Полный текст (384 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الثاني: في إثبات تخصيص الكتاب بالسنة الآحادية هو الثاني في النوع الأول يعني تقول: هما دليلان شرعيان كل منهما يثبت به حكم شرعي، إما أن يُطَّرحا معًا أو يعملا معًا أو يقدم العام على الخاص أو الخاص على العام والثلاثة الأولى باطلة فيتعين أن يقدم الخاص على العام لا يلتبس عليك التعبير، تقديم العام على الخاص معناه الخاص كأنه لم يوجد لا أثر له فتقدم العام في الصورة التي دل عليها الدليل الخاص والخاص صار ملغيًا، هذا تقديم العام على الخاص وذكرنا أن هناك رواية عن الإمام أحمد بهذا، والصواب أنه يقدم الخاص عن العام فيعمل العام في غير صورة الخاص، وما كان من صورة الخاص دخل في العام فهو إهدارها الذي ذكرناه في حكم التخصيص أو أثره.
قال ﵀:
النوع الرابع: ما خُصَّ مِنهُ بالسنَّةِ
بالسنة يشمل السنة المتواترة القولية والفعلية، والآحادية القولية والفعلية.
(تَخْصِيْصُهُ بِسُنَّةٍ قَدْ وَقَعَا) (تَخْصِيْصُهُ) أي: القرآن. (بِسُنَّةٍ) صحيحة أو حسنة وفي الشرع عبر بماذا صحيحة أو في منزلتها. قال المحشي: ليشمل خبر الآحاد ولا إشكال. ليشمل ماذا؟ خبر الآحاد (قَدْ وَقَعَا) (قَدْ) للتحقيق (وَقَعَا) الألف للإطلاق أي: وقعا وقوعًا كثيرًا تخصيص القرآن بالسنة مطلقًا وقعا وقوعًا كثيرًا، وقعا الألف للإطلاق يعني: هذا كثير.
(فلا تَمِلْ لِقَولِ مَنْ قَدْ مَنَعَا)، (فلا تَمِلْ) يعني: إذا عرفت أنه قد وقعا وهو كثير بتخصيص الكتاب بالسنة يتفرع على هذا الفاء للتفريع هذه (فلا تَمِلْ) ما نوعه هذا؟ اسم أم فعل أم حرف؟ فعل أي أنواع الأفعال؟ مضارع أم أمر؟ تَمِلْ تميل عنه (فلا تَمِلْ) أصله مأخوذ من الميل مال يميل تميل فلا تمل سكنت اللام للا يعني لا الجازمة فالتقى الساكنان الياء واللام فحذفت الياء (فلا تَمِلْ) يعني: فلا تميل. (لِقَولِ مَنْ قَدْ مَنَعَا) (لِقَولِ) عالمٍ أو شخص قد منعا، الألف للإطلاق لكنه يوهم هذا القول بأن هذا من منعا أن المنع واقع على ماذا؟ على السنة المتواترة في كونها مخصصة للكتاب والسنة الآحادية وليس الأمر كذلك، بل الخلاف في السنة الآحادية، وأما السنة المتواترة فهذا بلا خلاف لأن السنة المتواترة قطعية والقرآن قطعي ولا بأس بتخصيص القطعي بالقطعي، أما الآحاد فعندهم ظنية كلها ظنية كل ما ليس بمتواتر فهو ظني والقرآن قطعي فلا يقوى الظني على تخصيص القطعي (فلا تَمِلْ لِقَولِ مَنْ قَدْ مَنَعَا) كأبي حنيفة وغيره هكذا مثل في الشرح المساوي والأصح أن فيه تخصيص لأن المسألة فيها أربعة مذاهب:
المذهب الأول يعني فيمن منع تخصيص الكتاب بخبر الواحد.
стр. 317
المذهب الأول: المنع مطلقًا. والإطلاق هنا يعرف بالمذاهب الآتية وهو مذهب بعض الفقهاء وبعض المتكلمين يعني: لا يجوز أن يخصص القرآن بخبر الواحد مطلقًا ما حجتهم؟ قالوا: إن الكتاب قطعي والسنة ظنية والقطعي لا يخصص بالظن كالنسخ، إذ التخصيص نسخ الحكم عن بعض الأفراد، التخصيص يشبه النسخ وسبق معنا في القواعد الفروق بين التخصيص والنسخ فلا عودة ولا إعادة، لكن نقول هنا: التخصيص نسخ الحكم عن بعض الأفراد يعني: رفع، التخصيص فيه رفع والنسخ فيه رفع، لكن التخصيص رفع عن بعض الأفراد، والنسخ رفع في الغالب عن كل الأفراد، إذًا فرق بينهما.
أجيب عن هذه الحجة: بأن خبر الواحد وإن كان ظني الثبوت إلا أن دلالته على معناه أقوى من دلالة العام. لو سُلِّم بأن خبر الواحد من جهة السند ظني الثبوت إلا أنه من جهة الدلالة هو أقوى لأن قوله مثلاً: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. دلالته على ذوات الحمل أو الأحمال محتملة، وأولات الحمل هذا نص وأيهما أقوى في الدلالة النص حينئذٍ صار اللفظ أو الخبر خبر الواحد هذا ليس بالسنة كمثال فقط يعني من باب التنظير ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] نقول: هذا خاص دلالته على أولات الحمل أظهر من دلالة ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ على ذوات الحمل لماذا؟ لأن ذاك اللفظ العام ... ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ يدل على أولات الحمل احتمالاً وهذا يدل عليها من جهة النص فحينئذٍ صار أقوى إلا أن دلالته على معناه أقوى من دلالة العام إلا أنه غير محتمل وأما العام فيحتمل فيكون راجحًا عليه والعمل بالراجح متعين، وبأن النسخ أشد من التخصيص ولذلك منع الجمهور أن ينسخ القرآن بخبر الواحد وهذا سيأتي معنا، جمهور أهل العلم على المنع والصواب على الجواز كما سيأتي بيانه، لكن من باب ذكر المسألة هنا أن أكثر أهل العلم على منع نسخ القرآن بخبر الواحد وجمهورهم على جواز تخصيص القرآن بخبر الواحد لماذا؟
لأن النسخ أشد من التخصيص لأنه رفع لكل الحكم وذاك رفع لبعض الحكم عن الأفراد، وبأن النسخ أشد من التخصيص، وبأن محل التخصيص إنما هو دلالته لا متنه وثبوته، لأنك إذا قارنت بين خبر الواحد بأنه ظني والنص القرآني بأنه قطعي نقول: محل التخصيص ما هو؟
الآن العام ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ من حيث الثبوت قطعي ومن حيث الدلالة ظني أليس كذلك؟ الآن ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ نقول: من حيث الدلالة قطعي الثبوت ومن حيث الدلالة والمعنى ظني الدلالة حينئذٍ هل يقال بأن الخبر الواحد ظني فلا يقوى على تخصيص القطعي؟ نقول: هو يخصص اللفظ أم يخصص المدلول؟ يخصص المدلول إذًا الاعتراض ليس بوارد، وبأن النسخ أشد من التخصيص وبأن محل التخصيص إنما هو دلالته لا متنه وثبوته ودلالة العام على كل فرد للخصوص ظنية بخلاف ثبوت ذلك العام في القرآن فإنه قطعي هذا مذهب الأول وهو المنع مطلقًا لا يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد مطلقًا.
الثاني: التخصيص بينما خص بقطعي وبينما خص بظني وهذا مذهب كثير من الحنفية. قالوا: إن كان العام في القرآن قد خصص بقطعي يعني: لفظ عام جاءت السنة المتواترة خصصته ثم جاء خبر الواحد وهو ظني فأراد أن يخصص ما خصص بالسنة القطعية المتواترة قالوا: يجوز. لماذا؟
стр. 318
لأنه انتهك عرضه من البداية، فإذا كان كذلك قالوا: يجوز أن يرد خبر الواحد فيخصص أما الذي لم يرد عليه تخصيص فلا يجوز. وهذا مذهب كثير من الحنفية التفصيل بين ما خص بقطعي عام في القرآن خص بقطعي يعني: بسنة متواترة. وبين ما خص بظني، فإن خص بقطعي فجاء الظني مخصصًا جاز وإن لم يخص مطلقًا وهو المحفوظ حينئذٍ لا يجوز أن يخص بخبر الواحد وكلها وحي فعلام التفرقة.
الثالث: التفصيل بين المخصص بالمتصل وبين المخصص بالمنفصل، فما لم يخص أو خص بمتصل فلا يخصصه خبر الواحد، وما خص بمنفصل صح. يعني: مثل الأول لكن بالنظر إلى المخصص هل هو متصل أو لا، فما لم يخص أو خص بمتصل يعني: جاء القرآن لفظ عام وجاء مخصص متصل بالقرآن فيجوز حينئذٍ أن يرد المخصص بخبر الواحد لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. الناس هذا عام جاء تخصيصه في القرآن بمتصل مثل هذا يصح أن يرد خبر الواحد مخصصًا له وما عداه فلا إن خُصَّ بمنفصل فلا ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ لا يصح أن يخصص بخبر الواحد لماذا؟
لأنه لم يخص بمتصل بل خص بمنفصل.
الرابع: يُعمل بما عدا الفرد الذي دل عليه الخاص، أما هو فإنه قد تعارض فنتوقف حتى يرد دليل يرجح أحدهما على الآخر، وهذا منسوب للباقلاني يعني يقول: إذا جاء لفظ عام في القرآن وجاء مخصصه في السنة الآحادية ما دل عليه السنة الآحادية لا نُجْرِي عليه حكم العام مثل لو مثلنا بالحديث «لا يرث القاتل» ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١] هذا يدل على أن القاتل يرث أليس كذلك؟ قوله: «لا يرث القاتل». هذا خبر واحد يدل على أن القاتل لا يرث يقول: نجري في غير قاتل الحكم على ما هو عليه، وأما القاتل فقد تعارض النصان هذا قال: يرث. وهذا قال: لا يرث. نحتاج إلى مرجح خارج فنتوقف، وهذا منسوب إلى الباقلاني المراد من قوله: (فلا تَمِلْ لِقَولِ مَنْ قَدْ مَنَعَا). أن المانعين على أربعة مذاهب ولذلك يقال: في المسألة خمسة مذاهب:
الأول: الحق أنه جائز مطلقًا. وبكون خبر الواحد لا يفيد إلا الظن مطلقًا بدون تفصيل هذا محل نظر وليس بسديد.
قال:
آحَادُهَا وغَيْرُها سَواءُ ... فَبِالْعَرَايَا خُصَّتِ الرِّبَاءُ
стр. 319
(آحَادُهَا) من السنة (وغَيْرُها) غير الآحاد وهو المتواتر سواءٌ هذا تأكيد لما ذكرناه في العنوان ما خص منه بالسنة أن مراد المصنف ماذا؟ المتواتر أو الآحاد وهنا نص على ما دل عليه قول السنة ضمنًا. (آحَادُهَا) أي: السنة آحاد السنة (وغَيْرُها) أي: غير الآحاد وهو المتواتر (سَواءُ) أي: مستوي في جواز تخصيص الكتاب بها (فَبِالْعَرَايَا خُصَّتِ الرِّبَاءُ)، (فَبِالْعَرَايَا) فإذا علمت ذلك فيتفرع ماذا؟ أن العرايا الذي هو حديث العرايا لأنه يريد أن يمثل ماذا؟ ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] هذا يشمل العرايا وغيرها فجاءت قصة العرايا في الصحيحين فحملنا اللفظ على غير سورة التخصيص (فَبِالْعَرَايَا) أي: فبحديث العرايا وهو ما رواه الشيخان وهو حديث آحاد أنه ﷺ رخص في بيع العرايا. (خُصَّتِ) آية (الرِّبَاءُ) ربا رباءُ لغتان (خُصَّتِ) آية ... (الرِّبَاءُ) وهي قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. حرم الربا الرِّبا إذًا هذا عام يشمل كل صور الربا ومنه العرايا خصت منه بالسنة حينئذٍ صار ماذا؟ آحادًا قد خصص قرآنًا، (فَبِالْعَرَايَا خُصَّتِ) آية (الرِّبَاءُ) وهي قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فإنها عامة للعرايا وغيرها، العرايا جمع عرية كمطايا جمع مطية، مأخوذٌ من التعري وهو التجرد، واختلف في تسميتها إذ سميت بذلك أنها عريت من جملة التحريم أي خرجت منها وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خاصًا في ما دون خمسة أوسق ولها تفاصيل في كتب الفقه، عرفنا هذا، ما خُصَّ منه بالسنة. إذًا قرآن يخص بالسنة، تخصيص القرآن بالسنة مطلقًا ثم قال ﵀:
النوعُ الخامسُ
قال ﵀: النوع الخامس، يعني: من العقد، الخامس.
[الذي يتعب يريد أن يتكيء ما في مانع
ما في .. الذي يتعب ويريد أن يتكيء على جزاه الله خير ... تحت ما في .. .]
النوع الخامس من العقد الخامس. ما يرجع إلى المعاني المتعلقة بالأحكام (ما خُصَّ به مِن السنَّةِ) عكس الأول العام في السنة ثم يرد الخاص في القرآن يعني: سنة خصصت القرآن، هل القرآن يخصص السنة هذا أيضًا محل أخذٍ ... وعطاء، (ما خُصَّ به) أي القرآن، القرآن خص به من السنة مطلقًا المتواترة والآحادية.
تخصيص السنة مطلقًا المتواترة والآحادية بالكتاب اختلفوا على مذهبين الأول يجوز تخصيص السنة بالكتاب أن يرد اللفظ العام في السنة ويرد اللفظ الخاص في القرآن، نقول: يجوز. وهو مذهب أكثر أهل العلم وهو الحق بدليلين:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. فالكتاب مبين لكل شيء والسنة شيء من الأشياء فيشملها اللفظ لكل شيء هذا من صيغ العموم يعني كل موجود فحينئذٍ السنة شيءٌ من الأشياء فحينئذٍ صح ماذا؟ أن يكون الكتاب مبينًا طيب، نحن نقول ماذا؟ نقول: مخصص. والتخصيص بيان [أحسنت].
إذًا قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ والسنة شيء والتخصيص بيان فيكون الكتاب مخصصًا للسنة.
стр. 320
الثاني: العام من السنة مطلقًا والخاص من الكتاب دليلان شرعيان نعم دليلاً شرعيان هذا نظر استقراء وتتبع لا يمكن إسقاط هذا النظر، لأن العام الذي هو من القرآن والخاص الذي في السنة دليلان شرعيان كل منهما يثبت به حكم شرعي، إما أن يعمل بهما معًا وإما أن يُطَّرحا معًا وإما أن يقدم العام وإما أن يقدم الخاص على ما ذكرناه والأصح أنه يقدم الخاص على العام، إذًا يقدم الخاص على العام مطلقًا سواءً كان الخاص بالكتاب أو بالسنة قاعدة عامة، الخاص يقدم على العام مطلقًا سواءٌ كان العام من الكتاب أو من السنة وسواءٌ كان الخاص من الكتاب أو من السنة وسواءٌ كانت السنة متواترة أو آحادية.
المذهب الثاني: لا يجوز تخصيص السنة بالكتاب، لماذا؟ يعني: لا يجوز أن يرد اللفظ العام في السنة ويرد مخصصه في القرآن لماذا؟ هذا مذهب بعض الشافعية وبعض المتكلمين قالوا: دليلهم دفع الإيهام لأنك لو جعلت الكتاب مخصصًا للسنة والتخصيص بيان لصار الكتاب مبينًا للسنة والعكس هو الذي جاء به النص فدفعًا لهذا الإيهام قالوا: نمنع ماذا؟ نمنع أن يكون الكتاب مخصصًا للسنة. إذًا دليلهم دفع الإيهام وهو أنه إذا وصف الكتاب بكونه بيانًا للسنة تُوهِّم بأنه تابعٌ للسنة لأن البيان تابعٌ فوجب ألا يجوز دفعًا للإيهام، إيهام من؟
وأجيب بالمنع، نمنع أن يكون ثّمَّ إيهام لأن الله تعالى وصف الكتاب بكونه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. ومنه السنة ولا إشكال وهذا كان في معرض المدح حينئذٍ لو كان المبين تابعًا للسنة وهنا قد جاء المدح به نقول قد دل الدليل على أنه تابعٌ وهو ممدوحٌ، فحينئذٍ ليس عندنا إيهام يمكن دفعه، فهو مُبَيِّن ومُبَيَّن في كلتا الحالتين هو ممدوح وإذا مدح صار ماذا؟ صار أصلاً ولذلك يمكن أن يدفع هذا الإيهام بماذا؟ بما تقرر في نفوس وخاصة الناظر في التخصيص العام وبأهل العلم بكون القرآن أصلاً هل يمكن أن نقول قائل من أهل العلم وممن يعرف أن هذا تخصيص وهذا مخصص أن يقول: إن السنة هي الأصل مطلقًا في الأحكام الشرعية، هذا لا يرد حتى في حديث النفس، بل القرآن هو الأصل والسنة فرعٌ، والسنة حجيتها ثابتةٌ بالقرآن ولا شك.
