Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
إذن متى يجوزُ تقديم الحال على العامل؟ ليسَ الكلام في صاحب الحال, صاحب الحال أشارَ إليه بقوله: وَسَبْقَ حَالٍ مَا بِحَرْفٍ جُرَّ قَدْ أَبَوْا, فالمرفوع والمنصوب جائزٌ تقديمهما باتفاق على الخلاف السابق، وهنا الكلامُ في الحال وتقديمه على العامل نفسه.
قال: َالْحَالُ إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا هذا الشرط الأول، أن يكون الفعل مُتصرِّفاً بمعنى أنه يأتي منه الماضي والمضارع والأمر، هذا المراد بالمتصرّف هنا، وغير المتصرّف هو الذي يلزمُ لفظ الماضي فحسب. أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا إذن هذا قيد أخرجَ الصفة التي لم تُشبه المصرف، إن كان العامل واحداً من هذين، فَجائِزٌ تَقْدِيْمُه، أي؛ تقديمُ الحال على العامل، ولذلك قال: كَمُسْرِعَا ذَا رَاحِلٌ، ذَا: مبتدأ؛ اسمُ إشارة، رَاحِلٌ: خبر وهو اسم فاعل وهو صِفَةٌ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا يعني: تتصرّف؛ لأنها باعتبار الأصل، والتصريف المراد به هنا في الصفة أن تقبلَ العلامات الفرعية، يعني: تُؤنث وتُثنى وتُجمع، ويقال: راحلةٌ وراحلان وراحلون.
إذن هي مُتصرّفة، ومُسْرِعَاً هذا حال من الفاعل المستتر في رَاحِلٌ, رَاحِلٌ هو، رَاحِلٌ اسم فاعل، يرفعُ فاعلاً وهو ضمير مستتر، مُسْرِعَا: هذا حال منه، والأصل: ذا راحل مسرعاً؛ حالة كونه مسرعاً، فمُسرعا: حال من الضمير المستتر. لكون العامل راحلاً وهو صفة متصرفة جاز تقديمها على العامل؛ فقيل: مُسرِعاً ذا راحل.
وَمُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا الأصل "زيد دعا -يعني ربه- مخلصاً"، فمُخْلِصًا هذا حال من الفاعل في دعا، مُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا، زيد دعا ربه مخلصاً، مُخْلِصًا هذا حال من الفاعل المستتر، زيدٌ مبتدأ، ودعا هذا الجملة خبر، والفاعلُ ضمير مُستتر يعودُ على زيد، وَمُخْلِصًا هذا حال، والمفعول به محذوف –ربه-, لمّا كان دعا فعل ماضي مُتصرّف جازَ تقديم الحال على العامل فقيل: مخلِصاً زيدٌ دعا، وهاتان الصورتان تحتَهما صورتان؛ لأنه إذا قيل: ذا راحل مسند ومسند إليه .. جملة تامة، لكونِ العامل صفة مُتصرّفة جاز تقديم الحال عليها وعلى المسند إليه؛ الذي أُسندت إليه الصفة، أسندت لـ"ذا" فمن بابٍ أولى أن تتقدّمَ على الصفة دون المسند إليه؛ فيشمل قوله: "مُسْرِعاً ذَا رَاحِلٌ"، يشمل أيضا "ذا مسرعا راحل"من بابٍ أولى؛ لأنها إذا تقدّمت على "ذا" وهو مبتدأ، فمن بابٍ أولى أن تتقدم على العامل فقط دون المبتدأ، داخِل تحته صورتان، كذلك " مُخْلِصًا زَيْدٌ دعَا"، زيد: مبتدأ، ودعا: الجملة خبر، ما دام أنه جُوِّزَ تقديم الحال على المبتدأ المسند إليه، ودعا جُملة هي مسند، فمن بابٍ الأولى أن يُفصَل بين الخبر والمبتدأ، فيُقال: "زيد مخلصاً دعا"، أيّهما أبعد وأيهما أقرب؟ " مُخْلِصًا زَيْدٌ دعَا" أبعد، فإذا جازت هذه فمن بابٍ أولى وأحرى أن يجاز "زيد مخلصاً دعا"، وإذا جاز "مسرعاً ذا راحل" فمن بابٍ أولى وأحرى أن يُقال: "ذا مسرعاً راحلٌ".
وَالْحَالُ إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا ... أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا
فَجَائِزٌ تَقْدِيْمُهُ كَمُسْرِعَا ... ذَا رَاحِلٌ وَمُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا
стр. 1227
والبيتان تحتاج إلى مزيد شرح سنتناوله إن شاء الله تعالى.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1228
عناصر الدرس
* حالات الحال مع عامله من حيث التقديم والتأخير , وأنواع عامله
* تعدد الحال وصاحبها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَالْحَالُ إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا ... أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا
فَجَائِزٌ تَقْدِيْمُهُ كَمُسْرِعَا ... ذَا رَاحِلٌ وَمُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا
هذان البيتان أراد الناظم رحمه الله تعالى أن يبين علاقة الحال مع عامل الحال، سبق قوله:
وَسَبْقَ حَالٍ مَا بِحَرْفٍ جُرَّ قَدْ ... أَبَوْا وَلاَ أَمْنَعُهُ فَقَدْ وَرَدْ
ذلك البيت تضمّنَ بيان الحال مع صاحب الحال، ولا يجوزُ إذا كان صاحب الحال مرفوعاً أو منصوباً أن تتقدّم الحال على الصاحب دون العامل، نقول: جاء ضاحكاً زيدٌ، هنا تقدمت الحال على صاحبها وهو مرفوع، وهو جائزٌ باتفاق، فتقول: رأيتُ ضاحكاً زيداً، تقدّمت الحال على صاحبها وهو منصوب، وهو جائز باتفاق, بقيَ حالان، وهما ما إذا كانت الحال مخفوضةً إما بحرف جرّ وإما بإضافة، وما كان مخفوضاً بإضافة إما أن يكون مخفوضاً بإضافةً، وهي التي تُسمى المحضة المعنوية، وإما أن تكون الإضافة لفظية، المعنوية محلّ إجماع أنه لا يجوزُ أن يتقدم الحال على المضاف، ولا أن يتوسّط بين المضاف والمضاف إليه، وأما إذا كانت لفظية ففيها نزاع؛ لأنها على نيّة الانفصال، فالمضاف إليه في نيّة أنه مفعولٌ به، هذا الأصل. وأمّا المجرور بحرف جرّ فهذا قلنا: فيه نزاع، الأكثرُ على المنع، وذهب ابنُ مالك إلى الجواز، وهو الظاهر أنه يجوز، حينئذٍ على رأي الجمهور لا يصحّ أن يُقال: مررتُ ضاحكاً بزيدٍ، مررت بزيدٍ ضاحكاً هذا واجب التأخير، وأما مررتُ ضاحكاً بزيد فهذا ممنوع عند الجمهور، وجائز عند الإمام ابن مالك رحمه الله تعالى وغيره، حينئذٍ نقول: هذا النوع فيه نزاع. وأما صاحب الحال إذا كان مرفوعاً أو منصوباً فهما جائزان باتفاق، هنا الكلام في الحال مع العامل؛ هل يجوزُ أن تتقدّمَ الحال على العامل أو لا؟ هذه الحال مع عاملها على ثلاثة أقسام: واجب التقديم عليه وواجب التأخير عنه وجائزهما، جائزٌ أن يتقدّمَ وجائز أن يتأخّرَ، وهذا هو الأصل؛ لأن الأصل في هذه المسائل هو جواز التقديم والتأخير، لأن الشأن هنا كشأن الخبر مع المبتدأ، وهناك الأصل في الخبر أن يتقدَّمَ على المبتدأ إلا لمانع، حينئذٍ يُلتزَم إما التقديم وإما التأخير، وإلا الأصل هو الجواز.
وهنا أُلحِق الحال بالخبر من حيث التقديم والتأخير، يجبُ تقديمُ الحال فيما إذا كان لها صدرُ الكلام، كيف جاء زيد؟ نقول: هذا واجب ولم يتعرّض له الناظم، إنما ذكرَ التقديم والتأخير، وتركَ القسم الثالث وهو وجوبُ تقديمه، وذلك فيما إذا كان له صدرُ الكلام ككيف، إذا جاءت حالاً، حينئذٍ وجبَ أن تتقدّم، جاء زيد كيف! هذا الأصل، جاء فعل، وزيد فاعل، وكيف حال من الفاعل، لكن لما كانت (كيفَ) لها صدر الكلام وجب تقديمها على عاملها.
стр. 1229
إذن هذا أول قسمٍ، وهو وجوب تقديم الحال على العامل، وذلك فيما إذا كان الحال لها صدرُ الكلام، ومثّلَ له بهذا المثال فقط: كيف جاء زيد؟ وأما ما أشارَ إليه هنا الناظم: وَالْحَالُ إِنْ يُنْصَبْ .. إلخ، فالمرادُ به جوازُ الوجهين التقديم والتأخير، لكنه ليسَ على إطلاقه بل مُقيّد بضوابط. وَالْحَالُ إنْ يُنْصَبْ هو لا بد من نصبه، لا يكون إلا منصوباً، لكن أرادَ بهذا أن يمهِّد للفعل للعامل، إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا الألف للإطلاق، أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا الألف للإطلاق، فَجَائِزٌ تَقْدِيْمُه يعني: تقديمه جائز, جَائِزٌ هذا خبر مقدّم، وتَقْدِيْمُه مُبتدأ مؤخّر. وعلى مذهب الكوفيين جَائِزٌ مبتدأ، وتَقْدِيْمُه فاعل سدَّ مسدَ الخبر. " فَائِزٌ أُولُو الرَّشَدْ" هذا مثله، لكن نقول بالتقديم والتأخير؛ لأنه لم يعتمد على نفيٍ أو استفهام.
إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا، التصريف في الفعل .. إذا كان الفعل متصرفاً هو ما استُعمِلَ منه الماضي والمضارع والأمر، يُقال فيه: فعل مُتصرِّف، الفعل من حيث التصرّف وعدمه ينقسم إلى قسمين: فعل جامد وهو ما لزِمَ لفظَ الماضي يعني: لم يأتِ منه مضارع ولا أمر كنعم وبئسَ وليسَ وعسى، نقول: هذه التزمتْ حالة واحدة وهي كونها ماضي، ولم يُسمَع لها مضارع ولا أمر، نصفُ هذا بكونه جامداً، كذلك أفعل التعجب، وأفعِلْ به، ما أحسن زيداً، هذه غير متصرفة جامدة، والمتصرّف هو ما سُمِع منه المضارع أو الأمر ثم سائر المشتقات، وهذا النوع على نوعين: إما أن يكون مُتصرّفاً تاماً، وإما إن يكون مُتصرّفاً ناقصاً. المتصرّفُ التام في المشهور عندهم ما جاء منه المضارع والأمر، الأفعال الثلاثة، ويُقال فيه: مُتصرّف تام، ثم يُزاد عليه أن يُؤتى منه باسم الفاعل واسم المفعول أفعل التفضيل، الصفة المشبهة .. صيغة المبالغة، كلما زاد من هذه قلنا: هذا زيادة في التصرف، وإذا كان استُعمِل منه الأمر فقط مع الماضي أو المضارع مع الماضي ولم يُستعمَل منه أمرٌ حينئذٍ نقول: هذا مُتصرِّف، لكنه ناقصُ التصرف.
هنا قال: إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا أطلقَ التصريف فيشمل المتصرف تصرفاً تاماً والمتصرف تصرُّفاً ناقصاً. إذن يكون احترزَ به عن الجامد، فالجامدُ لا يجوزُ أن تتقدّمَ الحال على العامل، إذا عمِلَ الفعل الجامد في حال حينئذٍ التزمت التأخير، فلا يجوزُ أن تتقدّم؛ لأنه علق الحكم هنا بالفعل المتصرف ولو تصرّفاً ناقصاً. أَوْ هذا للتنويع، صِفَةٍ معطوف على فعل، بِفِعْلٍ هذا جار ومجرور متعلق بقوله: يُنْصَبْ، وصُرِّفَا هذه الجملة صُرِّفَا مغير الصيغة، والضمير نائب الفاعل مستتر، والجملة في محلّ جرّ صفة لفعل، بِفِعْلٍ مُتصرّفٍ نؤولها بالمفرد، أَوْصِفَةٍ معطوف على فِعْلٍ، يعني: أو بصفة.
стр. 1230
كذلك الصفة قال هنا: أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا الألف للإطلاق، يعني: أشبهت الفعلَ المصرفا، يعني: الفعل المتصرف، والصفة التي أشبهت الفعل المتصرّف في هذا المقام هنا وفي غيره يأتي في أبوابه .. المراد بها ما تضمّنَ معنى الفعل وحروفه؛ لأن العاملَ قد يكون عامِلاً لفظياً، وهذا فيما إذا كان في الفرع، يعني: في الفروع. إذا كانت صفة إما أنها تتضمّنَ معنى الفعل وحروفه، وإما أن تتضمّنَ معنى الفعل دونَ حروفه. نوعان الصفة، يعني: ما كان مُتضمّناً، العامل في الحال قد يكون مُتضمّناً لمعنى الفعل دون حروفه، وهذا سيأتي:
وَعَامِلٌ ضُمِّنَ مَعْنَى الْفِعْلِ لاَ
كَتِلْكَ ......................... ... حُرُوفَهُ .................
...................................
كَتِلْكَ, تلك هند مجرّدةً أو مسرّعةً، نقول: تلك هو العامل في الحال؛ ما نوعه؟ نقول: هذا تضمّنَ معنى الفعل وهو (أشير) دون حروفه، فحينئذٍ العاملُ هنا نقول: في المعنى هو صفة، في المعنى لا في اللفظ؛ لماذا؟ لكونه أشبهَ الفعل، أشبهَ الفعل من أي جهة؟ مِن حيث المعنى، وأما الحروف فلم يتضمّن حروف الفعل. نَزالِ مُسرعاً، نزالِ: اسم فعل، أشبهَ الفعلَ في المعنى وفي اللفظ، لماذا في المعنى؟ لأنه بمعنى انزِل، وكذلك في اللفظ؛ لأنه اشتملَ على حروف فعل الأمر وهو انزل، حينئذٍ نقول: هذا نزالِ أشبهَ الفعلَ في المعنى وفي الحروف. إذن العاملُ قد يكون معنوياً محضاً، والمراد به أنه ما تضمّنَ معنى الفعل دون حروفه، وقد يكون مُتضمِّناً لمعنى الفعل والحروف معاً. هنا أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا يعني أشبهت الفعل المصرفا، وهي ما تضمّنَ معنى الفعل وحروفه، أخرجَ ما تضمّنَ معنى الفعل فقط دون حروفه، وهذا سينصُّ عليه أنه لا يجوزُ أن تتقدّم الحال عليه، زيادة على ذلك أنها دلّت على معنى الفعل ولم تقبل حروفَه .. زيادة على ذلك أنها تقبلُ علامات الفرعية، ويقصدون بعلامات الفرعية هنا يعني الدالة على الفرعية كالتثنية والجمع والتأنيث، هذه فروع ليست أصولاً، التأنيث فرعُ التذكير، والتثنية فرعُ الإفراد، والجمع كذلك فرعُ الإفراد. إذن هذه علامات فرعية، تدلُّ على الفرعية لا على الأصول، وأما الأصلُ فهو التذكير وهو الإفراد سواءٌ كان في التثنية والجمع، والمراد هنا بالقبول أنها تقبلُ قبولاً مطلقاً، يعني: هذه الصفة المشبّهة يُشترَط فيها أمران: الأول أن تكون مُتضمّنة لمعنى الفعل وحروفه، ثانياً: أن تقبلَ علامات الفرعية مُطلقاً، يعني: غير مُقيّدة، لا بوقت دون وقت، وهذا احترازٌ من أفعل التفضيل، أفعل التفضيل لا تقبل علامات الفرعية إلا إذا دخلت عليها (أل) أو أضيفت، وإذا لم تدخل عليها (أل) أو تضف حينئذٍ لزمت الإفراد.
стр. 1231
إذن: أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا نقول: هي ما تضمَّنَ معنى الفعل وحروفه وقبِلَ علامات الفرعية مُطلقاً، احترازاً مما قبِلَ علامات الفرعية في وقت دون وقت، وهو أفعلُ التفضيل، إذن أفعل التفضيل لا يجوزُ أن يتقدّمَ عليه الحال إلا فيما سيأتي من الاستثناء, فلا يرِدُ أفعل التفضيل عنده إنما يقبلها إذا عُرِّفَ بـ (أل) أو أضيف، وأما ما عدا ذلك فلا يقبلُ علامات الفرعية.
إذن أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا لا بد من هذين القيدين، هذان القيدان يصدقان على ثلاثة: اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة. هذه هي الصفة التي أشبهت الفعلَ المتصرّف في هذا المقام، وهي ما تضمّن معنى الفعل وحروفه وقبِلَ علامات الفرعية مُطلقاً بدون استثناء، يعني بدون قيد. فَجائِزٌ تَقْدِيْمُه، إذن إن يُنصَب فَجائِزٌ تَقْدِيْمُه علّقَ الحكمَ هنا جواز التقديم بما إذا كان العامل في الحال الفعل المتصرف والصفة التي أشبهت الفعل، والاحتراز بقوله: صُرِّفَا وأَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا مما كان العاملُ فيه فعلاً جامداً، وهذا واضحٌ من قوله: بِفِعْلٍ صُرِّفَا احترازاً من الفعل الجامد، نحو ما أحسنَه مُقبِلاً، مقبلاً: حال من المفعول؛ من الهاء، هل يجوزُ أن تتقدّم (مقبلاً) على (ما أحسن)؟ نقول: لا يجوز، لماذا؟ لأن صيغة التعجب غير متصرفة جامدة، وإذا كانت غير متصرفة فلا يُتصرّف في معمولها، وكلما -هذا مرَّ معنا- كلما قوِيَ العامل تُصرِّف في معموله بالتقديم والتأخير والحذف والذكر، وكلما ضَعُفَ امتنعَ من التصرّف من التقديم والتأخير والحذف، ومن العود عليه، حينئذٍ الفعل .. لذلك الفعل يتقدم عليه عامله دونَ تفصيل، زيداً ضربتُ، لكن أسماء الأفعال .. أسماء المفعولين لا، لا بدّ من شروط وقيود؛ لأنها ضعيفة، وإذا كان كذلك حينئذٍ ما كان على الأصل فيُتصرَّف فيه التصرف التام في معمولاته.
