Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
بِاطِّرَادٍ المراد به أن يكون مطرداً، يعني: في كل تركيب، إن كان في بعض التراكيب دون بعض، نقول: هذا ليس بظرف مكان ولا بظرف زمان، احترازاً عن بعض الألفاظ من أسماء المكان المختصة، سيأتي أنه لا ينصب على الظرفية إلا اسم المكان المُبهَم، وأما المُختَص فلا ينصب على الظرفية، سُمِعَ بعض الألفاظ: دخلت الدارَ، الدارَ هذا اسم مكان، هنا ضمن معنى (في)، لكنه ليس مطرداً في كل تركيب مع سائر الأفعال، بل هو في فعل خاص دخلت، سمع دخل مع الدارِ فقط، سكنت الشامَ، يعني في الشامِ، هذا الأصل، لم يسمع لفظ الشام وهو لفظ اسم مكان مختص منصوب على الظرفية في الظاهر، -وفيه خلاف سيأتي-، أنه متضمن لمعنى (في) إلا مع سكنت، طيب وغير سكنت؟ يرجع إلى أصله، وهو أنه يجر بحرف الجر بحسبه، حينئذٍ نقول: هذه الألفاظ المسموعة في لسان العرب، وهي أسماء مكان، نقول: ليس تضمين معنى (في) معها إلا مع ألفاظ معينة من الأفعال، فحينئذٍ متى يكون ظرف زمان أوظرف مكان؟ إذا ضُمِّن معنى (في) مع كل فعل، وأما إذا اختص ببعض الأفعال دون بعض، نقول: لا هذا خلل خدش في الحكم عليه بكونه ظرف زمان أو ظرف مكان.
إذاً قوله: بِاطِّرَادٍ هذا مراده بأن يتعدى إليه سائر الأفعال، ولذلك قال: واحترز بقوله: بِاطِّرَادٍ من نحو دخلتُ البيتَ، وسكنتُ الدارَ، وذهبتُ الشامَ مما انتصب بالواقع فيه، فإن كل واحد من البيت والدار والشام متضمن معنى (في)، ولكن تضمنه معنى (في) ليس مطرداً لماذا؟ لأنه اسم مكان مختص، واسم مكان مختص لا يتضمن معنى (في) بالأصل، وإنما تكون هذه الألفاظ مسموعة، يعني: تحفظ ولا يقاس عليها.
إذاً قوله: بِاطِّرَادٍ احترز به من هذه الألفاظ، وإذا قيل بأن البيت والدار والشام اسم مكان مختص، حينئذٍ هو ليس بظرف؛ إذ لا يطرد نصبُه مع سائر الأفعال، إذ لا يقال: نمت البيت، على أنه ظرف مكان، وإنما سكنت البيت، سكنت الدار فقط، وإنما نمت الدار، يعني نمت في الدار هذا لا يقال، لماذا لا يقال؟ لأن الأصل فيه المنع، وإنما جُوِّز سكنت الدار لكونه سماعياً فحسب، وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يُحترز عنه فلا يقال: نمت البيت، ولا قرأت الدار، وصليت المسجد، يعني: صليت في المسجد، وهذا لا يطرد مع سائر الأفعال، وإنما هو سمع في ألفاظ محدودة فحسب، وعليه لا يحتاج إلى قيد: بِاطِّرَادٍ، فقوله: بِاطِّرَادٍ هذا قيدا لا يُقَيَّدُ به، بل يجب حذفه، فالدار من قوله: دخلت الدار ليس بظرف، وفي نصبه إذا قلنا: ليس بظرف، حينئذٍ ننصبه على ماذا؟ دخلت الدار بالنصب، ظاهره على أنه ظرف مكان، نقول: لا، فيه ثلاثة مذاهب للنحاة:
الأول: أنه انتصب نصب المفعول به بعد إسقاط الخافض على وجه التوسع والمجاز، وهذا مذهب ابن مالك رحمه الله تعالى، أنه مفعول به، انتصب بعد نزع الخافض منه.
стр. 1087
الثاني: أنه مفعول به حقيقة، وأنه دخل معه -دخلت الدار- دخل معه متعدٍ بنفسه، وهذا بعيد؛ لأن دخل ليس متعدياً، دخلتُ الدار مفعول به حقيقةً، ودخل هذا متعدي مثل ضربت، هذا بعيد، المذهب الأول أقرب، وهو مذهب ابن مالك ﵀، أنه لازم، ولكنه تعدى إلى المفعول بحرف الجر مثل مررت بزيد، ثم حذف حرف الجر من باب التوسع، أسقط فانتصب، وهذا قريب لا إشكال فيه.
الثالث: أنه ظرف، وأُجري مُجرى المبهم من ظرف المكان، إذاً الثالث أنه ظرف وأجري مجرى المبهم من ظرف المكان؛ لأنه اسم مكان مختص، وإذا كان كذلك لا ينتصب على الظرفية.
القول الثالث: أنه ظرف عُومِل معاملة المبهم؛ لأنه لا ينتصب من أسماء المكان إلا المبهم، حينئذٍ على المذاهب الثلاثة هذه، هل قوله: بِاطِّرَادٍ يجري قيداً للاحتراز أم يكون لغواً؟ فأما على الثاني والثالث فلا يحتاج إلى قيد الاطراد على المذهب الثاني، وهو كونه دخل متعدياً بنفسه، وأنه مفعول به حقيقة لا نحتاج إلى الاطراد، لماذا؟ لأنه أخرجه بقوله: ضمِّن معنى (في) والمفعول به لا يتضمن معنى (في)، إذا قلنا بأنه مفعول به حقيقة، فحينئذٍ نقول: لا نحتاج إلى قيد الاطراد، لأن قوله: ضمِّن معنى (في) أخرج المفعول به؛ لأن المفعول به ينتصب لا على معنى (في)، وكذلك على الثالث، وهو أنه ظرف، حينئذٍ دخل معنا بقوله: ضمِّن معنى (في).
إذاً فأما على الثاني والثالث فلا يحتاج إلى قيد الاطراد؛ لأنه إن كان ظرفاً فهو داخل في الظروف، على قوله: معنى (في)، وإن كان مفعولاً به حقيقة فلا يحتاج إلى قيد الاطراد؛ لأنه ليس على معنى (في)، وأما على الأول، وهو رأي الإمام ابن مالك رحمه الله تعالى، فيحتاج إلى قيد الاطراد، وعليه قوله: بِاطِّرَادٍ ليس حشواً -هذا المراد-، ليس حشواً، بل أراد أن يحترز عن هذا النوع دخل البيت؛ لأن ابن عقيل يقول: فيه نظر، والصواب أنه على مذهبه هو، أنت الآن إذا شرحت، إذا كان ثم قيود، والناظم له مذهب، وأنت تخالفه، حينئذٍ (احترازات) لا تنتقدها إلا باعتبار مذهبه المختار عنده، لا تشرح من رأسك هكذا، وتقول: هذا يخرج به كذا وهذا .. إلى آخره، وتعلل، وتضعف، لا، ما مذهبه؟ مذهب ابن مالك في هذه الألفاظ المنصوبة، وهي أسماء مكان مختصة، أنها مُشَبَّهة بالمفعول به، فالأصل فيها أنها على حذف حرف الجر توسعاً فانتصب ما بعده.
وأما على الأول فيحتاج إلى قيد الاطراد، فإن نصبه على التوسع والمجاز حكم اللفظ فلا يخرجه ذلك عن معنى (في)، وهذا هو الذي اعتبر الناظم إلى قيد الاطراد خلافاً إلى ما ذهب إليه الشارح.
اَلظَّرْفُ وقتٌ أَوْ مَكَانٌ ضُمِّنَا ... فِي بِاطِّرَادٍ دون لفظها لو صُرِّح بـ (في) صمت في يوم الخميس، يوم الخميس ظرف أم اسم زمان؟ فيه خلاف، والصحيح أنه ليس بظرف، شرط الحكم على اسم الزمان أنه ظرف ألا يُصرّح بـ (في)، ألا ينطق بها، وإنما يلاحظ معناها فحسب، فإذا قال: صمت في يوم الخميس نقول: في يوم جار ومجرور متعلق بصمت. ويشترط في اسم الزمان أن يُسقط الحرف فيقول: صمت يوم الخميس؛ لأنه منصوب، نحن الآن نتكلم في باب المفعول فيه وهو منصوب، من باب المنصوبات، فإذا قلت: في يوم الخميس أخرجته عن كونه ظرف زمان.
стр. 1088
إذاً (في) ضُمِّن معنى (في) دون لفظها، فإن نطق به فحينئذٍ نقول: خرج عن كونه ظرف زمان.
بِاطِّرَادٍ عرفنا ماذا أراد به، باطراد ما أعرابه؟ ضمِّن معنى (في)، ثم هذا -مضمن معنى (في) - قد يكون في كل تركيب، وقد لا يكون، إذاً متعلق بقوله: ضُمِّنَا، ضمِّن باطراد معنى (في)، فإن ضمن معنى (في) لا باطراد كـ: سكنت الدار، وسكنت الشام نقول: هذا ليس بظرف زمان، وليس بظرف مكان، إذاً المراد هنا بِاطِّرَادٍ متعلق بقوله: ضُمِّنَا، كأنه قال: ضمِّنا باطراد معنى (في) احترازاً مما ضمن معنى في لا باطراد، وهو ما ذكرنا فيه المذاهب الثلاثة.
كَهُنَا امْكُثْ أَزْمُنَا، امْكُثْ هُنَا، ما إعراب هُنَا؟ ما نوعه؟ هو يريد أن يمثل إلى أي شيء؟ وَبِهُنَا أوْ هاهُنَا أشِرْ، هُنَا قلنا: اسم موضع، إشارة إلى موضع مكان، إذاً اسم مكان، ضمن معنى (في)، يعني (في) هنا، لا تصرح فيها (في هنا)، وإنما يلاحظ فيها معنى الظرفية، فحينئذٍ نقول: هُنَا منصوب على الظرفية المكانية؛ لأنه اسم مكان ثم ضمن معنى (في) وبِاطِّرَادٍ، وجد فيه الحد بكامله.
أَزْمُنَا: أزمناً جمع زمان، والزمان هذا اسم زمان، ولكنه هنا ظرف زمان؛ لأنه اسم زمان ضمن معنى (في) باطراد، مع كل فعل.
امْكُثْ في أزمن، فالزمان باعتبار تعدده هنا يكون محلاً للمُكث، كما أن المكان الموضع يكون محلاً للمُكث، فالمُكث الذي هو فعل الفاعل يكون المكان له وعاء، هنا في هذا الموضع، كذلك الزمان يكون له وعاء.
اَلظَّرْفُ وقتٌ أَوْ مَكَانٌ ضُمِّنَا ... فِي بِاطِّرَادٍ كَهُنَا امْكُثْ أَزْمُنَا
هُنَا: هذا اسم مكان، وأَزْمُنَا: اسم زمان انتصبا على الظرفية الزمانية والظرفية المكانية.
قال الشارح: عرَّف المصنف الظرف بأنه زمان أو مكان ضمن معنى (في) باطراد، نحو امكث هنا أزمنا، فـ هُنَا ظرف مكان، وأَزْمُنَا ظرف زمان، وكل منهما تضمن معنى (في)، لأن المعنى امكث في هذا الموضع، وفي أزمن، وإذا قيل: تضمن معنى (في) سبق معنا هناك:
كالشَّبَهِ الْوَضْعِيِّ فِي اسْمَيْ جِئْتَنَا ... والمَعْنَوِيِّ في مَتَى وَفِي هُنَا
قلنا: الشبه المعنوي أن يتضمن الاسم معنى حرف، فكان موجباً للبناء، وهنا إذا قلت: هُنَا امْكُثْ أَزْمُنَا تضمن معنى (في) وهو حرف، اسم تضمن معنى حرف، فالأصل فيه أن يكون مبنياً، هل هذا إلزام أما لا؟ إذا قلنا: ضمن معنى (في)، إذاً اسم تضمن معنى الحرف، ومتى الاستفهامية اسم تضمن معنى همزة الاستفهام، ومتى الشرطية اسم تضمن معنى إن الشرطية، وهَلُمَّ جَرًّا، وهنا اسم تضمن معنى (في) الظرفية، وأَزْمُنَا اسم تضمن معنى (في) الظرفية، الجواب: أنَّ تضمن معنى الحرف إنما يكون موجباً للبناء في البناء اللازم، وهذا سبق معنا أن ثَمَّ فرقاً بين اللازم والعارض، العارض كالمبني (يا زيد) نقول: زيد هذا ليس مبنياً في الأصل، وإنما دخلت عليه ياء فبني، إذاً صار منادى، هذا عارض، كذلك سيأتينا في باب الإضافة، أنه قد تبنى بعض الألفاظ باعتبار المضاف إليه فاكتسب البناء منها، مثل حين، سيأتي معنا.
стр. 1089
ما كان البناء فيه عارضاً، إذا ضمن معنى الحرف لا يكون موجباً للبناء، وإنما تضمينه معنى الحرف يكون موجباً ومقتضياً للبناء إذا كان البناء فيه لازماً، ولذلك العلل الأربعة السابقة قلنا تلك يُعَلَّل بها المبني اللازم واجب البناء، مطرد في كل لفظ، وأما هنا لا، ليس مطرداً، نحن نقول: أزمن زمان، زمان هذا في كل تركيب يكون زمان مضمن معنى (في)؟ لا، ألا تقول: هذا زمن مبارك، زمن صار خبراً، صمت يوماً، يوماً قلنا: هذا يخرج عن الظرفية، يكون مبتدأ إلى آخره إذا كان مبتدأ هل هو مضمن معنى الحرف؟ ليس مضمناً معنى الحرف، إذاً ما كان بناؤه لازماً وضمن معنى الحرف، صار تضمينُ الحرف له هو علة البناء، وما كان مضمناً لمعنى الحرف في وقت دون وقت، حينئذٍ لا نقول: هذا موجب للبناء، لا، فلا يعارض بين هذا وبين ما سبق، ما كان مضمناً معنى الحرف موجباً للبناء هو البناء اللازم، وأما ما كان مضمناً معنى الحرف في وقت دون وقت كظرف الزمان واسم الزمان، نقول: هذا ليس موجباً للبناء.
لأن المعنى امكث في هذا الموضع في أزمن، نقول: لا يقتضي البناء، إذ المراد أن يكون الحرف منظوراً إليه، لكن الأصل في الوضع ظهوره، هذا تعليل الأشموني، واحترز بقوله: ضمن معنى (في) مما لم يتضمن من أسماء الزمان أو المكان معنى (في)، كما إذا جعل اسم الزمان أو المكان مبتدأً أو خبراً نحو: يوم الجمعة يوم مبارك، يوم مبتدأ، ويوم الثاني خبر، ويوم عرفة يوم مبارك، والدار لزيد، فإنه لا يسمى ظرفاً والحالة هذه، ((وَاتَّقُوا ؤ تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)) [البقرة:٢٨١] يَوْمًا، كذلك ((اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)) [الأنعام:١٢٤] حَيْثُ، فإنهما ليس على معنى (في) وانتصابهما على المفعول به، وناصب حَيْثُ يعلم محذوفاً، لأن اسم التفضيل لا ينصب –بالإجماع-، قيل بالإجماع ونوزع فيه، وبمعنى في دون لفظها نحو: سرت في يوم الجمعة، وكذلك ما وقع منهما مجروراً: سرت في يوم الجمعة، وجلست في الدار إذا نطق بها، خرج عن كونه ظرفاً على الصحيح، على أن في هذا ونحوه خلافاً في تسميته ظرفاً في الاصطلاح، والصواب أن الظرف يكون منصوباً، عند، قبل، تحت .. إلى آخره، وإذا خرج عن النصب خرج عن الظرفية، وإذا صرح بـ (في) حينئذٍ صار اسماً مجروراً، تقول: في حرف جر ويوم اسم مجرور بـ (في) والجار والمجرور متعلق بكذا، تعربه كـ لزيدٍ، للدار، ولا تقول: هذا ظرف، وكذلك ما نصب منهما مفعولاً به: بنيت الدار، وشهدت يوم الجمل، وهذا لا يسمى ظرفاً، كذلك لو كان على معنى (في) ولم يكن ما بعده اسم زمان ولا اسم مكان، ((وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ)) [النساء:١٢٧] (في)، إذا كان على معنى (في) يعني: في نكاحهن، النكاح ليس اسم زمان ولا اسم مكان، واحترز بقوله: بِاطِّرَادٍ ما ذكرناه سابقاً بأنه يتعدى إليه سائر الأفعال مع بقاء تضمنه لذلك الحرف.
стр. 1090
وبعدما شرح كلام الناظم قال: هذا تقرير كلام المصنف وفيه نظر؛ لأنه إذا جُعلت هذه الثلاثة ونحوها منصوبة على التشبيه بالمفعول به لم تكن متضمنة معنى (في)؛ لأن المفعول به غير متضمن معنى (في)، وكذلك ما شُبِّه به، فلا يحتاج إلى قوله: بِاطِّرَادٍ ليخرجها، فإنها خرجت بقوله: ما ضمن معنى (في). هذا الاعتراض أجبنا عنه بما سبق، أن المراد بإسقاط حرف الجر ثم صار الحكم لفظياً لا معنوياً، فاحتجنا إلى الاحتراز فقلنا: بِاطِّرَادٍ، هذا على مذهب الناظم؛ لأنه أعرب (دخلت الدار) مشبه بالمفعول به، حينئذٍ صار الحكم لفظياً؛ لأنه أُسقط الحرف وبقي الأصل على ما هو عليه:
الظَّرْفُ وَقْتٌ أَوْ مَكَانٌ ضُمِّنَا ... فِي بِاطِّرَادٍ كَهُنَا امْكُثْ أَزْمُنَا
فَانْصِبْهُ بِالْوَاقِعِ فِيهِ مُظْهَرَا ... كَانَ وَإِلاَّ فَانْوِهِ مُقَدَّرَا
فَانْصِبْهُ وجوباً، إذاً يجب نصبه، ولذلك عده من المنصوبات، ما الناصب له؟ قال الناظم: بِالْوَاقِعِ فِيهِ، وما الواقع فيه؟ هو الحدث. إذاً مفهومه أنه لا ينصب إلا بالمصدر، والفعل لا يكون ناصباً له، والوصف لا يكون ناصباً له، هكذا اعتُرض على الناظم؛ لأنه قال: فَانْصِبْهُ بِالْوَاقِعِ فِيهِ، ما هو الذي وقع فيه؟ المصدر، إذا قلت: صمت يوم الخميس، يوم الخميس هذا ظرف زمان، ما الذي وقع فيه؟ الصوم.
إذاً انصبه بالصوم، والصوم مصدر، هذا ظاهر العبارة، فاعتُرض عليه بأن الفعل يكون ناصباً، والوصف يكون ناصباً، كما أنه يُنصب بالمصدر، والجواب عن هذا أن يقال: إذا قيل: فَانْصِبْهُ بِالْوَاقِعِ فِيهِ، يعني بالحدث، وهذا لا يلزم منه أن يكون اللفظ دالاً على الحدث بالمطابقة فحسب، بل ما دل على الحدث بالمطابقة وهو المصدر أو بدلالة التضمن وهو الفعل والوصف.
إذاً أراد شيئاً مدلولاً عليه بدلالتين: دلالة المطابقة، وهو الصوم مثلاً، ودلالة التضمن وهو الفعل والوصف. إذاً الجواب سهل.
فَانْصِبْهُ: الضمير في قوله: فَانْصِبْهُ للظرف، وهو اسم الزمان أو المكان، وفِيهِ - بِالْوَاقِعِ فِيهِ- لمدلوله وهو نفس الزمان أو المكان، وأراد بِالْوَاقِعِ فِيهِ: دليله، من فعل وشبهه؛ لأن الواقع هو نفس الحدث، وليس هو الناصب، أراد التأويل؛ لأن كلامه: فَانْصِبْهُ يعود الضمير هنا على الظرف وهو اسم الزمان والمكان، بِالْوَاقِعِ فِيهِ، فِيهِ هذا راجع لمدلوله، وهو نفس الزمان أو المكان، وأراد بِالْوَاقِعِ فِيهِ - فَانْصِبْهُ بِالْوَاقِعِ فِيهِ- دليله من فعل وشبهه؛ لأن الواقع هو نفس الحدث، وليس هو الناصب، فحينئذٍ نقول: ينصب بما وقع فيه مدلوله، ما هو مدلول الفعل؟ الحدث، ما هو مدلول المصدر؟ الحدث، ما هو مدلول الوصف؟ الحدث، إذاً ينصب بماذا؟ بما وقع فيه -في اسم الزمان أو المكان- مدلوله، وهذا يشمل الفعل وشبهه.
