← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36130

شرح ألفية ابن مالك للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

انْوِ مُبْتَدَا لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا اجعلن المضارعَ له مسنداً يعني خبراً, حينئذٍ وأنا أصكُّ نقول: أصكَّ هذه جملة في محل رفع خبر المبتدأ, أين المبتدأ؟ قدَّرناه، (أنا) لماذا؟ لنجعلَ هذا الظاهر الممنوع في لسان العرب مُوافِقاً للسان العرب, لأنه في الظاهر أنه ممنوع لأنه دخلت الواو على فعل مضارع مُثبت وواو الحال لا تدخُلُ على فعل مضارع مُثبَت, حينئذٍ لا بدّ من التأويل, ما هو التأويل؟ نقولُ هنا نُقدِّر مبتدأ محذوفاً هذا المضارع الذي تلى الواو نجعله مُسنداً يعني خبراً للمبتدأ المحذوف, تقول: قمتُ وأصكُّ عينه يعني وأنا أصكُّ عينه, إذن لا إشكالَ فيها, صارت الجملة خالصة, ومما جاء به لسان العرب. وَذَاتُ وَاوٍ هذا مبتدأ. بَعْدَهَا الضمير يعودُ على الواو. انْوِ بعدَها, بعدَ هذا منصوب بـ (انو)؛ انوِ بعدها. مُبْتَدَا هذا مفعول لـ (انْوِ). الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ: اجْعَلَنَّ هذا فعل أمر مُؤكَّد بالنون, الْمُضَارِعَ: مفعول أول لـ (اجْعَلَ). مُسْنَدَا يعني: خبراً له مسنداً، اجعلن المضارع مُسنداً له, له يعني للاسم المحذوف الذي هو المبتدأ. َذَاتُ بَدْءٍ: ذَاتُ هذا مبتدأ, خبره جملة (انْوِ)، والرابط محذوف أي: انوِ فيها والضمير في بَعْدَهَا عائد على الواو. وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا ... لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا أي: إذا جاءَ من لسان العرب ما ظاهرُهُ أن جملة الحال المصدَّرة بمضارع مُثبت تلت الواو حُمِل على أن المضارع خبر مبتدأ محذوف، وحينئذٍ تخلَّصنا من المحظور. الجملة الواقعة حالاً إن صُدِّرت بمضارع مُثبت لم يجز أن تقترنَ بالواو، بل لا تُربط إلا بالضمير, وهذا يكادُ يكون محلَّ وفاق, جاء زيد يضحك, يضحك الجملة حالية, والفعل المضارع مُثبت ولم تقترن بالواو, جاء عمرو تُقاد الجنائبُ بين يديه, تُقادُ: فعل مضارع وقع حالاً حينئذٍ لم تدخل عليه الواو, ولا يجوزُ دخول الواو, فلا تقول: جاء زيد ويضحك, لما ذكرناه من كون يضحكُ هذا مُشبه لاسم الفاعل, فإن جاءَ من لسان العرب ما ظاهرُه .. ؟؟؟ أُوِّل على إضمار مُبتدأ بعد الواو، ويكون المضارع خبراً عن ذلك المبتدأ، وذلك نحو قولهم: قمتُ وأصكُّ عينه, يعني: وأنا أصك عينه. فَلَمَّا خَشِيتُ أظَافِيرَهُمْ ... نَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا وأنا أرهنهم مالكاً؛ إذن كم شرطاً ذكر لهذه الجملة التي لا يصحُّ أن تقع بعد الواو؟ أولاً: كونها فعلاً مضارعاً. ثانياً: كونه مُثبتاً. بقيَ عليه شرطان: الأول: يمكن أخذُهُ من قوله: وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ وهو كونه أن لا يتقدَّمَ عليه معمول من معمولات الفعل المضارع, فإن تقدَّمَ عليه جازَ اقترانه بالواو. وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ يمكن نأخذُ منه شرطا ثالثا, فإن بدأتَ بمعمول المضارع جازَ الربط بالواو, ولذلك قيل: ((وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) [الفاتحة:٥] أعربها البيضاوي حالاً, ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) [الفاتحة:٥] إياك نعبد ونستعين قيلَ حال, ولما تقدَّم إياك وهو معمول نستعينُ جاز ربطها بالواو .. على قول.

стр. 1262

الرابع: أن لا تقترن بـ (قد)، هذه الجملة لا تقترن بـ (قد)، فإن اقترنت بـ (قد) حينئذٍ دخلت عليها الواو, ((لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ)) [الصف:٥] وَقَدْ تَعْلَمُونَ, إذن: دخلت الواو هنا على الجملة, دخلت الواو على الجملة لماذا؟ لكون الفعل هنا صُدِّر بـ (قد)، ويمكن أخذُهُ من كلام الناظم أيضاً: ذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ مُطلقاً لا يسبقه أيُّ حرفٍ؛ لا تحقيق ولا نفي، فيعمُّ ذا وذاك. فقوله: ثَبَتْ لأن المنفي إنما يكون بحرف يدلُّ على النفي؛ إما (لم) و (لما) و (لن) إلى آخره, و (لن) هذا لا يُتصوّر هنا. وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ إذن يمكن أخذُ الشروطِ الأربعة من كلام الناظم صرَّحَ بالمضارع، وصرَّحَ بكونه مُثبتاً غيرَ منفي, وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ: مفهومُه إن بدأت بمعمول المضارع دخلت عليه الواو, وهذا واضح بيَّنٌ, كذلك وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ، فإن بدأت بحرف ولو لم يكن نفياً كـ (قد) حينئذٍ نقولُ الأصل فيها دخول الواو, إذن هذه مسألة من المسائل التي لا تدخل الواو على الجملة الفعلية. ومنها أن الجملة المضارعية المنفية بـ (لا) كذلك مثلها، يعني يُمنع من اتصال الواو بها؛ فلا تدخل عليها الواو, ((مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ)) [النمل:٢٠] لا أَرَى الْهُدْهُدَ, أرى: فعل مضارع ودخلت عليه (لا)، فهو منفي بـ (لا)، لا يصح دخول الواو عليه, إذن ليس خاصّاً بما ذكره الناظم, بل ثَم سبع مسائل يكاد يكون فيها اتفاق بين النحاة أنه لا تدخل الواو على الجملة. الثالث: أن يكون المضارع منفياً بـ (ما) .. موجودة في حاشية ابن عقيل: عَهْدْتُكَ مَا تَصْبُو وَفِيكَ شَبيبةٌ ... فَما لَكَ بَعْدَ الشَّيْبِ صَبًّا مُتَيَّما؟ عَهْدْتُكَ مَا تَصْبُو, (ما) نافية, وتصبو: فعل مضارع, والجملة هنا حال, لا يصحُّ دخول الواو عليه؛ لأن هذا الفعل مُصدّر بنفي وهو (ما). رابعاً: الجملة المعطوفة على حال قبلها, ((فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ)) [الأعراف:٤] هم قائلون الجملة حال, معطوفة على حال سابق, وهي بياتاً, جاءها بأسنا بياتاً, بياتاً حال, أو هم قائلون, هم: مبتدأ, وقائلون خبر, والجملة في محلِّ نصب حال معطوفة على حال, لا يصحُّ دخول الواو على هذه الجملة لما ذكرناه. خامساً: الجملة المؤكدة لمضمون جملة قبلها .. الذي ذكرناه سابقاً ((ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ)) [البقرة:٢] على قولِ لأن لا ريبَ حال مؤكِّدة لمضمون الجملة ((ذَلِكَ الْكِتَابُ)) [البقرة:٢] هذا في بعض الأعاريب. سادساً: الجملة التي تقع بعد (إلا)؛ سواء كانت جملة اسمية أو فعلية, ((يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)) [يس:٣٠] لا يصحّ (إلا وكانوا) , وقد وردَ ذلك شذوذاً في بعض الكلام. سابعاً: الجملة الفعلية التي فعلها ماضٍ مسبوق بـ (أو) العاطفة, لأضربنه حضر أو غاب, نقول هذه جملة فعلية فعلها ماضي مسبوق بـ (أو) العاطفة: حضر أو غاب, وعبَّرَ عنها ابنُ هشام الماضي المتلو بـ (أو). إذن: هذه سبعُ مسائل يمتنعُ فيها دخول الواو على الجملة الحالية. ثم قال ﵀:

стр. 1263

وَجُمْلَةُ الْحَاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا ... بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا هذا من الأبيات المشكلة في الألفية. وَجُمْلَةُ الْحاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا ما هو سِوَى مَا قُدِّمَا؟ ماذا قدَّمَ هو؟ قدَّمَ مسألة واحدة وهي المُفتتحة بالمضارع المُثبت, ما سواها: أنت مخيَّرٌ بينَ أن تصلَها بالواو فقط أو بالمضمر فقط أو بهما معاً، وهذا يشملُ السبع المسائل أو الست المسائل التي زدناها على كلام الناظم, لكن قيلَ لأن الأكثر في لسان العرب هو ما تدخل الواو على الجملة الحالية لم يعتبر ذاك المخالف يعني تنزيلاً للأكثر مَنزلة الكل, كأنه قال: سِوَى مَا قُدِّمَا هذا استثناء، والاستثناء معيار العموم، فدَلَّ على أن كل ما عدا المسألة التي ذكرها المفتتحة بالمضارع المُثبت أنت مخيَّرٌ بين هذه الروابط, والصواب لا بد من التفصيل. وَجُمْلَةُ الْحاَلِ سواء كانت فعلية أو اسمية. سِوَى هذا منصوب على الاستثناء على رأي الناظم خلافاً لسيبوية, وعلى مذهب سيبوية منصوب على الظرفية. سِوَى مَا قُدِّمَا، مَا قُدِّمَا الألف هذه للأطلاق, ما قُدّما (ما) واقعة على الجملة التي تقع حالاً. بِوَاوٍ: وجملة الحال بواو, جملة الحال مبتدأ, بواو جار ومجرور متعلِّق بمحذوف, لكن هنا هل نجعلُ المحذوف كوناً مطلقاً أو خاصاً؟ لو جعلناهُ كوناً مطلقاً ما حصلَ فيه المعنى الذي يُراد .. وَجُمْلَةُ الْحاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا كائنة بواوٍ؟ لا, ليس المراد هذا, حينئذٍ نقولُ: مُتعلّق بمحذوف وليس كوناً مطلقاً، بل نُقدِّره إما مستعملا أو جاء بواو وحُذِفَ للعلم به, لأن السياق يدلُّ عليه, السياقُ يدلُّ على أن مُتعلّق الخبر هنا خاصّ وليس بعام؛ إذ لو كان عاماً لما فُهِم المعنى المراد. بِوَاوٍ نقول: هذا خبر، وتُسمّى واو الحال وواو الابتداء؛ لأنها تدخلُ كثيراً على المبتدأ وإن لم تلزمه؛ ليست بلازمة له أو لوقوعها في ابتداء الحال, وقدَّرها سيبوية والأقدمون بـ (إذ) السابقة .. ذكرَها ابن عقيل, ولا يُريدون أنها بمعناها؛ إذ لا يُرادِف الحرفُ الاسم, الحرفُ لا يُرادِف الاسم، إذا قيل الواو هذه بمعنى (إذ)؛ (إذ) تدل على الزمن الماضي، ليس المراد أن (الواو) تدلُّ على ما دلّت عليه (إذ)، لأن الحرفَ ليس فيه معنى في الأصل، و (إذ) هذا اسم كلمة دلَّت على معنى في نفسها, والحرفُ كلمة دلّت على معنى في غيرها, بل إنها وما بعدها قَيدٌ للعامل السابق، كما أن (إذ) تدلُّ على أن ما بعدها .. لإنها مُلازمة للإضافة, أن ما بعدها قيدٌ للعامل السابق مثلها واو الابتداء, جَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ, ما بعدَها مُرتبِط بما قبلها وهو العامل, كذلك (إذ) تدلُّ على أن ما بعدَها مُرتبِط بما قبلها, فالتشبيهُ حينئذٍ في الوظيفة .. في العمل فحسب، وليس في المعنى. وَجُمْلَةُ الْحاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا بِوَاوٍ قلنا هذا الخبر مُتعلِّق بمحذوف وهو كون خاص. (أَوْ) للتخيير، بِوَاوٍ اوْ بإسقاط الهمزة طبعاً. بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ: أَوْ للتخيير يعني أنت مُخيَّر بين الواو فقط، أَوْ بِمُضْمَرٍ يعني بالضمير فقط, ومرجعُهُ يكون إلى صاحب الحال. أَوْ أيضاً للتخيير.

стр. 1264

بِهِمَا معاً, أن تقرنَ بين الواو والضمير. قالَ ابن عقيل: الجملة الحالية إمّا أن تكون اسمية أو فعلية, والفعليةُ إما مُفتتحة بمضارع أو بماض أو بأمر .. الجملةُ الفعليةُ إما أن تكونَ مفتتحة بمضارع أو بماضٍ أو أمر, لأنها جملة فعلية, لا تكون خبرية, الجملة إذا وقعت فعلَ أمرٍ لا تكون حالاً لأنه يُشترَط فيها أن تكون جملة خبرية لا إنشائية ولا طلبية. وكلّ واحد من هذه الأقسام: المضارع والماضي والاسمية؛ إما أن يكون مثبتاً، وإما أن يكون منفياً, وقد تقدَّمَ أنه إذا صُدِّرت الجملة بمضارع مُثبت لا تصحبها الواو, وزِد عليه المسائل التي ذكرناها, بل لا ترتبطُ إلا بالضمير فقط, وذكرَ في هذا البيت أن ما عدا ذلك يجوزُ فيه أن يربط بالواو وحدها، أو بالضمير وحده أو بهما, فيدخل في ذلك حينئذٍ الجملة الاسمية المثبتة والمنفية والمضارع المنفي والماضي المثبت والمنفي؛ لأنها محصورة جُمْلَةُ الْحاَلِ سِوَى مَا قُدِّمَا شمل الاسمية بنوعيها المثبتة والمنفية والفعل الماضي المثبت والمنفي والمضارع المنفي, فتقول: جاء زيد وعمرو قائم, عمرو قائم هنا جملة اسمية مربوطة بالواو .. واو الحال, وجاء زيد يدهُ على رأسه, مربوطة بالضمير يدُهُ على رأسه, وجاء زيد ويُدُه على رأسه؟ بهما معاً. إذن: جملة اسمية واحدة صحَّ اقترانُها بالواو فقط, أو بالضمير فقط, أو بهما معاً, وكذلك المنفي: جاء زيد ولم يضحك, أو ولم يقم عمرو, وجاء زيدٌ وقد قامَ عمرو, قام عمرو, انظر (قد) هنا قدَّرها بعد الواو كما سيأتي, وجاء زيد قد قامَ عمرو إذ جاء الفعل الماضي حينئذٍ يُؤتى بـ (قد) إما على جهة الوجوب وإما على جهة الاستحباب، فيه خلاف. وإذا كانت مذكورة لا إشكال فيها وإذا كانت محذوفة حينئذٍ تُقدَّر, والكوفيون لا يرون مطلقَ التقدير. وجاء زيد قد قام أبوه, وجاء زيد وقد قام أبوه, وكذلك المنفي: جاء زيد وما قام عمرو, وجاء زيد ما قام أبوه أو وما قام أبوه, إذن الجملة الماضوية منفية أو مثبتة يجوزُ أن تربط بالواو فقط أو بالضمير فقط أو بهما معاً. قال ابنُ عقيل: ويدخلُ تحتَ هذا أيضاً المضارع المنفي بـ (لا)، وهذا سبقَ أنه ماذا؟ ((مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ)) [النمل:٢٠] أنه لا يقترنُ بالواو وليس هذا فحسب، بل المسائل الست كلّها داخلة تحت قوله, وعلى هذا تقول: جاء زيد ولا يضرب عمراً بالواو وهذا قبيح, وذكر المصنفُ في غير هذا الكتاب أنه لا يجوزُ اقترانُه بالواو كالمضارع المثبت إذن يجب استثناؤه, وأن ما وردَ مما ظاهرُهُ ذلك يُؤوّلُ على إضمار مُبتدأ كقراءة ابن ذكوان: ((فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَان)) [يونس:٨٩] بتخفيف النون والتقدير: أنتما لا تتبعان, فلا تتبعان خبر مبتدأ محذوف.

стр. 1265

إذن: ما عدا ما ذكره من المضارع المثبت على كلامه وأجراهُ على ظاهره ابن عقيل أنه يُخيَّر بين ربطها بالواو فقط أو بالضمير فقط أو بهما فقط, والصوابُ أنه يُستثنى المسائل الست, ويُقال بأن الناظم إنما عَمّم لأن الأكثر .. كما رأيتَ من الأمثلة .. الأكثر الكثير جداً في لسان العرب أنت مُخيَّر بين هذه الروابط. حينئذٍ عامل الأكثر مُعاملة الكل؛ كأنه لم يعتبرها, ثم يُقال أيضاً في هذا المقام أن مذهب البصريين إلا الأخفش لزوم (قد) مع الماضي المثبت, الماضي المثبت يلزمُ أن تتصل به (قد)؛ لماذا؟ لأن (قد) هذه تُقرِّب الماضي إلى الحال كما ذكرناه سابقاً, قامَ زيد هذا في الزمن البعيد يحتملُ قبل سنة سنتين عشر قام زيد, لكن إذا أردتَ الزمن القريب تأتي بـ (قد) فإذا أردتَ البعيد وجئتَ بـ (قد) أخطأتَ, إذا أردتَ البعيد وجئتَ بـ (قد) حينئذٍ أخطأتَ, وإذا أردتَ القريب وتركتَ (قد) أخطأت, لكن من يدري عن هذا الخطأ؟ قامَ زيد هذا في الزمن البعيد, الزمن القريب: قد قام زيد, ولذلك تقول: قد قامت الصلاة, يعني قرُبَ زمنُها, قامت الصلاة معناها أُقيمت في السابق, لما كان الحال الأصل فيها أن تكون مقارنة لصاحبها تقول: جاء زيد، أنت تخبرُ عن زيد بشيء يقعُ معه أو شيء وقعَ في الزمن البعيد, إذا قلت: جاء زيد وقد قام أبوه, إذا قلتَ: جاء زيد الآن تخبِرُ عن مجيء زيد, هل تصفُه بوصفٍ وقعَ في زمن ماضي بعيد أم في زمن قريب من الحال من أجل أن تقرب الجملة الماضوية إلى الحالية التي هي الفعل المضارع؟ لا شكّ أنه الثاني, ولذلك ألزمَ بعضُهم إدخال (قد) على الفعل الماضي. مذهبُ البصريين إلا الأخفش لزومُ (قد) مع الماضي المثبت مُطلقاً ظاهرة أو مقدرة, إن لُفِظَ بها فلا إشكال, إن لم يُلفظ بها لا بد من التقدير, ولذلك ترى المُعربين في التفسير هناك يقولون على تقدير (قد) دائماً, إذا جاءت الجملة الماضوية في الإثبات بالواو فقط حينئذٍ يقولون: على تقدير (قد) , جاء زيد وقام عمرو .. وقد قامَ عمرو يُقدَّرُ (قد) لماذا؟ لأنه فعلٌ ماضي مُثبت، والأصلُ فيه أن يُوصَف به صاحب الحال في الزمن القريب, وهذا الذي يُقرِّبُه لنا هو (قد) على جهة الخصوص, سواء رُبِط بالواو أو بالضمير أو بهما مُطلقاً؛ يعني بدون تفصيل بدون نظر إلى الرابط, متى ما جيءَ بالفعل الماضي المثبت حينئذٍ لا بُدّ من تقدير (قد)؛ إن لُفِظ بها فلا إشكال, وسواء ربط بالواو أو بالضمير أو بهما. والمختار وِفاقاًَ للكوفيين والأخفش لزومُها مع المرتبِط بالواو فقط؛ لأنه هو الكثير في لسان العرب, وما عداهُ هو جوازُ إثباتِها وحذفِها في المرتبط بالضمير وحدَه أو بهما معاً. مذهبُ البصريين أنه يؤتى بـ (قد) مطلقاً؛ سواء كان الضمير وحدَه أو الواو وحده أو بهما معاً, مذهبُ الكوفيين وهو الموافق للمنقول أنه يُفصل فيها لزومها مع المرتبط بالواو فقط, إذا جاءت بالواو لزِمَ أن يُؤتى بـ (قد) إن لُفِظ بها فلا إشكال, إن لم يُلفظ حينئذٍ وجبَ تقديرُها، وجواز إثباتها وحذفها في المرتبط بالضمير وحده أو بهما معاً.

