← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36126

شرح منظومة التفسير

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (384 стр.). Показаны 351–384 · переход к 356.

стр. 351

(لا يَحِلُّ لكَ النِّساءُ) هذه الآية الثانية يعني وقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]. في سورة الأحزاب نسختها آية قبلها: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وهذه متقدمة ثم جاءت ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. إذًا الناسخ متقدم والمنسوخ متأخر (صَحَّ فيهِ النَّقْلُ) صح النقل فيه أي في المذكور كله من أوله إلى آخره، صح فيه النقل هذا من باب التكملة أو نجعله احترازًا من ما اختلف فيه، لأن بعض ما هو ناسخٌ وما هو منسوخ متفقٌ على أن الناسخ متقدمٌ على المنسوخ كالآيتين المذكورتين، وبعضه مختلفٌ فيه من كونه ناسخٌ ومنسوخ وكون الناسخ متقدمًا على المنسوخ، فحينئذٍ قيد المصنف هنا قوله: (صَحَّ فيهِ النَّقْلُ) يعني ما صح فيه النقل من تقديم الناسخ على المنسوخ خلافًا للضابط السابق، احترازًا مما اختُلف فيه، وهي آية الحشر في الفيء على رأي من قال بأنها منسوخة بآية الأنفال: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ [الأنفال: ٤١]. هذه ناسخة وآية الفيء في الحشر هذه منسوخة على قولٍ لكنه مختلفٌ فيه، فتقدم الناسخ هنا على المنسوخ لكنه على اختلاف. كذلك آية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ ... [الأعراف: ١٩٩]. ﴿الْعَفْوَ﴾ أي: الفضل من أموالهم قيل: هذه منسوخة بآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠]. آية الزكاة وهذه في سورة الأعراف أليس كذلك ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. في سورة الأعراف أي: متقدمة، إذًا تقدم الناسخ على المنسوخ لكنه مختلفٌ فيه، فيكون قولٌ (صَحَّ فيهِ النَّقْلُ) احترازًا مما يصح صح فيه النقل مما قيل بأن الناسخ متقدمٌ على المنسوخ وفيه كلام. ثم انتقل إلى مسألةٍ أخرى تتعلق بالنسخ وهي بيان أقسام النسخ: (والنَّسْخُ لِلْحُكْمِ أَو التِّلاوَةِ أَوْ لَهُما) هذه ثلاثة أقسام (والنَّسْخُ لِلْحُكْمِ) كائنٌ للحكم لما قال: (أَو التِّلاوَةِ) فهمنا أن قوله (لِلْحُكْمِ) أي: دون التلاوة قد يُقَيَّد الثاني بقيدٍ نفهم منه أن الأول مراد به قيدٌ مقدر كما قال ابن مالك ﵀: بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ ... بِذِي وَذِهْ تِي تَا عَلَى الأُنْثَى اقْتَصِرْ لا ليس في هذا. أين الموضع نسيته الآن على كلٍ ذكر في موضعٍ أنه مراد به تأنيث أو المؤنث فعلمنا أن الأول مقيد بقيدٍ مقدر وهو المذكر. (والنَّسْخُ لِلْحُكْمِ) أي: دون التلاوة كآية ماذا؟ العدة المتقدمة نسخ الحكم دون التلاوة يعني: الرفع وقع لماذا؟ للحكم، والتلاوة باقية نتلوها إلى الآن كالآية السابقة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً﴾. هذه منسوخة ونتلوها، ما الحكمة من بقاء التلاوة مع رفع الحكم؟ أجاب السيوطي ﵀ قال: والحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة من وجهين ذكرهم في ((الإتقان)):

стр. 352

الوجه الأول: أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم والعمل به كذلك يتلى لكونه كلام الله فيثاب عليه، فأبقيت التلاوة من هذه الحكمة إذًا من قبيل ماذا؟ الثواب ومضاعفة الأجور للأمة وهذه حكمة ولا بأس بها. لو لم نعلم الحكمة نقول: سمعنا وأطعنا، لو لم نعلم، لو لم تكون هذه الحكمة ظاهرة - وهي ظاهرة بينة واضحة - لو لم تظهر نقول: سمعنا وأطعنا. الثاني: أن النسخ غالبًا يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيرًا للنعمة ورفعًا للمشقة، تذكيرًا للنعمة نعم، كانت المرأة تتربص حول كامل سنة هذه مشقة فلما خُفف فبقية تلك للدلالة على ماذا؟ تذكيرًا وعلمًا بالنعمة. إذًا القسم الأول النسخ للحكم دون ماذا؟ دون التلاوة. وهذا واقعٌ بالإجماع قال السيوطي رحمه الله تعالى: وهو الذي فيه الكتب المؤلفة. يعني: كثير وقيل هذا الكلام منزَّل على ماذا؟ على النوع الثاني. لكن كلٌ منهما أُلِّف وقُصد بتأليفه. هذا النوع الأول: النسخ للحكم دون التلاوة. لكن ما الناسخ له؟ إذا نسخ الحكم دون التلاوة ما الناسخ له؟ التلاوة، يعني لا ينسخ قرآن إلا بالقرآن إذا قلت: التلاوة، قد يكون الناسخ قرآنًا وقد يكون الناسخ سنة قد يكون الناسخ له قرآنًا وقد يكون له الناسخ له سنة، إذًا نقول: ما نسخ حكمه دون تلاوته، هذا قد ينسخه قرآن يعني: نسخ القرآن بالقرآن وهذا متفق عليه نسخ القرآن بالقرآن متفقٌ عليه لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ... [البقرة: ١٠٦]. فدل على ماذا؟ على أن نسخ القرآن بالقرآن هذا جائزٌ وواقعٌ بل مجمعٌ عليه. قال بعضهم: وهذا نسبه الشارح لأبي بكر بن العربي: كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم فهو منسوخٌ بآية السيف، كل ما ورد في القرآن من الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم فهو منسوخٌ بآية السيف وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. هذه قيل: نسخت مائةً وأربعًا وعشرين آية، لكن هذا يحتاج إلى تتبع ثم نسخ آخرها أولها. الثاني: ما نسخه سنةٌ. يعني: نسخ الحكم دون التلاوة وكان الناسخ له سنة، وهذا التقسيم يطرد على النوع الثاني أيضًا لكن نذكره للأول للحاجة إليه واختلف للحاجة إليه واختلف في جواز هذا، هل يجوز نسخ القرآن بالسنة أم لا؟ هذا فيه الخلاف مثَّلُوا له بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. قيل نسخ بحديث: «لا وصية لوارث». وهذا فيه نظر لكن مثَّلُوا بهذا لماذا؟ لأن الوصية هنا ماذا؟ واجبة قال: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾. والوالدان وارثان، والأقربين منهم من يرث «ولا وصية لوارث». قالوا: هذا الحديث ناسخٌ للآية. ومن أنكره قال: الناسخ آية الميراث، وهو الصواب أن الناسخ هو آية الميراث.

стр. 353

ذهب جمهور الأصوليين إلى أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وذهب الإمام الشافعي وأحمد - روايةٍ عنه -: إلى أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة ولو كانت متواترة، بل لا ينسخ القرآن إلا قرآنًا مثله، وهذا اختيار ابن قدامة ﵀، وابن تيمية أن السنة مطلقًا لا تَنْسَخُ القرآن ولو كانت متواترة وهذا اختيار من؟ ابن قدامة، وابن تيمية، وقرره الشافعي في ((الرسالة)). وهذا الخلاف في الجواز وفي الوقوع، حجة الجمهور أنه يجوز بالمتواتر: أن الجميع وحيٌ من الله تعالى، السنة المتواترة وحي من الله لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] والقرآن وحيٌ ولا إشكال إذًا كلٌ منهما وحيٌ من الله تعالى. فالناسخ والمنسوخ من عند الله أليس كذلك؟ والناسخ في الحقيقة هو الله جل وعلا سواءٌ نسخ بالقرآن أو نسخ على لسان رسوله ﷺ لأن الناسخ في الحقيقة هو الرب جل وعلا ليس النص وإنما الرب جل وعلا، فحينئذٍ سواءٌ كان الناسخ بلفظ القرآن أو بلسان النبي ﷺ والنبي ﷺ مُبَلِّغ أليس كذلك؟ فحينئذٍ يكون الناسخُ وحيٌ لوحي أو نسخ وحيٌ وحيًا، لكن أظهر النسخ على لسان رسوله ﷺ ومثل الجمهور للوقوع بأن آية التحريم بعشر رضعاتٍ نُسِخْنَ بالسنة أما المثال الأول فهذا فيه نظر مثلوا بماذا؟ بأن آية التحريم بعشر رضعات - التي ستأتي - نُسِخْنَ بالسنة، وحجة الشافعي وابن قدامة وابن تيمية ﵏: قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. قالوا: ولا يكون مثل القرآن وخيرًا منه إلا قرآن، هذا باعتبار ماذا؟ السنة المتواترة، وأما الآحاد فلكونها عند الجمهور ظنية قالوا: إذًا لا يُرفع حكم القرآن نصًا ولا تلاوةً إلا بما هو مساوٍ أو أعلى، والآحاد يكون أدنى فحينئذٍ لا يُنسخ القرآن بخبر الواحد والجمهور على هذا لأنه ضعيف فلا يُرفع الأقوى بما هو دونه. وذهب بعضهم إلى جواز نسخ القرآن بأخبار الآحاد إذ لا يشترط في الناسخ والمنسوخ أن يكونا متساويين في الرتبة، ولا يشترط في الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ، بل قد يكون أدنى فالشرط حينئذٍ في الناسخ أن يكون وحيًا - احترازًا من الإجماع وقياس العقل - ثابتًا بالنقل الصحيح، فمتى ما وُجد الناسخ بهذا القيد فحينئذٍ نقول: هذا ناسخ سواءٌ كان خبرًا من السنة متواترًا أم آحادًا. إذًا نقول: مسألة النسخ نسخ القرآن بالسنة فيه تفصيل عند الجمهور، إن كانت السنة متواترة فالجمهور على أن القرآن ينسخ بالسنة المتواترة، وإن كانت آحادًا فالجمهور على ماذا؟ على أن القرآن لا يُنسخ بخبر الواحد. وعند الشافعي ومثله ابن تيمية ﵀: لا يَنْسَخُ القرآن إلا قرآنًا ولا ينسخ السنة إلا السنة، واضح؟ هذا هو الخلاف عند أهل العلم. نسخ السنة بالقرآن الكلام الآن في ماذا؟ في نسخ القرآن بالسنة، هل القرآن ينسخ السنة؟. عند الشافعي وابن تيمية: لا، لأنه لا ينسخ السنة إلا السنة ولا قرآن إلا القرآن.

стр. 354

ذهب جمهور الأصوليين: إلى أنه يجوز نسخ السنة بالقرآن. وذهب الإمام الشافعي وغيره إلى أن السنة لا ينسخها إلا سنةٌ مثلها، والأدلة هي الأدلة السابقة للطائفتين، لكن الوقوع يشهد، نقول: استقبال بيت المقدس هذا ثابتٌ بالسنة المتواترة ونسخ بالقرآن: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]. كما ذكرناه سابقًا كذلك صوم يوم عاشوراء هذا ثابتٌ بالسنة على القول بأنه كان واجبًا ثم نسخ بماذا؟ بالقرآن فكيف نقول: لا تنسخ السنة بالقرآن. ولذلك نقول: الأصح في المسألتين أن القرآن يُنسخ بالسنةِ مطلقًا متى ما صحت السنة، وأن السنة تُنسخ بالقرآن لأن الكل وحيٌ من عند الله، وأن الناسخ في الحقيقة هو الرب جل وعلا سواءٌ نسخ بالقرآن بلفظه بحرفه جل وعلا أو على لسان رسوله ﷺ . (والنَّسْخُ لِلْحُكْمِ) أي: دون التلاوة، هذا النوع الأول. (أَو التِّلاوَةِ) يعني فقط مع بقاء الحكم مثل ماذا؟ نُسخ التلاوة دون الحكم، الحكم باقي ... (الشيخ والشيخة) [أحسنت] آية الرجم تُسمى آية الرجم وهي: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم) هي كانت في سورة الأحزاب رواه الحاكم وغيره عن عمر رضي الله تعالى عنه. هذه منسوخة في التلاوة والحكم باقي. (أَوْ لَهُما) منسوخ التلاوة دون الحكم، جمع السيوطي عشرين موضعًا قال: ولا يوجد غيرهم. فقط عشرين موضعًا نسخ فيها التلاوة دون الحكم ذكرها في ((الإتقان)) (أَوْ لَهُما) يعني: النسخ لماذا؟ (أَو التِّلاوَةِ) هذا عطف على الحكم (أَوْ لَهُما) يعني للحكم والتلاوة معًا، المنسوخ الحكم والتلاوةُ معًا. قال: (كَآيَةِ الرِّضَاعَةِ) يعني وذلك (كَآيَةِ الرِّضَاعَةِ) خبر لمبتدأ محذوف، وهي ما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان فيما أُنزل عشر رضعاتٍ معلوماتٍ يحرمن فنسخن بخمس رضعاتٍ معلوماتٍ يحرمن، فتوفي رسول الله ﷺ مما يقرأ من القرآن. أي: يقرؤهن مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ نَسْخَهُنَّ، وأما من بلغه النسخ فأسقط تلاوتها، إذًا هذا نسخٌ لماذا؟ للتلاوة الحكم معًا. هذا ما يتعلق بالناسخ والمنسوخ. إذًا نقول: القاعدة أنه لا يُشترط في الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ - وهذا نتنبه له - لا يشترط في الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ، أو في مرتبته بل يكفي أن يكون الناسخ وحيًا ثابتًا، لأنه لا يمتنع أن يكون النسخ بالعقل لا يمنع أن يُنسخ بخبر الواحد لكن هم يمنعون لأنهم يقولون: يفيد الظن فقط ولا يفيد العلم. (النوع الثالث عشر والرابع عشر) من العقد الخامس (المعمولُ بهِ مُدةً معينةً، وما عَملَ به واحدٌ). هذا تابعٌ للنسخ أيضًا، يعني بعض الأحكام الشرعية قد يكون لها ماذا؟ أمد معين شهر أو شهرين أو ثلاثة بعضها مثل له بستة عشر عامًا ثم نُسخ، نقول: هذا كله النسخ على هذا المنوال، لكن ما عمل به واحدٌ فقط هذا قد يكون يحتاج إلى مثال. كآيَةِ النَّجْوَى التي لَمْ يَعْمَلِ ... مِنهُمْ بِها مُذْ نَزَلَتْ إِلاَّ عَليْ وسَاعَةً قَدْ بَقِيَتْ تَماما ... وقِيْلَ لا بَلْ عَشْرَةً أَيَّامَا (عَشْرَة) بإسكان الشين.

