← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36130

شرح ألفية ابن مالك للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

أَذْهَبُ: هذا هو عامل الحال، فَرْدَاً: هذا حال، في تأويل منفرداً، صاحب الحال هو الضمير المستتر في قوله: أذهب .. أنا، أذهب منفرداً، وهو وصف من حيث المعنى، وفضلة لأنه ليس بعمدة .. ليس بركن في الإسناد، وهو منتصب، كذلك واجب الانتصاب، ومفهم في حال مبين للهيئة، أذهب، كيف تذهب؟ منفرداً معك أحد .. الخ؟ حينئذٍ نقول: مُنْفَرِداً، هذا بين هيئة صاحب الحال من كونه يذهب على جهة معينة. قال: خرج بقوله: فَضْلَةٌ الوصف الواقع عمدة، زيد قائم، وبقوله: الدلالة على الهيئة التمييز المشتق؛ قد يقع التمييز مشتقاً، لكن في مسائل معدودة يأتي في محلها، والأصل في التمييز أن يكون نكرة بخلاف الحال، وهذا من الفوارق بينهما كما سيأتي. "لله دره فارساً", فارساً هذا وصف وهو فضلة، وهو منتصب، لكنه ليس مفهماً للهيئة؛ لأن المراد به التعجب: لله دره فارساً عالماً فصيحاً خطيباً، لله دره خطيباً، المراد هنا ليس الكشف والإيضاح عن الهيئة، وإنما المراد به التعجب، وهذا هو القصد الأولي، قد يقال بأنه فيه كشف هيئة نعم، لكنه ليس بالقصد، وإنما هو بالتبع, فالنظر في الفوارق بين التمييز المشتق والحال والنعت هذه متداخلة، والكل فيها لا بد وأن يكون فيه معنى الكشف والهيئة، لا بد من هذا، لكن المراد في الهيئة أن يكون الأصل .. المجيء بالحال كاشفاً للهيئة، وما عدا ذلك في التمييز المشتق وفي النعت المنصوب حينئذٍ نقول: هو مبين للهيئة، لكن بالتبع لا بالقصد ففرقٌ بين النوعين، "لله دره فارساً" فإنه تمييز لا حال على الصحيح، ولذلك وقع فيه خلاف هل هو تمييز أم لا؟ قيل: حال، إذ لم يقصد به الدلالة على الهيئة، لم يقصد به الدلالة على الهيئة مع أنه دل على هيئة لا بد، لكن دلالته على الهيئة ليست بالقصد الأولي، وإنما هو بالقصد التبعي، يعني: أمر تابع وليس بأصلي. بل التعجب من فروسيته، فهو لبيان المتعجب منه لا لبيان هيئته، وكذلك: رأيت رجلاً راكباً، فإن راكباً لم يسق للدلالة على الهيئة قصداً بل وقع ذلك تبعاً ضمناً، بل لتخصيص الرجل، فقول المصنف: مُفْهِمُ فِي حَالِ هو معنى قوله: للدلالة على الهيئة. إذاً الوصف جنس يشمل الخبر والنعت والحال، وفضلة مخرج للخبر، ومنتصب مخرج لنعتي المرفوع والمخفوض كجاءني رجل راكب ومررت برجل راكب، ومفهم في حال كذا مخرج للنعت المنصوب كرأيت رجلاً راكباً، فإنه إنما سيق لتقييد المنعوت فحسب، لا علاقة له بالعامل، فهو لا يُفهم في حال كذا بطريق القصد، وإنما يفهمه بطريق اللزوم. وَكَوْنُهُ مُنْتَقِلاً مُشْتَقَّا ... يَغْلِبُ لكِنْ لَيْسَ مُسْتَحَقَّا مُسْتَحَقَّا .. مُسْتَحِقَّا يجوز فيه الوجهان كَوْنُهُ: أي الحال، هنا قال: كَوْنُهُ ولم يقل: كونها مراعاة للأفصح؛ لأن الأفصح في إرجاع الضمير إلى لفظ الحال وهو مذكر من حيث اللفظ .. الأفصح أن يرجع إليه بالتذكير مع جواز التأنيث، كونها جائز، لكن الأفصح هنا كَوْنُهُ، رده إلى الأفصح. وَكَوْنُهُ أي الحال. مُنْتَقِلاً مُشْتَقَّا: ذكر وصفين للحال لا بد من وجودهما، ولكن الوجود هنا أغلبي، ليس بلازم في كل حال، بل قد تخرج الحال عما ذكره من قيدٍ.

стр. 1192

مُنْتَقِلاً: المراد بالانتقال التحول، ولذلك قيل: الحال مأخوذة من التحول وهو التنقل. إذاً أصل اسم الحال لا بد أن يكون موجوداً في الحال الاصطلاحية، فالحال حول، مأخوذ من التحول وهو التنقل؛ حينئذٍ إما أن يكون الوصف دالاً على صفة لازمة ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، وإما أن يكون العكس؛ بأن يكون الوصف دالاً على صفةٍ قابلة للزوال. ما هو ضابط الحال؟ أن تكون منتقلة. إذاً إذا جاءت الحال وصفاً لازماً لا يتغير .. ملازم لموصوفه ثابت راسخ نقول: هذا خلاف الأصل، قد تأتي، لكن خلاف الأصل، فالأصل أن تكون منتقلاً، وَكَوْنُهُ مُنْتَقِلاً: أي عن صاحبه غير لازم له، لا ثابتاً، ومعنى الانتقال أن لا تكون ملازمة للمتصف بها؛ جاء زيد راكباً، راكباً هذا حال، نقول: الركوب وصف لزيد؛ لأن الحال في المعنى صفة، إذاً راكباً هذا وصف لزيد، زيد هل ينفك عن الركوب؟ نعم ينفك عنه، قد يكون راكباً ويكون ماشياً ويكون مضطجعاً مستلقياً ويكون زاحفاً .. إلى غير ذلك، حينئذٍ راكباً نقول: هذا وصف منتقل، هذا هو الأصل فيه، فإذا جاء الوصف لازماً ثابتاً غير منتقل؛ حينئذٍ قلنا: هذا خلاف الأصل، وقد تأتي الحال كذلك غير منتقلة، مثل ماذا؟ قالوا: دعوت الله سميعاً؛ دعوت الله فعل وفاعل ومفعول به، سميعاً هذا حال، وهو وصف .. صفة ذاتية لله ، حينئذٍ نقول: هذه الصفة الذاتية لازمة لا تنفك عن موصوفها، لا يكون الله تعالى في وقت يسمع وفي وقت لا يسمع، بخلاف الصفات الفعلية كالنزول ونحوه، حينئذٍ نقول: تلك قد تنتقل، ولا بأس بهذا القول، وإنما الكلام في الصفات اللازمة الذاتية التي لا تنفك بحال من الأحوال عن موصوفه؛ دعوت الله سميعاً؛ إذاً سميعاً هذا حال، وهل هو وصف منتقل؟ الجواب: لا، ليس وصفاً منتقلاً، كذلك خلق الله الزرافة: فعل وفاعل ومفعول به، والزرافة بفتح الزاي وتضم زُرافة زَرافة، وزُرافة أفصح، يديها أطول من رجليها، أطول هذا أفعل تفضيل، دلت على الطول، إذاً فيها معنى الوصف، وهي فضلة وهي منتصبة، مُفْهِمُ فِي حَالِ؟ نعم، لكنها ليست منتقلة؛ لأن الذي يُفهم في حال قد يكون لازماً وقد يكون ثابتاً، أطول نقول: هذا حال من يديها، يديها: هذا بدل بعض من كل، خَلَقَ اللهُ الزَّرَافَةَ, الزَّرَافَةَ مفعول به منصوب، يَدَيْهَا بدل من الزرافة، يَدَيْهَا تثنية، ولذلك نُصب .. بدل بعض من كل، أطْولَ حال من يديها، مِنْ رِجْلَيْهَا هذا جار ومجرور متعلق بقوله: أطْولَ لأنه أفعل تفضيل. إذاً أطْولَ نقول: هذا حال لازمةٌ لا تنفك عن الزرافة؛ لأنه لا تكون الزرافة في وقت يديها أطول من رجليها وفي وقت لا، بل هي ملازمة لهذا الوصف: فَجَاءَتْ بهِ سَبْطَ العِظامِ كَأَنَّما ... ... ... عِمَامتُهُ بَيْنَ الرِّجالِ لِواءُ فسميعاً وأطول وسبط أحوال، وهي أوصاف لازمة، فحينئذٍ نقول: تأتي الحال غير منتقلة بمعنى أنها وصف لازم ثابت لموصوفها، وهذا خلاف الأصل في الحال؛ لأن الأصل في الحال وصف في المعنى، وكونها مشتقة من التحول لزم منه أن تكون موجودة معدومة, موجودة وقت الوصف معدومة في غير الوصف؛ جاء زيدٌ راكباً, راكباً إذاً هو في وقت يركب، وفي وقت لا يركب.

стр. 1193

ضبط النحاة المسائل الثلاث التي يكون فيها الوصف بالحال المنتقلة أو غير المنتقلة .. الحال متى تكون وصفاً لازماً؟ قالوا في ثلاث مسائل لا تخرج عنها. الأولى: أن يكون العامل فيها مشعراً بتجدد صاحبها؛ أن يكون العامل فيها، يعني في الحال، خلق الله الزرافة، قالوا: خلق هذا عامل مشعر بتجدد صاحبها، أي حدوثه بعد أن لم يكن، خَلْقُه لم يكن ثم كان، إذاً مشعر بتجدد صاحبها أي حدوثه بعد أن لم يكن، ومأخذ اللزوم أنها مقارنة للخلق، أي الإيجاد، فهي خِلقية جبلية لا تتغير، ولا يرد خلق الإنسان طفلاً ثم بعد ذلك يكبر، ثم بعد ذلك يشيب إلى أن يموت، نقول: هذا الخلق في كل طور هو وصف لازم، كونه طفلاً نقول: هذا خلق، هل هي صفة لازمة أو لا؟ صفة لازمة، طيب سيكبر بعد أشهر .. بعد سنة، سيمشي، نقول: في المرحلة الأولى الوصف لازمٌ له، ثم إذا انتقل إلى مرحلة ثانية .. الوصف لتلك المرحلة الثانية وصف لازم له، وليس الاعتبار بالإنسان؛ إذا قيل: ((وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)) من أول خلقه إلى موته، وهو ضعيف، لكن الضعف يختلف، حينئذٍ نقول: الخلق هنا متغير، لكن تغيره باعتبار المراتب، وفي كل مرتبة هو وصف لازم لموصوفها، حينئذٍ لا إشكال. إذاً المراد بكون العامل هنا مشعراً بتجدد صاحبها أنه حدث بعد أن لم يكن؛ في أول المراحل حصل الخلق ثُم ثَمَّ مرتبة، في وقت تلك المرتبة نقول: الوصف له لازم، إذا انتقل انتقل إلى وصف لازم آخر، حينئذٍ انتقل من وصف ثابت راسخ إلى وصف ثابت راسخ آخر، ومأخذ اللزوم أنها مقارنة للخلق أي: الإيجاد، فهي خِلقية جبلية لا تتغير، ولا يرد خلق الإنسان طفلاً؛ لأن انتقاله من طور إلى طور بمنزلة خلق له متجدد، فتكون الحالُ الأولى لازمةً للخلق الأول والثانية والثالثة .. الخ .. متى ما كانت المراتب تعددت، هذه المسألة الأولى: أن يكون العامل فيها مشعراً بتجدد صاحبها نحو قوله تعالى: ((وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)) والمثال السابق: خَلَقَ اللهُ الزَّرَافَةَ يَدَيْهَا أطْولَ مِنْ رِجْلَيْهَا. المسألة الثانية التي تكون فيها الحال غير منتقلة بل وصف لازم: وذلك في الحال المؤكدة، وهذا سيأتي بحثه في محله، والمؤكدة إما أن تكون مؤكدة لعاملها: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً، وقوله سبحانه: ((وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً)) نقول: هذا وصفٌ غير منتقل، وإما مؤكدة لصاحبها ((لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً)) جَمِيعاً هذا حال مؤكدة مِن (مَنْ) وهو اسم موصول، وإما مؤكدة لمضمون جملةٍ قبلها نحو قولهم: زيدٌ أبوك عطوف، حال بأنواعه الثلاثة كما سيأتي في محله، المراد هنا أن الحال المؤكدة هذه غير منتقلة، والحد الذي يُذكر في أوائل الكلام على الحال إنما المراد به الحال المؤسسة المبينة، وأما الحال المؤكدة هذه لا تستقل بمعنى. الثالثة: في أمثلة مسموعة لا ضابط لها، يعني أمثلة تُحفظ ولا يقاس عليها كقولهم: دعوت الله سميعاً، وقوله تعالى: ((أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً)) وقوله: ((قَائِماً بِالْقِسْطِ)).

стр. 1194

إذاً في هذه الأحوال الثلاثة نقول: تأتي الحال غير منتقلة بل وصف لازم ثابت لموصوفه، أن يكون العامل فيها مشعراً بتجدد صاحبها، في الحالة المؤكدة بأنواعها الثلاث: مؤكدة لعاملها .. لصاحبها .. لمضمون جملة قبلها، الثالث: ما كان مسموعاً من مفردات وردت عن العرب، وما جاء في القرآن كذلك يكون من قبيل المسموع، ولذلك مثَّل بـ: ((قَائِمَاً بِالْقِسْطِ)). وَكَوْنُهُ مُنْتَقِلاً مُشْتَقَّا: يعني من المصدر ليدل على مُنْتَصِبُ، وهذا فيه تأكيد للمعنى الذي أخذه جنساً في التعريف؛ لأنه قال: الْحَالُ وَصْفٌ، وهذا معنى الاشتقاق، فكونه مشتقاً هنا تأكيد لذلك المعنى، أو إن شئت قل: تبيين بالمراد بالوصف؛ لأن الوصف قلنا: يُطلق ويُراد به الوصف المجرد بالدلالة على الذات كرجعت القهقرى، وكذلك يشمل ما دل على ذاتٍ معنى. قوله: مُشْتَقَّا يؤكد المعنى السابق، وقد حمل بعض الشراح قوله: الْحَالُ وَصْفٌ بالمعنى الأعم، وهذا ليس كذلك، بل الصواب أن يُعين قوله: الوصف -وكلام النحاة في جميع كتبهم على هذا المعنى- أن يُقيد الوصف بكونه مشتقاً من المصدر، وحينئذٍ يكون دالاً على ذات متصفة بوصف، وأما الوصف الذي لا يدل على ذات حينئذٍ لا يكون داخلاً في الحال؛ إن جاء صار خلاف الأصل، ولذلك قال: مُشْتَقَّا يَغْلِبُ، إذاً غير الغالب في المشتق أن يكون جامداً، ولذلك قال: وَيكْثُرُ الْجُمُودُ، ثم قال: وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ حَالاً يَقَعْ بِكَثْرَةٍ فدل على أن المصدر ليس مراداً بقوله: وَصْفٌ، تنبه لهذا، بعض الشراح حمل الوصف على العموم. وَكَوْنُهُ أي الحال، مُنْتَقِلاً يعني لا يلزم الموصوف؛ لأنه جيء به للدلالة على الهيئة، والهيئة الأصل فيها أنها تتبدل وتتغير، فليست وصفاً ثابتاً, مُشْتَقَّا أي من المصدر؛ لأنها وصف في المعنى، يَغْلِبُ وجوده في كلامهم؛ يعني في كلام العرب، الأكثر في استعمالهم لهذا المصطلح الذي هو الحال، أن يكون منتقلاً مشتقاً، ولكِنْ لَيْسَ مُسْتَحَقَّا؛ لَيْسَ مُسْتَحَقَّا بمعنى أن هذا الوصف وهو الانتقال قد يخرجون عنه في بعض كلامهم، وكذلك الوصف بالاشتقاق قد يخرجون عنه في بعض كلامهم، فما خرج من كلامهم عن ذلك الأصل المطرد -وهو الأعم- يحمل عليه. إذاً إذا تكلموا في لسان العرب أتوا بالحال منتقلة، وقد يتكلمون بالحال غير منتقلة؛ إذا جاءت غير منتقلة نردها إلى الانتقال، وكذلك إذا جاءت غير مشتقة نردها إلى الاشتقاق.