стр. 1266

إذن: الإلزام والوجوب فيما إذا كانت مُرتبطة بالواو فقط, وما عدا الواو وهذا يُتصوّر بالضمير وحده أو بهما معاً أنت مُخيَّر بين إثباتها وحذفها تمسُّكاً بظاهر ما سُمع, سُمِع كثير في لسان العرب عدمُ ذكرِ (قد)؛ إذ الأصل عدمُ التقدير لا سيما مع الكثرة, نعم هناك أربع صُور قيلَ بالترتيب الأكثري ثم الأدنى ثم ما هو دونه, جاء زيد وقد قام أبوه: هذا أكثر شيء, ثم بعده في الرتبة: جاء زيد قد قام أبوه، بدون واو, ثم بعده في الرتبة الثالثة: جاء زيد وقام أبوه, ثم جاء زيد قام أبوه, بدون واو ولا (قد). إذن: المراتب أربع في الكثرة، جاء زيد وقد قامَ أبوه, ثم جاء زيد قد قام أبوه بدون واو, ثم جاء زيد وقام أبوه بالواو دون (قد) , ثم جاء زيد قام أبوه. نقف على هذا وصلى الله وسلم على نبينا ... !!!

стр. 1267

عناصر الدرس * حالات حذف عامل الحال , وبعض المسائل المتعلقة بالباب * شرح الترجمة (التمييز) وحده * حكم التمييز وأنواعه والعامل في كل نوع * حكم تمييز أفعل التفضيل * التعجب يقتضي تمييزاُ * متى يجوز جر التمييز بـ (من)؟ * حالات التمييز مع عاملة من حيث التقديم والتأخير * فائدة: ما يتفق عليه الحال مع التمييز وما نفترقافيه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: وَالْحَالُ قَدْ يُحْذَفُ مَا فِيهَا عَمِلْ ... وَبَعْضُ مَا يُحْذَفُ ذِكْرُهُ حُظِلْ هذا يتعلَّق بالعامل وحذفه، والأصل فيه جوازُ الحذف، وقد يجبُ حذفُه، وقد يجبُ ذكرُه, حينئذٍ له ثلاثة أحوال: منها ما يجبُ ذكره ولا يجوزُ حذفه, ومنها ما يجبُ حذفه ولا يجوز ذِكره، والأصل فيه جواز الحذف والذكر. وَالْحَالُ: هذا مبتدأ. قَدْ يُحْذَفُ (قَدْ) للتحقيق, ليس للتقليل؛ لأن الحذف كثير, فالمراد هنا تحقيق القول بحذف عامل الحال. وَالْحَالُ قَدْ يُحْذَفُ: (قَدْ يُحْذَفُ) هذه الجملة خبر. يُحْذَفُ مَا فِيهَا عَمِلْ: ما عمِلَ فيها, يعني العامل فيها, (ما) الموصولة صلتها في قوة المشتقّ عند البيانيين, يُحذف عاملها, فعامل نأخذه من (ما) الموصولة مع صلتها, مَا فِيهَا عَمِلْ يعني: ما عمِلَ فيها, فـ (مَا) هذه مفعول واقع على العامل في الحال, يُحذف ما عمِلَ فيها, فِيهَا هذا مُتعلّق بعمل والضمير عائد على (ما). وَالْحَالُ قَدْ يُحْذَفُ مَا فِيهَا عَمِلْ يعني: يحذف عاملها, وهذا على جهتين؛ إما على جهةِ الجواز, وإما على جهة الوجوب, مَا فِيهَا عَمِلَ: هل كلّ عاملٍ يجوز حذفه؟ الجواب: لا. وَعَامِلٌ ضُمِّنَ مَعْنَى الْفِعْلِ لاَ ... حُرُوفَهُ مُؤَخَّراً لَنْ يَعْمَلاَ قلنا: العاملُ في الحال قد يكون فعلاً بنوعيه المتصرف والجامد, والصفة المتصرّفة كذلك ما أُلحقَ بها وهو اسم التفضيل في الحالة التي استثنيت، ما عدا ذلك هذا يجوزُ حذفُه وذكرُه بالشروط الآتية, وأما العامل المعنوي فلا يجوزُ حذفُه البتة, فيُستثنى من قوله: وَالْحَالُ قَدْ يُحْذَفُ مَا فِيهَا عَمِلْ, يُستثنى العامل المعنوي؛ فيجب ذكرُه ولا يجوزُ حذفه؛ سواء علم أم لا؛ لماذا؟ لما ذكرناه أنه ضعيف .. عامل ضعيف وهو ملفوظ به, فحينئذٍ نقولُ وهو ملفوظ به ضعيف, فكيف يعملُ وهو محذوف؟ هذا من بابٍ أولى وأحرى, فلا يقوى على العمل وهو محذوف. قلنا: يُحذَف عامل الحال جوازاً، ومثاله أن يقال: كيف جئتَ؟ تقول: راكباً, هنا حُذِف عامل الحال وصاحبها, لم يحذف عامل الحال فحسب، وإنما حُذِف عامل الحال مع صاحبها, تقديره: جئتُ راكباً, حُذف (جئتُ) لأنه صارَ تبعاً للعامل, وكقولك: (بلى مسرعاً) لمن قال لك: لم تسر! تقول له: بلى, يعني: سِرتُ مسرعاً, ومنه قوله تعالى: ((أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ)) [القيامة:٣] ((بَلَى قَادِرِينَ)) [القيامة:٤] قَادِرِينَ هذا حال, يعني: بلى نجمعها قادرين. هذا الأصل في عامل الحال أنه يجوزُ حذفه إذا دلَّت عليه قرينة, وهذه قاعدة عامة وهي داخلة في كلامه السابق: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ، هذه قاعدة عامة تشمل هذا الباب. وأما ما حُذف وجوباً، وهو الذي أشارَ إليه بقوله: وَبَعْضُ مَا يُحْذَفُ ذِكْرُهُ حُظِل. يعني: مُنِعَ ذكره, ذكره مُنِعَ، يعني لا يجوز ذكره، بل يجب حذفه حذفاً مؤبّداً. وَبَعْضُ هذا مبتدأ, وهو مضاف و (ما) اسم موصول بمعنى الذي يقعُ على العامل, يعني: وبعض العامل يحذف.

стр. 1268

وَبَعْضُ مَا يُحْذَفُ بعض العامل يحذف, وجملة يحذف هذه صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب. ذِكْرُهُ حُظِل، ذِكْرُهُ: مبتدأ ثان, وحُظِل: هذه خبر لأنه فعل وفاعل, والمبتدأ الثاني وخبره في محلّ رفع خبر المبتدأ الأول وهوبَعْضُ. إذن: بَعْضُ: مبتدأ أول, وذِكْرُهُ: مبتدأ ثاني, وحُظِل: هذا فعل والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الثاني, والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محلّ رفع خبر المبتدأ الأول, حُظِل أي: مُنِعَ, منها هذا السابق .. وَإِنْ تُؤَكِّدْ جُمْلَةً فَمُضْمَرُ عَامِلُهَا قلنا: يُحذف العامل وجوباً متى؟ إذا كانت الحال مؤكِّدة لمضمون الجملة, عاملها حينئذٍ يكون محذوفاً, زيدٌ أخوكَ عطوفاً, أُحقِّه عطوفاً، ونحوه من الحال المؤكِّدة لمضمونِ الجملة وقد تقدَّم, كذلك الحال النائبة منابَ الخبر (ضربي زيداً قائماً) , هذا سبقَ معنا في آخر باب المبتدأ. وَقَبْلَ حَالٍ لاَ يَكُونُ خَبَرَا ... عَنِ الَّذِي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا كَضَرْبِيَ العَبْدَ مُسِيئاً وَأَتَمْ ... تَبْيِينِيَ الْحَقَّ مَنُوطَاً بِالحِكَمْ هذا الذي أراده هنا، إذا كان قائماً, وقد سبقَ تقريرُ ذلك في باب المبتدأ والخبر. إذن: ذكرَ موضعين مما يجبُ فيه حذف الحال, وبقيَ عليه موضعان: أن ينوبَ الحال عن عامل الحال, وذلك كقولك لمن شربَ: هنيئاً, هنيئاً: نابَ مناب عامل الحال, وإذا أُنيب مناب عامل الحال حينئذٍ امتنعَ ذكره. هَنِيئَاً مَرِيئَاً غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ ... لِعِزَّةَ مِن أَعرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ فـ هَنِيئاً هذا أُنيبَ مناب العامل، حينئذٍ وجبَ حذفه ولا يجوز ذكره ولا جمعه بينَ النائب والمناب عنه, يعني: كالعوض لا يُجمعَ بين العوض والمعوض عنه. الثاني: أن تدلَّ الحال على توبيخ, أقائماً وقد قعَدَ الناس؟ هذا فيه توبيخ, أقائماً وقد قعدَ الناس؟ أتقوم قائماً؟ أو أتكون قائماً؟ أو نحو ذلك, حينئذٍ نقول: قائماً هذا عامله محذوف لأنه دلَّ على توبيخ. ومما حُذِف فيه عامل الحال وجوباً قولهم: اشتريتُه بدرهمٍ فصاعداً, وهذه ما يُعنوَن لها بالحال التي يُبيّنُ بها ازدياد أو نقصان على جهة التدريج, اشتريتُه بدرهم فصاعداً, يعني: فذهبَ الثمنُ صاعداً, وكذلك تصدّقتُ بدينار فسافلاً, سافلاً هذا حال دلّت على تدرج لكن في النقص لا في العلو, وذهبَ المتصدُّق به سافلاً يعني في الدنو. إذن: يجبُ حذف عامل المؤكِّد فيما إذا نابت الحال مناب الخبر, وكذلك الحالة الدالّة على زيادة أو نقص أو تدريج, وكذلك الحالة المؤكدة لمضمون الجملة, هذه خمسة مواضع مما يجبُ فيه حذفُ عامل الحال, وما عدا ذلك يكون جوازاً, وإذا نظرنا إلى العامل المعنوي حينئذٍ نقولُ: هذا النوع مما يجبُ ذكر العامل ولا يجوزُ حذفه, فالقسمة ثلاثية, ما يجب حذفُ العامل وهو خمسة أنواع: ما يجبُ ذكر العامل, وهو العامل المعنوي السابق: (كَتِلْكَ لَيْتَ وَكَأَنَّ). ما يجوزُ فيه الوجهان وهو ما عدا ذلك, والضابطُ فيه أن تدلَّ قرينة على المحذوف حينئذٍ نقول هذا مما جاز حذفُه.

стр. 1269

تنقسمُ الحال باعتبارات -هذا نختمُ به الباب- الأول: نقول تنقسمُ الحال باعتبار انتقالها عن صاحبها ولزومها له إلى (المنتقلة) وهو الغالب و (اللازمة). إذن: باعتبار انتقالها عن صاحبها ولزومها له نقول: تنقسم إلى منتقلة وهو الغالب, وهو الذي أشارَ إليه سابقاً: وَكَوْنُهُ مُنْتَقِلاً, وإلى مُلازمة وليس مُستحقّة. الثاني: باعتبار قصدها لذاتها وعدمها؛ هل هي مقصودة بالذات أو لا؟ تنقسم إلى قسمين: مقصودة وهي الغالب, ومُوطِّئة وهي الجامدة الموصوفة التي ذكرناها سابقاً ((بَشَرًا سَوِيًّا)) [مريم:١٧]. الثالث: تنقسمُ باعتبار التبيين والتوكيد: إلى المبينة وهو الغالب وتُسمى المؤسِّسة, والمؤكِّدة: وهي التي يستفاد معناها بدونها, وهذه الأقسام الست تقدَّمت في كلام الناظم. الرابع: تنقسمُ باعتبار جريانها على مَن هي له وغيره إلى الحقيقية وهي الغالب, والسببية نحو: مررتُ بالدار قائماً سكانها, يعني: إذا رفعت ضميراً مستتراً قلنا هذه حقيقية لأن الضمير رجعَ إلى مَن هي له، وأما إذا رفعت اسماً ظاهراً حينئذٍ نقول سبببي؛ كما هو الشأن في النعت, نعت حقيقيّ ونعت سبببيّ, "مررتُ بزيد قائم", "مررتُ برجل قائم أبوه", هذا مثلها, "مررتُ بالدار قائماً سكانها". الخامس: تنقسم باعتبار الزمان إلى مقارِنة لعاملها وهو الغالب، بل قيل الأصل في الحال أنها مقارِنة, مقارَنة كل شيء بحسبه, ومقدَّرة وهي المستقبله، ومنه: ((ادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)) [الزمر:٧٣] ادخلوها الآن خالدين, يعني: في المستقبل مقدَّرة. فهذه أقسام خمسة تنقسم إليها الحال. وَالْحَالُ قَدْ يُحْذَفُ مَا فِيهَا عَمِلْ ... وَبَعْضُ مَا يُحْذَفُ ذِكْرُهُ حُظِلْ إذن: يجوزُ حذفُ عامل الحال لدليل حالي أو لدليل مقالي, والمقالي يعنونَ به أن يكون جواباً لسؤال, والدليل الحالي الذي هو الفعل، راشداً .. لو قال راشداً، لمن؟ للقاصد للسفر, قال: أريد أن أسافر، قال له: راشداً, يعني: تسافر راشداً, والقرينة هنا حالية, قيل: قد تُحذَفُ الحال كذلك، كما حذف عامل الحال للقرينة، وأكثر ما يكون ذلك إذا كانت قولاً أغنى عنه المقول, ((وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ)) [الرعد:٢٣] ((سْلامُ)) [الرعد:٢٤] قائلين سلام, سَلامٌ عَلَيْكُمْ, حينئذٍ نقولُ الحال هنا محذوفة, لأن شأنَها شأن الخبر والنعت, والنعتُ يجوز حذفه إذا عُقل .. إذا علم, وكذلك الخبر إذا علم جاز حذفه، مثلهما الحال لأنها وصفٌ في المعنى، وحينئذٍ يجوز حذفها قياساً على ما سبق. التَّمْيِيزْ قال الناظم بعد ذلك رحمه الله تعالى: التَّمْيِيزْ, هذا خاتمة أبوابِ المنصوبات, التمييز يذكرونه بعد الحال لما بينهما من أمور يتّفقان عليهما, وهي خمسة, ويفترقان في سبعة تأتي في آخر الباب إن شاء الله تعالى. التَّمْيِيزْ قلنا هذا آخرُ وخاتمةُ أبواب المنصوبات حيث يُذكر بعدَه المخفوضات ابتداءً بحروف الجر، ثم يذكر الإضافة، ثم تتوالى أبواب النحو مما لا يكون من العمد, لأنهم يذكرون المرفوعات ثم المنصوبات ثم المخفوضات، ثم بعد ذلك باب نعم وبئس وأفعل التفضيل إلى آخره.

стр. 1270

التمييز من المنصوبات ليسَ في كل أحواله، وإنما في بعض أحواله, وهذا بناءً على إذا جَررنا التمييز هل يُسمى تمييزاً أو لا؟ المشهور أنه يُسمى تمييزاً, إذا قيل: قفيزُ برٍّ, برِّ جررناهُ .. يجوز فيه وجهان, شبرُ أرضٍ, شبرٌ أرضاً حينئذٍ نقول يجوز فيه الوجهان, إذا نصبناه لا شكّ أنه تمييز لأنه منصوب, وإذا جررناه – الوجه الآخر وهو جائز- هل يخرجُ بالجرِّ عن كونه تمييزاً أو لا؟ الجمهور لا, يُسمى تمييزاً, وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول التمييز من المنصوبات في بعضِ أحواله كالمستثنى, وإذا قيلَ بأنه لا يُسمى تمييزاً حينئذٍ كلّ تمييز يكون منصوباً هذا الأصل, ويَرِد التمييز في العدد، لكن جرت عادة النحاة في المطولات أنهم لا يُدخلون العدد في باب التمييز الذي يُذكر فيه، وإنما يُشار إليه إشارة ويذكرون باباً كاملاً يُسمّونه باب العدد, هذا يأتينا في الأخير إن شاء الله تعالى, وهنا يذكرون ما عدا العدد, مع كونه داخلاً فيه لأنه من رفعِ إبهامِ مفرد. التمييز نوعان: رفع إبهامِ لمفرد ومنه العدد, ((إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ)) [يوسف:٤] أحد عشر ماذا؟ ((كَوْكَبًا)) [الأنعام:٧٦] فالكوكبُ هذا تمييز رفعَ إبهام المفرد وهو أحد عشر, حينئذٍ نقولُ هو مميِّز, لكن لا تُذكر أحكامه هنا، إنما يذكر في بابه المستقل. التمييزُ يقال: تمييز ومُميِّز, وتبيين ومُبيِّن, وتفسير ومفسِّر, هذه ألفاظٌ مترادفة, ولكن التمييزُ هذا مشهور عند البصريين, والتفسير والتبيين مشهور عند الكوفيين, ولذلك الكوفي إذا فَسَّر القرآن يقول هذا تفسير, هذا يكثر في بعض التفاسير، (تفسير) إذا ما تعرف المصطلح .. ما (تفسير) هذه؟ يقف ما نعرف تفسير, نقول تفسير المراد به التمييز, فمعرفةُ اصطلاح الكوفيين يُفيد في معرفة ما قد يحكم به بعض المعربين لبعض الآي بأنه كذا وأنت تحفظُ المصطلح الخاص بالبصريين، وقد لا تحيط علماً بمصطلح الكوفيين فتقع في لبسٍ, حينئذٍ التمييز يُسمّى تفسيراً وتبييناً ويُسمى تمييزاً, والأصل فيه أنه مصدر ميَّزَ يميزُ تمييزاً لأن التفعيل يأتي من فعَّلَ، تقول: ميَّزتُ كذا عن كذا إذا خلصت أحدهما من الآخر, وكذا إذا كانا متشابهين ففرقتَ بينهما؛ فميزتَ هذا عن ذاك.

