← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 36127

الغرامية في مصطلح الحديث

ابن فرح

Полный текст (112 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مثاله: حديث (الراحمون يرحمهم الرحمن) (١)، إذ كان أول حديث سمعه الراوي من شيخه، وقد حصل فيه التسلسل إلى ابن عيينة فقط، وانقطع عمن فوقه، على الصحيح (٢). هذا الذي قدمناه بعض صوره الكثيرة، مثّل الحاكم لثمان منها، ومن صوره: ما يكون للرواية والتحمل، نحو سمعت فلانا قال: سمعت فلانا .. الخ، وما يكون صفة للرواة أو حالة لهم، نحو اللهم أعني على شكرك وذكرك .. الخ، وهي كثيرة لا تحصى (٣).

стр. 37

البيت الثاني: ٢ - وصبري عنكم يشهد (١) العقل أنه ... ضعيف ومتروك وذلي أجمل ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا نوعين: النوع الأول الضعيف: وهو: ما ليس بحسن - بمعنى لم تجتمع فيه صفات الحديث الحسن (٢) - وأنواعه كثيرة، أطنب فيها أبو حاتم بن حبان فأوصلها تسعة وأربعين نوعا (٤٩) (٣) وضابطها التعريف السابق. واصطلاح (ضعيف) لقب عام يشمل كل حديث مردود، مهما كان سبب رده، وأنه بالتالي يتنوع أنواعا كثيرة جدا، وذلك أننا إذا جعلنا اختلال كل شرط - من شروط القبول الستة (٤) - نوعا تحصّل معنا ستة أنواع، فإذا أضفنا إلى كل واحد من الستة اختلال باقي

стр. 38

الشروط بعده كانت الأنواع كثيرة جدا، لكن المحدثين لم يفردوا كل صورة بنوع خاص، لما في ذلك من التطويل الذي يوعر سبيل العلم، ولا يجدي ثمرة زائدة على المقصود، إنما صنفوها بحسب الأنواع الرئيسة، حيث إنها ضوابط كافية لتمييز المقبول من المردود، تندرج تحتها كافة الصور، كما أنها تبين إلى أي مستوى بلغ الضعف، هل هو هين يصلح للتقوية إن وجد العاضد، أو شديد لا يصلح، أو مكذوب مختلق جزما (١). النوع الثاني المتروك: وهو: ما تفرد بروايته متهم بالكذب. مثاله: حديث عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن الحارث الأعور، عن على. وهذا الإسناد مما قيل فيه: أوهى الأسانيد (٢)، وحديث الجارود بن يزيد النيسابوري. قال الذهبي: ومن بلاياه: عن بهز، عن أبيه عن جده أنه قال: "إذا قال لامرأته: أنت طالق إلى سنة إن شاء الله لا حنث عليه" (٣).

стр. 39

البيت الثالث: ٣ - ولا حسنٌ إلا استماع (١) حديثكم ... مشافهة يملى (٢) علي فأنقل (٣) ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا نوعين: النوع الأول الحسن: وله معنيان: ١ - معنى في اللغة وهو: ما تشتهيه النفس وتميل إليه. ٢ - معنى في الاصطلاح: وهو الحديث الذي اتصل سنده بنقل عدل خف ضبطه، غير شاذ ولا معلّ (٤)، وللحسن تعاريف ذكرها العلماء (٥)، هذا أخصرها وأدقها، لأنه ميز الحسن عن الضعيف، بالشروط التي تضمنها، ثم ميزه عن الصحيح بأنه قلّ ضبطه (٦). مثاله: رواية الإمام أحمد قال: حدثنا يحي بن سعيد، عن بهز بن حكيم، حدثني أبي، عن جدي قال: قلت: "يا رسول الله من أبر؟ ، قال: أمك.

стр. 40

قال: قلت: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: قلت: ثم من؟ قال: أمك، ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب" (١) ومعلوم أن الإمام أحمد، ويحي بن سعيد القطان إمامان جليلان، وبهز من أهل الصدق الصيانة، وثقه الأئمة ابن المديني، وابن معين، والنسائي وغيرهم، لكن استشكل العلماء بعض مروياته، وتكلم فيه شعبة بن الحجاج بسبب ذلك، ولم يسلبه صفة الضبط، لكنه أشعر بأنه خف ضبطه، وحكيم والد بهز قال النسائي: لا بأس به، ووثقه غيره، فيكون حديث بهز هذا حسنا لذاته كما حكم العلماء، بل هو من أعلى مراتب الحسن (٢). وليعلم أن ثمة تشابها كبيرا بين الحسن والصحيح، حتى إن طائفة من أهل الحديث جعلوا الحسن مندرجا في الصحيح، ولم يجعلوه نوعا منفردا، وهو الظاهر من كلام أبي عبد الله الحاكم في تصرفاته إذ قسم الحديث إلى صحيح وسقيم (٣)، لأن الحديث الذي يحتج به إما أن يكون في أعلى درجات القبول، وهو الصحيح، أو في أدناها وهو الحسن (٤). وليعلم أن مراتب الحسن متفاوتة، كما تفاوتت مراتب الصحيح، وذلك بحسب قرب راوي الحسن لذاته من الصحيح في ضبطه.

стр. 41

ومن أمثلة تفاوت مراتب الحسن قول الذهبي: أعلى مراتب الحسن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ... وأمثال ذلك، وهو قسم متجاذب بين الصحة والحسن، فإن عدة من الحفاظ يصححون هذه الطرق، وينعتونها بأنها من أدنى مراتب الصحيح، وهو أعلى مراتب الحسن. ثم بعد ذلك ما اختلف في تحسينه وتضعيفه، له أمثلة كثيرة تنازع فيها العلماء، بعضهم يحسنونها، وآخرون يضعفونها كحديث الحارث بن عبد الله الأعور، وعاصم بن ضمرة، وحجاج بن أرطاة، وخصيف، ودراج، وغيرهم. وهكذا يتوسط الحديث الحسن بين منزلتي الصحة والضعف، وقد يكون أدنى إلى الصحة حينا، وهو الحسن لذته، وأدنى إلى الضعف حينا آخر، وهو الحسن لغيره (١)، وما ذكره الذهبي مثال للمرتبة العليا من مراتب الحسن، ومثال للدنيا منه، وبنيهما مراتب (٢). وليعلم أن العلماء رحمة الله علينا وعليهم اختلفوا في الاحتجاج بالحديث الحسن على ثلاثة أقوال كما ظهر لي: ١ - ذهب الفقهاء وأكثر العلماء من المحدثين والأصوليين إلى أن الحسن كالصحيح في الاحتجاج به.