стр. 1195

لكِنْ لَيْسَ ذلك مُسْتَحَقَّا هذا تتميمٌ للبيت قيل: لجواز الاستغناء عنه بـ (يَغْلِبُ)، يعني: كثير، يغلب وجوده في كلامهم، وقيل: ليس حشواً .. ليس تتميماً للبيت؛ لأن قوله: يَغْلِبُ قد يوهم أنه واجب في الفصيح؛ يعني: لا تتكلم بحالٍ غير منتقلة، فإن تكلمت بحالٍ غير منتقلة وقعت في الشذوذ أو غيره، وكذلك لا تتكلم بحال غير مشتقة، لا، ليس هذا المراد، وإنما المراد أن كلاً منهما فصيح؛ إلا أن الأفصح أن تكون الحال منتقلة، وأن الأفصح أن تكون الحال مشتقة، إذا لم تأت بالحال منتقلة ولا مشتقة حينئذٍ لم تخرج عن الفصيح، لذلك قال: لكِنْ لَيْسَ مُسْتَحَقَّا، فدفع به توهمَ أن يكون الغالب واجباً لا يجوز العدول عنه .. دفع توهمَ أن يكون الغالب واجباً في الفصيح، وضمير لَيْسَ إما للكون، وَكَوْنُهُ، لكِنْ لَيْسَ: ليس الكون مستحقاً، وحينئذٍ يكون مستحَقاً بفتح الحاء، وإما للحال لكن ليس الحال مستحقاً، حينئذٍ يكون بكسر الحاء، لَيْسَ أين اسمها؟ ضمير مستتر، ما مرجعه؟ يحتمل وجهين: إما أن يكون الكون: وَكَوْنُهُ مُنْتَقِلاً، إذاً كونه منتقلاً هذا محكوم به، لَيْسَ مُسْتَحَقَّا بالفتح، ولَيْسَ ذلك مُسْتَحَقَّا ليس الحال مستحقاً لكونه منتقلاً أو مشتقاً، مستحقاً بفتح الحاء على أنه اسم مفعول، والضمير فيه عائدٌ على الكون، وقيل: على الفاعل لـ (يَغْلِبُ)، أي: ليس كونه منتقلاً مشتقاً مستحقاً، ويجوز كسر الحاء على أنه اسم فاعل، ويكون الضمير فيه عائداً على الحال، ولا بد حينئذٍ من مجرورٍ محذوف، ويكون معمولاً لـ مستحقاً، والتقدير ليس الحال مستحقاً لكونه منتقلاً مشتقاً، إذا جعلناه بالكسر لا بد من مجرور محذوف، وليس ذلك مستحقاً لكونه منتقلاً مشتقاً، وإذا جعلناه لكون أو فاعل يغلب حينئذٍ لا نحتاج إلى المحذوف. إذاً: الأكثر في الحال أنها تكون منتقلة مشتقة. وقد تأتي الحال جامدة، وقد ذكر الناظم بعضاً منها؛ ذكر ثلاثاً أو أربع مسائل مما جاء فيه الحال جامداً. وَيَكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ وَفِي كَبِعْهُ مُدّاً بِكَذَا يَدّاً بِيَدْ ... مُبْدِي تَأَوُّلٍ بِلاَ تَكَلُّفِ وَكَرَّ زَيْدٌ أَسَدَاً أَيْ كَأَسَدْ وَيكْثُرُ الْجُمُودُ، يكْثُرُ، قال: هناك يَغْلِبُ، غير الغالب كثير أو قليل؟ غير الغالب الأصل أنه قليل، وهنا قال: وَيكْثُرُ الْجُمُودُ، الكثرة هنا باعتبار الاشتقاق أو الجمود؟ الجمود، إذاً هنا الكثرة نسبية فباعتبار الجامد الْجُمُودُ فِي السِِّعْرٍ نقول: هذا أكثر من غيره، فثم الجامد نوعان: يكْثُرُ فِي سِعْرٍ، فما كان هذا الباب -باب سعرٍ ونحوه يَدّاً بِيَدْ أو بِعْهُ مُدّاً بِكَذَا- نقول: هذا الباب الجمود فيه كثير من وقوع الجمود في غير هذا الباب كـ مُبْدِي تَأَوُّلٍ بِلاَ تَكَلُّفِ .. وَكَرَّ زَيْدٌ أَسَداً أَيْ كَأَسَدْ. إذاً الجمود يختلف، فالأبواب ليست متحدة، أكثر ما يكون الجمود في سعر، وما عداه من الأبواب فهو أقل، وكلاهما باعتبار غير الغالب قليل؛ كلا البابين ما كثر فيه الجمود وما قل باعتباره غير غالب قليل.

стр. 1196

إذاً: مفهوم قوله: يَغْلِبُ؛ مفهومه أن غير الغالب يكون قليلاً، ثم هذا القليل نقول: على جهتين: كثير وقليل، والكثرة هنا نسبية باعتبار الأبواب الأخرى التي ورد فيها الجامد، ولذلك قال: وَيكْثُرُ الْجُمُودُ، الْجُمُودُ جمع جامد، والمراد بالجامد هنا ما دل على معنًى فحسب، ولم يدل على ذات، وهذا يدخل فيه المصدر، ولذلك فصله لكثرة ما ورد فيه أنه وقع حالاً. وَيكْثُرُ الْجُمُودُ أي: ويقل في غير المذكورات، يكْثُرُ الْجُمُودُ: أي جمود الحال، والجامد المراد به ما دل على معنى فقط، يعني لا يدل على ذات، في ماذا يكثر الجمود؟ قال: فِي سِعْرٍ، يعني في الحال الدال على سعرٍ، إذا جاء لفظ الحال وأعربناه حال؛ إن دل على سعر حينئذٍ نقول: هذا جامد، مثل: بِعْهُ مُدّاً بِكَذَا .. بعت البر مداً بدرهم، بِكَذَا ليس المراد (بِكَذَا) قيد، لا، بِكَذَا يعني بدرهم مثلاً، بعت البر مداً بكذا، نقول: بعت البر فعل وفاعل ومفعول به، وَمُدّاً حال منصوبة، هل هي مشتقة أم جامدة؟ نقول: جامدة، دلت على سعرٍ، بدرهم نقول: هذا جار ومجرور متعلق بقوله: مداً، تعلق به لماذا وهو جامد؟ لأنه مؤول بالمشتق، بعت البر مسعِّراً بدرهم، فكأنه أوقع مُدّاً موقع مسعِّراً, مسعِّراً يجوز فيه الوجهان: بالكسر فاعل، وحينئذٍ يكون مداً حالاً من التاء بعتُ، حالاً من الفاعل، ويحتمل أنه مسعَّراً بدرهم باسم مفعول، حينئذٍ يكون الحال من البر .. من المفعول به، فيحتمل هذا وذاك. إذاً يكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ، يعني في لفظٍ دلَّ على السعر، فإذا جاءت الحال دالة على السعر حينئذٍ نقول: هي جامدة، وتؤول بالمشتق، وهذا مذهب الجمهور خلافاً لابن هشام في الأوضح، فقد جعلها جامدة غير مؤولة، وَيكْثُرُ الْجُمُودُ أي: جمود الحال في الحال الدالة على سعرٍ. كَبِعْهُ مُدّاً بِكَذَا، كَبِعْهُ الكاف هنا للتمثيل، وحينئذٍ نفهم أن ما يذكره الناظم ليس المراد به الحصر، وإنما أراد به التمثيل على ما يقع الجامد موقع الحال المشتقة، بِعْهُ مُدّاً أي: بعه البر مثلاً مداً, مُدّاً هذا حال؛ لفظٌ منصوبٌ على الحال، وهو جامد إلا أنه مؤول بالمشتق؛ لأنه في معنى مسعَّراً، ويجوز أن يقدر مسعِّراً مسعَّراً، مسعِّر اسم فاعل، فيكون حالاً من الفاعل أو بالفتح مسعَّراً فيكون حالاً من المفعول به، يعني: بعته البر مسعَّراً، فالبر مسعَّراً، بعته البر مسعِّراً أنا, أنا مسعِّراً بدرهم، مُدّاً نقول: هذا حال، وبِكَذَا صفةٌ لمد، أي كائنات بكذا، ويجوز رفع مُدٌ على الابتداء أن تقول: مُدٌ، وبِكَذَا يكون خبر، والجملة حال، بعته البر مدٌ بكذا، ما خرجنا عن الحال، بعته البر مدٌ بكذا، مدٌ بالرفع، حينئذٍ يصير مبتدأً، وبكذا متعلق بمحذوف خبر، والرابط محذوف، مدٌ منه بكذا، والجملة في محل نصب حال، إذاً انتقل من الحال المفرد إلى الحال الجملة، وكلاهما داخلان في قوله: وَصْفٌ. إذاً بعته البر مُدٌ بكذا .. مُداً بكذا، والشاهد في قوله: مُداً بالنصب.

стр. 1197

وَفِي مُبْدِي تَأَوُّلٍ بِلاَ تَكَلُّفِ: وَفِي يعني يكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ، وَفِي مُبْدِي، يعني: وفي حالٍ مبدي، أو في كل مبدي، مُبْدِي يعني مظهر، تَأَوُّلٍ بمشتقٍ، بِلاَ تَكَلُّفٍ وتعسفٍ، يعني الجامد إذا وقع حالاً حينئذٍ الشراح اختلفوا في كلام ابن مالك هذا؛ هل يعني ابن مالك ﵀ أن الجامد الذي يقع حالاً منه ما يؤول بمشتقٍ ومنه ما لا يؤول بالمشتق؟ فتصير القسمة ثنائية، أم كل جامد يؤول بمشتق؟ على قولين: بعضهم قسم الجامد إلى نوعين: جامد يؤول بمشتق، وجامد غير مؤول بمشتق، والسبب في هذا: تعبيره هو قال: وَيكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ، ثم قال: وَفِي مُبْدِي عطف، والأصل في العطف يقتضي المغايرة، إذاً ابن مالك مثل للجامد بنوعيه: جامد يكثر فيه الجمود ولم يؤول بمشتق؛ يبقى على ظاهره كما هو؛ لأن تأويله بمشتق هذا فيه تكلف فيبقى على ظاهره، وفي جامدٍ يمكن تأويله بدون تكلف وتعسف، فالقسمة ثنائية، وعلى هذا مشى ابن هشام رحمه الله تعالى في التوضيح، وأكثر الشراح لا؛ على أن الجامد نوعٌ واحد، فكل جامد يقع حالاً حينئذٍ لا بد من تأويله، وابن الناظم على هذا .. جامد ثم كل جامد يمكن تأويله بدون تكلف؛ حينئذٍ قوله: بِلاَ تَكَلُّفِ هذا صفة لبيان الواقع، فكل حال وقعت جامدة حينئذٍ أُوِّلت بمشتق، بِلاَ تَكَلُّفِ نقول: هذه صفه لازمة أو لبيان الواقع؟ يعني هل هي للاحتراز أم لبيان الواقع؟ إذا قلنا: كل جامد يؤول بمشتق فهي لبيان الواقع، وعليه يكون قوله: مُبْدِي تَأَوُّلٍ بِلاَ تَكَلُّفِ من عطف العام على الخاص، ولذلك قال المكودي: ظاهر كلامه وَيكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ أن الدال على سعر ليس داخلاً في مُبْدِي تَأَوُّلٍ، وليس كذلك، ظاهر كلامه -وهو الصحيح هذا ظاهر كلامه- أن الدال على السعر ليس داخلاً في المبدي للتأول، وليس كذلك بل منه، وحينئذٍ يعتذر للناظم بأنه عطف العام على الخاص، وهذا لا إشكال فيه، وابن هشام وقف مع الظاهر قال: لا بل الجامد نوعان: جامد لا يؤول وهو المبدي، وهو الدال على السعر، وعطف عليه بعض المسائل، والجامد الذي يمكن تأويله، هذا قسم آخر، فجعل القسمة ثنائية. وَفِي كل مُبْدِي أبدا الشيء إذا أظهره، تَأَوُّلٍ بمشتق، بِلاَ تَكَلُّفِ يعني بلا تعسف، مثل: يداً بيد .. ما دل على مناجزة ومقابضة، يَدًّا بِيَدْ .. بعته يَدًّا بِيَدْ، يَدًّا نقول: هذا حال، يَدًّا لوحدها، وبِيَدْ هذا جار ومجرور متعلق به، والإعراب فيه كالسابق .. يجوز فيه الوجهان: على النصب يداً كائنة مع يدٍ، وعلى الرفع يدٌ منه على يدٍ مني، إذاً ما دل على مقابضة أو مفاعلة أو مناجزة نقول: هذا حال، في الأصل أنه جامد لأن يد هذا جامد، فحينئذٍ ما مراده إذا قال: بعته يَدًّا بِيَدْ؟ يعني مقابضة أو مناجزة، إذاً ما دل على مفاعلة بين اثنين .. إذا وقعت الحال دالة على مفاعلة بين اثنين حينئذٍ نقول: هي جامدة لكن مؤولة بالمشتق.

стр. 1198

يَدًّا بِيَدْ .. وَكَرَّ زَيْدٌ أَسَداً, أَسَدَاً هذا حال وهو جامد، واضح من التمثيل أنه أراد: كر زيد شجاعاً؛ لأن المناسبة بين المشبه والمشبه به .. الوصف والموصوف المراد به هنا الشجاعة، فحينئذٍ إذا قال: كَرَّ زَيْدٌ أَسَداً فالمراد به أنه شجاع، ولذلك قال: أَيْ كَأَسَدْ، أي: مثل أسدٍ، في ماذا؟ في الشجاعة، فـ أَيْ هنا تفسيرية، وما بعدها يُعرب عطف بيان عند البصريين، وعطف نسق عند الكوفيين، ولذلك هي حرف عطف، أي: تفسيرية، ما بعدها يكون عطف بيان لما قبله عند البصريين، وعند الكوفيين لا، يجعلونها مثل الواو، كأنه قال: كر زيد أسداً أو كأسد، فما بعده يكون معطوفاً على ما قبله. وَكَرَّ زَيْدٌ أَسَداً أَيْ كَأَسَدْ، فـ كَأَسَدْ، نقول: الكاف هنا اسمٌ بمعنى مثل؛ لأن الحال أصلها أن تكون وصفاً، ويجوز كونه حرفاً، فيكون قصد تفسير المعنى لا أنها الحال بنفسها. إذاً وَيكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ يعني: قد تأتي الحال جامدة، ويكثر الجمود في الحال الدالة على سعرٍ، وهل هو مؤول بالمشتق أو لا؟ فيه قولان. وَفِي مُبْدِي تَأَوُّلٍ بِلاَ تَعَسُّفٌ، أي: ويكثر إذا ظهر مؤولا بالمشتق غير متكلف فيه ولا متعسف. كَبِعْهُ مُدّاً بِكَذَا يَدًّا بِيَدْ، كَبِعْهُ أي: براً، مُدّاً هذا حال، يَدًّا بِيَدْ كذلك حال بعد حال، لكن على تقدير جملة، يعني بعه يداً بيد، وَكَرَّ زَيْدٌ أَسَدَاً أَيْ كَأَسَدْ. قال الشارح: يكثر مجيء الحال جامدة إن دلت على سعرٍ، نحو: بعه مداً بدرهم، يعني مسعراً بدرهم، وعلى رأي ابن هشام أنه جامد لا يُؤول يبقى على حاله، فنقول: مداً، هذا جامد، وجاء استثناؤه من قولهم: إن الحال لا يكون إلا مشتقاً، حينئذٍ هو جامد، ولا نُؤوله، ولا نقول: في معنى المسعَّر أو المسعِّر، بل يبقى على حاله، فمداً حال جامدة، وهي في معنى المشتق، إذاً المعنى بعه مسعَّراً كل مد بدرهم.

стр. 1199

إذاً ابن عقيل يرى أن قوله: مُبْدِي تَأَوُّلٍ من عطف العام على الخاص، فقوله: وَيَكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ مع التأول، إذاً وافق أكثر الشراح، وخالف ابن هشام رحمه الله تعالى، ويكثر جمودها أيضاً فيما دل على تفاعل .. مفاعلة، نحو بعته يداً بيد، يعني مناجزةً متقابضَين، أو دلت على تشبيه كالمثال الذي ذكره آخراً كَرَّ زَيْدٌ أَسَداً، أي مشبهاً الأسد، فيداً وأسداً جامدان، وصح وقوعهما حالاً لظهور تأولهما بمشتق كما تقدم، وإلى هذا أشار بقوله: وَفِي مُبْدِي تَأَوُّلٍ أي: يكثر مجيء الحال جامدةً حيث ظهر تأولها بمشتق، وحينئذٍ قول النحاة: إن الحال يجب أن تكون منتقلة مشتقة معناه أنه غالب لا لازم، وهل هذه المسائل الثلاث التي ذكرها الناظم رحمه الله تعالى محصورة في الجامد أم لا؟ لا، بل وصلت إلى العشر، وزادت على ذلك، ذكر الشارح ثلاثة أمثلة وهي فيما دل على سعر، هذا أولاً، والثاني: فيما دل على مناجزة مفاعلة مقابضة، والثالث: ما دل على تشبيه، الرابع: أن تدل الحال على ترتيب كقولك: ادخلوا الدار رجلاً رجلاً، ادخلوا الدار: فعل وفاعل ومفعول به، رجلاً رجلاً، رجلاً الأول حال وهو جامد، رجلاً الثاني هذا فيه قولان: أولاً أنه معطوف بعاطف مقدر وهو الفاء رجلاً فرجلاً، معطوف على ما قبله، رجلاً فرجلاً، القول الثاني: أنه صفة على تقدير حذف مضاف رجلاً ذا رجلٍ، إذاً الثاني لا يكون حالاً، إذا دلت الحال على ترتيب: ادخلوا الدار رجلاً رجلاً أوَّلَ أوَّلَ، فالأول اللفظ الأول هو الحال، والثاني إما أن يكون معطوفاً عليه بحذف حرف العطف وهو الفاء على جهة الخصوص، وإما أنه على حذف مضاف: ادخلوا الدار رجلٌ ذا رجلٍ أول ذا أولٍ، وضابط هذا النوع أن يذكر المجموع أولاً ثم يفصل هذا المجموع بذكر بعضه مكرراً، ادخلوا الواو مجموع .. كلهم ذكروا، ثم قال: رجلاً رجلاً. إذاً فصَّل بعد إجمال، فجاء على وجه التكرير، فالمجموع في المثال الأول هو الذي تدل الواو عليه، والحال عند التحقيق هو مجموع اللفظين، ولكنه لما تعذر أن يكون المجموع حالاً، جُعل كل واحدٍ منهم حالاً، كما في الخبر المتعدد بغير عاطفٍ في نحو قولك: الرمان حلو حامض، وذهب ابن جني إلى أن الحال هو الأول والثاني معطوفٌ عليه بعاطفٍ مقدر وهو أولى، أن لا يجعل رجلاً رجلاً .. لأنه ليس مركباً ليس مثل أحد عشر وغلام زيد حتى نقول هو في معنى كلمة واحدة لا، رجلاً رجلاً لا يمكن أن يجعل كلمة واحدة، ولا يمكن أن يجعل حالاً واحدة، وليست هي كالخبر المتعدد، بل الأول هو حال، والثاني يكون معطوفاً عليه كما ذهب إليه ابن جني.

