← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 36127

الغرامية في مصطلح الحديث

ابن فرح

Полный текст (112 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تعريفه: هو ما اتفق في الرسم وافترق المسمى؛ وهو أقسام (١): - إن اتفقت أسماء الرواة واسماء آبائهم فصاعدا واختلفت أشخاصهم فهو: المتفق والمفترق. مثاله: في الأسماء، كالخليل، ومحمد. والأنساب، كالبصري، والمكي، ونحو ذلك، فالاسم متفق في الرسم، والمسميات مفترقة. - إن اتفقت الأسماء خطا واختلفت نطقا فهو: المؤتلف والمختلف. ويأتي الكلام عيه. - إن اتفقت الأسماء خطا ونطقا، واختلفت الآباء نطقا مع ائتلافهما خطا، أو العكس فهو: المتشابه. مثاله: في الأسماء: محمد بن عقيل بفتح العين مكبرا، ومحمد بن عقيل مصغرا، الأول نيسابوري والثاني فريابي، وهما مشهوران وطبقتهما متقاربة ومثاله: في الآباء: شريح بن النعمان، وسريج بن النعمان، الأول بالشين المعجمة، والحاء المهملة وهو تابعي يروي عن علي ﵁، والثاني بالسين المهملة، والجيم المعجمة وهو من شيوخ البخاري. - إن وقع الاتفاق في الاسم واسم الأب، والاختلاف في النسبة فهو: متشابه أيضا.

стр. 72

وقد صنف في هذا الخطيب البغدادي كتابا، سماه "تلخيص المتشابه" (١)، ثم ذيل عليه هو أيضا بما فاته أولا، وهو كثير الفائدة كما قال الحافظ ابن حجر ﵀. ويتركب من المتفق والمفترق، ومن المؤتلف والمختلف أنواع منها: - أن يحصل الاتفاق أو الاشتباه إلا في حرف أو حرفين، فأكثر من أحدهما أو منهما. وهو نوعان: ١ - أن يكون الاختلاف بالتغيير، وعدد الحروف ثابت في الجهتين. مثاله: محمد بن سنان، بكسر المهملة، ونونين بينهما لألف، وهم جماعة منهم: العوقي، بفتح العين والواو ثم القاف، هو شيخ البخاري، وجماعة آخرين منهم: محمد بن سيار، بفتح المهملة وتشديد الياء المثناة من تحت، بعد الألف راء، اليمامي شيخ عمر بن يونس، وآخرون كثير. ٢ - أن يكون الاختلاف بالتغيير مع نقصان عدد الحروف في بعض الأسماء عن بعض. مثاله: عبد الله بن زيد، جماعة منهم في الصحابة: صاحب الأذان، واسم جده عبد ربه، وراوي حديث الوضوء، واسم جده حفص وهما أنصاريان، ومنهم في التابعين: عبد الله بن يحي وهم جماعة، وعبد الله بن نجي، بضم النون وفتح الجيم وتشديد الياء، تابعي معروف، يروي عن علي ﵁.

стр. 73

- أن يحصل الاتفاق في الخط والنطق، لكن يحصل الاختلاف أو الاشتباه بالتقديم والتأخير. مثاله: الأسود بن يزيد، ويزيد بن الأسود، وهذا ظاهر. - أن يقع التقديم والتأخير في الاسم الواحد في بعض حروفه، بالنسبة إلى ما يشتبه به. مثاله: أيوب بن سيار، مدني مشهور ليس بالقوي، وأيوب بن يسار، مجهول. فهذه ثمان صور لمسمى المتفق والمفترق، منها صورة للمختلف والمؤتلف الآتي بيانه (١). البيت الحادي عشر: ١١ - ومؤتلف وجدي وشجوي ولوعتي ... ومختلف حظي وما فيك آمل ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت نوعا واحدا: المؤتلف والمختلف: أهميته: هذا النوع مهم في مصطلح الحديث، فأشد ما يقع التصحيف في الأسماء، كما قال علي بن المديني ﵀ (٢)، ومن لم يعرفه من المحدثين كثر عثاره (٣)، لأنه أمر لا يدخله القياس، ولا قبله أو بعده شيء يدل عليه، وقد

стр. 74

صنف فيه أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري ضمن كتابه (تصحيفات المحدثين) (١)، ثم أفرده بالتأليف عبد الغني بن سعيد الأزدي، فجمع فيه كتابين: كتابا في مشتبه الأسماء (٢)، وكتابا في مشتبه النسبة (٣)، وجمع شيخه الدارقطني في ذلك كتابا حافلا (٤)، ثم جمع الخطيب ذيلا (٥)، ثم جمع الجميع أبو نصر علي بن هبة الله بن علي، المعروف بابن ماكولا، في كتابه "الإكمال" (٦)، واستدرك عليهم في كتاب آخر (٧)، جمع فيه أوهامهم وبينها، وكتابه من أجمع ما جمع في ذلك، وهو عمدة كل محدث بعده، وقد استدرك عليه أبو بكر محمد بن عبد الغني، الشهير بابن نقطة، ما فاته أو تجدد بعده في مجلد ضخم (٨)، ثم ذيل عليه منصور بن سليم، في

стр. 75

مجلد لطيف (١)، وكذلك أبو حامد الصابوني (٢)، وجمع الذهبي في ذلك كتابا مختصرا جدا (٣)، اعتمد فيه على الضبط بالقلم، فكثر فيه الغلط والتصحيف المباين لموضوع الكتاب، وأوضحه الحافظ ابن حجر في كتابه "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه" وزاد عليه شيئا كثيرا مما أهمله الذهبي، أو لم يقف عليه، هذا ما قيده الحافظ ابن حجر رحمة الله علينا وعليه (٤). تعريفه: هو ما اتفق خطّا واختلف لفظا، سواء في الحروف أو الحركات. وهو قسمان: - ماله ضابط يعرف به: والسبب في ضبط هذا قلة أحد الطرفين، وقد يراد به العموم أو الخصوص مثاله في العموم: سلام بتشديد اللام، وسلام بالتخفيف، فإن كل ما ورد من ذلك فهو بالتشديد، سوى خمسة نفر على خلاف هم: من الصحابة سلام، والد عبد الله بن سلام الإسرائيلي، ومن التابعين سلام بن محمد بن سلام البيكندي، ومن الأتباع سلام بن محمد بن ناهض المقدسي، ومن المتأخرين سلام جد محمد بن عبد الوهاب بن سلام أبي علي الجبائي المعتزلي، وأمثلة ... (٥).

