Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
مَا لَهُ أُضِيفَ: ما أُضيف له، يعني المضاف إليه .. عدمته حذفته، ثم إذا حذفتَه هناك حالان: إما أنك تنوي لفظه، وإما أنك تنوي المعنى دون اللفظ، متى تُبنى غير؟ إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه دون لفظه،- معروف الفرق بين الاثنين-، إذا حُذِف المضاف إليه، قلنا هو كلمة لها معنى، هذا المعنى الذي دلَّ عليه هذا المضاف إليه قد يُدلّ عليه بغير هذا اللفظ، فإذا نويتَ المعنى بقطع النظر عن اللفظ الذي دلّ عليه نقول: حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه، أما اللفظُ صارَ نسياً منسياً، يعني لا يلاحظ، وإذا قصدتَ اللفظ نفسه عينه بعدَ حذفِه حينئذٍ نويتَ ثبوتَ اللفظ نفسه، ومُراد الناظم هنا متى؟ إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه صارت مبنية، فإذا لم تعدل المضاف إليه فهي مُعربة، فإذا عُدِم المضاف إليه ونُوي ثبوتُ لفظه حينئذٍ هي معربة، إذا عُدِم المضاف إليه ولم تَنوِ شيئاً حينئذٍ هي معربة .. إذن الثلاثة الأحوال، المعربة تُؤخَذ من المفهوم، وما عداه الذي هو المنطوق دلَّ على المبني.
قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ: يعني قبل وبعد كغير، في ماذا؟ هنا قَبْلُ كَغَيْرُ بالبناء، ويجوزُ (قبلٌ) كـ (غيرٌ) ولا ينكسِر الوزن، ويجوزُ (قبلُ) كـ (غيرِ)، ولا ينكسر الوزن، فحينئذٍ نقول: (قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ)، أي (قبل وبعد) كـ (غير) في ماذا؟ في الأحوال الأربعة .. أنها مُلازِمة للإضافة أولاً، ثم قد يُصرّح بالمضاف إليه وقد يُحذَف المضاف إليه ويُنوى لفظه، وقد يُحذَف المضاف إليه ويُنوى معناه، وقد تُقطع عن الإضافة، في حالة واحدة هي مبنية، وهي ما إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه، وفي الأحوال الثلاثة الأخرى تكون مُعربة على الأصل، لكن هنا قال: (قَبْلُ كَغَيْرُ) فأطلقَ، والأصلُ أنها إذا أُعربت (قبل) و (بعد) إنما تُعرب بواحدٍ من اثنين: إما نصباً على الظرفية، وإما الخفضُ بـ (من)، وليس على إطلاق ما ذكره الناظم.
إذن: (قبل وبعد)، نقول: هذه يجبُ إعرابهما نصباً على الظرفية، هذا الأصلُ وأنها مُلازِمة للإضافة، أو خفضاً بـ (من)، وهذا كائن في ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يُصرّ! ح بالمضاف إليه، يُلفَظ به ما يعدم، ينطق به .. بالمضاف إليه، نحو: جئتكَ بعدَ الظهر، تقول: بعدَ هذا منصوب على الظرفية، بعد الظهر، وهي تكون ظرف مكان وظرف زمان باعتبار المضاف إليه، جئتُكَ بعد الظهر، نقول: بعد هذا منصوب على الظرفية والعامل فيه جئتُ، وقبلَ العصر كذلك منصوبٌ على الظرفية، ومِن قبله ومن بعده، من قبل الظهر ومن بعده، حينئذٍ نقولُ هنا جُرّت بمن، ((كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ)) [الحج:٤٢] منصوبٌ على الظرفية، ((فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ)) [الجاثية:٦] بَعْدَ: نقول: مُنصوبٌ على الظرفية وهو مُضاف وصُرّح بالمضاف إليه، فحينئذٍ النصبُ على الظرفية مُتعيّن، ((أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) [التوبة:٧٠] نقول: مِن حرف جرّ، وقبل اسمٌ مجرور بمن، كما تقول: مررتُ بزيد، مِنْ قَبْلِهِمْ: جار ومجرر، ((مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ)) [القصص:٤٣] مِنْ بَعْدِ: (من) حرف جر، وبعد: اسم مجرور بمن.
стр. 1437
إذن: الحال الأولى لـ (قبل وبعد) أنه يُصرّح بالمضاف إليه، يعني يُلفظ وينطقُ به، فحينئذٍ إما أنها تُنصَب على الظرفية وإما أنها تُخفَض بـ (من).
الثاني: أن يُحذف المضاف إليه ويُنوى ثبوت لفظه، وهذه الحال كغير، و (غير) هناك قلنا أنها تَبقى على إعرابها، فتكون معربةً على الأصل لكن لا يُنَوَّن؛ لأنّ المحذوف مُرادٌ به اللفظ فهو كالثابت، كأنّه موجود، وإذا وُجِد حينئذٍ سُلِب من المضاف التنوين، فيَبقى الإعراب ولا يُنوّنان لنية الإضافة.
الصورة الثالثة: أن يُحذَف المضاف إليه، أي: أن يَقطَعَ عن الإضافة لفظاً ومعنى، إفراد مُطلقاً، يعني يُحذَف المضاف إليه ولا يُنَوى لا لفظه ولا معناه، حينئذٍ صارَ معرباً.
فيُعربان الإعرابَ المذكور نصباً على الظرفية وخفضاً بـ (من)، ولكنّهما يُنونان بخلافِ الصورة الثانية، الصورة الثانية: يُحذف التنوين لنية المضاف إليه في اللفظ؛ لأنّه كالموجود، وإذا كان كالموجود حينئذٍ يُراعى فيُحذف التنوين مِن المضاف كما تُحذَف النون مِن المضاف، ولكنّهما يُنونان لأنهما حينئذٍ اسمانِ تامّانِ كسائر النكرات، فهما نكرتان في هذا الوجه لعدمِ الإضافة لفظاً وتقديراً، ولذلك نُوِّنَا تنوينَ تمكين (من قبلٍ ومن بعدٍ)، (قبلاً وبعداً) نقولُ هذا التنوين تنوينُ تمكينٍ .. هذا الصحيح، وقيل: مَعرفتان بنيّة الإضافة، وتنوينُهما تنوينُ عوض، وليسَ الأمر كذلك، وقال ابنُ مالك في شرح الكافية: وهذا القول عندي حسن -أن يكونا معرفتين والتنوين تنوينُ عوض، لكنه ليس بالمشهور الأول هو أظهر-، ومعرفتان في الوجهين قبله بالإضافة لفظاً في الأول وتقديراً في الثاني، الوجه الأول والثاني معرفتان، الوجه الأول الذي يُصرّح فيه بالمضاف إليه (قبلهم، بعدهم، من قبلهم، من بعدهم) هما معرفتان.
والثاني -الذي إذا حُذف المضاف إليه ونُوي ثبوت لفظه- كذلك هو معرفة؛ لأنه صُرِّح بالمضاف إليه في الأول ونُوي ثبوت لفظه في الثاني فهو كالموجود.
стр. 1438
الصورة الرابعة الدقيقة: يُحذف المضافُ إليه وينوى معناه، وهي التي يكون فيها البناء، يُنوى معناه دونَ لفظه؛ فتُبنى في هذه الحال على الضم، وبُني لماذا؟ قيل لافتقارهما إلى المضاف إليه معنىً، يعني هي مفتقرة لا يُفهم معناها إلا بالمضاف إليه، فقلنا: كلما افتقرَ الشيءُ إلى شيءٍ آخر حينئذٍ صارَ علةً في بنائه .. هذا الأصل، وإن كان من العوامل صارَ علة في كونه عاملاً، إذن بُنيت (قبلُ وبعدُ) لافتقارهما إلى ما بعدهما في ظهور المعنى، إذا قلت: جئتُك قبل، قبل ماذا؟ ما فُهِم المراد، لكن إذا قلتَ: (جئتك قبل زيد، أو قبل الظهر، أو بعد العصر) تبيّنَ المراد بالمضاف إليه، إذن هي مفتقرة افتقاراً شديداً إلى ما بعدَه في إيضاح المعنى، وكشف اللبس الذي يكون في اللفظ، إذن بُني لافتقارهما إلى المضاف إليهما معنى، كافتقار الحرف لغيرهما، وبُني على الحركة، وإن كان الأصل أن يُبنى على السكون فراراً من التقاء الساكنين، بعْد العين ساكنة، قبْل الباء ساكنة، فنقول: فراراً من التقاء الساكنين بُني على الحركة، ولماذا أُعطي الضم؟ قيل: جبراً له لما فاته، فاتَه شيءٌ عظيم، وهو أنه حذف المضاف إليه ولم ينوَ لفظه، لو نُوِي لفظه لبقي له قوّة، لكن لما حُذفَ اللفظُ وبقي المعنى صارَ ضعيفاً، فلما ضعُفَ جُبِر بأقوى الحركات.
وقيل بالضم -بُني على الضم- لتخالِفَ حركةُ البنا حركتي الإعراب؛ لأننا في الإعراب ننصبُه ونجره بـ (من)، بقي الضم، إذن من أجل أن نستوفي له الثلاث الحركات بنيناهُ على الضم، هذا وجه وذاك وجه.
إذن: (قَبْلُ) كَ (غَيْرُ)، في كونها تُبنى وتُعرب على التفصيل السابق، متى تُبنى؟ إِنْ عَدِمْتَ مَا لَهُ أُضِيفَ نَاوِياً مَا عُدِمَا، صارَ حالة البنا لـ (قبل) و (بعد) مثل حالة بناء غير، وما عدا هذه الحال من الأحوال الثلاثة فحينئذٍ تكون مُعربةً على الأصل.
قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ: يعني: وبعد.
حَسْبُ أَوَّلُ: يعني: وحسب وأول.
وَدُونُ وَالجِْهَاتُ: أي الست.
أَيْضاً: آض يئيضُ أيضاً مفعول مطلق والعامل فيه محذوف وجوباً.
وَعَلُ: هذه الألفاظ كلّها ملازمة للإضافة، ثم فيها التفصيل الذي في (غير)، يعني كل هذه الألفاظ لها أربعة أحوال: حالة بناء وذلك فيما إذا حُذف المضاف إليه ونُوِي معناه، وحالةُ إعراب وهي في الثلاث الصُّور الأخرى، لكن ظاهر إطلاق الناظم هنا أن حسب وعل مطلقاً تكون مبنية، وليس الأمر كذلك.
نقول: (حَسْبُ) بإسكان السين، ولها في اللغة استعمالان، (حسب) ليست مطلقاً ما أراده الناظم هنا، وإنما فيه تفصيل، لها استعمالان في لسان العرب.
стр. 1439
الاستعمال الأول: أن تكونَ بمعنى كافٍ، هذا اسم فاعل من كفى يكفي فهو كافٍ، استعمال في لسان العرب بمعنى كافٍ، فتُستعمَل مُضافة استعمالَ الصفات المشتقة، تُستعمل مضافة إلى ما بعدها يعني: تلزم الإضافة، وهذا لا إشكال فيه، استعمال الصفات المشتقّة، فتكون نعتاً لنكرة، لأنها لا تتعرّفُ بالإضافة حملاً على ما هي بمعناه، و (غير) كالسابق كذلك لا تتعرّفُ بالإضافة إلا إذا وقعَت بين ضدّين، حينئذٍ قيل بأنها معرفة، وأما ما عدا ذلك لو أُضيفت إلى الضمير فهي نكرة، نكرة مختصّة وليست نكرة غير مختصة، لأن الإضافة نوعُ وصفٍ، المضاف إليه كالوصف للمضاف، وإذا كان كذلك صارَ في قوة النكرة المختصة، ليس نكرة مطلقاً.
إذن: نقولُ الأول مِن استعمالَي حسب أن تكون بمعنى كافٍ اسم فاعل كفى، وتستعمل مضافة استعمال الصفات المشتقة، فتكون نعتاً لنكرة لأنها لا تتعرّف بالإضافة حملاً على ما هي بمعناه، (مررت برجلٍ حسبِك من رجل)، مررت برجلٍ: جار ومجرور، حسبِك بالكسر، صارت صفة لرجل، لو قال قائل: كيف (حسبك) مضاف إلى الضمير صار معرفة، كيف يُوصف به رجل وهو نكرة؟ نقول: (حسبِك) نكرة ليسَ بمعرفة، لأنها لا تتعرّف بالإضافة، إذن وُصِف هنا النكرة بالنكرة فلا إشكال فيه.
(مررت برجل حسبِك من رجل) بالخفض، أي كافٍ لك عن غيره، وتقع حالاً (جاء عبد الله أو هذا عبد الله حسبَك من رجل)، (حسبك) نقول: هذا حال، والحال الأصل فيه أن يكون نكرة، وهنا وقعَ نكرة، إذن (حسبك) لا يقال بأنه حال وهو معرفة فَاعْتَقِدْ تَنْكِيرَهُ، لا؛ هو نكرة؛ لأن (حسبِ) في الغير لا تتعرّف بالإضافة، فلذلك صحَّ أن يقع نعتاً (مررت برجل حسبِك من رجل)؛ لأنه نكرة، وُصِف النكرة بالنكرة، ووقعَ حالاً، (هذا عبد الله حسبَك)، حينئذٍ نقول: حسبَك هذا منصوب على الحالية.
стр. 1440
وتُستعمَل استعمال الأسماء ((حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ)) [المجادلة:٨] مبتدأ وخبر، حسب: مبتدأ، وجهنم: خبر، والعكس أولى، حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ، حسبُ قيلَ مبتدأ، هذا المشهور عند النحاة، وجهنم خبر، والأولى العكس، يجوزُ العكس لكن الأولى العكس لماذا؟ لأن جهنم عَلمٌ فهو معرّف بالعلمية، وحسبهم نكرة مختصّة، إذن كونها نكرة هل يمنعُ من الابتداء بها لأنها مختصّة؟ لما أُضيفت إلى الضمير اختصَّت ولم تتعرَف؛ لأنها لا تتعرف بالإضافة، فلما أُضيفت إلى الضمير صارت نكرة مختصّة، وهذا لا يمنعُ مِن كونها مبتدأ؛ لأن الابتداء يجوزُ بالنكرة المختصّة، وإنما الذي يرجِّح كون جهنم هو المبتدأ كونه مُعرَّف بالعلمية، وسبقَ معنا أن الأعرفَ هو الذي يُجعَل مبتدأ، هذا وجهٌ، ((حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ)) [المجادلة:٨]، ((فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ)) [الأنفال:٦٢] هذا واضح، (فَإِنَّ حَسْبَكَ) هذا وقع اسم إن، حسب هذا اسم إن، ولفظ الجلالة خبر إن، (بحسبك درهم) مبتدأ وخبر، (بحسبك) مبتدأ، و (درهم) خبر، ويجوزُ العكس فيكون درهم هذا نكرة غير مختصة، وبحسبك نكرة مختصة، إذن لا يصحُّ أن يكون درهم مبتدأ؛ لأنه تعارَض عندنا أمران هنا؛ نكرتان .. كلّ منهما نكرة، إلا أن إحدى النكرتين مختصّة، والثانية غير مختصّة، حينئذٍ يتعيّنُ أن نجعلَ المختصة هي المبتدأ وغير المختصة هي الخبر، كما في قولك: (في الدار رجل)، يتعين أن يكون رجلٌ هو المبتدأ وفي الدار هو الخبر، إذن (بحسبك درهم)، (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) حسب مبتدأ، وسوّغَ الابتداء به الاختصاص بالإضافة، وجهنم خبره، ويجوزُ العكس وهو أولى؛ لأن جهنم معرفة بالعلمية، وحسب نكرة مختصّة، "الإعراب الثاني واضح فإن حسبهم جهنم".
والثالث بحسبك، هذا مبتدأ نكرة مختصة، ودرهم خبر نكرة غير مختصّة ولا يجوز العكس.
وبهذا الاستعمال الثاني يُردّ على مَن زعمَ أنها اسم فعل بمعنى يكفي، يعني استعمال الثاني .. استعمالَ الأسماء كونها تأتي مبتدأ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ، واسم إن ((فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ)) [الأنفال:٦٢] وتأتي مجرورة بحسبك، في هذه التصرّفات ودخول العوامل عليها نحكمُ عليها بكونها لا يمكن أن تكون اسمَ فعل، لماذا؟ لأن أسماءَ الأفعال كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى، كما سيأتي أنه لا يدخل عليها العوامل اللفظية، وهذا يكاد يكون محلّ وفاق، فلما دخلت عليها الباء بحسبك، ((فَإِنَّ حَسْبَكَ)) [الأنفال:٦٢] إذن لا يمكن أن تكون اسم فعلٍ بمعنى يكفي؛ لدخول العوامل اللفظية عليها، والمعنوية كذلك على الأرجح وإن كان فيه خلاف.
стр. 1441
إذن في هذا الاستعمال الثاني، يعني كونها تأتي مبتدأ واسم إن وخبر، يُردّ على مَن زعمَ أنها اسمُ فعلٍ بمعنى يكفي، فإن العوامل اللفظية (إن والباء) لا تدخل على أسماءِ الأفعال باتفاق، هذا محلّ وفاقٍ بينهم، ولا العوامل المعنوية على الأصحّ عند النحاة، هذا النوع الأول: استعمال حسب، حينئذٍ هل هي داخلة في قول الناظم: قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ، بالاستعمال الأول هل هي داخلة في قول الناظم: حَسْبُ؟ لا ما يمكن، ما تدخل، لماذا؟ قلنا: تأتي نعتاً وتأتي حالاً وتأتي مستعملة استعمال الأسماء، وفي هذه الأحوال الثلاثة ليست مبنية، إذن إذا كانت بمعنى كافٍ اسم فاعل يكفي، حينئذٍ نقول: لا تكون داخلة في قول الناظم البتة.
النوع الثاني في حسب .. الاستعمال في لسان العرب: أن تكونَ حسب بمنزلة "لا غير" في المعنى، فتُستعمَل مفردة، يعني الإضافة في اللفظ، ويُنوى لفظ المضاف إليه وهذه حسب هي حسب المتقدمة، في الاستعمالين السابقين، ولكنها عندَ قطعِها عن الإضافة تجدد لها إشرابها هذا المعنى الدال على النفي، يعني لما قُطعت عن الإضافة ضُمِّنت معنى "لا غير"، وإذا كان كذلك حينئذٍ حُمِلت على "لا غير" في الاستعمالات الثلاث أو الأربعة السابقة، فإذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه، حينئذٍ بُنيت (حسب) على الضم كغير، وإذا ذُكر المضاف إليه حينئذٍ أُعربت، وإذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي لفظه دونَ معناه حينئذٍ أعربت .. فلها الأحوال السابقة كلها، إذن هي نفسها السابقة، ولكنها أُشرِبت معنى "لا غير"، فحُمِلت على ذلك المعنى الذي دلَّ عليه "لا غير".
