← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 36127

الغرامية في مصطلح الحديث

ابن فرح

Полный текст (112 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الغرامية في مصطلح الحديث منظومة أبي العباس أحمد بن فرح الإشبيلي شرح وتوثيق مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ ٢٠٠١ م

стр. 2

الخطة رأيت أن يكون البحث في قسمين الأول دراسة والثاني شرح وتوثيق. الدراسة فيها ثلاثة مباحث: الأول: المقدمة وفيها نبذة عن علم مصطلح الحديث. والثاني: ترجمة الناظم وفيها من الجزئيات: نسبه، مولده، نشأته، أول سماعه، رحلاته، أشهر شيوخه، أشهر تلاميذه، ما وقع له من البلاء، صفاته، عقيدته، ثقافته، مكانته الاجتماعية، مؤلفاته، وفاته. والثالث: إثبات نسبة النظم شرح ما ألمحت إليه المنظومة، وما ورد فيها من قواعد مصطلح الحديث.

стр. 3

المقدمة الحمد لله الكريم المنان، واسع الفضل والإحسان، والصلاة والسلام على كامل الخلق والخلق، سيد ولد عدنان، سيد الأولين والآخرين من بني الإنسان، وعلى آله وصحبه، والمتبعين له بإحسان وبعد: فإن أعظم ما بذل فيه الجهد، واستنفرت له الهمم، وقضيت فيه الأوقات، خدمة كتاب الله العزيز، وسنة رسول الله البشير النذير ﷺ ، أما الكتاب العزيز فجهود العلماء فيه ظاهرة معلومة، وهو محفوظ من الله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) فتحقق وعد الله ، إذ وعته العقول، واستوعبته الصدور، وفي وقت قريب من عهد رسول الله ﷺ دون في مصحف واحد بعناية واهتمام، فتحقق له الحفظ والصون والأمان، فلا ينال منه شيطان من إنس ولا جان. أما سنة رسول الله ﷺ فبقيت معرضة للتزوير والتحوير، وهو أمر خطير وشر مستطير، حذر منه البشير النذير ﷺ فقال: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (٢)، وهذه لفتة نبوية إلى أن الكذب عليه سيقع لا محالة، لذلك حذر منه أمته، فكان هذا الخبر منه ﷺ دافعا قويا لأمته من بعده لأخذ الحيطة والحذر في النقل عنه ﷺ فالحديث عنه شديد كما قال زيد بن أرقم ﵁ (٣)، وهكذا احتاط الأصحاب ﵃ لأنفسهم، يقول أنس

стр. 4

بن مالك ﵁: "لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله ﷺ ، أو قالها رسول الله ﷺ " (١)، وشددوا في التثبت من النقلة عن رسول الله ﷺ فهذا أبو بكر ﵁ في قصة ميراث الجدة لم يقبل خبر المغيرة بن شعبة ﵁، بل قال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري ﵁ فشهد له (٢)، وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يشدد على أبي موسى الأشعري ﵁ في نقله حديث الاستئذان ويقول: " تأتيني على ذلك ببينة - وفي رواية - لتقيمن عليه بينة" (٣)، ويقول في قصة طلاق فاطمة بنت قيس: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت (٤)، ويزداد الموقف شدة بانقضاء الصدر الأول من الصحابة، فهذا حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵁ لم يأذن لحديث بشير بن كعب العدوي إذ يقول: قال رسول الله ﷺ . فلما رآه لا ينظر إليه ولا يستمع لحديثه قال: يا ابن عباس مالي أراك لا تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع؟ . فقال ابن عباس ﵁: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرفه (٥)،

стр. 5

هكذا مر عهد أصحاب رسول الله ﵃ بين حيطة وتوثق من صحة النقل، فلما ظهرت الفنتة برز التفتيش عن أحوال الرجال وما هم عليه من الصفات، يقول ابن سيرين ﵀: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم (١)، وكذلك تكلم في هذا الباب جمع من التابعين منهم: الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، والإمام مالك وغيرهم، ومن هنا أصبح الإسناد أمرا لا مفر منه في الرواية، وما ليس له إسناد كمن لا نسب له، ومن أهمية الإسناد نشأت الرحلة إلى الأمصار، بحثا عن التوثق والعلو في الإسناد، واعتبر الأئمة ذلك من الدين، إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يقول ابن سيرين ﵀: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم (٢). ومن هنا نعلم أن الخطوط العريضة لنقد الأسانيد والمتون برزت الحاجة إليها مبكرة في عهد الأصحاب ﵃، كما هو واضح مما تقدم ذكره، وهكذا نما الاعتناء بهذا الجانب العظيم، في مراحل تاريخية متفاوتة وهي أربع مراحل: ١ - عهد الأصحاب ﵃ وما أبدوا فيه من خطوط عريضة لقواعد الحيطة والتثبت في النقل عن رسول الله ﷺ ، وتعتبر هذه المرحلة من بداية القرن الأول إلى نهايته، غير أنه لم يدون شيء كبير في هذا الصدد، سوى ما كان من كتابة عبد الله بن عمر وغيره، فهذا القرن خير القرون، كان فيه

стр. 6

الحذر والتشدد في النقل عن رسول الله تدينا، فلا سبيل لتهمة الكذب، بل كان الخوف من الخطأ والنسيان، وجرى الحرص على صحة المنقول وثبوته. ٢ - عهد كبار التابعين ﵏: وهو فترة نشط فيها الاهتمام بالإسناد، والتعرف على أحوال الرجال، وقد تقدم قول ابن سيرين ﵀: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم، وقد تبع هذا القول اتجاهان متضادان في شأن التدوين للسنة وما يتعلق بها من آراء شخصية: فالصدر الأول من التابعين تأثروا بمنهج الأصحاب في عدم الرضى عن كتابة ما سوى القرآن الكريم (١)، وآخرون من التابعين منهم: سعيد بن جبير، وكان يقول: كنت أسير بين ابن عمر وابن عباس، فكنت أسمع الحديث منهما، فأكتبه على واسطة الرحل حتى أنزل فأكتبه (٢)، وسعيد بن المسيب رخص لعبد الرحمن بن حرملة في الكتابة حين شكا إليه سوء الحفظ (٣)، والشعبي كان يقول: الكتابة قيد العلم، إذا سمعتم مني شيئا فاكتبوه ولو في حائط، ووجد له بعد موته كتاب في الفرائض والجراحات (٤)، فهؤلاء وغيرهم من التابعين رأوا ضرورة تقييد العلم