стр. 1271

التمييز هذا مصدر، وهل المراد به المعنى المصدري؟ لا شك أنه ليس هو المراد كالاستثناء, قلنا الاستثناء هناك أُريد به المستثنى، لأن الاستثناء هذا معنى من المعاني, معنى مصدري والذي يُحكم عليه هو اللفظ, والاستثناء معنى حينئذٍ لا بد أن نقول: إنه من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول أي المستثنى، ولكن هنا التمييز قيل بأنه صارَ هذا اللفظ حقيقة عُرفية في المميِّز, وحينئذٍ يصحُّ أن يراد التمييز والمميز ويكون مَصدَقهما واحد, فالتمييزُ صار حقيقة عرفية في المميز, فقد لا نقول بأنه أُطلق المصدر وأريد به اسم المفعول, ولذلك إذا جئتَ تُعرب تقول ((إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا)) [يوسف:٤] كوكباً تقول مميِّز أو تمييز؟ تقول: تمييز, لماذا؟ لأنه صارَ حقيقة عرفية في ماذا؟ في مرادفاً للمميز, حينئذٍ لا نحتاجُ أن نقول كما قلنا في الاستثناء أنه من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول, وهذا هو الظاهر والذي عليه الاعتماد أن التمييز صار حقيقة عرفية وهو مرادف لقولهم: المميز وإن كان في الأصل هو معنى مصدري أُطلق وأريد به اسم الفاعل, إذن: هو مصدر بمعنى اسم الفاعل أي المميز, وصار حقيقة عرفية على المميز, فتقول: هذا مميِّز وهذا تمييز. اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ ... يُنْصَبُ تَمْيِيزَاً بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ عرَّفه الناظمُ هنا بكونه اِسمٌ, اِسمٌ هذا خبر لمبتدأ محذوف هو اِسمٌ, لم يقل مصدر ولم يقل وصفٌ لأنه لا يكون إلا جامداً. فقوله: اِسمٌ هذا جنس, أخرجَ الجملة والظرف والجار والمجرور لأنّ المراد به الاسم الصريح, والتمييزُ لا يكون إلا اسماً صريحاً ولا يكون اسماً مؤولاً بالصريح خلاف الحال, هذا مِن الفوارق بين الحال والتمييز؛ لأنه قد يلتبس وقد يشتبه على البعض الفرق بينهما، فنقول: الحال يكون وصفاً, والوصفُ يشملُ الصريح والمؤول بالصريح, فيكون جملة وظرفاً وجاراً ومجروراً. وأما التمييز فلا يكون إلا صريحاً, فلا تقع الجملة تمييزاً ولا الظرف ولا الجار والمجرور تمييزاً. إذن: يختصُّ بهما, فالتمييز لا يكون واحداً منها, وهذا أحد الفوارق بين الحال والتمييز. اِسمٌ هذا جنس. بِمَعْنَى مِنْ يعني: التمييزُ يكون على معنى (من)؛ يعني يُفسَّر بـ (من). ما المراد بـ (من) هنا؟ المراد بها (من) التي لبيان الجنس, أن يكون لفظٌ عام ثم لفظ مبهم ثم يُؤتى بـ (من) فتفسِّر ذلك اللفظ المبهم, وأوضحُ مثال له قوله تعالى: ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ)) [الحج:٣٠] الرِّجْسَ هذا أنه يحتمل الرجس المعنوي؛ الرجس الحسي؛ الأصنام؛ الدماء؛ الميتتات. يصدق على هذا وذاك. ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ)) [الحج:٣٠] هذا فيه نوع إبهام, قال: ((مِنَ الأَوْثَانِ)) [الحج:٣٠] مِنَ الأَوْثَانِ هذه مُفسِّرة للمراد بالرجس, حينئذٍ نقول (من) هذه لبيان الجنس, بِمَعْنَى (مِنْ) أي البيانية بأن يكون المجرور بها هو المُبيّن بها عينه, عينه هو المبين, كأنه قال الرجس هي الأوثان, الرجس المراد هنا في هذه الآية هي الأوثان.

стр. 1272

إذن الرجسُ والأوثانُ بمعنى واحد, بأن يكون المجرورُ بها الذي بعدَها يتلوه هو المبين بها عينُه, الرجس عينه الأوثان والأوثان عينها هي الرجس, والمراد هنا أن التمييزَ بيَّنَ جنس المميز, إذا قلت: عندي عشرون, عشرون ماذا؟ هذا يحتمل مثل ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ)) [الحج:٣٠] عشرون كتاباً؛ بيتاً؛ ألفاً؛ مليوناً؟ يحتمل هذا وذاك, إذا قلت عندي عشرون كتاباً, كتاباً هذا مثل ((مِنَ الأَوْثَانِ)) [الحج:٣٠] حينئذٍ حصلَ به البيان, فأُدِّي به ما أُدِّي بـ (من) التي لبيان الجنس, هذا المراد بكون التمييز على معنى (من)؛ يعني يُؤدّى به أو يُفسّر به ما يُفسّر بـ (من) وليس المراد أن (من) مُضمرة, أو أنه مُضمّن معنى (من) لا, ليس المراد, وإنما المراد كالظرف, نقول: الظرف يُلاحظ فيه معنى الظرفية, عندنا ظرف وعاء ومظروف، هذا المعنى موجود في الظرف، لا يشترط فيه أن يؤتى بـ (في) أو نقول في مقدرة أو اللفظ مضمن معنى في، لا, وإنما يُراد به أن التركيب هنا على معنى الظرفية, وهنا التركيب على معنى (من) البيانية، كما قلتَ هناك ((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ)) [الحج:٣٠] فسَّرتَ ورفعتَ الإبهام الذي في الرجس بقولِك الأوثان، حينئذٍ الأوثان هي عين الرجس والرجس هو عين الأوثان, عندي عشرون, عشرون ماذا؟ هذا مُبهَم فإذا قلت: كتاباً, الكتاب هو عين العشرين, والعشرون هي عينُها الكتب, حينئذٍ نقول هذه جرت على معنى (من) التي لبيان الجنس, والمراد هنا أن التمييز بيَّنَ جنس المميز كما أن (من) البيانية تُبيِّن ما قبلها, وليس المراد بأن (من) مقدرة قبل التمييز, وسيأتي معنا أنك قد تُظهِر لفظ (من)، هذا وجه جائز لكنه من جهة اللفظ .. النطق: وَاجْرُرْ بِـ (مِنْ) إِنْ شِئْتَ, لكن لفظاً وليس المراد أنها منوية، لا؛ المراد بها لفظاً لأن المعنى واحد، إذا حذفت (من) صار التركيب على معنى (من)، وإذا ذكرت لفظ (من) حينئذٍ خرج عن كونه تمييزاً من حيث النصب إلى الجر. إذن: اِسمٌ صريح .. خرجَ به الجملة وما عطف عليه. بِمَعْنَى مِنْ هذا جار ومجرور مُتعلّق بكائن صفة لاسم, يعني يُعتبر فصلاً, والفصول عند أرباب التعاريف تُعرَب نعتاً بعد نعت, يعني: لا يكون كلُّ فصل نعتاًً لما قبله, وإنما ترجعُ إلى الجنس؛ لأن الإخراج يكون من الجنس. بِمَعْنَى (مِنْ) أي أنه يُفيدُ معناها لا أنها مُقدَّرة في نظم الكلام, إذن: مرَّ معنا هذا الباب الثالث الذي يُقال فيه بأنه على معنى كذا, نؤول الظرف على معنى (في) الظرفية, وكذلك الحال في حال كذا, وهذا الباب الثالث وهو التمييز, وليسَ المراد بالأبواب الثلاثة أن هذه الحروف مُضمّنة في الأسماء بعدها, وإنما المراد أن التركيب يُفسَّر على آحاد هذه الحروف. بِمَعْنَى (مِنْ) أي: أنه يُفيدُ معناها، لا أنها مُقدَّرة في نظم الكلام, إذ قد لا يصلح لتقديرها, كما هو الشأن في (في) الظرفية مع الظرف وفي مع الحال.

стр. 1273

اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ: مُبِينٌ هذا نعت لاسم أي: مُزيل، أبان بمعنى أظهرَ, وإذا أظهرَ معناه أزال, فهو مُزيل لابهام اسم قبله مجمل الحقيقة أو إبهام نسبة في جملة أو شبهها؛ لأن التمييز نوعان: تمييز رفعُ إبهامٍ لمفرد, ورفعُ إبهامٍ لنسبة, والنسبة إنما تكون في الجمل الفعلية والإسمية. إذن: مُزيلٌ لإبهام اسم قبله مُجمل الحقيقة كعشرون, عندي عشرون, هذا مُجمَل الحقيقة, أو إبهام نسبة في جملة أو شبهها، طاب زيد ... ماذا طاب؟ طاب نفساً، فـ (نفساً) هذا نقول تمييز رافع لإبهام نسبة، أي: نسبة الجملة التي قبلها, واستُفيدَ منه أن التمييز لا يكون مُؤكِّداً, إذا أُخِذ التبيين في حد التمييز فرأي سيبويه أن التمييز لا يكون مؤكِّداً, وأكثر النحاةِ على هذا, وخالفهم ابن هشام وغيره وأثبتوا أن التمييز قد يكون مؤكِّداً، شأنه شأن الحال, كما أن الحال تكون مؤكِّدة, والحال المؤكِّدة إذا أُثبتت لا تنافي المؤسسة, كذلك التمييز الأصل فيه البيان ورفع الإبهام للنسبة أو للمفرد، حينئذٍ قد يكون مؤكِّداً وقد يكون على حقيقته، لكن إذا أخذناه مُبين هنا في أصل الحدّ حينئذٍ أخرجنا به التأكيد فلا يكون مؤكِّداً. وكما ذكرنا في السابق: وَصْفٌ فَضْلَةٌ مُنْتَصِبُ مُفْهِمُ فِي حَالِ, هذا لا يدخُلُ فيه الحال المؤكدة, هذا التعريف خاصّ بالحال المؤسسة, فلا مانع أن يُقال التمييز حقيقة أن يُؤخَذ في حده مُبيّن, وإذا أردنا التأكيد حينئذٍ لا نحتاجُ إلى هذا اللفظ, فنقول: التمييز نوعان: تمييزٌ حقيقي وتمييزٌ مُؤكِّد, كما أن الشأن في الحال: حال حقيقية وهي المؤسسة, وحال ليست حقيقية وإنما هي مؤكِّدة لما قبلها, هنا كذلك. واستُفيدَ منه أن التمييز لا يكون مؤكِّداً وهو رأي سيبويه والجمهور .. جمهور النحاة على هذا, وقيلَ يأتي غيرَ مبين, يعني: مؤكِّد, غير مبين يعني مؤكد, فيُعدُّ مؤكداً, ومنه قوله تعالى: ((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا)) [التوبة:٣٦] لو حُذِف شَهْرًا, اثْنَا عَشَرَ هل يحتاج إلى مُفسِّر؟ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ, اثْنَا عَشَرَ خبر إِنَّ, هل اثْنَا عَشَرَ دون شَهْرًا واضح المعنى أم مُجمَل؟ واضح المعنى, والتمييزُ إنما يأتي رافعا لإبهام، أين الإبهام؟ ليس عندنا إبهام. إذن: شَهْرًا قالوا هذا تمييز مؤكد, لم يُؤتَ به من أجل رفع إبهام العدد؛ لأن العدد معلوم هنا دونه, وإذا كان كذلك حينئذٍ صارَ مؤكداً. أُجيبَ: بأن شَهْرًا بالنسبة لعامله وهو اثْنَا عَشَرَ مُبيّن يعني: لا تنظر إلى ِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ، إنما انظر إلى اثْنَا عَشَرَ فقط, اثْنَا عَشَرَ لوحده دون الجملة مُبهم أو مبين؟ مُبهم, إذن: قالوا: باعتبار العامل؛ لأن شهراً ما العامل فيه؟ هو العددُ نفسه اثْنَا عَشَرَ, باعتبار عامله هو رافع لإبهام, إذن ليسَ فيه تأكيد, على كلٍّ المسألة مُحتملة.

стр. 1274

اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ، نَكِرَهْ: هذا نعت ثالث لاسم, نكرة أخرجَ المعرفة، وهذا على مذهب البصريين أن التمييز لا يكون إلا نكرة, والعلةُ فيه هي عين العلة في الحال, أنه إذا حصلَ رفعُ الإبهام بالنكرة حينئذٍ مجيئُهُ بزيادة فيه تدلُّ على التعريف يُعتبر حشواً, فحينئذٍ لا يُلتفتُ إلى تلك الزيادة. مذهب الكوفيين جوازُ كونه نكرة ومعرفة .. يجوز هذا وذاك. رَأَيْتُكَ لَمَّا أَنْ عَرَفْتَ وُجُوهَنَا ... صَدَدْتَ وَطِبْتَ النَّفْس يَا قَيْسُ عَنْ عَمْرِو رأى الكوفيون أن النفس هنا تمييز, طِبْتَ النَّفْس يَا قَيْسُ, طِبْتَ النَّفْس, دخلت عليه (أل) والأصل فيها التعريف. إذن: يقعُ التمييز معرفة كما يقع نكرة, وإن كان الأصل أن يكونَ مُنكَّراً, هذا هو الأصل، لكن مجيئه معرفة وقد جاء به السماع حينئذٍ نقول: يجوز فيه الوجهان. وذهب البصريون إلى تأويل البيت، وما جرى مجراه بأن (أل) هنا زائدة. وَلاِضْطِرَارٍ كَبَنَاتِ الأَوْبَرِ ... كَذَاَ وَطِبْتَ الَّنفْسَ يَا قَيْسُ السَّرِي إذن: حكمنا على (أل) بكونها زائدة, وإذا كانت زائدة حينئذٍ دخولها وخروجها سواء فلا تُفيدُ تعريفاً, فبقيَ التمييز على أصله, فكلُّ لفظٍ نُقِل في لسان العرب وهو تمييز دخلت عليه (أل) فاحكم عليها بأنها زائدة؛ لأنها دخلت على ما وجبَ فيه التنكير يعني: على واجب التنكير .. لازم التنكير. وأما على مذهب الكوفيين فيجوز الوجهان, والصحيح مذهب البصريين؛ لأن العلة الموجودة في الحال هي عينها موجودة في التمييز, وإذا حصلَ الجواب بالنكرة حينئذٍ لا يصلحُ أن يأتي بالمعرفة؛ لأن المعرفة نكرة وزيادة, رجل: الرجل, نفس: النفس, نقول نفس هذا نكرة, النفس نكرة وزيادة. إذن: إذا حصلَ المراد والمقصود بالنكرة لماذا نأتي بلفظ زائد على مجرد النكرة؟ نقول: هذا فيه حشو وهو مُنافٍ لأصل الكلام, إذن: نَكِرَهْ هذا نعت ثالث. إذن: اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ، عرَّفه ابنُ هشام في القطر بقوله: اسمٌ فضلة نكرة جامد مفسِّر لما انبهمَ من الذوات, اسم: عرفنا الاحتراز به, فضلة: إذن لا يكون عمدة, وهذا وارِد على تعريف الناظم, جامد: هذا من الفوارق بين الحال والتمييز, إذ يُشترَط في الحال أن تكون وصفاً, ويُشترَط في التمييز أن يكون جامداً؛ يعني: غير مشتق, مُفسِّر لما انبهمَ من الذوات, وهذا يَرِد عليه المفسّر للنسبة. فقولُ الناظم: اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ ينقصُهُ قوله فضلة, فلو زيدَ عليه جامد كذلك يكون أولى. وابن عقيل عرَّفه بقوله: كل اسم نكرة مُتضمِّن معنى (من) .. مٌتضمِّن معنى (من) هذا فيه إشكال, وإنما يُقال على معنى (من) أو بمعنى (من)، وأما التضمين هذا محلّ نظر, لبيان ما قبله من إجمال نحو: طاب زيد نفساً, وعندي شبر أرضاً.

стр. 1275

اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ قيل: اسم جنس, وبمعنى (من) هذا دخلَ فيه أربعة أشياء: التمييز, واسم (لا) , والمفعول الثاني من قولِك: أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْباً, والمشبّه بالمفعول به نحو: الحسن الوجه, هذه أربعةُ أشياء؛ لأنها تكون على معنى (من) .. التمييز واضح أنه على معنى (من) , واسم (لا): لا رجل في الدار, لا من رجلٍ في الدار على معنى (من). المفعول الثاني: من (أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْباً) يعني: من ذنب, إذن: المفعول الثاني أقول على معنى (من) , المشبّه بالمفعول به نحو: الحسنَ الوجهَ, هنا الحسن من الوجه, يعني: حسنُهُ من الوجه حينئذٍ نقول هذه على معنى (من). اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ إذا قيل بمعنى (من) وفسّرنا (من) بأن المراد بها البيانية حينئذٍ اختصَّ التعريف بالتمييز؛ لأن اسمَ (لا) وإن كان على معنى (من) إلا أنها ليست البيانية, وإنما هي الاستغراقية، فخرجت بقولنا (مِن) بيانية, والمفعول الثاني من (أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْباً) يعني: استغفرُ الله من ذنب, من ذنب هنا (من) إبتدائية وليست بيانية, حينئذٍ خرجَ بقولنا بمعنى (من) وفسّرنا (من) بالبيانية. والمشبه بالمفعول به، (من) هنا فيه بيانية نحو: الحسنَ الوجهَ, لكن قوله: مُبِينٌ مخرِجٌ لما سوى التمييز والمشبه بالمفعول به، لأن (من) إذا فسَّرناها بأنها بيانية حينئذٍ لا يتأتى معنا (من) الاستغراقية ولا (من) الابتدائية، ثم التمييز داخِل معنا، وبقي المشبه بالمفعول به, والمشبه بالمفعول به لا يكون إلا معرفة, حينئذٍ (نَكِرَهْ) نقول: هذا مخرِج للمشبه بالمفعول به, فاسم الجنس وبمعنى (من) مُخرِج لما ليس بمعنى (من)، وهذا واضح كالظرف والحال, الحال يكون بمعنى (في). ومُبيّنٌ مُخرِج لاسم (لا) النافية للجنس، ونحو: ذنباً من قوله: " أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيَهُ ", فإنهما وإن كانا على (من)، لكنها في الأول للاستغراق (لا رجل) يعني: لا من رجل، وفي الثاني للابتداء، أي: استغفاراً مبتدأً من أول الذنوب إلى ما لا يَتناهى, ونكرة مُخرِج لنحو: الحسن وجهه، أي: بالنصب على التشبيه بالمفعول به لا على التمييز لعدم تنكيره. اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ ... يُنْصَبُ تَمْيِيزَاً بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ هذا فيه إجمالٌ عند الناظم رحمه الله تعالى, فحينئذٍ نقولُ: التمييز: إما أن يكون تمييزاً لمفرد, وإما أن يكونَ تمييزاً لجُملة, والمراد بالجملة النسبة, العامِل في التمييز المفرد هو الاسم المُبهم قبله, التمييزُ الذي يكون تمييزاً لمفردٍ العاملُ فيه هو السابِق له, يعني: عندي عشرون كتاباً, كتاباً منصوب ما العامل فيه؟ عشرون نفسها, كَـ شِبْرٍ ارْضًّا, أَرْضًّا ما العامل فيه؟ شِبْرٍ، كذلك قَفِيزٍ بُرًّا, قَفِيزٍ بُرًّا تمييز والعامل فيه قَفِيزٍ نفسه, مَنَوَيْنِ عسلاً، عَسَلاً هذا تمييز, العامل فيه مَنَوَيْنِ. إذن: أرْضًّا هذا مفسِّر, وشِبْرٍ هذا مفسَّر, العامل في المفسِّر هو المفسَّر، ولذلك قال:

стр. 1276

يُنْصَبُ تَمْيِيزاً بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ التمييز فسَّر الاسم المفرد, وهو شبر مثلاً أو قفيز أو منوين، هذا محلُّ وفاق بين النحاة؛ أن العامل في التمييز المفرد هو اللفظ الذي قبله وإن كان جامداً إلا أنه أشبهَ اسم الفاعل في كونه طالباً لما بعده, وسبقَ أن العامل إنما عمل لكونه يقتضي ما بعدَه ليُتمّم معناه, وهنا وقعَ إبهام كما هو الشأن في الفعل نفسه, فوقعَ إبهام: عشرون فصارَ هذا اللفظ طالباً لما بعده على أنه رافعٌ لإبهامه فنصَبَه على التمييز, وهذا محلّ وفاق, ناصبُ التمييز في هذا النوع مميَّزه, مميَّزه بالفتح بلا خلاف, وعمل مع جموده كونه جامداً ليس وصفاً لشبهه اسم الفاعل في الطلب المعنوي لمعموله, وهذا داخِل في قول الناظم هنا: يُنْصَبُ تَمْيِيزاً بِمَا -يعني: بعامل- قد فسَّره التمييز, فسَّر فيه ضمير مستتر وفيه ضمير الذي هو الهاء, الهاء يعودُ على (ما) اسم الموصول, وفسّرناها بالعامل, وفسَّر الضمير المستتر فيه ضمير يعود على التمييز يعني: كأنه قال: يُنصَب تمييزاً بعامل قد فسَّر التمييزُ ذلك العامل, وحينئذٍ شمِلَ المفرد وهذا محلّ وفاق, كَشِبْرٍ ارْضًّا, وبقي معنا الجملة وهذا محلّ نزاع, إذا قيل: طابَ زيد نفساً؛ نفساً: هذا تمييز لنسبة, هل العاملُ فيه هو الفعل السابق في الجملة أو نفس الجملة؟ جمهورُ النحاة تبعاً لسيبويه أنه الفعل الذي تضمّنتهُ الجملة، ومذهب ابن عصفور ومن تبعه أنه مضمون الجملة, ونسبَه للمحققين, حينئذٍ ظاهرُ كلام الناظم هنا أي المذهبين؟ بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ, هو فسّر الجملة, إذن: صارَ منصوباً بالجملة, صار منصوباً بالجملة لا بالفعل أو شبه الفعل الذي تضمّنته الجملة, وهذا يُنافي ما اختاره في هذا الباب هو نفسه, ولذلك قال: وَعَامِلَ التَّمْيِيزِ قَدِّمْ مُطْلَقَا إذن دلَّ على أنه يختارُ أن الفعل هو الذي عمِلَ في تمييز الجملة, ولذلك ابن هشام لما أوردَ هذا البيت في الأوضح قال: وقد بطلَ عمومُه بكون العامل في تمييز الجملة هو الفعل لا الجملة نفسُها؛ لأن قوله: بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ عامٌّ يشملُ تفسيرَه للمفرد, فالمفردُ عامل فيه, ويشمل تفسيره للجملة, فالجملة عاملةٌ فيه, وليس الأمر كذلك, بل الصواب أن العاملَ في تمييز الجملة هو الفعلُ الذي تضمّنته الجملة. عباراته عامة وليسَ مراداً بها العموم؛ لأنه يقتضي أن ناصب تمييز النسبة هو النسبة بين المسند والمسند إليه، يعني مضمون الجملة؛ لأنها هي المفسَّرة به –بالتمييز-، وذلك غير مراد حتى للناظم, وإن اختارَ هو في غير هذا الكتاب مذهبَ ابن عصفور, لكنه في هذا الكتاب لا. سيأتي معنا ذلك.

