← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36130

شرح ألفية ابن مالك للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْربٍ: وهو الفعلُ المضارع الذي لم يتصل به ما يُوجِب بناءه, أَوْ مُبْتَدَا: أو للتقسيم هنا، أَعْرِبْ وهذا واجبٌ عندَ البصريين، إذا كان ما يتلو اسمَ الزمان الذي أشبهَ إذ فعلاً مضارعاً أو مبتدأ وجبَ الإعراب ولا يجوزُ البناء. ولم يُجِز البصريون حينئذٍ غيرَ الإعراب, وأجازَ الكوفيون البناء وإليه مال الفارسيّ والناظم, ولذلك قالَ هنا: وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا يعني: لن يَغلط, من بنى ما إذا تلاهُ فعل مضارع مُعرَب، أو مُبتدأ حينئذٍ لَنْ يُفَنَّدَا، لماذا؟ لأنه هو الأصل, الأصل أن نقيسَ هذا الاسم .. اسم الزمان على إذ, فليسَ له علاقة بما بعدَه، ثم جاءَ السماع, ولهذا قرأ نافع ((هَذَا يَوْمَ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)) هَذَا يَوْمَ .. هَذَا يَوْمُ قراءة السبعة, يومُ خبر هذا, ويومَ هذا بالنصب، قيل الفتحُ هذا ليس فتحَ إعراب, وإنما هو فتحُ بناء، إذن: هي مَبنية, وقد رُوِي بالوجهين: (عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ) , (على حينَ على حينِ) عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا, رُوِي بالوجهين. إذن: أعربَ قبلَ فعل معرب أو مبتدأ, إذا وقعَ اسمُ الزمان الذي أشبهَ (إذ) قبل فعلٍ معربٍ -وهو الفعل المضارع الذي لم يتصل به نونا التوكيد ولا النسوة- حينئذٍ يجبُ الإعرابُ على مذهب البصريين, ويجوزُ على قلة على مذهب الكوفيين البناءُ. وكذلك إذا وقعَ قبلَ مبتدأ -يعني جملة اسمية- حينئذٍ تعيّنَ الإعرابُ على مذهب البصريين, وجازَ على مذهب الكوفيين. وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا: يعني لن يُغلَّط بل يُصدَّق. إذن: معنى البيت أن ما جَرى من أسماء الزمان مجرى (إذ) فأُضيف إلى الجملة يجوزُ فيه حينئذٍ البناء والإعراب, إلا أنّ الجملة إذا كانت مُصدّرة بفعل مَبنيّ اختيرَ البناء, وشمل قوله: فعل بني الماضي والمضارع المبني, وإن كانت الجملة المضاف إليها مُصدّرة بالفعل المعرب وهو المضارع العاري عن مَوانع الإعراب, أو بالمبتدأ فالوجُهُ الإعراب وهو مُتفق عليه. وأجازَ الكوفيون فيه البناء وتبِعهم الناظمُ, ولذا قال: وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا, والتفنيد: التكذيب, والبناءُ هنا إنما يكون على الفتح, ولم يُنبّه عليه الناظم. وَابْنِ أَوِ اعْرِبْ. مَا يعني اسم زمان. قَدْ أُجْرِيَا الألف للإطلاق, وقد هنا للتحقيق. كَـ (إِذْ)، وَاخْتَرْ للمناسبة. بِنَا مَتْلُوِّ قصَرَه للضرورة, مَتلوٍّ مُضاف, وفعل مضاف إليه. وبُنِيَا الألف هذه للإطلاق, وبني الجملة في محل جرّ صفة لفعل. وَقَبْلَ هذا منصوب بأعرب, يعني أعرب قبلَ فعل معرب أو مبتدأ, أو هنا للتقسيم, وهذا صريحٌ في جواز وقوع المضارع بعدَ الظرف الذي بمعنى (إذ) , وهو إنما يتمّ إذا جعلَ ذلك المضارع بمعنى الماضي ولو تنزيلاً كما في (إذ) إذا وقعَ بعد المضارع كما سبق. وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْربٍ إذا يجوزُ أن يقعَ بعد (إذ) الفعل المعرب؛ لأن هذا محمول على (إذ). إذن: وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْربٍ .. أَعْرِبْ، أعرب قبل فعل معرب، إذن: يجوزُ لأننا نتكلمُ عن اسم الزمان, إما اذا أُضيفَ إلى الفعل المعرب دلَّ على أنه مُسلّم به.

стр. 1402

قال الشارح: وأشارَ في هذين البيتين إلى أن ما يُضاف إلى الجملة جوازاً يجوزُ فيه الإعراب والبناء سواءٌ أُضيف إلى جملة فعلية صُدِّرت بماضٍ أو جملة فعلية صُدّرت بمضارع, أو جملة اسمية وهذا مذهبُ الكوفيين وتَبِعهم الفارسي والمصنف لكن المختار فيما أُضيف إلى جملة فعلية صُدرت بماضٍ البناء, وقد رُوي بالبناء والإعراب قوله: عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا. (على حينِ على حينَ) بالوجهين, هذا مبني أصلي. عَلَى حِينَ يَسْتَصْبِينَ كُلَّ حَلِيم: يستصبين النساء يعني: فعل مضارع مبني على السكون. وما وقعَ قبلَ فعل مُعرب أو قبل مبتدأ فالمختار فيه الإعراب, ويجوزُ البناء, وهذا معنى قوله: وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا أي: لن يغلط, وقد قرأَ في السبعة ((هَذَا يَوْمُ)) [المائدة:١١٩] بالرفعِ على الإعراب، و (هَذَا يَوْمَ) بالفتح على البناء. ومذهبُ البصريين أنه لا يجوزُ فيما أُضيف إلى جملة فعلية صُدّرت بمضارع أو إلى جملة اسمية إلا الإعراب, ولا يجوزُ البناء إلا فيما أُضيف إلى جملة فعلية صُدّرت بماضٍ, هذا حكم ما يُضاف إلى الجملة جوازاً. وأما ما يُضاف إليها وجوباً فلازمٌ للبناء, وهو (إذ) و (حيث) السابق لوجود الشبه الافتقاري إلى الجملة فيما سبق. وَأَلْزَمُوا إِذَا إِضَافَةً إِلَى ... جُمَلِ الاَفْعَالِ كَـ (هُنْ إِذَا اعْتَلَى) هذا النوع الثاني مما يلزمُ الإضافةَ إلى الجمل، وهو ما يُضاف إلى جملة فعلية وهو (إذا) , والمراد بها (إذا) الظرفية لا (إذا) الفجائية، لأنّ الفجائية حرف ولا تُضاف. وَأَلْزَمُوا هذا عطفٌ على ما سبقَ: وَأَلْزَمُوا إِضَافَةً إِلَى الـ (جُمَلِ) (حَيْثُ) وَ (إِذْ) , وألزموا إضافة إلى جمل الأفعال, ألزموا إذا: إِذَا: مفعول أول, إضافة: مفعول ثاني. وقلنا: إذا المراد بها هنا الظرفية احترازاً عن (إذا) الفجائية لأنها حرف على الأصح، والحرفُ لا يضاف. إِلَى جُمَلِ الاَفْعَالِ: جُمَلِ الاَفْعَالِ، بنقلِ حركةِ الهمزة إلى اللام, أي: الماضوية كثيراً والمضارعية قليلاً ليسَ مطلقاً, هو أطلقَه, وإنما احترزَ بجمل الأفعال عن الجملة الاسمية فلا تُضاف (إذا) إلى الجملة الاسمية على الصحيح, وإن كان فيه نزاع, وحينئذٍ الصوابُ أن هذه اللفظة مُلازِمة للإضافة إلى الجملة الفعلية. إِلَى جُمَلِ الاَفْعَالِ إلى الماضوية كثيراً والمضارعية قليلاً, إذن ليس على جهة السواء, وقد اجتمعا في قوله: والنَّفْسُ رَاغِبةٌ إِذا رَغَّبْتَها ... وَإِذَا تُرَدُّ إِلى قَلِيلٍ تَقْنَعُ والنَّفْسُ رَاغِبةٌ إِذا رَغَّبْتَها, رَغَّبْتَها أُضيفت إلى جملة ماضوية. وَإِذَا تُرَدُّ إِلى قَليلٍ, هذه أُضيفت إلى جملة مضارعية. إِلَى جُمَلِ الاَفْعَالِ خاصّة نظراً إلى ما تضمّنتهُ مِن معنى الشرط غالباً؛ لأن إذا هذه تضمّن معنى الشرط, وجملة الشرط لا يُناسِبها إلا الجملة الفعلية, لا تُضاف إلا إلى الجملة الفعلية, وقد بيّنا هذا في قواعد الإعراب ببسط.

стр. 1403

جُمَلِ الاَفْعَالِ كَـ (هُنْ) إِذَا اعْتَلَى هُن أو هَن: هُنْ هانَ يهونُ, فعل أمر (هان يهون) , يقال: هُن وهِن, أي: كُن مُتواضعاً هيّناً إذا تكبّر غيرُك, فـ (هُن) فعل أمرٍ مِن (هان يهون) ضدّ (الصعب) أي: لِن، وفي المثل: إِذا عَزَّ أَخُوكَ فَهُنْ, فهُن فهِن بضم الهاء وكسرها. إذن: مما يلزم الإضافةَ إلى الجملة الفعلية على جهة الخصوص (إذا) , ولا تدخل على الجملة الاسمية, فإن تلاها اسمٌ حينئذٍ وجبَ تقدير فعل محذوف كما هو الشأن في ((إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ)) [الانفطار:١]. قال الشارح: أشارَ في هذا البيت إلى ما تقدّمَ ذكرُهُ من أن (إذا) تلزم الإضافة إلى الجملة الفعلية, وحينئذٍ الجملة في موضع جرّ عندَ الجمهور, والعامل فيها جوابها على المشهور, ولا تُضاف إلى الجملة الاسمية خلافاً للأخفش والكوفيين, فلا تقول: أجيئك إذا زيد قائم, هذا لا يصحُّ؛ لأن (إذا) مُضمّنة معنى الشرط, والشرطُ لا يناسبُه الجملة الاسمية البتة, وإنما يناسِبُه الجملة الفعلية لأن الفعل حكمٌ وهو تعليق, والتعليق إنما يكونُ في الأوصاف لا في الذوات, هذا الأصل فيها. إذا فُهِم الغرضُ من أداة الشرط حينئذٍ تفهمُ أنه لا يصحّ أن يليها ذاتٌ البتة, وإنما يليَها فعل؛ لأنه حُكم, وهو الذي يقبلُ التعليق, فلا تقل: أجيئك إذا زيد قائم, وأما أجيئك إذا زيد قام, فزيدٌ يجبُ أن يكون فاعلاً لفعل محذوف (إذا قام زيد) , وعلى مذهبِ الكوفيين مِن جواز تقديم الفاعل على عامله حينئذٍ (زيد) هذا فاعل مُقدّم, فزيدٌ مرفوع بفعل محذوف وليسَ مرفوعاً على الابتداء، هذا مذهبُ سيبويه، وخالفَه الأخفش فجوَّزَ كونه مبتدأ خبرُه الفعل الذي بعدَه, يعني: جملة اسمية, والفعل يكون خبراً عن المبتدأ, إذا زيد قام, ومثله ما يرِدُ في القرآن كثير ((إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ)) [الانفطار:١] نقول: السماءُ هذا ليسَ مبتدأ على الصحيح, وإنما هو فاعلٌ لفعل محذوف يُفسِّره المذكور. وزعمَ السيرافي في أنه .. إلى آخر ما ذكره. إذن: الصحيح أن هذه (إذا) ظرفية ولا يليها إلا الجملة الفعلية ((إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)) [النصر:١] إذا ظرفٌ فيه معنى الشرط مُضاف إلى الجملة بعدَه, والعاملُ فيه جوابه على المشهور, هذا هو الصحيح أن العاملَ فيه .. لأنه ظرفٌ لا بدّ له من عامل فيه, الظرف في محل نصب، ما الذي نصبَه؟ الجواب على المشهور وهو الصحيح. وأما ((إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)) [الانشقاق:١] فمثل: ((وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ)) [التوبة:٦] يعني: لا بدّ من تقدير, وأجازَ الأخفش إضافته إلى الجملة الاسمية تمسُّكاً بالظاهر. والله أعلم وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 1404

عناصر الدرس * شروط إضافة كلا وكلتا * أحوال (أي) وشروط إضافتها * حكم (لن) واللغات فيها ومعناها * الفرق بين (لن) و (عن) ـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ مُعَرَّفٍ بِلاَ ... تَفَرُّقٍ أُضِيفَ كِلْتَا وَكِلاَ لا زالَ الحديثُ في بيانِ الألفاظ التي لازمت الإضافة، وذكرنا أنها على نوعين: النوع الأول ما يلزمُ الإضافة إلى الجمل مطلقاً، وهو الجمل الاسمية والفعلية، وهذا ذكرَ الناظم منه (إذ) و (حيث). والنوع الثاني: ما يلزمُ الإضافة إلى الجملة الفعلية، وهو (إذا) على جهة الخصوص، وذكرَ بعضهم (لما) وإن كان فيها خلاف، وأما (إذا) فالصوابُ أنها مُلازمة للإضافة إلى الجمل الفعلية خلافاً للأخفشِ وغيره. والنوع الثاني ما يلزمُ الإضافةَ إلى المفرد، وقلنا هذا على ثلاثةِ أنواع، وأما في الجملة فحينئذٍ نقول: الذي يلزمُ الإضافة إما أن يلزمَ الإضافة لفظاً ومعنى، وإما أن يلزمَ الإضافة معنى دون لفظ، وكلاهما لازمان للإضافة، فإذا قيل لازمٌ للإضافة معنى دون لفظ، ليس المراد أنه غيرُ مضاف، لا، بل هو مضاف، لكن يحذف المضاف إليه وينوى معناه. لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ مُعَرَّفٍ بِلاَ ... تَفَرُّقٍ أُضِيفَ كِلْتَا وَكِلاَ كلا وكلتا من الأسماءِ اللازمة للإضافة لفظاً ومعنى، بمعنى أنهما لا يَنفكّان عن الإضافةِ البتة، ليس كـ (إذ) إذ هذه تَنفكُّ عن الإضافة فيُؤتى بالتنوينِ بدلاً عن المضاف إليه وهو الجملة، حينئذٍ ((وَأَنْتُمْ حينئذٍ تَنظُرُونَ)) [الواقعة:٨٤] نقول: حُذفت الجملة وعُوِّض عنها تنوين، لذلك إذا سُئلتَ ((وَأَنْتُمْ حينئذٍ)) [الواقعة:٨٤] إذ هل هي مُضافة أم لا؟ تقول: نعم مُضافة، لكنها مُضافة معنى لا لفظاً، وهذا التنوينُ عوض عن اللفظ. كلا وكلتا يلزمان الإضافة إلى الاسم المفرد، ثم هل يَنفكّان عن هذا المضاف إليه في حال من الأحوال؟ الجواب: لا، هو مِما يلزم الإضافة لفظاً ومعنى. إذن مما يَلزمُ الإضافة كلا وكلتا، لكن لا يُضافان مُطلقاً لأي مُفرد، وإنما يُشترَط في المفرد الذي يُضاف إليه كلا وكلتا ثلاثةُ شروط، ذكرَها الناظم كلّها في هذا البيت: لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ هذا الأول، مُعَرَّفٍ هذا الثاني، بِلاَ تَفَرُّقٍ هذا الثالث. إذا استكمَلَ المفردُ هذه الشروط الثلاثة جازَ إضافة كلا إليه، وإذا انتقصَ واحداً منها أو عُدم الجميع، حينئذٍ نقول: لا يصحّ إضافة كلا أوكلتا إلى المضاف إليه الذي هو مُتخلّف لشرطٍ من هذه الشروط. لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ: هذا جار ومجرور مُتعلّق بقوله: أُضِيفَ، أُضيف كلا وكلتا لمفهم اثنين معرف بلا تفرق. لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ: قلنا جار ومجرور مُتعلّق بقوله: أُضِيفَ. مُعَرَّفٍ: هذا نعتٌ لـ مُفْهِمِ.

стр. 1405

بِلاَ تَفَرُّقٍ: نعتٌ ثاني لمفهم، إذن مُفهم اثنين معرّف بلا تفرق أُضيف، هنا قال: أُضيف ولم يقل أَضف، ولم يُعبِّر بـ (أَلْزَمُوا)، هل معنى ذلك أن الإضافة ليست لازمة؟ (أُضيف) هذا خبرٌ ليس بأمر، وهنا قال: وَأَلْزَمُوا إِضَافَةً، قال: أَضِفْ جَوَازاً؛ بيّنَ الحكم، وهنا قال: أُضِيفَ، نقول: مِن سياقة الأبيات وما أراده الناظم من كون هذا البيت وقعَ بينَ ما يلزمُ الإضافة، حينئذٍ نقول: أُضيف لزوماً، لا بدّ من التقدير، وإلا فقوله: (أُضِيفَ) لا يدلُّ على أن الإضافة لازمة. إذن (أُضِيفَ) لزوماً، بدليل أن الكلام في واجبِ الإضافة .. لازم الإضافة، وإلا اللفظ من حيث هو (أُضيف) لا يدلّ على اللزوم، وهناك عبّرَ في غير مرة بـ (وألزموا) و (ألزموا)، دلَّ على أنه لازم وأن الإضافة لازمة، ولكن هنا قال: أُضيف، فحينئذٍ نحمله على ما سبقَ بأن الإضافة هنا لازمة. لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ: لِمُفْهِمِ هذا اسمُ فاعلٍ مِن (أفهمَ يُفهِم) فهو مُفهم، يعني ما يدلُّ على اثنين، فالمفهم المراد به الفهم، والفهم هو المعنى الذي يدلّ عليه اللفظ. لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ: إذن لا بد أن يكون المضافُ إليه كلا وكلتا دالاً على اثنين، إما بحسب الوضع وإما بحسب القصد، مُفهم اثنين، أو اثنتين، أو اثنين فحسب؟ مُفهم اثنين واثنتين كذلك؛ لأن (كلتا) هذا للمؤنث، وحينئذٍ لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ، اثنين لا مفهومَ له، يعني لم يُخرِج .. لم يَحترِز به عن اثنتين، وحينئذٍ المراد باثنين شيئين، فيشملُ المذكر اثني والمؤنث وهو اثنتين، وإن شئتَ قل: اثنين هذا من باب الاكتفاء؛ لأنه قال: أُضيف كلا وكلتا، كلا للمذكر وكلتا للمؤنث. لمفهم اثنين واثنتين، إذن اكتفى بالأول عن الثاني، وهذا أولى من قولِ الصبان بأنّ المراد باثنين شيئين، هذا تأويل، ليشملَ المذكرين والمؤنثين، والأولى أن نقول: اكتفاء؛ لأنه قال: أُضيف (كلتا) و (كلا) لمفهم اثنين واثنتين، وسبقَ أن (كلا) للمثنى المذكر، و (كلتا) للمؤنث المثنى. وحينئذٍ بالقرينة السابقة نقول: هنا اكتفاء في الكلام. لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ: إذن لا يُضافان للمفرد ولا يُقال: كلا رجل، وكلتا هند .. نقول: هذا ممنوع، لأن شرطَ صحةِ الإضافة في (كلا) و (كلتا) أن يكونَ المضاف إليه مما أفهمَ ودلَّ وأرشدَ في المعنى إلى اثنين .. لمفهم اثنين. الدلالةُ على الاثنين إما أن تكونَ بالنص أو بالاشتراك أو باسم الإشارة، لأنَّ المراد أن يدلَّ اللفظ على اثنين، لا على واحد ولا على جمع.

