبه بمشبه به بدون أداة مع حذف وجه الشبه مع حذف أحد الطرفين المشبه أو المشبه به، إن حذفت المشبه فحينئذٍ تسمى استعارة تصريحية أو مُصَرَّحَة، وإذا حذفت المشبه به فهي الاستعارة المكنية، ولذلك قال بعضهم: كل مجاز مبني على التشبيه فهو مجاز بالاستعارة، ولذلك فسرها الناظم بقوله: (وَهِيَ تَشْبِيْهٌ). وإذا أردت حدًا للاستعارة التي هي المعنى المصدري فقل في حدها: استعمال اسم الْمُشَبَّهِ به في الْمُشَبّهِ للمُشَابَهة. وهذا معنى الاستعارة بالمعنى المصدري لماذا؟
قالوا: لأن أصل الاستعارة التشبيه. حُذف أحد طرفيه ووجه شبهه وأداته، فيُحذف المشبه ووجه الشبه والأداة ويستعار لفظ المشبه به للمشبه للعلاقة بين المشبه والمشبه به ولا بد فيها من تنافي التشبيه الذي وقع من أجله الاستعارة بادعاء أن المشبه غير المشبه به أو فرد من أفراده فحينئذٍ يكون المشبه به له فردان: فرد حقيقي، وفرد ادعائي. يعني: تقصد زيدٌ أسدٌ. تقول: زيدٌ أسدٌ. هنا شبهت زيد بالأسد في ماذا؟ في الشجاعة لم تلفظ بأداة التشبيه ولم تأت بالجامع بين المشبه والمشبه به بل حذفتهما، ثم ذكرت المشبه والمشبه به وتناسيت التشبيه لماذا؟ بادِّعاء زيد كأنه فرد من أفراد الأسد، فكأن الأسد وضع لشيء متضمن للشجاعة فكأن له فردان: فرد وهو حيوان حقيقي وهو السَّبُع، وفرد دخل معه بالادعاء يعني: بكأنك نويت وقدرت في نفسك أن زيد فرد من أفراد الأسد، إذا جعلت الأسد له معنى مصدري وهذا المعنى المصدري يوجد في ضمن أفراده من ضمن هذه الأفراد زيد ولكنه فرد حقيقي أو ادعائي؟
стр. 286
فرد ادعائي، ولذلك يجعل المشبه فردًا من أفراد المشبه به كجعل زيد فردًا من أفراد الأسد يعني: تدَّعي في نفسك تدعي بأن زيدًا له أفراد وهذا أقوى من قولك: زيد كالأسد. إذا قلت: زيد كالأسد. هذا لا شك أن زيد منفصل عن الأسد وأنك شبهت زيد بالأسد وهذا مشبه وهذا مشبه به لكن في الاستعارة لا أنت تدَّعي ليس شبيهًا له في الشجاعة، لا، بل هو فرد من أفراد مدلول الأسد لكنه فرد ادعائي، ولذلك قال بعضهم في تفصيل الاستعارة هذا كلام موجز جيد: (أصل الاستعارة تشبيه حُذف أحد طرفيه ووجه شبهه وأداته فيُحذف المشبه ووجه الشبه والأداة ويُستعار لفظ المشبه به للمشبه بالعلاقة ولا بد فيها من تنافي التشبيه الذي وقعت من أجله الاستعارة لأن أولاً تشبه ثم بعد ذلك تتركب الاستعارة، فالاستعارة مركبة على التشبيه.
من تنافي التشبيه الذي وقعت من أجله الاستعارة بادعاء أن المشبه عين المشبه به لفظ زيد وهو الأسد هذا وجه، أو فرد من أفراده، فيكون للمشبه به وهو الأسد فردان: فرد حقيقي وهو السبع، وفرد ادعائي وهو زيد.
(وذَاكَ كالمَوْتِ وكالحَيَاةِ فِيْ مُهْتَدٍ وضَدِّهِ)، (وذَاكَ) أي: التشبيه المذكور في الاستعارة كالموت المستعار للضلال والكفر، وكالحياة المستعارة للهداية (فِيْ مُهْتَدٍ وضَدِّهِ) كالموت المستعار للضلالة في ضده في ضد المهتد وهو الضال وكالحياة المستعارة للهداية.
стр. 287
إذًا قوله: (فِيْ مُهْتَدٍ وضَدِّهِ). هذا تفصيل وتفسير لقوله: (كالمَوْتِ وكالحَيَاةِ). لكنه على اللف والنشر غير المرتب لأنه قال: (وذَاكَ). أي: التشبيه المذكور كالموت المستعار لضد المهتد، الذي ذكره ثانيًا في البيت الثاني (وكالحَيَاةِ) المستعارة في مهتد وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. هذا مثال للاستعارة عندهم ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ أي: ضالاً فهداه ﴿مَيْتاً﴾ أي: ضالاً ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الموت هو الموت أليس كذلك هل الضال ميت؟ الجواب: لا، ليس بميت بمعنى أنه فاقد الروح، وإنما حصل التشبيه كما سيأتي. أي: ضالاً فهديناه. فاستعير لفظ الموت للضلال والكفر، ولفظ الإحياء ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ أحييناه هذا فعل والإحياء للإيمان والهداية بجامع عدم الفوز في الأول الذي هو استعارة الموت بالضلال والفوز بالثاني وهو استعارة الإحياء للإيمان والهداية، إذا أردنا تفصيل هذه الاستعارة أو بيان كيف وقعت الاستعارة هنا فنقول: شبه الضلال بالموت. هذا أولاً، لأنه مبني على التشبيه شبه الضلال بالموت بجامع ماذا؟ بجامع عدم الانتفاع لما هو سبب السعادة الدنيوية والأخروية، إذًا أصل التركيب ما هو؟ الضلال كالموت زيدٌ كالأسد الضلال كالموت، ثم حذف المشبه وهو؟ أين المشبه والمشبه به قولوا معي: الضلال كالموت. أما قلنا: الاستعارة أصلها تشبيه؟ كيف حصل التشبيه هنا؟ الأصل الضلال كالموت بجامع ماذا؟ عدم الانتفاع، قال: حذف المشبه وهو الضلال واستعير اسم المشبه به وهو الموت على طريق الاستعارة التصريحية فحينئذٍ قوله: الضلال. هذا مشبه (كالمَوْتِ) الموت هذا مشبه به حذف المشبه واستعير لفظ المشبه به للمحذوف الذي هو الضلال إما بادعاء أنه عينه أو أن الضلال فرد من أفراد الموت ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً﴾ يعني: ضالاً. كيف عبر بالميت عن الضال؟ تقول: أصل الترتيب الضلال كالموت ثم حذف المشبه واستعير إعارة من باب العارية أعرني قلمك استعير لفظ المشبه به في الدلالة على ذلك المحذوف بادعاء ماذا؟ بادعاء أن المحذوف الضلال هو عين الموت أو أنه فرد لكنه فرد ادعائي وهذا معنى التنافي تنافي التشبيه كما أنه لم يكن تشبيه وهذا ينبني عليه معاني جليلة في القرآن حتى أن الشيخ ابن عثيمين ﵀ يُنْكِرُ المجاز لكنه إذا جاء في التفسير إلى بعض الآيات قال: وعلى القول بالاستعارة. ثم يفسرها يقول: هذا معنى ما أجمله. هكذا يقول. بناء على ماذا؟ أن المجاز يتألق في بعض المواضع هذا موجود في تفسيره في أوائل البقرة لو تسمع الشيخ قد يأتي ببعض المسائل وهو يشدد في مسألة المجاز ﵀ لكنه يأتي يفسر القرآن على ما يراه أنه حقيقة ثم على قول المجازيين بأن في الكلام كناية واستعارة ثم يقول: ما أجمل هذا القول. أو هذا المعنى، معنى جليل لو لم تجر الكلام على الاستعارة حينئذٍ لا تستقي معنى يعني: يدل عليه لفظ بالحقيقة، وإذا قيل: الضلال كالموت. ليس هو كأن تدعي الضلال هو عين الموت عندما ترى كافرًا وتقول: هذا مَيْتٌ.
стр. 288
تجعل الضلال والكفر هو عين الموت وأنه فرد من أفراده ليس فيه كالانفصال ولا شك في هذا. إذًا الضلال مشبه والموت مشبه به وادُّعي أن الضلال فرد من أفراد الموت، والثاني الذي هو تشبيه الهداية بالحياة أو الإحياء شُبِّهَتْ الهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب بمعنى الإحياء، الهداية كالحياة أو كالإحياء إلى ماذا؟ بجامع الحصول للانتفاع والوصول إلى المطالب العلية، الحياة مُوصِلة والهداية مُوصِلة هذا هو الجامع بينهما، فصار التشبيه من معنى المصدرين الهداية والإحياء إلى ما في ضمنهما من معنى الفعلين وحذف لفظ المشبه واستعير اسم المشبه به له ثم اشتق من الإحياء أحييناه بمعنى هديناه على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، كأنه قال: الهداية كالإحياء. الهداية مشبه والإحياء مشبه به حُذف المشبه وهو: الهداية، واستعير اللفظ الإحياء للدلالة على المحذوف وهو الهداية ولكن هنا أصلاً استعارة حصلت في المصدرين لماذا ولا ندَّعي هذا في الأول؟
لأن الأول ذكره باسمه ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ومعلوم أن الميت هذا اسم وليس بفرع وأحييناه هذا ليس باسم وإنما هو فرع وهو فعل حينئذٍ نجري الاستعارة في المصدر الأصل ثم نشتق من المصدر فعل ثم نشتق من المصدر فعلاً ولذلك نفرق بين النوعين، فنقول: هنا صار التشبيه من معنى المصدرين الهداية والإحياء إلى ما في ضمنهما، ما هو الذي في ضمن المصدر؟ الفعلان من معنى الفعلين وحذف لفظ المشبه واستعير اسم المشبه به له، ثم اشتق منه من الإحياء ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ وهذه تسمى استعارة ماذا؟ تصريحيه تبعية لأنها أجريت أولاً في المصدر ثم في الفعل، أولاً أجري في المصدر ثم في الفعل، (وذَاكَ) أي: التشبيه المذكور (كالمَوْتِ وكالحَيَاةِ) المذكورين في قوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾.
(فِيْ مُهْتَدٍ) يعني: كالموت المستعار للضلال في ضد المهتدي، لأنه قال: في مهتد وضده ما هو ضد المهتدي الضال وإذا أردنا الهداية أصلها الكافر لأن الهداية تامة هذه تكون بماذا؟ بالإيمان أو الإسلام ثم ما يكمله، وإذا أردنا أصل الهداية فهي الإسلام (فِيْ مُهْتَدٍ) إلى الإسلام أو لتمام الطاعة وضده وهو الكافر أو الضال.
(كَمِثْلِ هَذَيْنِ مَا جَاءَ كَسَلْخِ اللَّيْلِ) يعني مثل هذين ماذا؟ التشبيهين ... (كالمَوْتِ وكالحَيَاةِ فِيْ مُهْتَدٍ وضَدِّهِ) ما أي تشبيه الذي جاء كمجيء (سَلْخِ اللَّيْلِ) في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]. الله أكبر ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ هنا حصل ماذا؟
стр. 289
استعير السلخ من سلخ الشاه لكشف الضوء عن مكان الليل والجامع كما قيل ما يعقل من ترتب أمر على آخر وحصوله عقب حصوله وإذا أردنا التفصيل نقول: شبه إزالة ضوء النهار وإذهابه بسلخ الجلد عن الشاه، ما هو المشبه هنا؟ إزالة ضوء النهار إذا جاء الليل أزال ماذا؟ ضوء النهار، إذا دخل الليل أزال ضوء النهار أليس كذلك؟ ما هو المشبه هنا؟ المشبه إزالة ضوء النهار، شُبِّهَ بماذا؟ بسلخ الجلد عن الشاه، بجامع ماذا؟ بجامع ظهور شيءٍ كان مستترًا في كلٍّ منهما، فاللحم مستتر تحت الجلد أليس كذلك؟ وظهور الظلمة بعد ذهاب الضوء، وظهور اللحم بعد ذهاب الجلد وظهور الظلمة بعد ماذا؟ إذا أزيل النهار ما الذي يظهر وينكشف؟ الظلمة إذًا انكشفت الظلمة كما أن السلخ يكشف ماذا؟ يكشف اللحم، إذًا بجامع ظهور شيء كان مستترًا في كل منهما، وهو: ظهور الظلمة بعد ماذا؟ بعد ذهاب الضوء، وظهور اللحم بعد ذهاب الجلد، واستعير لفظ المشبه به وهو السلخ للمشبه واشتق منه الفعل، إذًا أجريت أولاً في المصدر، ثم انتقل إلى الفعل بمعنى نزيل على طريق الاستعارة التبعية، على كلٍّ يجري هذا المثال كما ذكرناه في السابق ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾، ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ فاستعير السلخ من سلخ الشاة لكشف الضوء عن مكان الليل والجامع ما يعقل من ترتب كل منهما على الآخر.
(فِي مُهْتَدٍ وضَدِّهِ كَمِثْلِ هَذَيْنِ مَا) أي: تشبيه الذي جاء (كَسَلْخِ اللَّيْلِ) كمجيء سلخ الليل.
النوع السابع من العقد الرابع فيما يرجع إلى الألفاظ (التَّشبِيهُ)، تفعيل شَبَّهَ يُشَبِّهُ تَشْبِيهًا، والتَّشْبِيه في اللغة التمثيل كمثل مثلاً، مَثَّلَ كذا بكذا والتشبيه هو عينه التمثيل كما ذكره غير واحد من أهل اللغة.
النوع السابع: التشبيه. الغرض منه من التشبيه فهمنا بعض ما يتعلق بالتشبيه بالاستعارة الغرض منه تأنيس النفسي بإخراجها من خَفِيٍّ إلى جَلِيٍّ، زيد كالأسد ما يعرف أن زيد شجاع أو لا فأمره خفي فإذا قلت: زيد كالأسد. حينئذٍ تجلى لك شجاعة زيد، وإدنائه البعيد من القريب ليفيد بيان، وقيل: الغرض منه الكشف عن المعنى المقصود مع الاختصار وهذا عام ليس بالتشبيه فقط، لأنه بدل من أن يقول: أنا أعتقد أن زيدًا فيه من الشجاعة مثل شجاعة أسد، فيكون زيد كالأسد وقع اختصار، بدل من الجملة الطويلة يأتي بهذه الكاف فيدل على ماذا؟ على التشبيه، لكن هذا ليس هذا خاصًا بالتشبيه، بل الاستعارة فيها اختصار أيضًا.
حدَّهُ عندهم: ما دل على اشتراك أمر لأمر في معنى بينهما. ما دل على اشتراك أمرٍ الأمر الأول يُسمى مُشَبَّهًا لأمرٍ يُسَمَّى مُشَبَّهًا به في معنى بينهما يُسَمَّى وجه الشَّبَهِ، بقي عليه الأداة، وهذا منسوب للسكاكي.