هذا المعنى الدالّ على النفي وتجدد لها ملازمته للوصفية والحالية أو الابتدائية، وبناؤها على الضمّ بعد أن كانت معربة، بحسب العوامل، تقول في الوصفية: (مررتُ برجلٍ حسبِك من رجل)، احذف المضاف، تقول: (رأيت رجلاً حسبُ)، حذفتَ المضاف ونويتَ معناه، والحالية: (رأيت زيداً حسبُ)، فحُذف المضاف إليه منهما ونُوي معناه فبُنيت على الضم.
قال الجوهري: كأنّك قلت: حسبي، يعني بذكر المضاف، ثم حذفتَه ونويتَ معناه فقلت: حسبُ، أو حسبُك، ويكونُ المضاف حينئذٍ الكاف فحذفتَه ونويت معناه فقلت: حسبُ، بنيتَ على الضم، فأضمرتَ ذلك ولم تُنوِّن، أي: حذفتَ المضاف إليه منهما، وأضمرتَه في نفسك، ولم تُنوِّن؛ لأنك نويتَ معنى المضاف إليه فبنيتَها على الضم كقبل وبعد.
إذن: (حسب) كـ (قبل) و (بعد) متى؟ إذا أشربت معنى: "لا غير"، ليست على الإطلاق الذي ذكره الناظم.
وتقول في الابتداء: قبضتُ عشرةً فحسبُ، هذا مبتدأ حذف خبره، أي: فحسبي ذلك، والمعنى قبضتُ عشرة لا غير، نفس المعنى، قبضتُ عشرةً فحسبُ، قبضتُ عشرةً لا غيرُ .. المعنى واحد، إذن نُزِّلت حسب، أو ضُمِّنت معنى "لا غير" فحُمِلت عليها في البناء، وذلك فيما إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه.
ودخلت الفاء تزييناً للفظ حسبُ، الفاء هذه فحسب هي حسب، لماذا دخلت الفاء؟ هذا مثل فقط، أصلها قط، فدخلت عليها الفاء تزييناً للفظ.
стр. 1442
للفظ كقط، قبضتُ عشرة فقط مثلها، واقتضى كلامُ الناظم أنها -يعني حسب- تعرب نصباً إذا نُكّرت كـ (قبل وبعد)، وليسَ الأمر كذلك، قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ إذن مثلها، لأنه سوَّى والحكم واحد، وَأعْرَبُوا نَصْباً -كما قال هنا- إِذَا مَا نُكِّرَا ... قَبْلاً وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ذُكِرَا، الذي هو حسب أيضاً، وهذا لم يُنقَل في لسان العرب أن حسب تُعامل معاملة (قبلاً وغيراً) إذا قُطعت عن الإضافة، يعني لا يقال (حسباً) كما نصَّ على ذلك ابن هشام رحمه الله تعالى.
إذن اقتضى كلام الناظم أن حسب تُعرب نصباً إذا نُكّرت كـ (قبل وبعد)، فمراده التنكير الذي ذكره في (قبل وبعد)، وهو أنها تُقطع عن الإضافة لفظاً وتقديراً ويُنصَب على الظرفية بحيث يقال: (رأيت زيداً حسباً)، كما يقال: (قبلاً وبعداً)، أو (فحسباً)، ولم يُسمَع ذلك في لسان العرب قط، فهذا مما يُستدرَك به على الناظم، إذن فحسب نقول: هذا فيه مأخذ على الناظم مِن حيث الإطلاق؛ لأنه أطلقَ حسب بأنها مثل (غير وبعد وقبل) في كونها لها أربعة أحوال باستعماليها في لسان العرب، والصواب التفصيل، أنها تُستعمَل بمعنى كافٍ اسم فاعل، ولها الأحوال التي ذكرناها، ولها استعمالٌ آخر وهو الاستعمال السابق، لكنه إذا ضُمّن معنى لا غير، فحينئذٍ يأتي فيها التفصيل والأحوال الأربعة، ثم قوله: وَأعْرَبُوا نَصْباً إِذَا مَا نُكِّرَا قَبْلاً وَمَا مِنْ بَعْدِهِ، هذا يُفهَم منه أن (حسباً) هكذا يُنطق به إذا قُطِع عن الإضافة لفظاً ومعنى مثل (غير)، وأنه يكون منصوباً على الظرفية، وهذا لم يُسمع في (حسب).
قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ أَوَّلُ
أَوَّلُ: معطوف على حَسْبُ، أَوَّلُ وهو نقيض الآخر.
وأصله أوأل بهمزة بعد الواو أوأل بدليل جمعِهِ على أوائل، فقُلِبت هذه الهمزة واواً وأُدغمت فيها الواو الأولى أَوَّلُ بالتشديد، أوأل الواو الثانية أصلُها همزة .. أوأل، نقول: أوائل دلَّ على أن بعد الواو همزة، مِن أينَ جاءت والجمع يردُّ الأشياء إلى أصولها؟
إذن: أوَّل الواو الثانية هذه مُبدَلة عن همزة، فأصلُه أوأل، يعني بهمزة بعد الواو. وأصله أوأل بدليل جمعه على أوائل، وقُلبَت هذه الهمزة واوا وأُدغِمت فيها الواو الأولى، وعرفنا معناه المراد بها نقيض الآخر.
دُونُ: هذا اسمٌ للمكان الأدنى من مكان المضاف إليه كجلستُ دونَ زيد، ثم تُوسِّع فيه فاستُعمِل في الرتبة المفضولة .. أنزل، الدنو يعني، تشبيهاً للمعقول بالمحسوس كـ (زيدٌ دون عمروٍ) دونه في الرتبة، ثم تُوسِّع فيه باستعماله في مُطلق تجاوز شيء إلى شيء كـ (فعلت بزيد الإكرامَ دون الإهانة)، و (أكرمت زيداً دون عمرو).
أَوَّلُ ودُونُ وَالجِْهَاتُ: الجهات الست، أي أسماؤها، وهي أمامك وخلفك وفوقك وتحتك ويمينك، نصبت أو ورفعت وشمالك.
وَعَلُ: بمعنى فوق، هذا المشهور، عَلُ تُوافِق فوقَ في إفادة معناها، وهو العلو (وَعَلُ) هذا معطوف على ما سبق، أو وَعَلُ كذلك على أنها مبتدأ خبره محذوف، يجوزُ هذا وذاك، والثاني أولى.
стр. 1443
وَعَلُ توافِق فوقَ في إفادة معناها، وهو العلو وفي بنائِها على الضم، إذا كانت معرفة فيما إذا أُرِيد به علو معين، يعني عَلُ بمعنى فوق، ثم قد يُراد به علو معين، وقد يُراد به علو مجهول .. إذا أُرِيد به علو مُعيّن صارت معرفة، وإذا أُريدَ به علو مجهول صارت نكرة مُبهمة.
إذا كانت معرفة فيما إذا أُريد علو معين: أخذتُ كذا مِن أسفل الدار وكذا من عَلُ، هذا صارت معينة، أخذت كذا من أسفل الدار وكذا من عَلُ أي: من فوق الدار، كقوله: (وَأتَيْتُ نَحْوَ بَنِى كُلَيْبٍ مِنْ عَلُ ... ) يعني من فوقهم.
وتُوافِق فوقَ أيضاً في إعرابها إذا كانت نكرة، فيما إذا أُريدَ بها علوٌ مجهول كقول الشاعر: (كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ ... )، أي من شيءٍ عال.
إذن توافِق عَلُ فوقَ في كونها تُستعمَل معرفة وتُستعمَل نكرة، وتُستعمَل معرفة حينئذٍ تُبنى على الضم، وتُستعمَل نكرة، فحينئذٍ من علِ هذه مجرورة بمن، فحينئذٍ صارت نكرة وحُذِف المضاف إليه ونُوِي لفظه، حينئذٍ نقول: هذه تُعامَل معاملة الاسم المعرب، فإذا دخلت عليها (مِن) وهذا الأصل في عَلُ دخلت عليها (من)، فحينئذٍ تكون مجرورة، ولم يُنوّن، لماذا لم يُنوّن؟ لنية لفظ المضاف إليه، والمحذوف لفظاً وهو منوي كالموجود، وتخالِفُها في أمرين: أن علُ لا تُستعمَل إلا مجرورة بمن، دائماً سواء كانت مبنية أو معربة.
إذن: عَلُ بمعنى فوق، لكنها تخالفها في أن عَلُ لا تُستعمَل إلا مجرورة بمن.
ثانياً: أنها لا تُستعمَل مُضافة بخلاف فوقَ فيهما، فوق هذه لا تُستعمَل إلا مضافة، وأما علُ فلا، لكن يُنوى المضاف إليه يعني: لا يُصرّح به، ليسَ لها حال في تصريح المضاف إليه.
وظاهر صنيع الناظم لها في عداد هذه الألفاظ أنها يجوزُ إضافتها ونصبُها على الظرفية أو غيرها كالحالية، قال في التوضيح: وما أظنّ شيئاً من الأمرين موجوداً يعني: في كلام العرب.
والناظم هنا سوى بين عَلُ وغيرها، في ماذا؟ في كونها تُضاف، وعَلُ لم يُسمَع إضافتها لفظاً، وإلا لم تكن مبنية لو لم يُقدّر المضاف إليه، يعني معنى، كذلك إذا جُرّدت وقُطِعت عن الإضافة أنها تُنصَب على الظرفية، كذلك هذا لم يُسمَع في لسان العرب، هذا يُؤخَذ على الناظم.
قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ أَوَّلُ ... وَدُونُ وَالجِْهَاتُ أَيْضاً وَعَلُ
وَأَعْرَبُوا نَصْباً إِذَا مَا نُكِّرَا ... قَبْلاً وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ذُكِرَا
وَأَعْرَبُوا، من؟ العرب، نَصْباً على الظرفية ليسَ مطلقاً، هذا يُؤخَذ على الناظم أيضاً؛ لأن نَصْباً هذا يشملُ الحالية، يشملُ كونه مفعولاً به، مفعولاً لأجله، تمييزاً وليسَ الأمر كذلك، وإنما نصباً على الظرفية.
وأعربوا نصباً أو جراً بـ (من)، ضفه، واقتصرَ على النصب لأنه الأصل في الظروف، متى أعربوا نصباً؟
إِذَا مَا نُكِّرَا: ما زائدة ليست على أصلها، إِذَا مَا نُكِّرَا: يعني إذا نُكِّرَ، ليست نافية، إذا ما نُكّرا يعني: عُرِّف، فـ (ما) زائدة:
يا طالباً خذ فائدة ... ما بعد إذا زائدة
стр. 1444
وهذا محلّ وِفاق ((وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)) [الشورى:٣٧] الذي لا يقولُ بالزيادة في القرآن ماذا يقول هنا؟ ((وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)) [الشورى:٣٧] فتكون (ما) نافية وهذا ليس بظاهر.
إذن: إِذَا مَا نُكِّرَا قَبْلاً: هذا مفعول به، نُكِّرَا قَبْلاً أي: قبل وما ذكر بعده، وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ذُكِرَا، الألف للإطلاق، أي: بعد قبل، هنا ورد عليه: قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ، قال: إِذَا مَا نُكِّرَا قَبْلاً وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ذُكِرَا: وهذا الحكم شاملٌ لـ"غير" أو لا؟ غير هل تُقطَع عن الإضافة بالكلية؟ هل يصحُّ أن نقول: (ليسَ غيراً) كما نقول: قبلاً وبعداً؟ يصحُّ أن نقول، قلنا: لها أربعة أحوال، هذه الأبياتُ الثلاثة كلها .. الألفاظ المذكورة لها أربعة أحوال إلا ما استُثني في (حسب وعلُ) على التفصيل السابق.
حينئذٍ لها أربعة أحوال، من الأحوال قوله: وَأَعْرَبُوا نَصْباً: متى؟ إِذَا مَا نُكِّرَا بمعنى أنه إذا قُطِعت عن الإضافة مُطلقاً لم ينوَ المضاف إليه لا لفظاً ولا معنى صارت اسماً نكرة تامة، مثل: رجلاً (رأيتُ رجلاً)، حينئذٍ نقول: هذا اسمٌ نكرة وتنوينُه تنوينُ تمكين، وليس تنوين عوض أو تنكير؛ لا، بل هو تنوين تمكين دالّ على أمكنية اللفظ في باب الإعراب، حينئذٍ (وَمَا مِنْ بَعْدِهِ) هل الحكم شامل لغير أو لا؟ الصواب أنه شاملٌ لغير، هل يَرِد على الناظم أنه أخرجَ غير؟ لأنه قال: قَبْلاً وَمَا مِنْ بَعْدِهِ، وهو بعد، وحسب، وأول، ودون، والجهات، وعلُ .. إذن (غير) لا يشمله الحكم، هذا ظاهر اللفظ، لكن نحتاجُ إلى تأويل، حينئذٍ نقول: ذكرَ (غير) ضِمناً فيما بعد (قبل)؛ لأنه قال: قَبْلُ كَغَيْرُ، أعاد حكمَ (غير) بقوله: كَغَيْرُ، إذن الحكم شامل لغير، فـ (غير) حينئذٍ تُنصب، لكن لا على الظرفية؛ لا تُنصب على الظرفية، وإنما تُنصَب على أنها خبر لليس في المثال الذي ذكرناه.
وَأَعْرَبُوا نَصْباً إِذَا مَا نُكِّرَا ... قَبْلاً وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ذُكِرَا
قال الشارح: هذه الأسماء المذكورة وهي: غير، وقبل، وبعد، وحسب، وأول، ودون، والجهات الست، وهي: أمامُك، وخلفُك، وفوقُك، وتحتُك، ويمينُك، كلها على الحكاية يجوزُ فيها الوجهان .. وشمالُك، وعلُ لها أربعة أحوال تُبنى في حالة منها –واحدة- وتُعرَب في بقيتها.
فتُعرَب إذا أُضيفت لفظاً، هذا لا إشكال فيه، إذا صُرّحَ بالمضاف إليه، في الجميع نحو: أصبتُ درهماً لا غيره، صرّحَ بالمضاف إليه، وجئتُ من قبل زيد، هذه الحالة الأولى صرّحَ بالمضاف إليه، أو حُذف المضاف إليه ونُوِي اللفظ، الذي حذفته قصدته كأنه موجوداً، فتعرب حينئذٍ من غير تنوين كما لو تُلِفظ به، وحكى أبو علي: (ابْدَأ بِذَا مِنْ أَوَّلِ) بالجر مِن غير تنوين، وقول الشاعر:
(وَمِنْ قَبْلِ نَادَى كُلُّ مَوْلىً قَرَابَةً ... ). كُلُّ مَوْلىً -بالتنوين- قَرَابَةً، كُلُّ مَوْلَى قَرَابَةٍ يجوزُ فيه الوجهان.
فَمَا عَطَفَتْ مَوْلىً عَلَيه العَوَاطِفُ.
стр. 1445
وَمِنْ قَبْلِ: يعني ومِن قبل ذلك، حَذف المضاف إليه ونَوى ثبوت لفظه، فحينئذٍ جُرّ بمن، دخلت عليه مِن، فجُرّ فهو اسم مجرور بالكسرة، هذا الظاهر، حينئذٍ هل هي معربة أو مبنية؟ نقول: مُعربة، ودخلت عليها مِن وهذه الكسرة كسرة إعراب، لماذا لم يُنوّن؟ لأنه نُوِي ثبوتُ لفظِ المضاف إليه، وإذا نُوِي ثبوتُ اللفظ .. عين اللفظ المحذوف فهو كالموجود، وإذا كان موجوداً حينئذٍ لا يجتمع مع تنوين المضاف، وهذا واضح.
وتبقى في هذه الحالة كالمضاف لفظاً فلا تُنوّن إلا إذا حُذِف ما تُضاف إليه، ولم ينوَ لفظه ولا معناه، فلا تُنَوّن إلا إذا حُذِف ما تضاف إليه، يعني: قُطِعت عن الإضافة بالكلية لا لفظاً ولا معنى، ولم ينوَ لفظه ولا معناه، حينئذٍ تكون نكرة، ومنه قراءة من قرأ: (لله الأمر من قبلٍ ومن بعدٍ) كما قُرِأ في الأولى: (لله الأمر من قبلِ ومن بعدِ) ((مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ)) [الروم:٤] فيه ثلاث قراءات، السبعة على الضم ((لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ)) هذا الشاهد على أنها مبنية، وذلك إذا حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه (لله الأمر من قبلِ ومن بعدِ) بالكسر، حينئذٍ نقول: حُذِف المضاف إليه ونُوِي ثبوت لفظه، ولم ينون مُراعاة للمضاف، فهو كالموجود (من قبلٍ ومن بعدٍ) صارت اسماً نكرة، قُطِعت عن الإضافة بالكلية، (لله الأمر من قبلٍ ومن بعدٍ) بجرِّ (قبل) و (بعد) وتنوينهما كقوله:
فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلاً ... أَكَادُ أَغَصُّ بِالماءِ الفُرَاتِ
وَكُنْتُ قَبْلاً: قَبْلاً هذا خبر كُنْتُ، منصوب، والتاء هذه اسم كان، هل هذا صحيح، قبلاً خبر كنت؟
قلنا: وأعربوا نصباً نقيّده بماذا؟ منصوب على الظرفية، إذن ما يأتي وأعربوا نصباً، ليسَ مُطلقاً حتى نقول: خبر كان، لو قلنا: مُطلقاً الذي أوردناه على الناظم صحَّ أن نقول: قبل هذا خبرُ كان، ليسَ الأمر كذلك، بل (وَأَعْرَبُوا نَصْباً) متى؟ إذا: إِذَا مَا نُكِّرَا قَبْلاً. إذن نصباً على الظرفية، فإذا جاءت قبل ((كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ)) [الحج:٤٢] بالإضافة منصوب، منصوب على الظرفية، لو قُطِعت عن الإضافة " قَبْلاً" كذلك منصوب على الظرفية، إذن لا تُنصَب إلا على الظرفية فحسب، إذا مرَّ بك (قبلَ) بالفتحة حينئذٍ اعلم أنها منصوبة على الظرفية، سواء حُذِف المضاف إليه مُطلقاً ولم ينوَ لا لفظه ولا معناه، مثل البيت: وَكُنْتُ قَبْلاً، أو حُذِف المضاف إليه ونُوِي ثبوت لفظه، لو قال: وكنتُ قبلَ بالنصب، حينئذٍ نقول: حُذِف المضاف إليه ونُوِي ثبوتُ لفظه، ولذلك بقيت الفتحة على ظاهرها دون تنوين، كذلك (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ) فيما إذا ذُكِر المضاف إليه. على كلٍّ لا نصب لـ (قبل وبعد) إلا على الظرفية، كلّما رأيتَها منصوبة فاعلم أنها على الظرفية.
وَأَعْرَبُوا نَصْباً: هذا مطلقٌ لا بدّ من تقييده.
هذه هي الأحوال الثلاثة التي تُعرَب فيها.