الحاصل أن عبارته فيها نوع ركاكة من جهة الشمول، الفعل والمصدر والوصف معًا، وظاهره أنها خاصة بالمصدر، فأرادوا التأويل.
стр. 1091
فَانْصِبْهُ بِالْوَاقِعِ فِيهِ من فعل وشبهه، مُظْهَرَا كان الواقع فيه، وَإِلاَّ فَانْوِهِ مُقَدَّرَا يعني: يُنصب الظرف بعامل، وهذا العامل قد يكون فعلاً وقد يكون مصدراً وقد يكون وصفاً، ستأتي الأمثلة، ثم قد تكون هذه العوامل مذكورة، وقد تكون محذوفة، ثم إذا كانت محذوفة، إما محذوفة على وجه الجواز، وإما محذوفة على وجه الوجوب، هذه أقسام ثلاثة: مذكور، محذوف جوازاً، محذوف وجوباً.
حكم ما تضمن معنى في من أسماء الزمان والمكان النصب، والناصب له ما وقع فيه وهو المصدر، -هذه ظاهرة عبارة المصنف-، ما وقع فيه وهو المصدر، نحو عجبت من ضربك زيداً يوم الجمعة عند الأمير، عجبتُ: فعل وفاعل، من ضربك: من حرف جر، وضربك: هذا مصدر مضاف إلى الفاعل، ضربك، زيداً: مفعول به لضرب وهو مصدر، يوم الجمعة: يعني في يوم الجمعة منصوب على الظرفية، والعامل فيه المصدر ضربك، ضرب هو العامل في يوم الجمعة على أنه ظرف زمان، عند الأمير منصوب على الظرفية، والعامل فيه المصدر.
أو الفعل: ضربت زيداً يوم المجمعة عند الأمير، ضربت زيداً يوم المجمعة .. في يوم الجمعة، إذاً هو ظرف زمان، والناصب له الفعل ضربت، كذلك عند .. عند الأمير: هذا ظرف مكان، والناصب فيه الفعل.
أو الوصف أنا ضارب زيداً اليوم عندك، اليوم هذا ظرف زمان منصوب بضارب وهو وصف، كذلك عندك ظرف مكان منصوب بالوصف وهو ضارب.
إذاً عمل في الظرف بنوعيه المصدر والفعل والوصف، والناظم خصص الكلام بالمصدر، نقول: مراده مدلول المصدر وهو الحدث، وهذا الحدث يدل عليه المصدر بالمطابقة، والفعل والوصف بدلالة التضمن، فلا اعتراض على الناظم.
وظاهر كلام المصنف أنه لا ينصبه إلا الواقع فيه فقط، وهو المصدر، وليس كذلك، -هذا اعتراض-، وليس كذلك؛ لأن العبارة ظاهرها أنه لا ينصبه إلا المصدر، لكن مادام أمكن تأويله تأويلاً سائغاً حينئذٍ لا يُعترض عليه، بل ينصبه وهو وغيره كالفعل والوصف، والناصب له إما مذكور كما مُثِّل أو محذوف جوازاً، مثلاً يقال: متى جئت؟ يومَ الجمعة، كم سرت؟ فرسخين، وهذا العامل فيه محذوف، فهو جواز، يصح أن تذكره ويصح أن تحذفه.
أو وجوباً، وهذا يكون في ست مسائل، يحذف عامل الظرف بنوعيه وجوباً في ست مواضع:
إذا كان صلة، أو نعتاً، أو حالاً، أو خبراً، سواء كان خبراً في الحال، أو في الأصل، هذه أربعة، الخامس: أن يكون مشغولاً عنه، السادس: ما سُمع في لسان العرب في الأمثال ونحوها، هذه ست مواضع يجب فيها حذف عامل الظرف بنوعيه.
أولاً: صفة، إذا وقع الظرف صفة، مررت برجل عندك، عند بالنصب، ما العامل فيه؟ محذوف، مررت برجل استقرَّ عندك، أو مُستقرٍّ عندك، بالجر -تقدره بالجر-، تقول: برجلٍ، إذا قدرته اسماً تعربه على حسب ما قبله؛ لأنه صفة تقول: برجلٍ مستقرٍّ أو برجلٍ كائنٍ بالجر، عندك، فعند هذا منصوب بالعامل المحذوف سواء كان فعلاً أو اسماً، واجب الحذف، لا يجوز ذكره، كذلك إذا وقع صلة، جاء الذي عندك، جاء الذي، الذي فاعل، وعند صلة الموصول، ما هي؟ أين هي؟ نقول: الظرف هنا:
وَجُمْلَةٌ أَوْ شِبْهُهَا الَّذِى وُصِلْ بِهِ
стр. 1092
نقول: هذا صلة الموصول، لكنه متعلق بمحذوف تقديره: استقر، واجب أن يكون فعلاً، ولا يجوز مستقر أو كائن؛ لأن صلة الموصول لا تكون إلا فعلاً.
إذاً: جاء الذي عندك، نقول: واجب الحذف، أو حالاً، مررت بزيدٍ عندك، زيدٍ كائناً -بالنصب- عندك أو استقر عندك، وعامله حينئذٍ يكون محذوفاً وجوباً.
أو خبراً في الحال، أو في الأصل، نقول: زيد عندك، زيد مبتدأ، وعندك خبر، وهو ظرف متعلق بمحذوف واجب الحذف:
وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أوْ بِحَرْفِ جَرْ ... نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أوِ اسْتََقَرْ
كما سبق.
وظننت زيداً عندك، عندك هذا مفعول ثاني يجوز أن تقدره فعلاً أو اسماً، ظننت زيداً استقر عندك، ظننت زيداً مستقراً عندك، مستقراً بالنصب تقدره، لا تقدره مستقرٌ، بعض الطلاب يجعلها: كائنٌ أو استقر، كل ما جاء تقدير يقول: كائن، كائن، سواء كان السابق مجرور أو منصوب، لا، تعربه على حسب ما قبله، هذه أربعة أحوال.
أن يكون مشغولاً عنه يوم الخميس صمت فيه:
إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ سَابِقٍ فِعْلاً شَغَلْ ... عَنْهُ بِنَصْبِ لَفْظِهِ أَوِ الْمحَلّ
صمت فيه عمل في ضمير يعود على الاسم المتقدم، يوم الخميس أين العامل؟ صمت يوم الخميس صمت فيه.
السادس: مسموعاً بالحذف، يعني سمع اللفظ هكذا محذوفاً، نحو قولهم: حينئذٍ الآن، الآن هذا ظرف، منصوب على الظرفية أين عامله؟ محذوف وجوباً، لماذا؟ لأنه هكذا سمع، إذا سمع من الأمثال يبقى كما هو، أي كان ذلك حينئذٍ واسمع الآن.
إذاً قوله: فَانْصِبْهُ بِالْوَاقِعِ فِيهِ، يعني: من فعل وشبهه ومصدرٍ، فيشمل الثلاثة.
مُظْهَرَاً كان الواقع فيه، وَإِلاَّ يعني: وإن لم يكن ظاهراً بل كان محذوفاً من اللفظ جوازاً أو وجوباً، فَانْوِهِ مُقَدَّرَا، فَانْوِهِ يعني: اعتقد أنه مقدر، مقدراً هذا حال من الضمير في: فَانْوِهِ، فَانْوِهِ يعني: العامل، مُقَدَّرَاً حال كونه مقدراً.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1093
عناصر الدرس
* أقسام الظرف من حيث الإبهام وا لتخصيص وحكم كل
* أقسام الظرف من حيث التصرف وعدمه
* ماينوب عن الظرف.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
ما زال الحديث في باب المفعول فيه وهو المسمى ظرفاً، عرفه الناظم بقوله:
اَلظَّرْفُ وقتٌ أَوْ مَكَانٌ ضُمِّنَا ... فِي بِاطِّرَادٍ كَهُنَا امْكُثْ أَزْمُنَا
قلنا: الظرف هو اسم زمان -اسم وقت-، أو مكان، وهذا يشمل الظرف وغير الظرف، فحينئذٍ احتجنا إلى إخراج غير الظرف، قال: ضُمِّنَا معنى في، ثم قال: بِاطِّرَادٍ مراده الاحتراز من المكان المختص المنصوب بدخل ونحوه، وهذا بناءً على إعرابه عنده هو -رحمه الله تعالى- فإنه يرى أنه مفعول به بعد إسقاط الخافض، على وجه التوسع والمجاز، حينئذٍ بناءً على هذا هو اشترط بِاطِّرَادٍ من أجل إخراج ما ذُكِر، فحينئذٍ يحتاج إلى قيد الاطراد، فإن نصبه على التوسع والمجاز حكم اللفظ، فلا يخرجه ذلك عن معنى في، وهذا هو الذي اعتبر الناظم إلى قيد الاطراد، كَهُنَا امْكُثْ أَزْمُنَا.
ثم بيَّن العامل فيه، فقال: فَانْصِبْهُ بِالْوَاقِعِ فِيهِ، من فعل أو شبهه، مُظْهَرَاً كَانَ ذلك الواقع، وَإِلاَّ فَانْوِهِ مُقَدَّرَا، بمعنى أنه قد يكون ناصبه اللفظ الدال على المعنى الواقع فيه، فقد يكون فعلاً، وقد يكون اسم فعل، وقد يكون مصدراً، قد يكون وصفاً .. إلى آخره.
ثم له ثلاث حالات: أن يكون مذكوراً كالأمثلة السابقة، أن يكون محذوفاً جوازاً، كما إذا وقع في جواب سؤال، بمعنى أنه إذا دل عليه دليل، والثالث أن يكون محذوفاً وجوباً، وهذا في ست مسائل ذكرناها سابقاً.
ثم قال ﵀:
وَكُلُّ وَقْتٍ قَابِلٌ ذَاكَ وَمَا ... يَقْبَلُهُ الْمَكَانُ إِلاَّ مُبْهَمَا
نَحْوُ الجِهَاتِِ وَالمَقَادِيرِ وَمَا ... صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ كَمَرْمَى مِنْ رَمَى
وَكُلُّ وَقْتٍ قَابِلٌ ذَاكَ: الوقت -اسم الزمان- ينقسم إلى مبهم ومختص، واسم المكان كذلك ينقسم إلى مبهم ومختص، كُلُّ وَقْتٍ سواء كان اسم رمان أو اسم مكان، المختص من اسم الزمان ما دل على مُقدَّر معلوم، يعني ما دل على مقدار من الزمن معلوم، له أول وله آخر، هذا نسميه مختصاً، وإذا لم يدل على زمن معين حينئذٍ نسميه مبهماً، مثل: حين ووقت وساعة ولحظة وزمن، نقول: هذه ألفاظ هي اسم زمان، لكنها ليست مختصة، لأنها لا تدل على وقت له أول وآخر، زمن، لو قال: سرت زمناً، ما هو هذا الزمن متى يبتديء؟ ومتى ينتهي؟ من أي يوم؟ من أي شهر؟ نقول: هذا غير معلوم. سرت لحظة، سرت وقتاً .. ساعة .. -ليس الساعة المعهودة-، ساعة، حينئذٍ نقول: هذا مبهم؛ لأنه لا يدل على وقت معين.
стр. 1094
وأما المختص فهو ما دل على مُقدَّر معلوماً كان، وهو المعرَّف بالعلمية: صمت رمضان، رمضان نقول: هذا اسم زمان مختص لماذا؟ لأنه علم على الشهر المعلوم، واعتكفت يوم الجمعة، هذا علم عند بعضهم؛ لأن الجمعة المضاف إليه علم على اليوم المعلوم، فصار من باب إضافة المسمى إلى الاسم، يوم اسمه الجمعة، اليوم هو المسمى، والاسم هو الجمعة، يكون من باب إضافة المسمى إلى الاسم، أو بـ (أل) كان معرفاً أو مختصاً بـ (أل)، نحو سرت اليوم، وأقمت العام، سرت اليوم هذا إذا كان بينك وبين المخاطب عهد فينصرف إليه وإلا يحمل على اليوم الحاضر، كذلك أقمت العام في مكة، يعني مثلاً هذا العام، أو بالإضافة جئت زمن الشتاء، وبعضهم يمثل: صمت يوم الخميس، على أنه مضاف ومضاف إليه فتخصص بالإضافة، أو غير معلوم وهو النكرة نحو صمت يوماً أو يومين أو أسبوعاً أو وقتاً طويلاً، نقول: هذا غير معلوم، لكنه فيه نوع اختصاص لما ذكر معه، إذا قال: صمت يوماً، اليوم له أول وآخر، صمتُ معلوم الصوم يقع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، إذاً له أول وله آخر، هذا اختصاص، بخلاف زمن ولحظة وساعة ليس لها أول ولا آخر، لكن يوم له أول وآخر، فمن حيث الابتداء والانتهاء فهو مختص، وبعضهم عدَّه في المبهم؛ لأنه إذا قال: صمت يوماً، أيُّ يومٍ هذا؟ يوم السبت أو يوم الأحد، مبهم، فيه إبهام، وبعضهم راعى عدم التعيين من حيث اليوم فأعده في المبهم، وهذا الظاهر أنه أولى، وبعضهم راعى أنه مبتدأ له أول وله أخر فعده في المختص.
كذلك أسبوعاً هذا مبتديء من يوم الجمعة إلى يوم الخميس، هذا هو الأسبوع الشرعي، وأما من السبت إلى الجمعة هذا اصطلاحي، يبتديء من يوم الجمعة، أول يوم في الأسبوع هو يوم الجمعة، وينتهي بالخميس، فحينئذٍ نقول: إذا قال: صمت أسبوعاً، عرفنا أوله وآخره، لكن أي أسبوع هذا؟ من أي شهر؟ هذا فيه نوع إبهام.
إذاً له ملحظ من جهة الاختصاص من حيث له ابتداء وانتهاء، وله ملحظ من جهة الإبهام في عدم تعيين هذا الأسبوع أي أسبوع هو؟
وكذلك سرت وقتاً طويلاً حصل اختصاص بماذا؟ سرت يوماً طويلاً، بالنعت بالصفة، إذاً هو في نفسه نكرة غير معلوم، لكن حصل له نوع اختصاص بالوصف، هذا ما يتعلق بالمختص، اسم زمان مختص، قد يكون بـ (أل)، قد يكون بالعلمية، قد يكون بالصفة .. بالوصف يعني، قد يكون بالإضافة، هذه أربعة أشياء تفيد الاختصاص.
إن لم يكن كذلك بأن لا يدل على شيء معين ليس له أول ولا آخر اعتبرناه مبهماً، وقيل: المختص من ظرف الزمان ما يقع جواب متى، متى جئت؟ يوم الخميس، مختص، متى تسافر؟ شهر محرم، وهكذا، ما وقع في جواب متى فهو مختص، وما كـ: يوم الخميس، والمعدود، يقع في جواب كم، كم سرت؟ سرت يومين، هذا معدود، والمبهم ما لا يقع في جواب متى ولا كم، وهذا رأي ابن هشام في قطر الندى؛ قسَّم اسم الزمان إلى ثلاثة: مختص ومعدود ومبهم، والصواب إدخال المعدود في المختص؛ سرت يوماً أو يومين أو أسبوعاً أو وقتاً طويلاً، هذا معدود بالجملة وهو مختص، هذا الظاهر، ولو قسَّم هذا التقسيم الثلاثي أيضاً لا بأس.
стр. 1095
قال: وَكُلُّ وَقْتٍ قَابِلٌ ذَاكَ، الوقت بنوعيه، اسم الزمان بنوعيه المختص والمبهم، قَابِلٌ ذَاكَ، الذي هو النصب على الظرفية. إذاً كل اسم زمان يصح أن ينصب على الظرفية بشرطه السابق، إذا ضمن معنى: فِي بِاطِّرَادٍ، إذا ضمن معنى: فِي بِاطِّرَادٍ صح نصبه ولا ينظر إلى التفصيل بين كونه مختصاً أو مبهماً.
يعني اسم الزمان يقبل النصب على الظرفية، مبهماً كان نحو سرت لحظة، نقول: لحظة هذا ظرف زمان، ما نوعه مختص أو مبهم؟ مبهم، هل ضمن معنى فِي بِاطِّرَادٍ؟ نعم، ضمن معنى فِي بِاطِّرَادٍ، سرت ساعة كذلك مِثلُهُ، أو مختصاً إما بإضافة نحو سرت يوم الجمعة، اعتبره مضافاً، وبعضهم اعتبره علماً، أو بوصف سرت يوماً طويلاً، أو بعدد سرت يومين، أدخل العدد في المختص وهو أظهر.
وَمَا يَقْبَلُهُ الْمَكَانُ إلا مُبْهَمَا: اسم المكان كذلك نوعان: مختص ومبهم، قال: وَمَا يَقْبَلُهُ يعني النصب على الظرفية، الْمَكَانُ يعني اسم المكان، إِلاَّ مُبْهَمَا لا مختصاً، والمراد بالمختص هنا ما له صورة وحدود محصورة، أرض لها حدود لها أول وآخر، الدار المسجد البلد المدينة، نقول: هذه مختصة لها أول ولها آخر له أقطار وحدود.
إذاً ما كان له أقطار وحدود محصورة، نقول: هذا اسم مكان مختص كالمسجد والبلد والدار ونحو ذلك، والمبهم ما ليس كذلك ما ليس له أقطار محصورة، مثل أرض، الأرض هذه تصدق على الأرض كلها، ليس لها حدود، وقيل: هو ما افتقر إلى غيره في بيان صورة مسماة، وهذا سيأتي في الجهات والمقادير، أنه لا يبين المراد إلا بالتمييز أو ما بعدها، حينئذٍ هو مفتقر في بيان صورته وحقيقته ومسماه بما بعده.
إذاً ما كان مختصاً لا يصح نصبه على الظرفية، إذا كان اسم مكان مختص لا يصح نصبه على الظرفية، فإن جاء في لسان العرب ما هو منصوب وهو اسم مكان مختص، قلنا: هذا الذي ذكرناه سابقاً: سكنت الشام، الشام هذا محدود، دخلت البلد، نقول: هذا محدود، نقول: هذا يحفظ ولا يقاس عليه، هو شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، ولذلك الناظم بقوله: بِاطِّرَادٍ أخرجه، ولا نقول: هو منصوب على الظرفية، وإنما نقول: هو منصوب على التشبيه بالمفعول به، أو أصله مفعول به دخل عليه حرف جر فأُسقِط فانتصب على المفعولية، يعني مفعول به، إما هذا أو ذاك، وأما كونه ظرفاً، وحُمِل على الظرف المبهم، هذا فيه نوع تكلف، وإلا الأصل أن اسم المكان المختص لا ينتصب على الظرفية مطلقاً.
قال: وَمَا هذه نافية، وَكُلُّ وَقْتٍ قَابِلٌ ذَاكَ، وَكُلُّ هذا مبتدأ، وَقْتٍ هذا مضاف إليه، قَابِلٌ هذا خبر المبتدأ، كُلُّ وَقْتٍ قَابِلٌ، والفاعل ضمير مستتر هو، (ذَاكَ)، المشار إليه النصب على الظرفية؛ لأنه قال: فَانْصِبْهُ بِالْوَاقِعِ فِيهِ، فأعاد الضمير على ما سبق، على اسم الإشارة (ذاك)، و (ذَاكَ) مثل الضمير لا بد له من مرجع، والمرجع المراد به النصب على الظرفية المفهوم من قوله: فَانْصِبْهُ بِالْوَاقِعِ فِيهِ.