стр. 1232
إذن؛ الجامدُ لا تتقدّم عليه الحال، واحترز بقوله: بِفِعْلٍ صُرِّفَا منه. ما أحسنه مقبلاً، (مقبلاً) لا يجوز أن يتقدم على (أحسن)، ولا على (ما)؛ لأنه فعل جامد وهو غير متصرف، فلا يُتصرّف في معموله. أو صفة تشبهُ الجامد أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا، والصفة التي أشبهت الجامد، يعنون بها أفعل التفضيل .. اسم التفضيل، نحو هو أفصحُ الناسِ خطيباً، نقول: خطيباً هذا حال والعامل فيه أفصح، لا يجوزُ أن يتقدّم، مع كون أفصح هذا فيه معنى الفعل وحروفه، فصُحَ حينئذٍ نقول: هذا فيه معنى الفعل وحروفه، مع ذلك لا يتقدم؛ لكونه لم يقبل علامة الفرعية بإطلاق، فوُجِد فيه القيد الأول وهو كونه مُتضمّناً لمعنى الفعل مع حروفه، وبقيَ القيد الثاني وهو عدمُ قبول العلامات الفرعية مطلقاً؛ لأنه لا يقبلُ التأنيث والتثنية والجمع؛ إلا في حالين اثنين، وهما إذا حُلّي بـ (أل) أو أضيف، وما عداه فيلزمُ الإفراد؛ كذلك اسم الفعل، وهذا واضح لأنه قيده بفعل أو صفة، واسم الفعل ليس بفعلٍ ولا صفة، اسم الفعل مثل: نزالِ مسرعاً، نزالِ قلنا: فيه معنى الفعل وحروفه، حينئذٍ نقول: هل تتقدّم الحال عليه؟ هو ينصبُ الحال، ليس الكلام فيما ينصب الحال لا، اسمُ الفعل ينصب الحال، محلّ وفاق، نزالِ مسرعاً يعني: انزِلْ مسرعاً، وحينئذٍ نقول: مسرعاً: حال من الفاعل المستتر وجوباً في نزالِ، وهو اسمُ فعل، هل تتقدّمُ الحال عليه مسرعاً نزالِ؟ الجواب لا، لماذا؟ لأن ما جازَ تقديمه ما كان فعلاً مُتصرّفاً أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا، ونَزالِ اسم فعل ليس بفعل ولا بصفة، وحينئذٍ لا تتقدّم عليه الحال. أو عاملاً معنوياً، وهو ما تضمّنَ معنى الفعل دون حروفه، وهذا سينصُّ عليه الناظم:
وَعَامِلٌ ضُمِّنَ مَعْنَى الْفِعْلِ لاَ ... حُرُوفَهُ مُؤَخَّرَاً لَنْ يَعْمَلاَ
كَتِلْكَ لَيْتَ وَكَأَنَّ ... ... .......................................
وهذا كما سيأتي في البيت الآتي.
إذن: الفعلُ الجامد والصفة التي أشبهت الجامد واسم الفعل والعامل المعنوي هذا مما يلزمُ فيه تأخيرُ الحال، وهي ستّ مسائل سيأتي النص عليها.
وَالْحَالُ إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا ... أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا
أطلقَ الناظمُ هنا: بِفِعْلٍ صُرِّفَا، أطلقه يعني: كل فعل مُتصرّف جازَ تقديمُ الحال عليه، وهذا ليس بسديد؛ لأنه قد يعرِضُ عليه ما يمنعه من تقديمِ الحال عليه، وذلك كما إذا دخلت عليه لامُ الابتداء أو لامُ القسم أو أن يكون العاملُ صلةً لحرف مصدري، في هذه الأحوال الثلاثة يُعتبَر الفعل المتصرف ممنوعاً من تقدّم الحال عليه.
стр. 1233
إذن بِفِعْلٍ صُرِّفَا نقول: هذا ما لم يمنع من تقديم الحال عليه مانِع، وهو واحد من ثلاثة أمور: إما أن تدخل عليه لامُ الابتداء أو لامُ القسم أو أن يكونَ العامل صِلة لحرف مصدري. لامُ الابتداء مثل ماذا؟ مثل قولك: لأصبرُ محتسِباً، ولأقومن طائعاً، لأصبِر محتسباً، محتسباً: حال من فاعل أصبر، وأصبِرُ فعلٌ مُتصرّف، هل يجوزُ أن تتقدّم الحال عليه؟ نقول: لا يجوزُ. كيف والناظمُ يقول: إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا فَجَائِزٌ تَقْدِيْمُهُ؟ نقول: هنا منعَ منه مانع؛ لأن لامَ الابتداء، ومثلها لام القسم لا يعملُ ما بعدَها فيما قبلَها، مرَّ معنا هذا، فإذا قلت حينئذٍ: مُحتسِباً لأصبر، حينئذٍ عمِلَ أصبر في المتقدم وهو ممنوع، وكذلك لامُ القسم. لأصومنّ مُعتكفاً، وقولهم: لأصبرنّ محتسباً هذا مثّلَ به للقسم، ولامُ الابتداء نحو إني لأزورُك مُبتهجِاً، هذا المثال أحسنُ .. لام الابتداء، إني لأزورك مُبتهِجاً، مبتهجاً: حال من فاعل أزور، حينئذٍ نقول: لا يجوزُ أن يتقدّم على لام الابتداء لما ذكرناه. وكذلك لام القسم لأصبرنّ مُحتسِباً، لأقومن طائعاً؛ لأن هذين النوعين لا يعملُ ما بعدَهما فيما قبلهما.
كذلك أن يكون العامل صِلة لحرف مصدري، إن لكَ أن تسافرَ راجلاً، راجلاً: العامل فيه تُسافر؛ وهو مدخول (أن) حرف مصدري، وسبقَ أن حرف المصدر لا يُفصل بينه وبين صلته، كذلك لا يتقدّم عليه البتة، حينئذٍ لا يصحُّ أن يقال: إن لك راجلاً أن تسافر، لا يتقدّم عليه لما ذكرناه.
أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا كذلك أطلقهُ الناظم ولا بد من تقييده بأن لا يكون صلة لـ (أل)، أنتَ المصلي فذّاً، فذاً: حال، والعامل فيه مُصلي وهو اسم فاعل، هل يجوزُ أن تتقدّم الحال فذّاً على العامل وهو صفة أشبهت المصرفا؟ الجواب: لا، لماذا؟ والناظمُ يقول: أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا .. فَجَائِزٌ تَقْدِيْمُه، نقول: هنا لا بدّ من تقييده ما لم يمنع منه مانع، والمانع هنا إذا كان صلة لـ (أل)، لأن (أل) لا يعملُ ما بعدَها فيما قبلَها، فإذا قلنا: فذاً أنت المصلي، أو أنت فذاً المصلي، حينئذٍ الصلة .. صلة (أل) عملت فيما قبلها، وهذا ممنوع كما سبقَ مراراً.
إذن: إنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا ما لم يمنع منه مانع من كونه مدخولاً للام الابتداء أو لام القسم، أو أن يكون العاملُ صِلة لحرف مصدري. أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا ما لم تكن صلة (أل) فإن كان صلة (أل) حينئذٍ تلزمُ التأخير فلا يجوزُ تقديمه.
стр. 1234
فَجائِزٌ تَقْدِيْمُهُ: فَجائِزٌ قلنا: خبر، وتَقْدِيْمُهُ مُبتدأ مؤخّر، فَجائِزٌ تَقْدِيْمُهُ الضمير هنا ما قال: تقديمها على الأفصح؛ لأن لفظَ الحال هنا ذكره بدون تاء مذكر في اللفظ، والحالُ قال: فَجائِزٌ تَقْدِيْمُهُ على ذلك الناصب له، وهذا هو الأصلُ في الحال مع عاملِها، جوازُ التقديم والتأخير، هذا هو الأصل، لكن ما لم يعارضه مُعارِض، فَجَائِزٌ تَقْدِيْمُهُ هل يشملُ الحكمُ هنا فيما إذا كانت الحال جملة؟ لو قال: جاءَ زيدٌ والشمسُ طالعة، جاء: فعل متصرف، وزيد: فاعل، والشمس طالعة: مبتدأ وخبر، والواو واو الحال. إذن الحال وقعت جملةً؛ هل الحكم عام أم أنه خاصّ بالمفردات؟ هنا قال: وَالْحَالِ أطلقَ الناظم، حينئذٍ الحال، والحالُ تصدُقُ على المفرد وعلى الجملة:
وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ ... كَجَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ
إذن يشمل الجملة، وهذا هو الصحيح؛ أنه يصحُّ تقديم الحال ولو كانت جملة، ولو كانت مُصدّرة بالواو؟ نعم؛ ولو كانت مصدرة بالواو، فتقول: والشمسُ طالعةٌ جاءَ زيدٌ، ولو كانت مصدرة بالواو.
إذن؛ والحالُ مطلقاً سواءً كانت مفردة، أو جملة أو ظرفاً، فجائزٌ تقديمه.
كَمُسْرِعَا ذَا رَاحِلٌ، مُسْرِعَا ذَا رَاحِلٌ، ذا راحل مسرعاً، ذَا: اسم إشارة مبتدأ، ورَاحِلٌ: اسم فاعل وهو خبر، وهو رافع لضمير مُستتر رَاحِلٌ هو يعود على ذَا، مُسْرِعَا: حال من فاعل رَاحِلٌ، وهو الخبر، لما كان رَاحِلٌ صفة أشبهت المصرّفا جازَ تقديمه على العامل. إذن أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا مثاله: كَمُسْرِعَا ذَا رَاحِلٌ، وهذا (رَاحِلٌ) اسم فاعل. إذن مُسْرِعَا حال متقدمة، وهذا جائز التقديم، فيجوزُ لك وجهان: أن تقول: ذا راحل مُسرِعاً على الأصل بتأخير الحال، ويجوزُ لك التقديم، ثم التقديم كما ذكرنا له صورتان: إما التقديم مُطلَقاً على المسند إليه في المثال المذكور، وإما على المسند فحسب دونَ المسند إليه، وهنا الناظمُ ذكَرَ تقديمه على المسند إليه، فمن بابٍ أولى أن يتقدَّمَ على المسند فحسب دون المسند إليه، فدخلَت صورتان تحت المثال الأول، مُسرِعاً ذا راحل، هذه صورة، إذا جازت هذه (ذَا مُسْرِعَاً رَاحِلٌ) من باب أولى، كذلك هذا مثال لاسم فاعل، ومجرّداً زيد مضروب، زيد مضروب مجرداً، زيد: مبتدأ، ومضروب: خبر، والضمير مستتر نائب فاعل، ومجردا: حال جازَ تقديمُه على مضروب، وهو صفة أشبهت المصرّفا، وَهَذَا تَحمِلينَ طَلِيقُ، ذا: هذا مبتدأ، وطليق: خبر، وهو صفة مشبهة، تحملين تقدّمَ عليه، طليق هو اسم فاعل، وتحملين: هذا حال منصوبة مُتقدّمة على عاملها، وجوّزَ تقديمَها كونُه صفة أشبهت المصرفا.
إذن: أمثلة ثلاثية لما شملِه قوله: أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا؛ لأنه يشملُ اسم الفاعل، كمُسرعاً ذا راحل، واسم المفعول كمُجرّداً زيد مضروب، والصفة المشبهة كهذا تحملينَ طليقُ، تحملين في موضع نصب على الحال؛ لأنها الجملة، نعم، فعل وفاعل، وعامله طليق وهي صفة مشبّهة.
стр. 1235
وَمُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا، زَيْدٌ: مبتدأ، ودَعَا: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على زيد، والجملة في محلّ رفع خبر المبتدأ، وَمُخْلِصًا هذا حال مِن فاعل دَعَا، وهذا فيه تقديمُ معمول الخبر الفعلي على المبتدأ، وهذا محلّ نزاعٍ عند النحاة؛ إذا كان الخبر فعلاً سواءً كان مضارعاً أو ماضياً أو أمراً مُتعلّق معموله، هل يتقدّم على المبتدأ أو لا؟ يتقدّمُ عليه دون المبتدأ لا إشكال فيه، ولذلك اعتُرِض على الناظم هنا، قيل: لو قال: زيدٌ مخلِصاً دعا لأتى بالمقامين، مثَّلَ لتقديم الحال على العامل زيد مخلصاً دعا، دعا مخلصاً، تقدمت الحال، وجاءَ على قول الجمهور من منعِ تقديم معمول الخبر على المبتدأ، لكن تقديمُه هنا إما أن يُقال أنه من باب الضرورة وإما أن يُقال بأنه رأى جوازَ تقديم معمول الخبر الفعلي على المبتدأ، ومخلِصاً زيدٌ دعا، كذلك هذا يتضمّنُ صورتين، مادام أنه جازَ على رأي من جوّزَ تقديم معمول الخبر الفعلي على المبتدأ حينئذٍ "زيد مخلصاً دعا" من بابٍ أولى وأحرى، ومخلصاً: حال متقدمة، والذي سوّغَ تقديمه .. هو الأصل، لكن جاءَ كونه فعلاً متصرّفاً حينئذٍ لم يمتنع تقديمها.
في البيتين لفٌّ ونشرٌ مُشوشّ؛ لأنه قال: إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا، قدّمَ الفعل المتصرف لأنه الأصل، ثم ثنّى بالصفة؛ لأنها فرع، ثم مثّلَ لماذا؟ للصفة وأخّرَ مثال الفعل، والأصل أن يمثّل للفعل أولاً ثم يأتي بمثال للصفة، وهذا جرى على قوله تعالى: ((يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ)) بدأ بالثاني، هذا يُسمّى لفّاً ونشراً مُشوّشاً.
وَالْحَالُ إِنْ يُنْصَبْ بِفِعْلٍ صُرِّفَا ... أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا
فَجَائِزٌ تَقْدِيْمُهُ كَمُسْرِعَا ... ذَا رَاحِلٌ وَمُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا
"خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ" ﴿٥٤/ ٧﴾ أي نوع هذا؟ أينَ الفعل؟ خُشّعاً: هذا حال؟ اسم فاعل؟ إذن هو حال خُشّعاً، إذن الحال قد يكون مُفرداً وقد يكون جمعاً. ((خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ)) أينَ صاحب الحال؟ الواو. يخرجون خُشّعاً، أَبْصَارُهُمْ هذا فاعل لاسمِ الفاعل ((خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ)) هنا لم يعتمد فكيف رفعَ؟ أليس هو مثل: فَجائِزٌ تَقْدِيْمُهُ كيف رفعَ خشعاً؟ وهو لم يعتمد على نفي ولا استفهام؟ سيأتي أن اسم الفاعل لا بد من الاعتماد، لكن اعتمادُه في باب المبتدأ على جهة الخصوص، وهو كونُه أن يعتمد على نفي أو استفهام، أما في العمل مُطلَقاً هذا لو كان فاعلاً أو خبراً مُسنداً أو نحو ذلك يجوزُ أن يعملَ مُطلقاً، وهنا اعتمد لأنه مسبوقٌ بـ (يَخْرُجُونَ خُشَّعًا) إذن هو حال. إذا جاءَ اسم الفاعل حالاً عمِلَ، من مسوغات العمل أن يكون حالاً، وأن يكون خبراً؛ سواءً كان خبراً في الأصل أو خبراً لكان أو خبراً لإن .. إلخ. وهذا سيأتي في اسم الفاعل.
стр. 1236
إذن خُشّعاً هنا كونه حالاً صارَ مُعتمداً؛ لأنه لا بدّ من عامل، وهو الآن مُتقدّم حقيقةً أو أن رتبته التأخير؟ إذن هو مُعتمِد يخرجون خشّعاً أبصارهم، هذا هو التركيب، فخشّعاً حال، حينئذٍ يعملُ فيما بعده.
قال الشارح: يجوزُ تقديمُ الحال على ناصبها إن كان فعلاً مُتصرّفاً، أما غير المتصرف فهو ما لزِمَ لفظ الماضي، والمتصرّف ما استُعمِل ماضياً أو مضارعاً وأمراً. أو صفةً تشبه الفعل المتصرف، والمراد بها ما تضمّنَ معنى الفعل وحروفه، وقبِلَ التأنيث مِن غير قيد، ليسَ قبل التأنيث فحسب، لا من غير قيد؛ لأن أفعل التفضيل .. اسم التفضيل يقبل التأنيث، لكن بقيد أن يكون محلى بـ (أل) أو مضافاً، والتثنية والجمع كذلك أفعل التفضيل يقبله لكن بقيد أن يكون محلًى بـ (أل) أو مضافاً، كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة؛ فمثال تقديمه على الفعل المتصرف (مُخْلِصًا زَيْدٌ دَعَا)، فدعا: فعل متصرف، وتقدّمت عليه الحال، ومثال تقديمِه على الصفة المشبهة نحو (مُسْرِعَا ذَا رَاحِلٌ)، ذَا رَاحِلٌ صفة مشبهة، إلا إذا قصدَ بها الثبوت، اسم الفاعل إذا قُصِدَ به الثبوت حينئذٍ صحّ أن يُعتبر صفةً مشبهة، على كل هو محتمل؛ ما جاء زنة فاعل إذا قُصِد به الحدوث فهو اسم فاعل، وإذا قُصِد به الثبوت حينئذٍ عُومِل معاملة الصفة المشبهة، لكن ليسَ هو الأصل فيه، رَاحِلٌ يعني ذاهب، وهذا حدوث الظاهر يُنظر فيه.
فإن كان الناصب لها فعلاً غير متصرف لم يجز تقديمُه عليه فتقولُ: ما أحسنَ زيداً ضاحكاً، لا يصحّ التقديم؛ لأن فعلَ التعجب غير مُتصرّف فهو جامد، وما كان غير مُتصرّفٍ لا يُتصرّف في معموله، وكذلك إن كان الناصبُ لها صفة لا تشبه الفعل المتصرف كأفعل التفضيل لم يجز تقديمه عليه؛ لأنه لا يُثنى ولا يُجمع ولا يُؤنث، ليس على إطلاقه، وإنما ما لم يحلى بـ (أل) أو يضف، فلم يتصرّف في نفسه فلا يتصرف في معموله، (زيدٌ ضاحكاً أحسنُ من عمرو)، لا يجوزُ؛ بل يجب تأخير الحال فتقول: زيدٌ أحسنُ من عمرو ضاحكاً، وهذا إلا ما سيأتي استثناؤه:
وَنَحْوُ زَيْدٌ مُفْرَداً أَنْفَعُ مِنْ ... عَمْروٍ مُعَاناً .............................