ولذلك كذلك (فَمَا شَرِبُوا بَعْدًا عَلَى لَذَّةٍ خَمْرَا ... ) نقول: كذلك منصوب على الظرفية.
(لَعْناً يُشَنُّ عَلَيْهِ مِنْ قُدَّامُ ... )، هذا بالضم، الرواية بالضم والأصل من قدامه وحُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه.
стр. 1446
(عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو المَنِيَّةُ أَوَّلُ ... ) بالضم، والأصل أول الوقتين.
وحكى أبو علي الفارسي: (ابْدَأ بِذَا مِنْ أَوَّلُ) بالضم على نيّة معنى المضاف إليه والأصل من أوّل الأمرِ، وبالخفض على نيةِ لفظه، وبالفتح على نيةِ تركها.
روى هذا القول بالجهات الثلاث: (ابدأ بذا مِن أولَ، ابدأ بذا من أولُ، ابدأ بذا من أولِ) نزِّلها على كل ما سبق.
ومنعَه مِن الصرف للوزن والوصف، يعني يُمنَع "مِن أولَ" نقول: ممنوع من الصرف، لماذا؟ للوزن (وزن الفعل) والوصف؛ لأنه اسمُ تفضيل بمعنى الأسبق.
إذن في هذه الأحوال الثلاثة نقول: تعرب فيها.
أما الحالة الرابعة التي تُبنى فيها؛ فهي: إذا حُذِف ما تُضاف إليه ونُوِي معناه دون لفظه، حينئذٍ تُبنى على الضم ((لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ)) [الروم:٤] قراءاة السبعة، بُنيت على الضم لشبهها حينئذٍ بحروفِ الجواب في الاستغناء بها عمّا بعدها، هل جاء زيد؟ نعم، اكتفي بحرف الجواب عمّا بعدَه، وهذه مثلها.
معَ ما فيها من شبهِ الحرف في الجمود، وهو لزومُها استعمالاً واحداً وهو الظرفية أو شبهها، وفي الافتقار إلى المضاف إليه، نحو الآية التي ذكرناها، ونحو (قبضتُ عشرةً فحسبُ)، أي فحسبي ذلك.
وحكى أبو عليٍّ الفارسي: المثال السابق الذي ذكرناه، والبيت السابق: (عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو المَنِيَّةُ أَوَّلُ ... )، وسرتُ مع القوم ودونُ أي: دونهم، وجاء القوم وزيد خلفُ أو أمامُ أي: خلفهم أو أمامهم، أَقَبٌّ مِنْ تحتُ عَرِيضٌ مِن عَلِ.
تحتُ بُني على الضم؛ لحذفِ المضاف إليه مع نيّة معناه دونَ لفظه، بدليل سبقِ حرفِ الجرّ (من) ثم اللفظ بالضم (مِن تحتُ)، لو قال: (من تحتِ) دون تنوين عرفنا أنه حُذف المضاف إليه ونوى لفظه (من تحتِ).
وحكى أبو علي الفارسي (ابْدَأْ بِذَا مِنْ أَوَّلِ) بضم اللام وفتحها وكسرها، فالضمُّ على البناء بنيّة المضاف إليه معنى، والفتح على الإعراب لعدم نية المضاف إليه لفظاً ومعنى وإعرابها إعراب ما لا ينصرف للصفة ووزن الفعل، والكسر على نيّة المضاف إليه لفظاً.
وحينئذٍ إذا بُنيت على الضم (قبلُ وبعدُ) قلنا في هذه الحالة تكون معرفتين بالإضافة إلى معرفة المنوية، والأصل: (لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلِ الغلب وَمِنْ بَعْدِهِ)، وإذا بُنيت الظروف على الضمّ تُسمّى غايات كما ذكرنا؛ لأن الأصلَ فيها أن تكونَ مُضافة، وغاية الكلمة المضافة ونهايتها آخر المضاف إليه، (قبل ذلكَ) آخر الكلمة ما هي؟ الكاف، هذه نهايتُها، نهايتها آخرُ حرفٍ في المضاف إليه؛ لأنها تتمته إذ به تعريفه، فإذا حُذِف المضاف إليه وتضمّنه المضاف صارَ آخر المضاف غايته، يعني إذا قلت: قبل الغلبِ آخر المضاف إليه الباء وهو كالتتمة لما قبلَه، فإذا حذفتَه صارَ غاية قبل اللام، ولذلك صارت غاية.
فقول المصنف: وَاضْمُمْ بِنَاءً .. البيت إشارة إلى الحالة الرابعة من حيث المنطوق. وقوله: نَاوِياً مَا عُدِمَا مراده: أنك تبنيها على الضم إذا حذفتَ ما تُضاف إليه ونويته معنى لا لفظاً.
стр. 1447
وأشارَ بقوله: وَأَعْرَبُوا نَصْباً إلى الحالة الثالثة وهي ما إذا حُذِف المضاف إليه ولم يُنوَ لفظه ولا معناه، لكن وَأَعْرَبُوا نَصْباً هذا تصريح ببعض المفهوم، يعني هنا يقول: أشارَ إلى الحالة الثالثة بقوله: وَأَعْرَبُوا نَصْباً، هنا نقول: صرَّح ببعض المفهوم؛ لأننا قلنا: وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْراً إِنْ عَدِمْتَ، فإن لم تَعدِم مفهومه صارت مُعرَبة، هذا بعض المفهوم الذي دلَّ عليه البيت الأول وهو التصريح بقوله: وَأَعْرَبُوا نَصْباً.
وهي ما إذا حُذِف المضاف إليه ولم يُنوَ لفظه ولا معناه، فحينئذٍ تكون نكرة معربة، وقوله نصباً معناهُ أنها تنصب إذا لم يدخل عليها جارّ، فإن دخلَ عليها جُرّت نحو: من قبلٍ ومن بعدٍ، ولم يتعرّض المصنف للحالتين الباقيتين. لا، تعرّضَ لكن من جهةِ المفهوم لا مِن جهة المنطوق. يعني الأولى والثانية؛ لأن حكمَهما ظاهر معلوم مِن أول الباب وهو الإعراب وسقوط التنوين، كما تقدّم في كل ما يفعل بكل مضاف إليه.
وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا ... عَنْهُ في الاِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا
المضاف والمضاف إليه كلٌّ منهما يجوزُ حذفهُ بشرطِ أن يكون معلوماً، المضاف والمضاف إليه كالكلمة الواحدة، ولذلك نُزِّل التنوين الذي يكون في آخر المضاف، في آخر حرف من المضاف إليه، وسُلِب التنوين من الأول؛ لأن الثاني صارَ كجزء من الأول، يعني (غلام زيدٍ) سلِب التنوين من الميم فصار في الدال من (زيد)، حينئذٍ نقول تعليلاً لهذا: جُعل (زيد) مُنزَّلة الجزء من (غلام)، كأنك قلتَ: (غلامٌ غلاماً غلامٍ)، صار (زيد) بعد الميم وقبل التنوين، فجعلت (زيد) بين الميم والتنوين، فسُلِب التنوين من الأول فجُعِل في الآخر، ولذلك يُقال فيه: كلّ كلمتين نُزِّلت ثانيهما مُنزَّلة التنوين مما قبله، هذا ضابط المركب الإضافي، كل كلمتين نُزِّل ثانيهما مُنزَّلة التنوين مما قبله.
(وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا ... عَنْهُ في الاِعْرَابِ) ما الذي يلي المضاف؟ المضاف إليه، يعني الذي يتلوهُ.
إذن يَأْتِي خَلَفَا ... عَنْهُ في الاِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا، إذا حُذِف يأتي عنه خلفاً في الإعراب، نفهم مِن هذا البيت أنه يجوزُ حذفُ المضاف إليه، وذلك يُشترَط فيه شرطان: أن يدلّ على المحذوف دليل (وَمَا يَلِي الْمُضَافَ) وهو المضاف إليه، (يَأْتِي خَلَفَاً عَنْهُ) عن المضاف، متى؟ إذا حُذِف المضاف، وهذا يمرُّ معنا كثير، حُذِف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامَه، وهذا يُشترط لجواز حذف المضاف شرطان:
الأول: أن يدلّ على المحذوف دليل، وهذه قاعدة عامة سواء كان في باب الإضافة أو في غيرها وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ، فلا (يصحّ جلستُ زيداً)، تريد جلست جلوس زيد، (جلوس) هذا مفعول مطلق، وجلوس مضاف وزيد مضاف إليه، هل يصحّ أن تقول: احذِف المضاف وهو جلوس وأُقيم المضاف إليه مقامه فيأخذ حكمَه، وهو النصب فتقول: جلستُ زيداً؟ ما يصحّ؛ لعدم وجود ما يدلّ على المحذوف وهو المضاف.
إذن: لا يصحّ (جلست زيداً) تريد: جلست جلوس زيد.
стр. 1448
الثاني: أن يكون المضافُ مُفرداً لا جملة، وهذا لم ينصَّ عليه الناظم؛ أن يكون المضافُ مُفرداً لا جملة، إذ لا يمكن أن يُستدَل على المحذوف وهو جملة، إذ لا تقومُ مقامَ المضاف؛ لأنه لو كان المضاف إليه جملة وحذفنا المضاف لا يصحّ أن نقول: أُقيم المضاف إليه مقامَ المضاف، فيأخذ حكمه؛ لأن الحكم هو الإعراب، والإعراب لا يكون في الجمل، وإنما يكون في المفردات هذا الأصل، فحينئذٍ لما امتنعَ أن تُقام الجملة مقامَ المضاف بعد حذفِهِ نقول: لا يجوزُ حذفُ المضاف إذا كان المضاف إليه جملة بخلاف ما أطلقَه الناظم هنا.