стр. 321
إذًا أجيب بالمنع لأن الله تعالى وصف الكتاب بكونه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ في معرض المدح له فلا يوهم التبعية وإلا لما كان ذلك صالحًا للمدح ولو سلمنا جدلاً بأنه تابعٌ له فإن الإيهام زائلٌ ومرتفعٌ بما عُلِمَ بالضرورة من كون القرآن أصلاً والسنة فرعًا لا يختلف اثنان في هذا، فكون القرآن مبينًا لا إشكال فيه القرآن يخصص السنة والسنة تخصص القرآن وكلاهما وحيٌ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. فلا إشكال، ولذلك مثل هذه المسائل الأصل فيها أنه ينظر في الوقوع وقع أو لا؟ إن وقع إنه أصلٌ ما نأتي ننظر في عقولنا يجوز أو لا يجوز؟ ثم نأتي ولو وقع في الوجود تخصيص السنة بالقرآن نأتي نؤول ونحرف، لا، التأصيل والتقعيد يكون تابعًا للوقوع في الكتاب والسنة، فإن وقع ننظر وقع أو لا إن وقع حينئذٍ نقول: جائز ولا إشكال فنقعد على الموجود، وأما أن ننظر إليها نظرة عقلية بحتة ثم ننظر بعد ذلك في الكتاب والسنة فإذا جاء نقول: خالف القاعدة إذًا ليس بمخصص هذا ليس بسليم.
(النوعُ الخامسُ: ما خُصَّ به مِن السنَّةِ
وعَزَّ) يعني: قل وندر (لَمْ يُوْجَدْ سِوَى أَرْبَعَةِ). (وعَزَّ) يعني قل تخصيص السنة بالكتاب، هذا عزيز وقليل لو وجد، إذا قال: (وعَزَّ) هذا مثل ما ذكرناه عن ابن تيمية ﵀ في المترادف قال ماذا: قل وندر وجود المترادف في اللغة قليل في اللغة وأما في القرآن فإما نادرٌ أو معدوم، أما في اللغة قال: قليل. إذًا الحكم عليه بكونه نادر في القرآن أو قليل في اللغة هل يمنع وجود الترادف؟ لا يمنع وجود الترادف إذًا الترادف موجود لكنه قليل. هنا يقول: بجواز تخصيص السنة بالكتاب لكنه قليل ولذلك قال: (وعَزَّ) أي قل وندر، لم يوجد تخصيص السنة بالكتاب سوى أربعة أمثلة وزاد عليها السيوطي خامسة في ((الإتقان)) وهي قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩]. قال: هذه آية خصت، خُص بها عموم قوله ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار».
(سِوَى أَرْبَعَةِ) يعني من الآيات قد خُصّ بها أربعة أحاديث (وعَزَّ لَمْ يُوْجَدْ) قل (لَمْ يُوْجَدْ) تخصيص السنة بالكتاب (سِوَى) هذا استثناء غير (أَرْبَعَةِ) من الآيات أو أربعة آيات أربعة من الآية أحسن الإضافة لا تصح لأنه يجب تجريد أربعة من التاء أربع آيات، أما أربعة آيات لا، ولذلك نقدر من أربعة من الآيات ليصح التركيب، قد خُصَّ بها أربعة أحاديث إذًا عندنا أربعة أحاديث فيها لفظٌ عام ومخصصاتها في الكتاب، وذلك: (كآَيَةِ الأَصْوَافِ أَوْ كَالجِزْيَةِ
والصَّلَواتِ حَافِظُوا عَلَيْهَا ... والعَامِلِيْنَ ضُمَّهَا إِلَيْهَا
стр. 322
وذلك: (كآَيَةِ الأَصْوَافِ) في سورة النحل قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. هذه آية خَصَّتْ قوله ﷺ : «ما أُبِينَ من حيٍ فهو ميت». وسيأتي (أَوْ كَالجِزْيَةِ) أو بمعنى الواو لأنه يريد أن يجمع الأربعة فلا معنى للواو هنا إلا أن تكون أداة لمعنى أو إلا أن تكون بمعنى الواو (أَوْ) بمعنى الواو (كَالجِزْيَةِ) يعني: كآية الجزية في سورة التوبة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. هذه المراد آية الجزية أو آية (الصَّلَواتِ حَافِظُوا عَلَيْهَا) ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] هذه في سورة البقرة. وآية (العَامِلِيْنَ) ضمها إليها: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] ... (والعَامِلِيْنَ) يعني: وآية العاملين (ضُمَّهَا) يعني ضم آية العاملين إليها إلى الثلاثة المتقدمة هذا من باب التكملة.
إذًا ذكر أربع آيات في القرآن هذه كلها مخصصات لأربعة أحاديث، ثم سيسرد لنا الأحاديث التي هي مشتملة على لفظ عام من السنة (حَدِيثُ مَا أُبِيْنَ في أُولاهَا خُصَّ) يعني أولى تلك الآيات الأربعة، وهي آية الأصواف خص أي عموم ذلك الحديث (مَا أُبِيْنَ). (مَا) صيغة عموم كل ما قطع من الميت فهو ميت. فحكمه النجاسة هذا عام أليس كذلك، فإذا جُزَّ الصوف منها أو الوبر أو الريش وهي ميتة فحكم الريش وحكم الوبر وحكم الصوف أنه نجس، أليس كذلك؟ [صحيح، نعم] «وما أبين من حي فهو ميت». وحكم الميتة ماذا النجاسة، قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ ... [النحل: ٨٠]. هذا جاء في سياق الامتنان، والقاعدة أن الرب جل وعلا لا يمتن إلا بما هو طاهر وقوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾. هذا يشمل كونها حية أو ميتة ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾. يشمل كونها حية أو ميتة، فامتن الرب جل وعلا بأصواف هذه الأنعام وهي حية وهي ميتة فدل على ماذا على أنها طاهرة، فنأتي بهذا النص من السنة: «ما أبين». فنخرج منه ماذا؟ الصوف والوبر والريش، فنحكم عليه بأنه طاهر فلو وجد عنك ميتةٌ نجسة لا شك الأصل على إعمال الحديث نقول: ريشها وشعرها أو وبرها نقول: هذا نجس لكن نخصه ونحكم عليه بكونه طاهرًا بدلالة الآية، فصارت الآية خاصة واللفظ هنا في الحديث عام (حَدِيثُ مَا أُبِيْنَ في أُولاهَا) «ما أبين من حيٍ فهو ميتٌ». هكذا رواه الحاكم عن أبي سعيد وصححه على شرط الشيخين، دل على أن ما انفصل من حيٍ فحكمه حكم الميت مطلقًا، صوفًا أو وبرًا أو غيرها وخصصت الآية بكونه طاهرًا (خُصَّ) أي عموم ذلك الحديث انتهى.
(وأَيْضًا خَصَّ ما تَلاهَا
لِقَولِهِ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلا ... مَنْ لَمْ يَكُنْ لِمَا أَرَدْتُ قَابِلا
стр. 323
(وأَيْضًا) أي: وكما خَص ذلك أو خُص ذلك الحديث بتلك الآية آية الأصواف آض يئيض أيضًا نرجع مفعول مطلق لعامل محذوف وجوبًا (خَصَّ) بالبناء للفاعل (ما تَلاهَا) أي: تلا الآية الأولى (ما تَلاهَا) الضمير يعود على الآية الأولى الذي تلا الآية الأولى ما هو؟ آية الجزية، خصت ماذا؟ خصت لقوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله»، «أمرت أن أقاتل الناس» الناس هذا لفظ عام وهو وارد في السنة أليس كذلك يشمل ماذا؟ يشمل من؟ كل كافر كل مشرك من أهل الكتاب ومن غيرهم سواءٌ أهل الجزية أم غيرهم أليس كذلك؟ يشمل الكل لكن الآية قيدت القتل بماذا؟ بدفع الجزية «أمرت أن أقاتل الناس» مطلقًا ولو دفعوا الجزية هذا ظاهر النص، ولو دفع الجزية أيضًا يقاتل، القتل مستمر ولو دفع الجزية، لكن جاءت الآية مُقَيِّدَة ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ إلى ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ﴾
قاتلوا الذين لا يؤمنون حتى يعطوا الجزية فإن أعطوا الجزية ارتفع الأمر بالقتل فصارت الآية مخصصة لعموم الحديث.
(وأَيْضًا خَصَّ ما تَلاهَا لِقَولِهِ) خص ما تلاها الذي تلاها (لِقَولِهِ) اللام هذه زائدة لأن خَصَّ فعل ماضي وما هذا فاعلها (ما تَلاهَا) يعني: تلا الآية الأولى وهي آية الجزية كأنه قال: خَصَّتْ آية الجزية قوله، قوله هذا مفعول به دخلت عليه اللام فنقول هذه زائدة (تَبارَكَ المُنْزِلُ للفُرقانِ) هناك بينا تلك المسألة فلا عودة ولا إعادة.
إذًا اللام هذه زائدة مؤكدة لقوله ﷺ فيما رواه الشيخان: «أمرت أن أقاتل». (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلا) الألف هذه للإطلاق يعني أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، (مَنْ لَمْ يَكُنْ لِمَا أَرَدْتُ) ما الذي أراده ﵊ الشهادة قولوا كلمة واحدة من النطق بالشهادتين (قَابِلا) قابلاً وناطقًا لها، الألف هذه بدل عن التنوين.
وخَصَّتِ البَاقِيَةُ النَّهْيَ عَنِ ... حِلِّ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ لِلْغَنِيْ
стр. 324
(وخَصَّتِ البَاقِيَةُ) من الآيتين وهي آية ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وآية العاملين عليها (وخَصَّتِ البَاقِيَةُ) من الآيتين (النَّهْيَ عَنِ حِلِّ الصَّلاةِ) هذا راجع إلى الآية ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ هذا راجع إليها ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ هذا يشمل ماذا؟ المكتوبة، والمراد بها المكتوبة مطلقًا يعني: سواء كانت في وقت النهي أو لا، أحاديث وردت بالنهي عن الصلاة ما بين الصبح إلى طلوع الشمس، ووقت الدلوك، وما بعد صلاة العصر إلى الغروب نصوص كثيرة متواترة في هذا، هذه الأحاديث عامة نهى النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، هذا يشمل ماذا؟ هذا عام أو لا؟ يشمل المكتوبة أو لا؟ فلو كانت منسية تذكر بعد صلاة العصر يصلي أو لا بعموم هذا الحديث لا يصلي، لكن بقوله: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ يشمل المكتوبة مطلقًا في أي وقت كان فحينئذٍ نجعل هذه الآية مخصصة لقوله ﵊ بالنهي أو الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في الأوقات المعلومة مطلقًا لأن النهي عام يشمل الصلاة المكتوبة وغيرها لكنه مخصوص بهذه الآية (وخَصَّتِ البَاقِيَةُ) من الآيتين (النَّهْيَ) هذا مفعول به (عَنِ حِلِّ الصَّلاةِ) هذا راجع للآية ... ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (والزَّكاةِ لِلْغَنِيْ) هذا راجع لآية العاملين قال: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]. جاء حديث «لا تحل الصدقة لغني». هذا يشمل ماذا؟ سواء كان عاملاً عليها أو لا وقوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. خاص أو عام؟
خاص نحن نقول: الخاص في القرآن ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ هذا خاص من جهة ويشمل الغني والفقير من جهة أخرى، قوله: «لا تحل الصدقة لغني». سواء كان عاملاً أو لا وخصننا ماذا؟ اللفظة بكونه غير عامل يعني لفظ الحديث «لا تحل الصدقة لغني» إلا العاملين عليها فتحل مطلقًا سواء كانوا فقراء أو لا. إذًا قوله:
وخَصَّتِ البَاقِيَةُ النَّهْيَ عَنِ ... حِلِّ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ لِلْغَنِيْ
стр. 325
نقول: معنى البيت أن قوله تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ مخصصة لنهي النبي ﷺ عن الصلاة في الأوقات المنهي عنها المروي في الصحيحين وغيرهما فإنه عام للصلوات المكتوبة وغيرها وخصته الآية بما عدا المكتوبة، وأما المكتوبة فمأمور بالمحافظة عليها مطلقًا في أوقات النهي وفي غيرها، فصار اللفظ خاص في ماذا؟ في القرآن ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ المراد بها الخمس ﴿والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ هذا من باب التأكيد وهي صلاة العصر على الصحيح، وحينئذٍ يحمل أحاديث النهي على ماذا؟ على ما عدا المكتوبات مطلقًا أليس كذلك؟ الجمهور على الإطلاق يعني: لا يحل أو لا تحل الصلاة غير المكتوبة في أوقات النهي ولو كانت ذوات أسباب وهذا هو الأصح، أن النهي عام يشمل ذوات الأسباب وغيرها ولم يرد نص بتعميم ذوات الأسباب بأنه مصطلح خاص يشمل عدة فرائض أو عدة نوافل فيخرج بهذا الوصف هذا ليس فيه ذوات أسباب غير مسماة لا في عرف الصحابة ولا في عرف كبار التابعين، وإنما جاء استنباطًا عند الشافعية ولذلك الجمهور على المنع مطلقًا وهذا هو الصح (وخَصَّتِ البَاقِيَةُ النَّهْيَ عَنِ حِلِّ الصَّلاةِ) وقوله: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ مُخَصِّصَة لقوله مما رواه أو فيما رواه النسائي وغيره بلفظ: «لا تحل الصدقة لغني». فإنه عام شامل للعاملين وغيره فخصته الآية بغيرهم وهي حل لهم.
النوع السادس: المُجْمَلُ
النوع السادس من العقد الخامس فيما يرجع إلى المعاني المتعلقة بالأحكام ... (المُجْمَلُ) والأصل والمجمل والمبين، لكنه ترك المبين مع أنه يحتاج إلى بحث لعله لما كان تابعًا للنقاية مختصر فتركه كما تركه هناك لعله من باب التسهيل والتيسير على المبتدئ (المُجْمَلُ) اسم مفعول من أجملت الشيء. وهو لغةً: المجموع. أجملت الشيء إجمالاً جمعته من غير تفصيل، إذًا هو في اللغة المجموع. يقال: أجملت الشيء إجمالاً جمعته من غير تفصيل، ويطلق على الخلق والمبهم والمحصل لذلك جاء فجملوه يعني: أذابوه وخلطوه بغيره.
وفي الاصطلاح كما عرفه الناظم هنا: ما لم تضح دلالته على معناه. يعني: لفظ لم تضح دلالته على معناه. إذًا هو له معني ولكنه غير ظاهر الدلالة فيه مثاله كالمشترك المشترك له معاني كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قروء قلنا: هذا مشترك يصدق على الطهر ويصدق على الحيض. إذًا له معنى لكن من حيث اللفظ دون النظر إلى شيء آخر ﴿ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ هل اتضح المعنى المراد؟ لا، لم يتضح لماذا؟ لأنه يحتمل معنيين هما متنافيان، لا يمكن أن يحمل على المعنيين معًا لو لم يكن متنافيين نقول: لا إجمال. لماذا؟
стр. 326
لأن الأصح أن المشترك إذا دل على معاني متعددة ولم يكن بينها تنافي حمل على الجميع. وحكى شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا مذهب الأئمة الأربعة وهذا قرره الشافعي في كتاب ((الرسالة)) أنه يحمل على كل المعاني، أما إذا لم يكن أو كان بينها تنافي حينئذٍ يستحيل أن يحمل على كِلا المعنيين، إذًا ما لم تضح دلالته على معناه، إذا فما اتضحت دلالته على معناه هذا هو المبين، قد يكون نصًا، وقد يكون ماذا؟ ظاهرًا وقد يكون مؤولاً بالدليل فصار متضحًا. يعني: يحتمل معنيين هو في أحدهما أرجح لكنه رُجح أو قُدم المعنى المرجوح بدليل صحيح وهذا يسمى ماذا؟ يسمى مؤولاً بالدليل، هل معناه متضح؟ نقول: نعم، النص معناه متضح الظاهر معناه متضح بقي ماذا؟ المجمل، وعرفه في مختصر التحرير بقوله: ما تردد بين مُحْتَمِلَيْنِ فأكثر على السواء. وهذا أحسن ما تردد ما يعني: لفظ. تردد بين مُحْتَمِلَيْنِ، إذًا ما دل على معنى واحد نص، فلذلك أخرج النص فله محمل، فأكثر بالمعنيين على السواء أخرج ماذا؟ الظاهر، لماذا؟ لأنه وإن دل على معنيين إلا إنه في أحدهما أظهر من الآخر وأخرج الحقيقة التي لها مجاز لأنها اللفظ الأسد مثلاً يدل على معنيين أليس كذلك؟ يدل على الحيوان المفترس ويدل على الرجل الشجاع موضوع وضعًا شخصيًّا بالأول وموضوع وضعًا نوعيًّا بالثاني.
