Полный текст (2 939 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
إذا وجب هذا الأصل حينئذٍ نقول: هذا خروج عن القياس؛ لأن الأصل عدم الالتزام، وإذا وجب التبديل بتأخير ما هو فاعل في المعنى حينئذٍ نقول: خالف من جهتين، خالف الأصل بكونه يتقدم المفعول في المعنى على الفاعل في المعنى، ثم التزامه وإيجابه هذا قدر زائد.
وَيَلْزَمُ: يعني يجب ويتحتم.
الأَصْلُ: السابق، ما هو الأصل السابق؟ تقديم الفاعل في المعنى على المفعول في المعنى.
لِمُوجِبٍ عَرَا: يعني لسبب طرأ ووجد، منها ثلاثة -المشهورة عند النحاة- وقل من ذكر رابعاً: كخوف اللبس، خوف اللبس: أعطيت زيداً عمْراً، زيداً: هذا مفعول أول، وعمْراً: مفعول ثان، وحينئذٍ لو أُخر المفعول الأول وهو زيد لالتبس الآخذ بالمأخوذ، لو التزمنا الأصل وهو كون زيد مفعولاً أول وهو فاعل في المعنى اتضحت الصورة، زيد آخذ وعمرو مأخوذ، زيد آخذ فهو فاعل في المعنى، وعمرو مأخوذ، إذاً: أعطيت زيداً عمْراً؛ هذا جاء على الأصل، فحينئذٍ إذا بُدل وقيل: أعطيت عمْراً زيداً ماذا يستفيد السامع؟ يستفيد أن عمْراً آخذ، وأن زيداً مأخوذ، إذاً: حصل لبس وحصل خلل.
إذاً نحو: أعطيت زيداً عمْراً؛ خوف اللبس وجب التزام الأصل وهو تقديم المفعول الأول وهو زيد وهو فاعل في المعنى على المفعول الثاني وهو عمرو وهو المفعول في المعنى.
الثاني: كون الثاني محصوراً فيه، ما أعطيت زيداً إلا درهماً، حينئذٍ لو قدم وأخر: ما أعطيت درهماً إلا زيداً حصل انتكاس في المعنى، فصار زيداً محصوراً فيه وصار درهم لا، ما أعطيت درهماً إلا زيداً، ما أعطيت زيداً إلا درهماً، إذا قيل: ما أعطيت زيداً إلا درهماً يعني: زيد لم يأخذ إلا درهم، وغير زيد؟ لا ينفى عنه الحكم، قد يكون آخذ درهم ودرهمين وثلاثة وعشرة، وأما إذا قلت: ما أعطيت درهماً إلا زيداً عكسنا، يعني: لم يأخذ إلا زيد وغير زيد لم أعطه شيئاً، حصل انتكاس في المعنى، وحينئذٍ يلزم اتباع الأصل والتزام الأصل وهو تقديم ما هو فاعل في المعنى على ما هو مفعول به في المعنى.
ما أعطيت زيداً إلا درهماً، ومثله: إنما أعطيت زيداً درهماً، زيداً: هذا مفعول أول، ودرهماً: مفعول ثاني، الأول فاعل في المعنى والثاني مفعول به في المعنى، لا يجوز التقديم والتأخير لوجود اللبس.
أو -الحالة الثالثة-: ظاهراً والأول ضمير متصل، يكون الثاني اسماً ظاهراً والأول ضمير متصل، لا بد من التزام الأصل، هذا لا إشكال فيه واضح، مثل: ضربني زيد، نقول: هنا يجب تأخير الفاعل لكون المفعول به متصل، ضمير متصل، لو فصلته حينئذٍ خالفت القياس.
وَفِي اخْتِيَارٍ لا يَجِيءُ المنُْْفَْصِلْ ... إِذَا تَأَتَّى أنْ يَجِيءَ المُتَّصِلْ
كذلك: ضربت زيداً التزم الأصل، التاء هنا فاعل، وزيداً: مفعول به، هل يمكن تقديم زيد على التاء؟ لا يمكن؛ لأنه ضمير متصل، ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)) إنا أعطيناك، أعطى –باب أعطى-، أَعْطَيْنَاكَ الكاف هذا مفعول أول؛ لأنه فاعل في المعنى هو آخذ، والْكَوْثَرَ مأخوذ، هل يجوز تقديم الْكَوْثَرَ على الكاف؟ لا يجوز، لأنه متصل.
وَفِي اخْتِيَارٍ لا يَجِيءُ المنُْْفَْصِلْ ... إذَا تَأَتَّى أنْ يَجِيءَ المُتَّصِلْ
стр. 982
إذاً: في هذه الأحوال الثلاث، يجب التزام الأصل وهو تقديم ما هو فاعل في المعنى على ما هو مفعول في المعنى: خوف اللبس أعطيت زيداً عمْراً، كونه محصوراً ما أعطيت زيداً إلا درهماً، إنما أعطيت زيداً درهماً، الثالث: كونه ضميراً متصلاً والثاني اسماً ظاهراً، ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)).
وَيَلْزَمُ الأَصْلُ: يعني السابق وهو تقديم الفاعل في المعنى.
لِمُوجِبٍ: لسبب ومقتضٍ وعلة.
عَرَا: يعني وجد أو طرأ.
وَتَرْكُ ذَاكَ الأَصْلِ قد يرى حتماً.
ترك ذاك الأصل ما هو الأصل؟ تقديم ما هو فاعل في المعنى، كيف نتركه؟ بأن نؤخر المفعول الأول ونقدم المفعول الثاني.
حَتْماً: واجباً، قَدْ يُرَى.
وَتَرْكُ: ترك هذا مبتدأ، وَتَرْكُ ذَاكَ، تَرْكُ: مضاف، وذَاكَ: مضاف إليه.
والأَصْلِ: بدل أو عطف بيان.
قَدْ يُرَى: قَدْ للتقليل. إذاً: ترك الأصل قليل باعتبار الأصل، قَدْ للتقليل، قَدْ يُرَى، يُرَى هو نائب فاعل، أي: ترك هذا الأصل.
حَتْماً: هذا حال من نائب الفاعل، أي: قد يرى واجباً، ترك الأصل قد يرى واجباً، وذلك كما إذا كان الذي هو فاعل في المعنى محصوراً، لو كان الذي هو فاعل في المعنى محصوراً نحو: ما أعطيت الدرهم إلا زيداً، زيداً: هذا فاعل في المعنى وهو محصور، وحينئذٍ لزم تأخيره، كما سبق معنا:
وَمَا بِإلاَّ أَوْ بِإِنَّمَا انْحَصَرْ ... أَخِّرْ
مطلقاً بلا تفصيل، كل ما كان محصوراً بـ (إلاَّ) أو بـ (إِنَّمَا) لزم تأخيره.
إنما أعطيت درهماً زيداً، زيداً محصور فيه، وحينئذٍ يلزم من هذا تقديم المفعول في المعنى على الفاعل في المعنى فيعكس، يقدم المفعول الثاني على المفعول الأول، وكذلك التزمه في الإعراب، تقول: ما أعطيت درهماً إلا زيداً، أعطيت: فعل وفاعل، ودرهماً: مفعول ثاني، وزيداً: مفعول أول مؤخر، وحكم التأخير هنا واجب؛ لكونه محصوراً فيه.
إذاً: كما إذا كان الذي هو فاعل في المعنى محصوراً نحو: ما أعطيت الدرهم إلا زيداً، أو ظاهراً والثاني ضميراً متصلاً: الدرهم أعطيته زيداً، مثل: ضربني زيد، ما حكم ضربني زيد؟ وجوب تقديم المفعول به على الفاعل وتأخير الفاعل، لماذا؟ لكون الفاعل اسماً ظاهراً والمفعول ضميراً متصلاً، وحينئذٍ لا يجوز أن يقال: ضرب زيد إياي، لا يصح؛ لأنك لو أردت الترتيب الأصلي تقديم الفاعل على المفعول قلت: ضرب زيد إياي، إياي: هذا مفعول جاء في محله، لكن نقول: لا، هذا لا يجوز، متى ما تأتى وأمكن أن يؤتى بالضمير متصلاً فلا يعدل عنه إلى المنفصل، فتقول: ضربني زيد بتقديم المفعول به على الفاعل وجوباً، الدرهم أعطيته زيداً، زيداً آخذ أو مأخوذ؟ آخذ، إذاً: هو فاعل في المعنى، أعطيته: الضمير يعود إلى الدرهم والدرهم مأخوذ.
إذاً: الهاء نقول: في محل نصب مفعول ثاني، وزيداً: منصوب على أنه مفعول أول، تقدم المفعول الثاني على المفعول الأول، المفعول في المعنى على الفاعل في المعنى وجوباً لكون المفعول الثاني ضميراً متصلاً والمفعول الأول اسماً ظاهراً، وللقاعدة السابقة وَفِي اخْتِيَارٍ إلى آخره نقول: يجب أن يتصل الضمير بعامله، الدرهم أعطيته زيداً.
стр. 983
أو ملتبساً بضمير الثاني، نحو: أسكنت الدار بانيها، أسكنت بانيها الدار، باني هو الفاعل في المعنى هو الذي يبني، والدار: مفعول في المعنى مبنياً، وهنا قال: أسكنت الدار بانيها؛ وجب تأخير المفعول الأول لاشتماله على ضمير يعود على المفعول الثاني وهو متأخر في اللفظ والرتبة، هذا الأصل، الأصل أسكنت بانيها الدار حينئذٍ وقعنا في محذور؛ وهو عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، في اللفظ نطق به متأخراً، وفي الرتبة لأنه مفعول ثاني، ورتبة المفعول الثاني متأخرة عن رتبة المفعول الأول. إذاً: عاد الضمير على متأخر في الرتبة واللفظ، وهذا ممنوع إلا في ست مسائل، وحينئذٍ نقول: وجب تقديم المفعول الثاني الذي هو مفعول في المعنى على المفعول الأول وهو فاعل في المعنى.
أسكنت الدار بانيها، وحينئذٍ هذه ثلاث مسائل يجب فيها ترك الأصل، كما أن ثَمَّ ثلاث مسائل يجب فيها التزام الأصل.
فلو كان الثاني ملتبساً بضمير الأول كما في: أعطيت زيداً ماله، زيداً: مفعول أول وهو فاعل في المعنى، ماله: مفعول ثاني، هل يصح أن يقال: أعطيت ماله زيداً؟ يصح، ما وجهه؟ أعطيت ماله زيداً، ماله: الضمير يعود على زيد، زيد أين هو؟ متقدم ومتأخر، متأخر في اللفظ ومتقدم في الرتبة، جائز أو لا؟ جائز، إذا عاد الضمير على متأخر في اللفظ دون الرتبة فهو جائز، في اللفظ دون الرتبة: ((وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ)) رَبُّهُ: هذا فاعل متصل بضمير يعود على إبراهيم، هنا مفعول به واجب التقديم؛ لأنه لو أخرته فقلت: (وإذ ابتلى ربه إبراهيم) عاد الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة وهذا ممنوع، وأما إذا عاد على متأخر في اللفظ دون الرتبة فهذا جائز.
إذاً: أحكام الضمير ثلاثة: إما أن يعود -وهو الأصل- أن يعود على متقدم في الرتبة واللفظ، وحينئذٍ نقول: هذا هو الأصل، مثل: إذا عاد على متقدم في اللفظ والرتبة: زيد ضربته، ضربته الضمير هنا يعود على متقدم في اللفظ والرتبة، اللفظ لأننا نطقنا به متقدماً باعتبار النطق، وفي الرتبة لأنه مبتدأ والجملة خبر إذا رفعنا، زيد ضربته، فعاد الضمير على متقدم في الرتبة واللفظ.
على متأخر في اللفظ والرتبة، هذه الحال الثانية، هذا ممتنع لا يجوز إلا في ست مسائل ذكرناها عند قوله:
وَشَاعَ نَحْوُ خَافَ رَبَّهُ عُمَرْ ... وَشَذَّ نَحْوُ زَانَ نَوْرُهُ الشَّجَرْ
ست مسائل وسيأتي منها باب التنازع.
بقي حالة ثالثة وهي وسطى: أن يعود الضمير على متأخر في اللفظ دون الرتبة، رتبته متقدمة لكنه في اللفظ نطق به متأخراً وحينئذٍ نقول: هذا جائز، مثل: أعطيت زيداً ماله، ماله هذا ضمير يعود على متقدم في الرتبة واللفظ وهو زيداً، أعطيت زيداً ماله: الضمير يعود على زيد، وهو متقدم في الرتبة؛ لأنه مفعول أول، وماله: مفعول ثاني، وفي اللفظ نطق به متقدماً، لو وسطته قلت: أعطيت ماله زيداً؛ حينئذٍ عاد على متأخر في اللفظ دون الرتبة، لكونه متقدماً في الرتبة، هذا نقول: جائز.
وَيَلْزَمُ الأَصْلُ لِمُوجِبٍ عَرَا ... وَتَرْكُ ذَاكَ الأَصْلِ حَتْماً قَدْ يُرَى
وَتَرْكُ ذَاكَ الأَصْلِ: السابق، يعني: بتقديم المفعول في المعنى على الفاعل في المعنى قد يرى حتماً يعني: محتوماً.
стр. 984
قال الشارح: أي يلزم الأصل وهو تقديم الفاعل في المعنى إذا طرأ ما يوجب ذلك وهو خوف اللبس، نحو: أعطيت زيداً عمْراً فيجب تقديم الآخذ منهما ولا يجوز تقديم غيره لأجل اللبس، إذ يحتمل أن يكون هو الفاعل، وإذا وقع الاحتمال حينئذٍ لا بد من الرجوع إلى الأصل.
وقد يجب تقديم ما ليس فاعلاً في المعنى وتأخير ما هو فاعل في المعنى، أعطيت الدرهمَ صاحبه، الدرهمَ بالنصب، أعطيت الدرهم صاحبه، صاحب هو آخذ، هو فاعل في المعنى، والدرهم مأخوذ.
إذاً: صاحب؛ هذا مفعول أول، والدرهم: مفعول ثاني، وجب تأخيره وتقديم المفعول في المعنى؛ لأنه اتصل بضمير يعود على متأخر في اللفظ والرتبة وهو ممنوع، ولا يمكن تصحيح هذا الكلام إلا بتأخير المفعول الأول ليعود على متقدم في اللفظ دون الرتبة، أعطيت الدرهم صاحبه؛ عاد على متقدم في اللفظ فحسب دون الرتبة، لأن رتبته متأخرة عنه، فلا يجوز تقديم صاحبه وإن كان فاعلاً في المعنى، فلا تقل: أعطيت صاحبه الدرهم لئلا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة وهو ممتنع، والله أعلم.
حكم المبتدأ مع خبره فيما سبق، إذا وقع مفعولين كحكم الفاعل في المعنى مع المفعول في المعنى، الحكم واحد، قد يجب التزام الأصل، قلنا: الأصل أن يكون المبتدأ هو المفعول الأول، -سبق تقريره-، والخبر هو المفعول الثاني، قد يجب التزام الأصل وقد يمتنع، فالأحوال ثلاثة حينئذٍ وتؤخذ أحكامها مما سبق.
ظننت زيداً قائماً، زيداً: هذا مفعول أول، لماذا حكمنا عليه بأنه مفعول أول؟ لأنه مبتدأ ليس فاعلاً في المعنى، ما كان أصلهما المبتدأ والخبر لا نقول فاعل في المعنى، إذاً: ظننت زيداً، زيداً حكمنا عليه بأنه مفعول أول لكونه مبتدأ في المعنى، وقائماً: مفعول ثاني لكونه خبر، ورتبة المبتدأ متقدمة على رتبة الخبر، هل يجوز: ظننت قائماً زيداً؟ يجوز، ليس فيه لبس؛ لأنه يعلم الأول من الثاني، المحكوم عليه من المحكوم به.
ووجوبه في نحو: ظننت زيداً عمْراً، زيداً: هذا مفعول أول، وعمْراً: مفعول ثاني، في أصلهما مبتدأ وخبر، زيد عمرو قلنا: يصح أو لا؟ السيهلي قال: لا، لا تختص هذه الأفعال بدخولها على المبتدأ والخبر، وعرفنا أن الصواب أنها خاصة بالمبتدأ والخبر، وزيد عمروٌ المراد به: زيد كعمْرٍ، وهذا مبتدأ وخبر، وحينئذٍ المراد به التشبيه، فلا يجوز تقديم المفعول الثاني على الأول لئلا يلتبس؛ لأن ثَمَّ فرقاً بين قولك: زيدٌ كعمروٍ وبين قولك: عمروٌ كزيدٍ، فرق بين المشبه والمشبه به، تشبه من بمن؟ لا شك أن المشبه أدنى من المشبه به، -هذه قاعدة- إلا على التشبيه المقلوب.
فزيد كعمروٍ حينئذٍ نقول: يلتزم فيه تقديم المبتدأ على الخبر، ولا يصح أن يقال: عمروٌ كزيدٍ، إذا دخلت (ظن) عليه حينئذٍ نقول: ظننت زيداً عمْراً على التشبيه أيضاً، فلا يجوز أن يتقدم المفعول الثاني وهو عمْراً على الأول، لماذا؟ لوقوع اللبس.
وامتناعه في نحو: ظننت في الدار صاحبها، ظننت صاحبها في الدار، في الدار هذا لا يمكن أن يكون مبتدأً؛ لأنه شبه جملة، وشبه الجملة لا يقع مبتدأً البتة؛ لأنه متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف إما أن يكون اسم فاعل وإما أن يكون اسم مفعول، وعليهما لا يصح أن يكون مبتدأً.
стр. 985
إذاً: الظرف والجار والمجرور لا يصح واحد منهما أن يعرب مبتدأً البتة.
إذاً: ظننت في الدار صاحبها؛ الأصل قبل دخول (ظن): صاحبُها في الدار، عاد الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة، صاحبُها: مبتدأ وهو مضاف والهاء مضاف إليه، في الدار: هذا جزء خبر؛ لأنه متعلق بمحذوف -بعض الخبر-.
إذاً: عاد الضمير على بعض الخبر.
كَذَا إذا عَادَ عَلَيْهِ مُضْمَرُ ... مِمَّا بِهِ عَنْهُ مُبِيناً يُخْبَرُ
حينئذٍ عاد على بعض الخبر، على ملابس الخبر.
لتصحيح هذا التركيب، وهو امتناع عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة وجب تقديم الخبر، في الدار صاحبها؛ نقول: هذا من المواضع التي يجب فيها تقديم الخبر على المبتدأ، وتأخير المبتدأ.
إذا دخلت (ظن) على هذا التركيب وهو مبتدأ وخبر التزم الأصل قبل دخول (ظن) لأن الحكم واحد، ولذلك سبق أن ما ثبت في باب المبتدأ والخبر، عينه ما ثبت في باب كان وأخواتها وإن وأخواتها وظن وأخواتها، هذا هو الأصل إلا ما اختصت به الأبواب في بعض المسائل والأحكام المخالفة للأصل، وإلا الأصل واحد.
صاحبها في الدار، ظننت صاحبها في الدار، ظننت في الدار صاحبها؛ وجب التقديم كما وجب في الأصل.
إذاً: (ظن وأخواتها) كذلك الحكم فيها سيان، ولكن الناظم هنا ذكر ما يتعلق بمفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ لأن مفعولي (ظن وأخواتها) يعلم مما سبق، وإلا الأصل أن هذه الأحكام الثلاثة: التزام الأصل، امتناع التزام الأصل، جواز الوجهين؛ هذه تسري في النوعين: ما كان أصلهما المبتدأ والخبر، وما ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فليس الحكم خاصاً بهذه المفاعيل، فلا يظن شيء.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ ... كَحذْفِ مَا سِيقَ جَوَاباً أَوْ حُصِرْ
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ
أَجِزْ: فعل أمر.