стр. 1096
ثم قال: وَمَا يَقْبَلُهُ، (مَا) نافية، يَقْبَلُهُ الضمير يعود إلى النصب على الظرفية، الْمَكَانُ فاعل يقبل، إلا مُبْهَمَاً استثناء، وهذا حصر، يعني إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، فلما كان اسم المكان على نوعين: مبهم ومختص، والذي يقبل النصب على الظرفية هو المبهم دون المختص حصره فيه، ونفاه عن المختص، فقال: وَمَا نافية، يَقْبَلُهُ الْمَكَانُ إلا مُبْهَمَا، هذا حال من الفاعل وهو الْمَكَانُ، إِلاَّ مُبْهَمَاً يعني: لا يقبل النصب على الظرفية المكان في حال من الأحوال إلا في حال كونه مبهماً.
نَحْوُ الجِهَاتِِ وَالمَقَادِيرِ وَمَا ... صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ، الظاهر أن الناظم مثَّل للمبهم بثلاثة أشياء: أولاً الجِهَاتِِ، والثانيالمَقَادِيرِعلى قولٍ، الظاهر أنها عنده من المبهم، وَمَا صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ هذا إما أن يكون معطوفاً على الجِهَاتِِ، فحينئذٍ يكون داخلاً في المبهم، وإما أن يكون معطوفاً على (مُبْهَمًا)، فحينئذٍ صار المستثنى مما ينصب على الظرفية وهو مكان شيئان: أن يكون مبهماً، ويقابله قسم آخر وهو ما صيغ من الفعل، هذا محتمل، هذا وذاك، لكن إذا نظرنا في: مَا صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ هذا قد يكون مختصاً، جلست مجلس زيد، وجلست مجلساً، فحينئذٍ قد يكون مختصاً وقد يكون مبهماً، وإن كان الأكثر فيه الإبهام.
نَحْوُ الجِهَاتِِ: هذا مثال للمبهم، وهو ما ليس له أقطار تحويه، نحو الجهات الست، وكل لفظ دل على الجهات الست فهو داخل فيها، ليس المراد ألفاظاً ستة، لا، المراد كل ما دل على الجهات نحو أمام ووراء ويمين وشمال وفوق وتحت، وما أشبهها في الشياع كمكان وجانب، هذه كلها تدل على الجهات، ((وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)) [يوسف:٧٦] فَوْقَ، نقول: هذه منصوب على الظرفية، وهو من الجهات الست، ((وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)) [يوسف:٧٦]، ((قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)) [مريم:٢٤] تَحْتَكِ، نقول: هذا منصوب على الظرفية المكانية، ((وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ)) [الأنفال:٤٢] هذا منصوب على الظرفية المكانية، ((وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ)) [الكهف:٧٩] وَرَاءَهُمْ بالنصب على الظرفية المكانية، ((وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ)) فقال: ((ذَاتَ الْيَمِينِ)) ثم قال: ((تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ)) [الكهف:١٧]، فحينئذٍ هذه الجهات الست نقول: من قبيل المبهم.
وَالمَقَادِيرِ: يعني ونحو المقادير، وهذا من المبهمات على رأي أحد المذاهب.
стр. 1097
جَعْلُ المقادير من المبهم أحد مذاهب النحاة، وهذا ظاهر صنيع الناظم هنا، أنه مبهم، والثاني أنها من المختص؛ لأن فيها نوع علم نوع تحديد؛ لأن الميل مثلاً مقدار معلوم من المسافة وكذا البواقي، وقيل: غلوة، كيلو، متر، ونحو ذلك هذه معلومة لها أول ولها آخر، حينئذٍ هي معلومة المقدار، لكنها مجهولة الصفة، معلومة المقدار، الميل كم يسوى؟ الكيلو كم مقداره؟ نقول: هذه معلومة المقدار، لكن كيلو من أي شيء؟ من الأرض، من السمن، من العسل، من أي شيء، نقول: هذا مجهول الصفة، أما مقداره؛ الكيلو معلوم، وأما الصفة فهي مجهولة. إذاً تنازعه أمران، فقيل: أنه من المختص باعتبار أن له أول وآخر، له حدود، فحينئذٍ نقول: هذا شيء معلوم، لو قال: عندي كيلو، نقول: هذا معلوم المقدار، لكن كيلو من أي شيء، ما صفته؟ حصل نوع جهل.
إذاً المذهب الثاني: الناظم اختار أنه من المبهم مطلقاً، لم يعتبر معلومية المقدار، وإنما نظر إلى الصفة، والمذهب الثاني أنها من المختص؛ لأن الميل مثلاً مقدار معلوم من المسافة، وكذا البواقي.
والمذهب الثالث وصححه أبو حيان: أنها شبيهة بالمبهم من حيث إنها ليست شيئاً معيناً في الواقع، فإن الميل مثلاً يختلف ابتداؤه وانتهاؤه وجهته بالاعتبار، فهي مبهمة حكماً، يعني لو قيل: ميل، من أي شيء؟ له أول وآخر من حيث هو، لكن من أين ابتدأت الميل، من أي أرض، من أي بقعة، أين انتهاؤه؟ أين جهته؟ هذه مجهولة، حينئذٍ هو في نفسه مختص معلوم، ومن حيث الصفة هو مجهول، فأعطاه حكم المبهم، فقال: المبهم نوعان: مبهم حقيقة، ومبهم حكماً، المبهم حقيقة هو الجهات، والمبهم حكماً هو المقادير، هذا وسط، ويحتمل أن المصنف جرى على هذا وأراد بالمبهم ما يشمل المبهم حكماً.
نَحْوُ الجِهَاتِِ وَالمَقَادِيرِ: نحو غلوة وميل وفرسخ وبريد، نقول: جلست فوق الدار وسرت غلوة، فتنصبهم على الظرفية.
وَمَا صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ: هذا الثالث، وكما ذكرنا إما أنه داخل تحت المبهم، فيكون معطوفاً على قوله: الجِهَاتِِ، وإما أن يكون مبايناً –قسيماً- له، فحينئذٍ يكون معطوفاً على مُبْهَمًا، يحتمل هذا ويحتمل ذاك، معطوف على الجهات فيكون من المبهم، وقيل: من المختص، وعليه فيكون وَمَا صِيغَ معطوفاً على مُبْهَماً، والتقدير: إلا في حال كونه مبهماً أو مصوغاً من الفعل، جعلنا المستثنى شيئين، إذا جعلناه معطوفاً على مُبْهَمًا، وَمَا يَقْبَلُهُ الْمَكَانُ إلا مُبْهَمَا، وَمَا صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ، قسمان، وإذا جعلناه معطوفاً على الجِهَاتِِ، نَحْوُ الجِهَاتِِ وَالمَقَادِيرِ وَمَا، يكون معطوفاً على الجِهَاتِِ، فهو في محل جر، ما موصولة في محل جر، فحينئذٍ استثنى فقط المبهم، فنحكم على ما صيغ من الفعل، أنه مبهم مطلقاً بلا تفصيل، والأظهر أنه معطوف على (مُبْهَمًا).
وأما ما صيغ من المصدر نحو مجلس، مجلس زيدٍ ومقعده، فهذا مما توافق فيه المصدر والعامل، يعني: ما كان على وزن مَفعَل أم مَفعِل، كما سيأتي.
стр. 1098
(وَمَا) يعني والذي، صِيغَ يعني أُخذ، اشتُق، مِنَ الْفِعْلِ، مِنَ الْفِعْلِ، هل الفعل أصل في الاشتقاق؟ مَا صِيغَ يعني: ما اشتق من الفعل، هل ظاهر العبارة مراد مَا صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ يعني ما اشتق؟ نقول: قام صيغ من القيام، وأكل صيغ من الأكل، يعني: أخذ من المصدر، وهذا الذي ذهب إليه الناظم: وَكَوْنُهُ أَصْلاً لِهذَيْنِ انْتُخِبْ. إذا عُلِم ذلك فحينئذٍ إذا جاءت مثل هذه العبارات، لا نقول: وظاهر كلام الناظم أن ما صيغ من الفعل مشتق من الفعل، لا، وإنما نقدر له مضافاً يناسب مذهبه، مَا صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ من مادة الفعل، ومادة الفعل تدل على المصدر كما سبق، فلا بد من التقدير، ما صيغ من مادة الفعل العامل فيه كمرمى من مادة رمى، مرمى ليس مشتقاً من رمى؛ لأن رمى فعل، ومرمى اسم مكان، فحينئذٍ لا يشتق من الفعل، وإنما يشتق من المصدر، فإذا كان كذلك فلا بد من التأويل، ولا نقول: ظاهره أنه مشتق من الفعل، وهو خلاف الصواب، بل نقول: ظاهر كلام الناظم يوافق ما اختاره سابقاً: وَكَوْنُهُ أَصْلاً لِهذَيْنِ انْتُخِبْ، والأحكام تؤخذ من مظانها، هذه قاعدة حتى في الشرع، إذا اشتبه أمر، حكم بحكم، وعندنا ما فصَّل الحكم في محله، فحينئذٍ إذا التبس واحتمل يكون ما سيق لبيان الأحكام الشرعية في محله في مظانه مقدماً على غيره، إذا جاء حكم شرعي حديث كامل يتحدث عن بيع العينة مثلاً، وجاء حديث آخر في فضائل أو في أحكام أخرى، وفيه إشارة محتملة إلى ما يخالف الآخر، لا نقول: هذا يعارض ذاك، بل نقول: ذاك مقدم، الخالص الذي سيق في محله مقدم على ما هو محتمل، وهذا له أمثلة كثيرة.
إذاً: وَمَا صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ يعني من مادة الفعل، كَمَرْمَى مِنْ رَمَى، يعني: من مادة رمى، ومرمى هذا اسم مكان على وزن مَفعَل، وَمَا صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ كَمَرْمَى مِنْ رَمَى، قال: وأما ما صيغ من المصدر نحو مجلس زيد ومقعده، فشرط نصبه قياساً أن يكون عامله من لفظه، لا بد أن يتفقا:
وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيسَاً أَنْ يَقَعْ ... ظَرْفاً لِمَا فِي أَصْلِهِ مَعَهْ اجْتَمَعْ
стр. 1099
يعني: لا بد أن يكون العامل فيه ما اجتمع معه في الاشتقاق، جلست مجلس زيد، جلست ومجلس اتفقا في الحروف، أما جلست مقعد زيد لا، لا يصح، لماذا؟ لعدم التوافق في المادة، لا بد أن يكون العامل المسلط على ما صيغ من الفعل، ما كان على وزن مفعَل، لا بد أن يكون العامل فيه من لفظه، جلست مجلس زيدٍ، صحيح، وهو منصوب وهو قياسي، جلست مقعد زيد، لا، نقول: هذا لا يصح، لا يصح نصبه على الظرفية، لماذا؟ لفقد الشرط وهو كونه لم يجتمع مع العامل فيه في أصله، يعني في المادة التي اشتق منها، وشرط نصبه قال: قياساً أن يكون عامله من لفظه، نحو قعدت مقعد زيد، وجلست مجلس عمرو، فلو كان وأنا جالس مجلس زيد، جالس مجلس، وافقه وهو نوعه اسم فاعل، جالس مجلس زيد، قاعد مقعد زيد، وهَلُمَّ جرًّا، وأعجبني جلوسك مجلس زيد، قعودك مقعد زيد، العامل فيه المصدر، قد يكون العامل فيه الموافق له في حروفه مادته، قد يكون فعلاً وقد يكون اسم فاعل وصفاً، وقد يكون مصدراً، قعدت مقعد زيد وجلست مجلس عمرو، فلو كان عامله من غير لفظه تعين جره بـ (في)، جلست في مرمى زيد، ولا يصح أن تقول: جلست مرمى زيد، لا يصح هذا، لا يوافق اللسان العربي، وإنما تقول: جلست في مجلس زيد، جلست في مقعد زيدٍ، ليس في مجلس زيد، إذا اختلفا في المادة حينئذٍ وجب جره بـ (في)، فلا تقول: جلست مرمى زيد إلا شذوذاً، وقد ورد ذلك في قولهم: هُوَ مِنِّى مَقْعَدَ القَابِلَةِ، مقعدَ بالنصب أين عامله؟ ومَزْجَرَ الكَلْبِ ومَنَاطَ الثّرَيَّا، أي: كائن مقعد القابلة، إذاً كائن هو العامل، ومقعد هنا منصوب على الظرفية نقول: شذوذاً، لماذا؟ لفقد شرط القياس، فإنما يصح القياس فيما إذا اتفقا العامل والمعمول في الحروف، فإن اختلفا ونصب على الظرفية نقول: هذا شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه، إن أردت استعماله ابتداءً فجُره بـ (في)، من أجل أن توافق ما جرى، وفي مَزْجَرَ الكَلْبِ، أي كائن مقعد القابلة ومزجر الكلب ومناط الثريا، هذا كله متعلق بمحذوف ليس من لفظ المذكور، فحينئذٍ نقول: نصبه على ذلك يعتبر شاذاً يحفظ ولا يقاس عليه، والقياس هو مني في مقعد القابلة، وفي مزجر الكلب وفي مناط الثريا، يعني بالتصريح بـ (في)، ولكن نُصب شذوذاً، وعامله الاستقرار وليس مما اجتمع معه في أصله، ولا يقاس عليه خلافاً للكسائي.
وإلى هذا أشار بقوله:
وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيسَاً أَنْ يَقَعْ ... ظَرْفاً لِمَا فِي أَصْلِهِ مَعَهْ اجْتَمَعْ
شَرْطُ: لا بد من تحققه، ما يلزم من وجوده الوجود، ولا يلزم من عدمه عدم.
وَشَرْطُ: هذا مبتدأ وهو مضاف وكَوْنِ مضاف إليه، ذَا: هذا اسم الكون، مَقِيسَاً خبر الكون، وَشَرْطُ مبتدأ أن يقع وقوعه ظَرْفاً نقول: أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر المبتدأ، وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا المشار إليه المصوغ من مادة الفعل مَرْمَى، شَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيسَاً، والقياس معناه أن يكون مطرداً، أن تستعمله في كلامك المنثور دون أن تقف على ما سمع في لسان العرب، وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيسَاً، مَقِيسَاً يقاس عليه:
إِنَّمَا النَّحْوُ قِيَاسٌ يُتَّبَعْ ... وَبِهِ فِي كُلِّ عِلْمٍ يُنتَفَعْ
стр. 1100
وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيسَاً، هذا قلنا: خبر، أَنْ يَقَعْ ظَرْفاً هذا حال من فاعل يقع، لِمَا متعلق بِهِ، يعني لفعل، لِمَا اسم موصول بمعنى الذي يصدق على فعل، لِمَا لفعلٍ اجْتَمَعْ معه في أصله، ما المراد بالأصل؟ فِي أَصْلِهِ المراد به الحروف الأصلية، التي تكون قدراً مشتركاً بين المصدر والفعل، وسبق معنا أن الفعل يدل على المصدر بمادته، يعني: بحروفه، الفعل يدل على الفعل بمادته يعني بحروفه، إذا قلت: قام مشتق من القيام هكذا من رأسك أم بدليل؟ الأول أم الثاني؟ الثاني لا شك بدليل، ما الدليل؟ نقول: اجتماعه معه مع المصدر القيام؛ لأن القيام هذا محفوظ في لسان العرب، القيام والصوم والأكل والمشي والنوم والشرب، هذه محفوظة مصادر، حينئذٍ كون شرب مشتقاً من الشرب نقول: هذا دل عليه المادة وهي الحروف، هنا قال: ظَرْفاً لِمَا اجْتَمَعْ، هذه صلة ما، لِمَا اجْتَمَعْ مَعَهْ هذا متعلق بـ اجتمع، فِي أَصْلِهِ يعني في الحروف الأصلية، أي لما اجتمع معه في أصل مادته، هذا التركيب، لما يعني الذي، اجتمع معه في أصل مادته، أي: وشرط كون نصب ما اشتق من المصدر مقيساً أن يقع ظرفاً لما اجتمع معه في أصله، أي: أن ينتصب بما يجامعه في الاشتقاق من أصل واحد، كمجامعة جلست بمجلس في الاشتقاق من الجلوس، وأصلهما واحد وهو الجلوس.
قال ابن عقيل: وظاهر كلام المصنف أن المقادير وما صيغ من الفعل مبهمان، نحو الجهات متفق عليه، لذلك قال: نَحْوُ الجِهَاتِِ وَالمَقَادِيرِ وَمَا صِيغَ، الجهات لا إشكال فيها، وأما المقادير وما صيغ من الفعل قال: ظاهر كلام الناظم أنه مبهمان، أما المقادير فمذهب الجمهور أنها من الظروف المبهمة، وافق الجمهور؛ لأنها وإن كانت معلومة المقدار فهي مجهولة الصفة.
إذاً لم يلتفتوا إلى كونها معلومة المقدار، وإنما نظروا إلى كونها مجهولة الصفات، حينئذٍ جعلوها مبهمة حقيقة، ورأي أبي حيان هناك وجيه، أن تجعل مبهمة حكماً، بمعنى أنه لا يتجاهل كونها مختصة من حيث المقدار، لأنها معلومة، الميل معلوم والفرسخ معلوم والبريد معلوم ولها أول ولها آخر، وهذا حقيقة المختص، فحينئذٍ نقول: كونها مجهولة الصفة لا يخرجها عن كونها مختصة، وكونها مختصة لا يجعلها مختصة مع جهلنا بالصفة، فنعطيها حكماً وسطاً وهي كونها مبهمة حكماً، وذهب أبو علي الشلوبين إلى أنها ليست من الظروف المبهمة؛ لأنها معلومة المقدار كما سبق أنه هو المذهب الثاني.
وأما ما صيغ من المصدر فهذا قد يكون مبهماً وقد يكون مختصاً، إذا أضفته حصل له اختصاص جلست مجلس زيدٍ، هذا واضح أنه مختص، كما تقول: هناك يوم الخميس جعلته مختصاً بالإضافة، هذا مثله، زيد هذا علم، ومجلس هذه نكرة، استفاد التعريف، إذاً هو مختص، وهذا حقيقة المختص، جلست مجلساً هذا مبهم؛ لأنه لم يضف، وظاهر كلامه أيضاً أن مرمى مشتق من رمى، وليس هذا على مذهب البصريين، كيف ليس هذا؟! هو قرر في السابق هذا،
стр. 1101
قال: وَكَوْنُهُ أَصْلاً لِهذَيْنِ انْتُخِبْ، صرح به، وهذا محتمل، فكيف نقول: هذا ليس على مذهب البصريين؟ فإن مذهبهم أنه مشتق من المصدر لا من الفعل، الصواب أن كلامه فيه احتمال نعم لكن مُفسَّر بما سبق، يعني: الاحتمال الوارد بقوله: وَمَا صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ لا نجعله مخالفاً لما ذهب أولاً، بل ما ذهب إليه أولاً هو المحكم، وهذا متشابه، فنحمل المتشابه على المحكم، فنقدر له مضاف هنا من مادة الفعل.
إذا تقرر أن المكان المختص وهو ما له أقطار تحويه لا ينتصب ظرفاً فاعلم أنه سُمِعَ نصب كل مكان مختص مع دخل وسكن، مع فعلين: دخل وسكن، ونصب الشام مع ذهب، دخلت البيت وسكنت الدار وذهبت الشام، واختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب ذكرناها في السابق، وزاد بعضهم مذهباً رابعاً، الصواب منها أنها منصوبة على المفعول كما قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-: مفعول به بنزع الخافض، ولا إشكال فيه.
إذاً وَكُلُّ وَقْتٍ قَابِلٌ ذَاكَ، يعني: ينصب على الظرفية، اسم الزمان بنوعيه المختص والمبهم، وَمَا يَقْبَلُهُ الْمَكَانُ إلا مُبْهَمَا وما صيغ من الفعل فهو شيئان، والجهات والمقادير، نقول: الجهات هذا مبهم حقيقةً، والمقادير هذا مبهم حكماً، وَمَا صِيغَ مِنَ الْفِعْلِ نقول: هذا قد يكون مبهماً وقد يكون مختصاً، وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مقِيساً أن يكون موافقاً للعامل فيه.