стр. 42

٢ - شذ بعض أهل الحديث فرده (١). ٣ - وفصّل آخرون: قال الحافظ ابن حجر رحمة الله علينا وعليه: إن المصنف - ابن الصلاح - وغير واحد نقلوا الاتفاق على أن الحديث الحسن يحتج به كما يحتج بالصحيح، وإن كان دونه في المرتبة (٢)، لكنه ﵀ تساءل عن نوع الحسن الذي اتفقوا على الاحتجاج به، وذكر أنه ما ينزل على تعريف الخطابي، وهو رواية الصدوق المشهور بالأمانة ... إلى آخر كلامه، وهو الحسن لذاته، وليس الحسن المذكور عند الترمذي، الذي يطلقه من غير صفة أخرى، فإنه يطلق اسم الحسن على الضعيف، والمنقطع إذا اعتضد (٣)، فلا يتجه إطلاق الاتفاق على الاحتجاج به جميعه، ولا دعوى الصحة فيه إذا أتى من طرق، ولا ما هو أعم من ذلك (٤). ويؤيد هذا قول الخطيب: أجمع أهل العلم أن الخبرلا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به (٥)، وصرح أبو الحسن بن القطان بأن هذا القسم لا يحتج به كله، بل يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به في الأحكام، إلا إذا كثرت طرقه، أو عضده اتصال

стр. 43

عمل، أو موافقة شاهد صحيح، أو ظاهر القرآن (١) قال بعد أن ذكر هذا: وهذا حسن قوي رائق، ما أظن منصفا يأباه (٢)، ولا تزال مثل هذه الحال مثار اجتهاد العلماء وتحريهم، وموضع تخوفهم حتى عسر التعبير عن الحسن وضبطه على بعضهم، لأنه أمر نسبي، وشيء ينقدح في نفس الحافظ، وربما تقصر عبارته عن تبريره تفصيلا (٣) ولذلك تنوع تعبير الترمذي ﵀ في الحكم على الحديث الحسن فقال: حديث حسن، حديث صحيح، حديث حسن صحيح (٤)، حديث صحيح غريب، حديث حسن غريب، حديث حسن صحيح غريب، مقيدا أحيانا ... بقوله: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وللعلماء ﵏ في هذا أقوال: ١ - أنه أطلق الحسن باعتبار الطرق، قال الترمذي رحمة الله علينا وعليه: وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن، إنما أردنا به حسن إسناده عندنا، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحوه، فهو عندنا حديث حسن (٥).

стр. 44

٢ - استشكل العلماء قوله: حسن صحيح، لأن الحسن قاصر عن الصحيح، فكيف يجمع بين إثبات القصور وعدمه! أجاب عن هذا الحافظ ابن حجر فقال: محصل الجواب أن تردد أئمة الحديث في حال ناقله، اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحد الوصفين، فيقال فيه: حسن باعتبار وصفه عند قوم، صحيح باعتبار وصفه عند قوم، وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد، لأن حقه أن يقول: حسن أو صحيح (١). ٣ - وتوجيه آخر قاله ابن دقيق العيد أن يقال: حسن باعتبار الصفة الدنيا، وهي: الصدق مثلا، صحيح باعتبار الصفة العليا، وهي: الحفظ والإتقان (٢) فإذا لم يقيد فلابن الصلاح توجيه بأن ذلك باعتبار الطرق، فيكون حسنا باعتبار بعض الطرق، وصحيحا باعتبار طرق أخر (٣)، وذكر السيوطي توجيهين آخرين: أن المراد حسن لذاته، صحيح لغيره، أو حسن باعتبار إسناده، صحيح: أي أنه أصح شيء ورد في الباب، فإنه يقال: أصح ما ورد كذا، وأن كان حسنا أو ضعيفا، والمراد أرجحه أو أقله ضعفا (٤). وليعلم أن العلماء قالوا: ما قيل فيه: حسن الإسناد دون ما قيل فيه:

стр. 45

حسن، لأنه قد يكون فيه شذوذ أو علة (١) إذ المراد اتصال سنده، لا أنه مقطوع به في نفس الأمر (٢)، ومن عرف من حاله التفريق بين التقييد والإطلاق، يحكم له بمقتضى ذلك، ويحمل إطلاقه على الإسناد والمتن معا، وتقييده على الإسناد فقط، أما من عرف من حاله عدم التفريق حمل على أنه حكم له بالحسن (٣) وله أمثلة عند الحاكم في المستدرك، والحسن عنده داخل في مسمى الصحيح، كما يظهر من صنيعه في معرفة علوم الحديث.

стр. 46

النوع الثاني المشافهة: وهي: السماع من لفظ الشيخ. وفرّع عليها: القراءة على الشيخ، وأكثر المحدثين يسمونها عرضا، إذ أن القاري يعرض على الشيخ ما يقرؤه، كما يعرض القرآن على المقرئ، ولا خلاف أنها رواية صحيحة، إلا ما حكي عن بعض من لا يعتد بخلافه (١)، يعني ما ورد من خلاف أبي عاصم النبيل، كان لا يرى الرواية بالعرض (٢). وقد اختلف العلماء في أن السماع من لفظ الشيخ أعلى أو القراءة عليه، على ثلاثة أقوال: أن السماع من لفظ الشيخ أعلى المراتب في تحمل الحديث ونقله، وهذا هو الراجح وعليه جمهور أهل المشرق (٣) وهذا يتفق مع ما تقدم من أن السماع من لفظ الشيخ أرفع الأقسام، وعليه الجمهور ورجحه ابن الصلاح. أن القراءة على الشيخ أعلى، وهو قول أبي حنيفة، وسفيان الثوري، وابن أبي دئب، وشعبة ويحي بن سعيد القطان، وآخرين (٤). أنهما سواء، وهو مذهب معظم أهل الحجاز والكوفة، ومذهب مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة، ومذهب البخاري وغيرهم (٥).