стр. 355

(كآيَةِ النَّجْوَى) يعني: وذلك كآية النجوى دائمًا إذا جاءت مثل هذا تقدره أنه خبر لمبتدأ محذوف، لأنه لا يمكن أن يبتدئ الكلام جار ومجرور، فتنظر إما أن يكون بعده خبر وإما مبتدأ مؤخر وإما أن تقدر مبتدأ محذوفًا. ... (كآيَةِ النَّجْوَى) يعني: وذلك كآية النجوى وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٢]. هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ قيل: على الإيجاب وهو ظاهر النص وقيل: الندب. هذه الآية نسخت بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ ... [المجادلة: ١٣]. التي تليها: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾. قال ابن عطية ﵀: قال جماعة: لم يَعْمَل بهذه الآية بل لم يُعْمَل بهذه الآية بل نُسخ حكمها قبل العمل. التي هي ماذا؟ [لا ليس: ... ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾] نحن نقول: أن ذكرت الصواب أولاً ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ﴾ قال ابن عطية ﵀: قال جماعة: لم يُعْمَل بهذه الآية أحد أبدًا أليس كذلك؟ بل نُسخ حكمها قبل العمل. وصح عن علي رضي الله تعالى عنه قال: ما عمل بهذه الآية أحدٌ غيري، ولا يعمل بها أحدٌ بعدي. رواه الحاكم وصححه أليس كذلك؟ لم يعمل بها أحدٌ غيري ولم يعمل بها أحدٌ بعدي لماذا؟ لأنها نُسخت. وفيه أي: عند الحاكم كان عندي دينارٌ فبعته بعشرة دراهم فكنت كل ما ناجيت النبي ﷺ قدمت بين يدي نجواي درهمًا ثم نُسخت فلم يعمل بها أحدٌ فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ الآية. وروى الترمذي عنه قال: لما نزلت هذه الآية قال لي النبي ﷺ : «ما ترى دينارًا». يعني: في تقدير الصدقة. «ما ترى دينارًا» قلت: لا يطيقونه - كثير دينار -. قال: «فنصف دينار». قلت: لا يطيقونه - كثير أيضًا -. قال: «فكم»؟ قلت: شعيرة. قال: «إنك لزهيد». فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ قال علي: فخُفف عن هذه الأمة بي، فبي خفف عن هذه الأمة، لأنه قال ماذا؟ لا يطيقون الدينار ولا نصف الدينار ما بقي شيء، ما بقي إلا الشعيرة «إنك لزهيد». إذًا دعوى من قال: بأنه لم يعمل بها أحد. نقول: هذه دعوى ساقطة لصحة ماذا؟ النص عن علي رضي الله تعالى عنه: بأنه عَمِلَ فقط بهذه الآية (وما عَملَ به واحدٌ) إذًا هذا مثالٌ صالحٌ. (كآيَةِ النَّجْوَى وهي التي (الذي لَمْ يَعْمَلِ مِنهُمْ) من الصحابة (لَمْ يَعْمَلِ) الكسر هذا للروي، والسكون يكون مقدرًا (لَمْ يَعْمَلِ مِنهُمْ) من الصحابة (بِها) أي: بهذه الآية (مُذْ نَزَلَتْ) يعني: إلى أن نزلت (مُذْ) وَمُذْ وَمُنْذُ اسْمَانِ حَيْثُ رَفَعَا أَوْ أُولِيا الْفِعْلَ كَجِئْتُ مُذْ دَعَا

стр. 356

هذا مثلها حينئذٍ تكون اسمًا لا تكون حرف جار (مُذْ نَزَلَتْ) يعني: إلى أن نُسخت (مُذْ نَزَلَتْ) إلى أن نسخت (إِلاَّ عَليْ) ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ثم كم بقيت؟ لأنه يرد السؤال لو بقيت وقتًا طويلاً كيف الصحابة لم يناج واحدٍ منهم النبي ﷺ كم بقيت؟ هذا يدل على ماذا على أنها لم تبق طويلاً (وسَاعَةً قَدْ بَقِيَتْ). (وسَاعَةً) هذا ظرفٌ لما بعده يعني وقد بقيت هذه الآية التي هي ماذا ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٢] بقيت ساعةً يعني: من نهارٍ، وهذا قول قتادة، (وسَاعَةً) هذا ظرفٌ لما بعده والتقدير و (قَدْ بَقِيَتْ)، (قَدْ) للتحقيق، بقيت أي تلك الآية (سَاعَةً) أي من نهارٍ وهذا هو قول قتادة أنها لم تبق النهار كله، (تَماما) أي بقيت تلك الآية بقاءً تمامًا لا زيادة فيه ولا نقصان وهي ساعة، (وقِيْلَ: لا)، لم تبق ساعة بل بقيت إلى أن نُسخت (عَشْرَةً أَيَّامَا) يعني: عشرة من الأيام (عَشْرَةً أَيَّامَا) عشرةً من أيام لا بد من تقدير حرف جر، وهذا قول مقاتل أنها بقيت عشرة أيام، لكن هذا ردوه بماذا أنه يُستبعد أن يبقى النبي ﷺ عشرة أيام ولا يناجيه أحدٌ من الصحابة، هذا فيه بعد أن يبقى النبي ﷺ وهو المفتي وهو القاضي وهو النبي ﵊ وهو وليُ الأمر ثم عشرة أيام ولا يناجيه ولا أحد إلا علي هذا بعيد جدًا هذا فيه بعدٌ (وسَاعَةً قَدْ بَقِيَتْ تَماما وقِيْلَ: لا) أي لم تبق ساعةً بل بقيت إلى أن نسخت (عَشْرَةٌ) أي عشرةً من الأيام وهذا قول مقاتل، وهناك قولٌ ثالث: بأنها نسخت قبل العمل بها الذي ذكرناه عن ابن عطية بأنه عن جماعة وهذا غير صحيح لحديث الترمذي السابق. هذا ما يتعلق بالنوع الثالث والرابع عشر. ثم قال [نأخذ الباب الأول والثاني من] (العِقْدُ السادسُ ما يرجعُ إلى المعاني المُتعَلِّقَةِ بالألفاظِ). (ما) يعني أنواعه (يرجعُ) تَرْجِعُ يَرْجِعُ يجوز الوجهان، هذه الأنواع مرجعها إلى ضابطٍ وقدر المشترك (المعاني المُتعَلِّقَةِ بالألفاظِ) يعني النظر هنا في المعنى من جهة أثره في اللفظ لا من جهة أثره في الحكم، وقد يترتب عليه حكم أيضًا قد يترتب عليه حكمٌ (وهيَ سِتَّةٌ) وهي بالتأنيث (سِتَّةٌ) بالاستقراء، (الأولُ والثاني: الفَصلُ والوَصْلُ). قال ﵀: الفَصْلُ والوَصْلُ وفي المَعَانِيْ ... بَحْثُهُما ومِنْهُ يُطْلَبانِ إذًا طلبهما من أين؟ المعاني مِثَالُ أَوَّلٍ إِذا خَلَوا إِلى ... آخِرِها وذَاكَ حَيْثُ فُصِلا وَمَا بَعْدَها عَنْهَا وتِلكَ اللهُ ... إِذْ فُصِلَتْ عَنهَا كَمَا تَرَاهُ وإِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمِ ... في الوَصْلِ والفُجَّارَ في جَحِيْمِ

стр. 357

(والفُجَّارَ) بالنصب (في جَحِيْمِ)، (الفَصْلُ والوَصْلُ) هذا بابٌ مهمٌ في علم المعاني، هنا نظم أربعة أبيات والسيوطي في ((عقود الجمان)) تجاوزت السبعين يدل على أن مسائل هذا الباب كثيرةٌ جدًا ولذلك لما أُحْرِجَ الناظم قال: (بَحْثُهُما) في علم المعاني (ومِنْهُ يُطْلَبانِ). إذًا لن ينظم لك إلا مثال فقط، ولذلك سنذكر التعريف والمثالين فقط ما نستطيع أن نبين الفصل والوصل. قال في ((الإيضاح)) مبينًا أهمية هذا الباب الفصل والوصل قال: وتميز موضع أحدهما من موضع الآخر على ما تقتضيه البلاغة بند منها عظيم الخطر. يعني متى تفصل الجملة تعطفها على ما سبق، ومتى تقطعها؟ هذا في المفردات وفي الجمل، لكن اصطلحوا على أنه إذا أطلق الوصل والفصل انصرف إلى الجمل، وإلا في الأصح أنه يشمل المفردات، متى تعطف ومتى لا تعطف؟ فقط هذا الباب مبناه على هذا. (الفَصْلُ) هذا ماذا ترك العطف ... (والوَصْلُ) هو العطف، عطف بعض الجملة على بعض، متى تعطف ومتى تفصل؟ هذا لا يُتقنه أي أحد، هذا لا بد أن يكون على علمٍ دقيق بالمعاني وبالإعراب وبمواضع الجمل، يعني الذي لا يعرف الجمل التي لها محل من الإعراب والتي لا محل من الإعراب ويكون متمرسًا لا يستطيع، ما ينجح في هذا الباب، الذي قيل البلاغة هي معرفة الوصل والفصل، هنا يقول لك في ((الإيضاح)) القزويني: وتميز موضع أحدهما من موضع الآخر - يعني متى تفصل ومتى تصل - تميز بعضهما عن الآخر على ما تقتضيه البلاغة ليس برأسك وإنما على وصف البلاغة فنٌ منها من البلاغة عظيم الخطر صعب المسلك لطيف المأخذ لا يعرفه على وجهه ولا يحيط علمًا بكنهه إلا من أُوتي فهم كلامٍ العرب طبعًا سليمًا ورزق في إدراك أسراره ذوقًا صحيحًا. ولهذا قصر بعض العلماء البلاغة على معرفة الفصل من الوصل، ما هي البلاغة قال: معرفة الفصل من الوصل. لأنك إذا أتقنت هذا الباب كل أبواب البلاغة لا بد أن تكون منطوية تحت ذهنك، لا يمكن أن تتقن هذا الباب إلا بمعرفة علم المعاني من بقية أبوابه وعلم البيان وعلم البديع، وما قصرها عليه لأن الأمر كذلك؟ لا، وإنما حاول بذلك التنبيه على مزيد غموضه، وأن أحدًا لا يكمُل فيه إلا كمُل في سائر فنونها، فوجب الاعتناء بتحقيقه على أبلغ وجهٍ في البيان. ويأتي إن شاء الله في ((شرح جوهر المكنون)) أو ((عقود الجمان)) بأوسع.

стр. 358

(الفَصْلُ والوَصْلُ)، (الفَصْلُ) هو ترك عطف الجمل بعضها على بعض، (والوَصْلُ) هو عطف بعض الجمل على بعض. هناك قيل في الوصل عطف الجمل ونقول: يجري في المفردات أيضًا هذا هو الصحيح لا إشكال في هذا، يجري في المفردات، وإنما المفردات أمرها أوضح وأيسر، لكن الجمل أمرها صعب مأخذها دقيق يحتاج إلى تأمل. الفصل والوصل يجريان في الجمل وكما يجريان في الجمل يجريان في المفردات، فالوصل نحو قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]. في المفردات عُطف بعضها على بعض وذلك لرفع توهم عدم اجتماعها، لِمَ عُطِفَ هنا؟ لرفع توهم عدم اجتماعها لأن الـ .. ، هو الأول والآخر كيف يتصف الشيء الواحد بكونه أولاً وآخرًا، قد يرد الذهن هكذا لكن لما عُطف دل على الجمعية الواو لمطلق الجمع، والفصل نحو ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] معطوفات أو لا؟ غير معطوفات، ترك العطف لعدم الجامع بينها، لكن المصطلح عليه اختصاص الفصل والوصل بالجمل. (الفَصْلُ والوَصْلُ وفي المَعَانِيْ بَحْثُهُما) يعني وفي فن المعاني (بَحْثُهُما) هذا مبتدأ مؤخر (وفي المَعَانِيْ) جار مجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم (وفي المَعَانِيْ بَحْثُهُما) بحثهما في المعاني الفصل والوصل وفي فن المعاني بحثهما (ومِنْهُ) أي: من فن المعاني (يُطْلَبانِ) إذ هناك محلهما، لأن البحث فيه طويل، يعني ست وسبعين أو أكثر من سبعين هذا مؤلف خاص.