وَحَذْفَ: هذا مفعول به متقدم.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ: أجز حذف فضلة، حذف فضلة أجز لا غيره، للاهتمام أو للحصر؟ هذا ينبني على مسألة: وهو أن العمدة -ما ليس فضلة-، وسيأتي تفسيره، العمدة كالفاعل هل يجوز حذفه أو لا؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنه عمدة، والعمدة لا يجوز حذفها، هذا على مذهب البصريين، وأجاز الكسائي ومن تبعه، جواز حذف العمدة الفاعل، وعلى رأي المصنف: وهو أن الفعل يتلوه فاعل، فإن لم يكن وجب الاستتار، حينئذٍ يدل على أن الناظم يرى عدم جواز حذف الفاعل:
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ فَإنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ وَإلاّ -إن لم يظهر، ما قال: اتركه محذوفاً- فََضَمِيرٌ اسْتَتَرْ: دل على أنه لا بد منه، إما ظاهراً وإما مستتراً، إذاً: لا يجوز حذفه البتة عند المصنف إلا المسائل المستثناة التي ذكرناها سابقاً.
إذاً: قوله: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ: للحصر لا للاهتمام، حذف فضلة لا عمدة، أجز حذف فضلة، وأما العمدة فلا يجوز حذفها، والفضلة اشتهر عند النحاة بأنه خلاف العمدة كما قال ابن عقيل، والعمدة ما لا يستغنى عنه، يعني: لا يصح الكلام بدونه، لا يستغنى عنه، مثل: الفاعل ونائبه والفعل والمبتدأ والخبر، هذا لا يستغنى عنه؛ لأن أقل الكلام يتألف من ماذا؟
أقَلُّ مَا مِنْهُ الْكَلامَ رَكَّبُوا ... اسْمَانِ أَوْ اسْمٌ وفِعْلٌ كَاْرْكَبُوا
стр. 986
إلى هنا الصحيح، ما بعده لا، وحينئذٍ نقول: أقل ما يتألف منه الكلام اسمان أو اسم وفعل، وفي الجملة الاسمان مبتدأ وخبر، والاسم والفعل، فعل مبني للمعلوم وفاعله أو مبني لما لم يسم فاعله ونائبه، إما هذا أو ذاك.
إذاً: المبتدأ عمدة فلا يجوز حذفه، هذا الأصل إلا بدليل –قرينة-، هذا لا إشكال فيه، والكلام فيما هو بدون قرينة، والخبر عمدة، الفاعل عمدة، فعله رافعه عمدة، نائب الفاعل عمدة كذلك رافعه عمدة.
ما عدا هذا عندهم يسمى فضلة، ولذلك قال: والعمدة ما لا يستغنى عنه، يعني: في أقل ما يتألف منه الكلام، والفضلة: ما يمكن الاستغناء عنه كالمفعول به، ما يمكن الاستغناء عنه هذا يسمى فضلة، هذا المشهور عند النحاة، ولكنه هذا الحد ضعيف، والصواب أن يقال: الفضلة ما ليس ركناً في الإسناد، والعمدة ما هو ركن في الإسناد، ركن في الإسناد يعني: يزول الكلام لأن هذا شأن الركن، تزول الماهية بزواله:
وَالرُّكنُ جُزءُ الذَّاتِ وَالشَّرطُ خَرَج.
وحينئذٍ نقول: الركن داخل في الماهية، إذا زال زالت الماهية، فما كان داخلاً في أصل الكلام هو المبتدأ والخبر والفعل وفاعله أو نائبه، نقول: هذا يسمى عمدة.
إذاً: ما ليس ركناً في الإسناد هو الفضلة، والركن الفعل والفاعل أو نائبه والمبتدأ والخبر.
إذاً: ما ليس ركناً في الإسناد هذا يشمل ما يمكن الاستغناء عنه وما لا يمكن؛ لأن بعض الفضلات لا يصح الاستغناء عنها البتة، لا يمكن ولو كانت فضلة، لو حكم عليها فضلة، ولذلك الحال باتفاق أنها فضلة، ((وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً)) مرحاً ما إعرابه؟ حال، يستغنى عنه؟ لا يستغنى عنه، لو استغني عنه حذف تقديراً: (وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ) قف مكانك، صار النهي عام عن كل مشي مع كون الحال هنا مقيدة للعامل: ((وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً)) غير المرح مباح ليس منهياً عنه، إذاً: يستغنى عنها؟ يستغنى عن الحال؟ لا يستغنى عنها مع كونها فضلة، والصواب: أنه لا يعرَّف الفضلة بكونه ما يمكن الاستغناء عنه؛ لأن بعض أنواع التمييز قد يستغنى وبعضه لا يستغنى، كذلك النعت والبدل وعطف البيان بعضهم قد لا يستغنى عنه وهي فضلات، كلها فضلات، كل ما عدا باب المبتدأ والخبر والفعل والفاعل ونائب الفاعل كلها فضلات، المنصوبات كلها فضلات والمجرورات كلها فضلات، هذا لا يمكن أن يقال: كلها يستغنى عنها بالكلام، لا، نقول: منه ما يستغنى عنه يصح الكلام بدونه ومنها لا، وحينئذٍ نقول: الصواب أن الفضلة ما ليس ركناً في الإسناد، والركن المراد به الفعل والفاعل أو نائبه المبتدأ والخبر، وما عدا ذلك فضلات سواء استغني عنها أم لا.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ: لكن مراده بالفضلة هنا، وحذف فضلة المراد به: ما عدا مفعولي باب (ظن) مما ليس بعمدة؛ لأنه سبق أن باب (ظن) للمفعولين حكم خاص، قال: ولاَ تُجِزْ هُنَا، يعني: في باب (ظن) بِلاَ دَلِيلِ ... سُقُوطَ مَفْعْولَيْنِ أوْ مَفْعُولِ
إذاً: لهما حكم خاص من جهة الاقتصار والاختصار على ما بيناه سابقاً.
стр. 987
هنا قال: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ؛ المراد به: المفعول من غير باب (ظن)؛ لأنه قد يقال: بأن الناظم قد يعمم، إذا لم يقيد الحكم ببابه قلنا: قد يستفاد منه التعميم، إذاً قال: وَشَاعَ فِي ذَا البَابِ هذا الباب، إذاً حكم خاص.
ولاَ تُجِزْ هُنَا: أي في هذا الباب، وإذا عمم –أطلق-، فالظاهر أنه يريد الأبواب كلها.
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ... تَقُولُ زَيْدٌ
وحينئذٍ نقول: هذا حكم عام، هذا الظاهر، هنا قال: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ؛ الظاهر أنه عام، إذاً: لا بد من تقييده بما عدا مفعولي (ظن)، لماذا؟ لأن (ظن) أصل المفعولين المبتدأ والخبر، فهما عمدة لا يستغنى عنهما، هذا الأصل، وأما باب (كسا وأعطى) هذا سيأتي أنه يجوز حذف المفعولين اقتصاراً واختصاراً، بخلاف باب (ظن) فالحكم يختلف؛ لأن المفعول الأول في باب (ظن) مبتدأ فهو عمدة، ولذلك العمدة قد يكون عمدة في الحال وقد يكون عمدة باعتبار الأصل، عمدة في الحال: زيد قائم، زيد عمدة في الحال الآن يعني في النطق، وقائم: هذا عمدة كذلك خبر حال، ظننت زيداً قائماً، نقول: زيداً هذا عمدة باعتبار الأصل، وقائماً: هذا عمدة باعتبار الأصل،، إذاً: النظر في العمدة يكون من جهتين.
إذاً: قوله: أجز حذف فضلة، المراد بالفضلة: ما ليس بعمدة.
أَجِزْ: اختصاراً أو اقتصاراً، يعني: يجوز حذف الفضلة سواء كان من باب الاقتصار أو الاختصار، وقلنا: الفرق بينهما أن حذف الاقتصار بالقاف هو حذف بلا دليل، بلا قرينة، تحذفها هكذا ولا يدل عليها شيء، والاختصار لا يكون الحذف إلا بدليل.
إذاً: فرق بين النوعين.
هنا حكم عام قال: أَجِزْ؛ فالجواز مطلق، وحينئذٍ أجاز الحذف مطلقاً سواء كان من باب الاقتصار أو من باب الاختصار، سواء كان دال عليه دليل بعد الحذف أو لا، مطلقاً، لو قال: ضربت وسكت نقول: يجوز، يجوز أن يحذف المفعول به ولو لم يذكره ولو لم يعلمه السامع، لماذا؟ لأنه فضلة وليس عمدة في الأصل، فيقول: ضربت، لكن ظننت قائماً؛ لا، ظننت زيداً، لا، لا بد من دليل؛ لأن أصل زيداً من ظننت زيداً وقائماً كذلك أصله عمدة، فلا يجوز حذفه إلا بدليل على التفصيل السابق الذي ذكرناه فيما سبق.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ: مراده بالجواز هنا عدم الامتناع، الجواز المراد به عدم الامتناع، فيصدق بالوجوب، يعني: يجب الحذف، وهذا سيأتينا مثاله في باب التنازع، فيصدق بالوجوب: ضربت وضربني زيد، ضربت، ضربته وضربني زيد؛ حُذف الضمير من الأول وجوباً.
إذاً: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ: المراد به ما يقابل المنع، فيصدق بالوجوب.
إذاً: حذف الفضلة قد يكون جائزاً وقد يكون واجباً، واجباً في مثل: ضربت وضربني زيد، ضربتُ هذا محل الشاهد، الأصل: ضربته؛ حذف الهاء وجوباً كما سيأتي في باب التنازع.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ
стр. 988
يَضِرْ: بكسر الضاد ويجوز ضمها: يضُر، يضِر يضُر، يجوز ضمها على أن الفعل أجوف واوي، أو على أنه مضعف وُقِف عليه في القافية بالتخفيف، بالسكون يعني، ضرَّ يضِرُّ يضرَّ لكن الكسر أنسب هنا؛ لأنه قال: أَوْ حُصِرْ، يضُر يضِر يجوز الوجهان، لكن يضِر أنسب لئلا يحصل التباس بين نهاية الشطر الأول والثاني، لأنه قال: حُصِرْ يَضِرْ.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ إِنْ لَمْ يَضِرْ: حذفها كما هو الأصل، الأصل فيها عدم الإضرار بعد الحذف، وإنما يكون الحذف لعلة، هذا الأصل فيه، فكل ما ذكر من الأغراض اللفظية أو المعنوية لحذف الفاعل هي عينها في حذف المفعول مطلقاً، حذف الفضلة، إن لم يضر حذفها، وحينئذٍ حذف الفضلة إما لغرض لفظي وإما لغرض معنوي، لغرض لفظي كتناسب الفواصل، قالوا: ((مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى)) ما قلاك، حذف المفعول قلاك، حذف من أجل التناسب، تناسب الفواصل، وهذا غرض لفظي.
((إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)) لمن يخشاه، حذف المفعول به لأجل التناسب.
والإيجاز كما: ((فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا)) تفعلوا ماذا؟ ((وَلَنْ تَفْعَلُوا)) ماذا؟ حذف المفعول في الفعلين من أجل الإيجاز.
وإما معنوي كاحتقاره، كما في قوله تعالى: ((كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ)) أي الكافرين، حذف المفعول به قيل: لاحتقاره هنا.
أو استهجانه، أو العلم به، أو الجهل به، أو تعظيمه، أو الخوف منه، فيحذف المفعول لما يحذف له الفاعل من الأغراض اللفظية أو المعنوية السابقة.
إِنْ لَمْ يَضِرْ: فإن ضر حينئذٍ امتنع حذفه، فإن ضر امتنع حذفه.
كَحذْفِ مَا سِيقَ جَوَاباً أَوْ حُصِرْ
كَحذْفِ: المثال هنا لأي شيء؟ إن لم يضر أو لما ضر؟ ظاهر الكلام هنا:
إِنْ لَمْ يَضِرْ ... كَحذْفِ مَا سِيقَ جَوَاباً أَوْ حُصِرْ
ظاهر الكلام أنه لما لم يضر، لكن الظاهر الصحيح عكسه، كأن التقدير: إن لم يضر فإن ضر امتنع وذلك كحذف، وحينئذٍ التمثيل هنا للحذف الضار.
كَحذْفِ مَا: يعني فضلة.
سِيقَ جَوَاباً: سيق هذا مغير الصيغة، مثل قيل ساق يسوق سُوِقَ هذا الأصل، سيق بكسر السين، ساق يسوق أي: باب قال يقول.
جَوَاباً: هذا مفعول ثاني لسيق، وسيق هذا فيه نائب فاعل.
كَحذْفِ مَا: يعني مفعول.
سِيقَ جَوَاباً؛ لسؤال سائل: من ضربت؟ ضربت زيداً، فيصح أن يقول: ضربت زيداً ويصح أن يقول: زيداً، المهم أن يذكر المفعول به سواء ذكر الناصب أو لا.
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِما
فحينئذٍ لا بد أن نقول: زيداً، لو قيل له: من ضربت؟ قال: ضربت وحذفه ما استفدنا شيء، ما حصل الجواب. إذاً: لا بد أن يحصل الجواب بذكر المفعول، والمفعول به هنا فضلة ولا يستغنى عنه، لا يمكن أن يستغنى عنه؛ لأنه لم يحصل الجواب إلا بذكره بقطع النظر عن العامل ذكر أو لا.
إذاً: كَحذْفِ مَا سِيقَ جَوَاباً: لسؤال سائل: من ضربت؟ ضربت زيداً، أو زيداً، وحينئذٍ نقول: زيداً هذا مفعول به لا يجوز حذفه واجب؛ لأنه لو حذف ضر، ضر بماذا؟ لم يحصل الجواب للسؤال، فبقي السؤال معلقاً دون الجواب، وهذا باطل.
стр. 989
أَوْ حُصِرْ: يعني حصر المفعول به، كان محصوراً فلا يجوز حذفه، مثل ما ضربت إلا زيداً، زيداً هذا مفعول به محصور بعد (إلا) لا يجوز حذفه، لا تقول: ما ضربت إلا زيداً، بمعنى: أنه نفي الضرب مطلقاً عن غير زيد وأُثبت لزيد. ما ضربت إلا زيداً؛ أُثبت الضرب لخصوص زيد ونفي عما عداه، لو قال: ما ضربت وحذف المفعول به نفي الضرب مطلقاً وهو قد ضرب زيد، إنما ضربت زيداً، زيداً هذا محصور فيه، لا يصح أن نقول: إنما ضربت، ضربت من؟ كل الناس، هذا ممتنع، بعض الناس، من هم؟ لا بد من التعيين.
أو حُذف عامله، نحو: إياك والأسدَ، احذر، تحذير، هذا منصوب على التحذير، إياك: هذا مفعول به لفعل محذوف وجوباً، هل يجوز حذفه؟ لا يجوز حذفه.
إذاً: في هذه المواضع الثلاث لا يجوز حذف الفضلة البتة؛ إذا كان جواباً لسؤال، أو كان محصوراً، أو كان منصوباً على التحذير أو الإغراء.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ
قوله: فَضْلَةٍ؛ عرفنا الآن بالأمثلة السابقة المفعول الواحد.
قوله: فَضْلَةٍ؛ يشمل المتعدي إلى واحد، نحو: ضربت، والأمثلة السابقة عليه، ويدخل فيه أيضاً يدخل فيه الأول من المتعدي إلى الاثنين، مثل ((وَأَعْطَى قَلِيلاً)) قَلِيلاً هذا مفعول ثاني حذف الأول، وأعطاك، أو أعطاه نقول: هذا حذف فيه الأول، والثاني كقوله: ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ)) يعطيك ماذا؟ حذف، حُذف الثاني، ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ)) والأول والثاني معاً، نحو: ((فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى)) فهذا يجوز حذف المفعولين اقتصاراً واختصاراً، ((فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى)) أعطى يتعدى إلى اثنين، أين المفعولان؟ لم يذكرا.
ويجوز حذفهما ولو بدون قرينة، ولو لم يعلمه السامع، لا يشترط فيه ذكر قرينة إلا في باب (ظن)؛ لأنه عمدة في الأصل، وأما هذا لا، هذا داخل في قوله: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ؛ فهو مطلق.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ ... كَحذْفِ مَا سِيقَ جَوَاباً أَوْ حُصِرْ
الفضلة خلاف العمدة، والعمدة: ما لا يستغنى عنه. وهذا ليس بجيد؛ لأن ما لا يستغنى عنه قد يكون فضلة، ومثله ما كان واقعاً في جواب سؤال، زيداً لا بد منه لا يستغنى عنه، ما ضربت إلا زيداً؛ هذا لا يستغنى عنه وهو فضلة عندهم، وحينئذٍ ما لا يستغنى عنه فيه نظر.
والفضلة ما يمكن الاستغناء عنه كالمفعول به، فيجوز حذف الفضلة إن لم يضر، كقولك في ضربت زيداً: ضربتُ، جائز هذا، تقول: ضربت، أكلت، ليس شرطاً أنك تخبر الناس ماذا أكلت، تقول: أكلت والحمد لله، وحينئذٍ تحذف المفعول ولا يشترط ذكره، قد لا يعلم السامع بالمفعول، لا يشترط فيه قرينة، وحينئذٍ نقول: أكلت، ضربت، شربت، يكفي، شربت ماذا؟ تحذف المفعول ولا تخبر، نقول: هذا حذف فيه المفعول بدون قرينة ولا يشترط فيه قرينة.
стр. 990
وكقولك في أعطيت زيداً درهماً: أعطيتُ، أعطيتُ زيداً درهماً؛ حذفت المفعولين، اقتصاراً أو اختصاراً جائز، ومنه قوله تعالى: ((فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى)) حذف المفعولين، وأعطيت زيداً: هذا حُذف الثاني، ومنه قوله تعالى: ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ)) يُعْطِيكَ رَبُّكَ؛ حذف الثاني، وأعطيت درهماً أعطيت من؟ هذا لا يشترط فيه ذكره، أعطيت درهماً المراد: أني أخبرك أني أعطيت درهماً، أعطيت من؟ هذا ليس إليك، لا يشترط فيه أن يكون عالماً بالمحذوف.
ومنه: ((حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ)) حتى يعطوكم الجزية.
فإن ضر حذف الفضلة لم يجز حذفها كما إذا وقع المفعول به في جواب سؤال نحو: أن يقال: من ضربتَ؟ فتقول: ضربت زيداً، أو وقع محصوراً: ما ضربت إلا زيداً، فلا يجوز حذف زيداً في الموضعين إلا يحصل في الأول الجواب ويبقى الكلام في الثاني دالاً على نفي الضرب مطلقاً، والمقصود نفيه عن غير زيد فلا يفهم المقصود عند حذفه.
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِمَا
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا، أولاً قال: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ يعني: المفعول به ما عدا مفعولي ظن، هذا الكلام في المفعول نفسه، والمفعول لا بد أن يكون منصوباً بعامل، والعامل قد يكون اسماً وقد يكون فعلاً، وحينئذٍ نقول: يجوز حذف الناصب، الآن الكلام في الناصب ليس في الفضلة، وإنما ما نصب الفضلة، هل يجوز حذفه أم لا؟ الأصل الجواز، لكن بشرط أن يدل عليه دليل، هنا اشترطنا القرينة مع الحذف، يعني: لا يحذف إلا بقرينة، وفي السابق قلنا: لا يشترط فيه قرينةك
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ: مطلقاً بلا دليل وبدليل اقتصاراً واختصاراً، هنا لا، لا يحذف اقتصاراً وإنما يحذف اختصاراً وهو ما كان بدليل، لماذا؟ لأن السابق ليس عمدة فلا يجب ذكره، هذا الأصل.
وأما الناصب إذا كان فعلاً فهو عمدة، والعمدة لا يحذف بلا دليل، ولذلك قال هنا:
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِما
لا بد من هذا القيد، فإن لم يعلم لا يجوز حذفه البتة.