стр. 47

وهذه المساواة إنما تكون إذا أقرّ الشيخ حالة القراءة بأنه حديثه، وصرّح بذلك، وهي محل الاتفاق في الاعتبار، فإن سكت ولم يقر ولم ينكر وهو مصغ إلى إخبار القارئ له، غير غافل عنه، وليس ثمّ ما يوجب سكوتا، من إكراه أو غفلة أو نعاس، فالصحيح الذي عليه الجمهور العمل بذلك والاعتداد به، وعلى قول الجمهور هي أنزل درجة من السماع من لفظ الشيخ، لما في السماع من لفظه من اليقظة والمتابعة الدقيقة والحذر من الغفلة، ولا شك في ذلك، ومحل الأقوال الثلاثة إنما هو الحالة الأولى، إذا أقرّ الشيخ، والأدق في الأداء أن يقول في هذه الحالة: قرأت على فلان أو قرئ على فلان وأنا أسمع فأقرّبه، ويليه في الرتبة ما يجوز من صيغ الأداء المستعملة في السماع من لفظ الشيخ، بشرط أن تكون مقيدة فيقول: حدثنا فلان قراءة عليه، أو حدثني قراءة عليه، وأخبرنا قراءة عليه، أو أخبرني قراءة عليه وهكذا، ووقع الخلاف في إطلاق هذه الصيغ بين المنع والجواز، وبعضهم منع إطلاق حدثنا وجوز أخبرنا، والفرق بينهما صار هو الشائع الغالب على أهل الحديث (١).

стр. 48

البيت الرابع ٤ - وأمري موقوف عليك وليس لي ... على أحد إلا عليك المعول. ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت نوعا واحدا وهو: الموقوف: وهو: ما أضيف إلى صحابي من قول أو فعل، اتصل سنده أو لم يتصل (١). وعليه فرّع الأثر: ويطلق على المروي، سواء كان عن رسول الله ﷺ ، أو عن الصحابي، وهو المذهب المختار، الذي قاله المحدثون وغيرهم، واصطلح عليه السلف وجماهير الخلف، وقال الفقهاء "الخراسانيون": هو ما يضاف إلى الصحابي موقوفا عليه (٢)، فالموقوف والمرفوع أخص من الأثر مطلقا، والأثر أعم مطلقا، ويسمى المحدث أثريا نسبة إلى الأثر، وما جاء عن التابعين فمن بعدهم، يذكر بقيد فيقول: وقفه مالك، أو الزهري، أو موقوف على الثوري، على الأوزاعي، على الشافعي ونحو ذلك (٣). وليعلم أن الحديث الموق لا يحكم بصحته مطلقا ولا بضعفه، بل مدار الحكم عليه من خلال ما يتوفر في رواته من العدالة والضبط مع بقية الشروط، ويعطى حينئذ الرتبة المستحقة، الصحة أو الحسن، أو الضعف

стр. 49

بأنواعه (١) وما صح من الأحاديث الموقوفة وكان مما لا مجال للرأي فيه وجب العمل به. مثاله (قول عبد الله بن مسعود ﵁: من أتى ساحرا أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) (٢). البيت الخامس: ٥ - ولو كان مرفوعا إليك لكنت لي ... على رغم عذالي ترق تعذل ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت نوعا واحدا وهو: المرفوع: مأخوذ من الرفعة والعلو، لمكان رسول الله ﷺ . وهو: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير. مثال القول: حديث (إنما الأعمال بالنيات) (٣) ونحوه. ومثال الفعل: (رجم النبي ﷺ ليهوديين زنيا) (٤) و (سجوده ﷺ للسهو) (٥)، ومثال التقرير: إقراره ﷺ خالد بن الوليد على أكل الضب (٦).

стр. 50

وليعلم أن العلماء رحمة الله علينا وعليهم جعلوا من المرفوع قول الصحابي: (كنا نفعل كذا) مما لا مجال للرأي فيه (١)، على القول بإطلاق الرفع، من غير تفريق فيه بين ما أضيف إلى زمن النبي ﷺ وما لم يضف، قال النووي رحمة الله علينا وعليه: وهو قوي من حيث المعنى (٢) واعتمده الإمامان: البخاري ومسلم في صحيحيهما، كما ذكر ذلك ابن حجر وقال: وأكثر منه البخاري (٣)، وكذا إذا قال: (من السنة كذا (٤)، أو أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا) فقد حكي الإجماع على أنه حديث مسند (٥). من أمثلة ذلك: ١ - قول ابن مسعود ﵁: (من أتى ساحر ا ... ) وقول أبي هريرة ﵁ لمن خرج من المسجد بعد الأذان: (أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ) (٦).

