Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وعند كثير من النحاة أنه لا يحذف هكذا ابتداءً، وإنما يعمل في الضمير ثم يحذف، يعمل في الضمير، تقول: ضربته ثم تحذفه، ولكن نقول ابتداءً، يجب ألا يتصل به قبل أن يتصل به ثم نحذفه؛ لأن هذا من باب التكلف، إذاً إذا كان الأول يفتقر إلى ضمير منصوب نقول: الزم حذفه، وتقول: مررت ومر بي زيدٌ، ولا تضمر فتقول: مررت به ومر بي زيد؛ لأن الأول مررت يفتقر إلى مفعول به في المعنى يتعدى إليه بحرف جر، هذا الذي يفتقر إليه، فالأصل أن تقول: مررت به ومر بي زيدٌ؛ لأنك أعملت الثاني، مر بي زيدٌ، زيد فاعل، فتحتاج أن تضمر في الأول فتقول: مررت به، لكن نقول: وجب حذفه لأنه فضلة، كذلك لا يقال: ضربته وضربني زيدٌ، يجب حذفه لماذا يجب حذفه؟
قالوا: لأن القاعدة أنه لا يجوز عود الضمير على متأخرٍ لفظاً ورتبةً، وإنما استثنينا الفاعل لأنه عمدة، والضرورة تقدر بقدرها، فحينئذٍ يستثنى الفاعل ويبقى ما عداه على الأصل، إذاً: وافقوا الكسائي وغيره، وافقوا الكوفيين هنا؛ لأن الضمير عاد على متأخر، ضربته يعود على زيد، هذا ممنوع، لكن: يُحْسِنَانِ وَيُسِيءُ ابْنَاكَا، قالوا هذا فاعل، إذاً نخرِم القاعدة من أجل تمكين الفعل من الفاعل، -البصريون فقهاء في النحو-، نخرم القاعدة، صحيح، كلام سليم، نخرم القاعدة من أجل إبقاء الفاعل مع فعله؛ لأنه ركن في الإسناد، المعنى أنه لا بد منه، لا يجوز حذفه، فأخرمنا القاعدة من أصلها فقلنا: يستثنى، فيعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبةً، ولا نبالي بهذا الخلل وهذه المفسدة، وأما ضربته هذا فضلة، والأصل في الفضلة أنه ليس بركنٍ في الإسناد، إذاً لا نخرم القاعدة فنحذفه ونقول، لا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبةً، -هذا نِعمَ الفِقهُ-.
إذاً قال: وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ يعني من العمل، بِمُضْمَرٍ هذا متعلق بقوله: (تَجِىءْ)، ولا تجئ بمضمر مع أولٍ قد أهملا يعني مهمل.
(لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلاً)، (لِغَيْرِ) جار ومجرور متعلق بقوله: أُوهِلاً، بمضمر أوهلا لغير رفعٍ، يعني صار أهلاً لغير رفعٍ وهو: المنصوب والمجرور؛ لأن الضمائر ثلاث: مرفوع، منصوب، مجرور، لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلاً: يعني صار أهلاً لغير رفعٍ، وذلك إذا كان منصوباً أو مجروراً.
وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ بضمير لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلاً وهو المنصوب والمجرور.
بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ: يجب حذفه مطلقا من الأول.
لكن قيده قال: (إِنْ يَكُنْ غَيرَ الْخَبَرْ)، إِنْ يَكُنْ ذلك المنصوب (غير خبر) وهو الفضلة، (غَيرَ خَبَرْ): هذا استثناء المفعول الثاني من باب ظن، واستثناء خبرِ كان، استثنى الناظم منصوبين فضلتين؛ لأنهما عمدة في الأصل، وما كان عمدة في الأصل يجب مراعاة ذلك الأصل، فإذا نُصب حينئذٍ لا نقول: المنصوبات فضلات فيجب حذف أي منصوب، لا بل ننظر إلى الأصل، فما كان الأصل أنه عمدة يراعى بعد طروء تغيير الإعراب عليه، كما هو الشأن في خبر كان، كان مرفوعاً ثم نُصبَ، وكذلك اسم كان، كان منصوباً ثم رُفعَِ، وكذلك المبتدأ في المفعول الأول في باب ظن كان مرفوعاً ثم نُصبَ، كذلك المفعول الثاني، نقول: هذه كلها عُمد، حينئذٍ لا يجوز حذفها البتة.
стр. 1017
(إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ)، إذاً استثنى من الأول -فيما يجب إضماره-، إن كان خبراً في الأصل.
اعتُرض على الناظم بشيئين اثنين لم يذكرهما، أولاً: إذا كان يحصل لبسٌ عند حذف الفضلةِ؛ لأن شرط الحذفِ: إن لم يقع اللبسُ بعد الحذفِ، وكلامُ الناظم هنا مطلق أو خاص؟ لأنه قال: وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ ... بِمُضْمَرٍ لِغَيْرِ رَفْعٍ -منصوبٍ يعني- بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ مطلقاً، سواء أُمن اللبس معه أم لا، فاللفظ عام، والصحيح أنه يقيد بما إذا أُمن اللبسُ، وأما إذا لم يؤمن اللبس فلا يجوز حذفه، هذا ثانياً.
يرِد عليه ثالثاً: المفعول الأول في باب ظن؛ لأنه استثنى الخبر، والمفعول الأول في باب ظن مبتدأٌ، فالعلة الموجودة في استثناءِ الخبرِ لكونه عمدة في الأصل، هي عينها موجودة في المفعول الأول بكونه عهدة في الأصل وهو مبتدأ، فإذا وجدت العلة حينئذٍ نقول: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا انتفى حذف الخبر لكونه عمدة في الأصل، فيلزم الحكم نفسه في المفعول الأول في باب ظن أن ينتفي حذفه، لكونه عمدة في الأصل، لأنه مبتدأ، فيستدرك على الناظم هاتين المسألتين؛ لأنه قال: (بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ) إن يكن هذه الفضلة ليس خبراً، وهذا يكون في باب كان، وفي باب ظن، بقي عليه المفعول الأول في باب ظن، وبقي عليه المفعول الذي ليس خبراً ثم قد يحصل لبسٌ بحذفه، وهذا لا يجوز حذفه.
إذاً: إن كان غير خبرٍ، وغير فضلةٍ يحصل بها اللبس، وغير مفعولٍ، أول يجب حذفه، فإن كان خبراً، أو إن كان فضلة يحصل به اللبسُ، أو كان مفعولاً أول لـ (ظن)، لا يجوز حذفه، ولا يجوز أن يتقدم، وإنما يجب تأخيره، قال: (وَأَخِّرَنْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ الْخَبَرْ)، الذي استثناه أولاً: إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ يعني لا تحذفه، وإنما تؤخره في آخر الجملة، وسيأتي التعليل.
(وَأَخِّرَنْهُ) يعني اذكره مؤخراً مضمراً وجوباً: إن يكن ذلك الضمير عمدة بأن كان هو الخبر لكان –كان وأخواتها-، أو المفعول الأول لظن، أو فضلة إن حذفت أوقع في لبس، هذه ثلاثة أشياء، هذه لابد من استثنائها، حينئذٍ إذا استثنيت من عدم حذفها من الأول ماذا نصنع بها؟
نذكرها مؤخراً، نؤخرها إلى آخر الجملة مثل: كنتُ وكانَ زيدٌ صديقاً إياهُ، هنا نُعمل الأول أو الثاني؟
المسألة مفروضة في إعمال الثاني، إذاً (كنتُ) كان واسمهما، أين خبرها؟
الأصل أنه لا يجوز حذفهُ، لا تقل (كُنتهُ) لا يجوز، وإنما تؤخره بعد كانَ زيدٌ صديقاً، أعملتَ الثاني: كان زيد صديقاً، صديقاً هذا متنازع فيه، كنتُ صديقاً، كانَ زيدٌ صديقاً، إذاً اسم متنازع فيه بين كان الأولى، وكان الثانية، أعملت الثانية: كانَ زيدٌ صديقاً، والأول كنتُ، أين الخبر؟
стр. 1018
قال: يجب إضمارهُ، فحينئذٍ إما أن يضمر متصلاً وإما أن يضمر متأخراً، قال: لا يجوز إضماره متصلاً، فلا تقل: كنتهُ وكانَ زيدٌ صديقاً، وإنما تقول: كنتُ وكانَ زيدٌ صديقاً إياهُ، حينئذٍ إذا قلت: إياهُ متأخراً، عاد الضمير على متقدمٍ في الذكر دون الرتبة؛ لأن رتبة إياهُ كنتهُ، لو قلت: كنتهُ عاد الضمير على زيد، وهو خبر كان الثانية، حينئذٍ عاد الضمير على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، تفادياً لهذا المحذور وجب تأخيره فقلت: كنتُ كانَ زيدٌ صديقاً إياهُ، حينئذٍ عاد الضمير على متقدمٍ في اللفظ دون الرتبة؛ لأن إياه متقدمٌ في الرتبة، رتبته بعد كنتُ، وزيد هذا متأخر، إذاً عاد عليه في اللفظ دون الرتبة، وهذا جائز، من أجل تفادي عود الضمير على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، حينئذٍ وجب تأخير الضمير؛ لأن عندنا أمران: إما أن يحذف، وهو عمدة في الأصل، وإما أن يبقى في محله، فيعود على متأخر في اللفظ والرتبة، وكلاهما ممتنع، لو حذفته حذفت ما هو عمدة في الأصل، وهذا ممتنع، ونحن قلنا: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ، لا بد أن يكون فضلة ليس بعمدة، فتفادياً لهذه لا بد من ذكره، فإن ذكرته في محله (كُنتهُ) وقعت في محذور آخر، وهو: عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبةً، إذا وجب تأخيره تفادياً لهذه القاعدة.
وظنَّنِي وظننتُ زيداً عالماً إياهُ، (إياه): هذا خبر الأول (ظنني)، (ظنني إياهُ) وظننتُ زيداً عالماً، أعملتَ الثاني: زيداً عالماً، مفعولان لـ (ظننتُ)، والأول (ظنني) المفعول الأول الياء، المفعول الثاني محذوف، الأصل أنه يجب إضماره فتصله بالعامل، لكن من أجل أن يعود على متأخرٍ لفظاً ورتبة، حينئذٍ وقعنا في محذور فوجب تأخيرهُ، تقول (ظنني إياه) هذا الأصل، وظننت زيداً عالماً، فوجب التأخير لما ذكرناه، هذا مثال لـ (إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ)، الأول لـ (كان)، والثاني لباب (ظن).
وظننت منطلقة وظنتني منطلقاً هند إياها، ظننت منطلقة: ظننت هنداً منطلقةً، هذا الأصل، وظنتني منطلقاً هندٌ، أعمل الثاني وهو: منطلقاً هندٌ، وأضمر في الأول المفعول؟؟؟.
إذاً: المثال الأول لخبرٍ، هو لـ (كان)، والمثال الثاني لخبرٍ، هو باب (ظن)، بقي المفعول الأول لباب (ظن)، لو قلت: ظننتُ منطلقةً الأصل ظننتُ هنداً منطلقةً، منطلقةً هذا المفعول الثاني (لظننت)، وظنتني منطلقاً هندٌ، (ظنتني) الياء هذا هو مفعول أول، وهند هي الفاعل، ومنطلقاً هذا المفعول الثاني، ما هو الاسم المتنازع فيه؟
هندٌ هو المتنازع فيه، يريده الأول على أنه مفعول أول، ويريده الثاني على أنه فاعل، فأعطيناه الثاني على أنه فاعل، فأضمرنا في الأول، يجب الإضمار، مع كون كلام الناظم أنه مما يجب حذفه، لكن نقول: هذا يستدرك عليه، فتقول (ظننت منطلقةً وظنتني منطلقاً هندٌ إياها)، هذا مثال للمفعول الأول الذي لا يجوز حذفه، ويُستدرك فيه على الناظم.
مثال ما يوقع في اللبس، وهو ليس خبراً: (استعنتُ واستعان عليَّ زيدٌ بِهِ)، (بِهِ) هو المتعلق باستعان الأول، إن قلت استعان به، الضمير عاد على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، حينئذٍ لو حذفته، قلتَ: استعنتُ واستعان علي زيدٌ، استعان علي زيدٌ واضح، لكن استعنتُ به أو عليه؟
стр. 1019
لو حذفت الضمير لأوقع في لبسٍ، فلا يدرى هل أنت استعنت به أو عليه، لكن وجب ذكره دفعاً للوقوع في اللبسِ، فوجب أن يُضمر متأخراً؛ لئلا يعود الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة، فتقول: استعنت واستعان علي زيدٌ به.
إذاً ..
بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ ... وَأَخِّرَنْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ الْخَبَرْ
لأنه منصوب فلا يضمر قبل الذكر، وعمدةٌ في الأصل فلا يُحذف، لا يضمر قبل الذكرِ فيجب تأخيرهُ، هل نحذفه من أصله؟ لا، نقول: هو عمدة في الأصل فيجب ذكره.
وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ: إذا أهمل الأول حينئذٍ تضمر فيه الفاعل، ما عداه يجب حذفه، أو تأخيره، إذاً لا يضمر في الأول المهمل إلا الفاعل فقط، وما عدا الفاعل -المنصوب، والمجرور-، إما أن يكون عمدةً أو لا، إن كان عمدة وجب تأخيره، وإن لم يكن عمدة، إما أن يحصل لبس بحذفه أو لا، إن حصل لبسه: مثل الخبر، وإلا: بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ، هذا مع الأول.
وأما الثاني: فيضمر معه مطلقاً بدون استثناء سواءٌ كان فاعلاً، أو منصوباً، أو مجروراً، لماذا؟ لأنك أعملت الأول وأهملت الثاني، فإذا أضمرت الفاعل عاد على متقدمٍ لفظاً ورتبة، إذا أضمرت المنصوب عاد على متقدمٍ لفظاً ورتبة، إذا أضمرت المجرور عاد على متقدمٍ في اللفظ والرتبة.
إذاً ليس عندنا محذوف، وهذه العمليات كلها من أجل دفع أن لا يعود الضمير على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، فجاء التصحيح بما ذكر، وأما إذا أُهمل الثاني فأَضمر فيه ما شأت، وعند جمهور البصريين لا يجوز حذفه، ولو كان منصوباً أو مجروراً.
(وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ)، يعني مع الفعل العامل الأول، (قَدْ أُهْمِلاَ)، (قَدْ): للتحقيق، (أُهْمِلاَ): الألف للإطلاق، يعني أُهمل من العمل، لم يعمل الأول في الاسم الظاهر، ولم يُهمل من العمل مطلقاً، لا، بل نُعمله في ما يحتاجه.
قَدْ أُهْمِلاَ.
بِمُضْمَرٍ: لاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ بِمُضْمَرٍ.
لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلاً: يعني جعل أهلاً، صار أهلاً لغير الرفعِ، والمراد به النصبُ والجر لفظاً أو محلاً، (بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ): الزم حذفه، يجب حذفه، (إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ): إن كان خبراً لا يجوز حذفه، ومع ذلك لا يجوز اتصاله به؛ لأنه لو اتصل به لعاد الضمير على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، بل أخره، تُؤخره إلى ما بعد نهاية الجملة.
(وَأَخِّرَنْهُ) وجوباً (إِنْ يَكُنْ هُوَ الْخَبَرْ).
قوله: (إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ) يُوهم أن ضمير المتنازع فيه، إذا كان المفعول الأول في باب (ظن) يجب حذفه وليس كذلك؛ لأنه لم يستثن إلا الخبر، والمفعول الأول ليس بخبر ومع ذلك هو عمدة؛ لأنه مبتدأ في الأصل، حينئذٍ لا يجوز حذفه.
(إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ)، غير خبر في الأصل لأنه حينئذٍ فضلة، فلا حاجة إلى إضمارها قبل الذكر.
стр. 1020
قال الشارح: وذكر هنا في هذا المقام، أنه إذا كان مطلوب الفعل المهملِ غير مرفوع، -المرفوع سبق ذكره-، بل منصوب، أو مجرور، الطالب إما أن يكون طالباً لمرفوع، أو منصوب، أو مجرور، تقرر عندنا وجوب إضمار المرفوع ولا إشكال، وليس عندنا اعتراض بالقاعدة التي ذكرناها؛ لأن هذا الباب مما يستثنى من عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، يبقى معنا المنصوب، والمجرور، فلا يخلوا: إما أن يكون عمدة في الأصل، أو لا، لا يخلوا هذا المنصوب، إما أن يكون عمدة في الأصل أو لا، متى يكون عمدة في الأصل؟
إذا كان خبراً لكان، أو مفعولاً ثانياًً لـ (ظن)، أو مفعولاً أولاً لـ (ظن)، هذا عمدة، عبر الشارح عمدة، وعبر الناظم بخبر، أيهما أعم؟
الشارح أعم لأنه عبر بالعمدة.
قال إما أن يكون عمدة في الأصل، وهو مفعول (ظن) وأخواتها؛ لأنه مبتدأ في الأصل، أو خبر وهو المراد بقوله:- (إِنْ يَكُنْ هُوَ الْخَبَرْ)، بالتعميم مع الاستدراك عليه وإِلا الخبر خاص، وهو قد عمم.
أو لا فإن لم يكن كذلك، إن لم يكن عمدة، فإما أن يكون الطالب له هو الأول أو الثاني، فإن كان الأول لم يجز الإضمار، لم يجز الإضمار في الأول لماذا؟
لأننا لو أضمرنا لعاد الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة فتقول: ضربت، ولا تقل ضربته، تحذف الضمير ضربت وضربني زيدٌ، ومررت ولا تقل مررت به، بل تقول مررتُ وتحذف (الباء) مع مدخولها، ومر بي زيدٌ ولا تُضمر، فلا تقل ضربتهُ وضربني زيدٌ ولا مررتُ به ومر بي زيدٌ.
وقد جاء في الشعر ضرورةً فيحفظ ولا يقاس عليه:
إذا كُنْتَ تُرْضِيهِ، وَيُرْضيكَ صاحبٌ، صاحبٌ هذا اسم ظاهر متنازع فيه، طلبه الأول: تُرْضِيهِ على أنه مفعول به له، وطلبه الثاني: يُرْضيكَ على أنه فاعل، فأُعمل الثاني لذلك رفُع، لو أُعمل الأول لقيل صاحباً، وإنما أُعمل الثاني، حينئذٍ افتقر الأول إلى ضميرٍ منصوب، الأصل فيه عدمُ جواز ذكره، بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ، لكنه صرح به هنا نقول شذوذاً، يعني يحفظ ولا يقاس عليه. وإن كان الطالب له هو الثاني وجب الإضمار، فتقول: ضربني وضربتُه زيدٌ، ضربتهُ زيدٌ، زيدٌ هذا فاعل لضربني الأول، والثاني يفتقر إلى مفعول به، حينئذٍ عاد الضمير على متأخرٍ في اللفظ دون الرتبة، وهذا لا إشكال فيه، ومر بي ومررت به زيدٌ، مر بي زيدٌ أُعمل الأول حينئذٍ احتجنا إلى الإضمار في الثاني، ولا يجوز الحذف فلا تقول ضربني وضربت ُزيدٌ، لا يجوز الحذف من الثاني، بل يجب ذكره، ولا مر بي ومررت زيدٌ، وقد جاء في الشعر كقوله:
стр. 1021
(بِعُكَاظَ يُعْشِي النّاظِرِينَ ... إذَا هُمُ لَمَحُوا ... ) الأصل لمحوه، حذف الضمير هنا من باب الضرورة، يعني شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، كما شذ عمل المهمل الأول في المفعول المضمر الذي ليس بعمدة في الأصل، إذاً يُعْشِي إذَا هُمُ لَمَحُوهُ هذا هو الأصل، وحذف الضمير هنا، نقول: هذا شذوذ، يعني يحفظ ولا يقاس عليه، والجمهور على أنه لا يجوز الحذف لغير ضرورة؛ وذلك لأن ذكره لا يترتب عليه الإضمار قبل الذكر، فيجب حينئذٍ ذكره، لأنه حذف من الأول لئلا يخرم القاعدة، وهذا ليس فيه إضمارٌ قبل الذكر، وفي حذفه فسادٌ؛ لأنه قد يقال إذا كان فضلةً فلماذا لا يحذف، (وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ) لماذا لا يحذف؟
قالوا: إذا حذفناه مع كونه فضلة يحصل فساد، وهو أنه يُهيئُ العامل لما بعده، يعني يراه الناظر كأن العامل قد تهيئ للعمل فيما بعده، وهذا فيه مفسدة. وفي حذفه فسادٌ، وهو تهيئة العامل للعمل ثم قطعه عنه من غير سبب موجب له، وقيل حذف هذا الضمير جائز في سعة الكلام؛ لأنه فضلة، وهذا هو الظاهر -والله أعلم- وهو مذهب الكوفيين أنه يجوز حذفه، وأما هذه العلة فليست بواضحة بينة.