стр. 1406

إما بالنصّ نحو: كلاهما، كلتاهما، كلا الرجلين، كلتا الجنتين، هذا نصٌّ؛ لأن المثنى نصٌّ في الاثنين، بل وُضِع في لسان العرب للدلالة على الاثنين، إذن كلاهما وكلتاهما وكلا الرجلين، وكلتا المرأتين نقول: هذا المضاف إليه نصٌّ في الدلالة على الاثنين، أو بالاشتراك مثل (نا) الدالة على مُشترك، (نا) هذا مُشترك معنوي، يصدُقُ على الاثنين، وعلى الأكثر .. العشر، إذا قيل: كلانا نقول: كلانا (نا) هذا يحتملُ الواحد ويحتمل الاثنين ويحتمل الثلاثة وأكثر، حينئذٍ إذا أُضيف كلا إلى (نا) نقول: تخصّصَ أحدُ هذه الاحتمالات، فصارَ (نا) دالاً على اثنين، لكن بالاشتراك ليسَ لوحده .. ليسَ نصّاً في الدلالة على الاثنين؛ لأنه وُضِع للدلالة على الواحد والدلالة على الاثنين والدلالة على ثلاثة فأكثر، فهو مُشترَك يدلُّ على الاثنين وعلى غيره، فإذا أُضيف إلى كلا، أو أُضيفت كلا إليه أو كلتا، كلا إليه حينئذٍ نقول بالإضافة تخصّصَ، وإلا فالأصل فهو مُشترَك بين الواحد والاثنين والأكثر، بإضافة كلا إليه تخصّصَ، أو بالاشتراك كقول: (كِلاَنَا غَنِىٌّ عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ ... )؛ فإن كلمة (نا) مُشتركة بين الاثنين والجمع. وكذلك تدلُّ على الواحد المعظِّم نفسه، وحينئذٍ نقول هنا: أُضيف كلا إلى ما دلَّ على الاثنين، إلى ما أفهم اثنين، هل بالنص؟ الجواب: لا، إنما دلَّ عليه بالاشتراك مع غيره. فقوله: لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ شملَ المثنى، بل هو نصٌّ في الاثنين، وهو أولى ما يُضاف إليه كلا وكلتا، ويقال: كلا الرجلين، وضميره نحو كلاهما، وهذا واضح، وما دلَّ عليه كلانا .. بالاشتراك، واسم الإشارة نحو كلا ذينك، وهذا جاءَ في قول الشاعر: إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى ... وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ كِلاَ ذَلِكَ .. ذا لمفرد بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أشِرْ. وأُضيف إليه كلا، ونحن نقول: شرطُ صحةِ إضافة كلا أن يكون المضاف إليه دالاً على اثنين، أفهم اثنين، مفهومه اثنين. حينئذٍ نقول: ذا هذا لمفرد واحد، كيفَ أُضيف إليه كلا؟ نقول: هنا ذا مُثنّاة في المعنى، اللفظ المفرد في اللفظ قد يضمّن المعنى الاثنين، فحينئذٍ وَكِلاَ ذَلِكَ، المشارُ إليه ما هو؟ إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى ... وَكِلاَ ذَلِكَ .. (ذَا) المشار إليه الخير والشر، إذن ذا في المعنى قلنا: اسمُ إشارةٍ لا بد لها مِن مَرجع فيُفسّر معناه بمرجعه، فإن رجعَ إلى اثنين قلنا مدلوله الاثنان، وإن رجعَ إلى واحد قلنا مدلوله الواحد، وإن كان في أصلِ الوضع أن يُستعمَل في الواحد، لكن قد يُستعمَلُ ويُتجَوزُ به في الدلالة على الاثنين، إذن كلا ذا نقولُ: المشار إليه مُثنى، إذن ذا مُثناة في المعنى، كما قلنا: هَاكَ حُرُوفَ الْجَرِّ وَهْيَ: الضمير هنا يعودُ إلى حروف الجر وهي جمع، وهي في الأصل للمفرد المؤنث الغائبة.

стр. 1407

إذن لما رجعَ إلى جمع قلنا دالٌّ على الجمع، قد يكونُ اسمُ الإشارةِ في وضعه دالاً على الواحد، وكذلك الضمير هو أو هي دالاً على الواحد، لكن إذا رجعَ إلى جمع فحينئذٍ ينتقلُ مفهومُه فيصيرُ معناه الجمع، وكذلك اسمُ الإشارة هنا: كلا ذا، المشار إليه هو مجموع الخير والشر وهو مُثنى، إذن ذا مثناة في المعنى، ومثلها ((لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ)) [البقرة:٦٨] مع كونها أشارَ به إلى الاثنين، أي وكلا ما ذُكر وبين ما ذُكر. إذن: إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى ... وَكِلاَ ذَا، يعني ذا الذي هو المذكور والمذكور مُثنى، إذن نقول: ذا استُعمِل باستعمال المثنى فأُريد به الاثنان فدَخَل في قوله: لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ. نحو: كِلاَ ذَينك، واشتُرِطت الدلالة على الاثنين، لماذا اشترطنا كونَ المضاف إليه دالاً على الاثنين؟ لأنه كما مضى أن (كلا) و (كلتا) يُستعمَلان توكيداً، وإذا كانا كذلك حينئذٍ يُؤكِّدان المضاف إليه وإذا أُكِّد المضاف إليه فشرطُ المؤكِّد مع المؤكَّد التطابق إفراداً وتثنية وجمعاً، وإذا كان معنى كلا الاثنين وكلتا كذلك إذا كان معناها الاثنين، حينئذٍ لزِمَ أن يكونَ المؤكَّد بها وهو المضاف إليه أن يكونَ دالاً على الاثنين، سواء دلَّ عليه بحسب الوضع مثل المثنى أو بحسب القصد مثل ذا التي للإشارة، فحينئذٍ نقول: لزِمَ أن يكون المضاف إليه دالاً على اثنين؛ لأن المضاف إليه مؤكَّد، وكلا وكلتا مؤكِّد وشرطُهُ -التأكيد يعني-: التطابق بينَ المؤكِّد والمؤكَّد في الإفراد والتذكير والتثنية والجمع. إذن: لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ: هذا هو الشرط الأول، إما بحسب الوضع وإما بحسب القصد، ومرادنا بحسب الوضع هو المثنى أو ضميره، وأما بحسب القصد فهذا (نا) لأنها مُشتركة بين الواحد والاثنين والجمع، وكذلك اسم الإشارة. مُعَرَّفٍ: هذا الشرط الثاني .. احترَزَ به عن النكرة، فلا تُضاف (كلا) و (كلتا) إلى نكرة. مُعَرَّفٍ: هذا الشرطُ أشارَ به إلى التعريف، فلا يجوزُ كلا رجلين، ولا كلتا امرأتين، خلافاً للكوفيين؛ إذ جَوّزوا إضافتهما إلى النكرة المختصة، يعني الموصوفة أو المضافة، نحو (كلا رجلينِ عندَك قائمان)، رجلين هذا مُضاف إليه وهو نكرة، عندك هذا منصوب على الظرفية مُتعلق بمحذوف صفة لرجل .. إذاً اختصت، صارت مختصّة، فحينئذٍ جوّزَ الكوفيون إضافة كلا وكلتا إلى النكرة المختصة، لأن عندهم -كما سيأتي في باب التوكيد- يجوزُ توكيد النكرة إن أفادت، وإنما تُفيد إذا كانت مختصّة، وهل يُشترَط بين المؤكِّد والمؤكَّد التعريف أم لا؟

стр. 1408

مَن اشترطَ التعريف حينئذٍ لزِمَ أن لا يُضيف (كلا) و (كلتا) إلا إلى مُعرّف، ومَن جوَّزَ توكيد النكرة جوّزَ حينئذٍ أن تُضاف كلا وكلتا إلى النكرة؛ لأن العلاقة الآن بين كلا وكلتا بين مؤكِّد ومؤكَّد، فكل الشروط التي تُذكَر في باب التوكيد حينئذٍ تُذكَر في هذا المحلّ، ولذلك انتُقِد ابنُ مالك ﵀ هنا لأنه سيأتي أنه وافقَ الكوفيين في كون المؤكَّد إذا كان نكرة مُفيدة أنه يجوزُ، وَإنْ يُفِدْ تَوْكِيدُ مَنْكُورٍ قُبِلْ، فجوّزَ تأكيد النكرة إذا كانت مُختصّة، وهنا اشترطَ التعريف، والعلاقة هي واحدة، والحكم هو الحكم، ولذلك إن لزِمَ هنا أن يشترَط التعريف حينئذٍ لا بد هناك أن لا يصحح توكيد النكرة المخصوصة. إذن التعريف شرط في كون كلا وكلتا مُضافة إلى ما يلزم الإضافة. التعريف فلا يجوزُ كلا رجلين ولا كلتا امرأتين خلافاً للكوفيين إذ جوّزوا إضافتهما إلى النكرة المختصّة نحو: كلا رجلين عندَك قائمان، وحكي كلتا جاريتين عندَك مقطوعة يدها، هذا يُوافق مذهبَ الكوفيين. حُكِي: يعني سُمِع، كلتا جاريتين: هذا أُضيف كلتا إلى النكرة، عندَك هذه مُختصّة وصفٌ لها، مقطعة يدها: أي: تاركة للغزل. واشترط التعريف لأنهما يدلان على التوكيد، أي: توكيد ما يضافان إليه، والبصريون لا يجوِّزون توكيد النكرة. بِلاَ تَفَرُّقٍ: يعني بأن يكون الدلالة على الاثنين لأن ما دلَّ على الاثنين قد يكون بتفرّق، تقول: (جاء الزيدان)، (جاءَ زيدٌ وزيدٌ)، هذا مُتفرّق، (جاء زيدٌ وعمرو)، هذا بتفرّق، هنا يُشترَطُ أن يكونَ اللفظُ الدال على الاثنين كلمة واحدة، فلا يصحّ أن يقال: (جاء كلا الرجل والرجل)، أو (كلا زيد وعمرو)؛ هذا لا يصحُّ لأنه مُتفرّق، والتأكيد إنما يكونُ مؤكِّداً لكلمة واحدة لا لكلمتين، حينئذٍ تعيّنَ أن يُقال بأن المضافَ إليه في باب (كلا) و (كلتا) أن لا يكونا مُتفرّقين بل كلمة واحدة، فلا يجوزُ (كلا زيد وعمرو)، إذا استوفى المضافُ هذه الشروطَ الثلاثةَ حينئذٍ جازَ أن تُضاف (كلا) و (كلتا) إليها. أُضيف (كلتا) و (كلا) لمفهم اثنين مُعرف بلا تفرق .. أُضيف: هذا مُغير الصيغة وكلتا نائب فاعل، و (كلا) مضاف إليه ولمفهم مُتعلق بأُضيف، والبقية نعتٌ له. قال الشارح: مِن الأسماء الملازمة للإضافة لفظاً ومعنى، إذن لا تنفكُّ عن الإضافة كلتا وكلا، ولا يُضافان إلا إلى معرفة، مثنى لفظاً ومعنى، على ما ذكرناه من التفصيل. نحو: (جاءني كلا الرجلين وكلتا المرأتين) أو معنى دون لفظ نحو: (جاءني كلاهما وكلتاهما) ومنه قوله: إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى ... وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ كِلاَ ذَلِكَ، (ذا): قلنا المشار إليه مثنى. وهذا هو المراد بقوله: لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ مُعَرَّفٍ، واحترزَ بقوله بِلاَ تَفَرُّقٍ من معرّف أفهَمَ الاثنين بتفرّق، يعني كلمة وكلمة، فإنه لا يُضاف إليه كلا وكلتا فلا تقل: كلا زيد وعمرو جاء، وقد جاء شاذاً كقوله: (كِلاَ أَخِى وَخَلِيلى وَاجِدِى عَضُدًا) كلا أخي، أخي هذا مفرد، وخليلي مثل كلا عمرو وزيد، هذا شاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه. كلا: هذا مُبتدأ ومُضاف، وأخي مضاف إليه، وخليلي معطوف عليه. واجدي: هذا خبر.

стр. 1409

عضدا: هذا حال من الياء في واجدي. إذن: يُشترَط في مضاف كلا وكلتا الشروط الثلاثة التي هي مذكورة في البيت السابق. وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ ... أَيًّا وَإِنْ كَرَّرْتَهَا فَأَضِفِ أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا وَاخْصُصَنْ بِالْمَعْرِفَهْ ... مَوْصُولَةً أَيًّا وَبِالْعَكْسِ الصَّفَهْ وَإِنْ تَكُنْ شَرْطاً أَوِ اسْتِفْهَامَا ... فَمُطْلَقَاً كَمِّلْ بِهَا الْكَلاَمَا هذا ما يتعلّق بأي، (أَيٍّ) بفتح الهمزة وتشديد الياء، هذه تكونُ موصولة، وتكونُ استفهامية، وتكون شرطية، وتكون وصفية، هذه أربعة أحوال. والوصفية هذه بعضها يُفصّل فيها، يقول: نعتية وحالية، هي نعم تأتي نعتية وتأتي حالية، إذن خمسة على جهة التفصيل وأربعة على جهة الإجمال. من الأسماء الملازمة للإضافة معنى دون لفظ (أَيٍّ) بفتح الهمزة وتشديد الياء. إذن هي ملازمة؛ لأنه كما سبق تُقطَع عن الإضافة فتُنوَّن، مَثّلنا بكل وبعض وأَيًّ، قلنا هذه مُلازمة للإضافة معنى دون لفظ، يعني: يُعوّض عنها التنوين والمضاف يُحذف، وإذا حُذِف المضاف، هل نَصِف اللفظَ بكونه مُضافاً؟ نعم، نقول: هو مضاف، لا زال مُضافاً وإن حُذِف المضاف إليه. قال المصنف: وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ: نهى أن تُضاف (أَيٍّ) لمفرد مُعرّف، نهى: لا تُضف، فعل مضارع مجزوم بـ (لا)، إذن أنتَ مَنهيٌّ عن إضافة (أيّ) لمفرد معرف. المفرد: احترَزَ به عن المثنى والجمع، والمعرف: احترزَ به عن النكرة. إذن: مفهومُ هذا البيت: وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ: مفهومُه أنها تُضاف للمثنى والجمع مطلقاً، سواء كانا مُعرّفين أو نكرتين؛ لأنه خصَّه بالمفرد المعرف، مفهومُه المثنى والجمع مُطلقاً معرفاً أم لا، يجوز إضافة (أَيٍّ) إليهما، مُطلقاً نكرة كان أو معرف، أي رجال صحّ، أيّ أُضيفت إلى رجال وهو نكرة، جمع النكرة صحّ، لأنه نهى عن إضافة (أيّ) لمفرد معرف، و (رجال) ليس مفرداً مُعرّفاً. (أي رجال) و (أي رجلين)؟ جائز، و (أي الرجال)؟ جائز؛ لأنه جمعٌ مُعرّف، أي الرجلين مُثنى مُعرّف، وأيضاً مفهومه أنها تُضاف للمفرد النكرة، (أي رجل) جائز؛ لأنه نهاكَ عن المفرد المعرف. إذن المفرد النكرة جائز، ويمتنعُ أن تُضاف إلى المفرد المعرّف، ولذلك قال: وَلاَ تُضِفْ (لا) ناهية، والنهي يقتضي التحريم، وهذا مُحرّم عندهم لغة، نعم صحيح ممنوع. وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ: جار ومجرور متعلق بقوله: تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ، صفة لمفرد. أَيًّا: مفعول به. لا تضف أياً لمفرد معرف، وهذا دخلَ فيه (أي) بأنواعها الأربعة؛ لأنه نكرة في سياقِ النهي فعمَّت، إذن (أياً) سواء كانت استفهامية أو شرطية أو وصفية أو موصولية، فهي داخلة في هذا الحكم، إذن كلُّ هذه الأنواعِ الأربعةِ لا يجوزُ إضافتها إلى المفرد المعرف إلا في صورتين استثناهما، مما يجوزُ فيهما إضافتُها إلى المعرف. وَإِنْ كَرَّرْتَهَا فَأَضِفِ، أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا.

стр. 1410

أولاً: هاتان الصورتان لا تدخلُ في (أيّ) الوصفية، يعني الاستثناء هنا (وَإِنْ كرَّرْتَهَا) هذا استثناء، مما يجوزُ إضافة المفرد المعرف لـ (أي)، نقول: أي الشرطية نعم، الاستفهامية نعم، الموصولية نعم، الوصفية لا؛ لأنه لا يجوزُ تَكرارُها ولا يجوزُ نيةُ أجزاء المضاف إليه، حينئذٍ صارَ الحكم مُختصّاً بالثلاث الأُوَل. وَإِنْ كرَّرْتَهَا فَأَضِفِ، لما قال: كرّرتها علمنا أن أياً في الحكم السابق مُفردة، وجاء ابنُ مالك يُقيّد الأول ويترك الثاني أو بالعكس، إذن: وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ أَيًّا مفردة، لأنه قيّدَ الثاني بكونها -التي هي محلّ الاستثناء والصورة التي يجوزُ فيها إضافتها إلى المفرد المعرّف- إِنْ كرَّرْتَهَا: يعني كرّرت مرة أخرى، أي زيد وأي عمرو عندك، كُرِّرَت، إذن أي زيد دونَ تَكرار لا يجوزُ، بدليل كونه قيد الاستثناء بالمكررة، قال: أياً، إذن تُقيد أياً مفردة، أي: غير مُكرّرة مطلقاً؛ لأنها بمعنى بعض، يعني أياً التي لا يجوزُ إضافتها لمفرد معرف، قالوا: بمعنى بعض، غير مُكرّرة مُطلقاً سواء كانت موصولة أو شرطية أو استفهامية أو وصفية؛ لأنها بمعنى بعض، أي: حيث أُضيفت للمعرف. أي: والمطرد المعرّف شيءٌ واحد، يعني إذا كان المفرد المعرف شيئاً واحداً بمعنى بعض، حينئذٍ امتنعَ إضافة أيّ إليه. والمفرد المعرف شيء واحد ليسَ له أضعاف، بخلاف ما إذا أُضيفت للمنكّر، فإنها حينئذٍ بمعنى (كل). وَإِنْ كرَّرْتَهَا فَأَضِفِ، أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا: هذان موضعان يُستثنى فيهما إضافة (أي) إلى المفرد المعرف، وقلنا هذا الحكم الاستثناء لا يدخل فيه (أي) الوصفية، وإنما هو خاصٌّ بالموصولية والاستفهامية والشرطية. وَإِنْ كَرَّرْتَهَا: يعني كررتها بالعطف، يعني بالواو خاصة، هكذا نصّ النحاة: أن التَّكرار يكون بالواو على جهة الخصوص. وَإِنْ كرَّرْتَهَا: يعني كرّرت أي، فَأَضِفِ: يعني أجز إضافتها إلى ما ذُكر، وهو الممنوع أولاً، وهو المفرد المعرف، إِنْ كرَّرْتَهَا فَأَضِفِ يعني: أجز إضافتَها إلى المفرد المعرّف، حينئذٍ منعكَ أولاً ثم أباحَ لك، منعكَ أولاً إن كانت أياً مُفردة، وأباحَ لكَ الإضافة .. إضافة (أي) إلى المفرد المعرف إن كررت (أي)، أي زيد وأي عمرو عندك، أي زيد، زيد هذا مُفرد مُعرّف، الأصل فيه المنع، لو قال: أي زيد عندك قلنا: لا يجوزُ؛ لأن شرطَ إضافةِ (أي) أن يكون إلى غير مفرد معرف، وهذه لم تكرر حتى يجوز إضافتها إلى المفرد المعرف، أي زيد وأي عمرو عندك جاز، لماذا جاز؟ للتكرار. إذن: وَإِنْ كرَّرْتَهَا: يعني كرّرت (أياً) بالواو على جهة الخصوص. فَأَضِفِ: أي أجز إضافتَها إلى ما ذُكر. وهنا حذفَ المفعول والمجرور المتعلق به لدلالةِ ما تقدّمَ عليه، والتقدير فأضفها للمعرفة. فَأَضِفِ: يعني أضف .. أضفها الذي هو الضمير مفعول به إليه، يعني للمعرفة، أو إن شئتَ صرّح بالمعرفة. أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا: أو للتنويع والتقسيم، يعني ما بعدَها ليس داخلاً فيما قبلها، بل هو قسيم له.

