Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
يَجِبْ ... أَوِ اعْتَقِدْ إِضْمَارَ عَامِلٍ تُصِبْ: وَالنَّصْبُ على المعية إِنْ لَمْ يَجُزِ الْعَطْفُ لمانع معنوي أو لفظي يَجِبْ، يَجِبْ هذا خبر وَالنَّصْبُ، أَوِ قد يمتنع العطف والنصب على المعية، هذا وجه رابع، يمتنع الوجهان لا عطف، ولا نصب على المعية، اعْتَقِدْ إِضْمَارَ عَامِلٍ لائق بالمقام تُصِبْ: عَلَفْتُها تِبْناً وَمَاءً بارداً، عَلَفْتُها: فعل وفاعل (والهاء): مفعول أول، تِبْناً: مفعول ثاني، وَمَاءً: هذا لا يصح العطف، ولا يصح النصب على المعية، لماذا؟ لأن الماء لا يُعلف، لا يصح الماء أن يعلف، وإنما العشب هو الذي يعلف، علفتها تبناً وسقيتها ماءً، سقيتها ماءً اعْتَقِدْ إِضْمَارَ عَامِلٍ لا ئقٍ ملائم للمقام تُصِبْ، يعني تصب الحكم الصحيح، فحينئذٍ خرج عن كونه مفعولاً معه، وخرج عن كونه معطوفاً؛ لأنه هو يأتيك منصوب، فلا يمكن فيه النصب؛ لامتناع أن يكون الماءُ معلوفاً، وكذلك لا يصح النصب على المعية لما ذكرناه، إشارة إلى ما امتنع فيه العطف والنصب على المعية.
قال: وإن لم يمكن عطفه تعين النصب على المعية أو إضمار فعل يليق به، لكن المشهور أنه حتى على المعية في هذا التركيب لا يصح، ونص على ذلك ابن هشام في الأوضح.
عَلَفْتُها تِبْناً وَمَاءً بارداً: العطف ممتنع، قال ابن هشام في الأوضح: العطف ممتنع لانتفاء المشاركة، وماءٌ ينتفي أن يشارك تبناً، عَلَفْتُها تِبْناً وَمَاءً لا يصح المشاركة.
والنصب على المعية ممتنع كذلك لانتفاء المصاحبة في الأول، وانتفاء فائدة الإعلام بها في الثاني، هذا لأنه جمع بين مثالين: وزُجَّجْنَ الحوَاجبَ والعُيُونَا، يعني كحلن العيون لا بد من التقدير، فأُوِّل العامل المذكور بعامل يصح انصبابه عليهما، فأُوِّل عَلَفْتُها: أنلتها، لكن ليس هذا الذي رجحه ابن مالك -رحمه الله تعالى-، يعني يجوز أن يقال بالتضمين علفتها يعني أنلتها، وأنال هذا يشمل العشب -التبن- ويشمل الماء، حينئذٍ لا يختص بواحد منهما، بل يَنصَبُّ على الاثنين وهذا لا إشكال فيه، لكن يبقى المسألة في: هل يضمن الفعل معنى فعل آخر أو لا؟ المسألة خلافية. فأُوِّل عَلَفْتُها بـ أنلتها، وزُجَّجْنَ بزينا كما ذهب إليه المازني والمبرد وغيرهما.
أَوِ اعْتَقِدْ إِضْمَارَ عَامِلٍ ملائم لما بعد الواو ناصبٍ له تُصِبْ، أي وسقيتها ماءً، وكحلن العيونا، وهذا مذهب الفارسي والفراء، وهو الذي اختاره الناظم هنا رحمه الله تعالى.
إذاً: وَالنَّصْبُ إِنْ لَمْ يَجُزِ الْعَطْفُ لمانع معنوي أو لفظي يَجِبْ، أَوِ اعْتَقِدْ: هذا عطف على يجب، وهذا فيه مشكلة، وهي عطف الطلبي على الخبري، إما أن يقال: بأن الناظم يرى الجواز وإما من التأويل، إما أن يقال: بأن الناظم هنا قال: أَوِ اعْتَقِدْ، هذا أمر، يَجِبْ، حينئذٍ إما أن نؤول الأول أو نؤول الثاني.
стр. 1122
وَالنَّصْبُ إِنْ لَمْ يَجُزِ الْعَطْفُ أوجب أَوِ اعْتَقِدْ، هكذا أوَّله المكودي، أوجب أَوَّلَ الأول بطلبي، إذاً هو خبرٌ في معنى الطلب، إذاً حصل التطابق، .. عطف على يَجِبْ من عطف الإنشاء على الإخبار للضرورة، إما أن يقال بأنه للضرورة وبذلك أجاب الصبان في الحاشية بأنه ضرورة، أو يقال: جرياً على القول بجوازه، أو يَجِبْ في معنى أوجب -وهذا أولى-، يَجِبْ في معنى أوجب، فحينئذٍ عطف طلبي لفظاً ومعنىً على طلبي معنىً دون لفظٍ.
إذاً: عَلَفْتُها تِبْناً وَمَاءً، لا يجوز فيه الوجهان. قال الشارح: فماءً منصوب على المعية أو على إضمار فعل يليق به، -تجويز المعية هذا فيه كلام طويل- والتقدير وسقيتها ماءً بارداً، وكقوله تعالى: ((فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ)) [يونس:٧١] هذا يمتنع أن يكون عطفاً، فقوله: شُرَكَاءَكُمْ، لا يجوز عطفه على أَمْرَكُمْ؛ لأن العطف -عطف النسق- على نية تكرار العامل، إذ لا يصح أن يقال: أجمعت شركائي، وإنما يقال: أجمعتُ أمري وجمعتُ، فرقٌ بين أجمع -هذا في المعنى- وجمعتُ -هذا في المحسوس-، والأمر معنوي والشركاء محسوس، فلا يقال: أجمعتُ أمري وجمعت شركائي، فشركائي منصوب على المعية، والتقدير -والله أعلم- فأجمِعوا أمركم مع شركاءكم، أو منصوب بفعل يليق به، والتقدير: فأجمعوا أمركم واجمعوا، أجمعوا بهمزة القطع، واجمعوا هذا أمرٌ من جمعتُ، شركاءكم.
إذاً الأقسام تكون ثلاثة في لجملة: قسم يجوز فيه الوجهان ويترجح العطف:
وَالْعَطْفُ إنْ يُمْكِنْ بِلاَ ضَعْفٍ أَحَقْ.
وقسم ثاني: يجوز فيه الوجهان والنصب أرجح: وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضَعْفِ النَّسَقْ.
الثالث: ما يمتنع فيه العطف فيتعين فيه النصب، بقي قسم: وهو ما يتعين فيه العطف، ومثَّلنا له فيما إذا لم يسبق اللفظ عاملٌ لا فعل ولا شبه الفعل: كل رجل وضيعتُه نقول: هذا واجب العطف ولا يجوز فيه النصب على المعية لعدم تقدم الفعل وشبهه، كذلك اختصم زيدٌ وعمروٌ، واجب العطف ولا يجوز النصب هنا، بخلاف جاء زيدٌ وعمراً جائز، أما اختصم زيدٌ وعمروٌ لا؛ لأن الفعل هنا لا يقع من واحد، جاء زيدٌ وعمروٌ قبله أو بعده قلنا: يجب العطف ولا يجوز النصب.
قال ابن هشام: الحالات خمس على جهة التفصيل، الأول: وجوب العطف كما في كل رجلٍ وضيعتُه، ونحو اشترك زيدٌ وعمروٌ، وجاء زيدٌ وعمروٌ قبله أو بعده.
ثانياً: رجحانه نحو جاء زيدٌ وعمروٌ لأصالة العطف وإمكانه بلا ضعف.
ثالثاً: وجوب المفعول معه وذلك في نحو: مالك وزيداً، ومات زيدٌ وطلوعَ الشمس، لامتناع العطف في الأول من جهة الصناعة، وفي الثاني من جهة المعنى.
رابع: رجحانه، يعني مع جواز العطف، قمتُ وزيداً، وكن أنت وزيداً كالأخِ، هذا في الأول للضعف الصناعي، وفي الثاني من جهة المعنى.
خامساً: امتناعهما معاً -هذا الشاهد- امتناعهما معاً، يعني لا يجوز العطف ولا النصب على المعية، ومثَّل له بـ: عَلَفْتُها تِبْناً وَمَاءً بارداً، وزُجَّجْنَ الحوَاجبَ والعُيُونَا.
стр. 1123
هذه المفاعيل كلها: المفعول المطبق وبه والمفعول فيه ولأجله ومعه، إذا اجتمعت كلها في تركيب واحد: قُدِّم المفعول المطلق، ثم المفعول به، -يعني أولوية ليس وجوباً- أولوية أن يقدم المفعول المطلق، ثم المفعول به الذي تعدى إليه العامل بنفسه ثم الذي تعدى إليه بواسطة الحرف، ثم المفعول فيه الزماني ثم المكاني، الزماني مقدم على المكاني، لماذا؟؟؟؟ ولذلك عمل الفعل في الظرف بنوعيه، يرد السؤال لماذا فصلنا: وَكُلُّ وَقْتٍ قَابِلٌ ذَاكَ .. وأما المكاني فلا؟
نقول: لأن الفعل دلالته على الزمان أقوى، يدل عليه بالتضمن والالتزام، وأما دلالته على المكان فبالالتزام ولذلك عمل فيه على نية النسبة إلى مكان ما.
إذا قلنا: قام زيدٌ، القيام أين يقع؟
لا بد له من مكان دل عليه قام نسبة إلى مكانٍ ما، أما التعيين هذا يرجع إلى تخصيص الفاعل نفسه، وأما الفعل دل إلى نسبة إلى مكان ما مبهم، ولذلك عمل في المبهم دون المختص؛ لأنه لا يدل عليه بالوضع وإنما يدل عليه بدلالة التزام، ثم إن دل عليه بدلالة التزام إنما يدل عليه على جهة الإبهام؛ لأنه قام يستلزم مكاناً ما، لا يستلزم أن يكون في طائرة أو في دور ثاني أو على الأرض أو على بساط، هذا التعيين يكون بفعل الفاعل نفسه، وأما الفعل لا، إنما يستلزم مكاناً ما، وهذا مكاناً ما هو الإبهام، فلذلك عمل فيه، الشاهد هنا: الزماني مقدم على المكاني، ثم المفعول له ثم المفعول معه –متأخر-.
ضربتُ ضرباً زيداً بسوطٍ نهاراً هنا تأديباً وطلوعَ الشمس –أمروها كما جاءت-، ضربتُ ضرباً هذا مفعول مطلق، زيداً مفعول به، بسوطٍ تعدى إليه بحرف، نهاراً ظرف زمان، هنا؟؟؟، تأديباً مفعول لأجله، وطلوع الشمس؟؟؟ والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ... !!!
стр. 1124
عناصر الدرس
* شرح الترجمة (الاستثناء) ـ وحده وأدواته
* حكم الاسم المستثنى بـ (إلا) وبيان بعض المصطلحات
* حكم المستثنى إذا تقدم
* حكم الاستثناء المفرغ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى: الاِسْتِثْنَاءُ.
الاِسْتِثْنَاءُ هذا من أبواب المنصوبات وهو تابعٌ لما سبق، وليس كله من المنصوبات، وإنما بعضه منصوب وبعضه مرفوع، أو يتبع ما قبله، إذَاً: الاستثناء في بعض أحواله هو من المنصوبات، ومراده بالاستثناء هنا: المستثنى، لأن الاستثناء مصدر: استثنى يستثني استثناءً، فهو مستثنٍ ومستثنى، والمراد به اسم مفعول، فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول. باتفاق
الاستثناء نقول، أي: المستثنى، وليس المراد به المعنى المصدري هنا، وإنما المراد به اللفظ، لأن الذي يُنصب هو اللفظ، وأما الاستثناء فهذا معنى من المعاني، والمعاني غير قابلة للرفع ولا للنصب ولا للخفض، فالإعراب إنما يكون للألفاظ وأما المعاني فلا، لذلك نقول: الاستثناء المراد به هنا المستثنى فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول وهو مجازٌ مرسل عند أرباب المجاز بدليل ذكره في المنصوبات.
الاستثناء نقول: السين والتاء زائدتان، وهو في اللغة: مأخوذٌ من الثني وهو رد بعض الشيء إلى بعضه كثني الحبل، ثني الحبل إذا رَدَّ بعضه على بعض، وهذا ما يسمى أو أطلقه بعضهم بالعطف، إذاً المستثنى معطوفٌ عليه بإخراجه من حكم المستثنى منه كأنه رجع إليه، قام القوم إلا زيداًَ، كأنه عطف ورجع إلى المستثنى منه فأخرج منه زيداً، هذا وجه المناسبة إذا قيل: بأن المراد به العطف، لأن المستثنى معطوفٌ عليه بإخراجه من حكم المستثنى منه، أو بمعنى الصرف، لأنه مصروف عن حكم المستثنى منه: قام القوم، إثبات القيام للقوم، إلا زيداً، إذاً: انصرف زيد عن أن يصدق عليه الحكم السباق.
إذاً: الاستثناء في اللغة إما أن يكون بمعنى العطف، وإما بمعنى الصرف وكلاهما محتملٌ في هذا المكان، وأما في الاصطلاح فالمشهور عند النحاة وعند أكثر الأصوليين، لأن المبحث هنا مشترك بين الأصوليين والنحاة، ثَم فوارق، بعني بعض المسائل قد يتفق فيها الأصوليون مع النحاة، وبعضها قد يختلفون، ونحن ندرس الآن الاستثناء عند النحاة، إلا ما فيه خطأ واضح بَيِّن نُبَيِّن، وأما في مبحث الأصوليين هناك قد يختلفون مع النحاة في كثير من المسائل فلا يختلط الأمر هنا وهناك، ثَمَ مرجحات هناك لبعض المسائل دونها هنا، والأصل أن يكون المبحث متحد، فما أصاب هناك فحينئذٍ ينبغي أن يصيب هنا، والعكس بالعكس، لماذا؟ لأن المبحث واحد، لأن بحث الأصوليين كما يكون في الكتاب والسنة من أجل إثبات ما يحتج به، كذلك فيما يستنبط به من الكتاب والسنة، وهذا مبناه على الركن الأساس والقاعدة الكبرى لسان العرب .. لسان العرب هو أساس أصول الفقه، فمن قوي في هذا اللسان قوي هناك، والعكس بالعكس: من ضَعُف ضَعُف هناك.
стр. 1125
ولذلك نورد كلمة الشاطبي رحمه الله تعالى في الموافقات، يقول: " من كان مبتدئاً في علوم اللغة فهو مبتدئٌ في الشريعة، ومن كان متوسطاً فهو متوسط في الشريعة، ومن كان منتهياً في علم اللغة فهو منتهٍ في الشريعة " وهذا هو الشاطبي شارح الألفية، وهو الشاطبي صاحب الاعتصام، وهو الشاطبي صاحب الموافقات، لا تعارض بين هذه العلوم عند الأوائل بخلاف هذا الزمان.
الحاصل: أن الاستثناء مبحثه مشترك بين الأصوليين والنحاة، والأصل ما رُجح هناك أن يُرجح هنا، والعكس بالعكس، إذ ثَمَ توافق بينهما.
وأما في الاصطلاح قال: هو الإخراج بـ (إلا) أو إحدى أخواتها، لما كان داخلاً أو مُنزَّلاً مُنَزَّلةَ الداخل، الإخراج: هذا جنس يشمل الإخراج بالاستثناء، والإخراج بالصفة، والإخراج بالبدل، والإخراج بالشرط، والإخراج بالغاية، هذه الخمس كلها من المخصصات المتصلة عند الأصوليين، وكلها مما يحصل به الإخراج: أكلت الرغيف ثلثه، حصل الإخراج بثلثه وهو بدل، أخرج الثلثين.
كذلك الصفة: أَكرِم الطلاب المجتهدين، حصل إخراج غير المجتهدين بالمجتهدين وهو صفة، كذلك الشرط: اقتل الذمي إن حارب، إن حارب نقول: هذا شرط، ((ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)) [البقرة:١٨٧] نقول: هذا مخرجٌ لما بعده، فهو إخراج.
الاستثناء: قام القوم إلا زيداً، هذه كلها مخصصات متصلة، دخلت في قولنا: الإخراج .. هو إخراجٌ بـ (إلا) أو إحدى أخواتها هذا اختص بالاستثناء، أخرج البدل: أكلت الرغيف ثلثه، وأخرج الصفة: أكرم الطلاب المجتهدين، وأخرج الشرط: اقتل الذمي إن حارب، والغاية: ((ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)) [البقرة:١٨٧] إذاً: هذه كلها قد أُخرجت بقولنا: بـ (إلا) أو إحدى أخواتها.
(إلا) هي أم الباب، ولذلك يُقدر غيرها بها، يُقال: ليس بمعنى: غير .. ليس بمعنى: إلا، وغير جاءت مستثناة أو أداة استثناء لأنها بمنزلة (إلا) وسوى وخلا وعدا، كل هذه تُفسر بـ (إلا) فصارت أم الباب، ولذلك الكلام فيها أكثر من كلامٍ في غيرها.
بـ (إلا) أو إحدى أخواتها، لِما كان داخلاً حقيقةً أو مقدراً، داخلاً يعني: في المستثنى منه، وهو زيد، من قولك: إلا زيداً كان داخلاً في القوم، لأنك حكمت بثبوت القيام للقوم، ثم استثنيت .. أخرجت زيد من الحكم، فنفيت عنه القيام، هذا الأصل، فيكون المثبت لما بعد (إلا) نقيض ما أثبت لما قبلها، وما قبل (إلا) أثبت له القيام، وعدم القيام مثبتٌ لما بعده، وهو زيد، إذاً: حصل بينهما تعارض، ذاك مثبتٌ له، وذاك منفي ما أُثبت لما قبل (إلا).
إذاً نقول: الأصل أنه داخل، دخل زيد في القوم فأُثبت له القيام، ثم أُخرج من القوم بدلالة (إلا) وجعلت (إلا) قرينة دالةً على أنه لم يُرَد بالحكم السابق، هذا المراد بالإخراج .. هذا ظاهر الإخراج عندهم، ويشمل قوله (داخلاً): ما كان حقيقةً أو مقدراً ويعنُون به الاستثناء المُفَرَّغ، والاستثناء المُفَرَّغ: هو ما لم يُذكر فيه المستثنى منه، ويكون مسبوقاً بنفي: ما قام إلا زيدٌ، هنا ليس عندنا إخراج في الأصل، إلا أنهم قالوا: هذا الموضع مما حُذِفَ فيه الفاعل، ما قام أحدٌ إلا زيدٌ، فحينئذٍ أعرب زيد بدل من الفاعل المحذوف عند بعضهم.
стр. 1126
وقولنا (داخلاً) -لما كان داخلاً- نقول: حقيقةً أو مقدراً ليشمل الاستثناء المُفَرَّغ، أو مُنَزَّلاً مُنَزَّلة الداخل ويعنون به: المنقطع، لأن الاستثناء ينقسم إلى قسمين: استثناءٌ متصل، وهو ما كان بعد (إلا) من جنس أو إن شئت قل: بعض المستثنى منه، وإن لم يكن كذلك فهو منقطع، ما كان منقطعاً هذا مختلفٌ فيه عند أهل العلم، وهناك مبحث عند الأصوليين هل هو مما جاء به لسان العرب أو لا؟ المذهب عند الحنابلة المشهور أنه ليس بحقيقة، وإنما هو مجاز، ولذلك يُقدر (إلا) - وإن كان هذا عند جمهور البصريين - يُقدر بـ (لكن) فحينئذٍ صار الكلام منفصلاً عما قبله، قام القوم إلا حماراً، لكن حماراً قام، هذا الأصل، والمذهب عندنا -عند الحنابلة- لا يعتبر من الاستثناء، وإنما يكون مجازاً، إذاً: الإخراج بـ (إلا) أو إحدى أخواتها لما كان داخلاً أو مُنَزَّلاً مُنَزَّلة الداخل.