المجمل هل هو واقع في القرآن أم لا؟ نقول: نعم مذهب جماهير أهل العلم أن المجمل واقع في القرآن، ولذلك ذكره هنا على أنه نوع من أنواع علوم القرآن، المجمل واقع في القرآن خلاف لداود الظاهري فإنه منعه قيل: مطلقًا. وقيل: منعه يعني منع وقوعه إن لم يكن مبينًا لا مطلقًا، إن كان مبينًا قال: يجوز وقوعه في القرآن. وإن لم يكن مبينًا قال: لا يجوز وقوعه في القرآن. إذًا فيه تفصيل، ولكن أكثر أهل العلم بل الجماهير أنه واقع في القرآن.
أسباب الإجمال، ما السبب الذي يؤدي إلى عدم ظهور المعنى أو تردد اللفظ بين معنيين على السواء؟
منها الاشتراك الذي ذكرناه في السابق لكن مع عدم إمكان الجمع بين المعاني منها المشترك أو الاشتراك نحو ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]، عسعس قلنا: هذا لفظ مشترك وهو فعل يُطلق على معنيين متضادين أدبر وأقبل، أقبل وأدبر، هل يمكن حمل اللفظ على معنيين؟
الجواب: لا. فإنه موضوع لأقبل وأدبر كذلك القرء موضوع للطهر والحيض والشفق كذلك متردد بين البياض والحمرة إذًا الاشتراك من أسباب ماذا؟ من أسباب وقوع اللفظ في الإجمال أو الوقوع في الإجمال، ومنها الاشتراك في اللفظ المركب، ذاك في المفرد وهذا في اللفظ المركب نحو ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] هذا يحتمل ماذا؟ ﴿يَعْفُوَ﴾ من الذي يعفو الزوج أم الولي؟ يحتمل حصل هنا الاشتراك بالتركيب لأنه فاعل، ولا فاعل إلا مع فعله إذًا حصل بماذا؟ بالتركيب ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾ يحتمل الزوج وهو رأي أبا حنيفة والشافعي وأحمد في رواية، أو الولي وهو رأي الإمام مالك رحمه الله تعالى.
стр. 327
ومنها الاشتراك في الحرف ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦] منه، يحتمل أنه للابتداء ويحتمل أنها للتبعيض حصل الاشتراك في ماذا؟ في اللفظ فلفظ ﴿مِّنْهُ﴾ متردد بين أن تكون لابتداء الغاية وبين أن تكون للتبعيض.
كذلك الواو في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: ٧]. ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ هل هي للابتداء الاستئناف أم عاطفة فيه خلاف وينبني عليه خلاف في المعنى، محتمل العطف والابتداء.
ومنه الحذف ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾ الرغب يتعدى بفي ويتعدى بعن، رغبت عنه صرفته عنه، رغبت فيه أقبلت، وهنا حذف فوقع إجمال، ترغبون عن أن تنكحوهن أو ترغبون في نكاحهن هذا حصل فيه إجمال.
ومنها التصريف في اللفظ، صرف يعني، نحو المختار وذكرنا مثال في القرآن ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وذكرناه في قواعد الأصول.
حكم المجمل: يجب التوقف فيه - لو ورد في القرآن - يجب التوقف فيه، فلا يجوز العمل به حتى يرد الدليل الخارج المعين للمراد. يعني: الأصل التوقف حتى يرد الدليل المعين للمراد ولكنه دليل خارجي.
هل يجوز إبقاء اللفظ المجمل على إجماله بعد وفاة النبي ﷺ أو لا؟ هل يجوز أو لا؟ فيه مزاعم، هي ثلاثة أقوال، أصحها: لا يجوز إبقاء المكلف بالعمل به ويجوز إبقاء غيره، يعني التفصيل، إن كان المجمل متعلقًا بحكم تكليفي لا يجوز أن يبقى مجملاً وإن لم يكن متعلقًا بحكم تكليفي فيجوز أن يبقى مجملاً، وهذا هو الصواب لماذا؟
لأن ما تعلق به حكم تكليفي حينئذ يجب البيان ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فكيف تنزل الآية وفيها لفظ مجمل والناس مطالبون بامتثال هذا الأمر أو ما دل عليه اللفظ المجمل ثم يموت النبي ﷺ ولم يبينه هذا بعيد لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة هذا لا يجوز بالإجماع.
والثاني: يجوز بقاؤه - الذي لا يتعلق به تكليف - مجملاً لعدم وجود الضرورة إلى بيانه.
القول الثاني: لا يجوز بقاء المجمل بدون بيان مطلقًا وهو مذهب كثير من العلماء لقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ... [النحل: ٤٤]. ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ وفيه المجمل ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ إذًا هو مأمور بالبيان، هذه وظيفة النبي ﷺ فإذا لم يبين المجمل قالوا: لم تحصل لكنه هناك فائدة في المجمل ولذلك اختلفوا ﴿الم﴾ هذه ما المراد بها؟ فيه خلاف طويل عريض هل بينت؟ ما بينت كلٍّ يقول باجتهاده نقول: مات النبي ﷺ ولم يبين المراد به وهو في غير الأحكام الشرعية ولا بأس ويحصل به الابتلاء في الإيمان والتسليم.
المذهب الثالث والأخير: يجوز بقاؤه مجملاً مطلقًا لعدم ترتب المحال عقلاً فكان جائزًا وهذا ضعيف.
قال رحمه الله تعالى:
النوع السادس: المُجْمَلُ
مَا لَمْ يَكُنْ بِوَاضحِ الدَّلالَةِ ... كالقُرْءِ إِذْ بَيَانُهُ بالسُّنةِ
стр. 328
(مَا لَمْ يَكُنْ) (مَا) أي: لفظ، وهذا مطلق فيشمل اللفظ المفرد والمركب، المركب تمثل له بماذا؟ ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾ لأنه مركب إجمالٌ وقع بالتركيب، ولفظ مفرد تمثل له بالقرء ونحوه، ثم المفرد هذا قد يكون اسمًا وقد يكون فعلاً وقد يكون حرفًا، وقد يقع الإجمال في الأسماء كالقرء وقد يقع في الأفعال كـ: ﴿عَسْعَسَ﴾، وقد يقع في الحرف كـ: ﴿مِن﴾ أليس كذلك؟
(مَا لَمْ يَكُنْ بِوَاضحِ الدَّلالَةِ) يعني: المجمل هو اللفظ الذي لم يكن بواضح الدلالة لم يكن واضح الدلالة واضحِ الباء هذا زائدة وقاعة في جواب يكن.
وَبَعْدَ مَا وَلَيْسَ جَرَّ البَا الْخَبَرْ ... وَبَعْدَ لا ونَفْي كَانَ قَدْ يُجْز
نفي كان هذه باء زائدة للتوكيد والأصل لم يكن واضحًا، فتكون الباء زائدة واضحِ بالجر هذا خبر منصوب كيف منصوب وهو مكسور الخبر يكن منصوب [منصُوب نعم منصوب علامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد وهو الباء].
وَبَعْدَ مَا وَلَيْسَ جَرَّ البَا الْخَبَرْ ... وَبَعْدَ لا ونَفْي كَانَ قَدْ يُجْز
(مَا لَمْ يَكُنْ بِوَاضحِ الدَّلالَةِ) الدلالة فهم أمر من أمر أو كون أمر بحيث يُفهم منه أمر فهم منه بالفعل أو لا، على ما ذكرناه مرارًا.
لما لم يكن بواضح الدلالة؟
نقول: بسبب من أسباب الإجمال سابقة الذكر لا بد من تقيده (مَا لَمْ يَكُنْ بِوَاضحِ الدَّلالَةِ) بسبب من أسباب الإجمال المذكورة السابقة ومنها الاشتراك واقتصر عليه الناظم، ومنها يعني من أسباب الإجمال الاشتراك وهذا خص عليه الناظم لذلك قال: (كالقُرْءِ). مثال الكاف تمثيلية لا استقصائية كاف تمثيلية لا استقصائية (كالقُرْءِ) يعني: وذلك المجمل الذي لم يكن بواضح الدلالة كلفظ القرء بفتح وضم يقال قُرء وقَرء، ويجمع على أَقْرَاء وقُرُوء دون تفصيل، يعني سواء كان المراد به الطهر يجمع على قروء وأقراء، أقراء جمع قلة وقروء جمع كثرة، وإن كان المراد به الحيض نقول: أيضًا يجمع على أقراء جمع قلة وقروء جمع كثرة لماذا؟
стр. 329
ردًا على من قال: أنه إذا جمع على أقراء فالمراد به الحيض وإذا جمع على قروء فالمراد به الطهر. وهذا التفريق ليس بسديد ليس عليه دليل. (كالقُرْءِ) هذا يستعمل في ماذا؟ في القرء والحيض (إِذْ بَيَانُهُ) كالقرء الوارد في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. إذًا وقع في القرآن وهذا الذي عنون له المصنف (إِذْ) هذه للتعليل، (إِذْ بَيَانُهُ) بيان ماذا؟ القرء هل المراد به في الآية الحيض أم الطهر؟ بالسنة جاء ثابتًا بالسنة على خلاف بين العلماء هل المراد به الطهر فأيدوه بسنة أو مرادًا به الحيض فأيدوه بسنة (كالقُرْءِ إِذْ بَيَانُهُ بالسُّنَّةِ) يعني: هي التي تبين أن المراد به الطهر أو المراد به الحيض، قيل: المراد بالقرء هو الطهر لحديث ابن عمر في الصحيحين لما طلق زوجته وهي حائض فغضب النبي ﷺ وقال: «مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء». فدل على ماذا؟ على أن زمان العدة هو الطهر وعليه مالك والشافعي وجه الاستدلال فيه بعد.
أو الحيض يعني قيل الحيض لحديث فاطمة بنت أبي حبيش .. إني امرأة استحاض إلى آخره قال: «دعي الصلاة أيام أَقْرَائك». متى تدع الصلاة أيام الطهر أم الحيض؟ الحيض فدل على أن القرء المراد به الحيض.
أجاب أولئك قالوا: أقراء. هذا جمع، والمراد به قرء إذا جمع على أقراء فهو الحيض وإذا جمع على قروء فالمراد به الطهر، لكن هذا لا دليل عليه، وعليه أبو حنيفة وأحمد هذا ما يتعلق بالمجمل.
[النوعُ السابعُ: المُؤَوَّلُ
المؤول شرحناه فيما سبق (لا تأويله فحررا) ذكرنا معناه في اللغة ومعانيه في الاصطلاح ذكرنا المعنى الثالث وهو أن المتأخرين لا يعرف عن السلف وهو أنهم يأتون إلى اللفظ الظاهر، قول الظَّاهر هذا ما احتمل معانين هو في أحدهما أظهر إذًا يحمل على المعنى الراجح لا على المعنى المرجوح، قد يأتي دليل فَيُعَيِّن أن المراد المعنى المرجوح دون الراجح فيقدم المرجوح على الراجح، هذا ننظر إلى الدليل فإن صح الدليل صح التأويل وإلا فلا.
النوعُ السابعُ: المُؤَوَّلُ: وهو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معناه المرجوح بدليلٍ، هذا المراد به عند المتأخرين وذكرنا الأنواع الثلاثة فيما سبق.
النوعُ السابعُ: المُؤَوَّلُ: هذا اسم مفعول أُوِّلَ يُؤَوَّلُ فَهُو مُؤَوَّلُ بمعنى الرجوع كما ذكرناه.
стр. 330
(عَنْ ظَاهِرٍ مَا بِالدَّلِيلِ نُزِلا) عَرَّفَه في الشرح بقول: ما ترك ظاهره بدليل. يعني: ما صُرِفَ عن ظاهره بدليل أي كان الدليل مستقيمًا صحيحًا سُمِّيَ تأويلاً صحيحًا وإلا صارًا مردودًا أو باطلاً. (عَنْ ظَاهِرٍ) هذا جار ومجرور متعلق بقوله: (نُزِلا). والألف نزلا الألف للإطلاق بمعنى ماذا؟ بمعنى تُرِكَ. كقولك: نَزَلْتُ عن الحق إذا تركته. (عَنْ ظَاهِرٍ) جار ومجرور متعلق بقوله: (نُزِلا). (مَا بِالدَّلِيلِ) (مَا) أي: لفظ. (بِالدَّلِيلِ) قيل: القطعي ولا يشترط فيه. بل متى ما صح الدليل سواء كان قطعيًّا أو ظنيًّا، ولكن لعلهم قيدوه بالقطعي للمثال الذي سيذكره في الشرح قيدوه بالقطعي لعله للمثال الذي سيذكره. إذًا (مَا بِالدَّلِيلِ نُزِلا) ما تُرك بالدليل عن ظاهره أليس كذلك؟ ما نُزلا بالدليل عن ظاهر يعني: ما تُرك بالدليل عن ظاهره فحُمل على المعنى المرجوح دون المعنى الراجح، والمعنى لفظ تُرك ظاهره بسبب الدليل المانع من ذلك، هذا المراد بالشطر الأول معنى لفظ ترك ظاهره بسبب الدليل القطعي المانع من ذلك، والقطع هذا لا نحتاجه، (كاليَدِ للهِ هُوَ الَّلذْ أُوِّلا) هذه مصيبة المجاهل (كاليَدِ) يعني: وذلك الظاهر المؤول بدليلٍ ما هو؟ اليد لله لماذا؟ يد الله في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. قالوا: يد الله هذه لا يفهم منها إلا الجارحة، أولاً شبهوا اعتقدوا التشبيه أن ألفاظ أو أسماء أو الصفات التي هي للرب جل وعلا قالوا: لا نُدرك منها إلا ما نُدركه من أنفسنا، فإذا قال: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ لا نفهم من لفظ يد إلا هذه، والله جل وعلا منزه عن هذه الجارحة. نقول: نعم الله منزه عن اليد الجارحة لكن ما الذي أدراكم أن مراده بـ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أنها اليد الجارحة، ما الذي أدراكم؟ نقول: لا الصفة بحسب الموصوف بحسب الذات، إن أضيفت اليد إلى المخلوق فهي على ما تليق به، وإن أضيف إلى الخالق فهي على ما تليق به، فكما أن المضاف إليه وهو الخالق مباينًا كل المباينة عن المخلوق فمن باب أولى أن تباين من جهة الصفات، ولذلك نقول: الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، كما نثبت ذاتًا لا مثيل لها ولا نظير لها ولا تشبهه الذوات كذلك نثبت صفات له لا نظير لها ولا مثيل لها ولا تشبهها الصفات.
إذًا عرفنا القاعدة العامة أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات (كاليَدِ للهِ) يعني ظاهرها ماذا؟ قالوا: الجارحة هذا ظاهرها وإذا أولت بمعنى ماذا القوة مثلاً قوة هذا معنى مرجوح والظاهر أن المراد ماذا؟ الجارحة حينئذٍ نصرف لفظ اليد من الدلالة على الجارحة وهو أظهر فيها إلى المعنى المرجوح وهو؟ القوة ونحو ذلك فسموه ماذا؟ مؤولاً بالدليل، لكن المثال فاسد هذا. (كاليَدِ) إذ ظاهرها الجارحة (للهِ) في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (هُوَ الَّلذْ أُوِّلا) (هُوَ الَّلذْ)، (الَّلذْ) هذا لغة في الذي
وَأْبَ الَّلذْ أُبِي
وجعل اللذ كاعتقد
стр. 331
(هُوَ الَّلذْ أُوِّلا) بالبناء للمجهول أو مغير الصغية والألف للإطلاق، هذا المثال فاسد، لو أردنا مثالاً صحيحًا ماذا نقول؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ﴾ [المائدة: ٦] هذا مثل له بالظاهر ومثل له هناك في الذي يُطرح إلى المعنى المرجوح بأدنى دليل، ذكرناه في القواعد قال: الظاهر بعضه يحتاج إلى دليل قولي، وبعضه يحتاج إلى دليل متوسط، وبعضه يحتاج إلى أدنى دليل. ومثلنا فيما سبق لأدنى دليل لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ﴾. لأن ظاهر النص إذا قمتم يعني: إذا وقفت تريد أن تكبر ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ لكن نقول هنا مؤول بماذا؟ إذا أردتم لا بد من التقدير ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨] قرأت انتهيت تستعذ أو شرعتَ؟ شرعت، إذًا قد يؤول الفعل الماضي للإرادة وقد يؤول بالشروع.
النوع الثامن: المفهوم
المفهوم والمنطوق هذا الأصل. المفهوم والمنطوق هما متقابلان، المفهوم اسم مفعول من فهم وهو إدراك معنى الكلام فما يستفاد من اللفظ فهو مفهوم، والمنطوق اسم مفعول من نطق والمراد به في اللغة الملفوظ به.
المفهوم حقيقة ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق لأن الأحكام الشرعية إما أن تؤخذ من المنطوق وإما أن تأخذ من المفهوم، والمنطوق هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق يعني في محل اللفظ، وما فهم منه في محل مَحل السكوت يسمى مفهومًا ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] نقول: هذه الآية دلت على تحريم التأفيف من جهة ماذا من جهة المنطوق لماذا؟ لأن ضابط المنطوق ما دل عليه أو ما دل على الحكم في محل النطق، والذي نطق به هو قوله: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ هذا منطوقٌ به إذًا تحريم التأفيف مأخوذٌ من المنطوق، تحريم الضرب؟ من المفهوم، ما دليله؟ ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ هل لفظ جاء فيه تحريم الضرب؟
لم يأت فيه تحريم الضرب، وإنما أخذنا هذا الحكم من اللفظ لا في محل النطق بل في محل السكوت.