قال الشارح: هذا كله إذا كان غير المرفوع ليس بعمدة في الأصل، فإن كان عمدة في الأصل فلا يخلو، إما أن يكون الطالب له هو الأول أو الثاني، فإن كان الطالب له هو الأول، وجب إضماره مؤخراً؛ لأنه لا يجوز حذفه لأنه عمدة ثم إذا أضمرناه متقدماً وقعنا في محذور، علاج هذا المحذور تأخيره، فوجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، حينئذٍ وجب تأخيره لئلا نحذفه، فتقول: (ظنني) و (ظننت) زيداً قائماً إياه، (ظنني) (الياء) هذا مفعول أول، (ظنني) إياه و (ظننت) زيداً قائماً، (ظنني إياه) الضمير يعود على زيد، إذاً عاد على متأخر لفظاً ورتبة فلا يجوز، ما العلاج؟
وجب تأخيره، (ظنني) و (ظننت) زيداً قائماً إياه، وإن كان الطالب له هو الثاني أضمرته متصلاً كان أو منفصلاً، فتقول: ظننتُ وظنَنِّيهِ زيداً قائماً، الطالب له الثاني؛ لأنك أعملت الأول، (زيداً قائماً) هذان معمولان لـ (ظننت) الأول، (ظننتُ) زيداً قائماً، ثم أضمرت في الثاني، ولا يجوز حذفه؛ لأنه عمدة في الأصل، و (ظننتُ) و (ظنَّنِي) إياه زيداً قائماً، (ظننتُ) زيداً قائماً، زيداً قائماً للعامل الأول، و (ظنَّنِي) إياه نقول: هنا وجب الإضمار ولا نقول بالتأخير لماذا؟
لأنه وإن عاد على متأخر في اللفظ إلا أنه متقدمٌ في الرتبة.
стр. 1022
ومعنى البيتين أنك إذا أهملت الأول، لم تأتِ معه بضمير غير مرفوع وهو المنصوب والمجرور، -هذه خلاصة- إذا أهملت الأول لا تأتي معه بضميرٍ إلا ضمير رفعٍ فحسب، فلا تقول: ضربته وضربني زيدٌ، ولا مررت به ومر بي زيدٌ، بل يلزم الحذف، فتقول: ضربتُ وضربني زيدٌ ومررتُ ومر بي زيدٌ، إلا إذا كان المفعول خبراً في الأصل، فإنه لا يجوز حذفه بل يجب الإتيان به مؤخراً، فتقول: (ظنني) و (ظننت) زيداً قائماً إياه، ومفهومه -انظر شرحه على موافق اللفظ، لم يستثن إلا الخبر مع أنه في الشرح الأول عمم-، مفهومه: أن الثاني يؤتى معه بالضمير مطلقاً مرفوعاً كان أو مجروراً أو منصوباً، عمدةً في الأصل أو غير عمدة، -وهو كذلك-، وعند جمهور البصريين لا يجوز حذفه مطلقاً -الثاني-، سواء كان منصوباً أو مجروراً، إذاً عرفنا المراد بالبيتين:
وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ ... بِمُضْمَرٍ لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلاً
بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ ... وَأَخِّرَنْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ الْخَبَرْ
هذا البيت الثاني منتقد بما ذكرناه.
تنبيه: اقتضى كلامه أنه يُجاءُ بضمير الفضلة مع الثاني المهمل، نحو ضربني وضربته زيدٌ ومر بي ومررت بهما أخواكَ لدخوله تحت قوله: وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ ولم يخرجه وهو كذلك، -كما ذكرناه-، وأنه يجوز حذفه لمفهوم قوله: والْتَزِمْ مَا الْتُزِمَا، يجوز حذفه، وهذا لم يُلتزم ذكرُه لأنه فضلة، وخصه بعضهم بالضرورة؛ لأن في حذفه تهيئة العامل للعمل، وقطعه عنه لغير معارض ورجحه في التوضيح ونسبه للجمهور، أنه لا يجوز حذفه -الثاني-، سواء كان منصوباً أو مرفوعاً، وهو فيه ثلاثة مذاهب: إذا كان خبر كان، والمفعول الثاني من باب ظن، فيه ثلاثة مذاهب.
ويشترط لحذف الفضلة من الأول المهمل أمن اللبس، ولم يذكره الناظم لعلمه مما سبق، فإن خيف اللبس وجب التأخير، كالمثال الذي ذكرناه: استعنت واستعان علي زيدُ به، وأما منصوب كان وظن، وهذا فيه ثلاثة مذاهب أولها: جواز الإضمار -كالمرفوع- مقدماً، ثانيها: وجوب تأخيره وهما في النظم، ثالثها: جواز حذفه وعليه الكوفيون؛ لأنه مدلولا عليه بالمفسِّر، وهو أقوى المذاهب لسلامته من الإضمار قبل الذكر ومن الفصل، أي الفصل بين العامل الأول المهمل ومعموله إذا أضمر مؤخراً، وهذا هو الظاهر؛ لأنه داخل تحت القاعدة: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إن لم يضر، فإذا علم من المفسِّر، حينئذٍ جاز حذفه من الثاني، -الكلام في الثاني- جاز حذفه إذا دل عليه دليل، وما لم يجز، حينئذٍ بقينا على الأصل.
وَأَظْهِرِ انْ يَكُنْ ضَمِيرٌ خَبَرَا ... لِغَيْرِ مَا يُطَابِقُ الْمُفَسِّرَا
نَحْوُ أََظُنُّ وَيَظُنَّانِي أَخَا ... زَيْداً وَعَمْراً أَخَوَيْنِ فِي الرَّخَا
هذه خرجت من باب التنازع -الحمد لله-، ليست من باب التنازع، وإنما تُذكر من باب العلم بالشيء فحسب، وعنوان المسألة -حتى نفهم-، إذا كان المتنازع فيه مثنىً أو جمعاً، في باب ظن، لكنه في الأصل خبرٌ عما لا يطابقه، هذا عنوان المسألة.
стр. 1023
انظر في المثال في البيت الثاني، لننطلق منه: أََظُنُّ وَيَظُنَّانِي أَخَا زَيْداً وَعَمْراً أَخَوَيْنِ -أمثله غريبة-، أََظُنُّ: الشيخ ابن العثيمين عندما وصل إلى هذين البيتين قال: نحذفها؟
أََظُنُّ: هذا عامل أول، يَظُنَّانِي: عامل ثاني، زَيْدَاً وَعَمْراً أَخَوَيْنِ، هنا ما هو المتنازع فيه؟
زيداً أخوين، إذاً عاملان تنازعا في اسمين، هذا يرد على المكودي فيما سبق، أُعمل الأول، لاحظ المثال، هو مثال ما يتعداه: أََظُنُّ زَيْداً وَعَمْراً أَخَوَيْنِ، (أََظُنُّ) هذا فعل مضارع ناسخ، (زَيْدَاً) هذا مفعوله الأول، (عَمْرَاً) معطوف عليه، أَخَوَيْنِ هذا مفعول ثاني، إذاً أعملنا الأول، ماذا نصنع في الثاني؟
وَيَظُنَّانِي أَخَا، (أََظُنُّ) يطلب أَخَوَيْنِ، وهو الاسم الذي تنازعا فيه على أنه مفعول ثاني، (وَيَظُنَّانِي) يظن هذا يطلبه على أنه فاعل، فقلت: أظن زيداً وعمراً أخوين، إذا أردت إعمال الأول -وهذا هو ظاهر النظم-، أضمرت في الثاني المفعول الثاني، لا طلبه على أنه مفعول ثاني، ليس فاعلاً على أنه مفعول ثاني، يظنانِ إياه، الأصل في باب التنازع من أجل أن يصح أنه من باب التنازع، أن يعمل المهمل في ضمير: وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ فِي ضَميِرِ مَا تَنَازَعَاهُ لا في اسم ظاهر، لو أعمل في اسم ظاهر خرج من باب التنازع، لكن هنا خرج من باب التنازع لماذا؟
لأن يَظُنَّانِي اعمل في اسم ظاهر، والأصل أنه يُعمل في ضمير، لكن إذا أردنا إعمال الضمير هذا ممتنع على الوجهين، وجه الامتناع أنك تقول ويظنانِ إياه، هذا الأصل، حينئذٍ إياه نقول الضمير إياه هذا مفرد، طابق يظنانِ الياء، لا بد من التطابق هنا؛ لأن الياء في محل نصب مفعول أول، وهو مبتدأ، وإياه هذا مفعول ثاني وفي الأصل خبر، إذاً لابد من التطابق بين المبتدأ والخبر سواء كان في الحال أو في الأصل، فما كان مفرداً –المبتدأ- وجب أن يكون الخبر مفرداً، هنا يَظُنَّانِي الياء للمفرد، إياه مفرد، تطابقا، إذاً لا إشكال من حيث تطابق الضمير مع المبتدأ المفعول الأول، لكن وقعت المشكلة في: إياه أخوين، هذا لا يصلح؛ لأن إياه هذا مفسَّر بفتح السين، وأخوين هذا مفسِّر، ولا بد من التطابق، حينئذٍ يمتنع أن نقول إياه، لابد أن نأتي بضمير يطابق المبتدأ ويطابق المفسِّر، وهنا إذا قلنا إياه طابق المبتدأ لكنه خالف المفسِّر، يظنانِي إياهما طابقنا أخوين، خالف ال؟؟؟، مشكلة، إذاً ماذا نصنع؟
قالوا نأتي باسم ظاهر، فإذا جئنا باسم ظاهر، خرجت المسألة من باب التنازع، فقيل يظناني أخاً، أخاً هذا المفعول الثاني ليظنان، ولماذا خرجت من باب التنازع؟
لأن شرط إعمال المهمل أن يكون في ضمير لا في اسم ظاهر، فإن أعمل في اسم ظاهر، حينئذٍ فسد.
стр. 1024
هنا قال: (وَأَظْهِرِ)، يعني ضمير المتنازع ائْتِ به اسماً ظاهراً ولا تضمره أظهر، أظهر هذا عكس أضمر، حينئذ أظهر يعني ائْتِ به اسماً ظاهراً لا ضميراً، إِنْ يَكُنْ ضَمِيرٌ خَبَرَا، إِنْ يَكُنْ ضَمِيرٌ لو أضمر، ضمير باعتبار الأصل، قلنا الأصل يظنانِ إياه إياهما هذا الأصل أنه مضمر، لكن قال: إِنْ يَكُنْ ضَمِيرٌ هذا اسم يكن، لو أضمر خبراً في الأصل: لِغَيْرِ مَا يُطَابِقُ الْمُفَسِّرَا، يعني لمبتدأ لا يطابق المفسِّرا، المبتدأ عندنا الياء مفرد، والمفسِّر مثنى، إذاً لا يمكن، إذا لم يتطابق المبتدأ والمفسِّر لا يمكن أن نأتي بضمير يوافق الطرفين، فنقول: الياء مفرد، هنا مبتدأ في الأصل والمفسِّر مثنى، فلا بد من ضمير يعود عليهما معاً في وقت واحد ويوافق الاثنين هذا ممتنع.
(لِغَيْرِ مَا يُطَابِقُ الْمُفَسِّرَا): مُفَسِّرَا الألف للإطلاق، مفسِّر المرجع وهو الاسم الظاهر.
لِغَيْرِ مَا يُطَابِقُ الْمُفَسِّرَا: يعني لمبتدأ لا يطابق المفسِّرا، وإذا لم يتطابقا حينئذٍ لا بد من إخراجها عن باب التنازع لإعمال المهل في الاسم الظاهر، نحو المثال الذي ذكرناه.
فِي الرَّخَا: هذا تتميم.
تقرير المثال الذي ذكرناه، وهو قوله: أَخَوَيْنِ نقول تنازع فيه أظن؛ لأنه يطلبه مفعولاً ثانياً، أخوين في المثال هذا تنازع فيه أظن؛ لأنه يطلبه مفعولاً ثانياً، إذ مفعوله الأول زيداً، وَيَظُنَّانِي؛ لأنه يطلبه مفعولاً ثانياً، فأُعمل فيه الأول: أظن زيداً وعمراً -معطوف عليه- أخوين، أُعمل فيه الأول، وبقي يَظُنَّانِي يحتاج إلى المفعول الثاني، فلو أتيت به ضميراً مفرداً فقلت: أظن ويظناني إياه زيداً وعمراً أخوين، لكان مطابقاً للياء غير مطابق لما يعود عليه وهو أخوين، ولو أتيت به ضميراً مثنىً، فقلت: أظن ويظنانِ إياهما زيداً وعمراً أخوين، لم يطابق الياء الذي هو خبرٌ عنه، فتعين الإظهار فخرجت المسألة من باب التنازع؛ لأن كلاً من العاملين قد عمل في ظاهر، هذا مثل ضربتُ زيداً وأكرمتُ زيداً، فلا فرق بينهما.
إذاً أُعمل الأول، فزيداً وعمراً أخوين مفعولا أََظُنُّ، وأخاً هذا ثاني مفعولي وَيَظُنَّانِي، وجيء به مظهراً لتعذر إضماره؛ لأنه لو أضمر فإما أن يضمر مفرداً مراعاة للمخبر عنه في الأصل، وهو الياء من وَيَظُنَّانِي، فيخالف مفسِّره، وهو أخوين في التثنية، وإما أن يثنى مراعاة للمفسِّر فيخالف المخبر عنه وكلاهما ممتنع عند البصريين.
إذاً (وَأَظْهِرِ انْ يَكُنْ ضَمِيرٌ خَبَرا) يعني في الأصل.
(لِغَيْرِ مَا يُطَابِقُ الْمُفَسِّرا) في الإفراد والتذكير وفروعها، لتعذر الحذف بكونه عمدة، والإضمار بعدم مطابقة، فتعين الإظهار.
وتخرج المسألة من هذا الباب، هذا الكثير على أن المسألة خرجت، لكن الصبَّان نازع، قال: خرجت في بعضها دون بعض.
قال هنا: وتخرج المسألة من هذا الباب أي بالنسبة إلى لمفعول الثاني، لا بالنسبة إلى المفعول الأول، -وهذا فيه كلفة، بل الصواب أنها خرجت مطلقاً، وأما التفصيل بين مفعولين، وأنه داخل في الباب وهذا خارج هذا فيه تكلف-، فأعملنا في مثالنا الأول وأضمرنا في الثاني ضميره وهو الألف في يَظُنَّانِي، -على كل هذا ليس بقول وجيه-.
стр. 1025
قال ابن عقيل: أي يجب أن يؤتى بمفعول الفعل المهمل ظاهراً إذا لزم من إضماره عدم مطابقته لما يفسره -إذا لم يطابق المفسِّر وجب إظهاره-، لكونه خبراً في الأصل عما لا يطابق المفسِّرا، كما إذا كان في الأصل خبراً عن مفرد ومفسِّره مثنى، المفسِّر الاسم الذي حصل التنازع فيه مثنى أو جمع، نَحْوُ أََظُنُّ وَيَظُنَّانِي أَخَا زَيْداً وَعَمْراً أَخَوَيْنِ، فزيداً مفعول أول لأظن، وعمراً معطوف عليه، وأخوين مفعول ثاني لأظن، والياء مفعولٌ أول ليظنانِ فيحتاج إلى مفعول ثاني، فلو أتيت به ضميراً فقلت: أظن ويظنانِي إياه زيداً وعمراً أخوين، لكان إياه مطابقاً للياء في أنهما مفردان، ولكن لا يطابق ما يعود عليه وهو أخوين؛ لأنه مفرد وأخوين مثنى، فتفوت مطابقة المفسِّر للمفسَّر، وذلك لا يجوز، وإن قلت: أظن ويظنانِي إياهما زيداً وعمراً أخوين، حصلت مطابقة المفسِّر للمفسَّر، وذلك لكون إياهما مثنى، وأخوين كذلك، ولكن تفوت مطابقة المفعول الثاني الذي هو خبر في الأصل، للمفعول الأول الذي هو مبتدأ في الأصل، لكون المفعول الأول مفرداً، وهو الياء، والمفعول الثاني غير مفرد وهو إياهما، ولا بد من مطابقة الخبر للمبتدأ، فلما تعذرت المطابقة مع الإضمار -مطابقة المبتدأ ومطابقة المفسِّر- وجب الإظهار، فتقول: أظن ويظنانِي أخاً، (أخاً) هذا مفعول ثاني ليظنانِ، فزيداً وعمراً أخوين: مفعولا أظن والياء مفعول يظنانِي الأول، وأخاً مفعوله الثاني، ولا تكون المسألة حينئذٍ من باب التنازع، -خرجت-؛ لأن كلاً من العاملين عمل في ظاهر، وهذا مذهب البصريين، وأجاز الكوفيون الإضمار مراعىً به جانب المخبر عنه -ضعيف هذا-.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1026
عناصر الدرس
* شرح الترجمة (المفعول المطلق) وحده وعلاقته بالمصدر
* العامل في المفعول المطلق
* ماالأصل في الإشتقاق؟
* أنواع المفعول المطلق من حيث الفائدة
* ماينوب عن المفعول المطلق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى: المَفْعُولُ المُطْلَقُ، هذا شروع منه في بيان المنصوبات كما ذكرنا سابقاً، ولذلك قدَّم بابين سابقين: تَعَدِّي الفِعلِ وَلُزُومُهُ، وكذلك: بابُ التَّنازُعِ، إذ كل منهما له علاقة بالعمل.