هذا مُستثنى، وأما أفعل التفضيل فالأصل أنه لا يعمل.
قال رحمه الله تعالى:
وَعَامِلٌ ضُمِّنَ مَعْنَى الْفِعْلِ لاَ ... حُرُوفَهُ مُؤَخَّراً لَنْ يَعْمَلاَ
كَتِلْكَ لَيْتَ وَكَأَنَّ وَنَدَرْ ... نَحْوُ سَعِيدٌ مُسْتَقِرّاً فِي هَجَرْ
стр. 1237
وَعَامِلٌ ضُمِّنَ مَعْنَى الْفِعْلِ. إذن العامل المعنوي في هذا الباب المراد به ما ضُمِّنَ معنى الفعل دون حروفه، يُسمّى عاملاً معنوياً، وليسَ هو العامل المعنوي المراد هناك في باب المبتدأ، ما هو العامل المعنوي هناك، ما حقيقته؟ ما ليسَ للسان فيه حظ، ما لا حظَّ للسان؛ يعني: لا يُنطَق به، وهو محصور على الصحيح في اثنين لا ثالثَ لهما، وهما الابتداء والتجرّد, الطلبُ هذا مُحتمِل، يأتي في محله محتمل، "قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ" ﴿٦/ ١٥١﴾ هذا محتمل، وما عداها لا، فلا نقول، هنا في هذا المقام العامل المعنوي المراد به ما ضُمِّن معنى الفعل دون حروفه، كَتِلْكَ اسم الإشارة، فهي مُضمّنة معنى أشير، ولكن ليس فيها شيئ مِن لفظ أُشير، ولَيْتَ مُتضمّن لمعنى الفعل أتمنى، وليسَ فيه شيئاً من حروف الفعل، وكَأَنَّ فيه معنى الفعل أُشبّه، وليسَ فيه شيء من حروف الفعل. نقول: هذه الكلمات الثلاث وغيرها .. سيأتي أنها فوقَ العشرة .. أنها تضمَّنت معنى الفعل دون حروفه، هل تعملُ في الحال؟ نقول: نعم تعمل، ليسَ البحث في هذا البيت والسابق في ما يعمل في الحال، كلّ ما كان فعلاً أو فيه رائحة الفعل يعملُ في الحال، كلّ ما كان فعلاً سواءً كان مُتعدياً أو لازماً أو فيه رائحةُ الفعل، سواء معنى الفعل مع حروفه أو معنى الفعل دونَ حروفه فهو ينصِب الحال، لا إشكال فيه، ولكن الكلام في تقديم الحال على العامل، إذا كان العاملُ قوياً جازَ. هذا خلاصتها. إذا كان ضعيفاً يعملُ بالفرعية فالأصلُ العدم إلا ما جاء به السماع.
стр. 1238
وَعَامِلٌ ضُمِّنَ مَعْنَى الْفِعْلِ لاَ حُرُوفَهُ، عَامِلٌ هذا مبتدأ، وسوّغَ الابتداء به وصفُهُ، ضُمِّن فعل ماضي مُغيّر الصيغة، ضُمِّن، ضَمَّنَ هذا الأصل، ضُمِّن هذا فعل ماضي مغير الصيغة، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعودُ على العامل، وَعَامِلٌ ضُمِّنَ، مَعْنَى هذا مفعول، وهو مضاف والفعل مضاف إليه، لاَ حُرُوفَهُ، لاَ عاطفة، ولا العاطفة تعطف ما بعدها على ما قبلها، لاَ حُرُوفَهُ، حروفَ بالنصب معطوف على مَعْنَى، مُؤَخَّراً لَنْ يَعْمَلاَ مُؤَخَّراً حال أو مفعول به أو مُطلَق أو مفعول لأجله أو منصوب على الظرفية أو اسم إن أو خبر كان؟ أي الأحوال هذه؟ المنصوبات كلّها؟ مُؤَخَّراً هذا حال مُتقدّم من يَعْمَلاَ، الألف هذا للإطلاق، والفاعل ضمير مستتر يعود على عَامِلٌ. إذن لَنْ يَعْمَلاَ مُؤَخَّراً مفهومُه أنه يعملُ مُتقدّماً، لن يعمل هو في الحال حال كونه مُؤخّراً، إن أُخِّر عن الحال .. وهذا يلزمُ منه أن تتقدّمَ عليه الحال، لن يعمل، فإذا لم يعمل العامل المعنوي في الحال عند تقدمها لا يلزم منه أن لا يعمل عند تأخُّرها، بل الأصل فيه أنه يعمل، وتكون الحال مُتأخِّرة عنه، فإن تقدمت امتنعَ، لماذا؟ لضعفه؛ لأنه عاملٌ ضعيف، العامل الجامد غيرُ المتصرف لا يُتصرَّف في معموله، وكذلك العاملُ الضعيف لا يُتصرَّف في معموله، ولذلك لا يصحُّ أن يتقدّمَ خبر إن على اسمها، فضلاً عن أن يتقدّمَ على (إن)، فلا يُقال: قائمٌ إن زيدا، لكون إن عامل ضعيف. كذلك لا يُقال: إن قائم زيدا؛ لماذا؟ لكون إن عامل ضعيف فلا يُتصرّف فيها، العامل الضعيف لا يُتصرَّف في معموله بالتقديم والتأخير، بل يلزم الأصلُ على ما هو عليه.
إذن لَنْ يَعْمَلاَ الألف للإطلاق، مُؤَخَّراً هذا حال مقدمة.
كَتِلْكَ لَيْتَ وَكَأَنَّ، كَتِلْكَ هذا فُهِم من إدخال الكاف على تلك، تي واللام والكاف زائدتان، تي: هذا الأصل، فُهِم منه من دخول الكاف على تلك أنه مُطرد في أسماء الإشارة كلها، فكلّ أسماءِ الإشارة تعملُ في الحال، وكلها عاملٌ معنوي ضعيف، وكلها لا يجوزُ أن تتقدّمَ الحال على اسم الإشارة؛ لكونها عاملاً معنوياً وهو ضعيف.
كَتِلْكَ لَيْتَ: وليتَ على حذف حرف العطف، وَكَأَنَّ.
معنى البيت أن العامل في الحال إذا ضُمّن معنى الفعل دون حروفه لا يتقدّمُ عليه الحال لضعفه، ثم مثّلَ بثلاث كلمات: تلك اسمُ إشارة، وفيها معنى الفعل وهو أُشير، وليسَ فيها حروفَ الفعل الذي يُفهَم منه، وليت حرف تمني، وفيها معنى الفعل (أتمنى) دون حروفه، وكأنّ حرفُ تشبيه وفيها معنى الفعل (أشبّه) دون حروفه.
كَتِلْكَ لَيْتَ وَكَأَنَّ جاء بالكاف تمثيلاً لمدخولها، وليس حصراً لمدخولها، فالكاف تمثيلية ليست استقصائية؛ إذ العاملُ المعنوي يشملُ أسماءَ الإشارة وحروفَ التمني والتشبيه والظرف والجار والمجرور وحرف الترجي كلعل وحرف التنبيه مثل (ها) التنبيه وأدوات الاستفهام الذي يُقصَد به التعجب وأدوات النداء وأمّا هذه عشرة، كلّها نحكم عليها بأنها عامل معنوي، تعملُ في الحال؟ نعم؛ تعمل في الحال، لكن الكلام في أنه لا يجوزُ أن تتقدّم الحال على هذا العامل المعنوي.
стр. 1239
إذن المراد بالعامل المعنوي: اللفظ الذي يعملُ بسبب ما يتضمّنهُ من معنى الفعل مثل تلك وما عُطِف عليها.
وَنَدَرْ نَحْوُ سَعِيدٌ مُسْتَقِرّاً فِي هَجَرْ، نَدَرْ هذا كالاستثناء مما سبقَ، الأصل فيه أنه لا يتقدّمُ الحال على العامل المعنوي، وَنَدَرْ أي قل، وبعضهم قال: شذَّ، وفرق بينهما، إذا قيل: قلَّ بمعنى أنه موجود في لسان العرب، وأنه قليل، ويحتملُ أن يُقاس عليه، القياسُ عليه محتمل، إذا قيل: نادر وقليل، هذا القياسُ عليه محتمل، وأما الشاذّ فلا يُقاسُ عليه. نَدَرْ أي قلّ، وقيل: شذّ، قلَّ ماذا؟ نَحْوُ سَعِيدٌ مُسْتَقِرّاً فِي هَجَرْ، سَعِيدٌ مبتدأ، فِي هَجَرْ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، مُسْتَقِرّاً حال من الضمير المستتر في هَجَرْ؛ لأن (فِي هَجَرْ) قلنا: هذا جار ومجرور، وهو متعلّق بالاستقرار، لما حُذِف الاستقرار انتقلَ الضمير منه إلى الظرف وإلى الجار والمجرور، حينئذٍ نقول: فِي هَجَرْ فيه ضمير مستكن هو فاعل، يعودُ على سعيد، مُسْتَقِرّاً حال منه، حالٌ من ذلك الضمير الذي يعودُ على سعيد.
إذن ما العامل هنا؟ العاملُ هو فِي هَجَرْ، وهو عاملٌ معنوي، هنا تقدّمَ الحال على الظرف، هذا يُعتبَر استثناءً من القاعدة السابقة:
وَعَامِلٌ ضُمِّنَ مَعْنَى الْفِعْلِ لاَ ... حُرُوفَهُ مُؤَخَّراً لَنْ يَعْمَلاَ
وهنا عمِلَ (فِي هَجَرْ) في مُسْتَقِرّاً، هل نقول: يُستثنى حرفُ الجرّ وكذلك الظرفُ لكونهما يُتوسَّع فيهما ما لا يُتوسّع في غيرهما، حينئذٍ إذا نصبا الحال جازَ تقديم الحال عليهما أو نقول: هذا شاذّ يُحفَظ ولا يُقاس عليه؟ محل نزاع بين النحاة، وهنا عبّرَ بندر يعني أن ما ذُكِر قليل، وَنَدَرْ نَحْوُ سَعِيدٌ مُسْتَقِرّاً عندك أو سعيد مُستقرّاً في هجر، ندرَ تقديم الحال على عاملها الظرف والمجرور المخبر بهما، إذا وقعا خبراً عن المبتدأ، وفصلَ هذه المسألة عما قبلها وما بعدها وإن كانت مثلها؛ لأنه قد سُمِع فيه تقديم الحال على عاملها بخلاف السابق, السابق المنعُ حصلَ استنباطاً من النحاة، أنه كتلك وليت وكأنّ وأسماء الإشارة وحروف النداء والتنبيه نقول: هذه كلها استنباط واجتهاد من النحاة أنه لا يتقدّم عليه الحال. أما هذا فقد سُمع حينئذٍ هل يُقاسُ عليه أم لا؟ وندر تقديمُه على عاملها الظرف والمجرور المخبَر بهما. توسّطُ الحال بين صاحبه وعامله إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً مُخبَراً به أجازَه الأخفش بكثرةٍ، يعني: جعلَه مَقيساً عليه كأنه أصل، ولذلك قالَ: بكثرةٍ يعني: عاملَه مُعاملة الأصل، فيجوزُ حينئذٍ كما تتقدّمَ الحال على العامل المتصرّف والصفة المشبهة، حينئذٍ يجوزُ تقديمُ الحال على العامل المعنوي بشرطِ أن يكون ظرفاً أو جارّاً ومجروراً وقعَ خبراً عن مُبتدأ، ليس على إطلاقه.
وَنَدَرْ نَحْوُ سَعِيدٌ مُسْتَقِرّاً فِي هَجَرْ فما وردَ من ذلك مسمُوعاً قالوا: يُحفَظ ولا يُقاس عليه، ولذلك فسَّر بعضُ الشراح قول ابن مالك هنا نَدَرْ بمعنى شذَّ، وإذا كان شذَّ حينئذٍ يُحفَظ ولا يُقاس عليه، وَنَدَرْ يعني: ما وردَ من ذلك مسموعاً يُحفَظ ولا يُقاس عليه. هذا هو مذهب البصريين؛ أن هذا شاذٌّ يُحفظ ولا يُقاس عليه.
стр. 1240
إذن لا استثناء في القاعدة:
وَعَامِلٌ ضُمِّنَ مَعْنَى الْفِعْلِ لاَ ... حُرُوفَهُ مُؤَخَّراً لَنْ يَعْمَلاَ
سواءً كان ظرفاً أو جاراً ومجروراًَ لا استثناء في القاعدة.
وأجازَ ذلك الفراء والأخفش مُطلقاً، أجازوه مُطلقاً، الإطلاق هنا يُفسَّر بما سيأتي من مذهب الكوفيين، وأجازَه الكوفيون فيما كانت الحال فيه من مُضمَر، إذا كانت الحال فيه من مُضمَر من ضمير جازَ تقديم الحال على الظرف أو الجار والمجرور، أنتَ قائماً في الدار، أنتَ: مبتدأ، في الدار: خبر، قائماً: حالٌ من الضمير المستكن في الدار، جازَ تقديمه على في الدار لكون المسند إليه مُضمَر، يعني: ضمير، أي: من مُضمَر، مرجعه مُضمَر، فقائماً: حال من الضمير المستكن في العامل الذي هو الجار والمجرور، ومرجعُهُ أنت .. أنت قائماً في الدار، وقيل: يجوزُ بقوّة إن كان الحالُ ظرفاً أو حرفَ جرّ، ويضعُفُ إن إن كان غيرهما، وهذا تفصيل، لكنه ليسَ عليه التعويل، ويضعُف إن كان غيرهما وهو مذهبُه في التسهيل، يعني: مذهبَ ابن مالك رحمه الله تعالى، ومحلّ الخلافِ في جواز تقديم الحال على عاملها الظرف إذا توسَّطَ، وأما تقديمه لا، يعني: سَعِيدٌ مُسْتَقِرّاً فِي هَجَرْ كونه متوسطا بين المبتدأ والخبر هو محل الخلاف، وأما مستقراً سعيدٌ في هجر فهذا محلّ إجماع لا يجوز، والمشهورُ عند النحاة أنه شاذّ يُحفظ ولا يقاس عليه؛ لأن القاعدة أن العاملَ المعنوي ضعيف، والضعيف لا يَقوى أن يُتصرَّف فيه معموله بالتقديم والتأخير، وما سُمِع قليل لا يصلح أن يكون استثناءً من القاعدة العامة. فإن تقدَّمَ على الجملة نحو (قائماً زيدٌ في الدر) امتنعت المسألة قيل: إجماعاً، وقيلَ في حكاية الإجماع نظر، ليس بصحيح، حيث أجازَ الفراء في قول القائل: فداءً لك أبي وأمّي، جوّزَ الفراء أن يكون فداءً حالاً، والعاملُ فيه: لك، فداءً لك أبي وأمي، أبي: مبتدأ مؤخّر، ولك: خبر مقدم، فداءً: حال من الجار والمجرور، لكَ فداءً، جوّزَ تقديم الحال هنا وهو فداء على لك، وهو يقتضي جواز التقديم على الجملة عنده إذا تقدّمَ الخبر، وأجازَه ابن برهان فيما إذا كان الحال ظرفاً نحو "هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ" ﴿١٨/ ٤٤﴾ فهنالك: ظرفٌ في موضع الحال، والولاية مبتدأ، ولله خبر. إذن هذا خلاف عند النحاة.
وإذا تقدّمَ على المبتدأ قيل بالإجماع المسألة ممتنعة، لكن ذكرنا خلافَ ابن برهان والفراء وغيره.
إذن:
وَعَامِلٌ ضُمِّنَ مَعْنَى الْفِعْلِ لاَ ... حُرُوفَهُ مُؤَخَّراً لَنْ يَعْمَلاَ
كَتِلْكَ لَيْتَ وَكَأَنَّ وَنَدَرْ ... ........................
стр. 1241
وَنَدَرْ يعني: قلّ أو شذَّ، وهو الأحسنُ؛ لكن ابن مالك لا يُعبّر بـ (ندر) عن (شذّ) إلا في النادر، وإذا قال: ندر أو قلَّ حينئذٍ يُحمَل على أنه مسموع قليل، ومحتمل للقياس عليه، لكن الظاهر أنه شاذّ، نَحْوُ سَعِيدٌ مُسْتَقِرّاً فِي هَجَرْ، مُسْتَقِرّاً قيل: هذه حالٌ مؤكِّدة، وعليه فالمراد بالاستقرار العام، مُسْتَقِرّاً ما المراد بالاستقرار خاص أو عام؟ إذا قيل بأنها حال مؤكِّدة حينئذٍ نقول: المراد بالاستقرار العام، وقال بعضُهم: مُسْتَقِرّاً أي: ثابتاً غير متزلزل، فهو خاصّ إذ لو كان عامّاً لم يظهر. يعني قوله: مُسْتَقِرّاً هل نفسِّره بالاستقرار العام أو الاستقرار الخاص؟ لو كان عامّاً لما ذُكِر، ولذلك نفسّره بالاستقرار الخاص.
إذن نقول: يجبُ تأخيرُ الحال من الأبيات الثلاثة السابقة في ستّ مسائل، يجبُ تأخير الحال، لا يجوزُ أن تتقدّمَ على عاملها في ستّ مسائل، وكلها مأخوذة من الأبيات الثلاثة السابقة:
الأول: أن يكون العاملُ فعلاً جامداً؛ لأنه قيّدَه هنا قال: بِفِعْلٍ صُرِّفَا. إذن الجامد لا يجوزُ أن تتقدم الحال عليها، ما أحسنَه مُقبِلاً.
الثاني: أن يكون صفةً تشبه الفعل الجامد، وهو اسم التفضيل، نحو هذا أفصحُ الناس خطيباً، هنا لا يجوزُ أن تتقدّمَ الحال على العامل وهو اسم التفضيل.
الثالثة: أن يكونَ مصدراً مُقدّراً بالفعل وحرف مصدري، نحو أعجبني اعتكافُ أخيكَ صائماً، أعجبني اعتكاف أخيك أي أن يعتكف هو مؤوّل بالمصدر.