(النوع الثامن: المفهوم) وهو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، وخلافه المنطوق ما دل عليه في محل النطق ولم يذكره لأنه الأصل.
المفهوم قسمان:
مفهوم موافقة.
ومفهوم مخالفة.
قال ﵀: (مُوافِقٌ مَنْطُوقَهُ كأُفِّ). (مُوافِقٌ) يعني: مفهوم دل عليه اللفظ لكن محل النطق (مُوافِقٌ مَنْطُوقَهُ) موافق هذا خبر مبتدأ محذوف هو موافق فهو موافق والتنوين ولذلك نص موافقٌ هو أي: المنطوق. (مَنْطُوقَهُ) بالنصب على أنه مفعولٌ به لموافق، وهو ما يوافق حكمه المنطوق، وافق حكمه المنطوق هنا ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ الحكم ما هو؟
التحريم، مفهومه تحريمُ الضرب والقتل من باب أولى وأحرى فحينئذٍ استوى التأفيف الذي دُلَّ عليه بالمنطوق، والضرب الذي دل عليه المفهوم استوى في ماذا في الحكم وهو التحريم، إذًا وافقه أو لا؟
стр. 332
وافقه، هذا يسمى ماذا؟ مفهوم موافقة. (مُوافِقٌ مَنْطُوقَهُ كأُفِّ) ما وافق المسكوت عنه المنطوق في الحكم ويسمى فحوى الخطاب، ولحنه، والقياس الجلي، والتنبيه، ومفهوم الخطاب، بعضهم يخص به بماذا؟ يخص بفحوى الخطاب إن كان أولى، وبلحن الخطاب إن كان مساويًا، إن كان أولى عرفناه في آية تحريم التأفيف ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ لأن المسكوت عنه أولى بالتحريم من المنطوق ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ [النساء: ١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ﴾ مفهومه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ يأكلونها في البطن، ولو حرقوها، يستوي الحكم، ولو دفنوها؟
إذًا يستوي الحكم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ ليس المراد به الأكل فقط [ ... كيف ... نعم لماذا عُلِّقَ الحكم على الأكل دون غيره] لأنه الغالب، لكن يستوي الأكل مع الإحراق بجامع الإتلاف ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ المراد به إتلاف مال اليتيم بأي صورةٍ كانت فحينئذٍ نقول النص دل على تحريم ماذا إحراق مال اليتيم لكن بالمفهوم، هل هو أولى أم مساوي؟
مساوي، هذا يسمى ماذا يسمى المساوي.
إذًا مفهوم الموافقة قسمان قد يكون الحكم حكم المسكوت عنه أولى من حكم المنطوق به كآية التأفيف، وقد يكون مساويًا له.
كـ: ﴿أُفٍّ﴾ يعني: وذلك كمفهوم أف فإنه يُفهم منه تحريم الضرب من باب أولى، والفتل من باب أولى وأحرى، مفهوم الموافقة حجة، هذا لا شك فيه أنه حجة. قال ابن مفلح ﵀: ذكره بعضهم إجماعًا لتبادر فهم العقلاء إليه، ثم قال: (ومِنْهُ). أي (ومِنْهُ ذُو تَخَالُفٍ) يعني مفهوم المخالفة، يعني: ما يخالف حكمه المنطوق، المسكوت عنه حكمه مخالف للمنطوق في الآيتين السابقتين التحريم في المنطوق وفي المفهوم، هنا لا، التخالف (ومِنْهُ) أي: من المفهوم (ذُو تَخَالُفٍ) وهذا يسمى دليل، دليل الخطاب، يعني: ما يخالف حكمه المنطوق، أول شيء تقول ما خالف المسكوت عنه المنطوق في الحكم، وهذا أيضًا حجة عند الجماهير مفهوم المخالفة حجة عند الجماهير، وهذا ما مثاله؟
«من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». من لم يرد الله به خيرًا لا يفقه في الدين. والمراد بالخير هنا ليس أصل بالخير كما نص ابن حجر على هذا في الفتح، هو ورد به التمام. لأن من عنده التوحيد وهو جاهل عامي عنده خير أو لا؟ عنده خير، «من يرد الله به خيرًا». يعني خيرًا تامًا «يفقه في الدين». وأما الموحد العامي هذا عنده خير عظيم لكنه فاته التمام.
مفهوم المخالفة حجة عند جماهير العلماء بجميع أقسامه ما عدا مفهوم اللقب لكن للعمل بهذا المفهوم شروط، ذكرناها فيما سبق لكن يجمعها قاعدة لا بد من التأمل فيها وهي أن يكون تخصيص المنطوق بالذكر لكونه مختصًا بالحكم دون سواه، متى ما وجدت هذه العلة، فحينئذٍ نقول: يعتبر مفهوم المخالفة. فإن انتقى فحينئذٍ مفهوم المخالفة.
قاعدة: أن يكون تخصيص المنطوق بالذكر لكونه مختصًا بالحكم دون سواه. إن كان كذلك حينئذٍ لا مفهوم وإلا فله مفهوم.
стр. 333
(ومِنْهُ) أيضًا من المفهوم (ذُو تَخَالُفٍ) أي: صاحب تخالفٍ أي: مخالفة. وذلك في الوقف (ومِثْلُ ذَا شَرْطٌ وغَايَةٌ عَدَدْ) يعني أراد أن يعدد لك أنواع مفهوم المخالفة أين توجد؟ هي كثيرة لكن ذكر بعضها ونقف مع ما ذكره فقط.
وذلك (ومِنْهُ ذُو تَخَالُفٍ) يعني: مخالفة وذاك أو وذلك في مفهوم الوصف أي: مثل مفهوم الوصف، والمراد بمفهوم الوصف هنا عندهم ليس مطلق الوصف المرادف للوصف عند النحاة، لا، المراد به لفظٌ مقيد لآخر ليس بشرطٍ ولا غايةٍ ولا استثناء ولا عدد، ولا يريدون بها النعت النحوي فقط فتشمل نحو ماذا؟ قوله ﷺ : «في الغنم السائمة زكاةٌ». هذا نعت، والمضاف سائمة الغنم، والمضاف إليه مطل الغني ظلم، والحال ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أي: لا في غيرها. وقوله ﷺ : «من باع نخلاً مؤبرًا فثمرته هذه للبائع». شرحناها في قواعد الأصول، ومفهوم الصفة هذا رأس المفاهيم هو في القمة، ولذلك قال أبو المعالي: لو عبر معبرٌ عن جميع المفاهيم بالصفة لكان ذلك متجهًا لأن فيها معنى الصفة.
(في الوَصْفِ ومِثْلُ ذَا) أي ومثل مفهوم الوصف (ومِثْلُ) أي ومثل مفهوم الوصف (ذَا) السابق يعني (شَرْطٌ) (ومِثْلُ ذَا) مضاف ومضاف إليه (ذَا) المشار إليه ما هو (ذَا) مرجعه ما هو المفهوم الوصفي (ومِثْلُ ذَا) مضاف مضاف إليه (مِثْلُ ذَا) أي: مثل مفهوم الوصف (شَرْطٌ) والمراد به الشرط اللغوي وهو ما عُلِّقَ من الحكم على شيءٍ بأداة الشرع. ما علق من الحكم على شيءٍ بأداة الشرع (وغَايَةٌ) ستأتي أمثلته في النظم (وغَايَةٌ) يعني: ومفهوم غايته، وحقيقتها مد الحكم بأداة الغاية، و (عَدَدْ) يعني: مفهومٌ عدد بإسقاط الواو، ومفهوم عددٍ وهو تعليق الحكم بعددٍ مخصوص.
هذه أربعة مفهوم الوصف، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، يعني: لها حكم المخالف للمنطوق، فيحكم لهذا المفهوم ويُعتبر بالشرط والقيد الثاني ألا يكون تنصيص الحكم في المنطوق ألا تظهر له فائدة إلا ذكر ماذا؟ المنطوق أو تعريفه به.
(وَنَبَأُ الفَاسِقِ لِلْوَصفِ)، (وَنَبَأُ الفَاسِقِ) يعني: مثالٌ للوصف، ونبأ هذا مبتدأ وهو مضاف والفاسق ومضاف إليه، (لِلْوَصفِ وَرَدْ) للوصف جارٌ مجرور متعلق بقوله: (وَرَدْ). (وَرَدْ) بمعنى جاء وثبت يعني جاء مثالاً نبأ الفاسق أين؟
في قوله تعالى: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ [الحجرات: ٦] وصف أو لا؟
وصف، إذًا إذا لم يأتكم فاسق، عدل يجب قبول خبره، إذًا له مفهوم مخالفة (وَنَبَأُ الفَاسِقِ) لمفهوم الوصف (وَرَدْ) أي جاء مثالاً، جملة ورد هذا خبرٌ مبتدأ وهو نبأ ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فيجب التبين في خبر الفاسق، ومفهومه يجب قبول خبر الواحد العدل.
стр. 334
(والشَّرْطُ) يعني مفهوم الشرط مثاله نحو قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. هنا علق الحكم على إن الشرطية يعني المراد بالشرط الذي هو له مفهوم معتبر الشرط اللغوي ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ فيجب الإنفاق على أولات حمل بالمنطوق، ومفهومه أنه لا يجب على غير ذوات حملٍ بالمفهوم إذًا خالف أو لا؟
حكم المسكوت عنه مخالف لحكم المنطوق به. (وغَايَةٌ) يعني مفهوم غاية (جَاءَتْ بِنَفْيِ حِلِّ لِزَوْجِهَا) مفهوم الغاية للإنسان ما هو قد جاءت الآية (بِنَفْيِ حِلِّ لِزَوْجِهَا) أي المطلقة بالثلاثة (قَبْلَ نِكَاحِ غَيْرِهِ) من هو؟ قبل أن تنكح ماذا الزوج وذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. فإن لم تنكح زوجًا غيره لا تحل له فإن نكحت بشروطٍ معتبرة حينئذٍ حلت له للزوج الأول (وغَايَةٌ جَاءَتْ بِنَفْيِ حِلِّ
لِزَوْجِهَا قَبْلَ نِكَاحِ غَيْرِهِ) غيره زوجها الذي طلقها غير زوجها الذي طلقها (وَكالثَّمَانِينَ لِعَدٍّ أَجْرِهِ) (وَكالثَّمَانِينَ) يعني: كمفهوم الثمانين. (لِعَدٍّ) أي: لمفهوم عددٍ هذا مثال لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. أي: لا أقل ولا أكثر لاتسع وسبعين ولا واحد وثمانين ولو زاد شره؟ ولو زاد شره، نعم ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (وَكالثَّمَانِينَ) أي كمفهوم الثمانين في قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. أي: لا أقل ولا أكثر (لِعَدٍّ) لمفهوم عددٍ (أَجْرِهِ) أمرٌ من الإجراء يعني أجره مثالاً لمفهوم العدد.
ونقف على هذا.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 335
عناصر الدرس
* النوع التاسع والعاشر (المطلق والمقيَّد)
* النوع الحادي عشر والثاني عشر (الناسخ والمنسوخ)
* النوع الثالث عشر والرابع عشر (المعمول به مُدَّةً مُعَيَّنة وما عَمِل به واحد)
* العقد السادس (ما يرجع إلى المعاني المتعلقة با لألفاظ وهي "٦" أنواع الأول والثاني الفصل والوصل).
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
النوع (التاسع والعاشر) وهذا من العقد الخامس فيما يتعلق بالمعاني المتعلقة بالأحكام، جعل العقد الرابع فيما يتعلق بالألفاظ، ثم العقد الخامس فيما يتعلق بالمعاني المتعلقة بالأحكام، ثم جعل السادس في المعاني المتعلقة بالألفاظ كأنه قَسَّم اللفظ والمعنى على الاعتبار الذي ذكرناه سابقًا بأنه لا يمكن تجزئة الألفاظ عن المعاني، وإنما المقصود أنه يُنْظَرُ في اللفظ أصالةً ويكون المعنى تابعًا، أو يُنْظَرُ إلى المعنى أصالة ويكون اللفظ تابعًا، ثم هذا المعنى قد يكون متعلقًا بحكم تكليفي أو حكمٍ وضعي عن حكم شرعي، وإما أن يكون متعلقًا بالألفاظ.
النَّوعُ التَّاسِعُ وَالعَاشِرُ: الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ.
هذا من المباحث الراجعة للمعاني المتعلق بالأحكام، لأن الأحكام الشرعية كما هو معلوم أنها تؤخذ من المنطوق ومن الملفوظ، ومن المنطوق ما قد يكون مطلقًا في موضع ويكون مقيدًا في موضعٍ آخر، وإن شئت قلت: ما قد يكون مطلقًا في موضعٍ ولم يقيد في موضعٍ آخر، حينئذٍ يجب أن يُعْمَلَ بماذا؟ بإطلاقه يعني: إذا كان مطلقًا في موضع ولم يرد تقيده في موضعٍ آخر. ما الحكم الشرعي؟
يجب حمله على إطلاقه ولا يجوز تقيده بقيدٍ إلا بدليلٍ صحيح فإذا لم يوجد دليلٌ صحيح على تقيد المطلق كان من التحكم وإتباع الهوى.
وكذلك إذا جاء مقيدًا في موضعٍ ولم يَرِد إلا مقيدًا فحينئذٍ يجب إعماله أو حمله على قيده ولا يجوز إطلاقه أبدًا إلا بدليلٍ صحيح، حينئذٍ يجوز أن يطلق المقيد، وقد يَرِدُ في موضعٍ مطلقًا ويرد في موضعٍ آخر مقيدًا وهذا الذي عنون له هذا (النَّوعُ التَّاسِعُ وَالعَاشِرُ: الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ) وأما المطلق فقط فهذا يجب إعماله على إطلاقه وحمله على إطلاقه ولا يجوز تقيده بحالٍ من الأحوال وأي قيدٍ يضاف إلى أي مطلق من نصوص الشرع سواءٌ كان في المعتقد أو في الفروع حينئذٍ يكون من باب التحكم وإتباع الهوى، وإذا كان مقيدًا في موضعٍ ولم يرد إطلاقه البتة فحينئذٍ يجب أن يحمل على تقيده فإطلاقه يكون من قبيل التحكم وإتباع الهوى.
أما إذا جاء في موضعٍ مطلقًا وفي موضعٍ آخر مقيدًا هو الذي عنون له الأصوليون بباب المطلق والمقيد إذًا (المُطْلَقُ والمُقَيَّدُ) المراد به إذا ورد الخطاب أو اللفظ في موضعٍ مطلقًا وورد نفسه في موضعٍ آخر مقيدًا فما العمل حينئذٍ؟ عقد الأصوليون هذا الباب للتعامل مع هذه النوعية المعينة.
(المُطْلَقُ والمُقَيَّدُ) الْمُطْلَق بفتح اللام هذا اسم مفعول من أُطْلِقَ يُطْلَقُ فهو مُطْلَق، وبكسرها مُطْلِق هذا اسم فاعل الْمُقَيَّد قُيِّد يُقَيَّدُ فهو مُقَيَّد فهو اسم مفعول، والمطلق لغةً الانفكاك من أي قيدٍ حسيًا كان أو معنويًا، نقول: هذا الفرس مطلقٌ. يعني: في الحس، والمعنوي نحو الأدلة الشرعية تقول: ... ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. هذا نصٌ مطلق هذا في المعنويات.
стр. 336
والْمُقَيَّد لغةً: ما يقابل المطلَق. وهو: ما قُيِّدَ بشيءٍ من شرطٍ أو وصفٍ أو نحوه. ما قيد بشيءٍ مطلقًا من شرطٍ أو وصفٍ أو نحوه.
المطلق اصطلاحًا: هو اللفظ الدال على الماهية بلا قيدٍ. اللفظ هذا جنس يشمل المطلق والمقيد ويشمل العام والخاص والحقيقة والمجاز ... إلى آخره لأن المراد به كل ما يُتَلَفَّظ به مهملاً كان أو مستعملاً قوله: الدال. يعني: ذو دلالة إذًا أخرج المهمل لأن المهمل لا يدل على شيءٍ البتة، الدال على الماهية المراد به الحقيقة حقيقة الشيء سميت ماهية لماذا؟ لأنه يسأل عنها ما هي حقيقة كذا؟ ما هي حقيقة الإنسان؟ فيقول: حيوان ناطق ... وهلم جره، إذًا لما كان السؤال عنها بلفظ ما هي حسن أن يُشتق لها لفظ الماهية، وإلا الماهية هذا من جهة اللغة فيه ركاكة ماهية لأن أصله ما هي ثم جعل مصدرًا صناعيًا ماهية مثل حيوانية وإنسانية وقومية ونحو ذلك فهذه تمسى ماذا؟ تسمى مصادر صناعية بزيادة ماذا؟ ياء النسبة مع التاء.