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا
النَّاصِبُهَا: الغلامُ زيدٍ، يصح؟ هل يصح دخول ناصبها؟ ناصبها: مضاف ومضاف إليه، الإضافة لا تجامع (أل)، الغلامُ زيدٍ هذا لا يصح، كونه وصفاً، وهذا سيأتينا إن شاء الله.
وَوَصْلُ (ألْ) بِذَا المُضَافِ مُغْتَفَرْ، فيه شروط.
إذاً: النَّاصِبُهَا: يعني الذي نصبها، هذا مراده؛ لأنه في قوة الجملة الفعلية.
стр. 991
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا: يعني ناصب الفضلة، فالضمير هنا يعود على قوله: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ، على المضاف إليه، فأعاد الناظم هنا الضمير على المضاف إليه، وهذا على الصحيح أنه جائز، أنه يجوز عود الضمير على المضاف إليه، وقيل: لا؛ لأن المضاف إليه كجزء من كلمة، كالدال من زيد والياء من زيد، فلا يجوز عود الضمير على بعض الكلمة، والمضاف والمضاف إليه بعد الإضافة صار كجزءٍ واحد، وحينئذٍ نقول: عود الضمير على المضاف إليه كعوده على دال زيد، والصواب: لا؛ لأن غلام زيد وإن كان في المعنى كالكلمة الواحدة إلا أنه في الحقيقة كلمتان، بدليل: إجراء الإعراب على محلين، جاء غلام زيد، كم إعراب هنا؟ غلام زيد كم إعراب؟ فيه إعرابان، فيه محلان: أولاً: غلامُ على أنه فاعل، والمقتضي للرفع هو جاء، والميم حرف الإعراب، يعني محل الإعراب. زيدٍ: مضاف إليه، هذا مجرور. إذاً: الأول مرفوع والثاني مجرور اختلفا، فدل على أنهما ليسا كلمة واحدة حقيقية، حينئذٍ لا بد من الفصل.
إذاً: وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا أعاد الضمير على المضاف إليه وهو جائز.
وَيُحْذَفُ: هل المراد بالحذف هنا الحذف الواجب أم الجائز؟ الجائز، لماذا؟ وَقدْ يَكُونُ حَذْفُهُ مُلْتَزَمَا، دل على أن المراد بقوله: وَيُحْذَفُ؛ جوازاً، ولا يشمل الواجب؛ لأنه فصله عنه.
وَيُحْذَفُ: أي يجوز حذفه؛ لأنه في مقابلة الحذف الواجب.
النَّاصِبُهَا: يعني الذي نصبها.
إِنْ عُلِمَا: يعني بالقرينة، إن علما بالقرينة، وإذا حذف فقد يكون حذفه جائزاً نحو: ((قَالُوا خَيْراً)) ((مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً)) يعني: أنزل ربنا خيراً، خَيْراً هذا مفعول به حُذف ناصبه، هل دل عليه دليل؟ نقول: نعم، لا بد من دليل. ((قالوا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً)) يعني: أنزل خيراً، قالوا: أنزل خيراً. ((وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)) يعني: بل أتبع ملة إبراهيم، فملة نقول: هذا منصوب على أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره: أتبع.
القرطاسَ، إذا رأيت رجل يسدد سهماً، القرطاسَ: هذا مفعول به لفعل محذوف جوازاً.
إذاً: وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِمَا
نقول: اشترط في حذف الناصب علمه دون حذف الفضلة؛ لأنه أحد ركني الإسناد وعمديته، فلا يستغني الإسناد عنه حتى يحذف بلا دليل بخلاف الفضلة، الفضلة يحذف بدليل وبدون دليل، وأما ناصب الفضلة فلا يحذف إلا بدليل؛ لأنه عمدة وركن في الإسناد.
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِمَا
وإذا أردنا تقديره حينئذٍ، قلت مثلاً: زيداً، ضربت من؟ زيداً، حذفت، إذا أردت تقديره أين تقدره، متأخر أو متقدم؟ متقدم، لماذا؟ لأنه الأصل، بقطع النظر عن كونه مطابقاً للسؤال. ضربتَ من؟ من ضربتَ؟ زيداً، الأصل في المعمول أن يكون متأخراً عن العامل، فإذا جئت تقدره حينئذٍ تقدم العامل على المعمول، فتقول: ضربتُ زيداً، وكذلك في قوله: ((قَالُوا خَيْراً)) المفعول به يجوز تقديمه على العامل، خيراً أنزل، أنزل خيراً؛ يجوز الوجهان، لكن لا تقدره إلا قبله؛ لأنه عامل وهو الأصل.
стр. 992
وإذا حُذف فالأصل تقديره في مكانه الأصلي، إذا حذف الناصب حينئذٍ تقدره في مكانه الأصلي، ما هو مكانه الأصلي؟ التقديم؛ لأن العامل رتبته مقدمة على المعمول، لأن العامل يقتضي، يطلب، وحينئذٍ نحتاج إلى أن يكون متقدماً على معموله، إلا لمانع أو مقتضي، إلا لسبب يعني، فإن وجد السبب حينئذٍ لا نقدره في مكانه الأصلي بل نؤخره، فالأول الذي هو لمانع نحو: أيَّهم رأيته، نقول: هذا من باب الاشتغال، أيَّ: بالنصب، إذا جئنا نقدر لا نقول: (أيَّ) منصوب بفعل محذوف تقديره: رأيت أيَّ؛ لا، تؤخره، أيَّهم رأيتَ، رأيتَه؟ فإذا جئت تقدر تجعله بعد المفعول به، لماذا؟ لأن أيَّهم الاستفهام له الصدارة في الكلام، فلا يتقدم عليه عامله، ولذلك نقول هنا: يقدر لمانع، يقدر في غير مكانه الأصلي بأن يكون تالياً لمعموله، وليس معمولُه تالياً أو تابعاً له، فلا تقل: رأيت أيَّهم، وإن كان هذا هو الأصل لأنه مفعول به، لكن نقدره متأخراً لما ذكرناه.
أيَّهم رأيته؛ إذ لا يعمل في الاستفهام ما قبله لأن لها حق الصدارة.
ونحو: ((وَأَمَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ)) وَأَمَّا ثَمُودَ بالنصب، قراءة من نصب، وحينئذٍ نقول: ثمودَ هذا مفعول به لفعل محذوف تقديره: أما ثمود هدينا فهديناهم، نؤخره؛ لأن (أَمَّا) لا يتلوها فعل لا لفظاً ولا مقدراً، وحينئذٍ خالفنا لمانع، لوجود (أما)، فنقول: أما ثمود هدينا لا نقول: هديناهم، لا، هديناهم نحتاج تقدير آخر. ثمودَ هدينا هديناهم، إذاً: دل عليه المذكور لكن لا يتقدم على المفعول، إذ لا يلي (أما) فعل.
كذلك نحو: في الدار زيد، أين نقدر؟ إذا أردنا أن نجعل زيد مبتدأ قطعاً لا يحتمل غيره، وفي الدار خبر وقلنا: الخبر هنا متعلق بـ استقر على الصحيح مثلاً، كيف نقدر؟ في الدار: جار ومجرور متعلق بمحذوفٍ خبر تقديره: في الدار زيد استقر، هكذا تقدره: في الدار زيد استقر؛ لأنك لو قلت: استقر في الدار؛ صار زيد فاعل، وإذا أردته مبتدأ حينئذٍ تقدَّم الفعلُ -الجملة الفعلية- على المبتدأ، وإذا قلت: في الدار استقر زيد لم تخرج عن المشكلة، ولا تخرج عنها إلا بتأخير التقدير، فتقول: في الدار زيد استقر، ولذلك في الدار زيد قلنا: يجوز فيه وجهان: زيد على أنه مبتدأ، حينئذٍ إذا قدرنا المتعلق وجب تأخيره، وإذا قلنا: فاعل؛ حينئذٍ يجب تقديمه إلا على مذهب الكوفيين من جواز تقدم الفاعل على الفعل، فإذا أعربنا زيد فاعل هكذا نقول: في الدار متعلق بـ استقر، تقديره: استقر في الدار زيد، فزيد: فاعل، وفي الدار: متعلق به. أو تقول: في الدار استقر زيد، زيد: فاعل. هذا واضح بين.
في الدار زيد استقر؛ على مذهب البصريين يتعين أن يكون زيد مبتدأ، وعلى مذهب الكوفيين من جواز تقدم الفاعل على الفعل يجوز فيه الوجهان.
إذاً: في الدار زيد نقول: يجب تأخير متعلق الجار عن زيد إن قدرته فعلاً؛ لأن الخبر الفعلي لا يتقدم على المبتدأ في مثل هذا، ونحو: إنَّ خلفك زيداً، هذه المواضع نذكرها استثناءً من الأصل، الأصل أنه إذا حذف الناصب –متعلَّق- إذا حذف أن يقدر، ويقدر قبل المعمول، زيداً ضربت زيداً، إلا في بعض المسائل يؤخر عنه.
стр. 993
إنَّ خلفك زيداً، ما إعراب إن خلفك زيداً؟ إن: حرف نصب، خلفك: ظرف متعلق بمحذوف.
قدره فعلاً، لو قلت: (إنَّ استقر خلفك) مشكلة هذه، دخلت (إنَّ) على الجملة الفعلية، ثم إذا جعلته أيضاً خبراً مقدماً سبق معنا: وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ، فالخبر إذا كان جملة فعلية لا يتقدم على الاسم.
إذاً: يتعين أن تقول: إن خلفك زيداً استقر، تؤخره؛ لأنه هو الخبر، والخبر إذا كان جملة ولم يكن ظرفاً أو جاراً ومجروراً لا يجوز أن يتقدم على الاسم.
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إلاَّ فِي الَّذِي ... كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ الْبَذِي
خبر إِنَّ لا يتقدم على اسمها، إلا إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، فإذا قدرته: إن استقر خلفك زيداً؛ صار جملة فعلية، فصل بين (إن واسمها) وهذا ممتنع، أو: إن خلفك استقر زيداً كذلك، وحينئذٍ يتعين تأخيره: إن خلفك زيداً استقر، لئلا يلي (إن) الفعل؛ لأنه ممنوع.
ونحو: إن خلفك زيداً، فيجب تأخير المتعلَّق مطلقاً اسماً كان أو فعلاً؛ لأن مرفوع (إنَّ) لا يسبق منصوبها مطلقاً، إلا إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً ثم هو متعلق بمحذوف.
إذاً: لا بد من تأخيره عند التقدير، بخلاف: كان خلفك زيد، زيد: اسم كان، وخلف: متعلق بمحذوف خبر (كان)، تقديره: كان استقر خلفك زيد، يصح؟ يصح؛ لأنه يجوز الفصل بين (كان) واسمها بالجملة الفعلية، لما جاءت جاز التقدير وهو الأصل في محله، فيجوز تقديم المتعلَّق ولو كان فعلاً؛ لأن خبر (كان) يجوز تقديمه مع كونه فعلاً، والثاني الذي هو لمقتضي، هذا لمانع، قلنا: يتأخر.
المقتضي مثل البسملة ليس فيه مانع، وإنما ثَمَّ معنىً يقتضي تأخير المتعلق: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقرأ، قلنا دائماً في شرح البسملة: الجار والمجرور متعلق بمحذوف فعل، قلنا: متأخر، هذا هو الشاهد، متأخر، لماذا متأخر؟ يمتنع تقديمه؟ لا، لا يمتنع، ليس ثَمَّ مانع من تقديمه، وإنما المعنى الذي نريده وهو الحصر لا يحصل إلا بالتأخير، إفادة الحصر.
إذاً: وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِمَا: بالقرينة.
عُلِمَا: الألف هذه للإطلاق، فإن لم يعلم لا يجوز حذفه؛ لأنه ركن في الإسناد، ثم إذا أردنا حذفه لقرينة، ثم أردنا تقديره فالأصل أنه يكون متقدماً على الفضلة، هذا هو الأصل، إلا لما ذكر من المواضع فحينئذٍ يعدل عن الأصل.
وَقدْ يَكُونُ حَذْفُهُ مُلْتَزَمَا: الألف هذه للإطلاق.
стр. 994
وَقدْ يَكُونُ حَذْفُهُ: قد للتقليل أو التحقيق؟ يحتمل هذا ويحتمل ذاك، يحتمل أنها للتقليل ويحتمل أنها للتحقيق، إن أريد الحكم نفسه، هو نفسه في عينه دون اعتبار بالسابق فهي للتحقيق، يعني: الحكم محقق هذا، موجود في لسان العرب أن يحذف الناصب ويكون حذفه واجب، لكن لو نظرنا إلى قوله: وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا الحذف الجائز هنا، فإذا بالحذف الجائز كثير، والحذف الواجب قليل، صارت (قد) هنا للتقليل، وحينئذٍ يكون فيه استعمال الحرف الواحد مشترك في معنيين، وهذا الصواب أنه جائز، عند الأصوليين الصواب أنه يجوز حذف المشترك في معنييه إن لم يكن بينهما تنافي: ((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)) نقول: هنا مشترك ولا يجوز حمله على معنيين؛ لأنهما متضادان.
وأما إذا لم يكونا متضادين فالصواب الجواز، وعليه الشافعي رحمه الله تعالى.
وَقدْ يَكُونُ حَذْفُهُ: أي حذف الناصب.
مُلْتَزَمَا: يعني واجباً، كما في باب الاشتغال:
فَالسَّابِقَ انْصِبْهُ بِفعْلٍ أُضْمِرَا ... حَتْماً
إذاً: باب الاشتغال من المواضع التي يجب فيها حذف الناصب، زيداً اضربه، اضرب زيداً، اضرب هو الناصب وجب حذفه.
والنداء كذلك: يا زيد، أصلها: أدعو زيداً، حذفه واجب؛ لأنه أنيب عنه ياء، وحينئذٍ لا يجمع بين العوض والمعوض.
وكذلك التحذير والإغراء بشرطه، وما كان مثلاً نحو: الكلاب على البقر، يعني: أرسل، الكلاب: هذا مفعول به لفعل محذوف واجب الحذف؛ لأن الأمثال تُحكى كما هي، فلا يجوز تقدير المحذوفات.
إذاً: حذف الناصب نقول: الأصل فيه الجواز إن علم، ثم قد يكون الحذف ملتزماً، بمعنى: أنه واجب لا يجوز ذكره البتة، وهذا في مواضع معدودة.
قال الشارح: يجوز حذف ناصب الفضلة إذا دل عليه دليل، نحو أن يقال: من ضربت؟ فتقول: زيداً، يعني ضربت زيداً، ضربت زيداً ولا تقل: زيداً ضربت؛ للقاعدة السابقة: أن التقدير إنما يكون في محله الأصلي، مكانه الأصلي. التقدير: ضربت زيداً، فحذف ضربت لدلالة ما قبله عليه، وهذا الحذف جائز، وقد يكون واجباً كما تقدم في باب الاشتغال: زيداً ضربته، التقدير: ضربت زيداً ضربته، فحذف ضربت وجوباً كما تقدم.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 995
عناصر الدرس
* شرح الترجمة (التنازع في العمل) وحد التنازع مع بعض الشروط
* أي العاملين أولى بالعمل في باب التنازع؟
* حكم معمول العامل المهمل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ لله رَبِّ العالَمِين، والصلاة والسلام على نبيِّنا مُحمَّد، وعلى آله وصَحبه أجمعين، أمّا بَعدُ:
قال الناظِم -رَحمَه الله تعالى-: (التَّنَازُعُ فِي العَمَل):
البيت في الباب الأخير:
وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِمَا ... وَقَدْ يَكُونُ حَذْفُهُ مُلْتَزَمَا
وذكرت أن الألف هنا للإطلاق، لا بل هي عِوَضٌ عن التنوين؛ يعني: (كان) ناقِصة، و (حذفُه) هذا اسمها، و (مُلْتَزَماً) هذا خبرها، حينئذٍ تكون هذه الألف بدلاً عن التنوين.
قال الناظِم: (التَّنَازُعُ فِي العَمَل)، لما بيَّن لك الفعل المُتَعَدِّي من الفعل اللازِم؛ حينئذٍ كان الأصل في العامل أن يَطلب معمولاً واحداً، هذا الأصل فيه، فما اقتضَى رَفْع فاعلٍ، أو نَصْبَ مفعولٍ حينئذٍ لا يتعدَّى إلا إلى فاعل، أو مفعول بِه واحد فحَسْب.
والعامل -كما سبق بيانه-: ما أوجب كونَ آخِر الكلمة على وجه مخصوص: من رَفْعٍ، أو نَصْبٍ، أو خَفْضٍ، أو جَزمٍ.
(ما) شيءٌ؛ سواء كان معنوياً، أو لفظياً، (أَوْجَب) بمعنى أنه اقتضَى؛ لأن العامل إنما يعمل لكونه مقتضياً لما بعدَه، فالمعمول يكون متمِّماً لمعناه.
(ما أَوْجَب كون آخر الكلمة على وجهٍ مخصوص)، والمراد بالوجه المخصوص: الرفع، والنصب، والخفض، والجزم، العامل يَقتضِي مَعمولاً، وهو: ما يَظهر فيه أثرُ الإِعراب لفظاً أو تقديراً، والعَمَل: هو الذي يَقتضيه العامل، فالعامِل الذي يَطلب فاعلاً حينئذٍ يقتضي الرفع على الفاعلية، والعامِل الذي يَقتضِي مفعولاً بِه حينئذٍ يَقتضِي النَّصْبَ على المفعولية، هذا الاقتضاء -الذي يعبر عنه بالطلب- هو العمل، العملُ إنما يكون في آخر الكلمة، له ارتباط بالعامل.
إذاً عندنا عامِل، وعندنا معمول، وعندنا عَمَل، فقام زيدٌ، (قام) هذا فعل، وهو العامل، عَمِل الرفع في زيد، لماذا؟ لأن (قام) فعلٌ لازِم، والفعل اللازِم يَطلب فاعِلاً، إذاً طلبُه للفاعل اقتضى رفْع زيدٍ على أنه فاعِل له، هذا هو العمَل، فقام زيد تمَّم معناه، لو قيل: (قام) هكذا لوحده نقول: هذا الكلام ناقص ليس بِتامّ، إذا قيل: (زيد) حينئذٍ نقول: تمَّم معناه، وهذا معنى العمل، معنى العمل: أنه يتمِّم معناه، ولذلك قد يُشكِل على الطالب الجارُ والمجرور متعلق بماذا؟
إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ ... قَبْلُ ...
يَختلفون: هذا يَرى أن الجار والمجرور متعلِّق بكذا، وآخَر يقول: متعلِّق بكذا، السبب في الخلاف: هو أن هذا الجار والمجرور .. أيُّ اللفظين يتمِّم معناه أكثر؟ وأي اللفظَين هو مُفتقِر إليه في تمام معناه؟ فما رأيتَه أنه متمِّم لمعناه، وأنه أحوج لئن يتعلَّق به الجار والمجرور؛ حينئذٍ صار معمولاً له، فقل: الجار والمجرور متعلِّق بكذا، فلا يَلتَبِس عليك من حيث المعنى، فتنظر في المعنى: هذا العامل يقتضي الجار والمجرور، أو العامل الثاني، لو علَّقناه بهذا ماذا يكون المعنى؟ ولو عَلَّقناه بما سبق ماذا يكون المعنى؟
стр. 996
حينئذٍ ما كان أنسب من المعاني فهو أولى به؛ لأنه قد يَتنازع عاملان فأكثر في جار ومجرور، أو ظرف، فالمعنى هو الذي يَقتضِي ذلك، حينئذٍ نقول: (قام) اقتضى رفع (زيد) على أنه فاعل له، و (زيد) معمول لـ (قام)، معمول لأنه فاعل، والرفع الذي هو ضَمَّةٌ في آخِر (زيد) هو العمل، دليل العمل على مذهب الكوفيِّين، وهو العمل على مذهب البصريِّين من جَعْل الإعراب لفظياً، وهو دليل العمل من جَعْله معنوياً.