رابعاً: أن يكون اسم فعل نحو نَزالِ مسرعاً، قلنا: هذا فيه معنى الفعل وحروفه، ولكن لا يجوزُ أن يتقدّم، لماذا؟ لأنه ليس فعلاً ولا صفةً.
الخامس: أن يكون لفظاً مُضمّناً معنى الفعل دون حروفه، مثل العشرة التي ذكرناها: اسم الإشارة وما عُطِف عليه، وذكرَ الناظم ثلاثة. ((فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً)) خَاوِيَةً: حال، والعامل فيها تلك، فهو اسمُ إشارة لا يجوزُ تقديمه على العامل.
السادس: أن يكون عامِلاً، لكن عرَضَ له مانع، يعني: فعلٌ مُتصرّف دخلت عليه لامُ الابتداء أو لامُ القسم، أو كان العامل فيه فعلا دخلَ مع حرف مصدري، والصفة المشبهة أن تكون صلةً لـ (أل). إذن في الأصل أنه يعمل لكن عرَضَ له مانع.
إذن: هذه ستُّ مسائل لا تتقدّم الحال على عاملها.
стр. 1242
قال الشارح: وقد ندرَ تقديمُها على عاملها (نحو زيد قائماً عندك)، زيد: مبتدأ، وعندك: خبر، وقائماً: حال من الضمير المستكن في عندك، والجار والمجرور نحو (سَعِيدٌ مُسْتَقِرّاً فِي هَجَرْ)، الجمهور على المنع ... جماهير النحاة على المنع للعلة السابقة، وهو كونُ الجار والمجرور والظرف عاملاً معنوياً وهو ضعيف، والضعيفُ لا يُتصرَّف فيه معمولاته، يُستثنى من المضمّن .. عندما قال بأنه مقيس يُستثنى من المضمن معنى الفعل دون حروفه أن يكون ظرفاً أو مجروراً مُخبَراً بهما .. بهذا القيد مخبر بهما، يعني: يقع خبراً، ليسَ مُطلقاً كل ظرف وجار ومجرور، لا، مخبراً بهما. بقلةٍ .. فيجوزُ بقلةٍ، هكذا عبّرَ ابن هشام في الأوضح. إذن عندَه أنه مقيس، ولذلك قال: يجوزُ بقلةٍ، يعني: على قلة. توسُّط الحالِ بين المخبر عنه والمخبر به؛ بخلاف ما إذا تقدّمَ على المخبر عنه فإنه ممتنع، قيل بالإجماع، والجماهيرُ على المنع، واستدلَ المجيز مُطلقاً بقراءة من قرأ -قراءة الحسن- ((وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌٍ بِيَمِينِهِ)) وَالسَّموَاتُ: مبتدأ، بِيَمِينِهِ: خبر، مَطْوِيَّاتٍ: بالكسر على أنه حال؛ جمع مؤنث سالم. إذن وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٍ هذه حال مُتقدّمة على (بِيَمِينِهِ) .. جوّزوا هذا.
"وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا" ﴿٦/ ١٣٩﴾ خَالِصَةً بالنصب. إذن تقدّمت، مَن أجازه مطلقاً استدل بهاتين القراءتين، وأجازَه الأخفش قياساً.
وَنَحْوُ زَيْدٌ مُفْرَداً أَنْفَعُ مِنْ ... عَمْروٍ مُعَاناً مُسْتَجَازٌ لَنْ يَهِنْ
стр. 1243
سبقَ أنه قال: أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا قلنا: يشملُ اسمَ التفضيل؛ لأنه صفة، لكنها لم تُشبه الفعلَ المتصرف، وإن كانت فيها معنى الفعل وحروفه، إلا إنها لا تقبلُ علامة الفرعية بإطلاق، وإن قبلتها بقيدٍ. استثناء من ذاك أنه قد يعملُ اسم التفضيل لكن بقيد، وهو الذي ذكرَه الناظمُ هنا، وَنَحْو: هذا مبتدأ، مُسْتَجَازٌ هذا خبره، لَنْ يَهِنْ هذا خبر بعد خبر، زَيْدٌ مُفْرَداً أَنْفَعُ مِنْ عَمْروٍ مُعَاناً هذا المثال، أَنْفَعُ ما نوعها؟ أَنْفَعُ صفة مشبهة؛ اسم فاعل؛ اسم تفضيل؛ أفعل التفضيل؟ أفعل التفضيل زَيْدٌ: مبتدأ، ومُفْرَدٌ: حال، وأَنْفَعُ: خبر، ومِنْ عَمْروٍ: مُتعلّق بأنفع، ومُعَاناً: حالٌ من عَمْروٍ، زَيْدٌ: مبتدأ، مُفْرَداً: حال من الضمير المستكن في أَنْفَعُ, (أَنْفَعُ) فيه ضمير مستكن، مُفْرَداً: حال منه، والعامل إذن في مفرداً؟ ما العامل فيه؟ العامل في صاحب الحال وهو الضمير المستكن هو العامل في الحال، إذن العامل في الضمير المستكن أَنْفَعُ هو نفسه اسم التفضيل، هو عينُه العامل في مُفْرَداً، وهنا تقدّمت الحال على اسم التفضيل، مِنْ عَمْروٍ: هذا مُتعلّق بأنفع، مُعَاناً: حال من عَمْروٍ. أصل التركيب (زيد أنفع في حال كونه مُنفرداً من عمرو في حال كونه مُعانًا)، وإنما كان (أَنْفَعُ) عاملاً في الحالين: لأن صاحبَ الحال الضمير المستكن وعمرو، كلاهما مُتعلّقان بأنفع، كلاهما متعلقان يعني: معمولان بأنفع، حينئذٍ جاءت الحال من صاحبي حالٍ العامل فيهما (أنفعُ)، حينئذٍ يكون العامل صاحب الحال هو العامل في الحال.
إذن اتحدا؛ الحال المتقدمة (مفرداً) والحال المتأخرة (معاناً) اتحدا في كون العامل فيهما هو أنفع، والشاهد هنا ليسَ في معانا؛ لأنه مُتأخّر، هذا جاء على الأصل، الشاهد هنا في مُفرداً، كيف تقدم على (أنفع) وهو اسم تفضيل؟ قيل: استُثنيت هذه الحالة بالضابط الذي ذكره النحاةُ، وهو أن يقع اسمُ التفضيل مُتوسِّطاً بين حالين، أن يقعَ أفعلُ التفضيل مُتوسّطاً بين حالين من اسمين متحدي المعنى أو مختلفين، مُتحدي المعنى أن يكون ثَمَّ تفضيلُ شيئ في حال على نفسه في حال أخرى، زيدٌ قائماً أحسنُ منه قاعداً، هنا التفضيلُ بين شخصين أو بين شخصٍ في حالين؟ الثاني، شخص واحد، زيدٌ قائماً أحسنُ منه قاعداً، فالحالان هنا من زيد في الحقيقة، حينئذٍ نقول: هنا اتحدا من حيث المعنى، وأما (زَيْدٌ مُفْرَداً أَنْفَعُ مِنْ عَمْروٍ مُعَاناً) فنقول: الحالان هنا من شخصين مختلفين.
стр. 1244
إذن سواءً وقعَ أفعل التفضيل بين اسمين مُفضّلين أو مُفضّل أحدهما على الآخر، وكان الشخص واحداً مُتحدي المعنى أو كان مُختلفي المعنى. مُفضلٌ أحدهما في حالةٍ على الآخر في أخرى، كلٌّ منهما فضل على الآخر في حالةٍ ليست هي الحال الأولى، فهذا جائِزٌ، أن تتقدّمَ الحال على اسمِ التفضيل على أن اسمَ التفضيل عاملٌ في الحالين معاً المتقدمة والمتأخرة، فيكون ذلك مُستثنى مما تقدّمَ من أنه لا يعملُ في الحال المتقدمة عليه اسم التفضيل، هذا استثناءٌ مما سبقَ، وإنما جازَ ذلك هنا لأن أفعل التفضيل وإن انحطَّ درجةً عن اسم الفاعل والصفة المشبهة بعدمِ قبوله علامات الفرعية، فله مَزيّة على العامل الجامد، نعم لا شك، يعني: إذا قيل بأن أفعل التفضيل أحطُّ درجة من اسم الفاعل لكونه لم يقبل علامة الفرعية مطلقاً إلا إنه أعلى درجة من الجامد لأن فيه معنى وحروف الفعل المتصرِّف. إذن هو أدنى من اسم الفاعل وأعلى درجةً من الجامد. إذن لا يُسوّى بينهما، فله مزيّة على العامل الجامد؛ لأن فيه ما في الجامد من معنى الفعل، ويفوقُهُ بتضمّنِ حروف الفعل ووزنه، فجُعِلَ مُوافِقاً للعامل الجامد في امتناع تقديم الحال عليه إذا لم يُتوسّط بين حالين، نحو: هو أكفؤهم ناصِراً، هنا لا يجوزُ أن يتقدّمَ، عُومِل معاملة الجامد مع كونه فيه معنى الفعل وحروفه، ولكونه لم يقبل علامة الفرعية مُطلَقاً عُومِل معاملة الجامد، وجُعِل موافقاً لاسم الفاعل في جواز التقديم عليه إذا توسّطَ بين حالين.
إذن ما سُمِع في لسان العرب هو المحَكَّم هنا، وهو ما جاء في أفعل التفضيل بين حالين بالاعتبار الذي ذكرناه. ثم استُثني هذا إما أن يُعلّل وإما أن يُجعَل على قياس، ولا بأس أن يُعلَل بأنه أُعطي حكمَ الجامد في ما إذا نصبَ حالاً واحداً، وأما إذا نصبَ حالين بالقيد المذكور يعني: التفضيل باعتبارين حينئذٍ أُعطي حكم اسم الفاعل.
وَنَحْوُ زَيْدٌ مُفْرَداً أَنْفَعُ مِنْ، أنفع قلنا: فيه ضمير عائدٌ على زيد، وأنفعُ قلنا: هنا في هذا المثال خبر، ومفرداً: هذا حال من الضمير في أنفع، مِنْ عَمْروٍ: هذا متعلق بأنفع، مُعَاناً: حال من عمرو، وإنما كان أنفعُ عاملاً في الحالين؛ لأن صاحبَ الحال وهو الضمير المستتر والمجرور بمن معمولان له، والعاملُ في الحال هو العامل في صاحبها. مُسْتَجَازٌ هذا خبر المبتدأ نحو، السين والتاء زائدتان أو للنسبة، أي منسوب إلى الجواز، ومَعدود من الجائز. ثم إن ما جازَ بعدَ الامتناع يجبُ هكذا قال الصبان، ما جاز بعد الامتناع لأنه مُنع أولاً: أَوْ صِفَةٍ أَشْبَهَتِ الْمُصَرَّفَا، مفهومه أنه لا يعمل، ثم جوَّزنا له حالة واحدة، حينئذٍ يجبُ، ولكن الناظم قال: مُسْتَجَازٌ، فلا يُعترَض عليه بأن اللائق التعبير بالوجوب بدل الاستجازة، لكن هذا فيه نظر. لَنْ يَهِنْ يعني: لن يضعُف، وهو خبر بعد خبر.
стр. 1245
إذن نَحْوُ هذا المثال مُسْتَجَازٌ يعني: جائز .. السين والتاء زائدة، لَنْ يَهِنْ يعني: لن يضعف بل هو فصيح، ويُقاس عليه بكثرة، ولا نقول: إنه مما ضعُفَ فيه تقديم الحال على اسم التفضيل، وهذا مذهبُ سيبويه والجمهور، سواءً اتحد الاسمان أم اختلفا، اتحد الاسمان يعني الحالان؛ بأن كان صاحبهما واحداً كالمثال الذي ذكرَه ابن عقيل (زيد قائماً أحسن منه قاعداً)، أو مختلفان كمثال الناظم الذي ذكرناه. وهذا قلنا مذهب سيبويه والجمهور، ويجبُ أن تكون حال المفضل مُقدّمة، وحالُ المفضل عليه مُتأخِّرة يعني: زادوا على ما ذكرناه، كما ذكره الناظم: زَيْدٌ مُفْرَداً أَنْفَعُ مِنْ عَمْروٍ مُعَانا، تكون حال المفضّل مقدمة، وحال المفضّل عليه مُتأخّرة. هنا زَيْدٌ مُفْرَداً أَنْفَعُ، مُفْرَداً هذا حالٌ من المفضل، ومُعانا حال من المفضل عليه، لا يُعكَس، لا يتقدّمَ هذا على ذاك، فلا يصح أن يُقال: " أنفعُ من عمرو معاناً زيد مفرداً"، أو نقول: " من عمرو معاناً أنفع زيد مفرداً"، التقديم والتأخير هنا ممنوع سواءً كان المفضل عليه مُتعدداً أو شخصين.
وزعم السيرافي أن المنصوبين خبران منصوبان بكان المحذوفة على تقدير: إذ في الماضي وإذا في الاستقبال، يعني: لم يُسلِّم بهذا الاستثناء، وإنما أبقى العمومَ على أصله في كون اسم التفضيل لا يعملُ في حالٍ مُتقدّمة، حينئذٍ مثل هذا التركيب "زيد مفرداً أنفع من عمرو معانا" قال: "زيد إذا كان مُفرداً -فهو خبر لكان المحذوفة مع اسمها- أنفعُ من عمرو إذا كان معاناً"، جعلها خبرين لكان محذوفة مع اسمها، مع إذ في الماضي وإذا في الاستقبال.
ولا يجوزُ تقديمُ هذين الحالين على أفعلِ التفضيل ولا تأخيرُهما عنه، "زيد قائماً قاعداً أحسن منه"، لا يجوز؛ لأنه بهذا التركيب الذي سُمع؛ لأنه لا يُقاس عليه، ما دام أنه خروجٌ عن أصل فيبقى على ما هو عليه، فلا تتقدّمَ الحالان ولا تتأخر، ولا يحصلُ تقديم ولا تأخير.
ثم قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَالْحَالُ قَدْ يَجِيءُ ذَا تَعَدُّدِ ... لِمُفْرَدٍ فَاعْلَمْ وَغَيْرِ مُفْرَدِ
صاحبُ الحال قد يتعدَّد، فتتعدّد الحال له، وقد يكون صاحبُ الحال مفرداً وتتعدد الحال له، وَالْحَالُ قَدْ يَجِيءُ، الْحَالُ: مبتدأ، وقَدْ يَجِيءُ: خبر المبتدأ، ذَا تَعَدُّدِ، ذَا حالٌ من فاعل يَجِيءُ، ذَا تَعَدُّدِ: صاحب تعدُّد، والمراد بالتعدُّد هنا التكرر، لِمُفْرَدٍ: المفرد المراد به هنا في هذا المقام غير المتكرر.
إذن إذا قيل: الحال مفردة في باب الحال إذن المراد بها غير المتكررة. وَغَيْرِ مُفْرَدِ يعني: صاحب حال غير .. وَالْحَالُ قَدْ يَجِيءُ ذَا تَعَدُّدِ يعني: يجوز تعدّدُ الحال وصاحبها مفرد، لماذا؟ لما ذكرناه مراراً أن باب الحال محمول على باب الخبر والنعت، كما يجوزُ تعدُّدُ الأخبار هناك:
وَأخْبَرُوا بِاثْنَيْنِ أوْ بِأكْثَرا ... عَنْ وَاحِدٍ ..........
стр. 1246
كذلك جازَ هنا، فالمبتدأ هناك واحد، والأخبار مُتعدّدة، كذلك قد يكون المنعوتُ واحداً والنعوت متعددة. إذن لشبهِ الحال بالخبر والنعت جازَ أن تتعدّدَ الحال وصاحبها يكون مُفرداً؛ لأن الحال شبيهةٌ بالخبر، والخبر يتعدّدُ؛ لأنه محكوم بها على صاحبها. الخبر يتعدد لأنه محكوم بها على صاحبها، كالحكم بالخبر على المبتدأ، فلذلك قولك: "جاء زيد راكباً" هذا في قوة قولك: "زيد راكب"، يعني: المعنى الدقيق الذي يكون فارقاً بينهما، لا يُؤثِّر في أصل الجملة، الإخبار موجود جاء زيد راكباً، أنتَ أخبرت بمجيء زيد بكونه راكباً، وإذا قلت: زيدٌ راكبٌ، كذلك حصلَ، وإن كان في الحال زيادةُ قيد، حينئذٍ وفَّت هذه الجملة زيد راكباً بما وَفّت به الجملة السابقة، وكذلك شبيهة بالنعت من حيث اتصاف صاحبها بصفةٍ خاصّة والنعت يتعدّد، فالحال شبيهة به فكذلك التاء تتعدد.
إذن الحال لشبهها بالخبر والنعت قد يجيءُ. قَدْ تحقيق أو تقليل؟ الظاهر أنه تحقيقُ وليس للتقليل؛ لأنه كثير، حينئذٍ تحقيق المراد أن هذا الحكم محقّق ثابتٌ. قَدْ يَجِيءُ قد للتحقيق، يَجِيءُ أي الحال، ضمير مستتر يعودُ على الحال. ذَا تَعَدُّدِ يعني: صاحب تعدد، فتقول: جاءَ زيدٌ راكباً ضاحكاً، جاء: فعل ماضي، زيد: فاعل، ضاحكاً: حال من زيد، راكباً: حال بعد حال.
ويُشترَط في تعدّد الحال للمفرد أن لا يُفصَل بينهما بعاطف، فإن فُصِل بينهما بعاطف حينئذٍ صارت الحال مُفردة، لو قال: جاءَ زيدٌ ضاحكاً وراكباً, وراكباً الواو حرفُ عطف، وراكباً معطوفاً على المنصوب، والمعطوف على المنصوب منصوب؛ لأنه لا نقول إنه حال في الإعراب، وإن كان في المعنى حال لكنه في الإعراب لا نقول: حال.
إذن يُشترَط في تعدّد الحال لمفردٍ أن لا يُعطَف بينهما بحرف العطف.
ذَا تَعَدُّدِ قد يكون التعدّد جائزاً وقد يكون واجباً، والوجوب في موضعين اثنينِ لا ثالث لهما عند النحاة، وجوباً بعد (إما) وبعدَ (لا)، بعد (إما) نحو ((إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)) , شَاكِراً وكَفُوراً: حالان، تعدّدُهما واجب؛ لوقوعهما بعد (إما)، كذلك بعد (لا) مثل "جاء زيد لا خائفاً ولا آسفاً"، نقول: خائفاً وآسفاً: حالان تعددتا لصاحب حال واحد وهو زيد. وما حكم التعدد؟ نقول: واجبٌ. ما عدا هذين الموضعين فهو جائز.