стр. 1200

الخامس: أن تكون الحال موصوفةً، نحو قوله تعالى: (قُرآناً عَرَبِيّاً) (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً)، سَوِيّاً .. عَرَبِيّاً هو الحال، وتسمى هذه الحال الحال الموطئة، الحال الموطئة: هي الاسم الجامد الموصوف بصفةٍ هي الحال على وجه التحقيق، فكأن الاسم الجامد قد وطئ الطريق ومهده لما هو الحال بسبب مجئه قبله، (قُرآناً عَرَبِيّاً) ((فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً))، نقول الاسم الجامد الموصوف بصفةٍ هي الحال، أين الاسم الجامد الموصوف .. ؟ بَشَراً وعَرَبِيّاً هما هما الحال، فصارت موطئة لذكر ما بعدها من الصفة، صارت موطئة كأنها ممهدة قُرآناً مهد هذا اللفظ لذكر عَرَبِيّاً، فالمقصود حينئذٍ بالذات هو كونه عَرَبِيّاً، والثاني: كونه سَوِيّاً فبشراً هذا حال موطئة وطأت ما بعدها للذكر. السادس: أن تكون الحال دالة على عدد، نحو قوله تعالى: (فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) في حال كونها أربعين. السابع: أن تدل الحال على طورٍ فيه تفصيل، هذا بسراً أطب منه رطباً .. وهذا سيأتي في أفعل التفضيل .. أن تدل الحال على طورٍ فيه تفصيل. الثامن: أن تكون الحال نوعاً من صاحبها، هذا مالك ذهباً، هذا مالك، مالك هو صاحب الحال، ذهباً هذا نوع منه .. المال ليس كله الذهب، إنما بعضه ذهب، حينئذٍ ذهباً نقول: هذا بعض من المال، أو تكون الحال فرعاً لصاحبه، هذا حديدك خاتماً، خاتم فرع؛ لأن الحديد أعم منه، وكقوله تعالى: (وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً) بُيُوتاً هذا حال وهو جامد، وأعربها الزمخشري حالاً مقدرة، وقيل هذا من دقائقه، أو تكون الحال أصلاً لصاحبها، كقولك: هذا خاتمك حديداً، وكقوله تعالى: (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً) طِيناً نقول هذا حالٌ تبين كونها أصل لصاحبها، (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً) طِيناً هذه بينت أصله. وقد أجمع النحاة على أن المواضع التي ذكرها الناظم الثلاثة والدالة على الترتيب، يجب تأويلها بمشتقٍ، والإجماع هذا فيه نظر؛ لأن ابن هشام يخالف في هذا، يرى أن ما دل على سعرٍ هذا جامد ليس بمشتق، وما عداها .. وهو كون الحال موصوفة ودالة على عدد ودالة على طورٍ فيه تفصيل، أو تكون الحال نوعاً من صاحبها، هذه الأنواع هي التي نوزع فيها .. هل هي جامدةٌ لا يقبل التأويل أصلاً؟ أم أنها جامدةٌ وداخلة فيما سبق؟ من قسم الجامد إلى قسمين جعل الأربع الأولى في الجامد المؤول بالمشتق، وجعل البقية في الجامد الذي ليس مؤولا بمشتق، وابن هشام على هذا، لكنه أخرج من الأربع الأولى مادل على سعر، فجعله في الجامد غير المؤول, فعنده الجامد المؤول بمشتق ثلاثاً فحسب، وينفي كل جامد مؤول مشتق ماعدا الثلاثة وهي: مادل على ترتيب، ودل على مقابضة، وتشبيه، هذه الثلاث عند ابن هاشم: جامد وقابل للتأويل، وما عداه فهو جامد غير مؤول, والجماهير على خلافه أن كل جامد قابل للتأويل. قال ابن هشام: أكثر هذه الأنواع وقوعاً مسألة التسعير، والمسائل الثلاث الأول التي ذكرها ابن مالك رحمه الله تعالى بعد .. وَيكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ .. وهي الثلاث الذي ذكرناها التي دل على تشبيه أو على مفاعلة أو على ترتيب.

стр. 1201

ثم قال: ويُفهَم منه أنها تقع جامدة في مواضع أُخَر بقلة، نعم، وهو كذلك، لأنه قال: وَيكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ، وما عُطَف عليه داخل في الكثرة، هذا إذا جعلنا المناط واحدا، وإذا فصَلنا بين الجملتين لا، صارت الكثرة في ما دلّ على سعر وما عداه لا، وابن هشام يرى أن البيت كله دال على الكثرة، وَيكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ .. وَيكْثُرُ الْجُمُودُ فِي مُبْدِي تَأَوُّلٍ، وما أبدا تأول حينئذٍ يكون مقابضةً ويكون ترتيباً ويكون تشبيهًا وما عداه فهو قليل، ولذلك قال: ويُفهَم منه أنها تقع جامدة في مواضع أُخر بقلة وأنها لا تُؤوّل بالمشتق، كما لا تؤول الواقعة في التسعير؛ يعني لا تُؤول بمشتق، وزعم ابنُه: أن الجميع مُؤوّل بالمشتق؛ يعني يردّ على ابن الناظم لأنه ادّعى أن الجميع مؤوّل بالمشتق. قال ابن هشام: وزعم ابنه أن الجميع مُؤوّل بالمشتق وهو تكلف، وإنما قلنا به في الثلاث الأول: تدلّ على تشبيه أو على مفاعلة أو ترتيب لأن اللفظَ فيها مُراد به غير معناه الحقيقي، فالتأويل فيها واجب، فحينئذٍ المسألة فيها نزاع اختر ما شئت. وَيكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ وَفِي ... مُبْدِي تَأَوُّلٍ بِلاَ تَكَلُّفِ يقول هذا من عطف العام على لخاص؛ كأنه قال ويكثرُ الجمود في كل مُبدي تأولٍ بلا تكلف؛ منه ما دل على سعر وما عطف عليه. كَبِعْهُ مُدّاً بِكَذَا يَدًّا بِيَدْ ... وَكَرَّ زَيْدٌ أَسَداً أَيْ كَأَسَدْ ثم قال: وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظَاً فَاعْتَقِدْ ... تنْكِيرَهُ مَعْنى كَوَحْدَكَ اجْتَهِدْ الأصلُ في الحال أن تكون نكرة؛ قوله: وَالْحَالُ مبتدأ، أين خبره؟ هل الْحَالُ مُبتدأ ولا خبر له أو له خبر؟ الْحَالُ مبتدأ قطعاً، هل له خبر أو لا؟ الواو الذي يكون مانعاً من الخبرية ما بعدَ المبتدأ؛ لو قال: الحال وإن عرِّفَ قلنا لا؛ لابد أن نُقدّر خبراً قبلَ الواو، لكن هنا سبقَ وَالْحَالُ الواو هنا عاطفة أو استئناف، وَالْحَالُ مبتدأ؛ قيل لا خبرَ له في مثل هذا التركيب، وقيل: الخبر جملة الشرط، وقيل جواب الشرط، وقيل جملتا الجواب والشرط وهو أصح، أربعة أقوال. إذا قيل: (زيدٌ إن جاء فأكرمه)، زيدٌ: مبتدأ، ثم ما تلاه إلا جملة الشرط: إن جاء فأكرمه، أين الخبر؟ ماذا تصنع؟ جملة الشرط مُركّبة؛ يعني لا تتفك؛ لا ينفصل بعضها عن بعض؛ قيل: هذا لا خبر له، حينئذٍ أُقيمت جملة الشرط مقام الخبر؛ مثل القائم من الزيدان؛ الزيدان هذا فاعل سدّ مسد الخبر. جملة الشرط تسد مسد الخبر في مثل هذا التركيب هذا قول, وقيلَ: زيدٌ إن جاء, (إن جاء) الجملة هذه هي الخبر، وقيل: فأكرمه .. جملة الجواب، وقيل: هما معاً، والصواب: أنهما معاً، هذا الصحيح.

стр. 1202

وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ، إذن الْحَالُ مُبتدأ؛ جملة: إِنْ عُرِّفَ لَفْظاً فَاعْتَقِدْ تنْكِيرَهُ مَعْنًى في محل رفع خبر المبتدأ؛ إِنْ عُرِّفَ يعني دخل عليه التعريف؛ عُرِّفَ: أَلْ حَرْفُ تَعْرِيفٍ، حينئذٍ التعريف هنا إما أن يكون بـ (أل)، وإما أن يكون بالإضافة، لا يتصور إلا هذا أوذاك، (أرسلها العراكَ) (ادخلوا الأولَ فالأولَ) (جاء زيدٌ وحدَه). أرسلها العراك, العراك دخلت عليها (أل)، (جاء زيدٌ وحدَه) أضيف (وحد) إلى الضمير، حينئذٍ صار معرفةً. هل التعريف هنا الذي حصلَ لهذا اللفظ –الحال-؛ هل هو معنوي مؤثّر أم أنه من جهة اللفظ فحسب؟ الثاني، ولذلك قالَ: لَفْظَاً ابن مالك هنا، وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظَاً لا معنى؛ لأنه إذا قيل حال حينئذٍ لزم التنكير، ثم لزومه للتنكير إما يكون لفظاً ومعنى، وإما أن يكون معنى دون لفظ وهو المعرف. إذا دخلت (أل) على الحال حينئذٍ نقول: (أل) هذه زائدة أو اللفظ كله مؤوّل بالنكرة؛ يحتمل هذا ويحتمل ذاك، وإذا دخلت أو كان مضافاً كـ (وحده) حينئذٍ نقول: هذا مؤوّل بالنكرة. وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظَاً (لَفْظَاً) هذا تمييز؛ يعني في اللفظ دون المعنى، فلو عرف معنىً نقول هذا امتنع كونه حالاً؛ لا يمكن؛ (فَاعْتَقِدْ) الفاء واقعة في جواب الشرط. إذن الاعتقاد هنا محلّه القلب. اعتقد لأن اللفظَ لا يمكن تغييره، إما إن تنطق به مباشرة نكرة، فإن نُطِق به معرفة، وهذا ليس لك أنت؛ يعني إذا جاء في لسان العرب ما هو معرفة في اللفظ حينئذٍ نقول اعتقد أنه في المعنى نكرة، وأما في اللفظ فتنطق به كما هو، فصار اعتقاد التنكير محلّه القلب، وأما اللفظُ فحينئذٍ يبقى على ظاهره، وليس لك أنت أن تبتدئ كلاما تأتي بحال معرفة، وإنما الكلامُ هنا في التخريج لما سُمِع في لسان العرب. فَاعْتَقِدْ الفاء وقع في جواب الشرط، تنْكِيرَهُ هذا مفعولٌ به، مَعْنىً هذا تمييز. فَاعْتَقِدْ تنْكِيرَهُ مَعْنًى كَوَحْدَكَ اجْتَهِدْ؛ كقولك: (اجتهد وحدك)، وَحْدَكَ هنا وحد: حال أُضيف إلى الكاف وهو معرفة فاكتسبَ التعريف؛ اجتهد وحدك: أي مُنفرداً؛ فمُنفرداً نقول: هذا حال نكرة دلَّ عليه وحدَك وهو في اللفظ معرفة: وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظَاً أي في لسان العرب فالإتيان بها معرفةً لفظاً مقصور على السماع، وحقّ الحال أن يكون نكرة؛ لأن المقصود به بيان الهيئة، والأصل كما سبق في الاسم أن يكون نكرة، والتعريف فرعٌ عنه؛ فمتى ما أمكنَ الدلالة على الهيئة بالنكرة لا يجوزُ العدول عن النكرة إلى المعرفة؛ لأن المعرفة نكرة وزيادة؛ فحينئذٍ إذا دلّت النكرة على بيان الهيئة لماذا تعدلُ على ماهو زائدٌ عليه؟ صارت الزيادة على النكرة (أل) أو الإضافة أو العلمية أو الإشارة الخ نقول هذه صارت حشواً؛ لماذا؟ لأنه جِيءَ بها لا في محلّها؛ لأنك قصدتَ بهذه الكلمة بيان هيئة صاحب الحال؛ فإذا حصلَ بالتنكير .. بالنكرة حينئذٍ لا تعدل إلى الفرع. وحقّ الحال أن يكون نكرة؛ لأن المقصود به بيان الهيئة وذلك حاصل بلفظ التنكير فلا حاجة لتعريفه صوناً للفظ عن الزيادة والخروج عن الأصل لغير غرض.

стр. 1203

وقد يجيءُ بصورة المعرّف بأل فيُحكم بزيادتها؛ إذا جاء بـ (أل) نحكم بزيادتها (ادخلوا الأولَ فالأولَ) يعني ادخلوا أول أول؛ فيؤوّل بالنكرة؛ كذلك اجتهد وحدك أي منفرداً. إذن نقولُ الأصل في الحال أن تكون نكرة؛ لأنه لا حاجة إلى تعريفه صوناً للفظ عن الزيادة والخروج عن الأصل لغير غرض؛ لأنه إنما يُجاء بالزيادة للدلالة على التعريف لغرضٍ ما، حينئذٍ إذا جاء محلى بـ (أل)؛ (أرسلها العراكَ) إما أن نقول بأن العراك هنا مؤوّل بنكرة (معتركة)، وإما أن يُقال بأن (أل) هنا زائدة، وكذلك إذا جاء مضافاً حينئذٍ اكتسب التعريف، (اجتهد وحدَك) حينئذٍ نقول وحدَك المراد به منفرد، ادخلوا الأول فالأول, الأول حال وما بعده معطوفاً عليه بالفاء؛ كما ذكرناه أولاً؛ والمؤوّل بالنكرة هنا قيل مجموع الاسمين؛ أي ادخلوا مترتبين، وقيل كل واحد من الاسمين يؤوّل بوصفٍ منكر؛ أي ادخلوا واحداً فواحداً، وقيل الأول أقرب إلى الثاني. إذن: هذا التعليل لماذا كان الأصل في الحال أن تكون نكرة؟ وعُلّل أيضاً بتعليل آخر إنما التزم تنكير الحال لئلا يُتوهّم كونه نعتاً؛ لأن الحال لها شبه بالخبر، ولها شبه بالنعت، فلذلك هي من حيث الأحكام مركّبة؛ لها شبه بالخبر فأخذت بعض أحكامه، ولها شبه بالنعت فأخذت بعض أحكامه؛ خوفاً من توهّم أن يكون اللفظ نعتاً لا حالا التُزِم تنكيرها، وإنما التُزم التنكير لئلا يتوهم كونه نعتاً؛ لأن الغالب كونه مشتقاً وصاحبه معرفة، هذا عند جمهور البصريين؛ أن الحال لا بد أن تكون نكرة، فإن جاءت معرفة وجب تأويلها، قال: وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظَاً فَاعْتَقِدْ ... تنْكِيرَهُ مَعْنًى كَوَحْدَكَ اجْتَهِدْ

стр. 1204

أي مُنفرداً، هذا مذهب جمهور النحاة؛ لئلا تلتبس بالنعت، فلذلك في (رأيتُ زيداً الراكبَ)، لو قيل: رأيتُ زيداً الراكبَ هل تريدُ به النعت أم الحال؟ هذا وقعَ فيه لبس، (رأيت زيداً الراكب) إذا لم نشترِط التنكير في الحال ما إعراب الراكب هنا؟ يحتملُ أنه نعت ويحتمل أنه حال، لكن قلتَ رأيت زيداً راكباً حصلَ تخالفٌ بين المنعوت ونعته، إذن لا يمكن أن يكون نعتاً، إذ لو كان نعتاً لوجب تعريفه؛ لأن المنعوت وهو زيد معرفة، وشرط النعت مع منعوته التطابق. إذن رأيتُ زيداً الراكبَ يمتنع أن يكون الراكب هنا حال لأن شرط الحال أن تكون نكرة، وهذا مذهب جمهور النحاة، وأجاز يونس تعريفه مُطلقاً بلا تأويل، فأجاز جاء زيدٌ الراكبَ، جاء فعل ماضي، وزيد فاعل، والراكب هذا حال، وما الفرق بينه وبين النعت؟ وهنا وقعَ إشكال. وفصّلَ الكوفيون فقالوا إن تضمّنت الحال معنى الشرط صحّ تعريفها لفظاً، نحو: عبد الله المحسنَ أفضل منه المسيئَ؛ عبد الله المحسنَ يعني إذا أحسنَ، أفضلُ منه المسيءَ؛ فالمحسن والمسيء حالان وصحّ مجيئهما بلفظ المعرفة لتأوّلهما بالشرط؛ إذ التقدير عبد الله إذا أحسنَ أفضلُ منه إذا أساء. إذن إذا تضمّنت معنى الشرط جاز التعريفُ عند الكوفيين، فإن لم تتضمن الحال معنى الشرط لم يصح مجيئهما بلفظ المعرفة؛ فلا يجوز أن يُقال جاء زيدٌ الراكبَ على أنه حال؛ لماذا؟ لأنه لا يُقال (جاء زيدٌ إن رَكِب) بالشرط لا يُقال هذا. إذن: في الحال من جهة كونها نكرة أو معرفة ثلاثةُ مذاهب؛ مذهبُ جمهور البصريين والنحاة أنه يُشترط فيها أن تكون نكرة؛ فإن جاءت معرفة وجبَ التأويل، عكسهم يونس ووافقه البغداديون أنه لا يُشترط؛ مطلقاً سواءٌ تضمنت الشرط أم لا. حينئذٍ (جاء زيدٌ الراكبَ) هذا حال، (رأيتُ زيداً الراكبَ) هذا حال، فلا يُشترَط فيها التنكير، والكوفيون على التفصيل إن تضمّنت معنى الشرط جازَ تعريفها لفظاً كالمثال الذي ذكرناه؛ وإلا فحينئذٍ لا يجوز لأنه لا يُقال جاء زيد الراكبَ. وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظَاً فَاعْتَقِدْ ... تنْكِيرَهُ مَعْنًى .................. إذن الأصل فيها التنكير، وعُلّل بعلتين؛ الأولى أن لا يُتوهم أنه نعت؛ ففرقٌ بين النعت والحال؛ فالأصل في النعت أن يكون مُشتقّاً. حينئذٍ الأصل فيه كذلك التطابق مع منعوته، والأصل في الحال أن تكون نكرة، من أجل المفارقة بين النوعين اشتُرِط التنكير في الحال، وعُلّل بأن الأصل في اللفظ في الاسم أنه نكرة فإذا أمكن الدلالة على الغرض والفائدة من مجيئ الحال وهو الدلالة على الهيئة بالنكرة لا يُعدل عنه إلى الزيادة؛ لأن المعرفة نكرة وزيادة، إذا قيلَ (جاء زيدٌ راكباً) راكباً: هذا أفهمَ بيان وكشف وإيضاح هيئة زيد؛ حصلَ أو لا؟ حصل الغرض، إذن لماذا تزيده شيئاً زائداً على مجرد التنكير؟ تقول: جاء زيد الراكبَ زدته (أل)؟ نقول هذا يُعتبر حشواً في الكلام، كلُّ لفظٍ خروجه ودخوله لا يؤدّي معنىً حينئذٍ صار حشواً في الكلام. وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ حَالاً يَقَعْ ... بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ

стр. 1205

قيلَ هذا الأولى تقديمه على قوله: (وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظَاً)؛ لماذا؟ لأن المصدرَ جامد وإذا كان كذلك فالأصل أن يقول: (كَبِعْهُ مُدّاً بِكَذَا) ثم يقول: (وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ) هذا الأصل فيه، لكنه فصلَ بينه وبين ما سبقَ في الجمود بقوله: (وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظَاً). وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ ما هو المصدر؟ الاسم الجاني على الحدث وهو دالٌّ على معنىً فقط لا يدل على ذات. إذن تخلّفَ فيه شرطٌ؛ وهو كونه ليس بوصف، الأصلُ في الحال أن تكون وصفاً مشتقّا دالّةً على ذات ومعنى، المصدر لا يدلّ إلا على معنى (قتل؛ ضرب؛ مشي؛ أكل؛ شرب) هذه كلها لا تدلّ إلا على معاني (عدل؛ فسق) نقول هذه كلها لا تدل إلا على معنى، ولا تدل على الذات، فالأصل حينئذٍ لا يوصف بها الذات؛ لأن الأصل في الحال أن تكون هي صاحب الحال في المعنى؛ إذا قيل جاء زيدٌ راكباً, راكباً هذا دلّ على ذات؛ زيدٌ ذات أو لا؟ ذات، وراكباً دلّ على ذات، إذن أُعيدت الذات لكنها مُبهمة في ضمن الحال، إذن هي نفسها صاحب الحال وزيادة، إذا قلت جاء زيد راكباً, راكباً هذا دلّ على ذات؛ ما هي هذه الذات؟ هي نفسها صاحب الحال؛ دلت على صاحب الحال وزيادة؛ ما هي هذه الزيادة؟ وصفه بالركوب. إذن الأصل في الحال أن تكون مُتضمّنة لصاحب الحال، طيب إذا قيل: طلع زيد بغتة .. فجأة، هذا ليس دالاً على الذات، حينئذٍ كيف تكون الحال مُتضمّنة لمعنى متضمناً لصاحب الحال؟ امتنع ذلك. وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ حَالاً يَقَعْ ... بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ قيل هذا البيت الأولى تقديمه على البيت السابق لأن المصدر من الجوامد مما يُؤوّل بمشتق، وَمَصْدَرٌ يعني جامد لأنه يدلّ على حدث فقط، وَمَصْدَرٌ هذا مبتدأ، مُنكَّرٌ هذا صفة له، وهو المسوغ للابتدا بالنكرة، يَقَعْ: الجملة خبر، وحَالاً حالٌ .. حَالاً إعرابه حالٌ، إذن حَالاً هذا حالٌ متقدّمة على يقع، وهو حالٌ من الفاعل الضمير المستتر. يَقَعْ سماعاً مطلقاً عند سيبويه، وبِكَثْرَةٍ هذا متعلق بقوله يَقَعْ، ومنه قوله تعالى: (فَادْعُوهُ خَوْفاً) أي خائفين، خَوْفاً وَطَمَعاً أي طامعين. إذن وقعَ المصدر حالاً في القرآن، وكثير هذا، (فَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً) خَوْفاً إعرابه أنه حال، وَطَمَعاً معطوف عليه؛ لأنه إذا تعددت الحال .. شرطُ إعرابِ الثاني حالاً أن لا يُعطف عليه بواوٍ؛ كَبَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ: كقولك: (زيد طلع بغتةً) بَغْتَةً: فعلة من البَغت؛ يعني أن يفجأك بشيء، زيد طلع بغتةً أي فجأةً، وجاء زيدٌ ركضاً؛ وقتلته صبراً، وهو عند سيبويه والجمهور على التأويل بالوصف. زيدٌ طلع بغتةً أي باغتاً؛ تأويل بالوصف؛ يعني نؤوّله باسم فاعل أو اسم مفعول، طلعَ زيد بغتةً أي باغتاً، وجاء زيد ركضاً أي راكضاً، وقتلته صبراً أي مصبوراً، وهذا يؤوّل باسم مفعول؛ قتلته أي المقتول فهنا صبراً حال من المفعول؛ أي مصبورا: يعني محبوساً.

стр. 1206

(بِكَثْرَةٍ) قوله: بِكَثْرَةٍ دلَّ على أنه غير مقيس؛ يعني يُحفَظ ولا يُقاس عليه، وهو رأي سيبويه والجمهور. دلَّ على أنه غير مقيس وأنه خلاف الأصل؛ لأن الأصل لا يُقال فيه قليل وكثير. إذا النحاة عبّروا بالقلة والكثرة دلّ على أنه غير موافق للأصل وإنما يُقال فيه مقيس وغير مقيس، هذا الأصل فيه، وأما إذا قيل ندر، وقيل قليل أو كثير قالوا هذا خلاف الأصل. وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ لمَ قيّدَ المصدر بكونه منكراً؟ هل هو احتراز عن المعرّف؟ هل ورد المعرف وهو مصدر حال في لسان العرب؟ نقول نعم؛ له مفهومه وهو معتبر، وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ مفهومُه أن وقوع المصدر المعرف حالاً قليل في لسان العرب وهو كذلك. إذن مُنكَّرٌ نقول أرادَ به الاحتراز عن المعرف؛ لأنه ليس بكثير، وهو أراد ضبط المصدر الذي يقع حالاً بكثرة، وأما ما عدا الكثرة فهو راجع إلى القلة، وذلك ضربان –نوعان- المصدر المعرّف الذي وقعَ حالاً هذا على نوعين؛ أولاً: علم جنس كقولهم: جَاءَتِ الْخَيْلُ بَدَادِ؛ كحذامي، هذا حال وهو علم جنس للتبديد بمعنى التفرق، جاءت الخيل مُتفرّقة مُتبددة يعني، مبنيٌّ على الكسر كحذامي، ووقع حالاً لتأوله بوصف، وهو قولهم مُتبدّدا. إذن علمُ جنسٍ كبدادِ وهو كحذامي مبنيّ على الكسر، نقول جَاءَتِ الْخَيْلُ بَدَادِ أي متبددة يعني متفرقة. الثاني: أن يكون معرفا بـ (أل)؛ ليس بعلم جنس، وإنما معرفاً بـ (أل)؛ كالشاهد المشهور: أرسلها العراكَ, العراكَ دخلت أل عليها، حينئذٍ نقول هو مؤوّل بنكرة؛ أي معتركة، وزِيدَ عليه المعرف بالإضافة (جاء زيد وحدَه) أي منفرداً. إذن وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ احتراز من المعرف فإنه وقعَ في لسان العرب لكن بقلة، وهو في نوعين علم جنس كبدادِ، وجاء كذلك في النوع الثاني معرف بأل أو الإضافة. وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ حَالاً يَقَعْ بِكَثْرَةٍ كقولك زيد طلع بغتة أي باغتاً. قال ابنُ عقيل حقُّ الحال أن يكون وصفاً .. هذا الأصل فيها أن يكون وصفاً، وهو مادلَّ على معنى وصاحبه يعني الذات؛ كقائم وحسن ومضروب؛ فوقوعها مصدراً على خلاف الأصل، إذا جاءت مصدر لم تدل على الذات بل دلّت على معنى، وحيئنذٍ يكون على خلاف الأصل. إذ لا دلالة فيه على صاحب المعنى، وشرط الحال أن تكون نفسَ صاحبها في المعنى. لا بد من ذلك .. شرطُ الحال -وهو زاده ابن هشام في الأوضح- أن تكون الحال نفس صاحبها في المعنى، حينئذٍ يكون مُكرراً مبهماً، جاء زيد راكباً هذا دلَّ على الذات وهو زيد السابق، ثم زاد عليه وصف، وهو الدلالة على الركوب، وقد كثُر مجي الحال مصدراً نكرة، ولكنه ليس بمقيس لمجيئه على خلاف الأصل، وأجاز المبرد القياس عليه في النوع لا مطلقاً، نحو جاء زيد سرعة، يعني ما كان نوعاً من الفعل أجازَ المبرد قياسه، وذهب الأخفش والمبرد إلى أنه منصوب على المصدرية؛ حينئذٍ يكون مفعولاً مطلقاً والعامل فيه محذوف من لفظ المصدر؛ بغتةً زيد طلع؛ طلع زيد بغتةً؛ يبغت بغتةً، حينئذٍ صارَ مفعولاً مطلقاً والعامل فيه محذوف، فيبغتُ عندهم هو الحال لا بغتة، و (جاء زيد ركضاً) أي يركض ركضاً، و (قتلته يصبر صبراً) فالحال عندهم الجملة لا المصدر.

стр. 1207

القول الثالث- وهو مذهب الكوفيين-: أنه منصوب على المصدرية كذلك؛ مثل مذهب الأخفش والمبرد، ولكن الناصب له عندهم الفعل المذكور وهو طلع في المثال الذي ذكره الناظم لتأويله بفعل من لفظِ المصدر، والتقدير في قولك: (زيد طلع بغتةً) زيدٌ بغتَ بغتةً، وردّوه إلى المفعول المطلق، فيؤوّلون طلع ببغتَ، وينصبون به بغتةً، أو ليس على المفعول المطلق وإنما يُضمّن الفعل معنى المصدر الذي ذُكِرَ، يعني (طلع زيد بغتةً) طلعَ بمعنى بغت؛ فكأنه ضُمّن معنى بغتَ، فصارَ ناصباً للمذكور، وقيل: هي مصادر على حذف مصادر، والتقدير (طلع زيد طلوع بغتة) و (جاء مجيء ركضٍ) و (قتلته قتل صبر)، وقيل هي مصادر على حذف مضاف، والتقدير طلع ذا بغتة، وهذا المشهور عند النحاة في الإعراب، (زيد عدل) ذا عدل، (جاء زيد بغتةً) أي ذا بغتة، هذا المشهور في الإعراب، وجاء ذا ركضٍ، وقتلته ذا صبرٍ. إذن خمسة مذاهب في وقوع المصدر حالاً وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ حَالاً يَقَعْ ... بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ أنه غير مقيس عند سيبويه وغيره، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 1208

عناصر الدرس * مسوغات مجئ صاحب الحال نكرة * تقديم الحال على صاحبه * مسوغات مجئ صاحب الحال مضافاُ إليه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: وَلَمْ يُنكَّرْ غَالِباً ذُو الْحَالِ إِنْ ... لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَلاَ ... يَبْغِ امْرُؤٌ عَلَى امْرِىءٍ مُسْتَسْهِلاَ هذا شروعٌ منه في ما يتعلَّق بصاحب الحال, صاحبُ الحال يُشترَط فيه عند النحاة أن يكون معرفة بلفظه أو يكون نكرة لكنه بمسوّغ؛ لأن حكمه حكم المبتدأ، الحال في المعنى كالخبر، وإذا كان كذلك صار صاحب الحال كالمبتدأ؛ لأنه محكوم عليه، والحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، والحكم على النكرة لا يُفيد شيئاً. إذن لا بد أن يكون صاحب الحال معرفة؛ هذا وجهُ اشتراط صاحب الحال أن يكون معرفة؛ لأن الحال في المعنى مُوافقة للخبر، والخبرُ محكوم به، وإذا كان كذلك حينئذٍ يُشترَط في الحال ما اشتُرِط في الخبر، وهو كون المحكوم عليه معرفة أو نكرة لها مسوّغ. وَلَمْ يُنكَّرْ غَالِباً ذُو الْحَالِ .. وَلَمْ يُنكَّرْ ذُو الْحَالِ غَالِباً، وَلَمْ يُنكَّرْ: هذا مُغيّر الصيغة ومجزوم بلم، وذُو الْحَالِ، ذُو: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه من الأسماء الستة. إذن ذُو نقول: نائب فاعل مرفوع ورفعه الواو نيابةً عن الضمة، لأنه من الأسماء الخمسة أو الستة، وهو مضاف والْحَالِ مضاف إليه. صاحب الحال المراد به من كانت الحال وصفاً له، فحينئذٍ يُنظَر فيه إلى المعنى، جاء زيدٌ راكباً, راكباً وصف لمن؟ لزيد، ضربتُ اللص مكتوفاً، مَن المكتوف؟ قطعاً المضروب الضارب كيف يضرب وهو مكتوف؟ إذن: نقول: هذا حال من المفعول به. ذُوالْحَالِ أي صاحب الحال، وهو من كانت الحال وصفاً له، وهذا يُرجَع فيه إلى المعنى، وإذا احتملَ حينئذٍ جُوِّز الوجهان؛ ضربت زيداً راكباً، يحتمل أني ضارب وأنا راكب وزيد ماش، ويحتمل العكس؛ أنا ماشي وزيد راكب، فراكباً هذه يحتمل أنه حال من الفاعل، ويحتمل أنه حال من المفعول، فيُجوَّزُ على حسب المعنى، هنا المقاصد لها اعتبار، إذا أراد أنهما راكبان حينئذٍ يقول: ضربت زيداً راكبينِ، بالتثنية، هذا واجب؛ لأن الأصل راكباً راكباً, (راكباً) الأولى حال لزيد، و (راكباً) الثانية حال للتاء، ضربت زيداً راكباً راكباً، هذا الأصل، فإذا اتحدا لفظاً وجبَ التثنية تقول: ضربت زيداً راكبين. وَلَمْ يُنكَّرْ غَالِباً ذُو الْحَالِ، لَمْ يُنكَّرْ إذا لم ينكر حينئذٍ جاء معرفة. قوله: غَالِباً احترازاً من غير الغالب، حينئذٍ قد يأتي نكرةً، وهل هو سماعي أو قياسي؟ سيأتي أن سيبويه يرى العموم. الأصل في صاحب الحال أن يكون معرفة، والسرُّ في ذلك أنه في الحقيقة مُبتدأ، فنسبةُ الوصف إليه كأنه مبتدأ؛ فقولك: (جاء زيد راكباً) بمنزلة (زيد راكب)، مُبتدأ وخبر، فصاحبُ الحال شبيهٌ بالمبتدأ، وعليه فالمبتدأ لا يكونُ إلا معرفة أو نكرةً بمسوّغ. قال: إِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ ... مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ .......

стр. 1209

عرفنا إذا كان معرفة، إذا جاء نكرة حينئذٍ لا بدّ مِن مسوّغ، وذكرَ الناظم هنا أربع أوجه لتسويغ كون صاحب الحال نكرة؛ هي أربعة في الجملة، وستة عند التفصيل. إذن: حقُّ صاحب الحال أن يكون معرفة، ولا يُنكّر في الغالب إلا عند وجود مسوّغ، قد يكون هذا مراد الناظم؛ أن غير الغالب أن يكون نكرة بمسوّغ، ويحتمل أنه نكرة بدون مسوّغ، ولذلك عند سيبويه لا يُشترَط أن يكون صاحب الحال معرفة، بل يكون نكرة عنده، كما سيأتي. إِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ يعني: صاحب الحال إذا كان نكرة؛ فمن المسوّغات أن يتأخّرَ صاحب الحال ويتقدّم الحال النكرة، فإن تأخّرَ كان ذلك مسوّغاً لمجيئه نكرة، إذا قلت مثلاً: رجلٌ فيها قائماً، هل يصحّ؟ لا يصحن لماذا؟ لكون صاحبِ الحال وهو رجل نكرة، إذن ماذا نصنع؟ قائماً فيها رجل أو قائم رجل فيها، قدَّمنا الحال على النكرة، فإذا قُدّمت الحال على النكرة حينئذٍ نقول: هذا مُسوّغ، يعني: مُجوِّز، سَوّغ الشيء يعني جوّزه، جَوّزَ لك أن تبتدأ بنكرة وهي صاحب حال، والأصل فيها أن تكون معرفة، كون الحال متقدمة فتأخّر صاحب الحال هذا فيه نوع إفادة, إفادةٌ ما، وسبقَ معنا هناك: (مَا لَمْ تُفِدْ)، فإن أفادت أَيَّ فائدة بحيث يكون المخاطَب مستفيداً من كلام المتكلم شيئاً ما حينئذٍ نقول: حصلت الفائدة، هذا الضابطُ فيها، مثلُهُ الحكم هنا. إِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ يعني صاحب الحال، فإن تأخّرَ حينئذٍ نقول: جازَ أن يكون صاحب الحال نكرة. لِمَيّةً مُوحِشاً طَلَلُ, طَلَلُ هذا مبتدأ، وهو صاحب الحال، ومُوحِشاً هذا حال، جوّزَ كونَ صاحب الحال نكرة تقديمُ الحال عليها، لِمَيّةً مُوحِشاً طَلَلُ، مُوحِشاً هذا حال من المبتدأ، وفيه خلاف؛ سيبويه على الجواز .. أن يكون الحال من المبتدأ، والجمهور على المنع. إذن المسوّغ الأول: التأخير؛ أن يتأخَّرَ من صاحب الحال أو الحال؟ أن يتأخر صاحبُ الحال، وأن يتقدَّمَ الحال على النكرة، نقول: فيها قائماً رجلٌ، وكقول الشاعر وأنشده سيبويه: وَفِي الجِسْم مِنِّي بَيِّناً لَوْ عَلِمْتِهِ ... شُحُوبٌ وَإِنْ تَستَشْهِدي العَيْنَ تَشْهَدِ شُحُوبٌ: مبتدأ مؤخّر، وَفِي بِالجِسْم هذا خبر مُقدّم، بَيِّناً هذا حال، شُحُوبٌ بَيِّناً، بَيِّناً هذا حال، وصاحب الحال هو شُحُوبٌ، وهو مبتدأ وهو نكرة، سوَّغَ كونَ صاحب الحال نكرة تقديمُ الحال عليها، وهذا هو المسوّغ.