стр. 359

(مِثَالُ أَوَّلٍ) المثال هو جزئي يذكر لإيضاح القاعدة. أراد أن يبين لك مثالًا للفصل (مِثَالُ أَوَّلٍ) وهو الفصل (إِذا خَلَوا إِلى آخِرِها) يعني: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥]. ﴿اللهُ﴾ مبتدأ و ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ الجملة خبر، هنا ما عُطِف، لماذا؟ لأنه لو عُطِفَ لتوهم أنه مقول القول أنه تابعٌ له ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ هو ... عن الكفر ﴿قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ لو قيل و ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ حينئذٍ لتوهم أنه معطوفٌ على مقول القول، دفعًا بهذا الوهم ودفعًا لهذا الإيراد وجب القطع، فقيل ﴿اللهُ﴾ دون عطفٍ ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، (مِثَالُ أَوَّلٍ إِذا خَلَوا) الذي هو الفصل (إِذا خَلَوا إِلى آخِرِها) يعني: آخر الآية، وعلة الفصل هنا قيل: هو أن الجملة الأولى لها حكمٌ لم يُقصد بإعطائه للثاني لمانع وهو اختلاف القائل فيهما، نعم ﴿قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ هذا قائلٌ واحد، و ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ هذا قائلٌ منفكٌ عن الأول، إذًا هما مقولان لقائلين مختلفين، لو عطف بينهما تُوهم أن قائل المقولة الثانية هو عينه قائل المقول الأول، لذلك قال هنا: هو أن الجملة الأولى لها حكمٌ لم يُقصد إعطاؤه للثانية لماذا؟ وهو اختلاف القائل فيهما (وذَاكَ حَيْثُ فُصِلا مَا بَعْدَها عَنْهَا) (وذَاكَ) هذا ما هو ذاك؟ مشار إليه (إِذا خَلَوا إِلى آخِرِها) هنا ما جاء معه النظم جيد (وذَاكَ) أي: قوله: (إِذا خَلَوا إِلى آخِرِها) (حَيْثُ فُصِلا) الألف للإطلاق (مَا بَعْدَها عَنْهَا) يعني بعد (إِذا خَلَوا إِلى آخِرِها) (عَنْهَا) عن إذا خلو إلى آخره (وتِلكَ) أي: الجملة التي فُصلت ما بعدها ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هذه هي ما بعدها مفصولةٌ عما قبلها، واضح الترتيب هنا؟ فيه ركاكة، ترتيب فيهما مأزق (مِثَالُ أَوَّلٍ) قوله تعالى: ﴿إِذَا خَلَوْاْ﴾ إلى آخرها، ثم قال أراد أن يبن الفاصل والمفصول (وذَاكَ) أي: قوله: (إِذا خَلَوا إِلى آخِرِها) (حَيْثُ فُصِلا) حيث للتقييد. (فُصِلا) يعني: لم يعطف (مَا بَعْدَها)، فصل لم يعطف ما بعدها (مَا بَعْدَها) الضمير يعود إلى (إِذا خَلَوا إِلى آخِرِها)، (عَنْهَا) عن (إِذا خَلَوا إِلى آخِرِها)، (وتِلكَ) المفصولة قوله تعالى: أي ما بعدها ﴿اللهُ﴾ ذكر المبتدأ يعني يتم الآيات ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (إِذْ فُصِلَتْ عَنهَا كَمَا تَرَاهُ) (إِذْ فُصِلَتْ) يعني ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (عَنهَا) عن قوله: ﴿إِذَا خَلَوْاْ﴾ [البقرة: ١٤] (كَمَا تَرَاهُ) مفصولاً في القرآن، هذا واضح؟

стр. 360

إذًا لم يعطف قوله: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ دفعًا إلى إيهام اتحاد القائل لأنه لو عطف عليه لكان من مقول المنافقين وليس الأمر كذلك، لكن الناظم هنا لم يقل على ﴿قَالُواْ﴾ وإنما ذكر أو الآية ﴿إِذَا خَلَوْاْ﴾ ... ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ﴾ ... ... هذا له مأخذان، هو ذكر واحد وأنا ذكرت آخر، وهو المشهور في كتب البلاغة أنه لم يعطف على ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ يعني: فصل لأن لا يتوهم أنه معطوفٌ على قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ والناظم هنا ذكره على أول الآية ﴿إِذَا خَلَوْاْ﴾ فحينئذٍ لو عُطف و ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ فحينئذٍ يصير متعلق الظرف واحد ﴿إِذَا خَلَوْاْ﴾، إذا لم يخلوا فحينئذٍ لا يقول هذا القول، له مفهوم أو لا؟ له مفهوم، ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ متى؟ إذا خلوا أو مطلقًا؟ مطلقًا، فحينئذٍ الفصل من جهتين: فصل قوله تعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. هذا من جهتين: أولاً: لأن لا يتوهم أن القائل ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ هو قائل: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وهذا واضح. الثاني: فُصِلَ عن أول الآية ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ﴾ إذًا المقول مقيد بالخلوة ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لو عُطف لتوهم أنه مقيدٌ للظرف أيضًا، فالله يستهزئ بهم إذا خلوا وإذا لم يخلوا لا يستهزئ بهم، ففصل لإفادة العموم فالله يستهزئ بهم مطلقًا خلوا أم لا. انظروا إلى البلاغة كيف يا إخوان! عرفتم هذه؟ إذًا إن كان للأولى حكمٌ لم يقصد إعطاؤه للثانية تعين الفصل كما ذكرناه أولاً، لم يتعطف ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ بهم على ﴿قَالُواْ﴾ لئلا يشاركه في الاختصاص بالظرف المتقدم وهو قوله ﴿إِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ فإن استهزاء الله تعالى بهم متصلٌ لا ينقطع بكل حال، خلوا إلى شياطينهم أم لم يخلوا إليهم فمطلقًا، وإنما قال هنا على: ﴿قَالُواْ﴾ لأن متعلق الظرف هو ﴿قَالُواْ﴾ إذا خلوا قالوا، فحينئذٍ فُصل لئلا يتوهم بكونه مقول القول وفُصل لئلا يتوهم لأن الاستهزاء استهزاء الرب جل وعلا وهو صفةٌ تليق به ليس مقيدًا بالخلوة، فلو عُطِفَ عليه لفُهِمَ ماذا؟ تقييده بالخلوة. هذا مثالٌ لماذا؟ للفصل. (وإِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمِ) يعني وقوله ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار ١٣]. مع ما بعدها وهو قوله: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] هنا عطفت الجملة هذه على الجملة السابقة، علة الوصل هنا أن بين الجملتين اتحادًا في المعنى ما هو المعنى؟

стр. 361

شبه التضاد، لأن الشيء يُحمل على نظيره وكذلك يُحمل على نقيضه، ويحمل على مضاده من المعاني، فحينئذٍ يُجعل اتحاد المعنى إما بحمل النظير على النظير أو بحمل النقيض على النقيض، فحينئذٍ هنا حصل ماذا؟ حصل تشابه وهو بين كون الجنة النعيم ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ ابن القيم يقول: ﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾ نعيم نكرة في سياق الامتنان فيعم، فالأبرار هذا عام يشمل النعيم في الدنيا وفي الآخرة ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ أين النعيم في الآخرة أم في الدنيا والآخرة؟ في الدنيا والآخرة ما وجه الاستدلال نقول: نعيم هذا نكرة في سياق الامتنان فيعم، يعم ماذا؟ يعم مطلق النعيم كل نعيم في الدنيا والآخرة. ... ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] هذا يحمل بحمل النقيض على نقيضه. إذًا علة الوصل هنا لما بينهما من شبه التضاد المقتضي للوصل (وإِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمِ) مع ما بعدها وهو قوله: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾. وعلة الوصل كما قيل أن بين الجملتين اتحادًا في المعنى وهو شبه التضاد خبرًا وإنشاءً لأنهما خبريتان لفظًا ومعنى، وعند البيانين أن الجملة يُشترط فيها أن تكون ماذا؟ متحدتين في كونها خبرًا من جهة اللفظ وفي المعنى، إذا اختلفا ففيه خلاف لا تعطف الجملة على الجملة إلا إذ اتحدت معها في كونها خبرًا لفظًا ومعنى، وإذا اختلفتا فحينئذٍ فيه خلاف هل يعطف الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية والعكس؟ هذا محل خلاف. مثال (في الوَصْلِ) يعني ما ذكر مثال وهو جزئي يذكر لإيضاح القاعدة في الوصل (والفُجَّارَ في جَحِيْمِ) هذا بيان للمعطوف من باب التسليم. إذًا (الفَصْلُ والوَصْلُ) مقامها يطلبان أو يبحثان من علم وفن المعاني. نقف على هذا. وصلَّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 362

عناصر الدرس * النوع الثالث والرايع والخامس (الإيجاز والإطناب والمساواة) * النوع السادس (القصر) * الخاتمة. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: (النوع الثالث والرابع والخامس) يعني: من العقد السادس ما يرجع إلى المعاني المتعلقة بالألفاظ. ذكرنا أنه جعل هذا العقد للارتباط بين المعنى واللفظ، والمعنى قد يكون مركبًا وقد يكون مفردًا، لذلك الفصل والوصل هذا في المركبات، والمعنى قد يكون مفردًا وقد يكون مركبًا، كذلك سيأتي الإطناب والإيجاز والمساواة التي تتعلق بالألفاظ والمعاني من حيث الترتيب. النوع الثالث والرابع والخامس: الإيجازُ والإطنابُ والمُساواةُ هذه ثلاثة أنواع من أنواع علوم البلاغة، قال في ((الإتقان)): اعلم أنهما من أعظم أنواع البلاغة. اعلم أنهما أم أنها؟ أنهما، وهي كم؟ الإطناب والإيجاز والمساواة. هو في ((الإتقان)) لم يعنون للمساواة أسقط المساواة لمثل هذا، ولذلك قال: اعلم أنهما - يعني: الإيجاز والإطناب. - من أعظم أنواع البلاغة حتى نقل صاحب ((سر الفصاحة)) عن بعضهم أنه قال: البلاغة هي الإيجاز والإطناب. كما قيل: البلاغة هي الفصل والوصل. كذلك قيل: الإيجاز والإطناب. قال الزمخشري: كما أنه يجب على البليغ في مظان الإجمال أن يُجْمِل ويوجز، فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل أن يفصل ويشبع. لكل مقام حديث، لكل مقام مقال، فإذا كان المقام يقتضي الإيجاز أنجز وإذا كان المقام يقتضي التفصيل فَصَّل. إذًا لا يُذم التفصيل مطلقًا ولا يذم الإيجاز مطلقًا، بل متى ما كان التفصيل في مقامه حينئذٍ صار محمودًا، ومتى ما كان الإطناب في مقامه صار محمودًا، وهذا ما يسمى بموافقة أو مقتضى الحال عند البيانيين. واختُلف هل بين الإيجاز والإطناب واسطة وهي المساواة أو لا؟ هل بين الإيجاز، عندنا إيجاز وإطناب، والمساواة هذه مختلف فيها هل هي واسطة بين الإيجاز والإطناب أم أنها داخلة في الإيجاز فيه خلاف، الجمهور على أنها واسطة بين الإيجاز والإطناب ولذلك يذكرونها بكثرة في كتب البيان، واختلف هل بين الإيجاز والإطناب واسطة وهي المساواة أو لا؟ فالسكاكي وجماعة على إثبات الواسطة، يعني وهي المساواة لكنهم جعلوا المساواة غير محمودة ولا مذمومة، وعليه هل توجد مساواة في القرآن؟ لا، لا توجد في القرآن، لأنها ليست محمودة ولا مذمومة، وإذا لم تكن محمودة حينئذٍ لم تكن من مقتضيات البلاغة ولم تكن نوعًا من أنواع البلاغة، ولذلك أسقطها السيوطي ﵀ لم يعدها في ((الإتقان)) بل قال: الإيجاز والإطناب. وأسقط المساواة. وقيل: المساواة داخلة في قسم الإيجاز وعليه ابن الأثير وجماعة لكن المشهور ماذا؟ المشهور أن المساواة واسطة بين الإيجاز والإطناب. الإيجاز هذا مصدر، أَوْجَزُ يُوجِزُ إِيجَازًا مصدر أفعل من باب الإفعال يعني: من الثلاثي الذي زيد عليه حرف واحد. وهو باب أفعل، أَكْرَمَ يُكْرِمُ إِكْرَامًا أَوْجَزُ يُوجِزُ إِيجَازًا. الإيجاز في اللغة: التقصير. ضده التطويل يقال: أوجزتُ الكلام أي: قصرته. أوجزت الكلام، الْكلام هذا مفعول به أوجزتُ فعل وفاعل والكلام هذا مفعول به إذًا ماذا؟

стр. 363

متعدي، صار متعديًا، يقال: أوجزت الكلام. أي قَصَّرْتُهُ. وأوجز الكلام أي قَصُرَ. فحينئذٍ يُستعمل أوجز متعدديًا، ولكن أوجزتُ الكلامَ هذا متعددي أَوْجَزَ الكلامُ هذا قاصر لازم يعني، فورد متعديًّا ولازمًا، يقال: كلام موجَزٌ. بالفتح موجَز من أَوْجَزَ المتعدي، وكلامٌ مُوجِزٌ بالكسر كسر الجيم من أَوْجَزَ اللازم، كلام ٌمُوجَز بفتح الجيم وكلام موجِز بكسر الجيم، الأول من أَوْجَزَ المتعدي والثاني من أَوْجَزَ ماذا؟ اللازم. الإيجاز والاختصار بمعنى واحد، هذا مما يؤخذ من الإيضاح وصرح به الطيبي أن الإيجاز والاختصار بمعنى واحد، وقيل: الاختصار يكون بحذف بعض الجمل. لكنه ذكر السيوطي عن بهاء الدين السبكي أنه ليس بشيء، بل الصواب أن الإيجاز والاختصار بمعنى واحد. والإطناب هذا معناه في اللغة، وسيأتي في الاصطلاح. والإطناب إطناب أَطْنَبَ يُطْنِبُ إِطْنَابًا، إذًا كان أول من باب الإِفْعَال، أَكْرَمَ يُكْرِمُ إِكْرَامًا، والإطناب المبالغة من أطنب في الكلام أي: بلغ فيه. من أطنب أفعل في الكلام أي: بالغ فيه. وقيل: الإطناب بمعنى الإسهاب يقال: أطنب بالكلام وأسهب بالكلام. قيل: إنهما بمعنى واحد. الإطناب والإسهاب، والحق أنه أخص منه يعني الإسهاب أعم لماذا؟ لأن الإسهاب التطويل لفائدة أو لا مطلقًا، الإسهاب التطويل أفاد أم لا، بفائدة أم لا، أمّا الإطناب فهو تطويل لكنه بفائدة فأيهما أعم أيها أخص؟ الإسهاب أعم لأنه تطويل مطلقًا سواء كان بفائدة أو لا، هذا الإسهاب. وأما الإطناب فهو مختص بالتطويل بفائدة، والمساواة هذه واضحة من التساوي يعني: تساوي اللفظ مع المعنى. هذا ما يتعلق من جهة اللفظ والمعاني اللغوية. أما حدودها وتعريفها فقد اختلف فيه وأكثر البيانيين والبحث للبيانيين [ما عليه صاحب ((التلخيص)) وهو القزويني حيث قال]- لأنه لا يمكن أن يأتي هنا بتعريف يشمل الجنس والرسم وإنما المراد أنه يكشف لك حقيقة الإيجاز والإطناب والمساواة لأن المعبر لو أردناه بالجملة هذا المعبر حتى يكون كلامه مقبولاً إما أن يكون لفظه ومعناه متساويين، وإما أن يكون المعنى أقل، أو اللفظ أقل، إما أن يكون المعنى أقل من اللفظ أو يكون المعنى أكثر - وليس اللفظ - أن يكون المعنى أكثر من اللفظ. إذًا العبرة هنا بماذا؟ بالمعنى إن كان اللفظ والمعنى بقدر واحدٍ فهو: المساواة. إن كان اللفظ قليل والمعنى كثير فهو: الإيجاز. وإن كان اللفظ كثير والمعنى أقل فهو: الإطناب. هذا تلخيصه. قال القزويني في ((التلخيص)): إن المقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية أصله بلفظ مساوٍ له أو ناقص عنه وافٍ. هذا احتراز من ماذا؟ ناقص عنه وفيه خلل، هنا قال: ناقص عنه وافٍ. يعني: أدى بالغرض الذي سيق اللفظ من أجله، فإذا كان لم يؤدِ المعنى الذي سيق اللفظ من أجله صار فيه خلل. إذًا تأدية أصله بلفظ مساوٍ له أو ناقصٍ عنه وافٍ، أو زائدٍ عليه لفائدة، فإن لم يكن لفائدة فهو الحشو والتطويل، أو بعض الإسهاب الذي ذكرناه. الأول المساواة: أن يكون بلفظ مساوٍ له يعني للمعنى إذا ساوى اللفظ المعنى قلنا: هذه مساواة. لكن السيوطي أسقطها من الترجمة لماذا؟