قال ﵀:
وَما عَلَى اشتِرَاكِ أَمْرٍ دَلاَّ ... مَعْ غَيْرِهِ التَّشْبِيهُ حيثُ حَلاَّ
والشَّرْطُ هَهُنا اقْتِرانُهُ مَعَا ... أَدَاتِهِ وهُوَ كَثِيْرًا وَقَعَا
стр. 290
(وَما) يعني: وعرف السكاكي التشبيه بأنه ما هذه واقعة على كلامه ما اسم موصول بمعنى الذي في محل رفع خبر مقدم، والمبتدأ قوله: (التَّشْبِيهُ) بالشطر الثاني، كأنه قال: والتشبيه ما دل على اشتراك أمرٍ، إذًا ما اسم موصول بمعنى الذي في محل رفع خبر مقدم ويصدق على ماذا؟ على الكلام لأن التشبيه هنا ليس بوصف لمفرد بل هو وصف لكلام لأنه لا بد من مسند ومسند إليه، زيد كالقمر حينئذٍ أو كالأسد فزيد مبتدأ كالأسد جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ولك أن تقول: زيد كالأسد. زيد مبتدأ والكاف خبر وهو مضاف والأسد مضاف إليه يجوز هذا الوجه يجوز أو لا؟ يجوز على جعل الكاف اسمية، قال ابن مالك:
واسْتُعْمِلَ اسمًا وكذا عَنْ وَعَلَى ... مِنْ أجل ذا عليهما مِنْ دَخَلا
واستعمل اسمًا يعني: الكاف. فإذا استعمل الاسم فحينئذٍ تعرب مبتدأ وتعرب خبر وتعرب مجرورة وتعرب .. إلى آخره.
(وَما) أي: كلامهم (عَلَى اشتِرَاكِ أَمْرٍ دَلاَّ). (دَلاَّ) الألف للإطلاق يعني: ذو دلالة والدلالة كما سبق معنا فَهْمُ أمر من أمر للفعل أو لا؟ (دَلاَّ) الحملة صلة الموصول (عَلَى اشتِرَاكِ) هذا جار ومجرور متعلق بقوله: (دَلاَّ). مع غيره، معْ بالإسكان للوزن، (ومع معْ فيها قليل)، إذًا الأصل معَ وقد تسكن وهو قليل (ومع مع فيها قليل) هكذا قال ابن مالك، وهو ظرف منصوب بالفتح المقدر متعلق بقوله: (اشتِرَاكِ). (التَّشْبِيهُ) هذا مبتدأ مؤخر (حيثُ حَلاَّ)، (حَلاَّ) بمعنى نزل (حَلاَّ) الألف هذه للإطلاق (حيثُ) إطلاقية ليست تقيدية حيث للإطلاق هنا (حيثُ حَلاَّ) يعني في أي وقت ومكان حلَّ ونزل فالتشبيه لا يخرج عن معناه، فحينئذٍ نقول: مراد المصنف هنا بالتشبيه والمعنى أي: حده هو الكلام الدال على اشتراك الأمر مع غيره في معنى بينهما. هذا مراده بهذا التركيب (وَما عَلَى اشتِرَاكِ أَمْرٍ دَلاَّ مَعْ غَيْرِهِ) الكلام الدال على اشتراك أمرٍ، المشبه، مع غيره، المشبه به، في معنى بينهما. فقوله: (عَلَى اشتِرَاكِ أَمْرٍ). نفسره بماذا؟ بالمشبه، (مَعْ غَيْرِهِ) يعني: اشتراك مع غيره في ماذا؟ المشبه به، لا بد أن يكون في معنى بينهما أو لجامع بينهما، (والشَّرْطُ هَهُنا) يعني في التشبيه اقترانه أي: التشبيه. (مَعَ أَدَاتِهِ) الألف هذه للإطلاق (مَعَ أَدَاتِهِ) مع هذا مضاف وأداته مضاف إليه، والضمير في أداته يعود على التشكيل، إذًا مع مضاف وهو متعلق بقوله: (اقْتِرانُهُ) اقتران التشبيه مع أداته، (وهُوَ) أي: التشبيه (كَثِيْرًا وَقَعَا) (والشَّرْطُ هَهُنا اقْتِرانُهُ مَعَ أَدَاتِهِ) الشرط في اللغة العلامة وهنا الشرط كون التشبيه مشتملاً على ذات التشبيه، وهل هو ذات فيما هي فيه أو هو أمر خارج عنه؟ لما نقول: أركان التشبيه أربعة: المشبه، والمشبه به، والأداة، ووجه الشبه.
إذًا الأداة ركن أو شرط؟ ركن وليست بشرط، فلا يوجد التشبيه إلا في ضمنه الأداة في بطنه الأداة، فحينئذٍ نقول: لا توجد الأداة ولا يوجد التشبيه، لا، توجد الأداة في ضمن التشبيه حينئذٍ قوله: هو الشرط. لعله يريد به أن الأداة ركن في مفهوم التشبيه، يعني: يكون كالاستدراك على حد التشبيه عند السكاكي.
стр. 291
(وهُوَ كَثِيْرًا وَقَعَا) (وهُوَ) أي التشبيه (وَقَعَا) (كَثِيْرٌ وَقَعَا) فعلٌ ماضي والألف هذه للإطلاق والضمير يعود على هو، (وهُوَ) (وَقَعَا) أي وقع في القرآن وقوعًا كثيرًا، فكثيرًا هذا صفة لموصوفٍ محذوف مقدر أي وقوعًا كثيرًا، وقع التشبيه في القرآن وقوعًا كثيرًا، وهو أي التشبيه وقع في القرآن وقوعًا كثيرًا إذًا صفة مقدمة، صفة لأي شيء لمفعولٍ مطلق وقع وقوعًا ضربت ضربًا شديدًا مثله ضربًا هذا مفعولٌ مطلق وهو مبين للنوع كذلك وقوعًا كثيرًا يعني: لا قليلاً.
هذا هو حد التشبيه عند المصنف وهو المشهور، الكلام الدال على اشتراك أمرٍ مع غيره في معنًى بينهما. عرفنا التشبيه قال السيوطي ﵀ في ... ((الإتقان)):
والتشبيه نوعٌ من أشرف أنواع البلاغة وأعلاها. نوعٌ من أنواع علوم القرآن قال: من أشرف أنواع البلاغة وأعلاها.
قال المبرد في ((الكامل)): لو قال قائل: هو أكثر كلام العرب لم يُبْعِد. وأفرد يعني تشبيهات القرآن بالتصنيف أبو القاسم بن البندار البغداي في كتابٍ سماه ((الْجُمان)).
أركان التشبيه أربعة: المشبه، والمشبه به، الشبه وهو الوصف الجامع بين الطرفين، وآلة التشبيه. وبعضهم يقول: أداة التشبيه وهي حروفٌ وأسماءٌ وأفعال.
أداة التشبيه قد تكون حرفًا وقد تكون اسمًا وقد تكون فعلاً، فالحروف الكاف، كالكاف ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ﴾ [إبراهيم: ١٨] ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ تشبيه بحرفٍ وهو الكاف، وكأنَّ ﴿كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]. هنا التشبيه أو أداة التشبيه حرف وهذا هو الكثير أن يكون بالكاف أو بكأن ولذلك يقال في باب إن وأخواتها وكأن للتشبيه، والأسماء نحو مَثَل ومِثل وشِبْه هذه أيضًا للتشبيه ونحوها: ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧]. هنا وقع بالكاف ومثل وبمثل أيضًا.
وفي الأفعال نحو: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء﴾ [النور: ٣٩]. هذا تشبيه: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. يخيل ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء﴾ إذًا وقع بالحرف ووقع بالاسم ووقع بالفعل.
(والشَّرْطُ هَهُنا اقْتِرانُهُ مَعَ أَدَاتِهِ) (اقْتِرانُهُ) الاقتران قد يكون لفظًا وقد يكون مغيرًا، يعني: لا يشترط في الأدلة أن يكون ملفوظًا بها، لا، بل قد تكون مقدرة فإن لم تقدر فهو استعارة [أحسنت]. فإن لم تقدر فهي استعارة. قال أهل البيان: ما فقد الأداة لفظًا - يعني التشبيه - ما فقد الأداة لفظًا إن قدرت فيه الأداة فهو تشبيهٌ وإلا فهو استعارة.
стр. 292
(والشَّرْطُ هَهُنا اقْتِرانُهُ مَعَ أَدَاتِهِ) فسرنا الأداة هنا بما هو أعم، وكل الأدوات تدخل على المشبه به، زيدٌ كالبدر كالأسد دخلت الأداة على ماذا؟ على المشبه به إلا كأن فتدخل على المشبه هذا هو الأصل الغالب الذي يكاد أن يكون مطردًا وإلا فقد تدخل على المشبه بقصد المبالغة فتقلب التشبيه وتجعل المشبه هو الأصل ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. أين المشبه والمشبه به ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾. على الظاهر على ظاهر الآية البيع مثل الربا، إذًا البيع مشبه بالربا هذا هو الأصل لكنهم أرادوا معنًى أدق من هذا، وهو أن الربا لا يُختلف فيه فيجعل أصلاً ويُلحق به البيع، والبيع الذي هو لا خلاف في حله وإنما الخلاف في حل ماذا - عندهم يعني -؟ في حل الربا فجعلوا الربا كأنه أصل وجهلوا التحريم وألحقوا به البيع وهذا يُسمى ماذا؟ تشبيهًا مقلوبًا فدخلت الأداة هنا على المشبه ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. الربا هو المشبه والمشبه به هو: البيع. لماذا؟ لأنه يُلْحَق المختلف فيه بالمتفق عليه، إذا أردت أن تشبه، تشبه شيئًا بماذا؟ شيئًا مختلفًا فيه بمتفق عليه لا العكس، هنا قصدوا ماذا؟ قصدوا أنه لا ينبغي أن يقع خلاف في الربا بل هو الأصل فأدخلوا اسم التشبيه مثل على المشبه ﴿الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. الربا هو المشبه والبيع هو المشبه به قلبوا وعكسوا ماذا؟ للدلالة على معنًى غزيرًا، وهؤلاء عرب حينئذٍ ينظرون إلى المعنى فأرادوا أن يجعلوا الربا كأنه لا إشكال فيه هو الأصل والبيع هو الذي يمكن أن يختلف فيه فجعلوه أصلاً وقاسوا عليه أو حملوا عليه البيع، هذا ما يتعلق بشيءٍ من التشبيه ومبحثه أيضًا في ماذا؟ في كتب البيان.
العِقْدُ الخامس
نأخذ العام فقط نقف على هذا؟.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 293
عناصر الدرس
* العقد الخامس (ما يرجع إلى مباحث المعاني المتعلقة بالأحكام وهو"١٤" نوعاً)
* النوع الأول (العام الباقي على عمومه)
* النوع الثاني والثالث (العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص)
* النوع الرابع (ما خُصَّ منه بالسنة)
* النوع الخامس (ما خُصَّ به من السنة)
* النوع السادس (المجمل) والنوع السابع (المُؤَوَّل)
* النوع الثامن (المفهوم)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المصنف رحمه الله تعالى: (العِقْدُ الخامس) العقد الخامس من العقود الستة التي ذكرها إجمالاً في قوله: (وقَدْ حَوَتْهَا سِتَّةٌ عُقُودُ). العقد الخامس ذكرنا أن العِقد بكسر العين لا بالفتح وهي: القلادة.
ما يرجعُ إلى مباحثِ المعاني المتعلقة بالأحكام. (ما) اسم موصول بمعنى الذي ويصدق هنا على أنواع، العقد الخامس أنواع من أنواع علوم القرآن مجموع تحت عنوان واحد أو ضابط أو قدر مشترك (يرجعُ إلى مباحثِ) جمع مبحث وهو محل البحث أو مكان البحث (إلى مباحثِ المعاني) هذه يقابل مباحث الألفاظ لأنه ذكر في العقد الرابع ما يرجع إلى الألفاظ، وذكرنا أنه لا يمكن إذا جعل مبحث خاص من ألفاظ أو مبحث خاص من معاني ليس المراد أنه ينفك اللفظ عن المعنى أو أن المعنى ينفك عن اللفظ، لا، وإنما المراد أن يكون النظر أولاً إلى اللفظ، ثم يتبعه المعنى وهنا النظر إلى المعنى ثم يتبعه اللفظ، فلا انفكاك لا ينفك أحدهما عن الآخر، إذ لو قدر معاني دون ألفاظ لا يمكن أن تقدر معاني دون ألفاظ لكن ليست هي المعاني التي ترجع إليها الأحكام الشرعية ولا يمكن أن نقدر لفظ بدون معنى.
إذًا مباحث المعاني معاني جمع معنى والمراد به ما يقصد من اللفظ (المتعلقة بالأحكام) معاني القرآن منها ما يتعلق بالأحكام ومنها ما لا يتعلق بالأحكام، ومن أنواع علوم القرآن ما يرجع إلى معاني خاصة هذه المعاني الخاصة لها أثر في الحكم الشرعي بمعنى أن الحكم الشرعي التكليفي والوضعي يعتمد على ماذا؟ يعتمد على هذا المعنى الذي سيذكره المصنف لذا قال: (المعاني المتعلقة). يعني: المرتبطة (المعاني المتعلقة) أي: المرتبطة. (بالأحكام) هذا جار ومجرور متعلق بـ (المتعلقة) يعني: التي لها أثر في الأحكام والأحكام هنا جمع حُكْمٍ، والحكم في اللغة المنع ومنه قوله جرير:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا
والحكم في اصطلاح الأصوليين: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخير أو الوضع. وهذا شُرح في ((نظم الورقات)) وشرح في ((قواعد الأصول)) فلا نحتاج إلى شرحه وإلا المناسب أن يشرح هنا لأنه يبين لك المعنى الذي تعلق به هذا الحكم الشرعي ومنه تعلم أن قوله: (بالأحكام). هذا قد يتعلق به الحكم الشرعي التكليفي والحكم الشرعي الوقفي وهما داخلان في حد الحكم على ما ذكرناه الآن خطاب الله المتعلق بفعل المكلَّف بالاقتضاء أو التخير أو الوضع.