لمَّا أُورد اعتراض عليهم بهذا الحد، لأن فيه إشكال، إذا قيل: إخراج لما كان داخلاً .. داخلاً في ماذا؟ في المستثنى منه، إذا قلنا بهذا أنه دخل ثم أخرج حصل تناقض، وهو كيف نثبت له حكماً ثم ننفيه في وقتٍ واحد، قام القوم ومنهم زيد، أثبتنا له القيام، ثم قلت: إلا زيداً، نفيت عنه القيام، هذا تناقض.
قالوا: ويلزم منه بهذا الاعتبار الكفر ثم الإيمان، هذا إن صح، لقولنا: لا إله إلا الله، إذ لو دخل لفظ الجلالة في: لا إله، نفيت عنه الأولوهية، إله: هذا اسم جنس، يصدق على الإله بحق، وعلى الإله بباطل، إذا قيل: لا إله وشمل ما بعد (إلا) إذاً نفيت عنه الألوهية، وهذا كفر .. ردة، ثم قلت: إلا الله، أثبت له الألوهية، إذاً: أنت نافٍ ومثبت، يعني: جمع بين الكفر والإيمان، نقول: هذا لا يصح، إذاً: هذا محل إشكال، كيف يُفسر الاستثناء بالإخراج؟ ثم قد نقع في تناقض في مثل: قام القوم إلا زيداً، نثبت القيام لزيد وهو فردٌ من أفراد القوم، ثم بعد ذلك نخرجه، ونقول: إلا زيداً ونثبت له نقيض حكم ما قبل إلا، وكذلك في قوله -وهذا واضح بَيِّن- في كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، إذا قلنا: الله وهو ما بعد إلا داخلٌ في المستثنى منه وهو إله، إذاً نفينا عنه الألوهية، هناك زيد وقوم نفيت أثبت الأمر سهل، لكن هنا: لا إله، إذا قلنا بدخول لفظ الجلالة -الله في المنفي، حينئذٍ لزم منه نفي الأولوهية عن الله ، وهذا باطل، فكيف نقول: دخل ثم أخرج؟ هذا محل إشكال.
стр. 1127
أجيب عندهم -لما كان داخلاً-، أي: في مفهوم اللفظ لغةً، اللفظ من حيث هو يشمل، إذا قلت: إله دخل فيه الرب، وهو كما ذكرنا أنه من أسماء الأجناس، لذلك لا يصدق على الإله بحق دون الباطل ولا العكس، بل يطلق على هذا وهذا، لأن المراد به إله فِعَال بمعنى: المفعول أي: المعبود، وهذا يشمل المعبود بحق أو المعبود بباطل، إذاً: إله من حيث هو في مفهوم اللغة دخل فيه المستثنى وهو الله ، وإذا قلت: القوم، دخل فيه زيد، لفظ القوم من حيث اللغة يشمل زيد وغيره، أي: في مفهوم اللفظ لغةً، وإن كان خارجاً من أول الأمر في النية، كيف هذا؟ يقولون: في مفهوم اللغة المستثنى داخلٌ في المستثنى منه، هذا قبل إدخاله في جملة الاستثناء، ثم لما أدخلته أنت أخرجت الفرد الذي تريد استثنائه بالنية، إذاً: على هذا سلموا من الاعتراض، فحينئذٍ إذا قال: قام القوم، هو لم يرد زيداً، ثم قال: إلا زيداً، فلما نوى بقلبه عدم دخول الفرد آحاد زيد، لا بد من نصب قرينة لفظية تدل على تلك النية وعدم الإرادة، فجعلوا: إلا زيداً قرينة تدل على عدم إرادة زيد، إذاً: لم يدخل، هذا مسلك لبعضهم في الخروج من هذا المأزق.
وقيل: المراد بإخراج ما كان داخلاً إظهارُ خروج ما يتوهم دخوله، فلا ينافي ما قالوه إنه يجب ملاحظة خروج المستثنى من أول الأمر، بحيث يكون المستثنى منه مستعملاً فيما عدا المستثنى .. أن يكون القوم مستعملاً فيما عدا زيد، إذاً: هذا شرطٌ عندهم، لكن العبارة التي عبروا بها عن اصطلاح الاستثناء قد لا تفصح عن هذا المراد، وهو أنهم أرادوا بالإخراج أنه مخرجٌ قبل اللفظ .. قبل التركيب بالنية، وجعلوا: إلا زيداً، هذا قرينة دالة على أن النية مخصصة لزيد قبل التركيب. خروج المستثنى من أول الأمر بحيث يكون المستثنى منه مستعملاً فيما عدا المستثنى، والاستثناء قرينةٌ على ذلك، لئلا يلزم التناقض بإدخال الشيء ثم إخراجه والكفر ثم الإيمان.
إذاً: لهم مخرج وهو أنهم إما أن يُقال بأن المستثنى منه استعمل في غير إرادة المستثنى، بمعنى: أن القوم أطلق على ما عدا زيد، حينئذٍ استعمل المستثنى منه في غير المستثنى، وإما أن يقال بأنه حصل تخصيص بالنية قبل التركيب، وهذا أو ذاك، الحد لا يُوفِي بالمذكور، ولذلك الأولى أن يُعبر بما عبر به ابن قدامة في الروضة وتبعه صاحب القواعد: بأنه قولٌ متصلٌ يدل على أن المذكور معه غير مرادٍ بالقول الأول، هذا لفظٌ يصحح العبارة التي انتشرت: الإخراج بـ (إلا) أو إحدى أخواتها، لأن الإخراج لا يكون إلا لشيءٍ قد دخل، هذا الأصل، ثم كونه أخرج بالنية، الحد لا يدل على هذا، وكون المستثنى منه مستعملاً فيما عدا المستثنى العبارة لا تدل .. هل يفهم هذا من هذه العبارة، الإخراج بـ (إلا) أو إحدى أخواتها؟!
стр. 1128
نقول: هذا لا يدل عليه، لكن إذا قلنا: قولٌ متصلٌ يدل على أن المذكور معه غير مرادٍ بالقول الأول، قولٌ: هذا لفظ، المراد به (إلا) أو إحدى أخواتها، متصلٌ: يعني لا منفصل، يدل على أن المذكور معه: الذي هو المستثنى بعد (إلا) غير مرادٍ بالقول الأول الذي هو المستثنى منه، وهذا أولى، لأن الصحيح أن المستثنى لم يدخل في مفهوم المستثنى منه، لا حقيقةً من جهة اللفظ ولا في الحكم.
مذهب سيبويه وجمهور البصريين: أن المستثنى لم يندرج في المستثنى منه ولا في حكمه، إذاً: الله – هذا أهم شيء عندنا – لا إله إلا الله، الله نقول: هذا لم يندرج في هذه الكلمة، ونحن لا أتكلم في مفردات، إنما نتكلم عن تركيب، والإجابة هناك تتعلق بالمفردات قبل التركيب، وهذا وجه الضعف فيه، ونحن نتحدث عن تركيبٍ، لا إله إلا الله، هل الله دخل في إله أم لا؟ إذا قلنا: إخراج ظاهره نعم، لأنه -لا يكون الإخراج إلا بعد الإدخال هذا الأصل فيه، هذا مأخذ اللسان العربي، نحن نقول: لا، الله لم يدخل أصلاً في هذا التركيب: لا إله، لا من جهة اللفظ ولا من جهة الحكم، لا من جهة اللفظ لأن إله قبل تركيبه وإن شمل (الله) إلا أنه في هذا التركيب لا، نقول: إله يصدق على الله .. الإله بحق وعلى غيره، فحينئذٍ: لا إله، نقول: هذا خاصٌ بالباطل، فنفيت الألوهية عن كل ما عدا الله وأثبتت له، فحينئذٍ نقول: لم يدخل أصلاً في المستثنى منه وهو إله اسم لا، ولم يدخل في حكمه وهو نفي الألوهية، ثم أُثبت لما قبل (إلا) نقيض حكمها لما بعده.
مذهب سيبويه: أن المستثنى لم يندرج في المستثنى منه ولا في حكمه، ومذهب الكسائي: لا يندرج فيه وهو مسكوتٌ عنه، هذا باطل، بل الصحيح أنه مثبتٌ له نقيض حكم ما قبل إلا، وأما أنه مسكوت عنه نقول: لا.
إذاً (قولٌ) المراد به: صيغة الاستثناء، متصل: أخرج المنفصل، فالاستثناء لا يستقل عن الجملة، يدل على أن المذكور معه، أي: المستثنى المذكور مع صيغة الاستثناء غير مرادٍ بالقول الأول وهو المستثنى منه، وهذا واضح وبَيِّن على ما ذكرناه.
إذاً: إذا قيل: قام القوم إلا زيداً، نقول: لفظ (إلا) قولٌ متصلٌ بالجملة - إذ لا يستقل الاستثناء - يدل على أن المذكور معه وهو زيداً غير مرادٍ بالأول لا في اللفظ ولا في الحكم، لم يندرج في المستثنى منه لفظاً ولا في الحكم، وأما قول الصبان: أنه اندرج في مفهوم اللفظ لغةً، نقول: هذا ليس بوارد هنا، لماذا؟ لأننا لا نبحث في المفردات، نحن نبحث في الاستثناء والمستثنى، وهذا إنما يكون متى؟ بعد التركيب.
فكون (إله) يشمل الإله بحق والإله بباطل قبل إدخاله اسم (لا) وأما بعده نقول: لا، لم يدخل لفظ الجلالة (الله) في هذه الكلمة .. كلمة التوحيد، لم يدخل في لفظ (إله) هنا، إذ لو دخل حينئذٍ لزم أن يصدق عليه الحكم، وهو نفي الألوهية، وهذا كلامٌ لا بد من تحريره.
إذاً قوله: متصلٌ، يدل على أن المذكور معه غير مرادٍ بالقول الأول.
قال الناظم رحمه اله تعالى:
مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ
إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ ... وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ
وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ
стр. 1129
أدوات الاستثناء .. عرفنا الاستثناء، نقول: له أدوات ثمانية: منها ما هو حرف، ومنها ما هو اسمٌ، ومنها ما هو فعل، ومنها ما هو مشتركٌ بين الحرفية والفعلية.
حرفان وهما: (إلا) عند الجميع و (حاشا) عند سيبويه، (إلا) عند الجميع باتفاق يعني.
وفعلان وهما: (ليس) و (لا يكون)، (ليس) على الصحيح، و (لا يكون) هذه محل وفاق.
ومترددان بين الفعلية والحرفية، وهما: (خلا) عند الجميع، و (عدا) عند سيبويه.
واسمان، وهما (غير) و (سوى) بلغاتها.
إذاً: هي أربعة أقسام من حيث الجملة: حرفٌ، واسمٌ، وفعلٌ، ومشترك بين الحرف والفعل.
مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ: قدم الكلام على الاستثناء بـ (إلا) لأنها هي الأصل، وغيرها يُقدر بها، ولذلك بدأ بها فقال: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ، مَا: مبتدأ، واسْتَثْنَتِ الاَّ .. الاَّ: قُصِد لفظه وهو فاعل، والمراد (الاَّ) هنا الاستثنائية لا الوصفية، إذ قد تقع (إلا) موقع غير، فحينئذٍ يوصف بها تكون نعتاً لما بعدها: ((لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)) [الأنبياء:٢٢] يعني: غير الله، فحينئذٍ صار ما بعدها (الله) مرفوع على العارية، وإلا الأصل: (إلا) بمعنى: غير، وهي وقعت نعتاً في هذا التركيب، والمراد هنا (إلا) الاستثنائية التي يقع بها الاستثناء لا الوصفية.
مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ: مَا: مبتدأ هي اسمٌ موصولٌ، اسْتَثْنَتِ: هذه جملة الصلة لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف، ما استثنته (إلا) وهذا جائزٌ كما سبق معنا.
مَا اسْتَثْنَتْهُ إِلاَّ مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ، يعني: مع كلامٍ، تَمَامٍ بمعنى: التام، غيرِ مُفَرَّغٍ موجباً كان أو غير موجب، يَنْتَصِبْ: هذا خبر مَا.
هنا البحث في باب (إلا) بأن يُقال: ينقسم الكلام عندهم في هذا المحل إلى تامٍ ومفرغ، ويعنون بالتام: ما ذُكِرَ فيه المستثنى منه، والمستثنى منه قد يكون فاعلاً، وقد يكون مفعولاً به، وقد يكون مجروراً: قام القوم إلا زيداً، القوم: مستثنىً منه، ووقع فاعلاً، ما رأيت القوم إلا زيداً، القوم: مستثنىً منه ووقع مفعولاً به، ما مررت بالقوم إلا زيدٍ .. إلا زيداً، بالقوم: وقع مجروراً.
إذاً: إذا ذكر المستثنى منه في التركيب سمي تاماً .. سمي الكلام تاماً، بقطع النظر عن كونه منفياً أو لا، هذا إذا ذكر المستثنى منه، وإن حذف في الكلام سمي مُفرَّغاً، يعني: فُرغ العامل لما بعد (إلا) مثل ماذا؟ ما قام إلا زيدٌ .. ما رأيت إلا زيداً، ما مررت إلا بزيدٍ، نقول: أين القوم؟ حذفت في الجميع، هذا يسمى استثناءً مُفرَّغاً، وهذا الاستثناء المفرَّغ لا يكون إلا منفياً، لا يكون موجباً، لا يُقال: قام إلا زيد، رأيت إلا زيداً، فهذا لا يُقال، وإنما يُقال: ما رأيت، وما قام، وسيأتي علته.
стр. 1130
والاستثناء الذي يعتبر كلاماً تاماً وهو ما ذُكِرَ فيه إلا المستثنى منه قد يكون موجباً، بمعنى: أنه لم يسبقه نفيٌ ولا شبه النفي، والمراد بشبه النفي الاستفهام والنهي، ثم الكلام التام إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه أو إن شئت قل: بعضه، هذا يُسمى: استثناءً متصلاً، لماذا؟ لأن ما بعد (إلا) من جنس ما قبل (إلا) قام القوم إلا زيداً، زيد من جنس القوم، إذاً: هذا يسمى: استثناءً متصلاً، لأن ما بعد (إلا) بعض مما قبل (إلا).
وإن كان من غيره ليس بعضاً منه ولا من جنسه يُسمى استثناءً منقطعاً، قام القوم إلا حماراً، قالوا: الحمار ليس من جنس القوم، زيد نعم من جنس القوم، لكن حمار ليس من جنس القوم، إذاً: هذا يسمى استثناءً منقطعاً.
إذاً القسمة هكذا: كلامٌ تام بِذِكر المستثنى منه، ثم هذا يكون موجباً بأن يكون مثبتاً، ويكون منفياً بنفيٍ أو شبهه وهو الاستفهام والنهي، ثم مفرَّغ وهذا ما لم يذكر فيه المستثنى منه ولا يكون إلا منفياً، ثم الأول قد يكون متصلاً، وقد يكون منقطعاً، والمتصل هو ما كان المستثنى بعضاً من المستثنى منه أو جنساً، والمنقطع: ما كان المستثنى ليس من جنس المستثنى منه ولا بعضاً منه، مثل: قام القوم إلا حمار، هذا على المشهور، وإلا فيه نقد، وسيأتينا إن شاء الله.
إذاً: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ: حكم الأول المتعلق بـ (إلا) وجوب النصب، وذلك إذا كان الاستثناء بـ (إلا) خاصة دون غيرها من أدوات الاستثناء، وبأن كان الكلام تاماً موجباً، بمعنى: أنه لم يتقدمه نفيٌ ولا شبه النفي، وهذا مقيدٌ هنا بالاشتراط بمقابله، لأنه قال: وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ، دل على أن الأول قوله: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مَعْ تَمَامٍ دون نفيٍ وهو الموجب.
إذاً: اشتراط الإيجاب في الأول مأخوذٌ باشتراط النفي في الثاني، مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مَعْ كلامٍ تامٍ غير مُفرَّغٍ لأن التام هو الذي ذُكِر فيه المستثنى منه.
يَنْتَصِبْ: هذا مطلقاً، سواءٌ كان موجباً أو منفياً، قام القوم إلا زيداً، نقول: زيداً هذا من جنس القوم، والكلام هنا تامٌ وهو موجب، ما قام القوم إلا زيداً، هل قام القوم إلا زيداً، لا يقم القوم إلا زيداً، نقول: هنا نفيٌ، والكلام تام وجب النصب، هذه الحالة الأولى من أحوال (إلا): وجوب النصب، ولذلك قال: يَنْتَصِبْ، يعني: وجوباً، وهو خبر (ما).
وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ ... إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ ..
وَبَعْدَ نَفْيٍ: لا زال الكلام في الكلام التام، فحينئذٍ الكلام التام يُفصَّل فيه بين ما إذا كان متصلاً أو منقطعاً.
стр. 1131
وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ: وهذا متعلَّقه التمام لما سبق: انْتُخِبْ أو انْتَخِبْ: يصح بالوجهين، انْتُخِبْ يعني: اختير إتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ، وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ، إذاً: حصل التفصيل بين المنقطع والمتصل فيما إذا كان الكلام تاماً منفياً، فلما فَصَّل في الثاني دل على أن قوله: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ مطلق، يقيد بالموجب ثم يعُم المتصل والمنقطع، فالمتصل في الموجب والمنقطع حكمهما واحد: وهو وجوب النصب، وأما في المنفي مع التمام حينئذٍ يُفصَّل فيه: فإن كان متصلاً قال: انْتُخِبْ إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ، بأن يكون تابعاً لما قبله، ما قام القوم إلا زيدٌ، بالرفع على أنه بدل بعض من كل، ما رأيت القوم إلا زيداً، زيداً بالنصب لا على الاستثناء، وإنما لكونه بدلاً مما قبله -بدل بعضٍ من كل-، ما مررت بالقوم إلا زيدٍ، زيدٍ: هذا بدل من القوم، والبدل من المجرور مجرور، هذا إذا كان متصلاً: تامٌ .. منفي .. متصل، وجب فيه .. اختير الإتباع، مع جواز النصب، فيجوز فيه الوجهان إلا أن أحدهما أرجح من الآخر.
وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ، يعني: إذا كان تاماً منفياً وجب فيه نصب المنقطع، ما قام القوم إلا حماراً، هذا عند الحجازيين واجب النصب، إذاً: الاختيار بين الإتباع والنصب فيما إذا كان تاماً منفياً متصلاً، وإذا كان منقطعاً حينئذٍ وجب النصب.
وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ: وَعَنْ تَمِيمٍ: هذا خبر مقدم، وإِبْدَالٌ: هذا مبتدأ، وَقَعْ: هذا نعت، وفِيهِ: متعلقٌ به، إبدالٌ وقع فيه عن تميمٍ.
إبدالٌ وقع فيه: فيه الضمير يعود على الجميع، أو وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ؟ المنقطع، وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ أي: المنقطع إِبْدَالٌ وَقَعْ، إذاً: محل الخلاف بين الحجازيين والتميميين في المنقطع .. فيما إذا كان تاماً منفياً، الحجازيون يوجبون النصب: ما قام القوم إلا حماراً، والتميميون يجوزون الإتباع مع النصب، إلا أن الإبدال عندهم جائز وإن كان قليلاً، ولذلك نَكَّر الناظم إِبْدَالٌ.