стр. 76

والمراد بالخصوص: كتاب أو كتب معينة كالصحيحين وحدهما، أو معهما الموطأ، فقد ضبط العلماء ما في الصحيحين. مثاله: بشار بالشين المعجمة، وسائر ما فيهما سواه (يسار) بالياء المثناة من تحت ثم سين مهملة. ومثال ما في الثلاثة: بشر، بالباء الموحده في أوله، ثم شين معجمة، بعدها راء مهملة، وبسر، بالسين المهملة، فإن سائر ما في الثلاثة هو (بشر) بالشين المعجمة، إلا أربعة بالباء الموحدة المضمومة ثم السين المهملة هم: بسر بن سعيد وبسر بن عبد الله، وبسر بن محجن الديلي، وبسر والد عبد الله بن بسر المزني (١) - ما ليس له ضابط: والسبب في انعدام الضابط لهذا النوع هو: كثرة المادة المتوفرة في الطرفين. مثاله: عقيل بالتكبير، وعقيل بالتصغير، وأسيد وأسيد، وأيضا حبان بفتح أوله، وحبان بالكسر، وحيان بالياء المثناة من تحت، والأولان بالباء الموحدة، ومثل هذا منتشر في أسماء الرواة، ولا ضابط في أكثره يرجع إليه، وإنما يضبط بالحفظ تفصيلا (٢).

стр. 77

البيت الثاني عشر: ١٢ - خذ الوجد عني مسندا ومعنعنا ... فغيري بموضوع الهوى يتحلل ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت ثلاثة أنواع: النوع الأول المسند: وهو: في اللغة: ما علا وارتفع من الأرض. وفي الاصطلاح: ما رفعه صحابي بسند ظاهره الاتصال. هذا تعريفه الجامع المانع، فإنه يخرج منه ما ليس بمرفوع، ويخرج ما رفعه التابعي لأنه مرسل، ويخرج من دون التابعي فإنه معضل أو معلق، ويخرج ما ظاهره الانقطاع، ويدخل ما فيه احتمال الاتصال، والانقطاع الخفي، كعنعنة المدلس، والمعاصر الذي لم يثبت لقيه، وهذا عمل الأئمة الذين خرجوا المسانيد (١). مثاله: قول الحاكم: ما حدثناه أبو عمرو عثمان بن أحمد السماك ببغداد، ثنا الحسن بن مكرم، ثنا عثمان بن عمر، أخبرنا يونس، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه (أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان عليه، في المسجد فارتفعت أصواتهما، حتى سمعه رسول الله ﷺ ، فخرج حتى كشف ستر حجرته فقال: يا كعب ضع من دينك هذا، وأشار إليه.

стр. 78

أي الشطر، فقال: نعم. فقضاه) (١). ثم بين ﵀ اتصاله، بسماع كل عن الآخر، وقال: وهذا مثل ضربته لألوف من الحديث، يستدل بهذا الحديث الواحد على جملتها، من رزق فهم هذا العلم (٢). ومثال ضده: قول الحاكم أيضا: ما حدثناه أبو عبد الله محمد بن علي الصنعاني بمكة، ثنا الحسن بن عبد الأعلى الصنعاني، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن محمد بن واسع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من أقال نادما أقاله الله نفسه يوم القيامة، ومن كشف عن مسلم كربة، كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) (٣)، وبين ﵀ عدم اتصال هذا السند، فقال: هذا إسناد من نظر فيه من غير أهل الصنعة لم يشك في صحته وسنده، وليس كذلك فإن معمر بن راشد ثقة مأمون ولم يسمع من محمد بن واسع، ومحمد بن واسع ثقة مأمون ولم يسمع من أبي صالح، ولهذا الحديث علة يطول شرحها، وهو مثل لألوف مثله، من الأحاديث التي لا يعرفها إلا أهل هذا العلم (٤).

стр. 79

النوع الثاني المعنعن: وهو: ما قيل فيه: فلان عن فلان، من غير تصريح بتحديث أو إخبار أو سماع. وهو متصل على رأي الجمهور، قال الحاكم: هي متصلة بإجماع أئمة أهل النقل، على تورع رواتها عن أنواع التدليس (١)، وهو الصحيح على ما تقدم بيانه في تعريف المسند، وقد شرط العلماء ثلاثة شروط، يجب توفرها في الرواة هي: العدالة، وثبوت التلاقي، والبراءة من التدليس، وذكر الحافظ العراقي شروطا أخرى للسمعاني الجد، وأبي عمرو الداني، وأبي الحسن القابسي، وقال: وهذا داخل فيما تقدم، وذكر أن مسلما اعترض على شرط اللقاء، - وهو مذهب الإمام البخاري، وشيخه علي بن المديني رحمة الله على الجميع - وقال: إنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه، وأن المعاصرة كافية، وهو ما سار عليه في كتابه الصحيح، واشتد ﵀ في الدفاع عن رأيه عدم اشتراط اللقاء، وشدد النكير على مخالفيه (٢)، وقال ابن الصلاح: وفيما قاله نظر (٣)، أي لأنهم كثيرا ما يرسلون عمن عاصروه ولم يلقوه، فاشترط لقيهما لتحمل العنعنة على السماع (٤)، وقد اختلف العلماء في المعني بكلام مسلم