стр. 1411

تَنْوِ: تُقدِّر، إذن نية ومحلها القلب، (تَنْوِ) أين الياء؟ حُذفت لأنه معطوفٌ على قوله: كرّرتها، فهو معطوف على المجزوم، والمعطوف على المجزوم مجزوم؛ لأن محلّ كَرّر .. كَرّر فعل ماضي محله الجزم بإن، فلما عُطف عليه -وهذا البيت فيه إشكالات كثيرة-، وإن تنوِ، لما عطف على كرر حينئذٍ جُزمَ به، عطف على كرَّرْتَهَا فلهذا حذفَ الياء للجزم والتقدير وإن كررتها أو نويت الأجزا فأضفها، أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا بحذف الهمزة وقصره هنا للضرورة. أو تنو بالمفرد المعرف الجمع، إذا صحَّ أن يُنوى بالمفرد أنه جمعٌ ذو أجزاء صحَّ. وابنُ هشام عبّرَ عن هذا التعبير قال: وعبّرَ عنه في الأوضح أن يكون بينهما جمع مُقدّر، -وهذا أوضح- أن يكونَ بينَ (أي) والمفرد المعرف جمع مُقدّر، إن صحّ صحّ، يعني إن صحَّ تقدير الجمع بين (أي) والمفرد المعرف صحَّ إضافة (أي) إلى المفرد المعرف وإلا فلا، نحو: أيُّ زيدٍ أحسنُ؟ يعني: أي أجزاءِ زيدٍ أحسن؟ فالمسؤول عن هنا: أي زيد أحسن، المسؤول عنه أجزاؤه، وجهه، أنفه، عينه، يده رأسه .. أي أجزاء زيد، ولذلك يُجابُ بالتعيين فيقال: عينُه، أيّ زيدٍ أحسن أجمل؟ عينه، أو رأسه، فحينئذٍ صحَّ أن يُضاف (أي) إلى المفرد المعرف، نحو: أي زيد أحسن؟ يعني أي أجزائه أحسن؟ قالَ ابنُ هشام: أن يكون بينهما جمعٌ مُقدّر، معناه أي أجزاء زيد، فبين أي وزيد في المثال لفظ مُقدّر يدلُّ على الجمع وهو الأجزا: أي زيد أحسن؟ أي أجزاء زيد أحسن؟ إن صحَّ فحينئذٍ صحَّ إضافتها إلى المفرد المعرف. إذن: وَإِنْ كرَّرْتَهَا: أي أي بالواو، فَأَضِفِ: يعني أضفها إلى المفرد المعرف. الحالة الثانية: أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا: أن تقدر بأن المراد بالمفرد المعرف الأجزاء، إن صحَّ، ليس كل مفرد يصحُّ فيه ذلك، لا، إن صحَّ تقدير الأجزاء بأن يكونَ المسؤول عنه جزء من أجزاء المفرد المعرّف صح، وإلا فلا، وعبارةُ ابنِ هشام: أن يصحَّ تقديرُ لفظِ جمع بين أي والمفرد المعرف، إن صحّ صحّ، وإلا فلا. وَاخْصُصَنْ بِالْمَعْرِفَهْ مَوْصُولَةً أَيًّا: (وَاخْصُصَنْ بِالْمَعْرِفَهْ) ما تقدّمَ شرط في أي مُطلقاً، من حيث هي، الكلام في الجملة، أي بجميع أقسامِها ثم فصّلَ كل قسم وما يُضاف إليه. قوله: وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ أَيًّا: شمِلَ الأنواع الأربعة. وَإِنْ كرَّرْتَهَا فَأَضِفِ، أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا، هذا خاصٌّ بغير الوصفية. إذن الوصفية لا يجوزُ إضافتها للمفرد المعرف مُطلقاً.

стр. 1412

وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ أَيًّا: قلنا هذا يشملُ الأربعة، وإن كررتها هاتان الصورتان تختصّ بثلاثة فقط دون الوصفية، إذن نخلصُ من هذا أن الوصفية لا يجوزُ إضافتها للمفرد المعرف مطلقاً، لأنها لا تُكرّر ولا يُنوى بالمضاف إليه الأجزاء، إذن امتنعَ إضافة أي الوصفية إلى المفرد المعرف مُطلقاً بدون استثناء ولا تفصيل، وأما ما عداها وهو الموصولية والشرطية والاستفهامية ففيه تفصيل، نقول: إن لم تُكرَّر .. أُفردت، ولم ينوَ الأجزا بالمضاف إليه امتنع إضافتها للمفرد المعرف، فإن كُرّرت جازَ، أو نُوِي بالمضاف إليه -المفرد المعرف الأجزاء- بأن يُضاف أو يُقدّر بينَ أي والمفرد المعرف جمع جاز وإلا فلا. ثم أراد أن يُفصِّل كل واحدة من هذه الأيات إن صحّ بما تضاف إليه، فقال: وَاخْصُصَنْ بِالْمَعْرِفَهْ ... مَوْصُولَةً أَيًّا وَبِالْعَكْسِ الصَّفَهْ. وَاخْصُصَنْ بِالْمَعْرِفَهْ: الباء هنا داخلة على المقصور عليه، واخصصن بالمعرفة. أَيًّا: حالة كونها موصولة، موصولة هذا حال مُقدّم من أياً، وأياً هذا مفعول به لقوله: اخصصن. إذن واخصصن أياً موصولة بالمعرفة، فحينئذٍ تختصُّ الموصولية بالمعرفة، من أي شيء؟ قوله بالمعرفة هل يشملُ المفرد المعرف؟ واخصّصن بالمعرفة أياً، يعني أي الموصولية لا تُضاف إلا إلى المعرفة، زد عليه إلا ما استثني، ما هو الذي استُثني؟ المفرد المعرف ما لم تُكرر أو ينو الأجزا. إذن قوله: وَاخْصُصَنْ بِالْمَعْرِفَهْ: هل يرِدُ على الناظم أنه يشملُ المفرد المعرف؟ لا؛ لأنه بيّنَ في الأول وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ، أخرجَ هذا النوع، وقلنا هذا الحكم عامٌّ لجميع أنواع (أي). حينئذٍ قوله: وَاخْصُصَنْ بالْمَعْرِفَهْ: يعني سوى ما استثني، وهو المفرد المعرف ما لم يُكرّر أو يُنو به الأجزا. مَوْصُولَةً أَيًّا: قلنا مَوْصُولَةً هذا حال مُقدّم لـ أَيًّا. حينئذٍ يُضاف أي الموصولية إلى الجمع المعرف، دون الجمع المنكر، وإلى المثنى المعرف دون المثنى المنكر، ولا يُضاف إلى المفرد إلا ما استُثني، والمفرد المنكر لا يُضاف. إذن بالمعرفة أخرجَ المفرد المنكر، وبقي المفرد المعرّف، ففيه تفصيل إن لم تكرر أو ينو الأجزا؛ فالمنع وإلا فالجواز، وستأتي الأمثلة في الشرح. وَبِالْعَكْسِ الصَّفَهْ: الصفة بالعكس، مبتدأ وخبر، بالعكس خبر مُقدّم، والصفةُ مبتدأ مُؤخّر، وبالعكس المراد به العكس اللغوي، يعني خلاف. وَبِالْعَكْسِ الصَّفَهْ: يعني الصفة الموصوفية أو النعتية أو الحالية تختصُّ بالمضاف إليه إذا كان نكرة، فلا تُضاف إلى المعرفة، فشمِلَ النكرة المفرد والمثنى والجمع، وخرجَ المفرد المعرف والمثنى المعرف والجمع المعرف. وَإِنْ تَكُنْ شَرْطاً أَوِ اسْتِفْهَامَا ... فَمُطْلَقَاً كَمِّلْ بِهَا الْكَلاَمَا وَإِنْ تَكُنْ أيٌّ شرطية أو استفهامية.

стр. 1413

فَمُطْلَقاً كَمِّلْ: كَمِّلْ مُطْلَقاً .. تكميلاً مطلقاً، أو مطلقاً حال من ضمير بِهَا المتأخِّر، وتذكيرُ الحال باعتبار لفظها، فَمُطْلَقَاً كَمِّلْ بِهَا الْكَلاَمَا، أي الكلام الذي هي جزؤه؛ لأنها مع ما أُضيفت إليه جزء الكلام، أي تُضاف إلى النكرة والمعرفة مُطلقاً سوى ما استُثني، مُطلقاً تُضاف (أي) الاستفهامية والشرطية إلى كل ما عدا المفرد المعرف، فتضافُ إلى النكرة المثنى، والمعرف المثنى، والجمع المعرف، والجمع النكرة، والمفرد النكرة، إلا ما استثني إلا بشرطه. وَإِنْ تَكُنْ شَرْطاً أَوِ اسْتِفْهَامَا ... فَمُطْلَقَاً كَمِّلْ بِهَا الْكَلاَمَا يعني تُضاف إلى النكرة والمعرفة مُطلقاً سِوى ما سبقَ منعُهُ وهو المفرد المعرفة. أيُّ رجلٍ يأتي فله درهم، أيُّ رجلٍ: أُضيفت إلى النكرة المفرد، ((أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ)) [القصص:٢٨] (أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ) مثنى معرفة، ((أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا)) [النمل:٣٨] جمع وهو معرفة، ((فَبِأَيِّ حَدِيثٍ)) [الأعراف:١٨٥] مفرد نكرة. حينئذٍ بعد هذه الأبيات الثلاثة نقول: ظهرَ لأي ثلاثة أحوال: الأول: الإضافة إلى النكرة والمعرفة، وذلك في الشرطية والاستفهامية .. ما يُضاف إلى المعرفة والنكرة هذا خاصٌّ بالاستفهامية والشرطية. الثاني: لزومُ الإضافة إلى النكرة، وذلك في الوصفية والحالية أو قل النعتية. الثالث: لزوم الإضافة إلى المعرفة، وذلك في الموصولة. إذا كانت أيُّ نعتاً أو حالاً وهي المراد بالصفة فهي مُلازِمة للإضافة لفظاً ومعنى، يعني لا يجوزُ حذف المضاف إليه البتة، مثل كلا وكلتا، أي الوصفية إذا وقعت نعتاً أو حالاً حينئذٍ تلزمُ الإضافة لفظاً ومعنى، وأما ما عداها فهي مُلازِمة للإضافة معنى لا لفظاً. فأيُّ استفهامية، أيٌّ عندك؟ يجوزُ الحذف، أي يأتني أكرمه، حُذِف المضاف إليه وعُوّض عنه التنوين، حينئذٍ نقول: أي الاستفهامية وأي الشرطية وأي الموصولية هذه لا تلزمُ الإضافة لفظاً، بل هي لازِمة له معنى وقد يُحذَف المضاف إليه ويُعوّض عنه التنوين، وهو تنوينُ العوض عن كلمة مثل: كل وبعض، وأمّا (أي) الوصفية فهي لازمة للإضافة لفظاً ومعنى. إذن: وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ (أَيّاً)، لا تَضف (أياً) لمفرد معرف مُطلقاً، إذن هو على الأربعة من (أي). ثم استثنى حالتين بجواز إضافة (أياً) إلى المفرد المعرف، وهما فيما إذا كُرّرت (أي) أو نُوِي الأجزاء بالمضاف إليه، حينئذٍ جازَ إضافتها إلى المفرد المعرّف، ويُستثنى من هذا أي الوصفية فإنها لا تكون مُكرّرة ولا يُنوى بالمضاف إليه الأجزا. ثم بيّنَ .. فصّلَ كل نوع من الأنواع الأربعة فقال: واخصصن بالمعرفة (أياً) موصولة، فلا تُضاف (أي) الموصولية إلا إلى المعرفة.

стр. 1414

وَبِالْعَكْسِ الصَّفَهْ: يعني لا تجوزُ إضافتها إلى المعرفة، بل يجبُ إضافتها إلى النكرة، وأيُّ الوصفية هي المنعوت بها، والواقعة حالاً فلا تُضاف إلا إلى نكرة، (مررتُ بفارسٍ أيِّ فارس) هذه تدلُّ على الكمال، نفس التركيب (مررتُ بفارس أيِّ فارس)، إذا كان ما قبلَها نكرة حينئذٍ صارت صفة، وإذا كان ما قبلَها معرفة فحينئذٍ صارت حالاً، (مررتُ بزيد أيَّ فارس)، تعربها حالاً. هذه هي التي يُعنوَن لها بالوصفية، وبعضهم يَفصِل بينهما ويقول: النعتية والحالية؛ إن أُعربت حالاً بعدَ المعرفة فهي حالية، وإن أُعربت نعتاً إنما يكون بعد النكرة (مررتُ بفارسٍ أيِّ فارس)، (جاء فارسٌ أيُّ فارسٍ)، (رأيت فارساً أيَّ فارس) على حسب ما قبله. وأما (جاء زيدٌ أيُّ فارس، أو أيَّ فارسٍ)؟ الثاني (أيَّ فارسٍ) بالنصب على أنه حال، فلا يوافِق ما قبلَه، وَبِالْعَكْسِ الصَّفَهْ. وَإِنْ تَكُنْ شَرْطاً أَوِ اسْتِفْهَامَا ... فَمُطْلَقَاً كَمِّلْ بِهَا الْكَلاَمَا مُطْلَقَاً: يعني كمِّل بها الكلام مُطلقاً، تكميلاً مُطلقاً، أو مُطلقاً حال من ضمير بها، إذا قدّرَ النحاةُ تكميلاً مُطلقاً يعني جعلوه مصدراً لموصوف محذوف، وهو مصدر نوعي، أو يجعل هو نفسه حالاً. فَمُطْلَقاً كَمِّلْ بِهَا الْكَلاَمَا. قال الشارح: مِن الأسماء الملازمة للإضافة معنى (أيٌّ) في الجملة؛ لأنه سيذكرُ أن الوصفية لا تلزم لفظاً ومعنى. من الأسماءِ الملازمة للإضافة معنى (أي)، فلا تُضاف إلى مفرد معرفة إلا إذا تكررت، كقوله: (أيّ زيد وأيّ عمرو عندك)؟ أَلاَ تَسْأَلُونَ النَّاسَ أَيِّ وَأَيَّكُمْ ... غَدَاةَ التَقَينَا كَان خَيراً وَأَكرَماً و (أَيِّى وَأيُّكَ فَارِسُ الأَحْزَابِ ... )، هنا في البيتين أي وأيك، أُضيف أيُّ الأولى إلى الضمير المتكلم، والثاني مَفتوح ليسَ فيه شرط، اشترط السيوطي وغيره في صحّة تَكرارِ (أيٍّ) وإضافتها إلى المفرد المعرف أن تكون (أيٍّ) الأولى مضافة إلى ضمير متكلم، فإن لم تُضَف فلا، لا يجوز، استناداً إلى هذا البيت؛ لأنه قال: أيِّ وأيكم، أُضيفت (أي) الأولى إلى ضمير المتكلم، بهذا القيد صحّ، وإلا فلا، لماذا؟ لأنّ القياس يقتضي أن لا تُضاف أيًّ إلى المفرد المعرّف، فإذا سُمِع خلافه فحينئذٍ صارَ خارجاً عن القياس، فيتقيّد بالمذكور فحسب؛ لأنه لم يُنقل إلا إضافة الأول إلى الضمير، هكذا قال السيوطي وغيره، والأكثرُ على أنه مُطلقاً فلا يتقيّدُ بالضمير، اشترطَ بعضهم أن يكون أول لفظي (أيٍّ) مُضافاً إلى ضمير المتكلم كما في البيت السابق، إذا كُررت وجوّز إضافته إلى المفرد المعرّف لا بد أن تكون (أيٍّ) الأولى مُضافة إلى ضمير المتكلم، سواء أكان ما تُضاف إليه أي الثاني ضميراً كما في البيت، أم كان اسماً ظاهراً نحو: (أي وأي زيد أفضلُ)، وعليه فلا يجوز أن يقال: (أيك وأيُّ زيد)، على رأي السيوطي لا يجوز؛ لأنه أُضيف الأولى إلى كاف الخطاب، أيُك ولم يقل أيِّ .. على هذا القول لا يجوز، وإنما يتعيّنُ أن تكون أي الأولى مُضافة إلى ضمير المتكلم.

стр. 1415

وعليه فلا يجوزُ أن يُقال: (أيكم وأي زيد أفضل)، ولا (أي زيد وأي عمرو أفضل)، واستظهرَ ابنُ هشام وغيرُه أن ذلك كله جائز، فحينئذٍ التقييد بإضافته إلى ضمير المتكلم ليس بقيد. والصوابُ أن (أي) سواء أُضيفت الأولى إلى المتكلم أم غيره حينئذٍ نقول: الحكم عام. أَلاَ تَسْأَلُونَ النَّاسَ أَيِّ وَأَيَّكُمْ ... غَدَاةَ التَقَينَا كَان خَيراً وَأَكرَماً أيكم وأيِّ في الموضعين أُضيفتا إلى الضمير، لكن الشاهد في الأولى ليسَ في الثانية؛ لأنّ الثانية هذه أُضيفت إلى ضمير الجمع وهو جائز، وأما الأولى (أي) هي التي محلّ الإشكال؛ لأنها أُضيفت إلى ضمير المتكلم وهو مُفرد، أي مفرد مُعرّف، جوّز ذلك كونها مُكرّرة, وأما الثانية فلا ليس فيها شاهد. أو قصدت الأجزاء يعني: يجوزُ إضافتها إلى المفرد المعرفة إذا نويت أجزاء ذلك الاسم، إذا كان له أجزاء وإن لم يكن كذلك حينئذٍ لا يجوز، على هذا لا يجوزُ كل اسم مُفرّد مُعرّف أن يُضاف إلى أي يُقصد به الأجزاء، بل لا بد أن يصحّ معه المعنى، فإن لم يصح فلا. أو قصدتَ بها الأجزاء، كقولك: أي زيد أحسن؟ أي: أيُّ أجزاء زيد أحسن؟ ولذلك يُجاب بالأجزاء، فيُقال: عينه أو أنفه، وهذا إنما يكونُ فيها إذا قُصد بها الاستفهام، وأكثر الشراح ردّوا على تخصيصِ ابنِ عقيل هنا، بل الصواب أنها عامّة تشملُ الاستفهام والشرطية والموصولية. منعُ ابنُ عقيل هنا في هذا الموضع بكونها: تنوِ الأجزاء بأنه خاصٌّ بالاستفهام هذا ليس بصحيح، بل الصواب أنه عام. قال: وهذا إنما يكونُ فيها إذا قُصد بها الاستفهام، والصواب أنها عامّة في الثلاث. وإنما يستثنى أي الوصفية فحسب، وأي تكون استفهامية وشرطية وصفة وموصولة، يعني أربعة أقسام، هذا هنا أي بالنظر إلى إضافته إلى المعرفة والنكرة ثلاثة أقسام هي التي قدّمناها فيما سبق. فأمّا الموصولة .. (أي) الموصولة يجوزُ قطعها في اللفظ عن الإضافة (اضرب أياً هو عاصٍ)، يجوزُ قطعُها عن الإضافة (اضرب أياً هو عاصٍ)، يعني الذي هو عاصٍ. فذكرَ المصنفُ أنها لا تُضاف إلا إلى معرفة، فتقول: (يعجبني أيهم قائم)؛ لأنها بمعنى الذي، أيٌّ بمعنى الذي وهو معرفة ولا يجوز أن تُضاف للنكرة، وذكرَ غيرُه أنها تُضاف، -وهذا مذهبُ ابنِ عصفور وهو مُخالِف- إلى نكرة ولكنه قليل: (يُعجبني أيُّ رجلين قاما). وأما الصفة .. الوصفية والحالية هذه لا يجوزُ تكرارها ولا أن يُنوى بها الأجزاء، ويجبُ أن تُضاف لفظاً ولا يجوزُ قطعُها عن الإضافة، هذه من الفوارق بين هذه الآيات.