ما قام القوم إلا حمارٌ: حمارٌ هذا بدل عند بني تميم، بدل بعض من كل من قوله: القوم، وعند الحجازيين واجب النصب، إذاً: التام المنفي نقول: فيه تفصيل عند الحجازيين بين المتصل والمنقطع، ما كان متصلاً جاز فيه وجهان:
النصب وهو مرجوح، والإتباع وهو راجح، ولذلك قال: انْتُخِبْ، إتْبَاعُ ما معنى إتباع؟ يعني: أن يُتبع الثاني الأول، ما بعد (إلا) يأخذ حكم ما قبلها، فإن كان مرفوعاً رفع، مثل: ما قام القوم إلا زيدٌ، وإن كان منصوباً نصب: ما رأيت القوم إلا زيداً، وإن كان مجروراً جر ما مررت بالقوم إلا زيدٍ، مع جواز النصب في الجميع، وأما المنقطع الذي يكون ما بعد (إلا) ليس من جنس ما قبلها، ليس بعضاً منه، عند الحجازيين يجب فيه النصب، فيقولون: ما قام القوم إلا زيداً، ولا يصح عندهم إلا زيدٌ، وجوَّز فيه بنو تميم إلا زيدٌ كسابقه.
إذاً: التفريق عند من بين المتصل والمنقطع؟ عند الحجازيين فقط، وأما عند التميميين فهما سيان لا فرق بينهما، لا فرق بين المتصل والمنقطع في هذا المقام.
стр. 1132
إذاً: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ: هذا أشار به إلى الحال الأولى من الاستثناء بـ (إلا) وهو وجوب النصب، متى يجب النصب؟ إذا كان الكلام تاماً موجباً مطلقاً، ما المراد بمطلقاً؟ سواءٌ كان متصلاً أو منقطعاً، قام القوم إلا زيداً، هل يصح: إلا زيدٌ؟ لا، لأن النصب واجب، قام القوم إلا حماراً؟ واجب النصب، نحن نقول: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مَعْ تَمَامٍ أطلق الناظم هنا، يعني: الكلام التام، أطلقه، حينئذٍ يشمل المنقطع والمتصل، ونقيده بالموجب لأنه قيد ما بعده، فدل على أن مراده بقوله: مَعْ تَمَامٍ: الموجب، يَنْتَصِبْ موجَباً كان أو غير موجِبٍ، وسيأتي الاستثناء فيما بعده، إذاً: هذه الحالة الأولى.
وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ ... إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ: انْتَخِبْ ... إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ، يعني: إذا كان الكلام تاماً منفياً متصلاً جاز فيه وجهان: الإتباع والنصب، الإتباع على أنه بدل بعض من كل، ما قام القوم إلا زيدٌ، زيدٌ: هذا بدل بعض من القوم، مع جواز النصب، ما قام القوم إلا زيداً.
وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ: إذا كان تاماً منفياً، حينئذٍ نقول: في المنقطع واجب النصب عند الحجازيين، ما قام القوم إلا حماراً، ولا يجوز عندهم إلا حمارٌ بالرفع، وجوزه بنو تميم.
نعود إلى الأبيات: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ، يعني: مع كلامٍ تمامٍ غير مُفرَّغ، يَنْتَصِبْ، إلا أن النصب مع الموجب واجبٌ اتفاقاً، سواءٌ كان المستثنى متصلاً: وهو ما كان بعضاً من المستثنى منه أو منقطعاً، وهو ما لم يكن بعضاً من المستثنى منه، وسواءٌ كان متقدماً على المستثنى منه أو متأخراً، هذا عام يشمله اللفظ، لو قيل: قام إلا زيداً القوم، هذا سيأتي أنه واجب النصب، إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه دون العامل: قام إلا زيداً القوم وجب النصب، وقام إلا حماراً القوم، أيضاً واجب النصب، هذا تشمله العبارة، مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مطلقاً سواءٌ تقدم على المستثنى منه أو تأخر في محله فالنصب واجب، قام إلا زيداً القوم، قام إلا حماراً القوم.
ويشمل ما إذا كان الاستثناء متصلاً، أو منقطعاً فالحكم عام.
وَبَعْدَ نَفْيٍ: بَعْدَ هذا منصوب على الظرفية متعلق بقوله: انْتُخِبْ، يعني: كأنه قال: وانتُخب إتباع ما اتصل بعد نفيٍ أو كنفيٍ، متعلق بقوله: انْتُخِبْ، وإِتْبَاعُ بالرفع على أنه نائب فاعل، وإذا ضُبِطَ: انْتَخِبْ صار فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت وجوباً، وإِتْبَاعُ: صار بالنصب، وهذا موافق لقوله: يَنْتَصِبْ، لكن المشهور انْتُخِبْ ِمُغيَّر الصيغة.
стр. 1133
وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ، يعني: اختِيِر بَعْدَ نَفْيٍ ولو معنًى دون لفظٍ، أَوْ كَنَفْيٍ: وهو النهي والاستفهام المؤول بالنفي وهو الإنكاري، مثاله بعد النفي لفظاً ومعنًى: ما قام أحدٌ إلا زيدٌ، هذا مثالٌ للنفي معنًى ولفظاً، ما قام أحدٌ إلا زيدٌ بالرفع، وهذا كلامٌ تام منفي، ما قام أحدٌ إلا زيدٌ، وما رأيت أحداً إلا زيداً، وما مررت بأحدٍ إلا زيدٌ، ومثاله بعد النفي معنًى دون لفظٍ، لأن قوله: وَبَعْدَ نَفْيٍ أطلق الناظم، فيشمل ما إذا كان منفياً لفظاً ومعنًى، وذلك فيما إذا صُدِّرَ بحرفٍ من حروف النفي مثل: (ما)، ويشمل أيضاً ما إذا كان منفياً في المعنى دون اللفظ، مثَّلوا له بقول الشاعر:
وَبِالصَّرِيمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عَافٍ تَغَيَّرَ إِلاَّ النُّؤْيُ وَالْوَتِدُ
عافٍ تَغَيَّرَ إلاَّ النُّؤْيُ .. عافٍ تَغَيَّرَ، قالوا: تَغَيَّرَ هذا فيه معنى النفي دون اللفظ، بمعنى: أنه لم يبق على حاله، وهذا فيه نفيٌ لكنه من جهة المعنى، فإن تَغَيَّرَ بمعنى: لم يبق على حاله، ومثال شبه النفي: لا يقم أحدٌ إلا زيدٌ، لا يقم: هذه لا ناهية، ويقم: هذا فعل مضارع سلطت عليه لا الناهية فجزم، وهل قام أحدٌ إلا زيدٌ؟ ((وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ)) [آل عمران:١٣٥] هذا استفهام إنكاري مشربٌ بالتحدي، لا أحد يغفر الذنوب إلا الله.
حينئذٍ نقول: قوله كَنَفْيٍ يشمل ما إذا كان النفي باللفظ والمعنى معاً، وذلك فيما إذا كان اللفظ مصرَّحاً به: ما قام أحدٌ إلا زيدٌ، ويشمل ما إذا كان النفي معنًى دون لفظٍ، مثل المثال الذي ذكره الأشموني: عَافٍ تَغَيَّرَ إِلاَّ النُّؤْيُ، نقول: هذا استثناء تامٌ، منفي أو موجب؟ نقول: منفي، مع أنه لم يتقدمه حرف نفي، لأنه قال: عَافٍ تَغَيَّرَ إِلاَّ النُّؤْيُ، تَغَيَّرَ نقول: بمعنى لم يبق على حاله، إلاَّ: جاء الاستثناء هنا مسبوقاً بنفي لكنه من جهة المعنى لا من جهة اللفظ.
وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ ... إتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ، يعني: لما قبل (إلا) في إعرابه، وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ.
وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ، أي: في المنقطع، إِبْدَالٌ .. هنا نكَّرَه لماذا؟ إشعاراً بقلة ذلك عندهم، وَقَعْ، يعني: كالمتصل، إبدالٌ وقع كالمتصل، يعني: في المنقطع كالمتصل.
وقوله: انْتُخِبْ إتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ، أفهم أن النصب جائز، وقد قرئ في السبع: ((مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ)) [النساء:٦٦] نحن نقول: انْتُخِبْ إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وهذا متصل: مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلاً، الأرجح الرفع وقرئ به، وجاء أيضاً: إلا قليلاً بالنصب، دل على أنه جائز، إذاً: هذا فصيح وهذا فصيح، كلاهما فصيح، إلا أن ما كان أكثر وخاصةً إذا كان أكثر القراء عليه يكون من قبيل: فصيح وأفصح.
стр. 1134
إذاً قوله: انْتُخِبْ إتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ أفَهَم أن النصب جائز، وقد قرئ في السبع: ((مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ)) [النساء:٦٦] ((وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ)) [هود:٨١] إِلَّا امْرَأَتَكَ بالنصب، وَلا يَلْتَفِتْ: هذا شبه نفيٍ، وهو نهي، ((وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ)) [هود:٨١] هذا تامٌ، المستثنى منه مذكور، وهو مسبوقٌ بشبه النفي بالنصب.
وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ: قيل تميم لم يجوزوه هكذا مطلقاً وإنما شرطوا في جواز الإبدال عندهم: أن يمكن تسليط العامل على المستثنى، إذا أمكن أن يسلط العامل على المستثنى جاز فيه الإبدال، وإلا فوافقوا الحجازيين في وجوب النصب، إذاً: وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ بشرط إمكان تسليط العامل على المستثنى، فإن لم يمكن وجب النصب اتفاقاً، نحو: مَا زَادَ هَذَا المالُ إلاّ مَا نَقَصَ، ما: هذه مصدرية، هل يصح أن يُقال: زاد نقص؟! لا يصح، إذاً: لا يصح أن يسلط العالم على ما بعد (إلا) فوجب النصب عندهم، وما نفع زيدٌ إلا ما ضرَّ، ما: مصدرية، حينئذٍ تكون مؤولة مع ما بعدها بمصدر، نقول: هذا واجب النصب عند تميم، لأنه لا يقال: نفع ضر، نفع ضر هذا لا يجتمعان.
إذ لا يقال: زاد النقص ولا نفع الضُر، وحيث وجد شرط الإبدال فالأرجح عندهم النصب أيضاً، إذا وجد شرط الإبدال حينئذٍ لا يستويان كذلك، بل الإبدال يكون مرجوحاً والنصب يكون أرجح.
إذاً: وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ نقول: بشرط أن يمكن تسليط العامل على ما بعد (إلا) فإن أمكن حينئذٍ جاز فيه الوجهان: الإبدال والنصب، والنصب أرجح.
قال الشارح: " حكم المستثنى بـ (إلا) النصب إن وقع بعد تمام الكلام الموجب سواءٌ كان متصلاً أو منقطعاً، نحو: قام القوم إلا زيداً " زيداً: هذا مستثنًى من القوم، وهو من جنسه، فدل على أنه متصل، ثم هو كلامٌ تام ذُكِر المستثنى منه، وهو كلامٌ موجب لم يسبقه نفيٌ ولا شبه النفي، إذاً: وجب نصب زيد، وضربت القوم إلا زيداً، ومررت بالقوم إلا زيداً، لماذا عدد الأمثلة؟ الرفع والنصب والجر، وأيضاً يحتمل أنه أراد أن يبين المستثنى منه في الكلام التام قد يكون مرفوعاً، وقد يكون منصوباً، وقد يكون مجروراً، وقام القوم إلا حماراً، وضربت القوم إلا حماراً، ومنه الآية السابقة: ((فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ)) [البقرة:٢٤٩] كلام موجب، ومررت بالقوم إلا حماراً، فزيداً في هذه المُثُل منصوبٌ على الاستثناء، وكذلك حماراً.
الناظم قال: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ، وعرفنا أن المستثنى بعد (إلا) منصوب، فحينئذٍ ما العامل فيه؟ ظاهر كلام الناظم أن العامل هو (إلا) لأنه نسب الاستثناء إلى (إلا)، وهذا وإن كان شيئاً معنوياً إلا أن الأصل في الحرف إذا أثر في المعنى وكان ثَمَ عمل أن يكون العمل منسوباً إليه، هذا هو الأصل، كالشأن في حروف الجر لما عَدَت معاني الأفعال إلى الأسماء، حينئذٍ أثرت في المعنى فاختصت بالجر، هذا الأصل فيها: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ.
стр. 1135
قال ابن عقيل: " والصحيح من مذاهب النحويين أن الناصب له ما قبله بواسطة (إلا) " يعني: الفعل، واختار المصنف في غير هذا الكتاب: أن الناصب له (إلا) بل الظاهر أنه في هذا الكتاب كذلك أن الناصب له (إلا) لأنه قال هنا: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ، وسيأتي: وَأَلْغِ إِلاَّ ذَاتَ تَوْكِيدٍ يعني: ألغ إعمالها، فدل على أن ابن مالك رحمه الله تعالى يرى أن (إلا) هي الناصبة، هذا الظاهر.
قام القوم إلا زيداً، زيداً: هذا منصوب بـ (إلا) وليس منصوباً بالقوم، وهذا إذا نظرنا إلى المعنى السابق: قولٌ متصلٌ يدل على أن المذكور معه غير مراد بالأول، نقول: هذا يؤيد أن النصب إنما يكون بـ (إلا) لا بالفعل، لماذا؟ لأن المعنى الذي قبل (إلا) هذا مهجور، قام القوم: فيه إثبات القيام للقوم، إلا زيداً: فيه نفيٌ، إذاً: حصل نفي القيام عن زيد بـ (إلا) لا بالفعل، والذي يحصل به التأثير في المعنى هو الأصل أن يكون عاملاً، ولذلك الأرجح أن يُقال: بأن المستثنى منصوب بالحرف نفسه (إلا) لماذا؟ لأن المعنى الذي هو الاستثناء حصل بها، ثم من جهة النفي والإثبات لأنه يُثبت لما بعد (إلا) نقيض حكم ما قبلها، نقول: الأصل في العامل السابق ألا يكون له تأثير، لأن قام زيداً، كيف يؤثر فيه والقيام منفي عن زيد، لو قال: قام زيدٌ، زيدٌ متصفٌ بالقيام الذي دل عليه قام، أما قام القوم إلا زيداً، زيداً: هذا مُخرَجٌ كليةً من المستثنى منه الذي أضيف إليه القيام ومن الحكم، ُحينئذٍ يكون الأولى أن يكون الناصب له (إلا) وهذا ظاهر كلام الناظم رحمه الله تعالى.
وقيل: الناصب هو الفعل الواقع قبل (إلا) باستقلاله دون واسطة إلا، وقيل: بواسطة (إلا)، وقيل: فعلٌ مقدر استثني، وهذا ضعيف، قام القوم أستثني زيداً، لماذا ضعيف؟ لأنه كما سبق -القاعدة حتى نكون مطردين-: إذا أمكن تعليق العمل بملفوظ لا يُعدَل عنه إلى محذوف، ومن قال بأنه بالفعل بواسطة (إلا) أقرب إلى الصواب من قوله: بأنه بمحذوف، والصواب أن نقول: أنه بـ (إلا).
واختار المصنف أن الناصب له (إلا) لأنها حرفٌ مختصٌ بالأسماء وهذا هو الصواب، غير مُنَزَّل مُنَزَّلة الجزء، يعني: ليس كـ (أل) أل: هذه إذا دخلت على الاسم نُزِّلت مُنَزَّلة الجزء منه، والحرف المختص بالاسم قد يُنَزَّل مُنَزَّلةَ الجزء، وقد لا يُنَزَّل مُنَزَّلةَ الجزء، إذا نُزِّلَ مُنَزَّلةَ الجزء لا يعمل البتة .. يُهمل، لماذا؟ لأنه صار جزء الكلمة، كالزاي من زيد، وإذا كان كذلك حينئذٍ بعض الشيء لا يعمل فيه .. جزء الشيء وبعضه لا يعمل فيه، كما قيل في أحرف المضارعة هناك: يضرب مرفوعٌ بالياء، العامل فيه الياء أحرف المضارعة، نقول: لا، هذا ضعيف، لماذا؟ لأن أحرف المضارعة صارت جزء من الفعل، وجزء الشيء لا يعمل فيه، بدليل تخطي العامل لها: لم يضرب، دخل العامل (لم) ثم الياء عامل هي في نفسها، والأصل فيها أن (لم) يظهر إعرابها أو طلبها على الياء، فلما ظهر على آخر الفعل دل على أن الياء مُنَزَّلة مُنَزَّلةَ الجزء من الكلمة.
стр. 1136
كذلك: الرجل .. رجل، تقول: مررت بالرجل، حينئذٍ أين ظهر أثر الباء؟ ظهر في آخر رجل، دل على أن كلمة: الرجل، قبل التركيب إدخال (أل) على كلمة: رجل، هما كلمتان، لذلك لو سئلت: الرجل كم كلمة؟ تقول: كلمتان، ما تقول: كلمة واحدة، كلمتان: (أل) حرف تعريف، (أل) مثل: في، ولم، وقد، والسين، وسوف، مثلها إذا قيل: سوف يصلي، كم كلمة هذه؟ كلمتان واضحة، لكن: الرجل .. العالم .. نقول: هذه كلمتان، لكن لما امتزجت (أل) بمدخولها بمصحوبها امتزاج الجزء بكله تعداها العامل، إذا قلت: مررت بالرجل .. جاء الرجل .. رأيت الرجل، أين ظهرت الحركات؟ على اللام، فلو كانت (أل) معتبرة في ذاتها وأنها كلمة مستقلة لظهر عليها أو كانت مقدرة.
حينئذٍ نقول: (إلا) هنالم تُنَزَّل مُنَزَّلَة الجزء من مدخولها، إذاً: لو نُزِّلت مُنَزَّلة الجزء لما صح أن نقول: إنها ناصبة، لكن لما كانت منفكة عنها كانفكاك حروف الجر عن المدخول وهو الاسم حينئذٍ صح أن يُقال: بأنها عاملة، لأنها حرفٌ مختص، هذا أولاً، يعني: مختصٌ بالأسماء، ثم غير مُنَزَّل مُنَزَّلة الجزء، وما كان كذلك فهو عاملٌ، -هذه مقدمات- فيجب كذلك في (إلا) أن تكون عاملة ما لم تتوسط بين عاملٍ مفرَّغٍ ومعموله فتُلغى، ما قام إلا زيدٌ، هذا سيأتي أنه مُفرَّغ، لماذا؟ لأن (إلا) هنا لا عمل لها:
وَإِنْ يُفَرَّغْ سَابِقٌ إِلاَّ لِمَا ... بَعْدُ يَكُنْ كَمَا لَوِ الاَّ عَدِمَا
فحينئذٍ (إِلاَّ) ملغاة هنا، فنستثني هذه الحالة بحيث إن (إِلاَّ) لا تكون عاملة، وذلك فيما إذا فُرِّغَ العامل لما بعد (إلا) وهذا خاصٌ بالاستثناء المفرَّغ كما سيأتي، ما لم تتوسط بين عاملٍ مُفرَّغ ومعموله فتلغى وجوباً إن كان التفريغ محققاً، نحو: ما قم إلا زيدٌ، وجوازاً إن كان مقدراً نحو: ما قام أحدٌ إلا زيدٌ، فإنه في تقدير: ما قام إلا زيدٌ.