стр. 80

هذا بين أن يكون أراد به البخاري أو علي بن المديني (١) رحمة الله على الجميع، وقد كتب فيه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة تتمة رجح فيها أن المعني بذلك الإمام على بن المديني (٢)، والذي أراه أن مسلما أراد الإمامين البخاري، وشيخه علي بن المديني، لأن هذا مذهبهما ويتجه نكير الإمام مسلم على البخاري باعتباره جعل ذلك أحد الشروط التي بنى عليها تأليف كتابه الصحيح، وربما اغتفر مسلم هذا للبخاري إذ لم يعمم هذا، وجعله قاصرا على ما رواه معنعنا في الصحيح، ولأن ما احتج به الإمام مسلم من أن أحاديث اتفق الأئمة على صحتها، ومع ذلك ما رويت إلا معنعنة، ولم يأت في خبر قط أن بعض رواتها لقي شيخه، لا يتم إلزام الإمام البخاري به إلا إذا روى في صحيحه حديثا معنعنا، ولم يثبت لقي راويه لشيخه فيه، ومن هنا اتجه شرط البخاري، وكان هو الأحوط (٣)، وبقي النكير ساريا في حق الإمام ابن المدينى للعموم عنده، وكما قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: رحمة الله تعالى على مسلم ومخالفيه، فكل منهما قصد الحفاظ على السنة المطهرة، فمسلم أراد الحفاظ عليها من أن يعطل شطر كبير منها، بالتشدد في شروط قبولها، فكان ذلك في نظره من باب التعنت على السنة والإلغاء لها، لا من

стр. 81

باب زيادة التثبت والاستيثاق من صحتها، فمن هنا اشتدت غضبة مسلم وقست لهجته، ومخالف الإمام مسلم أراد الحفاظ على السنة، بأن لا يحتج منها إلا بما ثبت بأحوط الطرق في ثبوتها (١)، ولذا كان هو رأي جمهور المتقدمين، قال النووي رحمة الله علينا وعليه: وهذا الذي صار إليه مسلم، قد أنكره المحققون، وقالوا: هذا الذي صار إليه ضعيف، والذي رده هو المختار، ووصف بأنه الأصوب الأقوى، وأنه المختار، وأنه أحوط (٢)، والحق أن الرأيين يلتقيان في مبدأ الذود عن السنة المطهرة، ولا غرابة فالإمامان البخاري ومسلم إماما هذا الفن بغير منازع، من عصرهما إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لذلك تلقت الأمة عملهما بالقبول (٣)، ولم يخرجوا أحاديث مسلم المعنعنة من دائرة الصحيح، وهم متفقون على أن ما في كتابه صحيح، وجمع مع كتاب البخاري في تسمية واحدة "الصحيحين" فجمهور المتقدمين على

стр. 82

ما قاله ابن المديني والبخاري، وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم، ويلتئم الشمل بأن مذهب البخاري وشيخه ومن شايعهما فيه حيطة، ومذهب مسلم ومن تبعه فيه سعة لقبول ما روي معنعنا من المتعاصرين، لإمكان اللقاء، وليعلم أن الخلاف بين الفريقين إنما هو في الحديث ... المعنعن، وبناء عليه رُجحت عنعنة البخاري على مسلم، وليعلم أن الأحاديث المعنعنة إذا سلم رواتها من التدليس فهي متصلة بإجماع أئمة أهل النقل، أما ما روي بنحو: حدثنا، وأخبرنا، وسمعت فرواية الشيخين فيه سواء في هذه القضية (١).

стр. 83

النوع الثالث الموضوع: وهو: القول المختلق على رسول الله ﷺ (١). رتبته في الضعيف: هو شر الأحاديث الضعيفة وأقبحها، لأنه مكذوب مختلق لا أصل له، في النسب إلى رسول الله ﷺ ، وقد ذكر من أنواع الضعيف وليس منه أصلا، تنزلا على زعم واضعه، وأيضا لتعرف طرقه التي يتوصل بها إلى معرفته فينفى عن القبول (٢). حكم روايته: حرام على من عرف حاله، إلا أن يبين أنه كذب. مادته: نوعان: - الأكثر أن تكون مادته مختلقة من خيال الراوي، منسوبة إلى رسول الله ﷺ زورا وبهتانا. مثاله: صنيع أعداء الإسلام من الزنادقة، والمنحرفين، والمبتدعين وغيرهم. - أن يستحسن الراوي كلاما، من الأمثال أو الحكم، أو القصص والحكايات، فيعمد إلى سند معروف ينتهي بذلك الكلام المستحسن (٣). مثاله: قولهم (المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء) إنما هو من كلام

стр. 84

الحارث بن كلدة من أطباء العرب القدامى. وكذلك قولهم: (من علم بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم) قيل: إنه من كلام عيسى ﵇ (١). بدايته: بدأ وضع الأخبار كذبا على رسول الله ﷺ في زمن التابعين، نما وكثر بعد ذلك حسب البواعث الداعية لاستخدامه، وقد كان اتساع الخلافات والتحزبات السياسية بعد قتل عثمان ﵁ بفترة مسرحا لاستخدام هذا النهج الهدام، لتأكيد الانتماءات، وتكريم من يريدون له الظهور بإضفاء هالة قدسية له، وبقدر ما كان الحذر من الكذب على رسول الله ﷺ في عهد الصابة وكبار التابعين، تورط أناس في ولوج هذا الخط المنحرف بدوافع وأسباب متعددة. أسبابه: لقد يسر الله لخدمة السنة وحمايتها رجالا عرفوا خباياها، وأحاطوا بمقاصدها حتى غدوا في علمهم بالسليم والسقيم أشبه بصيارفة الذهب والفضة في كشف ما هو زائف، فذكروا من أسباب هذا المسلك المشين أمورا منها: - استهداف الأمة الإسلامية في عقيدتها، وغشها في مبادئها وأخلاقها، فعل الزنادقة والمنافقين الذين أبطنوا العداوة لهذا الدين وأهلة من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، ومنهم المنحرفون والمبتدعون.