هذا العامل من شروطه: أنه لا يَتعدَّد عاملان على معمول واحد من جهة واحدة، لا يمكن أن يوجد عاملان يَطلبان فاعلاً واحداً من جهة واحدة، حينئذٍ لا يَجتمع عاملان على معمول، ولا يكون معمولٌ لعاملَين البَتَّةَ.
فإذا كان كذلك؛ حينئذٍ ما وجد وظاهره أنه تَسلَّط عاملان على معمولٍ واحدٍ -والأصل المنع- لكن جاء في لسان العرب ما ظاهره أن ثَمّ عاملَين يطلبان معمولاً واحداً، وهذا الاسم الظاهر، أو المعمول الذي يَقتضيه الفعل الأول والفعل الثاني .. لا يمكن أن يجتمعا؛ للقاعدة السابقة: أنّ ما كان مُتمِّماً لفعل لا يكون مُتمِّماً للآخر من الجهة نفسِها، أو من الحيثية نفسِها، وحينئذٍ نقول: إذا اجتمع عاملان على معمول واحدٍ فما العمل؟
هذا الذي عَقَد له النحاةُ باب التنازُع في العمل، حينئذٍ الباب السابق ذَكَر فيه التعدِّي واللزوم، وكل واحد منهما يأخذ نَصيبه من الأسماء الظاهرة، فاللازِم يَطلب فاعلاً واحداً ولا يَطلب فاعِلَين، والفاعل الذي طلبه الفعل اللازم لا يَطلبه فعل آخَر، وكذلك المفعول به إذا نَصبه فعلٌ مُتعدٍّ، حينئذٍ لا يَطلبه فعلٌ آخر، إن وُجِد في لسان العرب ما ظاهره التنازُع والتجاذُب بين العوامل على معمول واحد -والأصل المنع-؛ ماذا نصنع؟ عَقَد النحاة هذا الباب من أجْل حلّ هذه المشكلة، فقالوا: باب التنازُع في العمل، تَنَازُع: تَفاعُل، والمراد به التجاذُب.
إذاً الأصل في الباب أنه على خلاف الأصل؛ لأن الأصل ألا يَتسلط عاملان على معمول واحد، وألا يَقتضي ويَطلب عاملان معمولاً واحداً، هذا هو الأصل، حينئذٍ جاء الباب على خلاف الأصل، ولذلك بعضُهم يرى أن هذا الباب مُولَّد عند النحاة، يعني: ليس له أصل في لسان العرب، لكن ليس الأمر كذلك، هو من حيث الأصل موجود، وأما من حيث التفريعات فهذا فيه بعضُ النظَر.
التنازُع في اللغة: التجاذُب، (التَّنَازُعُ فِي العَمَل) هكذا أطلقه الناظِم، ويسمَّى: بابَ الإِعمال.
تنازُع: تَفاعُل، مأْخُوذ من تَجاذُب، كلٌّ منهما يَجذِب ذلك الاسم ليكون معمولاً له، والآخَر يدخل عليه ويريد أن يكون ذلك الاسم الظاهر معمولاً له، حينئذٍ وقع بينهما نزاع.
(في العَمَل) في اقتضاء كل منهما فاعلاً، أو مفعولاً، أو اقتضاء واحد منهما فاعلاً والآخَر مفعولاً، قد يَتحدُّ من حيث الطلب أن يكون فاعلاً، وقد يَختلف من حيث الأول يَطلب فاعلاً، والثاني يطلب مفعولاً كما سيأتي.
وأما في الاصطلاح: فالمراد به من حيث الحقيقة: أن يَتقدم عاملان على معمولٍ، كلٌّ منهما طالِب له من جهة المعنى.
стр. 997
(أن يتقدَّم) -لا بد من شرط التقدُّم- (يتقدم عاملان على معمول، كلٌّ منهما طالب له من جهة المعنى)، فإذا قلت: قام وقعد زيد، (قام وقعد) عاملان، و (زيد) معمول، (قام) يطلب (زيد) على أنه فاعل له، يَطلبه من جهة المعنى؛ يُريد أن يتمِّم معناه، و (قعد) يطلب (زيد) على أنه معمول له، ولا يمكن أن يجتمعا على معمولٍ واحد، حينئذٍ وقع التجاذُب بين العاملين كلٌّ منهما يطلب (زيد) على أنه فاعل له.
(تقدم عاملان) وهذا شرط في باب التنازع، و (أن يتأخر معمول، كلٌّ من هذين العاملَين طالبٌ لهذا المعمول من جهة المعنى)، فـ (قام) يطلب (زيد) على أنه فاعل له، و (قعد) يطلب (زيد) على أنه فاعل له، إذاً وقع التنازُع بين عاملَين على معمول واحد، ولا يمكن أن يكون (زيد) فاعلاً لهما معاً، هذا متعذِّر، بعيد؛ لماذا؟ لأنه -كما قررنا- أنه لا يجتمع عاملان على معمول واحد.
وعَرَّفه بعضٌهم: بأنه عبارة عن توجه عاملين ليس أحدهما مؤكِّداً للآخَر.
إلى معمولٍ واحد متأخرٍ عنهما، مثل: ضربتُ وأكرمتُ زيداً، هو كالسابق إلا أن السابق طَلبَ المعمول على أنه مرفوع، قام وقعد زيدٌ، ضربتُ وأكرمتُ زيداً، (زيداً) هذا معمول متأخر، تقدَّم عليه ضربتُ وأكرمتُ، كلٌّ منهما يَطلب مفعولاً به، وليس عندنا إلا لفظ واحد، (ضربتُ) تسلَّط عليه؛ يريده أنه مفعول له، و (أكرمتُ) يريده مفعولاً له، لا يمكن أن يجتمعان معاً، فيكون (زيداً) معمولاً لهم، حينئذٍ نقول: هذا وقع فيه التنازُع.
(ليس أحدُهما مؤكِّداً للآخَر) هذا احترازاً من الفعل المؤكِّد؛ لأنه في الحقيقة لا يطلب ما بعده على أنه فاعل له، مثل ما قِيل:
أَتَاَكَ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ
لو قيل: قام قام زيدٌ، (قام) الأول هذا فعل، وهو فعل تامٌّ يطلب فاعلاً، وبعده اسمٌ ظاهر (زيدٌ)، (قام) الثانية هذا فعل، لكنه لا يطلب فاعلاً، حينئذٍ هل وقع تنازع؟ لم يحصل تنازُع؛ لأن الثاني لم يتوجه إلى (زيد) بطلبه فاعلاً له؛ لأن الفعل المؤكِّد خالٍ عن الفاعل؛ كما ذكرناه فيما سبق وأنه لا فاعل له، حينئذٍ (قام) الثانية هذه لم تتسلَّط على (زيد)، لم تطلبه على أنه فاعلٌ له، ولذلك استُثنيَ فقيل: ليس أحدُهما مؤكِّداً للآخَر.
وقال في التَّوضيح في بيان حقيقتِه: (أن يتقدَّم فعلان متصرِّفان، أو اسمان يشبهانِهما، أو فعلٌ واسمٌ يشبهه، ويتأخر عنهما معمول غيرُ سَبَبي مرفوع، وهو مطلوب لكل منهما من حيث المعنى)، هذه شروط وقيود لا بد منها ستأتي معنا في أثناء الشرح.
إذاً حقيقة باب التنازع: أنه يتوجَّه عاملان إلى معمول واحد؛ بشرط أن يَتقدَّم المعمولان، وأن يتأخر المعمول، وهذا كشرح مُوجَز وإلا فالأصل أنه لا يشترط في الأولَّين أن يكون اثنين؛ بل قد يكون عاملان فأكثر، وكذلك المعمول قد يكون معمولاً واحداً فأكثر، وإنما المراد تصوير المسألة فَحَسب.
أن يتقدم عاملان، فإن كان عاملاً واحداً لم يقع تجاذُب، ولم يقع تنازُع، إذاً لا بد من اثنين فأكثر، يتقدَّمان على معمول واحدٍ فأكثر، فحينئذٍ كل واحدٍ من هذه العوامل يَطلب ذلك الاسم الظاهر على أنه معمولٌ له، ويُنازعه الثاني فيطلبه على أنه معمول له، حينئذٍ ماذا نصنع؟ هذا الذي سيأتي معَنا في هذا الباب.
стр. 998
إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ
وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَهْ ... قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَملْ
وَاخْتَارَ عَكْسَاً غَيْرُهُمْ ذَا أُسْرَهْ
باب التنازُع يُعتَبَر من الأبواب الصَّعبة، فهو أصعب من باب الاشتغال، فكلاهما فيهما من الصعوبة ما قد؟؟؟.
(إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ) (إن) حرف شَرط، (عاملان) هذا فاعل لفعل محذوف وجوباً يفسره المذكور: (إِنْ اقْتَضَى عَامِلاَنِ).
اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ: (عملاً) هذا مفعول به لـ (اقْتَضَى).
(فِي اسْمٍ) هذا جار ومجرور متعلِّق بقوله (عَمَلْ)، عملاً في اسم، وعلَّقه بعضهم بقوله: (اقْتَضَى فِي اسْمٍ)، لكن الأولى أن يعلق بـ (عَمَلْ)، وسبب التوجه هنا من كونه عُلِّق بـ (اقْتَضَيَا) دون (عَمَلْ)؛ لأن (عَمَلْ) هذا مَصْدَر، والمَصدر يكون متعلَّقا للجار والمجرور والظرف، لكن بشرط ألا يتقدَّم المعمول على العامل.
فإذا عُلَّق شيء بالمصدر، أو اسم المصدر، يُشترط في صحَّة إعماله ألا يتقدَّم عليه، ويمتنع أن يتقدّم عليه، وهنا تقدَّم (فِي اسْمٍ) على (عَمَلْ)، لكن من باب الضرورة في النظم فحَسْب، وإلا الأصل أن يقال: عملاً في اسم، (إِنْ اقْتَضَيَا) طلبا عملاً في اسمٍ، (فِي اسْمٍ) هذا جار ومجرور متعلِّق بقوله: (عَمَلْ)؛ لأنه مَصْدر، والأصل فيه ألا يتقدَّم، فإن تقدَّم في مثل هذا التركيب نقول: هذا من قبيل الضرورة.
وأما تعليقُه بـ (اقْتَضَى) هذا فيه ضَعْف من جهة المعنى؛ لأن الاقتضاء ليس للاسم، وإنما الاقتضاء للعمل، ثم العمل يكون في الاسم لا في فعل، ولا في حرف، (فِي اسْمٍ) هذا معلَّق بـ (عَمَلْ) ليس معلَّقاً بـ (اقْتَضَيَا)؛ لأن الاقتضاء الذي هو طلب الفعل يطلب (عملاً)، عملاً .. محَلُّ العمل يكون في الاسم، إذاً صار جاراً ومجروراً متعلِّق بقوله: (عَمَلْ)، و (عَمَلْ) هذا مفعولٌ به وُقِف على السكون على لغة رَبيعة.
(قبلُ) يعني: قبل الاسم، هذا حال، حال كونهما قبل ذلك الاسم.
(إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا) إنِ اقتضَى عاملان حال كونهما قبل ذلك الاسم، فحينئذٍ اشترط الناظم أن يكونا متقدِّمَين، أن يكون العاملان متقدِّمَين، فإن تأخرا، أو توسَّطا، أو توسَّط أحدُهما خرَج عن باب التنازُع، بل لا بدَّ أن يتقدَّما: قام وقَعَد زيدٌ، ضربتُ وأكرمتُ عَمْراً، لا بدَّ أن يَتقدَّما.
فإن قيل: عَمْراً ضربتُ وأَكرمتُ، ليس من باب التنازُع وسيأتي، لو قيل: ضربتُ زيداً وأَكرمتُ؛ توسَّط بينهما الاسم، ليس من باب التنازُع، بل لا بدَّ من أن يَتقدَّم العامِلان، ويتأخر الاسمُ.
(فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ)، فالعمل لواحد منهما، وهذا محل وفاق اتفاق بين النحاة، لا يمكن أن يكون الاسمُ معمولاً للعاملَين، بل لا بدَّ أن يكون واحداً منهما هو الذي يأخذ الاسم الظاهر، والثاني حينئذٍ نُضْمِر له ضميراً: إما مذكوراً، وإما محذوفاً على التفصيل الآتي.
стр. 999
إذاً (فَلِلْوَاحِدِ) الفاء هذه واقعة في جواب الشرط، (فالْعَمَلْ) هذا مبتدأ مؤخَّر، (لِلْوَاحِدِ) جار ومجرور متعلِّق بمحذوف خَبر مقدَّم، (مِنْهُمَا) هذا حال من الواحد، حال كونِه منهما لا من غيرِهما، هذا قطعاً؛ لأن التجاذُب إنما حصل بين العاملَين على هذا المعمول، هذا تعريف ابنِ مالك رحمه الله تعالى، وهو واضِح.
(إِنْ عَامِلاَنِ) .. (إِنْ اقْتَضَيَا) طَلب، والاقتضاء يفسَّر بمعنى الطلب، (إن اقتضى عاملان عملاً في اسمٍ قبلُ)، يعني: حال كون العاملَين قبلَ الاسم الظاهر، فالعمل للواحد منهما دون الآخر، وهذا مقطوع به باتفاق، إمّا الأول أو الثاني، ولذلك أجمع البصريون والكوفيون على أنه يجوز إعمال أي واحد منهما، أعملتَ الثاني أو أعملتَ الأول كلُّه جائِز، وإنما اختلفوا في الأرجح والأَولى والأَقيس ما هو؟ على قولين.
(وَالثَّانِ أَوْلَى)، (وَالثَّانِي) يعني: إعمال الثاني (أَوْلَى) من إعمال الأولِ عند أهل البصرة .. عند البصريِّين، (وَاخْتَارَ عَكْساً) وهو: إعمال الأول دون الثاني (غَيْرُهُمْ)، وهم طائفتان اثنتان متقابلتان، إذا قال: عند أهل البصرة، ثم قال: غيرُهم؛ تَعيَّن أن يكون المراد بالغير أهلُ الكوفة؛ لأنه لا اعتبار بغيرهم، ولذلك أكثر ما يُذكَر البصريون والكوفيون، وأما الأندلسيون والمِصريون فهذا خلافُهم سهْل.
(وَاخْتَارَ عَكْساً) (اخْتَارَ) هذا فعل ماضي، و (عَكْساً) هذا مفعول بِه، من هذا وهو: أنّ الأول أَولى، (غَيْرُهُمْ) غيرُ البصريين وهم الكوفيون، (ذَا أَسْرَهْ) هذا حال من فاعل (اخْتَارَ)، اختار غيرُهم عكساً، اخْتَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ، اختار غيرُهم عكساً، (غَيْرُهُمْ) هذا فاعل، حالَ كونِهم (ذَا أَسْرَهْ) يعني: صاحِب أَسره، وهو الجماعة القوية، فيها قوة، قيل: لكون الذين اختاروا هذا القول أكثر، وقيل: وصَفَهم بهذا لئلا يُظَنّ بأنه قال: (غَيْرُهُمْ)؛ أنه تضعيف لقولهم؛ لا، هو محتمِل، هذا محتمِل، والأول محتمِل، كلاهما محتملان؛ إلا أن الأرجح هو مذهب البصريين.
(وَالثَّانِ) أي: إعمال الثاني؛ على حذف مضاف، وهو مبتدأ، (أَوْلَى) خبره، (ثَّانِ) مبتدأ، و (أَوْلَى) خبره، (ثَّانِ) على حذف مضاف، يعني: إعمال الثاني؛ لأننا لا نحكم على الثاني من حيث هو، هنا نقول: على تقدير مضاف؛ لأنك لو قلتَ: الثاني مبتدأ؛ حينئذٍ الثاني من حيث هو لا من حيث العمل (أَوْلَى)، ونحن نحكُم عليه من حيث الإعمال، إعمال الثاني أولى من إعمال الأول، لماذا؟ قالوا: لِقُرْبِه، القريب أولى، أكرمتُ وضربتُ زيداً، قالوا: (زيداً) هذا مفعول به للثاني دون الأول، (أكرمتُ وضربتُ) كلاهما تجاذبا في طلب (زيدٍ) على أنه مفعول له، على مذهب البصريين الثاني أولى، وهو (أكرمتُ)، والأول سيأتي أنه يُقدَّر له ثم يُحذَف.
стр. 1000
(وَاخْتَارَ عَكْسَاً غَيْرُهُمْ) اختار غيرهم وهم الكوفيون (عَكْسَاً) وهو: إعمال الأول أولى من إعمال الثاني؛ لماذا؟ قالوا لِسَبْقِه؛ لأنه سَبَق، (ضربتُ) نطقتَ به أولاً، إذاً الاسم الظاهر الأولى أن يُقدَّر له، و (أكرمتُ) هذا جاء ثانياً، حينئذٍ الثاني دَخيل على الأول، فإذا جاء الاسم الظاهر (زيداً) فالأول أولى؛ يُعطَى، والثاني -لأنه دخيل- حينئذٍ يُقدَّر له.
إذاً: أكرمتُ وضربتُ زيداً، (زيداً) مفعولٌ لـ (أكرمتُ) الأول على مذهب الكوفيين، ومفعولٌ لـ (ضربتُ) الثاني؛ العامل الثاني على مذهب البصريين.
(إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ) قوله: (إِنْ عَامِلاَنِ) قلنا: ليس المراد تحديد الاثنين فَحَسْب، وإنما المراد مفهوم الأقل، يعني: لا يكون واحداً؛ إذْ لو كان واحداً خرج عن باب التنازُع، قام زيدٌ ضربتُ زيداً، ليس فيه تنازُع، وإنما المراد عاملان فأكثر، حينئذٍ يَرِد ثَمّ ثلاثة عوامل قد يطلبوا معمولاً واحداً، قد يكون التنازُع بين أكثر من عاملَين، وقد يتعدد التنازُع فيه؛ ولذلك جاء في الحديث: ﴿تُسَبِّحون، وتَحْمَدون، وتُكَبِّرون دُبُرَ كلِّ صلاة ثلاثاً وثلاثين﴾، تُسبّحون دُبُرَ كل صلاة، تَحمَدون دُبُرَ كلِّ صلاة، تُكَبِّرون دُبُرَ كلّ صلاة، إذاً (دُبُرَ) هذا ظَرف؛ تنازع فيه العوامل الثلاثة السابقة.
كذلك: (ثلاثاً وثلاثين) هذا مفعول مطلق .. نائِب عن مفعول مُطْلَق؛ عَدَدي، تنازعه الثلاثة الماضية، الأفعال الثلاثة: تُسبِحون، وتَحمدون، وتُكبرون.
إذاً؛ وقع التنازُع بين ثلاثة أفعال على معمولَين؛ فوقع ماذا؟ التخالُف بين الاثنين، صار الأول متعدِّداً أكثر من اثنين، وصار الثاني أكثر من اثنين، فقول الناظم: (إِنْ عَامِلاَنِ) لا مفهوم له من حيثُ الكَثْرة.
وقوله: (فِي اسْمٍ) أخذ المَكُودِي بأنه لا يكون تنازُعاً إلا في اسم واحدٍ، وليس له سَبْق في ذلك، بل الصواب: أنه لا مفهوم له، فقول الناظم: (فِي اسْمٍ) ليس له مفهوم بأنه إذا كان أكثر من اثنين خرج عن باب التنازُع، نقول: لا، ولذلك جاء في الحديث: ﴿دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ﴾، وهما معمولان وقع فيه التنازُع، وهما اسمان ليس اسماً واحداً.
(إِنْ عَامِلاَنِ) فأكثر، إذاً لا مفهوم له من حيث الزيادة، وله مفهومٌ من حيث الأقل، يعني: لا يكون أقلَّ من عامِلَين، فإن كان أقل من عاملين خرج من باب التنازع، فإن كان ثلاثة حينئذٍ نقول: هذا من بابٍ أولى؛ التجاذب فيه أعظم.