كلام ربي إن تعلق بما ... يصح فعلاً للمكلف اعلما
من حيث أنه به مكلف ... فذاك بالحكم لديهم يعرف
(بالأحكام وهو أربعةَ عشر نوعًا) هو أكثر من ذلك لماذا؟ لأن مباحث لو نظرت فيها سيتكلم عن العام وعن الخصوص التخصيص وعن المطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ. إذًا هذا مبحث ليس مستقلاً عند أرباب علوم القرآن بل أشبه ما يكون بمبحث مستعار من فن أصول الفقه، وهذا ما اعتُرض بعض علماء بأن علوم القرآن ليست بعلم مستقل وإنما هي علوم مجموعة ملفقة هو علم ملفق كما قيل في الأصول أصول الفقه بأنه علم ملفق لماذا؟
стр. 294
لأن بعضه يرجع إلى اللغة كالمترادف والمشترك وما ذكرناه بالعقد الرابع، وبعضه يرجع إلى أصول الفقه كالمبحث الذي سيذكره في العقد الخامس هذا، فحينئذٍ يكون ما يقال في ذلك العلم يُنقل بنفسه فيجعل في علوم القرآن، ولذلك لو نظر في علوم القرآن لوجد أن العلوم التي يمكن أن تستقل عن العلوم التي تُبحث في اللغة وفي أصول الفقه وفي علوم الحديث لوجد أنها قليلة، وأما ما يرتبط به الحكم الشرعي مطلقًا سواء كان في الأحكام الأصلية معتقد والأحكام الفرعية العلمية والعملية لوجد أن أكثرهم يبحث في اللغة وفي أصول الفقه وفي علوم الحديث، وما ينفرد به علوم القرآن هو أقل يعني: ما يترتب عليه من حيث العمل وإلا المبحث هذا العام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ والمنطوق والمفهوم هذا جل وأهم ما يُذكر في أصول الفقه وهو البحث في ماذا؟ في الألفاظ كذلك هنا لو نظرت نفس ما يقال في أصول الفقه هو عينه الذي يقال هنا، وأما ما يقوله البعض العامة من المعاصرين بأن أرباب علوم القرآن قد أخطئوا في وضع هذه الأنواع في علوم القرآن ثم نقلوا كلام الأصوليين هنا، والأولى أنه يتكلم بلغة علوم القرآن، نقول: وما هي لغة علوم القرآن؟
ليس بفن مستقل بذاته حينئذٍ لو قيل: العام. ولم يبحث كما بحثه الأصوليين بماذا يقال عام؟ الأصوليون يعرف لك العام ثم يقسمه ثم يذكر لك أن العام من عوارض الألفاظ ثم يذكر لك وجود العام القول به سائغ أو لا، ثم يقول إجماع الصحابة على أنهم عملوا بالعام ثم ما يتخصص ... إذًا هذا كله في الكتاب وهذا كله يتعلق بعلم القرآن علم الكتاب، حينئذٍ ننظر فيه من هذه الجهة ولا يمكن أن يُنظر فيه من جهة أخرى لأن الحكم عليه بكونه عامًا هذا حكم اللغوي، الحكم بأن هذا اللفظ عام الناس بمعنى عام والذي والتي والذين ليس بحكم الأصولي وليس بحكم شرعي وليس بحكم يتعلق بعلوم القرآن ولا بحكم يتعلق بعلوم الحديث ونحو ذلك، بل هي علوم لغوية بحتة في الأصل ولذلك يقال: العام. هذا لفظ وضعته العرب للدلالة على الشمول مع أن اثنين فصاعد حينئذٍ لا يتصور أن ينفك الكلام في علوم القرآن في مبحث العام والخاص ومبحث المطلق والمقيد عن كلام الأصوليين بل هو عينه ولا إشكال في هذا لأنها ما ذكرت في علوم القرآن إلا من أجل ماذا؟ من أجل استنباط الأحكام الشرعية منها، إن وجد مطلق ومقيد ولا يتعلق به حكم شرعي فحينئذٍ نقول: هذا ينطبق عليه حد المطلق والمقيد عند الأصوليين، وكونه لم يتعلق به حكم شرعي فرعي فحينئذٍ لا ينفي كونه من مباحث ماذا؟ الأصوليين أو اللغويين، فحينئذٍ النظر في هذه العلوم أو هذه الأنواع في علوم القرآن تجد ((البرهان)) للزركشي وهو أصولي كما هو معلوم، وتجد ((الإتقان)) وتجد غيره كالبلقيني ونحوه يذكرون خلاف الأصوليين ويذكرون ما يذكرونه في أصول الفقه بتمامه كأنه بحث نقل من الأصول إلى علوم القرآن وهذا لا إشكال فيه بل هو الأصل، وحينئذٍ لا نحتاج أن نقول: لا بد أن نتكلم في علوم القرآن في مبحث عام في كلام مغاير لكلام الأصوليين هذا لا يمكن أن يقع، ولا يمكن أن نتكلم عن المطلق والمقيد بكلام مغاير لكلام الأصوليين هذا لا وجود له أصلاً لا وجود له.
стр. 295
وهو أربعة عشر نوعًا
النوع الأول: العامُّ الباقي على عُمومِه
النوع الثاني والثالث: العامُّ المخصوص، والعامُّ الذي أُرِيدَ به الخُصوصُ
وَعَزَّ إِلاَّ قَولَهُ ﴿وَاللَّهُ ... بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أَيْ عَلِيْمٌ ذَا هُوْ
وقَولَهُ ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ ... وَاحِدَةٍ﴾ فَخُذْهُ دُونَ لَبْسِ
العام في اللغة هو مشتق من قولهم: عممت الناس بالعطاء. أي: شملتهم بالعطاء، فالعام حينئذٍ يكون بمعنى الشامل والعموم بمعنى الشمول، العام بمعنى الشامل والعموم هو الشمول، فهذا هو وجه المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي.
إذًا لفظ العام في اللغة معناه الشامل ما شمل اثنين فصاعدًا وما كان في اصطلاح الأصوليين وهو الموجود معنا هنا كذلك ما عم اثنين فصاعدًا لكن لا بد من قيود، ونقول في الاصطلاح العام لفظ يستغرق الصالح له بحسب وضع واحد دفعةً من غير حصر. لفظ هذا جنس يشمل كل ما يُتَلَفَّظ به سواء كان مهملاً - وهو ما لم تضعه العرب - أو مستعملاً - وهو ما وضعته العرب - يشمل العام والخاص والمطلق والمقيد الحقيقة والمجاز المجمل المبين، لفظ جنس فيصدق حينئذٍ على كل ما يمكن أن يصدق عليه مما تألف من حروف هجائية، فكل ما ركب من حروف هجائية فهو لفظ، إذًا العام لفظ احترز به عن المعنى لأن المعنى لا يوصف بكونه عام وإنما العموم من عوارض الألفاظ وهذا هو الصحيح، ولذلك اتفقوا على أن اللفظ يوصف بالعموم واختلفوا في وصف المعنى بالعموم هل هو حقيقة أو مجاز؟
الصحيح أنه مجاز حينئذٍ الذي يوصف بكونه عامًا هو اللفظ.
وهو من عوارض المباني ... وقيل للألفاظ والمعاني
وهو من عوارض المباني يعني: الألفاظ حقيقة وهذا باتفاق، وقيل: للألفاظ والمعاني. يعني للمباني والمعاني. فيوصف بها المعنى حقيقة كما وصف به اللفظ حقيقة والصواب أنه يوصف به المعنى مجازًا ولذلك قال السيوطي ﵀:
يُقَالُ لِلْمَعْنَى أخَصُّ وَأَعَمّْ ... وَالْخَاصُ وَالْعَامُ بِهِ اللَّفْظُ اتَّسَمْ
إذًا يوصف المعنى فيقال: أعم. لكن من قبيل المجاز ويقال للمعنى أخص لكنه من قبيل المجاز، ويوصف اللفظ بكونه عامًا وبكونه خاصًا، فجعلوا صيغة التفضيل للمعنى وما عدا ذلك الذي هو العام والخاص للفظ لأن المعنى هو المقصود وهو أهم وأرفع فجعلوا له أفعل التفضيل.
لا يوصف المعنى لكونه عامًا لماذا؟
стр. 296
لأن شرط - هذا مهم أن تعرفه - لأن شرط العام اللفظي أن يكون متحدًا في الحكم، لأنه يَرِدُ السؤال لماذا لا نعطف العام المعنى بكونه عامًا؟ نقول: شرط العام أن يكون الشمول فيه متحدًا في أفراده الحكم متحد في جميع على جهة الاستواء فإذا كان الحكم ليس متحدًا بل متفاوتًا فحينئذٍ لا يتحقق فيه معنى العموم فلذلك يقال: أكرم الطلاب. الطلاب هذا عام لأنه جمع محلى بأل ... (الجمع والفرد معرفان باللام) فنقول: الطلاب. هذا لفظ عام فيشمل زيد، وبكر، وعمرو، وخالد ... إلى آخره، أكرم فالأمر هنا بالإكرام واقع على كل فرد فَرد من أفراد اللفظ العام على جهة التساوي في الحكم فحينئذٍ يكون إكرام زيد مساوي لإكرام عمرو أولاً لا بد أن يصدق الحكم على كل فرد فَرد هذا لا بد منه، ثم كل فرد له نصيب من الإكرام مساوي للفرد الآخر فحينئذٍ إكرام زيد مساوي لإكرام عمرو، وإكرام عمرو مساوي لإكرام خالد وهلم جره، هذا شرط في العام، ولذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾، ... ﴿وَأَقِيمُواْ﴾. الواو يصدق على كل مكلف ذكرًا بالغًا أم أنثى فقيرًا أم غنيًّا حاكمًا أم محكومًا أيًّا كان مريضًا أم صحيحًا، استوى الحكم أم لا؟
استوى الحكم فيهم كلهم، كُلهم أربع ركعات أربع ركعات إلا المسافر - لدليل خاص - فحينئذٍ نقول: الحكم هنا مستوي. لكن لو قيل: عمّ المطر المدينة. فحينئذٍ نقول: المطر عم لكن المحل الذي نزل عليه المطر في المدينة مكة مثلاً لو نزل عليها المطر نقول: عم المطر المدينة. يعني: مكة. هل مستوي في جميع الأطراف أم متفاوت؟
متفاوت لا شك، قد يكون نزل على هذه المنطقة بشدة والمنطقة التي تليها بخفة وقد يكون بعضها لم ينزل بعد وبعضها قد تأخر وبعضها سابق إلى آخره، فحينئذٍ هل الحكم متساوي في أفراده؟
الجواب: لا، هذا هو السر في كون المعنى لا يوصف بالعموم إلا مجازًا، فإذا قيل: عم الحاكم القبيلة بالعطاء. حينئذٍ نقول: هنا العموم وصف بكونه عطائه، عطَاؤه وصف بكونه عامًا من باب المجاز لماذا؟
стр. 297
لأنه في الأصل أنه لا يساوي بين القبيلة فيعطي الرئيس أكثر من غيره ويعطي ذلك أكثر من غيره حينئذٍ يحصل التفاوت وعدم التساوي في الحكم، إذًا قوله: لفظ نعلم منه أن العموم وصف للألفاظ لا للمعاني، فخرج به المعنى وخرج به الألفاظ المركبة لأنها قد يحصل شمول يعني يعم شيئين فصاعدًا بألفاظ مركبة لكنها لا توصف بكونها عامة ولو وصفت بكونها عامة يكون مجازًا، ضرب زيدٌ عمرًا هذا تركيب دل على شيئين فصاعدَا أليس كذلك؟ ضرب زيدٌ عمرًا دل على شيئين فصاعدًا صحيح؟ - ... ما هي هذه الأشياء - الضرب، وفاعل الضرب، ومن وقع عليه الضرب، إذًا شيئين فصاعدًا هذا عموم لأن العام في اللغة هو الشامل والعموم هو الشمول، وهنا هذا اللفظ شمل معنيين فأكثر، فحينئذٍ نقول: الألفاظ المركبة غير داخلة بل خارجة من قوله: لفظ. يستغرق. الاستغراق المراد به الاستيعاب والتناول لفظ يستغرق أي يستوعب ويتناول جميع الأفراد التي يصلح لها اللفظ جميع الأفراد، هذا هو الأصل في مدلول اللفظ العام أنه يتناول أفرادًا دَفعةً واحدة فكل فردٍ فردٍ يصدق عليه اللفظ فهو داخل في الحكم. يستغرق إذا قلنا: لفظ يشمل المهمل وغيره حينئذٍ نقول: خرج المهمل من قوله: يستغرق. لأن المهمل هو الذي لم تضعه العرب، فحينئذٍ إذا لم تضعه العرب إذًا هو غير موضوع وإذ لم يكن موضوعًا فمن باب أولى أن يكون مستغرقًا. يستغرق صالح له. قيل هذا يخرج المطلق على القول بأن المطلق لا استغراق فيه والصواب أن المطلق يستغرق ولكنه على جهة البدل لا على جهة الشمول، فالعام له شمول، والمطلق له شمول واستغراق واستيعاب وتناول، لكن شمول العام دفعةً واحدة، وشمول المطلق بدليٌ بمعنى أن العام إذا قيل أكرموا الطلاب فكل من يتصف بهذا الوصف فهو داخلٌ في مدلول اللفظ فيصدق عليه الحكم ويقع عليه الحكم وهو وجوب الإكرام، أكرم الطلاب ولكن قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] رقبة هذا عام جنس دالٌ على الأهمية بلا قيد هذا مطلق لا نقول عام، نقول: هذا مطلق. ويصفه بعضهم بكونه عامًا لكنه على جهة المجاز والتوسع وإلا هو مطلق ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ هل هذه الرقبة معينة زيد أو عمرو أو خالد هل معينة من جهة موقعها أرضها جنسها؟ لا، إذًا تشمل أو لا؟ يصدق على زيد أن رقبة إذا كان عبدًا ويصدق على عمرو وعلى بكر وعلى من كان هنا وعلى من كان في الخارج فكلهم داخلون تحت اللفظ لماذا؟
لصدق اللفظ عليه، لكن صدق اللفظ عليه هل هو على جهة الشمول - كما يشمله لفظ الطلاب - أم على جهة البدل؟
على جهة البدل. بمعنى أنه إذا قيل أعتق أو أكرم طالبًا لو قيل كرم طالبًا من الموجودين الآن أكرم طالبًا، طَالبًا هذا يشملكم كلكم لكن المراد به طالبٌ واحد فكل واحدٍ منكم قد يصدق عليه اللفظ ويشمله اللفظ لكن على جهة البدل، لماذا؟
стр. 298
لأن المطلق - كما سيأتي - أنه مقيدٌ بواحدٍ في الخارج سواءٌ كان موضوعًا له وهو النكرة أو لازمًا له. لأنه هو اللفظ الدال على الماهية بلا قيدٍ، وهذا على قول بأنه مفارق للنكرة، فحينئذٍ المطلق ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أو أكرم رجلاً أو أكرم طالبًا نقول: هذا يستوعب ويتناول عدة أفراد، لكنه ليس دفعةً واحدة فليس إذا قيل أكرم طالبًا ليس كل الطلاب الآن دفعةً واحدة يدخلون في اللفظ وإنما يصدق على هذا فإن أكرم هو حينئذٍ سقط عن الباقين برئت الذمة، وإذا قيل أكرم رجالاً أو قيل أكرم طلابًا بدون ال حينئذٍ أُكرم ثلاثة فقط من الموجودين وسقط العهدة عن البقية، لكن كل ثلاثة على جهة البدل فهو داخلٌ تحت اللفظ.
لفظ يستغرق. إذًا أخرج المطلق، وبعضهم لا يجعله مخرجًا بالاستغراق بل بقوله: دفعة. ولذلك زدناها في الحدِّ - وهو أحسن - بحسب الوضع دفعةً، دفعة هو الذي أخرج المطلق ولكن هنا أخرج المطلق لم يخرج المطلق كما يقول بعضهم وإنما أخرج النكرة في سياق الإثبات.