стр. 1277

وأُجيبَ بأن التمييز لما فسَّر إبهام نسبة الفعل إلى فاعله أو مفعوله فكأنه الفعل فسَّرَ نفسه فكان التمييز منصوباً به، لأنه الذي يصح أن يكون عاملاً. يعني: أرادوا الاعتذار للناظم هنا بأن العمومَ ليس مراداً, فإذا فسَّر التمييزُ الجملةَ كأنه في المعنى فسّر الفعل. يعني من أجل أن نردّ مراد الناظم هنا في كون الناصب للتمييز .. تمييز الجملة هو الفعل, قالوا: لما أكَّدَ التمييز الجملة والأصل في الجملة ما هو؟ هو الفعلُ أو ما جرى مجرى الفعل, فكأنه أكَّدَ نفس الفعل, هذا فيه تعسّف, والصواب أنه عامّ ولكنه ليس مراداً لما سيأتي من كلامه. اِسمٌ بِمَعْنَى مِنْ مُبِينٌ نَكِرَهْ ... يُنْصَبُ تَمْيِيزاً بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ ونقول المبهم المفتقِر للتمييز نوعان: جملة ومفرد, بما قد فسَّره, التمييز نوعان: رافع لإبهام مُفرد, ورافع لإبهام نِسبة, والمراد بالنسبة المعنى الذي ربطَ الفعل بالفاعل أو بالمفعول به .. النسبة التي يُريدها المناطقة هنا؛ الارتباط بين المسند والمسند إليه, الارتباط بين المبتدأ والخبر، ثَم ارتباط هذا يُسمى نسبة يأتينا في باب الإضافة مزيد توضيح. المفرد هنا المراد به في باب التمييز ما يشمل أربعة أنواع: الأول: العدد ((إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا)) [يوسف:٤] أَحَدَ عَشَرَ يُعتبر مفرداً هنا وإن كان مركباً في غير هذا الباب, وهذا كما ذكرنا لا يتعرّض له النحاة هنا عند من بوَّبَ للعدد بباب مُستقل، وسيأتي في محله. النوع الثاني: المقدار، وهو ثلاثة أشياء إما مساحة كَشِبْرٍ ارْضًّا, أو كيل: كـ قَفِيزٍ بُرًّا, أو وزن كـ وَمَنَوَيْنِ عَسَلاً, تثنية مَنا كعصا, ويقال فيه مَنٌّ ويثنى, فيقال فيه مَنّان, مَنّانِ تثنية من, وهو لغة في مَنا كعصا. إذن: الثاني المقدار وهو إما مساحة أو كيل أو وزن وهي التي مثل لها الناظم في قوله: كَشِبْرٍ ارْضًّا مساحة, وَقَفِيزٍ بُرًّا، وهذا مثال للكيل, وَمَنَوَيْنِ عَسَلاً، هذا مثال للوزن. الثالث: ما يُشبِه المقدار، ليس مقداراً، وإنما يشبه المقدار، يعني ألفاظ أجرتها العرب مُجرى المقدار .. ألفاظ المقدار، يعني السابقة كقفيز أو شبر أو منوين، أجرتها مجرى هذه الألفاظ في الافتقار إلى التمييز، نحو: مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً, نقول هذا مثقال يُعتبَر من المقادير، ليس حقيقة وإنما مما أشبه المقادير. ونِحْيٌ سَمناً، نِحيٌ بكسر النون وإسكان الحاء، هذا أشبه ما يكون بوزن عندهم معين ((وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)) [الكهف:١٠٩] يعني ما كان فيه معنى أو دلَّ على المثلية كما عبَّر ابن هشام في غير موضع, ما دلَّ على المثلية أو دلَّ على المغايرة: إن لنا مثلها إبلاً, إن لنا غيرَها إبلاً.

стр. 1278

الرابع: ما كان فرعاً للتمييز: خاتمٌ حديداً, هذا خاتمٌ حديداً, حديداً هذا تمييز لحديد, فإن الخاتمَ فرعُ الحديد, ومثله بابٌ ساجاً, وجُبّةٌ خزّاً، فهذا تمييز عند المبرد, وجرى عليه ابنُ هشام في سائر كتبه, وعند سيبويه لا يُعتبر تمييزاً وإنما هو حال، هذا خاتمٌ حديداً، حديداً: عند سيبويه حال وليسَ بتمييز؛ لأن التمييز عندَه محصور في بابين المقدار وشبهه فحسب وما عداه فلا, حينئذٍ ما جاء منصوباً وهو مُشبِه للتمييز أعربه حالاً, وقيل: إنه حال, لا يجوزُ جعله تمييزاً، لأن الاسم الذي ينتصب تمييزاً إنما يقع بعد المقدار أو ما يشبه المقدار, وهذا ليسَ واحداً منهما, حينئذٍ تعيّنَ أن يكون حالاً لا تمييزاً، لأن ثَم تناسب بين الحال والتمييز, وهذا مذهب سيبويه وتبعه كثير, والصواب أنه يُعرب تمييزاً لماذا؟ لأنه فارق الحال من ثلاثة جهات: أولاً: كون صاحبها نكرة, هذا خاتمٌ, خاتمٌ نكرة، وصاحب الحال يكون معرفة, هذا خاتم حديداً, جامد لا مُشتقّ. ثالثاً: حديد صفة لازمة أو منتقلة؟ لازِمة إذن: خالفَ الحال من ثلاثة جهات, فالأولى أن يُعرَب تمييزاً خلافاً لما اختاره سيبويه، هذا ما يُسمّى بمفسرٍ لمفرد, وهو ما دلَّ على مقدار وأُلحق به سائر الأنواع الثلاث. والثاني: الجملة فتمييز الجملة رفعَ إبهام ما تضمّنته من نسبةِ عامل فعلاً كان أو ما جرى مجراه من مصدر أو وصف أو اسم فعل إلى معموله من فاعل أو مفعول، يعني النسبة إسناد الفعل وما جرى مجراه إلى معموله؛ سواء كان فاعلاً أو مفعولاً بينهما ارتباط، قد يقع إبهام فيه، حينئذٍ نقول إذا وقعَ الإبهام في النسبة بين الفعل وما جرى مجراه ومعموله كالفاعل والمفعول به احتجنا إلى لفظٍ يكشف هذا الإبهام، ولذلك يُمثّلون له بماذا؟ طابَ زيد نفساً, قالوا هذا محوّل عن فاعل, طابت نفسُ زيد, طابت نفس زيد، (نفس) هذا فاعل, حُذف الفاعل الذي هو المضاف فارتفعَ المضافُ إليه ارتفاعه فقيل: طابَ زيد, حذفتَ المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه، وسيأتينا في باب الإضافة, حينئذٍ قال: طاب زيد, طاب زيد ماذا؟ هذا يحتمل صارَ مبهماً, حينئذٍ رجعنا إلى المضاف الذي حذفناه, فجِئنا به منصوباً على التمييز ليكشفَ لنا الإبهام الذي وقعَ بحذفه لأنه لما حُذِف وقعنا في إشكال.

стр. 1279

فإذا قيل: طاب زيد، ماذا طاب زيد؟ نفساً ((اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا)) [مريم:٤] الأصل: اشتعلَ شيبُ الرأس, مضاف ومضاف إليه, شيبُ: فاعل, اشتعلَ شيب الرأس, حُذِف الفاعل الذي هو المضاف, وأُقيم المضاف إليه مقامه, فارتفعَ ارتفاعه, اشْتَعَلَ الرَّأْسُ, اشتعل ماذا؟ حريق, أو قمل أو ماذا؟ اشتعل ماذا؟ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً, رجعنا إلى المضاف الذي حذفناه، فجئنا به فنصبناه على التمييز، فكشفَ لنا إبهام النسبة، اشتعل لوحدها لا تحتاج إلى كشف؛ لأنها واضح المعنى، الرأس لوحدها لا تحتاج إلى كشف, ما الذي يحتاج إلى كشف؟ النسبة .. العلاقة بين الفعل والفاعل, ولذلك نقول: النسبة هي الارتباط بين العامل والمعمول, اشتعلَ لوحده لا يحتاج إلى كشف, رأس لوحده واضح معلوم ليس فيه إبهام, لكن لما نسبتَ الاشتعال إلى الرأس حينئذٍ احتملَ؛ اشتعال ماذا؟ فاحتملَ أكثر من معنى فاحتجنا إلى التمييز فقال: اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً. ((وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا)) [القمر:١٢] فجّرنا عيون الأرض, هذا محول عن مفعول, ((وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا)) , فجرنا عيونَ الأرض, فُعِل به ما فُعِل بسابقه، قيلَ فجّرنا الأرض هذا يحتمل، عيوناً رفعنا الإبهام والذي وقعَ في النسبة فجّرنا، التفجير واضح, والعيون فجرنا الأرض، والأرض واضح، لا يحتاج إلى كشف، لكن فجرنا الأرض ماذا؟ هذا محتمل أنهاراً عيوناً غير ذلك حينئذٍ نقول: احتجنا إلى التمييز, ولذلك إذا نظرتَ إلى المعنى فجَّرنا عيون الأرض، فجّرنا الأرض عيوناً، أيهما أبلغ؟ هو لا شكّ القرآن أبلغ، لكن لو قيل في غير القرآن؟ فجرنا الأرض عيوناً كأن الأرض كلها صارت عيوناً, لكن فجرنا عيون الأرض .. عيون الأرض فقط العيون العين الجارية، حينئذٍ نقول (فجرنا عيون الأرض) هذا أدنى في المعنى من قوله ((وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا)) إذن: تمييز الجملة يأتي لرفع إبهامِ ما تضمّنته من نسبة العامل إلى المعمول, ثم هو على ثلاثة أنحاء، والمشهور أنه إما محوّل عن فاعل كما ذكرناه في طاب زيد نفساً, وإما محوّل عن مفعول كما في ((وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا)) [القمر:١٢]. قيل: قد يكونُ محوّلاً عن غيرهما, وذلك بعد أفعل التفضيل المخبَر به عن ما هو مُغايِر للتمييز يعني عن المبتدأ, مثل: زيدٌ أكثرُ منك علماً, أصله علمُ زيدٍ أكثر, زيد أكثرُ منك علماً, علمًا أصله مبتدأ, عِلمُ زيدٍ أكثر, حُذِف علمُ الذي هو المبتدأ فصارَ زيد هو المبتدأ, زيدٌ أكثر، أكثرُ ماذا؟ هذا احتملَ صارَ فيه إبهام أكثر منك ماذا؟ علماً فجئنا بالمبتدأ الذي حذفناه فنصبناهُ على أنه تمييز لرفع إبهام النسبة.

стр. 1280

ومنه ((أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً)) [الكهف:٣٤] مالي أكثرُ منك, حُذِف مال، انفصلَ الضمير ارتفع صار (أنا)، إذن: أنا أصله الياء مالي، حُذِف المبتدأ مالي ثم انفصل الضمير، ولا يكون في محلّ رفع فجِيء بضمير مُنفصِل يكون في محلّ رفع فقال: أنا, أنا أكثر منك ماذا؟ هذا صارَ فيه إبهام, فاحتجنا إلى المبتدأ الذي حذفناهُ ورددناه لننصِبه على التمييز ليكشِفَ لنا الإبهام, مالي أكثر منك, فإن كان الواقعُ بعد أفعل التفضيل هو عينُ المخبر عنه وجبَ خفضه بالإضافة, مالُ زيدٍ أكثرُ مال, إلا إذا كان أفعل التفضيل مضافاً إلى غيره فيُنصَب، وهذا سيأتي منصوصاً عليه في قول الناظم. وناصبُ التمييز في هذا النوع الجملة عند سيبويه هو العامل الذي تضمّنته الجملة لا نفس الجملة .. العامل الذي تضمّنته الجملة هو الناصب. طابَ زيد نفساً، (نفساً) تمييز منصوب ما العامل فيه؟ طاب هو العامل .. الفعل ماضي هو الذي عمل النصب في التمييز. ((فَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا)) [القمر:١٢] عيوناً ما العاملُ فيه؟ فجّر نقول هذا هو العامل في التمييز. ((أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً)) [الكهف:٣٤] أَكْثَرُ هو الخبر, وأكثرُ فيها معنى الفعل. إذن: عندَ سيبويه العاملُ الذي تضمّنته الجملة لا نفس العامل، وهو الذي يقتضيه كلام الناظم كما سيأتي في هذا الباب, وذهبَ بعضُهم وهو منسوب إلى ابن عصفور إلى أن الناصبَ له نفس الجملة, وكلام الناظم هنا مُحتمِل للمذهبين؛ لأن لفظَه عام, بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ هذا يحتمل؛ يحتمل أنه أراد به العامل الذي تضمّنته الجملة, ويحتملُ أنه أراد به نفس الجملة, ولذلك قالَ ابن هشام: أن عمومَه فيه إبطال. محتمِل للمذهبين؛ إذ يصحّ أن يقال إنه فسَّر العامل لأنه رفع إبهام نسبته إلى معموله, وأنه فسَّرَ الجملة لأنه رفعُ إبهام ما تضمنته من نسبة. إذن: قوله اِسمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ هذا حدٌّ للتمييز. قوله: يُنْصَبُ تَمْيِيزاً هذا بيانٌ لحكمه, يُنْصَبُ هذا الاسم بالقيود السابقة تَمْيِيزاً .. مميزاً, تَمْيِيزاً هذا حال من نائبِ الفاعل, يُنْصَبُ هو نائب الفاعل، تَمْيِيزاً هذا حال منه. بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ: بِمَا هذا جار ومجرور مُتعلّق بقوله: يُنْصَبُ، يُنْصَبُ بِمَا: يعني بالذي قد فَسَّرَهْ، كَشِبْرٍ ارْضًّا، الكاف هذه تمثيلية داخلة على محذوف كقولك: هذا شِبر أرضاً, شِبْرٍ: خبر مبتدأ محذوف، وأرْضًّا: تمييز, هذا شبر، شبر من ماذا؟ ثوب .. بساط .. أرض .. جدار؟ يحتمل هذا وهذاك, حينئذٍ قِيل أرْضًّا، جِيءَ بالتمييز ليكشف لنا إبهام مفرد؛ لأنه مُبهم .. الشبر هذا مُبهم, العامل في (أرْضًّا) هو لفظ الشبر نفسه, وهذا مثال للمساحة. وقفيز برّاً، القولُ فيه كسابقه، قَفِيزٍ بُرًّا، بُرًّا: تمييز منصوب بقفيز, وهو مكيل. وَمَنَوَيْنِ قلنا: تثنية منا كعصا، ويقال منٌّ ويُثنى مَنّان، وَمَنَوَيْنِ عَسَلاً وَتَمْرًا، عَسَلاً هذا هو التمييز، وَتَمْرًا هذا معطوف عليه، ولا يكون ما بعد الواو تمييزاً لأن الواو تُعتبر فاصلاً.

стр. 1281

إذن: تمييز الفرد: رفعُ إبهام ما دلَّ عليه من مقدار مساحي, أو كيلي أو وزني وهو ما ذكره الناظم, ولم يذكر غيره لماذا؟ لأنه هو الأصل, الأصل في التمييز الذي يرفع إبهامَ مفرد أن يكون في المقدَّرات, وأما العددُ وإن كان كثيراً لكنه سيأتي في بابه المستقل. قال الشارح: وهو -أي التمييز- كل اسم نكرة مُتضمِّن معنى (من) لبيان ما قبله من إجمال نحو: طاب زيد نفساً، وعند شبر أرضاً, (طاب زيد نفساً) هذا مثال لتمييز الجملة .. النسبة, و (عندي شبر أرضاً) هذا تمييز المفرد. واحترز بقوله: مُتضمّن معنى (من) من الحال .. قلنا الأولى حذفُ كلمة مُتضمّن. من الحال فإنها مُتضمّنة معنى (في). وقوله: لبيان ما قبله: احتراز مما تضمّنَ معنى (من) وليس فيه بيانٌ لما قبله، يعني: ليست (من) فيه بيانية؛ كاسم (لا) التي لنفي الجنس فإن (من) فيها لبيان الاستغراق .. استغراقية؛ ونحو: لا رجل قائم, لا من رجلٍ قائم, نقول: هذه (من) ليست بيانية, وإنما هي للاستغراق. وقوله: لبيان ما قبله من إجمال يشمل نوعَي التمييز, وهما المُبين إجمال ذات, والمبين إجمال نسبة؛ فالمبين إجمال الذات هو الواقع بعد المقادير وهو الأكثر، وهي الممسوحات نحو: له شبر أرضاً، حينئذٍ نقول (أرضاً) هذا العامل فيه شبر وهو جامد, فإن قيل: كيف عمل؟ نقول: لأنه أشبهَ اسم الفاعل في الطلب يقتضي ما بعده لذلك نصبَ, والمكيلات نحو: (له قفيز براً)، والموزونات له (مَنوان عسلاً وتمرا). والأعداد نحو: (عندي عشرون درهماً) وهو منصوب بما قد فسَّره بالمفسَّر يعني، وهو (شبر وقفيز ومنوان وعشرون) , والمبين إجمال النسبة هو المسُوق لبيان ما تعلَّقَ به العامل من فاعل أو مفعول والأمثلة ما ذكرناه. وقد لا يكونُ محوّلاً مثل: امتلأ الإناء ماءً، إذن: المبين لنسبة قد يكون محوَّلاً وقد لا يكون، المحول هو الأكثر، والضابط فيه أن يكون محولاً عن فاعل أو مفعول أو مبتدأ, وغير المحوّل هذا سماعي يحفظ في ألفاظ ولا يُقاس عليه: امتلأ الأناء ماء. والناصبُ له في هذا النوع هو العامل الذي قبله, اختارَ خلافاً ما دلَّ عليه النظم. قال ﵀: وَبَعْدَ ذِي وَشِبْهِهَا اجْرُرْهُ إِذَا ... أَضَفْتَهَا كَمُدُّ حِنْطَةٍ غِذَا وَالنَّصْبُ بَعْدَ مَا أُضِيفَ وَجَبَا ... إِنْ كَانَ مِثْلَ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبَا وَبَعْدَ ذِي المذكوراتُ الثلاث كَشِبْرٍ أَرْضًّا: ممسوحات, قَفِيزٍ بُرًّا: مكيلات, مَنَوَيْنِ عَسَلاً: موزونات, بعد ذي الثلاث المذكورات، وَشِبْهِهَا هو النوع الثاني الذي ذكرناه مثله ونحو ذلك, مما أجرتْهُ العربُ مجراها في الافتقار إلى مميِّز، وهي الأوعية المراد بها المقدار كذنوب ماء, وحُبّ عسل بضم الحاء، ونِحي سمناً, ورقود خلاً, وما حُمل على ذلك في كلّ مجمل الحقيقة مرفوع إجماله بما بعده, كل لفظ مُجمل يحتاج إلى كشف ورفع إبهام فهو داخل في هذا, إما أنه محمول على التمييز حقيقة, وإما أنه داخل في قوله وشبهها. وَبَعْدَ ذِي، بَعْدَ هذا ظرف منصوب على الظرفية متعلّق بقوله اجْرُرْهُ.