(إِنْ عَامِلاَنِ) المراد به: فعلان، أو اسمان، أو اسمٌ وفعل، بشرط أن يكون فعلاً متصرفاً، أو ما جرى مجراه، فعلاً متصرفاً لا جامداً، أو ما جرى مجراه، إذاً الحرف .. لا يكون التنازع بين حرفين البتة، ولا بين حرف وغيره، ولا بين جامد وغيره، ولا بين جامدين من بابٍ أولى، ولا جامدٍ وحرف، لا يقع التنازع، وإنما المراد بالعاملين هنا: الفعلان المتصرفان، أو الاسمان المُشْبِهان للفعلِ، أو الفعل والاسم.
قد يقع تنازع بين فعل واسم كل منهم يطلب اسماً ظاهراً.
стр. 1001
قد يكون العاملان المتنازعان فعلين، ويشترط حينئذٍ أن يكونا متصرفين؛ احترازاً من الجامد، ستأتي العلة، ((آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا)) [الكهف:٩٦]، (آتُونِي أُفْرِغْ) عاملان طلبا قِطْراً، (أُفْرِغْ) هذا يتعدى إلى واحد، طلب قطراً على أنه مفعول له، (آتُونِي) يطلب اثنين: الأول: (الياء)، والثاني (قِطْراً)، إذاً تنازع فيه (آتُونِي) و (قِطْراً)، فأُعمل الثاني، وأضمر في الأول.
أْتُونِي هذا فعل وفاعل، ومفعولٌ أول، ويحتاج إلى ثانٍ فسُلِّط على (قِطْراً)، و (أُفْرِغْ) هذا فعل وفاعل يحتاج إلى مفعول، وتأخر عنهما (قِطْراً) وكُلٌّ منهما طالب له، إذاً طلبه (آتُونِي) على أن ينصبه مفعولاً ثانياً له، وطلبه (أُفْرِغْ) على أنه مفعول له، كل منهما طالب له على أنه منصوب له، وإن كانت جهة النصب منفكة؛ لأن ذاك يطلبه على أنه مفعول ثاني (آتُونِي)، و (أُفْرِغْ) يطلبه على أنه مفعول، وليس له إلا مفعولاً واحداً، حينئذٍ الجهة انفكت من حيث نوعية النَّصْب، ومن حيث العمل فهي واحدة.
إذاً تسلط عاملان متصرفان .. فعلان متصرفان، (آتُونِي) متصرف، و (أُفْرِغْ) متصرف.
وقد يكونان اسمين، ويشترط فيهما حينئذٍ أن يكونا جاريين مجرى الفعل، يعني: بمعنى الفعل -ما فيه رائحة الفعل-؛ لأنه سيرفع وينصب، ولا يرفع ولا ينصب إلا المشتقات التي هي فيها معنى الفعل -رائحة الفعل-؛ لأن الأصل في العمل هو للفعل، فحينئذٍ إذا أُعمِل الاسم لا بد وأن يكون فيه معنى الفعل؛ ليصح تعديه، وإلا الأصل أن يكون الفعل هو الذي يختص بالعمل، فحُمل عليه الاسم إذا وجد فيه معنى الفعل، فيقتضي .. يطلب ما يطلبه الفعل.
ولذلك إذا تنازع اسمان حينئذٍ يُشترط فيهما أن يكونا جريا مجرى الفعل، والذي يجري مجرى الفعل هنا في هذا الباب: بأن يكونا اسمي فاعل، يكون الأول اسم فاعل، والثاني اسم فاعل، وكل منهما عامل، وهذا سيأتي باب خاص في إعمال اسم الفاعِل:
(عُهِدْتَ مُغِيثَاً مُغْنِياً مَنْ أَجَرْتَهُ)، (عُهِدْتَ) هذا بالبناء للمجهول وتاء الخطاب، (مُغِيثَاً) هذا اسم فاعل أغاث يغيث فهو مغيث، (مُغْنِياً) هذا أغنى يغني فهو مغني، إذاً هو اسم فاعل، إذاً: مُغِيثَاً مَنْ أَجَرْتَهُ، يطلبه على أنه مفعول له، ومُغْنِياً مَنْ أَجَرْتَهُ يطلبه على أنه مفعول له.
إذاً تنازع اسما فاعل على اسم واحد وهو (مَن أَجَرْتَهُ)، وأعمل الثاني، هنا في هذا التركيب أعمل الثاني، فـ (مَنْ) اسم موصول تنازعه كل من مغيث ومغنٍ.
أو بأن يكونا اسمي مفعول؛ لأن اسم المفعول كذلك يعمل لكن بشرطه، كقول القائل:
قَضَى كُلُّ ذِي دَيْنٍ فَوَفّى غَرِيمَهُ ... وَعَزَّةُ مَمْطُولٌ مُعَنَّىً غَرِيمُهَا
(وَعَزَّةُ): هذا مبتدأ، (مَمْطُولٌ مُعَنَّىً): خبر بعد خبر، (غَرِيمُهَا): نائب فاعل، (مَمْطُولٌ): هذا اسم مفعول يطلب نائب فاعل، و (مُعَنَّىً): هذا اسم مفعول يطلب نائب فاعل، حينئذٍ لا بد من توجه واحد منهما.
الشاهد هنا: أن اسمي مفعولٍ تنازعا في اسم ظاهر، وأعمل الثاني هنا.
стр. 1002
أو بأن يكونا مصدرين، الأول والثاني مصدران، والمصدر يعمل لكن بثمانية شروط، ستأتي في محلها -إن شاء الله تعالى-، المصدر يعمل بثمانية شروط، كلما بعد الاسم عن معنى الفعل ازدادت الشروط، ولذلك إعمال اسم الفاعل شروطه أقل، وكذلك اسم المفعول؛ لأنه دال على ذات وعلى وصف، أما المصدر فلا، كقولك: (عجبتُ من حبِّك وتقديرك زيداً)، (حُبِّكَ) حبِّ: هذا مصدر مضاف إلى الفاعل حينئذٍ يطلب مفعولاً به، و (تقديرك) -تقديرك أنت-، مضاف إلى الفاعل، مثل ((لَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ)) [البقرة:٢٥١] مثله، ((لَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ))، حبِّك زيداً، تقدِيرك زيداً، إذاً زيدا هذا اسم ظاهر متأخر وتقدم عليه مصدران كل منهما يطلبه على أنه مفعول به له.
إذاً قد يكون العاملان اسمي مصدر.
أو بأن يكون اسمي تفضيل: زيدٌ أضبط الناس وأجمعهم للعلم.
زيدٌ أضبط، أفعل تفضيل، أضبط للعلم، وأجمعهم للعلم، (للعلم) هذا إما أن يتعلق بـ (أجمع)، وإما أن يتعلق بـ (أضبط)، تنازع فيه اسما تفضيل، فأُعمِل الثاني.
أو بأن يكونا صفتين مشبهتين، (زيدٌ حذرٌ وكريمٌ أبوه)، (زيد) مبتدأ و (حذر) خبر و (كريم) هذا معطوف عليه، (حذرٌ) صفة مشبهة ترفع فاعلاً، مثل (حسنٌ وجهه) مثلها، (حذِرٌ) فَعِلٌ و (كريم) فعيل صفة مشبهة، تطلب أبوه على أنه فاعلٌ لها، حينئذٍ تنازع صفتان مشبهتان على اسمٍ ظاهرٍ واحد، حذِرٌ أبوه، كريمٌ أبوه، كل منهما يريده على أنه فاعل له.
أو بأن يكونا مختلفين؛ بأن يكون الأول اسم فعل، والثاني اسم فيه معنى الفعل، أو العكس، فمثال الفعل واسم الفعل: قوله: ((هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ)) [الحاقة:١٩]، (هَاؤُمُ) (هاء) هذا اسم فعل أمر بمعنى خذ، و (الميم) علامة الجمع (هَاؤُمُ)، والأصل (هاكم)، أبدلت الكاف (واواً) ثم الواو (همزة) فصار (هَاؤُمُ .. اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ).
إذاً (هَاؤُمُ) هذا اسم و (اقْرَؤُوا) هذا فعل تنازع كِتَابِيهْ، كتابي، خذ كتابي، اقرأ كتابي، كل منهما طلبه على أنه مفعول له وأعمل الثاني، فالقرآن من أوله إلى آخره يرجح مذهب البصريين، كل من ورد من أمثلة أعمل فيه الثاني، ولذلك هناك: ((أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً))، قطرا مفعول لأفرغ، هنا (كتابي) هذا مفعول لـ (اقْرَؤُوا) ليس للأول.
ومثال الفعل والمصدر: قول القائل:
لَقَدْ عَلِمَتْ أُولَى المُغيرَةِ أَنَّني لَقِيتُ ... فَلَمْ أنْكِلْ عَنِ الضَّرْبِ مَسْمَعاً
(مَسْمَعاً) هذا اسم رجل، (لَقِيتُ الضَّرْبِ مَسْمَعاً) الضَّرْبِ هذا مصدر طلب مَسْمَعَاً على أنه مفعولٌ له، ولَقِيتُ طلب مَسْمَعاً على أنه مفعول له، تنازعا كل من الفعل والمصدر، حينئذٍ إذا عرفنا أن مراد الناظم بقوله: (إِنْ عَامِلاَنِ) أنهما يكونا فعلين، أو اسمين، أو مختلفين؛ بشرط أن يكون الاسم شبيهاً بالفعل، بمعنى أنه يعمل عمل الفعل، وكل اسم مما ذُكر يُرْجَع إلى بابِه، فنعرف ما شروط إعمال اسم الفاعل، وما شروط إعمال اسم المفعول، وما شروط إعمال اسم التفضيل، والمصدر ونحو ذلك.
стр. 1003
وهذه هي الصعوبة في النحو، لا بد أنك إذا أردت أن تُعرب هذه المواضع السابقة أن تستحضر شروط الإعمال في كل الأبواب، وهذا صعب؛ لأنه يحتاج إلى ممارسة، لا تثبت المعلومات إلا بالممارسة، ولذلك قد يُدرس النحو سهل، لكن عند التطبيق تأتي الفضائح، لماذا؟ لأنه إذا أراد أن يُعرِب حينئذٍ لا بد أن يستحضر الأول، يعني الآن لو أردنا أن نُعرب كل ما سبق .. هذا كله لا بد أن يكون مستحضر، يأتيك مبتدأ، يأتيك خبر، يأتيك كان واسمها، وشروط .. تقديم .. تأخير .. وجوب تقديم .. جواز .. أشياء كلها لا بد أن تكون مستحضرة في الذهن، إذا لم تكن لا تستطيع أن تعرب أبداً، وإذا لم تستحضرها -لا على جهة الشرح والإيصال هذا له لغة الخاصة-، وإنما على جهة التطبيق؛ أن تعرف النتيجة الخلاصة، هذه ثمانية شروط .. إلى آخره، لا بد أن تعدها عداً، حينئذٍ يسهل معك النحو، وأما هكذا فبينك وبينه بُعدَ المِشْرقََين.
حينئذٍ نعلم أنه لا تنازع بين حرفين، لا يقع التنازع بين حرفين عند الجمهور .. أكثر النحاة على هذا، وخالف الصبّان قال: لا، قال بل قد يقع تنازع بين حرفين؛ لماذا؟ قالوا: لضعف الحرف، الحرف ضعيف، ولفقد شرط صحة الإضمار في المتنازعين، إذ الحروف لا يضمر فيها؛ لأنه سيأتي إذا أعملنا الثاني أضمرنا في الأول، حينئذٍ إذا أعملنا الحرف الثاني نضمر في الأول، والإضمار لا يكون في الحرف.
إذاً شرط صحة التنازع ليست موجودة بين حرفين، إذاً لا تنازع بين حرفين، وإذا جاء حرفان متكرران حينئذٍ يكون من باب التأكيد:
لاَ لاَ أَبُوحُ بِحُبِّ بَثْنَةَ إِنَّهَا
لاَ لاَ، (لا) الثانية هذه تأكيد للأولى، وليس عندنا أنه طلب ما بعده، إذاً لا تنازع بين حرفين ولا بين حرفٍ وغيره يعني: بين حرف وفعل مثلاً، أو حرف واسم نقول: لا؛ لا تنازع بين حرفين ولا بين حرفٍ وغيره.
ولا بين فعلين جامدين، لا يقع بين نعم وبئس مثلاً، يطلبان ما بعدهما؛ للفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، وإذا فُصِل بينهما حينئذٍ ضعُف العامل؛ لأنك إذا أعملت الثاني أضمرت في الأول، حينئذٍ نقول الفصل بين العامل الجامد والآخر الجامد بمعمول هذا يضعفه؛ لأنه هو في نفسه ضعيف.
إذاً؛ ولا بين فعلين جامدين، والعامل الجامد ضعيف، فلا يقوى على العمل وهو مفصول من معموله، ولهذا يلزم من جوَّز تنازع الجامدين أن يعمل الثاني في لفظ المفعول؛ لأنه هو المتصل به، حينئذٍ خَرج من باب التنازع، يعني من جوَّز إعمال الجامدين الفعلين يلزمه إعمال الثاني، فإذا أُلزم بإعمال واحد دون الآخر خَرج من باب التنازع؛ لأن باب التنازع شرطه: أنه يجوز إعمال الأول دون الثاني، أو الثاني دون الأول، إذا ألزم بواحدٍ منهما خرج من باب التنازع، كما ذكرناه في الاشتغال هناك.
إذاً شرط صحة التنازع ألا يتعين الأول، وألا يتعين الثاني، فإن تعين الأول بطل التنازع، وإن تعين الثاني بطُل التنازع، إذا أعملنا الجامدين حينئذٍ يتعين أن يكون الثاني عاملاً في الاسم الظاهر؛ فبطل أنه من باب التنازع.
ولا جامد وغيره؛ متصرف، ولا بين اسمين غير عاملين، ولا بين فعل متصرف وآخر جامد، أو فعل متصرف واسم غير عامل.
стр. 1004
إذاً يحصر قوله: (إِنْ عَامِلاَنِ) في الفعل وشبه الفعل، ويشترط في الفعل أن يكون متصرفاً.
ويشترط في العاملين شرط آخر وهو: أن يكون بينهما ارتباطٌ، لا بد من ارتباط، لو كانا هكذا مجردين: قام قعد زيدٌ، قام قعد نقول: ليس بينهما ارتباط، ليس بينهما علاقة، لا بد أن يكون ثم علاقة بين قعد قام إما بالعطف وهو أكثر، أو يكون الثاني معمولاً للأول، يعني: الأول عامل للثاني، ((آتُونِي أُفْرِغْ)) (أُفْرِغْ) هذا فعل مضارع مجزوم؛ لوقوعه في جواب طلب وهو: ((آتُونِي))، إذاً عمل الأول في الثاني، وإذا عمل فيه صار معمولاً، وصار مرتبطاً به.
الثالث: أن يكون جواباً للأول: ((يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ))، حينئذٍ نقول: هذه الثلاثة وهي: كونه معطوفاً بالواو، أو كونه معمولاً له ولو كان فعلاً، أو كان واقعاً في جوابٍ نقول: حصل ارتباط بين المتنازعين، بين العاملين.
ويشترط في العاملين أيضاً: أن يكون كل واحد منهما موجهاً إلى المعمول من غير فسادٍ في اللفظ، أو في المعنى، فيَخْرُج حينئذٍ ما ذكرناه سابقاً:
أَتَاَكَ، أَتَاَكَ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ احْبِسِ، احْبِسِ
(أَتَاَكَ، أَتَاَكَ) الثاني لا يطلب ما بعده على أنه فاعل له، لأنه مجرد عن الإسناد، ما جيء به من أجل الإسناد، وإنما جيء به من أجل تأكيد المعنى العام للسابق، (أَتَاَكَ أَتَاَكَ) هذه فعلٌ يراد به الإسناد، حينئذٍ إذا أُريد به الإسناد يكون (اللاَّحِقُونَ) فاعلاً له، وأتاك الثاني لا فاعل له، لماذا لا فاعلاً له؟ لأنه لم يطلب فاعلاً، لماذا لم يطلب فاعلاً؟ لأنه ما جيء به من أجل الإسناد والإخبار، وإنما جيء به من أجل تأكيد المعنى السابق.
كذلك خَرَج قول امْرِئ القَيْس:
وَلَو أَنَّ مَا أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ ... كَفَانِي -وَلَمْ أَطْلُبْ- قَلِيلٌ مِن الَمَالِ
كَفَانِي وَلَم أَطْلُبْ .. قَلِيلٌ .. قَلِيلاً، في ظاهره أنه من باب التنازع، كَفَانِي قَلِيلٌ مِن الَمَالِ، طلبه على أنه فاعل له، وَلَمْ أَطْلُبْ قَلِيلٌ مِن الَمَالِ، الظاهر أنه تقدم عاملان وتأخر عنهما اسمٌ ظاهر، كَفَانِي يطلب قليل على أنه فاعل، وَلَمْ أَطْلُبْ يطلبه على أنه مفعول به، نقول هذا ليس من باب التنازع؛ لأننا لو أجريناه على باب التنازع لفسد المعنى، لماذا؟
لأنه قال وَلَو أَنَّ مَا أَسْعَى .. الذي، (ما) ليست نافية، وَلَو أَنَّ مَا أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ ... كَفَانِي قَلِيلٌ مِن الَمَالِ، (لَو) هذه تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، حينئذٍ إذا دخلت على مُثْبَت نفتْه، وإذا دخلت على منفي أثبتته، عكس، امتناع الشيء لامتناع غيره، (وَلَوْ أنَّ مَا أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ)، أن الذي أسعى لأدنى معيشة كفاني، هذا منفى أو مثبت؟ قبل دخول (لو) مثبت، بعد (لو) منفي، إذاً نفَى أن يسعى لأدنى معيشة.
(وَلَمْ أَطْلُبْ) هذا منفي، دخلت عليه (لَوْ) أثبتته، أَطْلُبْ قَلِيلاً مِن الَمَالِ، لو جعلناه متنازَع: كفاني وأَطْلُبُ على قَلِيلٌ لحصل التنافي والتضاد؛ لأنه نفى أن يسعى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ، ثم قال: أَطْلُبُ قَلِيلاً مِن الَمَالِ، قليل المال هو أدنى معيشة، حصل تضارب: نفى وأثبت.
стр. 1005
إذاً لا بد من القول بأن أَطْلُبُ هنا لا يطلب قَلِيلاً، وإنما هو طالبٌ لمفعولٍ محذوف: ولم أطلب الملك، يعني: الملك هو أعلى معيشةٍ، هذا الذي يطلبه في الدنيا، وأما أدنى معيشة فهو قليل المال هذا، فحينئذٍ لا تنافي بينهما:
وَلَو أَنَّ مَا أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ ... كَفَانِي قَلِيلٌ مِن الَمَالِ .. ولم أطلب الملك، إذاً لا تنافي بينهما، لكن لو جعلنا الأول منفي والثاني مثبت كفاني قليل من المال، ثم نقول: لم أطلب قليلاً من المال، نقول هذا بينهم تعارض.
الحاصل: أنه ليس كل عاملين متقدمين يكون بعدهما اسم ظاهر لا بد من صحة المعنى بتسليط العاملين على الاسم الظاهر، يعني لا نكون ظاهرية، كلما رأينا عاملين واسماً ظاهراً قلنا هذا من باب التنازع، لا انظر للمعنى؛ لأنه لو تسلط العاملان على الاسم الظاهر قد يحصل تناقض وتعارض .. تضارب، فإذا كان كذلك حينئذٍ لا بد من فك التنازع، فيُجعل لأحدهما مفعولاً محذوفاً، ويعلَّق المذكور بأحدهما، فـ (كَفَانِي قَلِيلٌ) قَلِيلٌ فاعل كَفَانِي، وأَطْلُبُ لم يطلب (قَلِيلٌ)، وإنما طلب مفعولاً محذوفاً.