إذن: وَمَا يَلِي: يعني والذي، (ما) هذا اسم موصول بمعنى الذي مُبتدأ، والذي يلي المضاف وهو المضاف إليه، (يَأْتِي) هذه الجملة خبر، يَأْتِي فعل وفاعل، (خَلَفَاً) هذا حال من الضمير في يأتي، (عَنْهُ) عن المضاف، في ماذا؟ (في الاِعْرَابِ) بتسهيلِ الهمزة؛ لأنه مَصدر أعربَ يُعرِب إعراباً، همزتُها همزة قطع، هنا وصلت من أجل الوزن، في الاِعْرَابِ فقط لا في غيره أم المراد هنا أن الحكم منصبٌّ على الإعراب؟ الثاني، وإنما يتكلّم البيانيون في الأغراض التي يمكن أن يُحذَف المضاف ويُقام المضاف إليه مقامه في إفادته، وسبقَ شيءٌ من ذلك وهو التأنيث ونحوه.
(عَنْهُ في الاِعْرَابِ) هذا مُتعلّق بقوله: يَأْتِي، أو بقوله خَلَفَاً.
غالباً نقيّده؛ لأنه سيأتي في البيت الذي يليه.
(إِذَا مَا حُذِفَا) يعني إذا حُذِف، (ما) هذه زائدة، والألف للإطلاق، وحُذِف هذا فعل ماضي، والفاعل ضمير مستتر يعودُ على المضاف.
إذن يحذف المضاف ويُقام المضاف إليه مقامَه فيأتي خلفه في الإعراب، بشرط أن تكون ثَمَّ قرينة وأن لا يكون المضاف إليه جملة.
وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا ... عَنْهُ في الاِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا
أي المضاف، لقيام قرينة تدلُّ عليه، نحو ((وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)) [يوسف:٨٢] أكثر هذا مجازاً عندهم، (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) قالوا: القرية اسمٌ لأهلها .. لأُناس، وهو الأصل فيها أنها تُستعمَل مُراداً بها البنيان، وتُستعمَل ويُراد بها مَن يسكنُ البنيان، لها استعمالان في لسان العرب، حينئذٍ إذا استعملتَ القرية مُراداً بها أهلها، ((وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)) نقول: القرية لا تُسأل هذا الأصل فيها، قالوا: هنا على تقدير مضاف، على كلٍّ:
وَالشَّأنُ لاَ يُعتَرَضُ المثَالُ ... إِذ قَد كَفَى الفَرضُ والاِحتِمَالُ
((وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)) قالوا: أي اسأل أهل القرية، حذف المضاف الذي هو أهل، وأُقيم المضاف إليه مقامَه فانتصب انتصابه، يعني أخذَ حكمَه اسأل أهلَ .. أهلَ هذا مفعول به منصوب، والقريةِ هذا مجرور، لمَّا حذفتَ المضاف وهو منصوب وأقمتَ المجرور مقامَه صارَ المجرور منصوباً، هذا مراده بقوله: (يَأْتِي خَلَفَاً عَنْهُ في الاِعْرَابِ)، فإذا كان المضاف إليه دائماً مجروراً والمضاف على حسب مواقعه في الإعراب حينئذٍ أخذَ حكمه، إن كان الرفع فالرفع للمضاف إليه، وإن كان النصب فالنصب، وإن كان الجر فالجر، وهذا مُراده بقوله: (يَأْتِي خَلَفَاً عَنْهُ في الاِعْرَابِ).
стр. 1449
((وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)) [يوسف:٨٢] أي: اسأل أهلَ القرية، فإن لم تكن قرينة امتنعَ الحذفُ مثل ما سبق (جلست زيداً) تريد: جلستُ جلوسَ زيد.
المضاف إذا حُذِف لقرينة تارة يكون مطروحاً يعني: معرب عنه لفظاً ومعنى، وهذا سبقَ أيضاً، وتارة يكون مُلتفتاً إليه، يعني: مُلاحظ من جهة المعنى، يحذفُهُ ويقصدُهُ يلاحِظُهُ، وقد يحذفِهُ ويطرحُهُ طرحاً كلياً، هذا له مأخذ وهذا له مأخذ.
إذن المضاف إليه بعدَ حذفه إما أن يكونَ مطروحاً بالكلية، بمعنى أن الذي طرَحَه لم يلتفت إليه البتة، وقد يكون مطروحاً لكنه مُلتفَت إليه، يعني مطروحاً من جهة اللفظ فحسب، فحينئذٍ يعتبره .. يعني يَلتفِت إليه، يُعلَم هذا بعود الضمير عليه، قد يُعيدُ الضمير باعتبار المضاف، وهو قد حذف المضاف، يحذف المضاف ثم إذا أرجعَ الضمير يرجع الضمير باعتبار المضاف لا باعتبار المضاف إليه، حينئذٍ صارَ المضاف بعد طرحِهِ مُلتفتاً إليه، وثَمَّ مثال يوضِّح هذا.
((وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ)) [الأعراف:٤] (مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) الضمير عادَ إلى القرية، (فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) هنا راعى الضمير في قوله: (فَجَاءَهَا بَأْسُنَا) أرجعَه باعتبار المضاف إليه، (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) أرجعه باعتبار المضاف وهو أهل؛ لأنه عندهم أن القريةَ لا يمكن أن تكون هي المسؤولة ولا هي المعذّبة، البنيان لا يُعذب وإنما المراد به الأهل، ((وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا)) [الأعراف:٤] يعني المراد به أهل القرية، وكم مِن أهل قرية، حينئذٍ (فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا)، (جَاءَهَا بَأْسُنَا) الضمير هنا عاد إلى القرية نفسِها، حينئذٍ صارَ المضاف المحذوف كأنه مطروح، ((أَوْ هُمْ قَائِلُونَ)) [الأعراف:٤] هُمْ الضمير مرجعُهُ إلى أهل القرية، فأرجعَ الضمير باعتبار المضاف، فأرجعَ الضمير أولاً إلى القرية طرحاً للمضاف وثانياً إلى المضاف التفاتاً إليه، وقد يكونُ الأول مُضافاً إلى مضاف فيُحذَف الأول والثاني، ويُقام الثالث مقام الأول في الإعراب، يعني يُتصوّر حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامَه فيما إذا كان مضاف ومضاف إليه، وقد يكون المضافُ الأول مضافاً إليه باعتبار المضاف السابق، فيكون عندنا مُضاف أول ومُضاف ثاني، المضاف الثاني مضافاً إليه باعتبار الأول، وهو مضاف باعتبار ما بعدَه، قد يحصل حذفُ للأول والثاني ويُقام المضاف إليه للثاني مقام الأول، وهذا مثاله كقوله تعالى: ((وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)) [الواقعة:٨٢]، قال: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) يعني: وتجعلونَ بدل شكر رزقكم تكذيبَكم بالنصب، تجعلون بدل شكر .. حذف المضاف بدل، وأُقيم المضاف إليه وهو شكر، ثم حُذِف شكر وأُقيم المضاف إليه مقامه.
إذن حصلَ حذفٌ بعد حذف ((وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)) [الواقعة:٨٢] أي: وتجعلون بدلَ شكر رزقكم تكذيبَكم.
стр. 1450
وأما ((وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ)) [البقرة:٩٣] العجل لا يُشرَب في قلوبهم، يعني أُشربوا حبّ العجل؛ إذن هناك مضاف محذوف وهو حب والعجل مضاف إليه.
وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا ... عَنْهُ في الاِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا
يعني: إذا حذف.
قال الشارح: يحذف المضاف لقيام قرينة تدلّ عليه، ويُقام المضاف إليه مقامَه فيُعرب بإعرابه نصباً أو رفعاً أو خفضاً، كقوله تعالى: ((وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ)) [البقرة:٩٣] أي: حبّ العجل؛ لأن هنا لا يُقال العجل، أُشربوا العجل نفسَ العجل ذات العجل! لا، ليسَ هذا المراد، فيتعيّنُ حينئذٍ حذف مضاف، وكقوله تعالى: ((وَجَاءَ رَبُّكَ)) [الفجر:٢٢] أي: أمرُ ربك، هذا باطل، هذا يذكرونه كثيراً، فحُذف المضاف وهو حبّ وأمر، وأُعرِب المضاف إليه وهو العجل وربك بإعرابه.
(وَجَاءَ رَبُّكَ) هذا ممتنعٌ عندهم أن يتصف الربُّ بالمجيء، فتعيّنَ القول بالمجاز وهو حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وهنا إذا كان هذا باطلٌ ما يلزم أن نقول: بأنه في اللغة لا يُحذَف المضاف ويُقام المضاف إليه مقامَه، فإذا استُخدمت هذه اللغة في أمر باطل فاسد .. تأويل وتحريف آيات الصفات، هل نرجع إلى القاعدة فنبطلُها لأنهم استعملوه في باطل؟ الجواب: لا، وإنما نقولُ هنا: (وَجَاءَ رَبُّكَ) ليسَ على حذف مضاف، القول باطل، لدليل خارجي وهو أن الربّ جل وعلا مُتصف بصفات، سواء كانت الصفات ذاتية أم فعلية، اختيارية أم لا .. فحينئذٍ لا يمنعُ أن نقول بالقاعدة مع إبطال هذا القول، ولو قالوا بأنه مجازٌ نقول: هنا المجاز لا يُستعمل، لماذا؟ لأنهم عدلوا -هذه انتبه لها فإنه يغلطُ فيها بعض الطلاب: إنكارُ المجاز لا يكون ردّاً على الأشاعرة في باطلهم ولا المعتزلة ولا الجهمية .. إنكارُ المجاز لا يكون ردّاً عليهم، وإذا جعلت السلاح في إبطال معتقد الأشاعرة هو المجاز أنت ضعيف، لماذا؟ لأن المجازَ استُعمِل سلاحاً ثانوياً لا أولياً، كيف؟ الأول: (وَجَاءَ رَبُّكَ) أول ما قرؤوا فهِموا من (وَجَاءَ رَبُّكَ) المجيءُ تمشي برجلين، لا بدّ أن يحويك شيء علوي وأرض تقلّك، إذا زالت عنك سقطت! لم يفهموا من هذا النصّ إلا هذه المعاني، هذا أولاً.