فبين لنا أن الفعل يطلب مفعولاً، وذكر المفعول به، حينئذٍ إن اعتُبر ذكر المفعول أصالة في ذلك الباب، حينئذٍ يكون هذا الباب هو الثاني، من باب المنصوبات، وإن اعتبر أنه من باب الاستطراد كما قال بعضهم، حينئذٍ نقول هذا هو الباب الأول في المنصوبات، والأولى أن يجعل ذاك له علاقة بالمفعول به؛ لأنه قال:
عَلاَمَةُ الْفِعْلِ الْمُعَدَّى
ثم قال:
فَانْصِبْ بِهِ مَفْعُولَهُ إِنْ لَمْ يَنُبْ
فبين أن المفعول منصوب إِنْ لَمْ يَنُبْ عَنْ فَاعِلٍ نَحْوُ: تَدَبَّرْتُ، وهذا يدل على أنه أراد المفعول به، ولذلك قلنا: علامة الفعل أي: الفعل التام، ولم يدخل فيه الناقص؛ لأنه أراد أن يمهد لنا ما هو العامل الأصلي في المفعول به، وإن لم يكن مقصوراً عليه؛ لأن الوصف قد ينصب مفعولاً، ((إِنَّ اللَّهَ بَالِغٌ أَمْرَهُ)) [الطلاق:٣]-قراءة التنوين-: ((إِنَّ اللَّهَ بَالِغٌ أَمْرَهُ))، كذلك المصدر: انصب عجبت من ضربك زيداً، زيداً هذا منصوب، على كلٍ هو ذكر الفعل لأنه يعمل بالأصالة، وما عداه فهو محمول عليه بالفرعية.
المفاعيل عند النحاة على الصحيح خمسة: مفعول به، ومفعول مطلق، ومفعول له، ومفعول فيه، ومفعول معه، هذا هو الصحيح أنها خمسة: مفعول به، ومفعول مطلق، ومفعول له، ومفعول فيه، ومفعول معه، سيذكرها الناظم على هذا الترتيب.
ونقص الزجاج منها: المفعول معه، فجعلها أربعة لا خمسة، نقص المفعول معه، فجعله مفعولاً به، يعني أدمج بين بابين، المفعول معه، والمفعول به.
ونقص الكوفيون منه: المفعول له، وجعلوه من باب المفعول المطلق، أدمجوا بابين: المفعول له، -المفعول لأجله-، والمفعول المطلق سيان عند الكوفيين، فالمفاعيل عندهم أربعة، وزاد السيرفي سادساً، وهو المفعول منه، وهذا سبقك ((وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ)) [الأعراف:١ ٥٥] أي: من قومه، قَوْمَهُ قال: على معنى (من) فهو مفعول منه.
وسمى الجوهري المستثنى مفعولاً دونه، فهي ستة عندهم، والمستثنى الأصل فيه أنه مستقل، هومنصوب لا شك، لكنه ليس من المفاعيل.
قال: المَفْعُولُ المُطْلَقُ، يعني مطلق عن القيد، الإطلاق والقيد متقابلان، إذا قيل: مطلق معناه مطلق عن القيد؛ لأنه يقع عليه اسم المفعول من غير تقييد بحرف جر، لا يقال: مفعول به، مفعول معه؛ لأن تلك أما أن يقيد بحرف جر، وإما أن يقيد بظرف: مفعول معه ظرف، مفعول له جار، كلها مقيدة، إلا هذا النوع، فلذلك سمي مطلقاً، يعني مطلقاً عن القيد، إما بحرف، وإما بظرف؛ لأنه يقع عليه اسم المفعول من غير تقييد بحرف جر.
стр. 1027
ولهذه العلة قدَّمه ابن الحاجب عن المفعول به، وهو أولى، لأنه أولى ما يسمى مفعولاً هو المفعول المطلق، وقدمه على المفعول به، وقيل: سمِّي مفعولاً مطلقاً؛ لأن حمل المفعول عليه لا يُحوِجُ إلى صلة؛ لأنه مفعول الفاعل حقيقة: ضربتُ ضرباً، ضرباً هو مفعول الفاعل حقيقة، ضربتُ ما الذي أحدث الفاعل هنا؟ أحدث ضرباً، فهو المفعول حقيقة، بخلاف ضربتُ زيداً، زيداً ليس هو مفعول الفاعل، مفعول الفاعل هو الضرب، والمفعول به ليس هو المفعول حقيقة للفاعل، وإنما هو زيد، وهو شيء مغاير للضرب، كذلك المفعول معه سرتُ والنيلَ، النيلَ ليس هو فعل الفاعل السير، وإنما هو شيء مغاير له، وكذلك المفعول فيه: صمت يوم الخميس، يوم الخميس ليس هو عين الصوم، بل هو ظرف له، إذاً ليس مفعولاً حقيقة، وإنما الذي يكون مفعولاً حقيقة، هو المَفْعُولُ المُطْلَقُ: ضربتُ ضرباً، ضرباً هو الحدث الذي دل عليه ضربت، فهو جزء من الفعل، فهو المفعول حقيقة.
سمي مفعولاً مطلقاً لأن حمل المفعول عليه لا يحوج إلى صلة، فلا يقال: مفعول به، ولا مفعول معه الخ؛ لأنه مفعول الفاعل حقيقة، بخلاف سائر المفعولات، فإنها ليست بمفعول الفاعل، وتسمية كل منها مفعولاً إنما هو باعتبار إلصاق الفعل به، أو وقوعه لأجله، أو فيه، أو معه على حسب العلة التي ذُكر ذلك المفعول، إما لكونه مع الفاعل، وإما لكونه ظرفاً له، وإما لكونه علةً له، الخ ما ذكر.
فلما كان مقارناً له حينئذٍ قُيِّد بحرف أو ظرف، وهذا لا، مخالف له، فلذلك احتاجت في حمل المفعول عليها إلى التقييد بحرف الجر بخلافه، وبهذا استحق أن يقدم عليها في الوضع.
ولذلك ابن مالك بقوله: فَانْصِبْ بِهِ مَفْعولَهُ، إنما ذكره من باب الاستطراد، وهذا أول المفاعيل وهو المفعول المطلق، يرِدُ عليه أنه ذكره في باب تعدي الفعل ولزومه، نقول هناك ذكره استطراداً، هذا وجه لبعضهم.
المَفْعُولُ المُطْلَقُ: زاد في شرح الكافية في الترجمة: وهو المصدر، وهذا كثير ما يعبر به النحاة عن المفعول المطلق، هل هو المصدر؟
نعم. هو المصدر، لذلك عرفه الناظم هنا، بدأ بالمصدر، المفعول المطلق ثم قال: الْمَصْدَرُ، كأنه قال: وهو المصدر، ثم عرَّف المصدر، هذا بناءً على مسألة مختلف فيها، هل المفعول المطلق لا يكون إلا مصدراً؟ أم يكون مصدراً وغير مصدرٍ؟
فمن اشترط المصدرية، صدَّر تعريف المفعول المطلق بالمصدر، ومن لم يشترط المصدرية قال: هو اسم، عمم، حينئذٍ يرد الخلاف في النائب عن المفعول المطلق، هل هو مفعول مطلق حقيقة أم أنه نائب عنه وليس بحقيقة؟
هذا ينبني على الخلاف في اشتراط المصدرية في المفعول المطلق، فمن اشترط المصدرية، حينئذٍ قال: تلك نائبة عن المفعول، ليست مفعولاً حقيقةً، وإنما هي نائبة، وهذا ظاهر صنيع الناظم؛ لأنه قال: المفعول المطلق: الْمَصْدَرُ عرَّفه، ثم قال: وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ عن المصدر، مَا عَلَيْهِ دَلّ، فدل على أن النائب ليس بمفعولٍ مطلقاً حقيقة، وإنما هو نائب عنه، وعليه يشترط في المفعول المطلق أن يكون مصدراً.
стр. 1028
وإذا لم نشترط حينئذٍ نقول: كل ما أعرب مفعولاً مطلقاً فهو مفعول مطلق، كل ما انتصب على المفعولية المطلقة سواء كان مصدراً أو لا، فهو مفعول مطلق، والأشهر هو الأول، أن المفعول المطلق لا يكون إلا مصدراً، وما ذُكر من النيابة فهو نائب عنها، فحينئذٍ تقول: هذا نائب عن المفعول المطلق، وليس بمفعول مطلق، والمصدر أعم مطلقاً من المفعول المطلق، إذا قيل بأن المفعول المطلق لا يكون إلا مصدراً، حينئذٍ تصير العلاقة بين المفعول المطلق والمصدر العموم والخصوص المطلق، كل مفعول مطلق مصدر ولا عكس: ضربتُ ضرباً، (ضرباً) هذا مصدر ومفعول مطلق.
وقد ينفرد المصدر، ولا يكون مفعولاً مطلقاً، كلامك كلام حسن، هذانِ مصدران مبتدأ وخبر، وليسا بمفعولٍ مطلق، وقد ينفرد المفعول المطلق بالنيابة، ولا يصدق عليه أنه مصدر، وقيل -على القول الثاني-، تكون العلاقة بين المفعول المطلق والمصدر: العموم والخصوص الوجهي، والذي ذكرناه العموم والخصوص المطلق، السابق.
إذاً: قد تكون العلاقة بين المصدر والمفعول المطلق العموم والخصوص المطلق، حينئذٍ نفتقر إلى مادتين: مادة الاجتماع ومادة الافتراق، مادة الاجتماع ضربتُ ضرباً، مفعول مطلق ومصدر، وحينئذٍ إذا انفرد النائب ليس بمفعول مطلق، جِدَّ كُلَّ الجِدِّ، هذا ليس بمفعول مطلق، بل هو نائب، إذا خرج عن الحد، ويوجد المصدر، ولا يكون مفعولاً مطلقاً مثل: كلامك كلام حسن، هذا بناءً على أن المفعول المطلق لا يكون إلا مصدراً، فالنائب حينئذٍ ليس بمفعول مطلقاً، وإنما يطلق عليه من باب التجوز.
وإذا قلنا: الأمر أعم لا يشترط فيه المصدرية، حينئذٍ صارت العلاقة العموم والخصوص الوجهي، فنحتاج إلى ثلاث مواد: مادة الاجتماع، ومادتي الافتراق، مادة الاجتماع: ضربتُ زيداً ضرباً شديداً، نقول: ضرباً نقول: هذا اجتمع فيه أنه مصدر ومفعول مطلق.
وينفرد المصدر عن المفعول المطلق بماذا؟ كلامك كلام حسن، هذان مصدران، وليس بمفعول مطلق، ينفرد المفعول المطلق –النائب-، هذا عنده مفعول مطلق حقيقة، جِدَّ كُلَّ الْجِدِّ، هذا كل ليس بمصدر، وإنما هو مفعول مطلق.
إذاً: إذا اشترطنا المصدرية، حينئذٍ النائب ليس بمفعول مطلق حقيقة، وإنما هو من قبيل التجوز، فالعلاقة حينئذٍ بين المصدر والمفعول المطلق العموم والخصوص المطلق، إذا لم نشترط المصدرية، فحينئذٍ: وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ ينوب عنه في تأدية ما يؤديه المصدر، فيكون مفعولاً مطلقاً حقيقةً، حينئذٍ تكون العلاقة بين المصدر والمفعول المطلق العموم والخصوص الوجهي، يجتمعان في مادة، ويفترق كل واحد منهما في مادة أخرى.
إذاً: المصدر أعم مطلقاً من المفعول المطلق؛ لأن المفعول المطلق لا يكون إلا مصدراً، بناءً على أن ما يقوم مقامه مما يدل عليه خَلَفٌ عنه، وهو الأصل -المصدر هو الأصل-، وذاك خَلَفٌ عنه، إذاً: ليس بمفعول مطلق، إنما نائب عن المفعول المطلق، وفرق بين أن يكون الشيء نائباً، وبين أن يكون حقيقةً، وهو مفعول مطلق.
стр. 1029
وقيل: المصدر والمفعول المطلق بينهما عموم وخصوص من وجه، يجتمعان في الصورة إذا نصب على أنه مفعول مطلق، وينفرد المصدر فيما إذا خرج عن المفعول المطلق، وينفرد المطلق فيما إذا كان نائباً عن المصدر، مثل (كل) وهو مفعول مطلق حقيقة.
يجتمعان في: ضربته ضرباً، وينفرد المصدر في: ضَرْبُكَ ضَرْبٌ أليم، وينفرد المفعول فيما ينوب عن المصدر، أما حقيقة المفعول المطلق، فنقول: هو المصدر، الفضلة، المسلط عليه عامل من لفظه، أو من معناه، هذا شمل النوعين اللفظي، والمعنوي، والمعنوي هذا فيه خلاف هل هو مفعول مطلق أم لا؟
والجمهور على أنه مفعول مطلق.
المصدر، الفضلة، المسلَّط عليه عامل من لفظه، أو من معناه، مسلَّط عليه عامل من لفظه، يعني وافق المصدر عامله في اللفظ، والمعنى معاً، يعني في الحروف والمعنى: ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)) [النساء:١٦٤] كلَّمَ تَكْلِيمًا، جلستُ جلوساً، قعدت قعوداً، ضربت ضرباً، نقول: هذا مصدر، وافق العامل في الحروف وفي المعنى، هذا محل وفاق أنه مفعول مطلق، ويُعَنْوَنُ له باللفظي، أو في معناه نحو: قعدت جلوساً، جلوساً هذا منصوب على أنه مفعول مطلق عند الجمهور، وسيأتي الخلاف فيه، هل العامل فيه الملفوظ أم لا؟
على رأي ابن مالك رحمه الله تعالى هنا، أن جلوساً منصوب بقعدت، قعد وجلس في المعنى واحد، وفي الحروف والمادة مختلفان، إذاً: جلوساً هذا منصوب بعاملٍ هو مفعول مطلق، منصوب بعامل، وافقه هذا المصدر في المعنى دون الحروف، ولذلك قلنا: المسلَّط عليه عامل من لفظه، وهو اللفظي، أو من معناه مثل: قعدت جلوساً، فـ ((كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)) توافقا في اللفظ والمعنى، في الحروف -في المادة-، والمعنى، فـ (تَكْلِيمًا) هذا مفعول مطلق والعامل فيه (كَلَّمَ) وهو موافق له في اللفظ والمعنى: قعدت جلوساً، على قول الجمهور سيأتي الخلاف فيه، جلوساً هذا مفعول مطلق، وعلى رأي ابن مالك والمازني والمبرد أنه منصوب بالفعل المذكور، والجمهور يقدرون له موافق للفظه، فهو منصوب بالفعل المذكور.
حينئذٍ نقول: وافقه في المعنى دون الحروف؛ لأن الجلوس والقعود بمعنى واحد، وأما الحروف فهما مختلفان.
وتَأَلَّيْتُ حِلفةً، اللية هي الحلف، تَأَلَّيْتُ حِلفةً، حِلفةً نقول: هذا مفعول مطلق، والعامل فيه تألى، وهو موافق له في المعنى دون الحروف.
المَصْدَرُ الفَضْلَةُ خرج بالفضلة ما إذا كان المصدر عمدة، قد يكون المصدر عمدة؛ لأنه قد يأتي فاعل، وقد يأتي مبتدأً، وقد يأتي خبراً، وقد يأتي اسم إن أو خبر إن، أو اسم كان، أو المفعول الأول، أو خبر كان، أو المفعول الأول في باب ظن، أو الثاني، إلى آخره، قد يقع عمدة أصالة في الحال، أو بما هو الأصل: كلامك كلام حسن، كلامك مبتدأ، وهو مصدر، وكلام حسن هذا خبر، كلامك كلام حسن، كلامك ما العامل فيه؟ مبتدأ العامل فيه: الابتداء، هل هو من لفظه ومعناه، أو من معناه دون لفظه؟ لا هذا، ولا ذاك؛ لأنه شيء معنوي، لا حروف له، لأنه ما ليس للسان فيه حظ، هذا ضابط العامل المعنوي، والابتداء منه، جعلك الاسم أولاً لتخبر عنه ثانياً.
стр. 1030
إذاً كلامك نقول: هذا مبتدأ، والعامل فيه الابتداء، كلام حسن، كلام، هذا خبر، العامل فيه كلامك وهو المبتدأ.
وَرَفْعُوا مُبْتَدَأً بِالإبْتِدَا ... كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالمُبْتَدَا
إذاً الخبر مرفوع بالمبتدأ، وهنا العامل فيه موافق له في اللفظ والمعنى، كلامك كلام حسن، مثل ضربتك ضرباً، وافقه في اللفظ والمعنى، هل نقول أنه مفعول مطلق؛ لأنه موافق له في اللفظ والمعنى مثل: ((كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا))؟ لا، لماذا؟ لأن كلامك كلام حسن، كلام حسن هذا عمدة لأنه خبر، وإذا كان كذلك لا يمكن أن يكون فضلة؛ لأن الفضلة ما ليس بعمدة، إذاً هنا تسلَّط على الخبر عامل من لفظه ومعناه، ولم يعرب مفعولاً مطلقاً لم ننصبه على المفعولية المطلقة لماذا؟ لانتفاء شرط الفضلة.
كذلك: جَدَّ جِدُّهُ يعني: نشط أمره، جَدَّ فعل ماضي، وجِدُّهُ هذا مصدره، تسلط عليه عامل من لفظه ومعناه، ومع ذلك لم ينتصب على المفعولية المطلقة؛ لكونه عمدة، ويشترط في المفعول المطلق أن يكون فضلة، وهذا ليس بفضلة، وحقيقة الفضلة: ما ليس ركناً في الإسناد، وهنا الفاعل، وذاك الخبر، ركنان في الإسناد، فـ: كلامك وجده سُلِّط عليهما عامل من لفظهما، وهما الفعل والمبتدأ، وليس من المفعول المطلق في شيء.
إذاً: عرفنا هو المصدر، لا بد أن يكون مصدر، فإذا أخذنا المصدر جنساً في حد المفعول المطلق، ما ليس بمصدر ليس بمفعول مطلق، هذه قاعدة مطردة، إذا عرَّفنا وذكرنا الجنس، حينئذٍ كل ما ليس من الجنس ننفي عنه المحدود، فنقول: العلاقة بين المفعول المطلق والمصدر -دائماً بين المحدود والجنس- العلاقة بينهما العموم والخصوص المطلق؛ لأننا أخذناه قيداً في حد المفعول المطلق، حينئذٍ تقول: المفعول المطلق هو المصدر، إذاً كل مفعول مطلق هو مصدر من غير عكس، يرد: جِدَّ كُلَّ الْجِدِّ وَافْرَحِ الْجَذَلْ تقول: هذا نائب عن المفعول المطلق، ونحن نحد المفعول المطلق حقيقة أصالة، وهذا قد ناب عنه، حينئذٍ لا إشكال.
إذاً كل ما ليس بمصدر ليس بمفعول مطلق، كل ما كان مصدراً وليس بفضلة ليس بمفعول مطلق، كل ما كان مصدراً فضلة، ولم يكن موافقاً لعامله في اللفظ والمعنى، أو في المعنى دون اللفظ ليس بمفعول مطلق، هذه القيود كلها أشبه ما تكون شروطاً تبين لنا حقيقة المفعول المطلق.
عرَّفه في الأوضح بقوله: هو اسم -صدره بالاسم؛ لأنه لا يشترط فيه أن يكون مصدراً، على هذا التعريف إذا قلنا: لا يشترط أن يكون فيه مصدر، والنائب عن المفعول المطلق هو مفعول مطلق حقيقة، حينئذٍ نصدر الحد بكونه اسماً-.
стр. 1031
هو اسم يؤكد عامله أو يبين نوعه أو عدده. هذا بيان لأنواع، وأغراض، والفوائد التي يؤتى من أجلها بالمفعول المطلق، لماذا جيء به؟ بعض النحاة يدخل هذه الأنواع الثلاثة في الحد، والأولى إخراجها؛ لأنها أنواع، إذا عرفنا حقيقة المفعول المطلق، حينئذٍ نقول: يتنوع إلى كذا، كما نقول: الكلمة قول مفرد، ثم هي ثلاثة أقسام. إذاً لا ندخل الاسم -حقيقة الاسم- والفعل والحرف في داخل حد الكلمة، بل نحد الشيء ثم نقول: يقسم إلى كذا وكذا، نقول: الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع، وينقسم إلى خبر وإنشاء. إذاً القسمة لا تدخل في الحد، هذا أولى من صنيع ابن هشام -رحمه الله تعالى-.