التفريغ سيأتي أنه محقق: ما قام إلا زيدٌ، هذا محقق، لأنه لم يُذكر المستثنى منه، قد يذكر ويكون في قوة المحذوف: ما قام أحدٌ إلا زيدٌ، ماذا استفدت من كلمة: أحد؟ لا شيء، قالوا: هذا استثناءٌ مفرَّغ لكنه تقديراً، ولذلك الأكثر في هذا التركيب: أن يحذف الفاعل، وسبق معنا: ما قام إلا هندٌ، أن جماهير النحاة: على أنه لا يؤنث، لماذا؟؟؟؟ قلنا: المفصول بغير (إلا)، إذا فُصِل بغير (إلا) جاز فيه الوجهان: حضر اليوم هندٌ، وحضرت اليوم هندٌ، هذا جاز فيه الوجهان إذا كان الفصل بغير (إلا)، لكن إذا فُصِل بـ (إلا)؟ عند الجماهير لا يجوز تأنيثه خلافاً لابن مالك، لماذا؟
стр. 1137
لأن الفاعل في الحقيقة هو محذوف أحد، فهو مُذَكَّر لذلك لا يجوز تأنيثه، تأنيث: ما قام إلا هندٌ، كتأنيث: قامت زيدٌ، وهذا لا يصح، حينئذٍ: ما قام إلا هندٌ، هذا أصله ما قام أحدٌ إلا هندٌ، فهندٌ بدلٌ من الفاعل المحذوف، وليست هي الفاعل حتى نقول: يجوز فيه الوجهان، هذا التركيب نقول: قد يكون مفرَّغاً حقيقةً إذا لم يُذْكر المستثنى منه، وقد يكون تقديراً فيما لو ذُكِرَ والأصل فيه حذفه أو لم يفد فائدة، مثل لو قال: ما رأيت أحداً إلا زيدٌ، لأن أحداً مبدلٌ منه، والمبدل منه في نية الطرح، وإنما لم تعمل الجر، إذا قيل: (إلا) لماذا عملت الاستثناء –النصب- والأصل فيما اختص أن يعمل الجر؟
لأن عمل الجر بحروفٍ تضيف معاني الأفعال إلى أسماء وتنسبها إليها، و (إلا) ليست كذلك، فإنها لا تنسب إلى الاسم الذي بعدها شيئاً بل تخرجه من النسبة، فلما خالفت حروف الجر لم تعمل عملها، والأحسن أن يُقال: إنما لم تعمل الجر لموافقتها الفعل في المعنى، كأنه قال: أستثني، ولذلك لفظ: أستثني عند الأصوليين من أدوات الاستثناء، بخلافه عند النحاة:
حُرُوفُ الاسْتِثْنَاء وَالْمُضَارِعُ ... ... ... مْنِ فِعْلٍ الاسْتِثْنَاء وَمَا يُضَارِعُ
حُرُوفُ الاسْتِثْنَاء وَالْمُضَارِعُ: أستثني، هذا من المخصصات عند الأصوليين، لكن عند النحاة لا، إذاً: لما ضُمِّنت أو دلت (إلا) على معنى الفعل حينئذٍ عملت النصب، كما هو الشأن في؟؟؟ حرفٌ ضُمِّنَ معنى الفعل فنصب، ما هو؟ (إنَّ) النواسخ، قلنا: (إنَّ) عملت النصب لماذا؟ الأصل أنها تعمل الجر، لكن لما أشبهت الفعل لفظاً ومعنًى في اللفظ لأنها على ثلاثة أحرف وأربعة وخمسة إلى آخره، ومعنًى: أُؤكد .. أُشَبِّه .. أستدرك، إلى آخره، لما أشبهته في المعنى عملت النصب، وإلا الأصل في الحرف إذا اختص باسمٍ أن يعمل الجر، إذا عمل النصب أو الرفع لا بد من سؤال: لماذا خرج عن الجر؟
والغالب في مثل هذا النوع: أنه يدل على معنى الفعل، فهنا: قام القوم إلا زيداً، في قوة قولك: قام القوم أستثني زيداً، إذاً: دلت (إلا) على معنى: أستثني، ويؤكد هذا أن الأصوليين عَدَّوْا استثني، من المخصصات:
حُرُوفُ الاسْتِثْنَاء وَالْمُضَارِعُ ... ... ... مْنِ فِعْلٍ الاسْتِثْنَاء وَمَا يُضَارِعُ
إذاً: الأحسن أن يُقال: إنما لم تعلم الجر لموافقتها الفعل في العمل.
إذاً: الصحيح أن المستثنى منصوب بـ (إلا) فقط، ليس بالفعل استقلالاً، ولا بالفعل بواسطة (إلا)، ولا بـ (أستثني) محذوفاً، فالمذاهب أربعة، الصواب ما ذكرناه، وهو ظاهر كلام ابن مالك رحمه الله تعالى هنا وفي غير هذا الكتاب، لأنه قال: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ نسب إليها الاستثناء، ثم قال: وَأَلْغِ إِلاَّ، دل على أن (إلا) هي العاملة.
قال: والصحيح من مذاهب النحويين أن الناصب له ما قبله بواسطة (إلا)، هذا رأي ابن عقيل رحمه الله تعالى، واختار المصنف: أن الناصب له (إلا) لكن نسبه في غير هذا الكتاب، وهذا ليس بظاهر، بل الظاهر أنه حتى في هذا الكتاب اختار أن (إلا) هي الناصبة.
стр. 1138
وزعم أنه مذهب سيبويه والمُبَرِّد، وهذا معنى قوله: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ، أنه ينتصب الذي استثنته (إلا) مع تمام الكلام إذا كان موجباً، سواءٌ تقدم المستثنى أو تأخر .. سواءٌ كان متصلاً أو منقطعاً، فإن وقع بعد تمام الكلام الذي ليس بموجَبٍ وهو المشتمل على النفي أو شبهه، والمراد بشبه النفي النهي والاستفهام، فإما أن يكون الاستثناء متصلاً أو منقطعاً، وعرفنا أن المتصل: هو ما كان مستثنى من جنس المستثنى منه، يعين: بعضه، والمنقطع: ما كان مستثنى من غير جنس المستثنى منه، هذا من باب التيسير، وإلا الأصح أن يُقال: الاستثناء المتصل: أن يُحكم بنقيض الحكم على ما بعد (إلا)، يعني: بنقيض الحكم السابق، بشرط أن يكون من جنسه: هو الحكم بنقيض الحكم على جنس ما حكمت عليه أولاً، لأن ثَمَ إشكال:
إذا قيل: بأنه لا يكون استثناءً متصلاً أو منقطعاً إلا باعتبار ما كان من الجنس أو عدمه: ((لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى)) [الدخان:٥٦] هذا من أي الأنواع، منقطع أو متصل؟ من قبيل قام القوم إلا زيداً، موت وموت .. موت شيء واحد، قيل وقيل، لذلك وقع نزاع بين العلماء، قيل: متصل وقيل منقطع، والصواب أنه منقطع، لماذا؟ لأن المراد هنا الحكم على ما بعد (إلا) بنقيض ما حكمت عليه أولاً، ماذا حكمت على الأول؟ (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ) عدم الموت هذا الحكم، (إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى) الموت، هذا خلاف، أو نقيض؟ هذا خلاف وليس بنقيض، ويشترط في صحة الاستثناء المتصل: أن يكون الحكم على ما بعد (إلا) نقيضاً ليس خلافاً، لماذا؟ لأن المستثنى منه هنا هو عدم الموت في الآخرة، ((لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ)) [الدخان:٥٦] ونقيض عدم الموت في الآخرة هو ذوقه في الآخرة، ونقيض ذوقه في الدنيا عدم ذوقه في الدنيا والآن التقابل حصل بماذا؟ عدم ذوقه في الآخرة لكونهم ذاقوه في الدنيا، إذاً: هذا خلاف وليس بنقيض، إذ لو قال: لا يذوقون فيها إلا الموت، ثم أثبت الموت في الآخرة حصل التناقض، إذاً: نقيض عدم ذوقه في الدنيا ذوقه في الدنيا لا في الآخرة، لأن عندنا اعتبارين: آخرة ودنيا، كلاهما منفصلان، في الدنيا موت، ذوقه وعدم ذوقه: نقيضان، في الآخرة: ذوقه وعدم ذوقه نقيضان، إذا جعلت المقابلة بين ذوق وعدم ذوق بين دنيا وآخرة خلافان ليسا بنقيضين، ولذلك الصواب أن يُقال: الاستثناء المتصل هو الحكم بنقيض الحكم على جنس ما حكمت عليه أولاً، وهنا حكمت على الجنس، الموت هو الموت واحد لا يتعدد، هو خروج الروح من الجسد، حينئذٍ هنا نقول: لا يذوقون فيها الموت إلا الموت، ظاهره على التعريف المشهور: أن الاستثناء المتصل ما كان بعضاً أو جنساً من جنس المستثنى منه، نقول: هذا استثناء متصل، لكن نقول: لا بد من اجتماع أمرين:
أن يكون من الجنس، وزيادةً على ذلك: المخالفة في الحكم، بأن يكون المحكوم عليه المستثنى بنقيض لا خلاف .. نقيض ما حكمت عليه قبل (إلا) وهذا لا يتوفر في الآية.
وغيره منقطعٌ، وهو صادق بأمرين –المنقطع-، إذاً: المنقطع أن تحكم على غير الجنس ما حكمت عليه أولاً أو بغير نقيضه، فيشمل صورتين -المنقطع-:
стр. 1139
أن تحكم على الجنس نفسه من جنسه، لكن لا بنقيض الحكم، هذا منقطع، وإنما يكون بخلافه ونحو ذلك.
أو تحكم ولو بالنقيض، لكن لا على الجنس، حينئذٍ نقول: هذا منقطع، إذا كان المستثنى من غير الجنس نقول: هذا منقطعٌ، وإذا كان الحكم بغير النقيض، نقول: هذا منقطع، فيصدق بالصورتين.
وأما المتصل فلا بد من اجتماع القيدين معاً: أن يكون من الجنس، والحكم بالنقيض، لا بد من هذا، وهذا مبحثه في الأصول.
فإن وقع بعد تمام الكلام الذي ليس بموجَبٍ: وهو المشتمل على النفي أو شبهه، والمراد بشبه النفي: النهي والاستفهام، فإما أن يكون الاستثناء متصلاً أو منقطعاً، والمراد بالمتصل: أن يكون المستثنى بعضاً مما قبله، ويُزاد عليه: أن يحكم على المستثنى بنقيض حكم المستثنى منه، وإلا لا يكون استثناءً متصلاً، ولذلك هناك: ((لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ)) توفر فيه هذا الحد، لأن الموت شيء واحد، ما بعد (إلا) بعض مما قبل (إلا) لكنه استثناء منقطع لانتفاء القيد الثاني.
وبالمنقطع: أن لا يكون بعضاً مما قبله، وقد يكون بعضاً لكنه متصل، فإن كان متصلاً جاز نصبه على الاستثناء، وجاز إتباعه لما قبله في الإعراب، وهو المختار، جاز فيه وجهان: النصب والإتباع، وإذا كان إتباعاً حينئذٍ المختار عند البصريين والحالة هذه: أن يكون بدل بعضٍ من المستثنى منه، وعند الكوفيين: عطف نسقٍ لأن (إلا) عندهم من حروف العطف في الاستثناء خاصة .. في هذا الموضع، إلا: حرف عطف، ما قام القوم إلا زيدٌ، ما قام القوم: فعل وفاعل، إلا: حرف عطف، زيدٌ: معطوفٌ على ما قبله، هذا عند الكوفيين، يعني: مثل قولك: ما جاء زيدٌ ولا عمروٌ، الواو: حرف عطف، ولا: زائدة، مثلها عند الكوفيين: أن ما بعد (إلا) يعتبر من عطف النسق، لأن (إلا) عندهم من حروف العطف في الاستثناء خاصة، بمنزلة (لا) العاطفة التي تعطي لما بعدها ضد حكم ما قبلها.
ورده الجمهور باطراد نحو: ما قام إلا زيدٌ، قالوا: هذا مطرد، يعني: يصح في لسان العرب أن تقول: ما قام إلا زيدٌ، ولو كانت (إلا) حرف عطف للزم أن يلي حرف العطف العامل بلا فاصل، لا يصح أن يُقال: ما قام وزيدٌ، يلي حرف العطف العامل، لما ولي باطراد: ما قام إلا زيدٌ، عرفنا أن (إلا) هذه ليست حرف عطف، إذاً: ورد الجمهور مذهبهم باطراد، نحو: ما قام إلا زيدٌ، وليس لنا حرف عطفٍ يلي العامل باطراد.
стр. 1140
وإذا تعذر البدل على اللفظ أبدل على الموضع، عند البصريين: إذا كان الأصل: ما قام القوم إلا زيدٌ، قلنا: البدل هنا يكون تابعاً للمبدل منه، قد يتعذر لو قال: ما رأيت من أحدٍ إلا زيد، أو ما قام من أحدٍ إلا زيد، كيف نُبْدل؟ أولاً: هل يتعذر الإبدال على اللفظ هنا: إلا زيدٍ، ما قام من أحدٍِ إلا زيدٍ، هل يصح؟ هذا سبق شرحناه لماذا؟ من: زائدة، ومدخولها: نكرة ولا تكون إلا في شبه النفي، وإذا أبدلت منه حينئذٍ قد أبدلت معرفة من نكرة، هذا لا يجوز أن يكون مدخول (من) الزائدة التي لا تقع إلا في النفي أو شبهه أن يكون معرفةً، فإذا قلت: ما قام من أحدٍ إلا زيدٍ، حينئذٍ كأنك أدخلت (من) الزائدة على زيد وهو معرفة وهذا ممنوع، إذاً: هنا تبدل على الموضع، ما قام من أحدٍ إلا زيدٌ، هنا تعذر الإبدال على اللفظ، فترجع إلى المعنى.
إذاً: قد يتعذر الإبدال هنا عند البصريين على اللفظ فحينئذٍ نرجع إلى المعنى.
ما جاءني من أحدٍ إلا زيدٌ، ولا أحدَ فيها إلا زيدٌ، لا يصح أن تبدل، لأن مدخول (لا) النافية للجنس لا يكون إلا نكرة، فلو أبدلته منها حينئذٍ أدخلته على المعرفة، وما زيدٌ شيئاً إلا شيءٌ لا يُعبئ به، برفع ما بعد (إلا) فيه، ونحو: ليس زيدٌ بشيءٍ إلا شيئاً، هل يصح إلا شيءٍ؟ ليس زيدٌ بشيءٍ .. وَبَعْدَ مَا وَلَيْسَ جَرَّ البَا الْخَبَرْ .. خبر ليس، وخبر ليس تدخل عليه الباء بشرط ماذا، مراعاةً لأي شيء؟ مراعاةً للنفي، ولذلك قلنا: تدخل على (ما) النافية سواءٌ كانت حجازية أو تميمية على الصحيح، فحينئذٍ: ما زيدٌ بقائمٍ، ليس زيدٌ بقائمٍ، هنا دخلت الباء لكونها واقعةً في خبر (ليس) و (ما) النافيين.
لو قلت: ليس زيدٌ بشيءٍ إلا شيءٍ، ما بعد (إلا) له نقيض حكم ما قبله، ما قبله منفي، وما بعده مثبت، فلو قلت: إلا شيءٍ بالخفض كأنك أدخلت الباء عليه، وهذا ممنوع لا يجوز أن تدخل الباء على مثبت، وإنما تدخل على منفي، ليس زيدٌ بشيءٍ إلا شيئاً بنصبه، هذا متعيِّن، لأن من والباء، لا يزادان إلا في النفي، و (ما) و (لا) لا يقدران عاملتين بعده.
إذاً: إذا كان متصلاً جاز فيه الوجهان عند الحجازيين، الإبدال على أنه بدل بعض من كل، لا على أنه عطف نسق، وهذا مرجوح كما ذكرناه، والمشهور أنه بدلٌ من متبوعه، وذلك نحو: ما قام أحدٌ إلا زيدٌ، وإلا زيداً، ولا يقم أحدٌ إلا زيدٌ وإلا زيداً، وهل قام أحدٌ إلا زيدٌ وإلا زيداً، فيجوز فيه الوجهان إلا أن البدل أرجح من النصب، فيجوز في زيد أن يكون منصوباً على الاستثناء، وأن يكون منصوباً على البدلية من: أحد، وهذا هو المختار.
وإن كان الاستثناء منقطعاً تعين النصب عند جمهور العرب، فتقول: ما قام القوم إلا حماراً، ولا يجوز الإتباع، وأجازه بنو تميم. فتقول: ما قام القوم إلا حماراً، وما ضربت القوم إلا حماراً، وما مررت بالقوم إلا حمارٍ، يعني: بالإتباع.
стр. 1141
إذاً: في الاستثناء المنقطع نقول: عند بني تميم ليس على إطلاقه، بل بشرط أنه هل يمكن تسليط العامل على ما بعد (إلا) أو لا؟ إن أمكن حينئذٍ جاز فيه الإتباع، وإن لم يمكن حينئذٍ وجب فيه النصب كالحجازيين، في الاستثناء المنقطع إن لم يمكن تسليط العامل على المستثنى وجب النصب اتفاقاً، نحو المثال الذي ذكرناه: مَا زَادَ هَذَا المالُ إلاَّ مَا نَقَصَ، إذ لا يُقال: زاد النقص، وكذلك: ما نفع زيدٌ إلا ما ضر، لا يُقال: نفع الضر، وإن أمكن تسليطه فالحجازيون يوجبون النصب، وعليه قراءة السبعة: ((مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ)) [النساء:١٥٧] قالوا: الظن ليس من جنس العلم، هذا المشهور، فحينئذٍ إذا كان ليس من جنسه صار منقطعاً، وهنا قد نُصِب: ((مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ)) [النساء:١٥٧] اتباع بالنصب على الاستثناء، وهو استثناءٌ منقطع، إذاً نقول: الأصل فيه الجواز.
وتميمٌ ترجحه، وتجيز الإتباع كقول القائل:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أنِيسُ ... ... إِلاَّ اليَعَافِيرُ وإِلاَّ الْعِيسُ
نقول: هذا استثناءٌ منقطع، لأن الأنيس الأصل فيه .. من الغنم والإبل والبقر، أو البشر؟ البشر، وبلدة لَيْسَ بِهَا أنيسُ يعني: يستأنس به، ولا يستأنس إلا بالبشر، إِلاَّ اليَعَافِيرُ وإِلاَّ الْعِيسُ.
إذاً: وهذا هو المراد بقوله: وَانْصِبْ مَا انْقَطَعَ، أي: انصب الاستثناء المنقطع، إذا وقع بعد نفيٍ أو شبهه عند غير بني تميم، وأما بنو تميم فيجيزون إتباعه، وفي المنقطع (إلا) عند البصريين بمعنى: لكن.
فمعنى البيتين: أن الذي استثني بـ (إلا) ينتصب إن كان الكلام موجباً ووقع بعد تمامه، وقد نبه على هذا التقييد بذكره حكم النفي بعد ذلك، وإطلاق كلامه يدل على أنه ينتصب سواءٌ كان متصلاً أو منقطعاً، متقدماً أو متأخراً، وإن كان غير موجب انْتُخِبْ، أي: اختيِر إتباع ما اتصل، ووجب نصب ما انقطع عند غير بني تميم، وأما بنو تميم فيجيزون إتباع المنقطع.
وَغَيْرُ نَصْبِ سَابِقٍ فِي النَّفْيِ قَدْ ... يَأْتِي وَلَكِنْ نَصْبَهُ اخْتَرْ إِنْ وَرَدْ
هذا فيما إذا تقدم المس تثنى على المستثنى منه، يعني قيل: ما قام إلا زيداً القومُ، قدمت المستثنى على المستثنى منه، سبق مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ، قلنا: إذا كان موجباً تقدم أو تأخر وجب النصب.
إذاً: الكلام هنا قال: وَغَيْرُ نَصْبٍ، إذاً: غير النصب وهو: الإتباع؛ لأنه إما إتباع وإما نصب، إما نصب على الاستثناء، وإما إتباع، غَيْرُ نَصْبٍ إذاً: المراد به الإتباع، وهذا لا يأتي في الكلام التام الموجب، وإنما يكون في الكلام التام المنفي، ولذلك قال: وَغَيْرُ نَصْبِ سَابِقٍ فِي النَّفْيِ .. فِي النَّفْيِ: قيده، ولم يقل: وشبهه اتكالاً على ما سبق؛ لأنه قال: وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ، فحينئذٍ نقول: شبه النفي لم يُعِدْه هنا اتكالاً على ما سبق.
وَغَيْرُ نَصْبِ سَابِقٍ، غَيْرُ: هذا مبتدأ وهو مضاف، ونَصْبِ: مضاف إليه، ونَصْبِ: مضاف، وسَابِقٍ: بالتنوين مضاف إليه، فِي متعلق بقوله: يَأْتِي.