стр. 7

واعتمدوا قول من سمح به من الأصحاب آخرا، منهم أبو بكر وعمر وعلي ﵃ (١)، وعللوا الكراهة بأن لا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عنه بسواه (٢)، وقصة الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵀ في الأمر بتدوين العلم مشهورة معلومة، ولا شك أنه استأنس برأي العلماء، وكان أول من حقق له هذه الغاية الإمام الزهري ﵀، وكان يفخر بذلك ويقول: لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني (٣)، وإن وجد للزهري من القول ما يضاد هذا مثل قوله: لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق، ننكرها لا نعرفها، ما كتبت حديثا ولا أذنت في كتابته (٤)، فهذا يؤكد أن مبادرة الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى الأمر بكتابة السنة وتدوين ما تفرق بصورة أوسع مما كان في بعض الصحف (٥)، وموافقة العلماء من أمثال الإمام الزهري

стр. 8

على رأيه كان خوفا من دروس (١) العلم وذهاب أهله، وأن يدخل في سنة رسول الله ﷺ ما ليس منها، وهو ما تنبه له الزهري من تلك الأحاديث الآتية من قبل المشرق، ونجزم أن بداية جدية التفكير في تدوين السنة وتصنيف علومها كانت في عهد التابعين من أيام الزهري وأقرانه، لكنها بالنسبة لقواعد علوم الحديث لم تتجاوز نقل أقوال مبثوثة (٢)، أثرت عن الأصحاب والأئمة من التابعين، وهي لا تمثل مادة علمية كاملة لقواعد مصطلح الحديث، سوى أنها فتحت الباب على مصراعيه للبحث والنظر في هذا الموضوع الخطير. ٣ - مرحلة التصنيف في بعض فوائد علوم الحديث: هذه المرحلة تقدر بما يقارب (١٥٠) سنة من بداية القرن الثالث إلى منتصف الرابع تميزت هذه الفترة عن سابقتها بإبراز بعض قواعد علوم الحديث في مصنفات مستقلة، مثل كتاب العلل لابن المديني، ومعظم المادة العلمية في هذه المرحلة إما قواعد مستقلة في كتب متفرقة، كما في الرسالة والأم للإمام الشافعي، أو مبثوثة في مصنفات الحديث على اختلاف طرائقها في التصنيف، كما في مصنفات الإمام البخاري، ومقدمة صحيح مسلم، وما كتبه الترمذي من العلل، وما نقل عن الإمام أحمد، وعن أبي داود وغيرهم، يقول الإمام مسلم رحمة الله علينا وعليه: وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا،

стр. 9

لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار بأمر الدين إنما تأتي بالتحليل أو التحريم، أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته، كان آثما بفعله ذلك، غاشا لعوام المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها، أو يستعمل بعضها. . . (١). ٤ - مرحلة النضج: هذه المرحلة هي مرحلة النضج والاستواء، مرحلة كد العلماء فيها أذهانهم، فأنتجوا علم مصطلح الحديث، وجعلوه علما قائما بذاته، يرتكز على منهج دقيق منضبط، دونت فيه قواعد مصطلح الحديث في مصنفات مستقلة، بعضها لم يستوعب، لكنه حصل بالتكامل بينها، فأصبح الباحث يجد مطلبه في أي باب من أبواب هذا العلم الجليل، وكان أول من دون قواعد هذا العلم القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي ﵀ (٢)، في كتابه "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" أجاد ولم يستوعب، وتلاه أبو عبد الله الحاكم بكتابه "معرفة علوم الحديث" تعقبه أبو نعيم في كتابه "المستخرج على كتاب الحاكم" ثم الخطيب

стр. 10

البغدادي في كتبه الكثيرة (١)، وقد أفرد كل فن من فنون الحديث بمؤلف في الغالب، ومن هنا كان كل من جاء بعده من العلماء في هذا العلم عالة على مصنفات الخطيب، ولم ينشط البحث عن الفوائد والنكت في هذا العلم إلا بعد أن أخرج أبو عمرو بن الصلاح كتابه المشهور بمقدمة ابن الصلاح، فإنه اعتنى بمؤلفات من سبقه فجمع شتات مقاصدها، وأضاف إليها من الفوائد الكثيرة ما جعل كتابه بحق أحسن ما كتب في هذا العلم، فاق من سبقه وبقي من بعده مشتغلا بكتابه هذا، ما بين دارس ومدرس وشارح (٢) وناظم ومنكت (٣) ومختصر قال الحافظ ابن حجر: "فلا يحصى كم ناظم له (٤)

стр. 11

ومختصر (١)، ومستدرك عليه ومعارض له (٢) ومنتصر" (٣) ونرى أن مراحل التدوين والتدقيق والتحقيق أربع أيضا: الأولى: بدأت بكتاب الرامهرمزي، فقد حاز السبق في تدوين أبواب من هذا العلم. والثانية: بدأت بمؤلفات الخطيب البغدادي، فكل من جاء بعده صار عالة على مصنفاته في هذا العلم. والثالثة: بدأت بكتابة أبي عمرو بن الصلاح، فقد لاقى قبولا كبيرا عند العلماء، فتنافسوا في الاشتغال به على ما تقدم بيانه. والرابعة: بدأت بكتابة ابن حجر، فقد استفاد منها من أتى بعده من العلماء، فإنه دقيق الملاحظة واسع العلم حسن التنظيم، اشتغل العلماء بمؤلفه النفيس "نخبة الفكر" فمنهم الشارح له والناظم، ولا أنفس من شرحه هو لها المسمى "نزهة النظر" وصدق الحافظ العراقي رحمة الله علينا وعليه إذ قال: وبعد فعلم الحديث خطير وضعه، كثير نفعه، وبه يعرف الحلال والحرام، ولأهله اصطلاح لا بد للطالب من فهمه (٤).