وليس خبراً ولا حالاً، -هذا الذي أردتُه-، وليس خبراً ولا حالاً، نحو ضربت ضرباً، هذا مثال لمؤكد عامله، ضربت ضرب الأمير للمبين للنوع، ضربت ضربتين للمبين للعدد، بخلاف ضربك ضربٌ أليم، هذا مبين للنوع، لكنه ليس بمفعول مطلق، ضربك ضربٌ أليم، مثل كلامك كلام حسن، ولا حالاً نحو: وَلَّى مُدْبِرًا، هذا قد يقال: بأنه مثل قعدت جلوساً، نقول: لا؛ لأن هذا حال، وإنما جيء بها لبيان صفة صاحب الحال؛ لأنها قيد لعاملها، ووصف لصاحبها، ففرق بين المفعول المطلق وبين الحال.
وَلَّى مُدْبِرًا هذا حال مؤكدة، وافق فيها المنصوب هنا، العامل في المعنى دون اللفظ، لكن نقول: فرق بين الحال والمفعول المطلق، ويفرق بينهما بمعرفة حقيقة الحال ما هي كما سيأتي في محله.
وأكثر ما يكون المفعول المطلق مصدراً، هكذا قال بعد هذا التعريف، صدره بالاسم ثم قال: وأكثر ما يكون المفعول المطلق مصدراً. إذاً قد يكون المفعول المطلق ليس مصدراً، مثل: جِدَّ كُلَّ الْجِدِّ، وعلى هذا معناه أن جِدَّ كُلَّ الْجِدِّ، ((فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ)) [النساء:١٢٩] هذا مفعول مطلق حقيقة، ولا تقل: نائب عن المفعول المطلق، والصحيح أنه نائب عن المفعول المطلق.
والمصدر اسم الحدث الجاري على الفعل، فخرج بهذا القيد اسم المصدر، إذا قيل: حقيقة المفعول المطلق المصدر، معلوم أن ثَمَّ فرقاً بين المصدر واسم المصدر، وسيعقد لهذا باباً في الأخير إن شاء الله تعالى، سيعقد باباً للفرق بين المصدر واسم المصدر، ثم عمل كل منهما.
المصدر ما وافق فعله في الحروف كلها: أعطى إعطاءً، نقول: هذا مصدر، وإذا نقص حرف من المصدر، انتقل من المصدر إلى اسم المصدر، من اسم المصدر يعني أن لا نطلق عليه مصدراً إلى عنوان جديد، وهو اسم المصدر فتقول: أعطى عطاءً أين الهمزة إعطاءً عطاءً؟ كلاهما مصدران في الأصل لأعطى، إلا أنه لما نقص حرف عطاءً، سميناه اسم مصدر، ففرق بين المصدر واسم المصدر، المصدر يكون موافقاً لفعله في عدد الحروف، المادة لا شك فيها في الاثنين، أما المصدر لا بد أن يكون موافقاً لعدد الحروف فلا ينقص حرفاً، قد يزيد لا إشكال، أكرم إكراماً، إكرا .. زاد، أكرم إكراماً زاد حرفاً، لكن لا ينقص، فإن نقص حينئذٍ سميناه اسم مصدر.
стр. 1032
هل يأتي اسم المصدر مفعولاً مطلقاً؟ الجواب: لا، وإنما يكون نائباً، اغتسلت غسلاً، اغتسلت اغتسالاً، قال: اغتسلت غسلاً، غسلاً هذا نقول: نائب عن المفعول المطلق لماذا؟ لكونه اسم مصدر، والشرط هنا أن يكون مصدراً، فانتفى، المصدر قد يكون مصدراً صريحاً، وقد يكون مؤولاً بالصريح، مصدر صريح ننطق به كما هو: كلامك كلاماً حسن، ضربت زيداً ضرباً، ضرباً هذا مصدر صريح، والمصدر المؤول بالصريح ((وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)) [البقرة:١٨٤] قلنا: المبتدأ قد يكون اسماً صريحاً، وهو الذي لا يحتاج في جعله مبتدأً إلى تأويل، وقد يكون اسماً مؤولاً بالصريح، وهو فيما إذا احتجنا إلى جعله مبتدأً إلى تأويل: يعني المؤولات السابقة -الثلاث الأول-، فحينئذٍ نقول: ((أَنْ تَصُومُوا)) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، جعلنا المصدر هذا مبتدأ.
هل يكون المفعول المطلق مصدراً مؤولاً؟ الجواب: لا، لا يكون. إذاً نقيد المصدر بالصريح احترازاً من المؤول بالصريح، فإنه لا يكون مفعولاً مطلقاً.
قال الناظم -رحمه الله تعالى-:
اَلْمَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ ... مَدْلُولَيِ الْفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ
إذاً أراد أن يعرف لنا المصدر؛ لأن المفعول المطلق لا يكون إلا مصدراً، كيف تحكم عليه بأنه مصدر وأنت لا تعرف المصدر، وإن كان هذا باب سيأتي، (أبنية المصدر)، والأصل أنه بحث صرفي، لكن سيذكره الناظم في محله، لكن من حيث المعنى ما المراد بالمصدر؟ لاشك أن الفعل مركب، مركب من حدث ومن زمن، كل فعل ماضي أو مضارع أو أمر، لا بد وأنه مشتمل على شيئين اثنين، شيئين اثنين من حيث الوضع لا من حيث دلالة التزام، هذا شيء آخر، كلامنا في الوضع، يعني ما يدل عليه الفعل بالمطابقة، حينئذٍ قام، قام يدل على قيام وزمن ماضٍ، ويقوم يدل على قيام وزمن في الحال، وقم يدل على طلب قيامٍ حدثٍ في الزمن المستقبل.
إذاً دلالة قام على الشيئين، نقول: دلالة مطابقة، وهذه من المهمات تحفظها، دلالة قام على القيام الذي هو الحدث والزمن بالمطابقة، دلالته على الحدث فحسب، تضمن:
دَلاَلةُ اللَّفْظِ عَلَى مَا وافَقَهْ
وجُزئِهِ تَضَمَناً ....... ... يَدْعُونَها دَلالَةَ المُطَابَقَةْ
إذا دل على جزئه، على جزء الفعل الزمن دون الحدث أو العكس، فهي دلالة تضمن.
إذاً دلالته على الاثنين نقول: دلالة مطابقة، ودلالته على شيء واحد منهما دون الآخر دلالة تضمن، إن دل على المصدر نقول: المصدر يؤخذ من الفعل بالمادة، يعني: كيف نقول: الفعل هذا للماضي وهذا للمستقبل وهذا للحال؟ ونقول: هذا مأخوذ من مصدر كذا، وهذا مأخوذ من مصدر القيام، وهذا مأخوذ من مصدر الجلوس أو القعود؟ نقول: دلالة الفعل على المصدر بالمادة، يعني بالحروف، كيف تعرف أن هذا مأخوذ من القيام، قام ويقوم وقم؟ نقول: مأخوذ من القيام، القيام هو المصدر، ما الذي دلنا التخرص؟ نقول: لا هذا مأخوذ من المادة يعني من الحروف: القاف والألف والميم، كذلك صام مأخوذ من الصيام أو الصوم، حينئذٍ نقول: دل عليه بالمادة بالحروف.
стр. 1033
وأما دلالته على الزمن فهذه مأخوذة بالصيغة، وهذه مبحثها عند الصرفيين، ما كان على وزن كذا فهو ماضٍ، وما كان على وزن كذا فهو مضارع، وما كان على وزن كذا فهو أمر، حينئذٍ يحدد الماضي، ولذلك له عند التجرد له ثلاثة أوزان فَعَل فَعِل فَعُل، كذلك المضارع: يَفْعُل يَفْعِل يَفْعَل، ثم بزيادة أحرف المضارعة، الأمر، حينئذٍ نقول: بهذه الصيغ، هي التي تدل على الفعل على الذي دل عليه الفعل، فمعرفة الزمن من جهة الصيغة، ومعرفة المصدر من جهة المادة.
بقي دلالته على شيئين اثنين: الفاعل والمكان، فهي دلالة التزامية؛ لأن اللفظ لا يدل على المكان، وكذلك على الفاعل، لا يدل على الفاعل، اللفظ قام لا يدل على الفاعل، ولا يدل على المكان، فدلالة الفعل على الزمن أقوى من دلالة الفعل على المكان؛ لأن دلالة الفعل على الزمن دلالة تضمنية بالمطابقة بالوضع، أصل الوضع، ودلالته على المكانة، دلالة التزامية، دلالته على الفاعل، دلالة التزامية، لازم له، ولذلك بعضهم يجعل هذا الجزء في وضع الفعل فيقول: الفعل مركب من ثلاثة أشياء، ليس من شيئين، مركب من ثلاثة أشياء: المصدر والزمن والنسبة إلى فاعلٍ ما، هذه النسبة إلى فاعلٍ ما، مأخوذة بدلالة الالتزام، لكن هل هي مرادة عند الواضع وضعاً أم التزاماً، هذا محل نزاع، والأشهر أنه بدلالة التزام، وأن الفعل يدل على شيئين اثنين فقط.
اَلْمَصْدَرُ -أراد أن يعرفه- اسْمُ: يعني هو، اسْمُ يدل على مَا سِوَى الزَّمَانِ، ما هو سِوَى الزَّمَانِ؟ هو الحدث؛ لأنه ليس عندنا إلا اثنان، إما زمان وإما حدث، مَا سِوَى الزَّمَانِ هو الحدث، والمصدر اسم الحدث، والحدث ما هو؟ هو ما يقوم به الفاعل، ما يفعله الفاعل، يعني: نحن نبحث عن ألفاظ، ومدلول الألفاظ قائمة بحركات الناس وسكناتهم، إذا قلت: نام، النوم أين يحدث في الفم أم خارج الفم؟ إذا قلت: نام، النوم له حقيقة، نام زيدٌ، فقلت: زيد، زيد أين هو في فمك أم خارج؟ إذاً المعاني التي تدل عليها الألفاظ، هذه موجودة في الخارج في الواقع، والألفاظ هذه أدلة عليها.
اَلْمَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ يعني: اسم الحدث الجاري على الفاعل، فإذا قلت: ضربٌ، نقول: ضربٌ هذا مصدر، نحن قلنا: الحدث، أين هو الحدث؟ إذا قلت: ضربٌ، ضربٌ هذا في فمك، ما يصدق عليه ضربٌ أين هو؟ في الخارج، إذاً ليس هو بلغو، الذي يكون محسوساً اسمه ضرب، ضربٌ اسمه مصدر. إذاً المصدر اسم مسماه اللفظ، سبق معنا أن الكلمة قد تطلق ويكون مسماها ذات كزيد، أو معنىً كعلم، وعقل، وقد يكون مسماها لفظاً، تقول: زيدٌ كلمةٌ، كلمة في هذا التركيب اسم، مسماه لفظ زيد، هنا إذا قلت: مصدراً، قتلٌ مصدر، ضربٌ مصدر، أكلٌ مصدر. إذاً مصدر هذا اسم، مسماه اللفظ، وأما اللفظ المسمى الذي هو الضرب، اسم الحدث الجاري الواقع من الشخص نفسه.
اَلْمَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ ... مَدْلُولَيِ الْفِعْلِ .. وهو الحدث.
стр. 1034
إذاً المصدر اسم الحدث الجاري على الفعل، اسم مسماه اللفظ، يعني ليس المراد به القتل نفسه هو المسمى المصدر، لا، ليس هذا. كلمة مصدر ليس مسماه القتل نفسه، أو الضرب نفسه، أو النوم، أو الأكل، أو الشرب، لا، ليس هذا، وإنما اسم مسماه اللفظ الدال على الحدث نفسه، فتقول: مصدر مسماه القتل، والقتل مسماه حقيقة القتل نفسه، الذي تراه تدركه بالنظر أو بالفعل، ففرق بين دلالة الشيء على اللفظ ودلالة الشيء على المعنى.
اَلْمَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ يعني: يدل على ما سوى الزمان، اَلْمَصْدَرُ هذا مبتدأ، واسْمُ هذا خبره، ومَا في محل جر مضاف إليه، وسِوَى متعلق بمحذوف صلة (ما)، يعني الذي استقر.
سِوَى الزَّمَانِ يعني غير الزمانِ.
مِنْ مَدْلُولَيِ هذا في موضع حال، نصب حال من الضمير المستتر في الصلة، يعني استقر سوى الزمانِ حال كونه من مدلولي الفعل، ثَنَّى مَدْلُولَيِ؛ لأن الفعل ليس له إلا مدلولان: الحدث والزمان.
قال: اَلْمَصْدَرُ اسْمُ. إذاً عبر بكون المصدر اسم، اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ، ما هو سِوَى الزَّمَانِ؟ الحدث. إذاً المصدر اسم الحدث، تأخذ من هذا البيت أن المصدر اسم الحدث، وأما الحدث نفسه فهو الذي يدرك بالحس، اسمه: اللفظ الذي وضع له في لسان العرب.
كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ، أَمِنْ هذا مصدر، أَمن يأمن أمناً، كضرب يضربُ ضرباً. أَمِنْ هذا اسمه مصدر، والأمنُ اسم مسماه الأمن، حقيقة الأمن نفسه، فرق بين الاثنين، كأمنٍ من مدلولي أمن، وقتلٍ من مدلولي قتل، وضربٍ من مدلولي ضرب، وشرب من مدلولي شرب، وهَلُمَّ جَرّاً.
إذاً اَلْمَصْدَرُ اسْمُ (مَا): مَا حدث مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ مَدْلُولَيِ الْفِعْلِ، فـ (ما) واقعة على حدث.
قال الشارح: الفعل يدل على شيئين: الحدث والزمان، يدل عليهما، يعني بالوضع ليس مطلقاً؛ لأن دلالة الالتزام معتبرة هنا، وهو يدل على الفاعل بدلالة الالتزام، ويدل على المكان بدلالة الالتزام، فقام يدل على قيام في زمن ماضي، ويقوم يدل على قيام في الحال، أو الاستقبال، هذا على المشهور أنه حقيقة في الحال والاستقبال، والصواب أنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال، هذا الصحيح لماذا؟ لأنه إذا أريد الاستقبال لا بد من قرينة، إما (لن) أو (السين) أو (سوف) .. إلى آخره، وما افتقر أو احتاج إلى قرينة، هذا فرع ما لا يحتاج إلى قرينة، وإذا أُطلق الفعل المضارع حُمِل على الحال، وقم يدل على طلب قيام في الاستقبال، والقيام هو الحدث، وهو أحد مدلولي الفعل، وهو المصدر، وهذا معنى قوله: مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ مَدْلُولَيِ الْفِعْلِ .. فكأنه قال: المصدر اسم الحدث كَأَمْنٍ، -وهذا حق-، المصدر اسم الحدث كَأَمْنٍ، المصدر اسم. إذاً الاسم أعم من المصدر، فكل مصدر اسم ولا عكس.
إذاً من علامات الاسم كونه مصدراً، إذا ثبت أنه مصدر فهو من علامات الاسم.
والمفعول المطلق: هو المصدر المنتصب توكيداً لعامله، أو بياناً لنوعه أو عدده، نحو: ضربتُ ضرباً، وسرتُ سَيرَ زيدٍ، وضربتُ ضربتين.
ثم قال:
بِمِثْلِهِ أَوْ فِعْلٍ أوْ وَصْفٍ نُصِبْ
стр. 1035
أراد أن يبين المفعول المطلق ما العامل فيه، قال: قد ينصب بالفعل وهو الأصل، وينصب بالوصفِ، وهو اسم الفاعل، واسم المفعول، وأمثلة المبالغة، واختلف في أفعل التفضيل، والصفة المشبهة.
أو بمثله وهو المصدر.
إذاً المفعول المطلق ينصب بمثله، يعني: بمصدر مثله، لفظاً ومعنىً، أو معنىً دون لفظٍ، يعني: يعمل المصدر في المصدر، فينصبه على أنه مفعول مطلق له، ثم قد يكون المفعول المطلق، موافقاً للعامل المصدر، في اللفظ والمعنى معاً، أو في المعنى دون اللفظ ((فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا)) [الإسراء:٦٣] جَزَاءً مفعولٌ مطلق، العامل فيه جَزَاؤُكُمْ، ((فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ)) وقع خبراً، وهو مصدر موافقٌ له (جَزَاءً) في اللفظ والمعنى.
ولو معنىً دون لفظٍ، نحو: أعجبني قيامك وقوفاً، على ما سبق، أعجبني: فعل ومفعول به، قيامك فاعل، وهو مصدر مضاف إلى فاعل، وقوفاً هذا مصدر، عمل فيه قيامك، كل منهما مصدر، مثل قعدتُ جلوساً، قيامك وقوفاً، نقول: وقوفاً هذا مفعول مطلق، والعامل فيه المصدر، وهو موافق له في المعنى دون اللفظ؛ لأن القيام والوقوف بمعنى واحد.
بِمِثْلِهِ: هذا جار ومجرور متعلق بقوله: نُصِبْ، نصب بمثله يعني: المفعول المطلق -المصدر السابق-، ينصب بمثله، وهو المصدر، سواء كان موافقاً له في اللفظ والمعنى كالآية المذكورة، أو في المعنى دون اللفظ كالمثال المذكور.
أَوْ للتنويع.
فِعْلٍ فيكون العامل في المفعول المطلق فعل، كقوله: ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)) [النساء:١٦٤]، ويشترط في الفعل الذي ينصب مفعولاً مطلقاً، أن يكون متصرفاً، وأما الجامد فلا، الجامد مثل (نعم) و (بئس)، و (عسى)، و (ليس)، وفعل التعجب، هذه لا تنصب مفعولاً مطلقاً.
أن يكون تاماً، أن لا يكون ناقصاً، فكان وأخواتها هل تنصب مفعولاً مطلقاً؟ الجواب: لا.
أن لا يكون مُلغىً عن العمل، وهذا فيما إذا كان ظن وأخواته، اإذا توسطت ورجحنا الإلغاء، أو تأخرت ورجحنا الإلغاء، هذا الأصل فيه، أو يكون متقدماً فيلغى من جهة اللفظ فحسب.
إذا ثلاثة شروط يجب أن تتوفر في الفعل الذي ينصب المفعول المطلق، وهل يشترط فيه أن يكون متعدياً؟
لا يشترط في المفعول الذي يُنصب بفعلٍ أن يكون متعدياً إلا نوعاً واحداً، وهذا ذكرناه، ولذلك قلنا: الحال لا يشترط فيها أن يكون العامل فيها متعدياً، ومثَّلنا بقوله: جاء زيدٌ راكباً، قلنا: راكباً هذا حال، والعامل فيه جاء، وهو لازم ليس بـ بمتعدي: فَانْصِبْ بِهِ مَفْعولَهُ، قلنا: ينصب الفعل المتعدي المفعول، وما عداه لا يتعدى إلى مفعول به البتة، وأما سائر المفاعيل هذا لا يشترط فيها التعدي، بل تكون مع اللازم، ومع المتعدي.