بقي مسألة وهي متى نقول: مَفعَل -يعني اسم الزمان واسم المكان-؟ هذه مبحثها في فن الصرف، لكن نذكرها باختصار تتميماً للباب، اسم الزمان والمكان من الثلاثي على وزن مَفعَل، وقد يأتي على وزن مَفعِل، متى يكون على وزن مَفعَل بفتح الميم وإسكان الفاء وفتح العين مَفعَل، إن كان المضارع مضموم العين أو مفتوحها، متى يكون مضموم العين؟ إذا كان ماضيه فَعَل أو فَعِل؛ لأن فَعَل يأتي منه المضارع على ثلاثة أنواع: فَعَل يَفعَل، وفَعَل يَفعِل وفَعَل يَفعُل، وفَعِل يأتي منه المضارع على اثنين فَعَل يَفعِل، هذا على خلاف القياس وفَعِل يَفعَل بالفتح، ولم يرد فَعِل يَفعُل، وفَضِل يَفضُل شاذ، أو من تداخل اللغتين، وفَعُل لم يسمع فيه إلا يَفعُل، فَعُل يَفعُل، ولم يسمع فيه فَعُل يَفعِل، ولا فَعُل يَفعَل، وما سمع من ذلك فهو شاذ، رحبتك الدار.
إذاً نقول: إن كان المضارع مضموم العين، وهذا فيما إذا كان ماضيه فعُل أو فعَل، هل مضموم العين يأتي من فَعِل؟ مضموم العين يَفعُل ليس له إلا ماضيان،: فعَل وفعُل فقط، ليس له إلا ماضيان، ولذلك قد يستدل بالمضارع على الماضي كما ذكرناه في كان، قلنا: كان هذا محتمل أنه كَوَن، كَوِن كَوُن، يحتمل؛ لأن الألف هذه منقلبة عن واو، طيب كيف نستدل كيف نصحح كيف نعرف؟ ننظر في المضارع، فحينئذٍ المضارع يَكُونُ أصله يَكْوُنُ: يفعُل، إذاً يفعُل ليس من باب فَعِل، إذاً يمتنع أن يكون كان كَوِن، سقط، بقي كَوَن أو كَوُن، فَعَل يَفعُل هذا يكون في اللازم الذي يدل على السجايا والأفعال الطبيعية الخلقية، وليس كان منها، بل قيل: أنها لا تدل على حدث أصلاً، إذاً سقط فعُل كوُن، بقي بقي كوَن، فنستدل بالمضارع على حركة عين الماضي.
стр. 1102
الحاصل: إن كان المضارع مضموم العين أو مفتوحها أو معتل اللام مطلقاً، سواء كان مضمومها أو مفتوحها أو مكسورها، كمنصَر، منصَر أصله نَصَر يَنصُر، إذاً مضموم العين ينصر يفعُل وماضيه فعَل، حينئذٍ يأتي منه اسم المكان واسم الزمان على وزن مفعَل، كمنصَر، مذهب: ذهب يذهب على وزن يفعَل، إذاً هو مفتوح العين، كذلك: مرمى رمى يرمي، هذا من معتل اللام مطلقاً، ولو كان مكسور العين يَرمِيُ يَفعِلُ، هذا الأصل فيه، فحينئذٍ نقول: جاء منه اسم الزمان واسم المكان على وزن مفعَل، بفتح العين، وموقى، وقى يقي، مثل وعد يعِد، حينئذٍ نقول: هذا جاء على وزن مفعَل، ومسعى سعَى يسعَى، ومقام قام يقوم، ومخاف خاف يخاف، ومرضى، إذا قيل: خاف أصله مَخْوَف، صار على وزن مخاف، أصله مَخْوَف، أُرِيدَ قلب (الواو) (ألفاً)، فحصل فيه ما حصل في يقال هنا، فحينئذٍ ألقيت الحركة إلى ما قبلها، وقيل: تحركت باعتبار الآن، وسكن ما قبلها باعتبار الأصل، يعني بالنظرين، فقلبت (الواو) (ألفا).
وعلى مفعِل .. إذاً على مفعَل إذا كان مضموم العين في المضارع أو مفتوح أو معتل اللام مطلقاً، سواء كان مضمومها أو مفتوحها أو مكسورها، وأما على وزن مفعِل، إن كانت عين مضارعه مكسورة، أو مثالاً مطلقاً، في غير معتل اللام؛ لأن معتل اللام السابق قلنا: يأتي منه على وزن مفعَل، كمجلِس جلس يجلس، يجلس على وزن يَفعِل، حينئذٍ يأتي اسم الزمان والمكان منه مجلس، ومبيع وموعد وميسر وموجب، ومن غير الثلاثي يكون وزنه وزن المفعول مكرم ومستخرج ومستعان.
ثم قال:
وَمَا يُرَى ظَرْفَاً وَغَيْرَ ظَرْفِ ... فَذَاكَ ذُو تَصَرُّفٍ فِي الْعُرْفِ
وَغَيْرُ ذِي التَّصَرُّفِ الَّذِي لَزِمْ ... ظَرْفِيَّةً أَوْ شِبْهَهَا مِنَ الْكَلِْمِ
هذا سبق معنا أن الظرف ينقسم إلى نوعين: متصرف وغير متصرف، المتصرف هو الذي يخرج عن الظرفية، بمعنى أنه قد يأتي مبتدأ، قد يأتي فاعلاً، قد يأتي نائب فاعل، اسم إن، خبر إن .. إلى آخره، يأتي في جميع المواضع، أو في جملتها، نقول: هذا ظرف متصرف، صمت يوماً، هذا ظرف، نجد أن يوماً هذا يأتي مبتدأ ويأتي خبر ويأتي مفعول به، حينئذٍ نقول: هذا متصرف، والذي يلزم الظرفية ولا يخرج عنها البتة، مثل: إذا وقط وعَوضُ، هذه أبداً لا تجر لا بمن ولا بغيرها، ولا تقع لا مبتدأ ولا خبراً ولا ولا .. إلى آخره، جميع المحال منفية عنها، فحينئذٍ نقول: هذا ملازم للظرفية.
بقي نوع وهو ما يخرج عن الظرفية إلى شيء واحد وهو الجر، ثم الجر ليس بكل حرف بل بحرف واحدٍ وهو مِن، وهو قبل وبعد ولدن وعند، هذه تخرج عن الظرفية، فحينئذٍ تجر بـ (من)، من قبل، من بعد، حينئذٍ دخلت عليها من، من لدن، من عند:
وَعِندَ فِيهَا النَّصْبُ يَستَمِرُّ ... لَكِنَّهَا بِمِنْ فَقَطْ تُجَرُّ
هذا يعبر عنه بأنه متصرف أو غير متصرف؟ إن جعلنا القسمة ثنائية قلنا: غير متصرف، ونجعل غير متصرف منه ما هو خارج عن الظرفية إلى الجر بمن فقط، وإن جعلناها ثلاثة أقسام: متصرف، ملازم للظرفية لا يخرج عنها أصلاً، ما هو شبيه بالظرف، يعني ما هو ملازم للظرفية أو شبهها.
وَمَا يُرَى ظَرْفاً وَغَيْرَ ظَرْفِ ... فَذَاكَ ذُو تَصَرُّفٍ فِي الْعُرْفِ
стр. 1103
وهذا تعريف واضح بين، ابن مالك في بعض الأبيات قراءتها شرحها، فحينئذٍ نمرها.
وَمَا يُرَى: والذي هذا مبتدأ، يُرَى مغير الصيغة، ظَرْفاً مفعول ثاني لـ يُرَى، يُرَى ظَرْفاً وَغَيْرَ ظَرْفِ، فَذَاكَ (الفاء) هذه ما نوعها؟ هذه مراراً وقفنا معها، المبتدأ إذا كان صيغة عموم أو فيه معنى العموم، حسُن أن يدخل في المبتدأ الفاء تشبيهاً له بالشرط، الذي يأتيني فله درهم، (الفاء) هذه رابطة، رابطة للخبر بالمبتدأ، لما في المبتدأ من معنى عموم، إما أن يكون لفظه لفظ عموم ككل والذي، وإما أن يكون فيه معنى العموم، وهنا (مَا) اسم موصول بمعنى الذي، فهي من صيغ العموم، لاشك، حينئذٍ وقوع (الفاء) في جوابها، استحساناً، جوازاً لا وجوباً، وأما وقوعها في الشرط على التفصيل فهذا واجب.
وَمَا يُرَى ظَرْفاً: ظَرْفاً هذا مفعول ثاني، وَغَيْرَ ظَرْفِ، مَا يُرَى ظَرْفاً وما يرى من أسماء الزمان والمكان ظرفاً تارة وغير ظرف أخرى، هكذا حل البيت، وما يرى من أسماء الزمان والمكان ظرفاً تارة وغير ظرف أخرى؛ لأنه لا يرى ظرفاً وغير ظرف في وقت واحد، (الواو) تدل على مطلق الجمع، فلو كنا ظاهرية وقفنا مع النص، لقلنا: وما يرى ظرفاً وغير ظرف في وقت واحد، نقول: لا، ليس هذا المراد، بل لا بد من فك الجهتين؛ لأنه يمتنع أن يكون ظرفاً وغير ظرف في وقت واحد، كيف يكون ظرفاً على معنى فِي بِاطِّرَادٍ ثم لا يكون ظرفاً لا على معنى في؟ تناقض، فلا بد من فك الجهة.
وَمَا يُرَى ظَرْفاً تارة وَغَيْرَ ظَرْفٍ أخرى، فَذَاكَ الفاء رابطة للخبر بالمبتدأ، فَذَاكَ أي الذي يكون ظرفاً وغير ظرف بالاعتبار السابق مبتدأ ثاني، ذُو يعني صاحب، تَصَرُّفٍ هذا خبر المبتدأ الثاني، والجملة المبتدأ والخبر في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وهو (مَا).
فِي الْعُرْفِ ما أعرابه؟ تصرف في العرف متعلق به، إذا أشكل عليك انظر في ما يتمم المعنى، لو قيل: فَذَاكَ ذُو تَصَرُّفٍ فِي الْعُرْفِ، فذاك في العرف ذو تصرف، فَذَاكَ ذُو تَصَرُّفٍ فِي الْعُرْفِ، يحتمل هذا وذاك؛ لأن اسم الإشارة يكون متعلقاً للجار والمجرور والظرف، وتصرف هذا تفعل مصدر، وهو كذلك يكون متعلقاً للجار والمجرور، هذا جائز وهذا جائز، لكن تعليقه بالتصرف هو أولى.
فِي الْعُرْفِ، يعني: عرف النحاة كيوم ومكان، يوم هذا نقول: متصرف، ومكان هذا كذلك نقول: متصرف، تقول: سرت يوماً، وجلست مكاناً، هذا منصوب على الظرفية الزمانية والمكانية، ويستعمل مبتدأ، يومُ الجمعة يومٌ مبارك، ومكانُك حسنٌ، رفع بالابتداء، إذاً صار مبتدأً، وجاء فاعلاً، جاء يومُ الجمعة، وارتفع مكانُك، إذاً تبدل باعتبار المحال، فلما خرج عن الظرفية إلى الابتداء والفاعل .. إلى آخره، حينئذٍ حكمنا عليه بأنه متصرف.
стр. 1104
وَغَيْرُ ذِي التَّصَرُّفِ الَّذِي لَزِمْ ظَرْفِيَّةً، وَغَيْرُ ذِي صاحب التَّصَرُّفِ منهما -أسماء الزمان والمكان- الَّذِي لَزِمْ ظَرْفِيَّةً، كقط وعوض، أَوْ للتنويع والتقسيم، شِبْهَهَا أو لزم ظرفية أو شبهها، لو عطفناه على ظرفية شبهَها بالنصب، لو قلنا: (أو) حرف عطف، وشبهَها معطوف على ظرفية فسد المعنى، لأن (أو) هنا للتقسيم، فالثاني يقابل الأول، طيب كيف يكون المعنى؟ الذي لزم ظرفية، ثم الذي لزم شبه الظرفية، ولم يكن ظرفاً، هل هذا مراد؟ عند تكون ظرفية، وتكون شبه ظرف، متصرفة، وشبه المتصرفة، لو قلنا: (أو) شبهها هكذا دون تقدير لصار القسمة ثنائية: ظرفية ثم شبه الظرفية، إذاً عند ولدن وقبل وبعد لا تكون إلا شبه ظرف، وليس هذا مراد؛ لأنها تكون ظرفية، إذا لم تجر بمن، وتكون شبيهاً بالظرف إذا جرت بمن، هذا المراد. إذاً أَوْ شِبْهَهَا نقول: هذا معطوف على منصوب محذوف مع عامله، أو لزم ظرفية أو شبهها، معطوف على محذوف تقديره: أو لزم ظرفية أو شبهها، وهو عند ونحوه، فإنه يلزم أحد هذين الأمرين، إما هذا أو ذاك، ولا يجوز أن يكون معطوفاً على ظرفية المنصوبة المنطوق بها، إذ يلزم عليه أنه يلزم شبه الظرفية فقط، وهذا معنى فاسد، انظر الإعراب له أثر في المعنى، لو قلت: ظرفية أو شبهها أو حرف عطف شبهها معطوف على ظرفية، والمعطوف على المنصوب منصوب، فسد المعنى، ولذلك الصناعة النحوية مرتبطة بالمعنى، ولن تجيد إذا أردت المعاني في فن النحو إلا بدراسة البلاغة معه، متلازمان، يعني: لن تفهم حقيقة الفهم وتخرج عن الظاهرية في الإعراب، لن تكون كذلك إلا إذا درست علم المعاني على جهة التفصيل.
وَغَيْرُ ذِي التَّصَرُّفِ الَّذِي لَزِمْ ظَرْفِيَّةً، هذا النوع الأول، يعني: لا يخرج عن النصب على الظرفية البتة، لا يدخل عليه مِن ولا غيرها، لا يكون مبتدأ ولا فاعل ولا خبر ولا ولا .. إلى آخره، جميع المحال التي يكون فيها المتصرف قط وعوض وإذا، لا تكون كذلك.
أو لَزِمْ ظَرْفِيَّةً أَوْ شِبْهَهَا، وهو ما خرج عن الظرفية إلى شيء واحد وهو الجر بـ (من)، لأن الجر هذا تصرف، نوع تصرف، ثم الأصل فيه أنه يجر بكل حرف، لكن لما جر بـ (مِن) على جهة الخصوص، قلنا: هذا نوع قصور، فلم يتصرف كامل التصرف، لا في الجر، في الخروج إليه، ولا في كونه يقع مبتدأ وما ذكر.
ظَرْفِيَّةً أَوْ شِبْهَهَا مِنَ الْكَلْمِ: هذا متعلق بشبهها، ويكون الكلم واقع على (مِن)، ويجوز أن يتعلق بالظرفية، فيكون الكلم واقع على الظرف، يعني التي تستعمل أو شبهها.
غير المتصرف هو الملازم للظرفية، إذا جعلناهما قسمين وهو أولى: متصرف وغير متصرف، غير متصرف هو الملازم للظرفية، وهو على نوعين: ما لا يخرج عنها أصلاً كـ قط وعوض، تقول: ما فعلته قط، ولا أفعله عوض، قط لما مضى، وعوض للمستقبل، ولها شروط، وما يخرج عنها إلى شبهها وهو الجر بالحرف (مِن) خاصة، نحو قبل وبعد ولدن وعند، فهي غير متصرفة مع أن (مِن) تدخل عليهن، ثم الظرف المتصرف، منه المنصرف ومنه غير المنصرف، والظرف غير المتصرف منه المنصرف وغير المنصرف.
стр. 1105
إذاً كل منهما يدخله الصرف وعدمه، يعني: ينون يأتيه التنوين، ينون وقد لا ينون، والأكثر فيهما -في النوعين- أن يكونا منصرفين.
ثم الظرف المتصرف، منه منصرف كيوم وشهر وحول، ومنه غير منصرف وهو غدوة وبكرة علمين لهذين الوقتين قصد بها التعيين أو لم يقصد، ولا ثالث لهما، قليل متصرف غير المنصرف لم يحفظ إلا غدوة وبكرة، ولا ثالث لهما، قاله في شرح التسهيل: وزِيدَ ضحوة فإنها لا تنصرف للعلمية والتأنيث.
والظرف غير المنصرف، منه منصرف وغير منصرف، فالمنصرف نحو سحر وليل ونهار وعشاء وعتمة ومساء وعشية، غير مقصود بها كلها التعيين، وغير منصرف نحو سحر مقصوداً به التعيين، ومن العرب من لا يصرف عشيةً في التعيين.
إذاً الحاصل أن المنصرف المتصرف وغير المتصرف كل منهما ينقسم إلى منصرف، يعني: يدخله التنوين، وقد لا يدخله التنوين، والمطرد أن يكون منصرفاً إلا في ألفاظ محفوظة.
قال في الشرح: والذي لزم الظرفية أو شبهها: عند ولدن، والمراد بشبه الظرفية أنه لا يخرج عن الظرفية إلا باستعماله مجروراً بـ (مِن) خاصة دون غيرها، نحو خرجت من عند زيد:
وَعِندَ فِيهَا النَّصْبُ يَستَمِرُّ ... لَكِنَّهَا بِمِنْ فَقَطْ تُجَرُّ
ولا تجر (عند) إلا بـ (مِن) فلا يقال: خرجت إلى عنده، وقول العامة: خرجت إلى عنده، خطأ، العامة كاسمهم.
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْ مَكَانٍ مَصْدَرُ ... وَذَاكَ فِي ظَرْفِ الزَّمَانِ يَكْثُرُ
عرفنا اسم الزمان واسم المكان، ظرف الزمان وظرف المكان، قَدْ يَنُوبُ عنهما مصدر، قَدْ يَنُوبُ عنهما في ماذا؟ في النصب على الظرفية، كما نيب هناك في باب المفعول المطلق، قد ينوب المصدر هناك، وافْرَحْ الجَدَلِ على رأي ابن مالك، ناب المصدر مناب المفعول المطلق، فهو مصدر، وافْرَحْ الجَدَلِ، قعدت جلوساً، جلست قعوداً، هذا عند ابن مالك ﵀ من باب النيابة، هنا قَدْ يَنُوبُ المصدر عن ظرف الزمان، وقد ينوب عن ظرف المكان إلا أنهما ليسا على مستوى واحد، بل بعضها مقيس، وبعضها سماعي، وَقَدْ يَنُوبُ عَنْ مَكَانٍ يعني عن ظرف مكان لا بد من التقدير، ليس عن لفظ مكان، وإنما عن ظرف مكان، مَصْدَرُ، قَدْ يَنُوبُ: قَدْ للتقليل، قد ينوب مصدر عن ظرف مكان، فينتصب بانتصابه على الظرفية، فنقول: هذا مصدر ناب مناب الظرف -ظرف المكان-، حينئذٍ نقول: هو منصوب على الظرفية: جلست قرب زيدٍ، أصل التركيب: جلست مكانَ قربِ زيدٍ، حذف مكان وهو المضاف، مكان منصوب على الظرفية، جلست مكانَ منصوب على الظرفية؛ لأنه بمعنى في، جلست في مكان، حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فانتصب انتصابه، فحينئذٍ نقول: جلست قرب زيد، قرب نقول: منصوب على الظرفية المكانية، أصالة أو بالنيابة؟ بالنيابة، أي: مكانَ قربِ زيد، فحذف المضاف وهو مكان، وأقيم المضاف إليه مقامه، فأعرب إعرابه وهو النصب على الظرفية، ولا ينقاس ذلك لقلته.
إذاً هو سماعي، في باب ظرف المكان سماعي لا يقاس عليه، فتقول: جلست قرب زيد لا إشكال؛ لأنه سمع، فتلفظ بما نقل، وما لم ينقل حينئذٍ تتركه:
.............................. ... فَمَا أُبِيحَ افْعَلْ وَدَعْ مَا لَمْ يُبَحْ
стр. 1106
فلا تقل: آتيك جلوس زيد، يعني مكان جلوس زيد، لماذا؟ لأنه لم يسمع، لم تنطق العرب بقولهم: آتيك جلوس زيد.