стр. 85

مثال هؤلاء: رأس القوم عبد الكريم بن أبي العوجاء الذي أعلن لما تقرر قتله في خلافة المهدي لزندقته، فصاح قائلا: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحرم فيها الحلال وأحل الحرام (١). - العصبية والانتصار للمذهب الفردي أو الجماعي، المستقى من البدع والأهواء، وما أكثر ما أحدث أصحاب هذا المنهج من الضلال والفتنة في الإسلام. مثاله: في الفردي ما وقع فيه عبد العزيز بن الحارث التيمي عندما سئل عن فتح مكة، أجاب أنه كان عنوة ولم يكن صلحا، فلما طولب بالبرهان ساق سندا إلى الزهري، أن الصحابة اختلفوا في فتح مكة أكان صلحا أم عنوة؟ فسألوا رسول الله فقال: كان عنوة. واعترف هو نفسه فيما بعد أنه وضع هذا انتصارا لما ذهب إليه (٢). مثاله: في الجماعي أن بعض فقهاء أصحاب الرأي استجاز نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله ﷺ ، نسبة قولية فيقول في ذلك: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة، لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ولا تليق بجزالة كلام سيد المرسلين ﷺ ، ولأنهم لا يقيمون لها سندا صحيحا، وهؤلاء يشملهم الوعيد في الكذب على رسول الله ﷺ ، وقد جرّ التعصب بعض رؤوس الفرق إلى

стр. 86

أن يحل لأتباعه شهادة الزور على الخصم، وادعى لنفسه الألوهية (١)، ومن الأسباب التقرب للولاة، ومنها التكسب، ومنها الترغيب في الخير، والانتصار للذات (٢)، وما أكثر ما كذب فيه أعداء السنة على رسول الله ﷺ ، فالزنادقة وحدهم وضعوا أربعة عشر ألف حديث زورا وبهتانا (٣)، وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤)، حفظ الكتاب من التبديل والتحريف، وقيض للسنة من عباده أعلاما منحهم الحفظ والذكاء، والفقه وقوة الملاحظة، من أمثال الإمام عبد الله بن المبارك، فإنه لما قيل له: هذه الأحاديث الموضوعة؟ ، قال: تعيش لها الجهابذة، وتلا الآية المذكورة، وقام الجهابذة بما لا مزيد عليه، عرفوا أعداء الإسلام، على اختلاف مللهم وعرفوا أساليب مكرهم، ووقفوا لهم بالمرصاد، وضيقوا على الأعداء الخناق، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وتم وضع علم الجرح والتعديل، ورسم قواعد النقد والضبط، وفق منهج في غاية الدقة والأمانة، وأخضع السند والمتن في كل ما يروى للبحث والنقد والتدقيق، فنتج عن

стр. 87

ذلك علم أصول الحديث، حتى أصبح الباحث في العلوم الأخرى يزن القضايا المسندة ويضبطها بقواعد أهل الحديث، فبتلك القواعد استقام الأمر للسنة المطهرة، وهاهي بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك (١). الطرق التي يكشف بها الحديث الموضوع: لقد برّز النقاد في البحث عن وسائل كشف الأخبار الموضوعة، وذلك بعد اعتراف الواضع نفسه، إما لتوبة منه، كما صنع أبو عصمة في اعترافه بوضعه أقوالا في فضائل القرآن، وإما إمعانا في الضلال كما صنع ابن أبي العوجاء، فأوجد النقاد طرقا عديدة من خلال دراسة الإسناد والمتن وسعة الاطلاع، وقوة الفهم، وحدة الذكاء، وبراعة فائقة في ملاحظة القرائن منها: - ملاحظة حال الراوي فقد يكون فيها ما يشهد بكذبه. مثاله: ما صدر من المأمون بن أحمد الهروي لما ذكر بحضرته الخلاف في كون الحسن البصري سمع من أبي هريرة أم لا: ساق في الحال سندا إلى النبي ﷺ أنه قال: سمع الحسن من أبي هريرة. ولما قيل له: ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخراسان؟ فأسند كذبا إلى رسول الله أنه قال: يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي (٢).

стр. 88

- ومن قبيل المتقدم ما وقع من بعض الرواة على ندرة تزلفا إلى الولاة والأمراء والأعيان. مثاله: قول غياث بن إبراهيم لمل دخل على الخليفة المهدي وكان يحب الحمام من الطيور: فساق حديثا إلى رسول الله ﷺ وزعم أنه قال: لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر "أو جناح" فزاد في الحديث كذبا قوله "أو جناح" فأدرك الخليفة، بماله من علم وبما حف حال الراوي من التزلف والمصانعة، أنه كذب فيما روى فقال بعد أن خرج: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله ﷺ ، قال ذلك بعد أن كافأه بعشرة آلاف، ثم أمر بذبح الحمام (١)، وكان الأولى معاقبة ذلك الراوي على جرأته ونفاقه على ملأ من الناس، هذا إن صحت القصة لأن المعروف عن المهدي التنكيل بالزنادقة وقد أنشأ ديوانا لمحاربتهم (٢). - ملاحظة حال النص المروي من وجوه: إذا كان مخالفا ومناقضا لنصوص الكتاب والسنة الصحيحة، أو الإجماع القطعي. إذا كان مخالفا للعقل والواقع، منا قضا للحس والمشاهدة، غير قابل لتأويل صحيح مطابق.