стр. 1416

وأما الصفة فالمراد بها ما كان صفة لنكرة أو حالاً من معرفة، ولا تُضاف إلا إلى نكرة؛ لأنّ القصدَ من الوصفية الدلالة على الكمال، والداخلة على المعرفة بمعنى بعض، فلا تدلُّ عليه، حصلَ تعارض، إذا أُضيفت إلى المفرد المعرفة دلَّ على البعضية، ونحن نريدُ معنى كلّ، وهذا إنما يحصلُ بالنكرة، النكرة فيها عموم، والمعرفة فيها خصوص، فإذا أضفتَها إلى المعرفة اكتسبت التخصيص وهو البعضية، ونحن نريدُ أنه بلغَ الكمال: (مررتُ بزيد أيَّ فارس)، بلغَ الكمال في الفروسية، فلا تدلُّ عليه ويُشترَط في النكرة أن تكون مماثلة للموصوف لفظاً ومعنى، أو معنى فقط: (مررتُ برجل أيّ رجل)، يعني ما قبلَها وما بعدَها لفظ واحد أو بمعنى واحد، يعني لا يُقال: (مررتُ برجل أي عالم)، نقول: عالم ليس هو معنى رجل، وليسَ مُشاركاً له في اللفظ، لكن (مررتُ برجلٍ أي رجل) صح، (مررتُ برجلٍ أي إنسان) صح، (مررتُ برجلٍ أي عالم) لا يصح، إذن يُشترَط في الوصفية أن تكونَ النكرة مماثلة للموصوف لفظاً ومعنى أو معنى فقط: نحو: (مررتُ برجلٍ أي رجل)، و (برجل أي إنسان)، ولا يجوزُ (برجل أي عالم) وعكسه: (مررتُ بعالم أي رجل) لا يصح؛ لعدم التماثل لا لفظاً ولا معنى. ولأن الوصفية كذلك لا تقعُ إلا وصفاً للنكرة، ووصف النكرة ومثله الحال لا يكونان إلا نكرتين؛ لأنك إذا قلت: (مررتُ بزيد أي رجل، أي فارس) .. حينئذٍ أنت جئتَ بحالٍ من زيد، فلو أضفتَ (أي) إلى المعرفة لوصفتَ الحال بالمعرفة وهو ممنوع؛ لأن الحال لا بدَّ أن تكون نكرة، فحينئذٍ تعيّنَ أن يكونَ المضاف إليه في باب الوصفية والحالية أن يكونَ نكرة؛ لأنك إذا وصفتَ النكرة لا بُد من التطابق، وإذا وصفت المعرفة وكانت حالاً لا بد أن تكون الحال نكرة. إذن في الحالين لا بدّ أن تكون نكرة، أيُّ النعتية إذا نعت النكرة، ضابطُ النعتية أن يكونَ ما قبلَها نكرة، إذن يتعيّنُ أن يكونَ المضاف إليه نكرة؛ لأنك إذا أضفتَه إلى المعرفة وصفتَ النكرة بالمعرفة، هذا ممنوع، وإذا جاءت بعدَ المعرفة قلنا هي حال، والحال لا يكونُ إلا نكرة، فلو أضفتَها إلى المعرفة صارت الحال معرفة، هذا باطل، إذن في كلا الحالين يتعينُ أن تكونَ أيّ مُضافة إلى النكرة. أو حالاً وأما الصفة فالمراد بها ما كان صفة لنكرة، أو حالاً مِن معرفة ولا تُضاف إلا إلى نكرة لما ذكرناه من علةٍ: (مررتُ برجلٍ أيِّ رجلٍ) بالكسر، و (مررتُ بزيدٍ أيَّ فتى) بالنصب، ومنه قوله: فأوْمَأَتُ إِيمَاءً خَفِياً لِحَبْتَرٍ ... فَلِلَّهِ عَيْنَا حَبْتَرٍ أَيّما فَتى أَيّما: هذه حال .. بالنصب. وأما الشرطية والاستفهامية فيُضافان إلى المعرفةِ وإلى النكرة مُطلقاً، وذلك أنّ (أياً) الاستفهامية والشرطية اسم يعمّ جميعَ الأوصاف؛ لأنها تفيدُ العموم، والنكرة هذه مُتعلّقة بالأوصاف، والمعرفة مُتعلّقة بالأشخاص، فإذا أضفتَ الشرطية والاستفهامية إلى النكرة صارَ عمومُها في الأوصاف، وإذا أضفتَها إلى المعرفة صارَ عمومُها في الأشخاص.

стр. 1417

المعرفة خاصّة معرفة كاسمها، تدلُّ على معين، إذن مدلولُها مُشخَّص .. مدلول المعرفة مُشخَّص، فإذا أضفتَ الشرطية أو الاستفهامية إلى المعرفة صارَ عموماً في الأشخاص، والنكرة تدلُّ على الأوصاف .. الشيوع، إذا أضفتَ الاستفهامية والشرطية للنكرة صارَ عموماً في الأوصاف، هذا يُفيدُك في الأصول. ذلك أنّ أي الاستفهامية والشرطية اسمٌ يعمُّ جميعَ الأوصاف، فإما أن يُراد تعميم أوصاف جنس من الأجناس فتُضاف إلى النكرة، وإما أن يُراد تعميم أوصاف ما هو مُتشخِّص بطريقٍ مِن طُرق التعريف فتُضاف إلى المعرفة، والشرطية والاستفهامية يجوزُ قطعُها عن الإضافة في اللفظ، ((أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا)) [النمل:٣٨] هذه استفهامية، أُضيفت إلى المعرفة، ((أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ)) [القصص:٢٨] هذه شرطية أُضيفت إلى المعرفة، ((فَبِأَيِّ حَدِيثٍ)) [الأعراف:١٨٥] استفهامية أُضيفت إلى نكرة، أي رجل جاءك فأكرمه، أُضيفت إلى نكرة وهو مُفرد وهو شرطية. فيُضافان إلى المعرفة وإلى النكرة مُطلقاً على التفصيل الذي ذكرناه سابقاً، يعني سواء كانا مُثنيين أو مجموعين أو مُفردين إلا المفرد المعرفة، استثناهُ الناظم؛ فإنهما لا يُضافان إليه إلا الاستفهامية فإنها تُضاف إليه كما تقدّم ذكره. هذا على الاستثناء الذي ذكره، الصواب لا، بل هو عامّ على التفصيل السابق، وَإِنْ كرَّرْتَهَا فَأَضِفِ، أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا، هذا ابنُ عقيل خصّهُ بالاستفهامية، وما عداهُ -الشرطية والموصولية- لا. إذن على كلامِه أن قولَه: وَلاَ تُضِفْ لِمُفْرَدٍ مُعَرَّفِ أَيًّا هذا عامٌّ مُطلقاً، وإنما يُستثنى الاستفهامية بقوله: وَإِنْ كرَّرْتَهَا، أَوْ تَنْوِ الاَجْزَا، حينئذٍ لا يُضاف مُطلقاً عند ابنِ عقيل إلى المفرد المعرف إلا الاستفهامية بشرطين: إما أن تُكرّر وإما أن يُنوى بها الأجزاء، والصواب لا؛ ليسَ كذلك الأمر، وإنما يُستثنى ثلاثة: الموصولية، والاستفهامية، والشرطية، ويُستثنى فقط الوصفية، ولعله أراد الوصفية. واعلم أن (أياً) إن كانت صفة أو حالاً فهي مُلازمة للإضافة لفظاً ومعنى؛ نحو: (مررتُ برجلٍ أي رجل وبزيد أي فتى)، وإن كانت استفهامية أو شرطية أو موصولة فهي مُلازِمة للإضافة معنى لا لفظاً. يعني: يجوزُ قطعُها عن الإضافة ويُعوّض عنها التنوين. (أيُّ رجلٍ عندك)، (أيٌّ عندك) أضفتَها وقطعتها، (أيُّ رجل) بالإضافة، اقطعها تقول: (أيٌّ عندك)، تحذِفُ المضافَ إليه وتأتي بتنوينِ العوضِ عن المفرد. و (أيَّ رجلٍ تضرب أضرب) و (أياً تضرب أضرب)، ((أَيًّا مَّا تَدْعُو)) [الإسراء:١١٠] حُذِف المضافُ إليه وعُوّض عنها التنوين، و (يعجبني أيُّهم عندك)، ذكرَ المضاف إليه، و (أيٌّ عندك) هذا حذفَ المضاف إليه: أي الرجلين تضرب أضرب، وأي رجلين تضرب أضرب، وأيّ الرجال، وأيّ رجال، وأيّ الرجلين عندك، وأيّ الرجال عندك، وأيّ رجل، وأيّ رجلين، وأيّ رجال. إذن يجوزُ فيها مطلقاً إلا المفردُ المعرّف فلا يجوزُ إلا إن كُررت أو نُوي بها الأجزاء. وَأَلْزمُوا إِضَافَةً لَدُنْ فَجَرّْ ... وَنَصْبُ غُدْوَةٍ بِهَا عَنْهُمْ نَدَرْ

стр. 1418

وَنَصْبُ غُدْوَةٍ، نَصْبُ غُدْوَةٍ: يجوزُ فيه الوجهان على الحكاية وعلى الجرّ، والجرُّ أولى. وَأَلْزمُوا: أي العرب. لَدُنْ إِضَافَةً، لَدُنْ بفَتح اللام وضمّ الدال ونون ساكنة، وفتحها وكسرها وضمهما وسكون النون لدُنْ، ولدَنْ، ولدِنْ، ولُدُنْ .. يعني فيها أربعُ لغات، لدُنْ، ولدَنْ، ولدِنْ، ولُدُنْ. وَأَلْزمُوا إِضَافَةً لَدُنْ: لدُن هذا مفعول أول، وإضافة هذا مفعول ثاني، ـ فجرّ ما بعدَه. وَأَلْزمُوا إِضَافَةً لَدُنْ فَجَرّْ: يعني ما بعده، بالإضافة. قالوا: هنا صرّح ابنُ مالك ﵀ بأن المضاف هو الذي يُجرّ، بخلاف قوله في أول الباب: وَالثَّانِيَ اجْرُرْ، ما نصَّ على أن المضاف هو الذي يعملُ في المضاف إليه. لكن قوله هناك: فَجَرّْ، دلَّ على أن العامل هو المضاف إليه، قوله: فجَرّ فائدتُه بعدَ قوله: (إضافة) بيان أن عامل الجرّ هو المضاف على الصحيح، وفُهِم أيضاً أنها لا تُضاف إلا للمفرد وعمّمه المرادي. يعني: فجر ما بعدَه مُطلقاً، جره بالإضافة لفظاً إن كان مُعرباً، ومحلاً إن كان مبنياً، أو جملة على القول بأنّ لدن تُضاف إلى الجملة، فجر ما بعدَه لفظاً أو محلاً سواء كان مبنياً مُفرداً أو جملة فالحكم عامٌّ. فالأول: الذي هو اللفظي نحو: ((مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ)) [هود:١] حكيمٌ هذا جُرَّ في اللفظ، والثاني نحو: ((وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)) [الكهف:٦٥]، والثالث نحو قوله: وتذكرُ نُعْماهُ لَدُنْ أنتَ يافعُ ومنه: (لَدُنْ شَبَّ حَتَّى شَابَ سُودُ الذَّوَائِبِ ... ) أُضيف إلى الجملة الاسمية بقوله: لَدُنْ أنتَ يافعُ، وإلى الجملة الفعلية نحو: شَبَّ حَتَّى شَابَ سُودُ الذَّوَائِبِ، فنقول: هذا جائزٌ وبعضهم منعَهُ أن تُضاف إلى الجملة. وَأَلْزمُوا إِضَافَةً لَدُنْ فَجَرّْ ... وَنَصْبُ غُدْوَةٍ بِهَا عَنْهُمْ نَدَرْ إذن (لدُن) مِن الأسماء الملازمة للإضافة لفظاً ومعنى، فقيل: (لدُن) بمعنى (عند)، فتكونُ اسماً لمكان الحضور وزمانه كما أن (عند) كذلك، فهي مُرادفة لعند، وقيل: هي لأول غايةِ من الزمان والمكان، أول غاية، وهي التي يعبر عنها ابن عقيل: فأما (لدن) فلابتداء غاية زمان أو مكان، إذن في تفسيرها معنيان، والمشهور الأول: أن (لدُن) بمعنى (عند)، إلا أنها تختَصّ بستةِ أمور وتُفارِق (عند) بها، الأول: أنها مُلازمة لمبدأ الغايات زمانية ومكانية، وغير غير ملازمة؛ تدلُّ عليها وعلى غيرها، تُستعمَل ظرفاً وتُستعمَل دالة على الغاية الزمانية والمكانية، وأما لدن ملازمة لا تخرج عنها بخلاف (عند)، إذن هي ملازمة لمبدأ الغايات. ومن ثمَّ يَتعاقبان في نحو: (جئت من عنده) و (من لدنه)، (جئت من عنده) يعني: ابتداء الغاية المسافة المجيء مِن عند زيد مثلاً، و (جئت من لدنه)، حينئذٍ نقول: من لدنه، نقول: هذه دلّت على أول المسافة مثل (عند)، إذن تعاقبا يعني تواردا في مثال واحد.

стр. 1419

ومن ثم يتعاقبان في نحو: (جئت مِن عنده ومن لدنه)، وفي التنزيل: ((آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)) [الكهف:٦٥] قيل هما بمعنى واحد، وغايرَ بينهما لئلا يتفقَ اللفظان، يعني من باب دفعِ التكرار فحسب، وإلا (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) معنى واحد، وكذلك (مِن عندنا) و (علمناه من عندنا). المعنى واحد إلا أنه لم يؤت بـ (عند) في الموضعين أو لدن في الموضعين تفادياً للتكرار، بخلاف جلستُ عنده فلا يجوزُ جلست لدنه، لا يصح أن يقال: (جلست لدنه)، وإنما اتفقا في مبدأ الغاية، قد يُستعمل (عند) لمبدأ الغاية، و (لدن) هي مُلازمة لمبدأ الغاية، هي بمعنى (عند) في هذا الموضع، ولذلك تعاقبا في بعض الأمثلة دون بعض، (جلست عنده) لا يصح أن يقال: (جلست لدنه)، لعدم معنى الابتداء هنا، هذا الأول. الثاني: أن الغالب في (لدن) استعمالها بمن مجرورة ونصبها قليل، ولذلك لم تأت في التنزيل منصوبة، بخلاف (عند). الثالث: أنها مبنية على السكون إلا في لغة قيس؛ فإنها مُعربة عندهم تشبيهاً بعند، وبلغتهم قُرِئ ((مِنْ لَدِنْهِ)) [النساء:٤٠] يعني بإسكان الدال وكسر النون، بكسر النون يعني قراءة أبي بكر عن عاصم. الرابع: أنه يجوزُ إضافتها إلى الجمل، وهذا محلّ نزاع، وذكرنا (لَدُنْ أنتَ يافعُ)، (لَدُنْ شَبَّ) .. حينئذٍ أضيفت، نقل إضافتها إلى الجملة الاسمية والجملة الفعلية. أنه يجوز إضافتها إلى الجمل كقوله: (لَدُنْ شَبَّ حَتَّى شَابَ سُودُ الذَّوَائِبِ)، وهي حينئذٍ مُتمحِّضة للزمن، يعني إذا أُضيفت إلى الجملة تمحَّضت للزمن، وإن كانت في الأصل تأتي للمكان. خامساً: جوازُ إفرادها قبل غدوة؛ يعني قطعها عن الإضافة لفظاً ومعنى، وسبقَ أن ذكرنا أن (لدن) مما يلزم الإضافة لفظاً ومعنى، يُستثنى (غدوة) فقط، هذه إذا نُصبت بعدَها انفصلت من لدن غدوة. السادس: أنها لا تقعُ إلا فضلة، يعني: لا تقعُ عمدة، بخلاف (عند) تقول: (السفر من عند زيد)، (من عند) هذا وقعَ عُمدة وإن تعلّقَ بمحذوف، لكن لا يصلحُ أن يُقال: (السفر من لدن زيد)؛ لأنها لا تقعُ إلا فضلةً؛ لا تكون في محلّ عمدة. إذن لا تقع إلا فضلة بخلاف (عند)؛ فإنها قد تكون عُمدة (السفر من عند زيد)، فحينئذٍ تجعلُ (عند) خبراً عن السفر والخبرُ عمدة، ولا تقل: (من لدن)؛ لأن ذلك يُخرِجه عمّا استقرّ لها من مُلازمة الفضلة. إذن: (السفر من عند زيد)، أو (من عند البصرة) مثلاً، ولا تقول: (من لدن البصرة)، أما (لدى) فهي مُوافقة لعند، أما (لدى) فهي مثل (عند) مطلقاً، بخلاف (لدن)، فرق بين (لدن) و (لدى). أما (لدى) فهي مثل عندَ مُطلقاً إلا أنّ جرَّها ممتنعٌ بخلاف جرّ (عند)، (عند) تدخل عليها (من) فتجرُّها، وأما (لدى) فلا، لا يدخل عليها (من)، وأيضاً (عند) أمكن منها من وجهين، أمكن مِن (لدى) من وجهين: أولاً: أنها تكونُ ظرفاً للأعيان والمعاني، تقول: (هذا القول عندي صواب)، -هذا لمن صلحَ أن يقول عندي-، و (عندَ فلان علمٌ به)، ويمتنعُ ذلك في (لدى)، فلا تقل: لدي، (هذا القول لدي صحيح)، وإنما تقول: عندي، إذن افترقت (عند) عن (لدى).