إذاً بِمِثْلِهِ أَوْ فِعْلٍ أوْ وَصْفٍ ((وَالصَّافَّاتِ صَفًّا)) [الصافات:١] صَفًّا: هذا مفعولٌ مطلق موافقٌ لعامله في اللفظ والمعنى، والعامل فيه الصَّافَّاتِ، وهو اسم فاعل جمع صاف، وكذلك ((وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا)) [الذاريات:١] ذَرْوًا مفعولٌ مطلق ((فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا)) [المرسلات:٢] عَصْفًا مفعولٌ مطلق .. إلى آخر.
стр. 1036
فالعامل فيه وصف، وهو مضروب ضرباً، ضرباً هذا مفعولٌ مطلق، والعامل فيه مضروبٌ، وهو اسم مفعول.
يشترط في الوصف الذي ينصب المفعول المطلق شرطان: أحدهما أن يكون متصرفاً، فالجامد لا ينصب مفعولاً مطلقاً، ثانيهما أن يكون اسم فاعل، أو اسم مفعول، أو صيغة مبالغة، هذه ثلاثة، فإن كان اسم تفضيل لم ينصب المفعول المطلق بغير خلافٍ فيما نعلم، -جوَّزه بعضهم،- وأما قول الشاعر:
أَمَّا المُلُوكُ فَأنتَ اليَوْمَ أَلأَمُهُمْ ... لُؤْمًا وَأَبْيَضُهُمْ سِرْبَالَ طَبَّاخِ
أَلاَمُهُمْ لَؤْماً، لُؤْمًا ظاهره أنه مصدر عمل فيه أَلأَمُهُمْ، وهو أفعل تفضيل، فانتصب على أنه مفعولٌ مطلق، هذا الظاهر، والجماهير أو من حكى الإجماع على المنع، يقدره مصدراً لفعلٍ محذوف: فأنت اليوم ألأمهم تلؤم لُؤماً، تَلؤُمُ تفعُلُ، تَلؤُمُ لُؤماً، حينئذٍ لُؤماً هذا مفعول مطلق، لكن ليس العامل فيه اسم التفضيل، بل فعل مقدر من لفظه.
واختلفوا في الصفة المشبهة، فحملها قوم على أفعل التفضيل، ومنعوا من نصبها المفعول المطلق، وذهب ابن هشام إلى جواز نصبها إياه مستدلاً بقول النابغة الذبياني:
وَأَرَانِي طَرِبَاً فِي إِثْرِهِمْ ... طَرَبَ الوَالِهِ أو كالمُخْتَبَلْ
طَرِبَاً على وزن فَعِل حَذِر، وهو صفة مشبهة. طَرِبَاً طَرَبَ الوَالِهِ مثل: ضرب الأمير.
إذاً هذا في ظاهره أنه منصوبٌ بـ (طرباً)، وهو صفة مشبهة، وبقي على ظاهره ابن هشام، فجوَّز في الصفة المشبهة أن تنصب مفعولاً مطلق، لكن الجماهير على أن يقدر له مثل ما قُدِّر في: أَلاَمُهُمْ لَؤْماً، حينئذٍ التقدير يكون: أراني طرباً في إثرهم أطربُ طربَ الواله، على نحو ما قالوه في أفعل التفضيل.
إذاً نُصِبْ المفعول المطلق، أو ذالك المصدر على المفعولية المطلقة بِمِثْلِهِ أَوْ فِعْلٍ أوْ وَصْفٍ، هذه الثلاثة الأشياء تعمل في المفعول المطلق، وأفعل التفضيل، حكي الإجماع على أنها لا تنصب المفعول المطلق، والصفة المشبهة الجماهير على المنع، وجوزه ابن هشام -رحمه الله تعالى-.
نُصِبْ قال بعضهم: إِنْ لَمْ يَنُبْ عَنْ فَاعِلٍ فإن أنيب حينئذٍ رفع، كما هو الشأن في المفعول به: فَانْصِبْ بِهِ مَفْعولَهُ إِنْ لَمْ يَنُبْ، هنا نُصِبْ: إِنْ لَمْ يَنُبْ عَنْ فَاعِلٍ غُضِب غضب شديد، غضبتُ غضباً شديداً، فأراد أن يحذف الفاعل؛ لئلا يساء به أنه سريع الغضب، قال: غُضِب –اليوم-، أو غُضب غضبٌ شديد، غضبٌ شديد هذا نائب فاعل، حينئذٍ من جوز أن يكون هذا المفعول المطلق نائب فاعل، حينئذٍ ينصب ما لم ينب عن الفاعل، فإن أنيب حينئذٍ أخذ حكم نائب الفاعل.
وَكَوْنُهُ أَصْلاً لِهذَيْنِ، وَكَوْنُهُ أي المصدر أَصْلاً في الاشتقاق، لِهذَيْنِ الفعل والوصف، اُنتُخِبَ يعني اختيرَ، وهذا مذهب البصريين، ومسألة المصدر والفعل المشتق منه، وأيهما مشتق من الآخر، هذه طويلة الذيل قليلة النفع، بل معدومة النفع، وكثر الكلام حولها أيهما أصلٌ للآخر، وإن كان المرجح أن المصدر أصلٌ لفرعيه:
والمَصْدرُ الأَصْلُ وَأَىُّ أَصْلِ ... وَمِنهُ يَا صَاحِ اشْتِقَاقُ الفِِعْلِ
стр. 1037
هذا الذي اختاره ابن مالك -رحمه الله تعالى-، وابن الأنباري في الإنصاف في مسائل الخلاف، عنون لهذه المسألة، وأطال النفس فيها، فمن أرادها فليرجع إليها.
وَكَوْنُهُ أي المصدر، كَوْنُهُ هذا مبتدأ مضاف إلى اسمه، وهو كان، وأَصْلاً هذا خبر كان، وجملة: اُنتُخِبَ خبر المبتدأ، فكان هنا مبتدأ فتحتاج إلى خبرين: خبر باعتبارها مبتدأ، وخبر باعتبارها فعلاً ناقصاً، خبرها باعتبار كونها –كان-ناقصة أصلاً، وباعتبار كونها مبتدأ اُنتُخِبَ، ولِهذَيْنِ المراد به الفعل والوصف، متعلق بقوله: أَصْلاً، لماذا انتُخِبَ اختِيرَ؟ لأن كل فرع يتضمن الأصل وزيادة، هذه أقوى حجة عند البصريين؛ أن كل فرع يتضمن الأصل وزيادة، والفعل والوصف بالنسبة إلى المصدر كذلك دونه؛ لأن المصدر يدل على حدث فقط، والفعل يدل على حدث وزيادة، وهو الزمن، والوصف يدل على حدث وزيادة، وهو الذات، حينئذٍ نقول: الوصف يدل على الفاعل -من جهة العموم-، والحدث بدلالة المطابقة، على جزئه، الذات فقط، أو الحدث فقط نقول: دلالة تضمن، مقصودي بهذا: أن الفعل مع كونه أصل دل على الفاعل بدلالة التزام، واسم الفاعل مع كونه فرع عن الفعل، دل على الفاعل بدلالة المطابقة، وأيهما أقوى، أيُّ الدلالتين أقوى؟ المطابقة لأنها وضعية، وأما دلالة الالتزام، لا، هذه خارجة عن مسمى اللفظ، حينئذٍ دلالة الفرع على الفاعل أقوى من دلالة الأصلِ.
الشاهد أن الفعل يدل على حدث وزيادة وهو الزمن، والوصف يدل على حدث وزيادة، وهو دلالة الذات، والمصدر يدل على الحدث فقط، وما دل على شيئين اثنين فرع عما دل على شيء واحد، وهذا واضح بين.
وَكَوْنُهُ أي المصدر، أَصْلاً لِهذَيْنِ الفعل والوصف، اُنتُخِبَ اختِيرَ، وهو الأرجح.
قال ﵀: ينتصب المصدر بمثله، أي بالمصدر أو بالفعل أو بالوصفِ، ومذهب البصريين أن المصدر أصلٌ، والفعل والوصف مشتقان منه، وهذا معنى قوله: وَكَوْنُهُ أَصْلاً لِهذَيْنِ انْتُخِبْ، أي المختار أن المصدر أصلٌ لهذين أي الفعل والوصف، ومذهب الكوفيين عكس، الفعل أصل، والمصدر مشتق منه، وهذا مردود ضعيف؛ لأنه يلزم منه أن يكون الفرع يدل على شيءٍ واحد، والأصل يدل على شيئين، وهذا خلاف المنطوق خلاف المعقول، المعقول يدل على أن الفرع يكون متضمناً للأصل وزيادة، هذا هو الأصل، فإذا عكسنا ما هو معقول ومنطوق، حينئذٍ نقول: هذا فيه نظر.
وأما القول بأنه إذا جيء بالمصدر يكون ثالثاً ضربَ يضربُ ضرباً، ابن آجروم هكذا عرَّفه: الذي يجيء ثالثاً في تصريف الفعل، هذا مشكل ضرَبَ يضرِبُ ضرباً.
стр. 1038
إذاً الأصل هو الفعل الماضي، ثم جاء ضرباً نقول: لا، هذا ليس بمطرد، وإنما اصطلح النحاة على أنهم يذكرون المصدر بعد الفعل، وليس بلازم، لو قال: ضربَ ضرباً يضربُ، ضرباً ضربَ يضربُ، يضرب ضرباً ضرب، نقول: هذا كله جائز؛ لأن الأصل الذي اتخذه النحاة من تقديم الفعل الماضي على المصدر، ليس لدلالة على أنه أصل، وإنما للذكر فحسب، أشبه ما يكون بشيء عُرفي عند النحاة فحسب، وإلا لو قدم وأخر لا بأس به، لا نقول: إذا قال: ضرباً ضربَ يضرب، وقع في محذور منكر، نقول: لا، هذا صحيح، وذاك صحيح، وإنما الأولى أن يقدم الفعل الماضي: ضرَبَ يضرِبُ ضَرْباً، الذي يجيء ثالثاً في تصريف الفعل، وهذا من باب التقريب للمبتدأ: قَتَلَ يقتُلُ قتلاً، جلسَ يجلسُ جلوساً.
إذاً لا بد من الرجوع إلى معرفة أبنية المصادر، فهي مسألة توقيفية يعني: أشياء تحفظ، ويقاس عليها، منها ما هو قياسي، ومنها ما هو سماعي، والقياسي كثير، وفي باب الثلاثي السماعي كثير حتى قيل أنه لا قياسي فيه، نفى بعضهم القياس، وأظُن ابن حاجب على هذا في الشافية، ومر معنا.
إذاً مذهب الكوفيين، أن الفعل أصل؟؟؟، والصحيح المذهب الأول؛ لأن كل فرع يتضمن الأصل وزيادة، والفعل والوصف بالنسبة للمصدر كذلك؛ لأن كلاً منهما يدل على المصدر وزيادة، فالفعل يدل على المصدر والزمان، والوصف يدل على المصدر والفاعل، هذا أرجح.
تَوْكِيدَاً أَوْ نَوْعَاً يُبِينُ أَوْ عَدَدْ ... كَسِرْتُ سَيْرَتَيْنِ سَيْرَ ذِي رَشَدْ
أراد أن يبين لنا بعد ما بين حقيقة المفعول المطلق، ما هي الفوائد والأغراض التي يؤتى بالمفعول المطلق من أجلها؟
قال: ثلاث فوائد: تَوْكِيدَاً، أَوْ نَوْعاً، أَوْ عَدَدْ، إما أن يجاء بالمفعول المطلق ليؤكد عامله، أو يبين نوعه، أو يبين عدده، إما هذا، وإما ذاك.
كَسِرْتُ سَيْرَتَيْنِ سَيْرَ ذِي رَشَدْ قسمهُ إلى ثلاثة أنواع، ومثَّل بمثالين، مثَّل للعدد بقوله: سَيْرَتَيْنِ، وللنوع بقوله: سَيْرَ ذِي رَشَدْ.
قوله: تَوْكِيدَاً هذا مفعولٌ مقدم لقوله: يُبِينُ، (يبين توكيداً او نوعاً)،بإسقاط همزة أو للوزنِ، تَوْكِيدَاً أوْ نَوْعاً يُبِينُ، يُبِينُ هذا فعل مضارع، وتَوْكِيدَاً هذا مفعول به مقدم عليه، و (أَوْ) حرف عطف، ونَوْعَاً معطوف على المنصوب، والمعطوف على المنصوب منصوب.
إذاً أول غرض وأول حكمة وفائدة لمجيئنا بالمفعول المطلق، أنه يكون مؤكِّداً، مؤكِّداً لأي شيء؟ يطلق النحاة مؤكِّداً لعامله فتقول: ضربتُ ضرباً، ضرباً هذا مؤكِّد للعامل، وهو الضرب.
توكيداً لعامله، والأولى أن يقال: لمعنى عامله.
стр. 1039
المؤكِّد لعامله أي لمعنى عامله، ثم المراد بمعنى عامله المصدر، المراد به بعض الفعل، بعض العامل، وليس كل العامل لماذا؟ لأنك إذا قلت: ضربتُ ضرباً، ضرباً هذا تأكيد للعامل، وهو ضرب، مؤكِّد له توكيداً لفظياً أو معنوياً؟ التوكيد المعنوي محصور في النفس والعين، وتلك الألفاظ الخمسة، هذا ليس واحداً منها، حينئذٍ هو لفظي، إذاً صار تأكيداً لفظياً حينئذٍ لا بد أن يكون المؤكَّد والمؤكِّد متحدين في المعنى، كلٌ منهما مدلوله شيء واحد، لا يكون المؤكِّد دالاً على شيء واحد، والمؤكَّد دالاً على شيئين اثنين، وإذا نظرنا إلى (ضرباً) أنه توكيد بضربَ، ضَرْب يدل على شيء واحد؛ لأنه مصدر، وضَرَبَ يدل على شيئين اثنين، ومن شرط التأكيد اللفظي التطابق في المعنى، فلا بد أن يكون المؤكِّد، وهو ضرباً مطابقاً للمعنى الذي دل عليه المؤكَّد وهو ضرَبَ، فحينئذٍ لابد من جعل ضرْباً مؤكِّداً للمصدر الذي دل عليه ضربَ لا لجميع ضرَبَ، فهو مؤكِّد لبعض الفعل العامل، وليس لكله، أما قلنا: الفعل مركب من شيئين زمن ومصدر؟ إذاً ضرباً هذا مؤكِّد للزمن؟ لا، ليس مؤكِّداً للزمن، وإنما هو مؤكِّدٌ للمصدر، إذاً تطابقا أو لا؟ تطابقا، لابد من التأويل، وهذا فقه عجيب.
ضربتُ ضرباً، ضرباً نقول: هذا مؤكِّد للمصدر الذي دل عليه ضَربَ لا لمجموع ضَربَ؛ لأننا لو جعلناه مؤكِّداً لمجموع ضرب، وهو مركب من شيئين، لتخالف عندنا المؤكِّد، والمؤكَّد، وهذا فساد، فحينئذٍ نقدر أن ضرباً مؤكِّد للمصدر فنقول: ضربتُ ضرباً، كأنه قال: أحدثتُ ضرباً ضرباً، ضربتُ ضرباً في قوة قولك: أحدثتُ ضرباً ضرباً، فضرباً ضرباً نقول: الثاني هو المؤكِّد، وضرباً الأول هو الذي دل عليه الفعل، إذا أردنا حل الجملة نقول: أحدثت ضرباً ضرباً؛ لأن ضَربَ معناه أحدثت ضرباً، أكلتُ أحدثتُ أكلاً، نمتُ أحدثتُ نوماً .. إلى آخره، فضَربَ أحدثتُ ضرباً ضرباً، جاء مؤكِّداً للمصدر.
إذاً توكيد لمعنى عامله أي للمصدر الذي دل عليه العامل.
المؤكِّد لعامله: أي لمصدر عامله الذي تضمنه ليتحد المؤكِّد والمؤكَّد، فنجعله مؤكِّداً للمصدر الذي دل عليه العامل، إذ ذالك شرطٌ في التوكيد اللفظي الذي هذا منه، ضربتُ ضرباً نقول: هذا توكيد لفظي.
إذاً القسم الأول المفعول المطلق المؤكِّد، هذا نقول: توكيدٌ لفظي، وليس توكيداً معنوياً.
فمعنى قولك: ضربتُ ضرباً أحدثتُ ضرباً ضرباً، والمراد إفادته التوكيد من غير بيان نوعٍ أو عدد؛ لأن المراد تأكيد المصدر فحسب، وأما الضرب هذا يتنوع، الضرب منه قبيح منه حسن منه شديد مؤلم، منه ضعيف، منه بين بين، إذاً أنواع هو، وكذلك قد يكون ضربة، وضربتين، وضربات، وعشر ضربات، نقول: هذا المراد بالمؤكِّد هنا اللفظي بيان تأكيد المصدر فحسب بقطع النظر عن نوعه وعدده؛ لأن هذا له قسمان مستقلان.
من غير بيان نوعٍ أو عدد، وإلا فالتوكيد لازم للمفعول المطلق مطلقاً، كل الأنواع فيها نوع توكيد، وإن كان لا يقصد، وسمي توكيداً؛ لأنه لم يفد غير ما أفاده الفعل الناصب له.
إذاً تَوْكِيدَاً المراد إفادته التوكيد من غير بيان نوعٍ أو عدد.
стр. 1040
المؤكِّد إذا جيء به ضربتُ ضرباً، المراد به التوكيد من غير تعرض لعدد أو بيان نوع؛ لأن كلاً منهما قد وضع له قسم مستقل، وإلا فالتوكيد لازم للمفعول المطلق مطلقاً، يعني الأقسام الثلاثة كلها مؤكِّدة، لكن لما تمحض القسم الأول للتوكيد عُنوِن له بهذا العنوان، ولما كان مراعاة بيان النوع في القسم الثاني مع التوكيد جُعل مبيناً للنوع، ولما كان الغالب أو المراد أو المقصد من العدد بيان العدد مع التأكيد، جُعل عنواناً له وترجمةً له، وإلا الثلاثة كلها من المؤكِّدات، لكن المؤكِّد الأول النوع الخاص؛ لأنه تمحض للتأكيد، ولم يأت لبيان عددٍ، ولا بيان نوعٍ، حينئذٍ سمي مؤكِّداً، وإن كان لا يقصد، وسمي توكيداً؛ لأنه لم يفد غير ما أفاده الفعل الناصب له، ضربتُ ضرباً ما زاد شيئاً، أحدثت ضرباً ضرباً لم يزد أي شيء، بخلاف ضربتُ ضرب الأمير، وضربتُ ضربتين، فيه زيادة على ما دل عليه المصدر، أما ضربتُ ضرباً ليس فيه زيادة.
والمؤكِّد صورته، أو حقيقته، وضابطه: أن يكون مصدراً منكراً، ضرباً، ضربتُ ضرباً، هذا مصدر منكر، غير مضاف ولا موصوف؛ لأنه لو أضيف أو وصف حينئذٍ تعين، صار فيه نوع تخصيص، وهو المراد به أن يكون اسم جنس مبهم كما سيأتي.
سواء كان عامله فعلاً نحو: ضربتُ ضرباً، أم وصفاً نحو: أنا ضاربٌ زيداً ضرباً، ضرباً هذا نقول: مفعول مطلق، والعامل فيه الوصف كما سبق، وسواء كان من مادته كالمثالين السابقين أم كان العامل من مادة مرادف لمادته، -هذا كما ذكرناه-: أعجبني قيامك وقوفاً، وقوفاً نقول: هذا مصدر مفعولٌ مطلق، والعامل فيه السابق.