ما وردت، إنسان هذا اسم جامد لا مصدر له لأنه ليس بفعل ولا بمشتق حتى يقال إنه له مصدر، كيف نأتي بالمصدر. قالوا: ثم مصدر صناعي إنسان تزيد عليه الياء ثم تلحقه تاء التأنيث تقول: إنسانيةُ. مثل قوم هذا اسم جمع لا واحد له من لفظه فتقول: قومية .. وهلم جره، إذًا الماهية نقول: هذا مصدر اصطناعي.
стр. 337
بلا قيدٍ إذًا ما دل على حقيقة الشيء بلا قيد يعني من غير تقيد بالوحدة ولا تَعْيِين في الخارج ولا في الذهن، هذه ثلاثة أشياء منفية بلا قيد، يعني أخرج النكرة وأخرج المعرفة وأخرج علم الجنس لأن اللفظ الذي له دلالة وهذه الدلالة تكون في الذهن لأن ما دل على الماهية وجوده وجد الذهن إذا قيل: الإنسان له ماهية، ما هي هذه الماهية كونه حيوانًا ناطقًا، الحيوانية الناطقية موجودة في العقل ولا وجود لها في الخارج، إن لوحظ الخارج فحينئذٍ ما كان مقيدًا وملاحظًا بفرد واحدٍ في الخارج هذا يسمى النكرة، فالنكرة حينئذٍ لفظ دال على الماهية بقيد الوحدة، فحينئذٍ وُضِعَ اللفظ وله معنى في الذهن وهو المعنى الكلي وُضِعَ ملاحظًا له الفرد الخارجي، فحينئذٍ يدل المعنى الذهني الذي يكون في ضمن الفرد الخارجي يدل عليه دلالة مطابقة، فإن وُجِدَ الخارج على جهة التعيين فهو المعرفة، ولذلك قلنا: بلا قيد. المراد به ثلاثة أشياء بلا قيد يعني: بلا قيد الوحدة واحد غير مُعَيْنٍ في الخارج هذا هو النكرة لأن النكرة تدل على ماهية رجل، رَجل هذا يدل على ماذا؟ ذكر بالغ من بني آدم من هو هذا؟ لا، ليس مُعَيَّنًا في الخارج وإنما يصدق على زيد وعلى بكر وعلى عمرو وعلى خالد كلٌّ يسمى ماذا؟ يسمى رجلاً، نقول: المعنى الذهني لوحظ فيه الفرد الخارج، فحينئذٍ دل عليه دلالة مطابقة إن كان مُعَيَّنًا في الخارج كالرجل والإنسان، فرقٌ بين إنسان والإنسان وفرقٌ بين رجل والرجل، الرجل هذا دل على واحد لكنه معين ورجل دل على واحد لكنه غير معين، فإن كان التعيين في الخارج فهو المعرفة وإن كان في الذهن فهو ماذا؟ فهو علم الجنس لأن علم الجنس هو الدال على الماهية لتعيين في الذهن، لأن التعيين إما أن يكون في الخارج خارج الذهن وإما أن يكون في الذهن، إن عُيِّنَ في الخارج كالرجل وهو أحد المعارف السبعة نقول: لفظ دال على الماهية على الحقيقة لكن بقيد وهو التعيين الخارجي وهو المعارف كلها، لأنه إما أن يكون نكرة الاسم وإما أن يكون معرفة إن كان نكرة فهو لفظ دال على الماهية بقيد الوحدة في الخارج، والمعرفة بتعيين في الخارج دال على الوحدة وغيرها لكنه بتعيين إن كان التعين في الخارج فهو المعرفة إن كان في الداخل في الذهن فهو علم الجنس، إن لم يكن بقيد الوحدة ولا بقيد التعين الخارجي ولا بقيد التعيين الذهني كأسامة فنقول: هذا هو المطلق.
стр. 338
الدال على الماهية من حيث هِيَ هِي يعني لا باعتبار كونها موجودة في الخارج البتة، وإنما وضع لفظ رجل مثلاً أو إنسان وضع لفظ رجل للذكر البالغ العاقل من بني آدم وجوده في الذهن ليس له أي علاقة بفردٍ في الخارج، بخلاف النكرة النَّكرة وضع المعنى ولكنه ملاحظ وجوده في الخارج في فرد واحد لكن المطلق وضع للحقيقة للماهية للمعنى الذهني للمعنى الكلي للمعني الذي وجوده وجود ذهني وضع له بلا قيد البتة، يعني المعنى من حيث هُوَ هُو دون اعتبار أفرادٍ في الخارج، لم يؤخذ للفرد الخارج قيدًا في المعنى الذهني، لم يؤخذ، هذا فرق جوهري بين النكرة والمطلق لم يؤخذ الفرد الخارج قيدًا في وضع الحقيقة، وإنما أخذ الفرد الخارجي من جهة الالتزام لماذا؟ لأننا نقول: إذا كان بحث الأصوليين في المطلق فإذا كان المطلق هو حقيقة ذهنية بحته حينئذٍ نبحث في ماذا؟ في المعقولات أو في الملفوظات؟
في الملفوظات، إذًا ما أدخل الأصوليين، ما الذي أدخل الأصوليين في المباحث العقلية؟
نقول: لا هذا المعنى الذهني لا بد وأن يوجد في الخارج، وإن لم يكن الفرد الخارج قد أخذ قيدًا في الماهية، لكن دلالته عليه بدلالة الالتزام، ودلالة النكرة على الفرد الخارج بدلالة المطابقة، هذا هو الفرق بين النكرة والمعرفة عند من فرق بين النكرة والمطلق عند من فرق بينهما، وبعضهم سوى بين النكرة والمطلق فأطلقوا في هذا الباب باب المطلق قالوا: النكرة هي المطلق نفسها، النكرة هي المطلق لماذا؟
قالوا: لأنه لا ينبني عليه فرق من حيث الألفاظ وما يترتب عليها من حيث الأحكام الشرعية، فحينئذٍ كل نكرة هي مطلق وكل مطلق هي نكرة، لكن فرق الفقهاء ببناء مسألة - وهي مهمة صحيحة واقعة على هذين الحدين إذا قلنا: ثَمَّ فرق بين المطلق والنكرة - إذا قال الرجل لزوجته: إذا ولدتي ذكرًا فأنت طالق. ذكرًا نكرة فولدت اثنين تطلق أو لا؟
هذا ينبني على هذه، إن قلنا: المطلق والنكرة بمعنى واحد أنه لوحظ فيه المعنى الخارجي حينئذٍ لا تَطْلُق لماذا؟ لأنه علق على فردٍ واحد وقد وجد اثنين إذًا لم يوجد المعلق عليه، لكن لو قلنا: أن ثَمَّ فرق بين المطلق والنكرة حينئذٍ تَطْلُق لماذا؟
لأن الذكر وضع للماهية من حيث هي لا باعتبار وجوده في الخارج، فحينئذٍ قد يوجد في الخارج في ضمن واحد أو اثنين أو عشرة، فحينئذٍ إذا وجد مع تعدد الأفراد في الخارج نقول: قد وجد المطلق وهو معلق عليه الشرط هنا فتَطْلُق.
стр. 339
إذًا إن ولدت ذكرًا قالوا: إن ولدتي ذكرًا فأنت طالق. ولدت ثلاثة أو اثنين اثْنين فحينئذٍ إذا فرقنا بين النكرة والمطلق فرقنا بينهما حينئذٍ تَطْلُق على القول بأن هذا اللفظ مطلق، وإذا قلنا: هما سيان، هما سواء فحينئذٍ لا تطلق، لأن التقييد يكون إن ولدتي ذكرًا واحدً هذا نعت صفة لأن هذا له الشأن في النكرة ما دل على واحد شائعٍ في جنسه دل على فرد واحد شاع في جنسه وهو ذكر حينئذٍ كأن التقدير إن ولدتي ذكرًا واحدًا فأنت طالق فولدت اثنين لا تَطْلُق لأن المعلق عليه واحد، إذا لم تجد نية إذا لم تكن ثَمَّ نية. إذًا هذا هو حقيقة المطلق هو اللفظ الدال على الماهية بلا قيد أو إن شئت قل: اللفظ المتناول لواحد لا بعينه. باعتبار حقيقة شاملة للجنس، لفظ وهذا يشمل المطلق وغيره كل ما يتلفظ به المتناول لواحدٍ هذا أخرج الألفاظ ألفاظ الأحداث، المتناول لأكثر من واحد كاثنين ثلاث وعشرة وخمس إلى آخره لأنه متناولة لأكثر من واحد، لا بعينه اللفظ المتناول لواحد لا بعينه أخرج ماذا؟ ما تناوله واحدًا بعينه مثل ماذا؟ العلم زيد، زيد هذا لفظ تناول واحدًا بعينه لأن مسماه معين، وأخرج ما مدلوله واحد معين كالرجل، الرجل ليس بعلم وهو معرفة لكن مدلوله ماذا معين وهو واحد، وأخرج العام المستغرق، إذًا الواحد لا بعينه أخرج المستغرق لأن العام لفظ يستغرق جميع ما يَصْلُح له واللفظ، فحينئذٍ نقول: فرق بين المطلق والمقيد. باعتبار حقيقة واحدة هذا أخرج المشترك لأن المشترك يتناول لواحد لا بعينه كالقرء مثلاً يتناول الحيض أو الطهر لكن هل حقيقة الطهر وحقيقة الحيض من جنس واحد؟ لا، متباينان. لكن لو قلت: رجل. يتناول واحد لا بعينه زيد أو خالد حقيقتهم واحدة أم لا؟ متحدة إذًا حقائقهم متحدة بخلاف القرء ونحوه، وأخرج أيضًا الواجب المخير الواجب المخير هذا يتناول واحد لا بعينه أليس كذلك؟ لكنه حقائقها مختلفة لا متحدة مثل ماذا؟ كفارة اليمين مُخَيّر بين ثلاث إذًا نقول: هذه الثلاث المراد بالواجب المخير واحد منها لا بعينه أليس كذلك؟ إما إطعام وإما كسوة وإما تحرير، واحدة منها لا بعينه، إذًا الواجب المخير متناول لواحد لا بعينه لكن هل هذه ثلاثة الأشياء من جنس واحد أو مختلفة؟ مختلفة والشرط في المطلق أن تكون من جنس واحد، لذلك قال: اللفظ المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه وأما المشترك والواجب والمخير فإن كل منها يتناول واحدًا لا بعينه باعتبار حقائق مختلفة.
المطلق قد يكون في الأمر اعتق رقبة وهذا أمر أو لا؟ إذًا وقع في سياق أو في معرض الأمر اعتق رقبة، كذلك في مصدر الأمر ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يعني: حرروا رقبة. ويرد أيضًا في الخبر عن المستقبل سأعتق رقبة وهل يرد في الماضي أعتقت رقبة؟
يَرِدُ في الأمر أعتق رقبة، نقول: هذا لفظ متناول لواحد لا بعينه إلى آخر الحل، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مصدر الأمر يأتي أيضًا في الخبر عن المستقبل سأعتق رقبة لكن في الماضي يتناول واحدًا بعينه لو قال: أعتقت رقبة. أخبر بماذا؟
стр. 340
بأنه أعتق رقبة وهذه متناوله لواحد لا بعينه، أكرمت رجلاً هذا متناول واحدًا لا بعينه، أكرمت طالبًا هذا كله في الماضي حينئذٍ هذا يتناول واحدًا بعينه.
أما المقيد عرفناه في اللغة وأما في الاصطلاح فهو: المتناول لمعينٍ هو اللفظ المتناول لمعينٍ، أَعْطِ هذا الفقير هذا متعين أو لا؟ متعين، أو لغير معين موصوف بأمر زائد عن الحقيقة الشاملة لجنسه يعني: قد يتعين بشيء حسي كالإشارة أو بشيء لفظي أو يكون نكرة لكنه يأتي وصف زائد دال على وصف زائد على مجرد الماهية ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ رقبة معينة أو لا؟ رقبة مؤمنة معينة أو لا؟ معينة من جهة ماذا؟ من جهة الوصف لأنه إما مؤمن وإما كافر، فحينئذٍ لما زيد وصف الإيمان تعين بكون هذه الرقبة لا تخرج عن صفة الإيمان ولا واسطة.
إذًا المتناول لمعين أو لغير معين موصوف بأمر زائد عن الحقيقة الشاملة لجنسه، أَعْطِ هذا الفقير تقول: هذا معين بماذا؟ بالإشارة أعطِ الفقير الجالس مثلاً نقول: هذا مقيد بالوصف.
النَّوعُ التَّاسِعُ وَالعَاشِرُ: الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ.
المطلق مع المقيد عند الأصوليين كالعام مع الخاص ولذلك بعضهم يذكره في ضمن الكلام عن العام والخاص لماذا؟ لأن المطلق يشبه العام من حيث ماذا؟
من حيث دلالته على الشمول لأن المطلق فيه شمول يشمل فيه استيعاب فيه استغراق لكن استغراقه وشموله واستيعابه بدليٌّ، حينئذٍ الرجل إذا قيل: أعتق رقبة. الرقبة هذا يشمل كل ما يَصْدُق عليه اللفظ أنه رقبة كل ما يصدق عليه أنه رقبة داخل تحت مسمى اللفظ، فيحتمل زيد أو عمرو أو .. إلى آخره من العبيد أليس كذلك؟ لكنه لا على جهة كونه دفعة واحدة يعني: لا يشمل اللفظ رقبة كل المسمى ما يصح أن يطلق عليه لفظ رقبة لا يشمل الجميع دفعة واحدة وإنما على جهة البدل فإذا قيل: أعتق رقبة. فإذا أعتق زيد وهو رقبة حينئذٍ سقط الحكم وبرئت الذمة عن إطلاق اللفظ عن غيره، وأما العام فلا فهو موضوع للماهية لشمولها لكل الأفراد دفعةً واحدة، فإذا قيل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] كل المؤمنين دخلوا في هذا اللفظ دفعةً واحدة لأن اللفظ موضوع لجميع الأفراد بخلاف ماذا؟ بخلاف أعط رجلاً أو أكرم طالبًا.
إذًا المطلق موضوع للماهية فقط بقطع النظر عن أفرادها فعمومه بدليٌّ كأسد، موضوع لماذا؟ للماهية فقط بقطع النظر عن أفرادها كما ذكرناه في الحدِّ فعمومه حينئذٍ يكون بَدَلِية والعام موضوع للماهية المتحققة في جميع الأفراد فعمومه شمولي كما ذكرناه في المثال السابق.
المطلق والمقيد قال ﵀:
وَحَمْلُ مُطْلَقٍ على الضِدِّ إِذا ... أَمْكَنَ وَالحُكْمُ لَهُ قَدْ أُخِذَا
стр. 341
(وَحَمْلُ مُطْلَقٍ على الضِدِّ) هذا متى؟ هذا يُتَصور فيما أطلق في خطاب وقيد في الخطاب الآخر لأن الأحوال ثلاثة الإطلاق والتقيد لها ثلاثة أحوال: إما أن يُطْلَق فقط ولا يَرِدُ تقيده أبدًا في موضع آخر - وتنبه إلى هذه من يبحث في الفقه - إذا جاء مطلقًا حينئذٍ يجب حمله على إطلاقه ولا يجوز تقيده البتة، فتقيده من غير دليل شرعي هذا تحكم وهوى، وإذا جاء مقيدًا ولم يرد إطلاقه البتة حينئذٍ يجب حمله على تقيده ولا يجوز إطلاقه البتة، فإذا أطلق من غير دليل شرعي فيكون من باب التحكم وإتباع الهوى، أما إذا جاء في موضع مطلق وفي موضع آخر مقيد هو الذي عناه الناظم قال: (وَحَمْلُ مُطْلَقٍ على الضِدِّ). ما هو ضد المطلق؟
المقيد، ضد المطلق المقيد. وعليه نقول: إذا ورد لفظ مطلق في خطاب وورد أيضًا مقيدًا في خطاب آخر لا يخلو عن أربعة أحوال - وهذا ما يسمى عند الأصوليين بصور حمل المطلق على المقيد-:
إما أن يتحدا حكمًا وسببًا.
وإما أن يختلفا حكمًا وسببًا.
وإما أن يتحدا حكمًا ويختلفا سببًا.
أو بالعكس.
هذا أربعة أحوال بعضها متفق عليها وادعي فيه الإجماع وذلك فيما إذا اتفق الحكم والسبب معًا، وما عداه فهو مختلف فيه إلا إذا اختلف الحكم والسبب معًا فادعي الإجماع على ماذا؟ على عدم حمل المطلق على المقيد.