ويشترط في العاملين أن يكونا متقدمين على المعمول، هذا شرط صحة باب التنازع، فإن تأخر أو توسط أحدهما، أو توسط الاسم الظاهر بطل، يعني: خرج عن باب التنازع.
فإن تقدم المعمول؛ فإما أن يكون مرفوعاً وإما أن يكون منصوباً، فإن كان مرفوعاً: زيدٌ قام وقعد؛ تقدم اسم ظاهر وتأخر عاملان، كلٌ منهما يطلب فاعلاً، هل يصح أن نجعل قام وقعد مسلطين على زيد المتقدم؟
الجواب: لا، وحينئذٍ نقول: زيدٌ مبتدأ، وقام فعل ماضي، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على زيد، والجملة خبر، وقعد فعلٌ ماضي، وفاعله مستتر، والجملة معطوفة على ما سبق، ليس من باب التنازع، فنرفع الأول على أنه مبتدأ، ثم نُعرب الفعل على أصله، ونقدر فيه الضمير.
فلا عمل لأحد العاملين فيه، بل كل واحد منهما عاملٌ في ضميره، وإن كان منصوباً: زيداً ضربت وأهنت، حينئذٍ يكون (زيداً) مفعولا به لضربت –الأول-، ونقدر للثاني محذوفاً، ولا يكون من باب التنازع، زيدا ًضربت وأهنت، إذاً صح أن يجعل الأول عاملاً في الاسم المتقدم، لماذا؟
لأنه يصح أن يتقدم المفعول به على عامله، لو قلت هكذا ابتداءً: زيداً ضربت صح؟ صح، حينئذٍ نقول: تقدم المفعول به على عامله، فحينئذٍ إذا جاء الاسم منصوباً، ثم جاء بعده عاملان؛ جعلناه معمولاً للعامل الأول، وقدرنا للثاني، زيداً ضربتُ وأهنت؛ فالعامل فيه هو أول العاملين.
وأما إذا توسط: ضربتُ زيداً وأهنتُ، زيداً يكون لأهنت أو لضربت؟
ضربتُ من باب أولى؛ لأننا إذا جعلناه له في قولنا: زيداً ضربتُ وأهنتُ؛ فمن بابٍ أولى أذا تأخر، فضربتُ زيداً هذه جملة، وأهنت يعني أهنت زيداً، أهنته تقدر له ضمير، فيجوز حذفه.
فهو معمول للسابق عليه منهما، وللمتأخر عنه معمول محذوف يدل عليه المذكور.
إذاً (إِنْ عَامِلاَنِ) عرفنا ما يتعلق بالعاملين، المهم أن نعرف أنه فعل وفعل أو اسم واسم فيه معنى الفعل، أو فعلٌ متصرف واسمٌ فيه شبه الفعل، هذا أهم شيء.
ثم أن يكونا متقدمين لا متوسط أحدهما ولا متأخرين، فإن كانا كذلك بطل باب التنازع.
стр. 1006
(إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا) يعني: طلبا، لو طلب أحدُهما دون الآخر، لو طلب أحدُهما الاسم الظاهر دون الآخر خرج من باب التنازع، مثل ماذا؟
أَتَاكِ، أَتَاكِ الَّلاحِقُونَ، الثاني إذا كان مؤكِّداً للأول حينئذٍ لم يطلب معمولاً: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ العَقِيقُ، (هَيْهَاتَ) هذا اسم فعل ماضي يطلب فاعلاً، (العَقِيقُ) اسم ظاهر متأخر، نجعله فاعلاً لأي منهما؟ للأول، والثاني توكيد، إذاً ليس من باب التنازع، تقول: ليس من باب التنازع؛ لأن هيهات الثاني لم يؤتَ به من أجل الإسناد، وإنما جيء به من أجل تأكيد معنى الفعل السابق، إذاً لم يقتضِ ما بعده على أنه فاعل له، لم يطلب فاعل، وشرط التنازع أن يكون العاملان كل منهما يطلب ما بعده، يعني: يريده، يريده إما فاعلاً وإما مفعولاً به وإما مجروراً، يعني مفعولاً به منصوباً يعني في اللفظ أو في المحل على قول.
(اقْتَضَيَا) يعني طلبا، خرج به الفعل المؤكِّد؛ لأنه إنما يُذكر لتقرير الأول لا للإسناد فلا يكون مقتضياً للعمل.
(إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ)، (فِي اسْمٍ) يعني اسم ظاهر، أو ضمير منفصلٍ مرفوع، أو منصوب، أو متصلٍ مجرور، في اسم ظاهر يعني: كزيد مثلاً، أو ضمير منفصلٍ مرفوع، أو منصوب أو متصلٍ مجرور، وسواء كان واحداً أو اثنين، وسواء كان مفردا أو مثنى .. عَمِّم، (فِي اسْمٍ) ليس له مفهوم، نعم (فِي اسْمٍ) ليس بحرف، وليس بفعل، وإنما هو اسم المقابل للحرف والفعل، هذا لا إشكال فيه .. واضح، أما هل له من حيث العدد .. نقول: لا مفهوم له، بل في اسم أو اسمين أو أكثر، في اسم ظاهر، أو ضمير؛ سواء كان بارزاً أو متصلاً، سواء كان مرفوعاً أو منصوباً، فالحكم عام، وهناك المكودي قال: ظاهره أنه في اسم واحد، فإن تعدد خرج عن باب التنازع، وهذا ليس بصواب، هذا المفهوم كما قال المَلَّوي: يجب إسقاطه، لا اعتبار له.
(فِي اسْمٍ عَمَلْ) (عَمَلْ) سواء كان العمل متَّفَقا أو مختَلفاً، متَّفِقا متفَقا، مختلِفا مختلَفا، يعني: متفق في ماذا؟
كل منهما يطلب مرفوعاً: قام وقعد أخوك، كل منهما يطلب مرفوعاً، ضربتُ وأكرمتُ زيداً، كلاً منهما يطلب منصوباً، ضربتُ وضربني زيدٌ، ضربتُ يطلب منصوباً، وضربني يطلب فاعلاً، إذاً اختلف أو لا؟
اختلف، إذاً (عَمَلْ) المراد بالعمل هنا سواء كان متفَقاً بين العاملين في كونه رفعاً، أو نصباً، رفعاً كقام وقعد أخوك، أو نصباً نحو ضربت وأكرمت زيداً، أو مختلفين ضربت وضربني زيد، زيد طلبه الأول على أنه مفعول له، والثاني على أنه فاعل، إذاً اختلفا، هذا يريده منصوب، وهذا يريد أن يرفعه، حصل بينهما نزاع.
(إِنْ عَامِلاَنِ) فأكثر (اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ): هنا العاملان يشترط فيهما أن يكونا مذكورين، لا بد، أن يكونا مذكورين بمعنى أنهما ملفوظ بهما، فلا تنازع بين محذوفين، لو قال قائل: من ضربتَ وأكرمتَ؟ فقال: زيداً. من ضربتَ وأكرمتَ؟ قال: زيداً، من باب التنازع؟ ليس من باب التنازع لماذا؟
لأن شرط باب التنازع أن يكون العاملان مذكورين، فإذا حذفا خرج من باب التنازع.
стр. 1007
فلا تنازع بين محذوفين نحو: زيداً في جواب من ضربتَ وأكرمتَ؛ لأن الجواب على سَنَن السؤال، والأصل: ضربتُ زيداً وأكرمتُ زيداً، فذُكِر مفعول أحد العاملين المقدرين وحُذف مفعول الأخَر؛ من باب دلالة الأوائل على الأواخر أو العكس، لا من باب التنازع، يعني: لو قال في الجواب: زيداً، كيف نُعربه؟
نقول: هذا إما أنه مفعولٌ به للأول ضربت، أو للثاني، والأحسن نجعله للثاني، فحينئذٍ صار مفعولاً لفعلٍ واحدٍ، والعامل الأخر ضربت نقدر له مفعولاً به، حُذف لدلالة الثاني عليه، للعلم به؛ لاتحاد محل الضرب والإكرام، فلما قال: من ضربتَ وأكرمت؟
قال: زيداً، كأنه قال: أكرمت زيداً، وضربت الثانية أين مفعولها؟ محذوف لدلالة المذكور عليه، إذاً لا يكون من باب التنازع.
ولا بين محذوف ومذكور، قسمة ثلاثية: مذكوران، محذوفان، أحدهما محذوف والثاني مذكور، ولا بين محذوف ومذكور، كقولك في جواب هذا السؤال السابق: أكرمتُ زيداً، لو قال: من ضربتَ وأكرمتَ؟
قال: أكرمتُ زيداً، ذكر أحد العاملين وحذف الأخر، حينئذٍ لا يكون من باب التنازع.
إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ ... قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَملْ
إذاً باتفاق أنه يجوزُ إعمال الأول دون الثاني، أو الثاني دون الأول، أنت بالخيار، أنت مخير بين هذا وذاك، ولكن الأولى أن يُجعل الثاني؛ لأنه قريب وكذلك ما ورد في القرآن -وهو أفصح الكلام- جاء فيه إعمال الثاني، ولم يُعمل فيه الأول.
(وَالثَّانِ) يعني: إعمال الثاني (أَوْلَى) من إعمال الأول (عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَهْ)؛ لقربه، لأنه قريب فهو أولى، (وَاخْتَارَ عَكْساً) وهو إعمال الأول دون الثاني (غَيْرُهُمْ) هذا فاعل (اخْتَارَ)، والمراد به الكوفيون.
كذلك مما استدل به البصريون على ترجيح الثاني: أنه لو أُعمل الأول لاحتجنا الإضمار، لو أُعمل الأول لفُصل بين العامل ومعموله بجملةٍ قبل تمامها؛ لأنك إذا قلت: قامَ وقعدَ زيدٌ أعملتَ الأول، قام زيدٌ، فصلت بينهما بجملة قبل تمام الجملة، يعني: عطفت على الأول قبل تمام الجملة، وهذا خلاف الأولى، خلاف القياس، إنما يعطف على الجملة بعد تمامها، قام زيد وقعد عمرو، هذا هو، وأما (قام) ثم تعطف عليه (وقعد)، ثم تأتي بزيد وهو فاعل الأول هذا خلاف القياس.
قال الشارح: التنازع: عبارة عن توجه عاملين إلى معمول واحدٍ، يعني عاملين فأكثر إلى معمول واحد فأكثر، نحو ضربتُ وأكرمتُ زيداً، تنازع عاملان كل منهما يطلب زيداً على أنه مفعول له، فكل واحد من ضربت وأكرمت يطلب زيداً بالمفعولية، وهذا معنى قوله: (إِنْ عَامِلاَنِ) إلى آخره، وقوله (قَبْلُ) معناه أن العاملين يكونان قبل المعمول كما مثلنا.
ومقتضاه: أنه لو تأخر العاملان لم تكن المسألة من باب التنازع، وفيه خلاف، لكن أكثر النحاة على أنها ليست من باب التنازع.
وقوله: (فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ) معناه أن أحد العاملين يعمل في ذلك الاسم الظاهر، والآخر يُهمَل عنه، ويعمل في ضميره، كما سيذكره المصنف.
стр. 1008
ولا خلاف بين البصريين والكوفيين أنه يجوز إعمال كل واحد من العاملين في ذلك الاسم الظاهر، ولكن اختلفوا في الأولى منهما، وذهب البصريون إلى أن الثاني أولى به لقربه منه، ولعدم الفصل بالجملة، ولعطفه قبل تمام الجملة.
وذهب الكوفيون إلى أن الأول أولى به؛ لتقدمه، وأيضاً لنسلم من الإضمار قبل الذكر؛ لأنك إذا قدرت في الأول: قاما وقعد أخواك؛ وقعنا في مشكلة وهي: أن (قاما) الضمير يعود إلى (أخواك)، حينئذٍ عاد على متأخر في اللفظ والرتبة، لكن هذا مما استثني في باب التنازع كما سبق، لكنه خلاف الأولى، خلاف القياس؛ لأن القياس أن يعود على ما سبق.
إذاً ذهب الكوفيون إلى أن الأول أولى به لتقدمه وسبقه من الإضمار قبل الذكر يعني سلامته.
يشترط في المعمول هنا أربعة شروط، المعمول الاسم الذي يأتي هذا نذكره:
الأول: ألا يكون ضميراً مستتراً.
الثاني: -عند بعضهم- ألا يكون ضميراً متصلاً بعامله، نحو: لقيتُ، وأكرمَك.
الثالث: أن يكون متأخراً عنهما كما ذكرناه.
الرابع: أن يكون هذا الاسم قابلاً للإضمار، فلا تنازع في الحال ولا في التمييز؛ لأن كل واحد منهما لا يكون نكرة، وهذه بعضُها فيها خلاف.
وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ فِي ضَميِرِ مَا ... تَنَازَعَاهُ والْتَزِمْ مَا الْتُزِمَا
كَيُحْسِنَانِ وَيُسِيءُ ابْنَاكَا ... وَقَدْ بَغَى وَاعْتَدَيَا عَبْدَاكَا
(وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ فِي ضَميِرِ مَا تَنَازَعَاهُ) عندنا عاملان إذا أعملتَ الأول أو الثاني حينئذٍ وجب إضمار الفاعل في المهمل، هنا عندنا المهمل اصطلاح خاص، ليس المهمل يعني مهمل عن العمل، لا، المهمل الذي لم يسلط على الاسم الظاهر، نسميه: مهملاً، ليس المراد أنه لا عمل له، لا، المراد هو الذي لم يعمل في الاسم الظاهر مع توجهه إليه في المعنى، لكنه يعمل، إذا قلت مثلاً قام وقعد أخواك، لو قلنا أخوك ما ظهر الفرق لأنه ضمير مستتر، (قام وقعد أخواك) نمثل بالمثنى والجمع، (قام) هذا يطلب أخواك على أنه فاعل، (قعد) يطلب أخواك على أنه فاعل، نعمل الأول أو الثاني؟
نبدأ بالأول، نُعمل الأول، حينئذٍ نقول: قام أخواك هذا فاعل له، وقعد نضمر فيه ضميراً دالاً على التثنية (قام وقعدا أخواك) أضمرنا، أعملناه في ضمير ما تنازعاه، والذي تنازعاه ما هو؟
أخواك، حينئذٍ قعد يطلب فاعلاً والفاعل لا بد من ذكره لا يحذف، لا يجوز لا يمكن حذفه، خلافاً للكسائي ومن تبعه فحينئذٍ وجب الإضمار في الثاني إضمار ماذا؟
الفاعل، إذاً: (قام وقعدا أخواك)، (قعدا أخواك)، (أخواك) هذا فاعل لقاما، وفاعل قعد (الألف)، أضمرناه من أجل أننا أهملناه يعني فصلناه عن الاسم المذكور الظاهر؛ لأننا قلنا لا يجتمع عاملان على معمول واحدٍ، حل هذه المشكلة أن نجعل الاسم الظاهر لواحد وهو قام، ونجعل للثاني فاعل آخر، إذاً فككنا الجهة فصارت الجهة منفكة.
قعدا بالألف، اعكس، أعمل الثاني، (قاما –بالألف- وقعد أخواك): وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ
سواء كان الأول أو الثاني، أعمله في ماذا؟
стр. 1009
فِي ضَميِرِ مَا تَنَازَعَاهُ، وهذا الظاهر صنيع المصنف أنه يريد به الفاعل؛ لأنه سيأتي: وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ ... بِمُضْمَرٍ، ثم قال: بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ، فالظاهر به الفاعل، أو يزاد عليه المنصوب من الثاني.
وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1010
عناصر الدرس
* تتمة لحكم معمول العامل المهمل
* إذا حصل لبس في الإضمار فيجب الإظهار.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة، والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد ..
عرفنا الآن حقيقة التنازع، ثم قال الناظم في قوله -رحمه الله تعالى-:
وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ فِي ضَمِيرِ مَا ... تَنَازَعَاهُ والْتَزِمْ مَا الْتُزِمَا
كَيُحْسِنَانِ وَيُسِيءُ ابْنَاكَا ... وَقَدْ بَغَى وَاعْتَدَيَا عَبْدَاكَا
(وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ): (الْمُهْمَلَ) مهمل اسم مفعول من الإهمال، أُهمِل يُهمَلُ فهو مُهمَلٌ المراد به الترك، هل المراد به الترك المطلق أو مطلق الترك؟ الترك مطلقاً يُهمل مطلقاً، أو مطلق الترك؟ الثاني، مطلق الترك، بمعنى أنه يعمل في بعض الأحوال، ولذلك قال: (وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ) كيف هو مهمل ثم قال: أعمِل المهمل؟
هذا دليل على أنه مهمل من جهة دون جهة، والمراد به أنه لا يتسلط على الاسم الظاهر فينصبه أو يرفعه، وإنما نجعل له ضميراًَ، إما أن يكون مرفوعاً، وإما أن يكون منصوباً، ولذلك قال: إذا أعملت الثاني وأهملت الأول لم تجعل الظاهر له معمولاً، حينئذٍ ماذا تفعل؟
وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ -الأول- الذي لم تسلطه على الاسم الظاهر فِي ضَمِيرِ مَا تَنَازَعَاهُ، يعني في ضميرٍ يعود على الاسم المتنازع فيه.
(والْتَزِمْ مَا الْتُزِمَا) يعني إن كان هذا الضمير مرفوعاً على أنه فاعل، حينئذٍ التزم ذكره، وإن كان مفرداً، حينئذٍ التزم إفراده ليطابق المفسر، وإذا كان مثنىً التزم تثنيته ليطابق المفسر، وكذلك الجمع، حينئذٍ على هذا نجعل البيت عام، وما بعده تخصيص له.
(وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ) مطلقاً سواء كان يحتاج إلى مرفوع، أو إلى منصوب، سواءٌ كان الأول أو الثاني مطلقاً، وسيأتي تخصيص الأول بأنه لا يعمل إلا في المرفوع دون المنصوب، ويبقى الثاني مطلقاً يعمل في المرفوع وفي المنصوب، وسيأتي مزيد بيان.
(وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ) عرفنا المهمل هو الذي لم يعمل في الاسم الظاهر مع توجهه إليه في المعنى، حينئذٍ يُعمل في ضميره العائد على ذلك الاسم؛ لأنه إما أن يسلط على الاسم الظاهر، وهذا قد أعطيناه الثاني مثلاً، حينئذٍ الأول كيف نفعل معه؟ نعطيه ضميراً يعود على الاسم الظاهر، حينئذٍ توافقا، كلٌ منهما عمل في الاسم، لكن ذاك في مظهره وهذا في مضمره، كلاهما قد عملا في الاسم، لكن واحد -الذي أعملناه ظاهراً- هذا الذي سلطناه على الاسم الظاهر، والثاني الذي أهملناه ولم نسلطه على الاسم الظاهر أعملناه في ضميره.
(وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ) مطلقاً سواء كان الأول أو الثاني، أهملت الأول وأعملت الثاني، أو أعملت الأول وأهملت الثاني.
(فِي ضَمِيرِ) يعني ضمير، (مَا) يعني الاسم المتنازع فيه.
و (الْتَزِمْ): أعمِل المهمل في ضمير ما تنازعاه وجوباً إن كان عمدةً، كالفاعل ونائب الفاعل.
(والْتَزِمْ مَا الْتُزِمَا) التزما (مَا) شيئاً وحكماً قد الْتُزِمَا، (الألف) هذه للإطلاق، يعني بمطابقة الضمير للظاهر، لابد أن يكون مطابقاً له، قامَ وقعدَ أخوكَ، حينئذٍ إذا أعملت الظاهر، فالأول يكون فيه ضمير مستتر، إذا أعملت الثاني فالأول يكون فيه ضمير مستتر، قاما وقعد أخواك، قاموا وقعد إخوتك، مطابق أو لا؟
стр. 1011
إن كان مثنى -الاسم الظاهر- فالضمير يكون مثنى، والضمير هنا يسمى مفسَّراً بفتح السين، والاسم الظاهر يكون مفسِّراً، وشرط المفسَّر والمفسِّر التطابق، تذكيراً وتأنيثاً إفراداً وتثنيةً وجمعاً كالمبتدأ والخبر لا بد منهما، فلذلك لابد أن يكون الفاعل الذي يرفعه المهمل مطابقاً للاسم الظاهر، فإن كان مثنى ثُنِّي، وإن كان جمعاً جُمِع.