الصالح جميع الأفراد، الصالح له يعني جميع الأفراد هذا فيه احتراز عن العام إذا لا يصلح ولا يصدق اللفظ العام إذا لا يصلح ولا يصدق على جميع الأفراد لأن لفظ العام قد يطلق ابتداءً فيراد به جميع الأفراد، فحينئذٍ إذا قيل أكرم الطلاب وقد نويت فقط جميع الأفراد، فحينئذٍ نقول هذا عامٌ لفظٌ يستغرق ويصلح لجميع الطلاب جميع الأفراد يدخلون تحت اللفظ فهو كالعلم عليهم يقع عليهم فردًا ولكن قد يُستعمل اللفظ ابتداءً وهو لفظٌ عام في أصله قد يُستعمل ابتداءً في بعض الأفراد وهذا المسمى العام الذي أريد به الخصوص كقوله تعالى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الناس هذا لفظ عام ولذلك جاء في قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وجاء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] هذا أمر بالتوحيد ﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ كل الناس يشمل مؤمنهم وكافرهم لأن الكافر مخاطب فإذا جاء في قوله: ... ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ فنقول ﴿الَّذِينَ﴾ هذا صيغة عموم ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ هذا صيغة عموم ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ هذه صيغة عموم، إذًا اجتمع عندنا ثلاثة صيغ ومن المحال أن يُحمل أو تحمل على هذه الألفاظ الثلاث على عمومها، لا يمكن أن يكون الناس قالوا للناس إن الناس الذين قال لهم الناس إذًا الناس كلهم لأن لفظ الناس يَطْبِقُ على كل الأفراد، إذًا هم الذين تكلموا كلهم تكلموا، تكلموا لمن للناس لكل الناس هذا لا يمكن، وإنما استعمل لفظ الناس أولاً في نُعيم بن مسعود رضي الله تعالى عنه صحابي أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه، نعيم بن مسعود فهو واحد حينئذٍ هنا اللفظ الناس نقول: هو في الأصل لفظٌ مُسْتَغْرِق لكنه في هذا التركيب هل يصلح لجميع الأفراد يصدق على كل الأفراد؟
الجواب: لا.
هل هو عام؟ نقول: لا. ليس بعام، لا بد من إخراجه، ولذلك اتفقوا على أنه مجاز،
والثاني اعز للمجاز جزما ... وذاك للأصل وفرع يُنمى
стр. 299
فحينئذٍ قوله: يستغرق ما يصلح له. يعني: جميع الأفراد وإذا لم يكن مستغرقًا لجميع الأفراد ابتداءً فحينئذٍ نقول هذا عامٌ أريد به الخاص وهذا سيأتي الكلام عنه.
إذًا في قوله جميع الأفراد أخرج العام الذي أريد به الخصوص كما ذكرناه في الآية ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] وهو جبريل ﵇ أطلق اللفظ كل الملائكة؟ نقول: لا. المراد به جبريل ﵇. بحسب وضعٍ واحد هذا الإخراج المشترك، لماذا؟ لأن المشترك يشمل معنيين فأكثر، أليس كذلك؟ عَيْن يشمل الدلالة معنى وهو الذهب ويشمل العين الباصرة ويشمل الجارية، إذًا دلَّ على اثنين فصاعدا كما دل لفظ الطلاب على زيد وبكر وعمرو فشمل اثنين فصاعدا، فعين هذا عام أم لا؟ هو اسمه مشترك لا إشكال لكن هل هو عامٌ أو لا؟ أَمَا استغرق معنيين فأكثر كما استغرق الطلاب، استغرق، كيف؟ فشرط العام أن يكون دلالته على معنًى واحدٍ بوضع واحد، فمدلول الطلاب أفراد متصفون بالطلب معنًى واحد ووضع اللفظ ابتداءً وضعًا واحدًا لكل الطلاب، لكن العين أخذناه بالعين ما اتحد لفظه وتعدد وضعه، إذًا الوضع متعدد فوضع لفظ عين للباصرة مغايرة لوضع لفظ عين للذهب، إذًا الوضع متعدد ونحن نقيد العام بحسب وضع واحد إذًا لفظ عين لفظ مستغرق لمعاني لا إشكال لكنه بتعدد الأوضاع، فوضع العين على الباصرة مغاير وضع عين على ماذا؟ الجارية .. وهلم جرا، أما الطلاب فهذا موضوع وضعًا ابتدائيًّا هكذا أولاً من غير حصر من هذا الإخراج أسماء العدد، عندي مائة، مائة ريال، مائة هذا لفظ مستغرق يصلح لجميع الأفراد بحسب وضع واحد لكنه ليس بلفظ عام بل هو خاص لماذا؟ لأنه محصور وشرط العام أن لا يكون محصورًا.
إذًا هذه كلها قيد ولذلك الحدود هذه مهمة جدًا يعتني بها طالب العلم ولا يزهد فيها ولا يظن أنها من ضياع الأوقات ولا أنها من تكلف المتأخرين - كما يقال - لا هذا ليس بصحيح، لأنه يحدد لك العام انظر لفظ، إذًا المعنى لا يتصل هذا قيد لا بد أن يعلمه الطالب، مستغرق إذًا الذي لا يستغرق الرجل عندي رجل هذا غير مستغرق جاء زيد، زَيد هذا غير مستغرق يصلح لجميع الأفراد بحسب وضع واحد دَفْعَة واحدة لإخراج المطلق من غير حصر، هذه كلها قيود يعني: سواء ذكرتها على هيئة حدّ أو ذكرتها شروط وشرحتها لا بأس بهذا لكن لا بد من العناية بهذا حتى يُفرق، لا تفرق بين هذا عام وهذا مطلق إلا بمعرفة الحدود تطبق الحد أولاً ثم بعد ذلك تحكم عليه، هذا حد العام.
وأجمع السلف على أن للعام صيغًا بإجماع السلف لا خلاف بينهم، إجماع السلف على أن العام له صيغ تدل عليها معلومة في لغة العرب ونزل القرآن بها، ومنها: كلٌّ والذي والتي وتثنيتهما وجمعهما وأيٌّ وما ومن شرطًا واستفهامًا وموصولاً والجمع المضاف والمعرف بأل واسم الجنس المضاف والمعرف بأل والنكرة في سياق النفي والنهي والاستفهام وفي سياق الشرط وفي سياق الامتنان، هذه كلها من صيغ العموم، ومن أين نأخذ هذه؟
стр. 300
من لغة العرب، إذًا بحثها بحث لغوي حينئذٍ يُنْظَرُ فيها بنظرتين: نظرة شخص أو ناظر أو طالب لغوي، وأصولي، لأن الأصوليون قد يزيدون بعض القيود وبعض المعاني وخاصة من نظر في الكتاب والسنة وتقيدات الكتاب والسنة، وهذه لها أمثلة وفي بعضها خلاف، هذا مبسط وذكر في القواعد وفي ماذا؟ نظم الورقات، وقد يأتي بكتابٍ موسع يستوفي هذه المسائل.
أقسام العام: ينقسم العام باعتبارات مختلفة نأخذ باعتبارٍ واحدٍ هنا فينقسم باعتبار المراد منه، ما المراد من هذا اللفظ؟ إذا حكمنا عليه بأنه لفظٌ عام نطبق عليه الحد أولاً فإذا به لفظٌ مستغرقٌ إلى آخره، ثم باعتبار المراد منه باعتباره إذا أُطْلِقَ وانصرف إلى المعنى هل دائمًا إذا أُطْلِقَ لفظ العام ينصرف إلى مدلوله كليًا أم لا؟ هذا الذي سيذكره هنا.
ينقسم باعتبار المراد منه إلى:
- عامٍ أريد به العام. وهو الذي عبر عنه المصنف في (النوع الأول: العامُّ الباقي على عُمومِه). هو العام الذي أريد به العام كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ﴿دَآبَّةٍ﴾ هذا نكرة في السياق النفي وزيدت عليها من، من هذه صلة توكيد زائدة و ﴿دَآبَّةٍ﴾ هذا مبتدأ جر بمن الزائدة ورفعه ضمة مقدر على آخره، نكرة في سياق النفي، وذكرنا أن النكرة في سياق النفي تعم كقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أي شيء كبير أو صغير قديم أم حديث ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: رده إلى الله تعالى، هذا عامٌ أريد به العام يعني: لا يخرج عنه فردٌ من أفراده البتة، لا يحتمل التخصيص البتة لا يمكن أن يأتي فرد فيقول لا هذا من دابةٍ إلا على الله رزقها إلا فردٌ وهو كذا رزقه ليس على الله، ممكن؟! لا يمكن هذا، إذًا يمتنع أن يُخصص هذا.
عام أريد به الخاص. يعني ابتداءً هو يتناول الأفراد من جهة الاستعمال لا يتناول الأفراد لا استعمالاً ولا حكمًا كما سيأتي التفريق بينه وبين الآخر. ومثاله ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران: ١٧٣] الذي ذكرناه، ومثله ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ قيل: إن ثَمَّ قرينة لفظية تدل على أن المراد بالناس هنا عامٌ أريد به الخاص لقوله تعالى فيما بعد: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] ذلكم فلو كان جمعًا لقال إنما أولئكم الشيطان لكنه قال: ... ﴿ذَلِكُمُ﴾، ذا
بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ بِذِي
إذًا المشار إليه مفرد وهو قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾. والناس في اللفظ مفرد أو جمع؟ جمع، فحينئذٍ نعلم أن المراد بهذا اللفظ وهو عام أريد به الخاص وهو واحدٌ.
إذًا انقسم باعتبار المراد منه إلى عامٍ أريد به العام وهو الباقي على عمومه، وإلى عامٍ أريد الخاص ابتداءً.
وينقسم باعتبار تخصيصه يعني: ما ورد عليه التخصيص أو لا إلى:
- عامٍ محفوظ هذا تعبير ابن تيمية رحمه الله تعالى عامٍ محفوظ يعني حفظ عن التخصيص لم يَرِد عليه تخصيص، إلى عام محفوظٍ باقٍ على عمومه لم يدخله تخصيص.
стр. 301
- وإلى عام مخصوصٍ يعني قد زال عمومه ودخله التخصيص.
إذًا هذا نوعان أو هذان تقسيمان:
تقسيمٌ باعتبار المراد منه.
وتقسيمٌ باعتبار ماذا؟ باعتبار التخصيص. يعني هو يقبل التخصيص لكنه لم يَرد عليه مخصص فهو محفوظًا، والآخر هو عامٌ قد ورد عليه التخصيص.
(وَعَزَّ إِلاَّ قَولَهُ: ﴿وَاللَّهُ) النوع الأول - الكلام في العام هذا طويل هذا أهم ما نذكره هنا ويتعلق به هذه المسائل وإلا الكلام فيه طويل جدًا -.
النوع الأول: العام الباقي على عمومه. العام هذا يشمل ثلاثة أنواع قوله: (الباقي) يعني: الذي بَقِيَ من البقاء والاستمرار يعني الذي بقي، (ال) هنا موصولة (العامُّ الباقي) يعني: الذي بَقِيَ واستمر على عمومه وهو ما عبر عنه أيضًا شيخ الإسلام بالعام المحفوظ، بَقِيَ، يقولون: الماء الطهور هو الماء الباقي على خلقته، يفسرون هناك في الحواشي الباقي يعني الذي بقي واستمر، لا بد من كلمة واستمر، لا بد الذي بقي واستمر، إلى استعمله المكلف في وضوء أو غسل، أما إذا بَقِيَ ثم لم يستمر إما أنه خرج إلى النجس وإما إلى الطاهر، وأما إذا قلنا الباقي يعني الذي بقي واستمر إلى زمن ماذا؟ إلى زمن استعمل المكلف له، كذلك هنا العام الباقي يعني الذي بقي واستمر على عمومه فلم يطرأ عليه مخصص وهو العام المحفوظ، يقول الناظم هنا تبعًا للسيوطي ﵀: (وَعَزَّ) ما هو؟ العام عز يعني قل وندر، العام الذي بقي على عمومه وعز (العامُّ الباقي على عُمومِه) فاعل ضمير مستتر (عَزَّ) هذا فعلٌ ماض مبنيٌ على الفتح والفاعل ضمير مستتر يعود على قوله: (العامُّ الباقي على عُمومِه)، وهنا تأخذ باستقراء أن الناظم ﵀ يربط الأبيات بالعناوين والتراجم انتبه لهذا.
(إِلاَّ قَولَهُ) إلا أداة استثناء، (قَولَهُ) بالنصب واجب أو جائز؟
واجب لماذا؟ تام موجب [أحسنت] تام موجب
ما استثنت إلا مع تمام يتصل
وجوبًا، هنا تام موجب لأنه ليس بمنفي موجب لكون ليس منفيًا وتام لأن المستثنى منه مذكور وهو ضمير مستتر (وَعَزَّ) هو الضمير، هذا ضمير مستتر عاملته العرب معاملة المذكور ولذلك استعارت له اللفظ أنت، قم أنت، ولذلك من الخطأ إعرابه - وإن أعرابه البعض - ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ﴾ ... [البقرة: ٣٥] أنت أعربه بعضهم أنه فاعل نسب لسيبويه، لكن المشهور عند المتأخرين وكثير من المتقدمين أنه لا إعراب فاعل لأن اسكن هذا فعل أمر وفاعل مطرد أنه ضمير مستتر وجوبًا حينئذٍ لا يمكن إبرازه، حينئذٍ يقال أنت اسكن أنت يا آدم اسكن يا آدم، هذا ضمير مستتر، أنت هذا ضمير الرفع استعير للتأكيد، والمؤكد ما هو؟ الضمير المستتر، فلما أكدوه دل على ماذا؟ دل على أنه معاملٌ معاملة المذكور، ولذلك أكدوه وعطفوا عليه ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ﴾ بالرفع الواو حرف عطف وزوجك بالرفع معطوف على ماذا؟ على أنت؟ لا، ليس على أنت، على الضمير المستر، هذا يدل على ماذا؟ يدل على أن الضمير المستتر في قوة المذكور، وذكرنا هذا في الملحق بتوسع.