الصورة الأولى نقول: أن يتحدا في الحكم والسبب معًا، أن يكون حكم المطلق هو عينه حكم المقيد وأن يكون السبب في المطلق هو عينه السبب في المقيد، ادعي الإجماع في هذه المسألة بأنه يجب حمل المطلق على المقيد ونُفِيَ الخلاف يعني: يجب حمل المطلق على المقيد بلا خلاف في هذه المسألة وذلك متى؟
стр. 342
إذا اتحدا حكمًا وسببًا. مَثَّلَ له بعضهم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]. الدم ورد في مواضع مطلقًا ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ﴾ وجاء في سورة الأنعام مقيدًا ﴿أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾ [الأنعام: ١٤٥] حينئذٍ الحكم واحد وهو: تحريم الدم. والسبب واحد هو ما في الدم من الإيذاء والمضرة قالوا: فيجب حمل المطلق في جميع السور على المقيد في سورة الأنعام ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ﴾ إذًا المسفوح أي: المسفوح. بدليل ماذا؟ بدليل تقييده في سورة الأنعام هذا نقول: مطلق ومقيد. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ﴾ الحكم هو: تحريم الدم. السبب هو: ما في الدم من الأذية والمضرة. ﴿أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾ هذا حُكِمَ عليه بأنه نجس فيستلزم ماذا؟ التحريم لما فيه من المضرة والإيذاء. إذًا اتحدا حكمًا وسببًا يجب حمل المطلق على المقيد يعني: نقيد المطلق ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ﴾ يجب تقيد هذا المطلق بالقيد الذي قُيِّدَ به في سورة الأنعام فيقال: حرمت عليكم الميتة والدم المسفوح. من أين جئنا بالدم المفسوح نقول: هذا من حمل المطلق على المقيد لأن السبب واحد والحكم واحد، هذا في القرآن مبحثنا في القرآن لكن سبق المثال أنه في السنة «لا نكاح إلا بولي». وجاء في رواية: «لا نكاح إلا بولي مرشدٍ وشاهدي عدل». «لا نكاح إلا بولي» و «لا نكاح إلا بولي مرشد». الحكم ما هو؟ نفي النكاح صح؟! والسبب؟ ما هو السبب؟ السبب النكاح والحكم عدم صحته هذا الحكم «لا نكاح». صحيح أليس كذلك حينئذٍ اتحدا حكمًا وسببًا فنقول: «لا نكاح إلا بولي». هذا مطلق ولي مطلق يشمل المرشد وغيره «لا نكاح إلا بولي مرشد» إذًا اشترط ماذا؟ أن يكون مرشدًا فحينئذٍ أخرج غيره السفيه ونحوه حينئذٍ نقول: يجب تقيد المطلق أو حمل المطلق على المقيد هذا في السنة وبحثنا في القرآن.
الثاني: أن يختلفا في الحكم والسبب معًا. أن يختلفا يعني: المطلق والمقيد في الحكم والسبب معًا، وهذا لا حمل لأحدهما على الآخر إجماعًا، الأول ادُّعي الإجماع وقيل على قول الجمهور والثاني هذا قيل: لا حمل لأحدهما على الآخر إجماعًا، مثاله تقييد الصيام للتابع في كفارة اليمين مع إطلاق الإطعام في كفارة الظهار، في كفارة اليمين قال ماذا؟ ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ أليس كذلك؟ بلى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ما السبب هنا؟ كفارة، كفَّارة ماذا؟ كفارة اليمين، هذا سبب، والحكم الصيام دون نظر إلى قراءة ابن مسعود هذا مراد يعني: نظر للنص القرآني فقط وجاء في كفارة الظهار ماذا ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: ٤] هل نقول هنا تقييد الصيام بالتتابع لكفارة الصيام؟ نعم المثال بالملاحظة قراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فجاء في كفارة الظهار إطلاق الإطعام ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة: ٤] هل نقول: متتابعين؟ هل نقيد نحمل المطلق على المقيد؟ نقول: لا لماذا؟
لاختلاف الحكم والسبب، ما هو الحكم في كفارة اليمين؟ الصيام، ما السبب؟ الكفارة.
стр. 343
في كفارة الظهار الحكم الإطعام، السبب الظهار، إذًا اختلف حكمًا وسببًا لا يُحْمَل هذا على ذاك.
الثالث: أن يتفق الحكم ويختلف السبب، وهذا ما مَثَّلَهُ الناظم إطلاق الرقبة في كفارة الظهار ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وقيدت في كفارة القتل، الحكم واحد والسبب مختلف هذا قتل وهذا ظاهر، هل يحمل المطلق على المقيد، هذا فيه خلاف فيما إذا اتحدا السبب هنا اتحد ماذا؟ الحكم واختلف السبب.
الجمهور على حمل المطلق على المقيد في هذا النوع، وذلك مثل إطلاق الرقبة في كفارة الظهار في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. مع تقيد الرقبة بكونها مؤمنة في كفارة القتل ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فالحكم العتق، والسبب في الرقبة المطلقة الظاهر، وفي الرقبة المقيدة بالإيمان قتل الخطأ، وهذا المطلق يحمل على المقيد عند أكثر أهل العلم، والأحناف لهم نزاع ذكرناه في شرح القواعد.
الرابع: عكس الثالث، ما هو عكسه؟ أن يتفقا السبب ويختلفا في الحكم، الثالث الاتفاق في الحكم والاختلاف .. عكسه. الاتفاق في السبب والاختلاف في الحكم، هذا مَثَّلُوا له بالمثال المشهور وهو قوله تعالى في آية الوضوء ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] وقال في التيمم ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾. أطلق هنا وقيد في ماذا؟ في الوضوء، ما هو سبب الوضوء؟ الحدث والقيام إلى الصلاة. الحكم غسل اليدين، وما هو السبب في التيمم؟ الحدث أيضًا والقيام إلى الصلاة ما الحكم؟
المسح وهو التيمم، إذًا اتفقا في السبب واختلفا في الحكم، الْغَسْل مغاير للمسح هل يحمل المطلق على المقيد؟
هذا محل نزاع، والصواب أنه لا يحمل، أكثر العلماء على عدم حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة، ومَثَّلُوا له أيضًا بقوله ويختلف الحكم إطلاقًا ... ﴿فَإِطْعَامُ﴾ في كفارة الظهار ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ مع تقييد الصيام بقوله: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾، ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] هل يُحْمَلُ أو لا؟ نقول: لا.
هذه الأقسام الأربعة فيما إذا كان المقيد واحدًا، وأما إذا تعدد المقيد يعني: جاء مطلقًا في موضع وجاء مقيدًا في موضع آخر بقيد وجاء مقيدًا في موضع آخر بقيد يغاير ذلك القيد، إذًا مطلق ومقيدان الأحكام الأربع صور هذه كلها في ماذا؟ مطلق ومقيد، لكن لو جاء عندنا مطلق ومقيدان يعني: جاء إطلاقه في موضعه وجاء تقيده في موضع آخر وجاء تقيده في موضع ثالث لكنه بقيد مغاير عن القيد الثاني في الحالة الثانية على أيٍّ يحمل منها أو لا يحمل؟
هذا فيه تفصيل.
стр. 344
أما إن كان هناك مقيدان بقيدين مختلفين فإن كان القيدان متضادين متقابلان حينئذٍ ولم يكن أحدهما أقرب من الآخر لم يحمل المطلق على واحد منهما اتفاقًا يعني ننظر في هذين المقيدين قُيد بقيد وقيد في الموضع الثالث بقيد آخر ننظر فيهما إن كانا متضادين ولم يكن أحدهما أقرب إلى المطلق نقول: لم يحمل على واحد منهما اتفاقًا، مَثَّلُوا له بماذا؟ - فضائل رمضان - ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ﴾ من أيام متتابعات أم متفرقات مطلق أو مقيد؟ مطلق. جاء في كفارة اليمين مقيد ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] قراءة ابن مسعود ... (متتابعات) وجاء في صوم التمتع ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] جاء ماذا؟ مقيدًا بالتفريق، جاء في كفارة اليمين مقيدًا بالتتابع، وجاء في كفارة في صوم التمتع مقيدًا بالتفريق نحمله على ماذا؟
إذا قلنا: نحمله على كفارة حينئذٍ يجب على من عليه قضاء شهر رمضان أن يصومه متتابع فلو فرقه أَثِم، وإذا قلنا: نحمله على صوم التمتع حينئذٍ يجب عليه التفريق فلو تابعه أَثِم أليس كذلك؟ إذا قيدناه لأننا نقول: يجب. نقول ماذا؟ يجب، لكن نقول هنا: لا يمكن حمل النص المطلق على واحد منهما. لا يمكن حمل المطلق على واحد منهما بل يبقى على إطلاقه فلا يقيد لا بالمتابعة ولا يقيد بتفريق، ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ هذا مقيد بالتتابع، وقوله تعالى في صوم التمتع: ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] ... الآية مقيدًا بالتفريق، فيبقى المطلق على إطلاقه لامتناع تقيده بهما لتنافيهما يعني: القيدين، وبواحد منهما لانتفاء مرجحه على الآخر حينئذٍ لا يجب في قضاء رمضان تتابع ولا تفريق، وهو معنى قول الناظم الذي سيأتي (حُكْمَهُ لا تَقْتَفِي).
أما إذا ورد على المطلق قيدان أو مقيدان متضادان ولكن يمكن ترجيح أحدهما على الآخر، فحينئذٍ يكون الراجح مُقَيِّدًا للمطلق يكون الراجح المعنى الذي هو أقرب إلى المطلق هو المقيد يعني يحمل المطلق على أرجح القيدين وأشبههما كقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾. مع قوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾. في الظهار مع آية التمتع صوم التمتع قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ ... أَيَّامٍ﴾. في الكفارة لو لم ننظر إلى قراءة ابن مسعود ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ نقول: هذا كفارة جاء مطلقًا في القرآن وجاء مقيدًا في الظهار ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وجاء مفرقًا في صوم التمتع لو أردنا أن ننظر في القيدين التتابع أو التفريق أي النصين والمقيدين أقرب إلى قوله ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾؟
التتابع لأنه كفارة ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ هذا كفارة، والظهار كفارة، والصوم التمتع نقول: هذا ليس بكفارة. إذًا أيهما أقرب إلى النص إلى المطلق التقييد بالتتابع.
(وَحَمْلُ مُطْلَقٍ على الضِدِّ) على المقيد (إِذا أَمْكَنَ) ذلك الحمل بوجود الجامع وانتفاء المانع وذلك في الثلاثة الصور السابقة فيما إذا اتحدا حكمًا ... وسببًا، فيما إذا اتفقا حكمًا واختلفا سببًا، وفيما إذا اختلفا سببًا واتفقا حكمًا، بقي ماذا؟
стр. 345
هناك حالة بالإجماع لا يُحْمَل وهي: فيما إذا اختلفا سببًا وحكمًا بالإجماع ادُّعى الإجماع أنه لا يحمل المطلق على المقيد، وهناك حالة قلنا: أكثر العلم على عدم وهو: فيما إذا اختلفا حكمًا واتحدا سببًا. هذا أكثر أهل العلم على أنه لا يحمل المطلق على المقيد لكن عند الشافعية يحمل، ولذلك أجراه الشارح المساوي وغيره قال: يحمل. ومَثَّلُوا له بآية التيمم والصواب أنه لا يحمل، بل أكثر أهل العلم على أنه لا يحمل بقي ماذا؟
بقي حالتان وهما:
إذا اتحدا حكمًا وسببًا وهذا يجب.
وفيما إذا اتفقا حكمًا واختلفا سببًا.
إذًا الشرط اتحاد الحكم، الشرط في حمل المطلق على المقيد اتحاد الحكم مطلقًا سواء اتحد السبب أم اختلف، هذا هو الضابط نقول: (وَحَمْلُ مُطْلَقٍ على الضِدِّ إِذا أَمْكَنَ). إذا أمكن ذلك الحمل وذلك فيما إذا اتحد الحكم مطلقًا، حكم المطلق والمقيد سواء اتحدا سببًا أم اختلفا سببًا، (وَالحُكْمُ لَهُ قَدْ أُخِذَا) (وَالحُكْمُ لَهُ) أي: حكم المقيد قد أُخِذَا له الضمير يعود على ماذا هنا؟ على المطلق هو الظاهر على أنه على المطلق لكن الشارح المساوي يقول: على المقيد. وليس بظاهر، بل الظاهر أنه له للمطلق يعني: ترتيب الكلام والحكم قد أخذ - هذا مغير الصيغة - والألف للإطلاق يعني: نُزِّلَ المطلق على المقيد أُخِذَا له حكم، حُكم المقيد أل للعهد هذه حكم المقيد أُخِذ له لماذا؟ للمطلق هذا هو الظاهر.
كالقَتْلِ والظِّهَارِ حَيْثُ قَيَّدَتْ ... أُولاهُمَا مُؤْمِنَةٌ إِذْ وَرَدَتْ
هذا مثال في أي صورة؟ في اتحاد الحكم واختلاف السبب، (كالقَتْلِ) أي ككفارة القتل وككفارة الظهار (حَيْثُ قَيَّدَتْ) بالبناء الفاعل (أُولاهُمَا مُؤْمِنَةٌ) قيدت مؤمنة هذا فاعل قيدت (أُولاهُمَا) الكفارتين التي كفارة القتل مؤمنة فقال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. وجاءت مطلقة في كفارة الظهار ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] هنا السبب مختلف قتل وظهار والحكم واحد وهو تحرير رقبة يجب حمل ماذا؟
المطلق على المقيد، لأنه ممكن هنا.
كالقَتْلِ، والظِّهَارِ حَيْثُ قَيَّدَتْ ... أُولاهُمَا مُؤْمِنَةٌ ................
(أُولاهُمَا مُؤْمِنَةٌ) هذا فاعل قيدت (إِذْ وَرَدَتْ) يعني: مؤمنة وردت في النص هذا من باب التتميم، وحيث لا يمكن هذا يطابق قوله: (إِذا أَمْكَنَ). مفهومه إذا لم يمكن لا يحمل قوله: (وَحَمْلُ مُطْلَقٍ على الضِدِّ إِذا). على الضد يعني المقيد. (إِذا أَمْكَنَ) يحمل، مفهومه - مفهوم مخالفة مفهوم الشرط كما أخذناه البارحة ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ﴾ [الطلاق: ٦]- مفهومه إذا لا يمكن لا يحمل المطلق على المقيد صرح بهذا المفهوم لو سكت عند قوله: (إِذْ وَرَدَتْ). نفهم من البيت الأول أنه إذا لم يمكن لا يُحمل المطلق على المقيد، لكن نص هنا على ما فُهِمَ سابقًا لإيراد المثال لأنه قال: كالقضاء. أراد أن يُورِد مثال لما لا يمكن فيه حمل المطلق على المقيد.
стр. 346
(وحَيْثُ لا يُمْكِنُ) حمل المطلق على المقيد بأن كان ثَمَّ مقيدٌ في محلين بالمتنافيين ولم يكن المطلق أولى بالتقييد من أحدهما هذا فيما ذكرناه من مثال ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ هنا ورد المقيد في موضعين بمقيدين مختلفين متضادين ليس أحدهما أرجح من الآخر حينئذٍ نقول: لا يحمل المطلق على المقيد اتفاقًا إما إذا وجد مرجح في أن يكون ثَمَّ شبه بين المطلق وبين أحد المقيدين فحينئذٍ نحمل المطلق على أقربهما شبهًا على أقرب المقيدين شبهًا، وحيث لا يمكن حمل المطلق على المقيد (كالقَضاءِ) وذلك (كالقَضاءِ) القضاء هذا إعرابه خبر مبتدأ محذوف وذلك (كالقَضاءِ)
في شهر رمضان في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. حكمه؟
(لا تَقْتَفِي)، حكمه حكم ماذا؟ حكمه (لا تَقْتَفِي) يعني: لا تتبع. ... (لا تَقْتَفِي) الاقتفاء والإتباع قَفْوا الأسد يعني: إتباع الأسد. (لا تَقْتَفِي) (حُكْمَهُ) هذا مفعول به منصوب مقدم لقوله: (لا تَقْتَفِي). يعني: لا تقتفي حكمه لا تتبع حكمه أي: حكم ذلك المقيد، بل يبقى المطلق على إطلاقه، أو لا تقتفي حكمه أي: حكم الحمل ذلك الحمل المذكور حينئذٍ يكون إشارة على قوله: (وَحَمْلُ مُطْلَقٍ على الضِدِّ). هذا حكم لا تقتفي حكمه أي: لا تتبع حكم الحمل المذكور ولا إشكال في التقديرين، والمثال قد ذكرناه فيما سبق.
إذًا هذا ما يتعلق بماذا؟ بالمطلق والمقيد.
النوع الحادي عشر والثاني عشر: النَّاسِخُ والمنسوخُ
النوع الحادي عشر والثاني عشر من هذا العقد الذي هو متعلق بالمعاني المتعلقة بالأحكام الناسخ والمنسوخ، ناسخ هذا اسم فاعل من النسخ، والمنسوخ هذا اسم مفعول من النسخ والمراد به الناسخ من القرآن والمنسوخ من القرآن، حينئذٍ لا بد من معرفة حقيقة النسخ.