стр. 1282

واجْرُرْهُ أي التمييز بَعْدَ ذِي المذكورات وَشِبْهِهَا إِذَا أَضَفْتهَا. هذا وجه آخر يعني: يجوزُ لك في ما سبقَ النصب وهو الأصل, ويجوزُ لك الإضافة, تقولُ (له شبرٌ أرضاً) , ويجوز أن تقول: له شبرُ أرضٍ, وقفيزُ برٍّ, ومنوا عسلٍ, له شبرُ أرض, له خبر مُقدّم, وشبر مبتدأ مُؤخّر, وهو مضاف وأرض مضاف إليه, هل يُسمّى أرض هذا التمييز أو لا؟ الأكثر على أنه يُسمّى تمييزاً ويكون مجروراً, وابنُ هشام لا يرى أنه يُسمى تمييز .. خرجَ عن باب التمييز إذا أضفته. إذن: هذا تجويزٌ من الناظم تبعاً لما تقرّرَ في لسان العرب أن التمييز المُبين للمفرد يجوزُ إضافته حينئذٍ يخرجُ عن النصب إلى الجرّ، فيكون مجروراً بعد أن كان منصوباً. وَبَعْدَ ذِي المقدرات الثلاث وَشِبْهِهَا: فُهم منه أن التمييز بعدَ العدد لا يجيءُ بالوجهين يعني: اثْنَا عَشَرَ كَوْكَباً, لا يتصوّر هنا الإضافة, ولذلك قلتُ أن باب العدد الأصل أنه لا يدخل هنا, فيمن بوَّبَ للعدد, فالأحكام هنا خاصة بما عدا العدد؛ لأنهم سيذكره في باب مُستقلّ. إذن: وَبَعْدَ ذِي هذا اسم إشارة خص به المذكورات، وَشِبْهِهَا أخرج به العدد, حينئذٍ العدد لا يجوز فيه الوجهان، بل يتعينُ فيه النصب فيما نصب تمييزه, والخفض فيما خفض تمييزه، وأما جواز الوجهين النصب في المخفوض أو الخفض للمنصوب فليس داخلاً معنا, إنما هو خاص بهذه المذكورات. اجْرُرْهُ وجوباً أو جوازاً؟ قطعاً جوازاً، كيف نقول واجب؟ بل هو جوازاً. اجْرُرْهُ يعني جوازاً، فإن أُرِيد نفسُ الآلة التي يُقدّر بها وجبَ الجرَ. يعني الآن إذا قيل مقدار .. كيل. إذا قلت مثلاً اشتريت صاعاً تمراً، المقدار يطلق ويراد به الآلة الصاع نفسه الصاع, ويراد به ما كِيل به, فإذا قلت: اشتريت صاعا تمراً, هل أنت اشتريت التمر الذي وُزِن في لصاع أم الصاع الذي يُوزَن به التمر؟ يحتمل هو, يحتمل هذا وذاك, فإذا قلت: اشتريتُ صاعاً تمراً, في أصل التركيب يُطلق الصاع ويراد به نفس الآلة, ويُطلق الصاع ويُراد به ما يكال به، يحتمل هذا وذاك. إذا جررتَ حينئذٍ صار محتملاً، لأننا جوزنا في الوجه الأول السابق كَشِبْرٍ أَرْضًّا جوّزنا فيه الوجهين, وإذا أردنا به الآلة تعيّنَ الجرُّ, فإذا جررنا حينئذٍ صارَ مُحتملاً للصاع نفسه, وللذي كِيل به الصاع, لكن إذا أُضيف وأُريد به اسم الآلة صار على معنى اللام لا على معنى (من). وإذا نصبنا قيلَ تعيّنَ في أن المراد به نفسُ التمرِ لا الصاع, يعني لا يُراد به الآلة. إذن: تجويزُ الوجهين -النصب مع الجر- نقول هذا يختلفُ به المعنى, ليس هكذا، فإذا نصبنا حينئذٍ تعينَ أن يدل على أن المتكلم أراد أن عنده ما يملأ الوعاءَ المذكور من الجنس المذكور. اشتريت صاعاً تمراً، بالنصب يتعين هذا, وأما إذا جررتَه حينئذٍ يحتمل, فهو نصٌّ في المقصود, وأما الجرّ فيحتمل أن يكون مراده ذلك, وأن يكون مرادُه بيان أن عنده الوعاء الصالح لذلك؛ لأن المقدار يُطلق ويُراد به ما يُعرف به قدر الشيء من آلة مساحة أو آلة وزن أو آلة كيل ويُطلق بمعنى الشيء المقدّر بالآلة, فهو يحتمل هذا وذاك.

стр. 1283

إذن: اجْرُرْهُ نقول: هذا جوازاً، متى؟ إذا أردنا الشيء الذي يُكال؛ التمر نفسه, البر نفسه, وإذا أردنا الآلة نفسَها المنا والقفيز والشبر -إذا أردنا الآلة نفسها وجب الجر لكن لا يكون على معنى (من) وإنما يكون على معنى اللام. جوازاً .. اجرره جوازاً فإن أُريد نفس الآلة التي يُقدّر بها وجب الجر, لكن ليس هذا مراداً هنا, لأن الإضافة فيه على معنى اللام لا (من)، حتى يكون تمييزاً, فليس بتمييز, لكن إذا تُكلِّم به يلتبس بالتمييز. إذا أَضَفْتَهَا يعني: أضفتَها إلى التمييز هذه المقدّرات الثلاث إذا أضفتَها إلى التمييز اجرره جوازاً. كَمُدُّ حِنْطَةٍ غِذَا كقولك: مُدُّ حِنْطَةٍ غِذَاء, عندي مدٌّ حِنطةً هذا الأصل, مثل صاعٌ .. حنطةً، حنطةً هذا نقول تمييز وقع بعد المدّ والمد هذا اسم آلة، حينئذٍ جاز إضافته إلى التمييز فتقول عندي مدُّ حنطةٍ بالإضافة, فيحتمل النوعين لكن ليس النوع الثاني مراد هنا. (مدُّ حنطةٍ) الآلة نفسها وجب الجر يعني مدٌّ للحنطة, ويحتمل ماذا؟ الشيء المقدر نفسه الحنطة, حينئذٍ يكون (مدّ حنطةٍ) مدٌّ من حنطة على معنى (من)، لكن باللام ليس هو المراد، لكن إذا تُكلّم به يحتمل الوجهين. وَبَعْدَ ذِي وَشِبْهِهَا اجْرُرْهُ جوازاً إِذَا أَضَفْتَهَا يعني: إلى التمييز المنصوب؛ إذا أضفتها إليه. كَمُدُّ حِنْطَةٍ، مُدُّ مبتدأ وهو مضاف, وحِنْطَةٍ مضاف إليه. غِذَا هذا خبر المبتدأ, مُدُّ: مبتدأ, وغِذَا: هذا خبر المبتدأ. وشبرُ أرضٍ، شبرٌ أرضاً, وقفيزُ بر, (قفيزاً) (براً) هذا الأصل, و (مَنوا عسلٍ) منوين هذا الأصل فيه, غِذَاء أعربه الشاطبي بدلاً أو حالاً, وغذاء بمعجمتين ككتاب, غذاءٌ ككتابٌ, وهو ما يُغتذى به في أي وقت, غذاء في أي وقت, وأما الغذاء كسحاب فهو ما يُؤكل أول النهار, غذاء كسحاب. وَالنَّصْبُ بَعْدَ مَا أُضِيفَ وَجَبَا ... إِنْ كَانَ مِثْلَ مِلْءُ الاَرْضِ ذَهَبَا هذا تقييدٌ للبيت السابق، اجْرُرْهُ مطلقاً، ولو أُضيف إلى غير التمييز؟ لا، وإنما يشترط فيه أن لا يُضاف إلى غير التمييز, فإن أُضيف حينئذٍ وجبَ نصبُ التمييز, هذا البيت تقييدٌ لسابقه؛ فمعنى اجرره إذا أضفتها أي: إلى التمييز؛ بخلاف (ما) إذا كانت مضافة إلى غيره, إذا كانت هي مضافة إلى غيره حينئذٍ تعيّنَ النصب. مِلْءُ الاَرْضِ ذَهَبَا (ذَهَبَا) هذا تمييز؛ لا يصح أن يُضاف إلى ما قبله؛ لماذا؟ لأنَّ مِلْءُ الاَرْضِ مضاف ومضاف إليه, مِلْءُ .. مِلْءُ ماذا؟ مِلْءُ الاَرْضِ ذَهَبَا، (مِلْءُ الاَرْضِ) هذا مُحتمل؛ فيه إبهام, فإذا قلت (مِلْءُ الاَرْضِ ذَهَبَا) هل يُتصوّر فيه الإضافة لا يتصور, لماذا؟ لأنه هو في نفسه مضاف والعرب لا تركّب ثلاث كلمات. وَالنَّصْبُ بَعْدَ مَا أُضِيفَ وَجَبَا وَالنَّصْبُ هذا مُبتدأ, بَعْدَ هذا مُتعلق بقوله النَّصْبُ لأنه مصدر، والمصدر يتعلَّق به الظرف. بَعْدَ مَا أُضِيفَ ما هو الذي أُضيف؟ يعني من هذه المقدّرات الثلاث، لغير التمييز وَجَبَا الألف للإطلاق النصب وجبا, وجبا هذا خبر النصب.

стр. 1284

إِنْ كَانَ إن كانَ المضاف لا يصحّ إغناؤه عن المضاف إليه، مثل ماذا؟ مِلْءُ الاَرْضِ ذَهَبَا، الاَرْضِ هنا الهمزة مُسهّلة, ملء الاَرْضِ بتحريك اللام .. ذَهَبَا, حذف خبره لملء مبتدأ, وهو مضاف والأرض مضاف إليه, وذهبا التمييز والخبر محذوف؛ يعني لي .. جار ومجرور متعلق بمحذوف. ومثله: (مَا فِي السَّمَاءِ قَدرُ رَاحَةٍ سَحَاباً)؛ إذ لا يصحّ (ملءُ ذهبٍ)، لا يصحّ أن يقال (ملءُ ذهبٍ) , ملءُ: مضاف إلى الأرض حينئذٍ يمتنع أن يُضاف التمييز -الذي هو ذهب- إلى ملء الأرض, فلا يُقال ملءُ ذهبٍ, ولا قدرُ سحابٍ، فإن صحّ إغناء المضاف عن المضاف إليه جازَ نصبُ التمييز وجازَ جرّه بالإضافة بعد حذف المضاف إليه. أشجعُ الناس رجلاً زيد, لو قال: هو أشجعُ رجلٍ؛ يعني إذا حذف المضاف وأُضيف إلى التمييز فصح المعنى، حينئذٍ نقول يجوز فيه الوجهان: أن يبقى على أصله فينصب فيكون جائز النصب, ويحتمل أنه واجب النصب. إذن: جائزُ النصب مع جرّه بعد حذف المضاف إليه، إذا قيل زيد أشجع الناس رجلاً، حينئذٍ نقول أشجع رجل يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؛ لماذا؟ لأنه صح أن نستغني بالتمييز عن المضاف إليه, لكن (ملءُ ذهبٍ) هذا لا يصحّ، قدرُ سحابٍ نقول لا يصح، حينئذٍ يمتنع. وَالنَّصْبُ بَعْدَ مَا أُضِيفَ وَجَبَا ... إِنْ كَانَ مِثْلَ مِلْءُ الاَرْضِ ذَهَبَا يعني: أن المميَّز إذا أُضيف وجبَ نصبُ التمييز، ومنه قولُه: إِنْ كَانَ مِثْلَ .. إلخ, أنه لا يجب نصبُه إلا إذا كان كالمثال المذكور وهو إن كان المضاف لا يصحّ إغناؤه عن المضاف إليه. قال: فإن أُضيف الدال على مقدار إلى غير التمييز وجب نصبُ التمييز نحو: ما في السماء قدر راحة سحاباً, وهذا مُقيّد بأنه إذا لم يصحّ إغناء المضاف إليه عنه، ومنه قوله تعالى ((فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا)) [آل عمران:٩١] فلا يُقال: ملءُ ذهبٍ, لكن المثال الذي ذكرناه سابقاً يصح. وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَى انْصِبَنْ بِأَفْعَلاَ ... مُفَضِّلاً كَأَنْتَ أَعْلَى مَنْزِلاَ هذا البيت خاص بأفعل التفضيل .. تمييز أفعل التفضيل، الاسمُ النكرة إذا وقعَ بعد أفعل التفضيل وكان فاعلاً في المعنى وجب نصبُهُ على التمييز هذا مرادُه, الاسمُ النكرة إذا وقعَ بعد أفعل التفضيل وكان فاعلاً في المعنى وجب نصبه على التمييز. وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَى انْصبَنْ انصبن الفاعل المعنى، الْفَاعِلَ هذا مفعول به لقوله: انْصبَنْ.

стр. 1285

الْمَعْنَى هذا على نزعِ الخافض .. منصوب على نزع الخافض. والفاعل في المعنى لا غيره، من أين أخذنا الفاعل المعنى لا غيره؟ لأنه قدَّمَ ما حقه التأخير فأفاد الحصر. وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَى أي: لا غيره. انصبن على التمييز بأفعل التفضيل مُفَضِّلاً هذا حال من فاعل انصبن، انصبن أنت حال كونك مُفضّلاً له على غيره؛ نحو: ماذا؟ مثَّل له بقوله: أَنْتَ أَعْلَى مَنْزِلاً, (منزلاً) هذا لو نظرنا فيه فإذا به فاعل في المعنى؛ يعني لو جعلنا مكان أفعل التفضيل من لفظه فعل، ونظرنا فيما بعده، فإذا به تقول أنت علا منزلُك, إذن: منزلُك هذا الذي نصبناه على أنه تمييز في الأصل هو فاعل في المعنى, كيف نعرفُ أنه فاعل في المعنى؟ نأتي بفعلٍ من لفظ أفعل التفضيل، ثم ننظر في التمييز ما علاقته به؟ فإن كان فاعلاً حيئنذٍ قلنا فاعل في المعنى وإلا فلا؟ وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَى انْصِبَنْ بِأَفْعَلاَ ... مُفَضِّلاً كَأَنْتَ أَعْلَى مَنْزِلاَ أَعْلى هذا فيه ضمير يعودُ على أنت؛ أنت مبتدأ وأعلى هذا خبر, مَنزلاً هذا تمييز, وأعلى هذا فيه ضمير مستترٌ يعود على أنت, وهو بدل الكاف (منزلك) أين ذهبت الكاف؟ نقول استتر في أعلى, ومنزلاً هذا تمييز لأي شيء؟ أَعْلَى أي شيء؟ أَعْلَى مُحتمِل أو لا؟ فيه إبهام فيه إبهام. إذن: نقول هذا تمييز لأفعل التفضيل, وأنت أكثرُ مالاً؛ حينئذٍ تقول كَثُرَ مالك, إذن صار فاعلاً في المعنى. قال الشارح: التمييزُ الواقع بعد أفعل التفضيل إن كان فاعلاً في المعنى وجب نصبه, وإن لم يكن كذلك وجبَ جرُّه بالإضافة، والفاعل المعنى هو المتصل بالمعنى في الحقيقة، وهو السبببي، وعلامته أن يصلح للفاعلية عند جعل أفعل فعلاً، وعلامة ما هو فاعل في المعنى أن يصلحَ جعله فاعلاً بعد جعل أفعل التفضيل فعلاً؛ نحو: أنت أعلى منزلاً وأكثر مالاً؛ فـ (منزلاً ومالاً) يجب نصبهما إذ يصح جعلهما فاعلين بعد جعل أفعل التفضيل فعلاً, فتقول: أنت علا منزلُك, وكثر مالُك, أعلى منزلاً؛ منزلك كان فاعلاً ثم نُقل وجُعِل تمييزاً ثم المضاف إليه منزلك الكاف استترَ في الفعل وصار فاعلاً, ومثالُ ما ليس بفاعل في المعنى (زيد أفضل رجل) , و (هند أفضل امرأة) , لو جئتَ بفعل زيد يفضُلُ رجل؛ ما يأتي هنا فاعل في المعنى, وكذلك هند تفضُلُ امرأة؛ نقول: ليس هذا بفاعل في المعنى.