стр. 1210

إذن بَيِّناً حال، وعند الجمهور أنه حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع خبراً، يعني: ليس من شُحُوبٌ، يعني: شُحُوبٌ هذا مبتدأ مُؤخّر، وبَيِّناً هذا حال، وهذا عند الجمهور لا يجوز؛ لا يجوز أن يكون الحال آتياً من المبتدأ، لا يجوز هذا؛ لأن شرط العامل في الحال أن يكون عاملاً في صاحب الحال، ومتى ما اختلفا لا يصحّ، وهنا العامل في (بَيِّناً) -إذا أعربناه حال- العامل فيه شُحُوبٌ، وهو صاحبُ الحال، والعاملُ في شُحُوبٌ وهو مبتدأ الابتداء، إذن اختلفا، إذا اختلفا لا يجوز؛ لأن شُحُوبٌ هذا مرفوع بالابتداء، والحال منصوب بالمبتدأ، ويُشترَط في صحة الحال من صاحب الحال أن يكون صاحبُ الحال مُعرباً بعاملٍ هو عينُهُ العامل في صاحب الحال، فإن اتفقا حينئذٍ نقول: هذا جائز، جاءَ زيدٌ راكباً، راكباً منصوب بـ (جاء)، أينَ صاحبُ الحال؟ زيد، مرفوع بماذا؟ بـ (جاء)، إذن اتحدا في العامل, العاملُ في صاحب الحال هو عينُه العامل في الحال، إن اختلفا لا يجوز، ولذلك امتنعَ مجيءُ الحال من المبتدأ؛ لأن المبتدأ يكون عاملاً في الحال؛ النصب، طيب ما الذي رفع المبتدأ؟ الابتداء وهو شيء مُغاير للمبتدأ، فامتنع، ولذلك هنا في مثل هذا التركيب ما استشهد به سيبويه؛ لأنه يرى صحة مجيءَ الحال من المبتدأ؛ لأنه لا يَشترِط اتفاقَ واتحاد العامل. إذن شُحُوبٌ نقول: هذا مبتدأ مؤخّر، وبَيِّناً هذا على مذهب سيبويه حال من شُحُوبٌ، والذي سوّغَ مجيء الحال من النكرة تقديمُه عليها وتأخيرُ صاحب الحال، وعندَ الجمهور بَيِّناً ليس حالاً من شحوب، وإنما حالٌ من الضمير المستتر في (بِالجِسْم)؛ جار ومجرور متعلق بقوله: مستقر أو استقر، فانتقلَ إليه الضمير فهو حال منه. عندَ الجمهور حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع خبراً؛ لامتناع مجيء الحال من المبتدأ، لا بد أن يتحدَ عامل الحال وعامل صاحب الحال، فلذا لا يُصحح الجمهور مجيء الحال من المبتدأ لاختلاف العامل: وَمَا لاَمَ نَفْسِي مِثْلَهَا ليَ لاَئِمٌ ... وَلاَ سَدَّ فَقْرِي مِثْلُ مَا مَلَكَتْ يَدِي وَمَا هذا حرف نفي، وهذا هو المسوّغ هنا، لكن باعتبار آخر، مَا لاَمَ نَفْسِي هذا مفعول به، لاَمَ فعل ماضي، ونَفْسِي هذا مفعول به، مِثْلَهَا بالنصب على أنه حال، ليَ لاَئِمٌ، لاَئِمٌ هذا صاحب الحال، مَا لاَمَ فعل ماض، لاَئِمٌ هذا فاعل، مِثْلَهَا هذا حال، ما الذي سوّغَ مجيءَ صاحب الحال نكرة؟ تقديمُ الحال عليه.

стр. 1211

إذن إن لم يتأخّر صاحبُ الحال لا يجوزُ مجيءُ الحال منه وهو نكرة، وحينئذٍ صارَ التأخيرُ مسوّغاً له، لماذا؟ لأنه إذا تأخّرَ حصلَ نوع فائدة، مثلما قلنا هناك: في الدار رجلٌ، إذا قلت: رجلٌ في الدار، يعني: كائن في الدار، رجلٌ في الدار، في الدار رجلٌ, (رجلٌ في الدار) لا يجوز، لماذا؟ لكون (في الدار) هذا خبر، وحينئذٍ (رجل) هذا مبتدأ نكرة، وافتقار النكرة للنعت أشدُّ من افتقارها للخبر، فيُتوهّم أنه نعت لا خبر، فقُدِّم الجار والمجرور للدلالة على أنه خبر لا نعت، فحصلَ نوعُ إفادةٍ للمبتدأ، ليس فائدة تامّة؛ (في الدار رجل) (رجل في الدار) النتيجة واحدة، لكن لئلا يلتبس بالنعت، حينئذٍ صارَ تقديمٌ وتأخير، هنا كذلك، فإذا قُدِّم النكرة وهو الحال على صاحبها حصلَ نوعُ تخصيص عند السامع؛ نوعاً ما، وإن لم يكن على وجه التمام. إذن هذا هو المسوّغ الأول؛ كونه يتأخَّر؛ يعني: صاحب الحال. أَوْ يُخَصَّصْ والتخصيص هنا تحته صورتان: إما أن يُخصَّص بالوصف، وإما أن يُخصَّص بالإضافة، فيشمل صورتين: بالوصف (جاء رجلٌ طويلٌ راكباً)، (جاء رجلٌ راكباً) لا يصح؛ لأن رجل هذا صاحب الحال وهو نكرة، إذا وصفتَه حصلَ له نوع تخصيص، كما تقول .. هناك كما ذكرنا: وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ، قلنا: مَصْدَرٌ هذا نكرة، وصحَّ الابتداء به لماذا؟ لكونه موصوفاً بقوله: مُنكَّرٌ، (جاء رجل طويل راكباً) نقول: راكباً هذا حال، وصاحب الحال رجل وهو نكرة، ما الذي سوّغَ كون صاحب الحال نكرة؟ وصفُهُ بطويل، كذلك بالإضافة، كما يُخصّص المبتدأ بالإضافة كذلك يُخصَّص صاحب الحال بالإضافة، (خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ)، خمسُ صلوات: حصل التخصيصُ بالإضافة، هنا "فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ" سواءً أي مُستوية، وهذا حال من أربعة، أربعة ماذا؟ دنانير .. أربع سموات .. أربع أراضين .. ؟ هذا يحتمل لمّا قال: ((أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ)) حينئذٍ حصلَ له نوع تخصيص، لكن فيه نوعُ إبهام، وهو تعيين هذه الأيام، حينئذٍ نقول: حصلَ نوعُ تخصيص بالإضافة "فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ"، سواءً: هذا حال من أربعة وهو نكرة؛ لأن النكرة هنا أُضيفت إلى نكرة فلم تكتسب التعريف، وإنما اكتسبت التخصيص.

стр. 1212

ومنها أن تُخصّص النكرة بالوصف أو بالإضافة، فمثال ما تَخصّص بوصفٍ قوله تعالى: " فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا" هذا فيه نزاع طويل بينَ النحاة، ((فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ)) , كُلُّ هذا نائب فاعل، وهو مضاف، وأمرٍ هذا مضاف إليه، وهو واحد الأمور وهو صاحب الحال، حيكم نعت له، نعت، حصلَ له تخصيص بالنعت، أمراً هذا حال منه؛ حالٌ من المضاف إليه، والمضاف هنا جزء من المضاف، أمراً نقول: هذا حالٌ من المضاف إليه وهو أمرٍ، وهو نكرة؛ لأن كل هنا أُضيفت إلى نكرة ولم تكتسب التعريف، فحينئذٍ هو نكرة، وكل كما سبقَ باعتبار ما تضاف إليه؛ إن أُضيفت إلى المصدر فهي مصدر، وإن أُضيفت إلى الزمن أو المكان فهي اسم زمان أو اسم مكان وَهَلُمْ جَرَّا .. ، وحينئذٍ (كُلُّ أَمْرٍ) نقول: هذا في قوة المصدر، وهو نكرة، قيل: حكيم هذا وصف له؛ فهو المسوّغ لا الإضافة، أمراً نقول: هذا واحد الأوامر، وهو حال، وقيل: أمراً منصوب بفعل محذوف تقديره أعني أمراً من عندنا، أمراً ليس بحال وإنما هو مفعول به لفعل محذوف تقديره: أعني، ولك أن تجعلَه مفعولاً لأجله، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ لأجل أنه أمرٌ من عندنا، فهو تعليل، ولكَ أن تجعله مفعولاً مطلقاً منصوباً بفعل من معنى يُفرق، مثل قعدتُ جلوساً، على قول، والشاهد هنا أن الشارح أتى به على أنه منصوب على الحالية، أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا، فيه إشكال عند بعض النحاة. نَجَّيْتَ يَا رَبِّ نُوحَاً وَاُسْتَجَبْتَ لَهُ ... فيِ فُلُكٍ مَاخِرٍ فيِ الْيَمِّ مَشْحُونَا فيِ فُلُكِ مَاخِرٍ، فُلُكِ نقول: هذا نكرة، وصفَه بقوله: مَاخِرٍ، ثم قال: مَشْحُونَا, مَشْحُونَا هذا حال من فُلُكِ، وهو موصوف وهو نكرة. ومثال ما تَخصّص بالإضافة قوله تعالى: "فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ" أَرْبَعَةِ: هذا نكرة مضاف إلى أيامٍ، وهو نكرة، حينئذٍ لم يكتسب التعريف بل استفادَ التخصيص، سَوَاءً هذا حال، وقد يُخصّص بمعمولٍ نحو (عجبت مِنْ ضَرْبٍ أَخُوكَ شَدِيداً)، ضربٍ أخوك، شديداً هذا حال من ضربٍ وهو مصدر، وهو نكرة، أين التخصيص؟ نقول: حصلَ بالعمل، وسبقَ أن المبتدأ من المسوّغات له كونها: (وَرَغْبَةٌ فِي الخَيْرِ)، كونها عاملة سوّغَ الابتداء بها، هنا كون صاحب الحال عاملاً مُسوّغ لمجيء الحال منه وهو نكرة، عجبتُ من ضربٍ بالتنوين، أما من (ضرب أخيك) صار مضاف ومضاف إليه، من ضرب أخوك شديداً، فـ (شديداً) هذا حال من ضرب وهو نكرة، وسوّغَ مجيء الحال منه وهو نكرة كونه عاملاً.

стр. 1213

إِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ: هنا طبعاً على تكرير العامل، إِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ يعني، يُوصف أو يُضَف، أَوْ لم يَبِنْ، يَبِنْ يعني يظهر الحال واقعاً، مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ: مِنْ بَعْدِ هذا مُتعلّق بقوله: يَبِنْ، يعني: يظهر ويبين، مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ أي مُشابهه، وهذا يدخلُ تحته صورتان: الاستفهام والنهي، وحينئذٍ على التفصيل هذه ستُّ مسوّغات؛ لأنه دخلَ تحت التخصيص صورتان، ودخلَ تحت مضاهيه صورتان، فالمجموعُ ست، وإذا نظرنا إلى العموم فهيا أربع. مِن المسوّغات أن تقعَ النكرة بعد نفي أو شبهه، وشبه النفي هو الاستفهام والنهي، وهو المراد بقوله: أَوْ يَبِنْ مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ. مَا حُمَّ مِنْ مَوتٍ حِمًَى وَاقِيَا ... وَلاَ تَرَى مِن أَحَدٍ بَاقِيَا مَا: نافية، حُمَّ: هذا مغير الصيغة، مِنْ مَوتٍ حِمًَى وَاقِيَا، وَاقِيَا: حال، صاحب الحال حِمًَى، حِمًَى هذا نكرة، ما المسوّغ لمجيء الحال من النكرة؟ وقوعُها في سياق النفي؛ لأن النكرة في سياق النفي تعمّ، وإذا عمّت صارت من جهة المعنى معرفة، نعم معرفة؛ من جهة المعنى صارت معرفة؛ لأنه يعمّ كل شخص يصدقُ عليه هذا اللفظ وهو داخل، ولذلك نقول: هنا العموم استغراقي، بمعنى أنه يستغرق كل الأفراد، لا يخرج عنه فردٌ من الأفراد، حينئذٍ صارَ عاماً من جهة المعنى، صار معرفةً من جهة المعنى. إذن حِمًَى نقول: صاحبُ الحال نكرة؛ سَوّغَ مجيئه نكرة كونه في سياق النفي، وَلاَ تَرَى مِن أَحَدٍ بَاقِيَا، بَاقِيَا كذلك حال، وصاحبُ الحال (أَحَدٍ) وهو نكرة، حينئذٍ نقول: سوّغَ مجيء صاحب الحال نكرة لكونه في سياق النفي، (وَلاَ) الواو حرف عطف، (لا) هذه زائدة للتأكيد، ترى إن جعلناها بصريّة حينئذٍ صحَّ التمثيل، وتكون باقياً هذا حال، و (مِن أَحَدٍ) أَحَدٍ هذا يكون صاحب الحال، وإذا جعلناها علميّة حينئذٍ صارَ (بَاقِياً) هذا مفعولاً ثانياً، ليسَ فيها شاهد، إنما الشاهد يكون في الطرف الأول. ومنه قوله تعالى: "وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ"، " إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ"، هناك الشاهد أوضح ((إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ)) كتابٌ معلومٌ لها، لَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ، لَهَا خبر مُقدّم، وكِتَابٌ مَعْلُومٌ مبتدأ وصفته، والجملةُ في محلّ نصب حال، والواو هنا هي المسوِّغة، وكذلك الفصل بإلا مُسوّغ، وما هذه نافية، لكن أرادَ هنا الشارح أن يأتي بالمثال لكون النكرة مسبوقة بنفي ((وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ)) , قرية هذا نكرة في سياق النفي فيعمّ، ولذلك دخلت عليه مِن الزائدة ((وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ)) , (قَرْيَةٍ) ما إعرابها؟ مفعول به، تضعُه من الأمثلة التي جُرّ المفعول به ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ)) رسولاً ((وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ)) وما أهلكنا قريةً، إذن هو مفعول به منصوب بفتحة مقدّرة منعَ من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة (وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ) في محلّ نصب حال، فالمسوّغ هنا في هذه الآية ثلاث: ما النافية كونه في سياق النفي، وإلا، وواو الحال.

стр. 1214

ومثال ما وقع بعد الاستفهام: يَا صَاحِ هَلْ حُمَّ عَيْشٌ بَاقِياً فَتَرَى ... لِنَفْسِكَ العُذْرَ فِي إِبْعَادِها الأَمَلاَ يا صَاحِ هَلْ هذا حرف استفهام، عَيْشٌ: فاعل، حُمّ هذا مُغيّر الصيغة، وعَيْشٌ نائب فاعل، وبَاقِياً حالٌ من عيش، وهو نكرة، ما الذي سوّغَ لمجيء الحال منه وهو نكرة؟ كونه في سياق الاستفهام، والنكرة في سياق الاستفهام تعمّ، يعني: مثلما إذا جاءت في سياق النفي، وهو شبه النفي. ومثال ما وقَعَ بعد النهي قولُ المصنف: لاَ يَبْغِ أمْرُؤٌ عَلَى امْرِيءٍ مُسْتَسهِلاً، امْرُؤٌ هذا فاعل، مُسْتَسهِلاً هذا حال من الفاعل، ما الذي سوّغَ ذلك؟ كونُ امرؤ في سياق النهي. لاَ يَرْكَنَنْ أَحَدٌ إِلى الإِحْجَامِ ... يَوْمَ الوَغَى مُتَخَوِّفَاً لِحَمَامِ مُتَخَوِّفَاً هذا حال، وصاحبُ الحال هو أَحَدٌ. إذن: وَلَمْ يُنكَّرْ غَالِباً يعني: في الغالب، وَلَمْ يُنكَّرْ ذُو الْحَالِ غَالِباً، ما مفهوم (في الغالب)؟ هل مجيء صاحب الحال نكرة بمسوّغ أو مجيئها بدون مُسوّغ مطلقاً؟ الظاهر الثاني، يحتمل هذا وذاك، لكن الظاهر أن المراد بغير الغالب هنا أنه نكرة بدون مُسوّغ، ولذلك قالَ ابن عقيل: واحترزَ بقوله: غالباً مما قلَّ مجيءُ الحال فيه من النكرة بلا مسوّغ من المسوّغات المذكورة، ومنه قولهم: مَررتُ بِمَاءٍ قِعْدَةَ رَجُلٍ، قعدة أي مقدارَ قعدته، فهو حال، وصاحب الحال ماءٌ، وقولهم: عليه مِئَةٌ بيضاً، جمع أبيض ليس بتمييز، إذ لو كان كذلك كان تمييز المائة مفرد، وهو مجرور وهنا جاءَ منصوباً وهو جمع، إذن ليس تمييزاً، إذن مئةٌ هذا مبتدأ، وجاءَ منه بيضاً، وأجازَ سيبويه فيها رجل قائماً، مُقدّم على المبتدأ، وجعلَ قائماً حالاً من رجل، أين المسوّغ؟ لا مسوّغ له، أجازَه سيبويه دون مسوّغ. إذن قوله: وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِباً مرادُه أنه قد تأتي النكرة بدون مسوّغ، وجاء في الحديث: ﴿صلى رسول الله ﷺ قاعداً وصلى وراءه رجالٌ قياماً﴾، قياماً هذا حال من الرجال، وليسَ له مسوّغ، ولذلك ذهبَ أبو حيان إلى أن مجيء الحال من النكرة كثيرٌ مَقيس، أبو حيان النحوي الشهير ذهبَ إلى أن مجيء الحالِ من النكرة كثير مقيس، ونقلَ ذلك عن سيبويه، إذن المسألة فيها نزاع. وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِباً ذُو الْحَالِ إِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ، فإن تأخَّر صارَ تأخيره مسوّغا لمجيء الحال منه، أو لم يُخَصَّصْ بوصفٍ أو بإضافة، فإن خُصِّص بواحد منهما حينئذٍ صحَّ مجيءُ صاحب الحال نكرة، أَوْ يَبِنْ مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ يعني: يظهر من بعد نفي؛ أن يكون صاحب الحال نكرة بعد نفي أو استفهام أو نهي، كَلاَ يَبْغِ امْرُؤٌ عَلَى امْرِىءٍ مُسْتَسْهِلاَ، فمستسهلاً هذا حال من امرؤ. إذن الأصلُ في صاحب الحل أن يكون معرفة لما ذكرناه سابقاً. الأصل في صاحب الحال التعريف، ويقع نكرةً بمسوّغ، إلا ما ذُكِر عن سيبويه وعن أبي حيان.