قاموا وقعد إخوتك، أعملت الثاني في الاسم الظاهر، ثم تُعمل الأول في ضميرٍ عائدٍ على الاسم الظاهر، حينئذٍ لا بد من المطابقة، قاموا (بالواو)؛ لأن المرجع وهو إخوتك جمع فلا بد من التطابق، أما قام وقعد إخوتك، وتعمل الأول على أنه في ضميرٍ مستتر نقول هذا لا يصح؛ لأنه غير مطابق؛ لأن الضمير المستتر مفرد، هذا الأصل فيه، وإذا اتصل به ألف الاثنين والاسم الظاهر جَمْع، كذلك لم يحصل التطابق قاما وقعد إخوتك لم يحصل، وإنما لا بد من التطابق فتقول: قاموا (بالواو) وقعد إخوتك.
إذاً يعني من مطابقة الضمير للظاهر، ومن حذف الفضلة وإثبات العمدة، حذف الفضلة ليس مطلقاً فيه تفصيل سيأتي، وإنما المراد به من الثاني، الثاني يجب إثباته مطلقاً، الثاني إذا أهمل وجب إعماله في ضمير الاسم الظاهر مطلقاً، سواء كان مرفوعاً أو منصوباً إلا على مذهب الكوفيين من جواز حذفه.
ومن حذف الضمير في بعض الأحوال وتأخيره في بعضها، وما صلح لوقوعه على جميع ما ذكر، إذاً (والْتَزِمْ مَا): أي الأحكام التي التزمت، وسيأتي تفصيل بعضها، وأهم ما يعتنى به أن ما كان فاعلاً يجب ذكره، سواء أهملت الأول وأعملت الثاني أو بالعكس، لابد من إضمار الفاعل؛ لأن الفاعل لا يحذف.
مثَّل الناظم لإعمال كل من الأول دون الثاني، أو بالعكس، فقال: (كَيُحْسِنَانِ) (الكاف) هذه للتمثيل، أي كقولك: يُحْسِنَانِ وَيُسِيءُ ابْنَاكَا (الألف) للإطلاق، يُحْسِنَانِ وَيُسِيءُ ابْنَاكَ، أصلها يحسن ويسيء ابناك، مثل قام وقعد، يحسن ويسيء ابناك، ابناك هذا فاعل إما للأول وإما للثاني.
هنا الناظم في المثال الأول أعمل الثاني، حينئذٍ تقول: (يُسِيءُ) فعل مضارع مرفوع و (ابْنَاكَا) هذا فاعلٌ، فاعل لأي شيء؟ للثاني، ماذا بقي للأول؟ (يُحْسِنَ)، لا بد من أعماله في ضميرٍ يعود على الاسم الظاهر.
(وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ فِي ضَميِرِ مَا تَنَازَعَاهُ)، وما تنازعاه هنا: (ابْنَاكَا) إذاً مثنى، وإذا كان فعلاً مضارعاً حينئذٍ صار من الأمثلة الخمسة، فتقول: (يحسن) تضيف عليها (الألف) فصار (يحسنا)، فرفعه حينئذٍ يكون بثبات النون؛ لأنه على وزن يفعلان، فصار يُحْسِنَانِ، (يحسن) فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والألف فاعل وهو ضمير يعود على الاسم الظاهر، إذاً أعملت الثاني في الاسم الظاهر وهو َيُسِيءُ، وأهملت الأول، أهملته بمعنى أنك لم تسلطه على الاسم الظاهر، ثم أعملته في ضميرٍ يعود على الاسم الظاهر، لماذا؟ لأنه فعل وكل فعلٍ لا بد له من فاعل فقلت: يُحْسِنَانِ وَيُسِيءُ ابْنَاكَا.
وَقَدْ بَغَى وَاعْتَدَيَا عَبْدَاكَا:
стр. 1012
(بَغَى وَاعْتَدَا عَبْدَاكَا) (الألف) للإطلاق، (بغى واعتدى) كل منهما فعلان تقدما وطلبا عَبْدَاكَا على أنه فاعل، أَعمَل الأول وهو (بَغَى)، حينئذٍ تقول: (بَغَى) فعلٌ ماضي، و (عَبْدَاكَا) هذا فاعلٌ لبغى.
و (اعْتَدَيَا) اعتدى هذا أهمله، بمعنى أنه لم يسلطه على الاسم الظاهر، فوجب حينئذٍ أن يضمر فيه ضميراً وهو فاعل يعود على الاسم الظاهر، فقال: وَاعْتَدَيَا عَبْدَاكَا، اعْتَدَيَا (الألف) هذه فاعل، إذاً أعمل الأول وأهمل الثاني، عكس المثال السابق.
المثال الثاني وهو: (بَغَى وَاعْتَدَيَا عَبْدَاكَا)، إهمال الأول وإعمال الثاني، هذا متفقٌ عليه، المثال هذا متفق على جوازه بين الكوفيين والبصريين، وأما الأول فمختلف فيه، منعه الكوفيون؛ لأنهم يمنعون الإضمار قبل الذكر في هذا الباب، الإضمار قبل الذكر: هنا إذا قيل يُحْسِنَانِ وَيُسِيءُ ابْنَاكَا، يحسنان: هنا ضمير قبل الذكرِ -أضمر قبل الذكر-، والأصل الذكر قبل الإضمار، هذا الأصل يُذكر اللفظ بالاسم الظاهر، ثم يأتي ضميره فيرجع الضمير على متقدم في اللفظ والرتبة، هذا هو الأصل.
أما إضمارٌ قبل الذكر يلزم منه عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبةً، وهذا في الأصل ممنوع، وهنا يُحْسِنَانِ عاد الضمير على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، إذاً خلاف القياس، ولذلك منعه الكوفيون، وبناءً على مذهب الكسائي -جواز حذف الفاعل- قال: يحسن ويسيء ابناك، أعمل الثاني وحذف الفاعل من الأول لماذا؟ تفادياً لهذه الخطورة وهي أن يضمر قبل الذكر، فحذف الفاعل، لكون الضمير يعود على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، أما الثاني: - بَغَى وَاعْتَدَيَا عَبْدَاكَا -: (بغى عبداك واعتديا)، (اعْتَدَيَا) هذا عاد على متأخر في اللفظ دون الرتبة، لذلك لم يختلف فيه، (بغى عبداك واعتديا) هذا تركيب الكلام، حينئذٍ لما أضمر في الثاني اعْتَدَيَا، نقول عاد على عَبْدَاكَا في اللفظ والرتبة، أو في اللفظ فحسب؟ في اللفظ فحسب ليس في الرتبة؛ لأن رتبته تالية لقوله بَغَى: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ، هذا الأصل، بغى عبداك واعتديا حينئذٍ: بَغَى وَاعْتَدَيَا عَبْدَاكَا عاد الضمير من اعْتَدَيَا إلى متأخرٍ في اللفظ دون الرتبة، وهذا جائز عند الطائفتين، ولذلك اتفقوا على هذا المثال واختلفوا في الأول؛ لأن يُحْسِنَانِ يعود على متأخرٍ وهو: ابْنَاكَا، وهو فاعل وَيُسِيءُ، ويسيء متأخرٍ عن يحسن.
إذاً نقول المثال الثاني متفقٌ على جوازه، والأول منعه الكوفيون؛ لأنهم يمنعون الإضمار قبل الذكر في هذا الباب، فذهب الكسائي إلى وجوب حذف الضمير من الأول، ولو كان فاعلاً يجب حذفه، تفادياً للإضمار قبل الذكر وهذا ممنوع في هذا الباب وفي غيره، وجمهور البصريين على الاستثناء؛ لأنه من المواضع الستة التي يستثنى فيها عود الضمير على متأخر؛ لأنه مسموع في لغة العرب، رُبَّهُ فِتيةً، نِعم رجلاً، جاء فيه، وجاء في هذا الباب كما سيأتي حينئذٍ يغتفر في هذا الباب عود الضمير على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، هذا نقول مستثنى في هذا الباب، وهي أبواب ستة قياسية، وما عداها فهو سماعي يحفظ ولا يقاس عليه.
إلى وجوب حذف الضمير من الأول والحالة هذه تمسكاً بقول ..
стр. 1013
هذا بناءً على جواز حذف الفاعل عندهم، وإذا منعناه نقول حينئذٍ الأصل مرفوض، وهو أنه يجوز حذف الفاعل، حينئذٍ نقول عندنا أمران حذف فاعل أو إثباته وعود الضمير على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، هنا مفسدتان وأي المفسدتين أعظم؟
حذف الفاعل أعظم، حينئذٍ لا نرتكب المفسدة الكبرى من أجل دفع الصغرى، بل العكس هو الصواب، فنضمر في الأول ولو عاد على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، ولا نقول بقول الكسائي بأنه يحذف الفاعل؛ لأن حذف الفاعل حذف لأحد ركني الإسناد، فبقي الكلام بغير فاعل.
تمسكاً بقول الشاعر:
تَعَفَّقَ بِالأرْطَى لَهَا وَأرَادَهَا ... رِجَالٌ فَبَذَّتْ نَبْلَهُم وَكَلِيبُ
قال:
تَعَفَّقَ بِالأرْطَى لَهَا وَأرَادَهَا رِجَالٌ، (رِجَالٌ) هذا اسم ظاهر تقدم عليه عاملان تَعَفَّقَ وأرَادَهَا، ما قال تعفقوا، وما قال أرادوا، ورجال هذا اسم ظاهر، فدل على أنه أعمل الثاني، وحذف الفاعل من الأول أو العكس.
إما أن نجعل (رِجَالٌ) هذا فاعل لـ (تَعَفَّقَ)، (تَعَفَّقَ) معناه استتر، (بِالأرْطَى) هذا شجرٌ، (لَهَا) للبقرة الوحشية، (وَأرَادَهَا رِجَالٌ فَبَذَّتْ) أي غلبت، (نَبْلَهُم) سهام، (كَلِيبُ): فعيل، كعبد يجمع على عبيد، (كَلِيبُ) جمع كلب.
إذاً (تَعَفَّقَ رِجَالٌ) (أرَادَهَا رِجَالٌ) أعمل واحداً منهما ولم يضمر في الثاني الفاعل، فدل على أنه لا يُضمر، وهذا قد نطق به، فصيح.
ووجهه أنه لم يضمر في واحد من تَعَفَّقَ وَأرَادَهَا، فلم يقل: تعفقوا على إعمال الثاني أو أرادوا على إعمال الأول.
وقال الفراء إن أتفق العاملان في طلب المرفوع فالعمل لهما ولا إضمار، نحو يحسن ويسيء ابناك، يعني إن اتفقا في طلب فاعل وهو مرفوع حينئذٍ لا إضمار، فتقول يحسنُ ويسيءُ ابناك، وإن اختلفا أضمرته مؤخرا، نحو ضربني وضربت زيداً هو، ضربني هو هذا أخره -وهذا سيأتي معنا-، والمعتمد ما عليه البصريون، هذا هو القول المعتمد ما ذهب إليه البصريون، وهو وجوب إضمار ضمير الرفع في الأول عند إعمال الثاني؛ لأن العمدة يمتنع حذفها: (وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ)، إذاً العمدة لا يجوز حذفها، هذا هو الأصل.
ولأن الإضمار قبل الذكر الذي احتج به -فروا منه الكوفيون-، قد جاء في غير هذا الباب: رُبَّهُ رجُلاً، (رُبَّهُ) مجرور رب (ها) ضمير عاد على رجلاً، وهو متأخر في اللفظ والرتبة، مغتفر في باب: رُبَّ (رُبَّهُ فِتيةً)، (فِتيةً): هذه تمييز ورجع إليه مجرور رُبَّ، حينئذٍ نقول هذا مغتفر؛ لأنه عاد على متأخر في اللفظ والرتبة، ونِعم رجلاً زيدٌ، (نِعم) فيها فاعل ضمير مستتر يعود على رجلاً وهو تمييز.
وقد سُمع أيضاً في هذا الباب من ذلك ما حكاه سيبويه من قول بعضهم: ضربوني وضربت قومك، ضربوني (بالواو) وضربت قومك، حينئذٍ أعمل الثاني فنصب قومك، وأضمر في الأول الفاعل، فقال: ضربوني، إذاً سمع في باب التنازع، ومنه قوله (جَفَوْني ولمْ أَجْفُ الأَخِلاَّءَ)، يعني جفوني الإخلاء، (الواو) هنا تعود على الأخلاء حينئذٍ أَضمر في الأول الفاعل وأعمل الثاني في الأخلاء.
وما استدلوا به مؤول، وكل ما احتمل التأويل بوجه سائغ، إذاً حمل عليه ولا يعترض به على الأصل.
стр. 1014
إذاً: (وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ فِي ضَميِرِ مَا)، (مَا)، يعني الاسم المتنازع فيه.
تَنَازَعَاهُ أي العاملان، وجوباً إن كان عمدة.
والْتَزِمْ مَا الْتُزِمَا من الأحكام المذكورة من حيث التطابق بين المفسِّر والمفسَّر، من الإفراد والتثنية والتذكير والتأنيث والجمع، ومن حيث التزام ذكر العمدة، وحذف الفضلة مما يمكن الاستغناء عنه.
كَيُحْسِنَانِ وَيُسِيءُ ابْنَاكَا حيث أعمل الثاني وأضمر في الأول، وإضماره في الأول، وعوده على متأخر في اللفظ والرتبة هذا مغتفر في هذا الباب.
وَقَدْ بَغَى وَاعْتَدَيَا عَبْدَاكَا أعمل الأول وأضمر في الثاني، وكلا الإضمار في هذين المثالين إضمار للفاعل، وعلى مذهب البصريين أنه يجب، وعلى مذهب الكوفيين أنه جائز؛ لأنه يجوز حذف الفاعل عندهم، وهو مذهب الكسائي ومن تبعه.
وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ ... بِمُضْمَرٍ لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلاَ
قال ابن عقيل: أي إذا أعملت أحد العاملين في الظاهر، قال: أحد، لم يعين الثاني أو الأول؛ لأن الحكم عام: وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ مطلقاً، سواء كان الأول أو الثاني، إذا أعملت أحد العاملين في الظاهر، وأهملت الآخر عنه، فأعمل المهمل في ضميرٍ عائدٍ على الظاهر، في ضمير الظاهر يعني في ضمير عائدٍ على الظاهر، والتزم الإضمار، يعني الإتيان به مضمراً، إن كان مطلوب العامل مما يلزم ذكره ولا يجوز حذفه كالفاعل ونائب الفاعل، ولذلك أتى بالـ (كاف) هنا ليست استقصائية، وإنما للتمثيل.
إذاً تلتزم الإضمار متى؟ إذا كان مطلوب العمل واجب الذكر وهو الفاعل، أو نائب الفاعل، وذلك كقولك: يُحسن ويسيء ابناك، فكل واحد من يحسن ويسيء يطلب ابناك بالفاعلية، على أنه فاعلٌ له يُحسن ابناك، ويسيء ابناك، كلٌ منهما يطلب (ابناك) بالفاعلية، فإن أعملت الثاني وجب أن تضمر في الأول فاعله، تقول (يحسنان ويسيء ابناك)، أضمرت في الأول، والثاني أعملته في الظاهر، ولا إشكا، تعربه كما هو، يُحْسِنَانِ: فعل مضارع مرفوع ورفعه ثبوت النون والألف فاعل، وَيُسِيءُ ابْنَاكَا: فعل وفاعل ولا إشكال.
فإن أعملت الثاني وجب أن تضمر في الأول، فاعله فتقول: يُحْسِنَانِ وَيُسِيءُ ابْنَاكَا، وكذلك إن أعملت الأول وجب الإضمار في الثاني: (يحسن ويسيئان ابناكا)،أعملت الأول وأضمرت في الثاني، عكس المسألة السابقة، حينئذٍ لا إشكال فيه، يعني لا ينازع الكوفيون في هذا المثال، إذا قلت: (يحسن ويسيئان ابناك)؛ لأنك أضمرت في الثاني، وإذا أضمرت في الثاني حينئذٍ عاد على متأخرٍ في اللفظ دون الرتبة؛ لأن (ابْنَاكَا) هذا متعلق بـ (يحسن)، وهو حقه التقديم، (يحسن ويسيئان ابناك)، (ابْنَاكَا) هذا معمولٌ ليحسن، إذاً هو متقدم في الرتبة، جاء بعده يسيئان، إذاً عاد الضمير على متقدم في الرتبة دون اللفظ، ورجع إلى متأخر في اللفظ دون الرتبة، عبِّر بهذا أو ذاك، ومثله (بَغَى وَاعْتَدَيَا عَبْدَاكَا)، وإن أعملت الثاني في هذا المثال المتأخر، قلت: (بغيا واعتدى عبداك)، (بغيا): أضمرت في الأول وأعملت الثاني.
стр. 1015
ولا يجوز ترك الإضمار في هذا المقام يعني الفاعل، فلا تقول (يحسن ويسيء ابناك) لا يجوز هذا، خلاف للفراء، ولا: بغى واعتدى عبداك؛ لأن تركه -يعني ترك الإضمار- يؤدي إلى حذف الفاعل، والفاعل ملتزم الذكر، وقد قال لك: (والْتَزِمْ مَا الْتُزِمَا)، فوجب حينئذٍ التزام ذكر الفاعل، وأجاز الكسائي ذلك على الحذف بناءً على مذهبه في جواز حذف الفاعل، وقلنا: هذا مذهب ضعيف، وأجازه الفراء على توجه العاملين معاً إلى الاسم الظاهر، وهذا بناءً منهما على منع الإضمار في الأول عند إعمال الثاني، فلا تقل: يحسنان ويسيء ابناك، هذا ممنوع عندهما، فراراً من عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، وهذا الذي ذكرناه عنهما هو المشهور من مذهبهما في هذه المسألة ..
وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ ... بِمُضْمَرٍ لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلاً
بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ ... وَأَخِّرَنْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ الْخَبَرْ
هذا كالاستثناء مما سبق، ما سبق قال: (وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ فِي ضَميِرِ مَا تَنَازَعَاهُ) مطلقا، سواءٌ كان ما تنازعاه على أنه فاعل مرفوع، أو على أنه مفعول به منصوب، أو على أنه مجرور مطلقاً، وهذا فيه تفصيل ليس على إطلاقه.
(وَلاَ تَجِىءْ): هذا نهي، (مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ): أَوَّلٍ بالصرف هذا للوزن، صرفه للوزن، (مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ بِمُضْمَرٍ لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلاً) إذاً إذا أهملت الأول فلا تضمر فيه إلا الفاعل فحسب، وأما المفعول به والمجرور فيجب حذفه: (بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ)، حينئذٍ قوله: (وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ)، وهذا يشمل إذا كان المهمل هو الأول، أعمله فِي ضَميِرِ مَاتَنَازَعَاهُ، إذا كان الأول يطلب فاعلاً حينئذٍ أعمله في ضميرٍ على أنه فاعل، وإذا كان الأول يطلب مفعولاً أعمله في ضميرٍ يعود على ذلك الاسم الظاهر، فيكون مفعولاً، قال لا هذا ليس مراد.
العموم السابق مخصص بهذا البيت، وإنما يختص إعمال الأول المهمل بإضمار الفاعل فحسب، وأما المفعول والمجرور يجب حذفه، قال: بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ .. الزم حذفه، فلا تقل حينئذٍ: ضربت وضربني زيدٌ، ضربني هذا متأخر، أعملت الثاني ضربني ورفعت زيد على أنه فاعل له، والأول ضربت ماذا يحتاج؟
يحتاج مفعولاً به، هو قال: وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ فِي ضَميِرِ مَا تَنَازَعَاهُ، الأول افتقر إلى مفعول به، فالأصل أن يقال: ضربته وضربني زيدٌ، لكن قال: لما كان الأول هذا اتصل به ضمير منصوب وجب حذفه.