قَدْ يَجِيءُ ذَا تَعَدُّدِ جوازاً ووجوباً، والوجوبُ في مَوضعين، وما عداه يعتبر جائزاً.
стр. 1247
لِمُفْرَدٍ يعني لصاحب حال مُفرَد، كالمثال الذي ذكرناه. فَاعْلَمْ: اعلم: فعل أمر، والفاعل ضمير مُستتر تقديره أنت، والجملةُ لا محلّ لها من الإعراب مُعترِضة أو معترَضة يجوزُ فيها الوجهان، والجملة المعترِضة يجوزُ عطفها بالواو والفاء، الأصل أنها لا تُعطَف، الأصل في الجملة المعترضة لا تُعطَف، لكن يجوزُ عطفها بالواو أو الفاء: " قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ"، قلنا: " هُوَ ابْنُ مَالِكِ" يجوزُ أن يكون جملة معترضة لا محل لها من الإعراب، هناك لم يفصلها بعاطف وهذا هو الأصلُ فيها، لكن هنا فصَلها بعاطف، والعاطفُ في الجملة المعترضة لا يخلو عن اثنين: الفاء والواو فحسب، وما عداه لا، ونبّه على ذلك الصبان عند قوله: هُوَ ابْنُ مَالِكِ، قال: تنبيه؛ يجوز العطف .. إلخ.
стр. 1248
فَاعْلَمْ لمَ قال: فَاعْلَمْ؟ أتى بها لردّ قولِ ابن عصفور وهو منعُ تعدّد الحال من المفرد. ابن عصفور النحوي الشهير صاحب الشرح المقرب منعَ تعدّد الحال من مفرد فلا يُقال: "جاء زيد راكباً ضاحكاً". منعَ ابنُ عصفور هذا النوع ما لم يكن العاملُ فيه أفعلَ التفضيل، نحو "هذا بُسراً أطيب منه رطباً"، السابق يعني: المتوسّط بين حالين، والثاني عنده نعت للأول، إذا جاءَ مثل هذا التركيب عنده؛ إذا منعَ التعدد الحال فماذا يقول في "جاء زيد راكباً ضاحكاً", ضاحكاً ما إعرابه؟ الجمهورُ على أنه حال ثانية، وعنده إما إنه نعتٌ، وإما إنه حال من الضمير المستتر في الحال؛ لأن راكباً الأولى مثلاً اسم فاعل، واسم الفاعل يرفعُ ضِميراً مستتراً. إذن الحالة الثانية ليست حالاً من زيد، جاء زيدٌ ضاحكاً، ضاحكاً: حال لزيد، راكباً: ليس حالاً من زيد، وإنما حال من الضمير المستكن في اسم الفاعل الأول الحالة الأولى، وهذه يُعبَّر عنها .. يجوز عند النحاة يُعبّر عنها بالحال المتداخِلة، متداخلة أن تكون كل حال ممكن تتعدّد إلى عشرة، وكلّ حال تكون حالاً من الضمير المستكن في الحال السابقة، فإذا قال: "جاء زيد ضاحكاً راكباً قائماً نائماً"، فهذه كلها أحوال، الأخير حالٌ من الضمير المستكن في الذي قبله، والذي قبله حالٌ من الضمير المستكن في الذي قبله، وتبقى معنا حالٌ واحدة فقط، وهذا ذهبَ إليه ابن عصفور، وهو جائزٌ عند بعض النحاة على أن يُجعَل الحال الثانية مُتداخلة مع الحالة الأولى، ويُعبّر عنها بما ذكر، لكن قياسه ومنعه فيه نوع فساد. والثاني عنده نعتٌ للأول أو حال من الضمير فيه وعلة المنع .. لمَ منع؟ قال: قاسوا الحال على ظرف الزمان والمكان، وهذا غريب .. الحال أشبهُ ما يكون بالخبر أو النعت، بل التفريق بين الحال والنعت فيه نوعُ صعوبة، حينئذٍ يُعدَل عن تشبيه الحال بما هو أقربُ إليها، بل قد يكون من جنسِها إلى شيء بعيد وهو ظرف المكان، وظرف الزمان هذا فيه بُعد، فكما أن الشيءَ الواحد والشخصُ الواحد لا يكون في مكانين وزمانين، هذا يمتنعُ عقلاً، قالوا: كذلك لا يكون له حالان، وهذا بعيد، وغريب من ابنِ عصفور أن يقول هذا، لماذا؟ لأنه إذا قيل: الحال وصفٌ في المعنى فلا يمنع العقل أن يكون للشخص الواحد مائة وصف، هذا غير ممنوع، لكن كونه في مكانين في زمانين في وقت واحد هذا ممنوع. إذن فرقٌ بين المكان والزمان وبين الوصف.
إذن قوله: فَاعْلَمْ لردّ قول ابن عصفور. وَغَيْرِ مُفْرَدِ ما المراد به هنا؟ قَدْ يَجِيءُ ذَا تَعَدُّدِ لِمُفْرَدٍ فَاعْلَمْ وَغَيْرِ، وَغَيْرِ معطوف على مفردِ الأول، غَيْرِ مُفْرَدِ يعني: أن يكون التعدّد لصاحب الحال.
стр. 1249
إذن قد تكونُ الحال مُتعدّدة، وصاحبها مُفرداً، وقد تكون مُتعدّدة وصاحبها مُتعدّد كذلك، ولذا قال: غَيْرِمُفْرَدِ، وغير المفرد شمِلَ ثلاث صور، يدخلُ تحتَ قوله: غَيْرِمُفْرَدِ ثلاثُ صور: الأولى أن يكون صاحبُ الحال مُتعدِّداً والحال مجتمعة، مثل قوله تعالى: "وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ" ﴿١٤/ ٣٣﴾ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ .. دائبةً دائباً، هذا الأصل، فإذا اتحدَ لفظُ الحال ومعناها وجبت التثنية والجمع، إذا قلتَ: رأيتُ زيداً راكباً راكباً، راكباً: حال من زيد، راكباً الثانية: حال من الفاعل، إذن تعدّدَ صاحبُ الحال، لكونه فاعلاً ومفعولاً، وتعدّدت الحال، اتحدت في اللفظ والمعنى، وهنا لا يصحُّ أن يُقال: راكباً راكباً، وإنما يجبُ تثنية تقول: رأيتُ زيداً راكبين، ومنه ((دَآئِبَينَ)) أصلها دائبةً دائباً، فوجبت التثنية فقيل: ((دَآئِبَينَ)).
إذن تعدّد صاحبُ الحال والحال مُجتَمعة، يعني: في لفظٍ واحد، لكنها في المعنى مُتعددة، والاجتماعُ هذا فرعُ الاختصار الحاصل من قوله: دائباً ودائبةً.
إذن: إذا اتحدت الحال وهي المتعددة في اللفظ والمعنى وجبَ التثنية والجمع. هذه الصورة الأولى.
الصورة الثانية: أن يكونَ بتفريقٍ، يعني: مُتفرّقة الحال مع إيلاءِ كلٍّ منهما صاحبه، لقيتُ مُصعِداً زيداً مُنحدِراً، عندنا (مصعِداً) و (منحدِراً)، مُصعِداً: حال من الفاعل، ومُنحدِراً: حال من المفعول به، تضعُ كلّ حال بجانب صاحبها، تُفرّقها؛ فتقول: لقيتُ مُصعداً أنا، حالٌ مني، زيداً مُفعول به مُنحدراً، أنا طالع وهو نازل، هذا المراد، لقيتُ مُصعداً زيداً مُنحدراً. إذن تفرّقت الحال وتعددت وصاحبُ الحل كذلك مُتعدّد إلا أنك فرقتَ الحال لم تجمعها سواءً معاً.
الصورة الثالثة: أن تجمع كلاً منهما على حدة، لقيتُ زيداً مُصعداً مُنحدراً، جمعتَ صاحب الحال بعضهم لبعض وقلت: مُصعِداً منحدراً, مُصعداً مُنحدراً هنا إذا تعدّدت الحال وتعدّدَ صاحب الحال فإما أن تدلَّ قرينةٌ على التوزيع، حال لمن هذه؟ لو قال: لقيتُ هنداً مُصعِداً مُنحدرةً هذا واضح، مُصعِداً: حال من الفاعل ومنحدرة: بالتأنيث حال من هند، لكن "لقيتُ زيداً مصعداً منحدراً"، من المصعد ومن المنحدر؟ هذا محتمل، الجمهورُ على أن الحال الأولى للاسم الثاني، ما هو الاسم الثاني؟ المفعول به زيداً، والحال الثانية للأول، يعني: ليست على الترتيب، لقيتُ زيداً منحدراً, مُنحدِراً: حال من زيد، ومُصعِداً: حال من الفاعل، لماذا؟ قالوا: تخفيفاً للفساد الحاصل؛ لأنكَ لو جعلتَ الأولى للأول فصلتَ بين صاحب الحال والحال بأجنبي، وإذا جعلتَ الثانية للثاني فصلتَ بين الحال وصاحب الحال بالحال التي من الأول، لكن تخفيفاً لهذا الفساد نُعطي الأولى للاسم الثاني. إذن اتحدا. "زيداً منحدراً" هنا حصلَ اتصالُ الحالِ بصاحب الحال، ووقعَ الفصلُ بين الحال وصاحب الحال في الأولى، هذا أولى؛ تخفيف، ارتكابُ أدنى المفسدتين فنقول: هذا تخفيف بأن يُجعَل الحالُ الأولى للاسم الثاني والحال الثانية للاسم الأول؛ لئلا يفصلَ بين الأحوال.
стр. 1250
إذن هذه ثلاث صور داخلة تحت قوله: وَغَيْرِ مُفْرَدِ أن يكونُ صاحب الحال متعدداً والحال مُجتمعة، "وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ". الثاني: أن يكون بتفريقٍ مع إيلاء كلٍّ منهما صاحبه، لقيتُ مُصعِداً زيداً مُنحدِراً، أن يكون بتفريق مع عدمِ إيلاء كلِّ منهما صاحبه، لقيت زيداً مصعداً منحدراً .. فيه خلاف، الصواب أن يُجعَل الحال الأول للثاني والحال الثاني للأول.
قال الشارح: يجوزُ تعدّدُ الحال وصاحبها مُفرد أو مُتعدّد، فمثال الأول "جاء زيد راكباً ضاحكاً"، هنا الحال من زيد مُتعدّدة وهو راكب وضاحك، هذان معنيان مختلفان، "جاءَ زيدٌ راكباً ضاحكاً" حالان متعددان، وإذا قلتَ مثلاً: "اشتريتُ الرمان حلواً حامضاً"، حلواً: حال، وحامضاً: حال، في معنى واحد؟ نعم؛ حلواً حامضاً: هذا يُسمّونه المزّ عندهم، كأنك قلت: "اشتريتُ رماناً مُزّاً"، حينئذٍ صارَ في معنى واحد، أما (راكباً وضاحكاً) هذا نقول: حال مُتفرّقة في المعنى. فراكباً وضاحِكاً حالان من زيد والعامل فيهما جاءَ، وشرطُه أن لا يكونَ بطريق العطف، لا بدّ من التقيد، ومثالُ الثاني "لقيتُ هنداً مُصعداً مُنحدرةً"، هذا واضح أن الثاني حال من الثاني، ومُصعداً حال من الأول، فمُصعداً من التاء، ومُنحدرةً: حال من هند والعامل فيهما لقيتُ، ومنه قولُه:
لَقِيَ ابْنِي أَخوَيه خَائِفَاً ... مُنجِدَيهِ فَأَصَابُوا مَغنَمَاً
ابْنِي خَائِفَاً، أَخوَيه مُنجِدَيهِ، إذن خائفاً: حال من ابْنِي، ومُنجِدَيهِ: حال من أَخوَيه، فعندَ ظهورِ المعنى تُردّ كل حال إلى ما تليقُ به، وعندَ عدمِ ظهورِه يُجعَل أولُ الحالين لثاني الاسمين، وثانيهما لأول اسمين، لما ذكرناه من العلة السابقة. ففي قولك: لقيتُ زيداً مُصعِداً مُنحدِراً، مُصعِداً: حال من زيد، ومُنحدِراً: حال من التاء، وقيلَ: اجعلْ كلّ حالٍ بجانب صاحبه، "لقيتُ مُنحدراً زيداً مُصعداً"، هذا قول، والصواب ما ذكرناه أولاً؛ أنه يُجعل الأول للثاني والثاني للأول.
نقفُ على هذا والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ... !!!
стр. 1251
عناصر الدرس
* أنواع الحال من حيث التأكيد وعدمه
* الأصل في الحال أن تكون مفردة وقد تكون جملة بشروط.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا ... فِي نَحْوِ لاَ تَعْثَ فِي الاَرْضِ مُفْسِدَا
وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً فَمُضْمَرُ ... عَامِلُهَا وَلَفْظُهَا يُؤَخَّرُ
هذا شروع منه بعد أن أنهى الكلام على الحال المؤسسة, الحال عند النحاة على قسمين:
حال مؤسسة, وحال مؤكِّدة. الحال المؤسِّسة هي الأصل, قالوا: وهي التي لا يُستفاد معناها بدونها؛ بدونها يعني إذا سقطت حينئذٍ سقط معناها الذي جيء به من أجلها, فإذا قيل: جاء زيد راكباً, راكباً هذه حال مبينة مؤسسة, لو حذفتها "جاء زيد" ما استفدنا المعنى الذي دلّت عليه "راكباً" من اللفظ بعد إسقاطها, "جاء زيد راكباً". هي التي لا يستفاد معناها بدونها, إذن لا بد من ذكرها, وهذه هي التي مضت من أول الباب إلى البيت الأخير السابق يتعلق بالحال المبينة وهي المؤسسة.
والمؤكِّدة -وهي النوع الثاني- وهي التي شرعَ فيها الناظم هنا, وهي التي يُستفاد معناها بدونها, لأن التأكيد المراد به التقوية, والمؤكِّد والمؤكَّد الأصل يكون المؤكِّد زائداً على المؤكَّد, حينئذٍ لو أسقط المؤكِّد حينئذٍ دلّ المؤكَّد على المعنى الذي دلّ عليه المؤكِّد. إذن لم نستفد منها إلا مجرّد التقوية فحسب. وهي التي يُستفاد معناها بدونها, وهذه المؤكِّدة عند النحاة على ثلاثة أنحاء:
مؤكِّدة لعاملها, ومؤكِّدة لصاحبها, ومؤكِّدة لمضمون الجملة, هذه ثلاثة أنواع وإن كان في بعضها نزاع.
الأول: إما مؤكِّدة لعاملها, وهي كلّ وصف وافقَ عامله؛ إما معنى دون اللفظ، أو وافقه في اللفظ والمعنى معاً, يعني إذا جاءَ لفظ الحال موافقاً للعامل؛ إما أن يوافقَه في اللفظ والمعنى؛ وإما أن يوافقه في المعنى فحسب, كالمثال الذي ذكره الناظم هنا: (لاَ تَعْثَ فِي الاَرْضِ مُفْسِدَا).
لاَ تَعْثَ: (لاَ) هذه ناهية, تَعْثَ: هذا فعل مضارع أصله تعثو, فِي الاَرْضِ: متعلّق به, مُفْسِدَا: هذا حال من الفاعل؛ لا تعث أنت مفسداً, نقول: عثى يعثو بمعنى أفسد, حينئذٍ مُفْسِدَا ما الذي زاده على المعنى؟
نقول: هذا معلوم من قوله: (لاَ تَعْثَ فِي الاَرْضِ)؛ لأن لا تعث المراد به لا تفسد في الأرض, فمُفسداً نقول هذا أكَّد معنى عامل الحال, ووافقه في المعنى دون اللفظ.
وقد تكون مؤكِّدة له وموافقة له في اللفظ والمعنى معاً, ((وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا)) [النساء:٧٩] أرسلناك رسولاً, رسولاً حال مؤكِّدة, مؤكِّدة لأي شيء؟ للعامل الذي هو وأرسلناك من لفظه ومعناه, لو أُسقط؛ وأرسلناك للناس: معلوم أنه أُرسِل للناس رسُولاً، ما دام أنه أُرسل حينئذٍ لزِمَ منه أن يكون رسولاً, إذن يُستفاد معناها بدونها.
стр. 1252
إذن نقولُ: القسم الأول من المؤكِّدة، أن تؤكد عاملها، وهي كل وصف وافق عامله؛ إما معنى دون لفظ؛ كالمثال الذي ذكرَه الناظم: و (لاَ تَعْثَ فِي الأرضِ مُفْسِدَا).؛ لأن الإفساد والعثو بمعنى واحد, حينئذٍ وافَقَه في المعنى دون اللفظ, ((فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا)) [النمل:١٩] ضَاحِكاً حال مؤكِّدة لتبسَّم، لأنه معلوم منه إذ الابتسام نوع من الضحك, ((ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)) [التوبة:٢٥] مُدْبِرِينَ: حال مؤكِّدة للعامل وَلَّيْتُمْ, ولى وأدبر بمعنى واحد, ولّى زيد يعني فرّ، وأدبرَ يعني فرّ, حينئذٍ اختلفا في المادة واتحدا في المعنى, أو معنىً ولفظاً نحو: ((وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا)) [النساء:٧٩] هذه مؤكدة لعاملها.
أو مؤكِّدة لصاحبها، وهذه لم يذكرها الناظم, كقوله تعالى: ((لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا)) [يونس:٩٩] (مَنْ) صيغة عموم, فتدلُّ على كل الأفراد, لو لم يقل جَميِعاً لما أفادت الجمع؟ أفادت أم لا؟ لو لم يقل جميعاً في غير القرآن أفادت، لأنها لفظٌ يُفيدُ العموم فيَصدُق على كل الأفراد, فلما قالَ: جميعاً, "كلّ الناس جاءوا جميعاً" مثلاً, فنقول "جميعاً" هذا حال مؤكِّدة لصاحب الحال.
وهنا ((لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا)) (مَنْ) فاعل, (آمَنَ) فعلٌ ماضٍ, (كُلُّهُمْ) تأكيد لـ (ـمَنْ)، (جَمِيعًا) هذا منصوب على الحال. حينئذٍ نقول هذه مؤكِّدة لصاحبها.