стр. 302
إذًا (إِلاَّ قَولَهُ) منصوبٌ على الاستثناء ونصبه واجب (إِلاَّ قَولَهُ) تعالى ... (﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾) أين صيغة العموم؟ كلّ، كُل هذه صيغة عموم أفرادها أين أفرادها مصدقها؟ شيء الذي هو المضاف إليه دائمًا العموم يكون في أفراد المضاف إليه كل ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ﴾ [الإسراء: ١٣] نقول: كل إنسان هذا من صيغة العموم يعني كل فردٍ من أفراد الإنسان ألزمناه طائره، حينئذٍ ننظر إلى ما أضيفت إليه الكل، وهنا شيء، شَيء يصدق على ماذا؟ على كل وعلى الجزء، إذًا متعلق علم الرب جل وعلا على كليات والجزئيات لأن بعض الفلاسفة أنكر تعلقه بالجزئيات، كذلك يتعلق بالموجود وبالمعدوم وبالمستحيل، يشمل هذه بقوله: ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ... [البقرة: ٢٨٢] عليمٌ بالرفع على أنه خبر، الله لفظ الجلة مبتدأ و ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ جارٌ مجرور متعلق بقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾، وعليم خبر، إذًا مُتَعَلَّقُ علم الرب جل وعلا عامٌ لا يخرج عنه فردٌ من الأفراد مهما كان من الموجودات والمعدومات والمستحيلات من الكليات والجزئيات، هل يستثنى منه شيء؟ لا يُستثنى منه شيء، فهو عامٌ باقٍ على عمومه لا يخرج عنه فردٌ من أفراده البتة ولا يمكن ولا يجوز إخراج فردٍ عنه من أفراده (﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أَيْ عَلِيْمٌ) أي أتى بها من أجل النظم (ذَا هُوْ)
بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ
ما هو المشار إليه ذا ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (هُوْ) أي: العام الباقي على عمومه. (ذَا) المشار إليه المثال قوله: (﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أَيْ عَلِيْمٌ)، (ذَا) المذكور المثال من قوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (هُوْ) أي العام الباقي على عمومه، (وقَولَهُ) هذا معطوف على قوله: (إِلاَّ قَولَهُ) وقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]. أين العموم، أين صيغة العموم؟
الأصول ترى مثل النحو يحتاج إلى تمرين أين صيغة العموم؟
[ ... الكاف صيغة عموم؟! لك لكَ الله الكاف صيغة عموم؟!] (١)
﴿خَلَقَكُم﴾ خلق وقوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أين الصيغة العموم؟
من يقول نفي ... ومن يقول إثبات .... أين هي؟ ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أعدم عن .... الكاف صحيح لماذا قلت لكم الكاف من ذلك]
﴿خَلَقَكُم﴾ من المخاطب؟ أنتم فيشمل جميع البشر، كلهم من ذرية آدم بلا تخصيص ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الكاف هنا مخاطبون أنتم، يعني الصحابة ومن بلغهم القرآن كلكم أيها البشر مخاطبون بماذا؟ بكونكم مخلوقين من نفس واحدة، هل يختص هذا بفرد دون فرد؟ الجواب: لا، هل يمكن تخصيصه؟ الجواب: لا.
стр. 303
(وقَولَهُ) هذا معطوف على قوله: (قَولَهُ). (﴿خَلَقَكُم) يعني: جميع البشر وكلهم من ذرية آدم بلا تخصيص (مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾) نفس مضاف وواحدة مضاف إليه والجار والمجرور متعلق بقوله: (﴿خَلَقَكُم). (فَخُذْهُ) أي: هذا المذكور المثالين (دُونَ لَبْسِ) يعني: من غير خلط بكونه عامًا باقيًا على عمومه. من غير لبس واللبس يطلق بمعنى الخلط ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ﴾ [الأنعام: ٨٢] يعني: لم يخلطوا ﴿إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ يعني: بشرك. هذا ما يتعلق بالعام الباقي على عمومته. قال السيوطي ﵀: هذا النوع مثاله عزيز. [ترى الدرس سهرة الليلة سأشرح على مهلي المشغول إذا جاء وقت الانصراف يمشي ... ] [الآية هكذا ﴿مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي نعم ممكن على الوقف أي أحسنت الآية أين هذا النساء ... أي نعم ﴿مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾] (١)
(فَخُذْهُ دُونَ لَبْسِ) قال السيوطي رحمه الله تعالى: هذا النوع مثاله عزيز إذ ما من عام إلا ويُتخيل فيه التخصيص. وعبارة الفقهاء والأصوليين: ما من عام إلا وقد خُصَّ. ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرفض هذا يقول: لا، ليس بصواب فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ﴾. قد يُخص منه غير المكلم يعني: يمثل للعام الذي خُص ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ﴾ الناس هل يشمل كل الناس أم المكلفون؟
стр. 304
المكلفون إذًا خُصَّ بالمكلفين ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] خص منه حالة الاضطرار وميتة السمك والجراد ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ حرم الربا ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] خُصَّ منه العرايا كما سيأتي هذا كلام من؟ كلام السيوطي رحمه الله تعالى قال: هذا النوع عزيز. قال الزركشي رحمه الله تعالى: إنه كثير في القرآن. العام الذي باقٍ على خصوصه إنه كثير في القرآن وأورد منه ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ التي ذكرها في النظم وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ [يونس: ٤٤]. عام ﴿لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ هنا العام من جهتين: من جهة إيقاع الظلم ﴿لاَ يَظْلِمُ﴾ يظلمُ فعل مضارع في صيغة النفي وإذا وقع فعل المضارع في صيغة النفي فيعم لأنه مصدر، والمصدر نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم، إذًا لا يقع أدنى ظلم من الرب جل وعلا ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ﴾ كل الناس أي فرد من أفراد الناس حتى الكافر لا يتوجه إليه ظلم من الرب جل وعلا، كذلك قوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩] عام باقٍ على عمومه، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ عام، ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ عام، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عام، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ عام [الروم: ٤٠] كلها عام باقٍ على عمومها، ﴿الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ [غافر: ٦٧] هذا عام باقٍ على عمومه، ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ [غافر: ٦٤] عام باقٍ على عمومه، فكيف يقال: وعز. وهذه الآيات ومثلها كثير كثِير في القرآن. قال السيوطي ردًّا على صاحب ((البرهان)) الزركشي: بل المراد أنها في الأحكام، وما ذكره الزركشي في ((البرهان)) لم يتعلق بالأحكام - وهذا هو الجمع بين كلام ابن تيمية وغيره بأن مراد ابن تيمية ﵀ كما ذكره الزركشي هنا أن العمومات المحفوظة كثيرة جدًا هذا بإطلاق القرآن كله سواء كان في الأحكام أم في غيره بدليل أن شيخ الإسلام ﵀ مثل بـ: ﴿الْحَمْدُ للهِ﴾ قال: هذا عام، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] هذا عام ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ كل ما يقع في يوم الدين مالكه الرب جل وعلا، لا يخرج عنه فرد من أفراد ذلك اليوم، هذا يدل على ماذا؟ على أن مقصد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ العام الباقي على عمومه مطلقًا دون نظر إلى كونه تعلق به حكم شرعي تكليفي أم لا، وهذا لا إشكال فيه، فيقال: أكثر العمومات المتعلقة بالأحكام التكليفية مخصوصة لأنه ما من عام تعلق بحكم تكليفي إلا وتَخُصُّ منه المجنون والصبي والعبد على قول والنائم والساهي كل من ليس بمكلف فهو مخصوص ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] نقول: ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاةَ﴾ هذا مخصوص بماذا؟ بالمكلف، أخرج الصبي، أخرج المجنون لا يأمر بالصلاة ... إلى آخره، إذًا كل عام متعلقه في الحكم الشرعي تكليفي فحينئذٍ يكون ماذا؟ يكون مخصوصًا السيوطي رحمه الله تعالى قال: قد ظفرت بآية عام في الأحكام لا خصوص فيه. ما هي؟ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] قال: هذه الآية عامة وهي باقية على عمومها.
стр. 305
والسيوطي إذا بصر بشيء يفرح به.
(وَعَزَّ إِلاَّ قَولَهُ: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أَيْ عَلِيْمٌ ذَا هُوْ
وقَولَهُ: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ فَخُذْهُ دُونَ لَبْسِ) هذا هو النوع الأول وهو العام الباقي على عمومه يعني: العام المحفوظ الذي لم يُخَصْ أبدًا، وأكثر ما يوجد في الأحكام الشرعية التكليفية.
النوع الثاني والثالث: العامُّ المخصوص، والعامُّ الذي أُرِيدَ به الخُصوصُ
العام المخصوص يعني: هو في الأصل عام ولكنه دخله التخصيص كما إذا قلت: أكرم الطلاب إلا زيدًا. فنقول: الطلاب هذا لفظ عام يستغرق في جميع ما يصلح له اللفظ إلا بحسب وضع واحدًا دفعة بلا حصر، لكن استثنيت زيد، فحينئذٍ نقول: الطلاب هذا عام مخصوص، فكما ذكر السيوطي في ميما سبق ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ﴾ هذا يُخص بغيره مكلف ﴿النَّاسُ﴾ هذا يشمل الصبي، ويشمل الرضيع، ويشمل الحمل، ويشمل المجنون، هل نأمرهم بتقوى الله ما نأمرهم إذًا مخصوص أو لا؟ نقول: مخصوص. هذا عام مخصوص ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ خُص بالسنة بالعرايا يعني: العرايا في الأصل أنها داخلة في حد الربا لكن خُصت بدليل شرعي كذلك ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ... [المائدة: ٣]، ﴿إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] دل على أن الميتة كلها رجس جاءت الأدلة من السنة باستثناء ماذا؟ الإهابة أو جلد الميت إذا دبغ .. إلى آخر ما يُذكر في موضعه.
والعام الذي أريد به الخصوص هذا ابتداءً، يعني: أول ما ابتدأ به المتكلم نطق به ولم يُرد كل الأفراد، فهو لا يتناول الأفراد ابتداءً لا استعمالاً ولا حكمًا. وذكر أهل العلم في الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص بعض الفروق:
أولاً: العام المخصوص. هو ما يقصد فيه جميع الأفراد استعمالاً لا حكمًا العام المخصوص هو الذي أريد أو يقصد فيه جميع الأفراد استعمالاً لا حكمًا.
стр. 306
والعام الذي أريد به الخصوص لم يقصد فيه إلا بعض الأفراد، وبعضها لم يقصد، لا تناولاً ولا حكمًا، بل المراد به البعض فقط في الاستعمال والحكم معًا، فإذا قلت مثلاً: عليَّ عشرة إلا ثلاثة. عشرة هذا نتوسع في كونها عام - وهي ليس بعام لكن يذكرونه مثال لأن التمثيل به واضح - عشرة نقول: لها أفراد أو لا؟ لها أفراد، إذا أطلقت لفظ العشرة حينئذٍ يستعمل في أو تدل على أفرادها من جهة اللغة ابتداءً فكل فرد من أفراد العشرة هو داخل فيها إذا قيل له: عليَّ عشرة وسكت. كم يكون الأفراد عشرة كل الأفراد من واحد إلى عشرة، لكن لو قال له عليَّ عشرة إلا ثلاثة نقول: ننظر إلى لفظ العشرة هل أريد به لفظ العشرة كله هل يشمله من جهة اللغة - دعك من الحكم - من جهة اللغة هل يشمل كل أفراد العشرة نقول: نعم. إذًا هو يشمل كل الأفراد استعمالاً من جهة الاستعمال اللغوي لماذا؟ بدليل أنه استثنى منه وقوله: إلا ثلاثةً. هذا يدل على أن الثلاثة التي يضعه العشرة غير مرادًا بالحكم مع كونها مراده بالاستعمال، فاللفظ يشملها من جهة الاستعمال ولا يشملها من جهة الحكم، ولذلك نقول بعبارة مختصرة: العام المخصوص ما يقصد فيه جميع الأفراد استعمالاً لا حكمًا. - أحفظ هذه استعمالاً لا حكمًا - يعني: من جهة الاعتراف لم يُرَد به لو أقر على نفسه هذا حكم شرعي له عليَّ عشرة إلا ثلاثة يعني كم؟ سبعة إذًا اعترف بسبعة، يعني السبعة ليست هي كل العشرة أين ذهبت الثلاثة استثناها ليست بمرادة، ليست بمرادة استعمالاً أم حكمًا؟
حكمًا لا استعمالاً لأن اللفظ يشملها، فالذي أريد به الخصوص لم يرد شموله لجميع الأفراد فإذا قال كما ذكرناه في الآية ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] نقول: ابتداءً في أول الكلام أُطْلِقَ اللفظ ولم يُرد به كل الأفراد وإنما أريد به الواحد وهو نعيم بن مسعود فقط، فحينئذٍ نقول: هل شمل الأفراد استعمالاً؟
لا، وإنما أطلق وأريد به بعض الأفراد والبعض الآخر غير مراد لا استعمالاً ولا حكمًا. إذًا نحفظ كلمة استعمالاً لا حكمًا. [أرى الوجوه ما كأنها المسألة واضحة].
سنقول: اللفظ عام له أفراد في باب العام المخصوص نقول: الأفراد مرادة استعمالاً لا حكمًا.
في باب العام الذي أريد به الخصوص كل الأفراد غير مرادة لا استعمالاً ولا حكمًا بل أريد بعضها وبعضها لم يرد، لو تأملت الآية ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الناس هنا ابتداءً استُعمل في نعيم بن مسعود ولم يقصد به كل الناس قالوا ثم بعد ذلك وصل إلى نُعيم بن مسعود يعني بعد التخصيصات، نقول: لا، ابتداءً استعمل في هذا، فحينئذٍ لم يُرَدّ كل الأفراد لا استعمالاً ولا حكمًا، فالذي أريد به الخصوص لم يُرد شموله لجميع الأفراد لا من جهة تناول اللفظ ولا من جهة الحكم، بل هو ذو أفراد استعمل في فرد منها، ولذلك قيل: هو مجاز. ولذلك قال: (والثاني اعز للمجاز جزما). يعني: أنه من باب إطلاق الكل وأريد به البعض، أُطْلِقَ الكل وأريد به البعض، وهذا هو المجاز.
والمخصوص أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لا من جهة الحكم هذا هو الفرق الأول ما هو؟
стр. 307
هل كل الأفراد مراده في العام المخصوص أو لا من جهة الاستعمال اللفظ؟
مرادة، ومن جهة الحكم غير مرادة ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [البقرة: ٢٢٨] كل المطلقات حامل أم لا آيسة أم لا حرة أم أمة صغيرة أم كبيرة داخلة في هذا اللفظ أم لا؟
داخلة في هذا اللفظ، لكن من جهة الحكم؟
لا، لوجود المخصصات. هذا ماذا نسميه؟ عام مخصوص ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] كل الملائكة؟ لا، وإنما أريد به ابتداءً أطلق اللفظ الذي له أفراد وأريد به واحد وهذا مجاز. [ما شاء الله عليكم].
الثاني: الذي أريد به الخصوص مجاز قطعًا لنقل اللفظ عن موضوعه الأصلي لأنه نُقل، لفظٌ وُضِعَ للدلالة مستغرق لجميع ما يصلح له اللفظ، هذا أصل الناس هذا عام يطلق على كل الأفراد ثم استعملته إلى واحد نقول: هذا مجاز. وسبق أن الجمع إذا استعمل في المفرد مجاز، هذا مجاز قطعًا ولذلك اتفقوا على هذا.