نحو: قعدتُ جلوساً –السابق-، وأنا قاعدٌ جلوساً.
تَوْكِيدَاً أوْ نَوْعاً.
إذاً تَوْكِيدَاً يبين المصدر إذا ذُكر مع عامله توكيداً، نحو: اضرب ضرباً.
أوْ نَوْعَاً يعني أو يبين المصدر نوعاً، يعني بيان نوع العامل؛ لأن العامل يختلف، له أنواع فيما يكون له أنواع، فحينئذٍ يجاء بالمفعول المطلق للدلالة على نوع العامل، ما نوعه؟ نقول: هذا له صور، وصوره عديدة، أشهرها أن يكون مصدراً مضافاً، إذا أُضيف المصدر، حينئذٍ نقول: هذا مُبينٌ للنوع، كالمثال الذي ذكره الناظم: سِرْتُ سَيْرَ ذِي رَشَدٍ، السير يختلف، ذي رشد، وغير الرشد، قال: سِرْتُ سَيْرَ ذِي رَشَدٍ، إذاً خصص العامل، سِرْتُ هذا مطلق، فيه إطلاق، سير ذي رشد وغيره، فلما جاء سَيْرَ ذِي رَشَدْ نقول: هذا بيَّن نوع العامل.
إذاً الأول أن يكون مصدراً مضافاً، ومنه المثال الذي ذكره الناظم.
стр. 1041
الثاني: أن يكون المصدر مقروناً بـ (أل) سواء كانت (أل) عهدية، أو كانت جنسية دالةً على الكمال: اجتهدتُ الاجتهادَ، الاجتهادَ: هذا مفعول مطلق، و (أل) هذه يحتمل أنها عهدية، يعني اجتهدت الاجتهاد الذي بيني وبينك معهود، إما أنه قوي وإما أنه ضعيف .. إلى آخره، يعني يحتمل، أو: اجتهدت الاجتهاد يعني الاجتهاد الكامل، هذا إذا جعلنا (أل) جنسية للدلالة على الكمال، حينئذٍ في النوعين: العهدية والجنسية، نجعل هنا المصدر مبيناً لنوع العامل؛ لأن اجتهدتُ .. -وهذا الاجتهاد يختلف له صور عديدة جداً-، فإذا قال: الاجتهاد اجتهدتُ الاجتهاد المعهود بيني وبينك إما قوةً، أو ضعفاً، أو توسطاً، حينئذٍ نقول: هذا تخصيص له في بعض أفراده، والذي دل على ذلك (أل) العهدية، وإن كان المراد به كمال الاجتهاد، حينئذٍ نجعل (أل) هذه جنسية دالة على الكمال.
ثالثاً: أن يكون المصدر موصوفاً، ضربتُ زيداً ضرباً شديداً، شديداً هذا صفة لـ (ضرباً)؛ لأن الضرب أنواع، فإذا قلت: شديداً، حينئذٍ وصفته، بينت نوع العامل.
أن يكون المصدر موصوفاً: ضربت زيداً ضرباً شديداً.
الرابع: أن يكون المفعول المطلق وصفاً مضافاً إلى المصدر: رضيتُ عن زيدٍ أجملَ الرِّضا، هنا وصفٌ مضاف إلى الرِّضا، وهو مصدر، وهذا سيأتي أنه من باب النيابة.
أن يكون المفعول المطلق وصفاً مضافاً إلى المصدر: رضيتُ عن زيدٍ أجملَ الرِّضا، نقول: أجملَ الرِّضا هذا نائب عن المفعول المطلق، وهو مضاف إلى المصدر، ما نوعه؟ نقول: مبين للنوع.
الخامس: أن يكون المفعول المطلق اسم إشارة منعوتاً بمصدرٍ مُحلى بـ (أل): أكرمتُكَ ذلك الإكرامَ، أكرمتُكَ ذلك -ذاك-، ولا يشترط أن يوصف كما سيأتي، فحينئذٍ نقول: ذاك أو ذلك هذا مفعول مطلق، وصف بالمصدر.
السادس: أن يكون المصدر نفسه دالاً على نوع من أنواع عامله: رجعتُ القهقرى، رجعتُ، الرجوع هذا يختلف أنواع، والقهقرى هذا مصدر، وهو بنفسه، بلفظه بمعناه بصيغته دال على نوع من أنواع العامل. سرتُ الخبَبَ.
السابع: أن يكون المفعول المطلق لفظ (كل)، أو (بعض) مضافاً إلى المصدر ((فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ)) [النساء:١٢٩] كُلَّ هذا نائب عن المفعول المطلق كما سيأتي، وهو مضاف مصدر، ضربتُ زيداً بعض الضربِ، بعض الضربِ هذا مضاف إلى المصدر.
الثامن: أن يكون المفعول المطلق (اسم آلة) للعامل: ضربته سوطاً، الأصل ضربتهُ ضربَ سوطٍ حُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وانتصب انتصابه، هذه بعضها من النائب، وبعضها مما هو أصل.
стр. 1042
إذاً أوْ نَوْعاً يُبِينُ، المراد بالمصدر إذا دل على نوع عامله بوجه من الوجوه إما بإضافة وإما بعلمية، وإما بـ (أل)، وإما بوصف، وإما أي شيء يدل على التخصيص، حينئذٍ نقول: هذا مبين للنوعِ، فالفرق بينه وبين التوكيد، أن التوكيد يأتي مطلقاً هكذا (ضرباً)، لا يتصل به أي شيء لا إضافة، ولا (أل)، ولا .. إلى آخره، كل ما ذكر لا يتصل بهذا المصدر، حينئذٍ نقول: هذا مؤكِّد، ضربت ضرباً، ولذلك قلنا: ضرباً يشترط فيه أن يكون مصدراً منكراً غير مضاف، ولا موصوف، ولا محلىً بـ (أل)، والمبين للنوع، حينئذٍ كل ما اتصل به مما يفيد تخصيص ذلك المصدر، حينئذٍ لو قيل بأنه كل ما أفاد شيئاً من خصائص العامل فهو نوعي.
أَوْ عَدَدْ، هذا النوع الثالث، أَوْ عَدَدْ يعني المصدر المسوق مفعولاً مطلقاً لبيان عدد عامله، مثل ما مثل الناظم: سَيْرَتَيْنِ، سِرْتُ سَيْرَتَيْنِ؛ لأن السير قد يختلف، سَيرٌ في أول الليل، سَيرٌ في آخر الليل، سَيرٌ خفيف، سَيرٌ قوي، سَيرُ ذي رشدي، سَيرُ سفيه.
إذاً سَيْرَتَيْنِ: يعني مرتين.
إذاً المفعول المطلق، قد يكون مبيناً لعدد عامله، يعني: عدد مرات إيقاع العامل، فإن وقع مرة واحدة قال: ضربتُ ضربةً بـ (التاء)، إن وقع مرتين قال: ضربتُ ضربتين، إن وقع مرات ضربت ضربات، إذاً بيَّن عدد وقوع العامل.
وهذا يكون في ثلاث صور: أن يكون مصدراً مختوماً بتاء الوحدة، ضربته ضربة.
أن يكون مصدراً مختوماًَ بعلامة تثنية أو جمع، ضربته ضربتين أو ضربات، ومنه مثال الناظم.
ثالثاً: أن يكون المفعول المطلق اسم عدد مميزاً بمصدر، اسم عدد مثل: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً)) [النور:٤] ثَمَانِينَ هذا اسم عدد مميز بمصدر، حينئذٍ نقول: هذا نائب عن المفعول المطلق.
في هذه الصور الثلاث يُحدَد العددي، كما حُدِّد النوعي في ثماني صور، وأما التوكيدي فليس له إلا صورة واحدة، وهي كونه منكراً غير مضاف ولا موصوف.
تَوْكِيدَاً أَوْ نَوْعاً يُبِينُ أَوْ عَدَدْ ... كَسِرْتُ سَيْرَتَيْنِ سَيْرَ ذِي رَشَدْ
قال الشارح: المفعول المطلق يقع على ثلاثة أحوال: أن يكون مؤكِّداً، وهو ما جرد عن الوصف وعن الإضافة: ضربت ضرباً، والثاني أن يكون مبيناً للنوع: سِرْتُ سَيْرَ، سير هذا مصدر، والمصدر اسم جنس مبهم، هذا الأصل فيه، اسم جنس مبهم يعني يحتاج إلى تفصيل، وهو يقع على القليل، والكثير كـ: ماء، وعسل، وخل، وزيت، قلنا: هذا اسم جنس إفرادي يقع على القليل والكثير، كذلك اسم الجنس المبهم كضرب يقع على القليل والكثير، تقول: ضرب زيد ضرباً أبهمت، وهذا (ضرباً) يحتمل ضرباً قليلاً كثيراً مرةً مرتين عشراً، مؤلم غير مؤلم، محتمل للكل، فهو اسم جنس مبهم.
سرت سيراً حسناً، للوصف.
أن يكون مبيناً للعدد، من لفظ المصدر، هذا الأصل فيه: ضربته ضربةً من نفس المصدر، ضربتين ضربات، أما ثمانين جلدة هذا من النائب عن المصدر.
إذاً هذه ثلاثة أنواع للمفعول المطلق.
стр. 1043
بعضهم قسمه إلى قسمين، قال: مبهم ومختص، نفسها، المبهم هو التوكيدي؛ لأنه اسم جنس مبهم، ووجه الإبهام الاحتمال -غير معين-، ضربت ضرباً قلنا: هذا غير معين، والمختص على قسمين: معدود وغير معدود، المعدود العددي، والغير معدود هو النوعي.
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلّ ... كَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ وَافْرَحِ الْجَذَلْ
قَدْ يَنُوبُ عَنْهُ: عن المصدر في الانتصاب على المفعول المطلق.
الظاهر من صنيع الناظم هنا ﵀، أنه يخص المفعول المطلق بالمصدر؛ لأنه قال: المَفْعُولُ المُطْلَقُ، ثم: اَلْمَصْدَرُ اسْمُ .. إلى آخره، ثم قال: وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ، يَنُوبُ عَنْهُ عن المصدر في الانتصاب على أنه مفعول مطلق ما سيذكره، وقَدْ هنا للتحقيق.
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ عن المصدر، يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلّ: ما دل عليه، مَا هذه فاعل لينوب.
ما دل عليه، على المصدر، دَلّ يعني بمغايرة له في اللفظ، ودال عليه بالمعنى، لا بد أن تكون ثم مغايرة بين الدال والمدلول، إذ لو كان ثم مطابقة لصار عينه هو، ضربت ضرباً، إذاً لا بد أن يغاير المفعول المطلق للمصدر في اللفظ، ولو كانا مصدرين مثل: وَافْرَحِ الْجَذَلْ، الْجَذَلْ هذا مصدر، لكنه ليس مطابقاً لعامله وهو: وَافْرَحِ في المادة، مع كون: الْجَذَلْ هو معنى الفرح، الْجَذَلْ هذا نقول: نائب عن المفعول المطلق مع كونه مصدر، لكنه ليس موافقاً للأول، لعامله في اللفظ والمعنى.
وهنا ابن مالك -رحمه الله تعالى- مثل بهذا المثال للنائب، وقد سبق معنا: قعدتُ جلوساً، جلوساً هل هو مفعول مطلق أو لا؟ إن جعلناه مفعولاً مطلقاً، فالجمهور على أنه مفعول مطلق لعامل محذوف من لفظ مذكور: قعدتُ وجلستُ جلوساً، الجمهور على هذا، وعند السيرافي والمازني والمبرِّد أنه منصوب بالفعل المذكور، فحينئذٍ إذا جعلنا من شرط المفعول المطلق، المطابقة للعامل في اللفظ والمعنى، حينئذٍ: وَافْرَحِ الْجَذَلْ ليس بمفعول مطلق، وإنما هو نائب عن المفعول المطلق، وصنيع الناظم هنا يدل على الثاني، أنه نائب وليس بمفعول مطلق، ولذلك قال: وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ، ثم قال: وَافْرَحِ الْجَذَلْ مثَّل بهذا النوع، مِثل قعدتُ جلوساً، هو نفسه، قعدتُ جلوساً، جلوساً نائب عن المفعول المطلق؛ لأنه غير مطابق، وَقَدْ قلنا: للتحقيق، يَنُوبُ عَنْهُ: عن المصدر في الانتصاب على المفعول المطلق، مَا هذه واقعة على النائب، عَلَيْهِ دَلّ، عَلَيْهِ الضمير يعود على المصدر، ودَلّ هذه صلة مَا، وعَلَيْهِ جار ومجرور متعلق بـ (دَلّ).
стр. 1044
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ أي عن المصدر المتأصل في المفعولية المطلقة، وهو ما كان من لفظ عامله، لا مطلق المصدر، حتى يرد أن المفعول المطلق في وَافْرَحِ الْجَذَلْ مصدر، المراد هنا في النيابة عن المصدر، مصدر ناب عن مصدر، المصدر المتأصل في باب المفعولية المطلقة ما كان موافقاً لعامله في اللفظ والمعنى، هذا هو الأصل، فإن خالف فليس بأصل بل هو نائب عنه، حينئذٍ نقول: القاعدة هنا، الأصل في المفعول المطلق أن يكون من لفظ العامل فيه ومعناه، هذا الأصل؛ فالأصل في المفعول المطلق أن يكون من لفظ العامل فيه ومعناه، نحو ضربت ضرباً، وقد ينوب عنه ما دل عليه من مغاير لفظ العامل فيه، نحو: جِدَّ كُلَّ الْجِدِّ الذي ذكره الناظم هنا، جِدَّ هذا فعل أمر، كُلَّ الْجِدِّ، كُلَّ هذا لفظ مضاف إلى المصدر، ليس هو مصدر، وإنما اكتسب معنى المصدرية من المضاف إليه؛ لأن كُلَّ هذه باعتبار مضاف إليه، إن أضيفت إلى زمن فهي ظرف زمان، وإن أضيفت إلى مكان فهي ظرف مكان، وإن أضيفت إلى مصدر فهي مصدر، إذاً مصدر بالقوة، إذاً هو في قوة المصدر؛ لأنه ليس من لفظ الفعل.
جِدَّ كُلَّ الْجِدِّ، فكلُّ –بالنصب- منصوب على أنه مفعول مطلق، وليس من لفظ جِدَّ، لكنه دال عليه لإضافته إلى لمصدر الذي هو من لفظ الفعل، ومثله وَافْرَحِ الْجَذَلْ، فإن الجذل هو الفرح.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1045
عناصر الدرس
* ما يجوز تثنيته وجمعه من أنواع المفعول المطلق (أنواع المفعول المطلق من حيث التثنيه والجمع) ـ
* حالات حذف عامل المفول المطلق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة، والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلّ ... كَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ وَافْرَحِ الْجَذَلْ
هذا شروع منه في بيان النائب عن المفعول المطلق، وَقَدْ يَنُوبُ، قَدْ هذا حرف تحقيق، يَنُوبُ فعل مضارع، وعَنْهُ هذا متعلق به، والضمير يعود إلى المصدر، ومَا اسم موصول بمعنى الذي فاعل، ودَلّ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ متعلق بـ (دَلّ)، و (دَلّ) هذه جملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، ثم مثل بـ: جِدَّ كُلَّ الْجِدِّ وَافْرَحِ الْجَذَلْ، وهذا بناءً -كما ذكرنا- أن قوله: عَنْهُ يعني عن المصدر، ثم مثل بمصدر: وَافْرَحِ الْجَذَلْ ناب عنه، إذاً ناب مصدر عن مصدر، وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ: عن المصدر، ثم قال: وَافْرَحِ الْجَذَلْ، إذاً الجذل هذا نائب عن المصدر، وهو مصدر، إذاً ناب مصدر عن مصدر، لأن الأصل في المفعول المطلق أن يكون موافقاً لعامله في اللفظ والمعنى، فإن خالف، بأن وافق في المعنى دون اللفظ، عند ابن مالك -رحمه الله تعالى-: نائب عن المفعول المطلق، وليس بمفعول مطلق.
إذاً الأصل في المفعول المطلق، أن يكون من لفظ العامل فيه ومعناه، وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ يعني عن المصدر المتأصل في المفعولية المطلقة، وهو ما كان من لفظ عامله لا مطلق المصدر، حتى يرد أن المفعول المطلق في قوله: افْرَحِ الْجَذَلْ مصدر، هنا ناب مصدر عن مصدر، نعم، وهو مسلم به، لأن المراد بالمصدر الذي نيب عنه، المصدر الموافق لعامله في المعنى واللفظ، والمراد بالمصدر الذي وقع نائباً هنا: ما وافق في المعنى دون اللفظ، ولا شك أن الثاني دون الأول، لا شك أن ما وافق في اللفظ والمعنى أعلى رتبة، وما وافق في المعنى دون اللفظ هذا أدنى، فلا يرد حينئذٍ قوله: افْرَحِ الْجَذَلْ بأنه مصدر.
والأصل في المفعول المطلق، أن يكون من لفظ العامل فيه ومعناه نحو: ضربت ضرباً، ضرباً، هذا من لفظ العامل ومعناه.
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ ما دل عليه من مغاير لفظ العامل فيه، ينوب عنه -عن المصدر الموافق للفظ عامله ومعناه- مغاير للفظ عامله، موافق له في معناه، يعني النوع الثاني، وهو: افْرَحِ الْجَذَلْ، نحو: جِدَّ كُلَّ الْجِدِّ، فكُلَّ منصوب على أنه مفعول مطلق، وليس من لفظ جِدَّ، جِدَّ كُلَّ، كُلَّ جِدِّ، إذاً ليس موافقاً له في اللفظ, مع أنه في المعنى موافق له، لماذا وافقه، وهو لفظ كل؟ نقول: كل القاعدة فيها، -وهذا سيأتينا في باب الإضافة إن شاء الله-، القاعدة فيها أن حكمها حكم المضاف إليه، يعني هل هي ظرف؟ هل هي مصدر؟ هل هي اسم زمان؟ نقول: العبرة بالمضاف إليه، إن أضيفت إلى اسم زمان فهي ظرف زمان، إن أضيفت إلى اسم مكان فهي ظرف مكان، إن أضيفت إلى مصدر فهي مصدر.
إذاً جِدَّ كُلَّ الْجِدِّ هذا فيه معنى المصدر، وافق جِدَّ في المعنى دون اللفظ، تقول: كيف وافقه وهو لفظ كل، والأصل فيه أنه ليس مصدر؟ تقول: لإضافته إلى المصدر اكتسب معنى المصدرية، فهو موافق للعامل في المعنى دون اللفظ
стр. 1046
فكُلَّ منصوب على أنه مفعول مطلق، وليس من لفظ جِدَّ، لكنه دال عليه لإضافته –انظر- قال: دال عليه، دال على معنى العامل، لإضافته إلى المصدر، الذي هو من لفظ الفعل، ومثله: افْرَحِ الْجَذَلْ، الْجَذَلْ هو الفرح، كأنه قال: افرح الفرح، أو اجذل الجذل، حينئذٍ نقول: هنا وافق عامله في المعنى دون اللفظ، على رأي ابن مالك هذا ليس بمفعول مطلق، وإنما هو نائب عن المفعول المطلق، وعلى رأي الجمهور أن الجذل هذا مفعول مطلق لعامل محذوف من لفظه: افرح واجذل الجذل. إذاً الجذل هذا مثل اضرب ضرباً، حينئذٍ صار مفعولاً مطلقاً، فلا بد من التأويل، أما على جعل الجذل معمولاً لـ: افرح، هنا يرد رأي ابن مالك -رحمه الله تعالى-، هذا على رأي المازني والمبرد.