стр. 364

قال في ((الإتقان)): المساواة لا تكاد توجد خصوصًا في القرآن. لأنه يَصْعُب أن يقال اللفظ والمعنى بمساواة واحدة هذا حكم عليه صعب جدًا، وحتى في القرآن، ولذلك ما من مثال يورد للمساواة إلا وُجِّهَ إليه نقد وتعقب قائله، ولذلك أسقطه السيوطي في ((الإتقان)) وعنون للإيجاز والإطناب وقال: المساواة لا يكاد أن توجد وخصوصًا في القرآن. فالأول: المساواة. والثاني: الإيجاز. والثالث: الإطناب. فخرج بقوله: وافٍ. الإخلال، ولفائدةٍ التطويل والحشو. هذا على مذهب السكاكي والقزويني تبعه لأن لخص المفتاح، وذهب ابن الأثير إلى أن الإيجاز التعبير عن المراد بلفظ غير زائد عنه والإطناب بلفظ زائد عنه. فتدخل حينئذٍ المساواة في الإيجاز لا في الإطناب. وتنتفي الواسطة. فعلى مذهب ابن الأثير لا واسطة بين الإيجاز والإطناب، وعلى طريقة السيوطي أثبتها ولكن مثالها عزيز، وهذا كالإجماع يعني: لا بأس أن يُذكر الشيء من حيث العقل لأنه يمكن أن يكون اللفظ لو نظرنا من جهة العقل الأصل فيه أن اللفظ يكون مطابقًا للمعنى مساويًا له أو أكثر أو أقل، لكن هل وُجِدَ لفظ مساوٍ لمعناه مطلقًا لا يزيد اللفظ عن المعنى ولا المعنى على اللفظ، هنا يحتاج إلى مثال والمثال عزيز. فيُثْبَتُ الشيء أصلاً ثم إن وُجِدَ له مثال لأنه قد يوجد في بليغ يأتي فيما بعد فيأتي بمثال كما يقال في الإجماع أهل الإجماع يقولون: لو حصل الإجماع في هذا الزمان حجة. لكن كيف يحصل الإجماع؟! عزيز صعب لا يمكن فعدم إمكانه لا يلزم منه نفي حجية الإجماع، بل هو باقٍ في كل عصر، والذي ينضبط هو إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبعضهم يقيده بأنه قبل الفتنة. الإيجاز والإطناب والمساواة. الإيجاز عندهم نوعان قسمان: إيجاز قصر. وإيجاز حذف. إيجاز قصر: هو تقليل اللفظ وتكثير المعنى بلا حذف تقليل ماذا؟ اللفظ الحروف والكلمات قليلة والمعنى كثير لكن بلا حذف، فإن كان بحذف فهو إيجاز الحذف [نعم أحسنت] إيجاز الحذف ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] حصل تقليل للفظ مع زيادة المعنى إيجاز لكنه بماذا؟ بحذفٍ حذف المضاف إليه، فإن لم يكن بحذف فهو إيجاز الحذف (١). إذًا الإيجاز قسمان: إيجاز قصر. وهو تقليل اللفظ وتكثير المعنى بلا حذف. إيجاز حذف هذا نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾. أي: اسأل أهلها. والإطناب هو المساواة. قال ﵀: وَلَكُمُ الحَيَاةُ في القِصَاصِ قُلْ ... مِثالُ الإيجَازِ ولا تَخْفَى المُثُلْ لِمَا بَقِي كـ ﴿لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ﴾ ... ولكَ فيْ إِكْمَالِ هَذي أَجْرُ نَحْوُ ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ﴾ الإِطْنَابُ ... وهيَ لَهَا لَدَى المَعَانِيْ بَابُ (وهيَ لَهَا لَدَى المَعَانِيْ بَابُ) يعني: أحالتها إلى تفاصيل هذا الباب إلى فن البلاغة وخاصة باب أو فن المعاني، لأنها تذكر هناك بتوسع ولها أقسام الإطناب متى يكون والإيجاز .. إلى آخره، إيجاز الحذف هذا والقصر له أقسام متعددة ذكر السيوطي بعضها في ((الإتقان)) ومفصلة في شروحات التلخيص و ... ((عقود الجمان)). (وَلَكُمُ الحَيَاةُ) هنا ذكر المثال فقط لم يعرف الإيجاز ولا الإطناب ولا المساواة وإنما ذكر أمثلة لماذا؟

стр. 365

للإحالة، هذا نذكره كثيرًا .. ما عرف فإنما أتى بأمثلة فقط .. تعريف يشير إلى التعاريف كما ذكرناه في المشترك (قُرْءٌ وَوَيْلٌ نِدُّ والمَوْلَى جَرَى) هذا أراد بالمثال الإشارة إلى حقيقة المشترك، وهنا أراد بالأمثلة الإشارة إلى حقيقة ماذا؟ الإيجاز أتى بمثال له وكذلك الإطناب والمساواة وهذا كثير لَمَّا قلنا: ابن مالك يقول ﵀: مُبْتَدَأُ زَيْدُ وَعَاذِرٌ خَبَرْ أتى بمثال والأصل قال: الابتداء. عنون بالابتداء ثم قال: مُبْتَدَأُ زَيْدُ وَعَاذِرٌ خَبَرْ ... إِنْ قُلْتَ زَيْدٌ عَاذِرٌ مَنِ اعْتَذَرْ هذا المراد به أنه أتى بمثال لك أن تأخذ منه الحدّ أو تقريب الحدّ أو الرسم، وهذا يُسَمَّى عندهم بالرسم، المثال يصلح أن يكون تعريفًا معرفًا يعرف بمثال، وهو ليس بحدّ لأن المعرف ثلاثة أقسام: حد، ورسم، ولفظي. من الرسم ذكر مثال أو التفصيل، ولذلك بعضهم يقول: الكلمة إما اسم وإما فعل وإما حرف. ما عَرَّفَ هنا الكلمة وإنما ذكر أقسامها، وتقول: هذا تعريف. تعريف بالتقسيم الكلمة كما عرف سيبويه يذكر عنه في الكتاب قال: الاسم كزيد مثلاً والفعل كقام. ذكر مثال ولم يعرفه لماذا؟ لأنه أراد لك أو أراد منك أن تقيس على نفس هذا المثال، لكن ذُكْرُ الْحَدِّ أولى ولا شك في هذا لأن المثال لو قيل للمبتدئ: الاسم كزيد. يقول لك: الاسم كقام. هو مُبتدئ، صحيح لأنه قام وزيد ثلاثة أحرف، فالمبتدئ ما يصلح له مثل هذا وإنما لا بد أن يقال: الاسم ما دل على مسمى ... إلى آخره. (وَلَكُمُ الحَيَاةُ في القِصَاصِ) يعني: في آية القصاص. (وَلَكُمُ الحَيَاةُ) هذا إشارة إلى ماذا؟ ذكرنا أنه اقتباس وفصلناه في أول النظم (تَبارَكَ المُنْزِلُ للفُرقانِ) قلنا هناك: الاقتباس لا يُشترط فيه أن يأتي بنسخ النص كما هو بل يأتي ببعض التغير لكن لا يقول: قال الله. وإنما كالإشارة (وَلَكُمُ الحَيَاةُ في القِصَاصِ) يعني: في آية القصاص قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]. هذه الآية مثلوا لها بالإيجاز لماذا؟ لأن اللفظ قليل والمعنى كثير جدًا، واللفظ قليل. ذكر السيوطي معنى هذا النص القرآني قال: فإن معناه كثير. يعني: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ قال: فإن معناه كثير. ولفظه يسير لماذا؟ لأنه قائم مقام جمل، فإذا أقيمت الجملة الواحدة مُقام جمل حينئذٍ نقول: هذا بلغ الغاية في الإيجاز.

стр. 366

ما هو معناه لو لم نأت بهذا التعبير؟ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ قال: لأنه قائم مقام قولنا: إذا علم الإنسان أنه إذا قَتَلَ يُقْتَصُّ منه. إذا علم الإنسان أنه إذا قتل غيره يعني يقتص منه كان ذلك الاقتصاص يعني منه كان ذلك داعيًا قويًّا مانعًا له من القتل فارتفع بالقتل الذي هو قصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض فكان ارتفاع القتل حياةً لهم. الكلام كله هذا مأخوذ من ... ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ إذًا المعنى كثير لأن فيه ردع للقاتل ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ المشهور عند العرب فيما سبق قبل نزول القرآن في هذا المعنى القتل أنفى للقتل، نفس المعنى لكن الآية أبلغ وبعضهم جعل المقارنة بين الآية والمثل المشهور هذا القتل أنفى للقتل. والسيوطي ذكر مفاضلة بين الآية والمثل من عشرين وجه في ((الإتقان)). وبعضهم أنكر أن يُجعل مقارنة أو مفاضلة بين النص القرآني وبين المثل لكن المراد أن إعجاز الآية أن إعجاز الآية باعتبار المثل المشهور يتضمن كيت وكيت وليس المراد أنه مقارنة لفظ بلفظ، لا، المراد أن مدلول هذه الآية أعظم وأجل من مدلول هذا المثل المشهور عند العرب، حينئذٍ لا مانع أن يُجعل مقارنة من جهة الدلالة. القتل أنفى للقتل، ما الذي زاد قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. على قولهم: القتل أنفى للقتل؟ قال السيوطي ﵀: فزاد عليه بقلة حروفه ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ هذا أقل من القتل أنفى للقتل لأن فيه محذوفًا، والنص على المطلوب القتل هذا أعم من القصاص أليس كذلك؟ والمطلوب القصاص حينئذٍ صار ماذا؟ نص على المطلوب ولذلك إذا قيل: أيهما أنص على المطلوب؟ نقول: قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. أما القتل أنفى للقتل هذا عام. وما يفيده تنكير حياة من التعظيم ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ التنوين قد يأتي للتعظيم وتكلم النحاة عن فوائد التنوين ومنها: التعظيم. لمنعه عما كانوا عليه من قتل جماعة بواحدة واطراده مطرد ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ هذا مطرد بخلاف القتل أنفى للقتل قد لا يطرد. وخلوه من التكرار القتل أنفى للقتل، قتل قتل تكرار وهنا ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ليس فيه تكرار، والتكرار ليس فيه تمجه الأذن فيه نوع ثقل واستغناءه عن تقدير محذوف مع المطابقة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ هذا مطابق لمعناه بخلاف القتل أنفى للقتل فليس فيه ثم مطابقة كالآية وإن كان فيه نوع مطابقة إلا أنها جزئية وليست من كل وجه. (وَلَكُمُ الحَيَاةُ) في آية (القِصَاصِ) (قُلْ مِثالُ الإيجَازِ) هذا هنا لكم في القصاص هذا إيجاز قصر أو حذف؟ إيجاز قصر، [نعم] إذًا يصير هذا مثال لماذا؟ لإيجاز القصر. (قُلْ) أيها القارئ هي (مِثالُ الايجَازِ) بإسقاط الهمزة همزة القطع، هي همزة قطع أو وصل؟ قطع، لماذا قطع؟ لأنه مصدر رباعي [أحسنت] لأنه مصدر رباعي المصدر الرباعي هذا همزته همزة قطع، بخلاف المصدر الخماسي والسداسي همزته همزة وصل.

стр. 367

(قُلْ مِثالُ) والمراد بالمثال ماذا؟ جُزْئِيٌ يُذْكَرُ لإيضاح القاعدة. هذا هو الذي فسر به هنا، إطلق هكذا فجأة عرف المثال، فعرف المثال بأنه جزئي يذكر لإيضاح القاعدة، حينئذٍ لا يلام، لكنه لما يذكر المعتل قبله والأجوف والناقص والمثال والأجوف والناقص جاءت متصلة فنقول: هذا فيه سهو لأن الشيء يُقيد بـ .. كما ذكرناه البارحة وذكرت البيت بيت ابن مالك: مَوْصُولُ الاسْمَاءِ الَّذِي الأَنْثَى الَّتِي قال: موصول الأسماء الذي. لم يقيده بكونه مذكر أو مؤنث، موصول الأسماء الذي الأنثى التي لما قيد الأنثى بالتي عرفنا أن الذي خاص بالمذكر، لأنه قد يحذف من لفظ قيد ويذكر مخالفه في ما بعده فيُعلم أن ذلك مقيد بضده. مثال هي (مِثالُ الايجَازِ) والهمز هنا همزة قطع سهلت من أجل النظم (ولا تَخْفَى المُثُلْ لِمَا بَقِي). (ولا تَخْفَى المُثُلْ) المثلُ جمع مثال فُعُل فِعَال يُجْمَعُ على فُعُل مثال يجمع على مُثُل. مثال كما ذكرناه بأنه جزئي ويذكر لإيضاح القاعدة (ولا تَخْفَى المُثُلْ لِمَا بَقِي) من الإطناب والمساواة. (كـ ﴿لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ﴾) هذا مثال للمساواة، وقلنا: مثال المساواة في القرآن عزيز بل نص السيوطي لا يكاد يُوجد خاصة في القرآن، وكل ما ادُّعي فيه بأنه مساواة، فإما أن يكون إيجاز أو إطناب لا يخرج عنهما، ولو وجد في غير القرآن فلا إشكال (كـ ﴿لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ﴾) (كـ ﴿لَا) يعني: كقوله تعالى. (لِمَا بَقِي) يعني: فمثال المساواة كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ﴾. يعني: لا ينزل. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] (وَلَكَ فِي إِكْمَالِ هَذِي أَجْرُ) أكمل الآية ولك أجر ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ قالوا: هذه للمساواة مثال للمساواة فإن معناه مطابق للفظه حيث أُدِّيَ بما يستحقه من التركيب الأصلي والمقام يقتضي ذلك ولا مقتضى للحدود عنه إلى الإيجاز والإطناب هذا رأي من مثل بهذه الآية لكنه منتقد لماذا؟ أُورِدَ عليه أمران - من استدل بهذه الآية بكونها مثالاً على المساواة نقول: هذا أُورِدَ عليه إيرَادن -: الأول: أن فيه إطنابًا. يعني: زيادة تطويل لفائدة. لأن السيئ زيادة لأن كل مكر من المخلوق لا يكون إلا سيئًا ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ﴾ ﴿إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ لو قيل هكذا المكر من المخلوق لا يكون إلا سيئًا فقوله: ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾. هذا من باب التأكيد، والتوكيد عندهم إذا علم من السابق هذا يسمى إطنابًا، نوع من أنواع الإطناب، إذًا هذه الآية مثال للإطناب وليست مثالاً المساواة. إذًا لأن كل مكر من المخلوق لا يكون إلا سيئًا. الثاني: أن فيه إيجازًا، لأن الاستثناء إذا كان مفرغًا ففيه إيجاز القصر، تقليل اللفظ مع زيادة المعنى بلا حد وإلا ففيه إيجاز قصر بالاستثناء وإيجاز حذف للمستثنى منه فإنه يُقَدَّرُ بأحدهما.