والثاني اعز للمجاز جزما ... وذاك للأصل وفرع يُنمى
والعام المخصوص فيه مذاهب، اختلفوا فيه، فيه مذاهب يعني مختلف فيه هل هو حقيقة أم مجاز؟ أصحها أنه حقيقة يعني دلالة المطلقات على ما بقي جاءت خمسة مخصصات أخرجت بعض المطلقات خمسة أنواع وبقي دال على بعضها حينئذٍ دلالة اللفظ على ما بقي بعض التخصيص حقيقة أو مجاز؟ نقول: أصحه أنه حقيقة. وقيل: أنه مجاز. والأصوب أنه حقيقة لماذا؟ لأن تناول اللفظ للبعض الباقي بعد التخصيص كتناوله له بلا تخصيص يعني: هب أنه لم يرد تخصيص دلالة اللفظ على الفرد الذي أخرج حقيقة أو مجاز؟
حقيقة إذًا يبقى دلالته على الباقي بماذا؟
حقيقة، إذًا لا فرق، تناول اللفظ للبعض الباقي بعد تخصيص كتناوله له بلا تخصيص وذلك التناول حقيقيٌ اتفاقًا فليكن هذا التناول حقيقيًّا أيضًا.
الثالث: أن قرينة المخصوص لفظية، العام المخصوص قرينته لفظية، قد تكون متصلة وقد تكون منفصلة، وذات عقدية الذي هو العام الذي أريد به الخصوص وسيأتي في النظم هذا.
الرابع: أن قرينة العام الذي أريد به الخصوص لا تنفك عنه. يعني لا توجد في غير النص بل تفهمه منه سياق كلامه ومن فحوى الكلام ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ أي قارئ بعقل يفهم أنه لا يمكن يكون كل الناس قائلون وكل الناس مقول لهم، هذا بعيد ما يتصوره إنسان عاقل، كذلك ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩] كل الملائكة منذ أن خلق الله السماوات والأرض لا يمكن أن يُراد، فحينئذٍ نقول: من السياق تعرف أن هذا ماذا؟ أنه عامٌ أُريد به الخصوص فهو مجاز من إطلاق الكل على الجزء وهو مجاز مرسل.
إذًا قرينة العام الذي أريد به الخصوص لا تنفك عنه، والآخر قد لا تنفك عنه وهذا كثير في المخصصات المنفصلة.
الخامس: المراد به الخصوص يصح أن يراد به واحد اتفاقًا لأنه مجاز، وأما العام المخصوص هل يجوز أن يخصص إلى أن يبقى واحد، هذا محلٌ نزاع ومحل اختلاف.
والصواب التفصيل، فيما يدل على معنى الجمع لا يجوز التخصيص إلى أن يبقى واحدًا بل إلى أن يبقى أقل الجمع وما عداه فيجوز.
جوازه لواحدٍ في الجمع ... أتت به أدلة في الشرع
وموجبٍ أقله القفال ... والمنع مطلقًًا له اعتلال
стр. 308
يعني هل يجوز في العام المخصوص أن يرد مخصصات، نقول: هذا لا يستغرق كل الناس مثلاً. لفظ عام أكرم الطلاب، ويكون الطلاب عندي عشرة ثم أقول: إلا زيدًا وإلا بكرًا وإلا عمرًا وإلا خالدًا وإلا محمدًا وإلا فوزي وإلا عبد الله وإلا عبد الرحمن وإلا علي كم بقي في العام؟ واحد يجوز أو لا يجوز؟
فيه خلاف، والصواب أنه لا يجوز. في مثل هذا اللفظ لا يجوز لماذا لأن الطلاب هذا صيغة الجمع وأقل الجمع ثلاثة، ومضى معنى في القواعد قول البستي وهو قول يحفظ: أن الكامل في العموم هو الجمع، لماذا؟ لدلالته على العموم بصورته ومعناه. تنبه لهذا، قول البستي الذي سبق معنا في قواعد الأصول أن الكامل في العموم هو الجمع، لماذا؟ لدلالته على العموم بصورته وبمعناه فحينئذٍ لا يمكن أن يخصص من جهة المعنى على ما لا يدل عليه الصورة، وما عدا ذلك كالمفرد المضاف حينئذٍ يجوز أن يخصص إلى أن يبقى واحد، ومن جوز التخصيص إلى أن يبقى واحد اعتمد على العام الذي أريد به الخصوص ولذلك في ((المراقي)) قال:
جوازه لواحدٍ في الجمع ... أتت به أدلة في الشرع
جوازه لواحدٍ يعني جاء في باب التخصيص، جوازه، جواز التخصيص إلى أن يبقى واحد أتت به أدلة في الشرع مثلوا بماذا؟ مثلوا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ﴾ ... [آل عمران: ٣٩]، ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ﴾ [النساء: ٥٤] قالوا: النبي ﷺ ، مثلوا بماذا؟ بالعام الذي أريد به الخصوص وأريد به واحد، وهذا كان عند المتقدمين لا تفريق بين النوعين، المتقدمون من الأصوليين ممن كتب لا يفرقون بين النوعين فهو نوعٌ واحد فحينئذٍ عومل معاملة العام المخصوص فنظر على دلالته على واحد فقيل يجوز أن يخصص إلى أن يبقى واحد، والصواب التفريق بين النوعين وأن النوع العام المخصوص حقيقة والنوع الثاني مجازٌ مرسل علاقته الكلية والجزئية لأنه من باب إطلاق الكل على الجزء.
قال ﵀:
النوع الثاني والثالث: العامُّ المخصوص، والعامُّ الذي أُرِيدَ به الخُصوصُ
وَأَوَّلٌ شَاعَ لِمَنْ أَقَاسَا ... والثَّانِ نَحْوُ يَحْسُدُونَ النَّاسَا
وَأَوَّلٌ حَقِيْقَةٌ والثَّانِيْ ... مَجَازٌ الفَرْقُ لِمَنْ يُعَانِيْ
قَرِيْنَةُ الثَّانِيْ تُرَى عَقْلِيَّةْ ... وَأَوَّلٌ قَطْعاً تُرَى لَفْظِيَّةْ
والثَّانِ جَازَ أَنْ يُرَادَ الوَاحِدُ ... فِيْهِ وَأَوَّلٌ لِهذَا فَاقِدُ
(وَأَوَّلٌ) بالتنوين، العام المخصوص، (شَاعَ) وكثر، كثير في الكتاب لأن البحث هنا في الكتاب، (وَأَوَّلٌ) أي العام المخصوص (شَاعَ) وكثر لمن (أَقَاسَا) الألف للإطلاق (أَقَاسَا) بمعنى: تتبع، من تتبع القرآن وجد أن العام المخصوص كثير وخاصةً في الأحكام، بل لا يكاد أن يوجد حكم عام لفظٌ عام يتضمن حكمًا شرعيًا إلا وقد خص حينئذٍ صار كثيرًا وشائعًا.
стр. 309
(وَأَوَّلٌ شَاعَ لِمَنْ أَقَاسَا) كثر (والثَّانِ) العام الذي أُريد به الخصوص ... (والثَّانِ) بحذف الياء (نَحْوُ) قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾. الألف للإطلاق هنا ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ الناس قيل: النبي ﷺ ، أُطلق عليه الناس لماذا؟ لجمعه ما في الناس من الخصال الحميدة، ولذلك سبق معنا أنه سُمِّيَ محمد لذلك.
(والثَّانِ) أي العام الذي أريد به الخصوص وعرفنا الفرق بين النوعين مثاله قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾، والناس المراد به النبي ﷺ على قولهم حينئذٍ أطلق لفظ الناس وهو عامٌ لفظٌ مستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضعٍ واحدٍ من غير حصر هذا لفظٌ عام لكنه ابتداءً أُطلق على النبي ﷺ .
(وَأَوَّلٌ حَقِيْقَةٌ) يعني فرق وأراد أن يفرق بين النوعين، مَثَّلَ للثاني ولم يُمَثِّلُ للأول لشهرته، والمشهور الأصل فيه أنه لا يذكر، والآصل الأصل فيه على أنه لا يذكر يعني: ما كان على أصل فالأصل أنه لا يذكر وما كان شائعًا ذائعًا فالأصل أنه معلوم وما كان معلوم لا يحتاج إلى التمثيل، لكن الثاني فيه نوع لبس وخفاء وقلة فاحتاج إلى أن يمثل له، أراد أن يفرق بين النوعين قال: ... (وَأَوَّلٌ) أي العام المخصوص (حَقِيْقَةٌ) وعرفنا هذا، لاستعماله فيما وضع له ثم أخرج منه البعض بمخصص، لماذا هو حقيقة؟
لأنه استعمل في ما وضع له في لغة العرب، وكونه أخرج بعض الأفراد بمخصص لا يُخرجه عن كونه حقيقة لأن تناول اللفظ للأفراد بعد التخصيص كتناوله له قبل التخصيص، فلا فرق حينئذٍ.
(والثَّانِيْ) الذي هو العام الذي أريد به الخصوص (مَجَازٌ) لماذا؟
لأنه استُعمل ابتداءً في بعض ما وُضع له، لا بد من قيد ابتداء، لأنه استُعمل ابتداءً في بعض ما وُضع له، وهذا المجاز يُسمى مجازًا مرسلاً من إطلاق الكل مرادًا به الجزء، وعلاقته الكلية والجزئية وهي من علاقات المجاز المرسل، ... ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩]. كل الأصبع أم أطرافها؟ أطرافهَا، يقولون: هذا مجاز، أطلق الكل وأريد به الجزء أو البعض.
(الفَرْقُ لِمَنْ يُعَانِيْ). (الفَرْقُ) يعني المذكور بكون الأول حقيقة والثاني مجازًا ظاهرٌ (لِمَنْ يُعَانِيْ) لمن يعتني به، يعني بالفرق، لمن يعتني به يعلم أن الأول حقيقة والثانية مجاز.
стр. 310
(قَرِيْنَةُ الثَّانِيْ) الذي هو العام الذي أريد به الخصوص قرينته ماذا؟ (تُرَى) أي تعلم عقلية نسبةً إلى العقل لأن القرائن قد تكون لفظية وقد تكون عقلية وقد تكون معنوية، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] هذا مُثِّلَ له بالقرينة العقلية وسبق أن الكثير من الأصوليين يُمَثِّلُون به يعني: بهذه الآية على ماذا؟ المخصص العقلي أليس كذلك؟ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ شيء، هو شيء هذا جاء في الكتاب أنه يطلق على الرب جل وعلا ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ... [القصص: ٨٨]. جل وعلا حينئذٍ نقول: أُطلق لفظ الشيء على الله قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ هل خلق نفسه؟ الجواب: لا. إذًا بمخصص هو العقل القرينة هنا عقلية ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. مع أنها لم تدمر السماوات والأرض، أليس كذلك؟ قالوا: التخصيص هنا حصل بالعقل (قَرِيْنَةُ الثَّانِيْ) العام الذي أريد به الخصوص (تُرَى عَقْلِيَّةْ) يعني تُعلم عقلية نسبة إلى العقل وقيل: حالية وهذا في الغالب، وقد تكون لفظية، قد تكون قرينة العام الذي أريد به الخصوص لفظية ما هو مثاله؟ ... [أحسنت] ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. هذه قرينة لفظية ذكرناه فيما سبق: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. قلنا النظر إلى سياق الآية يدل على ماذا؟ على أن الناس هنا استعمل في ماذا؟ في غير ما وُضِعَ له، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾. بذا
بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ
هذا مرجعه ماذا؟ اسم الإشارة للمفرد المذكر، لو كان المراد بالناس في قوله ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ لو كان المراد به جميع مدلوله لقال: إنما أولئكم الناس، إنما أولئكم الشيطان أو الشياطين، لكنه ما قال ﴿إِنَّمَا ... ذَلِكُمُ﴾ فدل على ماذا فدل على أن المراد باللفظ الأول واحد.
(قَرِيْنَةُ الثَّانِيْ تُرَى عَقْلِيَّةْ) إذًا هذا في الغالب وقد تكون قرينته لفظية كما في الآية التي ذكرناها حيث المراد به واحد، (وَأَوَّلٌ) أي العام المخصوص ... (قَرِيْنَةُ) (تُرَى لَفْظِيَّةْ) (قَطْعاً)، (وَأَوَّلٌ) العام المخصوص (قَرِيْنَةُ) ... (قَطْعاً) أي جزمًا (تُرَى) أي تعلم (لَفْظِيَّةْ) كالاستثناء والشرط والغاية، أو الكتاب بالكتاب أو الكتاب بالسنة .. إلى آخره، يعني المخصصات كلها المتصلة والمنفصلة، المخصصات المنفصلة ذكرنا أنها تسعة، والمخصصات المتصلة ذكرنا أنها أربعة أو خمسة، كل هذه لفظية. إذًا (قَرِيْنَةُ الثَّانِيْ) الذي هو العام الذي أريد به الخصوص عقلية لا لفظية هذا في الحكم الأغلبي وأما العام المخصوص فهذا قرينته ماذا؟ لفظية سواءً كانت متصلة أو منفصلة.
стр. 311
(والثَّانِ جَازَ أَنْ يُرَادَ الوَاحِدُ فِيْهِ) (والثَّانِ) بحذف الياء للوزن (والثَّانِ) أي العام المراد به الخصوص المجاز، جاز بلا خلافٍ أن يراد به الفرد الواحد ولذلك أجمعوا على أن المراد الناس واحد في قوله نعيم بن مسعود، (والثَّانِ جَازَ) بلا خلافٍ أن يراد به الفرد الواحد، (فِيْهِ) هذا به في بمعنى الباء هنا ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]. يعني في الليل إذا الباء تأتي بمعنى في وهنا في بمعنى الباء، إذًا كلٌ منهما يتناوب عن الآخر، معتلق بقوله: (يُرَادَ) به (الوَاحِدُ) وذكرنا هذا:
جوازه لواحدٍ في الجمع ... أتت به أدلة في الشرع
والصواب أنه لا، بل أقل الجمع، (وَأَوَّلٌ لِهذَا فَاقِدُ)، (وَأَوَّلٌ) أي العام المخصوص (لِهذَا) أي الجواز بإرادة الواحد (فَاقِدُ) فلا يجوز فيه حينئذٍ قصر العام على فردٍ من أفراده جوازًا متفقًا عليه، بل يجوز عند بعضهم ويمتنع عند آخرين حينئذٍ يكون ممنوعًا لماذا؟
لما ذكرناه عن الغسل لأنه يدل على الجمع بصورته فحينئذٍ لا بد إذا خُصِّصَ من جهة المعنى أن يدل على أقل ما يدل عليه الجمع وهو ثلاثة على الصواب أن أقل الجمع ثلاثة، إذًا قوله: (والثَّانِ) أي العام المراد به الخصوص جاز أن يراد به الواحد لأنه مجاز فيستعمل للجمع مرادًا به الواحد ولا إشكال، وأما الثاني فلأنه حقيقة حينئذٍ لا يجوز أن يُخَصَّصَ الجمع إلى أن يبقى واحد بل إلى أن يبقى أقل الجمع وهو ثلاثة. (وَأَوَّلٌ لِهذَا) أي الجواز لإرادة الواحد فاقدٌ فلا يجوز فيه قصر العام على فردٍ من أفراده جوازًا متفقًا عليه بل على خلافٍ والأصح التفصيل إلى أن يبقى أقل الجمع إن كان جمعًا وإلا واحدٍ في غيره إلى أقل الجمع فيما إن كان جمعًا وإلى واحدٍ في غيره.
هذا فيما يتعلق بالجمع والتفريق بين الأنواع.