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلّ ... كَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ وَافْرَحِ الْجَذَلْ
مثل بنوعين، وهو ما أنيب فيه المصدر الموافق للعامل في المعنى دون اللفظ، كالجذل أي: الفرح، وما كان لفظُ كُلَّ مضافاً إلى المصدر، هذان نوعان، ونقول: ينوب عن المصدر ما يدل عليه من الكلية، والبعضية، يعني لفظ كل وما رادفها، ولفظ بعض وما رادفها؛ بشرط إضافتهما إلى المصدر لاكتساب معنى المصدرية من المضاف إليه دون لفظه، كـ: كل، وعامة، وجميع، وبعض، ونصف، وشطر، نقول: هذه كلها إذا أضيفت إلى المصدر، حينئذٍ اكتسبت المصدرية من المضاف إليه، فصح إنابتها عن المفعول المطلق.
مضافين إلى المصدر هذا قيد، الكلية والبعضية، كل ما دل على الكلية والبعضية سواء كان لفظ كل، وما رادفه، كـ: عامة وجميع، ولفظ بعض، وما رادفه، كـ: شطر ونصف، بشرط أن يكونا مضافين على المصدر، نحو: كَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ، وكقوله تعالى: ((فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ)) [النساء:١٢٩] الْمَيْلِ ---هذا مصدر، أضيف إليه كل، وضربته بعض الضرب، إذاً الأول والثاني: الكلية والبعضية.
الثالث الذي ينوب: المصدر المرادف لمصدر الفعل المذكور، وهو ما مثل له الناظم بقوله: افْرَحِ الْجَذَلْ، فالجذل هذا مفعول مطلق عند الجمهور، ثم في العامل فيه قولان: سيبويه والجمهور على أنه فعل محذوف من لفظ المصدر: افرح واجذل الجذل، ومذهب المازني والمبرد والسيرافي، على أنه بالعامل المذكور، هذا إذا أعربناه مفعولاً مطلقاً، وبعضهم جعله مفعولاً لأجله، وبعضهم جعل المصدر حالاً بتأويل المشتق، والمشهور هو الأول.
стр. 1047
إذاً المصدر المرادف لمصدر العامل نقول: هذا نائب عن المفعول المطلق على رأي ابن مالك -رحمه الله تعالى-، قعدت جلوساً، فجلوساً هذا نائب عن المصدر في باب المفعول المطلق؛ لأنه نائب عن مصدر الفعل الموجود، قعدت قعوداً، هذا الأصل، قعدت قعوداً، لم يأت بـ (قعوداً)، وإنما ناب عنه ما هو من معناه دون لفظه، مرادف له في المعنى دون اللفظ، ومنه: "أحْبَبْتُهُ مِقَةً"، مِقَةً هو بمعنى المحبة، مِقَةً، حينئذٍ نقول: مِقَةً هذا مصدر ومِقَ، فحينئذٍ نقول: هذا نائب مناب المفعول المطلق؛ لأن الأصل أحببته محبة، فلم يأت باللفظ المرادف، باللفظ المطابق لمصدر العامل، وإنما جاء بمرادفه، وَافْرَحِ الْجَذَلْ، فالجلوس نائب مناب القعود لمرادفته له، والجذل نائب مناب الفرح، لمرادفته له في المعنى دون اللفظ.
الرابع -ما ينوب مناب المصدر-: اسم الإشارة، نحو ضربته ذلك الضرب، ضربته ذلك، الأصل ضربته الضرب، وهذا سبق معنا أنه من صور المبين للنوع؛ لأنه قال: ضربته الضرب، فأنيب (ذلك) اسم الإشارة مناب الضرب، ثم أبدل أو وصف أو عطف عليه المصدر، وهل هو شرط فيه أم لا؟ محل نزاع، والمشهور: لا، إذاً ضربته ذلك، ذلك نقول: هذا نائب عن المفعول المطلق، الأصل أن يقول: ضربته الضرب؛ لأنه مشار إليه، معرفة، هذا الأصل، ذلك أليس (ذا) من المعارف؟ حل محل الضرب، والضرب هذا مُحلًى بـ (ال)، وهو من المفعول المطلق المبين للنوع.
وزعم بعضهم أنه إذا ناب اسم الإشارة مناب المصدر، فلا بد من وصفه بالمصدر كما مثلنا، وفيه نظر، يعني: لا يشترط أن ينصب بالمصدر، فمن أمثلة سيبويه: ظننت ذاك، -ابن عقيل دائماً يحتج بفعل سيبويه فحسب-، ظننت ذاك، ذاك، هذا مفعول مطلق، أين الحجة؟ أي: ظننت ذاك الظن، فذاك إشارة إلى الظن، ولم ينصب به، وهو مذهب الجمهور، مذهب الجمهور أنه لا يشترط، فلو قال: ظننت ذاك، اكتفينا، لو قال: الضرب، حينئذٍ هذا يعتبر من باب التأكيد بالمعنى.
الخامس: ينوب عن المصدر ضميره، هذا ذكرناه في:
عَلاَمَةُ الْفِعْلِ الْمُعَدَّى أَنْ تَصِلْ ... هَا غَيْرِ مَصْدَرٍ بِهِ نَحْوُ عَمِلْ
فإن كانت هاء المصدر قلنا: هذه نائبة عن المفعول المطلق؛ ضربته زيداً، زيداً: هذا بدل من الضمير ضربته زيداً، وليس مفعولاً مطلقاً، المفعول المطلق الضمير، وهذا النائب، ضربته زيداً، زيداً هذا ليس مفعولاً مطلقاً، ليس مفعولاً به بل هو بدل من الضمير، والضمير هذا نقول فيه: نائب عن المفعول المطلق؛ لأنه هاء المصدر، وهاء المصدر هذه لا تدل على أن الفعل متعدي.
إذاً ضميره، قال: ينوب عنه ضميره، ضربته زيداً، أي: ضربت الضرب زيداً، ومنه قوله تعالى: ((لا أُعَذِّبُهُ)) [المائدة:١١٥] أي العذاب ((أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)) [المائدة:٢٠].
السادس: ينوب عنه ما دل على العدد: ضربته عشرين ضربة، لكن يشترط فيه أن يكون له مميز مصدر، عشرين ضربة: ((فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً)) [النور:٤]، أما الثمانين هكذا لا، لا بد من تمييز يكون مصدراً.
стр. 1048
السابع: اسم الآلة: ضربته سوطاً أو عصًى، والأصل ضربته ضرب سوط، فحذف المضاف وهو الضرب، وأقيم المضاف إليه مقامه، فانتصب انتصابه، فقيل: ضربته سوطاً، وهو مطرد في آلة الفعل دون غيرها، فلا يجوز ضربته خشبة، آلة الفعل يعني الذي يكون آلة، ضربته سوطاً، السوط معروف أنه آلة لكن الخشبة ليست معروفة أنها آلة للضرب، وإنما هو السوط، كذلك ينوب عنه الصفة نحو: سرت أحسن السير، واشتمل الصماء، يعني الشملة الصماء، حذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه، وضربته ضرب الأمير اللص، والأصل ضرباً مثل ضرب الأمير، فحذف الموصوف ثم المضاف، فأقيم المضاف إليه مقامه.
تاسعاً: ينوب عنه مشارك له في مادته، يعني: في حروفه، وهذا ثلاثة أقسام: اسم مصدر مثل: اغتسلت غسلاً، غسلاً هذا مشارك له في المادة، لكن ليس من كل وجه، واسم عين، ومصدر لفعل آخر، هذه ثلاثة أشياء: اسم عين، ومصدر لفعل آخر، «وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ .. إنباتا»، لكن ما قال: إنباتا .. قال: ((نَبَاتًا))، هذا مثال لاسم المصدر، مثل اغتسلت غسلاً، ((وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا)) [المزمل:٨]، الأصل تبتلاً، والأصل إنباتاً وتبتلاً.
عاشراً: دال على نوع منه، نحو: قعد القرفصاء، القرفصاء هذا ما ذكرناه أولاً في صورة من صور المبين للنوع، قلنا: إذا دل بلفظه على نوع من أنواع العامل قلنا: هذا مبين للنوع، هنا بين أنه مما ينوب فيه المصدر عن المفعول المطلق، إذ ليس كل مصدر مفعولاً مطلقاً، ليس كل مصدر يكون مفعولاً مطلقاً، قرفصاء هذا اسم عين دال بنفسه على نوع من أنواع الجلوس؛ جلست جلسة القرفصاء، ورجع القهقرى، كذلك هذا اسم دال على نوع من أنواع الرجوع.
الحادي عشر: (ما) الاستفهامية، هذه تنوب مناب المفعول المطلق، نحو: ما تضرب زيداً، ما استفهامية، أي: أيَّ ضرب تضربه؟
الثاني عشر: (ما) الشرطية، نحو: ما شئت فاجلس، أي: أيَّ جلوس شئته فاجلس.
هذه اثنا عشر مما ينوب عن المصدر المتأصل في باب المفعولية المطلقة، وليس كل مصدر يكون متأصلاً في باب المفعولية المطلقة، وإنما هو خاص بما وافق العامل في اللفظ والمعنى، وأما ما لم يوافقه فهذا محل نزاع، والناظم جعله من النائب، وهو قعدت جلوساً، وافرح الجذل.
ثم قال ﵀:
وَمَا لِتَوْكِيدٍ فَوَحِّدْ أَبَدَا ... وَثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ وَأَفْرِدَا
هذه الثلاثة الأنواع السابقة، منها ما يجوز جمعه وتثنيته باتفاق، ومنها ما يمتنع تثنيته وجمعه باتفاق، ومنها ما فيه خلاف.
قال: وَمَا لِتَوْكِيدٍ فَوَحِّدْ أَبَدَا: يعني النوع الأول لذا قال فيه: تَوْكِيداً أوْ نَوْعاً يُبِينُ، النوع الأول: لا يجوز تثنيته ولا جمعه، فلا تقول: ضربت زيداً ضربين ضروباً، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه قائم مقام الفعل، تكرير الفعل؛ كأنه قال: ضربت ضربت، أليس هو مؤكد لأحد جزئي الفعل؟ بلى، حينئذٍ نقول: هو في قوة تكرار الفعل، ضربت ضربت، والفعل لا يثنى ولا يجمع، وهذا محل وفاق، ليس فيه خلاف.
стр. 1049
وَمَا لِتَوْكِيدٍ فَوَحِّدْ، وحد ما لتوكيد، إذاً مَا هذه في محل نصب مفعول به، لِتَوْكِيدٍ يعني وما سيق من المصادر لِتَوْكِيدٍ، وتَوْكِيدٍ هذا متعلق بمحذوف صلة الموصول، مَا هذه واقعة على المصدر المؤكِّد، لِتَوْكِيدٍ هذا متعلق بمحذوف صلة الموصول، سيق من المصادر، فَوَحِّدْ يعني اجعله واحداً، أَبَدَا: في مدة الأزمنة القادمة، تأبيد للماضي والمستقبل، أَبَدَا، فحينئذٍ لا يثنى ولا يجمع، والعلة ما ذكرناها أنه بمنزلة تكرير الفعل.
أيضاً من جهة أخرى أن ضرباً هذا اسم جنس مبهم، واسم الجنس يدل على الحقيقة قلَّت أم كثرت. إذا قيل: ماء هذا اسم جنس إفرادي يعني يدل على الحقيقة قل الماء أو كثر، القطرة تقول: هذا ماء، تأتي عند النهر تقول: هذا ماء، عند البحر تقول: هذا ماء. إذاً لفظ واحد صدق على القليل والكثير، الضرب أياً كان نوعه تقول: هذا ضرب هذا ضرب، إذاً اسم جنس مبهم.
إذا كانت الحقيقة شيئاً واحداً، حينئذٍ هل يوجد فرد آخر من أجل أن يضم إليها فيثنى؟ لا يوجد، إذاً يمتنع وجود فرد آخر، وشرط التثنية والجمع، أن يكون لمتعدد، لشيء موجود في الخارج، له وجود في الخارج، وأن يكون له مرادف في اللفظ، زيد وزيد، هذا زيد موجود وهذا موجود، إذاً فردان، فقلت: الزيدان، زيد وزيد وزيد قلت: الزيدون، إذاً الأفراد موجودة، أما ضرب المراد به اسم الجنس –الحقيقة-، والحقيقة شيء واحد سواء كانت في الذهن أو في الخارج في ضمن أفرادها، حينئذٍ هذه لا تقبل التعدد، قلنا: الكلي وجوده وجود ذهني، ولا يقبل التعدد، وإنما التعدد يكون باعتبار الآحاد والأفراد، ووجود الآحاد والأفراد إنما يكون في خارج الذهن لا في داخل الذهن.
إذاً يمتنع تثنية المصدر المؤكِّد وجمعه لسببين: أولاً: أنه بمنزلة تكرير الفعل ضربت ضربت، والفعل لا يكرر .. لا يثنى، ولا يجمع. ثانياً: ضرباً المصدر المؤكِّد هذا اسم جنس مبهم، وهو دال على الحقيقة، وما دل على الحقيقة فهو شيء واحد لا يقبل التعدد فليس ثَمَّ فرد آخر نحتاج إلى ضمه إلى هذا الفرد فنثنيه أو نجمعه.
وَثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ .. وَثَنِّ وَاجْمَعْ
إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ ... قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ
ثَنِّ غيره، وَاجْمَعْ غيره، أعملنا الثاني أو الأول؟ لو أعمل الأول ثَنِّ غَيْرَهُ وجب أن يضمر في الثاني عند جمهور البصريين، لو أعمل الأول وَثَنِّ غَيْرَهُ، غيره مفعول به لـ ثَنِّ، وجب الإضمار في الثاني، وهو وَاجْمَعْ، وجب الإضمار في الثاني وهو: وَاجْمَعْ، هنا لم يضمر، دل على أنه أعمل الثاني، ولم يعمل الأول، حينئذٍ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ، غَيْرَهُ هذا مفعول لـ َاجْمَعْ، وَثَنِّ هذا وجب حذفه: وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ ... بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ سواء قلنا حذفه ابتداء أم أتينا به ثم حذفناه، بعضهم يقول: تضمر فيه أولاً ثم تحذفه، وهذا أو ذاك، المهم النتيجة أنه يجب حذفه.
إذاً وَثَنِّ غيره، المصدر المؤكِّد، وَاجْمَعْ غير المؤكِّد هذا يصدق غيره -غير المؤكد شيئان-؛ لأن القسمة ثلاثية، إن لم يكن مؤكِّداً فهو إما نوعي وإما عددي.
стр. 1050
إذاً على كلام الناظم أنه يثنى ويجمع العددي فتقول: ضربت ضربتين وضربات، ثنيت وجمعت، وهذا محل وفاق أنه جائز، والثاني: النوعي هل يثنى ويجمع؟ هذا محل خلاف، المشهور جوازه، وظاهر كلام سيبويه المنع، والصحيح جوازه قال تعالى: ((وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)) [الأحزاب:١٠] جُمع أو لا؟ الظُّنُونَ جاء بـ (أل) هذا مبين للنوع؛ لأن المحلى بـ (أل)، دائماً المصدر محلى بـ (أل) مبين للنوع، وهنا جمع باعتبار آحاده، حينئذٍ الظن يختلف، فلما اختلف وله أحاد وأفراد جُمع «وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ» المختلفة الممنوعة يعني، هذا يظن كذا، وهذا الآخر يظن، حينئذٍ نقول: هذه ظنون ((وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)) [الأحزاب:١٠] فلما جاء في القرآن، وجب أن نقول أنه جائز، وهو قول الجمهور أنه يثنى ويجمع، ولو خالف سيبويه في هذا.
وَثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ يعني غير المؤكِّد.
وَأَفْرِدَا: و (أفردن) نون التوكيد الخفيفة، وَأَفْرِدَا لماذا قال: وَأَفْرِدَا وهو معلوم أنه مفرد؟ تحصيل حاصل تتمة للبيت؟ لئلا يُتوهم أن الإفراد خاص بالمؤكِّد؛ لأنه قال:
وَمَا لِتَوْكِيدٍ فَوَحِّدْ –أفرد- وَثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ .. لو سكت لُتوهم أن غير المؤكِّد لا يُفرد، بل لا يكون إلا مثنًى أو جمعاً.
وَمَا لِتَوْكِيدٍ فَوَحِّدْ أَبَدَا، إذاً أفرد المؤكِّد، وَثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ مفهومه: أن غير المؤكِّد لا يفرد؛ دفعاً لهذا الوهم قال: وَأَفْرِدَا على الأصل، فنص عليه دفعاً لما يتوهم.
فـ أَفْرِدَا نص عليه وهو الأصل، دفع لما قد يتوهم أنه لا يجوز إفراده، بل الصواب أنه على الأصل.
قال الشارح: لا يجوز تثنية المصدر المؤكِّد لعامله ولا جمع، بل يجب إفراده، ضربت ضرباً، وذلك لأنه بمثابة تكرر الفعل: ضربت ضربت، والفعل لا يثنى ولا يجمع، وأما غير المؤكِّد وهو المبين للعدد والنوع فذكر المصنف أنه يجوز تثنيته وجمعه، فأما المبين للعدد فلا خلاف في جواز تثنيته وجمعه، وبعضهم خصه بالمختوم بتاء الوحدة ضربت ضربتين ضربات، مختوم بتاء الوحدة هذا مشهور ضربت ضربتين وضربات؛ لأنه كتمرة وكلمة، وأما المبين للنوع فالمشهور أنه يجوز تثنيته وجمعه إذا اختلفت أنواعه. لا بد من اختلاف الأنواع؛ لأنه إذا كان نوعاً واحداً يجمع بأي سبب؟ ويثنى بأي سبب؟ لا بد من الاختلاف، نحو سرت سيري زيدٍ الحسنَ والقبيحَ، (سيري زيد) ثنَّاه باعتبار أن زيداً له سيرين قبيح وحسن، والآية واضحة وبينة ((وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)) [الأحزاب:١٠]، وظاهر كلام سيبويه أنه لا يجوز تثنيته ولا جمعه قياساً، بل يقتصر فيه على السماع، وهذا اختيار الشلوبين، والمشهور الجواز وهو أولى للآية السابقة.
وَحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ ... وَفِي سِوَاهُ لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ
عامل المصدر على ثلاثة أقسام:
الأول: ممتنع الحذف، لا يجوز حذفه يجب ذكره.
الثاني: جائز الحذف.
الثالث: واجب الحذف.
من هذه الأبيات إلى آخر الباب، سيتحدث عن عامل المصدر. انتهينا من المصدر .. من المفعول المطلق، والكلام عن المفعول المطلق قصير عند النحاة.
стр. 1051
إذاً العامل المؤكِّد قال: وَحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ، وَحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ -عامل المصدر المؤكِّد- امْتَنَعْ يعني لا يجوز حذفه، بل يجب ذكره، قيل: لأنه إنما جيء به لتقوية عامله، وتقرير معناه، جيء به لتقرير العامل، ثم يحذف العامل؟ هل هذا مقبول؟ هذا ليس مقبولاً، جيء به من أجل تقوية العامل: ضربت ضرباً، جئنا بـ ضرباً من أجل ضربت ثم نحذفه؛ لأنه إنما جيء به لتقوية عامله وتقرير معناه، والحذف ينافي ذلك، فوجب ذكره، وَحَذْفُ عَامِلِ –المصدر- الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ، وكذا يمتنع تأخيره عن مؤكِّده، بخلاف عامل النوعي والعددي فلا يمتنع تأخيره عنهما، يعني هل يجوز أن يتقدم المؤِّكد على العامل؟ الجواب: لا، لا يحذف ولا يتأخر عن المصدر المؤكِّد، بخلاف النوعي والعددي يجوز تقديمه ويجوز تأخيره. وَحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ ... وَفِي سِوَاهُ سوى حَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ وهو عامل النوعي والعددي لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ متسع لدليل.