стр. 368

إذًا الأول أوضح وهو كون المكر مقيد بقوله: ﴿السَّيِّئُ﴾. والسيئ هذا معلوم من سابقه فحينئذٍ ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ هذا جاء من باب التأكيد ولذلك هو في اللفظ يُعرب عند النحاة نعتًا يعرب نعتًا، ولكن من جهة المعنى معلوم مما سبق ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. (لِمَا بَقِي كـ ﴿لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ﴾ ولكَ) أيها الطالب (فيْ إِكْمَالِ هَذي) هذا اسم إشارة للمفرد المؤنثة. بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ ... بِذِي وَذِهْ تِي تَا عَلَى الأُنْثَى اقَْتَصِرْ (ولكَ فيْ إِكْمَالِ هَذي) يعني: الآية. (أَجْر) من الله تعالى لأنه قرآن وما من حرف إلا تؤجر عليه. (نَحْوُ ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ﴾ الإِطْنَابُ) ماذا إعراب نحو؟ خبر، نحو هذا خبر مقدم، والإطناب هذا مبتدأ مؤخر، الإطناب (نَحْوُ ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ﴾ الإِطْنَابُ) إذًا نحو هذا خبر مقدم (﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ﴾) هذا في سورة الكهف ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً﴾ [الكهف: ٧٥] ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ﴾ (نَحْوُ ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ﴾ الإِطْنَابُ) نحو قوله تعالى فَقَدِّر هذا نحو قوله تعالى في سورة الكهف ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ﴾ ونحوه نحو هذا المثال من كل معنى أُدِّيَ بلفظ أزيد منه لفائدة لأن هذا هو حقيقة الإطناب، ونحوه يعني: من كل معنى أُدِّيَ بلفظ أكثر وأزيد منه لكن لفائدة. (الإِطْنَابُ) أي: مثاله ما سبق ذكره. ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً﴾ هذه جاءت في موضعين في موضع جاءت بدون لك، وفي موضع جاءت بلك فلمَّا وُفِّيَ المعنى بدون لك علمنا أن لك في الموضع الأخير زائد للتوكيد، وهذا هو حقيقة الإطناب كما ذكرناه في المكر السيئ أن المكر معلوم أنه لا يكون إلا سيئًا من المخلوق فحينئذٍ لما قيل: ﴿السَّيِّئُ﴾. قلنا: هذا زيادة في المعنى. لماذا؟ لأنه معلوم مما سبق كذلك إذا لم يقل لك نقول: صح التركيب وطابق المعنى بدليل مجيئها بدون لك، فكل باب التوكيد من الإطناب كل باب التوكيد في القرآن ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [ص: ٧٣] ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ هذا فيه توكيد فإذًا يكون من باب الإطناب. (نَحْوُ ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ﴾ الإِطْنَابُ) والزيادة في لفظ لك توكيد بتكرر القول الصادق من الخضر وموسى ﵉، (وهيَ لَهَا لَدَى المَعَانِيْ بَابُ) (وهيَ) ما هي؟ الثلاثة الأبواب الأنواع (وهيَ) أي: هذه الثلاثة. (لَهَا) للثلاثة (لَدَى المَعَانِيْ) لدى فن المعاني باب مستقل، وهو الباب الثامن عندهم وفيه تفاصيل كُثُر فيحتاج إلى الرجوع إليه (َوهيَ لَهَا لدَى المَعَانِيْ بَابُ) يعني: باب مستقل فارجع إليه. ثم قال ﵀: النوع السادس: القَصْرُ

стр. 369

واحد القصور صحيح هكذا في ((مختار الصحاح)) قال: القصر واحد القصور. لكن ليس كل ما أطلق القصر المراد به واحد القصور، إنما يختلف وهذا يدل على أن الألفاظ استُعملت في لغة العرب ولكلٍّ معنى خاص، فاللفظ لهو معنى يبحث عنه في المعاجم حينئذٍ تأخذ المعنى الذي تُريد مع تطبيقه على لفظه الذي وُضِعَ له فتركبه في كلام مفيد، أليس كذلك؟ ودعوى أن اللفظ ليس له حقيقة إلا بالتركيب هذه يردها الواقع. النوع السادس من العقد السادس: القصر. ويقال له: الحصر. القصر والحصر اثنان لمسمى واحد، الْقَصْرُ بفتح وسكون فَعْل قَصَرَ يَقْصُرُ قَصْرًا مصدر إذًا صار. القَصْر في اللغة: الحبس. القصر: الحبس، ومنه قوله: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]. ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ﴾ يعني محبوسات. ومنه سمي المقصور مقصورًا عند النحاة لحبسه عن الحركات أو منعه عن الحركة. واصطلاحًا: هو تخصيص أمرٍ بآخر بطريق مخصوص، يعني: القصر له طرق محفوظة في لغة العرب إذا أردت القصر والحصر فلا بد أن تأتي به على طريقة مخصوصة، وحقيقته تخصيص أمر بأمر أن تخص وتحصر أمر بأمر معين كما إذا قلت: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. أو الآية ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ هذا فيه قصر وحصر ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] هذا فيه قصر وحصر بطريق مخصوص، وعلى التعريف المشهور عندهم أن الحصر أو القصر إثبات الحكم للمذكور ونفيه عن ما عداه، وهذا واضح أوضح من الأول، إثبات الحكم للمذكور ونفيه عن ما عداه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هذا فيه إثبات الحكم وهو ثبوت العبودية أو إثبات العبودية للمذكور وهو الرب جل وعلا الإله، ونفيها عن ما عداه، إذًا إثبات ونفي هذا هو القصر تخصيص أمر بآخر خَصَّصْتَ أو خُصَّ الرب جل وعلا بتوجه العبد بالعبودية والتعبد له وهو المعبود الواحد الحق، إثبات الحكم للمذكور ونفيه عن ما عداه هذا هو حقيقة القصر والحصر، وله أدوات وطرق كثيرة جدًا لكن أشهرها أربعة أو خمسة منها: النفي، والاستثناء. يعني: أداة إلا، ما وإلا إذا ركبتا معًا فهذا أعلى صيغ الحصر أعلاها جدًا مطلقًا لا يعلوها شيء ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [ص: ٦٥] هذا أعجز ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] نقول: هذا أعلى صيغ الحصر، النفي والاستثناء ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾. ومنها: إنما. «إنما الأعمال بالنيات». حصر وقصر ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ حصر وقصر لأنه أي ما حرم إلا ذلك دون ما ادعوه من البحيرة والسائبة ونحوهما ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ حرم الميتة دون ما ادعوه من البحيرة والسائبة ونحوهما. ومنها: التقديم. يعني تقديم ما حقه التأخير. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] نقول: هذا فيه حصر وقصر. زيدٌ ضربتُ ﴿فَرِيقاً هَدَى﴾ [الأعراف: ٣٠]، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب: ٤٣] نقول: فيه قصر وحصر. تقديم ما حقه التأخير لأن العامل رتبته مقدمة والمعمول رتبته مؤخرة. ومنها: غير. لفظ غير ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] لا، لا أحد، هذا نقول: فيه حصر وقصر.

стр. 370

كذلك وهذا فيه خلاف تعريف المسند والمسند إليه العالم زيد هذا فيه حصر وفيه نفي إثبات العلم لزيد ونفيه عن ما عداه يعني: إثبات العلم الكامل بحق لزيد ونفيه عن ما عداه. هذا فيه خلاف لكن هذا هو المشهور تعريف المسند والمسند إليه. ينقسم القصر والحصر إلى قسمين: قصر الموصوف على الصفة. وعكسه قصر الصفة على الموصوف. وكل منهما إما حقيقة وإما مجاز، فقصر الموصوف على الصفة نحو ما زيد إلا كاتب، هذا قصر الموصوف على الصفة يعني لا صفة لزيد إلا الكتابة، هذا من جهة كونه حقيقةً مثاله عزيز وأنكره البعض، يعني لا يمكن أن يكون لزيد أن ينفى عن زيد كل الصفات ولا يُثبت له إلا الكتابة ولكن يمثل له على سبيل التنزه إذًا قصر الموصوف على صفة، الموصوف وهو زيد تقصره على صفة لا توجد فيه إلا صفة كيت هذا محال لا يمكن فالأول نحو ما زيد إلا كاتب، أي: لا صفة له غيرها وهو عزيز لا يكاد يوجد، هكذا قال السيوطي في ((العقود)) وفي ((التحبير)) وفي ((الإتقان))، وهو عزيز لا يكاد يوجد لتعذر الإحاطة بصفات الشيء حتى يمكن إثبات شيء منها ونفي ما عداها بالكلية، لا يمكن أن لا توجد في زيد صفة إلا الكتابة وعلى عدم تعذرها يُبعد أن تكون للذات صفةً واحدة ليس لها غيرها ولذا لم يقع في التنزيل لم يقع في القرآن، بل نُفِيَ عن اللغة أصلاً وإن وجد كما في قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾. هذا مجاز إضافة يعني: الحديث الواقعة يستلزم أنه لا يُذكر من الصفات في شأن الموصوف إلى صفة الرسالة. حينئذٍ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ هذا مثل: ما زيد إلا كاتب. لكن الأول حقيقي والثاني مجازي، إذا أريد بالأول أنه لا يوجد كاتب بحق إلا زيد فحينئذٍ يصح يكون بالإضافة إلى غيره ولذلك يُسمى المجازي القصر الإضافي يعني: النظر يكون باعتبار غير الموصوف ومثاله مجازيًّا (﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾) وهو الذي ذكره المصنف هنا الناظم ﵀ أي: إنه مقصور على الرسالة بهذا النص مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبري من الموت الذي استعظموه الذي هو من شأن الإله ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ هذه قيلت في ماذا؟ ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إذًا هل النبي ﷺ لما أُثبت له وصف الرسالة يستلزم أن لا يموت؟ إذا أثبت هل يفهم من كونه مرسلاً أنه لا يموت وأن له صفة الخلد؟ الجواب: لا، إذًا قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾. مقصور على الرسالة باعتبار الواقعة، يعني: هو رسول أرسل ليؤدي الرسالة فحينئذٍ لا يستلزم ذلك أنه خالد مخلد لأن هذه صفة ماذا؟ صفة الرب جل وعلا بل لا يتصور من الصحابة أنهم يثبتون هذا للنبي ﷺ أنه أبدي أنه لا يموت وإنما استعظموا الأمر لأنهم يظنون أنه سيبقى مدة طويلة فلما جاء هكذا الأمر بُهِتَ بعضهم دون بعض.

стр. 371

كذلك قوله: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ [المائدة: ٧٥]. أي: لا يتعدى ذلك الوصف إلى الإلوهية لأن الواقعة التي نزلت الآيات في شأنها تدل على ماذا؟ على أنهم قد وصفوه بالإلوهية، والرسالة لا تقتضي ذلك يعني لا يتعدى المتعدي من الرسالة إلى إثبات الإلوهية لعيسى ﵇. والثاني: الذي هو قصر الصفة على الموصوف عكس الأول، قد يكون حقيقيًّا وقد يكون مجازيًّا، حقيقيًّا نحو لا إله إلا الله هذا قصر الصفة على الموصوف لا إله إلا الله أي الموصوف هنا بعد إلا؟ الله ما هي الصفة؟ الإلوهية مقصورة أو لا؟ مقصورة لا شك، قصر الصفة على الموصوف قصر ماذا؟ الصفة على الموصوف [نعم] الصفة التي هي الإلوهية مقصورة ومحصورة في الإله الحق وهو الرب جل وعلا ومنفية عن ما عداه ولا إشكال واضح هذا. ومجازيًا نحو قوله تعالى - على رأي الشافعي -: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] ... إلى آخر الآيات ﴿قُل لاَّ أَجِدُ﴾ ﴿إِلاَّ﴾ لأن النفي ليس مقصورًا بما، بل كل ما يؤدي النفي إذا كان في جوابه إلا، هذه فيها قصر المحرمات المذكورات أليس كذلك؟ لكن ليس هذا مراد، ودائمًا الذي يحق الحق الحقيقي هو النظر إلى سبب النزول ومعنى الآية وما سيقت الآية من أجله. قال الشافعي رحمه الله تعالى في هذه الآيات: إن الكفار لما كانوا يُحلون الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهل لغير الله به وكانوا يُحرمون كثيرًا من المباحات أحلوا هذه المذكورات وهي محرمات وحرموا كثيرًا من المباحات نزلت الآية مسوقة بذكر شبههم في البَحيرة والسائبة والوصيلة ... إلى آخره، وكان الغرض إبانة كذبهم. فكأنه قال: لا حرام إلا ما أحللتموه. وهم قد أحلوا هذه المذكورات فحينئذ هذا الحصر إنما المراد به رد الشبه وتكذيب الكفار الذين أحلوا الميتة وما عطف عليه أي: ما حرام إلا ما أحللتموه. فحينئذٍ لا يكون من باب الحصر لا يلزم منه إذا جاءت تحريم «كل ذي ناب من السباع». وغيره نقول: هذا مصروف بحصر هذه الآية. نقول: لا، الحصر هنا حصر مجازي إيضاحي وليس المراد أن ما عدا هذه المذكورات فهو مباح أو مكروه، لا، وإنما نذكره كما ذكر الشافعي هنا فكأنه قال: لا حرام إلا ما أحللتموه. والغرض الرد عليهم المضادة للحصر الحقيقي. وينقسم أيضًا باعتبار آخر القصر والحصر إلى ثلاثة أقسام: قصر إفراد. وقصر قلب. وقصر تعيين. فقصر الإفراد: هذا يُخَاطَب به من؟ من يعتقد الشَّرِكَة قصر إفراد يعتقد الشَّرِكَة فتخاطبه بقصر الإفراد، إذًا القصر يتنوع قصر إفراد ويخاطب به من يعتقد الشَّرِكَة نحو ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] نقول: هذا قصر إفراد. خُوطِب به من يعتقد إشتراك الله تعالى والأصنام في الإلوهية يعتقد أن الإلوهية مشتركة يعني: لو كان المخاطب يعتقد الشَّرِكَة في الإلوهية بين الرب جل وعلا وبين الأصنام فقيل له: ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. يعني: أَفْرِدْ اعتقد إفراد الإلوهية وأنها مختصة بالرب جل وعلا، إذًا المخاطب يعتقد الشركة وتأتي بقصر الإفراد.