وَذَاكَ فِي ظَرْفِ الزَّمَانِ يَكْثُرُ: وَذَاكَ ما هو؟ ينوب مصدر عن ظرف الزمان، إنابة المصدر عن ظرف الزمان يكثر في لسان العرب، وإذا كثر الشيء صار مقيساً، إذاً يقاس عليه، بخلاف إنابة المصدر عن ظرف المكان، فحينئذٍ يكون سماعياً.
وَذَاكَ يَكْثُرُ: وَذَاكَ مبتدأ، يَكْثُرُ خبر، فِي ظَرْفِ الزَّمَانِ يحتمل، ذَاكَ أي المشار، هذا فيه معنى الفعل دون حروفه، ويتعلق به جار ومجرور، ذَاكَ فِي ظَرْفِ الزَّمَانِ، يكثر في ظرف الزمان، يحتمل هذا وذاك، لكن أيهما أليق بالمعنى؟ يكثر في ظرف الزمان، الذي هو إنابة المصدر عن ظرف الزمان كثير.
وَقَدْ يَنُوبُ عَنْ مَكَانٍ مَصْدَرُ، قلنا: قد للتقليل، ثم قال: وَذَاكَ فِي ظَرْفِ الزَّمَانِ يَكْثُرُ دل على أن قَدْ قطعاً محمولة على التقليل، فحينئذٍ نفسر المعنى -معنى قد- وهي حرف مشترك نفسره بالتقليل، ويكثر إقامة المصدر مقام ظرف الزمان، نحو: آتيك طلوع الشمس وقدوم الحاج وخروج زيد، أيضاً على حذف مضاف، والأصل: وقت طلوع الشمس ووقت قدوم الحاج، ووقت خروج زيد، وحذف المضاف، وأعرب المضاف إليه بإعرابه، وهو مقيس في كل مصدر، لكن شرطه إفهام تعيين وقت أو مقدار، ليس على إطلاقه، لابد أن يكون المعنى واضحاً، يعني: أن يفهم، إذا قلت: آتيك طلوع الشمس، لا بد أن يفهم تعيين وقت أو مقدار، نحو: كان ذلك خَفوق النجم، أي: غروب الثريا، وطلوع الشمس، وانتظرته نحر جزور، يعني: وقت أو مقدار، وحلب ناقة، أي: مقدار حلب ناقة، والأصل وقت خَفوق النجم، ووقت طلوع الشمس ومقدار، -مقدار انظر-، لم نقل: وقت، وإنما قلنا: مقدار نحر جزور، ومقدار حلب ناقة، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهنا ذكر المصدر مما ينوب عن اسم الزمان واسم المكان، وليس خاصاً بالمصدر، بل ينوب عنه أيضاً صفته وعدده وكليته أو جزئيته، جلست طويلاً من الدهر شرقي مكان، ما نوعه؟ أين الإنابة هنا؟ أين حصلت؟ في أي لفظ؟ جلست طويلاً من الدهر شرقي مكان، هذا مما ناب فيه الصفة عن الظرف، وسرت عشرين يوماً، عشرين نقول: هذا ناب العدد فيه عن ظرف الزمان، سرت عشرين بريداً، مشيت جميع اليوم، جميع هذا ناب عن الزمان، مشيت جميع البريد، مكان، كل اليوم، بعض اليوم، كل البريد، بعض البريد، نقول: هذا مما ينوب، لكن القاعدة أنه ينوب عنه صفته وعدده وكليته أو جزئيته، كل، لفظ كل يعني وبعض، وكما سبق أنه إذا أضيف إلى المصدر صار معناه مصدراً، وإذا أضيف إلى اسم الزمان كل يوم كل مكان صار ظرف زمان أو ظرف مكان، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1107
عناصر الدرس
* شرح الترجمة (المفعول معه) وحده
* حكمه والعامل فيه
* أحوال الإسم الواقع بعد واو المعية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم -رحمه الله تعالى-: المَفْعُوُلُ مَعَهُ، يعني الذي فُعِلَ معه الفعل.
مَعَهُ: هذا كما ذكرنا في السابق أنَّ الضمير، إما أنه يعود إلى (أل) -وهذا هو الصحيح- قبل جعله علماً فيعود إلى (أل)؛ لأنها موصولة، ومن نفى أنها موصولة حينئذٍ أرجعه إلى موصوف محذوف -الشيء الذي-، الشيء المفعول معه الفعل، والصواب هو ما ذكرناه، وهذا قبل جعله علماً.
أخَّر هذا الباب، وهو الباب الأخير من المفاعيل؛ لأن العامل هنا في المفعول معه لا يصل إليه إلا بواسطة، بواسطة (الواو)، لذا قال: يُنْصَبُ تَالِي الوَاوِ، فإذا حذفت (الواو) حينئذٍ خرج عن كونه مفعولاً معه، فصار إما مفعولاً به .. الخ، ولابد من ذكر (الواو) ولا يجوز حذفها، فحينئذٍ دل على أن (الواو) معتبرة في النصب، ولذلك جعله متأخراً.
وهذا الباب الصواب أنه قياسي، بمعنى أنه يحفظ ما نقل عن لسان العرب ويستنبط منه الأحكام، فيقاس عليه، هذا هو الصحيح.
ومذهب أبي الحسن الأخفش أنه سماعي، بمعنى أنه ليس قياسياً، بمعنى أنه يحفظ ما ورد في لسان العرب ولا يقاس عليه، كيف وهو موجود في القرآن؟
الصواب أنه قياسي، وقيل المفعول معه مفعول به -كما سبق-، مفعول به لفعل محذوف، أي سِرْتُ وَلاَبَسْتُ النِّيلَ، سِرْتُ والنِّيلَ، قال: النيل هذا مفعول به والعامل فيه محذوف، سِرْتُ وَلاَبَسْتُ النِّيلَ، حينئذٍ كل ما جاء منصوباً بعد (الواو) لابد من التقدير، وهذا فيه تكلف.
المَفْعُوُلُ مَعَهُ: حقيقته هو اسم فظلة بعد (واو) أريد بها التنصيص على المعية، مسبوقة بفعل، أو ما فيه حروفه ومعناه، هذا حقيقة المفعول معه تجمع الشروط التي ذكرها النحاة، اسم فظلة بعد (واو) أريد بها التنصيص على المعية مسبوقةٍ -هذا بيان شرطه- بفعل، أو ما فيه حروفه ومعناه.
اشترطنا الاسم، إذاً كل ما كان مفعولاً معه، فهو اسم من غير عكس، لماذا؟ ما القاعدة هنا؟
الاسم جنس، والعلاقة بين الجنس في الحد والمحدود العموم والخصوص المطلق -في كل حد-، يوجد في أي فن العلاقة بين الجنس المأخوذ جنساً في حد المذكور يكون بينه وبين المحدود العموم الخصوص المطلق.
إذاً كل ما كان مفعولاً معه فهو اسم، فخرج بالاسم الحرف، وخرج به الفعل وخرج به الجملة، فلا يكون شيء من ذلك مفعولاً معه، والحرف واضح؛ لأن الكلام هنا فيما له معنى والحرف ليس له معنى.
وخرج به الفعل المنصوب بعد (الواو) في نحو: (لاَ تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ اللَّبَنَ)، لاَ تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبَ، بالنصب على أن (الواو) (واو) المعية، والفعل منصوب بعدها بأن مضمرة وجوباً بعد (الواو)، و (الواو) هنا على معنى الجمع لاَ تَأْكُلِ السَّمَكَ مع شرب اللبن، حينئذٍ نقول: وَتَشْرَبَ هذا وقع بعد (واو) الجمع هل نعربه مفعولاً معه؟
الجواب لا، لماذا؟
لأن المفعول معه لا يكون إلا اسماً وهذا فعل إذاً الفعل المنصوب بعد (واو) المعية ليس مفعولاً معه وإن دل على معنى الجمع.
стр. 1108
كذلك خرج بالاسم الجملة الحالية: (جَاءَ زَيْدٌ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ) أي مع طلوع الشمس، (الواو) واو الحال، وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب حال، جَاءَ زَيْدٌ مع طلوعِ الشمسِ، هل نقول أنه مفعول معه؟
نقول: لا؛ لأنه ليس باسم، قوله: اسم أخرج الحرف، فلا يرد، لا يدخل معنا أصالة، وخرج به الفعل المضارع المنصوب بعد (واو) المعية، كالمثال المذكور، وخرج به الجملة الحالية، كَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ من قولك: (جَاءَ زَيْدٌ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ).
اسم فظلة خرج به العمدة، إذاً الاسم إما أن يكون فظلة وهو ما ليس ركناً في الإسناد، وإما أن يكون عمدة، وهو ما هو ركن في الإسناد.
خرج بذكر الفضلة ما بعد (الواو) في نحو (اشترك زيدٌ وعمرٌ)، اشترك، افتعل وهذه تدل على فاعلين في المعنى: تضارب زيدٌ وعمرٌ، اختصم زيدٌ وعمرٌ، اشترك محمد وخالد، نقول: هذه الأفعال تدل على المشاركة، لا يقال: اختصم زيدٌ ونسكت لا، اختصم زيد مع من؟ زيد وعمرو، تضارب زيدٌ لوحده؟ وخالدٌ، وهكذا، حينئذٍ نقول: ما بعد (الواو) وإن كان مفيدً للجمع إلا أنه عمدة، كيف عمدة؟ يعني لا يستغنى عنه في الكلام.
فإنه عمدة؛ لأن الفعل لا يستغني عنه.
اسم فظلة بعد (واو)، خرج بذكر (الواو) ما بعد (مع)، لو جيء بـ (مع) نفسها نحن نقول: (واو) تدل على المعية، حذفنا (الواو) وجئنا بلفظ (مع)، حينئذٍ نقول: ليس بمفعول معه لماذا؟
لأن الشرط أن يكون الملفوظ، أو الدال على المعية هو (الواو)؛ لأن العرب هكذا نطقت، ليس من عندنا، وإنما العرب نطقت بهذا حينئذٍ قلنا: لابد من (الواو) وإلا (مع) أصرح وأدق من (الواو)، ولكن يرِد على أن (مع) هذه ظرفٌ فما بعدها يكون مضافاً؛ لأنها تلزم الإضافة.
إذاً خرج بذكر (الواو) ما بعد (مع) في نحو: (جَاءَنِي زيْدٌ مَع عَمْروٍ) مَع عَمْروٍ، نقول: عَمْروٍ هذا مضاف إليه (ومع) مضاف، وكذلك ما بعد (الباء) في نحو: (بِعْتُكَ الدارَ بأثاثها)، (الباء) هنا بمعنى (مع)، بِعْتُكَ الدارَ بأثاثها، يعني مع أثاثها.
وبذكر التنصيص على المعية: (جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْروٌ) (الواو) هنا محتملة للعطف ومحتملة للمعية، ولذلك يجوز برجحانٍ أن ينصب ما بعدها، جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْروٌ، جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْراً، جائز، لكنه مرجوح، والرفع أرجح -العطف أرجح-؛ لأنه متى ما أمكن العطف دون ضعف فهو راجح، وما عداه فهو مرجوح، حينئذٍ: جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرا، ً جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْروٌ، نقول: يجوز الوجهان إلا أن الرفع أرجح لإمكان العطف دون ضعفٍ.
إذاً بذكر التنصيص على المعية نحو: جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْروٌ إذا أُريد بها مجرد العطف.
مسبوقةٍ بفعلٍ أو ما فيه حروفه ومعناه، هذا فيه تنصيص على العامل في المفعول معه، وهو أنه لا يكون إلا فعلاً، أو ما فيه معنى الفعل وحروفه، وهو الوصف والمصدر، حينئذٍ ينصب المفعول معه بالفعل سِرْتُ والنِّيلَ، ينصب المفعول معه باسم الفاعل أنا سائر والنيلَ، ينصب بالمصدر (أعجبني سيرُكَ والنيلَ) نُصِب بالمصدر.
стр. 1109
حينئذٍ نقول: العامل مخصوص وهو أنه إما أن يكون فعلاً، أو ليس بفعل، لكنه فيه معنى الفعل وحروفه، إذاً ما لم تكن مسبوقة بشيء وكانت الواو دالة على المعية حينئذٍ لا ينصب: (كُلُّ رَجُلٍ وَضَيْعَتُهُ) -بالرفع- ولا يجوز النصب خلاف لـ (الصيمري) لماذا؟
لأنه لم يسبق (الواو) هنا فعل ولا ما فيه معنى الفعل وحروفه، حينئذٍ كُلُّ رَجُلٍ وَضَيْعَتُهُ نقول: لعدم الفعل وما في معناه لا يجوز النصب، ولا نقول: كُلُّ رَجُلٍ وَضَيْعَتَهُ -بالنصب-، لا كُلُّ رَجُلٍ وَضَيْعَتُهُ معطوف على (كُلُّ) -فهو مرفوع- وكُلُّ: مبتدأ، والخبر محذوف -مقترنان- والدليل:
وَبَعْدَ وَاوٍ عَيَّنَتْ مَفْهُومَ مَعْ ... كَمِثْلِ كُلُّ صَانِعٍ وَمَا صَنَعْ
هو هذا، كُلُّ صَانِعٍ وصِنْعَتُهُ، وليس (صَنْعَتَهُ) بالفتح لا، لا يجوز، لماذا؟
لأنه لم يسبق لا بفعل ولا ما فيه معنى الفعل وحروفه، ولا يجوز: هذا لك وأباكَ بالنصب، هذا لك وأباك، (الواو) واو المعية، أباك منصوب على أنه مفعول معه، نقول أين الفعل؟
ليس فيه فعل، وإنما سبق بـ (هذا)، وهو اسم إشارة وهو فيه معنى الفعل دون حروفه؛ لأنَّ (أشار) هذا فيه معنى أُشير وإذا كان فيه معنى أُشير حينئذٍ هذا معنى الفعل، لكن أين حروفه؟
حينئذٍ يتعين: هذا لك وأبيك معطوف على المجرور (الكاف)، هذا لك وأبيك، ولا يجوز هذا لك وأباك بالنصب على أنه مفعول معه؛ لأنه وإن تقدم عليه ما فيه معنى الفعل إلا أنه ليس فيه حروفه، ويشترط إن لم يتقدم الفعل أن يتقدم عليه -على (الواو) - ما فيه معنى الفعل وحروفه؛ لأن اسم الإشارة فيه معنى الفعل وهو أٌشير دون حروفه، فهو عامل معنوي وهو ضعيف.
إذاً المفعول معه اسم خرج الفعل والجملة الحالية، والحرف فضلة أخرج به العمدة بعد (واوٍ) أخرج به (مع) أُريد بها التنصيص على المعية محتمل العطف التنصيص على المعية يعني لا يحتمل العطف (جاء زيدٌ وعمرٌ) هنا نقول: يحتمل المعية ويحتمل العطف مسبوقة بفعل، أو ما فيه حروف ومعناه هذا بيان للعامل.
قال الناظم:
يُنْصَبُ تَالِي الوَاوِ مَفْعُولاً مَعَهْ ... فِي نَحْوِ سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ
بِمَا مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ سَبَقْ ... ذَا النَّصْبُ لاَ بِالْوَاوِ فِي الْقَوْلِ الأَحَقّْ
يُنْصَبُ قدم الحكم على حقيقة المفعول معه، لماذا؟
لأنه يتكلم في أبواب المنصوبات، قد يكون هذا عذرٌ له؛ لأنه يتحدث في باب المنصوبات، وإلا الأصل أنه يذكر حقيقة الشيء، ثم يقال حكمة كذا، أما أن يعنون بالمفعول معه، ثم يبدأ بالحكم، نقول: هذا خلاف الأصل؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وهذا متفق عليه بين العقلاء، تتصور الشيء ثم تحكم عليه، أما مباشرة تحكم دون أن تتصور، هذا خلاف العقل قبل أن يكون خلاف الشرع.
يُنْصَبُ الاسم الفضلة تَالِي الوَاوِ مَفْعُولاً مَعَهْ: يُنْصَبُ ما حكم النصب هنا؟ هل هو كالسابق هناك في المفعول له، بأن يكون جوازاً مطلقا؟
قلنا ننظر في المفعول معه، فإذا به قد يتعين نصبه، وقد يترجح نصبه مع جواز العطف، وقد يترجح العطف مع جواز النصب.
стр. 1110
إذاً: له حالان، قد يكون واجب النص، ب وقد يكون جائز النصب، إذاً يُنْصَبُ لم يأتِ بالفعل -فعل الأمر- وجاء بالفعل المضارع ليعم الحالين، وهما الجواز -مطلق الجواز- سواءٌ كان مع الرجحان أو المرجوحية فيدخل فيه نوع واحد.
يُنْصَبُ: وجوباً فيما إذا تعين النصب على المفعولية، فحينئذٍ يتعين حمل اللفظ على عدم العطف.
يُنْصَبُ جوازً ووجوباً تَالِي الوَاوِ، ما هو تالي الواو؟
الاسم الفضلة الذي يقع بعد الواو، تَالِي (الوَاوِ): فيه إشارة إلى أنه لا يجوز الفصل بين (الواو) -واو المعية- والمفعول معه، لا يجوز، إذاً فيه أشارة إلى عدم جواز الفصل بين (الواو) والمفعول معه ولو بالظرف، يعني لا يتوسع يقال بأن الظروف والجار والمجرور يتوسع فيهما ما لا يتوسع في غيرهما، نقول: لا الحكم عام؛ لأنه لم يسمع.
ولو بالظرف لِتَنَزُّلِ (الواو) هنا مع المفعول مُنَزَّلَةَ الجار والمجرور، كما أنه لا يفصل بين حرف الجر ومجروره، كذلك لا يفصل بين واو المعية والمفعول معه، ويجب ذكر هذه (الواو) إذ لم يثبت في لسان العرب حذفها.
إذاً قوله: تَالِي الوَاوِ يُنْصَبُ هذا فعل مضارع مغير الصيغة، تَالِي هذا نائب فاعل مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، تَالِي في الرسم تثبت الياء، والإعراب يتبع الملفوظات لا المرسومات، فترسم الشيء، تكتبه (ياءً)، ثم في النطق ما تلفظ (بالياء)، (الياء) ثابتة أمامك تَالِي، تكتبها ما تحذفها، إذا جئت تعرب وأنت تنظر في الكتاب: يُنْصَبُ تَالِي (الوَاوِ)، تَالِي أثبت (الواو) في الكتابة، فيخطئ الطالب، فيقول: مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على الياء -المذكورة يعني-، لا ليست مذكورة، هي مذكورة في الرسم في الكتابة، الخط، وأما في اللفظ فهي محذوفة، حينئذٍ تعرب ما تنطق به، وأما ما لا تنطق به ولو كتبته -والأصل كتابته-، حينئذٍ لا يتبعه، فالإعراب يتبع الملفوظات لا المرسومات.
يُنْصَبُ إذاً الاسم الفضلة، تَالِي (الوَاوِ): قلنا إشارة إلى عدم جواز الفصل بين (الواو) والمفعول معه، وأيضاً أنها لا تحذف إذ لم يسمع في لسان العرب حذفها.
يُنْصَبُ تَالِي (الوَاوِ)، قال: مَفْعُولاً مَعَهْ، اختصر، (والواو) هذه لها قيود كما عرفنا، تَالِي (الوَاوِ) التي بمعنى (معَ)؛ لأن (الواو) قد تكون عاطفة، وقد تكون للمعية، فهي محتملة، وإذا أطلقنا هذا اللفظ تَالِي (الوَاوِ) هكذا، نقول: فيه إشكال، بل نأخذ القيود من المثال، لذا قال: سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ.