стр. 1420

الثاني: أنّك تقول: (عندي مال)، وإن كان غائباً عنك، يعني لا يُشترَط فيه الحضورُ بخلاف (لدى)، تقول: (لدي مال)، لا بدّ أن يكونَ حاضراً في جيبك أو نحو ذلك؛ قريباً منك، وأما إذا كان غائباً عنك فلا يصحّ أن تقول: (لدي مال)، وإنما تقول: (عندي مال)، (عندي سيارة) .. لا تقول: (لدي سيارة) إلا إذا كانت بجوارك. أنك تقول: (عندي مال) وإن كان غائباً، ولا تقل: (لدي مال) إلا إذا كان حاضراً، هذا فرق بين (لدى) و (عند). وَأَلْزمُوا: أي العرب. لَدُنْ إِضَافَةً: مفعول أول ومفعول ثاني. فَجَرّْ: يعني فجَر ما أُضيف إليه، فجر ما أُضيف إليه بالمضاف كما نصَّ عليه، لفظاً إن كان معرباً، ((مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ)) [هود:١] (لدن) مضاف، وحكيم مضاف إليه، وجُرّ بالكسرة الظاهرة، أو محلاً إن كان مبنياً نحو: ((وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)) [الكهف:٦٥] لدنا: هنا (نا). أو جملة نحو قوله: (لَدُنْ شَبَّ حَتَّى شَابَ سُودُ الذَّوَائِبِ) الجملة في محلّ جرِّ مُضاف إليه، والعامل فيه (لدن). وَأَلْزمُوا إِضَافَةً لَدُنْ فَجَرّْ: هذه مما ذكرناه بإن بعضهم قال: بأنه لم يُضف إلى الجملة إلا (حيث)، وزاد بعضهم (لدن). وابنُ هشام في المغني نصَّ على أنه لا يجوزُ إضافة ظرفِ مكانٍ إلى الجملة إلا (حيث) فقط، وأما (لدن) فلا، ولذلك ابنُ برهان ذهبَ إلى هذا، وقال ابنُ برهان: (حيث) فقط أما (لدن) فلا. ثم قال: وَنَصْبُ غُدْوَةٍ بِهَا: الذي هو (لدن). عَنْهُمْ: العرب، وألزموا ثم قال: عنهم. نَدَرْ: نصبُ: مبتدأ، وغدوة: مضاف إليه، بها عنهم: مُتعلّق بـ (ندر)، وندر: الجملة خبر. إذن الأصلُ في المضاف إليه أن يكونَ مجروراً، والأصل فيما لزِمَ الإضافة أن يجرَّ ما بعدَه، ولذلك قال: وَأَلْزمُوا إِضَافَةً لَدُنْ فَجَرّْ ما بعدَه، فإذا نصبَه هذا شذوذ وخروجٌ عن الأصل. قال الشارح: مِن الأسماء الملازمة للإضافة (لدن)، وهي لابتداء الغايةِ زماناً كان أو مكاناً. وهي مبنيّة عندَ أكثر العرب، والعلةُ شبهها بالحرفِ في لزوم استعمال واحد وهو الظرفية، يعني لزِمَت الظرفية، حينئذٍ لا تخرجُ عنها، هذا وظيفةُ الحرفِ أن لا يتصرفَ في المعنى، هذا الأصلُ في الحرف لا في الأسماء، وهو الظرفية، وعدمُ التصرف وتوغُّله في مُلازَمة معنى الابتداء .. لهذه الأمور نقول: بني لدن، إذن هذا هو علة البناء. عندَ أكثرِ العرب؛ لشبهها بالحرف في لزوم استعمالٍ واحد وهو الظرفية، وابتداء الغاية وعدم جواز الإخبارِ بها بخلاف (عند)، ولا تخرجُ عن الظرفية إلا بجرِّها بـ (مِن)، وهو الكثير فيها، ولذلك لم ترِد في القرآن إلا بـ (من) كقوله تعالى: ((وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)) [الكهف:٦٥]، ((لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ)) [الكهف:٢] وقيسٌ تعربها. ومنه قراءةُ أبي بكر عن عاصم (لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهِ) لكنه أسكنَ الدال وأشمّها الضم، يعني بالإشمام. قال المصنف: ويحتمل أن يكونَ منه قوله: تَنتهضُ الرَّعدةُ في ظَهِيرِي ... مِنْ لَدُن الظُّهرِ إِلى العَصيرِ يحتمل منه أن يكونَ مُعرباً على لغةِ قيس. ويجر ما وَليَ (لدن) بالإضافةِ إلا (غدوة) فإنهم نصبوها بعد (لدن).

стр. 1421

قال سيبويه: ولا ينتصب بعد (لدن) مِن الأسماء غير (غدوة) فقط، حينئذٍ لا يكون قياس، إنما يُحفظ ولا يُقاس عليه. ومَا زَالَ مُهْرِي مَزْجَرَ الكَلْبِ مِنْهُم ... لَدُنْ غُدْوَةً حتَّى دَنَتْ لِغُروبِ لدن: الأصل أن يكون ما بعدَها مضاف إليه، هذا الأصل أن يكون مجروراً، قلنا (غدوة) بالنصب، فحينئذٍ اختلفَ النحاةُ على ثلاثةِ أقوال في نصب (غدوة)، على أي وجه؟ هل هو تمييز أو حال أو مفعول به أو أو إلى آخره. وقيل: منصوبةٌ على التمييز، وهو اختيارُ المصنف، ولهذا قالَ وَنَصْبُ غُدْوَةٍ بِهَا عَنْهُمْ نَدَرْ، لكن هذا ليسَ فيه دلالة على أنه أرادَ به التمييز. وَنَصْبُ غُدْوَةٍ بِهَا عَنْهُمْ نَدَرْ، هل فيه إشارة إلى أنه تمييز؟ على كلٍّ ليس بظاهر، ليسَ بظاهر أن الناظم اختارَ هذا القول .. يُتأمّل. وقيل: هي خبرٌ لكان الناقصة المحذوفة، مع اسمِها، والتقدير: لدن كانتِ الساعةُ غدوةُ، إذن: لَدُنْ غُدْوَةً، هذا خبرُ كان الناقصةِ المحذوفةِ مع اسمها، لدن كانتِ الساعةُ غدوةً. وقيل -القول الثالث- على التشبيه بالمفعول، غدوة تشبيهٌ بالمفعول؛ لشبه (لدن) باسمِ الفاعل المنون، في ثبوتِ نونها تارة وحذفها أخرى، ولكن يضعِّفُه سماعُ النصبِ بها محذوفة النون (لدُ غدوةً)، يعني فيه روايتان: لدن غدوة، لد غدوة. ويجوزُ في (غدوة) الجرُّ بالإضافة على الأصل وهو القياس، يعني في غير البيت، ونصبُها نادرٌ في القياس، فلو عَطفت على (غدوة) المنصوبة بعد (لدن) جازَ النصبُ عطفاً على اللفظ والجرُّ مراعاةً للأصل: (لدن غدوة وعشيةً وعشيةٍ) جاز الوجهان، مراعاةً للأصل جررتَ، ومراعاةً للفظ نصبتَ. لكن الظاهر هذا فيه نظر؛ لأنه ليسَ لها محلان غدوة هنا، هنا نصبت على أنها تمييز أو خبر كان، أو مفعول به، إذن خرجَت عن المحلية، فانفصلَت فقُطعت (لدن)، إذا عُطِف عليها الأصل أنه لا يجوزُ الجرّ، ليسَ عندنا محلّ لم يبقَ المحل أصلي؛ لأننا حكَمنا عليها بأنها قُطعت، على كلٍّ هنا ذهبَ إلى أنه يجوزُ فيه وجهان: عشيةً وعشيةٍ .. عشيةً على اللفظ، وعشيةٍ على المحل، على الأصل، وأين هو الأصل؟ الأصلُ مقطوعٌ عنه، فُصلت (لدن) عن الإضافة. ذكرَ ذلك الأخفشُ وحكى الكوفيون الرفعَ في (غدوة) بعد (لدن)، يعني جوَّزوا (من لدن غدوةٌ)، واختلفوا في الإعراب، قيل: مرفوعٌ بكان التامة المحذوفة والتقدير: (لدن كانت غدوة)، يعني وُجِدت غدوةٌ، فهي فاعلٌ لكان المحذوفة. وقيل: خبرٌ لمبتدأ محذوف، والتقدير: (لدن وقت هو غدوةٌ)، وقيل: على التشبيه بالفاعل. نقف على هذا، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 1422

عناصر الدرس * حكم (مع) ولغاتها * حكم أسماء الغايات وحالاتها * حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه , مع الشروط. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: وقفنا عندَ قولِ الناظم رحمه الله تعالى: وَأَلْزمُوا إِضَافَةً لَدُنْ فَجَرّْ ... وَنَصْبُ غُدْوَةٍ بِهَا عَنْهُمْ نَدَرْ وَمَعَ مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ وَنُقِلْ ... فَتْحٌ وَكَسْرٌ لِسُكُونٍ يَتَّصِلْ وقفنا عندَ قولِه: وَمَعَ مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ. ذكرَ في هذين البيتين لفظتينِ مما يلزما الإضافةَ إلى المفرد، وهما لفظة (لدن) وسبقَ الكلام عليها، وقال: (وَمَعَ)، هذه اللفظة الثانية، وهذه معطوفة على قوله: وَأَلْزمُوا إِضَافَةً لَدُنْ وَمَعَ، و (مع): معطوف على (لدن)، ثم معْ بالإسكان هذا يُعتبر مبتدأ، وقليل خبره، و (فِيهَا) جار ومجرور مُتعلّق بقوله: قليل، هذا الذي يصحُّ به المعنى، وأما إذا جُعل (مع) على أنه مبتدأ، ثم ما بعدَه خبر له فسدَ المعنى، لماذا؟ لأنه أرادَ أن يُبيِّن أن (مع) مما يلزمُ الإضافة إلى المفرد، حينئذٍ لو فصلناها وقلنا: (معَ) مبتدأ، (مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ)، كأنه بيّنَ لنا أن (معَ) فيها لغتان: التحريك بالفتح، والإسكان وهي اللغة الثانية، وهذا ليسَ مراداً للناظم؛ لأنه ما زالَ يُعدّد لنا الأسماء التي هي ملازمة للإضافة معنى ولفظاً أو معنى دون لفظ. إذن لا يصحُّ الإعراب إلا أن نجعل (مع) معطوفاً على قوله: لدن، وألزموا إضافة لدن ومع، كلٌّ منهما مضاف إلى المفرد. مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ: هذه لغة أخرى .. مبنية على السكون كما سيأتي في محلّه، ومع: أي من الأسماء اللازمة للإضافة (مع)، وهي اسمٌ لموضع الاجتماع مُلازمة للظرفية إذا أُضيفت، فهي اسمُ لمكان الاصطحاب أو وقته، والمشهورُ فيها فتحُ العين وهو فتحُ إعراب، فتكون منصوبة على الظرفية مع ملازمة للظرفية، وتُفرد كذلك، فحينئذٍ يلزمُ نصبُها على الحال، نقول: (جاء الزيدان معاً) يعني: جميعاً، (معاً) هذا إعرابه حالٌ من الفاعل الزيدان، وجاءَ القومٌ معاً، أي جميعاً كذلك، فحينئذٍ تكون حالاً من المثنى وتكون حالاً من الجمع فيستويان؛ اللفظ واحد معاً، جاء الزيدان معاً، الزيدان جاءا معاً، الزيدون جاؤوا معاً .. حينئذٍ كلاهما منصوب على الحالية، أي: جميعاً. و (مع) عرفنا أنها مما تلزمُ الإضافة إلى المفرد، وقد تنقطعُ عنه فحينئذٍ تنتصبُ على الحالية؛ لأنه يرجعُ إليها التنوين تقول: (جئتك معَ العصر)، يعني وقت العصر، وجئت مع زيد، فهي مُفيدة للمصاحبة. واختلفوا فيها: هل هي ثُنائية الوضع أم ثلاثية؟ مَعْ حرفان ميم والعين، ثم إذا نصبتَها قلت: معاً، ولذلك هذان اختلافان هل هي أصلية من حيث الثنائية أم أنها ثلاثية؟ يعني هل هي أولُ ما وُضِعت على حرفين الميم والعين (مَعْ)، أو أنها ثلاثية وحُذف اللام .. لامُ الكلمة كما حُذفت من (يد ودم)؟ (يد) أصلها يديٌ، (يدٌ) ليست على حرفين، وإنما هي على ثلاثة أحرف، وأين الحرف الثالث؟ نقول: هذا لامُ الكلمة حُذِف اعتباطاً يعني: لغير علة تصريفية، يُسمّى حذفاً اعتباطياً، وإذا كان حذفاً تصريفياً فهو القياس هذا الأصل عند الصرفيين.

стр. 1423

فحينئذٍ هل أصلُها ثنائية أم ثلاثية وحُذف منها اللام كما حذف من يد؟ يد قلنا هذه ثلاثية الأصل وحُذف منها اللام، فأصلُها يديٌ فَعْلٌ، دمٌ أصلها (دميٌ) (دموٌ) على الخلاف في المحذوف هل هو ياء أم واو، فحينئذٍ حُذفت اللام التي هي الياء من (يد) (يديٌ)، والياء أو الواو من (دم) (دمي) أو (دمو) اعتباطاً؛ لغير علة تصريفية. هل (مع) مثلُها وأصلها كـ (فتى) يعني (معي) تحرَّكت الياء وانفتح ما قبلَها فوجبَ قلبُها ألفاً، ثم رجعت عندَ قطعها عن الإضافة؟ هذا محلّ خلاف بين النحاة. كونها ثنائية الوضعِ هو قولُ الخليل بن أحمد الفراهيدي أن أصلها ثنائية، وهذا هو الأصلُ إذا سُمِع لفظٌ على حرفين وإن كان الأصل في وضع الكلمة التي هي اسم أن تكون على ثلاثةِ أحرف كذلك الفعل، لكن لا يُحكَم بكون ثَمَّ حرفاً زائداً أو حرفاً ثالثاً محذوفا وهو أصل في الأصل؛ إلا إذا ذُكِر في موضع آخر، يعني صُرِّح به حينئذٍ نقول: ثَم حرفٌ محذوف وحذفُه يكون اعتباطياً، وأمّا إذا سُمِع لفظ هكذا (مع) حينئذٍ نقول: الأصل أنه وُضِع على حرفين، وهذا الحرفُ المحذوف الله أعلم به، وإن كان الأصلُ أن يكون ثَم ثالث، ولكن يُنطَق به كما وُضِع، ولذلك قولُ الخليلِ: أنها ثنائية الوضع، يعني وُضِعت على حرفين، وذهبَ يونس والأخفش إلى أنها ثلاثية، وحُذِف الحرفُ الثالث اعتباطاً كما حُذِفت الياء من (يد) والواو أو الياء من (دم). ثم ينبني على هذا الخلاف إذا قُطِعت عن الإضافة وقيل: جاء الزيدان معًا، جاءوا معا .. هذه الألف هل هي مُبدلة من تنوينٍ أم أنها هي الحرف الذي حُذِف، فمن قال إن أصلها ثنائية الواوا فحينئذٍ حَكَم على هذه الألف بأنها هي التنوين مثل الألف في (زيد) رأيت زيدا؛ فالألفُ هذه مُنقلبة عن التنوين، إذن (جاءوا معا) نقول: هذه الألف منقلبة عن التنوين، وهذا قولُ مَن قال بأنها ثنائية الوضع. ومَن قال بأنها ثلاثية، قال: هذه الألفُ هي التي حُذِفت اعتباطاً، فهي ثلاثية الوضع، فلما أُضيفت حُذِفت منها اللام؛ لامُ الكلمة وأصلها ياء، أصلها (معي) مثل (فتي)، تحرَّكت الياء في فتى وانفتح ما قبلها فوجب قلبُها ألفاً فقيل: فتى، عصا عصوَ، تحرّكت الواو وانفتح ما قبلَها فوجبَ قلبُها ألفاً، فقيل: عصا، مثلها معيَ، (هَذَا ذِكْرٌ مِنْ مَعِيَ) هكذا قُرئ، فقال بعضهم: أن هذه الياء هي أصل الألف التي رجعت بعد القطع عن الإضافة. فذهبَ الخليل إلى أن هذه الألف بدلٌ عن التنوين بناء على أنها ثنائية، وذهب يونس والأخفش إلى أن هذه الألف هي لام الكلمة كالألف في فتى، وهذا بناء على أنها ثلاثية.

стр. 1424

الموضع الثالث الذي اختلفَ فيه النحاة وفيه (مع)، هل هي مُعرَبة مطلقة في كل الأحوال وفي كل اللغات أم فيه تفصيل؟ مذهبُ سيبويه أنها مُعربة مطلقاً في كل حال من الأحوال، وفي كلّ لغة من اللغات، فحينئذٍ: مَعَ مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ سواء فُتحت العين أو سُكّنت العين، فإن سُكّنت العين حينئذٍ تكون ضرورة كما سيأتي في البيت الذي يتلوه الشارح، وما عدا ذلك فحينئذٍ الأصلُ فيه الفتح، ولا تُسكّن إلا في ضرورة الشعر، فحينئذٍ هي لغة واحدة وهي مُعربة، وذهبَ كثير مِن المتأخرين إلى التفصيل، إلى أن (مع) فيها لغتان، لغة وهي مُعربة؛ وذلك إذا حُرّكت بالفتح التي عناها المصنف بقوله: و (مع)، ولغة هي مبنية، سيأتي التعليل وهي لغة غنم وربيع، حينئذٍ عندَهم مبنية وهي على الأصل في البناء وهي كونها مبنية على السكون. إذن: وَمَعَ المعربة مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ: وهو البناء، وهذا مذهبُ كثير من المتأخرين وظاهرُ الناظم على هذا، التفصيل في (مع) بأنها قد تكون معربة وقد تكون مبنية، مُعربة في سائر اللغات إلا في لغة؛ فهي مبنية عندهم على السكون وهو الأصل فيها. وَمَعَ مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ: عرفنا (مع) أنه معطوف على ما قبله، يعني وألزموا إضافة أيضاً (مع)، كما ألزموا الإضافة في (لدن). (مَعْ) بالبناء على السكون -وهذا ظاهر النظم- قليل، قليل فيها، فيها قليل، بمعنى أنه قليل، وإذا قيل قليل فمعناه أنه ليسَ باللغة الشائعة في لسان العرب، إذا حُكِم على اللفظ المسموع بأنه قليل نحكم عليه بأنه ليسَ هو المطرد في لسان العرب، وإنما نحكم بكونه كثيراً مطرداً إذا كان مقابلاً للقليل. إذن قليل يقابله الكثير، وهو ما افتتح به البيت. هذا حكمُه إذا اتصل بياء مُتحرّك، ونُقِل فتح وكسر، نُقِل في اللغة الثانية وهي لغة السكون فتح وكسر، متى فتح وكسر؟ إذا تلاها ساكن، إذا تلاها ساكن جازَ فيه أمران في العين، جازَ فيه أمران: الفتح تخفيفاً، والكسرُ على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين. إذا نطقت بـ (معَ) على الأصل فيها -وهي المعربة- حينئذٍ لا إشكال فيه إذا تلاها ساكن (معَ القوم)، لا بأس به، (معَ العالم)، (معَ الرجل) .. نقول: هذا لا إشكال فيه، وأمّا إذا نطقت بها مبنية على السكون فحينئذٍ يلتقي ساكنان مع الـ، نقول: (أل) هذه اللام ساكنة فالتقى ساكنان، فحينئذٍ نُقِل في لسان العرب تحريك هذه المبنية على السكون .. تحريكها بالفتح فتقول: (جاء مع القوم)، وهذه مبنية على السكون مُقدراً، لماذا مُقدّر؟ لأن الأصلُ فيها أنها ساكنة، (جاء مع القوم)، تقول: (مع) هذا مبني على السكون المقدر منعَ مِن ظهوره اشتغالُ المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، الأصل في التخلص من التقاء الساكنين أن يكون بالكسر هذا الأصل، فلماذا عُدِل إلى الفتح؟ طلباً للخفة، ولا بأس بأن يُقال: بأن أصلها المعربة؛ لأنّ الإعراب هو أصلٌ والبناء فرع، فحينئذٍ لُوحظ فيه الأصل وهو الفتح، وإذا قلت: (معِ القوم)، كسرتَ حينئذٍ على الأصل للتخلص من التقاء الساكنين.