стр. 1142
وَغَيْرُ نَصْبِ سَابِقٍ فِي النَّفْيِ قَدْ يَأْتِي في النفي، احترازاً من الموجب، إذاً: في النفي غير نصب سابقٍ: ما قام إلا زيداً القومُ، يجوز؟ لا يجوز .. وَغَيْرُ نَصْبِ سَابِقٍ فِي النَّفْيِ، يعني: في الكلام التام الموجب، غَيْرُ نَصْبٍ .. قَدْ يَأْتِي، إذاً: يجوز بل هو الأصل، وغير النصب هو الذي يكون فرعاً: ما قام إلا زيدٌ القوم، هذا المراد بهذا البيت: إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه، وكان الكلام تاماً منفي غير موجب، حينئذٍ إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه جاز فيه وجهان: النصب وهو الأرجح، وجاز فيه الإبدال .. الإتباع على الرفع أو النصب أو الخفض، ولذلك قال: قَدْ يَأْتِي .. غَيْرُ نَصْبٍ قَدْ يَأْتِي، قَدْ: هنا للتقليل، إذاً: الأصل فيه النصب.
وَلكِنْ نَصْبَهُ اخْتَرْ إِنْ وَرَدْ: صرح بالمفهوم، قوله: وَلكِنْ نَصْبَهُ اخْتَرْ إِنْ وَرَدْ هذا مفهوم من قوله السابق: وَغَيْرُ نَصْبٍ إذاً: وَغَيْرُ نَصْبٍ يعني: نصب مستثنىً سابق على المستثنى منه ..
فِي النَّفْيِ: احترز به عن الإيجاب، فإنه يتعين فيه النصب كما سبق، قَدْ: للتقليل، يَأْتِي: على قلةٍ بأن يُفرَّغ العامل له ويُجعل المستثنى منه تابعاً له، فيُقال: ما قام إلا زيدٌ القومُ، قيل: القومُ هنا على البدل المقلوب، إما أن يُقال: بأن القوم عام أريد به الخاص، وإما أن يُقال: بأنه بدل على المقلوب.
وَغَيْرُ نَصْبٍ: هذا البيت تقييدٌ لقوله: وَبَعْدَ نَفْيٍ، كأنه قال هناك: وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبَ إتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ، بشرط: أن لا يتقدم المستثنى على المستثنى منه.
وَغَيْرُ نَصْبٍ، أي: النصب على الاستثناء، فيشمل الغير نصبه على الإتباع؛ لأن الإتباع قد يكون بالرفع، وقد يكون بالنصب، وقد يكون بالخفض، إذاً: غَيْرُ نَصْبٍ أي: النصب على الاستثناء، فيشمل الغير نصبه على الإتباع، وَغَيْرُ نَصْبٍ وفي بعض النسخ: وَغَيْرَ نَصْبٍ سَابِقٌ .. قَدْ يَأْتِي ماذا يكون إعرابه؟ سَابِقٌ: هذا مبتدأ، فِي النَّفْيِ قَدْ يَأْتِي حال كونه غَيْرَ نَصْبٍ، إذا نُصِب غَيْرَ نَصْبٍ سَابِقٌ، سَابِقٌ: هذا مبتدأ، وقَدْ يَأْتِي الجملة خبر، وغَيْرَ بالنصب على أنه حال، لكن المشهور هذا الذي ذكره ابن عقيل.
وَغَيْرُ نَصْبِ سَابِقٍ، يعني: سابق المستثنى منه فِي النَّفْيِ .. قَدْ: للتقليل هذا خبر، قَدْ يَأْتِي: خبر المبتدأ، ونَصْبٍ هنا المراد به: مصدر بمعنى اسم المفعول، والمستثنى منه حينئذٍ يكون بدل كل من المستثنى، وقد كان المستثنى بدل بعض منه، بدل كل من المستثنى، كيف يُعرب؟
قال ابن عقيل: " إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه، فإما أن يكون موجباً أو غير موجب، فإن كان موجباً وجب نصب المستثنى نحو: قام إلا زيداً القوم " وهذا لو قدمه هناك كان أولى، مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ، يكون الحكم عام في قوله: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ.
وإن كان غير موجب وهو الذي عناه بهذا البيت، فالمختار نصبه يعني: مع جواز إبداله .. إتباعه، فتقول: ما قام إلا زيداً القومُ .. ما قام إلا زيداً: منصوبة على الاستثناء، القومُ: هذا مستثنى منه ولا إشكال فيه، ومنه قول الشاعر:
стр. 1143
فَمَا لِيَ إِلاَّ آلَ أَحمدَ شِيعَةٌ ... وَمَا ليَ إِلاَّ مَذهَبَ الحقِّ مَذْهبُ
وقد روي رفعه، فتقول: ما قام إلا زيدٌ القومُ.
فَمَا لِيَ إِلاَّ آلَ أَحمدَ شِيعَةٌ ... وَمَا ليَ إِلاَّ مَذهَبَ الحقِّ مَذْهبُ
روي بالوجهين: بالنصب وبالرفع.
قال سيبويه: حدثني يونس: أن قوماً يوثق بعربيتهم، يقولون: ما لي إلا أخوكَ ناصرٌ .. ما لي ناصرٌ إلا أخوكَ، الأصل: ما لي ناصرٌ إلا أخوكَ .. أخاكَ، يجوز فيه الوجهان، والإتباع هو المختار: ما لي ناصرٌ إلا أخوكَ.
وأعربوا الثاني بدلاً من الأول على القلب، البدل لا يكون أعم من المبدل منه -هذا الأصل-، إذا قلت: ما قام القومُ إلا زيدٌ، زيدٌ: بدل بعض من كل، ولا شك أن زيد فرد من القوم لا إشكال فيه، لكن: ما قام إلا زيدٌ القومُ، البدل لا يكون أعم من المبدل منه، فكيف نفعل هنا؟ قالوا: هذا يُعرب على البدل لكن على القلب، فيكون المتأخر هو المبدل منه والمتقدم هو البدل.
وأعربوا الثاني بدلاً من الأول على القلب، ووجهه: " أن العامل فُرِّغ لما بعد (إلا) وأن المؤخر عامٌ أريد به الخاص " هكذا قال ابن هشام في الأوضح، يعني: أَوَّلَ الثاني: ما قام إلا زيدٌ، القوم على أنه عامٌ أريد به الخاص، وهذا يتنافى مع تعريف الاستثناء بأنه إخراج، إذا كان الثاني عامٌ أريد به الخاص إذاً: كأنه قال: ما قام إلا زيدٌ زيدٌ، وإنما أطلق اللفظ العام: القوم مراداً به: الخصوص، هذا فيه بُعد، فصح إبداله من المستثنى لكنه بدل كل.
وجاء قوله:
فَإنَّهُمُ يَرْجُونَ مِنْه شَفاعَةً ... إِذَا لم يَكُنْ إِلاَّ النَّبِيُّونَ شَافعُ
إذا لم يكن شافعٌ إلا النبيون: بالرفع على أنه بدل، -وهذا لا إشكال- بدل بعض من كل، فلما تقدم: إِلاَّ النَّبِيُّونَ على شَافعُ المستثنى منه حينئذٍ نقول: شَافعُ هذا بدل من النَّبِيُّونَ، إما أن يُقال: بأنه عام أريد به الخاص، وإما أن يقال: بأنه بدل على القلب، فيكون نبيون: هو بدل، وشافع: هو المبدل منه، على التقديم والتأخير.
إذاً: قوله وَغَيْرُ نَصْبِ سَابِقٍ: الذي هو الرفع، أو النصب، أو الخفض؛ لأنه يصدق عليه؛ لأن البدل قد يكون بالرفع، وقد يكون بالنصب، وقد يكون بالخفض، غير النصب يعني: على الاستثناء، وقد يكون منصوباً على التبعية، لو قال قائل: ما رأيت إلا زيداً القومَ، كم وجه في: إلا زيداً، هنا؟ في اللفظ ليس له إلا النصب؛ لأنك إذا أبدلته نصبته؛ لأن القومَ: منصوب، وإذا نصبته على الاستثناء نصبته إذاً، إذاً داخلٌ فيه أو لا؟ غَيْرُ نَصْبٍ يعني: على الاستثناء، ولا يمنع النصب على البدلية، وأما الرفع والخفض فهذا واضح.
стр. 1144
وَغَيْرُ نَصْبِ سَابِقٍ ما هو السابق؟ المستثنى، سابق على ماذا؟ على المستثنى منه، إذاً: نصب السابق هو الأصل، غير نصبه هذا هو الفرع، وَغَيْرُ نَصْبِ سَابِقٍ نصب مستثنىً سابقٍ على المستثنى منه، إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه غير النصب وهو: الرفع أو النصب أو الخفض لا على الاستثناء قَدْ يَأْتِي، قَدْ: هذا للتقليل، وَلكِنْ نَصْبَهُ على الاستثناء اخْتَرْ، اختر نصبه على الاستثناء، إِنْ وَرَدْ لأنه الفصيح الشائع في لسان العرب، فالأفصح حينئذٍ يكون النصب، إِنْ وَرَدْ أي: السابق أي: أردت وروده منك بالتكلم به، إِنْ وَرَدْ يعني أنت إن تكلمت به وورد على لسانك فاختر نصبه، أو ورد في لسان العرب، حينئذٍ اختر الحكم بكونه منصوباً، إن ورد في لسانك أنت بالتكلم به، حينئذٍ تتكلم به منصوباً، وإن كان على غيرك فاحكم، إن ورد منصوباً فاحكم عليه بالنصب وهو الاختيار، فمعنى البيت: إنه قد ورد في المستثنى السابق غير النصب وهو الرفع، وهو الرفع: هذا فيه نظر .. تخصيص ابن عقيل فيه نظر، لماذا؟ لما ذكرناه .. غَيْرُ نَصْبٍ: يصدق بالرفع وبالنصب لا على الاستثناء وبالخفض، وذلك إذا كان الكلام غير موجب، نحو: ما قام إلا زيدٌ القومُ، ولكن المختار نصبه، وعلم من تخصيصه ورود غير النصب بالنفي، أن الموجب يتعين فيه النصب كما ذكر هو، نحو: قام إلا زيداً القومُ.
بقي النوع الثالث لأحوال (إلا) وهو: الاستثناء المُفرَّغ وهو: أن لا يُذْكر المستثنى منه، يُحذف من الكلام: ما قام إلا زيدٌ، فحينئذٍ (إلا) وجودها وعدمها سواء، إذا قلنا: هي الناصبة في مثل هذا التركيب (إلا) ملغاة، بمعنى: أنها لا عمل لها، فتقول: ما قام إلا زيدٌ، قام: فعل، وزيدٌ: فاعل، ما رأيت إلا زيداً، رأيتُ: فعل وفاعل، وزيداً: مفعول به، و (إلا) ملغاة، ما مررت إلا بزيدٍ، دخلت الباء على زيد و (إلا) ملغاة، هذا الاستثناء المُفرَّغ.
وَإِنْ يُفَرَّغْ سَابِقٌ: بالتنوين، الأصل سَابِقٌ إلاَّ: مضافٌ ومضاف إليه، لكن نونه هنا من أجل الوزن، وَإِنْ يُفَرَّغْ سَابِقٌ، يُفَرَّغْ: هذا مُغيِّر الصيغة، سَابِقٌ: نائب فاعل، سَابِقٌ إلاَّ: إلاَّ قُصِد لفظه مفعول به لسابق، سَابِقٌ إلاَّ يعني: وَإِنْ يُفَرَّغْ سَابِقٌ إلاَّ من ذكر المستثنى منه؛ لأنه لا يتصور أن لا يتقدم عليه فعل هذا الأصل، فحينئذٍ: ما قام إلا زيدٌ، نقول: سابق (إلا) قد فُرِّغ وهو حذف المستثنى منه يعني: لم يذكر المستثنى منه، وَإِنْ يُفَرَّغْ سَابِقٌ إلاَّ من ذكر المستثنى منه لِمَا بَعْدُ يَكُنْ كَمَا لَوِ الاَّ عُدِمَا .. عَدِمَا .. عُدِمَا يجوز فيه الوجهان.
стр. 1145
لِمَا بَعْدُ: يُفَرَّغْ لما بعدُ يعني: بعد (إلا) إذاً: بَعْدُ وهذا مبنيٌ على الضم، وإذا أردنا كشفه وإرجاع المضاف إليه لما بعده أي: بعد (إلا) أو بعد السابق، جوزه بعضهم، إذاً: (لِمَا) نقول: هذا متعلق بقوله: يُفَرَّغْ، بَعْدُ: هذا صلة ما، يعني: للذي بعدُ، يَكُنْ السابق كَمَا لَوِ الاَّ عُدِمَا، (مَا) هذه مصدرية، و (لَوِ) مصدرية، والمصدري لا يلي المصدري، فإما أن نقول: (ما) زائدة أو (لو) زائدة واحد منها، لأن (ما) مصدرية لا يتلوها حرف مصدري مثلها، حينئذٍ (ما) زائدة أو (لو) أصلية، (ما) أصلية (لو) زائدة واحد منها.
(ما) هنا يجوز أن تكون مصدرية و (لو) زائدة، ويجوز العكس أي: يكن كعدم (إلا) كَمَا لَوِ الاَّ عُدِمَا .. أي: يكن كما لو عُدم (إلا) يعني: كعَدم (إلا) أي: كذي عَدَمِ (إلا) في الحكم، يعني: لا في الوجود؛ لأنها ملفوظٌ بها، وإنما المراد به الحكم.
وَإِنْ يُفَرَّغْ سَابِقٌ إلاَّ لِمَا بَعْدُ، يعني: لما بعد (إلا)، يَكُنْ لما بعد (إلا) وهو: الاستثناء من غير تمام، قسيم قوله سابقاً: مَا اسْتَثْنَتِ الاَّ مَعْ تَمَامٍ، يَكُنْ كَمَا، يكن أي: السابق، كَمَا لَوِ الاَّ عُدِمَا، يعني: كعَدم إلا، فأجرِ ما بعدها على حسب ما يقتضيه حال ما قبله من إعرابٍ، ولا يكون هذا الاستثناء المفرَّغ إلا بعد نفيٍ أو شبهه؛ لأنه يمتنع أن يقال: قام إلا زيدٌ .. رأيتُ إلا زيداً هذا ممتنع في العادة، إذا قال: قام في الإيجاب، يعني: لماذا النحاة اشترطوا في الاستثناء المفرَّغ أن يكون بعد نفي، ولا يتصور وجوده في الإيجاب؟ إلا على رأي ابن الحاجب في مسائل مستثناة.
لو قال قائل: قام إلا زيدٌ معناه: قام كل الناس إلا زيد، رأيت إلا زيداً يعني: رأيت جميع الناس إلا زيداً وهذا متعذر، ما يمكن أن يقال: رأيت كل الناس إلا زيداً، ولذلك اشترطوا أن يكون .. أن يصح الكلام ويصح الاستثناء، ولذلك ابن مالك شرط في حد الاستثناء: أن يكون مفيداً، فلو لم يكن مفيداً قال: لا يسمى: استثناءً، خرج عن لسان العرب، ومثَّل لذلك بقوله: قام القوم إلا ناساً، نقول: هذا ليس استثناءً؛ لأنه ليس فيه فائدة، قام القوم إلا رجلاً، قال: هذا ليس فيه فائدة، وإن كان نوزع في هذا.
إذا استثني بـ (إلا) وكان الكلام غير تام: وهو الذي لم يُذكر فيه المستثنى منه، فلا عمل لـ (إلا) بل يكون الحكم عند وجودها مثله عند فقدها، ويسمى: استثناءً مفرَّغاً، وشرطه: كون الكلام غير إيجابٍ، بل يكون مسبوقاً بنفيٍ أو شبهه، ومنعوا وقوعه بعد الإيجاب لامتناع: ضربتُ إلا زيداً في مجرى العادة، إذ معناه: ضربتُ جميع الناس إلا زيداً، بخلاف: ما ضربتُ إلا زيداً، هذا فيه نفي وحصر، نفي الضرب عن غير زيد، هذا يمكن أن يقول: ما ضربت الناس، ما ضربتُ إلا زيداً يمكن، ما ضرب أحداً إلا زيداً، لكن: ضربت إلا زيداً، يعني: ضرب كل الناس ما ترك أحد إلا زيد، هذا بعيد! فجوِّز الأول دون الثاني:
وَإِنْ يُفَرَّغْ سَابِقٌ إلاَّ لِمَا ... بَعْدُ يَكُنْ كَمَا لَوِ الاَّ عُدِمَا
стр. 1146
يَكُنْ كَعَدَمِ (إلاَّ) يعني: في الحكم كونها ناصبةً دون في الحكم والمعنى معاً، وهذا عند غير الكسائي، أما هو فيجيز النصب في نحو: ما قام إلا زيد، بناءً على مذهبه من جواز حذف الفاعل، يعني: الكسائي يجوِّز: ما قام إلا زيداً بالنصب، لأنه يرى كما سبق جواز حذف الفاعل.
كَمَا لَوِ الاَّ: (إلاَّ) نائب فاعل، لأي شيء؟ .. كَمَا لَوِ الاَّ عُدِمَا، لَوِ: هل يتلوها اسمٌ؟ فعل لا يتلوها الاسم، بل لا بد من فعلٍ صريح: ((وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ)) [القلم:٩] .. ((يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ)) [البقرة:٩٦] صريح، فإن لم يكن حينئذٍ هي مثل (إنْ) الشرطية، و (إذا) الشرطية.
إذاً: (إلاَّ) هنا نقول: نائب فاعل، إذا جعلنا عُدِمَا مغيِّر الصيغة فهو نائب فاعل دل عليه الفعل المذكور، وإذا قلنا: عَدِمَا كما ضبطه البعض، حينئذٍ صار الفاعل ضمير مستتر، وصار (إلاَّ) مفعولاً به.
(إلاَّ) مرفوعٌ بفعل محذوف يفسره عُدِمَا، وهذا بناء على أن عُدِمَا لما لم يسم فاعله، أما على قراءته بالبناء للمعلوم والفاعل ضمير مستتر فيه يعود إلى السابق أو ما بعده، فـ (إلا) منصوبٌ على المفعولية لا مرفوعٌ على نيابة الفاعل.
المفرَّغ مثل ماذا؟ جاء في القرآن؟ نعم، نفي نحو: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)) [آل عمران:١٤٤] كذلك: ((وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ)) [النور:٥٤] وشبه النفي: ((وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)) [النساء:١٧١]، الاستفهام الإنكاري: ((فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ)) [الأحقاف:٣٥] وهذا هو الاستثناء المفرَّغ ولا يقع في كلامٍ موجب، فلا تقل: ضربتُ إلا زيداً خلافاً لابن الحاجب له تفصيل: أن يكون ما بعد (إلا) فضلة، أن تحصل به فائدة .. إلى آخره، لكنه مرجوح، والصواب ما عليه الجمهور.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1147
عناصر الدرس
* حكم (إلا) إذا تكررت للتوكيد
* حكم (إلا) إذاتكررت لغير توكيد
* حكم المستثنى بـ (غير) ـ
* فائدة الفرق بين (إلا وغير) وأوجه نصب (غير) بين النحاة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة، والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
أما بعد:
سبقَ الحديثُ عن أحوال (إلا) من وجوب النصب، والحالة الثانية من رجحان الإتباع على النصب، الحالة الثالثة وهي التي أشار إليها بقوله:
وَإِنْ يُفَرَّغْ سَابِقٌ إلاَّ لِمَا ... بَعْدُ يَكُنْ كَمَا لَوِ الاَّ عُدِمَا
أو عَدِمَا، يجوز فيه الوجهان، وهذا الاستثناء المفرغ، وهو أن يكون الكلامُ غيرَ تامٍ، يعني لا يذكر فيه المستثنى منه -يحذف-، ثم حينئذٍ تكون (إلا) مُلغاة وجودها وعدمها سواء، ثم يُسلَّط العامل ما قبلَ (إلا) على ما بعد (إلا) فيرفعُهُ فاعلاً إن كان يطلب فاعلاً، وينصبُه مفعولاً إن كان يطلبُ مفعولاً، ويجرّه بحرف جر ويدخلُ عليه مباشرة.