إذاً تَالِي (الوَاوِ) التي بمعنى (مع)، التالية لجملةٍ ذاتِ فعلٍ أو شبهه، مما فيه حروف الفعل ومعناه -لنتمم التعريف بذكر المحذوف-، تَالِي (الوَاوِ) التي بمعنى (معَ)، التالية لجملةٍ ذاتِ فعلٍ أو شبهه، مما فيه معنى الفعل وحروفه، فِي نَحْوِ: كما، يُنْصَبُ تَالِي (الوَاوِ) مَفْعُولاً مَعَهْ، مَفْعُولاً مَعَهْ ما إعرابه؟
يُنْصَبُ هذا مغير الصيغة، نصبتُ تالي (الواو)، انتهينا، يُنْصَبُ تَالِي (الوَاوِ) حال كونه مَفْعُولاً مَعَهْ، حال من نائب الفاعل، كما فِي نَحْوِ " سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ: سِيرِي هذا فعل أمر مبني على حذف النون، ما هو الدليل؟
стр. 1111
لأن مضارعه يجزم بحذف النون، فالأمر منه يكون مبنياً على حذف النون، تسيرين مثل تضربين، تضربين هذا يجزم بحذف النون، والقاعدة -وإن كان فيها بعض النظر- أن فعل الأمر مبني على ما يجزم به مضارعه لو كان معرباً، سِيرِي إذاً فعل أمر مبني على حذف النون، (والياء): ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.
وَالطَّرِيقَ: (الواو) هذه واو المعية، الطَّرِيقَ هذا اسم فضلة وقع بعد (واو) هي نص في المعية، مسبوق بفعلٍ: سيري، إذاً نقول: هو مفعول معه.
مُسْرِعَهْ: هذا حال من فاعل سِيرِي، سِيرِي هذا مثال للفعل، ومثله أنا سائرٌ والنيلَ، وأعجبني سيرُك والنيلَ.
قال:
بِمَا مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ سَبَقْ ... ذَا النَّصْبُ
ذَا: مبتدأ اسم إشارة، النَّصْبُ بدل أو عطف بيان أو نعت، يجوز فيه ثلاثة أوجه، ذَا النَّصْبُ كائن بِمَا سَبَقْ مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ، ذا النصب كائن بما سبق؛ لأن بِمَا هذا جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، بالذي سبق هذا صلة ما، مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ هذا متعلق بقوله سَبَقْ، وهذا ما قررناه في الحد: مسبوقة بفعل أو ما فيه معنى الفعل وحروفه.
بِمَا مِنَ الْفِعْلِ: هنا أطلق الفعل فيشمل الفعل الظاهر والمقدر والمتعدي واللازم، والمتعدي، لماذا نصَّ على المتعدي؟
لأن المفعول معه كالمفعول لأجله وغيره، لا يشترط في نصبه أن يكون بفعل متعدي، بل خصه بعضهم بالعكس، خص المفعول معه بأنه لا ينصب إلا باللازم، ولذلك النحاة في مثل هذه المواضع يقولون: ينصب بالفعل المتعدي على الصحيح، غريب هذا على الصحيح، لماذا؟
لأن هناك من ينازع فيقول لا، لا ينصب إلا بالفعل اللازم، فحينئذٍ الصحيح أن الفعل المتعدي كاللازم، إذاً الظاهر والمقدر والمتعدي على الصحيح خلافاً لمن شرط اللزوم، لماذا شرط الزوم؟
لئلا يلتبس بالمفعول به؛ لأنه لو نصبه المتعدي التبس بالمفعول به، هذا غريب، كيف التبس بالمفعول به! ونحن نقول شرطه بعد (الواو)، هذا غريب! لئلا يلتبس بالمفعول به، والناقص ككان بناءً على أنها مشتقة، وأنها تدل على الحدث.
إذاً كان تنصب المفعول معه، إذاً: بِمَا مِنَ الْفِعْلِ مطلقاً سواء كان لازماً أو متعدياً على الصحيح، وسواء كان تاماً أو ناقصاً، فكان ترفع المبتدأ وتنصب الخبر وتنصب المفعول معه كذلك، سواء كان الفعل ظاهراً ملفوظاً به أو مقدراً، وإنما (الواو) هي التي لا يجوز حذفها، وَشِبْهِهِ: يعني مثله، وشبه الفعل المراد به ما فيه رائحة الفعل، هذا الأصل، ولكن هنا زِيدَ عليه أن يكون فيه حروفه، وهذا المقام يكاد يكون مستثنى، وإلا الأصل أن ما فيه رائحة الفعل -معنى الفعل-، يعمل عمل الفعل، وهنا زيد عليه قيد وهو أن يكون فيه حروف الفعل؛ لأنه أقوى، والمراد به اسم الفاعل واسم المفعول والمصدر، شِبْهِهِ المراد به اسم الفاعل واسم المفعول والمصدر
سَبَقْ هذا قلنا هذا صلة (ما)، حينئذٍ نأخذ منه أنه لا يجوز أن يتقدم المفعول معه على عامله، وهذا محل وفاق؛ لأنه قال: ذا النصب بما سبق من الفعل.
стр. 1112
إذاً لو تأخر لا يجوز، لو توسط فيه خلاف، لو توسط يعني الاسم، لو قيل مثلاً: والنيلَ سرتُ، نقول: هذا ممنوع، سار والنيلَ زيدٌ، سار زيدٌ والنيلَ، سار والنيلَ زيدٌ، هذا فيه خلاف والصواب منعه كما سيأتي.
إذاً قوله سَبَقْ فيه إشارة إلى أنه لا يتقدم المفعول معه على عامله، وهذا محل وفاق.
لاَ (بِالْوَاوِ): يعني ليس منصوباً (بالواو)، سرتُ والنيلَ على قول الجرجاني -عبد القاهر- سرتُ والنيلَ، النيلَ هذا مفعول معه منصوب والناصب فيه (الواو)، والفعل ماذا صنع؟
لا شيء له، الفعل لم ينصب وإنما نصب المفعول معه (الواو) فحسب، لذلك قال ابن مالك: لاَ (بِالْوَاوِ)، وهذا ليس من عادته أنه ينفي العامل في القول المقابل، خاصة إذا كان ضعيفاً، لكن قيل: ذكر هذا، والذي سوغ له أنه تأدب معه؛ لأنه قال: فِي الْقَوْلِ الأَحَقّْ، هذا الذي سوغ له، فِي الْقَوْلِ الأَحَقّْ، أَحَقّْ هذا أفعل تفضيل، إذاً حقٌّ وأحق، إذاً هذا القول ليس بذك الضعيف، ولذلك وصفه بكونه حق تنزلاً، وإنما الذي رجحه وهو أنه ينصب بالفعل وشبهه هو الأحق، يعني الأولى والمختار، وقيل تأدب معه، ولذلك نفى هذا القول، لا (بالواو).
فِي الْقَوْلِ الأَحَقّْ يعني المختار، خلافاً للجرجاني في دعواه أن النصب (بالواو)، إذ لو كان كذلك لوجب اتصال الضمير بها، لو قال: جئتُ وكَ، لا يصح هذا، إذ لو كانت عاملة .. الحرف إذا عمل اتصل به الضمير، (إنه) (له) (لك) (لنا) نقول: الحرف إذا عمل اتصل به الضمير، لا بد في تركيب أو تركيبين يتصل به الضمير، إن اتصل به دل على أنه عامل، وهذا من الأدلة على أن (إِنَّ) تعمل، (إنه)، ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ)) [طه:١٤]، حينئذٍ نستدل بهذا -اتصال الضمير بالعامل- على أن العامل قد عمل، إذ لا يتصل الضمير إلا بعامله، الضمائر لا تتصل إلا بعواملها. إذ لو كان كذلك -كان نصب المفعول معه (بالواو) - لوجب اتصال الضمير بها، فيقال: جلستُ وكَ كما يتصل بغيرها من الحروف العاملة نحو: (إنك) و (لك) وذلك ممتنع، -حتى عندهم- وذلك ممتنع باتفاق، وأيضاً هي حرف مختص بالاسم، غير منزل منزلة الجزء، فحقه ألا يعمل إلا الجر، كحروف الجر.
стр. 1113
إذاً هذا قول ضعيف لا يعول عليه، أقوى منه أن يقال: الفعل بواسطة (الواو) هذا قول أخر، أن الفعل بواسطة (الواو) هو الذي نصب، فحينئذٍ العامل مركب من شيئين: فعل و (واو)، كما قيل في الاستثناء أنه منصوب بالفعل بواسطة (إلا)، وقيل: لا، بـ (إلا) كما سيأتي، ولذلك ابن مالك قال: مَا اسْتَثْنَتِ (الاَّ) .. دل على أنها هي العامل، وهذا هو الظاهر كما سيأتي، ولا بالمخالفة، لا (بالواو) على قول الجرجاني، ولا بالمخالفة في رأي الكوفيين، مخالفة ما بعدها لما قبلها خلافاً للكوفيين، إذ هي معنىً من المعاني ولم يثبت النصب بالمعاني، وإنما ورد الرفع هناك والتجرد في باب الفعل مضارع، قلنا: يرفع بتجرده عن الناصب الجازم هذا عامل معنوي، كذلك في الابتداء عامل معنوي، لكن لم يثبت عامل معنوي في النواصب، وإنما هو خاص بالمرفوعات، وإنما ثبت الرفع بها في الابتداء والتجرد في الفعل المضارع، ولو صح لقيل: جاء زيدٌ بل عمراً، لو صح أن المخالفة لها أثر وتعمل، لقيل: ما جاء زيدٌ بل عمراً بالنصب؛ لأن ما بعد بل مخالف لما قبلها؛ لأنها عامل، وهو ممنوع اتفاقاً. (ولا) محذوف، يعني ليس العامل محذوف، والتقدير: سرتُ ولابستُ النيلَ، فيكون حينئذٍ مفعولاً به، خلافاً للزجاج فيما ذكرناه سابقاً أن هذا الباب ليس بمفعول معه، وإنما هو مفعول به.
إذاً:
بِمَا مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ سَبَقْ ... ذَا النَّصْبُ لاَ بِالْوَاوِ فِي الْقَوْلِ الأَحَقّْ
فِي الْقَوْلِ الأَحَقّْ: يعني المختار، إشارة أن الأحق ليس على بابه، بل هو بمعنى الحق؛ لأن مقابله باطلٌ لا حقٌ، قيل: عبر بالأَحَقِّ تأدباً مع عبد القاهر؛ لأنه دون علم المعاني والبيان، أول من دونه.
على كُلٍّ: يُنْصَبُ تَالِي (الوَاوِ) مَفْعُولاً مَعَهْ، يُنْصَبُ هذا فعل مضارع مغير الصيغة، يُنْصَبُ تَالِي (الوَاوِ)، تَالِي: مضاف، (والواو): مضاف إليه وهو نائب فاعل، مَفْعُولاً مَعَهْ، مَفْعُولاً: هذا حال من نائب الفاعل، فِي نَحْوِ سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ، حينئذٍ من المثال نأخذ القيود السابقة، وَالطَّرِيقَ: الطَّرِيقَ هذا اسم فضلة وقع بعد (واو) أُريد بها التنصيص على المعية مسبوقة بفعل وهو سِيرِي.
ثم بين أن الفعل هو العامل، أو شبه الفعل مما فيه حروفه ومعناه هو العامل في المفعول معه، وليس (بالواو) خلاف للجرجاني ولا بالمخالفة، خلافاً للكوفيين، ولا بكونه مفعولاً به لفعل مقدر خلافاً للزجاج.
وَبَعْدَ مَا اسْتِفْهَامٍ أوْ كَيْفَ نَصَبْ ... بِفِعْلِ كَوْنٍ مُضْمَرٍ بَعْضُ الْعَرَبْ
هذا البيت قيل: أنه جواب لسؤال؛ لأنه يرد أنك قلت:
بِ (مَا) مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ سَبَقْ ذَا النَّصْبُ .. جاء في لسان العرب: ما أنت وزيداً؟ زيداً مفعولاً معه، وكيف تكون؟ وكيفَ أنْتَ وقَصْعَةً مِن ثَرِيدٍ؟ كيفَ أنْتَ وقَصْعَةً .. قَصْعَةً هذا مفعول معه وسبقه كيف أنت، ليس فيه فعل ولا معنى الفعل وحروفه، ما أنت وزيداً جاء بعد ما استفهامية، وكيف الاستفهامية، فما الجواب؟
هذا اعتراض على ما سبق، جواب سؤال مقدر تقديره: قد نصبت العرب على المعية من غير تقدم فعل أو شبهه بعض ما ذكرنا، فما جوابه؟
فقال:
стр. 1114
وَبَعْدَ مَا اسْتِفْهَامٍ أوْ كَيْفَ نَصَبْ ... بِفِعْلِ كَوْنٍ مُضْمَرٍ بَعْضُ الْعَرَبْ
فإذا قيل: ما أنت وزيداً، العامل محذوف، ولذلك قلنا: بما من الفعل ظاهراً أو مقدراً، وإنما يكون كذلك بعد (ما) الاستفهامية، (ما) أنت وزيداً، ما كنت وزيداً، وزيداً: الواو نص في المعية، زيداً مفعول معه، حينئذٍ كنت لما حذفت كان انفصل الضمير، مثل: أمَّا أنْتَ بَرًّا السابق، أمَّا أنْتَ بَرًّا أما كنت .. الخ ما ذكرناه، هنا ما أنت وزيداً .. ما كنت وزيداً؟ ما استفهامية، كنت وزيداً حذفت كان، وانفصل الضمير فارتفع، ما أنت وزيداً، إذاً زيد هذا مفعول معه لفعل وليس لأنت وهو جامد، وإنما هو منصوب بفعل محذوف تقديره كان، وكذلك في قوله: كيف أنت؟ كيف تكون وقصعةً؟ وحذف (تكون) وهو فعل مضارع وفصل الضمير الذي كان مستتراً وهو اسم تكون، حينئذٍ صار قصعة هذا منصوب بتكون المحذوفة.
وَبَعْدَ مَا اسْتِفْهَامٍ أوْ كَيْفَ نَصَبْ ... بِفِعْلِ كَوْنٍ مُضْمَرٍ بَعْضُ الْعَرَبْ
وَبَعْدَ (مَا): هذا متعلق بقوله: نَصَبْ، بَعْدَ منصوب على الظرفية، متعلق بقوله: نَصَبْ، وَبَعْدَ مضاف و (مَا) مضاف إليه قصد لفظه، و (مَا) مضاف واسْتِفْهَامٍ مضاف إليه، من باب إضافة الدال إلى المدلول، أوْ بَعْدَ كَيْفَ نَصَبْ، بَعْضُ الْعَرَبْ: هذا فاعل نَصَبْ، هذا فيه إشارة إلى أن الرفع أرجح في مثل هذه التراكيب، ولذلك نُقِل الرفع، ونقل النصب، والرفع أكثر، وهو اللغة الأفصح -أفصح اللغتين-، ولذلك قال: بَعْضُ الْعَرَبْ، نسبه إلى البعض، وهذا يدل على أن ما نطق به بعض العرب دون الكل يكون أدنى في الرتبة، والأفصح ما نُقل أكثر وهو: رفع ما أنت وزيدٌ –بالرفع-، ما أنت وزيدٌ، إذاً لا نحتاج إلى تقدير، وكيفَ أنْتَ وقَصْعَةً مِن ثَرِيدٍ؟ نقول: هذا لا يحتاج إلى تقدير.
أوْ كَيْفَ نَصَبْ بِفِعْلِ كَوْنٍ: أي بفعل مشتق من لفظ الكون، سواء كان ماضياً، أو مضارعاً، ولذلك سيبويه قدر بعد (ما) الاستفهامية كان بصيغة الماضي، وقدر بعد كيف مضارع كان، فحينئذٍ هل يلتزم هذا؟ أم المراد بِفِعْلِ كَوْنٍ يعني مادة الكون، سواء قدرنا في الموضعين كان ماضية أو بصيغة المضارع، أو بدلنا ما قاله سيبويه، فنقدر الماضي في تكون والمضارع في ما الاستفهامية؟
ظاهر كلام الناظم هنا العموم؛ لأنه قال: بِفِعْلِ كَوْنٍ أطلق ولم يعين الماضي ولا المضارع، فحينئذٍ قدر ما شئت، والمحفوظ عن سيبويه أنه قدر مع (ما) الاستفهامية: (كان)، وقدر مع كيف: تكون، وبعضهم التزم هذا، قال: لا يجوز مع (ما) الاستفهامية إلا (كان)، ومع كيف إلا (تكون)؛ لأن سيبويه هكذا قدره، هذا التعليل؛ لأن سيبويه هكذا قدره.
وَبَعْدَ مَا اسْتِفْهَامٍ أوْ كَيْفَ نَصَبْ ... بِفِعْلِ كَوْنٍ .. أي بفعل مشتق منه لفظ الكون، وإذا صلح الكلام لتقدير غيره كـ تصنع وتُلابس، جاز تقديره على الصحيح، فلا يختص بالكون، وإن كان الناظم ظاهر عبارته ما ذكرناه، سيبويه قدر الفعل من لفظ الكون في الموضعين، بعد (ما) الاستفهامية وكيف، قدر لفظ الكون -الفعل منه-، وجعل الفعل مضارعاً بعد كيف، وماضياً بعد ما، ثم اختلف أتباع سيبويه في تقدير فعل من مادة الكون في موضعين:
стр. 1115
الموضع الأول: في تعيين الماضي أو المضارع في أيهما؟ هل يستويان أم يختلفان؟
الموضع الثاني: في كان التي قدرها سيبويه، هل هي تامة؟ أم ناقصة؟
أما الموضع الأول: هل يجوز الفعل مع (ما) مضارعاً، مع كون سيبويه نطق به ماضياً؟ ومع كيف ماضياً، مع كون سيبويه نطق به مضارعاً؟ أم يلتزم تقديره ماضياً مع (ما)، وتقديره مضارعاً مع (كيف) كما قدره سيبويه؟ هذا محل النزاع بينهم.
فقال السيرافي: يجوز تقدير الماضي والمضارع جميعاً مع كل منهما، هذا ظاهر كلام الناظم وهو أقرب، وقيل: لا يجوز، بل كما قدره سيبويه، هؤلاء أتباع سيبويه بإحسان، لا يجوز إلا كما قدره سيبويه، كان في الاستفهام بعد (ما)، وتكون بعد (كيف)، وقيل: لا يجوز بل كما قدره سيبويه.
الموضع الثاني: هل (كان)، و (يكون) فعلان تامان أم ناقصان؟ يعني في هذا الموضع، إذا قلنا: ما أنت وزيداً، وكيفَ أنْتَ وقَصْعَةً مِن ثَرِيدٍ؟ ما تكون وزيداً؟ وكيف تكون وقصعةً؟ إذا قدرناه بالمضارع في الموضعين، هل هذه كان تامة أم ناقصة؟
قيل: ناقصة، وهذا أصح؛ لأنه الأصل، وأمكن التقدير، أو إيجاد اسم كان وجعل المذكور خبراً، أو ما قبلة، وهذا أصح، وقيل -وهو رأي الفارسي-: إنهما تامان، يعني في الموضعين، ففاعلها ضمير مستتر، و (ما) تكون نائبة عن مصدر مفعول مطلق، يعني إذا قيل: ما أنت وزيداً؟ ما تكون وزيدا؟ ً أين أسمها؟
قال: فاعلها ضمير مستتر -على الرأي بأنها تامة، و (ما) منصوبة على أنها مفعول مطلق، سبق معنا أن الذي ينوب عن المفعول المطلق (ما) الاستفهامية و (ما) الشرطية، هنا ما تكون وزيداً؟ قال: تكون فيه فاعل ضمير مستتر، و (ما) ماذا نعربها؟
قال: في محل نصب مفعول مطلق مقدر، والتقدير: أيَّ كونٍ من الأكوان كنتَ وزيداً؟ وكيف تكون .. تكون هذا مسند إلى فاعل ضمير مستتر، وكيف .. قال: في محل نصب حال.
وإذا قلنا: كان تامة، حينئذٍ الاسم يكون الضمير المستتر، و (ما) الاستفهامية المقدمة هذه نجعلها في محل رفع خبر كان، ومثله كيف.
بِفِعْلِ كَوْنٍ مُضْمَرٍ: هل الإضمار واجب أم جائز؟
المشهور أنه واجب، فلا يجوز حينئذٍ ذكره؛ لأنه هكذا سمع عن العرب، وهذا أولى؛ لأن هذا التركيب خارج عن القياس، وإذا كان خارجاً عن القياس، حينئذٍ نقول: يبقى على أصله.