стр. 372

وقصر القلب: يخاطب من يعتقد إثبات الحكم لغير من أثبته المتكلم له. يعني: تقلب. هو يحكم على شيء معين ويكون المحكوم عليه غير ما تكلم به المتكلم فتأتي بقصر يقلب عليه المحكوم عليه كما قال إبراهيم ﵇: ... ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. هذا خُوطِب به من؟ خوطب به النمرود الذي اعتقد أنه هو المحي والمميت فقال له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. إذًا قلب عليه أو لا؟ قلب عليه، خوطب به نمرود الذي جادله إبراهيم ﵇ الذي اعتقد أنه هو المحي والمميت دون الله تعالى ... ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أين صيغة القصر والحصر هنا؟ ﴿رَبِّيَ الَّذِي﴾ تعريف الجزأين المسند والمسند إليه. والثالث الذي هو قصر التعين: يخاطب به من تساوى عنده الأمران حينئذٍ يخاطب بلفظ بقصر يُعَيِّنُ له أحد الشيئين أحد الأمرين، فلم يحكم بإثبات الصفة للصفة لواحد بعينه ولا لواحد بإحدى الصفتين بعينها هذا يسمى ماذا؟ قصر تَعْيِين، ولم أقف على مثال له في القرآن مما ذكره السيوطي ولا غيره، وإنما يذكرون قصر الإفراد وقصر التعين وهذا موجود يعني في لغة العرب كثير لكن يُمَثّل له أو يذكر في باب (لا وبل ولكن) هكذا هناك علم النحو وذكرناه في شرح نظم الآجرومية لعبيد ربه الشنقيطي فليرجع إليه. النوع السادس: القَصْرُ قال ﵀:

стр. 373

(وذاكَ في المَعانِ بَحْثُهُ). (وذاكَ) أي: القصر. في فن المعاني بحذف الياء للوزن في فن المعاني بحثه يعني: يبحث أين؟ في فن المعاني، ولَمِ يذكره هنا أيضًا ما دام أنهم لا يتكلمون عنه؟ لتعلقه بالقرآن من مباحث القرآن القصر، وأما التفصيل فهذا تأخذه من مظانه، وهذا يدل على ما ذكرته قبل وهو أن ما ذُكر في فنون علوم القرآن من العلوم الأخرى مرجعها إلى تلك العلوم، بخلاف ما يدندن حوله بعض المعاصرين، يعني بعضهم يرى أنه إذا وُضع العام والخاص في باب العلوم علوم القرآن ينبغي أن نتكلم عليه بما يليق بالقرآن، وهذا لا يتصور لو تأمل طالب العلم ما يتصور أن يتحدث عن العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين إلا بما ذكره الأصوليون لأن البحث مأخوذ منهم والبحث مشترك، كذلك ما ذكر في فن المعاني وفن البيان بحثه يكون في ماذا؟ يكون في فن البيان وفن المعاني، وإذا بُحث هنا يبحث بلغة أهل البيان كما أن العام والخاص يبحث بلغة الأصوليين ولا إشكال في هذا، لأن العلوم يخدم بعضها بعض ولا يُشترط أن نقول: هذا علوم القرآن. حتى نعترف لأن بعضهم يقول: هذا ليس بعلم مستقل. فإذا كان ليس بعلم مستقل فمتخصص فيه تخصص في ماذا؟ يتخصص في شيء ليس بعلم فيردون أن يجيبوا عن هذا بأن البحث هنا لا بد أن يكون مستقل بنظرة، وهذا يكون من الأخطاء الذي وقع فيها السيوطي والزركشي وغيرهم أنهم نقلوا كلام الأصوليين في العام ووضعوه في علوم القرآن، إذًا من أين تريد أن نأتي العام هو العام الذي يستدل به ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ﴾ [النور: ٣١] هو الذي تكلم عنه أرباب علوم القرآن ولذلك هنا يُحيل على فن البلاغة بدليل ماذا؟ أن العلوم يخدم بعضها بعضًا، وما وضع في هذا الفن من فن أصول الفقه هو عينه في فن أصول الفقه ولا مغايرة، قد يمثل هناك بمثالٍ لا يترتب عليه حكم شرعي ولا إشكال، قد يمثل بمثال لا يترتب عليه حكم شرعي ولا إشكال، وكذلك في القصر والحصر (وذاكَ في المَعانِ بَحْثُهُ كـ ﴿وَمَا) يعني: وذلك كما كقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ﴾ كما يعني كقوله ﴿وَمَا﴾ تضيف واو (﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾) ذكرناه في السابق بأنه قصر موصوف على صفته لكنه إضافي مجازي وليس بحقيقي لأن النبي له صفات (عُلِمَا) أي: هذا الفصل هنا علم الألف هذه للإطلاق، وعُلِمَ هذا مغير للصيغة أتى به من باب التكملة لما أنهى العقود الستة قَدْ حَوَتْهَا سِتَّةٌ عُقُودُ ... وبَعدَها خاتِمَةٌ تَعُودُ

стр. 374

فقال: (الخَاتِمَةُ). هنا قال: لا بد قبلها من مقدمة. ثم قال: مقدمة. لم يقل المقدمة، وذكرنا أن الأولى أن يقول: المقدمة. بأل لأن إعادة النكرة نكرة مغاير وعلى القاعدة المشهورة فجرى على غير المشهور فأعاد النكرة نكرة، (وبَعدَها خاتِمَةٌ) ذكرها نكرة هنا قال: (الخَاتِمَةُ). بأل فأل هذه ما نوعها؟ للعهد الذكري لأنه أعاد النكرة معرفة والقاعدة أنه إذا أعاد النكرة معرفة فهي عين الأولى، وهناك أعاد النكرة نكرة والأصل أنها مغايرة فالمقدمة التي ذكرها بعد ذاك البيت ليست هي المقدمة التي أشار حينئذٍ يكون قد وعد بذكر مقدمة ولم يذكرها وقوله: (مُقَدِّمَةٌ). حينئذٍ نقول: هذا شيء آخر منفصل. لكن نقول: هذا من باب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فالثاني هو عين الأول. (الخَاتِمَةُ) خاتمة الشيء آخره، يقال: خَتَمَ يَخْتِمُ من باب ضَرَبَ ومنه النبي ﷺ خاتم الأنبياء يعني: آخر الأنبياء، به ختمت النبوة، وإذا ختمت النبوة استلزم ختم الرسالة. أليس كذلك؟ جاء خاتم الأنبياء ولم يرد أنه خاتم الرسل لأنه إذا نفي الأعم نفي الأخص ولا عكس. اشتملت هذه الخاتمة (على أربعة أنواعٍ: الأسماءُ، والكُنَى، والأَلقابُ، والمُبْهَماتُ) على طريقة أهل الحديث (الأسماءُ) جمع اسم والمشهور عند النحاة أنه ما ليس بكنية ولا لقب لأن الْعَلَمَ عند النحاة مُقَسَّم إلى ثلاثة أقسام أو مُقَسِّم إلى ثلاثة أقسام: عَلَمٌ اسم، وكنية، ولقب. وَاسْمَا أَتَى وَكُنْيَةً وَلَقَبَا ... وَأَخِّرًَنْ ذَا إِنْ سِوَاهُ صَحِبَا واسمًا أتى يعني: العلم. اسم يعين المسمى مطلقًا ثم قسمه. قال: واسمًا أتى وكنية ولقبا. الكنية: ما صُدِّرَ بأبٍ أو أمٍّ على المشهور، وسيأتي نقضه ما صُدِّرَ بأبٍ أو أمٍ ونحوهما. واللقب: ما أشعر بمدحٍ أو ذمٍ، ما أشعر بمدح كزين العابدين أو ذمٍ كأنف الناقة أنف الناقة اسم قبيلة هذا. والاسم: ما ليس بكنية ولا لقب. إذًا القسمة ثلاثية، فلما نفى كونه كنية وكونه لقبًا حينئذٍ تعين كونه اسمًا، وقد يكون مفردًا وقد يكون مركبًا، فإذا سمي بزيد نقول: هذا اسم. عبد الله هذا اسم، أبو زيد أبو عبد الله نقول: هذا كنية. أم عبد الله نقول: هذا كنية. أنف الناقة نقول: هذا لقب. زين العابدين نقول: هذا لقب. لو سمي به بالكنية ابتداءً وضعوه أول ما ولد المولود سمي بأبو عبد الله، هل نقول: اسم أم كنية؟ اسم فكيف نقول في ضابط الكنية ما صُدِّرَ بأبٍ أو أمٍّ؟ لأنه قد يكون كنيته اسمه، قد أول ما يولد هذا موجود يسمى ماذا؟ يسمى أبو عبد الله أو يسمى أبو الدرداء كما هو صاحبنا، اسمه أبو الدرداء علمًا مع كونه ماذا من يسمعه أول ما يسمعه يظن أنه كنية، أم كلثوم هذه الصحابية اسمها بالكنية حينئذٍ لا بد من وضع قيد باعتبار كونه أولاً.

стр. 375

فنقول: الاسم ما وضع وضعًا أوليًّا ودل على مسماه ولو صدر بأبٍ أو أمٍّ أو بنت أو ابن ونحوها، فحينئذٍ لو صُدِّرَ بأب أبو الدرداء فنقول: هذا علم. لأنه وضع وضعًا أوليًّا فإن وضع وضعًا ثانويًّا أو مصدرًا بأبٍ أو أم أو نحوهما نقول: هذا كنية وليس باسم. إذًا الأسماء جمع اسم وهو ما وضع وضعًا أوليًّا يعني: أول ما وُلِدَ لا بد أنه تابع للمولود والأسماء في بني آدم المقصود هنا ما وضع وضعًا أوليًّا ودل على مسماه. (والكُنَى) جمع كنية وهي: ما وضعت وضعًا ثانويًّا وصُدِّرَ بأبٍ أو أمٍ ونحوهما. حينئذٍ لو وضع وضعًا أوليًّا وصُدِّرَ بأبٍ أو أمٍ نقول: ليس بكنية بل هو اسم وليس بكنية، والألفاظ هذا واضح لا اعتراض فيها ما أشار بمدح أو ذم ووضع وضعًا ثانويًّا يعني: لو سمي وضعًا ثانويًّا لا بأس بهذا القيد يعني: لو سمي زين العابدين علمًا أول ما وضع زين العابدين على مسماه نقول: هذا لقب أو اسم؟ اسم، لأن زين العابدين يكون لقبًا إذا وضع وضعًا ثانويًّا يعني: أول ما يوضع هو الاسم ثم بعد ذلك يلقب أو يكنى. (والمُبْهَماتُ) جمع مبهم كمكرم وهو المغلق من الإبهام أبهم الليل إذا لم يتضح، وقيل: المبهم المغلق من الأبواب. سيذكر بعض الأسماء الواردة في القرآن من أسماء الأنبياء، وأسماء الملائكة، وأسماء بعض الصالحين، والأولياء، وأسماء بعض الكافرين مما ذكر في القرآن وكذلك الكنى ما كُنِّيَ وذكر بكنى في القرآن كذلك ما ذكر بلقبه أو ذكر مبهمًا فجاء مُفَسَّرًا في طريق ونحو ذلك سيذكر بعض الأشياء وهذه مما لا، وإن بحثت في علوم القرآن لكن لا يتعلق بها حكم شرعي وإنما تعتبر من الزيادات ومن الْمُلَح، مُلَح العلم لأن العلم كل علم هذا قد يكون أصولاً وقد يكون مُلَح، يعني مما زاد عن الأصل مما قد يستغنى عنه بل يستغنى عنه، فطالب العلم إذا لم يعرف المبهمات التي في القرآن أو في الأحاديث في المتون، لا في الأسانيد، لا ينبني عليه، لكن المبهم في السند مثلاً هذا ينبني عليه حكم ينبني عليه ولا بد من معرفته لكن المبهم في المتن قد لا ينبني عليه حكم وكذلك المبهم في القرآن ﴿وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ ... يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠] من هو الرجل هذا؟ ما ينبني عليه فائدة لو ذكر أو لم يذكر. (إِسْحاقُ) الأسماء بدأ بماذا؟ بأسماء الأنبياء المذكورة في القرآن وهي: خمسةٌ وعشرون اسمًا. ذكر ثمانية عشر منها في آية واحدة في آية الأنعام إِسْحاقُ يُوسفُ ولُوطٌ عِيْسَى ... هُوْدٌ وصَالِحٌ شُعَيْبٌ مُوسَى

стр. 376

هذه الأسماء ما ذكرت في القرآن هكذا (إِسْحاقُ يُوسفُ ولُوطٌ عِيْسَى هُوْدٌ) لكن في كتب التاريخ تجد أن لهم سند يعني: يكون آباهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم إلى آخره. هذه [مما لا] إن ثبت عن النبي ﷺ بأن النبي كذا أبوه كذا هذا لا إشكال مقبولٌ على العين والرأس وما عدا ذلك فهو مما يُسمع ولا يُصدق ولا يُكذب لأنه من قبيل ماذا؟ من قبيل التأريخ والتأريخ أكثره لم يثبت إنما هو بأسانيد لو بحث عنها لَوُجِدَ أنها - إذا ثبت لها أسانيد - إذا ثبت لها أسانيد فهي مما لم يشتغل أهل العلم بتمحيصها وفحصها، ولذلك أنا أنسب المذكور في القرآن جزمًا وإذا قيل أبوه يقال كذا ولا أجزم بكون أباه كذا ... (إِسْحاقُ) يعني وهم إسحاق. (إِسْحاقُ) هذا خبر مبتدأ محذوف وهو لأنه عبارة عن ماذا؟ أعلى من يذكر اسمه في القرآن هم الأنبياء والرسل لكن لم يرتبهم بالأفضل بل جعل النبي ﷺ رقم خمس وعشرين وبدأ بإسحاق وأخر آدم ﵇ إذًا هذا ليس بترتيب وإنما ذكرهم هكذا اتفاقًا على ما سمح به النظم، (إِسْحاقُ) وهم إسحاق بن إبراهيم ﵉. و (يُوسفٌ) بالتنوين للوزن ويوسف بن يعقوب. (ولُوطٌ) ورد في القرآن دون أن يبين من أبوه لكن يُذكر أنه ابن هاران. و (عِيْسَى) بن مريم ﵇. و (هُوْدٌ) هكذا ذكر في القرآن ويقال: ابن عبد الله. هودٌ بن عبد الله. والله أعلم. و (وصَالِحٌ) وقيل: ابن عبيد صالح بن عبيد النبي صالح (وصَالِحٌ) قيل: ابن عبيد. و (شُعَيْبٌ) وقيل: ابن ميكائيل. يعني: أبوه اسمه ميكائيل يذكرون جده وجد جده سبعة وعشر ويُرجع عليها في الشرح ذكرها. و (مُوسَى) ابن عمران، و (هَارُونُ) هَارُونُ دَاودُ ابْنُهُ أَيَّوبُ ... ذُو الكِفْلِ يُونُسُ كَذَا يَعْقُوبُ يعني: و (هَارُونُ) هذا شقيق موسى ﴿وَأَخِي هَارُونُ﴾ [القصص: ٣٤]. أخي هارون، وإذا أطلق أخي نحمله على حقيقته وهو أنه أخوه شقيقه قال بعضهم: لا، لأمه. وقال بعضهم: لا، بل لأبيه. نقول: ائت بالدليل نص القرآن قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾. أخي الأصل ماذا؟ حقيقة أنه شقيق فنقول: شقيقه. ونجزم بهذا إن جاء نص يخص أنه لأبيه أو لأمه على العين والرأس وإلا سنبقى على هذا الإطلاق.