النوع الرابع: ما خُصَّ مِنهُ بالسنَّةِ
стр. 312
خُصَّ بمعناه أنه أراد بالتبيين الخاص كأنه قال العام والخاص، لأنه يذكر هذه الأنواع متقابلة، المنطوق والمفهوم، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، كذلك العام والخاص، ولذلك نقول: الخاص ضد العام، والتخصيص هو قصر العام على بعض أفراده، يعني يكون اللفظ عامًا يشمل كل الأفراد فيتعلق به حكمٌ ثم يَرِدُ دليل متصل أو منفصل فَيَخُصُّ بعض تلك الأفراد بحكم مغاير لحكم العام كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ ... قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. الحكم هنا يشمل كل مطلقة من حيث اللفظ وأما إذا نظرنا إلى سائر المخصصات سننظر فإذا به يأتي قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. هذه آية اختص الحكم فيها بذوات الأحمال وهي مطلقة إذًا هي مخصوصة من قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ فنقول هذا ماذا؟ قصر العام يعني حكم العام على بعض أفراده قصر العام يعني: قصر حكمه أما العام فيبقى عام لا يقصر وإنما الذي يقصر هو الحكم على بعض أفراده وأين البعض الأخر؟ خرج بالتخصيص، إذًا التخصيص هو قصر العام على بعض أفراده، ويطلق التخصيص على الدليل الذي حصل به التخصيص على نفس الدليل، فالْمُخَصِّصُ هو التَّخْصِيصُ عند بعضهم، التَّخْصِيص بمعنى الْمُخَصِّص فصار حقيقةً عرفية أو مجازًا عند الأصوليين في إطلاق الْمُخَصِّص على التَّخْصِيص والتَّخْصِيص على الْمُخَصِّص، وإن كان الأصل في الْمُخَصِّص ما هو؟ هو الشارع المخصص من هو؟ هو الشارع إرادة الشارع، عدم إرادة هذا الفرد في الحكم لكنه نقل من هذا المعنى وجُعل علمًا على الدليل نفسه، ولذلك نقول: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ مُخَصِّص، من الْمُخَصِّص النص اللفظ أم الرب جل وعلا؟ الرب هو الذي خَصَّصَ لكن سُمِّيَ الدليل وأولات الأحمال سُمِّيَ مُخَصِّصًا من باب التوسع.
إذًا الخاص لغةً ضد العام، والتخصيص عرفناه، وأما الخاص لأنه يقابل التخصيص هو اللفظ الدال على محصورٍ بشرطٍ أو عدم لأنه ضد العام، العام لفظٌ مستغرقٌ بلا عدد ولا حصر، الخاص عكسه لفظٌ لم يستغرق أو استغرق إما أنه لم يستغرق كزيد والرجل إذا أريد به معين إذا لم يستغرق أو استغرق لكنه مع حصرٍ، تقول رأيت رجالاً هذا دال على حصر ليس بعام أليس كذلك محصور رجال ثلاثة، هذا أقل ما يحمل عليه اللفظ، عندي مائة ريال. نقول: هذا محصور بعدد يسمى خاصًا حكم التخصيص الإجماع منعقدٌ على جواز التخصيص من حيث الجملة، شرطه أنه لا يصح إلا بدليلٍ صحيح، أثره يجب العمل بدليل التخصيص إذا صح في صورة التخصيص وإنزال دلالة العام عليه، يعني: اللفظ العام يدل على الصورة التي أُخرج حكمها من اللفظ العام لكنها من حيث دلالة اللفظ العام لها مهدرة يعني غير معمولٍ بها مضطرحة فقوله: ... ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾. هذا يشمل ذوات الأحمال أو لا؟ يشمله لا شك في هذا، لكن من حيث الحكم لا يشملها. إذًا أهدرت هذه الصورة صورة الأصل داخلة لكنها أهدرت لماذا؟
لوجود الدليل المخصص الذي خصها بحكم المخالف للحكم العام.
стр. 313
إذًا أثره يجب العمل بدليل التخصيص إذا صح في صورة التخصيص: ... ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾. نُعمل هذا اللفظ فيما دل عليه اللفظ، ونبقي مدلول العام أو نترك دلالة العام على بقية الأفراد غير صورة التخصيص، فصارت دلالة اللفظ العام على ما أخرج بالنص مهدرة، الصورة داخلة لكنها من حيث الحكم مهدرة واضح؟
(ما خُصَّ مِنهُ) من السنة، (ما) أي: القرآن الذي خُصَّ منه بالسنة، إذا عُلِمَ أن الإجماع منعقد على جواز التخصيص بالجملة حينئذٍ عندنا وحيان كتابٌ وسنة كل منهما يُخَصِّصُ الآخر، الكتاب يُخَصِّصُ السنة مطلقًا سواءً كانت متواترة أم آحادية، والسنة تُخَصِّصُ الكتاب مطلقًا سواءً كانت السنة آحادية أم متواترة ثم الدليل الآخر الذي هو الإجماع والقياس، الإجماع لا شك أنه يُخَصِّصُ الكتاب ويخصص السنة، وأما القياس هذا فمحل نزاع والأصح أنه يخصص. (ما خُصَّ مِنهُ) أي القرآن (بالسنَّةِ) هنا خص السنة لماذا؟
لكونها وحيًا لأنه يتكلم عن الوحي الذي هو القرآن، والسنة وحيًا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. حينئذٍ أطلق هنا التخصيص تخصيص القرآن بالسنة لهذه الفائدة (ما خُصَّ مِنهُ بالسنَّةِ) السنة في اللغة سيرةً حميدةً كانت أو ذميمة ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٢]. يعني طريقته في المكذبين ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]. ولكل قومٍ سنة وإمامها تطلق السنة على ما يقابل القرآن ومنه حديث مسلم: «يؤم القوم أقرئهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة». السنة هنا مقابلة للقرآن، والمراد بالسنة هنا في اصطلاح الأصوليين ما خُصَّ منه يعني: القرآن بالسنة بأي مفهوم بالسنة هل السنة المقابلة للفرض؟ أم السنة المقابلة للبدعة؟ أم السنة المقابلة للقرآن؟ أم السنة عند الأصوليين وهي أقولٌ النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته؟
الأخيرة. إذًا المراد بالكتاب هنا ما خص بالكتاب أو الكتاب الذي خص بقول النبي ﷺ أو بفعله أو بتقريره، (ما خُصَّ مِنهُ بالسنَّةِ) أطلق المصنف هنا السنة فيشمل حينئذٍ المتواترة والآحاد، إذًا يخص الكتاب بالسنة مطلقًا، تخصيص الكتاب بالسنة مطلقًا، أما المتواترة فمحل اتفاق يعني: جائزٌ أن يأتي الدليل العام في الكتاب في القرآن ثم يأتي المخصص من السنة، أما المتواترة إن كان المخصص من السنة سنة متواترة فهذا جائزٌ باتفاقٍ بدليلين:
стр. 314
أولاً: مشاهدة الوقوع ودائمًا نجعل الوقوع دليل الجواز، إذا وقع شيء تجده أمامك في الكتاب والسنة تقول: هذا جائز ولو كان فردًا واحدًا، فنقول: تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة جائزٌ بدليل مشاهدة الوقوع والوقوع دليل الجواز. مثال تخصيص الكتاب بالسنة قوله ﷺ : «لا يرث القاتل» مع قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]. وقوله ﵊ «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». هذان حديثان في الزمن الأول اعتُرض بكونهما ليس متواترين ولكن أجيب بكونهما متواترين في الزمن الأول في زمن الصحابة ولذلك لم يختلفوا في هذا الحكم فدل على أن الدليل معلومٌ عند الكل، فحينئذٍ صار متواترًا في زمن الصحابة والعبرة في تأصيل الأحكام هو زمن الصحابة العبرة في تأصيل الأحكام والأصول والقواعد هو زمن الصحابة إذًا هذان الحديثان خَصَّصَا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. أين العام؟ أولادكم ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ عامٌ أضيف حينئذٍ يعم الكافر والمسلم القاتل وغير القاتل الذكر والأنثى جاء لفظ: «لا يرث القاتل». إذًا ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ نقيده ما لم يكن قاتلاً فأخرجنا القاتل فإن قتل الولد أباه لا يرث، لو كان الولد كافرًا والأب مسلمًا حينئذٍ نقول: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ يشمل الأصل الكافر والمسلم لكن جاء دليل مخصص وهو أن الكافر لا يرث المسلم ولا المسلم الكافر فحينئذٍ نخص العام، إذًا العام في القرآن والخاص جاء في السنة فجاز تخصيص العام الذي في القرآن بالسنة، والحديثان في مرتبة التواتر في زمن التخصيص وهو زمن الصحابة لأن بعضهم اعترض قال: هذا الحديث آحاد. نقول: لا، الحديثان في مرتبة التواتر في زمن التخصيص وهو زمن الصحابة، والعبرة به لا بهذا الزمن، ولو سُلِّمَ بأنها آحاد فحينئذٍ اتفقوا والعبرة بالصحابة اتفقوا على تخصيص قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. بقوله: «لا يرث القاتل». «ولا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». حكمنا بأنهما حديثان آحاديان فخَصَّصَ الصحابة القرآن بالسنة الآحادية، والمتواتر أقوى من الآحاد فإذا أعملوا الأضعف الذي هو الآحاد عندهم فمن باب أولى أن يخصصوه بالمتواتر. إذًا سواء قلنا بأنهما متواترين أم آحاد نقول: اتفاق أنه حصل التخصيص به. لأنه في مرتبة التواتر في زمن الصحابة فصح الدليل قالوا: لا، هذا الحديث آحاد. نقول: إذا خصصوا بالآحاد والعام في القرآن وهذه سنة فمن باب أولى وأحرى أن يخصصوه بالمتواتر هذا يدل على ماذا؟ على فقه. إذًا عرفنا هذا.
стр. 315
مثال تقسيمة الكتاب بالسنة الفعلية المتواترة رجم ماعز بن مالك هذا فعل فعله النبي ﷺ ، خَصَّصَ قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. فصارت الآية قاصر على ماذا؟ الزاني البكر والزانية البكر، أما المحصن فلا، هذا الدليل الأول مشاهدة الوقوع إذًا يجوز تخصيص القرآن بالسنة مطلقًا المتواترة والآحادية، ذكرنا الدليل الأول على تخصيص القرآن بالسنة المتواترة سواءً كانت قوليه كما في «لا يرث القاتل». أو فعلية كما في رجم ماعز بن مالك.
الدليل الثاني: العام من الكتاب والخاص من السنة المتواترة، العام إذا جاء في القرآن والخاص في السنة المتواترة نقول: هذان دليلان شرعيان كل منهما يُثْبَتُ به حكم شرعي أليس كذلك لو جاء العام لوحده دون معارض للسنة يُعمل به وتُثبت به الأحكام لو جاء في السنة لوحده دون معارضة مع الكتاب يُثبت به أحكام، إذًا كل منهما دليلان، فإما أن يعمل بهما معًا وإما أن يُطَّرحا معًا وإما أن يقدم العام على الخاص وإما أن يقدم الخاص على العام، [كيف هذا هل يمكن أن يعمل بهما معًا؟ لا ما يمكن إذا أعملت النصين معًا في غير سورة التخصيص لا إشكال، لكن هل يمكن أن تُوَرِّث الولد القاتل ولا تورثه هذا معنى أنك أعملت النصين معناه ماذا؟ أنك قد وَرَّثْتَ الولد القاتل ولم تورثه أيضًا، وَرَّثْتَه ولم تورثه يمكن؟ لا يمكن] هل نسقطهما معًا هذا باطل هل يقدم العام على الخاص مطلقًا؟ نقول: لا لماذا؟ إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما فلو قدمت العام مطلقًا يعني: ورثت القاتل وهو ولد «لا يرث القاتل» هذا نص ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ هذا يشمل القاتل لو قدمت العام معناه أنك ورثت الولد القاتل ولا يرث القاتل كأنها غير موجود هذا معناه تقديم العام، قدمت الخاص على العام معناه أنك أعملت العام في غير صورة الخاص وأعملت الخاص في ما دل عليه، وهذا الرابع هو الأصح وهو الأولى.
أما تخصيص الكتاب بالسنة الآحادية، فالجمهور على جواز التخصيص، تخصيص الكتاب بالسنة الآحادية، الجمهور إذًا فيه خلاف ليس كالأول، الأول متفق عليه، تخصيص الكتاب القرآن بالسنة الآحادية الجمهور على جواز تخصيص الكتاب بالسنة الآحادية وهو الحق بدليلين:
أولاً: إجماع الصحابة والحمد لله، فقد خَصَّصُوا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. بعد أن عد المحرمات قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾. ومنه ماذا؟ جمع المرأة على عمتها والعمة والخالة، والعمة والخالة على المرأة وجاء حديث «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها». فخصصهم وهذا آحاد «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها». هذا آحاد خصص الآية ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا﴾ هذه صيغة عموم ﴿مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾.
стр. 316
الثاني: في إثبات تخصيص الكتاب بالسنة الآحادية هو الثاني في النوع الأول يعني تقول: هما دليلان شرعيان كل منهما يثبت به حكم شرعي، إما أن يُطَّرحا معًا أو يعملا معًا أو يقدم العام على الخاص أو الخاص على العام والثلاثة الأولى باطلة فيتعين أن يقدم الخاص على العام لا يلتبس عليك التعبير، تقديم العام على الخاص معناه الخاص كأنه لم يوجد لا أثر له فتقدم العام في الصورة التي دل عليها الدليل الخاص والخاص صار ملغيًا، هذا تقديم العام على الخاص وذكرنا أن هناك رواية عن الإمام أحمد بهذا، والصواب أنه يقدم الخاص عن العام فيعمل العام في غير صورة الخاص، وما كان من صورة الخاص دخل في العام فهو إهدارها الذي ذكرناه في حكم التخصيص أو أثره.
قال ﵀:
النوع الرابع: ما خُصَّ مِنهُ بالسنَّةِ
بالسنة يشمل السنة المتواترة القولية والفعلية، والآحادية القولية والفعلية.
(تَخْصِيْصُهُ بِسُنَّةٍ قَدْ وَقَعَا) (تَخْصِيْصُهُ) أي: القرآن. (بِسُنَّةٍ) صحيحة أو حسنة وفي الشرع عبر بماذا صحيحة أو في منزلتها. قال المحشي: ليشمل خبر الآحاد ولا إشكال. ليشمل ماذا؟ خبر الآحاد (قَدْ وَقَعَا) (قَدْ) للتحقيق (وَقَعَا) الألف للإطلاق أي: وقعا وقوعًا كثيرًا تخصيص القرآن بالسنة مطلقًا وقعا وقوعًا كثيرًا، وقعا الألف للإطلاق يعني: هذا كثير.