стр. 89

مثاله: قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المعروف بالغرائب: إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا، وصلت خلف المقام ركعتين. إذا ظهر عليه اللحن في القول والركة في المعنى، عند مقارنته بجوامع كلم رسول الله ﷺ ، فحاشا أن يكون من لفظه ﷺ ، ويعول على الركة في المعنى، لأن الجزالة من محاسن هذا الدين، أما اللحن فيحتمل أن الراوي روى المعنى بغير فصيح، ما لم يصرح بأنه من لفظ رسول الله ﷺ (١) لهذا قال العلماء: إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره (٢). إذا تضمن النص المروي وعيدا شديدا على أمر صغير، أو وعدا عظيما على أمر حقير. قد وقع القصاص في مثل هذا، بسبب استمالة قلوب العوام إليهم، بالغرائب إما وعظا كما فعل أبو عصمة نوح بن أبي مريم، أو تكسبا، كقصة ذلك القاص مع الإمامين أحمد بن حنبل ويحي بن معين، إذ صليا في مسجد الرصافة، فقام القاص وهو لا يعرفهما فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحي بن معين، وساق الإسناد إلى رسول الله أنه قال: من قال: لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان ... ، وسرد القاص كلاما في قصة طويلة تبلغ عشرين ورقة، فتعجب الإمامان أحمد ويحي من هذا القاص المفتري، وأخذ كل واحد منهما يسأل صاحبه،

стр. 90

أحدثت بهذا؟ ! ، فيجيب كل منهما صاحبه فيقول: والله ما سمعت بهذا إلا الساعة، فلما فرغ القاص من تزويره، قعد للناس يأخذ منهم ما يجودون به لقاء هذه الفرية العظيمة، وبينا هو جالس ينتظر المزيد أشار له يحي بن معين بيده تعال، فجاء متوهما عطاءا، لكنه فوجيء بالسؤال من يحي؟ من حدثك بهذا؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحي بن معين، أنا يحي بن معين وهذا أحمد بن حنبل، لم نسمع بهذا قط في حديث رسول الله ﷺ ! ! ، فمكر القاص وقال: لم أزل أسمع أن يحي بن معين أحمق، فما تحققت هذا إلا الساعة، كأن ليس فيها يحي بن معين وأحمد بن حنبل غيركما! ، وقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحي بن معين (١)، هذه نماذج مختصرة، والمتتبع لهذا الباب يجمع فيه أسبابا اخرى.

стр. 91

البيت الثالث عشر: ١٣ - وذا نبذة من مبهم الحب فاعتبر ... وغامضه (١) إن رمت شرحا أطول (٢) ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت نوعين النوع الأول المبهم: هو: ما لم يسم من رجال السند. فائدة العلم به: زوال الجهالة التي يردّ الخبر معها، حيث يكون الإبهام في أصل الإسناد، لأن شرط قبول الخبر عدالة الراوي، ولا تعرف إلا بكشف الإبهام (٣)، ولذلك نشط العلماء لبيان ما أبهم الرواة في رواياتهم، وممن ألف في ذلك الحافظ عبد الغني الأزدي، وأبو بكر الخطيب البغدادي، واختصر كتابه النووي، في كتابه الإشارات إلى المبهمات، ورتبه على الحروف، وأبو الفضل بن طاهر، وابن بشكوال في كتابه "الغوامض والمبهمات" بدون ترتيب وهو كتاب جامع، والعراقي في كتابه النفيس "المستفاد من مبهمات المتن والإسناد" رتبه على الأبواب، وابن حجر ذكر المبهمات التي وقعت في صحيح البخاري، واستوعبها استيعابا حسنا (٤).

стр. 92

وهو على أقسام منها: - ما قيل فيه: رجل أو امرأة، وهذا أشدها إبهاما. مثاله: حديث ابن عباس ﵁ "أن رجلا قال: يا رسول الله، الحج كل عام؟ " (١) وهذا الرجل هو الأقرع بن حابس ﵁، بينه ابن عباس ﵁ في رواية أخرى (٢)، وحديث أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ رأى حبلا ممدودا بين ساريتين في المسجد، فسأل عنه فقالوا: فلانة تصلي فإذا غلبت تعلقت به" (٣) قيل: إنها زينب بنت جحش ﵂ زوج رسول الله ﷺ وقيل: أختها حمنة بنت جحش ﵂، وقيل: ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ﵂، فإن كان المبهم الصحابي كأن يقول التابعي الثقة: "عن رجل من الصحابة" أو نحو ذلك فهو صحيح عند الجمهور القائلين: إن الصحابة كلهم عدول، وإن كان المبهم قبل الصحابي سواء أكان من التابعين أم من بعدهم، فلا يجوز الاستدلال به حتى يتبين حال المبهم ويعرف أنه ثقة (٤).

стр. 93

- ما أبهم بأن قيل فيه ابن فلان أو ابن الفلاني أو ابنة فلان أو نحو ذلك. مثاله: حديث أم عطية (ماتت إحدى بنات رسول الله ﷺ فقال: اغسلنها بماء وسدر) (١) هي زينب ﵂ زوجة أبي العاص بن الربيع، أكبر بناته ﷺ وإن كان قد قيل: أكبرهن رقية والله أعلم. ابن اللتبية: ذكر ابن حجر أن اسمه عبد الله (٢)، وهذه نسبة إلى بني لتب، بضم اللام وإسكان التاء المثناة من فوق، بطن من الأسد، بإسكان السين وهم الأزد، وقيل فيه: ابن الأتبية ولا صحة له. - العم والعمة: مثاله: رافع بن خديج، عن عمه في حديث المخابرة (٣) عمه هو: ظهير بن رافع الحارثي الأنصاري (٤)، عمة جابر بن عبد الله ﵁ التي جعلت تبكي أباه يوم أحد: اسمها فاطمة بنت عمرو بن حرام، وسماها الواقدي هندا والله أعلم.

стр. 94

- الزوج والزوجة: مثاله: حديث سبيعة الأسلمية ﵂ "أنها ولدت بعد وفاة زوجها بليال" (١) زوجها هو: سعد بن خولة ﵁ الذي رثى له رسول الله ﷺ أن مات بمكة، وكان بدريا. زوجة عبد الرحمن بن الزبير، بفتح الزاي، والتي زعمت أن ما معه كهدبة الثوب (٢)، وكانت تحت رفاعة بن سموأل القرظي فطلقها، اسمها: تميمة بنت وهيب، بفتح التاء، وقيل: بالضم، وقيل سهيمة، والله أعلم (٣)، وهذه الأنواع المذكرة من المبهمات التي تبين أمرها من روايات أخريات جائز الاستدلال بها، ما دامت مستوفية شروط الصحة أو الحسن (٤). النوع الثاني الاعتبار: هو: النظر في الراوي والمروي من حيث المتابعات والشواهد، وأمثلته غير خافيه، قال ابن حجر: هو هيئة التوصل إليهما (٥)، يعني المتابع والشاهد.