стр. 12

وقد وقفت على أبيات معدودة بعشرين بيتا، نظمت من قبل أحمد بن فرح الإشبيلي، نظمها بأسلوب مشوق لحفظها، ميسر بعد توفيق الله أمرها، ضمنها (٢٨) ثمانية وعشرين نوعا من أنواع مصطلح الحديث، عني بها بعده جمع من العلماء، من حيث الحفظ والفهم والشرح، وقد شرحت من قبل بعض العلماء باختصار فيما يخص مصطلح الحديث، وتضمن الشرح الجانب الأدبي والبلاغي، وبيان ما فيها من المحسنات اللفظية، فشدتني الرغبة في شرح ما ضمت من أنواع مصطلح الحديث، شرحا فيه إضافة مفيدة، معرضا عما اعتنى به الشراح مما يتعلق بالحب والغرام، وما يتعلق بجانب المحسنات اللفظية، والعبارات الأدبية، وقد بدأته بهذه المقدمة، مضفيا زيادة بيان لم تكن فيما أذكر من الشروح التي وقفت عليها، ومضيفا ترجمة وافية للناظم في (١٤) أربعة عشرمبحثا، تلا ذلك إثبات نسبة المنظومة، كل ذلك وفق منهج علمي حديث، رجاء أن يكون هذا الجهد تبصرة للمبتدي وتذكرة للمنتهي، سائلا الله أن يجعله عملا متقبلا، ولا يحرمنا أجره إلى يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين. الشارح

стр. 13

ترجمة الناظم نسبه: شهاب الدين أبو العباس، أحمد بن فرح (١) بن أحمد، اللخمي الإشبيلي الشافعي، نزيل دمشق (٢). نسبته: اللخمي: نسبة إلى لخم قبيلة من اليمن نزلت الشام (٣)، الإشبيلي: نسبة إلى إلى اشبيلية، بلدة من بلاد الأندلس، تقع على نهر وادي الكبير، قريبة من البحر يطل عليها جبل الشرف، وقد كانت قاعدة ملك الأندلس، وبها كان بنوا عباد (٤)، الشافعي: نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي، نسبة إلى المذهب الفقهي. مولده: ولد بإشبيلية إحدى مدن الأندلس الإسلامية، سنة (٦٢٤) أربع وعشرين وستمائة من الهجرة، وقال ابن كثير سنة (٦٢٥) (٥).

стр. 14

نشأته: نشأ بمسقط رأسه إلى أن أسره الفرنج (الإسبان) سنة (٦٤٦) ست وأربعين وستمائة من الهجرة (١)، ولم نقف على مزيد من المعلومات في هذا الجانب. أول سماعه: الذي يظهر والله أعلم أن أول سماع ابن فرح العلم كان سنة بضع وخمسين وستمائة من الهجرة، بعد نجاته من الأسر، في أول رحلة له إلى مصر، حيث تفقه على العز بن عبد السلام وغيره (٢). رحلاته: بعد أن تخلص من الأسر، ورد الديار المصرية، سنة بضع وخمسين وستمائة من الهجرة، وهي أول رحلة له، فسمع من شيخ الشيوخ في مصر شرف الدين عبد العزيز الأنصاري الحموي، ومن الإمام عز الدين بن عبد السلام وطبقتهما، ورحل إلى دمشق، ونزل بالشامية البرانية، أكبر المدارس وأعظمها، وأكثرها فقهاء وأكثرها أوقافا (٣)، وسمع من أحمد بن عبد الدائم، وعمر الكرماني، وفراس العسقلاني، ووإبراهيم بن إسماعيل بن أبي اليسر، وخلق سواهم، واعتنى بالحديث، وأتقن ألفاظه ومعانيه حتى صار من الأئمة فيه، ورحل إلى مكة لأداء فريضة الحج (٤).

стр. 15

أشهر شيوخه: شرف الدين عبد العزيز الأنصاري الحموي، والإمام عز الدين بن عبد السلام، سمع منهما بمصر، وسمع من معين الدين أجمد بن زين الدين، وإسماعيل بن عزوز، والنجيب بن الصيقل، ومكي بن المسلم بن علان، وأحمد بن عبد الدائم وخلق (١). أشهر تلاميذه: الحافظ الذهبي فقد صرح في التذكرة أنه من شيوخه فقال: شيخنا الإمام العالم الحافظ شيخ المحدثين، وروى عنه قول علي بن أبي طالب ﵁: "لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله ﷺ وإذا حدثتكم فيما بيننا فإن الحرب خدعة" (٢) ونقل السبكي عن شيخه الذهبي قوله: أخذت عنه ونعم الشيخ (٣)، والحافظان: شرف الدين أحمد بن محمد الدمياطي، وعيسى بن أحمد اليونيني، وقد سمعا عليه منظومته هذه، وسمع منه البرزالي، وعثمان بن بلبان المقاتلي، وأبو محمد بن أبي الوليد (٤). ما وقع له من البلاء: لقد كانت حروب التتار في المشرق، والفرنج في المغرب بلاء عظيما على المسلمين، نالهم فيها من الذل والهوان، ما الله به عليم، ويشبهه ما يقع للمسلمين اليوم في كثير من البلدان، قال الذهبي تلميذ الناظم: بقي في أسر