стр. 1425

قال هنا: وَنُقِلْ، يعني سُمِع في لسان العرب في (معْ) الساكنة إذا اتصل به ساكن فَتْحٌ وَكَسْرٌ، فجعلَ الفتح والكسر لأجل السكون؛ لذلك قال: لِسُكُونٍ، اللام هذه لام .. وَنُقِلْ فَتْحٌ وَكَسْرٌ لِسُكُونٍ، يعني تعليل .. من أجلِ السكون إذن هو حادث أم أصل؟ حادث، إذن تفهم من هذا أن الأصل في (مع) الساكنة أنها ساكنة، وذلك فيما إذا تلاها مُتحرّك فتبقى على الأصل، وأما إذا تلاها ساكن فحينئذٍ الأصل في التخلص من التقاء الساكنين أن يكون بالكسر، فما جاءَ عن الكسر لا يُعلّل، وإنما نحتاجُ أن نعلل ما فُتح فيه (مع)، فنقول: طلباً للخفة، ولذلك قال: لِسُكُونٍ يَتَّصِلْ، نحو: (مع القوم)، فالفتح طلباً للخفة والكسر على الأصل للتخلص من التقاء الساكنين، والمرادي هنا قال -في شرح البيت-: هما مرتبتان لا مفرعان، يعني الفتح والكسر هنا مرتبتان، إذن كأنهما لغتان، وليسا مفرعتين، بمعنى أنهما ليسا فرعاً لـ َمعْ الساكنة، وهذا فيه نظر، بل الصواب أنه فرعٌ لـ َمعْ الساكنة. قال المرادي: هما مَرتبتان لا مفرعان، وهذا قول قِيلَ بأنه غير صحيح كما قال: المكودي، بل هما مفرعان لا مرتبتان؛ لأن لغة الفتح لا يحدث الساكن فيها حُكماً؛ لأنها باقية على الأصل، تقول: جئتُ مع زيد، إذن متى يكون فيه القولان -الفتح والكسر-؟ لا بد أن يكون مُتعلقاً بـ (مع) الساكنة؛ لأن لغة الفتح لا يحدث الساكن فيها حُكماً، وإنما يُحدثه في الساكنة .. النوع الثاني الساكنة. ويدلّ على صحة هذا قوله: لِسُكُونٍ. فجَعلَ الفتح والكسر لأجل السكون، اللام هنا لام التعليل، فدلَّ على أن ذلك مُفرّع عن سابق وهو أصل، وليس كلّ منهما أصل، يعني مُراد المرادي هنا أن الفتح والكسر منقولٌ في (مع) الساكنة أن كل منهما لغة، حينئذٍ مع القوم لغتان، والصواب أنهما ليسا لغتين، بل اللغة هي (مع) الساكن، حينئذٍ إذا التقى ساكن أو تلاها ساكن حينئذٍ رجعنا إلى الأصل، وهو أنه لا يمكن أن ينطق بساكنين متتاليين، فصار تحريكُ (مع) الساكنة صار فرعاً لا أصلاً، فليسَ لغة مستقلة، وإلا لقلنا: ((قُمِ اللَّيْلَ)) [المزمل:٢] صار (قُمِ) هذا لغة مستقلة، نقول: لا، بل هو فرع وليس بأصل، فكذلك قوله هنا: ونُقل يعني سُمع، في لغة السكون .. قيّدها كذا، في لغة السكون سمع: فَتْحٌ وَكَسْرٌ لِسُكُونٍ يَتَّصِلْ، دلَّ على أن هذين النوعين الفتح والكسر في (معْ) الساكنة أنه فرع لا أصل، فحينئذٍ لا وجهَ لقول المرادي هنا بأنهما مرتبتان لا مفرَّعان. هذا الأصل في مع أنها تُضاف إلى ما بعدها، وتفرد (معَ) وتنصب على الحال بمعنى جميعاً، فتخرج عن الظرفية.

стр. 1426

إذن متى نعرب (مع) بأنها ظرف؟ إذا أُضيفت، فإذا قُطعت عن الإضافة حينئذٍ وجبَ نصبها، لا يحتمل غير النصب، وبماذا نُعربها؟ نعربها حالاً بمعنى جميعاً، سواء كان صاحب الحال مثنى أو جمعاً، ولا يُتصوّر أن يكون مُفرداً، لا تقل: (جاء زيد معاً)؛ لأن المصاحبة إليه، لا بد أن تدل على المصاحبة، على الجمعية، وهذا لا يُتصور إلا فيما معه فرد آخر أو أفراد، وأما الواحد فلا يُقال: (جاء زيد معاً)، وإنما تقول: (جاء الزيدان معاً)، (جاء الزيدان) فعل وفاعل، (معاً) هذا منصوب على الحالية بمعنى الجميع، وكذلك (جاء الزيدون معاً)، معاً جميعاً هذا منصوب على الحالية. كلما مرّ بك (معاً) هكذا بالنصب، حينئذٍ تُعربها حالاً سواء كان بمعنى جميعاً .. سواء كان صاحب الحال مثنًى أو جمعاً ولا يصحّ أن يكون مفرداً؛ لأن (مع) للمصاحبة ولا يتصور المصاحبة بشيء واحد. فحينئذٍ تُفرد، فإذا قيل: تفرد والأصل فيها أنها ثلاثية، تفرد مردودة اللام على قول الأخفش ويونس، وهو أن (مع) ثلاثية، فإذا قُطعت عن الإضافة فالأصلُ أنها ترجع إلى أصلها وهو كونها مُؤلّفة من ثلاثة أحرف، فإذا قيل: (جاء الزيدان معا)، الألف هذه قيل إنها هي الأصل، وهي كألف فتى أصلها معيَ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفاً، ولذلك قيل: تُفرد (مع) مردودة اللام على القول الذي مَضى عليه الأخفش وغيره أي: تُفرَد عن الإضافة مردودة اللامِ لتتقوى بها حال قطعها عن الإضافة، جبراً لما فاتها من الإضافة، فأصلُ (معاً) من قولك: (جاء الزيدان معاً) معي، ففُعِل به ما فعل بـ (فتى)؛ فتيَ تحرّكت الياء وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفاً. ففتحةُ العين على هذا فتحة بنية، إذا قيل: معاً، جاء الزيدان معاً، العين هذه حركته حركة بنية لا حركة إعراب، لأن الحركة حينئذٍ تكون مُقدّرة على الألف المحذوفة، كما تقول: جاء فتى، فتى: فاعل مرفوع، ورفعُه ضمةٌ مقدرة على الألف المحذوفة التي للتخلص من التقاء الساكنين. كذلك هنا (معاً)، نقول: معاً، هذه حال منصوبة، ونصبُها فتحةٌ مقدرةٌ على الألف المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، مثل: فتى، هذا على القول بأنها ثلاثية وأن الألف هذه رجعت إلى حالها، ففتحة العين على هذا القول فتحت بنية، والإعراب مُقدّر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، التقى الساكنان الألف والتنوين، كما تقول: فتىً، جاء فتىً، مررتُ بفتىً، في هذه الأحوال الثلاثة يكونُ الإعراب مُقدرا، ثم محل الإعراب الذي هو الحرف محذوف للتخلص من التقاء الساكنين، بخلاف (جاء الفتى)، و (رأيت الفتى)، و (مررت بالفتى)، الإعراب حينئذٍ يكونُ مُقدّراً كالأول إلا أن محلّ الإعراب وهو الحرف يكون ملفوظاً به، جاء الفتى الألف ملفوظ بها، (رأيتُ الفتى)، (مررت بالفتى) الألف ملفوظٌ بها، أما إذا دخلَه التنوين، وذلك فيما إذا جُرّد عن (أل) –نُكّر- وجبَ حينئذٍ تنوينه، إذا كان نكرة وجبَ تنوينه، فتقول: جاء فتىً التقى الساكنان: الألف والتنوين، فحُذفت الألف لعدمِ إمكان تحريكها على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين.

стр. 1427

وهذا ما اختارَه ابن مالك رحمه الله تعالى أن أصل مَع ثلاثية، وأن الألف في معا (جاء الزيدان معا) أن الألف هذه هي أصل الكلمة، كانت محذوفة مع الإضافة فرجعت، وعلّة الحذف هي الاعتباط. وذهبَ الخليل إلى أن الفتحة فتحة إعراب، (معاً) العين هذه متحركة بالفتح، فتحة إعراب وليس مِن باب المقصور واختارَه أبو حيان، فإذا أُفرِدت خرجَت عن الظرفية وتُنصب على الحال بمعنى جميعاً، وتُستعمل للمثنى وللجمع، يعني تُستعمل للجمع كما تُستعمل للمثنى، حينئذٍ نقول: مع الأصل فيها إذا أُضيفت أن تُعرب بالنصب على الظرفية، فإذا أُفردت بمعنى قطعت عن الإضافة وجبَ نصبها، على أنها حال بمعنى جميعاً، سواء كان صاحب الحال مثنى أو جمعاً. يبقى الإشكال في حركةِ العين، (جاء الزيدان معاً)، العين هذه هل حركتها حركة إعراب أم حركة بنية، محلّ الخلاف مُنصبٌّ على الخلاف في (مع) هل هي ثنائية الوضع أم ثلاثية الوضع؟ فمَن قال بأنها ثنائية الوضع قال: (معاً) العين هذه حركتها حركة إعراب، وهو قول الخليل. ومن قال بأنها ثلاثية وهو قول يونس والأخفش قال: بأن هذه العين حركتها حركة بنية، وأن الفتحة مُقدرة على الألف المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين. وَمَعَ مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ وَنُقِلْ ... فَتْحٌ وَكَسْرٌ: مَعَ مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ يعني السكون فيها قليل، ويثبت السكون إذا تلاها متحرك، (جاء زيد معْ عمروٍ، معْ زيدٍ) .. تبقى الساكن كما هي؛ لأن ما بعدَها يكون متحركاً، وحينئذٍ لا نحتاج إلى الحالة الثانية. وَنُقِلْ فَتْحٌ وَكَسْرٌ: فرعان، والأصل السكون، إذن الأصل السكون مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ، وَنُقِلْ فَتْحٌ وَكَسْرٌ في التخلص من التقاء الساكنين، وليسا بلغتين مستقلتين، بل هما فرعان عن (معْ) الساكنة، بدليل ماذا؟ أشارَ إلى ذلك الناظم بقوله: لِسُكُونٍ يَتَّصِلْ، يعني إذا اتصلَ بـ (معْ) الساكنة سكون .. تلاها سكون، حينئذٍ فتح وكسر نقل، في التخلص من التقاء الساكنين. إذن الناظم يرى أن (معْ) الساكنة إذا فُتحت أو كُسرت صار الفتح والكسر فرعين لا أصلين كما ذهب إليه الشارح وهو المرادي. وَمَعَ مَعْ فِيهَا قَلِيلٌ وَنُقِلْ فَتْحٌ: (فتحٌ) إعرابه نائب فاعل، وَكَسْرٌ معطوف عليه، لِسُكُونٍ جار ومجرور متعلق بقوله: يَتَّصِلْ، يتصل بماذا؟ بمعْ الساكنة، يعني يتلوها؛ المرادُ بالاتصال هنا أنه يتلوها، مع القوم، إذن (مع القوم) هذا يحتمل أنها معربة ويحتمل أنها مبنية، لو قال قائل: (جئتُ مع القوم)، مع هنا يحتمل أنها معربة ويحتمل أنها مبنية، مُعربة لأنها محركة بالفتح و (معَ) على الأصل، ويُحتمل أنها ساكنة وحُركت للتخلص بالتقاء الساكنين وكان تحريكه بالفتح طلباً للخفة، فتجوّز هذا وهذا عند الإعراب.

стр. 1428

قال الشارحُ -ابن عقيل-: وأما (مع) فاسم لمكان الاصطحاب أو وقته، يعني تأتي ظرف زمان وظرف مكان، مرادُه بهذا التعبير أن (مع) تأتي ظرف مكان وتأتي ظرف زمان، تقول: جئتك مع العصر، يعني مع وقت العصر، فهي ظرف زمان، حينئذٍ تدلّ على المصاحبة في الوقت .. في الزمن، وتأتي ظرف مكان، ولذلك صحَّ أن يُخبر بها عن الذات، لما جاءت ظرف مكان صحَّ الإخبار بها عن الذات، فتقول: (زيد معك)، زيد مبتدأ، معك مع نقول: منصوب على الظرفية مُتعلّق بمحذوف خبر المبتدأ. ولا يُخبر عن المبتدأ الجثة باسم زمان، وَلا يَكُونُ اسْمُ زَمَانٍ خَبَرَا عَنْ جُثَّةٍ، هنا لو كانت اسمَ زمان على القاعدة مذهب جمهور البصريين على أنه لا يجوزُ أن تقول: (زيد معك)، لكن لما كانت ظرفَ مكان صحَّ حينئذٍ كما تقول: (القتالُ أمامك) (زيد معك)، نقول: (معك) هنا ظرف مكان، بدليل صحّة الإخبار بمع عن الجثة؛ إذ لو كان ظرف زمان لما صحَّ هذا التركيب عندَ جمهور البصريين، لماذا؟ لأنّ اسمَ الزمان لا يخبر به عن الجثة كما سبق تقريره عندَ قوله: وَلا يَكُونُ اسْمُ زَمَانٍ خَبَرَا عَنْ جُثَّةٍ، وأما: وَإِنْ يُفِدْ هذا اختيار الناظم ليس باختيار جمهور البصريين. قال: وأما (مع) فاسم لمكان الاصطحاب أو وقته، والغالبُ استعمالها مضافة، فتكون ظرفاً بالنوعين السابقين، وعند الرضي أنها تكون ظرفَ زمان ومرادفة لعند، عند قلنا تأتي ظرف زمان وتأتي ظرف مكان، بحسب ما يضاف إليه، فتُجر بـ (مِن) يعني (مع) عند الرضي لما كان في منزلة (عند) قال: تُجرّ بـ (من)، فأوردَ عليه قراءة بعضهم ((هَذَا ذِكْرٌ مِنْ مَعِيَ)) [الأنبياء:٢٤] فمِن هنا حرفُ جرّ، ومعي يعني ذكر من عندي، فمع هنا بمعنى عند. وحكاية سيبويه (ذهبتُ مِن مع)، يعني ذهبتُ من عنده، وعندَ لا تُجرّ إلا بمن. وَعِندَ النَّصبُ فِيهَا يَستَمِرُ ... لَكِنَّهَا بمِن فَقَط تُجَرُّ نحو (جلسَ زيد مع عمرو) و (جاء زيد مع بكر)، والمشهور فيها فتحُ العين وهي مُعربة، هي كانت مفتوحة العين .. مُعربة، والقول المشهور فيها لا يُنافي أن تكون مبنية، المشهور الفتح، وإذا كانت مفتوحة العين حينئذٍ هي مُعربة ولا إشكال في هذا، ولذلك البناء قليل، ولذلك قيّده ومع معْ فيها قليل، لما قيّده بالقلة فهمنا أن (مع) الأولى هي الأكثر، وهي معربة؛ لأنها ثلاثي الأصل، وفتحتها فتحة إعراب ومِن العرب مَن يسكِّنها ومنه قوله: فَرِيشِي مِنْكُمُ وَهَوَايَ مَعْكُم ... وَإِنْ كَانَتْ زِيَارَتُكُم لِمَامَا وَهَوَايَ مَعْكُم: سكّنَ العين. فهنا (مَعْكُم) جاءت في الشعر خاصة، وهي بإسكان العين، فهل هي نفسُها الأولى أم أنها غيرها؟ مذهبُ سيبويه مُطلقاً أنها معربة في كل حال وفي كل لغة، وأوردَ عليه هذا البيت و (هواي معْكم) قال: هذا تسكينُ ضرورة، يعني مِن أجل الشعر خاصة. وزعمَ سيبويه أن تسكينها ضرورة وليس كذلك، -من المواضع القليلة التي يرد فيها ابن عقيل على سيبويه، هذا الموضع وبشدة-، يقول: وزعمَ سيبويه أن تسكينَها ضرورة وليس كذلك، بل هو لغة ربيعه وغنْمٍ بإسكان النون، وهي عندهم مبنية على السكون. إذن (مع) الصواب فيها لغتان: الإعراب والبناء خلافاً لسيبويه رحمه الله تعالى.

стр. 1429

فحينئذٍ نقول: مُعربة بالفتح على المشهور، وهي التي أطلقها الناظم و (مع)، وهي في لغة ربيعة وغنْم، نقول: هي مبنية على السكون، مبنية لجمودها .. للزومها الظرفية، وقيل: لتضمّنها معنى المصاحبة، وهو مِن المعاني التي حقّها أن تُؤدّى بالحرف ولم يوضع لها حرف كالإشارة، إذن لم بُنيَت عندهم؟ قالوا: لأنها هي اسم ولا شك في ذلك، لذلك يدخلها التنوين وسبقها حرفُ جرّ على القراءة السابقة، وحكاية سيبويه فدلَّ على أنها اسم، فحينئذٍ هي اسمٌ لا إشكال فيه، لم بُنيت والأصل في الاسم الإعراب مع كونها على ثلاثة أحرف؟ إذا قيل: بأنها ثنائية في الأصل أشبهت الحرف، وإذا قيل بأنها ثلاثية حينئذٍ نحتاج إلى معنى، فنقول: المصاحبة كالإشارة، كالتمني، كالتشبيه .. معنى مِن المعاني فيحتاج إلى حرفٍ يؤدّى به، فحينئذٍ (معْ) بإسكان العين مبنية لتضمّنها معنى حرف كان حقّه أن يُوضع ولكنه لم يُوضع مثل الإشارة، قلنا (ذا) اسم إشارة مبني لتضمّنه لحرف، هذا الحرف لم يُوضَع؛ لأن الإشارة معنى من المعاني وحقّها أن تُؤدّى بالحروف. والقولُ ببنائه إذا سكنت قولُ الكسائي واختارَه المتأخرون مِن النحاة، يعني أكثر المتأخرين على التفصيل، من أن (مع) تكون معربة وتكون مبنية، وعلى السكون لأنه الأصل في البناء وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنِيِّ أَنْ يُسَكَّنَا، إذن لا يُسأل لماذا سُكنت وإنما يسأل لماذا بُنيت؟ فقيل: لجمودها لأنها تلازم الظرفية، وقيل: لتضمّنها معنى حرفٍ لأنها تدلُّ على المصاحبة، والمصاحبة معنى من المعاني فالأصل أن يُؤدّى بحرف كالإشارة، لكنه لم يُوضَع كما أنهم لم يَضعوا للإشارة حرفاً يُؤدّى به. وزعمَ بعضهم أن ساكنة العين حرف، وادّعى النحاسُ الإجماع على ذلك وهو فاسد، بل الصواب أنها اسمٌ، بدليل دخول التنوين، فلا نحتاج إلى دليل. فإن سيبويه زعم أن ساكنة العين اسم؛ لأن المعنى في الحالين واحد، المعنى في الساكنة وفي المتحركة واحد وهو: الدلالة على المصاحبة، ومع تدلُّ على المصاحبة. حينئذٍ اتفقا في المعنى ولا يمكن أن يتفقا في اللفظ، بأن كون الأول دلّ على المصاحبة وهو اسم، والثاني دلَّ على المصاحبة وهو حرف! لا، هذا ليس بسديد، لا نظير له، وإذا كان الشيءُ لا نظير له فحينئذٍ يُعدَل في حمله على ما له نظير، هذا الأصل وهذه القاعدة عند النحاة، فإذا كان كذلك الأولى حمله مع إذا اختلفنا فيها هل هي اسم أو حرف؛ لأنها أشبهت مع المعربة في كونها تدلّ على المصاحبة .. ليس أشبهت بل هي مدلولها مدلول مع، معربة حينئذٍ نقول: هي اسمٌ بدلالة (مع) المعربة. لأن المعنى في الحالين واحد، والمعنى الواحدُ لا يكون مستقلاً وغير مستقل، كيف مستقلاً وغير مستقل؟ لأن (مع) إذا قلنا اسمٌ معرَب بالفتح، حينئذٍ يصدُق عليها حدّ الاسم؛ وهو: كلمة دلّت على معنى في نفسها، ثم (مع) حرف ويصدق عليها حد الحرف؛ وهو: كلمة دلّت على معنىً في غيرها، فكيف يكونُ اللفظ واحداً ثم يكون المعنى واحداً، ودلّ باستقلال ودلّ بغير استقلال، هذا لا نظيرَ له، فلا يُحمَل على هذا التفريق؛ فهو باطل.