стр. 1451
إذن: ظاهرُ النصِ التشبيه، لم يفهموا من المجيء (وَجَاءَ رَبُّكَ) جاء فعل، وربك فاعل، مثل: (جاء زيد)، مجيءُ زيد الثابت برجلين إلى آخره .. هو الذي أُثبت هنا في هذا الظاهر، حينئذٍ هذا ممتنعٌ، إذن لا بدّ من تأويله، هم يقولون: تأويل، ونحن نقول: تحريف، لا بدّ من تأويهل فعدلوا إلى القول بالمجاز، إذن المجاز متى جاء؟ ليس ابتداء من قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ، ليست سذاجة هي، (وَجَاءَ رَبُّكَ) ابتداء أنه مجاز، ما قالوا بهذا لا أشعري ولا ماتُريدي ولا جهمي ولا معتزلي، إنما قالوا: ظاهرُ هذا النص التشبيه، وقد قال تعالى: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) [الشورى:١١] إذن إذا أردتَ أن تنسفَ المجاز ردّاً على ما هو ظاهره التشبيه أخطأت، وإنما تقفُ معهم وقفةً أوليةً تقول: ليسَ ظاهر النصوص التشبيه، فالذي فهمتَه (وَجَاءَ رَبُّكَ) كجاء زيد! هذه حماقة، لا يمكن أن يُوصَف المجيء المثبت للرب جلّ وعلا وهو الخالق كالمثبت للمخلوق، يعني إذا قلت: (وَجَاءَ رَبُّكَ) .. جاء الذباب؟ هل تفهمُ منه المجيء الذي ثبت لزيد؟ هو نفسه المحرف، إذا قال: وَجَاءَ رَبُّكَ لم أفهم منه إلا مجيء زيد، نقول: وجاء السحاب، وجاء الذباب وجاء النمل .. إذن لكل فاعل من هذه الفاعلين نقول: له مجيءٌ يختصُّ به، فلا يُفهم من قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ) أن المجيء هو المجيء الذي ثبتَ لزيد، حينئذٍ لا يُنكَر حذفُ المضاف وهو مجازٌ على القول به؛ لا يُنكر من أجل هذا دفعاً له! لا، وإنما قد تنكرُهُ لأنه لم يثبت عندَك في لسان العرب أو كذا، أما من أجل دفع بدعة الأشاعرة والمعتزلة هذا ضعيف ليس بصحيح، ولا نجعله طاغوتاً ونردّه إلى آخره، نقول: هذا ليسَ له وجه، وإنما يُردّ الأصل الذي اعتمدُوا عليه وهو: أن ظاهر النصوص التشبيه .. مماثلة، نقول: هذا مردودٌ بقوله: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) [الشورى:١١] والاشتراك إنما يكون في المعنى الكلي الذي يكون في الذهن فحسب، فالمجيءُ مِن حيث هو مجيء هذا مشترك، يدخلُ فيه مجيءُ الربِّ جل وعلا ومجيُء المخلوق سواء كان عاقلاً أو لا يعقل، ثم إذا أُضيف .. نُسِب إلى معين، إن كان خالقاً فاختصّ به المجيء، لا يشبهه مجيءُ المخلوقين، وإذا أضفتَه إلى مخلوق يعقل اختصَّ به، إذا أضفتَه إلى مخلوق لا يعقل اختصّ به.
فالاختصاصُ حاصِلٌ متى؟ بعد الإضافة، وأما قبلَ الإضافة فهو قدر كلي وجوده وجود ذهني، وَجَاءَ رَبُّكَ هنا يقولون: أي أمر ربك! يُقال له أنه فاسد، ليسَ ظاهر النص هو ما ذكروه.
نقف على هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1452
عناصر الدرس
* حدف المضاف وإبقاء المضاف إليه مجروراٌ وشروطه
* شروط إبقاء المضاف على حاله بعد حدف المضاف إليه
* حكم الفصل بين المضاف إليه وأنواع الفاصل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا ... عَنْهُ فِي الاِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا
عرفنا أن هذه المسألة مسألة حذفِ ما عُلم من مضاف ومضاف إليه، والبيت هذا تقيد ب حذف المضاف في مسألةٍ شهيرةٍ وإن عنونَ لها البيانيون بالمجاز، ولكن يُشترَط في جوازِ حذف المضاف شرطان؛ الأول: أن يكون ثَم دليل أو قرينة على المحذوف، فإن لم تكن قرينةٌ حينئذٍ امتنعَ حذفه، يعني قعّضد ما لا يدلُّ عليه دليل لا يجوز حذفه البتة مطلقاً في أبواب النحو كلها.
الثاني: أن يكونَ المضاف مُفرداً لا جملة؛ لأن الجملة حينئذٍ لا تقوم مقامَ المضاف إذا حُذف.
وأما الأول هذا مُتفق عليه، والثاني حكي عليه الاتفاق.
وَمَا يَلِي الْمُضَافَ أي: الذي يلي المضافَ، الذي يتلوُهُ ويليه -وهو المضاف إليه- يأتي خلفاً عنه بعد حذفه، ولذلك قال: (إِذَا مَا حُذِفَا) ولا يمكن أن يكونَ خلفاً عنه إلا بعدَ حذفه، حينئذٍ دلَّ على الحذفِ قوله: (يَأْتِي خَلَفَا عَنْهُ) وهذا دلَّ على أنه حُذف، وقوله: إِذَا مَا حُذِفَا هذا أشبه ما يكون بالتأكيد.
وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا كَمَا ... قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا
لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ ... مُمَاثِلاً لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ
وَرُبَّمَا جَرُّوا: ربما هذه للتقليل.
جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا: وهو المضاف إليه، هذا ما يتعلق بالمضاف إليه، في السابق قال: يَأتِي خَلَفَاً عَنْهُ فِي الاِعْرَابِ، قد لا يأتي خلفاً عنه في الإعراب، بل يبقى على أصله على جرِّهِ، فيُحذَف المضاف ويبقى المضافُ إليه على جرِّهِ، فيبقى مجروراً كما هو الشأن فيه قبلَ حذف المضاف.
وَرُبَّمَا جَرُّوا: أي العرب نُطقاً، أو النحاة حكمُوا بذلك، والأول أظهر.
وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا: وهو المضاف إليه، بعدَ حذف المضاف.
أَبْقَوْا المضاف إليه كَمَا قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا: والذي تقدَّمَ ما هو حذفه؟ المضاف، يعني يبقى المضاف إليه على حاله، في السابق بين لنا القاعدة الأصلية وهي: أنه إذا حُذف المضاف أُقيمَ المضاف إليه مقامه فارتفعَ ارتفاعَه أو انتصبَ انتصابَه، أو جُرّ جرَّه .. خفض خفضه، وقد لا يكون كذلك بل يبقى على حاله.
وَرُبَّمَا جَرُّوا: يعني استداموا جرَّ الَّذِي أَبْقَوْا كَمَا قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا: معنى البيت أي: تركوا المضاف إليه على الحالة التي كان عليها قبلَ حذف المضاف وهي الجرّ، فيبقى على حاله، وفُهِم من قوله: وَرُبَّمَا أن هذا قليل؛ رُبَّمَا جَرُّوا نقول: هذا قليل؛ لأن ربّ للتكثير كثير وللتقليل قليل، هنا لا يتأتى فيها التكثير، لماذا؟ لأن حذفَ المضافِ وإقامة المضاف إليه مقامه .. كونه يرتفعُ ارتفاعه وينتصبُ انتصابه، هذا قليل خلاف الأصل.
стр. 1453
ثم هذا يُستثنى منه حالة وهي: أنه لا يُقام مقامَ المضاف إليه وإنما يبقى على حاله، إذن هذا استثناء من استثناء، وإن شئتَ قل: خروجٌ عن خروجٍ؛ لأنَّ الأول خروج، الأصل عدم الحذف، والمضاف والمضاف إليه كالجزءِ الواحد .. كالكلمة الواحدة، حينئذٍ لا يجوزُ حذفُ الجزءِ الأول، لكن لما عُلِم ساعدَت القرينة وقوَّت حذف المضاف، إذن خرجنا عن الأصل.
ثم خروجٌ آخر وهو أن لا يُقام المضاف إليه مقامَه، فيبقى على ما هو عليه من جرّه. وفُهِم من قوله: وَرُبَّمَا أن هذا قليل، ومع قلّته كذلك فيه شرط، لَكِنْ بِشَرْطِ كما سيأتي.