стр. 16

الفرنج مدة ثم خلصه الله (١)، وقد جاء ما يفيد بأن مقدار هذه المدة بضع عشرة سنة، إذ وقع في الأسر سنة (٦٤٦) ست وأربعين وستمائة من الهجرة، إلى بضع وخمسين وستمائة، فيكون مكثه في الأسر على أقل تقدير (٨) ثمان سنوات، وقد أسر في بلده وعمره (١٧) سبع عشرة سنه (٢). ثناء العلماء عليه: يقول تلميذه الحافظ الذهبي: شيخنا الإمام العالم، الحافظ الزاهد، شيخ المحدثين، كان إماما متقنا، عارفا الفقه كثير الإفادة، عني بهذا، على هذا الشأن، ثم أقبل على تقييد الألفاظ، وفهم المتون ومذاهب العلماء، وكانت له حلقة إقراء للحديث وفنونه، حضرت مجالسه، نعم الشيخ كان، علما وفضلا ووقارا، واستحضارا وثقة وصدقا وتعففا وقصدا، له أشغال بجامع دمشق يقرئ الفقه والحديث (٣)، ووصفه تلميذ تلميذه أبو نصر عبد الوهاب السبكي بالإمامة والحفظ والزهد، وكان من كبار أئمة هذا الشأن، وممن يجري فيه وهو طلق اللسان (٤). صفاته: يقول الذهبي: كان مهيبا مديد القامة، متزهدا عابدا صالحا، حسن

стр. 17

السمت يلبس زي الصوفية، وكان فيه ديانة وورع وصيانة (١). عقيدته: لم نقف على ما يثلب عقيدته ﵀ وقد أثنى عليه الحافظ الذهبي وهو تلميذه ومن أعرف الناس به، ولو ظهر له ما يقدح في عقيدته لذكره وما سكت عنه، بل ولا أخذ عنه، وأثنى عليه الحافظ ابن كثير رحمة الله علينا وعليه، فهو محمول على السلامة في ذلك، وما ذكر عنه من التزي بزي الصوفية يحمل على السلامة من الغلو ما لم يثبت خلاف ذلك. ثقافته: نال الإمامة في الحديث، إذ شهد له بهذا أئمة معتبرون، وقد عرضت عليه مشيخة دار النورية، وعده الحافظ ابن كثير في طبقات الفقهاء من الشافعية كل هذا، مع ما ذكر العلماء من أوصافه والثناء عليه، ينبئ عن ثقافة له واسعة في علوم شتى منها - على وجه الوثوق ـ: السنة وعلومها، والفقه وأصوله، واللغة وعلومها، وقد بان ذلك بجلاء في منظومته البديعة السبك في اللفظ والمعنى (٢). مكانته الاجتماعية: إن من تعرض عليه رئاسة دور العلم، ويوصف بالإمامة والحفظ والعبادة والزهد والورع، ويكون الواصفون له أئمة عاصروه وعرفوا أمره لحري أن

стр. 18

يشار إليه بالبنان، وأن يسير بعلمه الركبان، فضلا عن إحاطة مجتمعه بمكانته بينهم، فلم يكن شخصا عاديا بينهم، بل كان مشهورا بالعلم والدين والعبادة والورع، ومعلوم أن العلماء رؤوس الناس ومحط أنظارهم، فكيف بمن جلس لإقراء الحديث والفقه في جامع دمشق في أول النهار من كل يوم، وعرض عليه جهات (١) كثيرة فيعرض عنها، كما ذكر ابن كثير، وابن تغري بردي (٢). مؤلفاته: لم نقف على كم من مؤلفات هذا الإمام سوى هذا النظم (قصيدة في أصول الحديث)، وشرح الأربعين النووية، ومختصر خلافيات البيهقي (٣)، ويقول ابن كثير: له كتابة لكتب كبيرة وصغار، وله شعر جيد من ذلك: قصيدة نحو عشرين بيتا في أنواع الحديث (٤). وفاته: قال الحافظ الذهبي: انتقل إلى رحمة الله تعالى، حميدا مفيدا بمنزله في تربة أم الصالح مبطونا، في (٩/ ٦/٦٩٩) ليلة الأربعاء التاسع من جمادى الآخرة، سنة تسع وتسعين وستمائة من الهجرة (٥).

стр. 19

إثبات نسبة المنظومة ما من شك في نسبة هذه المنظومة اللطيفة، المؤثرة البليغة إلى قائلها الإمام ابن فرح الإشبيلي ﵀، وذلك للنقول التالية: قال السبكي (ت ٧٢٧ هـ) وهو تلميذ تلميذ الناظم بعد أن ترجم له وأورد القصيدة: وهذه القصيدة بليغة، جامعة لغالب أنواع الحديث (١) قال الحافظ ابن كثير: (ت ٧٧٤ هـ): له شعر جيد من ذلك: قصيدة نحو عشرين بيتا في أنواع الحديث، ونقل ابن العماد قول ابن ناصر الدين محمد بن أبي بكر (ت ٨٤٢ هـ) في التبيان (٢): ومن نظمه الرائق قصيدته التي أولها: غرامي صحيح والرجا فيك معضل، وقد حفظها جماعة، وعلى فهمها عولوا، وذكر منها أبياتا (٣) قال: وقد أنشدني القصيدة أحد الوعاظ، وأعجبت بما فيها من تورية الألفاظ، فرأيتها حينئذ قاصرة، ونظم على غرارها قصيدة استدرك فيها أنواعا لم تذكر فيها، وسماها "عقود الدرر في علوم الأثر" (٤) وذكر أن ابن جماعة نظم على غرارها أيضا، قال الحافظ ابن حجر: (ت ٨٥٢ هـ) في معرض كلامه عن محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز ابن جماعة الحموي: ونظم قصيدة على طريقة ابن فرح أودعها