والثالث: مؤكِّدة لمضمون الجملة، وهي التي عناها بقوله: وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً فَمُضْمَرُ.
إذن قولُه: وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا مُراده القسم الأول من أنواع الحال المؤكدة، وهي ما أكَّدت عاملها سواء وافقته في اللفظ والمعنى ((وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا)) [النساء:٧٩]، أو وافقته في المعنى دون اللفظ.
وَعَامِلُ الْحَالِ هذا مبتدأ, (عَامِلُ) مضاف و (الْحَالِ) مضاف إليه.
بِهَا قَدْ أُكِّدَا، قد أُكِّد بها, (قَدْ) حرف تحقيق, (أُكِّدَا) الألف للإطلاق, (بِهَا) جار ومجرور متعلق بـ أُكِّدَا, هنا تقدّم معمول الفعل المؤكَّد, والأصل فيه المنع, لأن ما بعد (قد) الأصل لا يعملُ فيما قبلها, حينئذٍ (بِهَا) نقول متعلق بـ (أُكِّدَا) , والضمير يعود إلى عامل الحال.
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا أين الخبر؟ جملة قَدْ أُكِّدَا.
فِي نَحْوِ هذا جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: أُكِّدَا.
فِي نَحْوِ قولك: (لاَ تَعْثَ فِي الأرضِ) هي في الأرض أصلُها, نُقلت حركةُ الهمزة إلى اللام في الَارض, ليس في الأَرض.
(لاَ تَعْثَ فِي الاَرْضِ مُفْسِدَا): مُفْسِدَا هذا حال من الفاعل تَعْثَ, يقال: عثا يعثو عثواً, وعثا يعثى عثىً, يعني بالواو وبالألف المنقلِبة عن ياء.
وذهبَ الفراء والمبرد والسهيلي إلى أن الحال لا تكونُ إلا مؤسِّسة, فالحالُ عندهم قسمٌ واحدٌ فحسب، وليست منقسمة إلى نوعين: مؤسِّسة ومؤكِّدة.
стр. 1253
وأنكروا أن تكونَ مؤكِّدة لعاملها، وتأوَّلوا الأمثلة حتى جعلوها من أمثلة المؤسِّسة, حينئذٍ الحال عندهم قسم واحد فحسب، ليست مؤكِّدة, لأنها إنما جيء بها لبيان هيئة إما الفاعل وإما المفعول وإما المضاف إلى آخره, حينئذٍ ما دلَّ على بيان هيئة أو جيءَ للدلالة على الهيئة، فالأصلُ فيه أنه يكون مُفيداً لا يُستغنى عنه بدونه, يعني لا يمكن أن تُفيد الجملة بعد ذهاب الحال مثلما ولو وجدت الحال فيستويان .. هذا ليس عندهما, ولاَ تَعْثَ فِي الاَرْضِ مُفْسِدَا، هذا مُؤوَّل حتى يجعلوها حالاً مؤسِّسة.
ولم يتعرَّضوا لإنكار المؤكّدة لصاحبها لأنها مما ولَّدَه المتأخرون .. وليسوا بمتأخرين إنما هُم من المتقدمين, إذن: لم يُنكروا الحال المؤكِّدة لصاحبها؛ لأنها غير معروفة عند المتقدمين.
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا ... فِي نَحْوِ لاَ تَعْثَ فِي الاَرْضِ مُفْسِدَا
تنقسمُ الحال إلى مؤكِّدة وغير مؤكِّدة, -هكذا قال الشارح-, فالمؤكِّدة على قسمين, وغير المؤكِّدة ما سوى القسمين, المؤكِّدة على قسمين هذا عندَ المتأخرين ليسَ مقبولاً، وإنما هي ثلاثة أقسام:
فالقسمُ الأول من المؤكِّدة: ما أكَّدت عاملها، وهي المراد بهذا البيت, وهي كل وصف دلَّ على معنى عامله وخالفَه لفظاً، وهو الأكثر, أو وافقه لفظاً وهو دون الأول في الكثرة, مثالُ الأول: (لاَ تَعْثَ فِي الأَرْضِ مُفْسِدَا) , ومنه: ((ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)) ((وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) الإفساد والعثو بمعنى واحد.
ومن الثاني قوله: ((وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا)) ((وَسَخَّرَ لَكُمُ)) ثم قال: ((مُسَخَّرَاتٍ)) هذا مما تعدَّد فيه صاحب الحال وجُمِعت الحال, أصلُه: سخَّرَ لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مُسخَّراً مُسخَّراً مُسخَّراً مُسخَّراً مُسخَّراً, هذا الأصل, فقيل: مُسَخَّرَاتٍ جُمِع هذا الأصل من باب الاختصار.
وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً فَمُضْمَرُ ... عَامِلُهَا وَلَفْظُهَا يُؤَخَّرُ
هذا هو القسم الثاني من الحال المؤكِّدة، وهي المؤكِّدة لمضمون الجملة يعني ما دلَّت عليه الجملة.
وَإِنْ تُؤَكِّدْ الحال هي تؤكِّد .. تؤكَّد تؤكِّد.
جُمْلَةً هذا مفعول به.
فَمُضْمَرُ عَامِلُهَا فمُضمرٌ عاملُها, إذن تقعُ الحالُ هنا بعد جملة, واشتُرطَ في هذه الجملة أن يكون جزءاها معرفتين, وأن يكونا جامدين, وأن تكون جملة اسمية.
وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً إذن ليسَ على إطلاق الجملة, وإن كانت الجملة تشملُ الجملةَ الفعلية والجملةَ الاسمية, لكن الجملة الفعلية هي التي عناها بقوله:
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا ... فِي نَحْوِ لاَ تَعْثَ فِي الاَرْضِ مُفْسِدَا
стр. 1254
حينئذٍ اختصَّ قوله: وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً فَمُضْمَرُ, وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً يعني: جملة اسمية؛ لأنها لو كانت فعلية لعملت في الحال, ولحاجت إلى تقدير محذوف, وهنا العامل محذوف, فالحال المؤكِّدة لمضمون الجملة هو من المواضع التي يجبُ فيها حذف عامل الحال, حينئذٍ وجبَ حذفُ عامل الحال, هذا يقتضي أن تكون الجملة ليست فعلية؛ لأنها لو كانت فعلية أو فيها ما فيه معنى الفعل لكان هو العامل في الحال, ولما احتجنا إلى تقدير محذوف ليكون هو الحال.
إذن: وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً فَمُضْمَرُ عَامِلُهَا الفاء هذه واقعة في جواب الشرط، (إن)، فَمُضْمَرُ عَامِلُهَا, فَمُضْمَرُ هذا خبر مُقدَّم, عَامِلُهَا: مبتدأ مُؤخَّر, لماذا لا يجوزُ العكس؟ ماذا؟ ضمير, عاملها مضمر؟؟؟ , فَمُضْمَرُ نقول: هذا خبر مُقدَّم, عَامِلُهَا: مبتدأ مؤخَّر, كونه مضمر وجوباً, فَمُضْمَرُ عَامِلُهَا, كونه مُضمر وجوباً يعني: محذوفاً يدلُّ على أن الجملة هذه التي تؤكَّد بالحال كونها اسمية وليست فعلية لماذا؟ لأننا لو جعلناها فعلية وقدَّرنا أن فيها ما يعملُ عملَ الفعل لما احتجنا إلى عامل يكون محذوفاً, حينئذٍ تعيَّنَ أن يكونَ الفعل المذكور في الجملة السابقة وهي جملة فعلية أو ما فيه رائحةُ الفعل أن يكون هو العامل، لكن المسألة مفروضة فيما إذا لم يكن عاملاً، فحينئذٍ نجعلُ لها عامِلاً محذوفاً واجبَ الحذف, هذا دلّ على أنها جملة اسمية وليست بفعلية.
جزءاها مَعرفتان، لا بدّ أن يكونَ المبتدأ والخبر معرفتين، لماذا؟ قالوا: هذا كذلك مأخوذ من كلام الناظم من تسميتها مؤكِّدة أو مؤكَّدة؛ لأن الشيء لا يُؤكَّد إلا إذا كان معلوماً، وإذا لم يكن معلوماً حينئذٍ لا يصح تأكيدُه, ولذلك سبقَ أن صاحبَ الحال يُشترَط فيه أن يكون معرفة أو ما هو قريب من المعرفة، وهو النكرة الذي جِيءَ بمسوِّغ معه ليصحّح كونه صاحب حال, حينئذٍ إذا لم تكن الجملة معروفة معلومة حينئذٍ لا تُؤكَّد، لأنه لا يؤكَّد إلا ما كان معروفاً معلوماً، فدلَّ على أن جزئي الجملة معرفتان.
جامدان: وهذا الشرط الثالث؛ يعني كل منهما جامد ليس بمشتق؛ لأنه لو كان مُشتقاً لكان هو العامل, لو وُجد واحدٌ منهما المبتدأ أو الخبر اسم فاعل أو اسم مفعول, أو صفة مُشبَّهة حينئذٍ لكان هو العامل في الحال، ونحن فرضنا المسألة في جملة لا عاملَ فيها بحيث نجعلُ العامل محذوفاً واجبَ الحذف.
جامدان: مأخوذ من كون الحال مؤكِّدة للجملة لأنه إذا كان أحدُ الجزأين مُشتقاً أو في حكمه كان عاملاً في الحال, فكانت مؤكِّدة لعاملها لا للجملة.
إذن: يُشترَط في هذه الجملة التي تؤكَّد, وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً أي: اسمية .. جزءاها معرفتان جامدان, اسمية لأنه عنى بقوله: وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا الجملة الفعلية، حينئذٍ لم يبقَ مُقابلاً لها إلا الاسمية، لأن ما أكَّد مضمون الجملة قسيم لما أكَّد عامل الجملة.
стр. 1255
الحال المؤكِّدة لعاملها هذا قسم, والحال المؤكِّدة لمضمون الجملة هذا قسم, تعينَ في الأولى أن تكون فعلية, لأن الحال أكَّدت العامل, والعاملُ لا يكون إلا فعلاً أو ما فيه رائحة الفعل, هذه قسيمة لها، دلَّ على أنها اسمية, كذلك هما جامدان وجزءاهما معرفتان.
وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً وإن تؤكِّد الحال هي، الضمير يعود على (الحال).
جُمْلَةً عرفنا قوله جملة, هذا يُشترَط فيه أن تكون اسمية, جزءاها معرفتان جامدان, والتعليل كما سبق.
فَمُضْمَرُعَامِلُهَا: يعني محذوف, عاملها محذوف.
وَلَفْظُهَا يُؤَخَّرُ: يعني لفظ الحال يُؤخَّر, هذا من المواضع التي ذكرناها في الست المسائل التي يجبُ فيها أن تكون الحال مُؤخَّرة عن عاملها أو عن صاحبها.
وَلَفْظُهَا يُؤَخَّرُ: وَلَفْظُهَا (الواو) هذه استئنافية, يعني: الجملة مُستأنفة أفادت حُكماً غير معلوم من السابق.
وَلَفْظُهَا يُؤَخَّرُ يعني لفظ الحال يُؤخَّر عن الجملة فلا يتقدَّم الجملة ولا يتوسَّط الجملة.
وَلَفْظُهَا يُؤَخَّرُ عن الجملة وجوباً أيضاً، لضعف العامل؛ لأنَّ العاملَ ضعيف فيجبُ تأخيره عما هو كالعوض منه وهو الجملة, كأن الجملة عوض عن العامل حينئذٍ لا تتقدَّم الحال عليه.
وأيضاً لأنها مؤكِّدة, حال مؤكِّدة, والمؤكِّد بعد المؤكَّد.
قال الشارح: هذا هو القسمُ الثاني من الحال المؤكِّدة, وهي ما أَكدت مضمون الجملة, ما المرادُ بضمون الجملة؟ المُسند والمسند إليه, ما المراد بمضمون الجملة؟ يعني مدلول الجملة, ليسَ هو اللفظ "زيد أخوك", المراد كون زيد أخاك, مضمون الجملة مم نأخذه؟
إن كان الخبر مُشتقّاً حينئذٍ نظرنا في المصدر فأضفناهُ إلى اسمها, زيد قائم: قيام زيد, هذا مضمونُ الجملة, مضمونُ الجملة نأخذه كيف؟ نقول: ننظرُ في الخبر إن كان مُشتقاً حينئذٍ نظرنا إلى المصدر، نُضيفُهُ إلى المبتدأ، تقول: قيام زيد, هذا مضمونُ الجملة, وإذا كان غير مُشتقّ حينئذٍ نظرنا إلى الكون, نأتي بلفظِ الكون مَصدر كان، فنضيفهُ إلى الاسم، ثم نأتي بالخبر منصوباً على أنه خبرٌ للكون، "زيد أخوك", "زيد قائم" ليس واردًا معنا هنا؛ لأن الخبر مُشتقّ والكلام مفروض فيما إذا كان المبتدأ والخبر جامدين, حينئذٍ نقول: زيد أخوك, ما مضمون الجملة؟ كون زيد –انظر جئتَ به مُضافا إليه- "أخاك" جئتَ بالخبر منصوباً على أنه خبرٌ للكون, "كون زيدٍ أخاك" هو الذي تؤكِّده الحال, زيد أخوك.
قال: وشرطُ الجملة أن تكون اسمية وجزءاها معرفتان جامدان, وعرفنا المأخذَ من كلام الناظم, هذه شروطٌ كلُّها مأخوذة من كلام الناظم، من قوله: جملةُ إلى آخر ما ذكرناه.
نحو ماذا؟ زيد أخوك عَطوفاً, وأنا زيد معروفة, إذن "زيد أخوك" جملة اسمية جزءاها معرفتان, زيد معرفة وأخوك معرفة, وجامدان كذلك ليس فيهما ما هو فعل أو ما فيه رائحة الفعل, وأنا زيد (أنا) مُبتدأ وزيد خبر وهي جملة اسمية, معروفاً, فعطوفاً ومعروفاً حالان وهما منصوبان بفعل محذوف وجوباً, حينئذٍ نقولُ: عطوفاً هذا أكَّدَ مضمون الجملة لأنه وقعَ بعد جملة اسمية, جزءاهما معرفة وجامدان.
стр. 1256
ومعروفاً كذلك نقولُ: مؤكِّد لمضمون الجملة, وهو أنا زيد, كون زيد أنا, وهما منصوبان حينئذٍ العامل فيهما محذوف.
قال: فَمُضْمَرُعَامِلُهَا إذن لا بدَّ أن يكون العاملُ محذوفاً، وحكمُ الحذفِ هنا الإيجاب, وهنا تأخَّرت الحالُ؛ لم تسبقها الجملة. لا يصح أن يقال: عطوفًا زيد أخوك، ولا يقال: زيد عطوفاً أخوك, لماذا لا يصحُّ؟ لضعفِ العامل, وهما منصوبان بفعل محذوف وجوباً، والتقدير في الأول: زيد أخوك أُحِقه عطوفاً, والثاني أحقّ معروفاً لأنه اسم مفعول، الأول عطوف فعول، والثاني معروف، حينئذٍ نأتي بلفظ أُحِقه معروفاً عطوفاً، فجعلنا العاملَ محذوفا, ولا يجوزُ تقديم هذه الحال على هذه الجملة، فلا تقول: "عطوفاً زيد أخوك" ولا "معروفاً أنا زيد", ولا توسِّطها بين المبتدأ والخبر لئلا يتقدَّمَ المؤكِّد على المؤ كَّد، وإن لم يقولوا ذلك في المفرد، في المفرد لم يقولوا بهذا, لكن لما كانت الحال المؤكدة الضعيفة من حيث القبول هل هي موجودة أم لا؟ ومن حيث الفائدة, ومن حيث صدقِ حدِّ الحال عليها، حينئذٍ وُجِد فيها ضعف, فعُوملت مُعاملة العامل الضعيف, فلم يتصرَّف فيها كما تُصُرِّف في الحال المبيِّنَة.
إذن: وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً فَمُضْمَرُ عَامِلُهَا أي: عاملُ الحالِ محذوف وجوباً, ولفظُها أي لفظُ الحال يُؤَخَّر عن الجملة وجوباً, فلا يجوزُ أن يتقدَّمَ على الجملة, ولا يجوزُ أن يتوسَّط بينهما.
ثم قال ﵀:
وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ ... كَجَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ
تجيءُ جملةٌ موضعَ الحال. الحال قد يقعُ اسماً مفرداً، وهذا هو الأصل, ولذلك قلنا الحال وصفٌ صريحٌ ومؤوّلٌ بالصريح يشملُ النوعين؛ لماذا؟ صريح هذا واضح, جاء زيد ضاحِكاً, ومؤوّل بالصريح؛ لأنّ من الحال ما يكون جملةً، سواء كان جملة اسمية أو جملة فعلية, وما يكون ظرفاً, وما يكون جارّاً ومجروراً, فهذه أربعة أنواع أو ثلاث, كلُّها تأتي موضع الحال فتفيدُ ما أفادته الحالُ حينئذٍ تكونُ في موضع نصبِ في الجملة, ويكونُ الظرفُ والجارُّ والمجرور مُتعلّقينِ بمحذوف واجبِ الحذف؛ إما أن يكونَ اسماً وإما أن يكون فعلاً، يجوزُ تقديرُه بفعل استقرّ، ويجوزُ تقديره بمستقرّ.
حينئذٍ نقولُ الحال يأتي اسماً مفرداً وظرفاً وجاراً ومجروراً وجملةً؛ كما نصَّ الناظم هنا عليه, وترَكَ الظرفَ ولم يُنبِّه عليه لعلّه إحالة إلى الخبر؛ لأنّ الحالَ هنا أشبهُ ما يكون بالخبر, فكما أن الخبرَ يأتي مُفرداً ويأتي جُملة, وَمُفْرَداً يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ, كما قالوا: وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أوْ بِحَرْفِ جَرْ, هذا مثلُهُ في الحكم, رأيتُ الهلالَ بينَ السحاب, رأيتُ: فعل وفاعل, والهلالَ: مفعول به, بينَ السحاب: هذا ظرف مكان مُتعلِّق بمحذوف حال تقديرُهُ استقرّ, جملة فعلية أو مُستقرّاً بالنصب؛ إذا قدَّرته مُفرداً تأتي به منصوباً، كأنه قال: رأيتُ الهلالَ مُستقرّاً بينَ السحاب.