стр. 1286

وضابط ما ليس بفاعل في المعنى ما أفعل التفضيل بعضُه, وعلامتُهُ أن يصحَّ أن يُوضع موضع أفعل بعض -لفظ بعض- ويُضاف إلى جمع قائم مقامه, زيدٌ أفضل فقيهٍ، زيد: مبتدأ، وأفضل: هذا خبر، وهو مضاف وفقيه مضاف إليه, فإنه يصحّ فيه أن يقال: زيد بعض الفقهاء, فهذا النوع يجبُ جرُّه بالإضافة زيد أفضل فقيه, زيد بعضُ الفقهاء, إن صحَّ أن يجعل مكان أفعل التفضيل لفظُ بعض، ويؤتى بما بعده جمعاً حينئذٍ نقول وجب جره لأنه ليس فاعلاً في المعنى, فيجبُ جرّه بالإضافة إلا إذا أُضيف أفعل إلى غيره كالسابق .. كما ذكرناه سابقاً هناك: وَالنَّصْبُ بَعْدَ مَا أُضِيفَ وَجَبَا، إن أضيف أفعل التفضيل إلى غير التمييز حينئذٍ وجبَ نصبه، أنت أفضل الناس رجلاً، نقولُ: رجلاً هذا تمييز، وأفضل هنا يصحّ جعلها بعض, أنت بعض الرجال, زيد أفضل فقيه، زيد بعض الفقهاء,. إذن: صحَّ أن يكون بمعنى بعض، فحينئذٍ نقول وجبَ جرّه، لكن منعَ مِن الجر هنا كونُهُ مضافاً فرجعَ التمييز على أصله فوجبَ نصبه. وَبَعْدَ كُلِّ مَا اقْتَضَى تَعَجُّبَا ... مَيِّزْ كَأَكْرِمْ بِأَبِي بَكْرٍ أَبَا يعني: من المواضع التي يكون فيها التمييز منصوباً واجبَ النصب بعد ما اقتضى تعجباً، والمراد به ما اقتضى تعجباً وضعاً أو سماعاً, والوضعُ هما الصيغتان الموضوعتان في لسان العرب, ما أفعله وأفعل به، حينئذٍ إذا جاء التمييز بعدهما فهو منصوب واجب النصب, وكذلك ما إذا كان سماعياً وهي ألفاظ تُحفَظ ولا يُقاس عليها. وَبَعْدَ كُلِّ مَا اقْتَضَى تَعَجُّبَا: (بَعْدَ) مُتعلّق بميّز. مَيّز بعد كل ما اقتضى تعجباً؛ كُلِّ مَا اقْتَضَى تَعَجُّبَا؛ إما وضعاً وهو ما أفعله وأفعل به، أو لا وهو ألفاظ محفوظة في لسان العرب؛ نحو ماذا؟ لله دره فارساً. وَبَعْدَ كُلِّ مَا اقْتَضَى تَعَجُّبَا ... مَيِّزْ كَأَكْرِمْ بِأَبِي بَكْرٍ أَبَا أينَ التمييز هنا؟ أينَ صيغة التعجب؟ أَكْرِمْ بِأَبِي, ((أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ)) [مريم:٣٨] مثله، أباً هذا تمييز واجب النصب، منصوب بماذا؟ أَبٌ أخٌ حَمٌ كَذَاكَ وَهَنُ,؟؟؟ يقعُ التمييز بعدَ كل ما دلَّ على تعجب, وجهُه أن التمييز يُزيل الإبهام, والتعجبُ لا يكون إلا مِن شيء خفِي سببه, هذا في حقّ المخلوق, فإذا خفي سببه جِيءَ بالتمييز ليزيل الإبهام وليشرح السبب, وهذا في التمييز غير المؤكِّد, لكن في حاصل التعجب هذا السبب قيل فيه نظر. يقعُ التمييز بعد كل ما دلَّ على تعجب، لكنه ليس خاصاً بالصيغتين الموضوعتين اصطلاحاً، (للتعجب) فدخل فيه ما أفهمَ التعجب من غير الصيغتين, ما أحسن زيداً رجلاً, (ما) هذه تعجيبية بمعنى شيء، والصحيح أنها مبتدأ, وأحسن زيداً هذا فعل وفاعل ومفعول به والجملة خبر, ورجلاً هذا تمييز؛ تمييز من مفعول أحسن, وأَكْرِمْ بِأَبِي بَكْرٍ أَبَا .. قال في شرح الكافية: المراد به أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه, ولله درُّكَ عالماً, هذا سماعي, حسبُك بزيد رجلاً، سماعي كذلك, وكفى به عالماً، هذا سماعي, ويله رجلاً سماعي, ويحه إنساناً، هذا كله سماعي. وَاجْرُرْ بِمِنْ إِنْ شِئْتَ غَيْرَ ذِي الْعَدَدْ ... وَالْفَاعِلِ الْمَعْنَى كَطِبْ نَفْسَاً تُفَدْ

стр. 1287

هذا الوجه الثالث مما يجوزُ في المقدَّرات السابقة, قلنا: يجوزُ فيها النصب هذا الأصل كَشِبْرٍ أَرْضًّا, ويجوزُ فيها الجرُّ بإضافتها إلى التمييز، هنا قال يجوزُ فيها إظهار (من) , عندي شبرٌ مِن أرض, وقفيزٌ مِن بر, ومنوانِ مِن عسل، إذن فيه ثلاثة أوجه: شبرٌ أرضاً، شبرُ أرضٍ بالإضافة، شبرٌ من أرضٍ, كونه مميزاً في حالة النصب محلّ وفاق, وأما إذا ظهرت (من) أو أُضيف فمحل نزاع، إذا أضيف واضح أنه تمييز, وأمّا إذا ظهرت (من) فيحتاج! وَاجْرُرْ بِمِنْ إِنْ شِئْتَ، وَاجْرُرْ يعني جوازاً، ليس وجوباً، لأنه يجوز إضافته ونصبه وَاجْرُرْ بِمِنْ لفظا كلّ تمييز صالح لمباشرتها. إِنْ شِئْتَ علّقَه بالمشيئة، هذا قرينة دالة على أن قوله اجْرُرْ المراد به التخيير. غَيْرَ ذِي الْعَدَدْ: غَيْرَ مفعول اجْرُرْ, اجرر غير ذي عدد، وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَى. إذن: كلُّ تمييز صالح لأن يُباشره (مِن) فاجرره، واستثنى حالتين: مسألتين عندهم فيما إذا كان التمييز تمييزَ عدد ((أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا)) [يوسف:٤] لا تقل: أحد عشر من كوكب؛ ممنوع, كذلك الفاعل المعنى، يعني تمييز النسبة إذا كان محوّلاً عن فاعل، (طاب زيد من نفس) لا يصح, بل يبقى على أصله ماذا بقي؟ المقدَّرات كلها، وذكرنا أمثلتها، بقي من النسبة ((وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا)) [القمر:١٢] هل يجوز أو لا؟ ظاهر كلام الناظم أنه يجوز أن يقال في غير القرآن (وفجرنا الأرض من عيون) لأنه استثنى مسألتين فقط: وهما العدد والفاعل المعنى، والصوابُ أنه يُضاف إلى الفاعل المعنى ما كان مفعولاً في المعنى. وَاجْرُرْ بِمِنْ إِنْ شِئْتَ غَيْرَ ذِي الْعَدَدْ ... وَالْفَاعِلِ الْمَعْنَى ... والفاعل في المعنى هذا معطوف على قوله: (ذِي) الْفَاعِلِ بالكسر .. والفاعلِ بالخفض عطفاً على (ذِي) غَيْرَ ذِي الْعَدَدْ, يعني: صاحب العدد، وَالْفَاعِلِ الْمَعْنَى، ويستثنى كذلك المحوَّل عن المفعول؛ فإنه يمتنع فيه الجر بـ (من)؛ فهذه ثلاث مسائل مستثناة. أجاز بعضهم (شبرٌ أرضٌ) , عندي شبرٌ أرضٌ, عندي: هذا خبر، شبرٌ: مبتدأ، أرض بدل مما قبله, لكن ضعّفه الكثير. كَطِبْ نَفْساً تُفَدْ: أصله لتطبْ نفسك, نفساً هذا تمييز محول عن الفاعل, طب نفساً, نفساً هذا تمييز، حينئذٍ هل يصح أن نقول: طبْ من نفس؟ لا, هذا مثال لأي شيء لما جاز جرّه بـ (من) أو لما امتنع؟ للثاني, لأنه مثَّلَ لما كان فاعلاً في المعنى. كطب نفساً، فلا تقل طب من نفس لأنه فاعل في المعنى, حينئذٍ نقول: إذا ألحقنا المفعول المحوَّل عن المفعول نقول الصحيح أن المحول لا يصح جرَّه بـ (مِن)؛ سواء كان محولاً عن فاعل أو عن مفعول أو عن مبتدأ, وإنما الحكمُ خاص هنا بالمفردات .. المقدَّرات السابقة. (وَاجْرُرْ) هذا يتناول تمييز الاسم المفرد والنسبة غير المحول فقط، لكن نستثني المحول بجميع أصنافه.

стр. 1288

وَاجْرُرْ بِمِنْ إِنْ شِئْتَ غَيْرَ ذِي الْعَدَدْ وَالْفَاعِلِ الْمَعْنَى: يعني الفاعل في المعنى؛ يعني اجرره بـ (مِنْ) لفظاً؛ كل تمييز صالح لمباشرته؛ لأنها فيه معنى .. هي فيه معنى مقدرة من جهة المعنى؛ كما أن كل ظرف فيه معنى (في)؛ وبعضه صالح لمباشرتها؛ وكل تمييز فإنه صالح لمباشرة (من) إلا نوعين على ظاهر لفظ النظم؛ وهو العدد وما هو فاعل في المعنى. قال الشارح: يجوزُ جرُّ التمييز بـ (من) إن لم يكن فاعلاً في المعنى، ولا مميزاً لعدد، فتقول: عندي شبر من أرض, وقفيزٌ من بر ومنوانِ من عسل وتمر, وغرستُ الأرض من شجر، جرى على ظاهر النظم. يعني: كأن مراد الناظم هنا أن المحوَّل عن المفعول تدخله (مِن)، والصواب أنه كالفاعل. ولا تقول: طابَ زيد من نفس، ولا عندي عشرون من درهم، وقد يُقال بأنه .. ما وقفت على هذا، لكن قد يُعلّل بأن ثم فرقاً؛ الفاعل لا تدخل عليه (من) , وأما الممفعول فكثيرا ما تدخل عليه (مِن) الزائدة, لكن الصواب هو الأول. وَعَامِلَ التَّمْيِيزِ قَدِّمْ مُطْلَقَا ... وَالْفِعْلُ ذُو التَّصْرِيفِ نَزْراً سُبِقَا عامل التمييز يجبُ تقديمه على التمييز؛ بمعنى أنه يجبُ تأخيرُ التمييزِ عن عامله فلا يتقدَّمُ عليه البتة. وَعَامِلَ التَّمْيِيزِ قَدِّمْ مُطْلَقَا هذا حالٌ من عامل التمييز، قدّم عامل التمييز، عامل هذا مفعول به مُقدَّم، وهو مضاف والتمييز مضاف إليه, وقدم هو العامل فيه. مُطْلَقَا هذا حال من عامل التمييز, العامل في التمييز يجبُ تقديمه عليه، فيلزم وجوب تأخير التمييز، مطلقا يعني: سواء كان اسماً جامداً؛ فلا تقل: له عندي كتاباً عشرون, لا يصحّ بل يجبُ تأخيره، لماذا؟ لأن (عشرون) هذا مفرد، وهذا محل إجماع, كذلك إذا كان محوَّلاً، (نفساً طاب زيد) نقول لا يصح, (عيوناً فجرنا الأرض) لا يصح كذلك. ولو فعلاً متصرفاً وفاقاً لسيبويه والفراء وأكثر البصريين والكوفيين؛ لأن الغالبَ في التمييز المنصوب بفعل مُتصرّف كونه فاعلاً في الأصل. إذن قوله: قَدِّمْ مُطْلَقَا .. أعلى درجات العامل أن يكون فعلاً متصرفاً, حينئذٍ ولو كان فعلاً متصرفاً فغيره من بابٍ أولى وأحرى أن لا يتقدم عليه, وهذا وفاقاً لسيبويه وما عطف عليه، لأن الغالب في التمييز المنصوب بفعل متصرف كونه فاعلاً في الأصل, وقد حُوِّل الإسنادُ عنه إلى غيره لقصد المبالغة؛ فلا يُغيَّر عما يستحقه من وجوب التأخير لما فيه من تقديم الفاعل على عامله, وهذا لا يجوزُ عند البصريين. لو قدّمنا التميز على العامل حينئذٍ قدّمنا ما أصله الفاعل, وإذا كان كذلك خالفنا أصلاً آخر, لما فيه من الإخلال بالأصل, أما غيرُ المتصرف؛ يشمل الجامد والاسم .. أما غير المتصرف فبالإجماع؛ يعني الجامد لا يجوز, نحو: ما أكرمَك أباً, نقول (أباً) هذا لا يجوز تقديمه؛ لأن ما أكرمك هذا صيغة تعجّب, وهي غير مُتصرفة فلا يتصرف في معمولها. ونعمَ رجلاً زيداً؛ لا يقال (رجلاً نعم زيداً) لا يجوز لأن نعم هذا فعل جامد, وهذا محل إجماع.

стр. 1289

والاسم كذلك بالإجماع لا يتقدَّمُ عليه التمييز؛ نحو: عندي عشرون درهماً, فلا يجوز (عندي درهماً عشرون)؛ لا يتقدم عليه وهذا محل وفاق؛ لأنه ضعيف والعامل الضعيف لا يتصرف في معموله. وَعَامِلَ التَّمْيِيزِ قَدِّمْ مُطْلَقَا أما توسُّطه بين العامل ومعموله فهو جائز بالإجماع (طاب نفساً زيد) توسَّطَ بين العامل ومعموله هذا جائز بالإجماع, والكلامُ هنا في تقديم التمييز على العامل. وَعَامِلَ التَّمْيِيزِ قَدِّمْ مُطْلَقَا وأما تقديم التمييز على معمول العامل دون العامل هذا جائز. وَالْفِعْلُ ذُو التَّصْرِيفِ نَزْراً سُبِقَا قليل؛ قيل شاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه. وَالْفِعْلُ ذُو التَّصْرِيفِ يعني: مُتصرف أي: مجيءُ عاملِ التمييز الذي هو فعل متصرِّف مسبوقاً بالتمييز نزرٌ، أي: قليل، قليل أن يتقدم التمييز على العامل وهو فعل متصرف. وَالْفِعْلُ: مبتدأ، ذُو التَّصْرِيفِ نعت، نَزْراً سُبِقَا: الألف للإطلاق وسُبِقَ هذا مغير الصيغة وفيه نائب فاعل, ونَزْراً هذا حال منه .. يعني قليل. قال الشارح: مذهبُ سيبويه ﵀ أنه لا يجوزُ تقديمُ التمييز على عامله سواء كان مُتصرّفاً أو غير مُتصرف مطلقاً, فلا تقولُ نفسًا طاب زيد, ولا عندي درهماً عشرون، وأجاز الكسائي والمازني والمبرد تقديمه على عامله المتصرف مُحتجينَ بما ورد وقياساً على غيره من الفضلات المنصوبة بفعل متصرف .. من باب القياس؛ فتقول نفساً طابَ زيد, وشيباً اشتعلَ رأسي؛ ومنه قوله: أَتهْجُرُ لَيْلَى لِلْفِرَاقِ حَبِيبَهَا ... وَمَا كَانَ نَفْساً بِالْفِرَاقِ تَطِيبُ وَمَا كَانَ نَفْساً بِالْفِرَاقِ تَطِيبُ, أين العامل؟ تَطِيبُ, وهنا نفساً تقدّم عليه. والفراء وأكثر البصريين والكوفيين على المنع، لأن الغالب في التمييز المنصوب بفعل مُتصرِّف كونه فاعلاً في الأصل. قال: ووافقه المصنفُ في غير هذا الكتاب على ذلك وجعله في هذا الكتاب قليلاً, فإن كان العاملُ غير متصرف فقد منعوا التقديم بالإجماع؛ يعني: الجامد والاسم, فلا يُقال (ما أحسن زيداً رجلاً) أو غيره، لا يتقدّم (رجلاً) على (ما أحسن)، ولا يتوسط، و (عندي عشرون درهماً) لا يتقدم (درهماً) على (عشرون) , وقد يكون العامل مُتصرِّفا ويمتنع تقديمُ التمييز عليه عند الجميع (كفى بزيد رجلاً) , (كفى يكفي)، إذن هو متصرف هذا بالإجماع لا يجوز تقديم التمييز عليه؛ لأنه أشبهَ الجامد من حيث دلالته على المعنى, والجامدُ لا يصحُّ تقديم التمييز عليه, وكذلك ما أشبهه في المعنى مثل كفى. وأجمعوا على منع التقديم في نحو كفى بزيد رجلاً لأن كفى وإن كان فعلاً متصرفاً إلا أنه في معنى غير المُتصرّف فهو فعل التعجب، لأن معناه ما أكفأه رجلاً. إذن: كفى لكونه في معنى فعل التعجب مُنع من أن يتقدّم عليه. بقيَ مسألة ونختم بها وهي: ما اتفقَ فيه الحال والتمييز وما افترقا, يتفقُ الحال والتمييزُ في خمسة أمور, ويفترقان في سبعة أمور, يتفقان في أنهما: اسمان .. نكرتان .. فضلتان .. منصوبتان .. رافعتان للإبهام. ويفترقان في سبعة أمور: الأول: أن الحال تجيءُ جملةً وظرفاً, والتمييز لا يكون إلا اسماً. الثاني: الحال قد يتوقّفُ معنى الكلام عليها بخلاف التمييز.

стр. 1290

الثالث: الحالُ مُبينة للهيئات, والتمييز مُبين للذوات والنِّسَب، الحال مميز للهيئة, وأما التمييز مبين للذات نفسها, إذا قلت: جاء زيدٌ راكباً, (راكباً) هذا بين الهيئة, أما زيد فهو معلوم, فإذا قلت (عندي عشرون) الذات نفسها غير معلومة فإذا قلت كتاباً أفصحت عنه. الرابع: الحال تتعدّد بخلاف التمييز فلا يتعدّد. الخامس: الحال تتقدّمُ على عاملها إذا كان فعلاً متصرفاً أو وصفاً يشبههُ, ولا يجوز ذلك في التمييز على الصحيح. السادس -وهذا محل خلاف-: حق الحال الاشتقاق, وحق التمييز الجمود, وقد يتعاكسان. السابع: الحال قد تأتي مؤكِّدة لعاملها بخلاف التمييز. الحال جماهير النحاة على أنها تأتي مؤكِّدة, وأما التمييز فالعكس جمهور النحاة على أنه لا يأتي مؤكِّداً. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبيا محمد ... !!!

стр. 1291

عناصر الدرس * شرح الترجمة (حروف الجر) ـ * تعداد حروف الجر ,وإختصاص بعضها بقوم دون غيرهم * أقسام حروف الجر من حيث الإختصاص وعدمه * معاني حروف الجر * فائدة: هل ينوب حرف عن حرف؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آلة وصحبه أجمعين: قال الناظم رحمه الله تعالى: حُرُوفُ الْجَرِّ، أي: هذا بابُ بيان ما يتعلّقُ بحروف الجر, ومقصودُه الشروع في المجرورات كما ذكرناه سابقاً, لأن النحاة يقسِّمون الأسماء إلى مرفوعات ومنصوبات ومجرورات, فلمّا أنهى الكلام على المرفوعات بقسميه الرئيسين: الفاعل والمبتدأ, ثم المنصوبات وعدَّها المفاعيل السابقة والعامل فيها شرعَ في بيان ما يتعلّق بالمجرور, والمجرور على قسمين, المجرور يعني الاسم الذي دخلهُ الجر, وهو الذي يقتضيه الحرف, المجرور على قسمين: إما إن يكون مجروراً بحرف, وإما أن يكون مجروراً بإضافة. وجرت عادةُ النحاة على تقديم المجرور بالحرف على المجرور بالإضافة, وهذا لسببٍ عندهم وهو أن المجرور بالإضافة على نيّةِ الحرف, حيئنذٍ الحرفُ الملفوظ يكون أولى بالتقديم من الحرف المنوي. إذن: الباب الثاني (الإضافة) مبنيّ على الباب الأول وهو حروف الجر, وإذا قيلَ بأن المضاف هو العاملُ على الصحيح وليس ثم حرف مقدّر أو منوي، فحينئذٍ نقول جرت عادةُ النحاة على تقديم الحرف .. حرف الجر؛ لأنه لم يُختلَف في كون حرف الجر هو المقتضي للخفض، وأما المضاف والإضافة والحرف المنوي فهذا محلّ نزاعٍ بين النحاة. (حُرُوفُ الْجَرِّ) سُميت حروف الجر قيلَ لأنها تجر معاني الأفعال إلى الأسماء, هذا المشهور يعني تُوصل إليها تلك المعاني التي تضمّنتها الأفعال التي هي المتعلَّق بالنسبة للحرف, فيكونُ المرادُ حينئذٍ -حروف الجر- المرادُ بالجر هنا المعنى المصدري، ومن ثم سمّاها الكوفيون حروف الإضافة، لأنها تُضيف معاني الأفعال إلى الأسماء يعني تُوصلها إليها, وهذا صارَ المعنى واحدا؛ سواء سميناها حروف الجر, المعنى المصدري وهو إيصال المعاني من الأفعال إلى الأسماء, أو صارَ من جهة الإضافة إضافة المعنى الذي دلَّ عليه الفعل إلى الأسماء, ومن ثَم سماها الكوفيون حروفَ الإضافة؛ لأنها تُضيف معاني الأفعال إلى الأسماء يعني تُوصلها. وإما لأنها تعملُ الجر، لماذا سُمّي حرف جر؟ لأنه يعمل بالعمل المخصوص بالاسم, وحينئذٍ يكون المرادُ بالجر هو الإعراب المخصوص, تغييرٌ مخصوصٌ علامته الكسرة وما ناب عنها، أو نفسُ الكسرة وما نابَ عنها. والمراد بإيصال حرف الجر معنى الفعل للاسم ربطُهُ به, أن يكون الحرفُ رابطاً ووسيلةً بين الفعل والاسم الذي هو مجرور الحرف, ربطُهُ به على الوجه الذي يقتضيه الحرف من ثبوته له أو انتفائه عنه, يعني إما أن يكون الحرفُ وسيلةً لإثبات معنى الفعل السابق الذي هو المتعلّق إلى المجرور, وإما أن يكون بالانتفاء, والمراد بالانتفاء هنا لإدخال (خلا) و (عدا) و (حاشا)؛ لأنها سبق أنها حروف تجرُّ في بعض الأحوال, فإذا جرّت حينئذٍ ما المعنى الذي تضيفه إلى الأسماء؟ (جاء القوم خلا زيدٍ, عدا زيدٍ, حاشا زيدٍ) هي قطعت معنى الفعل عما بعدها, أنت قلت (قام القوم خلا زيدٍ) , هل القيام الذي اتصفَ به الفعل ودلَّ عليه الفعل موصولٌ إلى ما بعد خلا أم أنه مصروف عنه؟