стр. 20

علوم الحديث (١) وفي هذا نظر، لأنه شرح قصيدة ابن فرح، وليست له قدرة على محاكاة قصيدة ابن فرح لقول السخاوي (ت ٩٠٢ هـ): لم يرزق ملكة في الاختصار، ولا سعادة في حسن التصنيف، وكذا كان ينظم شعرا عجيبا، غالبه غير موزون، ولذا كان يخفيه كثيرا إلا عمن يختص به ممن لا يدري الوزن (٢)، وعن ابن فرح يقول يوسف بن تغري بردي: هو صاحب القصيدة المشتملة على صفات الحديث، ثم أورد منها ثمانية أبيات وقال: وهي أطول من ذلك (٣) وهذه المنظومة لاقت استحسان العلماء وعنايتهم، فتناول شرحها عدد كبير من العلماء من أقدمهم: محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة (٤)، نص عليه السخاوي في ترجمته، وعنوانه "زوال القرح بشرح منظومة ابن فرح" (٥)، وقاسم بن قطلو بغا

стр. 21

الحنفي (١)، ذكر شرحه حاجي خليفة (٢)، ولم يذكره السخاوي المعاصر له، وشرحه من المتأخرين: يحي بن عبد الرحمن القرافي الأصفهاني (٣)، وعلى شرحه وضع إبراهيم بن محمد بن أحمد بن خالد البرماوي (٤) حاشيته، ومحمد الأمير الكبير (٥)، وشروحهم من مصورات مركز خدمة السنة والسيرة النبوية عن مكتبة شيخنا حماد الأنصاري رحمة الله علينا وعليه، ومكتبة ابن أبي العباس المرسي الإسكندرية، والمحمودية بالمدينة، وشرحها أيضا السفاريني شمس الدين محمد بن أحمد بن سالم (ت ١١٨٨ هـ) (٦).

стр. 22

نقل ابن العماد قول ابن ناصر الدين في ذكره (١) وشرحها آخرون، منهم: الأمير الصغير له الشرح المليح على منظومة غرامي صحيح (٢) وأعرابي محمد (٣)، وبدر الدين محمد بن يوسف بن بدر الدين الحسني المغربي (ت ١٣٥٤ هـ) (٤)، والديمي محمد بن عثمان، والسفاريني، والعثماني ولي الدين، والعدوي محمد بن عبادة، وابن قدامة المقدسي (٥)، وتوجد جملة من الشروح المجهولة (٦) تصب في ميدان الاعتناء بمنظومة ابن فرح رحمة الله علينا وعليه.

стр. 23

القسم الثاني شرح المنظومة تمهيد: هذا أوان الشروع في شرح هذه المنظومة اللطيفة البديعة، وهي تقع في عشرين بيتا (١)، أخذ النصف الأول من شطر البيت الأول عنوانا لها وهو قوله: غرامي صحيح. ولعل ذلك من شراحها وليس من ناظمها، فمنهم من سماها بذلك، ومنهم من سماها القصيدة الغرامية، ومنهم من سماها منظومة ابن فرح الإشبيلي، واستحسنت تسميتها بالغرامية في مصطلح الحديث مبررا هذه التسمية بأن الناظم شغف بقواعد مصلح الحديث لكونها سلاح المحدث للذود عن سنة المصطفى ﷺ وصيانة كلامه من التزوير والتحوير، ويظهر من محتوى القصيدة أن الناظم لم يقصد الاستيعاب لجميع ما قرر النقاد في علم مصطلح الحديث، وكأنه أرادها لطيفة بديعة في لفظها ومعناها، إذ أوجد فيها من الجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظين لهما معنيان متناسبان، أحدهما قريب وهو غير مراد والثاني بعيد وهو المقصود في النظم، فجاءت سهلة سلسة رائقة، ولم يبدأها بمقدمة، وكأنه والله أعلم أراد الإيحاء بأن حاله من الولع والوله، يغني عن مقاله وتقدمته فقال رحمة الله علينا وعليه:

стр. 24

١ - غرامي صحيح والرجا فيك معضل ... وحزني ودمعي مرسل ومسلسل ٢ - وصبري عنكم يشهد العقل أنه ... ضعيف ومتروك وذلي أجمل ٣ - ولا حسنٌ إلا استماع حديثكم ... مشافهة يملى علي فأنقل ٤ - وأمري موقوف عليك وليس لي ... على أحد إلا عليك المعوّل ٥ - ولو كان مرفوعا إليك لكنت لي ... على رغم عذالي ترق وتعذل ٦ - وعذل عذولي منكر لا أسيغه ... وزور وتدليس يرد ويهمل ٧ - أقضي زماني فيك متصل الأسى ... ومنقطعا عما به أتوصل ٨ - وها أنا في أكفان هجرك مدرج ... تكلفني ما لا أطيق فأحمل ٩ - فأجريت دمعي فوق خدي مدبجا ... وما هي إلا مهجتي تتحلل ١٠ - فمتفق جفني وسهدي وعبرتي ... ومفترق صبري وقلبي المبلبل ١١ - ومؤتلف وجدي وشجوي ولوعتي ... ومختلف حظي وما منك آمل ١٢ - خذ الوجد عني مسندا ومعنعنا ... فغيري بموضوع الهوى يتحلل ١٣ - وذا نبذة من مبهم الحب فاعتبر ... وغامضة إن رمت شرحا أطول ١٤ - عزيز بكم صب ذليل لعزكم ... ومشهور أوصاف المحب التذلل ١٥ - غريب يقاسي البعد عنك وماله ... وحقك عن دار البلى متحول ١٦ - فرفقا بمقطوع الرسائل ماله ... إليك سبيل لا ولا عنك معدل ١٧ - ولا زلت في عز منيع ورفعة ... ولا زلت تعلو بالتجني فأنزل ١٨ - أوري بسعدى والرباب وزينب ... وأنت الذي تعنى وأنت المؤمل ١٩ - فخذ أولا من آخر ثم أولا ... من النصف منها فهو فيه مكمل ٢٠ - أبر إذا أقسمت أني بحبه ... أهيم وقلبي بالصبابة مشعل

стр. 25

البيت الأول: ١ - غرامي صحيح والرجا فيك معضل ... وحزني ودمعي مرسل ومسلسل ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت أربعة من أنواع الحديث: النوع الأول الصحيح: وهو: ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط، عن مثله إلى منتهاه، من عير شذوذ ولا علة. وهذا تعريف جامع مانع، خرجت به أضداده (١). العدل: المراد به الراوي المتصف بالعدالة. والعدالة: ملكة تمنع الراوي من اقتراف الكبائر، وتكسبه الاحتراز من الصغائر. والكبيرة: هي المعصية التي توجب الحد. والصغيرة: هي المعصية التي لا توجب الحد. وعلى هذا التعريف قال العلماء (٢): أصح الأسانيد مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وقالوا: أصحها الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر (٣)، وبنى الإمام صلاح الدين العلائي وغيره على ذلك، أن أجلها ما رواه أحمد، عن الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، لاتفاق أهل الحديث على جلالة هؤلاء، وهذه تسمى سلسلة الذهب (٤).