стр. 51

٢ - فعل علي ﵁ إذ صلى الكسوف بأكثر من ركوعين في الركعة الواحدة (١). واشترط الحافظ ابن حجر أن لا يكون الصحابي معروفا برواية الإسرائيليات، مثل: كعب الأحبار مثلا فإن له في روايته مصدرين: رسول الله ﷺ ، والنقل عن الكتب السابقة (٢). البيت السادس: ٦ - وعذل عذولي منكر لا أسيغه ... وزور (٣) وتدليس يرد (٤) ويهمل (٥) ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت نوعين: النوع الأول المنكر: وهو: ما انفرد به من لم يبلغ في الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده: مثاله حديث (كلوا البلح بالتمر، فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه

стр. 52

وقال: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق) (١). النوع الثاني التدليس: هو: كتم العيب في أي شيء. مأخوذ من الدَّلس: وهو الظلمة، شبه بها بجامع التغطية في كل (٢). وقد ظهر التدليس في عهد التابعين، ونما واستمر حتى نهاية عصر الرواية منتصف القرن الخامس الهجري، وبقي بعد ذلك صفة لدى البعض من الناس إلى يومنا هذا، وسيبقى ما بقي البحث والنظر وتداول العلم والمعرفة، وله مجال كبير في المعاملات على مستوى الأفراد والجماعات والدول، والذي يهمنا هنا ما يتعلق منه بالرواية (٣). أصناف المدلسين: صنف الحاكم رحمة الله علينا وعليه المدلسين إلى ستة أجناس: من دلس عن الثقات الذين تتفاوت رتبهم في التوثيق، إلا أنهم لو يخرجوا من عداد الذين تقبل أخبارهم. قوم يدلسون الحديث فيقولون: قال فلان فإذا جاء من يتتبع سماعاتهم ويلح في البحث ويراجعهم في ذلك ذكروا فيه سماعاتهم. قوم دلسوا على أقوام مجهولين لا يدرى من هم ومن أين هم.

стр. 53

قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين، غيروا أساميهم وكناهم كي لا يعرفوا. قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير، وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلسونه، إلا أن المتبحر في هذا العلم، يميز بين ما سمعوه وما دلسوه. قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع عال ولا نازل. الأئمة الذين دلسوا والذين تورعوا عن التدليس: قال الحاكم رحمة الله علينا وعليه: لم أستحسن ذكر أسامي من دلس من أئمة المسلمين صيانة للحديث ورواته، غير أني أدل على جملة يهتدي إليها الباحث عن الأئمة الذين دلسوا والذين تورعوا عن التدليس وهو: أن أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي، ليس التدليس من مذهبهم، وكذلك أهل خراسان والجبال وأصبهان، وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر، لا يعلم أحد من أئمتهم دلس. وأكثر المحدثين تدليسا أهل الكوفة، ونفر يسير من أهل البصرة. فأما مدينة السلام: بغداد فقد خرج منها جماعة من أهل الحديث، وهم سبع طبقات لم يذكر عن واحد منهم التدليس سوى أبي بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي الواسطي، فإن أخذ أحد من أهل بغداد التدليس فعن الباغندي وحده (١).

стр. 54

حكم رواية المدلس: خلاصة القول في هذا أن للعلماء ثلاثة أقوال: القبول مطلقا، وهو قول جمهور من قبل المرسل، فلم يجعلوا المدلس مثل الكذاب، ولم يروا صفة التدليس جرحا في العدالة، وغاية ما في الأمر أن يكون بمعنى الإرسال. الرد مطلقا، وهو قول لبعض أصحاب الحديث وبعض الفقهاء (١)، قالوا: (٢) إن التدليس جرح في المدلس، لإيهامه سماع ما لم يسمع (٣). التفصيل: قبول ما صرح فيه بالسماع، ورد ما سواه، وهذا هو الراجح المرتضى، إذ لا يزول الإيهام ولا يرتفع الإشكال إلا بلفظ صريح، كأن يقول: سمعت، وحدثني، وأخبرني، ونحو ذلك (٤). وبيانه: أن التدليس أخو الكذب والغش والخداع، وهو مناف لقول رسول الله ﷺ : (الدين النصيحة) (٥)، فهو غش للأمة، وقد قال ﷺ : (من غشنا فليس منا) (٦)، وهذا منصب على من فعل ذلك قاصدا إخفاء ما يقتضي رد الرواية، وهو في عمومه جرح إلا الذين عرف النقاد سيرتهم فيه وقبلوا عنعنتهم وهم:

стр. 55

- من كان لا يدلس إلا عن ثقة كسفيان بن عيينة، والثوري، والأعمش (١). - من لم يوصف بالتدليس إلا نادرا، كيحي بن سعيد القطان وسفيان الثوري، وهو قليل التدليس (٢). - من جاءت روايته: من طريق من خبر أمره، كعمل يحي القطان مع سفيان الثوري، وقول شعبة: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة (٣). أقسام التدليس؛ هو قسمان: - تدليس إسناد: وهو: أن يسقط اسمَ شيخه الذي سمع منه، ويرتقي إلى شيخ شيخه الذي عاصره، أو من فوقه سمع منه أو لم يسمع، ويسند ذلك إليه بلفظ لا يقتضي الاتصال، بل بلفظ موهم أنه سمع منه ذلك، كقوله: عن فلان، أو قال فلان (٤) وممن عرف به، بقية بن الوليد (٥). وهو أنواع: - تدليس الحذف: حذف الراوي لضعف أو لصغر سنه وهو تدليس التسوية: وهو حذف راو ضعيف بين ثقتين وهما الراوي عن الضعيف، وشيخ الضعيف، وشرط العلماء أن يكون الثقتان قد حصل بينهما

стр. 56

لقاء، وأول من سمى هذا النوع بالتسوية أبو الحسن بن القطان إذ عبر بقوله: سوّاه فلان، وسماه القدماء تجويدا قالوا: جوده فلان (١). سبب هذا التصرف المشين أمران: الأول: عدم إظهار ما يقتضي رد الرواية، بحذف الراوي الضعيف، وربط صيغة الأداء المروي بها عنه: سمعت أو حدثنا أو أخبرني، بالثقة شيخ الضعيف، فيستوي الإسناد كله ثقات. الثاني: طلب العلو، فإنه بإسقاط الراوي الضعيف؛ حصل على درجة في علو الإسناد، والواقع أنه نازل (٢)، وهذا أفحش أنواع التدليس مطلقا وشرها، وهو قادح في من تعمد فعله (٣). مثاله بحذف الضعيف: حديث (لا تحمدوا إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة رأيه) دلسه بقية فقال: حدثني أبو وهب الأسدي، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ مرفوعا. قال أبو حاتم رحمة الله علينا وعليه: هذا الحديث له علة قلّ من يفهمها، روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر ﵁، وعبيد الله بن عمرو كنيته أبو وهب، وهو أسدي، فكأن بقية كناه ونسبه إلى بني أسد لكيلا يفطن به، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدى له (٤).