стр. 95

البيت الرابع عشر: ١٤ - عزيز بكم صب ذليل لعزكم ... ومشهور أوصاف المحب التذلل ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت نوعين: النوع الأول العزيز: هو: الحديث الذي لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين. وليس هذا شرطا لصحة الحديث. مثاله: ما رواه الشيخان: من حديث أبي هريرة ﵁ ومن حديث أنس ﵁ (١)، أن رسول الله ﷺ قال: ... (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) رواه عن أنس قتادة، وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن قتادة شعبة، وسعيد، ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن علية، وعبد الوارث، ورواه عن كل جماعة (٢). مأخذه: ذكر العلماء أنه مأخوذ إما من العزة، يعني قلة وجوده وندرته، من عز يعز بكسر العين في المضارع. وإما من عز يعز بفتح العين في المضارع، يعني صار قويا بمجيئه من طريق أخرى (٣) وكلا الأمرين متحقق فيه من حيث الندرة، والقوة.

стр. 96

النوع الثاني المشهور: هو: ماله طرق محصورة بأكثر من اثنين، وسمي مشهورا لانتشاره ووضوحه. مثاله: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة) فقد رواه سبعة عن أبي هريرة (١)، ويطلق على ما اشتهر على الألسنة مطلقا مما له إسناد، وما ليس له إسناد (٢)، وليعلم أن وصف الحديث بكونه مشهورا لا ينافي الصحة ولا الضعف، فقد يكون مشهورا صحيحا أو مشهورا ضعيفا (٣).

стр. 97

البيت الخامس عشر: ١٥ - غريب يقاسي البعد عنك وماله ... وحقك عن دار البلى متحول (١) ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت نوعا واحدا: الغريب: هو: ما انفرد بروايته شخص واحد، أو انفرد بزيادة في متنه أو إسناده. مثاله في الرواية: حديث (إنما الأعمال بالنيات) (٢) تفرد به عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله ﷺ لم يروه عنه غيره، وتفرد به عن عمر علقمة بن وقاص، وعن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي، وعن محمد يحي بن سعيد الأنصاري، ثم اشتهر عن يحي، ولذلك مثل به ابن الصلاح للمشهور، ولم يرضه العراقي لأن الشهرة طرأت عليه من عند يحى بن سعيد، وأول الإسناد فرد (٣) وكذلك حديث النهي عن بيع الولاء وهبته (٤)، فإنه لم يصح إلا من حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ (٥).

стр. 98

مثاله في الزيادة في السند: حديث أم زرع (١) رواه عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، وهذا هو المحفوظ، بزيادة عن أخيه عبد الله، وأخرجه الطبراني من طريقين عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، من غير ذكر الزيادة (٢). مثاله في الزيادة في المتن: حديث (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين) (٣) فقد تفرد الإمام مالك بزيادة "من المسلمين" (٤). وليعلم أن بين الغريب والفرد تطابقا من حيث مفهوم الغرابة والتفرد، لذلك استساغ بعض العلماء الحكم بترادف الغريب والفرد، لغة واصطلاحا وقالوا في المطلق والنسبي: تفرد به فلان أو أغرب به فلان، وهم يريدون به معنى واحدا، وهذا من حيث إطلاق الاسمية عليهما، لكن معظم المحدثين ذهب إلى التفريق بينهما من حديث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلق على الفرد المطلق الذي لم يقيد بقيد، والغريب أكثر ما يطلق على الفرد النسبي المقيد بالنسبة إلى شيء معين (٥)،

стр. 99

وليعلم أن وصف الحديث بكونه غريبا لا ينافي الصحة ولا الضعف، بل قد يكون غريبا صحيحا أو غريبا ضعيفا (١). أقسام الغريب: قسم الحاكم الغريب إلى ثلاثة أنواع: ١.غرائب الصحاح. مثاله: حديث جابر ﵁ "كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيه كدية ... " (٢) قال الحاكم: فهذا حديث صحيح، وقد تفرد به عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، وهو من غرائب الصحيح (٣)، وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: لما حاصر النبي ﷺ أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا فقال: (إنا قافلون إن شاء الله غدا) (٤) قال الحاكم: هو غريب صحيح، فإني لا أعلم أحدا حدث به عن عبد الله بن عمرو غير أبي العباس السائب بن فروخ الشاعر، ولا عنه غير عمرو بن دينار، ولا عنه غير سفيان بن عيينة، فهو غريب صحيح (٥).

стр. 100

٢ - غرائب الشيوخ. مثاله: حديث (لا يبع حاضر لباد) (١) قال الحاكم: هذا حديث غريب لمالك بن أنس، عن نافع، وهو إمام يجمع حديثه، تفرد به عنه الشافعي، وهو إمام مقدم، لا نعلم أحدا حدث به عنه غير الربيع بن سليمان، وهو ثقة مأمون (٢). ٣ - غرائب المتون. مثاله: حديث (إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ... ) (٣) قال الحاكم: هذا حديث غريب الإسناد والمتن، فكل ما روي فيه فهو من الخلاف على محمد بن سوقة، فأما ابن المنكدر عن جابر فليس يرويه غير محمد بن سوقة، وعنه أبو عقيل، وعنه خلاد بن يحي (٤). هذا تقسيم الحاكم ﵀ للغريب، وقال العراقي: قسمه ابن طاهر إلى خمسة أقسام (٥). قلت: لم يذكر العراقي تقسيم ابن طاهر، وذكر تقسيم أبي الفتح اليعمري قال الغريب على أقسام: ١ - غريب سندا ومتنا. مثاله: حديث (إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ... ) تقدم آنفا.