النُّحاةُ حكموا بأنه يصحُّ التفريغُ لجميع المعمولات بالأصالة إلا المصدر المؤكَّد، فلا يجوزُ: ما ضربتُ إلا ضرباً، قالوا هذا لا يجوزُ، لماذا؟
لكونه مصدراً مؤكَّداً، هذا المشهور، وبعضهم زاد الحال والتمييز، وأما قوله تعالى: ((إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا)) [الجاثية:٣٢] هذا مصدر مؤكَّد، كيف نقولُ لا يُفرَّغ العامل للمصدر المؤكَّد ثم نقول: يقول تعالى: ((إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا)) [الجاثية:٣٢]؟
قالوا: هذا مؤول قيل التنوينُ للتعظيم، حينئذٍ يكون مُبيِّناً للنوع لا مؤكِّداً، ((إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا)) [الجاثية:٣٢] ظناً عظيماً، حينئذٍ صارَ التنوين للتعظيم، إذا ًصار موصوفاً وإذا صار موصوفاً خرجَ عن كونه مصدراً مؤكِّداً، والمنع إنما يتحققّ أو يَنصَبُّ على المصدر المؤكَّد.
وقيل (إلا) مؤخَّرة من تقديم والأصل وقوعُها قبل العامل، إن نحن إلا نظنُّ ظناً، إذن لم يكن من تفريغِ العامل للمصدر.
وأما قوله تعالى: ((وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ)) [التوبة:٣٢] قيل هذا استثناء مُفرَّغ، وظاهرهُ إيجاب، وشرطُ الاستثناء المُفرَّغ أن يكونَ منفيِّاً، ((وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ)) [التوبة:٣٢] يقال: هذا ظاهره استثناء مفرغ وهو إيجاب، قالوا: كذلك هذا مُؤوَّل، لم يرد الله، ويأبى الله: أي لم يرد الله إلا أن يتمَّ نوره إذن الأصل في الاستثناء المفرغ أن يكون منفياً، وهذا قول جمهور النحاة، والعلَّةُ كما ذكرناها سابقاً، أنه يستحيلُ عادةً أن يقول: ضربتُ إلا زيداً، حينئذٍ يصدقُ الضرب على كل الناس إلا زيد، ورأيتُ إلا زيداً؛ يعني رأيت الناس كلهم إلا زيداً، وهذا محال أن يرى كلَّ الناس ويستثني زيداً، يمكن زيد أنه لم يراه، لكن كل الناس يراهم نقول هذا بعيد.
стр. 1148
وذهبَ ابن الحاجب إلى أنه يصحُّ وقوع الاستثناء بعد الإيجاب بشرطين: أن يكون ما بعد إلا فضلة لا يكون عمدة، والثاني أن تحصلَ فائدة، كأن يكونُ المستثنى منه محصوراً في نفسه، وذلك كقولك: ذاكرتُ إلا يومَ الجمعة، فإن كان عُمدة نحو: حضرَ إلا زيد، هذا لا يجوز؛ لأنه عُمدة، والشرطُ أن يكون فضلة، أو لم تحصل فائدة نحو (ضربتُ إلا زيداً) لم يجز الاستثناء المفرغ، إذن جوَّزَ ابن الحاجب أن يكون الاستثناء المفرغ من إيجاب، لكن بشرطين، الأول: أن يكونَ فضلة لا يكون عمدة، "ما حضر إلا زيد"، أما "حضر إلا زيد" فلا يصحّ؛ لأن زيداً هذا عمدة، وكذلك أن تحصل به فائدة، "رأيتُ إلا زيداً" لم تحصل به فائدة، وسبقَ أن ابن مالك ﵀ اشترطَ في صحة الاستثناء الباب كله من أصله أن يكون مُفيداً.
فإن لم يكن مُفيداً نحو: ما حضر الناس إلا رجلا، أو ما حضر القوم إلا أُناساً، قال: هذا لا يجوز، لعدم فائدة، ونُوزِع في ذلك.
إذن الاستثناء المفرَّغ يُشترَط فيه أولاً: أن يكونَ المستثنى منه محذوفاً لا يكون موجوداً في الكلام.
ثانيا: أن يكون مَنفياً، فلا يتأتّى في الإيجاب؛ خلافاً لابن الحاجب، وما اشترطه فيه نظر، وأما ما جاء في ظاهر القرآن ((إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا)) [الجاثية:٣٢] ((وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ)) هو مؤُوَّل على ما ذكرناه.
قال -رحمه الله تعالى-:
وَأَلْغِ إِلاَّ ذَاتَ تَوْكِيدٍ كَلاَ ... تَمْرُرْ بِهِمْ إِلاَّ اَلْفَتَى إِلاَّ اَلْعَلاَ
وَأَلْغِ (إِلاَّ) هذا شروعٌ من الناظم في بيان ما إذا كُرِّرت (إلا)، الكلام السابق كله في ما إذا أُفرِدت (إلا)، يعني الكلام هنا كالكلام في:
عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلاَ فِي نَكِرَهْ ... مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ
إذن لا النافية للجنس قد تكون مفردة، "لا رجلَ في الدار"، وقد تكون مُكرَّرة "لا حول ولا قوة إلا بالله"، الكلام في (إلا) كذلك يعني قد تُكرَّر (إلا)، فيقال: "جاء القوم إلا زيداً إلا بكراً إلا عمراً إلا خالداً إلا محمداً"، هنا كُرِّرت (إلا) .. ما الحكم هنا؟ هل كله للاستثناء أم ثَم تفصيل؟ ما هو المستثنى ما الذي يجب نصبُه ما الذي يجب إتباعه أو يجوز إتباعه؟
هذا شروعٌ من الناظم في بيان (إلا) إذا كُرِّرت، (إلا) قد تُكرَّر لمجرد التوكيد، يعني لا يُقصد بها إلا مجرد التوكيد لا الاستثناء؛ لا الإخراج، حينئذٍ إذا كان الأمرُ كذلك فوجودُها وعدمُها سواء، ولذلك قال: وَأَلْغِ إِلاَّ من حيث ماذا؟
من حيث العمل ومن حيث الإخراج، يعني لفظاً ومعنى، عملاً ومعنى، حينئذٍ ليسَ لها فائدة، إلا مجرّد التوكيد كالحرف الزائد، وإن كان الحرف الزائد يعمل، لكن إلا هنا لا تعمل، ولذلك قال: وَأَلْغِ (إِلاَّ)، هذا فيه دليل واضح بيّن على أن الناظم يَرى أن (إلا) هي العاملة، هي عاملة النصب بخلاف ما يُنسَب إليه في هذا الكتاب بأنه يرى أن العامل هو الفعل بواسطة (إلا)، الصواب أنه قال وَأَلْغِ (إِلاَّ) بعدما قال: مَا اسْتَثْنَتِ (إِلاَّ) نسَبَ إليها الاستثناء، وهذا صحيح، وإذا كان الأمر كذلك حينئذٍ إذا أثّرت من جهة المعنى لزم من ذلك أن يكون العمل منسوباً إليها.
стр. 1149
وَأَلْغِ (إِلاَّ): إلغاؤُها أن لا تنصب، وَأَلْغِ (إِلاَّ): إِلاَّ قُصِد لفظه، أَلْغِ هذا فعل أمر والفاعل ضمير مُستتر وجوباً تقديره أنت، و (إِلاَّ) قُصِد لفظه وهو مفعول به، أَلْغِ إِلاَّ يعني إلغاءها أن لا تنصب، وَأَلْغِ (إِلاَّ) ذَاتَ: بالنصب، دلَّ على أن (إلا) مفعول به منصوب، ونصبُهُ فتحة مُقدرة على أخره.
ذَاتَ تَوْكِيدٍ، احترازاً من التأسيسية وهذا سيأتي ذكرها، ذات توكيد أي صاحبة توكيد حال من المفعول به وهو (إلا)، وهي التي يصح طرحُها والاستغناءُ عنها يعني لا تُؤثِّر في المعنى إذا حُذفت، جاء القومُ إلا زيداً إلا أخاك، هو زيد نفسه، لو قيل: جاء القوم إلا زيداً إلا أخاك، إلا زيداً أخاك، نقول وجود (إلا) وعدمها سواء من حيث الاستثناء. إذن: ذَاتَ تَوْكِيدٍ المراد به (إلا) المؤكِّدة هي التي يصحُّ طرحها والاستغناء عنها.
وضابطُ هذا الباب أن يقال: إذا تلَتْ عاطِفاً بالواو خاصة، إذا تلتْ عاطِفاً إذا جاءت بعد حرف عطف، أو جاء ما بعدَها بدلاً، تلاها اسم مماثِل لما قبلها حينئذٍ يُعرَب بدلاً بأنواعه الأربعة، إذن: متى نحكم على (إلا) بأنها مؤكِّدة؟
نقول: في بابين اثنين، أولاً: التكرار يكون للتوكيد يأتي في العطف (بالواو) خاصة، تقول: قامَ القومُ إلا زيداً وإلا عمراً، (و) وإلا، جاءت (إلا) بعد (الواو)، حينئذٍ نقول: جاء القوم إلا زيداً، (إلا) هذا مُؤسِّسة، جيء بها للاستثناء، إلا زيداً، (و) حرف عطف، (إلا) مُلغاة، وزيداً معطوف على ما قبلَه، المعطوف على المنصوب منصوب، إذن بعد (الواو) خاصّة فإن أَطلقَ بعضُهم العطف فالمراد به (الواو) على جهة الخصوص.
والثاني يأتي في البدل بأنواعه الأربعة؛ بدل كل من كل، بدل بعض من كل، بدل اشتمال وبدل غلط.
حينئذٍ نقول: إذا جاء الاسم بعد (إلا) إما أن يكون مُماثِلاً لما قبل (إلا) كالمثال الذي ذكره الناظم:
.......... كَلاَ ... تَمْرُرْ بِهِمْ إِلاَّ اَلْفَتَى إِلاَّ اَلْعَلاَ
لاَ تَمْرُرْ بِهِمْ: الاستثناء هنا تام منفي، لاَ تَمْرُرْ: شبهُ نهي، (إِلاَّ) هذه أداة استثناء مُؤسِّسة على بابها على أصلها، اَلْفَتَى هذا مستثنى من الضمير (الهاء)، ما حكمه؟ يجوزُ فيه الوجهان والإتباع أرجحُ، الإتباع هنا يكون بالجر، بِهِمْ إِلاَّ اَلْفَتَى، إذن الكسرة مُقدّرة تكون، إِلاَّ اَلْعَلاَ، العلا وصفٌ له، إلا الفتى العلا، فنقول العلا هذا هو نفسه ما قبل (إلا)، اسم مماثل له، نفسه، لكن وصف له، حينئذٍ نقولُ: اَلْعَلاَ هذا يُعتبَر بدل كل من كل، و (إِلاَّ) ملغاة؛ لأنها جيء بها مُؤكِّدة فحسب، ليس لها معنى تأسيسي بمعنى استثناء بعد استثناء، وإنما المراد به - (إلا) - المراد به التأكيد فحسب.
مثال بدل الكل من الكل: لاَ تَمْرُرْ بِهِمْ إِلاَّ اَلْفَتَى إِلاَّ اَلْعَلاَ.
والأصلُ لا تَمرُر بهم إلا الفتى العلا، بحذف (إلا)، فالعلا بدلٌ من الفتى وكُرِّرت (إلا) توكيداً، ومثال بدل البعض من الكل: ما أعجبني أحدٌ إلا زيدٌ إلا وجهه، إلا زيدٌ وجهُه بدل بعض من كل؛ لأن الوجهَ بعض من زيد، ما أعجبني أحدٌ إلا زيدٌ إلا وجهُهُ، إلا زيدٌ هذا على الإتباع وهو أرجح، إلا وجهُهُ نقول: هذا بدل بعض من كل.
стр. 1150
ولو أُلغيت (إلا)، كـ "ما أعجبني أحد إلا زيدٌ وجهُهُ" فالمعنى صحيح ثابت.
ومثال بدل الاشتمال "ما سرّني أحد إلا زيدٌ إلا أدبُه إلا علمُه إلا خلقُه"، ما سرّني أحد إلا زيدٌ، إلا زيداً، بدل أو النصب؟ النصبَ على الاستثناء ويجوز فيه الإتباع، إلا أدبه، (إلا) هذه مُؤكِّدة وجودُها وعدمُها سواء، يعني لم تُفد تأسيساً؛ لم تُفد استثناءً بعد استثناء، حينئذٍ نقول: هي مُؤكِّدة، وما بعدها: اشتمال مما قبله.
"ما سرّني أحدٌ إلا زيدٌ أدبُهُ"، كما تقول "أعجبني زيدٌ علمُه"، علمُه: بدل اشتمال مما قبله، ومثالُ بدلِ الغلط "ما أعجبني إلا زيدٌ إلا عمروٌ" غَلِط، عمرٌو زيدٌ هذا بدل غلط، حينئذٍ نقولُ ما أعجبني إلا زيد، زيد: فاعل، ما أعجبني إلا زيد، إلا عمرو، (إلا) مُلغاة، وعمرو بدل غلط مما سبقَ، سيأتي بدل الغلط هل هو من فصيح الكلام أولا؟
قيل أنه من اصطناع النحاة، لو قيل "ما أعجبني أحد إلا زيد إلا عمر"، ما أعجبني أحدٌ إلا زيد، زيد: مُستثنى من السابق حينئذٍ نقولُ الوجهُ إعرابه بدل بعض من كل، "ما أعجبني أحد إلا زيد، عمرو" (إلا) عمرو، (إلا) مُلغاة وعمرو هذا بدل غلط مما سبق. وَأَلْغِ إلاَّ يعني لا تنصب، ذَاتَ تَوْكِيدٍ، يعني صاحبة توكيد، تقوية، التوكيد في اللغة من إثبات الشيء بقوة، وهذا سبقَ معنا، التوكيد بمعنى التقوية.
كَلاَ تَمْرُرْ بِهِمْ إِلاَّ اَلْفَتَى: هذا مُستثنى من الضمير المجرور (بالباء)، (إِلاَّ) زائدة لمجرّد التأكيد، اَلْعَلاَ: بدل كل من الفتى، والتقدير إلا الفتى العلا، وهذا مماثِل لما قبلَها.
إذن نقول: ضابطُ (إلا) التوكيدية أنها تأتي في بابين اثنين فحسب، وذلك إذا سبقَها (واو)، قامَ القومُ إلا زيداًَ وإلا عمرواً، نقول (إلا) هذه مُلغاة للتأكيد.
ثانيا: تأتي في باب البدل بأنواعه الأربعة: بدل كل، بدل بعض، بدل اشتمال، بدل غلط.
قال الشارح: وَأَلْغِ إلاَّ ذَاتَ، إذا كُرِّرت إلا لقصد التوكيد لم تؤثّر فيما دخلت عليه شيئا؛ لا من جهة المعنى ولا من جهة الإعراب، كيف من جهة المعنى ونحن نقول تفيدُ التوكيد؟
لم تؤثّر فيه شيئاً، المعنى الذي جِيء بها في هذا الباب هو إفادة الاستثناء وهو الإخراج، حينئذٍ هل أفادت هذا المعنى؟
الجواب: لا، إذا لم تُفد حينئذٍ العرب لا تزيد حرفاً واحداً، ليس كلمة إلا، لا تزيد حرفاً واحداً إلا لمعنى، ولذلك القاعدة المشهورة: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى غالباً، وهذا واضح بين، إذا كان حرف واحد، ولذلك نقولُ في البسملة: رحمن أبلغ من رحيم لماذا؟ لأن "رحمان" على خمسة أحرف، فعلان يدلُّ على الامتلاء، كغضبان وشبعان، ورحيم هذا على أربعة أحرف، فعيل.
إذن زيادة المبنى تدلُّ على زيادة المعنى؛ فكيف بـ (إلا) وهي كلمة مُستقلّة، فالأصل في وضعها في هذا الباب أن تُفيدَ الإخراج، وهو الاستثناء، إذا لم تُستعمَل في هذا المعنى، حينئذٍ لا شك أنها استُعمِلت في معنى؛ لأنه لا يقول دخولها وخروجها من حيث المعنى واحد لا، لا يقولون هذا، وإنما المراد دخولها وخروجها من حيث الاستثناء لا من حيث مُطلق المعنى، هذا يلتبسُ على الطلاب، وإذا جاءت مسألة الحرف الزائد في القرآن أقاموا الدنيا.
стр. 1151
نقول: مُطلق المعنى ليس منفياً، وإنما المنفي المعنى الخاص باللفظ، وأما مُطلق المعنى هذا يشملُ التوكيد، والمعروف أن القاعدة أن العربَ لا تزيد شيئاً سواء كان اسماً أو حرفاً إلا لفائدة، وهذه الفائدة ليست هي التي وضع لها هذا اللفظ في لسان العرب، وإنما فائدة التوكيد والاستثناء هذا واضح بين، دائماً تقول ما قامَ القومُ إلا زيداً، ثم تقول قام القوم إلا زيداً إلا العلا، العلا هذا استثناء، لا استثناء هنا، ما وجه الاستثناء؟ ليس فيه استثناء "قام القوم إلا زيداً إلا وجهه"، كيف هذا؟
نقول هذا: بدل بعض من كل، حينئذٍ نقول لم تُؤثّر فيما دخلت عليه شيئاً معنى الاستثناء الذي وضعت له في هذا الباب أصالة، والعملُ الذي هو النصب، ولذلك بعضهم قال: ذَاتَ تَوْكِيدٍ، إلغاؤها أن لا تنصبَ، وإذا لم تنصب حينئذٍ خرجت عن أصلها، ولم تُفِد غير توكيد الأولى، وهذا معنى إلغاءها، وهذا واضح، وذلك في البدل والعطف، أطلقَ الناظم هنا البدل والعطف، الصواب أن يُقالَ في البدل بأنواعه الأربعة وفي العطف بـ (الواو) خاصّة لا غير، هذا ما عليه النحاة، نحو "ما مررتُ بأحد إلا زيدٍ إلا أخيك"، أخيك: بدل من زيد، بدل كل من كل.
لو حذفتَ (إلا) قلت: "ما مررتُ بأحدٍ إلا زيدٍ أخيك"، فأخيك: بدل من زيد؛ بدل كل من كل، ولم تُؤثِّر إلا شيئاً، يعني لم تُفِد فيه استثناء مستقلاً، هذا المراد، وكأنك قلتَ ما مررتُ بأحد إلا زيدٍ أخيك، ومثلُهُ كلام الناظم -رحمه الله تعالى-، وأما العطفُ كقوله "قامَ القوم إلا زيداً وإلا عمراً"، (إلا) هذه مُلغاة، والأصل إلا زيداً وعمراً، (و) بحرف العطف (الواو)، ثم كُرِّرت (إلا) توكيداً، ومنه قول الشاعر:
هَل الدَّهرُ إِلاَّ لَيْلَةٌ وَنَهَارُهَا ... وَإِلاَّ طُلُوعُ الشَّمسِ ثُمَّ غِيارُهَا
إِلاَّ لَيْلَةٌ وَنَهَارُها وَطُلُوعُ الشَّمسِ .. هذا الأصل، نحكمُ على (إلا) بكونها زائدة؛ لأن (الواو) سبقتها، نحكم على (إلا) بكونها ملغاة من حيث المعنى ومن حيث العمل، لسبقِها بـ (الواو)، والأصل طلوع الشمس، وكُرِّرت إلا توكيداً، ودخول (إلا) هنا ليس خاصّاً بنوعٍ من الأنواع السابقة، بل قد يدخلُ الاستثناء التام الموجب، والاستثناء المنفي والمنفصل والمنقطِع والمفرَّغ، كل ما سبقَ يصحُّ دخول (إلا) التي هي للتوكيد.