стр. 1292

مصروف عنه, حينئذٍ نقولُ: كيف نقول هي توصل المعاني, وهنا في (خلا وعدا) قد فصلت تلك المعاني؟ نقول: المراد بالإيصال سواء كان على جهة الثبوت أو على جهة الانتفاء لإدخال هذه العوامل الثلاث. إذن: المراد بإيصال حرفِ الجر معنى الفعل للاسم ربطُهُ به على الوجه الذي يقتضيه الحرف من ثبوته له أو انتفائه عنه؛ ليشملَ حروف الاستثناء التي تجرّ لأنها لتنحية معنى الفعل عن مدخُولها لا لإيصاله إليه, أفادَه الصبان. إذن: حروفُ الجر تحتمل التسمية أمّا أنه روعي فيها المعنى فيكون المعنى المصدري هو المراد. وإما أن يكون المراد به العمل المخصوص. إذن: هذه تسمية وهي خاصة بالبصريين, وأما الكوفيون فيسمّونها حروف الإضافة, وتُسمّى كذلك بحروف الصفات؛ لأنها تُضيف إلى ما بعدها صفات, والمراد بها الظرفية والتبيين والتبعيض ونحو ذلك, يعني: تُحدِث في الاسم صفة من ظرفية أو غيرها. قال الناظم هنا: هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ وَهْيَ مِنْ إِلَى ... حَتَّى خَلاَ حَاشَا عَدَا فِي عَنْ عَلَى مُذْ مُنْذُ رُبَّ الَّلامُ كَيْ وَاوٌ وَتَا ... وَالْكَافُ وَالبَا وَلَعَّلَّ وَمَتَى هذه الحروف بدأ بها الناظم هنا عدّاً, قسم الباب إلى قسمين: أولاً: عدَّ فيها الحروفَ .. يعني ذكرَها ذكراً, جمعَها في بيتين، وهي عشرون حرفاً وزِيدَ عليه لولا، فصارت واحداً وعشرين حرفاً, ثم يشرعُ في بيان المعاني التي تتعلّقُ بهذه الحروف, ثم يذكرُ بعض المسائل التي تتعلّق بإعمال حرف الجر محذوفاً, وهل يُكفّ؟ وما الذي يُكفّ ونحو ذلك؟ ذِكرُ المعاني هنا يُذكر استطرادا ًوإلا الأصل النحاة كتبوا في حروف المعاني مؤلّفات مستقلة, ولذلك لا تُؤخَذ من هذه الكتب, ولن نَقف معها طويلاً, وإنما نذكرُ المعاني التي ذكرها الناظم فحسب، ولذلك سنمرُّ على الباب مرورَ الكرام كما يقال. وأما المعاني على جهة التفصيل ومعرفة ما يتعلّق بكل حرف لأن بعضها يصل إلى العشرين معنى, وكل معنى قد يكون فيه خلاف وأخذٌ وعطاءٌ وإلى آخره. نقول هذه ما دام أنها موجودة في كتب مُستقلة حينئذٍ منزلتها منزلة المواريث من الفقه, لكثرة المسائل فيها والأخذ والعطاء حينئذٍ استقلّت بمؤلفات خاصة، ومغني اللبيب لابن هشام رحمه الله تعالى يُعتبَر موسوعة في هذا الجانب, فمن أرادَ الزيادة والتزود حينئذٍ يرجعُ إلى ذلك الكتاب، قد قيل أن مَن درس النحو ولم يقرأ المغني ما عرفَ النحو أبداً. هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ, هَاكَ هذا اسم فعل أمر، الأصل (هَا) لوحدها بدون مد يعني بالقصر, وقيل: يُمدّ ومنه ((هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ)) [الحاقة:١٩] هَاؤُمُ, و (ها) نقول هذا اسم فعل أمر بمعنى خُذ, والكاف هذه حرفُ خِطاب وليست اسمية, وإنما تتصرّفُ تصرفَ الكاف في الاسمية بحسب حال المخاطب من تذكير وتأنيث وإفراد وتثنية وجمع, نقول: هاكَ هاكِ هاكُما هاكُنّ هاكُم. إذن: يُتصرّف فيها تصرف الكاف الاسمية، وإلا فهي حرف، حينئذٍ هَاكَ نقول بمعنى خُذ وهو فعل أمر.

стр. 1293

هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ يعني خُذ حروفَ الجر, وأرادَ أن يذكرَ لك الحروف على جهة العموم، وإلا الأصل أن يقول هاكها؛ يعني خذها، وأعاد هنا فأظهر في مقام الإضمار من باب التأكيد فحسب، وإلا ليس ثم معنى يُلتفت إليه. هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ وهي: مِن؛ إلى، وهي عشرون .. عدَّها الناظم عشرين, وبعضهم زادَ وبعضهم نقصَ, وثم مسائل مُختلف فيها, هل هي حرف جر أم لا؟ وبحثُنا لن يكون في هذه المسائل إلا في (رب) لأهميتها، وما عداه يُرجع إلى الكتاب المذكور. هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ وهي: عشرون حرفاً، وَهْيَ: مِنْ إلىَ حَتَّى خَلا, هنا كلّها عدّها بدون حرف العطف .. يعني بإسقاط العاطف, وقلنا مراراً أن هذا جائز في النظم .. والشعر بإجماع اتفاق، واختلفوا هل يجوزُ في النثر أم لا! وصحّحه ابن مالك رحمه الله تعالى. هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ وَهْيَ مِنْ من: يُعتبر خبر لـ (هي)، هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ, وهي الواو واو الاستئناف، إلا انه استئنافٌ بياني، والاستئنافُ البياني هو الواقع في جواب سؤال مُقدّر. والاستئنافُ النحوي هو ما ليس واقعاً في جواب سؤال مُقدّر, حينئذٍ لما قال هَاكَ حُرُوفَ الجَرِّ، وهذا فيه تشويق, ما هي هذه الحروف؟ كأن سَائِلاً سأله: ما هي؟ قال: هْيَ مِنْ، (هي) مبتدأ، و (من) خبر، هي يعود على حروف الجر، والحروف جمع وأقل الجمع ثلاثة, ومِن هذا لفظ واحد, حينئذٍ هل حصلَ التطابق بين المبتدأ والخبر؟ الجواب: لا لم يحصل التطابقُ بين المبتدأ والخبر؛ لأن هي قلنا هذا مدلوله جمع وهو حروف الجر. (مِنْ) هذا حرفٌ واحد مدلوله واحد؛ لأنه يُعبّر عن نفسه, حينئذٍ هل حصلَ التطابق بين المبتدأ والخبر؟ الجواب: لا, الجوابُ عن مثل هذه المسائل نقول: هنا لاحظَ ماذا؟ العطف ملحوظ قبل الإخبار، قال: هي، ثم لاحظَ في نفسه أنه سيعطفُ على اللفظ الأول بما بعده، فأخبر بالأول, فحينئذٍ تكون في الإعراب (من) وما عُطِف عليه خبر المبتدأ, وإذا قلت مِن خبر أخطأت لأنه لم يحصل التطابق، حينئذٍ تقول من وما عطف عليه لأن الخبر كله من إلى حتى إلى قوله متى، نصف البيت والبيت الذي يليه كله هو الخبر في المعنى، لأن قال: هي أراد أن يعدَّها ويفسّر لنا ما هي هذه الحروف, قال هي من. إذن: (مِن) وما عُطِف عليه نقول خبر، لكن وما بعده (مِن) (إلى) , تقول (إلى) معطوف على (مِن)، حينئذٍ الخبر هنا مُركّب لكن من جهة المعنى, وهي: من إذن: مِن وما عُطِف عليه خبر المبتدأ. مِنْ إِلىَ، يعني وإلى وحتى وخلا وحاشا وعدا وفي وعن وعلى ومذ ومنذُ ورب واللام -أي مُسمّى اللام- وكي وواو -أي: واو القسم- وتاء والكاف والباء ولعل ومتى. هذه كلها عشرون، ترك منها (لولا) فحسب لوجود النزاع بين النحاة، هنا عدَّ رب من حروف الجر، وهو حرف له مَقامه في حروف الجر، إذ له معنى خاص وإن كان هو حرف شبيه بالزائد لعدم تعلّقه بمتعلق إلا أنه يُراعى. مذهبُ البصريين أن (رب) حرفُ جرّ, وذهب الأخفش والكوفيون إلى اسميتها؛ ليست بحرف مُتفق عليه بين النحاة، بل مذهب البصرين أنها حرف جر تجرُّ كما تجر مِن.

стр. 1294

ومذهب الأخفش -وهو بصري- والكوفيين إلى أنها اسمٌ، وأُيِّدَ مذهبُ الكوفيون بأنها في التقليل أو التكثير مثل (كم) الخبرية، لأن ربّ كما سيأتي فيها أربعة مذاهب, المشهورُ أنها للتكثير كثير وللتقليل قليل، هذا المشهور خاصة عند المتأخرين, حينئذٍ إذا أفادت التكثير (كم) الخبرية تُفيد التكثير؛ (كم مالٍ عندي) , (كم أولادٍ) نقولُ هذا أفادت التكثير. إذن: لما عُدّي بـ (رب) التكثير -الذي هو من خواص (كم) الخبرية -حينئذٍ دلَّ على أنها اسم، فهذا المعنى الذي دلَّت عليه رب وهو المعنى الذي دلت عليه (كم) الخبرية, وأُيّد بأنها في التقليل أو التكثير مثل (كم) الخبرية في التكثير، إذ معنى (رب رجل كريم لقيته) , (رب رجل بخيل لقيته) المعنى قليل أو كثير من هذا الجنس على حسب المعنى المراد, كما أن معنى (كم رجلٍ) كثير من هذا الجنس, ولا خلاف في اسمية (كم). إذن: حملاً على (كم) الخبرية حُكِم على (رب) بأنها اسم وليست بحرف, إذن: قوله (رب) جرى فيه على مذهب البصريين, هذه الحروف العشرون كلّها مُختصّة بالأسماء وهي تعملُ فيها الجرّ، وقد عملت هذه الحروف الجرَّ في الأسماء على الأصل فيها، لأن الأصل في الحرف المختصِّ أن يعمل الجرَّ هذا الأصل، حينئذٍ إذا جِيءَ بالحرف يعملُ الجر؛ حينئذٍ لا نسأل عنه لا نقول: لماذا عمِلَ الجر؟ لأنه جاء موافقاً للأصل؛ لأنه كما سبقَ أن بعض الحروف مختصّ بالأسماء وبعضها مختصّ بالأفعال. ما اختصَّ بالأسماء فالأصل فيه أنه يعمل الجرَّ، فما عمِلَ النصب كـ (إن) أو عملَ الرفع كـ (إن) كذلك بالخبر، حينئذٍ يُسأل لماذا خرج عن الأصل؟ وما هو الأصل؟ الأصل في الحرف المختص بالاسم أن يعمل الجر فحسب، ولذلك هنا لا يُسأل عنها فنقول: هي عملت الجر على الأصل. وهي تعملُ فيها الجر, وتقدَّمَ الكلام على خلا وحاشا وعدا في باب الاستثناء, فلا عودة ولا إعادة. وقلَّ مَن ذكرَ (كي ولعل ومتى) , ومع أن الناظم هنا ذكرها من باب استيفاء حروف الجر, وقلَّ مَن ذكر (كي ولعل ومتى) في حروف الجر لغرابة الجر بهن، لأنها خاصة هذه تخص عُقيل وهذه تخصل هذيل إلى آخره. حينئذٍ لما اختصّت ببعض القبائل دون بعض صارت فيها نوع نُدرة وغرابة، حينئذٍ لا تُجعل حكماً عاماً مطّرداً, ولذلك لم يذكر لها معاني, إنما أسقطَ هذه الثلاث الأول خلا وعدا وحاشا؛ لأنها مضت وكي ولعل ومتى مع كونه ذكرَها في التعداد إلا أنه لما سرد المعاني لم يتعرض لها، ولذلك نذكرها كما ذكرها ابن عقيل, فأمّا كي فتكون حرفَ جرّ في ثلاثة مواضع, وأسقطَ ابن عقيل موضعاً: الموضع الأول: إذا دخلت على (ما) الاستفهامية المستفهَم به عن عله الشيء, إذا دخلت كي على (ما) الاستفهامية المستفهَم بها عن علّة الشيء؛ حينئذٍ صارت (ما) الاستفهامية مجروراً بكي, (كيمه): (كي) (ما) هذا الأصل حُذِفت الألف كما حذفت من ((عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)) [النبأ:١] لأن حرفَ الجرّ إذا دخل على (ما) الاستفهامية حُذفت الألف ثم دخلت عليها هاءُ السكت؛ قيل: كيمه؛ أي: لمه, فـ (ما) الاستفهامية مجرورة بكي, وحُذفت ألِفُها لدخول حرف الجر عليها, وجِيءَ بالهاء للسكت.

стр. 1295

إذن: الموضع الأول الذي يكونُ مجروراً لـ (كي) هو (ما) الاستفهامية المستفهَم بها عن علة الشيء. الموضع الثاني: أن يكون مدخولها (ما) المصدرية مع صلتها؛ كما في قول الشاعر: إِذَا أَنْتَ لَمْ تَنْفَعْ فَضُرَّ فَإِنَّمَا ... يُرَادُ الْفَتَى كيْمَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ كيْمَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ: (ما) هذه مصدرية, و (يَنْفَعُ وَيَضُرُّ) نقول هذا صلة لها حينئذٍ تؤول بالمصدر يعني بالضر والنفع؛ قاله الأخفش, وقيل: (ما) هذه كافة، لكن المشهور كيْمَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ, المشهور أن (ما) هذه مصدرية. الموضع الثالث: أن وصلتها؛ أن المصدرية مع صلتها؛ سواء كانت أن ملفوظاً بها أو مقدرة, وهذا المعنى مشهور كثير, وهو يُعدّ من النواصب في باب المضارع, جئتُ كي أكرمَ زيداً, إذا قدّرتَ أن (أكرم) منصوب بإن بعد كي، حينئذٍ دخلت كي على (أن) المصدرية وصلتها؛ وهو الفعل المضارع، فأُكرِمَ فعل مضارع منصوب بأن بعد كي, وأن والفعل المقدران بمصدر مجرور بـ (كي)، والأصل فيه: جئت كي إكرام زيد, أي: لإكرام زيد, فتكونُ بمعنى اللام, والأولى أن تُقدّر كي مصدرية فتُقدّر اللام قبلها بدليل كثرة ظهورها معها (لِكَيْ لاَ تَأْسَوْا)؛ هذا سيأتينا في نواصب المضارع. المراد هنا أن (كي) تدخل على (أن) المصدرية وصلتها, إذن: هذه ثلاثُ مواضع هي خواصّ كي, وهي في هذه المواضع الثلاث بمعنى اللام, في الجميع بمعنى اللام, كيمه؟ لمه؟ لإكرام. للضُرّ. إذن كلها قُدّرت باللام، وهي في هذه المواضع الثلاث بمعنى اللام, ويطرد جرها لأن المصدرية, هذا مطرد قياس؛ ليس بقليل, ولذلك أجازوا في نحو جئتُكَ كي تكرمني, أن تكون (كي) حرفَ جر, وأن مُقدّرة بعدها, وأن تكون مصدرية يعني كي واللام مُقدّرة بعدها, هذا سيأتي في محله. إذن: (كي) تكون حرفَ جر في مواضع ثلاثة كما ذكرناه. وأما (لعلّ) فالجرُّ بها لغة عُقيل خاصة دون غيرهم من العرب, ومنه قوله: لَعَلَّ أَبِي الْمِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيبُ. لَعَلَّ اللهِ فَضَّلَكُمْ عَلَيْناَ ... بِشَيءٍ أَنَّ أُمَّكُمُ شَريمُ لَعَلَّ أَبِي الْمِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيبُ, لعلّ هذه شبيهة بالزائد مثل (رب) والحرفُ الشبيه بالزائد حينئذٍ يُؤثّر في اللفظ فحسب, ولا يُؤثّر في المعنى, والحرف الجر الشبيه بالزائد يدخلُ على المبتدأ فحينئذٍ يَبقى على أصله في كونه مبتدأ كما هو الشأن في رُبّ. لَعَلَّ أَبِي الْمِغْوَارِ, أبي المغوار نقول هذا مبتدأ, ولعلّ دخلت عليه، حينئذٍ لا نقول: لعل حرف جر وما بعده اسم مجرور, وإنما نقولُ: لعل حرف جر وترجٍّ شبيه بالزائد، حينئذٍ لا يحتاج إلى متعلق يتعلق كما سيأتي. أَبِي الْمِغْوَارِ: هذا مبتدأ, فله محلان؛ محلّ في اللفظ وهو أثر لعلّ, وله محلّ في الأصل، حينئذٍ ظهرَ أثر لعل في اللفظ وبقي على أصله، ولذلك قريبٌ بالرفع على أنه خبر المبتدأ, أين المبتدأ وهو مجرور بلعل؟ نقول: مجرورٌ لفظاً لا محلا, حينئذٍ في المحلّ فهو مرفوع على الابتداء, فتقول:

стр. 1296

لَعَلَّ أَبِي الْمِغْوَارِ: لعل حرف جر وترجٍّ شبيه بالزائد, وأبي المغوار مجرور لفظاً بلعلّ مرفوع محلاً على الابتداء, بواو مَنويّة على الياء, واو مُقدّرة هذا من المواضع التي تُقدّر فيها الواو, مَنوية على الياء، منَعَ من ظهورها اشتغال المحلّ بجلبِ الياء علامة لحرف الجر الشبيه بالزائد, وقريبٌ هذا خبر. لَعَلَّ اللهِ هذا واضح لأنه بالحركة, لَعَلَّ: حرف جر وترجٍّ شبيه بالزائد, اللهِ: لفظ الجلالة تقول مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعُهُ ضمّة مقدّرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجرّ الشبيه بالزائد، (فضَّلَكم): هذا يُعتبر خبراً. وقد رُوِي على لغة هؤلاء في لامها الأخير الكسرُ والفتحُ (لعلَّ)، (لعلِّ) وبحذف اللام مع اللغتين السابقتين كما ذكرناه آنفاً, (علِّ)، (علَّ)، فيها أربعُ لغات, أوصلَها بعضهم إلى العشر. وأما (متى) فالجرُّ بها لغة هذيل ومن كلامهم: أَخْرَجَهَاَ مَتَى كُمِّهِ؛ يعني: مِن كمه، حيئنذٍ تكون (متى) بمعنى (مِن) الابتدائية؛ تُفسّر بمعنى مِن الابتدائية. أخْرَجَهَاَ مَتَى كُمِّهِ يعني: مِن كُمّه. شَرِبْنَ بِماءٍ البَحْرِ، ثُمَّ تَرَفَّعْتْ ... مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ يعني: مِن لجج، حرف جر بمعنى مِن, وقال السيوطي في الهمع: وتأتي اسماً بمعنى وسطَ, يعني متى تأتي اسما بمعنى وسط؟ حُكي (وضعها متى كُمِّه) أي: وسطه. إذن: هذه الثلاثُ لم يذكرها الناظم لغرابة الجرِّ بها، وإن ذكرها عدّاً، لكن عند سرد المعاني لم يتعرض لها. إذن: هذه ست: خلا وعدا وحاشا ومتى ولعل وكي, نقول هذه ست, بقيَ كم من العشرين؟ أربعة عشر حرفاً سيذكرها بمعانيها، ولم يذكر (لولا)؛ لم يذكرها في هذا الكتاب وذكرها هو في غيره تبعاً لسيبويه؛ مذهبُ سبويه أنها من حروف الجر إذا وليها ضمير متصل, (لولا) تُعتبَر حرف جر مثل (من وفي) إلى آخره, متى؟ إذا وليها ضمير متصل, ولا يتعلَّق بشيء كـ (رب) ولعل الجارة تنزيلا للثلاثة منزلة الجار الزائد, حينئذٍ لولا حرفُ جر، لكنه لا يتعلق بشيء شبيه بالزائد لأن له معنى, سيأتي في آخر الباب, وكذلك لعل ورب حرفُ جرّ شبيه بالزائد, الثلاثة هذه ليس لها مُتعلّق تتعلّقُ به، تنزيلاً للثلاثة منزلة الجارّ الزائد؛ لأن القسمة ثلاثية كما سيأتي. إذن: مذهبُ سيبويه أن (لولا) من حروف الجر إذا وليها ضمير متصل؛ فلا تجرّ إلا المضمر, تقول: (لولاي, ولولاك, ولولاه). لولاي: لولا: حرف جر, والياءُ: مبتدأ جُرت بـ (لولا).