(فلا تَمِلْ لِقَولِ مَنْ قَدْ مَنَعَا)، (فلا تَمِلْ) يعني: إذا عرفت أنه قد وقعا وهو كثير بتخصيص الكتاب بالسنة يتفرع على هذا الفاء للتفريع هذه (فلا تَمِلْ) ما نوعه هذا؟ اسم أم فعل أم حرف؟ فعل أي أنواع الأفعال؟ مضارع أم أمر؟ تَمِلْ تميل عنه (فلا تَمِلْ) أصله مأخوذ من الميل مال يميل تميل فلا تمل سكنت اللام للا يعني لا الجازمة فالتقى الساكنان الياء واللام فحذفت الياء (فلا تَمِلْ) يعني: فلا تميل. (لِقَولِ مَنْ قَدْ مَنَعَا) (لِقَولِ) عالمٍ أو شخص قد منعا، الألف للإطلاق لكنه يوهم هذا القول بأن هذا من منعا أن المنع واقع على ماذا؟ على السنة المتواترة في كونها مخصصة للكتاب والسنة الآحادية وليس الأمر كذلك، بل الخلاف في السنة الآحادية، وأما السنة المتواترة فهذا بلا خلاف لأن السنة المتواترة قطعية والقرآن قطعي ولا بأس بتخصيص القطعي بالقطعي، أما الآحاد فعندهم ظنية كلها ظنية كل ما ليس بمتواتر فهو ظني والقرآن قطعي فلا يقوى الظني على تخصيص القطعي (فلا تَمِلْ لِقَولِ مَنْ قَدْ مَنَعَا) كأبي حنيفة وغيره هكذا مثل في الشرح المساوي والأصح أن فيه تخصيص لأن المسألة فيها أربعة مذاهب:
المذهب الأول يعني فيمن منع تخصيص الكتاب بخبر الواحد.
стр. 317
المذهب الأول: المنع مطلقًا. والإطلاق هنا يعرف بالمذاهب الآتية وهو مذهب بعض الفقهاء وبعض المتكلمين يعني: لا يجوز أن يخصص القرآن بخبر الواحد مطلقًا ما حجتهم؟ قالوا: إن الكتاب قطعي والسنة ظنية والقطعي لا يخصص بالظن كالنسخ، إذ التخصيص نسخ الحكم عن بعض الأفراد، التخصيص يشبه النسخ وسبق معنا في القواعد الفروق بين التخصيص والنسخ فلا عودة ولا إعادة، لكن نقول هنا: التخصيص نسخ الحكم عن بعض الأفراد يعني: رفع، التخصيص فيه رفع والنسخ فيه رفع، لكن التخصيص رفع عن بعض الأفراد، والنسخ رفع في الغالب عن كل الأفراد، إذًا فرق بينهما.
أجيب عن هذه الحجة: بأن خبر الواحد وإن كان ظني الثبوت إلا أن دلالته على معناه أقوى من دلالة العام. لو سُلِّم بأن خبر الواحد من جهة السند ظني الثبوت إلا أنه من جهة الدلالة هو أقوى لأن قوله مثلاً: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. دلالته على ذوات الحمل أو الأحمال محتملة، وأولات الحمل هذا نص وأيهما أقوى في الدلالة النص حينئذٍ صار اللفظ أو الخبر خبر الواحد هذا ليس بالسنة كمثال فقط يعني من باب التنظير ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] نقول: هذا خاص دلالته على أولات الحمل أظهر من دلالة ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ على ذوات الحمل لماذا؟ لأن ذاك اللفظ العام ... ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ يدل على أولات الحمل احتمالاً وهذا يدل عليها من جهة النص فحينئذٍ صار أقوى إلا أن دلالته على معناه أقوى من دلالة العام إلا أنه غير محتمل وأما العام فيحتمل فيكون راجحًا عليه والعمل بالراجح متعين، وبأن النسخ أشد من التخصيص ولذلك منع الجمهور أن ينسخ القرآن بخبر الواحد وهذا سيأتي معنا، جمهور أهل العلم على المنع والصواب على الجواز كما سيأتي بيانه، لكن من باب ذكر المسألة هنا أن أكثر أهل العلم على منع نسخ القرآن بخبر الواحد وجمهورهم على جواز تخصيص القرآن بخبر الواحد لماذا؟
لأن النسخ أشد من التخصيص لأنه رفع لكل الحكم وذاك رفع لبعض الحكم عن الأفراد، وبأن النسخ أشد من التخصيص، وبأن محل التخصيص إنما هو دلالته لا متنه وثبوته، لأنك إذا قارنت بين خبر الواحد بأنه ظني والنص القرآني بأنه قطعي نقول: محل التخصيص ما هو؟
الآن العام ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ من حيث الثبوت قطعي ومن حيث الدلالة ظني أليس كذلك؟ الآن ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ نقول: من حيث الدلالة قطعي الثبوت ومن حيث الدلالة والمعنى ظني الدلالة حينئذٍ هل يقال بأن الخبر الواحد ظني فلا يقوى على تخصيص القطعي؟ نقول: هو يخصص اللفظ أم يخصص المدلول؟ يخصص المدلول إذًا الاعتراض ليس بوارد، وبأن النسخ أشد من التخصيص وبأن محل التخصيص إنما هو دلالته لا متنه وثبوته ودلالة العام على كل فرد للخصوص ظنية بخلاف ثبوت ذلك العام في القرآن فإنه قطعي هذا مذهب الأول وهو المنع مطلقًا لا يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد مطلقًا.
الثاني: التخصيص بينما خص بقطعي وبينما خص بظني وهذا مذهب كثير من الحنفية. قالوا: إن كان العام في القرآن قد خصص بقطعي يعني: لفظ عام جاءت السنة المتواترة خصصته ثم جاء خبر الواحد وهو ظني فأراد أن يخصص ما خصص بالسنة القطعية المتواترة قالوا: يجوز. لماذا؟
стр. 318
لأنه انتهك عرضه من البداية، فإذا كان كذلك قالوا: يجوز أن يرد خبر الواحد فيخصص أما الذي لم يرد عليه تخصيص فلا يجوز. وهذا مذهب كثير من الحنفية التفصيل بين ما خص بقطعي عام في القرآن خص بقطعي يعني: بسنة متواترة. وبين ما خص بظني، فإن خص بقطعي فجاء الظني مخصصًا جاز وإن لم يخص مطلقًا وهو المحفوظ حينئذٍ لا يجوز أن يخص بخبر الواحد وكلها وحي فعلام التفرقة.
الثالث: التفصيل بين المخصص بالمتصل وبين المخصص بالمنفصل، فما لم يخص أو خص بمتصل فلا يخصصه خبر الواحد، وما خص بمنفصل صح. يعني: مثل الأول لكن بالنظر إلى المخصص هل هو متصل أو لا، فما لم يخص أو خص بمتصل يعني: جاء القرآن لفظ عام وجاء مخصص متصل بالقرآن فيجوز حينئذٍ أن يرد المخصص بخبر الواحد لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. الناس هذا عام جاء تخصيصه في القرآن بمتصل مثل هذا يصح أن يرد خبر الواحد مخصصًا له وما عداه فلا إن خُصَّ بمنفصل فلا ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ لا يصح أن يخصص بخبر الواحد لماذا؟
لأنه لم يخص بمتصل بل خص بمنفصل.
الرابع: يُعمل بما عدا الفرد الذي دل عليه الخاص، أما هو فإنه قد تعارض فنتوقف حتى يرد دليل يرجح أحدهما على الآخر، وهذا منسوب للباقلاني يعني يقول: إذا جاء لفظ عام في القرآن وجاء مخصصه في السنة الآحادية ما دل عليه السنة الآحادية لا نُجْرِي عليه حكم العام مثل لو مثلنا بالحديث «لا يرث القاتل» ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١] هذا يدل على أن القاتل يرث أليس كذلك؟ قوله: «لا يرث القاتل». هذا خبر واحد يدل على أن القاتل لا يرث يقول: نجري في غير قاتل الحكم على ما هو عليه، وأما القاتل فقد تعارض النصان هذا قال: يرث. وهذا قال: لا يرث. نحتاج إلى مرجح خارج فنتوقف، وهذا منسوب إلى الباقلاني المراد من قوله: (فلا تَمِلْ لِقَولِ مَنْ قَدْ مَنَعَا). أن المانعين على أربعة مذاهب ولذلك يقال: في المسألة خمسة مذاهب:
الأول: الحق أنه جائز مطلقًا. وبكون خبر الواحد لا يفيد إلا الظن مطلقًا بدون تفصيل هذا محل نظر وليس بسديد.
قال:
آحَادُهَا وغَيْرُها سَواءُ ... فَبِالْعَرَايَا خُصَّتِ الرِّبَاءُ
стр. 319
(آحَادُهَا) من السنة (وغَيْرُها) غير الآحاد وهو المتواتر سواءٌ هذا تأكيد لما ذكرناه في العنوان ما خص منه بالسنة أن مراد المصنف ماذا؟ المتواتر أو الآحاد وهنا نص على ما دل عليه قول السنة ضمنًا. (آحَادُهَا) أي: السنة آحاد السنة (وغَيْرُها) أي: غير الآحاد وهو المتواتر (سَواءُ) أي: مستوي في جواز تخصيص الكتاب بها (فَبِالْعَرَايَا خُصَّتِ الرِّبَاءُ)، (فَبِالْعَرَايَا) فإذا علمت ذلك فيتفرع ماذا؟ أن العرايا الذي هو حديث العرايا لأنه يريد أن يمثل ماذا؟ ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] هذا يشمل العرايا وغيرها فجاءت قصة العرايا في الصحيحين فحملنا اللفظ على غير سورة التخصيص (فَبِالْعَرَايَا) أي: فبحديث العرايا وهو ما رواه الشيخان وهو حديث آحاد أنه ﷺ رخص في بيع العرايا. (خُصَّتِ) آية (الرِّبَاءُ) ربا رباءُ لغتان (خُصَّتِ) آية ... (الرِّبَاءُ) وهي قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. حرم الربا الرِّبا إذًا هذا عام يشمل كل صور الربا ومنه العرايا خصت منه بالسنة حينئذٍ صار ماذا؟ آحادًا قد خصص قرآنًا، (فَبِالْعَرَايَا خُصَّتِ) آية (الرِّبَاءُ) وهي قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فإنها عامة للعرايا وغيرها، العرايا جمع عرية كمطايا جمع مطية، مأخوذٌ من التعري وهو التجرد، واختلف في تسميتها إذ سميت بذلك أنها عريت من جملة التحريم أي خرجت منها وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خاصًا في ما دون خمسة أوسق ولها تفاصيل في كتب الفقه، عرفنا هذا، ما خُصَّ منه بالسنة. إذًا قرآن يخص بالسنة، تخصيص القرآن بالسنة مطلقًا ثم قال ﵀:
النوعُ الخامسُ
قال ﵀: النوع الخامس، يعني: من العقد، الخامس.
[الذي يتعب يريد أن يتكيء ما في مانع
ما في .. الذي يتعب ويريد أن يتكيء على جزاه الله خير ... تحت ما في .. .]
النوع الخامس من العقد الخامس. ما يرجع إلى المعاني المتعلقة بالأحكام (ما خُصَّ به مِن السنَّةِ) عكس الأول العام في السنة ثم يرد الخاص في القرآن يعني: سنة خصصت القرآن، هل القرآن يخصص السنة هذا أيضًا محل أخذٍ ... وعطاء، (ما خُصَّ به) أي القرآن، القرآن خص به من السنة مطلقًا المتواترة والآحادية.
تخصيص السنة مطلقًا المتواترة والآحادية بالكتاب اختلفوا على مذهبين الأول يجوز تخصيص السنة بالكتاب أن يرد اللفظ العام في السنة ويرد اللفظ الخاص في القرآن، نقول: يجوز. وهو مذهب أكثر أهل العلم وهو الحق بدليلين:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. فالكتاب مبين لكل شيء والسنة شيء من الأشياء فيشملها اللفظ لكل شيء هذا من صيغ العموم يعني كل موجود فحينئذٍ السنة شيءٌ من الأشياء فحينئذٍ صح ماذا؟ أن يكون الكتاب مبينًا طيب، نحن نقول ماذا؟ نقول: مخصص. والتخصيص بيان [أحسنت].
إذًا قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ والسنة شيء والتخصيص بيان فيكون الكتاب مخصصًا للسنة.
стр. 320
الثاني: العام من السنة مطلقًا والخاص من الكتاب دليلان شرعيان نعم دليلاً شرعيان هذا نظر استقراء وتتبع لا يمكن إسقاط هذا النظر، لأن العام الذي هو من القرآن والخاص الذي في السنة دليلان شرعيان كل منهما يثبت به حكم شرعي، إما أن يعمل بهما معًا وإما أن يُطَّرحا معًا وإما أن يقدم العام وإما أن يقدم الخاص على ما ذكرناه والأصح أنه يقدم الخاص على العام، إذًا يقدم الخاص على العام مطلقًا سواءً كان الخاص بالكتاب أو بالسنة قاعدة عامة، الخاص يقدم على العام مطلقًا سواءٌ كان العام من الكتاب أو من السنة وسواءٌ كان الخاص من الكتاب أو من السنة وسواءٌ كانت السنة متواترة أو آحادية.
المذهب الثاني: لا يجوز تخصيص السنة بالكتاب، لماذا؟ يعني: لا يجوز أن يرد اللفظ العام في السنة ويرد مخصصه في القرآن لماذا؟ هذا مذهب بعض الشافعية وبعض المتكلمين قالوا: دليلهم دفع الإيهام لأنك لو جعلت الكتاب مخصصًا للسنة والتخصيص بيان لصار الكتاب مبينًا للسنة والعكس هو الذي جاء به النص فدفعًا لهذا الإيهام قالوا: نمنع ماذا؟ نمنع أن يكون الكتاب مخصصًا للسنة. إذًا دليلهم دفع الإيهام وهو أنه إذا وصف الكتاب بكونه بيانًا للسنة تُوهِّم بأنه تابعٌ للسنة لأن البيان تابعٌ فوجب ألا يجوز دفعًا للإيهام، إيهام من؟
وأجيب بالمنع، نمنع أن يكون ثّمَّ إيهام لأن الله تعالى وصف الكتاب بكونه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. ومنه السنة ولا إشكال وهذا كان في معرض المدح حينئذٍ لو كان المبين تابعًا للسنة وهنا قد جاء المدح به نقول قد دل الدليل على أنه تابعٌ وهو ممدوحٌ، فحينئذٍ ليس عندنا إيهام يمكن دفعه، فهو مُبَيِّن ومُبَيَّن في كلتا الحالتين هو ممدوح وإذا مدح صار ماذا؟ صار أصلاً ولذلك يمكن أن يدفع هذا الإيهام بماذا؟ بما تقرر في نفوس وخاصة الناظر في التخصيص العام وبأهل العلم بكون القرآن أصلاً هل يمكن أن نقول قائل من أهل العلم وممن يعرف أن هذا تخصيص وهذا مخصص أن يقول: إن السنة هي الأصل مطلقًا في الأحكام الشرعية، هذا لا يرد حتى في حديث النفس، بل القرآن هو الأصل والسنة فرعٌ، والسنة حجيتها ثابتةٌ بالقرآن ولا شك.