стр. 101

٢ - غريب متنا لا سندا. مثاله: لم يذكر له أبو الفتح مثالا لعدم وجوده (١). ٣ - غريب سندا لامتنا. مثاله: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (الأعمال بالنية) (٢) رواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد. قال أبو الفتح: هذا إسناد غريب كله والمتن صحيح، وقال الخليلي في الإرشاد: أخطأ فيه عبد المجيد، وهو غير محفوظ من حديث زيد بن أسلم بوجه، قال: فهذا مما أخطأ فيه الثقة عن الثقة (٣). ٤ - غريب بعض السند. مثاله: حديث أم زرع، أخرجه الطبراني (٤) من رواية عبد العزيز بن محمد الداروردي، ومن رواية عباد بن منصور فرقهما، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، والمحفوظ ما رواه عيسى بن يونس، عن هشام، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن عائشة، هكذا اتفق عليه الشيخان (٥)، كذا رواه مسلم من رواية سعيد بن سلمة بن أبي

стр. 102

الحسام، عن هشام بن عروة (١)، قال أبو الفتح: فهذه غرابة تخص موضعا من السند، والحديث صحيح. ٥ - غريب بعض المتن. مثاله: حديث أم زرع من رواية الطبراني، قال العراقي: لأن عبد العزيز وعبادا جعلا الحديث مرفوعا، وإنما المرفوع منه قوله ﷺ : (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) فهذه غرابة بعض المتن أيضا (٢) وكذلك حديث المستحاضة أخرجه النسائي وقال: لا أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث "وتوضئي" غير حماد بن زيد (٣). هذا وأنواع الغريب كثيرة، وإنما تضبط بنسبة التفرد فيه إلى شيء معين، قال الحاكم: فهذه الأنواع التي ذكرتها مثال لألوف من الحديث الذي يجري على مثالها وسنتها (٤)، وليعلم أن الفرد المطلق لا يجوز أن يتداخل مع الشاذ، لأنه لابد من توفر شرطين في الشاذ هما: التفرد والمخالفة، ولا يلزم في الفرد إلا مطلق التفرد، وكذلك الفرد النسبي "الغريب" لا يلزم فيه سوى ضرب من التفرد المقيد (٥).

стр. 103

البيت السادس عشر: ١٦ - فرفقا بمقطوع الرسائل ماله ... إليك سبيل لا ولا عنك معدل ذكر ابن فرح رحمة الله علينا وعليه في هذا البيت نوعا واحدا: المقطوع: وهو: ما أضيف إلى التابعين من أقوالهم وأفعالهم. وقد تقدم الكلام على المنقطع، وأن من العلماء من لم يفرق بين المقطوع والمنقطع، كالإمام الشافعي والطبراني، والمنقطع هو الذي لم يتصل إسناده، ولعل هذا الاستعمال كان قبل استقرار مصطلح أصول الحديث، فلما استقر الأمر في ذلك ثبت التفريق، وبه أخذ الناظم (١)، وليعلم أن المقطوع والموقوف مترادفان، ولا بد أن يخلوا من قرينة تدل على أن المروي له حكم الرفع إلى النبي ﷺ (٢). ومن أمثلة ذلك: قول عمر بن الخطاب ﵁: "إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال: إن سريرته حسنة" (٣)، وكذلك قول الحسن البصري: "أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس، ولا يشتروا

стр. 104

بآيات الله ثمنا قليلا" (١) ثم قرأ: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٢)، وليعلم أن المقطوع يقع عليه الوصفان، الصحة والضعف تبعا لحال إسناده ومتنه، ولا يلزم من صحته وجوب العمل به، إذا كان مجردا عن قرينة تدل على أن له حكم الرفع. البيت السابع عشر: ١٧ - ولا زلت في عز منيع ورفعة ... ولا زلت تعلو بالتجني فأنزل ذكر ابن فرح في هذا البيت نوعين: الأول الإسناد العالي: وهو: ما يعرف بالفهم، قل عدد الرواة فيه أو كثر. قال الحاكم: والعالي من الأسانيد التي تعرف بالفهم، لا بعدد الرجال غير هذا، فرب إسناد يزيد عدده عن السبعة والثمانية إلى العشرة وهو أعلى من ذلك، مثاله: حديث (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ... ) (٣).

стр. 105

أهمية الإسناد: الإسناد عموما من خصائص هذه الأمة، جعله الله صونا لقوائم الدين في السنة المطهرة، قال: رسول ﷺ : (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المطلين، وتأويل الجاهلين) (١) فالموصوفون في هذا الحديث هم الذين امتثلوا أمره ﷺ بالتبليغ عنه لمن بعدهم، وأنفذوا في ذلك أعمارهم، واستفرغوا جهدهم، وبادروا إلى ما رغّب فيه من ذلك الأمر الجسيم، حيث دعا لهم بالنضرة والنعيم، فقال ﷺ : (نضر الله امرءا سمع منا حديثا، فحفظه فبلغه غيره، فرب حامل فقه ليس بفقيه) (٢) وكفاهم هذا الدعاء شرفا، بوأهم الله من الجنة غرفا، ولقّاهم الفوز العظيم، قال رسول الله ﷺ : (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار) (٣) ومعلومة خطبة رسول الله ﷺ في حجة الوداع وفيها (ألا ليبلغ

стр. 106

الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع) اتفقا عليه في الصحيحين (١)، فالمبلغون هم الذين جعلهم الله أركان هذه الشريعة، النقية الزاهرة والحجة الباهرة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، لولاهم لكانت ظاهرة، وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، تتحيز رأيا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث فإن الكتاب هديهم، والسنة حجتهم، والنبي ﷺ فيؤهم وإليه نسبتهم، فهم الجمهور العظيم، وسبيلهم الصراط المستقيم، وهم الذين لا يزالون على الحق ظاهرين، ولمن عاداهم وناوأهم قاهرين، قال رسول الله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي إلى الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة). قال الإمام البخاري ﵀: يعني أهل الحديث (٢) وكلام الأئمة كثير في الترغيب في نقل ما ثبت عن رسول الله ﷺ ، وفي التحذير من الكذب عليه، فإن الكذب عليه مهلكة قال ﷺ : (من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار) إذا فالإسناد من أهم ما يعتني به طالب العلم، وهو من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، ومثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم، ومن