стр. 26

أقسام الصحيح: قال الحاكم رحمة الله علينا وعليه: الصحيح من الحديث عشرة أقسام: خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها. المتفق عليها: اختيار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح، وهو أن لا يذكر إلا ما رواه صحابي مشهور، عن رسول لله ﷺ ، له راويان ثقتان فأكثر، ثم يرويه عنه من أتباع الأتباع، الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط، والأحاديث المروية بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث. مثل الأول إلا أن راويه من الصحابة ليس له إلا راو واحد. مثل الأول إلا أن راويه من التابعين ليس له إلا راو واحد. الأحاديث الأفراد الغرائب التي رواها الثقات العدول. أحاديث جماعة من الأئمة، عن آبائهم، عن أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم بها إلا عنهم، كصحيفة عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده. وبهز بن حكيم، وإياس بن معاوية، عن أبيه، عن جده. وأجدادهم صحابة وأحفادهم ثقات، فهذه الأقسام الخمسة مخرجة في كتب الأئمة، الشيخين وغيرهما فيحتج بها (١)، والذي أراه أن هذا التقسيم يرجع إلى قسم واحد وهو الحديث المقبول.

стр. 27

أما الخمسة المختلف فيها فهي: المرسل، وأحاديث المدلسين إذا لم يذكروا سماعهم، وما أسنده ثقة وأرسله جماعة من الثقات، وروايات الثقات غير الحفاظ العارفين، وروايات المبتدعة إذا كانوا صادقين (١)، فالقسمان الأول والثاني ليس منهما شيء. والقسم الثالث: ما أسنده ثقة ... الخ، ففي الصحيحين عدة أحاديث اختلف في وصلها وإرسالها. والرابع: روايات الثقات ... الخ، ليس هو من قبيل المختلف فيه، فهو متفق على قبوله والاحتجاج به، إذا وجدت شرائط القبول، وليس يشترط في الراوي أن يكون حافظا، والخامس: روايات المبتدعة ... الخ، فنعم فيه الخلاف، ولكن وقعت في الصحيحين أحاديث عن جماعة من المبتدعة عرف صدقهم، واشتهرت معرفتهم بالحديث، فلم يطرحوا للبدعة (٢)، وهذه الأقسام تمثل قسما واحدا وهو المختلف في قبوله. ومن وجهة نظر أخرى قسم المحققون الحديث الصحيح إلى سبعة أقسام:

стр. 28

ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وهذا في نظرهم أعلى درجات الصحيح. ما انفرد به البخاري. ما انفرد به مسلم. ما كان على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه. ما كان على شرط البخاري ولم يخرجه. ما كان على شرط مسلم ولم يخرجه. ما لم يكن على شرطهما ولا واحد منهما، وصح عند أئمة الحديث. قال الحافظ ابن حجر رحمة الله علينا وعليه معقبا على هذا التقسيم: نعم قد يكون في هذا الجانب أيضا قوة من جهة أخرى، وهو أن المتن الذي تعددت طرقه أقوى من المتن الذي ليس له إلا طريق واحدة، فالذي يظهر من هذا أن لا يحكم لأحد الجانبين بحكم كلي. بل قد يكون ما اتفقا عليه من حديث صحابي واحد إذا لم يكن فردا غريبا أقوى مما أخرجه أحدهما من حديث صحابي غير الصحابي الذي أخرجه الآخر، وقد يكون العكس إذا كان ما اتفقا عليه من صحابي واحد فردا غريبا، فيكون ذلك أقوى منه. وهذه الأقسام التي ذكرها ابن الصلاح، للصحيح ما شية على قواعد الأئمة ومحققي النقاد، إلا أنها قد لا تطرد لأن الحديث الذي ينفرد به مسلم مثلا، إذا فرض مجيئه من طرق كثيرة حتى تبلغ التواتر أو الشهرة القوية، ويوافقه على تخريجه مشترطو الصحة مثل أن يقال فيه: إن ما انفرد البخاري بتخريجه إذا كان فردا ليس له إلا مخرج واحد أقوى من ذلك، فليحمل

стр. 29

إطلاق ما تقدم من تقسيمه على الأكثر (١)، وفي هذا لفتة من الحافظ إلى أن التقسيم المذكور غير مسلم مطلقا، لذلك قال تلميذه ابن قطلوبغا: قوة الحديث إنما هي بالنظر إلى رجاله، لا بالنظر إلى كونه في كتاب كذا. وعنه نقل ابن الحنبلي ولم يعترض. وقال بهذا الأمير الصنعاني، والشيخ أحمد شاكر (٢). فالقسم الأول: ما اتفق عليه البخاري ومسلم، لا يتحقق فيه أنه أعلى الصحيح بإطلاق، فالشيخان قد رويا من أحاديث صحيفة همام المشتملة على (١٤٢) حديثا اتفقا على (٢٣) حديثا منها، وليست هي من أعلى مراتب الصحيح، ومنها (٩٧) حديثا بسند واحد هو: عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة (٣)، اتفقا على (٢٣) وانفرد البخاري ب (١٦) وانفرد مسلم ب (٥٨) (٤). والقسم الثاني: ما انفرد به البخاري، يرد عليه أيضا: أن البخاري انفرد عن مسلم ب (١٦) حديثا من صحيفة همام نفسها وبالسند نفسه، فكيف يكون أقوى مما رواه مسلم من الصحيفة ذاتها وبنفس السند؟ ،