стр. 57

ومثاله بحذف الراوي لصغر سنه: حديث (تحريم لحوم الحمر الأهلية) (١) رواه هشيم، عن يحي بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن عبد الله بن الحنفية، عن أبيه، عن علي ﵁، ويحي بن سعيد لم يسمعه من الزهري، بل عن مالك، عن الزهري، فأسقط هشيم مالكا لصغر سنه (٢). - تدليس العطف: وهو أن يروي عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا في الرواية عنه، ويكون قد سمع الحديث الذي دلسه من أحدهما دون الآخر، فيصرح بالسماع من الذي سمع منه، وبنية القطع يعطف الثاني الذي لم يسمع منه، فيوهم أنه سمع منه أيضا. مثاله: ما فعله هشيم مع تلاميذه إذ فطن لتواطئهم على عدم كتابة ما يدلسه لهم فقال: حدثني حصين ومغيرة، عن إبراهيم، فحدث بعده أحاديث فلما فرغ قال: هل دلست لكم شيئا؟ قالوا: لا. فقال: بلى كل ما حدثتكم عن حصين فهو سماعي، ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئا (٣). - تدليس القطع: وهو أن يقطع الراوي صيغة الأداء المشعرة بالسماع، كأن يقول: حدثني أو أخبرني، ثم يسكت برهة ينوي القطع، ثم يقول: فلان، ولا يصل الصيغة بالاسم. مثاله: قول عمر بن عبيد الطنافسي: حدثنا، ثم يسكت ينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂.

стр. 58

تدليس الشيوخ: وهو: أن يصف المدلس شيخه الذي سمع منه ذلك الحديث بما لا يعرف به. كذكره باسم أو كنية، أو لقب، أو ينسبه إلى شيء ما، من أجل تعمية السامع عن معرفته له. مثاله: قول أبي بكر بن مجاهد المقرئ: ثنا عبد الله بن أبي عبد الله. يريد به عبد الله بن أبي داود السجستاني (١). من أسباب تدليس الشيوخ: - كون المروي عنه ضعيفا: فيدلسه حتى لا تظهر روايته عن الضعفاء، وهو شرها. - إيهام كثرة الشيوخ: وهو: أن يروي عن الشيخ الواحد في مواضع، يعرّفه في موضع بصفة، وفي موضع بأخرى، يوهم أنه غيره. وممن فعل ذلك كثيرا الخطيب (٢) وهذا لا يقدح في المروي، وفعله إلى عدم الجواز أقرب، وإذا ثبت قصد التكثر فهو حرام، ويدخل في الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور (٣). - كون المروي عنه صغيرا: فإن كان لصغر سنه فيكون ذلك رواية عن مجهول، لا يجب قبول خبره حتى يعرف من روى عنه، وإن كان استصغره تكبرا، فلا يقدح في المروي، ومعلوم أن من استصغر غيره استكبر عليه.

стр. 59

- كونه أكبر لكن تأخرت وفاته: حتى شارك المدلس في الأخذ عنه من هو دونه، فحكمه كسابقه، لا يقدح (١)، ويعد ما تقدم من أنواع التدليس تدليسا مذموما متفاوتا في ذلك. أما الغير مذموم: فهو أن يكون سمع ممن دلسه وهو في نفس الأمر ثقة، كتدليس ابن عيينة (٢)، وغيره مما تقدم إيضاحه في حكم رواية المدلس. وليعلم: أن التدليس يدخل فيه المرسل من وجه، فكل مدلَّس مرسل ولا عكس، ويفارق المرسل بأن المدلَّس يوهم السماع، فاستحق فاعله الذم، وليس هذا في الإرسال (٣). البيت السابع: ٧ - أقضّي زماني فيك متصل الأسى ... ومنقطعا عما به أتوصل ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت نوعين: النوع الأول المتصل: ويقال: المؤتصل، والموصول، وهو أعم من المرفوع والموقوف، وهما أخص منه. وهو: ما اتصل سنده بسماع كل راو ممن فوقه إلى منتهاه، مرفوعا إلى رسول الله ﷺ ، أو الصحابي، حيث كان ذلك موقوفا عليه.

стр. 60

أما أقوال التابعين إذا اتصلت إليهم، فلا يسمونها متصلة، ويخرج بقيد الاتصال ما عده عند الإطلاق، أما مع التقييد فجائز (١). النوع الثاني المنقطع ويقال: المقطوع، ويجمع على مقاطيع ومقاطع، وقد عبر بالمقطوع عن المنقطع بعض الأئمة: كالشافعي، والطبراني، والحميدي، والدارقطني (٢). وهو: ما لم يتصل سنده، فهو أعم من المرسل والمعضل، وهما أخص منه. والمنقطع على ثلاثة أنواع: ١ - ما وقع فيه الانقطاع لجهالة رجل فأكثر. مثاله: حديث (اللهم إني أسألك الثبات في الأمر) رواه أبو العلاء بن عبد الله بن الشخير، عن رجلين من بني حنظلة، عن شداد بن أوس، فهذا حديث منقطع الإسناد، لجهالة الرجلين بين أبي العلاء وشداد (٣). ٢ - ما وقع فيه الانقطاع لراو لم يوقف على اسمه. يعتبر ما وقع فيه إبهام راو فأكثر منقطعا، ما لم يكشف من طريق أخرى. مثال ما كشف: حديث (يأتي على الناس زمان يخير الرجل بين العجز والفجور، فمن أدرك ذلك الزمان فليختر العجز على الفجور) (٤)، رواه