وَأَلْغِ إِلاَّ ذَاتَ تَوْكِيدٍ كَلاَ تَمْرُرْ، نقول هذه الأحكام لا تختصُّ بنوع من أنواع الاستثناء بل تقع في الاستثناء في المتصل وفي المنقطع وفي المفرغ، فـ (إلا) التي للتوكيد لا تُفيدُ استثناء، وإنما جِيءَ بها للتوكيد فقط وضابطُها أن يكون ما بعدها بدلاً مما قبلَها، أو تتلو عاطفاً، وذلك بخصوص (الواو) على جهة الخصوص، وقد اجتمعَ تكرارُها في البدل والعطف في قوله:
مَالَكَ مِن شَيخِكَ إِلاَّ عَمَلُهُ ... إِلاَّ رَسِيمُهُ وَإِلاَّ رَمَلُهْ
стр. 1152
مَالَكَ مِن شَيخِكَ، قيل المراد به الجَمَل، أكثرهم على أنه الجَمَل، إِلاَّ عَمَلُهُ إلاَّ رَسِيمُهُ هذا بدل من عَمَلُهُ، وَإِلاَّ رَمَلُهْ جاءت (الواو) قبل (إلا)، حينئذٍ نقول هذا (إلا) حرف توكيد وهي مُلغاة، يعني لم تُفِد إلا التوكيد فحسب، لم تُفِد شيئاً من جهة الاستثناء –المعنى- ومن جهة العمل، والأصلُ إلا عملُه رسيمه ورملُه، فرسيمُه: بدل من عمله ورمله: معطوف على رسيمه، (إلا): كُرِّرت إلا للتوكيد.
وَإِنْ تُكَرَّرْ: إذن تُكرَّر إلا للتوكيد، وعرفنا ضابطها، وَإِنْ تُكَرَّرْ لاَ لِتَوكِيدٍ .. ما الذي يقابل التوكيد؟ التأسيس، التأسيس معناهُ هنا أنها جاءت للمعنى الذي وُضِعت له في هذا الباب، وهو الاستثناء، إذا جِيءَ بها من أجل الإخراج، حينئذٍ جِيء بها في المعنى الذي وضعت له، حينئذٍ تقتضي ماذا؟ العمل أو لا؟ لا بدّ من العمل، إذن لا بد أن نُبقيها على أصلها.
وَإِنْ تُكَرَّرْ (لاَ) لتأسيس لا لتوكيدٍ، وَإِنْ تُكَرَّرْ لاَ لِتَوكِيدٍ، (لا) هنا حرف عطف، أين المعطوف عليه؟
محذوف، وَإِنْ تُكَرَّرْ إلا لتأسيس لا لتوكيد، إذن القسمة ثنائية، فقوله: (لا) عطف على محذوف، أي لتأسيس لا لتوكيدٍ، حينئذٍ إما أن يكونَ الاستثناء مُفرَّغ أو لا.
........... فَمَعْ ... تَفْرِيغٍ التَّأْثِيرَ بِالْعَامِلِ دَعْ
فِي وَاحِدٍ مِمَّا بِإِلاَّ اسْتُثْنِي ... وَلَيْسَ عَنْ نَصْبِ سِوَاهُ مُغْنيِ
الحاصل أنه إذا كان الاستثناء مُفرّغ مثل "ما قام إلا زيدٌ إلا عمراً إلا بكراً إلا خالداً"، قال: فمع تفريغٍ دع التأثير بالعامل في واحدٍ مما استُثني بـ (إلا)، العامل يطلبُ ماذا؟
قلنا: يطلبُ ما بعد إلا إن كان طالباً للفاعل رفعه، وإن كان طالباً لمفعول به نصبَه، وإن كان طالباً لمجرور جرَّه، وهذا يطلبُ واحداً فقط، فحينئذٍ إذا تكرَّرَ الاستثناء وكُرِّرت (إلا) للتأسيس أعطينا العامل حقّه، ثم نصبنا الباقي على الأصل، فنقولُ "ما قام إلا زيدٌ"، بالرفع، إلا بكراً، إلا خالداً، إلى ما شئتَ، فننصِبُ الثاني والثالث، ونرفعُ الأول، وهل الرفعُ خاصٌّ بالأول أم إن الحكم مطلق؟
قال: فِي وَاحِدٍ، ما حدّدَهُ هل هو الأول أم الثاني أم الثالث، أنت مُخيَّر والأول أولى، ما قام إلا زيدٌ، إلا عمراً، إلا بكرًا، ما قام إلا زيدًا، إلا عمرٌو، إلا بكراً، ما قام إلا زيدًا، إلا عمرًا، إلا بكرٌ، أنت مُخيَّر.
دعِ التأثيرَ للعامل في واحد والباقي تنصبُهُ على الأصل؛ لأن (إلا) ناصبه، فَمَعْ تَفْرِيغٍ التَّأْثِيرَ بِالْعَامِلِ دَعْ، فَمَعْ (الفاء) هذه واقعة في جواب الشرط وَإِنْ تُكَرَّرْ، فَمَعْ تَفْرِيغٍ (مَعْ) هذا ظرف وهو مضاف وتَفْرِيغٍ مضاف إليه، مُتعلِّق بقوله دَعْ يعني اترك، فَمَعْ تَفْرِيغٍ .. وَإِنْ تُكَرَّرْ لاَ لِتَوكِيدٍ فدعِ التأثيرَ بالعامل في واحدٍ مما استُثني بـ (إلا)؛ لأن المستثني بـ (إلا) عندك ثلاث مثلاً حينئذٍ تتركُ العمل .. عمل العامل لواحد منها، والباقي:
стр. 1153
وَلَيْسَ عَنْ نَصْبِ سِوَاهُ مُغْنيِ، وَلَيْسَ، الواحد الذي رُفِع أو نُصِب على أنه مفعول، أو جُرّ .. ليس مغنياً عن نصب سواه، بل يُنصَب السوى الذي هو سوى ذلك الواحد الذي أشغلتَ به العامل.
إذن: فَمَعْ تَفْرِيغٍ التَّأْثِيرَ، التَّأْثِيرَ هذا بالنصبِ مفعول مُقدّم لـ دَعْ، بِالْعَامِلِ، دَعْ: أي اتركه باقياً في واحدٍ مما استُثني بـ (إلا) هذا صفة لواحد، (ما) هذه موصولة واقعة على المستثنَيات، مما استُثني بـ (إلا) صلة (ما)، وَلَيْسَ ذلك الواحد عَنْ نَصْبِ سِوَاهُ، أي سوى ذلك الواحد الذي شغلتَ به العامل، مُغْنِي أصله مُغنيا، فوُقف عليها على لغة ربيعة، فلذا جعلناه خبرا لليس، ليسَ هو أي ذلك الواحد مُغنياً عن نصب سواه.
ولك أن تجعل " مُغْنِي" اسم ليس، وليس مُغنٍ عن نصب سواه موجود، وهذا الأول أولى، أن تجعل مُغنيا هذا خبر ليس، واسمُ ليس ضميرٌ مستتر يعودُ على واحد على الواحد.
دَعْ إي اتركه باقياً في واحدٍ، دلَّ على أن ترك العمل بـ (إلا) ليس مخصوصا بواحدٍ دون واحد، بل يجوزُ إلغاء (إلا) في الأول دون الثاني والثالث، وفي الثاني دون الأول والثالث، وفي الثالث دون الأول والثاني، كما ذكرناه من الأمثلة السابقة.
مِمَّا بِـ (إِلاَّ) اسْتُثْنِي ... وَلَيْسَ عَنْ نَصْبِ سِوَاهُ مُغْنِي قوله: بِالْعَامِلِ ما المراد بالعامل هنا؟
هذا وقعَ فيه نزاع بين الشراح، هل المراد به العامل المفرَّغ الذي يكون قبل (إلا) أو المراد به (إلا) نفسُها؟
هذا محتمِل، بالعامل المفرّغ الذي هو الفعل مثلاً قبل (إلا)، أو المراد بالعامل هنا (إلا) نفسها؟ هذا يحتمل حمل العامل على ما قبل (إلا)، ما قامَ إلا زيدٌ، قام، هو الذي اقتضى رفعَ زيد أو (إلا) نفسها؟ بحملِ العامل على ما قبل (إلا)، وحمله المرادي على (إلا). أي اترك تأثيرَ إلا النصبَ في واحدٍ -وهذا فيه نوع تكلّف-، أي اترك تأثير (إلا) النصب في واحدٍ أي لا تجعلها مُؤثِّرة في واحد.
ويؤيِّد الأول قوله: مِمَّا بِـ (إِلاَّ)، إذ لو كان العامل هو (إلا)، لكان القياس أن يقول: مما به. ويُؤيِّد الثاني عدمَ إحواجه إلى تقديره في دع، لأن دع هذا جعلَه ابن عقيل بمعنى اجعل، وهذا لا يُعرَف في لسان العرب. وعليه قولُهُ: فِي وَاحِدٍ، المراد اترك التأثيرَ في واحد، واجعله مؤثّراً في البقية، هذا إن أُريد بالعامل ما قبل (إلا)، فإن أُرِيد به (إلا) كان الكلام على ظاهره، أي اترك تأثير (إلا) النصب في واحدٍ، أي لا تجعلها مؤثّرة النصب في واحد واجعلها مؤثرة النصب في البقية.
إذن ثَم خلاف في تفسير العامل، والظاهر أن المراد به ما قبل (إلا).
وَإِنْ تُكَرَّرْ (لاَ) لِتَوكِيدٍ فَمَعْ ... تَفْرِيغٍ التَّأْثِيرَ بِالْعَامِلِ دَعْ
يعني اتركه باقياً
فِي وَاحِدٍ مِمَّا بِـ (إِلاَّ) اسْتُثْنِي ... وَلَيْسَ عَنْ نَصْبِ سِوَاهُ مُغْنِي
يعني أن ما سوى المستثنى الذي تُلغى (إلا) معه يُنصب، ونصبه بالعامل الذي هو (إلا)، وعلى هذا الوجه حملَهُ المرادي-حمل العامل-، وحمله ابن عقيل على أنه العامل الذي قبل (إلا) وجعل (دع) بمعنى (اجعل).
стр. 1154
قال المكّودي: وما ذكره المرادي أصوب؛ لأن فيه التنبيه على أن (إلا) هي العامل في المستثنى، وهذا قد صرّحَ به الناظم كما سبق معنا، وأيضاً أن ما قبل (إلا) قد لا يكون عاملاً في نحو "ما في الدار إلا زيدٌ إلا بكرٌ إلا عمروٌ"، حينئذٍ نقول أين العامل الذي قبل (إلا)؟
وجعلُ "دع" بمعنى "اجعل" غير معهود في اللغة، وإنما "دَع" بمعنى "اترك"، قال ابن عقيل: وإذا كُرّرت (إلا) لغير توكيد وهي التي يُقصد بها ما يُقصد بما قبلها من الاستثناء، يعني استثناء بعد استثناء، إذا كُرِّرت (إلا) فالمراد حينئذٍ بها استثناء بعد استثناء، وذلك في غير بابي العطف والبدل، ولو أُسقِطت لما فُهم ذلك، فلا يخلو إما أن يكون الاستثناء مُفرغاً أو غير مفرَّغ، فإن كان مفرَّغاً شغلتَ العامل بواحدٍ ونصبتَ الباقي، إذا كان العامل الذي قبل (إلا) مفرَّغاً تركتَه يؤثَّرُ في واحد من المستثنيات، ونصبتَ ما عدا ذلك الواحد ولا يتعيَّنُ الأول بل يترجَّح، ما قام إلا زيدٌ إلا عمراً إلا بكراً، ما قام (إلا) زيدٌ، ما قبل (إلا) وهو قامَ هذا يحتاج إلى فاعل، حينئذٍ تعطيه واحداً من هذه الثلاثة؛ إما الأول وإما الثاني وإما الثالث، أنت بالخيار، والأول أولى؛ لأنه قريب من العامل، ما قام إلا زيدٌ، ثم الباقي ماذا تصنع فيه؟
تنصبُهُ على الاستثناء، وحكمُ النصب واجب، فتقول: ما قام إلا زيدٌ بالرفع على أنه فاعل، إلا بكراً إلا عمراً، فهو واجب، ويصحُّ أن تنصب الأول وترفع الثاني تقول: ما قام إلا زيداً إلا عمروٌ إلا بكراً، ويصحَّ أن تنصب الأول والثاني وترفع الثالث، فتقول: ما قامَ إلا زيداً إلا عمراً إلا بكرٌ.
ولا يتعيّنُ واحد منها بشغل العامل، بل أيَّها شئتَ شغلتَ العامل به ونصبت الباقي، وإن كان غير مُفرَّغ، استثناء غير مفرغ، فالذي أشار إليه في الأبيات الآتية:
وَدُونَ تَفْرِيغٍ مَعَ التَّقَدُّمِ ... نَصْبَ الْجَمِيعِ احْكُمْ بِهِ والْتَزِمِ
وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ وَجِيءْ بِوَاحِدِ ... مِنْهَا كَمَا لَوْ كَانَ دُونَ زَائِدِ
كَلَمْ يَفُوا إِلاَّ امْرُؤٌ إِلاَّ عَلِي ... وَحُكْمُهَا فِي الْقَصْدِ حُكْمُ الأَوَّلِ
وَدُونَ تَفْرِيغٍ، يعني إذا لم يكن الاستثناءُ مفرَّغاً، دُونَ تَفْرِيغٍ هذا ظرف متعلّق بقوله احْكُمْ بِهِ دون تفريغ، إذا كان الاشتغالُ يجري في الظرف حينئذٍ يكون هذا منصوباً على الاشتغال.
وَدُونَ تَفْرِيغٍ، (وَدُونَ) مضاف وتَفْرِيغٍ مضاف إليه، وَدُونَ تَفْرِيغٍ إذا كان غير مفرّغ، حينئذٍ إما أن يكون الاستثناء مُقدّماً أو مُؤخّراً لا يخلو من أحد حالين؛ إما أن يكون مقدَّما وإما أن يكون مؤخَّرا.
قال: مَعَ التَّقَدُّمِ نَصْبَ الْجَمِيعِ احْكُمْ بِهِ، "قام إلا زيداً إلا عمراً إلا بكراً القومُ"، سبقَ معنا "قام إلا زيداً القومُ" واجبُ النصب، لعموم قوله: مَا اسْتَثْنَتِ (الاَّ) مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ، إذن "قامَ إلا زيداً القومُ" واجبُ النصب، لو كُررت (إلا) في مثل هذا المقام؟
стр. 1155
وجبَ النصب كذلك؛ سواء تعدّدَ الاستثناء أم لا، إذا توسَّطَ بين العامل والمستثنى منه، بمعنى أنه تقدَّمَ على المستثنى منه وجبَ النصب في الجميع، لا نقول كما قلنا في المفرّغ، نقول لا، "قام إلا زيداً إلا بكراً إلا عمراً القومُ"، تعينَ النصب، ولذلك قال: مَعَ التَّقَدُّمِ يعني تقدم المستثنى على المستثنى منه نَصْبَ الْجَمِيعِ على ماذا؟
على الاستثناء، نَصْبَ الْجَمِيعِ احْكُمْ بِهِ. زيداً مررتُ به مثله. (نَصْبَ الْجَمِيعِ) نَصْبَ هذا مفعول به لفعل محذوف وجوباً من باب الاشتغال، تقديره امضِ نصباً، لكن احكم نصباً لا يأتي، مثل جاوزتُ زيداً مررتُ به، نَصْبَ الْجَمِيعِ احْكُمْ بِهِ؛ لأن الإمضاء والحكم متقاربان.
(نَصْبَ الْجَمِيعِ) هذا منصوب على الاشتغال أي امضِ نصبا، نَصْبَ الْجَمِيعِ على الاستثناء احْكُمْ بِهِ والْتَزِمِ، احْكُمْ بِهِ: (به) يعني نصب الجميع، والْتَزِمِ دلَّ على أن النصب واجب، ولماذا عطفَ والْتَزِمِ على احْكُمْ؟
لأن الحكمَ قد يكون واجباً وقد يكون جائزاً، إذن لم يتعيَّن للوجوب فهو مُحتمِل، وإذا كان محتمِلاً حينئذٍ لا بد من قرينة تدلُّ على أن المراد به الوجوب، فقال: والْتَزِمِ يعني التزم ذلك النصب ولا يجوز العدول عنه، فدلَّ على أن قوله: احْكُمْ بِهِ المراد به الوجوب، "قامَ إلا زيداً إلا عمراً إلا بكراً القومُ"، "ما قامَ إلا زيداً إلا عمراً إلا بكراً القومُ"، هذان مثالان لأي شيء؟ تنوعُ الأمثلة هنا .. "قام إلا زيداً إلا عمراً إلا بكراً القومُ"، مشوار طويل، "ما قام إلا زيداً إلا عمراً إلا بكراً القومُ"، إذن في النوعين، إذا لم يكن مُفرَّغا وتقدَّمَ المستثنى، -مُستثنيات تقدَّمت- على مُستثنى منه وجبَ النصب للجميع سواء كان الاستثناء موجباً أم لا.
وَدُونَ تَفْرِيغٍ مَعَ التَّقَدُّمِ على المستثنى منه، نَصْبَ الْجَمِيعِ على الاستثناء امضِ، نَصْبَ الْجَمِيعِ على الاستثناء احْكُمْ بِهِ، قد يكون واجباً قد يكون جائزاً ثم عيّنَ الوجوب بقوله: والْتَزِمِ، والمثال ما ذكرناه.
الاستثناء التامّ إذا تكرّرت فيه (إلا) لغير توكيد وكان المستثنى مقدّماً على المستثنى منه، مُستثنَيات يعني، نُصِبَ الجميع على الاستثناء.
ثم قال: وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ، هذا جاءَ تفصيل في الموجَب والمنفي، وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ، أما في الإيجاب فمُطلَقاً، أي في جميعها، نحو "قامَ القومُ إلا زيداً إلا عمراً إلا بكراً، هذا متى؟
في الإيجاب إذا تأخَّرَ، في المتقدِّم لا تفصيلَ بين إيجاب وغيره وجبَ النصبُ مطلقاً.
وَدُونَ تَفْرِيغٍ، نقول: إذا لم يكن مُفرَّغاً حينئذٍ إما أن تتقدَّمَ المستثنيات أو تتأخَّر، إما أن تتقدَّم على المستثنى منه أو تتأخَّر، إذا تقدَّمت النصب واجب بدون تفصيل مُوجَب أو لا، قام: موجَب، "إلا زيداً إلا عمراً القومُ"، (ما) هذا منفي "ما قامَ إلا زيداً إلا عمراً إلا بكراً القومُ".
стр. 1156
إذا تأخَّر، "قامَ القومُ إلا زيداً إلا عمراً إلا بكراً" في الإيجاب كالمتقدّم، يعني يجبُ فيه النصب، إذا كان مُوجباً وتأخَّرت المستثنيات عن المستثنى منه وجبَ النصب، نَصْبَ الْجَمِيعِ احْكُمْ بِهِ والْتَزِمِ، ولذلك قال: وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ مُطلَقاً في الإيجاب.
بقي المنفي، المنفي فيه تفصيل، التفصيل سيأتي في المنفي، وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ: (اللام) هنا بمعنى (مع)، يعني وانصب مع تأخير، والنصبُ واجب، وانصب وجوباً، لذلك جاء بصيغة افْعَل، وانصب وجوبا لِتَأْخِيرٍ يعني مع تأخير عنه .. عن المستثنى منه.
أما في الإيجاب فمُطلقاً، يعني في جميعها .. جميع المستثنيات، تقول: قام القومُ إلا زيداً إلا بكراً إلا عمراً، واجب لأنه مستثنى تعدَّدت فيه المستثنيات وهو تامّ موجَب.