وَفِي سِوَاهُ: يعني في غيره، يعني حذف عامل سواه، سوى المؤكِّد، لِدَلِيلٍ هذا جار ومجرور متعلق بـ مُتَّسَعْ، لدليل عليه، مُتَّسَعْ، مُتَّسَعْ هذا اسم مفعول بمعنى المصدر، فهو اسم مصدر أي اتساع، لكن بقيد لِدَلِيلٍ للقاعدة العامة، أن ما جاز حذفه، لا بد وأن يكون ثَمَّ قرينة تدل عليه بعد الحذف وإلا فالمنع.
لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ هذا عند الجميع، جائز، يجوز حذف عامل العددي وعامل النوعي، وَفِي سِوَاهُ لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ.
قال ﵀: المصدر المؤكِّد لا يجوز حذف عامله؛ لأنه مسوق لتقرير عامله وتقويته، والحذف مناف لذلك، يعني لدفع المجاز عنه، لكون المجاز لا يؤكَّد، على المشهور، جوزه بعضهم، لكن المشهور أن المجاز لا يؤكَّد، وإنما يؤكَّد الحقيقة؛ لأنها هي التي يرد فيها الاحتمال، وأما غير المؤكِّد فيحذف عامله بالدلالة عليه، يعني دلالته على معنى زائد على العامل؛ لأن المصدر المؤكِّد هنا ليس فيه معنًى زائداً على معنى عامله، ضربت ضرباً، ضرباً ليس فيه معنًى زائداً على معنى العامل، أما ضربت ضرباً شديداً هذا فيه معنًى زائداً على معنى عامله فجاز حذف العامل، ضربت زيداً ضربتين أو ضربات نقول: ضربتين أو ضربات، هذا فيه زيادة على معنى العامل، وهو وقوع الضرب أصلاً ثم عدد الضرب، ضربتين أو ضربات فأقل الجمع ثلاثة، فحينئذٍ فيه معنى العامل وزيادة، بخلاف المؤكد ليس فيه إلا معنى العامل ليس فيه زيادة، ولذلك امتنع في الأول المؤكِّد، ولم يمتنع في الثاني، وأما غير المؤكد فيحذف عامله للدلالة عليه، ثم هذا الحذف قد يكون جوازاً، وقد يكون وجوباً، كأن تقول لمن قدم: قدوماً مباركاً يعني: قدمت قدوماً مباركاً .. حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، نقول: هذا مفعول مطلق عامله محذوف مبين للنوع، هل يجوز حذف عامله؟ نقول: نعم قرينة، وما هي القرينة هنا؟ ما نوعها؟ حالية؛ يعني: هو الآن قادم للحج، حال قلت: حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً قبولاً، حينئذٍ تقول: هذا بقرينة الحال جاز حذف العامل.
стр. 1052
كذلك إذا قيل: ما جلست؟ تقول: بلى جلوساً طويلاً، بلى جلستين، نقول: هذا كله لوقوعه في جواب سؤال، وكل ما وقع في جواب سؤال، حينئذٍ نقول: يجوز حذف العامل.
قال: وجاز حذف العامل فيما ذكر، لدلالة المصدر على معنًى زائدٍ على معنى العامل، دلالة المبين للنوع والعدد على معنًى زائدٍ على معنى العامل، فأشبه المفعول به فجاز حذف عامله، إذاً حصل له شبه بالمفعول به؛ لأن المفعول به لا يدل على مطلق ما دل عليه العامل، وإنما هو محل لوقوع الحدث، فالمحذوف جوازاً مثل له، ثم قال: وقول المصنف -ابن الناظم اعترض والده قال: هذا سهو، قوله: وَحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ سهو منه-، ابن الناظم قالوا: وعق أباه في شرح ألفيته، هكذا قيل، اعترضه، أشد الناس على صاحب الألفية ابنه ﵀، وهو بياني ونحوي على مستوى، فقالوا: عق أباه -في شرح الألفية-.
قال: قوله: وَحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ سهو منه؛ لماذا؟ -هو سهو منه هو نفسه ابن الناظم، وليس سهواً من ابن مالك ﵀، وإنما هو الذي سها-، ضرباً زيداً قال: ضرباً زيداً، إذا قيل: بأن حذف عامل المؤكد ممتنع، ونحن نقول: ضرباً زيداً ((فَضَرْبَ الرِّقَابِ)) [محمد:٤] ضرباً زيداً أي: اضرب ضرباً زيداً، فهو مؤكِّد له، وهو محذوف، فكيف تقول: أنه يمتنع حَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ؟
قولك: ضرباً زيداً مصدر مؤكد، وعامله محذوف وجوباً كما سيأتي، قال ابن عقيل: ليس بصحيح، يعني قول ابن الناظم في الحكم على الشطر الأول بأنه سهو منه ليس بصحيح، وما استدل به وهم منه، لأن ضرباً هذا ليس مصدراً مؤكِّداً لعامل محذوف، بل مصدر أنيب مناب العامل، ففرق بينهما كما بين السماء والأرض، ضرباً نقول: هذا مصدر أنيب مناب العامل، وليس هو مؤكداً حتى نقول: الأصل اضرب ضرباً.
قال ابن عقيل في الرد عليه: وما استدل به على دعواه من وجوب حذف عامل المؤكد بما سيأتي ليس منه، وذلك لأن ضرباً زيداً ليس من التأكيد في شيء، بل هو أمر خال من التأكيد، ليس من باب التأكيد، بمثابة اضرب زيداً، كأنه قال: اضرب زيداً، حذف اضرب ثم أقيم المصدر مقامه، أين التأكيد؟ ليس فيه تأكيد، وإنما ناب مصدر عن فعله، وهذا لا إشكال فيه، فليس فيه تأكيد؛ لأنه واقع موقعه، فكما أن اضرب زيداً لا تأكيد فيه، كذلك ضرباً زيداً، وكذلك جميع الأمثلة التي ذكرها ليست من باب التأكيد في شيء؛ لأن المصدر فيها نائب مناب العامل، دال على ما يدل عليه، وهو عوض عنه، ولذلك نقول: لا يجوز ذكره؛ لأن ضرباً عوضاً عن اضرب، ولا يجمع بين العوض والمعوض عنه، ويدل على ذلك عدم جواز الجمع بينهما، ولو قيل بأن: ضربت ضرباً يجوز حذف العامل، حينئذٍ هل يمتنع أن يجتمع معه؟ لا يمتنع، لو قلنا: يجوز ضربت ضرباً، فهل تقول: ضرباً -حُذف عامله-؟ نقول: أنت مخير بين أن تقول: ضربت ضرباً، وبين أن تقول: ضرباً، ولا يمنع من الجمع بين العامل والمعمول، المصدر المؤكد، لكن في هذا المقام ضرباً زيداً لا يصح، فدل على المغايرة بينهما، إذاً تلك مسألة وهذه مسألة أخرى.
стр. 1053
ويدل على ذلك عدم جواز الجمع بينهما، ولا شيء من المؤكِّدات يمتنع الجمع بينها وبين المؤكَّد، ومما يدل أيضاً على أن ضرباً زيداً ونحوه ليس من المصدر المؤكِّد لعامله، أن المصدر المؤكِّد لا خلاف في أنه لا يعمل، ضربت ضرباً لا يعمل في ما بعده، وهذا الذي معنا هنا ضرباً زيداً، زيداً الصحيح أنه معمول لـ ضرباً المصدر؛ الصحيح أنه معمول له.
واختلفوا في المصدر الواقع موقع الفعل، هل يعمل أو لا؟ والصحيح أنه يعمل، فزيداً في قولك: ضرباً زيداً منصوب بـ (ضرباً) على الأصح، وقيل أنه منصوب بالفعل المحذوف وهو اضرب، حينئذٍ ناب عنه في الدلالة على المعنى والعمل معاً، وإذا قيل: بأنه عمل فيما بعده، في المعنى فحسب، اضرب ضرباً زيداً، حذفنا اضرب، ناب عنه ضرباً في المعنى فقط أو في المعنى والعمل؟ ينبني على القول بجواز إعماله أو لا، إن قلنا: يجوز إعماله، فحينئذٍ ناب مناب الفعل في المعنى فحسب، وإن قلنا: لا، لا يجوز إعماله، حينئذٍ ناب منابه في العمل والمعنى معاً، هذا مراده.
إذاً قول ابن الناظم: أنه سهو، سهو منه هو .. وَفِي سِوَاهُ لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ.
ثم قال ﵀:
وَالْحَذْفُ حَتْمٌ مَعَ آتٍ بَدَلاَ ... مِنْ فِعْلِهِ كَنَدْلاً اللَّذْ كَانْدُلاَ
هذا شروع في القسم الثالث، وهو ما يجب حذفه، أشار إلى القسم الأول، وهو ما يمتنع حذفه بقوله: وَحَذْفُ عَامِلِ الْمُؤَكِّدِ امْتَنَعْ، وأشار إلى القسم الثاني، وهو ما يجوز حذفه بقوله: وَفِي سِوَاهُ لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ، ثم قال: وَالْحَذْفُ حَتْمٌ، هذا النوع الذي يجب فيه حذف عامل المصدر، يعني يجب حذف عامل المصدر في ستة مواضع، سيذكرها الناظم كلها في الأبيات القادمة.
الموضع الأول: أشار إليه بقوله: وَالْحَذْفُ حَتْمٌ مَعَ آتٍ بَدَلاً ** مِنْ فِعْلِهِ ..
وَالْحَذْفُ مبتدأ، وحَتْمٌ هذا خبر، يعني الحذف واجب، متى؟ مَعَ آتٍ بَدَلاً، والحذف للعامل حتم مع آت بدلاً، مَعَ هذا ظرف متعلق بقوله: حَتْمٌ.
مَعَ آتٍ: مَعَ مضاف، وآتٍ مضاف إليه.
بَدَلاَ حال من الضمير المستتر في آتٍ، آت حال كونه بدلاً من فعله.
مِنْ فِعْلِهِ جار ومجرور متعلق بقوله: بَدَلاَ.
وهذا يقع على نوعين: سماعي وقياسي، بمعنى أنه إذا أنيب المصدر عن العامل، وجب حذف العامل، آتٍ بَدَلاً مِنْ فِعْلِهِ إذا جاء المصدر قائماً مقام الفعل، حينئذٍ نقول: هذا المصدر قد عوض به عن الفعل، فصار الفعل معوضاً عنه، فلا يجوز الجمع بينهما، فيجب حذف العامل.
قد يقام المصدر مقام فعله فيمتنع ذكره معه، وهذا نوعان: الأول: ما لا فعل له، نحو ويل زيد، هذا منصوب على المفعولية ولا فعل له، ليس له فعل، ويل كلمة تهديد، وويحه بالنصب على المفعولية، فيقدر له عامل من معناه، نحو قعدت جلوساً، مثل جاوزت زيداً مررت به، يقدر له فعل من معنى العامل.
стр. 1054
الثاني: ما له فعل، وهو نوعان: إما أن يكون واقعاً في الطلب، وإما أن يكون واقعاً في الخبر، واقعاً في الطلب، وهو ما ذكره هنا: كَنَدْلاً اللَّذْ كَانْدُلاَ، وهذا يشمل، يكون مقيساً في الأمر والنهي والدعاء، وبعد الاستفهام المقصود به التوبيخ، أربعة مواضع، ذكرها ابن عقيل في الشرح: الأمر والنهي والدعاء والاستفهام المقصود به التوبيخ، هذه في الطلب، وهي أربعة أنواع.
وأما الخبر فهذا سماعي قليل، وهو الذي ذكره الناظم في الأبيات الآتية.
إذا قوله: مَعَ آتٍ بَدَلاً مِنْ فِعْلِهِ سماعاً وقياساً، سماعاً في ألفاظ محفوظة، وقياساً في الأربعة الأمور المذكورة: الأمر، والنهي، والدعاء، والاستفهام الذي يراد به التوبيخ، وما عداه فهو سماعي.
إذاً نقول: ما له فعل، الذي له فعل قسمان: واقع في الطلب، وهو الوارد دعاءً: سقياً، ورعياً، وكيَّاً، وجدعاً، هذه كلها دعاء إما له وإما عليه، هذه نقول: مفعول مطلق حذف عاملها وجوباً.
أو أمراً ونهياً، أو مقروناً باستفهام توبيخي، سيأتي أمثلتها في الشرح.
وواقع في الخبر -النوع الثاني- قلنا: الأول واقع في الطلب، والثاني واقع في الخبر، وذلك في مسائل أحدها مصادر مسموعة كثر استعمالها، ودلت القرائن على عواملها، هذا سماعي يحفظ، ولا يقاس عليه، كقولهم عند تذكر نعمة وشدة: حمداً وشكراً لا كفراً، نقول: هذه تحفظ، ولا يقاس عليها، عواملها محذوفة وجوباً، وصبراً لا جزعاً، وعند ظهور أمر معجب: عجباً نقول: هذا منصوب على المفعولية المطلقة، وعامله محذوفٌ وجوباً، وعند خطاب مرضي عنه أو مغضوب عليه: أفعله وكرامة، أفعله -يعني أنا- وكرامة، ولا أفعله ولا كيداً ولا هماً.
ثانيها أن يكون تفصيلاً لعاقبة، وهو الذي سيذكره الناظم -رحمه الله تعالى-.
إذاً الأول سماعي الواقع في الخبر، والثاني ما سيذكره الناظم، وهو قوله: تفصيلاً .. إلى آخره.
قال الشارح: يحذف عامل المصدر وجوباً في مواضع منها: إذا وقع المصدر بدلاً من فعله، وهذا الذي عنون له بقوله: مَعَ آتٍ بَدَلاً مِنْ فِعْلِهِ، وهو مقيس في الأمر، هذا الأول، والنهي، هذا الثاني، والدعاء، هذا الثالث، والمصدر الواقع بعد الاستفهام المقصود به التوبيخ. إذا ناب مصدر عن فعل في باب الأمر قلنا: هذا واجب حذف عامله، لو قال: قياماً لا قعوداً، قياماً يعني قم قياماً، قياماً نقول: هذا مصدر ناب مناب فعله، وهو قم، حينئذٍ صار واجب الحذف؛ لأن قياماً قد عوض عنه، ولا يجمع بينهما، لا يجمع بين العوض والمعوض، لا قعوداً، لا تقعد، قعوداً هذا في باب النهي، والدعاء نحو سقياً لك، أي: سقاك الله، وراعياً لك، وجدعاً لك، وكياً لك، هذه كلها مصادر محذوفة العوامل، يجب حذفها؛ لأنها عوض عنها، ومنه ((فَضَرْبَ الرِّقَابِ)) [محمد:٤] أي: اضربه ضرب الرقاب نقول: هذا واجب الحذف، هذا الأول والثاني والثالث.
стр. 1055
وكذلك يحذف عامل المصدر وجوباً إذا وقع المصدر بعد الاستفهام المقصود به التوبيخ؛ أتَوَانِياً وَقَدْ علاك المَشِيبُ؟ أتتوانى وقد علاك المشيب، أتَوَانِياً نقول هنا: مصدر (توانياً) وقع بعد استفهام، والمراد بالاستفهام التوبيخ، من المعنى أتَوَانِياً وَقَدْ علاك المَشِيبُ؟ أتتوانى، يعني: تتأخر عن الطاعة مثلاً، وقد علاك المشيب، ومثلك يتقدم، نقول: هذا استفهام مقصود به التوبيخ.
ويقل حذف عامل المصدر وإقامة المصدر مقامه في الفعل المقصود به الخبر، هذا قليل إلا ما ذكره الناظم فيما سيأتي من أبيات، أفعل وكرامة، يعني: أكرمك كرامة، فالمصدر في هذه الأمثلة كلها، في الدعاء وغيره منصوب بفعل محذوف وجوباً، والمصدر نائب منابه في الدلالة على معناه.
إذاً وَالْحَذْفُ حَتْمٌ يعني واجب لعامل المصدر، منه: مَعَ آتٍ بَدَلاً، مع مصدر آتٍ بَدَلاً مِنْ فِعْلِهِ؛ لأنه لا يجوز الجمع بين البدل والمبدل منه، إذاً قوله: بَدَلاً أشار إلى علة وجوب حذف العامل، قوله: بَدَلاً مِنْ فِعْلِهِ فيه إشارة إلى علة وجوب حذف العامل، وهو أنه بدل عنه، والبدل لا يجمع مع المبدل منه، ثم هو على نوعين كما ذكرناه.
وذلك: كَنَدْلاً اللَّذْ كَانْدُلاَ، اللَّذْ لغة في الذي، وهو صفة لسابقه، كَانْدُلاَ قصد لفظه، هذا فعل أمر مؤكَّد، والنون هذه نون التوكيد، أشار به إلى قول القائل:
فَنَدْلاً زُرَيْقُ المَالَ نَدْلَ الثَّعَالِبِ، نَدْلاً زُرَيْقُ المَالَ، نَدْلاً هذا مصدر أنيب مناب الفعل في الأمر، اندل ندلاً، نَدْلاً نقول: هذا مصدر أقيم مقام عامله فوجب حذفه؛ لأنه بدل عنه، فَنَدْلاً زُرَيْقُ المَالَ، زُرَيْقُ: يا زريق، هذا اسم رجل، والمال هذا مفعول به لـ (ندلاً) اندل ندلاً، إن قلنا أنه هو العامل، وإذا ناب عن عامله في المعنى دون العمل، حينئذٍ صار منصوباً بالعامل المحذوف، مثل ضرباً زيداً، زيداًَ هذا دائماً نقول: هذا معمول لضرباً، حينئذٍ يكون ضرباً ناب عن فعله في المعنى والعمل، وإما أن يكون منصوباً، -وهذا الصحيح-، بـ (اضرب) المحذوف، وحينئذٍ ضرباً ناب عن فعله في المعنى دون العمل فحسب، هذا مثله، فندلاً المال، المال أن يكون منصوباً بندلاً، فندلاً حينئذٍ ناب مناب الفعل في المعنى والعمل، وإما أن يكون منصوباً بالفعل العامل المحذوف، أندل -فهو فعل أمر- المال، حينئذٍ ندلاً هذا ناب مناب الفعل في المعنى دون العمل.
قال ابن عقيل: فندلاً نائب مناب فعل الأمر وهو اندل، والندل هو الخطف، خطف الشيء بسرعة، وزريق منادى، أصلها يا زريق، وزريق اسم رجل، وأجاز المصنف أن يكون مرفوعاً بـ ندلاً، وهذا فيه نظر؛ لأن اندل فعل أمر، وفعل الأمر لا يرفع اسماً ظاهراً، قم زيدٌ لا يصح هذا، قم يا زيدُ، وإذا حذفت يا النداء قلت: قم زيد، زيد هذا منادى، وحرف النداء محذوف، ولا يمكن أن يكون مرفوعاً بالفعل المذكور؛ لأنه فعل أمر، وفعل الأمر لا يرفع اسماً ظاهراً.
следующие страницы →