стр. 61

مبهم عن أبي هريرة، لكنه ورد مصرحا به في رواية أخرى، وهو أبو عمرو الجدلي، وهذا النوع من الانقطاع لا يقف عليه إلا الحافظ الفهم المتبحر في الصنعة، وله شواهد كثيرة (١). ٣ - ما وقع فيه الانقطاع لراو لم يسمع من الذي يروي عنه. مثاله: حديث (إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين) هذا الحديث لا يتأمل إسناده متأمل إلا عرف اتصاله، لكن الواقع أن فيه انقطاعا في موضعين: بين عبد الرزاق والثوري، وبين الثوري وأبي إسحاق (٢). وليعلم أن المنقطع يماثل المرسل في سبب الضعف وهو عدم الاتصال، ويفارقه في كون الانقطاع أو الإبهام يقع فيما بعد التابعي مثل: شعبة بن الحجاج، عن أنس بن ملك ﵁، أما الإرسال فقبل التابعي، مثل الحسن البصري، عن رسول الله ﷺ (٣)، وهما عند إطلاق الاسم متغايران عند أكثر المحدثين، وأما عند استعمال الفعل المشتق فيستعملون الإرسال فقط، فيقولون: أرسله فلان، سواء كان ذلك مرسلا أم منقطعا (٤).

стр. 62

البيت الثامن: ٨ - وها أنا في أكفان ثوبك مدرج ... تكلفني مالا أطيق فأحمل (١) ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت نوعا واحدا: المدرج: وهو: ما أدرج في الحديث من كلام بعض الرواة، متصلا به من غير فصل. مأخوذ من أدرجت الشيء في الشيء، إذا أدخلته فيه وضمنته إياه (٢). وهو قسمان: إدراج في المتن، وإدراج في الإسناد. ١ - الإدراج في المتن: ثلاثة أنواع: - ما أدرج في آخر الحديث: وهذا النوع يقع كثيرا من الرواة، بقصد البيان والتفسير. مثاله: الحديث الذي رواه ابن مسعود ﵁ في كيفية التشهد (٣)، أدرج فيه ابن مسعود ﵁ قوله: "إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد" ووصل هذا الإدراج بالحديث زهير بن معاوية أبو خيثمة (٤).

стр. 63

- ما أدرج في وسط الحديث: وهذا النوع أقل وقوعا من سابقه، وأكثر من لاحقه. مثاله: حديث بسرة بنت صفوان ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من مس ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ) وهم فيه عبد الحميد فرواه عن هشام هكذا، والمحفوظ أن ذلك من قول عروة، غير مرفوع، ورواه الثقات عن هشام من طريق أيوب بلفظ (من مس ذكره فليتوضأ) (١) قال أيوب: وكان عروة يقول: "إذا مس رفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ" فبين أن ذلك من قول عروة لا أنه من المرفوع (٢). - ما أدرج في أول الحديث: وهذا النوع أقل الثلاثة وقوعا. مثاله: قول أبي هريرة ﵁: "أسبغوا الوضوء" وهم أبو قطن عمرو بن الهيثم، وشبابة بن سوار في هذا، فرووه مرفوعا هكذا "أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار" (٣)، وهو من كلام أبي هريرة كما بينه جمهور الرواة عن شعبة، واقتصر بعضهم على الثانية (ويل للأعقاب من النار) فهو مثال للمدرج، قال الحافظ ابن حجر: وهو نادر جدا، وقال: وفتشت ما جمعه الخطيب في المدرج، ومقدار ما زدت عليه منه، فلم أجد له مثالا آخر إلا ما جاء في بعض طرق حديث بسرة (٤).

стр. 64

٢ - الإدراج في الإسناد: خمسة أنواع: - إدراج إسناد في إسناد: وهو أن يكون الحديث عند راويه بإسناد، إلا طرفا منه، فإنه عنده بإسناد آخر، فيجمع الراوي عنه طرفي الحديث بإسناد الطرف الأول، ولا يذكر إسناد طرفه الثاني. مثاله: حديث ابن مسعود ﵁ قلت: "يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ " رواه الترمذي من طريق ابن مهدي، عن الثوري، عن واصل الأحدب، ومنصور، والأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود (١)، فإن واصلا لا يذكر في روايته عمرا، بل يروي عن أبي وائل، عن ابن مسعود مباشرة، فذكر عمرو بن شرحبيل إدراج على رواية منصور والأعمش، ظهر هذا من رواية يحي بن سعيد القطان، عن الثوري بالإسنادين، وليس فيهما الإدراج المذكور، وقد ذكر البخاري رواية يحي القطان (٢). - إدراج بعض حديث في حديث آخر: وهو أن يكون الحديث عند أحد الرواة بإسناد، ولديه حديث آخر بغير ذلك الإسناد، فيأتي راو آخر ويروي عنه أحد الحديثين بإسناد أحدهما، ويدرج فيه الحديث الآخر من غير بيان.

стр. 65

مثاله: حديث (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا - ولا تنافسوا ــ) (١) رواه هكذا سعيد (٢) بن أبي مريم، عن مالك، عن الزهري، عن أنس ﵁ مرفوعا، فسعيد أدرج في الحديث عبارة "ولا تنافسوا" فإنها ليست من هذا الحديث، بل من حديث آخر رواه مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا) (٣). - إدراج حديث اختلف في إسناده في إسناد متفق عليه: وهو أن يروي بعض الرواة حديثا عن جماعة، وبينهم اختلاف في إسناده، فيجمع الكل على إسناد واحد من غير تمييز. - إدراج بما يشبه التدليس: وهو أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفا منه، فإنه لم يسمعه من شيخه فيه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه، فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل (٤).