فنقول النسخ لغة: الإزالة أو النقل. يعني: يطلق بهذا المعنى أو على المعنى الثاني، النسخ لغةً الإزالة تقول: نسخت الشمس الظل. بمعنى: أزالته. النقل نسخت الكتاب أي نقلت ما فيه، والمراد به هنا الإزالة المراد به هنا يعني المناسب للمعنى الاصطلاحي الإزالة لأن النسخ هنا في الاصطلاح رفع الحكم بمعنى إزالة الحكم وليس ثَمَّ نقلٌ، وعند السلف - لأن الاصطلاح يختلف بين المتقدمين وبين المتأخرين - عند السلف يطلق النسخ بمعنى أو مرادًا به البيان، ولذلك عندهم يُطْلَقُ على التخصيص نسخٌ، فيقال هذا: نسخ. فيظن الظان أن الآية ناسخة وهي مخصصة لماذا؟
لأن مفهوم النسخ عندهم أوسع من مفهوم النسخ عند المتأخرين. إذًا معناه معنى النسخ عند السلف هو: البيان. فإذا كان البيان فيشمل حينئذٍ أو يدخل فيه تخصيص العام لأنه بيان، ويدخل فيه تقيد المطلق لأنه بيان، ويدخل فيه تبين المجمل لأنه بيان، ويدخل فيه رفع الحكم بالجملة لأنه بيان.
стр. 347
الرابع هذا خصه المتأخرون - قبيل الاصطلاح - خصه بالنسخ ولم يطلقوا النسخ على تخصيص العام ولا على تقييد المطلق ولا على تبين المجمل، وهذا لا إشكال يكون من باب الاصطلاح ولا نقول: المتأخرين قد أساءوا للمتقدمين. نقول: هذا معناه كذا وهذا معناه كذا ولا مشاحة في الاصطلاح لأن هذا الاسم ليس توقيفيًا المصطلحات هذه ليست توقيفية، فإذا خالف المتأخرون المتقدمين في اصطلاح وخاصة إذا لا ينبني عليه كبير أحكام أو فرق بأحكام نقول هذا ماذا؟ هذا من قبيل الاصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح ولا نأتي بكتب الأصول هنا نقول: هذه مما تجرأ المتأخرون على المتقدمين. لا بأس يبين هذا ليعلم الطالب أنه إذا بحث في التفسير ونقل عن ابن عباس وغيره أو كبار التابعين بأن هذا نسخ فيتأنى لا يحمله على النسخ عند المتأخر يتأنى يقف فينظر فيه يتأمل هل ثَمَّ مخصص وعام، هل ثم مطلق ومقيد، هل ثَمَّ مجمل ومبين إن لم يكن فحينئذٍ لا بأس أن يحمله على المعنى عند المتأخرين معنى النسخ عند المتأخرين، والمراد به أن يتريث ويتأنى.
وعند المتأخرين رفع الحكم الثابت بخطاب متقدمٍ بخطاب متراخي عنه، ربط الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخي عنه، أو إن شئت قلت أقصر من هذا: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متراخي. هكذا عرفه في ((مختصر التحرير)) رفع حكم شرعي بدليل شرعي متراخي، رفع الحكم الثابت رفع هذا عنون له في أول الحد بالمصدر، فحينئذٍ نقول: هذا موافق لمعناه اللغوي الذي هو معنى الإزالة لأن الرفع هنا بمعنى الإزالة، الرفع إزالة الشيء بمعنى تغيره، غُيِّر الحكم رُفِعَ الحكم الشرعي بمعنى غُيِّر كان واجبًا ثم صار مباحًا كنسخ ماذا؟ ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] قيل: هذه للوجوب فنسخت. فحينئذٍ نقول: غير الحكم أزيل الحكم الأول كله فنقول: تغير الحكم. إذًا رفع الحكم أي: إزالة الحكم بمعنى تغييره من إيجاب إلى إباحة، أو من إباحة شرعية إلى إيجاب وندب ونحو ذلك، من تحريم إلى إباحة «كنت نهيتكم عن زيارة القبور». نهي الأصل أنه يحمل على ماذا؟ على التحريم «فزوروها». إما إيجاب وإما سنة فنقول: سنة. إذًا انتقل الحكم من ماذا؟ من التحريم إلى السنة، نقول: هذا هو المراد بالرفع إزالة الحكم وتغيره على وجه لولاه لبقي ثابتًا، يعني: لولا الحكم الثاني لبقي الأول ثابتًا كما هو يعني لولا قوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٣] ... الآية لبقي ماذا؟ وجوب الصدقة بين يدي النبي ﷺ لولا الناسخ لبقي الحكم ثابتًا كما هو، ليخرج ماذا؟ ليخرج زوال الحكم بخروج وقته، لو خرج الحكم بخروج وقته نقول: تغير وأزيل الحكم لكنه ماذا؟ بانتهاء وقته، إذا زال الحكم بخروج الوقت نقول: هذا ارتفع الحكم وزال الحكم وتغير، فحينئذٍ نقول: هذا نسخ أو لا؟
ليس بنسخ لماذا؟ لأن الحكم مقيد بالزمن ومثلنا له في القواعد بماذا؟
بصلاة الجمعة، إذا لم يصل حتى خرج الوقت فقام فصلى الجمعة بعد صلاة العصر نقول ماذا صلاة واجبة أم لا؟ الجمعة تقضى أو لا؟
стр. 348
لا تقضى باتفاق، فحينئذٍ لو أراد أن يصلي صلاة الجمعة بعد العصر نقول: هذه واجبة زال الحكم أو لا تغير أم لا؟ هل هذا نسخ؟
نقول: لا، هنا أزيل الحكم لخروج وقته لأنه مغير بوقت معين بخلاف سائر الفرائض.
أي: انتهاء وقت الحكم لا يسمى نسخًا كمن أخرج الجمعة عن وقتها فلا يصلي لعدم الوجوب، رفع الحكم الثابت بخطاب، إذًا الحكم السابق المنسوخ يكون ثابتًا بماذا؟ بخطاب لا بد أن يكون ثابتًا بخطاب احترز به عن الثابت بالبراءة الأصلي، والثابت بخطاب هذا صفة للحكم المنسوخ ليُخْرِج ماذا؟
رفع الحكم السابق بالأصالة وهي البراءة الأصلية عدم التكليف بالشيء، فرفع البراءة الأصلية لا يسمى نسخًا.
وما من البراءة الأصلية ... قد أخذت فليست الشرعية
حينئذٍ نقول: هذه إباحة لا شك أنها إباحة لكنها إباحة عقلية لا شرعية لأنها دل عليها العقل، وما دل عليه العقل ليس بشرع، فإذا جاء الشرع ابتداء العبادات لا نقول أنه نسخ، فالأصل عدم وجوب الصلوات كلها حتى نزل تشريع إيجاب الصلوات الخمس، قبل ذلك نقول: ليست بواجبة. إذًا عدم الوجوب ثم وجبت هل نقول: الخطاب الثاني رافع وناسخ لما ثبت بالعقل وهو عدم وجوب الصلوات؟ نقول: لا، لأنه ثبت بالبراءة الأصلية.
متقدمة أي في الورود على المكلفين لأن ابتداء العبادات في الشرع مزيل حكم العقل من براءة الذمة وليس هذا بنسخ، وبدليل متقدم بخطاب متراخٍ نقول: بدليل أحسن ليشمل ماذا؟ فعل النبي ﷺ كما في الوضوء أليس كذلك؟ كان الأصل أنه يجب أن يتوضأ لكل صلاة وبعد ذلك نُسِخَ بماذا؟ بالسنة بفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبدليل ليخرج زواله بزوال التكليف يعني رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، رُفِعَ الحكم لكن بالموت مات نقول: رُفِعَ الحكم السابق بخطاب المتقدم كان يجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان لكنه مات ارتفع أو لا؟
ارتفع، لكن ارتفع بماذا؟ بزوال التكليف لا بدليل شرعي، فإذا أزيل التكليف بنحو جنون أو إغماء أو موت فنقول: ارتفع التكليف. ولا نجعل ذلك الجنون أو ذلك الموت رافعًا بكونه ناسخًا، لا، وإنما نقول: أزيل لفوات رفع التكليف، متراخٍ لماذا نشترط فيه لكونه متراخٍ؟ ليُخرج البيان والتخصيص، فالناسخ لا بد أن يكون متأخرًا عن الأول غير متصل به.
عرفنا حد النسخ؟ هذا حقيقته.
نقول: النسخ مما خص الله به هذه الأمة لِحِكَمٍ منها التيسير، ومنها تسهيل الأجر للمؤمنين ومضاعفة الأجر لهم، وقد أجمع المسلمون على جوازه لا خلاف، خلافًا لليهود والرافضة منعوا النسخ لكن لا نلتفت هنا دليلهم.
стр. 349
من التعريف لا بد أن يكون الناسخ والمنسوخ سَمْعِيَّيْنِ أليس كذلك؟ نقول: بالخطاب، رفع الحكم الثابت بخطاب متراخٍ، لا بد أن يكون كلاً من الناسخ والمنسوخ بخطاب، لا بد أن يكونا سَمْعِيَّيْنِ، فالعقل لا يثبُت به النسخ، والإجماع مجرد دعوى الإجماع لا يثبت به النسخ، ولو وُجِدَ بأن الأمة أجمعت وصح الإجماع حينئذٍ يكون إجماعًا على النص الناسخ، أما في مجرد الإجماع فليس بنسخ لماذا؟ [ ... أحسنت] لأن الإجماع لا ينعقِد إلا بعد وفاة النبي ﷺ هذا شرطه، بعد وفاة النبي ﷺ والنسخ لا يكون إلا بوحي فكيف حينئذٍ يكون ما لا يوجد إلا بعد انقطاع الوحي يكون ناسخًا، هذا لا يمكن ولو وجد أنه بالإجماع هذه الآية منسوخة فاعلم أن الإجماع على النص الناسخ، أما الإجماع نفسه فليس بناسخ.
القياس هل يُنسخ به؟
لا يُنسخ به قطعًا، إذًا لا بد من سَمْعٍ بسَمْعٍ لا يُنسخ إلا وحي ولا يكون الناسخ إلا وحي.
الثاني: لا تُنسخ الأخبار. لذلك قال: رفع حكمي. هذا كله نأخذه من الحدِّ، كونهما سمعيين نأخذه من الحدِّ لأنه قال: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم. هذا الْمَنْسُوخ، بخطاب متراخٍ عنه هذا الناسخ. إذًا لا بد من كونهما سَمْعِيَّيْنِ. قوله: رفع الحكم. هذا دليل على أن النسخ لا يدخل الأخبار إلا إذا كان الخبر بمعنى الحكم.
ثالثًا: نقول: النسخ لا يقع إلا في الأحكام الشرعية وهذا مما سبق.
قال رحمه الله تعالى:
كَمْ صَنَّفُوا في ذَيْنِ مِنْ أَسْفَارِ ... واشْتَهَرَتْ في الضَّخْمِ والإِكْثَارِ
(كَمْ) عدد كثير (صَنَّفُوا) أي العلماء من السابقين واللاحقين (في ذَيْنِ) المشار إليه ما هو؟ الناسخ والمنسوخ (ذَيْنِ) هذا تسمية ذا.
بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ ... بِذِي وَذِهْ تِي تَا عَلَى الأُنْثَى اقْتَصِرْ
وَذَانِ تَانِ لِلمُثَنَّى الْمُرْتَفِعْ ... وَفِي سِوَاهُ ذَيْنِ تَيْنِ اذْكُرْ تُطِعْ
(في ذَيْنِ مِنْ أَسْفَارِ) جمع سفر، وذكرنا أنه الكتاب الكبير هذا هو الأصل قال السيوطي ﵀ في ((الإتقان)) أفرده بالتفصيل خلائق لا يُحْصَون. كُثُر لأنه مهم ينبني عليه أحكام شرعية لا يحصى منهم: أبو عبيد القاسم، وأبو داود السجستاني، وأبو جعفر النحاس، وابن الأنباري، ومكي، وابن العربي، وآخرون قال الأئمة: لا يجوز لأحدٍ أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ، لا يجوز أن يفسر كلام الله كتاب الله إلا بعد أن يعرف الناسخ من المنسوخ، لأنه يدخل مع الآية وهي المنسوخة ويفسرها ويبني عليها الأحكام وهي منسوخة، وما درى المسكين أنها منسوخة ولذلك أُورِد عن علي رضي الله تعالى عنه أثرًا أنه قال لقاضٍ: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت. قاضٍ الأمر من زمن يعني، قاضٍ جالس يقضي بين الناس ولا يعرف الناسخ من المنسوخ، يعني: ليس ببدعة.
стр. 350
(كَمْ صَنَّفُوا)، (كَمْ) هذه تكسيريه (صَنَّفُوا) (كَمْ)، (كَمْ) هذه ما إعرابها؟ (صَنَّفُوا) عددًا كثيرًا مفعول به (كَمْ) تكسيريه ليست استفهامية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به (في ذَيْنِ) الناسخ والمنسوخ (مِنْ أَسْفَارِ واشْتَهَرَتْ) تلك الأسفار عند أهل العلم في الضخم والإكثار، في الضخم يعني من جهة الحجم بعضها كبير وبعضها صغير والإكثار أي الكثرة.
ونَاسِخٌ مِنْ بَعْدِ مَنْسُوخٍ أَتَى ... تَرْتِيْبُهُ إِلاَّ الذي قَدْ ثَبَتَا
مِنْ آيَةِ العِدَّةِ لا يَحِلُّ ... لكَ النِّساءُ صَحَّ فيهِ النَّقْلُ
والنَّسْخُ لِلْحُكْمِ أَو التِّلاوَةِ ... أَوْ لَهُما كَآيَةِ الرِّضَاعَةِ
(ونَاسِخٌ مِنْ) الآيات (مِنْ بَعْدِ مَنْسُوخٍ) يقصد به أن القاعدة ذكره ضابطٌ السيوطي في ((التحبير)) وفي غيره: ليس في القرآن - هكذا قال نظمه المصنف أو الناظم: - ليس في القرآن ناسخ إلا والمنسوخ قبله، على الترتيب يعني المنسوخ التالي يتلو المنسوخ أولاً، ثُم بعد ذلك يتلو الناسخ، يتلو المنسوخ أولاً.
إذًا من حيث التلاوة هي أولاً أليس كذلك؟ ثم يتلو الناسخ، ما من ليس في القرآن ناسخٌ إلا والمنسوخ قبله في الترتيب إلا آيتين (آيَةِ العِدَّةِ)، وآية الأحكام التي نظمها المصنف هنا. (ونَاسِخٌ مِنْ) الآيات (مِنْ بَعْدِ مَنْسُوخٍ) (ونَاسِخٌ مِنْ) الآيات يقع في القرآن من بعد منسوخٍ منها فتتلو أولاً المنسوخ ثم يأتيك بعد ذلك الناسخ يأتيك الناسخ (أَتَى تَرْتِيْبُهُ) في القرآن (إِلاَّ) استثنى من هذه القاعدة (إِلاَّ الذي قَدْ ثَبَتَا) الألف للإطلاق (مِنْ آيَةِ العِدَّةِ) (آيَةِ العِدَّةِ) هاتان الآيتان في سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ... [البقرة: ٢٤٠]. هذه منسوخة نسختها الآية التي قبلها.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. المنسوخة، أيهما متقدمة؟ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ هي المتقدمة، الناسخ هو المتقدم على عكس القاعدة وهذا نأخذ منه دليل على ماذا؟ أن ترتيب الآيات توقيفي نعم، لأن ترتيب الآيات توقيفي، لأن النظر لو أردنا بالعقل نقول نضع الناسخ أولاً أليس كذلك؟ نضع الناسخ أولاً ثم بعد ذلك المنسوخ لكنهم عكسوا فعُكس الأمر فوضع أولاً المنسوخ ثم الناسخ، وخولف في آيتين فدل على ماذا؟ على أن الترتيب ترتيب الآيات توقيفي.
(إِلاَّ الذي قَدْ ثَبَتَا مِنْ آيَةِ العِدَّةِ) (مِنْ آيَةِ) هذا جار مجرور من بَيَانِّه يعني قوله: (إِلاَّ الذي) هذا مبهم بينه بقوله: (مِنْ آيَةِ العِدَّةِ) وهاتان الآيتان في سورة البقرة وعرفنا هذا.
стр. 351
(لا يَحِلُّ لكَ النِّساءُ) هذه الآية الثانية يعني وقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]. في سورة الأحزاب نسختها آية قبلها: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وهذه متقدمة ثم جاءت ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. إذًا الناسخ متقدم والمنسوخ متأخر (صَحَّ فيهِ النَّقْلُ) صح النقل فيه أي في المذكور كله من أوله إلى آخره، صح فيه النقل هذا من باب التكملة أو نجعله احترازًا من ما اختلف فيه، لأن بعض ما هو ناسخٌ وما هو منسوخ متفقٌ على أن الناسخ متقدمٌ على المنسوخ كالآيتين المذكورتين، وبعضه مختلفٌ فيه من كونه ناسخٌ ومنسوخ وكون الناسخ متقدمًا على المنسوخ، فحينئذٍ قيد المصنف هنا قوله: (صَحَّ فيهِ النَّقْلُ) يعني ما صح فيه النقل من تقديم الناسخ على المنسوخ خلافًا للضابط السابق، احترازًا مما اختُلف فيه، وهي آية الحشر في الفيء على رأي من قال بأنها منسوخة بآية الأنفال: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ [الأنفال: ٤١]. هذه ناسخة وآية الفيء في الحشر هذه منسوخة على قولٍ لكنه مختلفٌ فيه، فتقدم الناسخ هنا على المنسوخ لكنه على اختلاف. كذلك آية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ... [الأعراف: ١٩٩]. ﴿الْعَفْوَ﴾ أي: الفضل من أموالهم قيل: هذه منسوخة بآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠]. آية الزكاة وهذه في سورة الأعراف أليس كذلك ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. في سورة الأعراف أي: متقدمة، إذًا تقدم الناسخ على المنسوخ لكنه مختلفٌ فيه، فيكون قولٌ (صَحَّ فيهِ النَّقْلُ) احترازًا مما يصح صح فيه النقل مما قيل بأن الناسخ متقدمٌ على المنسوخ وفيه كلام.