стр. 1016
وعند كثير من النحاة أنه لا يحذف هكذا ابتداءً، وإنما يعمل في الضمير ثم يحذف، يعمل في الضمير، تقول: ضربته ثم تحذفه، ولكن نقول ابتداءً، يجب ألا يتصل به قبل أن يتصل به ثم نحذفه؛ لأن هذا من باب التكلف، إذاً إذا كان الأول يفتقر إلى ضمير منصوب نقول: الزم حذفه، وتقول: مررت ومر بي زيدٌ، ولا تضمر فتقول: مررت به ومر بي زيد؛ لأن الأول مررت يفتقر إلى مفعول به في المعنى يتعدى إليه بحرف جر، هذا الذي يفتقر إليه، فالأصل أن تقول: مررت به ومر بي زيدٌ؛ لأنك أعملت الثاني، مر بي زيدٌ، زيد فاعل، فتحتاج أن تضمر في الأول فتقول: مررت به، لكن نقول: وجب حذفه لأنه فضلة، كذلك لا يقال: ضربته وضربني زيدٌ، يجب حذفه لماذا يجب حذفه؟
قالوا: لأن القاعدة أنه لا يجوز عود الضمير على متأخرٍ لفظاً ورتبةً، وإنما استثنينا الفاعل لأنه عمدة، والضرورة تقدر بقدرها، فحينئذٍ يستثنى الفاعل ويبقى ما عداه على الأصل، إذاً: وافقوا الكسائي وغيره، وافقوا الكوفيين هنا؛ لأن الضمير عاد على متأخر، ضربته يعود على زيد، هذا ممنوع، لكن: يُحْسِنَانِ وَيُسِيءُ ابْنَاكَا، قالوا هذا فاعل، إذاً نخرِم القاعدة من أجل تمكين الفعل من الفاعل، -البصريون فقهاء في النحو-، نخرم القاعدة، صحيح، كلام سليم، نخرم القاعدة من أجل إبقاء الفاعل مع فعله؛ لأنه ركن في الإسناد، المعنى أنه لا بد منه، لا يجوز حذفه، فأخرمنا القاعدة من أصلها فقلنا: يستثنى، فيعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبةً، ولا نبالي بهذا الخلل وهذه المفسدة، وأما ضربته هذا فضلة، والأصل في الفضلة أنه ليس بركنٍ في الإسناد، إذاً لا نخرم القاعدة فنحذفه ونقول، لا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبةً، -هذا نِعمَ الفِقهُ-.
إذاً قال: وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ يعني من العمل، بِمُضْمَرٍ هذا متعلق بقوله: (تَجِىءْ)، ولا تجئ بمضمر مع أولٍ قد أهملا يعني مهمل.
(لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلاً)، (لِغَيْرِ) جار ومجرور متعلق بقوله: أُوهِلاً، بمضمر أوهلا لغير رفعٍ، يعني صار أهلاً لغير رفعٍ وهو: المنصوب والمجرور؛ لأن الضمائر ثلاث: مرفوع، منصوب، مجرور، لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلاً: يعني صار أهلاً لغير رفعٍ، وذلك إذا كان منصوباً أو مجروراً.
وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ بضمير لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلاً وهو المنصوب والمجرور.
بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ: يجب حذفه مطلقا من الأول.
لكن قيده قال: (إِنْ يَكُنْ غَيرَ الْخَبَرْ)، إِنْ يَكُنْ ذلك المنصوب (غير خبر) وهو الفضلة، (غَيرَ خَبَرْ): هذا استثناء المفعول الثاني من باب ظن، واستثناء خبرِ كان، استثنى الناظم منصوبين فضلتين؛ لأنهما عمدة في الأصل، وما كان عمدة في الأصل يجب مراعاة ذلك الأصل، فإذا نُصب حينئذٍ لا نقول: المنصوبات فضلات فيجب حذف أي منصوب، لا بل ننظر إلى الأصل، فما كان الأصل أنه عمدة يراعى بعد طروء تغيير الإعراب عليه، كما هو الشأن في خبر كان، كان مرفوعاً ثم نُصبَ، وكذلك اسم كان، كان منصوباً ثم رُفعَِ، وكذلك المبتدأ في المفعول الأول في باب ظن كان مرفوعاً ثم نُصبَ، كذلك المفعول الثاني، نقول: هذه كلها عُمد، حينئذٍ لا يجوز حذفها البتة.
стр. 1017
(إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ)، إذاً استثنى من الأول -فيما يجب إضماره-، إن كان خبراً في الأصل.
اعتُرض على الناظم بشيئين اثنين لم يذكرهما، أولاً: إذا كان يحصل لبسٌ عند حذف الفضلةِ؛ لأن شرط الحذفِ: إن لم يقع اللبسُ بعد الحذفِ، وكلامُ الناظم هنا مطلق أو خاص؟ لأنه قال: وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ ... بِمُضْمَرٍ لِغَيْرِ رَفْعٍ -منصوبٍ يعني- بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ مطلقاً، سواء أُمن اللبس معه أم لا، فاللفظ عام، والصحيح أنه يقيد بما إذا أُمن اللبسُ، وأما إذا لم يؤمن اللبس فلا يجوز حذفه، هذا ثانياً.
يرِد عليه ثالثاً: المفعول الأول في باب ظن؛ لأنه استثنى الخبر، والمفعول الأول في باب ظن مبتدأٌ، فالعلة الموجودة في استثناءِ الخبرِ لكونه عمدة في الأصل، هي عينها موجودة في المفعول الأول بكونه عهدة في الأصل وهو مبتدأ، فإذا وجدت العلة حينئذٍ نقول: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا انتفى حذف الخبر لكونه عمدة في الأصل، فيلزم الحكم نفسه في المفعول الأول في باب ظن أن ينتفي حذفه، لكونه عمدة في الأصل، لأنه مبتدأ، فيستدرك على الناظم هاتين المسألتين؛ لأنه قال: (بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ) إن يكن هذه الفضلة ليس خبراً، وهذا يكون في باب كان، وفي باب ظن، بقي عليه المفعول الأول في باب ظن، وبقي عليه المفعول الذي ليس خبراً ثم قد يحصل لبسٌ بحذفه، وهذا لا يجوز حذفه.
إذاً: إن كان غير خبرٍ، وغير فضلةٍ يحصل بها اللبس، وغير مفعولٍ، أول يجب حذفه، فإن كان خبراً، أو إن كان فضلة يحصل به اللبسُ، أو كان مفعولاً أول لـ (ظن)، لا يجوز حذفه، ولا يجوز أن يتقدم، وإنما يجب تأخيره، قال: (وَأَخِّرَنْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ الْخَبَرْ)، الذي استثناه أولاً: إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ يعني لا تحذفه، وإنما تؤخره في آخر الجملة، وسيأتي التعليل.
(وَأَخِّرَنْهُ) يعني اذكره مؤخراً مضمراً وجوباً: إن يكن ذلك الضمير عمدة بأن كان هو الخبر لكان –كان وأخواتها-، أو المفعول الأول لظن، أو فضلة إن حذفت أوقع في لبس، هذه ثلاثة أشياء، هذه لابد من استثنائها، حينئذٍ إذا استثنيت من عدم حذفها من الأول ماذا نصنع بها؟
نذكرها مؤخراً، نؤخرها إلى آخر الجملة مثل: كنتُ وكانَ زيدٌ صديقاً إياهُ، هنا نُعمل الأول أو الثاني؟
المسألة مفروضة في إعمال الثاني، إذاً (كنتُ) كان واسمهما، أين خبرها؟
الأصل أنه لا يجوز حذفهُ، لا تقل (كُنتهُ) لا يجوز، وإنما تؤخره بعد كانَ زيدٌ صديقاً، أعملتَ الثاني: كان زيد صديقاً، صديقاً هذا متنازع فيه، كنتُ صديقاً، كانَ زيدٌ صديقاً، إذاً اسم متنازع فيه بين كان الأولى، وكان الثانية، أعملت الثانية: كانَ زيدٌ صديقاً، والأول كنتُ، أين الخبر؟
стр. 1018
قال: يجب إضمارهُ، فحينئذٍ إما أن يضمر متصلاً وإما أن يضمر متأخراً، قال: لا يجوز إضماره متصلاً، فلا تقل: كنتهُ وكانَ زيدٌ صديقاً، وإنما تقول: كنتُ وكانَ زيدٌ صديقاً إياهُ، حينئذٍ إذا قلت: إياهُ متأخراً، عاد الضمير على متقدمٍ في الذكر دون الرتبة؛ لأن رتبة إياهُ كنتهُ، لو قلت: كنتهُ عاد الضمير على زيد، وهو خبر كان الثانية، حينئذٍ عاد الضمير على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، تفادياً لهذا المحذور وجب تأخيره فقلت: كنتُ كانَ زيدٌ صديقاً إياهُ، حينئذٍ عاد الضمير على متقدمٍ في اللفظ دون الرتبة؛ لأن إياه متقدمٌ في الرتبة، رتبته بعد كنتُ، وزيد هذا متأخر، إذاً عاد عليه في اللفظ دون الرتبة، وهذا جائز، من أجل تفادي عود الضمير على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، حينئذٍ وجب تأخير الضمير؛ لأن عندنا أمران: إما أن يحذف، وهو عمدة في الأصل، وإما أن يبقى في محله، فيعود على متأخر في اللفظ والرتبة، وكلاهما ممتنع، لو حذفته حذفت ما هو عمدة في الأصل، وهذا ممتنع، ونحن قلنا: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ، لا بد أن يكون فضلة ليس بعمدة، فتفادياً لهذه لا بد من ذكره، فإن ذكرته في محله (كُنتهُ) وقعت في محذور آخر، وهو: عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبةً، إذا وجب تأخيره تفادياً لهذه القاعدة.
وظنَّنِي وظننتُ زيداً عالماً إياهُ، (إياه): هذا خبر الأول (ظنني)، (ظنني إياهُ) وظننتُ زيداً عالماً، أعملتَ الثاني: زيداً عالماً، مفعولان لـ (ظننتُ)، والأول (ظنني) المفعول الأول الياء، المفعول الثاني محذوف، الأصل أنه يجب إضماره فتصله بالعامل، لكن من أجل أن يعود على متأخرٍ لفظاً ورتبة، حينئذٍ وقعنا في محذور فوجب تأخيرهُ، تقول (ظنني إياه) هذا الأصل، وظننت زيداً عالماً، فوجب التأخير لما ذكرناه، هذا مثال لـ (إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ)، الأول لـ (كان)، والثاني لباب (ظن).
وظننت منطلقة وظنتني منطلقاً هند إياها، ظننت منطلقة: ظننت هنداً منطلقةً، هذا الأصل، وظنتني منطلقاً هندٌ، أعمل الثاني وهو: منطلقاً هندٌ، وأضمر في الأول المفعول؟؟؟.
إذاً: المثال الأول لخبرٍ، هو لـ (كان)، والمثال الثاني لخبرٍ، هو باب (ظن)، بقي المفعول الأول لباب (ظن)، لو قلت: ظننتُ منطلقةً الأصل ظننتُ هنداً منطلقةً، منطلقةً هذا المفعول الثاني (لظننت)، وظنتني منطلقاً هندٌ، (ظنتني) الياء هذا هو مفعول أول، وهند هي الفاعل، ومنطلقاً هذا المفعول الثاني، ما هو الاسم المتنازع فيه؟
هندٌ هو المتنازع فيه، يريده الأول على أنه مفعول أول، ويريده الثاني على أنه فاعل، فأعطيناه الثاني على أنه فاعل، فأضمرنا في الأول، يجب الإضمار، مع كون كلام الناظم أنه مما يجب حذفه، لكن نقول: هذا يستدرك عليه، فتقول (ظننت منطلقةً وظنتني منطلقاً هندٌ إياها)، هذا مثال للمفعول الأول الذي لا يجوز حذفه، ويُستدرك فيه على الناظم.
مثال ما يوقع في اللبس، وهو ليس خبراً: (استعنتُ واستعان عليَّ زيدٌ بِهِ)، (بِهِ) هو المتعلق باستعان الأول، إن قلت استعان به، الضمير عاد على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، حينئذٍ لو حذفته، قلتَ: استعنتُ واستعان علي زيدٌ، استعان علي زيدٌ واضح، لكن استعنتُ به أو عليه؟
стр. 1019
لو حذفت الضمير لأوقع في لبسٍ، فلا يدرى هل أنت استعنت به أو عليه، لكن وجب ذكره دفعاً للوقوع في اللبسِ، فوجب أن يُضمر متأخراً؛ لئلا يعود الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة، فتقول: استعنت واستعان علي زيدٌ به.
إذاً ..
بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ ... وَأَخِّرَنْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ الْخَبَرْ
لأنه منصوب فلا يضمر قبل الذكر، وعمدةٌ في الأصل فلا يُحذف، لا يضمر قبل الذكرِ فيجب تأخيرهُ، هل نحذفه من أصله؟ لا، نقول: هو عمدة في الأصل فيجب ذكره.
وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ قَدْ أُهْمِلاَ: إذا أهمل الأول حينئذٍ تضمر فيه الفاعل، ما عداه يجب حذفه، أو تأخيره، إذاً لا يضمر في الأول المهمل إلا الفاعل فقط، وما عدا الفاعل -المنصوب، والمجرور-، إما أن يكون عمدةً أو لا، إن كان عمدة وجب تأخيره، وإن لم يكن عمدة، إما أن يحصل لبس بحذفه أو لا، إن حصل لبسه: مثل الخبر، وإلا: بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ، هذا مع الأول.
وأما الثاني: فيضمر معه مطلقاً بدون استثناء سواءٌ كان فاعلاً، أو منصوباً، أو مجروراً، لماذا؟ لأنك أعملت الأول وأهملت الثاني، فإذا أضمرت الفاعل عاد على متقدمٍ لفظاً ورتبة، إذا أضمرت المنصوب عاد على متقدمٍ لفظاً ورتبة، إذا أضمرت المجرور عاد على متقدمٍ في اللفظ والرتبة.
إذاً ليس عندنا محذوف، وهذه العمليات كلها من أجل دفع أن لا يعود الضمير على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، فجاء التصحيح بما ذكر، وأما إذا أُهمل الثاني فأَضمر فيه ما شأت، وعند جمهور البصريين لا يجوز حذفه، ولو كان منصوباً أو مجروراً.
(وَلاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ)، يعني مع الفعل العامل الأول، (قَدْ أُهْمِلاَ)، (قَدْ): للتحقيق، (أُهْمِلاَ): الألف للإطلاق، يعني أُهمل من العمل، لم يعمل الأول في الاسم الظاهر، ولم يُهمل من العمل مطلقاً، لا، بل نُعمله في ما يحتاجه.
قَدْ أُهْمِلاَ.
بِمُضْمَرٍ: لاَ تَجِىءْ مَعْ أَوَّلٍ بِمُضْمَرٍ.
لِغَيْرِ رَفْعٍ أُوهِلاً: يعني جعل أهلاً، صار أهلاً لغير الرفعِ، والمراد به النصبُ والجر لفظاً أو محلاً، (بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ): الزم حذفه، يجب حذفه، (إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ): إن كان خبراً لا يجوز حذفه، ومع ذلك لا يجوز اتصاله به؛ لأنه لو اتصل به لعاد الضمير على متأخرٍ في اللفظ والرتبة، بل أخره، تُؤخره إلى ما بعد نهاية الجملة.
(وَأَخِّرَنْهُ) وجوباً (إِنْ يَكُنْ هُوَ الْخَبَرْ).
قوله: (إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ) يُوهم أن ضمير المتنازع فيه، إذا كان المفعول الأول في باب (ظن) يجب حذفه وليس كذلك؛ لأنه لم يستثن إلا الخبر، والمفعول الأول ليس بخبر ومع ذلك هو عمدة؛ لأنه مبتدأ في الأصل، حينئذٍ لا يجوز حذفه.
(إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ)، غير خبر في الأصل لأنه حينئذٍ فضلة، فلا حاجة إلى إضمارها قبل الذكر.
стр. 1020
قال الشارح: وذكر هنا في هذا المقام، أنه إذا كان مطلوب الفعل المهملِ غير مرفوع، -المرفوع سبق ذكره-، بل منصوب، أو مجرور، الطالب إما أن يكون طالباً لمرفوع، أو منصوب، أو مجرور، تقرر عندنا وجوب إضمار المرفوع ولا إشكال، وليس عندنا اعتراض بالقاعدة التي ذكرناها؛ لأن هذا الباب مما يستثنى من عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، يبقى معنا المنصوب، والمجرور، فلا يخلوا: إما أن يكون عمدة في الأصل، أو لا، لا يخلوا هذا المنصوب، إما أن يكون عمدة في الأصل أو لا، متى يكون عمدة في الأصل؟
إذا كان خبراً لكان، أو مفعولاً ثانياًً لـ (ظن)، أو مفعولاً أولاً لـ (ظن)، هذا عمدة، عبر الشارح عمدة، وعبر الناظم بخبر، أيهما أعم؟
الشارح أعم لأنه عبر بالعمدة.
قال إما أن يكون عمدة في الأصل، وهو مفعول (ظن) وأخواتها؛ لأنه مبتدأ في الأصل، أو خبر وهو المراد بقوله:- (إِنْ يَكُنْ هُوَ الْخَبَرْ)، بالتعميم مع الاستدراك عليه وإِلا الخبر خاص، وهو قد عمم.
أو لا فإن لم يكن كذلك، إن لم يكن عمدة، فإما أن يكون الطالب له هو الأول أو الثاني، فإن كان الأول لم يجز الإضمار، لم يجز الإضمار في الأول لماذا؟
لأننا لو أضمرنا لعاد الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة فتقول: ضربت، ولا تقل ضربته، تحذف الضمير ضربت وضربني زيدٌ، ومررت ولا تقل مررت به، بل تقول مررتُ وتحذف (الباء) مع مدخولها، ومر بي زيدٌ ولا تُضمر، فلا تقل ضربتهُ وضربني زيدٌ ولا مررتُ به ومر بي زيدٌ.
وقد جاء في الشعر ضرورةً فيحفظ ولا يقاس عليه:
إذا كُنْتَ تُرْضِيهِ، وَيُرْضيكَ صاحبٌ، صاحبٌ هذا اسم ظاهر متنازع فيه، طلبه الأول: تُرْضِيهِ على أنه مفعول به له، وطلبه الثاني: يُرْضيكَ على أنه فاعل، فأُعمل الثاني لذلك رفُع، لو أُعمل الأول لقيل صاحباً، وإنما أُعمل الثاني، حينئذٍ افتقر الأول إلى ضميرٍ منصوب، الأصل فيه عدمُ جواز ذكره، بَلْ حَذْفَهُ الْزَمْ، لكنه صرح به هنا نقول شذوذاً، يعني يحفظ ولا يقاس عليه. وإن كان الطالب له هو الثاني وجب الإضمار، فتقول: ضربني وضربتُه زيدٌ، ضربتهُ زيدٌ، زيدٌ هذا فاعل لضربني الأول، والثاني يفتقر إلى مفعول به، حينئذٍ عاد الضمير على متأخرٍ في اللفظ دون الرتبة، وهذا لا إشكال فيه، ومر بي ومررت به زيدٌ، مر بي زيدٌ أُعمل الأول حينئذٍ احتجنا إلى الإضمار في الثاني، ولا يجوز الحذف فلا تقول ضربني وضربت ُزيدٌ، لا يجوز الحذف من الثاني، بل يجب ذكره، ولا مر بي ومررت زيدٌ، وقد جاء في الشعر كقوله:
следующие страницы →