стр. 30

وملاحظة أخرى: إذا انفرد البخاري بحديث في سنده راو متكلم فيه، مثل حديث عبد الله بن المثنى عن عمه ثمامة بن عبد الله، تفرد البخاري بإخراج حديثه دون مسلم وفيه كلام (١)، وانفرد مسلم بحديث كل رجاله ثقات لا كلام فيهم، فكيف يكون ما انفرد به البخاري على هذه الصورة أصح مما انفرد به مسلم بنفس الوصف؟ . القسم الثالث: ما انفرد به مسلم، يرد عليه أن مسلما انفرد ب (٥٨) حديثا من الصحيفة نفسها، وسندها سند ما اتفق الشيخان عليه، وسند ما انفرد به البخاري عن مسلم فكيف، يكون ما انفرد به مسلم أقل صحة مما انفرد به البخاري والسند عندهما واحد؟ ، وملاحظة أخرى: أن جعل ما انفرد به مسلم في المرتبة الثالثة من الصحة فيه نظر، لأن مسلما قد ينفرد بالحديث وهو على شرطه من إمكان اللقاء وعدم التدليس، فهو صحيح عنده وغير صحيح عند البخاري، ومن وافقه ومشى على شرطه، فكيف يعد ما انفرد به مسلم في المرتبة الثالثة من الصحة، وهو غير صحيح عند البخاري بهذا الاعتبار؟ (٢).

стр. 31

النوع الثاني المعضل: لقب لنوع خاص من المنقطع: فكل معضل منقطع وليس كل منقطع معضلا. وهو: ما سقط من سنده راويان فأكثر، من أي موضع سواء سقط الصحابي والتابعي، أو التابعي وتابعه، أو اثنان قبلهما، بشرط أن يكون سقوطهما من موضع واحد. مثاله: قول مالك: بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (للمملوك طعامه وكسوته) (١)، فقد أعضله مالك باثنين: نافع وابن عمر. ومنه إذا روى تابع التابعي، عن التابعي حديثا موقوفا عليه وهو حديث متصل مسند إلى رسول الله ﷺ (٢). مثاله: حديث الأعمش، عن الشعبي "يقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا؟ فيقول: ما عملته. فيختم على فيه فتنطق جوارحه أو لسانه، فيقول لجوارحه: أبعد كن الله، ما خاصمت إلا في كن" أعضله الأعمش، وهو عن الشعبي متصل مسند، مخرج في الصحيح لمسلم (٣). وليعلم أنه لا يحكم على حديث بالإعضال إلا بشرطين:

стр. 32

١ - أن يرد مسندا متصلا إلى رسول الله ﷺ عمن وقفه عليه الراوي الأول. مثاله: رواية الأعمش السابقة، فإنه وقفها على الشعبي، وهي مسندة متصلة عن الشعبي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: (أتدرون مم ضحكت؟ ، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه يوم القيامة فيقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى - قال: فإني لا أجيز اليوم على نفسي إلا شاهدا مني - فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين عليك شهودا، فيختم على فيه ... ) (١)، قال ابن الصلاح رحمة الله علينا وعليه: هذا جيد حسن، لأن هذا الانقطاع بواحد مضموما إلى الوقف يشمل باثنين: الصحابي ورسول الله ﷺ فذلك باستحقاق اسم الإعضال أولى (٢). ٢ - جواز نسبة ذلك القول إلى التابعي الذي رواه، فلا يكون مما لا مجال للعقل فيه (٣). النوع الثالث المرسل: هذا نوع من علم الحديث صعب، قل من يهتدي إليه إلا المتبحر في هذا العلم، فإن مشايخ الحديث لم يختلفوا في أن الحديث المرسل هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي: قال رسول الله ﷺ (٤).

стр. 33

وهو: في اللغة: يجمع على مراسيل، مأخوذ من الإرسال: وهو الإطلاق كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١)، فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده بجميع رواته (٢). وفي الاصطلاح: ما رفعه تابعي كبير إلى رسول الله ﷺ (٣). مثاله: قول نافع: "نهى رسول الله ﷺ عن قتل الكلاب". وليعلم أن للعلماء ثلاثة أقوال في حكم العمل بالمرسل هي: القبول مطلقا، وهو محكي عن الإمامين: مالك وأبي حنيفة وجمهور أصحابهما، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵏ (٤). الرد مطلقا، وهو مذهب جمهور العلماء من المحدثين والفقهاء ﵏ (٥).

стр. 34

التحقيق: وهو مذهب الإمام الشافعي ومن قال بقوله ﵏، أن يعمل به إذا وجد له واحد من ثلاثة شروط هي: إذا ورد متصلا من غير طريق المرسل له، ومن قال: إن الاعتماد حينئذ يقع على المسند دون المرسل، يجاب بأنه بالمسند تتبين صحة الإسناد الذي فيه الإرسال، فيحكم له مع إرساله أنه إسناد صحيح تقوم به الحجة (١). إذا قواه مرسل غيره من غير طريقه. إذا قواه فعل صحابي أو قوله. إذا عمل بمقتضاه أو أفتى بموجبه جماهير من سلف الأمة (٢) - ورد من المرسل ما لم يتصف بشيء مما ذكرـ قال الذهبي رحمة الله علينا وعليه: إن المرسل إذا صح إلى تابعي كبير فهو حجة عند خلق من الفقهاء (٣). أما مرسل الصحابي فإنه يعمل به بلا خلاف، لثبوت العدالة للصحابة مطلقا (٤)، واحتمال رواية الصحابي عن التابعي احتمال ضعيف جدا فيصرف النظر عنه (٥).