стр. 1257
وجارّاً ومجروراً: ((فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ)) [القصص:٧٩] استقرَّ في زينته, مُستقِرّاً في زينته, كائناً في زينته, ثبتَ؛ حصلَ في زينته, إذن في زينته: نقول هذا حال وقعَ جارّاً ومجروراً, ويَتعلّقان بمستقرِّ أو استقرَّ محذوفينِ وجوباً, وجملةُ سواء كان جملة اسمية أو جملة فعلية، ولذلك قال:
وَمَوْضِعَ الْحَالِ موضعَ هذا منصوب على الظرفية المكانية, وهو على غير القياس, مَوضع مضاف والحال مضاف إليه, والعامل فيه تجيءُ, وتجيءُ: فعل مضارع, وجملةُ: فاعل, تجيء جملة موضعَ الحال, حينئذٍ تكونُ في محلِّ نصب, لأن الحالَ منصوبة وكذلك ما جاء في موضع الحال يكون منصوباً، لكن إعراب المفرد يكونُ لفظاً ظاهراً أو مُقدّراً.
وأما إعرابُ الجملةِ فيكون محليّاً. إعرابُ الجمل والمبنيات نقول هذا محليٌّ.
ويُشترَط في الجملة التي يصحُّ وقوعها حالا كونها خبرية, حينئذٍ لا يصحُّ إيقاع الجملة الطلبية ولا الإنشائية بموضع الحال, وهم حملوا الحال على باب الخبر والنعت, فهما مُشتبهين, فاشترطوا كونها خبرية تغليباً لشبهه بالنعت, تغليباً لشبه الحال بالنعت, سيأتي في النعت هنا: وَامْنَعْ هُنَا إيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ.
أي: ذات الطلب لا تصحُّ بخلاف الخبر, الخبر سبقَ معنا أنه يصحُّ أن يقال: زيدٌ اضربه, على الصحيح, يصحُّ أن تقع الجملة الطلبية خبراً لمبتدأ, زيد: مُبتدأ, اضربه: جملة طلبية يصحُّ أن تكون خبراً على المبتدأ، لكن في النعت لا يصح.
وامنع هنا -في النعت– هنا نصَّ على باب النعت, وامنع هنا إيقاع ذات الطلب, فإذا جاء حينئذٍ يُضمر فيها القول, هنا اشترطوا أن تكون خبرية تغليباً لشبه الحال بالنعت في كونه قيداً مخصّصاً على شبهه بالخبر في كونه محكوماً به. هذا من دقّة النحاة؛ لأن النعت مُخصّص, كما أن الحال مُخصِّص، والخبر محكوم به فحسب، ليس فيه فائدة الاختصاص, يعني: لا ينفى مدلولَ الخبر عن غير المبتدأ، زيد قائم: أثبتنا القيام لزيد, ليسَ فيه تخصيص, عمرو؛ خالد قد يكونُ قائماً بخلاف النعت، فالأصل فيه أن يكونَ النعتُ للاحتراز؛ جاء زيد العالم, العالم الأصل أنه احتراز عن غير العالم, فهو فيه تخصيص, الحال أيُّهما أقربُ إلى الخبر في كونه محكوماً به فحسب أو كونه فيه نوع تخصيص؟ لاشكّ أنه الثاني, فلذلك أُلحقت بالنعت في هذا المقام؛ فاشتُرطَ في الجملة أن تكون خبرية لا طلبية ولا إنشائية, وحينئذٍ يمتنعُ إيقاعُ الطلبية حالاً؛ كما يمتنعُ إيقاع الإنشائية حالاً فلا يصحّ, وما جاء من ذلك مؤول كما قال ابن هشام في الأوضح وغيره.
إذن: وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ خبرية يُقيدها, فخرجت بها الإنشائية والطلبية.
الشرط الثاني: أن تكون غير مُصدَّرة بدليل استقبال, دليل الاستقبال مثل: (لن) و (السين) و (سوف)؛ نقول هذه لا تدخلُ على الجملة الخبرية، لأن الجملة الخبرية قد تكون مُصدّرة بذلك.
стр. 1258
الثالث: أن تكون مُرتبطة؛ يعني لا بدّ من رابط كالجملة الخبرية والنعتية, الحكم واحد, الجملة في النعت لا تقعُ نعتاً إلا برابط, والجملة في الخبر لا تقع خبراً إلا برابط, وهنا الرابط إما أن يكون الواو والضمير معاً, بالواو والضمير معاً, فالواو واو الحال, واو الابتداء والضمير، ومرجعُ الضمير يكون عائداً على صاحب الحال ((خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ)) [البقرة:٢٤٣] خرجوا وهم ألوف, الواو واو الحال, هم ألوف: مبتدأ وخبر, الضمير الذي وقعَ عُمدة وهو المبتدأ، هذا رابط أيضاً يعود على صاحب الحال, خرجوا الواو, وهم ألوف: الجملة حالية وهي جملة اسمية خبرية، والرابط بين صاحب الحال هو الواو في خرجوا وبين الحال في الجملة نفسِها -اثنان: الواو نفسها واو الحال وهي رابط, وكذلك الضمير الذي هو المبتدأ.
إذن: أن تكون مُرتبطة إما بالواو والضمير معاً, يجتمعان معاً في جملة واحدة, أو بالضمير فقط, نحو: ((اهْبِطُوا ... بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)) أي: مُتعادين, اهبطوا: الواو صاحب الحال, بعضكم: الكاف هي مردّها الواو بالمعنى، حينئذٍ نقول: الرابط هنا في " بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " هذه جملة إسمية الرابط فيها الكاف بَعْضُكُمْ .. الضمير فقط, لم تأتِ الواو هنا, حينئذٍ نقول: اكتُفيَ بالضمير عن الواو، لأن الواو رابط مُستقلّ، والضمير رابط مُستقل, فإذا وُجدت الواو اكتفينا بها عن الضمير، والعكس بالعكس, وإذا اجتمعا حينئذٍ نقول اجتمع فيه رابطان. أو بالواو فقط دون الضمير ((لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ)) [يوسف:١٤] "نَحْنُ عُصْبَةٌ" مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب حال, أين الرابط؟ الواو فحسب.
إذن: يُشترَط في هذه الجملة التي يصحّ إيقاعُها حالاً ثلاثةُ شروط, وهي: أن تكونَ خبرية, أن تكون غير مُصدَّرة بدليل استقبال؛ أي حرف يدلَّ على الاستقبال؛ (أن) المصدرية أو (لن) أو (سوف) أو (السين) نقول هذه كلها ممنوع.
ولذلك امتنعَ ((فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ)) [الزخرف:٢٧] , " سَيَهْدِينِ" بعضهم أعربها حال, نقول هذا ممتنع؛ لماذا؟ لكونها مُصدّرة بـ (السين). زاد بعضهم أن لا تكون جملة الحال تعجبية, جاء زيد أكرم به؛ لا يصح, لأن ثَم نزاعا؛ هل التعجبية خبرية أم إنشائية؟ إن كانت إنشائية فالحمد لله, نحن نقول: نشترط فيها الخبرية, إن كانت خبرية حينئذٍ لا بُدّ من استثنائها, فنقول خبرية بشرط أن لا تكون تعجبية.
قال: وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ كَجَاءَ زَيْدٌ كقولك: جَاءَ زَيْدٌ, الكاف داخلة على مقول محذوف, كقولك: جاء زيد, جَاءَ: فعل ماضي مبني على الفتح؛ لا محل من الإعراب, ما معنى لا محل له من الإعراب؟
ليسَ فاعلاً ولا مبتدأً ولا مفعولاً إلى آخره, جميع المحالِّ ننفيها عن الفعل الماضي, زَيْدٌ: فاعل مرفوع بـ جَاءَ، ورفعه الضمة الظاهرة على آخره، وَهْوَ بإسكان الهاء لغة, الواو واو الحال, تُسمّى واو الابتداء؛ لأنها أكثر ما تدخلُ على المبتدأ.
وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ, وَهْوَ: مبتدأ, نَاوٍ: خبر, نَاوٍ مكسور؛ كيف يكون خبراً؟
وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بالاِبْتِدَا ... كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالْمُبْتَدَا
стр. 1259
كيف يكون مجروراً بالكسرة؟ ناويٌ, إذن هذا منقوص:
ونَوِّنِ المُنَكَّرَ المَنقُوصَا
تَقُولُ هَذَا مُشتَرٍ مُخَادِعُ ... فَِي رَفعِهِ وَجَرِّهِ خُصُوصَا
وَافزَعْ إِلى حَامٍ حِمَاهُ مَانِعُ
إذن: نَاوٍ أصله ناويٌ, قاضيٌ, استُثقلت الضمة على الياء فحُذفت, صارَ ناوي، ثم نُوِّن لأنه مُنكّر وهو واجب التنكير فالتقى ساكنان, حُذفت الياء للتخلُّص من التقاء الساكنين, صار نَاوٍ.
إذن: نَاوٍ خبر مرفوع، ورفعه ضمّة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين, إذن: نَاوٍ خبر مرفوع، ورفعه ضمّة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلُّص من التقاء الساكنين.
رِحْلَهْ: مفعول به لناوٍ لأنه اسم فاعل, إذن: كما تجيءُ موضع الخبر والنعت جملة، كذلك تتأتي في باب الحال, الأصلُ في الحال والخبر والصفة الإفراد لا شكّ في هذا, الأصلُ فيها الإفراد سواء كان في باب الخبر أو في باب النعت أو في باب الحال, الأصلُ أن تكون الحالُ مفردة (ضاحكاً).
ولذلك إذا جاءت جملة نقول: في محلّ نصب حال, ثم نؤوّلها؛ إن أمكنَ تأويلها رددناها إلى الوصف, فإن لم يمكن تُترك كما هي، ويقال: في محلّ نصب حال, وتقع الجملة موقع الحال كما تقع موقع الخبر والصفة، ولا بد فيها من رابط وهو في الحالية إما ضمير, ومرجع الضمير صاحب الحال, هناك المبتدأ والنعت على المنعوت .. والحال أن يشتملَ على ضمير يعود على صاحب الحال, نحو: جاء زيد يده على رأسه, جاء زيد: فعل وفاعل, يده على رأسه: يده مبتدأ, وعلى رأسه خبر, والجملةُ في محلّ نصب حال, وهي جملة اسمية خبرية لم تُصدَّر بعلامة استقبال, ومشتملة على رابط, وهو المضاف إليه, يده: يعني: يد زيد, هذا رابط بين الجملة الحالية وصاحب الحال. أو واو وتُسمّى واو الحال وواو الابتداء, وعلامتها يعني واو الحال وواو الابتداء صحةُ وقوع (إذ) موقعها, إذا صحَّ أن يُؤتى بـ (إذ) موقع الواو حينئذٍ قلنا هذه واو الحال, وكذلك إذا أفهمَت الجملةُ كشفاً لهيئة حينئذٍ قلنا أفادت ما أفادَه المفرد, ولذلك علامة واو الحال أن يصحّ محلها (إذ)؛ يعني من حيث معنى (إذ)؛ ليس المراد أنها مرادفة أن تُفسَّر بمعنى (إذ) , وإنما (إذ) لها علاقة بما قبلها. سيأتي هذا معنا.
جاء زيد وعمرو قائم, جاء زيد إذ عمرو قائم, أو الضمير والواو معاً: جَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ.
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ ... حَوَتْ ضَمِيراً وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا ... لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ ... ... حَوَتْ ضَمِيراً وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ
هذا كالاستثناء أو التفصيل لما سبقَ: وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ لا بدَّ من رابط, إما واو، وأما ضمير، وإما هما معاً.
بعضُ الجملِ لا يصحُّ إدخال الواو عليها, يجبُ تجريدها من الواو, ذكرَ مسألة واحدة، وهي أكثر من هذا؛ هي ست مسائل أو سبع, ذكر واحدة منها وقال:
وَذَاتُ بَدْءٍ ذات يعني جملة فعلية وقعت حالاً ذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ يعني: مفتتحة بفعل مضارع.
ثَبَتْ يعني: مُثبت لا منفي.
ذَاتُ بَدْءٍ يعني: صاحبة ابتداء, ذَاتُ: مبتدأ وهو مضاف, وبَدْءٍ: مضاف إليه.
стр. 1260
بِمُضَارِعٍ: بدء بمضارع مُتعلّق ببدء.
ثَبَتْ: الجملة نعت لمضارع.
حَوَتْ ضَمِيرَاً يعني: اشتملَت على رابطٍ هو الضمير, دون الواو ولا تدخل عليها الواو، بل يمتنع إدخال الواو على جملة حالية مفتتحة بمضارع مُثبت لا منفي, ولذلك قال:
ومِنَ الْواوِ خَلَتْ وجوباً, ومن الواو خَلَت, خَلَت من الواو, من الواو مُتعلّق بقوله: خَلَت .. وجوباً.
إذن: ذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ نقول: الحكمُ هنا مُعلَّق بالجملة الحالية إذا وقعت فعلاً مضارعاً مثبتاً؛ حينئذٍ تربط بالضمير دون الواو مثل: جاء زيد يضحكُ, جاء: فعل ماضي, وزيد: فاعل وهو صاحب الحال, (يضحك) هذه جملة، وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ, وقعَت الجملة هنا يضحك فعل وفاعل, والضميرُ مُستتر تقديره هو يعودُ على زيد, جاء زيد يضحكُ, هل يصحَّ أن يُقال: جاء زيد ويضحك؟
نقول الجواب: لا, لماذا؟ لأنهم استثنوا الجملة المضارعية المثبتة يعني: الذي لم يتقدَّم على الفعل المضارع حرف نفي, حينئذٍ نكتفي برابط واحد وهو الضمير، ولذلك قال:
حَوَتْ ضَمِيرَاً يربطها بصاحبها.
ومِنَ الْواوِ خَلَتْ وجوباً، لماذا؟ قالوا: لشبهه باسم الفاعل, أشبهَ الفعلُ المضارع المثبت اسم الفاعل, واسمُ الفاعل مفردٌ، والمفرد لا تدخل عليه الواو: جاء زيد ضاحكاً, جاء زيد يضحكُ, يضحك أشبهَ ضاحكاً, وضاحكاً لا تدخل عليه الواو، وإنما يُكتفى بالضمير؛ لأن ضاحِكاً فيه ضميرٌ يعود إلى صاحب الحال. لشبهه باسم الفاعل بخلاف الماضي فليس شبهه به شديداً, لأنه وإن أشبههُ في وقوعه صلة وصفة وحالاً؛ يزيد المضارع بكونه على حركاته وسكناته, وكالماضي في الجملة الاسمية.
أما الجملة الاسمية والجملة الفعلية المفتتحة بالماضي أو المضارع المنفي هذا سيأتي تفصيله معنا, الجملة الاسمية يصحُّ أن تقترنَ بالرابطين كما ذكرناه, يدُه على رأسه, ويده على رأسه, يجوزُ فيه الوجهان.
وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ جازَ فيه الوجهان, وهنا وجبَ تجريدها من الواو لأن المضارع أشبهَ اسم الفاعل واسم الفاعل إذا وقع حالاً لا تقترن به الواو.
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا ... لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا يعني: إذا جاءَ في لسان العرب ما ظاهرُهُ أنه مخالف للبيت الأول قررنا القاعدة أنه في لسان العرب ما إذا كانت الحال جملة فعلية مُفتتحة بمضارع مُثبت لا تدخل عليه الواو, لو جاءَ في لسان العرب ما ظاهرُه كذلك, مثل ماذا؟ قمت وأصُكُّ عينه, أصكُّ هذا فعل مضارع والجملة حالية تقدّمت عليها الواو.
قال: وَذَاتُ وَاوٍ يعني: ما سُمع من لسان العرب في الجملة السابقة صاحبة واو.
انْوِ بعدها.
مُبْتَدَا بعد الواو, وأصكُّ: وأنا أصكُّ, إذن ظاهرُها أنها جملة فعلية بالتقدير: جعلناها جملة اسمية فصحَّ دخول الواو عليها, إذن هذا فيه تأويلٌ للجملة الظاهرة التي وقعت بعد الواو نجعلها جملة اسمية, وأنا أصكُّ عينه.
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا بعد الواو.
стр. 1261
انْوِ مُبْتَدَا لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا اجعلن المضارعَ له مسنداً يعني خبراً, حينئذٍ وأنا أصكُّ نقول: أصكَّ هذه جملة في محل رفع خبر المبتدأ, أين المبتدأ؟ قدَّرناه، (أنا) لماذا؟ لنجعلَ هذا الظاهر الممنوع في لسان العرب مُوافِقاً للسان العرب, لأنه في الظاهر أنه ممنوع لأنه دخلت الواو على فعل مضارع مُثبت وواو الحال لا تدخُلُ على فعل مضارع مُثبَت, حينئذٍ لا بدّ من التأويل, ما هو التأويل؟ نقولُ هنا نُقدِّر مبتدأ محذوفاً هذا المضارع الذي تلى الواو نجعله مُسنداً يعني خبراً للمبتدأ المحذوف, تقول: قمتُ وأصكُّ عينه يعني وأنا أصكُّ عينه, إذن لا إشكالَ فيها, صارت الجملة خالصة, ومما جاء به لسان العرب.
وَذَاتُ وَاوٍ هذا مبتدأ.
بَعْدَهَا الضمير يعودُ على الواو.
انْوِ بعدَها, بعدَ هذا منصوب بـ (انو)؛ انوِ بعدها.
مُبْتَدَا هذا مفعول لـ (انْوِ).
الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ: اجْعَلَنَّ هذا فعل أمر مُؤكَّد بالنون, الْمُضَارِعَ: مفعول أول لـ (اجْعَلَ).
مُسْنَدَا يعني: خبراً له مسنداً، اجعلن المضارع مُسنداً له, له يعني للاسم المحذوف الذي هو المبتدأ.
َذَاتُ بَدْءٍ: ذَاتُ هذا مبتدأ, خبره جملة (انْوِ)، والرابط محذوف أي: انوِ فيها والضمير في بَعْدَهَا عائد على الواو.
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا ... لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
أي: إذا جاءَ من لسان العرب ما ظاهرُهُ أن جملة الحال المصدَّرة بمضارع مُثبت تلت الواو حُمِل على أن المضارع خبر مبتدأ محذوف، وحينئذٍ تخلَّصنا من المحظور.