стр. 1430

هذا حكمُها إن وليها متحرّك؛ يعني أنها تُفتح وهو المشهور وتُسكّن وهي لغة ربيعة، فإن وليها ساكنٌ فالذي ينصبُها على الظرفية يبقي فتحُها فيقول: (معَ ابنك) والذي يبنيها على السكون يكسِر لالتقاء الساكنين فيقول (معِ ابنك)؛ لكن هذا التفصيل ليسَ ظاهر النظم، بل ظاهر النظم أنه نقل الفتح والكسر مطلقاً، ليس الذي يبنيها أو الذي .. ! لا، (معْ) ساكنة عندَ المتأخرين قاطبة، فحينئذٍ كانت ساكنة بناءً؛ فإذا التقى بها ساكنٌ جازَ فيه الوجهان، وأكثرُ الشراح على هذا. إذن هذا ما يتعلّق بـ (مع) وأنها ملازمة للظرفية، ويجوزُ قطعها إلى الحالية، فحينئذٍ صارت منصوبة على الحالية، وقبلَ ذلك إذا أضيفت كانت منصوبة على الظرفية. ثم قال: وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْراً اِنْ عَدِمْتَ مَا ... لَهُ أُضِيفَ نَاوِياً مَا عُدِمَا قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ أَوَّلُ ... ودُونُ وَالجِْهَاتُ أَيْضاً وَعَلُ وَأَعْرَبُوا نَصْباً إِذَا مَا نُكِّرَا ... قَبْلاً وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ذُكِرَا هذا شروعٌ فيما يسمى بالغايات. وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْراً إِنْ عَدِمْتَ مَا لَهُ أُضِيفَ: (وَاضْمُمْ) ضم بناء، حينئذٍ يكون مفعولاً مطلقاً، والموصوف محذوف، أو (وَاضْمُمْ بِنَاءً) حال، حال كونك بانياً. (غَيْراً) هذا منصوب على المفعولية. وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْراً: إذن غير هذه من الألفاظ التي تلازِم الإضافة، يعني لا بدّ أن تكونَ مُضافة إلى ما بعدَها، ثم لها أحوال. أي من الكلمات اللازمة للإضافة (غير)، (غير) من الكلمات الملازمة للإضافة، وهي اسم دال .. هي اسم لا إشكال فيها؛ لأنها مُضاف .. تُضاف، وسبقَ أن المضاف يكون مِن علامات الاسمية، يعني لا يكون المضاف إلا اسماً، ولذلك تُنوّن، قبضتُ عشرة ليس غيرٌ، ليس غيراً .. والتنوين دليلٌ على الاسمية. إذن: هي اسمٌ دال على مخالفةِ ما قبلَه حقيقةَ ما بعدَه، النحاة يمثِّلون بـ (زيدٌ غيرُ عمروٍ)، والأصلُ في إطلاق لفظ الحقيقة .. وهو مصطلح مأخوذ من عند المناطقة أنه مُرادف للماهية، الحقيقة والماهية بمعنى واحد، لكن لا يمكن حمل اللفظ هنا حقيقة على الماهية، وإنما يُراد به مفهوم اللفظ، لماذا؟ لأننا لو طبقناه على المثال المشهور عندَ النحاة (زيدٌ غيرُ عمروٍ)، حقيقة (زيد) حيوان ناطق، وغير (عمرو)، (عمرو) حقيقته حيوان ناطق، وهل المخالفة هنا صادقة أم لا؟ ليست بصادقة بل هي كاذبة، لماذا؟ لأن زيد وعمرو مُتّحدان، كلٌّ منهما إنسان، وكلٌّ منهما حيوان ناطق، إذن ما وجه المخالفة؟ لا بدّ أن نفسّر بأن الحقيقة هنا ليست هي الحقيقة عندَ المناطقة، وقد نصَّ على ذلك الأزهري في شرح التوضيح.

стр. 1431

حينئذٍ نقول: المراد بزيدٍ هنا مفهوم اللفظ، والمراد بعمرو مفهوم اللفظ، فحقيقةُ زيد -التي هي إنسان مع علاماته المشخِّصة له- غير حقيقة عمرو الذي هو إنسان بحقيقته وعلاماته المشخّصة له، فزيد غير عمرو حصلت المخالفةُ في الحقيقة، لكن ليست في الماهية، وإنما زيدٌ ليس عمر؛ إما في طوله وعرضه، وإما في علمه وجهله .. إلى آخره، فثَم مُشخّصات للإنسان تميزه عن غيره، وأطلقَ النحاةُ عليها بأنها حقيقة وإلا هي ليست بحقيقة، ولذلك قد يتّحدُ الشيء وتحصل به المخالفة، قد يُقال: (دخلتَ بوجهٍ غير الوجهِ الذي خرجتَ به)، وزيد وعمرو شخصان منفصلان، أما هنا فالمحلّ واحد، دخلتَ بوجه غير الوجه الذي خرجتَ به، وجه آخر أم عين الأول؟ عين الأول. إذن قد تكونُ المخالفة في الذوات وقد تكون المخالفة في الصفات، المخالفة في الذوات (زيد كعمرو)، والمخالفة في الصفات كالمثال الذي ذكرنا؛ لأن الوجه واحد، حينئذٍ نقول: الشيء الواحد قد يتعدّد بتعدّدِ صفاته، أما هو في نفسه فلا، الوجهُ هو عين الوجه، ولكن قد يكون عبوساً وقد يكون مسروراً. إذن (غير) اسمٌ دالٌّ على مخالفة ما قبلَه حقيقةَ ما بعدَه، والمخالفة هنا قد تكون في الذوات وقد تكون في الصفات. (غير) الناظم هنا نصَّ على حالة بنائها، لها حالان: قد تكون مُعربة وقد تكون مبنية، وهي من حيث الإجمال لها أربعة أحوال: لأنها إنما أن يُصرَّح بالمضاف إليه، فتقول: (قبضتُ عشرة ليس غيرها)، أي ليس المقبوض غيرها، هنا صرّحتَ بالمضاف إليه، وقد يُحذف المضاف ويُنوى المضاف إليه، إما لفظاً وإما معنى لا لفظاً، هذه ثلاثة أحوال. وإما أن تُقطَع عن الإضافة مُطلقاً؛ فلا يُنوى المضاف إليه لا لفظاً ولا معنى، فهذه أربعة أحوال، إما أن يُصرّح بالمضاف؛ فتقول: (قبضت عشرة ليس غيرها)، تنطقُ بالمضاف، وقد تحذفُ المضاف حينئذٍ تنوي معناه، (قبضت عشرة ليس غيرُ)، أو تحذف المضاف وتنوي لفظه، (قبضت عشرة ليس غيرَ) بالنصب دون تنوين. وقد تحذِفُ المضاف وتقطعُها عن اللفظ والمعنى، وهذه الإفراد المطلق، فحينئذٍ تقول: (قبضتُ عشرة ليس غيراً)، (ليس غيرٌ) يجوز فيها الوجهان. إذن لها أربعةُ أحوال، المراد بهذا أن الناظم نصَّ على حال واحدة وهي حالة البنا بالمنطوق ويُفهم ما عداه بالمفهوم؛ لأنها إذا حُذف المضاف إليه ونُوي معناه حينئذٍ حكمنا ببنائها، هذه حالة واحدة، وما عدا هذه الحال .. وهي الأحوال الثلاث، حينئذٍ نقول: هي مُعرَبة على الأصل.

стр. 1432

وَاضْمُمْ بِنَاءً: يعني اضمم ضمّ بناء، متى؟ إِنْ عَدِمْتَ مَا لَهُ أُضِيفَ، إِنْ عَدِمْتَ يعني: حذفتَ، فصار المحذوف في حكم المعدوم، لكن ليسَ مطلقاً، وإنما ناوياً معنى ما عُدم؛ لأن العدم الذي أرادَه الناظم هنا .. الذي هو الحذف، قد تحذف المضاف إليه، ثم المضاف إليه لفظ له معنى، إذا حذفتَ المضاف إليه لك حالان: إما أن تحذفَ المضاف إليه وتنوي ثبوت لفظه، وإما أن تحذفَ المضاف إليه وتنوي معناه، يعني المعنى الذي دلَّ عليه المضاف إليه المحذوف قد يُدلُّ عليه باللفظ نفسِه وقد يُدلُّ عليه بغيره، فلا تُعين لذلك المعنى المحذوف لفظاً معيناً، بل كلّ ما دلَّ على هذا المعنى فهو مراد، حينئذٍ هذا يصدق عليه أنك حذفتَ المضاف إليه ونويتَ معناه دون لفظه. هذه الحالة الثانية هي التي عناها الناظم هنا بقوله: إِنْ عَدِمْتَ، يعني حذفت، مَا لَهُ أُضِيفَ، يعني: ما أُضيف له الذي هو المضاف إليه، مُطلقاً؟ لا، قال: نَاوِياً، عَدِمت ناوياً، حذفتَ حالة كونك ناوياً، فناوياً هذا حال من فاعل عدمتَ تاء الخطاب، ناوياً أي: مُقدِّراً. مَا عُدِمَا: الذي عُدِم، ناوياً الفاعل أنت، وما اسم موصول بمعنى الذي مفعول به بـ (ناوياً)؛ لأنه اسم فاعل، يصدق على المضاف إليه، نَاوِياً مَا عُدِمَا، ما عُدِم لفظه أو معناه؟ ظاهر العبارة أنها محتملة، لكن لا بدّ من تقدير مضاف محذوف مِن أجل أن يصحَّ الحال، فنقول: ناوياً معنى ما عُدِم؛ لأنها هي الحالة التي يُبنى فيها على الضمّ، وهي ما إذا حُذف المضاف إليه ناوياً معناه دون لفظه، وأما إذا نويتَ لفظه فهي مُعربة على الأصل وليست مبنية. إِنْ عَدِمْتَ مَا لَهُ أُضِيفَ: له الضمير عائد على (ما)، و (ما) اسم موصول بمعنى الذي قلنا مفعول به، واقع على المضاف إليه، وأُضيف له، ما أُضيف له الجملة لا محلَّ لها من الإعراب صلة الموصول، أُضيف الضمير هنا يعودُ على غير، لفظاً أُضيف له غير. نَاوِياً: حال من الفاعل الذي هو التاء في عدمتَ. مَا عُدِمَا: (ما) اسمٌ موصول بمعنى الذي، يصدقُ على المضاف إليه، وهي منصوبة على أنها مفعول به، (عُدِما) الألف للإطلاق، عُدِما، ما الذي عُدِم؟ المضاف إليه، نَاوِياً مَا عُدِمَا، يعني ناوياً معنى ما عُدِما دون لفظه، لا بدّ من التقدير من أجل يصحّ المسألة، فهو على حذفِ مُضاف لأنه إذا نُوِي لفظه ومعناه كان مُعرباً، كما لو لُفِظ بالمضاف إليه، وليسَ هذا المراد هنا للناظم.

стр. 1433

إذن نصَّ بالمنطوق على الصورة المبنية، وهي (ما) إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه، فتقول: (قبضتُ عشرة ليس غيرُ)، غيرُ: مبنية على الضم، وهو قول المبرد وهو الذي اختاره الناظم. مبنية على الضم في محلّ رفع أو في محل نصب؟ يحتمل، فيحتمل غير هنا في هذا التركيب مبنية على الضم في محلّ رفع اسم ليس، ليس غيرُ، يعني ليس غيرها مقبوضاً ويكون الخبر محذوفاً، ليسَ مقبوضاً غيرُها، فتكونُ (غيرُ) هذه اسم ليس، ويحتمل أن تكون في محلّ نصب، ويكون اسمُ ليس محذوفاً، (ليس المقبوض غيرُ)، تكون مبنية على الضم في محلّ نصب، المراد هنا أنه إذا ضمت ضم بناء فقلت: (قبضت عشرة ليس غيرُ)، الأصل ليس غيرُها، حذفتَ المضاف إليه ونويتَ معناه دون لفظه فبنيتَ على الضم، فجازَ فيها وجهان: أن تكونَ اسمَ ليس والخبر محذوفاً، والعكس: أن تكون خبرَ ليس في محلّ نصب والاسم محذوف، (ليس المقبوض غيرُ)، (ليس غيرُ مقبوضاً) يجوز فيها الوجهان، وسيأتي تفصيله. إذن: بالمنطوق دلَّ على صورة البناء، وأما صورُ الأعراب الثلاثة التي إذا صُرّح بالمضاف إليه أو نُوي لفظه دون معناه، أو قُطعت عن الإضافة .. هذه ثلاث صور مأخوذة بالمفهوم. صورةُ البناء على الضم مأخوذة من المنطوق، وصور الإعراب الثلاث من مفهومات القيود الثلاث؛ لأنه يُفهَم من قوله: إِنْ عَدِمْتَ، إذا لم تعدِم؟ على الأصل وهو أنها معربة، أنك إن لم تعدم ما له أُضيف لم تُبنَ، ومن قوله: ناوياً أنك إن لم تنوِ لم تبنِ، إذا لم تنوِ .. عدمت لكنك لم تنوِ، فحينئذٍ نقول: هذا شرطٌ مخلّ، فإذا لم تنوِ حينئذٍ رجعنا إلى الأصل وهو الإعراب، ومِن قوله: مَا عُدِمَا، بمعنى ناوياً معنى ما عُدِم فقط، فإن نويتَ لفظه حينئذٍ رجعتَ إلى الأصل وهو الإعراب. إذن: وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْرَاً إِنْ عَدِمْتَ مَا ... لَهُ أُضِيفَ نَاوِياً مَا عُدِمَا هذا حلّ البيت، ونقول: إذا وقعَ بعدَ (ليس) وعُلِم المضاف إليه، يعني وقعَ غير بعد ليسَ وعُلِم المضاف إليه كـ (قبضت عشرةً ليس غيرَها) هذا الأصل، قبضتُ عشرة، عشرة دنانير مثلاً، ليس غيرَها: ليس المقبوض غيرها، حينئذٍ عُلم المضاف إليه أو لا؟ كما سيأتي لا يُحذف المضاف إليه إلا بعدَ علمه، يعني لا بدّ أن يكون ثَم قرينة، هنا (قبضت عشرة ليس غيرَها)، غيرها الضمير يعودُ على العشرة، إذن يوجد شيء دلَّ على المحذوف، وجد شيءٌ في النص دلَّ على المحذوف، ليس غيرَها، حينئذٍ جازَ حذفُه لفظاً، فتقول: ليس غيرُ، فيضم (غيرُ) بغير تنوين، فلا تقل: (غيرٌ) لأنها قطعٌ عن الإضافة، ثم اختُلفَ حينئذٍ في هذه الضمة (ليس غيرُ)، هل هي ضمة بناء أم ضمة إعراب؟ ثلاثةُ مذاهب للنحاة، قول المبرد أنها ضمة بناء، وقول الأخفش أنها ضمةُ إعراب، وجوّزَ ابنُ خروف الوجهين .. فهي ثلاثة مذاهب. إذا قيل بأنها ضمّة بناء على التفصيل الذي ذكرناه، أو الذي اختاره الناظم هنا، إِنْ عَدِمْتَ مَا لَهُ أُضِيفَ، يعني إن حُذف المضاف إليه. نَاوِياً مَا عُدِمَا: ناوياً معنى ما عُدِم، وهو المحذوف المضاف إليه، حينئذٍ هذه الصورة هي التي عناها المبرد.

стр. 1434

ثم اختُلف حينئذٍ فقال المبرد: ضمة بناء، فهي مبنية على الضم؛ لأنها كـ (قبلُ) في الإبهام؛ لأنها أشبهت (قبل)، وسيأتي أن (قبل) مثل (غير): قَبْلُ كَغَيْرُ وهي لها أربعة أحوال، و (قبل) و (بعد) وحسب وأول كلّها من المبهمات، فإذا كان كذلك صارَ الأصل فيها البناء. إذن هي ضمةُ بناءٍ لأنها كـ (قبل) في الإبهام فهي اسم أو خبر .. اسم ليس أو خبر، (قبضت عشرة ليس غير) على أنها خبر: ليس المقبوض غيرُ، وعلى أنها اسم ليس: (ليس مقبوضاَ غيرُ) فيجوزُ فيها الوجهان، أي اسمٌ لليس في محلّ رفع، والتقدير: ليس غيرُها مقبوضاً؛ هذا إذا رددتَ المضاف إليه، أو خبرٌ لليس في محل نصب والتقدير (ليس المقبوض غيرُ أو غيرُها) وهذا ظاهرُ النظم الذي اختارَه ابن مالك رحمه الله تعالى وهو المشهور عند المتأخرين أن (غيراً) كـ (قبل وبعد)، في أن لها أربعة أحوال. المذهب الثاني وهو مذهبُ الأخفش أنها ضمة إعراب، وعليه حينئذٍ (غير) لا تُبنى البتة، وإنما هي مُعربة مطلقاً، والتفصيل هذا لا يتأتى إلى على مذهب المبرد والناظم، وقال الأخفش: ضمة إعراب وحُذف التنوين، وأوُرِد عليه: لماذا حُذِف التنوين؟ (ليس غيرُ)، لو كانت ضمة إعراب لقيل: ليس غيرٌ بالتنوين، لماذا حُذف التنوين؟ قال: للتخفيف، وقيل للإضافة تقديراً، يعني كأنّ المضاف إليه موجود، وإذا كان كذلك حينئذٍ يتعينُ أن يكون (غير) اسم ليس، ولا يجوزُ أن يكون خبر ليس، لماذا؟ لأن هذه الضمة ضمة إعراب، وخبر ليسَ منصوب لا مرفوع، إذن يتعينُ أن يكون غير في هذا التركيب اسم ليس، وعلى مذهب المبرد أنه يجوزُ فيه الوجهان. إذن حُذِف التنوين هنا قيل: للتخفيف، وقيل: للإضافة تقديراً؛ لأن المضاف إليه ثابت في التقدير، فهي عندَه اسم ككل وبعض، وسبقَ أن (كل وبعض) هذه مُلازمة للإضافة معنى دون لفظ، يعني الأصل فيها أن يُذكر المضاف إليه، ولكن قد يُحذَف ويُعوض عنه بالتنوين، وحينئذٍ إذا حُذف التنوين لا نسلب (كل وبعض) الإضافة، بل هي مضافة لكنها في المعنى، ((قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)) [الإسراء:٨٤] كلٌ هنا مضاف أو لا؟ نعم مُضاف، لكنها مُضافة معنى لا لفظاً، وهذا التنوين تنوينُ عوض عن المضاف إليه، حُذف ونُوي، حذف لفظاً ونوي، فهي عندَه اسم ككل وبعض لا ظرف للزمان كقبل وبعد ولا للمكان، فهي اسمٌ ليس لا خبر؛ لأنه لا يُرفع. فهي اسمٌ كـ (كل وبعض) في جواز القطع عن الإضافة لفظاً، فهي اسمٌ غير ظرف، فحينئذٍ يكون المضاف إليه منوي الإضافة، وجوّز ابن خروف الإعراب والبناء؛ لأنّ كلاً منهما محتمل، لكن الصواب أنها مبنية؛ لأن لا وجهَ لحذف التنوين هنا إلا البناء، ولأنها مثل (قبل وبعد)، و (قبل وبعد) لا شك أنهما يُبنيان إذا حُذف المضاف إليه ونُوي معناه، وأما ما قيلَ بأن المضاف إليه في التقدير أو أن التنوين حُذِف للتخفيف هذا وجهٌ ضعيف، الصواب أنها مبنية. والحاصلُ في (غير) أنه يجوز قليل الفتح مع تنوين (غير) ودونه، فهي خبرٌ والحركة إعراب اتفاقاً، كالضمّ مع التنوين (ليس غيراً- ليس غيرُ). هذه "ليسَ غير" فيها أربعة أوجه، إذا جئنا للنتيجة، يصحّ أن يقال: (ليس غيرُ، ليس غيرٌ، ليس غيراً، ليس غيرَ) أربعة أوجه.