стр. 35

النوع الرابع المسلسل: وهو: ما اتفق رواته على صفة أو حالة أو كيفية واحدة (١). مثاله: حديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (يا معاذ، إني أحبك فقل دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وحسن عبادتك) (٢) فقال كل من رواه للآخذ عنه: إني أحبك فقل ... وحديث أبي هريرة ﵁ "شبك بيدي أبو القاسم ﷺ " (٣) وحديث أنس ﵁ ... "وقبض رسول الله على لحيته" (٤) هذه الصفات المصاحبة لنص الحديث تناقلها الرواة كل يقول لصاحبه تلك المقولة، وفي هذا زيادة في ضبط الرواية وإتقانها (٥)، ومنه المسلسل بالمحمدين، أو بالبصريين، أو بالفقهاء، وأحسن المسلسلات ما كان بصيغة مشعرة باللقاء مثل: سمعت فلان، أو حدثني أو أخبرني، وأن يعم التسلسل جميع السند، وقد يكون في بعضه، كالمسلسل بالأولية،

стр. 36

مثاله: حديث (الراحمون يرحمهم الرحمن) (١)، إذ كان أول حديث سمعه الراوي من شيخه، وقد حصل فيه التسلسل إلى ابن عيينة فقط، وانقطع عمن فوقه، على الصحيح (٢). هذا الذي قدمناه بعض صوره الكثيرة، مثّل الحاكم لثمان منها، ومن صوره: ما يكون للرواية والتحمل، نحو سمعت فلانا قال: سمعت فلانا .. الخ، وما يكون صفة للرواة أو حالة لهم، نحو اللهم أعني على شكرك وذكرك .. الخ، وهي كثيرة لا تحصى (٣).

стр. 37

البيت الثاني: ٢ - وصبري عنكم يشهد (١) العقل أنه ... ضعيف ومتروك وذلي أجمل ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا نوعين: النوع الأول الضعيف: وهو: ما ليس بحسن - بمعنى لم تجتمع فيه صفات الحديث الحسن (٢) - وأنواعه كثيرة، أطنب فيها أبو حاتم بن حبان فأوصلها تسعة وأربعين نوعا (٤٩) (٣) وضابطها التعريف السابق. واصطلاح (ضعيف) لقب عام يشمل كل حديث مردود، مهما كان سبب رده، وأنه بالتالي يتنوع أنواعا كثيرة جدا، وذلك أننا إذا جعلنا اختلال كل شرط - من شروط القبول الستة (٤) - نوعا تحصّل معنا ستة أنواع، فإذا أضفنا إلى كل واحد من الستة اختلال باقي

стр. 38

الشروط بعده كانت الأنواع كثيرة جدا، لكن المحدثين لم يفردوا كل صورة بنوع خاص، لما في ذلك من التطويل الذي يوعر سبيل العلم، ولا يجدي ثمرة زائدة على المقصود، إنما صنفوها بحسب الأنواع الرئيسة، حيث إنها ضوابط كافية لتمييز المقبول من المردود، تندرج تحتها كافة الصور، كما أنها تبين إلى أي مستوى بلغ الضعف، هل هو هين يصلح للتقوية إن وجد العاضد، أو شديد لا يصلح، أو مكذوب مختلق جزما (١). النوع الثاني المتروك: وهو: ما تفرد بروايته متهم بالكذب. مثاله: حديث عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن الحارث الأعور، عن على. وهذا الإسناد مما قيل فيه: أوهى الأسانيد (٢)، وحديث الجارود بن يزيد النيسابوري. قال الذهبي: ومن بلاياه: عن بهز، عن أبيه عن جده أنه قال: "إذا قال لامرأته: أنت طالق إلى سنة إن شاء الله لا حنث عليه" (٣).

стр. 39

البيت الثالث: ٣ - ولا حسنٌ إلا استماع (١) حديثكم ... مشافهة يملى (٢) علي فأنقل (٣) ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا نوعين: النوع الأول الحسن: وله معنيان: ١ - معنى في اللغة وهو: ما تشتهيه النفس وتميل إليه. ٢ - معنى في الاصطلاح: وهو الحديث الذي اتصل سنده بنقل عدل خف ضبطه، غير شاذ ولا معلّ (٤)، وللحسن تعاريف ذكرها العلماء (٥)، هذا أخصرها وأدقها، لأنه ميز الحسن عن الضعيف، بالشروط التي تضمنها، ثم ميزه عن الصحيح بأنه قلّ ضبطه (٦). مثاله: رواية الإمام أحمد قال: حدثنا يحي بن سعيد، عن بهز بن حكيم، حدثني أبي، عن جدي قال: قلت: "يا رسول الله من أبر؟ ، قال: أمك.

стр. 40

قال: قلت: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: قلت: ثم من؟ قال: أمك، ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب" (١) ومعلوم أن الإمام أحمد، ويحي بن سعيد القطان إمامان جليلان، وبهز من أهل الصدق الصيانة، وثقه الأئمة ابن المديني، وابن معين، والنسائي وغيرهم، لكن استشكل العلماء بعض مروياته، وتكلم فيه شعبة بن الحجاج بسبب ذلك، ولم يسلبه صفة الضبط، لكنه أشعر بأنه خف ضبطه، وحكيم والد بهز قال النسائي: لا بأس به، ووثقه غيره، فيكون حديث بهز هذا حسنا لذاته كما حكم العلماء، بل هو من أعلى مراتب الحسن (٢). وليعلم أن ثمة تشابها كبيرا بين الحسن والصحيح، حتى إن طائفة من أهل الحديث جعلوا الحسن مندرجا في الصحيح، ولم يجعلوه نوعا منفردا، وهو الظاهر من كلام أبي عبد الله الحاكم في تصرفاته إذ قسم الحديث إلى صحيح وسقيم (٣)، لأن الحديث الذي يحتج به إما أن يكون في أعلى درجات القبول، وهو الصحيح، أو في أدناها وهو الحسن (٤). وليعلم أن مراتب الحسن متفاوتة، كما تفاوتت مراتب الصحيح، وذلك بحسب قرب راوي الحسن لذاته من الصحيح في ضبطه.
следующие страницы →