стр. 66

مثاله: قصة العرنيين أن النبي ﷺ قال لهم: (لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من ألبانها وأبوالها) (١) رواها اسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس ﵁، فلفظة "وأبوالها" إنما سمعها حميد من قتادة عن أنس، علم هذا من رواية يزيد بن هارون، ومحمد بن أبي عدي، ومروان بن معاوية، وغيرهم، فلم يذكروا لفظة "وأبوالها". قال الحافظ: فرواية إسماعيل على هذا فيها إدراج وتسوية (٢)، ولم ير هذا الشيخ ربيع: لأن إسماعيل توبع في رواية هذه اللفظة، دون فصل، أي: لم يذكروا عن حميد قال قتادة: "وأبوالها" قال: وهذا مما يبعد إسماعيل بن جعفر عن وصمة التدليس والإدراج، والظاهر أن هذا من تصرف حميد فكان - والله أعلم - تارة يروي الحديث ولا يبين ما سمعه مباشرة - من أنس - مما سمعه بواسطة قتادة، وأخرى يبين ويفصل، فحدّث كل من أصحابه بما سمع (٣). - أن يقع كلام من المحدث بعد سياق سند لحديث: وهو أن لا يذكر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يعرض له ما يقطع صلة المتن بالإسناد، إذ يذكر كلاما بعد الإسناد يظنه بعض من سمعه متن ذلك الإسناد. مثاله: ما وقع في قصة ثابت بن موسى الزاهد مع شريك القاضي، وذلك أن شريك القاضي قال بعد روايته حديث (يعقد الشيطان على قافية رأس

стр. 67

أحدكم ثلاث عقد) (١): من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، أدرج هذا ثابت، ثم سرق هذا جماعة ضعفاء وحدثوا به عن شريك (٢)، ولذلك مثل به ابن الصلاح لشبه الوضع (٣). بم يعرف المدرج؟ : يستدل على اللفظة أو الكلام المدرج بمجيء رواية من طريق أو طرق أخر، فيها فصل بين نص الحديث والكلام المدرج، وتتقوى بأن يرويه بعض الرواة مقتصرا على إحدى الجملتين (٤). مثاله: حديث عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح) أخرجه الإمام أحمد من طريق روح بن عبادة، عن شعبة، عن قتادة، عن مطرف، عن عائشة (٥)، بينته روايته عن سليمان بن حرب، وعفان بن مسلم (٦) أن قوله: ... "وسجوده" سمعه شعبة من هشام، عن قتادة. وأوضحت رواية أحمد أيضا

стр. 68

من طريق بهز بن أسد، عن شعبة، عن قتادة عدم ذكرهذه اللفظة (١)، وهكذا رواه جماعة (٢)، عن شعبة مقتصرين على ذكر الركوع، موافقين رواية بهز في عدم ذكر السجود (٣). حكم الإدراج: ذكر العلماء الحكم على الإدراج بناء على السبب الداعي له فقالوا: - إن كان داعيه تفسير بعض الألفاظ الغريبة، لبيان حكم شرعي، أو استنباط حكم من اللفظ النبوي، ونحو ذلك فلا بأس به، قاله الزهري وغيره من الأئمة (٤). - إن فعله لغير هذه الدواعي حرام، ومن تعمد هذا فقد وقع في ضرب من الكذب والغش، تسقط عدالته، ويكون في عداد الكذابين (٥).

стр. 69

البيت التاسع ٩ - فأجريت دمعي فوق خدي مدبجا ... وما هي إلا مهجتي تتحلل ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت نوعا واحدا: المدبج: (١). وهو: أن يروي القرينان كل منهما عن الآخر، وهو أحد قسمي رواية الأقران: فالأول: أن ينفرد أحد القرينين عن لآخر. مثاله: رواية سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، ورواية سفيان بن سعيد الثوري، عن مسعر بن كدام الهلالي، من غير عكس، ولذلك لم يسم هذا القسم مدبجا، وفي رواية الأقران صنف أبو الشيخ عبد الله بن محمد الأصبهاني كتابا سماه "رواية الأقران" (٢). والثاني: المدبج فيه تبادل القرينان الرواية كل عن الآخر، مثاله: في الصحابة رواية أبي هريرة، وعائشة ﵄، وفي التابعين رواية محمد بن شهاب الزهري، وأبو الزبير محمد بن مسلم، وفي تابعي التابعين رواية مالك والأوزاعي، وفي أتباع الأتباع رواية أحمد بن حنبل، وعلى بن المديني كل عن الآخر.

стр. 70

البيت العاشر: ١٠ - فمتفق جفني وسهدي وعبرتي ... ومفترق صبري وقلبي المبلبل ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت نوعا واحدا: المتفق والمفترق: أهميته: هذا النوع من مصطلح الحديث مهم، ينبغي لطالب العلم الاهتمام به، فإنه يعظم الانتفاع به، وقد زل بسبب الجهل به جماعة، ويهم منه ما يكون مظنة الاشتباه، بسبب التعاصر أولاشتراك بعض الشيوخ، أو بعض الرواة (١)، فلا يظن الشخصان شخصا واحدا، فالمتفق عكس المهمل الذي يخشى منه أن يظن الواحد اثنين، وأول من صنف في المتفق والمفترق عبد الغني بن سعيد بن بشر الأزدي (٢)، ثم شيخه علي بن عمر الدارقطني (٣)، وكذلك الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، صنف فيه كتابه (المتفق والمفترق) (٤) ويقول الحافظ ابن حجر: إنه لخصه وزاد عليه أشياء كثيرة (٥).