стр. 377

و (هَارُونُ) شقيق موسى، و (دَاودُ) ﵇ وقيل: ابن إيشا. يعني: أبوه إيشا، و (ابْنُهُ) (دَاودُ ابْنُهُ) يعني: وابنه دائمًا على إسقاط الواو ونحتاج إلى أن ننص عليها في كل موضع و (ابْنُهُ) يعني: سليمان بن داوود، و (أَيَّوبُ) قيل: ابن أبيض، و (ذُو الكِفْلِ) هكذا ورد (ذُو الكِفْلِ) هل هو اسمٌ أو لقب؟ الله أعلم قيل: ابن أيوب ذو الكفل بن أيوب. وقيل: اسمه بشر، و (يُونُسُ) ابن مَتَّى هذا جاء في النص (يُونُسُ) ابن مَتَّى بفتح الميم مع تشديد التاء ومتى أبوه لا أمه كذا قيل، (كَذَا يَعْقُوبُ) يعقوب ابن من؟ ابن إسحاق نجزم (كَذَا يَعْقُوبُ) ابن إسحاق هذا رقم خمسة عشر، (آَدَمُ) هذا أبو البشر والأولى تقديمه لكن للنظم أخره قيل: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض آدم أبو البشر، و (إِدْرِيسُ) ابن يرد. الله أعلم، و (ونُوحٌ) قيل: ابن لَمْج بفتح اللام وإسكان الميم. والله أعلم، و (يَحْيَى) ابن زكريا وهذا جاء في القرآن، (واليَسْعُ) ابن جبير هكذا قيل. والله أعلم، و (إِبْراهيمُ) ابن آزر هذا هو المشهور وهذا هو الصحيح قيل: آزر عمه. وهذا فاسد ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ﴾ [الأنعام: ٧٤] نقول: لعمه؟! بعض المفسرين يقولون عمه وليس أباه لكن هذا ما هو صحيح الله يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]. لو أطلق الأب على العم مجازًا نقول: نحمله على حقيقته. ائت بدليل صارف وإلا نبقى على الحقيقة، أنا أقول بالمجاز لكن أقف في حلوقهم [شوية] فلا بد يعني من أدلة وإلا ما نصرف اللفظ عن ظاهره. (واليَسْعُ، إِبْراهيمُ أَيضًا إِلْيَا) (إِبْراهيمُ) ابن آزر. (إِلْيَا) إلياس ترخيم هذا إلياسين هذا ترخيم ورفعٌ وَلاضْطِرَارٍٍ رَخَّمُوا دُون نِدَا وهنا ليس عند الندا هذا باب الشعري فقط إل ياسين، ترخيم إلياس إلياس بن إل ياسين هكذا قيل: إليا. حذفت السين من باب ماذا؟ يا سعاد يا سعا أليس كذلك هذا يسمى ترخيم لكنه يكون في العلم في النداء في المنادى وأما ما عدا المنادى فلا يجوز. وقولهم في صاحب يا صاح ... شذ لمعنى فيه باصطلاح لماذا؟ لكون ليس بعلم ما كونه في النداء، وقولهم في صاحب يا صاح شذَّ، شاذ لماذا؟ لكونه مما جرى على ألسنة العرب ورخموه، هنا شاذ لكون ليس في النداء قال ابن مالك: وَلاضْطِرَارٍٍ رَخَّمُوا دُون نِدَا و (وزَكَرِيَّا) قيل: كان من ذرية سليمان بن داوود. والله أعلم. (وزَكَرِيَّا أَيضًا) آضَ يَئِيضُ أَيْضًا مفعولٌ مطلق. (وزَكَرِيَّا أَيضًا إسْمَاعِيلُ) بإسقاط الهمزة للوزن همزة قطع هي في الأصل لكنها أسقطت للوزن (إسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم ﵇ إسماعيل وهو الذبيح على الأصح وليس إسحاق. (وجاءَ في مُحَمَّدٍ ﷺ تَكْمِيلُ) يعني: تكميل للأنبياء الخمسة والعشرين الذين ذكروا في القرآن، هؤلاء لو عددتهم كلهم خمسٌ وعشرون. ثم قال: هَارُوتُ مَارُوتُ وجِبْرَائِيْلُ ... قَعِيْدٌ السِّجِلُّ مِيْكَائِيْلُ (هَارُوتُ، مَارُوتُ) قيل: اسما ملكين ذكرا في آية السحر من سورة البقرة (هَارُوتُ، مَارُوتُ) بإسقاط الواو. (وجِبْرَائِيْلُ) معلوم.

стр. 378

(قَعِيْدٌ) يعني: وقعيد. يعني: كاتب السيئات يكون اسمه قعيد ملك، والمشهور أنه ليس اسمًا بل صفة للمَلَكَيْنِ الْمُوَكَّلَيْنِ بالإنسان يعني ليس بعلم هو أراد أن يذكر الآن أعلام الملائكة لما ذكر أعلام الأنبياء في القرآن جمع لك في هذا البيت ما ذُكر من أعلام الملائكة، إذًا شرع في بيان أسماء الملائكة الذين ذكروا في القرآن (هَارُوتُ مَارُوتُ وجِبْرَائِيْلُ قَعِيْدٌ السِّجِلُّ)، (قَعِيْدٌ، السِّجِلُّ) يعني: والسجل السجل قيل: ملك موكلٌ بالصحف. والله أعلم. (مِيْكَائِيْلُ) هذا موكلٌ للمطر هذا ثابت ولا إشكال فيه. لُقْمَانُ تُبَّعٌ كَذَا طَالُوتُ ... إِبْلِيسُ قَارُونُ كَذا جَالُوتُ ذكر لك في البيت الشطر الأول ثلاثة من الصالحين الذين ذكروا في القرآن، وذكر في الشطر الثاني ثلاثة من الكافرين الذين ذكروا في القرآن (لُقْمَانُ) قيل: أنه نبي. كان نبيًّا قاله عكرمة والشعبي والأكثر على أنه عبدٌ صالح وقيل: نجار. (لُقْمَانُ تُبَّعٌ) أيضًا قيل: نبي. والصواب أنه رجلٌ صالح سُمِّيَ به لكثرة من تبعه (لُقْمَانُ، تُبَّعٌ) يعني: وتُبَّعٌ. بضم التاء وتشديد الباء المفتوحة. (كَذا طَالُوتُ) أيضًا هذا اسم رجل صالح جعله الله ملكًا على بني إسرائيل لقتال جالوت ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٥١]. (إِبْلِيسُ) هذا شرع منه في ذكر أسماء ثلاثة ممن كفروا بالله العظيم وإبليس سمي به لأن الله أبلسه من الخير يعني: آيسه منه (إِبْلِيسُ). (قَارُونُ كَذا) قارون قيل: ابن يسحر. أو يصهر الله أعلم. (كَذا جَالُوتُ) اسم ملكٍ من ملوك الكفار الذين تجبروا في الأرض. (ومَرْيَمٌ عِمْرَانُ أَيْ أَبُوهَا) يعني: ومريم بنت عمران. وقيل: إنها نبية. وعليه ابن حزم ﵀، والصواب أنه ليس في الأنبياء نساء، وكونها أوحي إليها هذا لا يلزم منه مجرد الوحي أو صيغة الوحي في القرآن لا يلزم منه أنه إيحاء نبوة بل الله قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. نقول: النحل نبي؟ لا يلزم إذا تعلق الوحي أو الإيحاء بشيء نقول: إنه يدل على النبوة لا. (ومَرْيَمٌ) يعني: بنت عمران (عِمْرَانُ أَيْ أَبُوهَا) يعني: ذُكر أيضًا أبوها أبو من؟ مريم وهل هي أخت موسى بن عمران؟ الجواب: لا. (أَيضًا كَذَا هَارونُ) أبوها أيضًا (كَذَا) ممن ذكر في القرآن (هَارونُ أَيْ أَخُوهَا) ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] هل هو وأخي هارون؟ الجواب: لا. (ومَرْيَمٌ عِمْرَانُ) وعمران (أَيْ أَبُوهَا) ذُكرا معًا في القرآن (أَيضًا) كما ذكر هارون (أَيْ أَخُوهَا) أخو مريم لا أخو موسى. ثم شرع في بيان من ذكر من الصحابة أصحاب النبي ﷺ . مِنْ غَيْرِ زَيْدٍ مِنْ صِحَابٍ عَزَّا ... ثُمَّ الكُنَى فِيهِ كَعَبْدِ العُزَّى (مِنْ غَيْرِ زَيْدٍ) زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه هو الذي سُمِّيَ في القرآن ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ [الأحزاب: ٣٧] زيد بن حارثة، وهل هذا يدل على ماذا؟ هل يدل أو يستفاد منه أنه أفضل من أبي بكر وعمر؟

стр. 379

من ذُكر اسمه في القرآن أولى وأفضل ممن لم يذكر أليس كذلك؟ لا شك من تكلم الله تعالى باسمه أفضل لكن الفضيلة لا تستلزم أن يكون أفضل من حيث الجملة فيقال مثلاً: زيد بن حارثة من حيث هذه المزية من حيث هذه الفضيلة أفضل من غيره من الصحابة، لكن لا يستلزم تفضيله في شيء ما أنه أفضل بالجملة، وإلا جاء نص في عمر رضي الله تعالى عنه «أنه ما رآه الشيطان سالكًا في فج إلا سك فجًا آخر». هذه لم تذكر في شأن أبي بكر، ودخل أبو بكر والنبي ﷺ كاشف عن فخذيه ودخل عمر ثم دخل عثمان فماذا؟ فستر النبي فقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة». إذًا ثبتت مزية لعثمان لم تثبت لأبي بكر ولا عمر، نقول: الضابط في هذه أن إثبات المزية لصاحبيٍ، الصحابة من حيث هذه المزية هذا الشخص وهذا الصحابي أفضل، وهذا لا يستلزم تفضيله بالكلية فنقول: أبو بكر مطلقًا أفضل الصحابة وبإجماع أهل العلم، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. كترتيبهم في الخلافة لا فرق في الفضل ولا في الخلافة، لكن إثبات مزية لبعض الصحابة لم تثبت لمن هو أعلى لا يستلزم منه أن يكون أفضل بالجملة وإنما في هذه الخصيصة. (مِنْ غَيْرِ زَيْدٍ) ابن حارثة (مِنْ صِحَابٍ) يعني من أسماء صحاب النبي ﷺ (عَزَّا) يعني: قل بل عدم. (ثُمَّ الكُنَى) شرع في بيان الكنى وهو النوع الثاني (فِيهِ) يعني: في القرآن. (كَعَبْدِ العُزَّى كَنَّى أَبَا لَهْبٍ) أبو لهب ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] فقط لا يوجد كنية أخرى لم يذكر باسمه لماذا؟ لأنه حرام شرعًا عبد العزى عُبِّدَ لغير الرب جل وعلا إذًا حرام وقيل: للإشارة مع هذا يعني: زيادة على هذا – النكات لا تتراحم مع هذا - إشارة إلى أنه جهنمي (لهب). (الأَلْقَابُ قَدْ جَاءَ ذُو القَرْنَيْنِ يا أَوَّابُ) شرع في بيان الألقاب (قَدْ جَاءَ) فيه في القرآن حذف الجار والمجرور (ذُو القَرْنَيْنِ) قيل لأنه سُمِّي ذو القرنين لأن ملك فارس والروم وهما قرنان أعظم أمتين، وقيل: لأنه دخل الظلمة والنور. وقيل: لأنه كان برأسه شبه القرنين. وقيل: كان له ذؤابتان. وقيل: لأنه رأى في النوم بأنه أخذ بقرني الشمس. والله أعلم. (يا أَوَّابُ) هذا من باب التكملة يا كثير التوبة والرجوع إلى الله تعالى. (واسْمُهُ إِسْكَنْدَرُ) هذا لقبه ذو القرنين وسبب تلقيبه ما ذكر من بعض الأقوال (واسْمُهُ إِسْكَنْدَرُ) على الأشهر والله أعلم. (المَسِيْحُ عِيْسَى) عيسى ابن مريم، لقبه المسيح وجاء اسمه المسيح عيسى ابن مريم هنا ذكر أنه لقب المسِيح بتخفيف السين وقد تشدد المسِّيح بتشديد السين لقب عيسى ﵇ ابن مريم (وذَا) اللقب (مِنْ أَجْلِ مَا يَسِيْحُ) يعني: لم لقب عيسى ابن مريم بالمسيح؟ (مِنْ أَجْلِ مَا يَسِيْحُ) يعني: سياحته في الأرض من أجل سياحته في الأرض أو لأنه لا يمسح ذا عاهةٍ إلا بريء أو لأنه كان مسيح القدمين أي: لا أخمص فيه. يعني: مستوي القدم من أسفل هذه يقال أنه مسيح، يقال: للدجال أيضًا مسيح لكنه مسيح الضلالة وهذا مسيح الهداية، ومسيح الضلالة قيل: لأنه يمسح الأرض في الزمن القليل لإضلال الناس أو لأنه ممسوح العينين.