стр. 1435

(ليس غيرُ) يعني بالضم مع التنوين ودون التنوين، ويجوز (ليس غيرَ) بالنصب دون التنوين و (ليس غيراً)، إذا قلت: (ليس غيرٌ، ليس غيراً) قطعتهما عن الإضافة مثل: (قبلاً وبعداً)، وإذا قلت: (ليس غيرَ) بالنصب دون تنوين فهي مُعربة والمضاف إليه منوي من حيث اللفظ، يعني حُذِف المضاف إليه ونُوِي لفظه فقلت: ليس غيرَ. الحالة الرابعة: (ليس غيرُ) بالضم دون التنوين، هذه فيها ثلاثة مذاهب. قول المبرد: أن الضمة ضمةُ بناء، فيجوزُ في الإعراب حينئذٍ أن تكون اسمَ ليس أو خبر ليس، ولا إشكال فيه. ومذهب الأخفش: أن الضمةَ هذه ضمة إعراب؛ فهي معربة عنده مطلقاً. ومذهبُ ابنِ خروف: تجويزُ الوجهين، والناظم على الأول، وأنها ضمة بناء، وهذا هو الظاهر؛ لأنها مثل قبل وبعد. وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْراً إِنْ عَدِمْتَ مَا ... لَهُ أُضِيفَ نَاوِياً مَا عُدِمَا قال بعضهم: الحاصلُ في لفظ (غير) التي لم يُذكر معها المضاف -انتبه بقيد-، يجوزُ في غير ثلاث اعتبارات: الأول قطعُها عن الإضافة لفظاً ومعنى، يعني: تحذف المضاف إليه ولا تنويه لا لفظاً ولا معنى، حينئذٍ هي اسمٌ معرب ليست مبنية، ويجوزُ فيها الوجهان الرفع والنصب مع التنوين، (ليس غيرٌ ليس غيراً)، حينئذٍ مقطوعة الإضافة، فيجوزُ فيها الوجهان يعني الرفع على أنها اسم ليس، والنصب على أنها خبر لليس، الرفع والنصب مع التنوين. الثاني: قطعُها عن الإضافة لفظاً فقط، مع نية المضاف إليه، فيضم (غير) من غير تنوين، (ليس غيرُ)، وفيه ثلاثةُ مذاهب التي ذكرناها: قول المبرد، والأخفش وابن خروف. الثالث: أن نعتبرَ لفظَ المضاف إليه محذوفاً للعلم به، يعني حُذِف المضاف إليه ونُوِي ثبوت لفظه، وهو مَنويّ؛ فتكون كأن (غير) مضاف، فغير حينئذٍ اسمٌ معرب، لا شكّ أنه اسم معرب، وحركتُه حركة إعراب، ثم يجوزُ فيه الوجهان، (ليس غيرُ، ليس غيرَ)، (ليس غيرٌ ليس غيرُ) يجوز فيه الوجهان؛ لأنك حذفتَ المضاف إليه ونويتَ ثبوتَ لفظه، فيجوزُ في غير حينئذٍ أن تكون اسم ليس فترفعها، ويجوزُ أن يكون خبر ليس فتنصبها ولا تنوِّن، لماذا؟ لأن المضافَ إليه مَنوي الثبوت مِن حيث اللفظ فهو كالموجود، هذه ثلاثُ حالات، أما إذا قُطعت عن الإضافة لفظاً دون معنى فحينئذٍ تُبنى على الضمّ وهو مُراد الناظم رحمه الله تعالى. وَاضْمُمْ: هذا أمر، بِنَاءً: يعني ضمّ بناء، ضُم ضَم بناء، أو بانياً على أنه حال، والأول أولى. غَيْراً: هذا مفعول به، قيّدَه بقيدين لا بد من وجودهما. إِنْ عَدِمْتَ: يعني حذفت.

стр. 1436

مَا لَهُ أُضِيفَ: ما أُضيف له، يعني المضاف إليه .. عدمته حذفته، ثم إذا حذفتَه هناك حالان: إما أنك تنوي لفظه، وإما أنك تنوي المعنى دون اللفظ، متى تُبنى غير؟ إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه دون لفظه،- معروف الفرق بين الاثنين-، إذا حُذِف المضاف إليه، قلنا هو كلمة لها معنى، هذا المعنى الذي دلَّ عليه هذا المضاف إليه قد يُدلّ عليه بغير هذا اللفظ، فإذا نويتَ المعنى بقطع النظر عن اللفظ الذي دلّ عليه نقول: حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه، أما اللفظُ صارَ نسياً منسياً، يعني لا يلاحظ، وإذا قصدتَ اللفظ نفسه عينه بعدَ حذفِه حينئذٍ نويتَ ثبوتَ اللفظ نفسه، ومُراد الناظم هنا متى؟ إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه صارت مبنية، فإذا لم تعدل المضاف إليه فهي مُعربة، فإذا عُدِم المضاف إليه ونُوي ثبوتُ لفظه حينئذٍ هي معربة، إذا عُدِم المضاف إليه ولم تَنوِ شيئاً حينئذٍ هي معربة .. إذن الثلاثة الأحوال، المعربة تُؤخَذ من المفهوم، وما عداه الذي هو المنطوق دلَّ على المبني. قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ: يعني قبل وبعد كغير، في ماذا؟ هنا قَبْلُ كَغَيْرُ بالبناء، ويجوزُ (قبلٌ) كـ (غيرٌ) ولا ينكسِر الوزن، ويجوزُ (قبلُ) كـ (غيرِ)، ولا ينكسر الوزن، فحينئذٍ نقول: (قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ)، أي (قبل وبعد) كـ (غير) في ماذا؟ في الأحوال الأربعة .. أنها مُلازِمة للإضافة أولاً، ثم قد يُصرّح بالمضاف إليه وقد يُحذَف المضاف إليه ويُنوى لفظه، وقد يُحذَف المضاف إليه ويُنوى معناه، وقد تُقطع عن الإضافة، في حالة واحدة هي مبنية، وهي ما إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه، وفي الأحوال الثلاثة الأخرى تكون مُعربة على الأصل، لكن هنا قال: (قَبْلُ كَغَيْرُ) فأطلقَ، والأصلُ أنها إذا أُعربت (قبل) و (بعد) إنما تُعرب بواحدٍ من اثنين: إما نصباً على الظرفية، وإما الخفضُ بـ (من)، وليس على إطلاق ما ذكره الناظم. إذن: (قبل وبعد)، نقول: هذه يجبُ إعرابهما نصباً على الظرفية، هذا الأصلُ وأنها مُلازِمة للإضافة، أو خفضاً بـ (من)، وهذا كائن في ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يُصرّ! ح بالمضاف إليه، يُلفَظ به ما يعدم، ينطق به .. بالمضاف إليه، نحو: جئتكَ بعدَ الظهر، تقول: بعدَ هذا منصوب على الظرفية، بعد الظهر، وهي تكون ظرف مكان وظرف زمان باعتبار المضاف إليه، جئتُكَ بعد الظهر، نقول: بعد هذا منصوب على الظرفية والعامل فيه جئتُ، وقبلَ العصر كذلك منصوبٌ على الظرفية، ومِن قبله ومن بعده، من قبل الظهر ومن بعده، حينئذٍ نقولُ هنا جُرّت بمن، ((كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ)) [الحج:٤٢] منصوبٌ على الظرفية، ((فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ)) [الجاثية:٦] بَعْدَ: نقول: مُنصوبٌ على الظرفية وهو مُضاف وصُرّح بالمضاف إليه، فحينئذٍ النصبُ على الظرفية مُتعيّن، ((أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) [التوبة:٧٠] نقول: مِن حرف جرّ، وقبل اسمٌ مجرور بمن، كما تقول: مررتُ بزيد، مِنْ قَبْلِهِمْ: جار ومجرر، ((مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ)) [القصص:٤٣] مِنْ بَعْدِ: (من) حرف جر، وبعد: اسم مجرور بمن.

стр. 1437

إذن: الحال الأولى لـ (قبل وبعد) أنه يُصرّح بالمضاف إليه، يعني يُلفظ وينطقُ به، فحينئذٍ إما أنها تُنصَب على الظرفية وإما أنها تُخفَض بـ (من). الثاني: أن يُحذف المضاف إليه ويُنوى ثبوت لفظه، وهذه الحال كغير، و (غير) هناك قلنا أنها تَبقى على إعرابها، فتكون معربةً على الأصل لكن لا يُنَوَّن؛ لأنّ المحذوف مُرادٌ به اللفظ فهو كالثابت، كأنّه موجود، وإذا وُجِد حينئذٍ سُلِب من المضاف التنوين، فيَبقى الإعراب ولا يُنوّنان لنية الإضافة. الصورة الثالثة: أن يُحذَف المضاف إليه، أي: أن يَقطَعَ عن الإضافة لفظاً ومعنى، إفراد مُطلقاً، يعني يُحذَف المضاف إليه ولا يُنَوى لا لفظه ولا معناه، حينئذٍ صارَ معرباً. فيُعربان الإعرابَ المذكور نصباً على الظرفية وخفضاً بـ (من)، ولكنّهما يُنونان بخلافِ الصورة الثانية، الصورة الثانية: يُحذف التنوين لنية المضاف إليه في اللفظ؛ لأنّه كالموجود، وإذا كان كالموجود حينئذٍ يُراعى فيُحذف التنوين مِن المضاف كما تُحذَف النون مِن المضاف، ولكنّهما يُنونان لأنهما حينئذٍ اسمانِ تامّانِ كسائر النكرات، فهما نكرتان في هذا الوجه لعدمِ الإضافة لفظاً وتقديراً، ولذلك نُوِّنَا تنوينَ تمكين (من قبلٍ ومن بعدٍ)، (قبلاً وبعداً) نقولُ هذا التنوين تنوينُ تمكينٍ .. هذا الصحيح، وقيل: مَعرفتان بنيّة الإضافة، وتنوينُهما تنوينُ عوض، وليسَ الأمر كذلك، وقال ابنُ مالك في شرح الكافية: وهذا القول عندي حسن -أن يكونا معرفتين والتنوين تنوينُ عوض، لكنه ليس بالمشهور الأول هو أظهر-، ومعرفتان في الوجهين قبله بالإضافة لفظاً في الأول وتقديراً في الثاني، الوجه الأول والثاني معرفتان، الوجه الأول الذي يُصرّح فيه بالمضاف إليه (قبلهم، بعدهم، من قبلهم، من بعدهم) هما معرفتان. والثاني -الذي إذا حُذف المضاف إليه ونُوي ثبوت لفظه- كذلك هو معرفة؛ لأنه صُرِّح بالمضاف إليه في الأول ونُوي ثبوت لفظه في الثاني فهو كالموجود.

стр. 1438

الصورة الرابعة الدقيقة: يُحذف المضافُ إليه وينوى معناه، وهي التي يكون فيها البناء، يُنوى معناه دونَ لفظه؛ فتُبنى في هذه الحال على الضم، وبُني لماذا؟ قيل لافتقارهما إلى المضاف إليه معنىً، يعني هي مفتقرة لا يُفهم معناها إلا بالمضاف إليه، فقلنا: كلما افتقرَ الشيءُ إلى شيءٍ آخر حينئذٍ صارَ علةً في بنائه .. هذا الأصل، وإن كان من العوامل صارَ علة في كونه عاملاً، إذن بُنيت (قبلُ وبعدُ) لافتقارهما إلى ما بعدهما في ظهور المعنى، إذا قلت: جئتُك قبل، قبل ماذا؟ ما فُهِم المراد، لكن إذا قلتَ: (جئتك قبل زيد، أو قبل الظهر، أو بعد العصر) تبيّنَ المراد بالمضاف إليه، إذن هي مفتقرة افتقاراً شديداً إلى ما بعدَه في إيضاح المعنى، وكشف اللبس الذي يكون في اللفظ، إذن بُني لافتقارهما إلى المضاف إليهما معنى، كافتقار الحرف لغيرهما، وبُني على الحركة، وإن كان الأصل أن يُبنى على السكون فراراً من التقاء الساكنين، بعْد العين ساكنة، قبْل الباء ساكنة، فنقول: فراراً من التقاء الساكنين بُني على الحركة، ولماذا أُعطي الضم؟ قيل: جبراً له لما فاته، فاتَه شيءٌ عظيم، وهو أنه حذف المضاف إليه ولم ينوَ لفظه، لو نُوِي لفظه لبقي له قوّة، لكن لما حُذفَ اللفظُ وبقي المعنى صارَ ضعيفاً، فلما ضعُفَ جُبِر بأقوى الحركات. وقيل بالضم -بُني على الضم- لتخالِفَ حركةُ البنا حركتي الإعراب؛ لأننا في الإعراب ننصبُه ونجره بـ (من)، بقي الضم، إذن من أجل أن نستوفي له الثلاث الحركات بنيناهُ على الضم، هذا وجه وذاك وجه. إذن: (قَبْلُ) كَ (غَيْرُ)، في كونها تُبنى وتُعرب على التفصيل السابق، متى تُبنى؟ إِنْ عَدِمْتَ مَا لَهُ أُضِيفَ نَاوِياً مَا عُدِمَا، صارَ حالة البنا لـ (قبل) و (بعد) مثل حالة بناء غير، وما عدا هذه الحال من الأحوال الثلاثة فحينئذٍ تكون مُعربةً على الأصل. قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ: يعني: وبعد. حَسْبُ أَوَّلُ: يعني: وحسب وأول. وَدُونُ وَالجِْهَاتُ: أي الست. أَيْضاً: آض يئيضُ أيضاً مفعول مطلق والعامل فيه محذوف وجوباً. وَعَلُ: هذه الألفاظ كلّها ملازمة للإضافة، ثم فيها التفصيل الذي في (غير)، يعني كل هذه الألفاظ لها أربعة أحوال: حالة بناء وذلك فيما إذا حُذف المضاف إليه ونُوِي معناه، وحالةُ إعراب وهي في الثلاث الصُّور الأخرى، لكن ظاهر إطلاق الناظم هنا أن حسب وعل مطلقاً تكون مبنية، وليس الأمر كذلك. نقول: (حَسْبُ) بإسكان السين، ولها في اللغة استعمالان، (حسب) ليست مطلقاً ما أراده الناظم هنا، وإنما فيه تفصيل، لها استعمالان في لسان العرب.

стр. 1439

الاستعمال الأول: أن تكونَ بمعنى كافٍ، هذا اسم فاعل من كفى يكفي فهو كافٍ، استعمال في لسان العرب بمعنى كافٍ، فتُستعمَل مُضافة استعمالَ الصفات المشتقة، تُستعمل مضافة إلى ما بعدها يعني: تلزم الإضافة، وهذا لا إشكال فيه، استعمال الصفات المشتقّة، فتكون نعتاً لنكرة، لأنها لا تتعرّفُ بالإضافة حملاً على ما هي بمعناه، و (غير) كالسابق كذلك لا تتعرّفُ بالإضافة إلا إذا وقعَت بين ضدّين، حينئذٍ قيل بأنها معرفة، وأما ما عدا ذلك لو أُضيفت إلى الضمير فهي نكرة، نكرة مختصّة وليست نكرة غير مختصة، لأن الإضافة نوعُ وصفٍ، المضاف إليه كالوصف للمضاف، وإذا كان كذلك صارَ في قوة النكرة المختصة، ليس نكرة مطلقاً. إذن: نقولُ الأول مِن استعمالَي حسب أن تكون بمعنى كافٍ اسم فاعل كفى، وتستعمل مضافة استعمال الصفات المشتقة، فتكون نعتاً لنكرة لأنها لا تتعرّف بالإضافة حملاً على ما هي بمعناه، (مررت برجلٍ حسبِك من رجل)، مررت برجلٍ: جار ومجرور، حسبِك بالكسر، صارت صفة لرجل، لو قال قائل: كيف (حسبك) مضاف إلى الضمير صار معرفة، كيف يُوصف به رجل وهو نكرة؟ نقول: (حسبِك) نكرة ليسَ بمعرفة، لأنها لا تتعرّف بالإضافة، إذن وُصِف هنا النكرة بالنكرة فلا إشكال فيه. (مررت برجل حسبِك من رجل) بالخفض، أي كافٍ لك عن غيره، وتقع حالاً (جاء عبد الله أو هذا عبد الله حسبَك من رجل)، (حسبك) نقول: هذا حال، والحال الأصل فيه أن يكون نكرة، وهنا وقعَ نكرة، إذن (حسبك) لا يقال بأنه حال وهو معرفة فَاعْتَقِدْ تَنْكِيرَهُ، لا؛ هو نكرة؛ لأن (حسبِ) في الغير لا تتعرّف بالإضافة، فلذلك صحَّ أن يقع نعتاً (مررت برجل حسبِك من رجل)؛ لأنه نكرة، وُصِف النكرة بالنكرة، ووقعَ حالاً، (هذا عبد الله حسبَك)، حينئذٍ نقول: حسبَك هذا منصوب على الحالية.

стр. 1440

وتُستعمَل استعمال الأسماء ((حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ)) [المجادلة:٨] مبتدأ وخبر، حسب: مبتدأ، وجهنم: خبر، والعكس أولى، حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ، حسبُ قيلَ مبتدأ، هذا المشهور عند النحاة، وجهنم خبر، والأولى العكس، يجوزُ العكس لكن الأولى العكس لماذا؟ لأن جهنم عَلمٌ فهو معرّف بالعلمية، وحسبهم نكرة مختصّة، إذن كونها نكرة هل يمنعُ من الابتداء بها لأنها مختصّة؟ لما أُضيفت إلى الضمير اختصَّت ولم تتعرَف؛ لأنها لا تتعرف بالإضافة، فلما أُضيفت إلى الضمير صارت نكرة مختصّة، وهذا لا يمنعُ مِن كونها مبتدأ؛ لأن الابتداء يجوزُ بالنكرة المختصّة، وإنما الذي يرجِّح كون جهنم هو المبتدأ كونه مُعرَّف بالعلمية، وسبقَ معنا أن الأعرفَ هو الذي يُجعَل مبتدأ، هذا وجهٌ، ((حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ)) [المجادلة:٨]، ((فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ)) [الأنفال:٦٢] هذا واضح، (فَإِنَّ حَسْبَكَ) هذا وقع اسم إن، حسب هذا اسم إن، ولفظ الجلالة خبر إن، (بحسبك درهم) مبتدأ وخبر، (بحسبك) مبتدأ، و (درهم) خبر، ويجوزُ العكس فيكون درهم هذا نكرة غير مختصة، وبحسبك نكرة مختصة، إذن لا يصحُّ أن يكون درهم مبتدأ؛ لأنه تعارَض عندنا أمران هنا؛ نكرتان .. كلّ منهما نكرة، إلا أن إحدى النكرتين مختصّة، والثانية غير مختصّة، حينئذٍ يتعيّنُ أن نجعلَ المختصة هي المبتدأ وغير المختصة هي الخبر، كما في قولك: (في الدار رجل)، يتعين أن يكون رجلٌ هو المبتدأ وفي الدار هو الخبر، إذن (بحسبك درهم)، (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) حسب مبتدأ، وسوّغَ الابتداء به الاختصاص بالإضافة، وجهنم خبره، ويجوزُ العكس وهو أولى؛ لأن جهنم معرفة بالعلمية، وحسب نكرة مختصّة، "الإعراب الثاني واضح فإن حسبهم جهنم". والثالث بحسبك، هذا مبتدأ نكرة مختصة، ودرهم خبر نكرة غير مختصّة ولا يجوز العكس. وبهذا الاستعمال الثاني يُردّ على مَن زعمَ أنها اسم فعل بمعنى يكفي، يعني استعمال الثاني .. استعمالَ الأسماء كونها تأتي مبتدأ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ، واسم إن ((فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ)) [الأنفال:٦٢] وتأتي مجرورة بحسبك، في هذه التصرّفات ودخول العوامل عليها نحكمُ عليها بكونها لا يمكن أن تكون اسمَ فعل، لماذا؟ لأن أسماءَ الأفعال كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى، كما سيأتي أنه لا يدخل عليها العوامل اللفظية، وهذا يكاد يكون محلّ وفاق، فلما دخلت عليها الباء بحسبك، ((فَإِنَّ حَسْبَكَ)) [الأنفال:٦٢] إذن لا يمكن أن تكون اسم فعلٍ بمعنى يكفي؛ لدخول العوامل اللفظية عليها، والمعنوية كذلك على الأرجح وإن كان فيه خلاف.
следующие страницы →