وَبَعْدَ (مَا) اسْتِفْهَامٍ أوْ كَيْفَ نَصَبْ: بعد هذين الموضعين.
نصب بعض العرب بفعل كونٍ مضمرٍ وجوباً وقيل جوازاً، نصبوا ماذا؟ قال: نصب بعض العرب، أين المفعول؟
نصب بعض العرب مفعولاً معه بعد (ما) استفهام؛ لأننا شرطنا فيما سبق - بِمَا مِنَ الْفِعْلِ إلى أخره- أنه لا ينصب مفعولاً معه إلا بعد الفعل وشبهه، وهنا نصبوا مفعولاً معه، لو لم نحكم بأنه مفعولاً معه حينئذٍ قلنا: المسألة ليست داخله، لكن نحن سلَّمنا أن قولهم: ما أنت وزيداً .. زيداً مفعول معه، ولذلك صح الاعتراض به، حينئذٍ نحاول أن نُخَرِّجه على ما يوافق القواعد، فقلنا: هذا العامل فيه محذوف فهو ما قدره سيبويه.
إذاً:
وَبَعْدَ مَا اسْتِفْهَامٍ أوْ كَيْفَ نَصَبْ بَعْضُ الْعَرَبْ مفعولاً معه، دون ذكر فعل أو شبه الفعل، لكن الجواب أنه يقدر بفعل مشق من الكون وهو مضمر وجوباً وقيل جوازاً.
стр. 1116
قال الشارح: حق المفعول معه أن يسبقه فعل، أو شبهه، كما تقدم تمثيله، وسمع من كلام العرب نصبه بعد (ما) وكيف الاستفهاميتين من غير أن يلفظ بفعل، ما أنت وزيداً؟ أي ما شئنك وزيداً؟ ما يكوم شئنك وزيداً؟
نحو ما أنت وزيداً، وكيفَ أنْتَ وقَصْعَةً مِن ثَرِيدٍ، فخرجه النحويون على أنه منصوب بفعل مضمر مشتق من الكون والتقدير: ما تكون وزيداً.
إذاً زيداً العامل فيه تكون (والواو) هذه واو المعية، واسمها ضمير مستتر يعود على (ما)، وما هذه في محل نصب خبر تكون، على جعلها ناقصة، وإذا قلنا تامة فـ (ما) حينئذٍ تكون نائبة عن المفعول المطلق .. وكيف تكون وقصعةً، قصعة هذه مفعول معه و (الواو) واو المعية، وتكون هذه إن جعلناها ناقصة حينئذٍ اسمها ضمير مستتر، وكيف في محل نصب خبر مقدم، وإذا جعلناها تامة حينئذٍ (كيف) تكون في محل نصب حال.
فزيداً وقصعةً منصوبان بتكون المضمرة، واسم (كان) مستكن وخبرها ما تقدم عليها من اسم استفهام، فلما حُذف الفعل من اللفظ انفصل الضمير.
وَالْعَطْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلاَ ضَعْفٍ أَحَقْ ... وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضَعْفِ النَّسَقْ
وَالنَّصْبُ إِنْ لَمْ يَجُزِ الْعَطْفُ يَجِبْ ... أَوِ اعْتَقِدْ إِضْمَارَ عَامِلٍ تُصِبْ
هذه أحوال الاسم الواقع بعد واو المعية، الذي يمكن أن يعرب مفعولاً معه، له ثلاثة أحوال:
قسم يترجح عطفه على النصب على المعية، يعني يجوز فيه الوجهان والعطف أرجح.
القسم الثاني: يجوز فيه الوجهان، والنصب أرجح.
والقسم الثالث: يمتنع فيه العطف، وهذا الذي ذكره الناظم -رحمه الله تعالى-، أشار إلى الأول بقوله:
وَالْعَطْفُ إنْ يُمْكِنْ بِلاَ ضَعْفٍ أَحَقْ.
الْعَطْفُ: مبتدأ، إنْ يُمْكِنْ بِلاَ ضَعْفٍ، ضَعْفٍ .. ضُعْفٍ يجوز فيه الوجهان، أَحَقْ: يعني أرجح من النصب على المعية، متى؟
إن يمكن العطف، والقاعدة هنا في باب المفعول معه، لما كانت (الواو) أصلاً في العطف قبل تضمينها معنى (معَ)، والتنصيص على ذلك، الأصل فيها أنها عاطفة، وجعلها نصاً في المعية خروجاً بها عن الأصل.
إذاً القاعدة في الباب: كل ما أمكن العطف دون ضعف في الإعراب -الصناعة النحوية- أو فساد المعنى، فهو أولى ومُرجَّح، ولذا قعَّد هذه القاعدة: وَالْعَطْفُ إنْ يُمْكِنْ بِلاَ ضَعْفٍ من جهة المعنى أو من جهة اللفظ، يعني الصناعة الإعرابية أَحَقْ من النصب على المعية، لماذا؟
لأن (الواو) أصل وضعها بالعطف، وكونها نصاً في المعية خروج بها عن أصلها، فإرجاع الشيء إلى أصله أولى، وَالْعَطْفُ إنْ يُمْكِنْ بِلاَ ضَعْفٍ، والضعف هنا المراد به ضعف لفظي صناعي، يعني يخالف القواعد العامة عند النحاة، أو من جهة المعنى، يصح من جهة الإعراب، لكن من جهة المعنى يكون فيه فساد لو عطفنا، الْعَطْفُ: مبتدأ، وأَحَقْ: هذا خبر، بِلاَ ضَعْفٍ يعني بغير ضعف، هذا جار ومجرور متعلق بقوله يُمْكِنْ، و (لاَ) هنا بمعنى غير، وضعف هذه الكسرة كسرة عارية، يعني انسحبت من (لا).
стр. 1117
والعطف أحق، يعني وأرجح من النصب على المعية، نحو جاء زيدٌ وعمروٌ، قلنا: جاء زيدٌ وعمروٌ، يحتمل أن (الواو) هنا يراد بها مجرد العطف، ويحتمل أن يراد بها المعية، حينئذٍ نقول يجوز فيه الوجهان، جاء زيدٌ وعمراً، جاء: فعل ماضي، وزيد: فاعل، (الواو): واو المعية، عمراً: مفعول معه، هذا جائز، جاء زيدٌ وعمروٌ، زيد: فاعل، الواو حرف عطف، وعمرو معطوف على ما سبق، خرج عن المعية، أيهما أرجح؟ جاء زيد وعمرو، لماذا؟
لأنه أمكن العطف دون ضعف في المعنى ولا في اللفظ، لو عطفناه: جاء زيدٌ وعمرو هل خالفنا نصاً أو قاعدة نحوية أو أصلا مطرداً؟
لا، لم نخالف شيئاً، ولم نقع في خلاف، بل هذا هو الأصل، فحينئذٍ نقول: الأصل العطف، والنصب هذا فرعٌ، وجئت أنا وزيد .. جئت أنا وزيداً، العطف أرجح، هل يجوز النصب وزيداً؟ يجوز لماذا رجحنا العطف؟
للقاعدة: وَالْعَطْفُ إنْ يُمْكِنْ بِلاَ ضَعْفٍ، هل يفسد المعنى لو عطفنا: جئت أنا وزيدٌ؟ لا يفسد المعنى، هل خالفنا قاعدة؟
لم نخالف قاعدة، لو قال: جئتُ وزيدا .. وزيدٌ .. ً ما جاء بـ (أنا)، جئتُ (أنا)، أنا تأكيد وزيداً .. وزيدٌ، قلنا: وزيدٌ أرجح من وزيداً، طيب جئت وزيداً؟ نقول: هنا النصب أرجح، لماذا؟
لأننا لو عطفنا لعطفنا على الضمير المرفوع المتصل دون تأكيده، وهذا سيأتي أنه خلاف ما عليه الجمهور، لو قلت: جئت وزيداً، هذا الأرجح، لماذا تركنا العطف وصار مرجوحاً؟
لأننا لو رفعنا قلت: جئت وزيدٌ، زيدٌ صار معطوفاً على (التاء)، إذاً خالفنا قاعدة وهو أنه لا يعطف على الضمير المرفوع المتصل إلا بعد تأكيده، جئت أنا وزيدٌ، جاز.
إذاً: جئت أنا وزيد أرجح من جئت أنا وزيداً، لماذا؟
لصحة المعنى أولاً، وليس فيه خلاف -فساد معنى-، ثم لم نخالف قاعدة، بخلاف فيما لو لم يُؤكَّد الضمير المرفوع المتصل، جئتُ أنا وزيدٌ، ((اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ)) [البقرة:٣٥] وَزَوْجُكَ .. وَزَوْجَكَ، يجوز فيه الوجهان، ((اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ)) لو قال: اسكن وزوجُكَ النصب أرجح؛ لأننا لو رفعنا، رفعنا على ضمير مستتر قبل تأكيده، -ضمير مستتر وهو متصل- قبل تأكيده، ((اسْكُنْ أَنْتَ)) أكَّدنَاه ((وَزَوْجُكَ)) أكَّدنَاه ((وَزَوْجَكَ)) جاز الوجهان والرفع أرجح لعدم فساد المعنى ولعدم مخالفة قاعدة نحوية، وأما: اسْكُنْ وَزَوْجُكَ خالفنا، فالنصب أرجح من الرفع.
برفع ما بعد (الواو) على العطف لأنه الأصل، -الأصل في هذه الأمثلة كلها-؛ لأنها الأصل، وقد أمكن بلا ضعف ويجوز النصب على المعية هنا.
إذاً الضابط في هذا القسم، وهو ترجيح العطف على النصب على المعية مع جواز النصب على المعية، أنه متى ما أمكن العطف دون وقوع في فساد في المعنى، أو مخالفة أصل نحوي، ولو باعتبار المخالف، نقول: الرفع أرجح، متى؟
إذا أمكن العطف دون ضعف، وهذا الضعف موجه إلى جهتين، إما في المعنى وإما في اللفظ، والمراد باللفظ مخالفة الصناعة الإعرابية.
стр. 1118
وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضَعْفِ النَّسَقْ، ما الذي زاده؟ ألا يمكن أخذ هذا الحكم من الشطر السابق: وَالْعَطْفُ إنْ يُمْكِنْ بِلاَ ضَعْفٍ أَحَقْ؟ مفهومه إن لم يمكن العطف، فالنصب أحق وَالْعَطْفُ إنْ يُمْكِنْ بِلاَ ضَعْفٍ أَحَقْ يعني أرجح، وهو المختار، مفهومه: إذا لم يمكن العطف؟ قد يكون النصب واجباً، وقد يكون مختاراً.
إذاً قوله: وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضَعْفِ النَّسَقْ هو تصريح ببعض مفهوم الشطر السابق؛ لأن المفهوم له عموم، -هذه مسألة أصوليه- المفهوم له عموم ولذلك يخصص، النَّصْبُ مُخْتَارٌ: نَّصْبُ مبتدأ، مُخْتَارٌ: هذا خبره، وَالنَّصْبُ على المعية مختار لَدَى ضَعْفِ النَّسَقْ، ماهو النسق؟
عطف النسق، يعني العطف (بالواو)، ضَعْفِ في عطف النسق، إما من جهة المعنى، وإما من جهة اللفظ، يعني إما أن يكون المانع من العطف معنوياً، وإما أن يكون مانعاً لفظياً، من جهة المعنى كقوله -لو قال قائل-: كن أنت وزيداً كالأخِ .. كن أنت وزيدٌ كالأخ .. يجوز فيه الوجهان والنصب أرجح، من جهة الصناعة النحوية الإعراب القواعد، كن أنت أكَّده، وزيدٌ إذاً لا محذور، ليس فيه محذور من جهة القواعد الإعرابية، كن أنت أكَّده، لو قال: كن وزيدٌ قلنا: مرجوح، وزيداً هو الراجح، لكن قال: كن أنت إذاً أكده، ((اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ)) مثله، لكن كن أنت وزيداً كالأخ لو رفعنا ماذا يكون المعنى؟
كن أنت وزيدٌ، زيدٌ دخل في كونه مأموراً وليس هو مراد للمتكلم، أنا أخاطبك أنت كن أنت وزيداً، زيداً ليس بمأمور ليس مخاطب، لو رفعت حينئذٍ دخل في كونه مخاطباً بقوله: كن وليس هذا مراد، هذا فساد من جهة المعنى، حينئذٍ نعدل عن هذا لئلا يدخل تحت الخطاب بكن، نعدل إلى النصب فلا يكون ثم عطف، فالأرجح حينئذٍ يكون النصب، الأرجح: كن أنت وزيداً كالأخِ، كن أنت وزيداً بالنصب أرجح، لماذا؟ لحصول خلل في المعنى؛ لأنه لو عُطف لكان مأموراً والمخاطب هنا أنت، وليس زيداً، أنا ما خاطبت زيداً ولا أمرت زيداً فليس بمأمور، فحينئذٍ نقول: هذا حصل فيه فساد في المعنى دون اللفظ؛ لأنك لو عطفت زيداً على الضمير في كن لزم أن يكون زيدٌ مأموراً وأنت لا تريد أن تأمره، وإنما تريد أن تأمر مخاطبك بأن يكون معه كالأخِ.
ومثله ما مثل به الأشموني وغيره وهو مشهور: لو تُرِكَتِ النًاقَةُ وفَصيلَها لَرَضَعَها، لو تركت الناقة وفصيلها، يعني مع فصيلها، قالوا: هنا النصب أرجح، لماذا؟ لأننا لو أردنا العطف (وفصيلُها) لأدى ذلك إلى تكلف وتعسف في التقدير، وما كان كذلك حينئذٍ نعدل عنه إلى النصب.
أي مع فصيلها، والعطف ممكن في هذا التركيب على تقدير: لو تركت الناقةَ ترأم فصيلها وتُرك فصيلُها يرضعها لرضعها، مشوار حتى نصل إلى العطف، كن أنت وزيداً كالأخ هذا أوضح، وأما من جهة اللفظ نحو: جئت وزيداً، هذا أرجح من جئت وزيدٌ، لماذا؟
لأننا لو عطفنا لوقعنا في محذور، وهو أننا عطفنا على ضمير رفع متصل قبل تأكيده، إذاً ترجح النصب، جئتُ وزيداً واذهب وعمراً .. اذهب وعمروٌ النصب أرجح، لماذا؟
стр. 1119
لو عطفنا، عطفنا على الضمير قبل تأكيده، وهو مرجوح؛ لأن العطف على الضمير المتصل لا يقوى إلا مع الفصل، ولا فصل فالمختار النصب.
إذاً: وَالْعَطْفُ إنْ يُمْكِنْ بِلاَ ضَعْفٍ أَحَقْ .. وَالنَّصْبُ على المعية مُخْتَارٌ لَدَى ضَعْفِ النَّسَقْ، إما من جهة المعنى كما ذكرناه، وإما من جهة اللفظ.
وَالْعَطْفُ إنْ يُمْكِنْ بِلاَ ضَعْفٍ أَحَقُّ، قلنا: يعني أرجح من النصب على المعية؛ لأنه يقال: جاء زيدٌ وعمروٌ وجئت أنا وزيدٌ و ((اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ))؛ لعدم الخلاف في جوازه بخلاف النصب إذ قيل: سماعي، ولصيرورة العمدة في النصب فضلة، ولأن الأصل في الواو العطف، ومحل جواز الأمرين إذا اقصد المتكلم مطلق النسبة، فإن قصد التنصيص على المعية تعين النصب، وإن قصد عدم التنصيص عليها فبقاء الاحتمال تعين الرفع .. هذا استثناء مما سبق: وَالْعَطْفُ إنْ يُمْكِنْ بِلاَ ضَعْفٍ أَحَقُّ يعني إذا قصد المتكلم التنصيص على المعية حينئذٍ ترجح النصب، وإن قصد العطف ترجح العطف، وإن لم يقصد حينئذٍ هذا محل الترجيح، هذا محل الترجيح أنه إذا لم يتعين، محل جواز الأمرين إذا قصد المتكلم مطلق النسبة، يعني ما تدري ما مراده، هل مراده العطف أو مراده النصب على المعية؟
حينئذٍ تجوز الوجهين، أما إذا علمت بقرينه حالية بأنه يريد أن ما بعد (الواو) منصوب على المعية فالنصب أرجح، أو أنه معطوف فالرفع أرجح على الأصل، فإن قصد التنصيص على المعية تعين النصب، وإن قصد عدم التنصيص عليها وبقاء الاحتمال تعين الرفع، إذاً محل الجواز هنا إذا لم تدل قرينة على مراد المتكلم بإرادة واحد من الوجهين.
وَالنَّصْبُ إِنْ لَمْ يَجُزِ الْعَطْفُ يَجِبْ: هذا النوع الثالث ما يمتنع فيه العطف، وهذا نوعان: ما يتعين أن يكون مفعولاً معه، يعني يجب أن يكون مفعولاً معه، والثاني: ما يمتنع أن يكون مفعولاً معه.
وَالنَّصْبُ إِنْ لَمْ يَجُزِ الْعَطْفُ يَجِبْ، متى لا يجوز؟
لمانع، ثم المانع هذا -في كل الأحوال- إما أن يكون لفظياً، وإما أن يكون معنوياً، يعني إذا فسد المعنى بالعطف حينئذٍ رجعنا إلى النصب، وإذا فسد المعنى بالنصب رجعنا إلى العطف، فهو مُراعى، فساد المعنى لا بد من اعتباره، وكذلك إذا امتنع العطف رجعنا إلى النصب، وإذا امتنع النصب رجعنا إلى الرفع، فالمُحكَّم هنا المعنى والقواعد العامة الاصطلاحية عند النحاة.
وَالنَّصْبُ إِنْ لَمْ يَجُزِ الْعَطْفُ لمانع معنوي أو لفظي، المانع المعنوي مثل (سرتُ والنيلَ) ما حكم نصبه على المفعولية هل يجوز العطف؟ لا يجوز، لماذا؟
النيل لا يسير، إذاً لا يوصف ما بعد (الواو) بما دل عليه الفعل، بمعنى أنه لا يشارك ما قبله في الفعل، (سرتُ والنيلَ) أنا الذي أسير، والسير وصفٌ لي، والنيل؟ لا يسير، إذاً لا يمكن العطف، فحينئذٍ نقول: يتعين النصب سرت والنيلَ هذا واجب النصب، مشيتُ والحائطَ .. هل نقول الحائطُ يمشي؟ لا يصح، ومات زيدٌ وطلوعَ الشمسِ، لو عطفت فسد المعنى، مات زيدٌ وطلوعُ الشمس، طلوع الشمس مات؟ لا يصح؛ لأن العطف على نية تكرار العامل، فيوصف ما بعد (الواو) بما قبلها.
стр. 1120
مما لا يصح فيه مشاركة ما بعد (الواو) منه لما قبلها في حكمه، والمانع اللفظي نحو: مالكَ وزيداً؟ وما شئنُك وعمراً؟ مالك وزيداً؟ (ما) (لك)، (لك) اللام حرف جر، و (الكاف) ضمير مجرور (باللام) وزيداً .. وزيدٌ، نقول: هنا يتعين زيداً -على رأي-، وسيأتي أن الناظم يرجح أنه يجوز، عطف الضمير المجرورِ بحرف جر لا يجوز إلا مع إعادة الخافض، يعني حرف الجر، إذا قلت: مالك وزيدٌ، إذا عطفت وجب أن تقول: مالك ولزيدٍ؛ لأنك لا تعطف على مدخول (اللام) إلا بإعادة (اللام) والنصب عندهم ممنوع، ولذلك لا يعتبروا القراءة المشهورة: ((تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ)) [النساء:١] وَالأَرْحَامِ بالكسر قالوا: هذا لا يصح، لماذا؟ لأنه مخالف للقواعد، لو كان معطوفاً على الضمير لقال: تسائلون به وبالأرحام، لا بد أن يأتي (بالباء) مرة أخرى، لا يجوز ولذلك يتعين النصب، وسيأتي معنا أنه يجوز العطف دون إعادة الخافض، لكنه قليل، استدلالاً بالقراءة المشهورة.
