الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع) اتفقا عليه في الصحيحين (١)، فالمبلغون هم الذين جعلهم الله أركان هذه الشريعة، النقية الزاهرة والحجة الباهرة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، لولاهم لكانت ظاهرة، وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، تتحيز رأيا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث فإن الكتاب هديهم، والسنة حجتهم، والنبي ﷺ فيؤهم وإليه نسبتهم، فهم الجمهور العظيم، وسبيلهم الصراط المستقيم، وهم الذين لا يزالون على الحق ظاهرين، ولمن عاداهم وناوأهم قاهرين، قال رسول الله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي إلى الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة).
قال الإمام البخاري ﵀: يعني أهل الحديث (٢) وكلام الأئمة كثير في الترغيب في نقل ما ثبت عن رسول الله ﷺ ، وفي التحذير من الكذب عليه، فإن الكذب عليه مهلكة قال ﷺ : (من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار) إذا فالإسناد من أهم ما يعتني به طالب العلم، وهو من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، ومثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم، ومن
стр. 107
أراد الذب عن سنة رسول الله فسلاحه الإسناد، وطلب الإسناد العالي سنة صحيحة (١)، روى أنس ﵁ حديث الأعرابي:
"يا محمد أتانا رسولك فزعم" (٢) فقد طلب الأعرابي العلو وتجاوز الشخص الذي أخبره إلى رسول الله ﷺ وسأله، وقد ناله من مشقة السفر إلى رسول الله ﷺ ما ناله، قال العراقي: ولو كان طلب العلو في الإسناد غير مستحب لأنكر عليه سؤاله عما أخبر به رسوله، لأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه (٣).
أفضلية علو الإسناد:
لم يحك الحاكم ﵀ خلافا في تفضيل العلو، وقال: إنه سنة مسنونة، وقد رحل في طلب الإسناد العالي غير واحد من الصحابة (٤)، فالمقصود من الإسناد التوصل إلى صحة الحديث وبعد الوهم فيه، وكلما كثر رجال الإسناد تطرق إليه احتمال الخطأ والخلل (٥).
стр. 108
أفضلية التنزل:
حكى هذا بعض أهل النظر وقال: التنزل في الإسناد أفضل، لأنه يجب على الراوي أن يجتهد في متن الحديث وتأويله، وفي الناقل وتعديله، وكلما زاد الاجتهاد زاد صاحبه ثوابا، ورد هذا بأنه ضعيف، ضعيف الحجة، لأن كثرة المشقة ليست مطلوبة لنفسها، ومراعاة المعنى المقصود من الرواية وهو الصحة أولى، وهذا مثله مثل من يترك طريقا أقرب إلى المسجد، ويسلك آخر أطول طلبا لكثرة الخطى وإن أداه سلوكها إلى فوات الجماعة التي هي المقصود (١).
أقسام العلو في الإسناد: قسم العلماء العلو في الإسناد إلى خمسة أقسام، كلها مشروطة بصحة الإسناد.
١ - القرب من رسول الله ﷺ من حيث العدد بإسناد نظيف غير ضعيف، وهذا أجل أنواع العلو وأفضلها، وهو علو مطلق، ويعتبره بعض العلماء قربة إلى الله ، وآخر من كان في الدنيا بينه وبين رسول الله ﷺ ثمانية رجال ثقات هو محمد بن علي بن أحمد بن البخاري (٢)، ولا قيمة لعلو مع ضعف بعض الرواة، ولا يفرح به إلا العوام.
стр. 109
٢ - القرب إلى إمام من أئمة الحديث، وهو علو نسبي، وإن كثر العدد إلى النبي ﷺ أو لم يكن من أرباب الكتب الستة.
٣ - العلو المقيد بالنسبة إلى رواية الصحيحين أو أحدهما وبقية الكتب الستة، وهو علو نسبي أيضا فإن سند الحديث المروي من طريقها يكون أنزل مما روي من غير طريقها، وقد يكون عاليا مطلقا أيضا، مثاله: حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعا (يوم كلم الله موسى ﵇ كان عليه جبة من صوف) (١)، وهذا القسم اشتهر آخرا بالموافقات والأبدال والمساواة والمصافحة، وأقسام العلو الثلاثة مردها علو المسافة، وهو قلة العدد، وليعلم أن هذا النوع من العلو تابع لنزول في الغالب، إذ لولا نزول ذلك الإمام لم يعل الآخر في إسناده، وقد يحصل لكل منهما العلو كما في حديث ابن مسعود المتقدم.