стр. 1215

الحالُ له شبه بالخبر، فلذا كانت كالحكم على صاحبها، فالتزموا أن يكون صاحبُها معرفةً؛ لأنها حكمٌ عليه، والحكمُ على المجهول لا يُفيد، هذا الأصل فيه، الحكمُ على المجهول لا يُفيد وهو النكرة لذلك لا تفيد كما هو الشأن في المبتدأ والخبر، وأيضاً لدفع توهُّم السامع أنها نعتٌ ومنعوت، هذا وجهٌ آخر، وعندَ أرباب الحواشي يقولون: النكات لا تتزاحمُ، يعني: التعليل لماذا جيء به كذا وكذا لا يُقال بالخلاف، يقال بهذا وذاك. إذن الأصلُ في الحال أنه نكرة؛ لماذا؟ لأنه كالخبر، صاحب الحال؛ لأنه كالمبتدأ والمبتدأ لا يكون نكرة، هذا الأصل. كذلك فرقاً بينه وبين المنعوت والنعت؛ لأن النعت والمنعوت إذا وقعا مَعرفتينِ حينئذٍ قد يلتبسُ بصاحب الحال إذا وقعَ معرفةً، وإذا وقعا نكرتين حينئذٍ حصلَ الفرقُ بينهما؛ لدفع توهم السامع أنهما نعت ومنعوت، فإذا قيل: رأيتُ زيداً راكباً، إذن اتفقا في النصب، واختلفا في التعريف والتنكير. إذن كونُ صاحب الحال يُشترَط فيه أنه معرفة، ويُشترَط في الحال أن يكون نكرة حصلَ تمايزٌ بينه وبين النعت، إذ لو كان نعتاً لوجبَ التطابق بين النعت والمنعوت، فلا يصحُّ أن يُقال: رأيتُ زيداً راكباً، لا يصح هذا؛ لأن المنعوت زيد معرفة، وراكباً نكرة، هذا فاسد لا يصحّ، بل يجبُ فيه التطابق بين النعت والمنعوت. وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِباً ذُو الْحَالِ إِنْ ... لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَلاَ ... يَبْغِ امْرُؤٌ عَلَى امْرِىءٍ مُسْتَسْهِلاَ وَسَبْقَ حَالٍ مَا بِحَرْفٍ جُرَّ قَدْ ... أَبَوْا وَلاَ أَمْنَعُهُ فَقَدْ وَرَدْ وَسَبْقَ حَالٍ هذا مفعول به لقوله: أَبَوْا، يعني أبوا أي: النحاة، وهنا حَكى، أو أشبه ما يكون حكاية لإجماع، والمرادُ به أكثرُ النحاة، وإنما نزّلَ الأكثر منزلة الكل، وإلا المراد به أكثرُ النحاة لا كلّهم، نزّلَ الأكثر منزلة الجميع، أَبَوْا ماذا؟ أبوا سَبْقَ حَالٍ مَا، مَا واقعةٌ على صاحب الحال، مَا بِحَرْفٍ جُرَّ: ما جُرَّ بحرف، صاحب حال جُرَّ بحرف، صاحبُ الحال إما أن يكون مرفوعاً وإما أن يكون منصوباً وإما أن يكون مخفوضاً، وإذا كان مخفوضاً إما أن يكون مخفوضاً بحرف أو بإضافة، صاحبُ الحال إما أن يكون مرفوعاً، جاء زيدٌ راكباً، وإما أن يكون منصوباً، رأيتُ زيداً راكباً، وإما أن يكون مخفوضاً؛ وهذا تحته صورتان: إما أن يكون مخفوضاً بإضافة أو بحرف جر.

стр. 1216

هنا قال: سَبْقَ حَالٍ مَا بِحَرْفٍ إذا كان صاحبُ الحال مجروراً بالحرف أَبَوْا أن يَسبقه الحال، يعني: الحال لا تتقدّمُ على صاحب الحال. مراده في هذا البيت أن يبين أحكام الحال من حيث تقدّمه على صاحبها؛ هل يجوز أو لا؟ هنا خصّصَ الحكم بما جُرّ بحرف الجر، مفهومه أن ما كان مرفوعاً جاز أن يتقدَّم، تقول: جاء ضاحكاً زيدٌ، جاء ضاحكاً زيدٌ يصحّ أو لا؟ يصح لكون صاحب الحال مرفوعاً، وَسَبْقَ حَالٍ لصاحب حال مرفوع هذا جائزٌ باتفاق، كذلك إذا كان منصوباً؛ تقول: رأيت ضاحكاً زيداً, زيداً هذا صاحبُ الحال، وهو منصوب، هل يجوزُ أن تتقدّم الحال عليه دون العامل؟ نقول: نعم يجوز؛ لماذا؟ لكونه منصوباً، ماذا بقيَ؟ بقيَ جرُّه بحرف جرّ، مررتُ بزيدٍ ضاحكاً هل يجوز؟ لا هذا الذي عناهُ الناظم: وَسَبْقَ حَالٍ، أَبَوْا النحاةُ سَبْقَ حَالٍ .. أن تسبقَ الحال ما جُرّ بحرف يعني: صاحب حال جُرّ بحرف، فإن جُرّ بالحرف حينئذٍ امتنعَ تقديمُ الحال على صاحبها؛ مفهومُه إن كان مرفوعاً أو منصوباً فهو جائزٌ باتفاق، مفهومه إن كان مُضافاً فهو جائز لكن المفهوم هذا يجبُ إبطاله؛ لأنه من بابٍ أولى، وقع فيه الاتفاق بخلاف ما جُرّ بحرف، وَسَبْقَ حَالٍ هذا مصدر مضاف إلى فاعله، يعني: أن تسبقَ حال. سَبْقَ حَالٍ مَا، مَا في موضع نصب على المفعولية، العاملُ فيه سبق؛ لأنه مصدر، سبق حال صاحب حال، جُرَّ بِحَرْفٍ والمراد بالحرف هنا أطلقَه الناظم، ويشملُ حرفَ الجر الزائد والأصلي، لكنَّ الأول وِفاقاً غيرُ مراد، فيُخصّص الحكم حينئذٍ بحرف الجر الأصلي، فحينئذٍ مَا بِحَرْفٍ جُرَّ .. ما جُرّ بحرف يُشترَط فيه أن يكون الحرف أصلياً، فلو كان مجروراً بحرف جرّ زائد جازَ تقديمُ الحال عليه، مثلُ ماذا؟ ما رأيتُه راكباً من رجلٍ، ما إعراب (رجل)؟ مفعول به؛ لأن الأصل ما رأيتُ رجلاً راكباً، هذا، الأصل فزيدت عليه (مِن) الزائدة في سياق النفي وهو نكرة، حينئذٍ نقول: هو مفعول به منصوب، وقُدِّم عليه الحال، هو مجرور كيف جازَ ونحن نمنع؟ نقول: المنعُ متعلَّقه حرفُ الجر الأصلي، وأما حرفُ الجر الزائد فلا، فيجوز حينئذٍ وفاقاً أن تتقدّمَ الحال على ما جُرَّ بحرف جرّ زائد، ما رأيت راكباً من رجلٍ، فمحلُّ الخلاف إذا كان الحرف غيرَ زائد، فإن كان زائداً جازَ التقديم اتفاقاً، وما ذكرَه الناظم هنا عن أكثر النحاة أنهم أبوا تقديمَ الحال على صاحب الحل إذا جُرَّ بحرف جرّ أصلي، أي: منعَ أكثرُ النحاة تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف، وأما إذا كان صاحبُ الحال مرفوعاً أو منصوباً جازَ تقديمُ الحال عليه باتفاق، والمجرور بحرف الجرّ هذا فيه مذهبان. بقيَ المجرور بالإضافة وهو ممنوع باتفاق.

стр. 1217

إذن الأحوال أربعة: مرفوع، منصوب جائزٌ باتفاق، مضاف، والمراد هنا بالإضافة الإضافة المحضة لا اللفظية هذا ممنوع باتفاق، بقيَ ماذا؟ أن يكون صاحب الحال مجروراً بحرف جرّ أصلي فهذا محلّ النزاع، والجماهير على المنع، وهو ما حكاه الناظم عنهم، لكنه قال: وَلاَ أَمْنَعُهُ يعني يجوزُ. إذن ألحقَه بالمرفوع والمنصوب. وَلاَ أَمْنَعُهُ تبعاً لغيري، ما جاءَ بشيء من عنده، بل أُجيزه تابعاً لغيري كالفارسي وابنِ كيسان وابن بَرهان؛ إذ ذهبوا إلى جواز ذلك، وتابعهم المصنف لورود السماع بذلك. وَلاَ أَمْنَعُهُ أن يسبقَ الحال صاحبَ الحال إذا كان مجروراً بحرف جرّ أصلي، فقد ورد السماعُ به: لَئِنْ كَانَ بَرْدُ الْمَاءِ هَيْمَانَ صَادِياً ... إِليَّ حبِيبَاً إِنَّهَا لَحَبِيبُ هَيْمَانَ صَادِياً حالان من الياء المجرورة بقوله: إِليَّ، إلى ثم الياء، إليّ، إذن جار ومجرور، هو صاحبُ الحال, هَيْمَانَ صَادِياً نقول: هذا حالان من الياء. إذن جازَ تقديمها في السماع. فَإِنْ تَكُ أَذْوَادٌ أُصِبْنَ ونِسْوَةٌ ... فَلَنْ يَذْهَبُوا فَرْغَاً بِقَتْلِ حِبالِ فَرْغاً حال، بِقَتْلِ هذا جار ومجرور، والحال هنا جاءت مِن قتل، وهو صاحب الحال، فَرْغَاً حال من قَتْلِ. إذن تقدّمَ الحالُ على صاحب الحال وهو مجرور بحرف جرّ أصلية. ومذهبُ الجمهور إلى أنه لا يجوزُ تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف، حينئذٍ لا تقل: مررتُ بهندٍ جالسةً، لا تقل: مررتُ جالسةً بهند، إذا قلت: مررتُ بهندٍ نقول: هذا مجرور صاحب الحال، جالسةً هذا واجبُ التأخير، لا يجوزُ أن يتوسّطَ بين العامل وصاحب الحال، لماذا؟ لكون صاحب الحال مجروراً بحرف جرّ، والعلةُ في المنع قالوا: إن الفعلَ وصلَ إلى صاحب الحال بحرف جر، يعني: بواسطة، وصلَ الفعلُ إلى صاحب الحال بواسطة حرف الجر، والحالُ تابعة لصاحبها، وصاحبُها مجرور بحرف الجر، فكأن الحال جُرّت بنفس بذلك الحرف، وعندهم من الممنوع أن الفعل يتعدّى إلى شيئين بحرف واحد، ولا بد أن يتغير معنى الحرفين. هذه علة لكن فيها نظر. وَلاَ أَمْنَعُهُ يعني: بل أُجيزه تبعاً لغيري، فَقَدْ وَرَدْ في لسان العرب تقديمُ الحال على صاحب الحال وهو مجرورٌ بحرف جرّ أصلي، كما ذكرناه في البيتين السابقين. وذهبَ الفارسي وابنُ كيسان وابن بَرهان يعني: تابعهم الناظم في ذلك، والعلةُ عندهم يعني الجواز مع السماع، قالوا: لأن المجرورَ بالحرف مفعولٌ به في المعنى، مررتُ بهندٍ جالسة، نقول: مررتُ بهندٍ، هند هذا في المعنى مفعول به، فلا يمتنعُ تقديم حالِه عليه، كما لا يمتنعُ تقديم حال المفعول به، كما أنه إذا قلتَ: رأيتُ راكباً زيداً، زيداً هذا مفعول به صراحةً، وراكباً تقدّمَ عليه، كذلك مررتُ جالسةً بهندٍ, هندٍ هذا مفعول به في المعنى، إذن ما الفرق بينهما؟ إلا كونُ هذا جُرّ بحرف جر، وهذا يحتاج إلى دليل قوي للمنع، فالأصل فيه الجواز.

стр. 1218

إذن وَسَبْقَ حَالٍ مَا بِحَرْفٍ جُرَّ قَدْ أَبَوْا, أبوا سبقَ حالٍ ما جُرّ بحرف، فما اسم الموصول بمعنى الذي، يصدقُ على صاحب الحال، فالمراد به صاحبُ الحال وهو مفعولٌ به لقوله: وَسَبْقَ، وهو مصدر. مفهوم المخالفة في البيت أن المرفوع والمنصوب يجوزُ تقديم الحال عليه، وصاحبه المجرور بالإضافة كذلك، فيُؤخَذ المنع من طريق الأولى، هذا قيل به، يعني: إذا مُنِع تقديمُ الحال على المجرور بحرف الجرّ فمن باب أولى أن يُمنَع إذا كان مجروراً بالمضاف؛ لأنّ الجرّ إما أن يكون بحرف وإما باسم، أيهما أصل وأيهما فرع؟ مرَّ معنا، الأصلُ هو حرف الجر، وعملُ المضافِ في المضاف إليه الجرّ، هذا من باب الفرعية، فإذا مُنِع الأصل من تقديم الحال عليه فمن باب أولى وأحرى أن يُمنَع الفرع، حينئذٍ صار محلّ وفاق، ولذلك أجمعوا على أنه يُمنَع تقديم الحال على المضاف إذا كانت الإضافة محضاً.

стр. 1219

إذن نقول: يجبُ تأخيرُ الحال عن صاحبها إذا جُرّ صاحب الحال بحرف جرٍّ أصلي، ومن الأسباب كذلك الموجبة لتأخير الحال عن صاحبها أن يكونَ مجروراً بالإضافة، وإن دلَّ عليه بالمفهوم السابق؛ أن يكون مجروراً بالإضافة نحو عرفتُ قيامَ زيد مُسرعاً، مسرعاً: حالٌ من زيد، هل يجوزُ أن يُقال: عرفتُ مُسرعاً قيام زيد؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنه إذا مُنِع الأصل وهو ما كان مخفوضاً بحرف، فمن باب أولى أن يُمنَع الفرع، وأعجبني وجهُ هندٍ مُسفرةً، هند: مضاف إليه، مُسفرة: حال من المضاف إليه، لا يصح أن يقال: أعجبني مُسفِرةً وجهُ هند، لماذا؟ لكونه مجرورا بالمضاف، فلا يجوزُ بإجماع تقديم هذه الحال واقعةً بعد المضاف، يعني: فاصلةً بين المضاف والمضاف إليه، وأن تكون مُتقدّمة على المضاف، يعني: تحته صورتان: إما أن يُفصَل بين المضاف والمضاف إليه، وهذا ممنوع قطعاً، وإما أن يتقدّمَ الحال على المضاف، حينئذٍ لا يُقال مثلاً: عرفتُ قيامَ مُسرِعاً زيدٍ، هذا واضحٌ بيّنٌ لا يُقال؛ لأنه لا يفصل بين المضاف والمضاف إليه كالكلمة الواحدة، وكذلك لا يُقال: عرفتُ مسرعاً قيامَ زيد، فيمنع الصورتان، فلا يجوزُ بالإجماع تقديم هذه الحال واقعةً بعد المضاف؛ لئلا يلزمَ الفصل بين المضاف والمضاف إليه ولا قبله؛ لماذا؟ لأن المضاف إليه مع المضاف كالصلة مع الموصول، فكما لا يتقدّمُ ما يتعلّق بالصلة على الموصول -هذا سبقَ معنا- كذلك لا يتقدّم ما يتعلق بالمضاف إليه على المضاف وهذا في الإضافة المحضة. سيأتي تقسيمُ الإضافة إلى نوعين: محضة ولفظية، واللفظية أن يكون المضاف اسمَ فاعل أو اسم مفعول أو صفة مُشبّهة كما سيأتي، حينئذٍ إذا كانت الإضافة محضة بأن يكون المضاف ليسَ في معنى الفعل هذا محلّ وفاق، لا يُفصَل بين المضاف والمضاف إليه بالحال، ولا تتقدّمُ الحال على المضاف أصلاً لماذا؟ لأنّ المضاف والمضاف إليه كالصلة مع الموصول، والمضافُ إليه يكون عاملاً في الحال، حينئذٍ لا يتقدّم عليه، كما أنه لا يتقدّم معمول الصلة. وأما غيرُ المحضة نحو هذا شاربُ السويقِ ملتوتاً، شاربُ اسم فاعل، السويق: مضاف إليه، إذن وقعَ المضاف اسمَ فاعل، هذه نسميها إضافة لفظية، تلك مُتصلة، ثَمَّ اتصال بين المضاف والمضاف إليه، هذه يُعبِّر عنها النحاة بأنها في معنى الانفصال، فالاتصال لفظي، والمعنى الانفصال، وأما الإضافة المحضةُ فهي مُتصلة في اللفظ والمعنى، لذلك امتنعَ الانفصال بينهما، وأما هنا في الإضافة اللفظية فهو اتصال لفظي في النطق فحسب، وأما في المعنى فلا، تقول: هذا شاربُ السويقِ ملتوتاً الآن أو غداً، فيجوزُ كما قاله في التسهيل، يعني يجوزُ تقديم الحال؛ لأن غير المحضة في نيّة الانفصال، فالمضافُ إليه فيها مفعول به، وتقديمُ حاله عليه جائز، فيصحّ أن يُقال: هذا ملتوتاً شاربُ السويق، يجوزُ لماذا؟ لأنه ليس عندنا مُضاف ومضاف إليه حقيقةً، وإنما هما في نية الانفصال، وهذا ذهبَ إليه الناظم في التسهيل، وقيلَ بالمنع كما ذهبَ إليه ابن هشام في التوضيح.