ما لك وزيداً؟ وما شئنك وعمراً؟ لأن العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار ممتنع عند الجمهور -جمهور البصريين-، لا بد من إعادة الخافض ((تَسَاءَلُونَ بِهِ وبَالأَرْحَامَ)) إذا أردت الخفض، وإلا إذا لم تعد الباء حينئذٍ يتعين النصب، وأما والأرحامِ دون إعادة الباء هذا ممنوع عندهم، والصواب جوازه كما سيأتي. ولابد من إعادة حرف الجر ((وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ)) [المؤمنون:٢٢] ((وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ)) لا بد أن تأتي بـ (على) مرة أخرى، فتعين النصب على المعية، وقمتُ وزيداً لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل إلا بعد التوكيد بضمير منفصل ((لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) [الأنبياء:٥٤] ((لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ))، عطف على (كُنتُمْ) وهو الضمير المتصل بعد التأكيد.
إذاً هنا يتعين النصب إذا فسد المعنى، أو خالف قاعدة من أصلها، نقول: لا بد من النصب.
وَالنَّصْبُ إِنْ لَمْ يَجُزِ الْعَطْفُ .. امتنع العطف إما لمانع معنوي، مثل ماذا؟ سرتُ والنيلَ، أو لمانع لفظي، مثل ماذا؟ مالك وزيداً، يجب النصب هنا.
стр. 1121
يَجِبْ ... أَوِ اعْتَقِدْ إِضْمَارَ عَامِلٍ تُصِبْ: وَالنَّصْبُ على المعية إِنْ لَمْ يَجُزِ الْعَطْفُ لمانع معنوي أو لفظي يَجِبْ، يَجِبْ هذا خبر وَالنَّصْبُ، أَوِ قد يمتنع العطف والنصب على المعية، هذا وجه رابع، يمتنع الوجهان لا عطف، ولا نصب على المعية، اعْتَقِدْ إِضْمَارَ عَامِلٍ لائق بالمقام تُصِبْ: عَلَفْتُها تِبْناً وَمَاءً بارداً، عَلَفْتُها: فعل وفاعل (والهاء): مفعول أول، تِبْناً: مفعول ثاني، وَمَاءً: هذا لا يصح العطف، ولا يصح النصب على المعية، لماذا؟ لأن الماء لا يُعلف، لا يصح الماء أن يعلف، وإنما العشب هو الذي يعلف، علفتها تبناً وسقيتها ماءً، سقيتها ماءً اعْتَقِدْ إِضْمَارَ عَامِلٍ لا ئقٍ ملائم للمقام تُصِبْ، يعني تصب الحكم الصحيح، فحينئذٍ خرج عن كونه مفعولاً معه، وخرج عن كونه معطوفاً؛ لأنه هو يأتيك منصوب، فلا يمكن فيه النصب؛ لامتناع أن يكون الماءُ معلوفاً، وكذلك لا يصح النصب على المعية لما ذكرناه، إشارة إلى ما امتنع فيه العطف والنصب على المعية.
قال: وإن لم يمكن عطفه تعين النصب على المعية أو إضمار فعل يليق به، لكن المشهور أنه حتى على المعية في هذا التركيب لا يصح، ونص على ذلك ابن هشام في الأوضح.
عَلَفْتُها تِبْناً وَمَاءً بارداً: العطف ممتنع، قال ابن هشام في الأوضح: العطف ممتنع لانتفاء المشاركة، وماءٌ ينتفي أن يشارك تبناً، عَلَفْتُها تِبْناً وَمَاءً لا يصح المشاركة.
والنصب على المعية ممتنع كذلك لانتفاء المصاحبة في الأول، وانتفاء فائدة الإعلام بها في الثاني، هذا لأنه جمع بين مثالين: وزُجَّجْنَ الحوَاجبَ والعُيُونَا، يعني كحلن العيون لا بد من التقدير، فأُوِّل العامل المذكور بعامل يصح انصبابه عليهما، فأُوِّل عَلَفْتُها: أنلتها، لكن ليس هذا الذي رجحه ابن مالك -رحمه الله تعالى-، يعني يجوز أن يقال بالتضمين علفتها يعني أنلتها، وأنال هذا يشمل العشب -التبن- ويشمل الماء، حينئذٍ لا يختص بواحد منهما، بل يَنصَبُّ على الاثنين وهذا لا إشكال فيه، لكن يبقى المسألة في: هل يضمن الفعل معنى فعل آخر أو لا؟ المسألة خلافية. فأُوِّل عَلَفْتُها بـ أنلتها، وزُجَّجْنَ بزينا كما ذهب إليه المازني والمبرد وغيرهما.
أَوِ اعْتَقِدْ إِضْمَارَ عَامِلٍ ملائم لما بعد الواو ناصبٍ له تُصِبْ، أي وسقيتها ماءً، وكحلن العيونا، وهذا مذهب الفارسي والفراء، وهو الذي اختاره الناظم هنا رحمه الله تعالى.
إذاً: وَالنَّصْبُ إِنْ لَمْ يَجُزِ الْعَطْفُ لمانع معنوي أو لفظي يَجِبْ، أَوِ اعْتَقِدْ: هذا عطف على يجب، وهذا فيه مشكلة، وهي عطف الطلبي على الخبري، إما أن يقال: بأن الناظم يرى الجواز وإما من التأويل، إما أن يقال: بأن الناظم هنا قال: أَوِ اعْتَقِدْ، هذا أمر، يَجِبْ، حينئذٍ إما أن نؤول الأول أو نؤول الثاني.
стр. 1122
وَالنَّصْبُ إِنْ لَمْ يَجُزِ الْعَطْفُ أوجب أَوِ اعْتَقِدْ، هكذا أوَّله المكودي، أوجب أَوَّلَ الأول بطلبي، إذاً هو خبرٌ في معنى الطلب، إذاً حصل التطابق، .. عطف على يَجِبْ من عطف الإنشاء على الإخبار للضرورة، إما أن يقال بأنه للضرورة وبذلك أجاب الصبان في الحاشية بأنه ضرورة، أو يقال: جرياً على القول بجوازه، أو يَجِبْ في معنى أوجب -وهذا أولى-، يَجِبْ في معنى أوجب، فحينئذٍ عطف طلبي لفظاً ومعنىً على طلبي معنىً دون لفظٍ.
إذاً: عَلَفْتُها تِبْناً وَمَاءً، لا يجوز فيه الوجهان. قال الشارح: فماءً منصوب على المعية أو على إضمار فعل يليق به، -تجويز المعية هذا فيه كلام طويل- والتقدير وسقيتها ماءً بارداً، وكقوله تعالى: ((فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ)) [يونس:٧١] هذا يمتنع أن يكون عطفاً، فقوله: شُرَكَاءَكُمْ، لا يجوز عطفه على أَمْرَكُمْ؛ لأن العطف -عطف النسق- على نية تكرار العامل، إذ لا يصح أن يقال: أجمعت شركائي، وإنما يقال: أجمعتُ أمري وجمعتُ، فرقٌ بين أجمع -هذا في المعنى- وجمعتُ -هذا في المحسوس-، والأمر معنوي والشركاء محسوس، فلا يقال: أجمعتُ أمري وجمعت شركائي، فشركائي منصوب على المعية، والتقدير -والله أعلم- فأجمِعوا أمركم مع شركاءكم، أو منصوب بفعل يليق به، والتقدير: فأجمعوا أمركم واجمعوا، أجمعوا بهمزة القطع، واجمعوا هذا أمرٌ من جمعتُ، شركاءكم.
إذاً الأقسام تكون ثلاثة في لجملة: قسم يجوز فيه الوجهان ويترجح العطف:
وَالْعَطْفُ إنْ يُمْكِنْ بِلاَ ضَعْفٍ أَحَقْ.
وقسم ثاني: يجوز فيه الوجهان والنصب أرجح: وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضَعْفِ النَّسَقْ.
الثالث: ما يمتنع فيه العطف فيتعين فيه النصب، بقي قسم: وهو ما يتعين فيه العطف، ومثَّلنا له فيما إذا لم يسبق اللفظ عاملٌ لا فعل ولا شبه الفعل: كل رجل وضيعتُه نقول: هذا واجب العطف ولا يجوز فيه النصب على المعية لعدم تقدم الفعل وشبهه، كذلك اختصم زيدٌ وعمروٌ، واجب العطف ولا يجوز النصب هنا، بخلاف جاء زيدٌ وعمراً جائز، أما اختصم زيدٌ وعمروٌ لا؛ لأن الفعل هنا لا يقع من واحد، جاء زيدٌ وعمروٌ قبله أو بعده قلنا: يجب العطف ولا يجوز النصب.
قال ابن هشام: الحالات خمس على جهة التفصيل، الأول: وجوب العطف كما في كل رجلٍ وضيعتُه، ونحو اشترك زيدٌ وعمروٌ، وجاء زيدٌ وعمروٌ قبله أو بعده.
ثانياً: رجحانه نحو جاء زيدٌ وعمروٌ لأصالة العطف وإمكانه بلا ضعف.
ثالثاً: وجوب المفعول معه وذلك في نحو: مالك وزيداً، ومات زيدٌ وطلوعَ الشمس، لامتناع العطف في الأول من جهة الصناعة، وفي الثاني من جهة المعنى.
رابع: رجحانه، يعني مع جواز العطف، قمتُ وزيداً، وكن أنت وزيداً كالأخِ، هذا في الأول للضعف الصناعي، وفي الثاني من جهة المعنى.
خامساً: امتناعهما معاً -هذا الشاهد- امتناعهما معاً، يعني لا يجوز العطف ولا النصب على المعية، ومثَّل له بـ: عَلَفْتُها تِبْناً وَمَاءً بارداً، وزُجَّجْنَ الحوَاجبَ والعُيُونَا.
стр. 1123
هذه المفاعيل كلها: المفعول المطبق وبه والمفعول فيه ولأجله ومعه، إذا اجتمعت كلها في تركيب واحد: قُدِّم المفعول المطلق، ثم المفعول به، -يعني أولوية ليس وجوباً- أولوية أن يقدم المفعول المطلق، ثم المفعول به الذي تعدى إليه العامل بنفسه ثم الذي تعدى إليه بواسطة الحرف، ثم المفعول فيه الزماني ثم المكاني، الزماني مقدم على المكاني، لماذا؟؟؟؟ ولذلك عمل الفعل في الظرف بنوعيه، يرد السؤال لماذا فصلنا: وَكُلُّ وَقْتٍ قَابِلٌ ذَاكَ .. وأما المكاني فلا؟
نقول: لأن الفعل دلالته على الزمان أقوى، يدل عليه بالتضمن والالتزام، وأما دلالته على المكان فبالالتزام ولذلك عمل فيه على نية النسبة إلى مكان ما.
إذا قلنا: قام زيدٌ، القيام أين يقع؟
لا بد له من مكان دل عليه قام نسبة إلى مكانٍ ما، أما التعيين هذا يرجع إلى تخصيص الفاعل نفسه، وأما الفعل دل إلى نسبة إلى مكان ما مبهم، ولذلك عمل في المبهم دون المختص؛ لأنه لا يدل عليه بالوضع وإنما يدل عليه بدلالة التزام، ثم إن دل عليه بدلالة التزام إنما يدل عليه على جهة الإبهام؛ لأنه قام يستلزم مكاناً ما، لا يستلزم أن يكون في طائرة أو في دور ثاني أو على الأرض أو على بساط، هذا التعيين يكون بفعل الفاعل نفسه، وأما الفعل لا، إنما يستلزم مكاناً ما، وهذا مكاناً ما هو الإبهام، فلذلك عمل فيه، الشاهد هنا: الزماني مقدم على المكاني، ثم المفعول له ثم المفعول معه –متأخر-.
ضربتُ ضرباً زيداً بسوطٍ نهاراً هنا تأديباً وطلوعَ الشمس –أمروها كما جاءت-، ضربتُ ضرباً هذا مفعول مطلق، زيداً مفعول به، بسوطٍ تعدى إليه بحرف، نهاراً ظرف زمان، هنا؟؟؟، تأديباً مفعول لأجله، وطلوع الشمس؟؟؟ والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ... !!!
стр. 1124
عناصر الدرس
* شرح الترجمة (الاستثناء) ـ وحده وأدواته
* حكم الاسم المستثنى بـ (إلا) وبيان بعض المصطلحات
* حكم المستثنى إذا تقدم
* حكم الاستثناء المفرغ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى: الاِسْتِثْنَاءُ.
الاِسْتِثْنَاءُ هذا من أبواب المنصوبات وهو تابعٌ لما سبق، وليس كله من المنصوبات، وإنما بعضه منصوب وبعضه مرفوع، أو يتبع ما قبله، إذَاً: الاستثناء في بعض أحواله هو من المنصوبات، ومراده بالاستثناء هنا: المستثنى، لأن الاستثناء مصدر: استثنى يستثني استثناءً، فهو مستثنٍ ومستثنى، والمراد به اسم مفعول، فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول. باتفاق
الاستثناء نقول، أي: المستثنى، وليس المراد به المعنى المصدري هنا، وإنما المراد به اللفظ، لأن الذي يُنصب هو اللفظ، وأما الاستثناء فهذا معنى من المعاني، والمعاني غير قابلة للرفع ولا للنصب ولا للخفض، فالإعراب إنما يكون للألفاظ وأما المعاني فلا، لذلك نقول: الاستثناء المراد به هنا المستثنى فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول وهو مجازٌ مرسل عند أرباب المجاز بدليل ذكره في المنصوبات.
الاستثناء نقول: السين والتاء زائدتان، وهو في اللغة: مأخوذٌ من الثني وهو رد بعض الشيء إلى بعضه كثني الحبل، ثني الحبل إذا رَدَّ بعضه على بعض، وهذا ما يسمى أو أطلقه بعضهم بالعطف، إذاً المستثنى معطوفٌ عليه بإخراجه من حكم المستثنى منه كأنه رجع إليه، قام القوم إلا زيداًَ، كأنه عطف ورجع إلى المستثنى منه فأخرج منه زيداً، هذا وجه المناسبة إذا قيل: بأن المراد به العطف، لأن المستثنى معطوفٌ عليه بإخراجه من حكم المستثنى منه، أو بمعنى الصرف، لأنه مصروف عن حكم المستثنى منه: قام القوم، إثبات القيام للقوم، إلا زيداً، إذاً: انصرف زيد عن أن يصدق عليه الحكم السباق.
إذاً: الاستثناء في اللغة إما أن يكون بمعنى العطف، وإما بمعنى الصرف وكلاهما محتملٌ في هذا المكان، وأما في الاصطلاح فالمشهور عند النحاة وعند أكثر الأصوليين، لأن المبحث هنا مشترك بين الأصوليين والنحاة، ثَم فوارق، بعني بعض المسائل قد يتفق فيها الأصوليون مع النحاة، وبعضها قد يختلفون، ونحن ندرس الآن الاستثناء عند النحاة، إلا ما فيه خطأ واضح بَيِّن نُبَيِّن، وأما في مبحث الأصوليين هناك قد يختلفون مع النحاة في كثير من المسائل فلا يختلط الأمر هنا وهناك، ثَمَ مرجحات هناك لبعض المسائل دونها هنا، والأصل أن يكون المبحث متحد، فما أصاب هناك فحينئذٍ ينبغي أن يصيب هنا، والعكس بالعكس، لماذا؟ لأن المبحث واحد، لأن بحث الأصوليين كما يكون في الكتاب والسنة من أجل إثبات ما يحتج به، كذلك فيما يستنبط به من الكتاب والسنة، وهذا مبناه على الركن الأساس والقاعدة الكبرى لسان العرب .. لسان العرب هو أساس أصول الفقه، فمن قوي في هذا اللسان قوي هناك، والعكس بالعكس: من ضَعُف ضَعُف هناك.
стр. 1125
ولذلك نورد كلمة الشاطبي رحمه الله تعالى في الموافقات، يقول: " من كان مبتدئاً في علوم اللغة فهو مبتدئٌ في الشريعة، ومن كان متوسطاً فهو متوسط في الشريعة، ومن كان منتهياً في علم اللغة فهو منتهٍ في الشريعة " وهذا هو الشاطبي شارح الألفية، وهو الشاطبي صاحب الاعتصام، وهو الشاطبي صاحب الموافقات، لا تعارض بين هذه العلوم عند الأوائل بخلاف هذا الزمان.
الحاصل: أن الاستثناء مبحثه مشترك بين الأصوليين والنحاة، والأصل ما رُجح هناك أن يُرجح هنا، والعكس بالعكس، إذ ثَمَ توافق بينهما.
وأما في الاصطلاح قال: هو الإخراج بـ (إلا) أو إحدى أخواتها، لما كان داخلاً أو مُنزَّلاً مُنَزَّلةَ الداخل، الإخراج: هذا جنس يشمل الإخراج بالاستثناء، والإخراج بالصفة، والإخراج بالبدل، والإخراج بالشرط، والإخراج بالغاية، هذه الخمس كلها من المخصصات المتصلة عند الأصوليين، وكلها مما يحصل به الإخراج: أكلت الرغيف ثلثه، حصل الإخراج بثلثه وهو بدل، أخرج الثلثين.
كذلك الصفة: أَكرِم الطلاب المجتهدين، حصل إخراج غير المجتهدين بالمجتهدين وهو صفة، كذلك الشرط: اقتل الذمي إن حارب، إن حارب نقول: هذا شرط، ((ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)) [البقرة:١٨٧] نقول: هذا مخرجٌ لما بعده، فهو إخراج.
الاستثناء: قام القوم إلا زيداً، هذه كلها مخصصات متصلة، دخلت في قولنا: الإخراج .. هو إخراجٌ بـ (إلا) أو إحدى أخواتها هذا اختص بالاستثناء، أخرج البدل: أكلت الرغيف ثلثه، وأخرج الصفة: أكرم الطلاب المجتهدين، وأخرج الشرط: اقتل الذمي إن حارب، والغاية: ((ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)) [البقرة:١٨٧] إذاً: هذه كلها قد أُخرجت بقولنا: بـ (إلا) أو إحدى أخواتها.
(إلا) هي أم الباب، ولذلك يُقدر غيرها بها، يُقال: ليس بمعنى: غير .. ليس بمعنى: إلا، وغير جاءت مستثناة أو أداة استثناء لأنها بمنزلة (إلا) وسوى وخلا وعدا، كل هذه تُفسر بـ (إلا) فصارت أم الباب، ولذلك الكلام فيها أكثر من كلامٍ في غيرها.
بـ (إلا) أو إحدى أخواتها، لِما كان داخلاً حقيقةً أو مقدراً، داخلاً يعني: في المستثنى منه، وهو زيد، من قولك: إلا زيداً كان داخلاً في القوم، لأنك حكمت بثبوت القيام للقوم، ثم استثنيت .. أخرجت زيد من الحكم، فنفيت عنه القيام، هذا الأصل، فيكون المثبت لما بعد (إلا) نقيض ما أثبت لما قبلها، وما قبل (إلا) أثبت له القيام، وعدم القيام مثبتٌ لما بعده، وهو زيد، إذاً: حصل بينهما تعارض، ذاك مثبتٌ له، وذاك منفي ما أُثبت لما قبل (إلا).
إذاً نقول: الأصل أنه داخل، دخل زيد في القوم فأُثبت له القيام، ثم أُخرج من القوم بدلالة (إلا) وجعلت (إلا) قرينة دالةً على أنه لم يُرَد بالحكم السابق، هذا المراد بالإخراج .. هذا ظاهر الإخراج عندهم، ويشمل قوله (داخلاً): ما كان حقيقةً أو مقدراً ويعنُون به الاستثناء المُفَرَّغ، والاستثناء المُفَرَّغ: هو ما لم يُذكر فيه المستثنى منه، ويكون مسبوقاً بنفي: ما قام إلا زيدٌ، هنا ليس عندنا إخراج في الأصل، إلا أنهم قالوا: هذا الموضع مما حُذِفَ فيه الفاعل، ما قام أحدٌ إلا زيدٌ، فحينئذٍ أعرب زيد بدل من الفاعل المحذوف عند بعضهم.
следующие страницы →