стр. 71

تعريفه: هو ما اتفق في الرسم وافترق المسمى؛ وهو أقسام (١): - إن اتفقت أسماء الرواة واسماء آبائهم فصاعدا واختلفت أشخاصهم فهو: المتفق والمفترق. مثاله: في الأسماء، كالخليل، ومحمد. والأنساب، كالبصري، والمكي، ونحو ذلك، فالاسم متفق في الرسم، والمسميات مفترقة. - إن اتفقت الأسماء خطا واختلفت نطقا فهو: المؤتلف والمختلف. ويأتي الكلام عيه. - إن اتفقت الأسماء خطا ونطقا، واختلفت الآباء نطقا مع ائتلافهما خطا، أو العكس فهو: المتشابه. مثاله: في الأسماء: محمد بن عقيل بفتح العين مكبرا، ومحمد بن عقيل مصغرا، الأول نيسابوري والثاني فريابي، وهما مشهوران وطبقتهما متقاربة ومثاله: في الآباء: شريح بن النعمان، وسريج بن النعمان، الأول بالشين المعجمة، والحاء المهملة وهو تابعي يروي عن علي ﵁، والثاني بالسين المهملة، والجيم المعجمة وهو من شيوخ البخاري. - إن وقع الاتفاق في الاسم واسم الأب، والاختلاف في النسبة فهو: متشابه أيضا.

стр. 72

وقد صنف في هذا الخطيب البغدادي كتابا، سماه "تلخيص المتشابه" (١)، ثم ذيل عليه هو أيضا بما فاته أولا، وهو كثير الفائدة كما قال الحافظ ابن حجر ﵀. ويتركب من المتفق والمفترق، ومن المؤتلف والمختلف أنواع منها: - أن يحصل الاتفاق أو الاشتباه إلا في حرف أو حرفين، فأكثر من أحدهما أو منهما. وهو نوعان: ١ - أن يكون الاختلاف بالتغيير، وعدد الحروف ثابت في الجهتين. مثاله: محمد بن سنان، بكسر المهملة، ونونين بينهما لألف، وهم جماعة منهم: العوقي، بفتح العين والواو ثم القاف، هو شيخ البخاري، وجماعة آخرين منهم: محمد بن سيار، بفتح المهملة وتشديد الياء المثناة من تحت، بعد الألف راء، اليمامي شيخ عمر بن يونس، وآخرون كثير. ٢ - أن يكون الاختلاف بالتغيير مع نقصان عدد الحروف في بعض الأسماء عن بعض. مثاله: عبد الله بن زيد، جماعة منهم في الصحابة: صاحب الأذان، واسم جده عبد ربه، وراوي حديث الوضوء، واسم جده حفص وهما أنصاريان، ومنهم في التابعين: عبد الله بن يحي وهم جماعة، وعبد الله بن نجي، بضم النون وفتح الجيم وتشديد الياء، تابعي معروف، يروي عن علي ﵁.

стр. 73

- أن يحصل الاتفاق في الخط والنطق، لكن يحصل الاختلاف أو الاشتباه بالتقديم والتأخير. مثاله: الأسود بن يزيد، ويزيد بن الأسود، وهذا ظاهر. - أن يقع التقديم والتأخير في الاسم الواحد في بعض حروفه، بالنسبة إلى ما يشتبه به. مثاله: أيوب بن سيار، مدني مشهور ليس بالقوي، وأيوب بن يسار، مجهول. فهذه ثمان صور لمسمى المتفق والمفترق، منها صورة للمختلف والمؤتلف الآتي بيانه (١). البيت الحادي عشر: ١١ - ومؤتلف وجدي وشجوي ولوعتي ... ومختلف حظي وما فيك آمل ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت نوعا واحدا: المؤتلف والمختلف: أهميته: هذا النوع مهم في مصطلح الحديث، فأشد ما يقع التصحيف في الأسماء، كما قال علي بن المديني ﵀ (٢)، ومن لم يعرفه من المحدثين كثر عثاره (٣)، لأنه أمر لا يدخله القياس، ولا قبله أو بعده شيء يدل عليه، وقد

стр. 74

صنف فيه أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري ضمن كتابه (تصحيفات المحدثين) (١)، ثم أفرده بالتأليف عبد الغني بن سعيد الأزدي، فجمع فيه كتابين: كتابا في مشتبه الأسماء (٢)، وكتابا في مشتبه النسبة (٣)، وجمع شيخه الدارقطني في ذلك كتابا حافلا (٤)، ثم جمع الخطيب ذيلا (٥)، ثم جمع الجميع أبو نصر علي بن هبة الله بن علي، المعروف بابن ماكولا، في كتابه "الإكمال" (٦)، واستدرك عليهم في كتاب آخر (٧)، جمع فيه أوهامهم وبينها، وكتابه من أجمع ما جمع في ذلك، وهو عمدة كل محدث بعده، وقد استدرك عليه أبو بكر محمد بن عبد الغني، الشهير بابن نقطة، ما فاته أو تجدد بعده في مجلد ضخم (٨)، ثم ذيل عليه منصور بن سليم، في

стр. 75

مجلد لطيف (١)، وكذلك أبو حامد الصابوني (٢)، وجمع الذهبي في ذلك كتابا مختصرا جدا (٣)، اعتمد فيه على الضبط بالقلم، فكثر فيه الغلط والتصحيف المباين لموضوع الكتاب، وأوضحه الحافظ ابن حجر في كتابه "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه" وزاد عليه شيئا كثيرا مما أهمله الذهبي، أو لم يقف عليه، هذا ما قيده الحافظ ابن حجر رحمة الله علينا وعليه (٤). تعريفه: هو ما اتفق خطّا واختلف لفظا، سواء في الحروف أو الحركات. وهو قسمان: - ماله ضابط يعرف به: والسبب في ضبط هذا قلة أحد الطرفين، وقد يراد به العموم أو الخصوص مثاله في العموم: سلام بتشديد اللام، وسلام بالتخفيف، فإن كل ما ورد من ذلك فهو بالتشديد، سوى خمسة نفر على خلاف هم: من الصحابة سلام، والد عبد الله بن سلام الإسرائيلي، ومن التابعين سلام بن محمد بن سلام البيكندي، ومن الأتباع سلام بن محمد بن ناهض المقدسي، ومن المتأخرين سلام جد محمد بن عبد الوهاب بن سلام أبي علي الجبائي المعتزلي، وأمثلة ... (٥).
следующие страницы →