стр. 380

(فِرْعَونُ ذَا الوَلِيْدُ) فرعون هذا لقب اسم هذا فرعون اسم أو لقب؟ هذا لقب لأننا في الألقاب (فِرْعَونُ ذَا) أي: الفرعون الوليد بن مصعب هكذا قيل، اسمه الوليد بن مصعب والله أعلم، فرعون هذا اسمه الوليد (ذَا) أي: الفرعون اسمه الوليد بن مصعب. (ثُمَّ المُبْهَمُ) هذا للترتيب ولذلك في قوله: (كَنَّى أَبَا لَهَبٍ). ثم الألقاب تُقدر ثم (ثُمَّ المُبْهَمُ) في القرآن (مِنْ آلِ فِرْعَونَ الذي قَدْ يَكْتُمُ إِيْمَانَهُ) هذا في سورة غافر (مِنْ آلِ فِرْعَونَ) من أتباع فرعون الذي آمن وقد كتم إيمانه كما جاء في سورة غافر ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨]. (واسْمُهُ حِزْقِيْلُ) بكسر الحاء وإسكان الزاي وقاف المكسورة اسم هذا الرجل المبهم (حِزْقِيْلُ) ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ﴾ من هو؟ (حِزْقِيْلُ) لكن ما نجزم بهذا كل المبهمات إن لم يرد نص عن النبي ﷺ فلا نجزم إلا أن يكون لصحابي وصح سنده فيأخذ حكم الرفع. ....................... ... ومَنْ عَلى يَاسِيْنَ قَدْ يُحِيْلُ أَعْنِيْ الذي يَسْعَى اسْمُهُ حَبِيْبُ ... .......................... (ومَنْ عَلى ياسين) يعني ومن في على بمعنى في، في ياسين يعني في سورة ياسين (قَدْ يُحِيْلُ) أي يُسلم أحال أي: أسلم (أَعْنِيْ الذي يَسْعَى) ﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠] من هو هذا الرجل قال: ... (اسْمُهُ حَبِيْبُ) بن موسى النجار هذا هو المشهور حبيب بن موسى النجار. والله أعلم. (ويَوشَعُ بنُ نُونَ يَا لَبِيْبُ) يعني: يا عاقل. (وهُوَ فَتَى مُوسى لَدَى السَّفِيْنَةْ) يوشع بن نون يا لبيب هذا من باب التكميل للبيت يعني: يا عاقل. (وهُوَ) أي يوشع (بنُ نُونَ) فتى موسى الذي ذُكر معه في سورة الكهف (لَدَى السَّفِيْنَةْ) ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ﴾ [الكهف: ٦٠] من هو هذا الفتى؟ يوشع بن نون. والله أعلم لا نجزم. (ومَنْ هُمَا في سُورَةِ المَائِدَةِ كالبُ مَعْ يُوشَعَ) (ومَنْ هُمَا) يعني اللذان هما في سورة المائدةِ بالكسر ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة: ٢٣] رجلان من هما؟ قال: كالب. اسمهما (كالبُ مَعْ يُوشَعَ) هما كالب ويوشع، يوشع بن نون السابق هكذا قيل. (أُمُّ مُوسَى) يعني: وأم موسى. واردة في سورة القصص ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً﴾ [القصص: ١٠] من هي أم موسى هذه كنية من هي؟ قيل: (يِوْحَانِذُ اسْمُها). والله أعلم. (كُفِيْتَ البُوسَا) هذه جملة دعائية البأس، الألف هذه للإطلاق أي: كفاك وحفظك الله من البؤس والشدة، جملة دعائية فاصلة. (ومَنْ هُوَ العَبْدُ لَدى الكَهْفِ الخَضِرْ) (ومَنْ هُوَ العَبْدُ) يعني: والذي هو العبد لدى سورة الكهف ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف: ٦٥] من هو هذا العبد؟ (ومَنْ هُوَ العَبْدُ لَدى) سورة الكهف (الخَضِرْ) بفتح الخاء وكسر الضاد ويقال: الْخَضْرُ والْخِضْرُ. ثلاثة روايات خِضْر بكسرٍ فسكون، وَخَضْرٌ بفتح وسكون والْخَضِر مثل كَتِف.

стр. 381

كَتْفٌ وَكِتْفٌ جاء في مثل كَتِف ... في عضد ونحوه عضد عرف لأنه من باب فَعِل خَضِر وكله من باب فَعِل يجوز فيه ثلاث رواة. الخضر هذا لقب له واسمه قيل: بَلْيى. بفتح الباء وسكون اللام ومعناه بالعربية أحمد بن ملكان. والله أعلم، وكنيته أبو العباس لُقِّبَ بالخضر لأنه كان إذا جلس على الأرض أخضر ما تحته والجمهور على نبوته، الجمهور على أنه نبي لا أنه رسول أو ولي وهذا هو الظاهر من النصوص أنه نبي وهل هو مات أو لا أو باقٍ شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه قد مات. (ومَنْ لَهُ الدَّمُ لَدَيْها قَدْ هُدِرْ أَعْنِي الغُلامَ وهُوَ حَيْسُورُ) (ومَنْ لَهُ الدَّمُ لَدَيْها) لدى سورة الكهف (قَدْ هُدِرْ) بلا قصاص ولا دية يقال: هذا ردمه بطل. بابه ضَرَبَ وأهدره السلطان أي: أبطله وأباحه وهَدْرًا وهَدَرَ بإسكان والفتح ماذا؟ أي: باطنًا ليس فيه قودٌ ولا عقلٌ (ومَنْ) يعني: الذي. (لَهُ الدَّمُ لَدَيْها) لدى سورة الكهف (قَدْ هُدِرْ أَعْنِي) به (الغُلامَ) ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ﴾ ... [الكهف: ٧٤] هدر دمه أباحه من هو هذا الغلام؟ (وهُوَ حَيْسُورُ) اسمه حيسور (الْمَلِكْ في قَولِهِ) يعني: والملك في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف: ٧٩]. ما اسمه هذا الملك؟ هُدد بن بدد على وزن عُمَر وسُرَر هدد يعني: اسم الملك الذي جاء في النص ... ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ﴾ اسمه هدد بن بدد والله أعلم. . والصَّاحِبُ لِلرَّسُولِ في ... غَارٍ هُوَ الصِّدِّيقُ أَعْنِي المُقْتَفِي ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠] هذا لا إشكال فيه أن المراد به أبو بكر رضي الله تعالى عنه (والصَّاحِبُ لِلرَّسُولِ) ﷺ لرسولنا محمد ﵊ (في غَارٍ) غار حراء هو الصديق (أَعْنِي المُقْتَفِي) المتبع أثره ﷺ ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ في سورة التوبة.

стр. 382

(إِطْفِيْرٌ العَزِيْزُ أَو قِطْفِيْرُ) العزيز ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ﴾ ... [يوسف: ٢١] من هو هذا القائل؟ العزيز ما اسمه هذا لقب أو مبهم ما اسمه؟ قيل: (إِطْفِيْرٌ). بكسر همزة القطع (إِطْفِيْرٌ)، (أَو قِطْفِيْرُ) اختلفوا فيه على قولين وسواء كان هذا أو ذاك لا يهمنا العلم به، (إِطْفِيْرٌ العَزِيْزُ، أَو قِطْفِيْرُ) إطفير هو اسم العزيز عزيز مصر (أَو قِطْفِيْرُ) بدل الهمزة قولان، ... (ومُبْهَمٌ وُرُودُهُ كَثِيْرُ) وارد في القرآن كثير ولكن إن تتبع السلف هذه المبهمات فيحسن لا خلاف أن اتتبعه طالب العلم وإن لم يشتغلوا بها فحينئذٍ لا نشتغل بها، (ومُبْهَمٌ) يعني في القرآن. وروده كثير. قال في (الإتقان): إن مرجعه النقل المحض لا مجال للرأي فيه. هذا هو الأصل وإذا كان مرجعه النقل نقيد النقل النَّقل الصحيح ولماذا نطلق النقل ثم نأتي كل من هب ودب في كتب التأليف فنقول: إن كان مرجعه النقل المحض حينئذٍ ينبغي أن نقيده بماذا؟ بالنقل الصحيح. لا مجال للرأي فيه وفيه تصنيف مستقل للسهيلي والبدر بن جماعة هو ذكره في ((التحبير)) مستوفاه كما قال الناظم هنا: (وكادَ أَنْ يَسْتَوعِبَ التَّحْبِيْرُ) يعني: كاد أن يستوعب كل المبهمات في القرآن ... ((التحبير في علوم التفسير)) للسيوطي نفسه، هذا كتاب جيد يعني لو يعتني به طالب العلم زبدة ((الإتقان)) موجودة في ((التحبير)) كتاب قصير ليس بطويل. (جَمِيعَهَا فَاقْصِدْهُ يَا نِحْرِيْرُ) جميعها (وكادَ أَنْ يَسْتَوعِبَ التَّحْبِيْرُ جَمِيعَهَا) جميعها هذا منصوب بيستوعب مفعول به (جَمِيعَهَا) أي جميع المبهمات ... (فَاقْصِدْهُ) فاقصد ماذا؟ ((التحبير)) يعني اقصده اعتني به (يَا نِحْرِيْرُ) النحرير بوزن مسكين وهو العالم المتقن هذا من باب التفاؤل يعني: وصف الطالب بما سيؤول إليه وهو مجاز لأنه الآن ليس بنحرير ليس بعالم متقن وإنما مآله أن يكون عالمًا متقنًا فهو مجاز. فَهاكَها مِنِّي لَدى قُصُورِيْ ... ولا تَكُنْ بِحَاسِدٍ مَغْرُورِ إِلاَّ إِذا بِخَلَلٍ ظَفِرْتَا ... فَأَصْلِحِ الفَاسِدَ إِنْ قَدَرْتَا

стр. 383

قَدَرْتَا أو قَدِرْتَا. (فَهاكَها) أي: فخذ هذه المنظومة المؤلفة في فن أصول التفسير، (مِنِّي) أي أيها القارئ أو الناظر فيها (لَدى قُصُورِيْ) قصر عن الشيء عجز عنه ولم يبلغه، قصر عن الشيء قصر إذا تعدى بعن عن الشيء يعني عجز عنه ولم يبلغه وبابه دخل ولذلك جاء على فُعُول دَخَلَ يَدْخُلُ دُخُولاً فُعُول هنا قال: (قُصُورِيْ). يعني: قصوري في ماذا؟ في العلم (ولا تَكُنْ) أيها الناظر (بِحَاسِدٍ) لي بهذه المنظومة (مَغْرُورِ) بغرور الشيطان، فلا تنتقد عليَّ وتعترض إلا إذا ظفرت بخلل، حينئذٍ له أن ينتقد لكن بعد أن يتأمل وبعد أن يصحح النسخة وبعد أن ينظر في هل ذكر بعضهم هذه المسألة أو لا ... إلى آخره يعني بعد أن يتحقق ولا يستعجل طالب العلم في النقد وإنما .. . (إِلاَّ إِذا بِخَلَلٍ ظَفِرْتَا) يعني: وقفت على خلل إما في اللفظ وإما في المعنى (فَأَصْلِحِ) إذا ظفرت بخلل، بخَلَلٍ هذا متعلق بماذا؟ بظفرت ولك أن تعلقه بمحذوف يدل عليه المذكور إلا إذا ظفرت بخلل ظفرت هكذا ذكره المساوي وهذا هو الأصل، (فَأَصْلِحِ الفَاسِدَ) يعني الحاصل من ذلك الخلل سواء من جهة المعنى أو من جهة اللفظ يعني بالتعليق عليه لا يغيره بالنص يعني إنما يصلحه في الحاشية أو يقول: لعله يُريد كذا. أو لعل الأصح كذا أو لعل الصواب كذا إلى آخره، (إِنْ قَدَرْتَا) إن قَدَرْتَا قَدِرْتَا قَدَرْتا قد على الشيء قُدْرَةً وقُدْرَانًا، قَدَرَ على الشيء من باب فعل على الشيء قُدْرَةً بضم القاف وقُدْرَانًا وقِدْرَانًا، اختلفوا في الضمة هذه صاحب القاموس في اللسان قِدْرانًا بالكسر، وصاحب مختار الصحاح بالضم يعني انتُقد على الضم وَقَدِرَ يَقْدَرُ قُدْرةً هذا لغة فيه باب عَلِمَ يَعْلَمُ حينئذٍ يصح أن تقول: (فَأَصْلِحِ الفَاسِدَ إِنْ قَدِرْتَا) إن قَدَرْتَا لأنه جاء من باب فَعَلَ وفَعِلَ فتقول: (فَأَصْلِحِ الفَاسِدَ إِنْ قَدِرْتَا). أو إن قَدَرْتَا وهنا النظم من أجله فلا بأس أن يقال: قَدَرْتا. (وَوَجَبَتْ مِنْ بَعْدِ ذا) يعني بعد أن انتهى من مصنفه قال: (وَوَجَبَتْ). وجوبًا صناعيًّا (مِنْ بَعْدِ ذا) الكلام كله (صَلاتِي عَلى النَّبِي) محمد ﷺ كما افتتح نظمه بالصلاة على النبي ﷺ ختمها بالصلاة على النبي ﷺ وبينا الصلاة ومعنى النبي فيما سبق، (وآَلِهِ) يعني على آله. وسبق بيان معنى الآل (الهُدَاةِ) جمع هادي، الهداة كقاضٍ يجمع على قُضاة كذلك هادٍ يجمع على قضاة. وعلى (وصَحْبِهِ) جميعًا حال كوني (مُعَمِّمًا أَتْبَاعَهْ) فحينئذٍ يُحمل قوله: (وآَلِهِ). على أقاربه المؤمنين لأنه قال: (مُعَمِّمًا أَتْبَاعَهْ). حينئذٍ نص على الأتباع فيحمل قوله: (وآَلِهِ) على أقاربه المؤمنين. (وصَحْبِهِ) يعني: وعلى صحبه. ومر معنا الصحب، جميعًا حال كوني (مُعَمِّمًا أَتْبَاعَهْ) يعني: شاملاً تعميم شمول مأخوذ من العام (أَتْبَاعَهْ) ﷺ (على الهُدَى) جيلاً بعد جيل قرنًا بعد قرن (إِلى قِيامِ السَّاعَةْ) الوقف عليها بالسكون في الموضعين.

стр. 384

وصَحْبِهِ مُعَمِّمًا أَتْبَاعَهْ ... على الهُدَى إِلى قِيامِ السَّاعَةْ إلى قيام القيامة. - - - وبهذا نكون قد انتهينا من هذا المتن وسائر الدورة وجزاكم الله خيرًا - وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وسلم