وأما في غير الإيجاب فكذلك ولكن جِيءْ بِوَاحِدٍ منها، إذن " جِيءْ بِوَاحِدٍ" هذا تفصيل في المنفي بدليل قوله: " كَلَمْ يَفُوا"، وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ هذا يشمل النوعين: الإيجاب مُطلقاً بدون تفصيل، وأما المنفي فالذي عناهُ بقوله: جِيءْ بِوَاحِدٍ .. هذا نقولُ في المنفي بدليل المثال؛ لأنّ ابن مالك ﵀ يُعطي الأحكام بالأمثلة، كَلَم يَفُوا إذن هذا (الواو) مذكورة مُستثنى منه؛ حينئذٍ صار كلاماً تاماً منفياً.
وَجِيءْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا كَمَا لَوْ كَانَ دُونَ زَائِدِ يعني إذا كان غيرَ مُوجَبٍ عُومِل واحد منها بدون تعيين كالمفرَّغ هناك؛ سواء كان الأول أو الثاني أول الثالث، بما كان يُعامَل به لو لم يتكرَّر الاستثناء، يعني تنظر إليه بنظرين، استثناءٌ غير مُكرَّر، ماذا تصنع فيه، إذا لم تُكرَّر (إلا) ماذا تقول؟ "ما قام القومُ إلا زيداً، إلا زيدٌ"-بالنوعين- "ما قام القومُ إلا زيداً إلا زيدٌ"، هذه حالة واحدة، إذن تُعامِل زيد هنا بالوجهين، لو كرَّرت "إلا زيداً إلا بكراً إلا عمراً"، اختر واحداً من هذه الثلاثة عامله بما لو لم تُكرر (إلا) فتعطيه الوجهين، سواء كان الأول أو الثاني أو الثالث، ما قام القوم إلا زيدٌ إلا بكراً إلا عمراً، رفعنا الأول لماذا؟
لأنه لو لم تتكرَّر (إلا) لجازَ فيه الإتباع وهو أرجح، طيب، ما قامَ القومُ إلا زيداً إلا بكراً إلا عمراً، زيداً: منصوب على الاستثناء، وإلا بكراً وإلا عمراً: منصوب على الاستثناء؛ أيهما واجب وأيهما جائز؟
إذن كلها منصوبة إلا أن الأول جائز النصب، لماذا؟
لأنه لو لم تُكرَّر (إلا) لكان الإتباع أولى وأرجح، إذن "ما قامَ القومُ إلا زيداً"، هذا منصوب، لكنه جائز النصب، إلا بكراً إلا عمراً: منصوبان لكنهما واجبا النصب.
إذن أُعطِي واحدٌ منها ما يُعطاه لو انفردَ، ونُصِب ما عداه، ولا يتعينُ الأول لجواز الوجهين بل يترجَّح، انظر البيت: وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ وَجِيءْ بِوَاحِدٍ، فُهِم منه أن الواحد الذي يُجاء به يجوزُ أن يكون الأول أو الثاني أو الثالث، والأول أولى، لماذا؟
стр. 1157
لقربه من العامل، هذا أولى لئلا يفصل بينه وبين عامله، وَجِيءْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا أي من المستثنيات المتأخِّرة في الكلام التام غيرِ الموجَب، وَجِيءْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا صفة لواحد .. مِنْهَا جارّ ومجرور متعلِّق بمحذوف صفة لواحد، وَجِيءْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا مُعرباً بما يقتضيه الحال، يعني قد يكونُ مرفوعاً وقد يكون منصوباً على الاستثناء، لكنه ليسَ بواجب النصب.
كَمَا لَوْ كَانَ دُونَ زَائِدِ، كَمَا لَوْ (مَا) كافة، و (لَوْ) مصدرية، وهي على حذف مضاف، أي كحال، والتقدير: وَجِيءْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا كحال وجودِه دون زائد عليه، دون زائد عليه يعني لم تُكرَّر (إلاَّ)، كأنه قِيل: ما قام إلا زيدٌ .. إلا زيداً .. جازَ فيه الوجهان، وَجِيءْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، يعني مُعرباً بما يقتضيه الحال، كَمَا لَوْ هذا حال من وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ كَانَ، (كَانَ) هذه تامة وفاعلها ضمير مستتر أي الواحد، دُونَ زَائِدِ، يعني هذا حال مِن فاعل كَانَ، دون زائد عليه ففي الاتصال تُبدِل واحداً على الراجح وتَنصِب ما عداه، ففي الاتصال تُبدِل واحداً على الراجح مع جواز النصب، وتنصب ما عداه، كَلَم يَفُوا إِلاَّ امْرُؤٌ إِلاَّ عَلِي، إلا علياً وقفَ عليه بلغة ربيعة، كَلَمْ يَفُوا إِلاَّ امْرَأً إِلاَّ عَلِي يجوز، إن رفعتَ الأول صار الثاني موقوفاً عليه بالسكون على لغة ربيعة، تَقِف على المنصوب بالسكون، وإذا نَصبتَ الأول كَلَم يَفُوا إِلاَّ امْرُؤٌ؛ لأنه يجوزُ أن تنصب الأول أو الثاني، قلنا: بِوَاحِدٍ لم يحدِّد، حينئذٍ إذا نَصبتَ الأول صار الثاني مرفوعاً على البدلية، فـ لَمْ يَفُوا، (الواو) هذه مُستثنى منه، إذن هو كلام تامّ منفي كَلَم يَفُوا، يَفُوا أصلها يُوفِئًون يُفعِلُون، حُذفت النون للجازم و (الواو) لوقوعها بين عدوتيها (الياء) و (الكسرة) فصار يَفْيُوا، نُقِلت ضمة (الياء) إلا (الفاء) بعد سلبِ حركتها ثم حُذفت (الياء) لالتقاء الساكنين، و (الواو) هذه واو الجماعة فاعل وهو مستثنى منه، إِلاَّ امْرُؤٌ هذا بدل بعض من كل، إلا علياً إلا بكراً بالنصب. إذن في الكلام التام غير الموجب تُعطي واحداً منها كما لو لم يكن التكرار موجوداً، كأنّ (إلا) لم تزد لم تتكرَّر، حينئذٍ إذا كان الاستثناء مُتصلاً جازَ فيه الوجهان، وإذا كان مُنقطِعاً حينئذٍ وجبَ فيه النصب، لو قال جاءَ القومُ إلا حماراً إلا بغلاً إلا فرساً، هذا مُنقطِع، يُنصَب الجميع؛ الأول واجب النصب لا لكونه مُكرّراً، ما بعد الثاني والثالث إلا حماراً إلا بغلاً إلا فرساً، الفرس والبغل نُصبت على الاستثناء وجوباً؛ لماذا؟
للتكرار، وأما الأولُ فحينئذٍ عُومِل معاملة المستثنى لو لم تُزَد (إلا)، وهذا الاستثناء مُنقطِع حينئذٍ وجبَ النصب، وعلى لغة بني تميم يجوزُ النصب، ويجوزُ الرفع، وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ حينئذٍ ما قامَ القوم إلا حمارٌ إلا فرساً إلا بَغلاً، هذا على لغة بني تميم، وعلى لغة أهل الحجاز: ما قامَ القومُ إلا بغلاً إلا حماراً إلا فرساً، نصبَ الجميع.
стр. 1158
كَلَمْ يَفُوا إِلاَّ امْرُؤٌ إِلاَّ عَلِي إِلاّ بَكْراً، وفي الانقطاع يُنصب الجميع على اللغة الفصحى التي ذكرناها أولاً في الانقطاع، وأما في الاتصال فحينئذٍ تُبدِل واحداً على الراجح وتنصب ما سواه، كَمَا لَوْ كَانَ، قلنا: كَانَ هذه تامة وفاعلها ضمير مستتر، كَانَ بمعنى وُجِد، دُونَ زَائِدِ عليها على الأصل، ففي الاتصال تُبدِلُ واحداً على الراجح وتنصِبُ ما سواه. دُونَ زَائِدِ أي يُعامل واحداً منها معاملة ما مرَّ من القواعد في كونه واجب النصب مع الإيجاب والبدل في النفي إلى آخر ما ذُكر.
كَلَمْ يَفُوا إِلاَّ امْرُؤٌ إِلاَّ عَلِي ... وَحُكْمُهَا فِي الْقَصْدِ حُكْمُ الأَوَّلِ
هذه المستثنيات النظر فيها من جهتين: من جهة اللفظ وهي الأحكام السابقة يُنصَب يُرفع إلى آخره، لكن من جهة الإخراج والمعنى، من جهة الإخراج وَحُكْمُهَا: أي حكمُ هذه المستثنيات سوى الأول؛ لأن الأول على أصلِهِ (ما قام القوم إلا زيداً)، هذا لا شك أنه إخراج من الأول لا إشكال في هذا، استثناء على أصله على بابه، لكن إلا بكراً إلا عمراً، كيف نتعامل معها؟
هذا فيه وجهان وباعتبار نوعين، نقول: وأما بالنظر إلى المعنى وهو الذي عناهُ الناظم بقوله:
وَحُكْمُهَا فِي الْقَصْدِ حُكْمُ الأَوَّلِ، فهو نوعان، أولاً: ما لا يمكن استغناء بعضِه من بعض، كزيد وعمرو وبكر، ما قام القوم إلا زيداً إلا بكراً إلا عمراً، لا يُستغنى ببعضِه عن بعض.
الثاني: ما يمكن استغناءُ بعضِهِ من بعض، وهذا فيه الأمثلة المشهورة، له عندي عَشرةٌ إلا أربعةٌ إلا اثنين إلا واحداً، هذا يمكن أن يُستغنى ببعضه عن بعض، أما الأول لا؛ لأن زيد منفكّ عن الثاني عن بكر، وبكر منفكّ عن خالد، لا يمكن أن يدخل أحدهما تحت الأخر، ما قام القوم إلا زيداً إلا بكراً إلا عمراً، له عشرة إلا أربعة إلا خمسة، تقول اثنين نستخرجها من الذي قبله، والذي قبله نستخرجه من الذي قبله، هذا يمكن أن تتداخل، أما بكر وعمرو لا يدخلون تحت بعض. إذن ما يمكن استغناء بعضه عن بعض، والمثال الذي ذكرناه: له عندي عشرة إلا أربعة إلا اثنين إلا واحداً، ما لا يمكن استغناء بعضه عن بعض، ففي النوع الأول -وهو ما لا يمكن استغناء بعضه من بعض- إن كان المستثنى الأول داخلاً فما بعدَه داخل، وإن كان مُخرجاً فما بعده مُخرج، إن كان الأول. النظر هنا إلى الأول قال ابن مالك: وَحُكْمُهَا فِي الْقَصْدِ يعني في المعنى المقصود، من الإخراج وعدمِه حكم الأولِ. تنظر إلى الأول في الكلام الموجب قام القوم إلا زيداً، زيداً مُخرَج أو لا؟
مُخرَج، إذن إلا بكراً إلا عمراً حكمه حكم الأول، وهو الإخراج، ما قام القوم إلا زيداً، مُخرَج أو مُدخَل؟
مدخل، إذاً ما بعده حكمُه حكمُ الأول، هذا فيما إذا لم يمكن استغناء بعضه عن بعض، وهذا مُسلَّم لا إشكال فيه، فحكمها حكم الأول، لماذا؟
стр. 1159
لأن الأخير لا يدخلُ تحتَ الذي قبله، والذي قبلَه لا يدخل تحت الذي قبلَه، حينئذٍ يكون المردّ إلى الأول، فإذا كان الأول مُخرجاً وهذا إنما يكون في الكلام الموجب فحكمُها حكمُ الأول، وإذا كان مُدخَلاً، وهذا في الكلام غير الموجب وهو المنفي فحكمُها حكمُ الأول، إذن النوع الأول ما لا يمكن استغناء بعضه من بعض إن كان المستثنى الأول داخلاً فما بعده داخل، وذلك إذا كان مستثنًى من غير موجب، وإن كان خارجاً فما بعده خارج، وذلك إن كان مستثنًى من موجب.
وفي النوع الثاني: ما يمكن استغناءُ بعضِه عن بعض، هذا فيه خلاف، قيل: الحكم كذلك وإنّ الجميع مستثنى من أصل العدد الأول، من الأول، تقول: له علي عشرةٌ إلا أربعة مُستثنًى من عشرة، إلا اثنين مُستثنى من عشرة إلا واحداً مُستثنى من عشرة، فالمردُّ يكون إلى الأول، هذا ظاهر كلام الناظم؛ أن الحكم عام في النوعين فيما يمكن استغناء بعضه عن بعض، وما لا يمكن، لأنه أَطلقَ:
وَحُكْمُهَا -المُسْتَثْنَيَات- بدون تفصيل فِي الْقَصْدِ أي المعنى المقصود من إدخال وإخراج حُكْمُ الأَوَّلِ، فالمردُّ يكون للأول فيما يمكن أن يَستغني بعضه عن بعض وما لا، هذا ظاهر كلام الناظم.
وقال الكسائي والبصريون: كل من الأعداد مُستثنى مما يليه، فالواحدُ مُستثنى من الاثنين الذي قبله ليس من الأول، والاثنين مما قبله وهو الأربعة، والأربعة من العشرة وهذا هو الصحيح، أن ما يمكنُ الاستغناء ببعضِه عن بعض يكون الاعتبار من الأخير، ثم يكون داخلاً فيما قبلَه فالاستثناءُ يكون منه، لا نرجعُ إلى الأول وإنما نرجعُ إلى الأخير، إلا واحداً، واحداً مُستثنى من اثنين بقي واحد، والواحد مستثنى من أربعة بقي ثلاثة، والثلاثةُ مستثناة من عشرة بقي سبعة، بهذه الصورة حينئذٍ لا نرجع إلى الأول وهذا هو الصحيح المرجَّح عند الأصوليين.
وقال الكسائي والبصريون: كل مِن الأعداد مستثنى مما يليه، وهو الصحيح؛ لأن الحملَ على الأقرب مُتعيّن عند التردد، ولذلك ردّ الشيخ الأمين في نثر الورود، قول ابن مالك هنا قال: هذا غلط ليس بصحيح، ومُراده فيما يمكن الاستغناء ببعضها عن بعض لا مطلقاً، وَحُكْمُهَا فِي الْقَصْدِ حُكْمُ الأَوَّلِ، وقيل المذهبان محتملان، وعلى هذا فالمُقرُّ به في المثال السابق على القول الأول ثلاثة؛ لأنك تقول: له عندي عشرة إلا أربعة إلا اثنين إلا واحد، عشرة إلا أربعة ستة، ستة إلا اثنين أربعة، أربعة إلا واحد ثلاثة، بدأت بالتنازل، والصحيح هو العكس؛ انظر أقرَّ بثلاثة، واحد من اثنين: واحد، واحد من أربعة: ثلاثة، ثلاثة من عشرة: سبعة، فرقٌ بينهما.
على القول الراجح يكون أقرّ بسبعة، وعلى رأي ابن مالك أقرَّ بثلاثة، ومحتمِلٌ لهما على الثالث.
إذن:
وَدُونَ تَفْرِيغٍ مَعَ التَّقَدُّمِ ... نَصْبَ الْجَمِيعِ احْكُمْ بِهِ والْتَزِمِ
إن كان الاستثناءُ غيرَ مفرغ، حينئذٍ إما أن تتقدَّمَ المستثنيات على المستثنى منه أو تتأخَّر، فإن تقدَّمت بقطعِ النظر عن كونه موجباً أو مَنفياً وجبَ النصب، نصب الجميع بدون استثناء، وإن تأخَّرت حينئذٍ ننظرُ نفصِّل هل هو كلام موجب أو لا؟
стр. 1160
إن كان مُوجباً كذلك الحكم نفس الأول، وهو وجوبُ نصب الجميع، وإن كان غير مُوجَب حينئذٍ أعطينا واحداً منها كما لو لم تَتكرَّر (إلا)، إن كان مُتصلاً جازَ فيه الوجهان والإتباع أولى، وإن كان مُنقطعا حينئذٍ وجبَ النصبُ عند الحجازيين وجازَ إبدالُه عند التميميين، وما عدا هذا الواحد المختار سواء كان أولاً أو ثاني أو ثالث، ما عداه نصبَ الجميع؛ يُنصَب.
وَدُونَ تَفْرِيغٍ مَعَ التَّقَدُّمِ ... نَصْبَ الْجَمِيعِ احْكُمْ بِهِ والْتَزِمِ
وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ وَجِيءْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا كما قالَ هنا مُعرباً بما يقتضيه الحال، كَمَا لَوْ كَانَ دُونَ زَائَدِ عليها، كَـ" لم يَفُوا إِلاَّ امْرُؤٌ إِلاَّ عَلِي "، وَحُكْمُهَا أي حكم المستثنيات سوى الأول في القصد حُكْمُ الأَوَّلِ، القصد، أي المعنى المقصود من إدخالٍ وإخراجٍ حُكْمُ الأَوَّلِ، فإن كان مُخرَجاً لورودِهِ على مُوجب فهي مخرجه، وإن كان مدخلاً لورودهِ على غير مُوجَب فهي أيضاً مُدخلة.
قال ابن عقيل: ومعنى قوله وَحُكْمُهَا فِي الْقَصْدِ حُكْمُ الأَوَّلِ .. إذن الأبيات كلها المراد بها حكم المستثنيات المكرّرة بالنظر إلى اللفظ، انْصِبْ .. جِيءْ؛ إلى أخره، هذا في اللفظ فقط، وأما في المعنى فمرادُه بالشطر الأخير من جهة الإدخال والإخراج أن ما يتكرَّر من المستثنيات حكمه في المعنى حكم المستثنى الأول فيُثبَت له ما يُثبَت للأول من الدخول والخروج، ففي قولك: "قام القوم إلا زيداً إلا عمراً إلا بكراً"، الجميع مخرج؛ لأنه لا يمكن أن يستغني بعضها عن بعض، يعني لا يمكنُ أن نقول زيد نُخرِج منه عمرو، وبكر نُخرِجُ من عمرو، لا يمكن هذا، لا تتداخل، بخلاف عشرة اثنين أربعة .. إلى أخره هذه تتداخل، لهذا نقول: الجميع مخرجون.
وفي قولك ما قام القوم إلا زيداً إلا عمرًا إلا بكراً، الجميع داخلون .. ما تعرّض لملسألة الثانية وقد ذكرناها فيما سبق، ثم قال ﵀:
وَاسْتَثْنِ مَجْرُورَاً بِغَيْرٍ مُعْرَبَا ... بِمَا لِمُسْتَثْنىً بِإِلاَّ نُسِبَا
انتهينا من (إلا)، قلنا: الأدوات من حيث الجملة -التقسيم رباعية؛ منها ما هو حرف ومنها ما هو اسم ومنها ما هو فعل ومنها ما هو مُتردّد بين الفعلية والحرفية.
وهذا عندَ التفصيل ثمانية، ذكرنا (إلا) وهي حرفٌ باتفاق، ذكرَ هنا (غَيْرٍ) و (سوى)، وهذان اسمان، أما (غَيْرُ) فمحل وفاق، وأما (سِوَى) فهذه ظرف عند سيبويه.
قال وَاسْتَثْنِ مَجْرُورَاً إذن المستثنى ليس دائماً يكون منصوباً، ولذلك قلنا يذكرون المستثنى في باب المنصوبات في بعض أحواله لا مُطلقاً، ليس كلّ مستثنى يكون منصوباً، بل قد يكون مجروراً، وقد يكون منصوباً لا على الاستثناء، مثل خبر ليس ولا يكون، حينئذٍ نقولُ وَاسْتَثْنِ مَجْرُورَاً .. كيف صار المستثنى مجروراً؟
نقول: الاستثناء هنا باعتبار المعنى؛ لأن غَيْرٍ في الأصل هي صفة، يُوصَف بها، وتدلُّ على مُغايرة ما بعدَها لما قبلها، جاءَ القوم غيرَ زيد، دلَّت على أن ما بعدها مُغايِر لما قبلها، هذا الأصل فيها أن تكون صفة، وتُحمَلُ على (إلا) فيستثنى بها؛ لأن الاستثناء فيه نَوع مُغايرة، وهذا صحيح .. قام القوم إلا زيداً، مُغايرة أو لا؟
следующие страницы →