стр. 1220

إذن كونُ صاحب الحال مضافاً إضافةً محضة يمتنعُ التقديم بالإجماع، وأما إذا كانت الإضافة لفظية فمحلُّ نزاع. ومنها أن تكون الحال محصورة، يعني: مما يجبُ فيه تأخير الحال، لا تتقدم، أن تكون الحال محصورة نحو قوله: "وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ" ﴿٦/ ٤٨﴾ مُبَشِّرِينَ: هذا حال، لا يجوز تقديمها، لا يقال: ما نرسِلُ إلا مبشرين المرسلين لا يصحّ؛ لماذا؟ لأن الحالَ هنا محصورة، وإذا كانت محصورة يفوتُ المعنى بتقديمها. إذا كانت الحال محصوراً فيها وجبَ تأخيرها، إذا قلت مثلاً: ما جاء زيد إلا راكباً، لا يصحّ أن يُقال: "ما جاءَ إلا راكباً زيد"، هذا ممنوع؛ لأن الحال محصورة، "إنما جاء زيد راكباً"، لا يصحّ أن يقال: "إنما جاء راكباً زيد"، هذا ممنوع لماذا؟ لكون الحال محصورة كما سبق في المفعول وفي الخبر. وَمَا بِإِلاَّ أَوْ بِإِنَّمَا انْحَصَرْ ... أَخِّرْ ................................ هذا مثله، حينئذٍ تبقى على أصلها. إذن يجبُ تأخيرُ الحال إذا جُرّت بحرف جرّ أصلي، "مررت بهند جالسةً" لا يجوز تقديمها، كذلك إذا كان صاحب الحال مُضافاً إضافة محضة -مضافاً إليه-، ونوع الإضافة إضافة محضة معنوية، يمتنعُ حينئذٍ، لا تقول: "عجبُت مسرعاً قيام زيد"، لا يصح؛ لكون الإضافة هنا إضافة محضة، أما الإضافة اللفظية فمحل نزاع بين النحاة. الثالث: أن تكون الحال محصورة؛ "ما جاء زيد إلا راكباً"، "إنما جاء زيد راكباً"، يمتنع تقديم الحال على صاحبها. وأما المرفوع والمنصوب فنقول: هذا جائز باتفاق، محلّ إجماع، وهو المفهوم، وأما المفهوم الوارد في البيت من كون المضاف يجوزُ التقديم هذا مفهومٌ باطل، وهذا بناءً على أن المفهوم له عموم، المفهوم هل له عموم أم لا؟ محلّ نزاع عند الأصوليين. هنا المفهوم عام، وَسَبْقَ حَالٍ مَا بِحَرْفٍ جُرَّ، إذن قيّدَ الحكم بماذا؟ المنطوق أنه يُمنَع سبقُ الحال إذا كان صاحبُ الحال مجروراً بحرف، مفهوم المخالفة .. لأن الحكم هنا حكم بالمشتق، وتعليقُ الحكم بالمشتق حينئذٍ نقولُ: له مفهوم، ((السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا))، إذا لم يسرقا لا قطعَ، مفهومٌ عكسي. المفهومُ هنا يشمل ثلاثة أشياء: المرفوع والمنصوب والمضاف. حينئذٍ إذا قلنا: لا عموم للمفهوم كيف نُخصّص؟ فيردُ الاعتراض على الناظم. نقول: كان الأولى أن يستثنيه ولم يستثنه، تقول له: لا من بابٍ أولى. يقول: لا، لا يصلح لماذا؟ لأن المفهوم لا عموم له، وإذا قلنا: بأن المفهوم له عموم -وهو المرجح عند الأصوليين- حينئذٍ صحّ التخصيص، فيُخصّص المفهوم بالمضاف للإجماع، ولنا أن نقيسَه على الملفوظ من باب قياس الأولى، وهو أنه إذا مُنِع الأصل فالفرع من باب أولى وأحرى. ثم قال ﵀: وَلاَ تُجِزْ حَالاً مِنَ الْمُضَافِ لَهْ ... إِلاَّ إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ أَوْ كَانَ جُزْءَ مَالَهُ أُضِيفَا ... أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلاَ تَحِيفَا

стр. 1221

الأصلُ في الحال أنها لا تجوزُ من المضاف إليه، لا يجوزُ مجيءُ الحال من المضاف إليه؛ لماذا؟ لعدم صدقِ الشرط السابق، وهو عدمُ اتحاد العامل، لو قلتَ مثلاً: جاء غلام زيد مُسرعاً، غلامُ: فاعل وهو مضاف، وزيد: مضاف إليه هو صاحب الحال، مُسرعاً: حال من زيد، طيب؛ صاحب الحال زيد، ومسرعاً هو الحال، ما العاملُ في الحال؟ ما العامل في المضاف -غلام-؟ الفعل، ما العامل في المضاف إليه؟ المضاف، ما العاملُ في الحال؟ الفعل، هل حصلَ الاتحاد أم حصل الافتراق؟ حصل الافتراق. إذن لا يجوزُ أن تكون الحال آتية من المضاف إليه؛ لماذا؟ لما اشترطَه الجمهور من وجوب اتحاد العامل في صاحب الحال والحال نفسها. قال: لا يجوزُ مجيءُ الحال من المضاف إليه؛ لماذا؟ لما حصلَ من الافتراق بين عامل الحال وعامل صاحب الحال؛ إلا في ثلاث مسائل، يجوزُ إتيان الحال من المضاف إليه. وَلاَ تُجِزْ ما إعرابه؟ مضارع مجزوم بلا الناهية، والفاعل أنت، حَالاً؟؟؟ مِنَ الْمُضَافِ: هذه صفة لحال، مِنَ الْمُضَافِ لَهْ اللامُ هنا بمعنى إلى؛ لأن مادة أضافَ تتعدى بإلى، فاللام هنا بمعنى إلى. إذن لاَ تُجِزْ حَالاً من المضاف إليه، فالكلامُ عن المضاف إليه لا عن المضاف، أما المضافُ فيأتي منه الحال لا إشكالَ فيه؛ جاء غلامُ زيدٍ مسرعاً على أنه حال، من غلام هذا لا إشكال فيه، هذا محلّ وفاق، وإنما الكلام في المضاف إليه. لاَ تُجِزْ حَالاً مِنَ الْمُضَافِ لَهْ يعني إليه؛ لأن أضافَ يتعدّى بـ (إلى)، فاللام حينئذٍ بمعنى إلى، ما العلة؟ نقول: لوجوب كونِ العامل في الحال هو العامل في صاحبها، هذا العلة، فالحكمُ عام، لاَ تُجِزْ نهي، فلا يجوزُ أن تأتي بالحال من المضاف إليه لوجوب كون العامل في الحال هو العامل في صاحبها، وذلك يأباه، يعني: مجيء الحال من المضاف إليه يأبى أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال. يأبى جوازَ مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف إليه مِن حيث إنه مُضاف لا يعملُ النصب؛ إذ الحال وصاحبها كالنعت والمنعوت، وعاملُهما واحد، العامل في النعت هو العامل في المنعوت، "جاء رجل راكبٌ", راكبٌ مرفوع بجاء. زيد مرفوع بجاء؛ هذا مثله، ولذلك عندَهم أن الحال لها شبهان: شبهٌ بالنعت وشبهٌ بالخبر، فثَمَّ أحكامٌ مأخوذة من أحكام النعت مع المنعوت، وثَمَّ أحكامٌ مأخوذة من أحكام الخبر مع المبتدأ، فحقيقةُ الحال كلّها من أولها إلى آخرها مُركّبة من البابين. ثَمَّ أحكام تتعلّق بالخبر بالمبتدأ نُقِلت إلى هذا المحل، وثَمَّ أحكام مأخوذة من باب النعت.

стр. 1222

إذن الحال وصاحبها كالنعت مع المنعوت، كما أنه يجبُ أن يكون العامل في النعت هو العامل في المنعوت فكذلك ما أشبهه وهو الحال وصاحبها، يجبُ أن يكون العامل فيهما واحد؛ لأن الشيء إذا أشبَه الشيء أخذَ حكمه. وعاملهما يعني النعت والمنعوت واحد، وهذا مذهبُ الجمهور، وهو وجوبُ كون العامل في الحال هو العامل في صاحبها، هذا مطلَق خلافاً لسيبويه، وذهبَ سيبويه إلى عدمِ وجوب ذلك؛ لأن الحالَ أشبهُ بالخبر. الجمهورُ عاملوها معاملة النعت، فأوجبوا اتحاد العامل، سيبويه شبَّهها بالخبر، حينئذٍ العاملُ في الخبر ما هو؟ المبتدأ، والعامل في المبتدأ ما هو؟ الابتداء. إذن لا يُشترط؟ هذا قياس الشبه، يعني: مما تختلفُ فيه الأنظار، ولا بأس هذا أو ذاك. وذهب سيبويه إلى عدم وجوب ذلك؛ لأن الحال أشبه بالخبر، وعامله غير عامل المبتدأ على الصحيح؛ لأن عامل المبتدأ هو الابتداء، وليسَ هو الخبر، وعامل الخبر هو المبتدأ. إذن افترقا، فحينئذٍ لماذا نُلحق الحال وصاحبها بالنعت والمنعوت مع كون ثَمَّ شبهٌ آخر بالخبر، قال: الثاني أولى من الأول، واختارَه ابنُ مالك في التسهيل، وقال: وقد يعملُ فيها غير عاملِ صاحبها خلافاً لمن منعَ. إذن مذهب سيبويه أنه لا يُشترَط اتحاد العامل في صاحب الحال وفي الحال، ولذلك جوّزَ مجيءَ الحال من المبتدأ، وجوّزَ مجيءَ الحال من المضاف إليه مطلقاً .. من المسائل الثلاث وغيرها، ليسَ عنده تفصيل، ولكن الجمهور يقولون لا بدّ من استثناء في المضاف إليه على أنه نوع مُعين ليصح أن يكون حالاً منه. إذن على مذهب سيبويه نقولُ: كلّ مُضاف إليه يجوزُ إتيان الحال منه بدون استثناء؛ لماذا؟ لأنه لا يُشترَط عنده اتحادُ العامل في صاحب الحال والحال، وأما عندَ الجمهور فلا، لا بدّ أن يكون واحداً من هذه المسائل الثلاث، وما عداها لا يجوزُ؛ فيبقى على الأصل. وَلاَ تُجِزْ حَالاً مِنَ الْمُضَافِ لَهْ: إليه .. هذا الأصل مطرد إلا في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: استثناها بقوله: إِلاَّ أداة استثنى، إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ يعني: إذا كان المضاف أُجري مجرى الفعل فحينئذٍ جازَ للمضاف إليه أن يأتي بالحال منه، إذا كان المضافُ اسمَ فاعل أو اسم مفعول أو صفة مُشبّهة جازَ إتيان الحال من المضاف إليه. إِلاَّ إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ، عَمَلَهُ الضمير يعودُ هنا على الحال، أي: نصبَه، عمل الحال أي: نصبه.

стр. 1223

إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ، اقْتَضَى يعني: طلب، الْمُضَافُ عَمَلَهْ يعني: عمل الحال وهو النصب، أي: نصبه. أي: العمل في الحال بأن كان ذلك المضاف عامل الحال، وذلك إذا كان المضاف مما يصحّ عملُه في الحال كاسم الفاعل والمصدر ونحوهما مما تضمّنَ معنى الفعل؛ فتقول: هذا ضاربُ هندٍ مجرّدةً، "ضاربُ هند" مضاف ومضاف إليه مجردةً. نقول: الأصل في المضاف إليه أن لا تأتي الحال منه، وهنا سوّغَ مجيءَ الحال من المضاف إليه مع كون الأصل المنع هو كون المضاف يعملُ عملَ الفعل، فحينئذٍ ما العامل في هند؟ هو اسم الفاعل؛ ظارب، وما العامل في (مجردةً)؟ هو اسم الفاعل أيضاً. إذن اتحدا أو لا؟ اتحدا. إذا كان المضاف يعملُ عمل الفعل صح مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف إليه يكونُ معمولاً للمضاف، وكذلك الحالُ تكون معمولةً للمضاف، فاتحدا، وُجِد الشرط المذكور. كذلك "أعجبني قيام زيد مسرعاً"، قيامُ نقول: هذا مصدر، والمصدر حينئذٍ ينصِب ويرفَع، قيام زيد: مضاف ومضاف إليه، زيد: هذا مضاف إليه، مسرعاً: حال من زيد، ما المسوّغ مع أن الأصل المنع؟ نقول: لأن مُسرعاً هذا منصوب بقيام، وهو مصدر وهو يعمل عملَ الفعل؛ أجري مجرى الفعل، فيه رائحة الفعل، فيه معنى الفعل، فيعملُ، وزيدٍ هو معمول له. إذن "قيام" خفضَ زيد ونصبَ الحال، ومنه ((إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعَاً)) جَمِيعَاً هذا حال، ومَرْجِعُ هذا مصدر ميمي بمعنى الرجوع والقياس فتحُ عينه كمَذهَب، هذا الأصل، مرجِع هذا مما استثني، والأصل مَرجَع بفتح العين، كمَذهَب. تقُولُ ابْنَتِي إِنَّ انْطِلاقَكَ وَاحِدَاً ... إِلى الرَّوْعِ يَوْماً، تَارِكِي لاَ أَبالِيَا إنَّ انْطِلاَقَكَ وَاحِدَاً، وَاحِدَاً: حالٌ من الكاف، انْطِلاَقَكَ، انْطِلاَقَ: اسم إن، وهو مضاف والكاف مضاف إليه، وقولها: وَاحِدَاً: حال من الكاف فهو مضاف إليه. ما الذي سوّغَ مجيء الحال من المضاف إليه؟ نقول: كون المضافِ يجري مجرى الفعل، حينئذٍ نقول: يعملُ عملَ الفعل، فيكون هو الخافض للمضاف إليه، وهو الناصب للحال. إِلاَّ إِذَا اقْتَضى الْمُضَافُ عَمَلَهْ يعني: عمل الحال، يعني: نصب الحال، فإذا نصبَ المضاف الحال اتحدا، وإما إذا كان لا عملَ له "جاء غلام زيد مسرعاً"، مسرعاً هذا ما الناصب له؟ غلام؟ هذا لا ينصب؛ لأنه ليس فيه معنى الفعل فحينئذٍ نُعلّقه بجاء، وإذا علقناه بجاءَ افترقا، فلم يُوجَد الشرط، فانتهى المثال من أصله، يعني: لا يجوز. أَوْ هذه المسألة الثانية، كَانَ المضاف جُزْءَ مَالَهُ أُضِيفَا، يعني: المضاف والمضاف إليه باعتبار الجزئية والكلية أحدُهما جزءاً للآخر، "وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا", إِخْوَانًا: هذا حال من الضمير وهو المضاف إليه (فِي صُدُورِهِم)، هنا المضاف جُزءٌ حقيقي من المضاف إليه، صُدُورِهِم هم البشر كلهم، والصدور هذه بعض من المضاف إليه. إذا كان كذلك حينئذٍ صحَّ مجيء الحال من المضاف إليه.

стр. 1224

أَوْ كَانَ المضاف جُزْءَ مَالَهُ أُضِيفَا ما أُضيف له، جُزْءَ مَالَهُ أُضِيفَا الألف هذه للإطلاق، يعني: الجزء الذي أُضيف له مثل قوله تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا) فـ إِخْوَانًا: هذا حال من الضمير المضاف إليه (فِي صُدُورِهِم)، وصُدُورِ: هذا مضاف، وهو جزءٌ من المضاف إليه، جزءٌ حقيقي. أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ ليس جزءاً حقيقياً، وإنما مُنزّل منزَّلة الجزء، "ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا" مِلَّةَ: مضاف، وإِبْرَاهِيمَ: مضاف إليه، حَنِيفًا: حال من إبراهيم، ما العلاقة بين مِلّة وإبراهيم؟ كذلك جزئية؛ لأنّ الدين جزءٌ من الشخص نفسه، وإن لم يكن جُزءاً حقيقياً، فنزّل منزَّلة الجزء، ولذلك ضابطُه أنه يصحّ الاستغناء عنه، فلو قيلَ في غير القرآن: ثم أوحينا إليك أن اتبع إبراهيم حنيفاً صحّ، إذن نقول: مثلُ الجزء ضابطُه أن يصح الاستغناء عن المضاف ثم يسلكُ التركيب مع المضاف إليه، هذه ثلاث صور استثناها الناظم من الأصل، وهو القاعدة المطردة عدمُ جواز مجيء الحال من المضاف إليه إلا إذا كان المضاف يعملُ، أُجري مجرى الفعل كاسم الفاعل واسم المفعول والمصدر. أو كان المضاف جزءاً حقيقياً من المضاف إليه، أو كان المضاف مثلَ الجزء وهو ما صحّ الاستغناء عنه به. قال أبو حيان في الصورتين الثانية والثالثة: الأولى مُتفق عليها بين النحاة، وأما الصورة الثانية وهي أَوْ كَانَ جُزْءَ مَالَهُ أُضِيفَا ... أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ قال: لم يسبق المصنف إلى ذكرهما أحدٌ، يعني: هذا الاستثناء باطل من أصله عند أبي حيان، فتبقى الصورة الأولى هي المتفق عليها، والثانية والثالثة هذه محلّ نظر؛ إذ لم يستثنهما أحدٌ قبل المصنف. قال السيوطي: قد نقلَهما المصنف في فتاواه عن الأخفش، وقد تَبعه عليها جماعة. المراد من هذا أن الصورة الثانية والثالثة محلّ نزاع بين النحاة؛ حتى أنكرَ أبو حيان أن يكون أحدٌ قال بهما قبلَ المصنف، وإلا الأصل يبقى على المنع. وَلاَ تُجِزْ حَالاً مِنَ الْمُضَافِ لَهْ أي: إليه.