الجملة الواقعة حالاً إن صُدِّرت بمضارع مُثبت لم يجز أن تقترنَ بالواو، بل لا تُربط إلا بالضمير, وهذا يكادُ يكون محلَّ وفاق, جاء زيد يضحك, يضحك الجملة حالية, والفعل المضارع مُثبت ولم تقترن بالواو, جاء عمرو تُقاد الجنائبُ بين يديه, تُقادُ: فعل مضارع وقع حالاً حينئذٍ لم تدخل عليه الواو, ولا يجوزُ دخول الواو, فلا تقول: جاء زيد ويضحك, لما ذكرناه من كون يضحكُ هذا مُشبه لاسم الفاعل, فإن جاءَ من لسان العرب ما ظاهرُه .. ؟؟؟ أُوِّل على إضمار مُبتدأ بعد الواو، ويكون المضارع خبراً عن ذلك المبتدأ، وذلك نحو قولهم: قمتُ وأصكُّ عينه, يعني: وأنا أصك عينه.
فَلَمَّا خَشِيتُ أظَافِيرَهُمْ ... نَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا
وأنا أرهنهم مالكاً؛ إذن كم شرطاً ذكر لهذه الجملة التي لا يصحُّ أن تقع بعد الواو؟
أولاً: كونها فعلاً مضارعاً.
ثانياً: كونه مُثبتاً.
بقيَ عليه شرطان: الأول: يمكن أخذُهُ من قوله:
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ وهو كونه أن لا يتقدَّمَ عليه معمول من معمولات الفعل المضارع, فإن تقدَّمَ عليه جازَ اقترانه بالواو.
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ يمكن نأخذُ منه شرطا ثالثا, فإن بدأتَ بمعمول المضارع جازَ الربط بالواو, ولذلك قيل: ((وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) [الفاتحة:٥] أعربها البيضاوي حالاً, ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) [الفاتحة:٥] إياك نعبد ونستعين قيلَ حال, ولما تقدَّم إياك وهو معمول نستعينُ جاز ربطها بالواو .. على قول.
стр. 1262
الرابع: أن لا تقترن بـ (قد)، هذه الجملة لا تقترن بـ (قد)، فإن اقترنت بـ (قد) حينئذٍ دخلت عليها الواو, ((لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ)) [الصف:٥] وَقَدْ تَعْلَمُونَ, إذن: دخلت الواو هنا على الجملة, دخلت الواو على الجملة لماذا؟ لكون الفعل هنا صُدِّر بـ (قد)، ويمكن أخذُهُ من كلام الناظم أيضاً:
ذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ مُطلقاً لا يسبقه أيُّ حرفٍ؛ لا تحقيق ولا نفي، فيعمُّ ذا وذاك.
فقوله: ثَبَتْ لأن المنفي إنما يكون بحرف يدلُّ على النفي؛ إما (لم) و (لما) و (لن) إلى آخره, و (لن) هذا لا يُتصوّر هنا.
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ إذن يمكن أخذُ الشروطِ الأربعة من كلام الناظم صرَّحَ بالمضارع، وصرَّحَ بكونه مُثبتاً غيرَ منفي, وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ: مفهومُه إن بدأت بمعمول المضارع دخلت عليه الواو, وهذا واضح بيَّنٌ, كذلك وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ، فإن بدأت بحرف ولو لم يكن نفياً كـ (قد) حينئذٍ نقولُ الأصل فيها دخول الواو, إذن هذه مسألة من المسائل التي لا تدخل الواو على الجملة الفعلية.
ومنها أن الجملة المضارعية المنفية بـ (لا) كذلك مثلها، يعني يُمنع من اتصال الواو بها؛ فلا تدخل عليها الواو, ((مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ)) [النمل:٢٠] لا أَرَى الْهُدْهُدَ, أرى: فعل مضارع ودخلت عليه (لا)، فهو منفي بـ (لا)، لا يصح دخول الواو عليه, إذن ليس خاصّاً بما ذكره الناظم, بل ثَم سبع مسائل يكاد يكون فيها اتفاق بين النحاة أنه لا تدخل الواو على الجملة.
الثالث: أن يكون المضارع منفياً بـ (ما) .. موجودة في حاشية ابن عقيل:
عَهْدْتُكَ مَا تَصْبُو وَفِيكَ شَبيبةٌ ... فَما لَكَ بَعْدَ الشَّيْبِ صَبًّا مُتَيَّما؟
عَهْدْتُكَ مَا تَصْبُو, (ما) نافية, وتصبو: فعل مضارع, والجملة هنا حال, لا يصحُّ دخول الواو عليه؛ لأن هذا الفعل مُصدّر بنفي وهو (ما).
رابعاً: الجملة المعطوفة على حال قبلها, ((فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ)) [الأعراف:٤] هم قائلون الجملة حال, معطوفة على حال سابق, وهي بياتاً, جاءها بأسنا بياتاً, بياتاً حال, أو هم قائلون, هم: مبتدأ, وقائلون خبر, والجملة في محلِّ نصب حال معطوفة على حال, لا يصحُّ دخول الواو على هذه الجملة لما ذكرناه.
خامساً: الجملة المؤكدة لمضمون جملة قبلها .. الذي ذكرناه سابقاً ((ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ)) [البقرة:٢] على قولِ لأن لا ريبَ حال مؤكِّدة لمضمون الجملة ((ذَلِكَ الْكِتَابُ)) [البقرة:٢] هذا في بعض الأعاريب.
سادساً: الجملة التي تقع بعد (إلا)؛ سواء كانت جملة اسمية أو فعلية, ((يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)) [يس:٣٠] لا يصحّ (إلا وكانوا) , وقد وردَ ذلك شذوذاً في بعض الكلام.
سابعاً: الجملة الفعلية التي فعلها ماضٍ مسبوق بـ (أو) العاطفة, لأضربنه حضر أو غاب, نقول هذه جملة فعلية فعلها ماضي مسبوق بـ (أو) العاطفة: حضر أو غاب, وعبَّرَ عنها ابنُ هشام الماضي المتلو بـ (أو).
إذن: هذه سبعُ مسائل يمتنعُ فيها دخول الواو على الجملة الحالية.
ثم قال ﵀:
стр. 1263
وَجُمْلَةُ الْحَاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا ... بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا
هذا من الأبيات المشكلة في الألفية.
وَجُمْلَةُ الْحاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا ما هو سِوَى مَا قُدِّمَا؟ ماذا قدَّمَ هو؟ قدَّمَ مسألة واحدة وهي المُفتتحة بالمضارع المُثبت, ما سواها: أنت مخيَّرٌ بينَ أن تصلَها بالواو فقط أو بالمضمر فقط أو بهما معاً، وهذا يشملُ السبع المسائل أو الست المسائل التي زدناها على كلام الناظم, لكن قيلَ لأن الأكثر في لسان العرب هو ما تدخل الواو على الجملة الحالية لم يعتبر ذاك المخالف يعني تنزيلاً للأكثر مَنزلة الكل, كأنه قال: سِوَى مَا قُدِّمَا هذا استثناء، والاستثناء معيار العموم، فدَلَّ على أن كل ما عدا المسألة التي ذكرها المفتتحة بالمضارع المُثبت أنت مخيَّرٌ بين هذه الروابط, والصواب لا بد من التفصيل.
وَجُمْلَةُ الْحاَلِ سواء كانت فعلية أو اسمية.
سِوَى هذا منصوب على الاستثناء على رأي الناظم خلافاً لسيبوية, وعلى مذهب سيبوية منصوب على الظرفية.
سِوَى مَا قُدِّمَا، مَا قُدِّمَا الألف هذه للأطلاق, ما قُدّما (ما) واقعة على الجملة التي تقع حالاً.
بِوَاوٍ: وجملة الحال بواو, جملة الحال مبتدأ, بواو جار ومجرور متعلِّق بمحذوف, لكن هنا هل نجعلُ المحذوف كوناً مطلقاً أو خاصاً؟ لو جعلناهُ كوناً مطلقاً ما حصلَ فيه المعنى الذي يُراد .. وَجُمْلَةُ الْحاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا كائنة بواوٍ؟ لا, ليس المراد هذا, حينئذٍ نقولُ: مُتعلّق بمحذوف وليس كوناً مطلقاً، بل نُقدِّره إما مستعملا أو جاء بواو وحُذِفَ للعلم به, لأن السياق يدلُّ عليه, السياقُ يدلُّ على أن مُتعلّق الخبر هنا خاصّ وليس بعام؛ إذ لو كان عاماً لما فُهِم المعنى المراد.
بِوَاوٍ نقول: هذا خبر، وتُسمّى واو الحال وواو الابتداء؛ لأنها تدخلُ كثيراً على المبتدأ وإن لم تلزمه؛ ليست بلازمة له أو لوقوعها في ابتداء الحال, وقدَّرها سيبوية والأقدمون بـ (إذ) السابقة .. ذكرَها ابن عقيل, ولا يُريدون أنها بمعناها؛ إذ لا يُرادِف الحرفُ الاسم, الحرفُ لا يُرادِف الاسم، إذا قيل الواو هذه بمعنى (إذ)؛ (إذ) تدل على الزمن الماضي، ليس المراد أن (الواو) تدلُّ على ما دلّت عليه (إذ)، لأن الحرفَ ليس فيه معنى في الأصل، و (إذ) هذا اسم كلمة دلَّت على معنى في نفسها, والحرفُ كلمة دلّت على معنى في غيرها, بل إنها وما بعدها قَيدٌ للعامل السابق، كما أن (إذ) تدلُّ على أن ما بعدها .. لإنها مُلازمة للإضافة, أن ما بعدها قيدٌ للعامل السابق مثلها واو الابتداء, جَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ, ما بعدَها مُرتبِط بما قبلها وهو العامل, كذلك (إذ) تدلُّ على أن ما بعدَها مُرتبِط بما قبلها, فالتشبيهُ حينئذٍ في الوظيفة .. في العمل فحسب، وليس في المعنى.
وَجُمْلَةُ الْحاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا بِوَاوٍ قلنا هذا الخبر مُتعلِّق بمحذوف وهو كون خاص.
(أَوْ) للتخيير، بِوَاوٍ اوْ بإسقاط الهمزة طبعاً.
بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ: أَوْ للتخيير يعني أنت مُخيَّر بين الواو فقط، أَوْ بِمُضْمَرٍ يعني بالضمير فقط, ومرجعُهُ يكون إلى صاحب الحال.
أَوْ أيضاً للتخيير.
стр. 1264
بِهِمَا معاً, أن تقرنَ بين الواو والضمير.
قالَ ابن عقيل: الجملة الحالية إمّا أن تكون اسمية أو فعلية, والفعليةُ إما مُفتتحة بمضارع أو بماض أو بأمر .. الجملةُ الفعليةُ إما أن تكونَ مفتتحة بمضارع أو بماضٍ أو أمر, لأنها جملة فعلية, لا تكون خبرية, الجملة إذا وقعت فعلَ أمرٍ لا تكون حالاً لأنه يُشترَط فيها أن تكون جملة خبرية لا إنشائية ولا طلبية.
وكلّ واحد من هذه الأقسام: المضارع والماضي والاسمية؛ إما أن يكون مثبتاً، وإما أن يكون منفياً, وقد تقدَّمَ أنه إذا صُدِّرت الجملة بمضارع مُثبت لا تصحبها الواو, وزِد عليه المسائل التي ذكرناها, بل لا ترتبطُ إلا بالضمير فقط, وذكرَ في هذا البيت أن ما عدا ذلك يجوزُ فيه أن يربط بالواو وحدها، أو بالضمير وحده أو بهما, فيدخل في ذلك حينئذٍ الجملة الاسمية المثبتة والمنفية والمضارع المنفي والماضي المثبت والمنفي؛ لأنها محصورة جُمْلَةُ الْحاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا شمل الاسمية بنوعيها المثبتة والمنفية والفعل الماضي المثبت والمنفي والمضارع المنفي, فتقول: جاء زيد وعمرو قائم, عمرو قائم هنا جملة اسمية مربوطة بالواو .. واو الحال, وجاء زيد يدهُ على رأسه, مربوطة بالضمير يدُهُ على رأسه, وجاء زيد ويُدُه على رأسه؟ بهما معاً.
إذن: جملة اسمية واحدة صحَّ اقترانُها بالواو فقط, أو بالضمير فقط, أو بهما معاً, وكذلك المنفي: جاء زيد ولم يضحك, أو ولم يقم عمرو, وجاء زيدٌ وقد قامَ عمرو, قام عمرو, انظر (قد) هنا قدَّرها بعد الواو كما سيأتي, وجاء زيد قد قامَ عمرو إذ جاء الفعل الماضي حينئذٍ يُؤتى بـ (قد) إما على جهة الوجوب وإما على جهة الاستحباب، فيه خلاف. وإذا كانت مذكورة لا إشكال فيها وإذا كانت محذوفة حينئذٍ تُقدَّر, والكوفيون لا يرون مطلقَ التقدير. وجاء زيد قد قام أبوه, وجاء زيد وقد قام أبوه, وكذلك المنفي: جاء زيد وما قام عمرو, وجاء زيد ما قام أبوه أو وما قام أبوه, إذن الجملة الماضوية منفية أو مثبتة يجوزُ أن تربط بالواو فقط أو بالضمير فقط أو بهما معاً.
قال ابنُ عقيل: ويدخلُ تحتَ هذا أيضاً المضارع المنفي بـ (لا)، وهذا سبقَ أنه ماذا؟ ((مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ)) [النمل:٢٠] أنه لا يقترنُ بالواو وليس هذا فحسب، بل المسائل الست كلّها داخلة تحت قوله, وعلى هذا تقول: جاء زيد ولا يضرب عمراً بالواو وهذا قبيح, وذكر المصنفُ في غير هذا الكتاب أنه لا يجوزُ اقترانُه بالواو كالمضارع المثبت إذن يجب استثناؤه, وأن ما وردَ مما ظاهرُهُ ذلك يُؤوّلُ على إضمار مُبتدأ كقراءة ابن ذكوان: ((فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَان)) [يونس:٨٩] بتخفيف النون والتقدير: أنتما لا تتبعان, فلا تتبعان خبر مبتدأ محذوف.
стр. 1265
إذن: ما عدا ما ذكره من المضارع المثبت على كلامه وأجراهُ على ظاهره ابن عقيل أنه يُخيَّر بين ربطها بالواو فقط أو بالضمير فقط أو بهما فقط, والصوابُ أنه يُستثنى المسائل الست, ويُقال بأن الناظم إنما عَمّم لأن الأكثر .. كما رأيتَ من الأمثلة .. الأكثر الكثير جداً في لسان العرب أنت مُخيَّر بين هذه الروابط. حينئذٍ عامل الأكثر مُعاملة الكل؛ كأنه لم يعتبرها, ثم يُقال أيضاً في هذا المقام أن مذهب البصريين إلا الأخفش لزوم (قد) مع الماضي المثبت, الماضي المثبت يلزمُ أن تتصل به (قد)؛ لماذا؟ لأن (قد) هذه تُقرِّب الماضي إلى الحال كما ذكرناه سابقاً, قامَ زيد هذا في الزمن البعيد يحتملُ قبل سنة سنتين عشر قام زيد, لكن إذا أردتَ الزمن القريب تأتي بـ (قد) فإذا أردتَ البعيد وجئتَ بـ (قد) أخطأتَ, إذا أردتَ البعيد وجئتَ بـ (قد) حينئذٍ أخطأتَ, وإذا أردتَ القريب وتركتَ (قد) أخطأت, لكن من يدري عن هذا الخطأ؟ قامَ زيد هذا في الزمن البعيد, الزمن القريب: قد قام زيد, ولذلك تقول: قد قامت الصلاة, يعني قرُبَ زمنُها, قامت الصلاة معناها أُقيمت في السابق, لما كان الحال الأصل فيها أن تكون مقارنة لصاحبها تقول: جاء زيد، أنت تخبرُ عن زيد بشيء يقعُ معه أو شيء وقعَ في الزمن البعيد, إذا قلت: جاء زيد وقد قام أبوه, إذا قلتَ: جاء زيد الآن تخبِرُ عن مجيء زيد, هل تصفُه بوصفٍ وقعَ في زمن ماضي بعيد أم في زمن قريب من الحال من أجل أن تقرب الجملة الماضوية إلى الحالية التي هي الفعل المضارع؟ لا شكّ أنه الثاني, ولذلك ألزمَ بعضُهم إدخال (قد) على الفعل الماضي. مذهبُ البصريين إلا الأخفش لزومُ (قد) مع الماضي المثبت مُطلقاً ظاهرة أو مقدرة, إن لُفِظَ بها فلا إشكال, إن لم يُلفظ بها لا بد من التقدير, ولذلك ترى المُعربين في التفسير هناك يقولون على تقدير (قد) دائماً, إذا جاءت الجملة الماضوية في الإثبات بالواو فقط حينئذٍ يقولون: على تقدير (قد) , جاء زيد وقام عمرو .. وقد قامَ عمرو يُقدَّرُ (قد) لماذا؟ لأنه فعلٌ ماضي مُثبت، والأصلُ فيه أن يُوصَف به صاحب الحال في الزمن القريب, وهذا الذي يُقرِّبُه لنا هو (قد) على جهة الخصوص, سواء رُبِط بالواو أو بالضمير أو بهما مُطلقاً؛ يعني بدون تفصيل بدون نظر إلى الرابط, متى ما جيءَ بالفعل الماضي المثبت حينئذٍ لا بُدّ من تقدير (قد)؛ إن لُفِظ بها فلا إشكال, وسواء ربط بالواو أو بالضمير أو بهما.
والمختار وِفاقاًَ للكوفيين والأخفش لزومُها مع المرتبِط بالواو فقط؛ لأنه هو الكثير في لسان العرب, وما عداهُ هو جوازُ إثباتِها وحذفِها في المرتبط بالضمير وحدَه أو بهما معاً.
مذهبُ البصريين أنه يؤتى بـ (قد) مطلقاً؛ سواء كان الضمير وحدَه أو الواو وحده أو بهما معاً, مذهبُ الكوفيين وهو الموافق للمنقول أنه يُفصل فيها لزومها مع المرتبط بالواو فقط, إذا جاءت بالواو لزِمَ أن يُؤتى بـ (قد) إن لُفِظ بها فلا إشكال, إن لم يُلفظ حينئذٍ وجبَ تقديرُها، وجواز إثباتها وحذفها في المرتبط بالضمير وحده أو بهما معاً.
следующие страницы →