стр. 1297

إذن: لها محلان؛ محلٌّ هو ابتداء, ومحلّ هو الخفض، مثل: لعل الله, (لعل) أثرت في لفظ المبتدأ فجرّتهُ وبقي المحلّ على أصله هو مبتدأ. (لولا) مثلها. فالياءُ والكافُ والهاءُ عند سيبويه مجرورات بـ (لولا)؛ يعني: في المحلّ, ولما لم يظهر حينئذٍ صار له اعتبار محلّين, والضميرُ بعدَها في موضعِ رفع بالابتداء, والخبرُ محذوف، فيكونُ للضمير محلان على رأي سيبويه, فإذا عطفتَ على مدخول (لولا) اسماً ظاهراً تعيّنَ رفعه إجماعاً؛ لأنها لا تجرّ الظاهر, لولاي وزيدٌ؛ نقول: لولاي: الياء هذه لها موضع خفض بلولا؛ مثل لعل الله, إذا عطفتَ عليه اسماً ظاهراً قلت لولاي وزيدٌ, هل يصحّ العطفُ مراعاة لمحل الخفض لولاي وزيدٍ وزيدٌ, فيجوز فيه الوجهان كما هو شأن في رب؟ يصح أن تقول: (رب رجل كريمٍ وكريمٌ) , (رب رجل كريمٍ) هذا باعتبار اللفظ, و (رب رجل كريمٌ) هذا باعتبار المحل, هذا جائز في (رب) لأنها لا تدخل على الضمير في الأصل, و (رُبَّهُ فَتَى) هذا شاذ، حينئذٍ (رب رجل كريمٍ) كريمٍ جاز مراعاة المحل؛ حينئذٍ يُبدل منه على المحل. وأما (لولاي وزيدٌ) نقول هذا لا يجوز, لماذا؟ لأنك عطفتَ اسماً ظاهراً على محلّ الضمير الذي خُفض بـ (لولا)، ولولا خاصة بالضمير ولا تجرّ الظاهر؛ لأنك إذا عطفت عليه بالخفض حينئذٍ أعملت (لولا) في الضمير, وأعملتَها في الاسم الظاهر, وهي لا تدخلُ على الاسم الظاهر, لولاي وزيدٍ، نقول معناه: كأنك قلت لولاي ولولا زيدٍ, وهذا ممنوع لا يجوز, وهذا محلّ إجماع، لأنها لا تجر الظاهر, هذا مذهب سيبويه أنها حرف جر, وما بعدَه وهو الضمير المتصل له محلان: الرفع على الابتداء, والخبر محذوف, وكذلك له محلّ وهو الخفض, ثم إذا عطفتَ على الضمير لا يجوزُ لك إلا الرفع. وزعمَ الأخفش أنها في موضع رفع فقط بالابتداء, ووُضِع الضميرُ ضمير الجر موضعَ ضمير الرفع، وإن كان غالب نيابة الضمائر في الضمائر المنفصلة؛ فقد وُجدت المتصلة كما هي في (عساه وعساك وعساني) على قول؛ يعني: هنا جِيءَ بالضمير ضمير الجر موضع ضمير الرفع، والأصل أنه ما يأتي لكن هذا من باب الاستعارة, كما قيل في (عساه وعساك وعساني) , عسى على أنها باقية على أصلها؛ أنها تنصب؛ سبقَ أن ابن هشام عدّها من النواسخ, على هذا الباب سواء عددناها من النواسخ على أنه قياس مطرد، أو قلنا نصبُها للضمير المتصل شاذ على القولين استُعير الضمير المخفوض للمنصوب؛ لأن عساك عساه نقول هذا ما يأتي ضميراً منفصلاً؛ إنما هو متصل؛ حينئذٍ وضع الضمير ضمير الجر موضع ضمير الرفع؛ فلم تعمل لولا فيها شيئاً؛ كما لا تعمل في الظاهر؛ نحو: لولا زيد لأتيتك. إذن: لا عمل له في المحل؛ وإنما عملها في الظاهر، وعلى هذا حينئذٍ لا تكون لولا حرف جر، وزعمَ المبرد أن هذا التركيب -يعني لولاك ونحوه- لم يرد في لسان العرب, لكنه محجوج بالسماع. أَتُطمِعُ فِينَا مَنْ أَرَاقَ دِمَائَنَا ... وَلَولاَكَ لَمْ يَعْرِضْ لأَحسَابِنا حسن كذاك: وَكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلاَيَ طِحْتَ كَمَا هَوَى ... بِأجْرَامِهِ مِنْ قُنَّةِ النِّيْقِ مُنْهَوِي إذن: سُمع هذا اللفظ ولولاي ولولاك؛ حينئذٍ هو محتمل لما ذكره سييويه ومحتمل لما ذكره الأخفش.

стр. 1298

قال الناظم رحمه الله تعالى: بِالظَّاهِرِ اخْصُصْ مُنْذُ مُذْ وَحَتَّى ... وَالْكَافَ وَالْوَاوَ وَرُبَّ وَالتَّا وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً وَبِرُبْ ... مُنَكَّرَاً وَالتَّاءُ للهِ وَرَبْ وَمَا رَوَوْا مِنْ نَحْوِ رُبَّهُ فَتَى ... نَزْرٌ كَذَاكَهَا وَنَحْوُهُ أَتَى هذا شروع في التفصيل؛ عدّها لك في بيتينِ، ثم بدأ يفصل لك أحكام هذه الحروف, ومن أحكامها أنَّ منها ما يختصُّ بالظاهر، لأن الاسم نوعان: ظاهر ومضمر, منها ما يختصّ بالظاهر لا يدخل على المضمر، ومنها ما يدخل على الظاهر وعلى المضمر؛ ما يختص بالظاهر فحسب سبعة أحرف سبعة فقط. بِالظَّاهِرِ اخْصُصْ مُنْذُ مُذْ وَحَتَّى هذه ثلاثة وَالْكَافَ وَالْوَاوَ وَرُبَّ وَالتَّا هذه أربعة صارت سبعة. إذن: هذه السبعة لا تدخلُ إلا على الاسم الظاهر ولا تدخل على الضمير فإن جرّت الضمير حينئذٍ إما أن يقال بأنه قليل، وإما أن يقال بأنه شاذ, إذا جرّت الضمير حينئذٍ إما أن يقال بأنه قليل نزر يعني لا يُحفظ ولا يُقاس عليه وإما أن يقال بأنه شاذ. بِالظَّاهِرِ اخْصُصْ مُنْذُ اخصص منذُ, منذُ هذا في محل نصب مفعول به قُصِد لفظه، ولذلك عطف عليه وَالْكَافَ بالنصب ظهرَ عليه النصب؛ أما مُنْذُ ومُذْ وَحَتَّى فهذه محكية كما هي؛ حينئذٍ مُنْذُ هذا في محل نصب مفعول به قصد لفظه. ومُذْ بإسقاط حرف العطف معطوف عليه, وَحَتَّى كذلك معطوف عليه, وَالْكَافَ بالنصب عطفاً على مُنْذُ فظهرَ عليه الفتح. بِالظّاهِرِ اخْصُصْ، بِالظّاهِرِ الباء داخلة على المقصور عليه عكس الآتي: وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً، بِالظّاهِرِ اخْصُصْ مُنْذُ مُذْ وما عُطف عليه. مفهومه أن ما عدا هذه السبعة تدخل على الظاهر والضمير؛ فلذلك لم يحتج إلى التنصيص عليه؛ لأنه قدّمَ ما حقّه التأخير. بِالظّاهِرِ اخْصُصْ: اخصص بالظاهر, بالظاهر لا بغيره, وهو المضمر حينئذٍ تختص هذه الأحرف السبعة بالظاهر دون المضمر, وإنما اختصت هذه السبعة بالظاهر لضعف غالبها؛ باختصاص بعضه بالوقت، وبعضه بالمنكر، وبعضه بالآخر، أو المتصل بالآخر, وكون بعضها عوضاً عن باء القسم كالواو مثلاً لا أصلاً فيه، وغرابة الجر ببعضها ولتأدية إدخال الكاف على الضمير إلى اجتماع كافين (كك) بنحو: كك وطرداً للباب في المنع. إذن: هذه السبعة ليست على مرتبة واحدة؛ بمعنى إذا قيل أنها تختص بالظاهر؛ هل كل ظاهر تدخل عليه؟ لا سيأتي أن مذ ومنذُ خاصة بالوقت. وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً وكذلك ربّ خاص بالنكرة دون المعرفة، كذلك التاء تاء القسم تخص لفظ الجلالة وتدخل بقلة على على رب. إذن: ليست بمرتبة واحدة. إذن هي ضعيفة. إذا لم يتصرف في العامل مطلق التصرف صار فيه نوع ضعف, العامل القوي يتصرف بدون استثناء, فالحرف الذي يدخل على الظاهر كل ظاهر وعلى الضمير أي ضمير من المحفوظات نقول هذا أقوى, وما اختصّ بالظاهر أدنى منه، ثم ما كان مختصاً بالظاهر أي ظاهر نقول هذا أقوى مما اختص بظاهرٍ لا يكون إلا زمنا أو لا يكون إلا نكرة, فهي متفاوتة، لهذا التفاوت حينئذٍ خصّها الناظم بما ذكر.

стр. 1299

بِالظّاهِرِ اخْصُصْ مُنْذُ مُذْ حينئذٍ لا يقال إلا منذُ يومين مثلاً أو مذ يومين, ولا تُضاف إلى الضمير؛ يعني لا تجرّ الضمير؛ وكذلك (حتى) لا يقال: حتاك وحتاه, والكاف لا يقال كك وكاه, والواو لا يقال وَه؛ لأن الواو هنا واو القسم, وربّ هذه لا تدخل على الضمير, لا يُقال ربه إلا على جهة القلة, والتاء تاء القسم حينئذٍ نقول هذه كلها خاصة بالاسم الظاهر. ثم هذه السبعة منها ما يختصُّ اختصاصاً آخر زائداً على الاختصاص بالظاهر, وهي أربعة .. يعني مما سيذكره الناظم, وما عداها تدخل على الظاهر مطلقاً, ولذلك قال: وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً ثنتان, وَبِرُبْ مُنكَّراً ثلاث وَالتَّاءُ للهِ وَرَبْ أربع؛ عدّ من السبعة أربعة خاصة ببعض الظاهر لا مطلق الظاهر, ما عدا هذه الأربعة تدخل على كل ظاهر. وَاخْصُصْ: هذا تخصيص بعد تخصيص؛ خصَّ الأول بالبيت الأول خصها بالظاهر دون الضمير، ثم هل كل ظاهر تدخل عليه هذه السبعة؟ الجواب: لا, أربعة منها يختصّ بنوع من الظاهر، وثلاثة لا تخصّ ظاهراً دون ظاهر, بل تدخل على الجميع. وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً يعني: اسمَ زمان, هل كل ظاهر يكون اسم زمان؟ الجواب: لا؛ إذن: ظرف الزمان أو اسم الزمان هو مدخول ومجرور منذُ ومنذُ إن جُرّا بها, سيأتي أنهما قد يكونا اسمين. وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً إذن: لا تدخل إلا على ما دلَّ على الزمان, وما لم يدلّ على الزمن من الاسم الظاهر حينئذٍ لا يصح جره بمنذُ ومنذُ. قال ابن عصفور: ما يُسأل به عن الوقت كالوقت؛ يعني صارَ حكمه حكم الظرف الزماني، وحينئذٍ يصح أن يكون مدخولا لمذ ومنذُ, ما يُسأل به عن الوقت كالوقت بشرط أن يكون مما يُستعمل ظرفاً, فتقول: منذُ كم؟ كم هذه يُسأل بها عن الوقت, وإذا سأل بها عن الوقت عُوملت معاملة الوقت؛ فصح جرها بمذ ومنذُ, منذُ كم؟ ومذ متى؟ ومذ أي وقتٍ؟ ولا تقول مُذ ما, لأن ما هذه لا يُسأل بها عن الوقت. إذن: ما يُسأل به عن الوقت حكمه حكم الوقت فيكون مدخولاً لمذ ومنذُ, وهو ثلاثة أشياء ذكرها: كم ومتى وأي، ولا يصح أن يقال: مذ متى لأن (ما) لا تكون ظرفاً. فإن قيل: مُذ ومُنذُ خصّها الناظم هنا بالوقت، وسيأتي أنهما قد يكونا اسمين, هل بينهما تخالف؟ فإن قيل: سينصَ على دخولهم على الأفعال: أَوْ أُولِيَا الْفِعْلَ كَجِئْتُ مُذْ دَعَا, كيف هنا خصّها بالظاهر وخصّها بالزمن ثم يقول: أَوْ أُولِيَا الْفِعْلَ؟ نقول: ثم فرقٌ بينهما الكلام هنا في مذ ومنذُ الجارّتين وهما حرفان, والكلام هناك في مذ ومنذُ اسمان, ونحن لا نتحدث عن مذ ومنذُ الاسمية, وهما وإن اشتبها في اللفظ إلا أن بينهما فرق؛ تلك اسم وهذه حرف, حينئذٍ لا نعدّها شيئاً واحداًَ, وإنما الاسمية مُستقلة بلفظها ووضعها, والحرفية مُستقلّة بلفظها ووضعها؛ فلا نقول: مذ ومنذُ هي نفسُها تأتي تارة حرفاً, وتارة اسماً، نقول لا؛ تأتي حرفاً ثم تأتي اسماً، لكن بوضع ثانوي ليس هو عين الأول، فإن قيل سينصّ على دخولهما على الأفعال فكيف يصحّ دعوى الاختصاص بالوقت؟

стр. 1300

أُجيب: بأنهما حينئذٍ ليسا حرفا جرّ باتفاق, والكلامُ فيما كانا جارّين, ومنهم من يرى أنهما حينئذٍ داخلان على زمان مُقدّر مُضاف للجملة، وعليه فلا إشكال, إذا قيل إذا دخلت على الجملة الفعلية حينئذٍ ثَم ظرف مُقدّر؛ يعني بين مذ ومنذُ وبين الجملة الفعلية؛ حينئذٍ لا إشكال لأنه صارَ مضافاً إلى الوقت, لكن هذا ليس بمشروع. وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً وَبِرُبْ مُنكَّراً يعني رب لا تدخل إلا على الاسم النكرة, ولا تدخلُ على الضمير، ولا تدخل على المعرف بأل؛ لا يقال رب الرجل, وإنما هي خاصّة بالنكرات, ولذلك جُعلت علامة على النكرة. فَكُلُّ مَا رُبَّ عَلَيْهِ تَدْخُلُ ... فَإِنَّهُ مُنَكَّرٌ يََا رَجُلُ إذن: لا تدخل على المعرفة. وَالتَّاءُ التي هي تاء القسم لله ((تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ)) [الأنبياء:٥٧] لا تدخل على غير لفظ الجلالة في الغالب, وسُمع ترب الكعبة, وسُمع تالرحمن, وحُكي تحياتك. حينئذٍ نقول: هذه الثلاثة ليست مطردة كالأول، ولذلك جاء في القرآن في غير موضع ((تَاللَّهِ)) [يوسف:٧٣] حينئذٍ لا يدخل التاء .. تاء القسم إلا على لفظ الجلالة, لا يُقال تالرحمن ولا يقال تالرؤف تالرحيم إلى آخره, وإنما يُقال تالله، لماذا؟ لأن هذه الأصل فيها كلها السماع, حروف الجر ومدخولاتها ومعانيها ليست من قبيل الاستنباط؛ فما استعمله العرب حينئذٍ نقول نستعمله, وما لا يستعمله حينئذٍ لا نقول، هذا الأصل فيها، والأصل فيها عدمُ التعليلين؛ إذا خُصّ لفظ بلفظ فهو كما هو. وَالتَّاءُ للهِ وَرَبْ يعني مُضافاً للكعبة, أو لـ (ياء) المتكلم على نَزرٍ ((وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)) [الأنبياء:٥٧] وتربي الكعبة, وتربي مجرور به الياء لأفعلن، ونَدرَ تالرحمن، وأندرُ منه تحياتك, تحياتك نقول هذا أنذر من تالرحمن. إذن: وَالتَّاءُ للهِ وَرَبْ يعني لفظ رب فهي خاصة بهذه الألفاظ. وَاخْصُصْ بِمُذْ وَمُنْذُ وَقْتاً اخصُص هذا فعل أمر، بمذ ومنذُ بمذ متعلق به, وقتاً هذا مفعول به. وَبِرُبْ مُنكَّراً منكراً هذا معطوف على وقتاً, وبرب معطوف على بمذ, والتاء هذا مُبتدأ, لله هذا خبر, ورب هذا معطوف على لله. وَمَا رَوَوْا مِنْ نَحْوِ رُبَّهُ فَتَى نَزْرٌ وما رووا يعني روى العرب أو النحاة, وما رووا يعني النحاة، (ما) اسم موصول بمعنى الذي مبتدأ, رووه حذفَ الضمير هنا للعلم به. وَمَا رَوَوْا مِنْ نَحْوِ رُبَّهُ فَتَى هذا مُخالف لما سبقَ، لأنه قال: وَبِرُبْ مُنكَّراً, إذن: هو خاص بالاسم الظاهر، بِالظّاهِرِ اخْصُصْ .. قال ورب ثم سُمِع رُبَّهُ فَتَى، دخلت رب على الضمير؛ إما أن يقال بأنه نزر قليل؛ يعني يحفظ ولا يُقاس عليه, وإما أن يقال بأنه شاذ، وعليه -على القولين- لا يُقاس عليه؛ يعني لا يأتي مُستعمِل لـ (رب) ثم يدخلها على الضمير في الاستعمال, وإنما التوجيه يكون لما سُمع ونُقل في كلام العرب, إذا رأيتَ بيتاً مثلاً أو حُكي قولٌ لقدماء العرب (ربه) جاء بالهاء تقول هذا شاذ, أو أنه قليل في استعماله, وأما في الاستعمال الجديد فلا يُستعمل.
следующие страницы →