стр. 1225

إذن البيتان هذان في مجيء الحال من المضاف إليه، الأصل فيه المنع، إِلاَّ هذا استثناء، إِذَا اقْتَضَى أي طلب، الْمُضَافُ عَمَلَهْ يعني عمل الحال وهو النصب، أَوْ كَانَ جُزْءَ أو كان المضاف جزء مَالَهُ أُضِيفَا يعني: المضاف جزء من المضاف إليه، مَالَهُ أُضِيفَا، مَالَهُ اللام هنا بمعنى إلى، ما أُضيف إليه، وحينئذٍ صار المضافُ جزءاً من المضاف إليه، أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ وهو ما يصحُّ الاستغناء به عنه، فَلاَ تَحِيفَا أي: لا تمل إلى عن ذلك إلى زيادة عليه أو نقص عنه، لا تزد على هذه الثلاث المسائل ولا تنقص؛ كما نقص أبو حيان. وإنما جاز مجيءُ الحال من المضاف إليه في هذه المسائل الثلاث لوجود الشرط المذكور وهو: اتحاد العامل في صاحب الحال مع الحال، عاملهما واحد، في المسألة الأولى واضح، قيامُ زيدٍ مسرعاً، واضح، أما الثاني والثالث ففيها نوع إشكال. أما في الأولى فواضح، وأما في الأخريتين فلأن العامل في الحال عاملٌ في صاحبها حُكماً، العامل في الحال عامل في صاحبها حكماً. إذا كان المضاف إليه والحالةُ هذه في قوّة الساقط لصحة الاستغناء عنه بصاحب الحال وهو المضاف إليه، يعني: في الصورة الثانية والثالثة لما كانَ المضاف جُزءاً من المضاف إليه أو كالجزء صحّ الاستغناء عن المضاف، وإذا صحّ الاستغناء عن المضاف صارَ العاملُ في المضاف إليه هو العامل في المضاف، وإذا كان كذلك صارَ هو العامل في الحال والله أعلم. إذن: فَلاَ تَحِيفَا هذا مأخوذ من الحيف، فَلاَ تَحِيفَا الألف هذه للإطلاق، وهو تَتميمٌ للبيت، وعلى كل فالمسالة فيها نزاع. قال ابن عقيل: فإن لم يكن المضاف مما يصحّ أن يعمل في الحال ولا هو جزء من المضاف إليه ولا مثل جُزئه حينئذٍ لم يجز أن يجيء الحال منه، فلا تقل: "جاء غلام هند ضاحكةً"، لا يصحّ، خلافاً للفارسي، وقولُ ابن المصنف رحمه الله تعالى: إن هذه الصورة ممنوعة بلا خلاف ليس بجيد، فإن مذهبَ الفارسي جوازُها كما تقدم، وممن نقله عنه الشريف أبو السعادات ابن الشجري في أماليه. وَالْحَالُ إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا ... أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا فَجَائِزٌ تَقْدِيْمُهُ كَمُسْرِعَا ... ذَا رَاحِلٌ وَمُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا هنا الكلامُ في عامل الحال مع اعتبارِ الحال، في السابق: وَسَبْقَ حَالٍ هل يجوزُ أن تتقدّمَ الحال على صاحبها دون العامل؟ والكلامُ الآن في تقدُّمها على العامل؛ هل يجوز أو لا؟ عامل الحال إما أن يكون فعلاً مطلقاً سواءٌ كان متصرفاً أو لا، وقد يكون شِبهَ فعل مطلقاً سواءٌ كان مُتصرّفاً أو لا، أو ما فيه معنى الفعل دون حروفه. هذه ثلاثة أنواع للعامل. ثم الأول الفعل قد يكون مُتصرّفاً وقد لا يكون، والصفة قد تكون مُتصرّفة، وقد لا تكون، وما كان فيه معنى الفعل دون حروفه هذا فيه تفصيل آتي. وَالْحَالُ إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا ... أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا فَجائِزٌ تَقْدِيْمُهُ ................

стр. 1226

إذن متى يجوزُ تقديم الحال على العامل؟ ليسَ الكلام في صاحب الحال, صاحب الحال أشارَ إليه بقوله: وَسَبْقَ حَالٍ مَا بِحَرْفٍ جُرَّ قَدْ أَبَوْا, فالمرفوع والمنصوب جائزٌ تقديمهما باتفاق على الخلاف السابق، وهنا الكلامُ في الحال وتقديمه على العامل نفسه. قال: َالْحَالُ إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا هذا الشرط الأول، أن يكون الفعل مُتصرِّفاً بمعنى أنه يأتي منه الماضي والمضارع والأمر، هذا المراد بالمتصرّف هنا، وغير المتصرّف هو الذي يلزمُ لفظ الماضي فحسب. أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا إذن هذا قيد أخرجَ الصفة التي لم تُشبه المصرف، إن كان العامل واحداً من هذين، فَجائِزٌ تَقْدِيْمُه، أي؛ تقديمُ الحال على العامل، ولذلك قال: كَمُسْرِعَا ذَا رَاحِلٌ، ذَا: مبتدأ؛ اسمُ إشارة، رَاحِلٌ: خبر وهو اسم فاعل وهو صِفَةٌ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا يعني: تتصرّف؛ لأنها باعتبار الأصل، والتصريف المراد به هنا في الصفة أن تقبلَ العلامات الفرعية، يعني: تُؤنث وتُثنى وتُجمع، ويقال: راحلةٌ وراحلان وراحلون. إذن هي مُتصرّفة، ومُسْرِعَاً هذا حال من الفاعل المستتر في رَاحِلٌ, رَاحِلٌ هو، رَاحِلٌ اسم فاعل، يرفعُ فاعلاً وهو ضمير مستتر، مُسْرِعَا: هذا حال منه، والأصل: ذا راحل مسرعاً؛ حالة كونه مسرعاً، فمُسرعا: حال من الضمير المستتر. لكون العامل راحلاً وهو صفة متصرفة جاز تقديمها على العامل؛ فقيل: مُسرِعاً ذا راحل. وَمُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا الأصل "زيد دعا -يعني ربه- مخلصاً"، فمُخْلِصًا هذا حال من الفاعل في دعا، مُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا، زيد دعا ربه مخلصاً، مُخْلِصًا هذا حال من الفاعل المستتر، زيدٌ مبتدأ، ودعا هذا الجملة خبر، والفاعلُ ضمير مُستتر يعودُ على زيد، وَمُخْلِصًا هذا حال، والمفعول به محذوف –ربه-, لمّا كان دعا فعل ماضي مُتصرّف جازَ تقديم الحال على العامل فقيل: مخلِصاً زيدٌ دعا، وهاتان الصورتان تحتَهما صورتان؛ لأنه إذا قيل: ذا راحل مسند ومسند إليه .. جملة تامة، لكونِ العامل صفة مُتصرّفة جاز تقديم الحال عليها وعلى المسند إليه؛ الذي أُسندت إليه الصفة، أسندت لـ"ذا" فمن بابٍ أولى أن تتقدّمَ على الصفة دون المسند إليه؛ فيشمل قوله: "مُسْرِعاً ذَا رَاحِلٌ"، يشمل أيضا "ذا مسرعا راحل"من بابٍ أولى؛ لأنها إذا تقدّمت على "ذا" وهو مبتدأ، فمن بابٍ أولى أن تتقدم على العامل فقط دون المبتدأ، داخِل تحته صورتان، كذلك " مُخْلِصًا زَيْدٌ دعَا"، زيد: مبتدأ، ودعا: الجملة خبر، ما دام أنه جُوِّزَ تقديم الحال على المبتدأ المسند إليه، ودعا جُملة هي مسند، فمن بابٍ الأولى أن يُفصَل بين الخبر والمبتدأ، فيُقال: "زيد مخلصاً دعا"، أيّهما أبعد وأيهما أقرب؟ " مُخْلِصًا زَيْدٌ دعَا" أبعد، فإذا جازت هذه فمن بابٍ أولى وأحرى أن يجاز "زيد مخلصاً دعا"، وإذا جاز "مسرعاً ذا راحل" فمن بابٍ أولى وأحرى أن يُقال: "ذا مسرعاً راحلٌ". وَالْحَالُ إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا ... أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا فَجَائِزٌ تَقْدِيْمُهُ كَمُسْرِعَا ... ذَا رَاحِلٌ وَمُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا

стр. 1227

والبيتان تحتاج إلى مزيد شرح سنتناوله إن شاء الله تعالى. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 1228

عناصر الدرس * حالات الحال مع عامله من حيث التقديم والتأخير , وأنواع عامله * تعدد الحال وصاحبها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: وَالْحَالُ إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا ... أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا فَجَائِزٌ تَقْدِيْمُهُ كَمُسْرِعَا ... ذَا رَاحِلٌ وَمُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا هذان البيتان أراد الناظم رحمه الله تعالى أن يبين علاقة الحال مع عامل الحال، سبق قوله: وَسَبْقَ حَالٍ مَا بِحَرْفٍ جُرَّ قَدْ ... أَبَوْا وَلاَ أَمْنَعُهُ فَقَدْ وَرَدْ ذلك البيت تضمّنَ بيان الحال مع صاحب الحال، ولا يجوزُ إذا كان صاحب الحال مرفوعاً أو منصوباً أن تتقدّم الحال على الصاحب دون العامل، نقول: جاء ضاحكاً زيدٌ، هنا تقدمت الحال على صاحبها وهو مرفوع، وهو جائزٌ باتفاق، فتقول: رأيتُ ضاحكاً زيداً، تقدّمت الحال على صاحبها وهو منصوب، وهو جائز باتفاق, بقيَ حالان، وهما ما إذا كانت الحال مخفوضةً إما بحرف جرّ وإما بإضافة، وما كان مخفوضاً بإضافة إما أن يكون مخفوضاً بإضافةً، وهي التي تُسمى المحضة المعنوية، وإما أن تكون الإضافة لفظية، المعنوية محلّ إجماع أنه لا يجوزُ أن يتقدم الحال على المضاف، ولا أن يتوسّط بين المضاف والمضاف إليه، وأما إذا كانت لفظية ففيها نزاع؛ لأنها على نيّة الانفصال، فالمضاف إليه في نيّة أنه مفعولٌ به، هذا الأصل. وأمّا المجرور بحرف جرّ فهذا قلنا: فيه نزاع، الأكثرُ على المنع، وذهب ابنُ مالك إلى الجواز، وهو الظاهر أنه يجوز، حينئذٍ على رأي الجمهور لا يصحّ أن يُقال: مررتُ ضاحكاً بزيدٍ، مررت بزيدٍ ضاحكاً هذا واجب التأخير، وأما مررتُ ضاحكاً بزيد فهذا ممنوع عند الجمهور، وجائز عند الإمام ابن مالك رحمه الله تعالى وغيره، حينئذٍ نقول: هذا النوع فيه نزاع. وأما صاحب الحال إذا كان مرفوعاً أو منصوباً فهما جائزان باتفاق، هنا الكلام في الحال مع العامل؛ هل يجوزُ أن تتقدّمَ الحال على العامل أو لا؟ هذه الحال مع عاملها على ثلاثة أقسام: واجب التقديم عليه وواجب التأخير عنه وجائزهما، جائزٌ أن يتقدّمَ وجائز أن يتأخّرَ، وهذا هو الأصل؛ لأن الأصل في هذه المسائل هو جواز التقديم والتأخير، لأن الشأن هنا كشأن الخبر مع المبتدأ، وهناك الأصل في الخبر أن يتقدَّمَ على المبتدأ إلا لمانع، حينئذٍ يُلتزَم إما التقديم وإما التأخير، وإلا الأصل هو الجواز. وهنا أُلحِق الحال بالخبر من حيث التقديم والتأخير، يجبُ تقديمُ الحال فيما إذا كان لها صدرُ الكلام، كيف جاء زيد؟ نقول: هذا واجب ولم يتعرّض له الناظم، إنما ذكرَ التقديم والتأخير، وتركَ القسم الثالث وهو وجوبُ تقديمه، وذلك فيما إذا كان له صدرُ الكلام ككيف، إذا جاءت حالاً، حينئذٍ وجبَ أن تتقدّم، جاء زيد كيف! هذا الأصل، جاء فعل، وزيد فاعل، وكيف حال من الفاعل، لكن لما كانت (كيفَ) لها صدر الكلام وجب تقديمها على عاملها.

стр. 1229

إذن هذا أول قسمٍ، وهو وجوب تقديم الحال على العامل، وذلك فيما إذا كان الحال لها صدرُ الكلام، ومثّلَ له بهذا المثال فقط: كيف جاء زيد؟ وأما ما أشارَ إليه هنا الناظم: وَالْحَالُ إِنْ يُنْصَبْ .. إلخ، فالمرادُ به جوازُ الوجهين التقديم والتأخير، لكنه ليسَ على إطلاقه بل مُقيّد بضوابط. وَالْحَالُ إنْ يُنْصَبْ هو لا بد من نصبه، لا يكون إلا منصوباً، لكن أرادَ بهذا أن يمهِّد للفعل للعامل، إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا الألف للإطلاق، أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا الألف للإطلاق، فَجَائِزٌ تَقْدِيْمُه يعني: تقديمه جائز, جَائِزٌ هذا خبر مقدّم، وتَقْدِيْمُه مُبتدأ مؤخّر. وعلى مذهب الكوفيين جَائِزٌ مبتدأ، وتَقْدِيْمُه فاعل سدَّ مسدَ الخبر. " فَائِزٌ أُولُو الرَّشَدْ" هذا مثله، لكن نقول بالتقديم والتأخير؛ لأنه لم يعتمد على نفيٍ أو استفهام. إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا، التصريف في الفعل .. إذا كان الفعل متصرفاً هو ما استُعمِلَ منه الماضي والمضارع والأمر، يُقال فيه: فعل مُتصرِّف، الفعل من حيث التصرّف وعدمه ينقسم إلى قسمين: فعل جامد وهو ما لزِمَ لفظَ الماضي يعني: لم يأتِ منه مضارع ولا أمر كنعم وبئسَ وليسَ وعسى، نقول: هذه التزمتْ حالة واحدة وهي كونها ماضي، ولم يُسمَع لها مضارع ولا أمر، نصفُ هذا بكونه جامداً، كذلك أفعل التعجب، وأفعِلْ به، ما أحسن زيداً، هذه غير متصرفة جامدة، والمتصرّف هو ما سُمِع منه المضارع أو الأمر ثم سائر المشتقات، وهذا النوع على نوعين: إما أن يكون مُتصرّفاً تاماً، وإما إن يكون مُتصرّفاً ناقصاً. المتصرّفُ التام في المشهور عندهم ما جاء منه المضارع والأمر، الأفعال الثلاثة، ويُقال فيه: مُتصرّف تام، ثم يُزاد عليه أن يُؤتى منه باسم الفاعل واسم المفعول أفعل التفضيل، الصفة المشبهة .. صيغة المبالغة، كلما زاد من هذه قلنا: هذا زيادة في التصرف، وإذا كان استُعمِل منه الأمر فقط مع الماضي أو المضارع مع الماضي ولم يُستعمَل منه أمرٌ حينئذٍ نقول: هذا مُتصرِّف، لكنه ناقصُ التصرف. هنا قال: إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا أطلقَ التصريف فيشمل المتصرف تصرفاً تاماً والمتصرف تصرُّفاً ناقصاً. إذن يكون احترزَ به عن الجامد، فالجامدُ لا يجوزُ أن تتقدّمَ الحال على العامل، إذا عمِلَ الفعل الجامد في حال حينئذٍ التزمت التأخير، فلا يجوزُ أن تتقدّم؛ لأنه علق الحكم هنا بالفعل المتصرف ولو تصرّفاً ناقصاً. أَوْ هذا للتنويع، صِفَةٍ معطوف على فعل، بِفِعْلٍ هذا جار ومجرور متعلق بقوله: يُنْصَبْ، وصُرِّفَا هذه الجملة صُرِّفَا مغير الصيغة، والضمير نائب الفاعل مستتر، والجملة في محلّ جرّ صفة لفعل، بِفِعْلٍ مُتصرّفٍ نؤولها بالمفرد، أَوْصِفَةٍ معطوف على فِعْلٍ، يعني: أو بصفة.

стр. 1230

كذلك الصفة قال هنا: أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا الألف للإطلاق، يعني: أشبهت الفعلَ المصرفا، يعني: الفعل المتصرف، والصفة التي أشبهت الفعل المتصرّف في هذا المقام هنا وفي غيره يأتي في أبوابه .. المراد بها ما تضمّنَ معنى الفعل وحروفه؛ لأن العاملَ قد يكون عامِلاً لفظياً، وهذا فيما إذا كان في الفرع، يعني: في الفروع. إذا كانت صفة إما أنها تتضمّنَ معنى الفعل وحروفه، وإما أن تتضمّنَ معنى الفعل دونَ حروفه. نوعان الصفة، يعني: ما كان مُتضمّناً، العامل في الحال قد يكون مُتضمّناً لمعنى الفعل دون حروفه، وهذا سيأتي: وَعَامِلٌ ضُمِّنَ مَعْنَى الْفِعْلِ لاَ كَتِلْكَ ......................... ... حُرُوفَهُ ................. ................................... كَتِلْكَ, تلك هند مجرّدةً أو مسرّعةً، نقول: تلك هو العامل في الحال؛ ما نوعه؟ نقول: هذا تضمّنَ معنى الفعل وهو (أشير) دون حروفه، فحينئذٍ العاملُ هنا نقول: في المعنى هو صفة، في المعنى لا في اللفظ؛ لماذا؟ لكونه أشبهَ الفعل، أشبهَ الفعل من أي جهة؟ مِن حيث المعنى، وأما الحروف فلم يتضمّن حروف الفعل. نَزالِ مُسرعاً، نزالِ: اسم فعل، أشبهَ الفعلَ في المعنى وفي اللفظ، لماذا في المعنى؟ لأنه بمعنى انزِل، وكذلك في اللفظ؛ لأنه اشتملَ على حروف فعل الأمر وهو انزل، حينئذٍ نقول: هذا نزالِ أشبهَ الفعلَ في المعنى وفي الحروف. إذن العاملُ قد يكون معنوياً محضاً، والمراد به أنه ما تضمّنَ معنى الفعل دون حروفه، وقد يكون مُتضمِّناً لمعنى الفعل والحروف معاً. هنا أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا يعني أشبهت الفعل المصرفا، وهي ما تضمّنَ معنى الفعل وحروفه، أخرجَ ما تضمّنَ معنى الفعل فقط دون حروفه، وهذا سينصُّ عليه أنه لا يجوزُ أن تتقدّم الحال عليه، زيادة على ذلك أنها دلّت على معنى الفعل ولم تقبل حروفَه .. زيادة على ذلك أنها تقبلُ علامات الفرعية، ويقصدون بعلامات الفرعية هنا يعني الدالة على الفرعية كالتثنية والجمع والتأنيث، هذه فروع ليست أصولاً، التأنيث فرعُ التذكير، والتثنية فرعُ الإفراد، والجمع كذلك فرعُ الإفراد. إذن هذه علامات فرعية، تدلُّ على الفرعية لا على الأصول، وأما الأصلُ فهو التذكير وهو الإفراد سواءٌ كان في التثنية والجمع، والمراد هنا بالقبول أنها تقبلُ قبولاً مطلقاً، يعني: هذه الصفة المشبّهة يُشترَط فيها أمران: الأول أن تكون مُتضمّنة لمعنى الفعل وحروفه، ثانياً: أن تقبلَ علامات الفرعية مُطلقاً، يعني: غير مُقيّدة، لا بوقت دون وقت، وهذا احترازٌ من أفعل التفضيل، أفعل التفضيل لا تقبل علامات الفرعية إلا إذا دخلت عليها (أل) أو أضيفت، وإذا لم تدخل عليها (أل) أو تضف حينئذٍ لزمت الإفراد.
следующие страницы →