٤ - علو تقدم الوفاة، مثاله ما يرويه الراوي من طريق البيهقي (ت ٤٥٨)، عن الحاكم أبي عبد الله، فإنه أعلى مما يرويه من طريق أبي بكر بن خلف (ت ٤٨٧)، عن الحاكم، وإن تساوى الإسنادان في العدد، لتقدم وفاة البيهقي على وفاة ابن خلف.
٥ - علو تقدم السماع، وبينه وبين سابقه تداخل، ومما يمتاز عنه ولا يدخل فيه: أن يسمع شخصان من شيخ واحد، وسماع أحدهما من ستين سنة مثلا، وسماع الآخر من أربعين سنة، فإذا تساوى السند إليهما في العدد،
стр. 110
فالإسناد إلى الأول الذي تقدم سماعه أعلى، وهذان القسمان الرابع والخامس مردهما إلى علو صفة في الراوي أو شيخه (١).
النوع الثاني الإسناد النازل:
النزول ضد العلو، وله مراتب لا يعرفها إلا أهل الصنعة، فلا يعرف بمطلق الضدية.
أقسام النزول:
النزول في الإسناد ينقسم إلى خمسة أقسام، فكل قسم من أقسام العلو السابقة ضده قسم من أقسام النزول، وهذا أمر واضح لا يلزم بيانه.
متى يطلب النزول ؟ :
ذم بعض العلماء النزول في الإسناد وقالوا: النزول شؤم، وهو قرحة في الوجه، وليس هذا على إطلاقه، بل يحمل على ما إذا لم يكن مع النزول ما يجبره، كزيادة الثقة في رجاله على العالي، أو كونهم أحفظ أو أفقه، أو كونه متصلا بالسماع، وفي العالي حضورا أو إجازة أو مناولة، أو تساهل بعض رواته في التحمل ونحو ذلك.
وليعلم أن النزول يكون مطلوبا وراجحا على العلو عند ما يكون رجال السند النازل أوثق أو أحفظ أو أفقه، فإن العدول حينئذ إلى النزول ليس بمذموم ولا مفضول، روى وكيع عن الأعمش أنه قال: أحب إليكم عن
стр. 111
أبي وائل، عن عبد الله، أو سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله؟ ، فقلنا الأعمش عن أبي وائل أقرب، فقال: الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة، فقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه، وقال ابن المبارك: ليس جودة الحديث قرب الإسناد، بل جودة الحديث صحة الرجال، وقال السلفي: الأصل على مذهب المحققين من النقلة الأخذ عن العلماء بنزولهم، أولى من العلو عن الجهلة، والنازل حينئذ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق (١).
الأبيات تمام العشرين:
١٨ - أوري بسعدى والرباب وزينب ... وأنت الذي تعنى وأنت المؤمل
١٩ - فخذ أولا من آخر ثم أولا ... من النصف منها فهو فيه مكمل
٢٠ - أبر إذا أقسمت أني بحبه ... أهيم وقلبي بالصبابة مشعل
استعمل ابن فرح رحمة الله علينا وعليه التورية في البيت الأول إشارة منه إلى استخدامه هذا اللون من علم البديع فورّى عن أنواع من علوم الحديث بصفات معشوق له، والتورية هي: إطلاق لفظ له معنيان قريب وبعيد، فيذكر القريب منهما ويراد البعيد.
стр. 112
وهذا تمهيد منه لما ورّى به في البيت الثالث، فقوله في البيت الثاني: فخذ أولا من آخر، أراد به الكلمة الأولى من البيت الآخر وهي: (أبر) بقطع النظر عن هيئته في النظم، وأراد بقوله: ثم أولا من النصف الكلمة الأولى من النصف الثاني من البيت وهي: "أهيم" وبقوله: فهو فيه مكمل أي: إنك إذا فعلت ذلك وضممت الكلمتين حصلت على اسم المحبوب وهو "إبراهيم" وقد أعظم ابن فرح التعمية في التورية، إذ ورّى بهذا الاسم؛ لأن الله تعالى وصف مسماه بقوله: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (١) فهذه المحبة التي اشتعل قلبه بها هي في عاقبتها برد وسلام، لأنها في طاعة الله وحب العمل بكتابه وسنة رسوله فورّى بذلك عن عاقبة أمره والله تعالى أعلم، والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
تم هذا الشرح الميسر قبيل أذان الفجر من يوم الأحد الخامس من شهر شوال لعام ١٤٢١ من الهجرة النبوية، بالمدينة النبوية على ساكنها الصلاة والسلام، عدد خلق الله وزنة عرشه ومداد كلماته ورضى نفسه، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش الكريم، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يكتب النفع والأجر والثواب لناظمه، ومن شرحه وكتبه، ولناشره وقارئه، إنه جواد كريم وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آلة وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.