стр. 107

أراد الذب عن سنة رسول الله فسلاحه الإسناد، وطلب الإسناد العالي سنة صحيحة (١)، روى أنس ﵁ حديث الأعرابي: "يا محمد أتانا رسولك فزعم" (٢) فقد طلب الأعرابي العلو وتجاوز الشخص الذي أخبره إلى رسول الله ﷺ وسأله، وقد ناله من مشقة السفر إلى رسول الله ﷺ ما ناله، قال العراقي: ولو كان طلب العلو في الإسناد غير مستحب لأنكر عليه سؤاله عما أخبر به رسوله، لأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه (٣). أفضلية علو الإسناد: لم يحك الحاكم ﵀ خلافا في تفضيل العلو، وقال: إنه سنة مسنونة، وقد رحل في طلب الإسناد العالي غير واحد من الصحابة (٤)، فالمقصود من الإسناد التوصل إلى صحة الحديث وبعد الوهم فيه، وكلما كثر رجال الإسناد تطرق إليه احتمال الخطأ والخلل (٥).

стр. 108

أفضلية التنزل: حكى هذا بعض أهل النظر وقال: التنزل في الإسناد أفضل، لأنه يجب على الراوي أن يجتهد في متن الحديث وتأويله، وفي الناقل وتعديله، وكلما زاد الاجتهاد زاد صاحبه ثوابا، ورد هذا بأنه ضعيف، ضعيف الحجة، لأن كثرة المشقة ليست مطلوبة لنفسها، ومراعاة المعنى المقصود من الرواية وهو الصحة أولى، وهذا مثله مثل من يترك طريقا أقرب إلى المسجد، ويسلك آخر أطول طلبا لكثرة الخطى وإن أداه سلوكها إلى فوات الجماعة التي هي المقصود (١). أقسام العلو في الإسناد: قسم العلماء العلو في الإسناد إلى خمسة أقسام، كلها مشروطة بصحة الإسناد. ١ - القرب من رسول الله ﷺ من حيث العدد بإسناد نظيف غير ضعيف، وهذا أجل أنواع العلو وأفضلها، وهو علو مطلق، ويعتبره بعض العلماء قربة إلى الله ، وآخر من كان في الدنيا بينه وبين رسول الله ﷺ ثمانية رجال ثقات هو محمد بن علي بن أحمد بن البخاري (٢)، ولا قيمة لعلو مع ضعف بعض الرواة، ولا يفرح به إلا العوام.

стр. 109

٢ - القرب إلى إمام من أئمة الحديث، وهو علو نسبي، وإن كثر العدد إلى النبي ﷺ أو لم يكن من أرباب الكتب الستة. ٣ - العلو المقيد بالنسبة إلى رواية الصحيحين أو أحدهما وبقية الكتب الستة، وهو علو نسبي أيضا فإن سند الحديث المروي من طريقها يكون أنزل مما روي من غير طريقها، وقد يكون عاليا مطلقا أيضا، مثاله: حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعا (يوم كلم الله موسى ﵇ كان عليه جبة من صوف) (١)، وهذا القسم اشتهر آخرا بالموافقات والأبدال والمساواة والمصافحة، وأقسام العلو الثلاثة مردها علو المسافة، وهو قلة العدد، وليعلم أن هذا النوع من العلو تابع لنزول في الغالب، إذ لولا نزول ذلك الإمام لم يعل الآخر في إسناده، وقد يحصل لكل منهما العلو كما في حديث ابن مسعود المتقدم. ٤ - علو تقدم الوفاة، مثاله ما يرويه الراوي من طريق البيهقي (ت ٤٥٨)، عن الحاكم أبي عبد الله، فإنه أعلى مما يرويه من طريق أبي بكر بن خلف (ت ٤٨٧)، عن الحاكم، وإن تساوى الإسنادان في العدد، لتقدم وفاة البيهقي على وفاة ابن خلف. ٥ - علو تقدم السماع، وبينه وبين سابقه تداخل، ومما يمتاز عنه ولا يدخل فيه: أن يسمع شخصان من شيخ واحد، وسماع أحدهما من ستين سنة مثلا، وسماع الآخر من أربعين سنة، فإذا تساوى السند إليهما في العدد،

стр. 110

فالإسناد إلى الأول الذي تقدم سماعه أعلى، وهذان القسمان الرابع والخامس مردهما إلى علو صفة في الراوي أو شيخه (١). النوع الثاني الإسناد النازل: النزول ضد العلو، وله مراتب لا يعرفها إلا أهل الصنعة، فلا يعرف بمطلق الضدية. أقسام النزول: النزول في الإسناد ينقسم إلى خمسة أقسام، فكل قسم من أقسام العلو السابقة ضده قسم من أقسام النزول، وهذا أمر واضح لا يلزم بيانه. متى يطلب النزول ؟ : ذم بعض العلماء النزول في الإسناد وقالوا: النزول شؤم، وهو قرحة في الوجه، وليس هذا على إطلاقه، بل يحمل على ما إذا لم يكن مع النزول ما يجبره، كزيادة الثقة في رجاله على العالي، أو كونهم أحفظ أو أفقه، أو كونه متصلا بالسماع، وفي العالي حضورا أو إجازة أو مناولة، أو تساهل بعض رواته في التحمل ونحو ذلك. وليعلم أن النزول يكون مطلوبا وراجحا على العلو عند ما يكون رجال السند النازل أوثق أو أحفظ أو أفقه، فإن العدول حينئذ إلى النزول ليس بمذموم ولا مفضول، روى وكيع عن الأعمش أنه قال: أحب إليكم عن
следующие страницы →