ثم انتقل إلى مسألةٍ أخرى تتعلق بالنسخ وهي بيان أقسام النسخ:
(والنَّسْخُ لِلْحُكْمِ أَو التِّلاوَةِ أَوْ لَهُما) هذه ثلاثة أقسام (والنَّسْخُ لِلْحُكْمِ) كائنٌ للحكم لما قال: (أَو التِّلاوَةِ) فهمنا أن قوله (لِلْحُكْمِ) أي: دون التلاوة قد يُقَيَّد الثاني بقيدٍ نفهم منه أن الأول مراد به قيدٌ مقدر كما قال ابن مالك ﵀:
بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ ... بِذِي وَذِهْ تِي تَا عَلَى الأُنْثَى اقْتَصِرْ
لا ليس في هذا.
أين الموضع نسيته الآن على كلٍ ذكر في موضعٍ أنه مراد به تأنيث أو المؤنث فعلمنا أن الأول مقيد بقيدٍ مقدر وهو المذكر. (والنَّسْخُ لِلْحُكْمِ) أي: دون التلاوة كآية ماذا؟ العدة المتقدمة نسخ الحكم دون التلاوة يعني: الرفع وقع لماذا؟ للحكم، والتلاوة باقية نتلوها إلى الآن كالآية السابقة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً﴾. هذه منسوخة ونتلوها، ما الحكمة من بقاء التلاوة مع رفع الحكم؟
أجاب السيوطي ﵀ قال: والحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة من وجهين ذكرهم في ((الإتقان)):
стр. 352
الوجه الأول: أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم والعمل به كذلك يتلى لكونه كلام الله فيثاب عليه، فأبقيت التلاوة من هذه الحكمة إذًا من قبيل ماذا؟ الثواب ومضاعفة الأجور للأمة وهذه حكمة ولا بأس بها. لو لم نعلم الحكمة نقول: سمعنا وأطعنا، لو لم نعلم، لو لم تكون هذه الحكمة ظاهرة - وهي ظاهرة بينة واضحة - لو لم تظهر نقول: سمعنا وأطعنا.
الثاني: أن النسخ غالبًا يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيرًا للنعمة ورفعًا للمشقة، تذكيرًا للنعمة نعم، كانت المرأة تتربص حول كامل سنة هذه مشقة فلما خُفف فبقية تلك للدلالة على ماذا؟ تذكيرًا وعلمًا بالنعمة.
إذًا القسم الأول النسخ للحكم دون ماذا؟ دون التلاوة. وهذا واقعٌ بالإجماع قال السيوطي رحمه الله تعالى: وهو الذي فيه الكتب المؤلفة. يعني: كثير وقيل هذا الكلام منزَّل على ماذا؟ على النوع الثاني. لكن كلٌ منهما أُلِّف وقُصد بتأليفه. هذا النوع الأول: النسخ للحكم دون التلاوة. لكن ما الناسخ له؟ إذا نسخ الحكم دون التلاوة ما الناسخ له؟
التلاوة، يعني لا ينسخ قرآن إلا بالقرآن إذا قلت: التلاوة، قد يكون الناسخ قرآنًا وقد يكون الناسخ سنة قد يكون الناسخ له قرآنًا وقد يكون له الناسخ له سنة، إذًا نقول: ما نسخ حكمه دون تلاوته، هذا قد ينسخه قرآن يعني: نسخ القرآن بالقرآن وهذا متفق عليه نسخ القرآن بالقرآن متفقٌ عليه لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ... [البقرة: ١٠٦]. فدل على ماذا؟ على أن نسخ القرآن بالقرآن هذا جائزٌ وواقعٌ بل مجمعٌ عليه.
قال بعضهم: وهذا نسبه الشارح لأبي بكر بن العربي: كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم فهو منسوخٌ بآية السيف، كل ما ورد في القرآن من الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم فهو منسوخٌ بآية السيف وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. هذه قيل: نسخت مائةً وأربعًا وعشرين آية، لكن هذا يحتاج إلى تتبع ثم نسخ آخرها أولها.
الثاني: ما نسخه سنةٌ. يعني: نسخ الحكم دون التلاوة وكان الناسخ له سنة، وهذا التقسيم يطرد على النوع الثاني أيضًا لكن نذكره للأول للحاجة إليه واختلف للحاجة إليه واختلف في جواز هذا، هل يجوز نسخ القرآن بالسنة أم لا؟ هذا فيه الخلاف مثَّلُوا له بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. قيل نسخ بحديث: «لا وصية لوارث». وهذا فيه نظر لكن مثَّلُوا بهذا لماذا؟ لأن الوصية هنا ماذا؟ واجبة قال: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾. والوالدان وارثان، والأقربين منهم من يرث «ولا وصية لوارث». قالوا: هذا الحديث ناسخٌ للآية. ومن أنكره قال: الناسخ آية الميراث، وهو الصواب أن الناسخ هو آية الميراث.
стр. 353
ذهب جمهور الأصوليين إلى أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وذهب الإمام الشافعي وأحمد - روايةٍ عنه -: إلى أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة ولو كانت متواترة، بل لا ينسخ القرآن إلا قرآنًا مثله، وهذا اختيار ابن قدامة ﵀، وابن تيمية أن السنة مطلقًا لا تَنْسَخُ القرآن ولو كانت متواترة وهذا اختيار من؟ ابن قدامة، وابن تيمية، وقرره الشافعي في ((الرسالة)). وهذا الخلاف في الجواز وفي الوقوع، حجة الجمهور أنه يجوز بالمتواتر: أن الجميع وحيٌ من الله تعالى، السنة المتواترة وحي من الله لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] والقرآن وحيٌ ولا إشكال إذًا كلٌ منهما وحيٌ من الله تعالى. فالناسخ والمنسوخ من عند الله أليس كذلك؟ والناسخ في الحقيقة هو الله جل وعلا سواءٌ نسخ بالقرآن أو نسخ على لسان رسوله ﷺ لأن الناسخ في الحقيقة هو الرب جل وعلا ليس النص وإنما الرب جل وعلا، فحينئذٍ سواءٌ كان الناسخ بلفظ القرآن أو بلسان النبي ﷺ والنبي ﷺ مُبَلِّغ أليس كذلك؟ فحينئذٍ يكون الناسخُ وحيٌ لوحي أو نسخ وحيٌ وحيًا، لكن أظهر النسخ على لسان رسوله ﷺ ومثل الجمهور للوقوع بأن آية التحريم بعشر رضعاتٍ نُسِخْنَ بالسنة أما المثال الأول فهذا فيه نظر مثلوا بماذا؟ بأن آية التحريم بعشر رضعات - التي ستأتي - نُسِخْنَ بالسنة، وحجة الشافعي وابن قدامة وابن تيمية ﵏: قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. قالوا: ولا يكون مثل القرآن وخيرًا منه إلا قرآن، هذا باعتبار ماذا؟ السنة المتواترة، وأما الآحاد فلكونها عند الجمهور ظنية قالوا: إذًا لا يُرفع حكم القرآن نصًا ولا تلاوةً إلا بما هو مساوٍ أو أعلى، والآحاد يكون أدنى فحينئذٍ لا يُنسخ القرآن بخبر الواحد والجمهور على هذا لأنه ضعيف فلا يُرفع الأقوى بما هو دونه. وذهب بعضهم إلى جواز نسخ القرآن بأخبار الآحاد إذ لا يشترط في الناسخ والمنسوخ أن يكونا متساويين في الرتبة، ولا يشترط في الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ، بل قد يكون أدنى فالشرط حينئذٍ في الناسخ أن يكون وحيًا - احترازًا من الإجماع وقياس العقل - ثابتًا بالنقل الصحيح، فمتى ما وُجد الناسخ بهذا القيد فحينئذٍ نقول: هذا ناسخ سواءٌ كان خبرًا من السنة متواترًا أم آحادًا.
إذًا نقول: مسألة النسخ نسخ القرآن بالسنة فيه تفصيل عند الجمهور، إن كانت السنة متواترة فالجمهور على أن القرآن ينسخ بالسنة المتواترة، وإن كانت آحادًا فالجمهور على ماذا؟ على أن القرآن لا يُنسخ بخبر الواحد. وعند الشافعي ومثله ابن تيمية ﵀: لا يَنْسَخُ القرآن إلا قرآنًا ولا ينسخ السنة إلا السنة، واضح؟
هذا هو الخلاف عند أهل العلم.
نسخ السنة بالقرآن الكلام الآن في ماذا؟ في نسخ القرآن بالسنة، هل القرآن ينسخ السنة؟.
عند الشافعي وابن تيمية: لا، لأنه لا ينسخ السنة إلا السنة ولا قرآن إلا القرآن.
стр. 354
ذهب جمهور الأصوليين: إلى أنه يجوز نسخ السنة بالقرآن. وذهب الإمام الشافعي وغيره إلى أن السنة لا ينسخها إلا سنةٌ مثلها، والأدلة هي الأدلة السابقة للطائفتين، لكن الوقوع يشهد، نقول: استقبال بيت المقدس هذا ثابتٌ بالسنة المتواترة ونسخ بالقرآن: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]. كما ذكرناه سابقًا كذلك صوم يوم عاشوراء هذا ثابتٌ بالسنة على القول بأنه كان واجبًا ثم نسخ بماذا؟ بالقرآن فكيف نقول: لا تنسخ السنة بالقرآن.
ولذلك نقول: الأصح في المسألتين أن القرآن يُنسخ بالسنةِ مطلقًا متى ما صحت السنة، وأن السنة تُنسخ بالقرآن لأن الكل وحيٌ من عند الله، وأن الناسخ في الحقيقة هو الرب جل وعلا سواءٌ نسخ بالقرآن بلفظه بحرفه جل وعلا أو على لسان رسوله ﷺ .
(والنَّسْخُ لِلْحُكْمِ) أي: دون التلاوة، هذا النوع الأول. (أَو التِّلاوَةِ) يعني فقط مع بقاء الحكم مثل ماذا؟ نُسخ التلاوة دون الحكم، الحكم باقي ... (الشيخ والشيخة) [أحسنت] آية الرجم تُسمى آية الرجم وهي: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم) هي كانت في سورة الأحزاب رواه الحاكم وغيره عن عمر رضي الله تعالى عنه. هذه منسوخة في التلاوة والحكم باقي. (أَوْ لَهُما) منسوخ التلاوة دون الحكم، جمع السيوطي عشرين موضعًا قال: ولا يوجد غيرهم. فقط عشرين موضعًا نسخ فيها التلاوة دون الحكم ذكرها في ((الإتقان)) (أَوْ لَهُما) يعني: النسخ لماذا؟ (أَو التِّلاوَةِ) هذا عطف على الحكم (أَوْ لَهُما) يعني للحكم والتلاوة معًا، المنسوخ الحكم والتلاوةُ معًا. قال: (كَآيَةِ الرِّضَاعَةِ) يعني وذلك (كَآيَةِ الرِّضَاعَةِ) خبر لمبتدأ محذوف، وهي ما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان فيما أُنزل عشر رضعاتٍ معلوماتٍ يحرمن فنسخن بخمس رضعاتٍ معلوماتٍ يحرمن، فتوفي رسول الله ﷺ مما يقرأ من القرآن. أي: يقرؤهن مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ نَسْخَهُنَّ، وأما من بلغه النسخ فأسقط تلاوتها، إذًا هذا نسخٌ لماذا؟ للتلاوة الحكم معًا. هذا ما يتعلق بالناسخ والمنسوخ.
إذًا نقول: القاعدة أنه لا يُشترط في الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ - وهذا نتنبه له - لا يشترط في الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ، أو في مرتبته بل يكفي أن يكون الناسخ وحيًا ثابتًا، لأنه لا يمتنع أن يكون النسخ بالعقل لا يمنع أن يُنسخ بخبر الواحد لكن هم يمنعون لأنهم يقولون: يفيد الظن فقط ولا يفيد العلم.
(النوع الثالث عشر والرابع عشر) من العقد الخامس (المعمولُ بهِ مُدةً معينةً، وما عَملَ به واحدٌ).
هذا تابعٌ للنسخ أيضًا، يعني بعض الأحكام الشرعية قد يكون لها ماذا؟ أمد معين شهر أو شهرين أو ثلاثة بعضها مثل له بستة عشر عامًا ثم نُسخ، نقول: هذا كله النسخ على هذا المنوال، لكن ما عمل به واحدٌ فقط هذا قد يكون يحتاج إلى مثال.
كآيَةِ النَّجْوَى التي لَمْ يَعْمَلِ ... مِنهُمْ بِها مُذْ نَزَلَتْ إِلاَّ عَليْ
وسَاعَةً قَدْ بَقِيَتْ تَماما ... وقِيْلَ لا بَلْ عَشْرَةً أَيَّامَا
(عَشْرَة) بإسكان الشين.
стр. 355
(كآيَةِ النَّجْوَى) يعني: وذلك كآية النجوى دائمًا إذا جاءت مثل هذا تقدره أنه خبر لمبتدأ محذوف، لأنه لا يمكن أن يبتدئ الكلام جار ومجرور، فتنظر إما أن يكون بعده خبر وإما مبتدأ مؤخر وإما أن تقدر مبتدأ محذوفًا. ... (كآيَةِ النَّجْوَى) يعني: وذلك كآية النجوى وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٢]. هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ قيل: على الإيجاب وهو ظاهر النص وقيل: الندب. هذه الآية نسخت بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ ... [المجادلة: ١٣]. التي تليها: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾. قال ابن عطية ﵀: قال جماعة: لم يَعْمَل بهذه الآية بل لم يُعْمَل بهذه الآية بل نُسخ حكمها قبل العمل. التي هي ماذا؟ [لا ليس: ... ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾] نحن نقول: أن ذكرت الصواب أولاً ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ﴾ قال ابن عطية ﵀: قال جماعة: لم يُعْمَل بهذه الآية أحد أبدًا أليس كذلك؟ بل نُسخ حكمها قبل العمل.
وصح عن علي رضي الله تعالى عنه قال: ما عمل بهذه الآية أحدٌ غيري، ولا يعمل بها أحدٌ بعدي. رواه الحاكم وصححه أليس كذلك؟ لم يعمل بها أحدٌ غيري ولم يعمل بها أحدٌ بعدي لماذا؟ لأنها نُسخت.
وفيه أي: عند الحاكم كان عندي دينارٌ فبعته بعشرة دراهم فكنت كل ما ناجيت النبي ﷺ قدمت بين يدي نجواي درهمًا ثم نُسخت فلم يعمل بها أحدٌ فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية.
وروى الترمذي عنه قال: لما نزلت هذه الآية قال لي النبي ﷺ : «ما ترى دينارًا». يعني: في تقدير الصدقة. «ما ترى دينارًا» قلت: لا يطيقونه - كثير دينار -. قال: «فنصف دينار». قلت: لا يطيقونه - كثير أيضًا -. قال: «فكم»؟ قلت: شعيرة. قال: «إنك لزهيد». فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ قال علي: فخُفف عن هذه الأمة بي، فبي خفف عن هذه الأمة، لأنه قال ماذا؟ لا يطيقون الدينار ولا نصف الدينار ما بقي شيء، ما بقي إلا الشعيرة «إنك لزهيد». إذًا دعوى من قال: بأنه لم يعمل بها أحد. نقول: هذه دعوى ساقطة لصحة ماذا؟ النص عن علي رضي الله تعالى عنه: بأنه عَمِلَ فقط بهذه الآية (وما عَملَ به واحدٌ) إذًا هذا مثالٌ صالحٌ. (كآيَةِ النَّجْوَى وهي التي (الذي لَمْ يَعْمَلِ مِنهُمْ) من الصحابة (لَمْ يَعْمَلِ) الكسر هذا للروي، والسكون يكون مقدرًا (لَمْ يَعْمَلِ مِنهُمْ) من الصحابة (بِها) أي: بهذه الآية (مُذْ نَزَلَتْ) يعني: إلى أن نزلت (مُذْ)
وَمُذْ وَمُنْذُ اسْمَانِ حَيْثُ رَفَعَا أَوْ أُولِيا الْفِعْلَ كَجِئْتُ مُذْ دَعَا
следующие страницы →