وَرُبَّمَا جَرُّوا: أي العرب يعني استداموا جرّ، ليس جرّاً جديداً، إذا حُذِف المضاف وبقي المضاف إليه على حاله من الجرّ فحينئذٍ نقول: الجرّ الذي قبلَ حذف المضاف هو نفسه الجرّ بعدَ حذفه وليس ثَم جرٌّ جديد، ولذلك رُبَّمَا جَرُّوا أي استداموا جرّ.
الَّذِي أَبْقَوْا: بعدَ حذف المضاف وهو المضاف إليه.
كَمَا قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا: هذا معلوم، لماذا نصَّ عليه؟ كما تشبيه، يعني بقي المضاف مجروراً بعد حذف المضاف كما هو الشأن قبل حذفِه، عندنا مُشبّه ومشبّه به، أي كالجرّ الذي قد كان ودفَعَ به توهم أن هذا جرٌّ جديدٌ بجار آخر غير المضاف، يعني كما قد كان قبلَ حذف، قد يُفهم مِن قوله: (وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا) أنه مجرور بعامل جديد ليس هو المضاف الذي حُذِف، لا، ليسَ الأمر كذلك، بل هو العامل قبلَ الحذف هو عينه العامل بعد الحذف، والجرّ قبل الحذف هو عينه الجرّ بعد الحذف، فالكسرة هي الكسرة والعامل هو العامل قبل الحذف وبعد الحذف.
إذن: (كَمَا قَدْ كَانَ) نقول: هذا نصَّ عليه دفعاً لتوهم أن يتوهّم مُتوهِّم بأن الجرّ الذي بقي بعدَ حذف المضاف هذا جرٌّ جديد، وليس الأمرُ كذلك بل هو سابق. بجرٍّ آخر غير مضاف، والمغايرة بين المشبه والمشبه به لا بالذات بل باعتبار اختلاف صورة التركيب؛ لأنه جاءَ بكاف التشبيه (كَمَا).
стр. 1454
إذن: شبّهَ الصورة الحاصلة بعد الحذف بالصورةِ قبلَ الحذف، وهي عينُها، كأنه قال: زيدٌ كزيدٍ، هل يصحّ؟ لا يصحّ أن يقال: زيد كزيد، فلا يُشبّه زيد بزيد، وإنما يُشبّه زيد بذاتٍ مُغايرة، وهنا لم يحصل التغاير، نقول: حصلَ التغايرُ باعتبار صورة التركيب، فذكرُ المضافِ مع المضاف إليه هذه صورة، وحذف المضاف مع إبقاء المضاف إليه مجروراً كحاله قبل الحذف هذه صورة أخرى، فشبّهَ الثاني بالأول .. شبّه الثاني الذي هو بعدَ حذف المضاف بالأول الذي ذُكِر فيه المضاف والمضاف إليه. والمغاير بينَ المشبّه والمشبه به لا بالذات بل باعتبار اختلاف صورة التركيب، أو على أن العرض لا يبقى زمانين ووجهُ الشبهِ كون كل بالمضاف، لكن الأول أولى، أن يُقال: شبّه صورة التركيب بصورةِ تركيب آخر، وهنا تحصلُ المغايرة كما ذكرناه في (زيد غير عمروٍ)، قلنا هنا حصلت المغايرة بالتنوع الشخصي، أما الماهية فهي عينُ الماهية، فمطلقُ المغايرةِ حاصلة بغير، كذلك هنا مُطلق المغايرة بينَ المشبه والمشبه به حاصلةٌ، فالتركيبُ الذي فيه المضاف قبلَ حذفه وإبقاء المضاف إليه مجروراً مع ذكرِ العامل ليست هي عين الصورة في حذفِ المضاف وإبقاء المضاف إليه كحاله، ولذلك قال: كَمَا، وجاء بكاف التشبيه.
كَمَا قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا، الذي تقدّما الألف للإطلاق وهو المضاف، لَكِنْ حرف استدراك، لكن يعني: لا يتوهّم أنه يبقى المضاف إليه كحاله قبلَ حذف المضاف مُطلقاً، لا، بشرط، وكلما قُيّد الشيء بشرط دلَّ على أنه فرعٌ وأنه ضعيف، كلما قُيّد بشيء .. وخاصّة هنا خروج عن خرج، يعني ليسَ هو أصل حتى نقول: كاسم الفاعل إذا قُيّد فهو على الأصل، لا. هنا خروج عن خروج. الأصلُ عدمُ الحذف، الأصل أنه إذا حُذِف المضاف أُقيم المضاف إليه مقامَه فارتفع ارتفاعَه، هذا الأصل، وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا عَنْهُ فِي الاِعْرَابِ، هذا الأصل وهو المطّرد في لسان العرب، لكن إبقاؤه على حاله دون أن يأخذَ حكمَ المضاف نقول: هذا خروج عن خروج.
لَكِنْ: حرف استدراك.
بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ: الذي هو المضاف.
مُمَاثِلاً: لفظاً ومعنى.
لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ: على المعطوف عليه، يعني يُشترَط في المضاف الذي يبقى المضاف إليه كحاله فلا يرتفع ارتفاعه ولا ينتصب انتصابه: أن يكونَ معطوفاً على مماثِلٍ في اللفظ والمعنى، ليصيرَ دليلاً قوياً على المحذوف، فحينئذٍ نقول: لا يجوزُ حذفُ المضاف وإبقاء المضاف إليه كحاله دونَ أن يأخذَ حكمَ إعراب المضاف إلا إذا عُطِف على مماثل، والمماثلة هنا تكون في اللفظ والمعنى، أما المعنى دون اللفظ فهذا فيها خلاف كبير والأكثر على المنع، لكن بشرط أن يكون والشرط معلوم: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، حينئذٍ نقول: هذا شرطٌ وجودُه يتحقّق الحكم، انتفاؤه حينئذٍ يرتفع الحكم.
أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ: (ما) هذا اسم يكون، صادق على المضاف، (مُمَاثِلاً) هذا خبر يكون، أَنْ يَكُونَ بشرط كون، أَنْ يَكُونَ كون أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، بشرط كون.
стр. 1455
مَا حُذِفْ: (ما) اسم موصول بمعنى الذي يصدُق على المضاف، الذي حذف وهو المضاف.
مُمَاثِلاً: هذا خبرُ يكون، لفظاً ومعنى؛ لأنه أطلقَ المماثلة، والمماثلة لها كمال ولها دنو، وأكملُ المماثلةِ أن تكونَ في اللفظ والمعنى معاً، فإن كان المعنى دون اللفظِ ففيه نوعُ مماثلةٍ لكنها ليست على الإطلاق، ولذلك أطلقَ هنا مع التنوين (مُمَاثِلاً) دلَّ على أن المماثلة هنا المراد بها أكملُ درجة، وهي أن تكون في اللفظ والمعنى.
للذي (لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ) (لما) جار ومجرور مُتعلّق بمماثلاً؛ مماثلاً لأي شيء؟ قال: لِمَا عَلَيْهِ، فدلَّ على أن الجار والمجرور مُتعلّق بقوله: مُمَاثِلاً، ودائماً هذه خذها قاعدة: المعنى هو الذي يحكم في المتعلّقات، وخاصّة في الجار والمجرور والظرف لأنه يلتبس كثير، فقد يجوز أن يكون عندَك ثلاثة عوامل، كلها جائزٌ من جهة الصنعة أن يتعلّق بواحدٍ منها، لكن يأتي هنا الحنكة والنظر في أن يُعلِّق الطالب بواحد منها يُتمِّم به المعنى، فيصحّ ويكون أكملَ مِن تعليق بغيره. مُمَاثِلاً لأي شيء؟ أطلقَ الناظم (لِمَا عَلَيْهِ) أي: على المعطوف عليه، (قَدْ عُطِفْ) هذا فيه ضمير يعودُ على (ما) في قوله: مَا حُذِفْ، بأن يكون ما حذف، الذي حذف .. قَدْ عُطِفْ الضمير هنا يعودُ على (ما) في قوله: مَا حُذِفْ.
أن يكون ما حُذف الذي هو المضاف مُمَاثِلاً في اللفظ والمعنى لما قد عُطِف عليه، يعني ثَم معطوف عليه يُعطف عليه المضاف المحذوف، وقيل بالعكس كما سيأتي في المذهبين.
стр. 1456
قال الشارح: قد يُحذَف المضاف ويبقى المضاف إليه مجروراً كما كان عندَ ذكرِ المضاف قبلَ حذفِه، لكن بشرط: أن يكونَ المحذوفُ الذي هو المضاف: مُمَاثِلاً لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ: عُطِف عليه، يعني يكونُ المضافُ المحذوف معطوفا عليه، لفظاً ومعنى، المماثلة هنا لفظاً ومعنى؛ مثاله قول القائل: (ما مثلُ عبدِ الله ولا أخيه يقولان ذلك)، هذا المثال يذكرُهُ النحاة .. ابنُ هشام وغيره، (ما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك) مثل: مبتدأ وهو مضاف، وعبد الله مضاف إليه، ولا أخيه: الواو حرف عطف، ولا: زائدة لتأكيد النفي. أخيه: مضاف إليه، يعني و (لا مثل أخيه)، حينئذٍ (أخيه) نقول: هذا مجرور بالمضاف. أين المضاف؟ محذوف، لو عطفتَه .. قد يأتي إنسان في عجلةٍ يقول: معطوفٌ على عبد الله؛ لأنه مجرور، مثل عبد الله وأخيه معطوفٌ على عبد الله، والمعطوف على المجرور مجرور، نقول: هذا يفسدُه ما بعدَه، هو جائز .. إذا رأينا إلى النظرَ الظاهري جائز، لكن يفسدُه (يقولان)، يقولان: خبر عن المبتدأ، حينئذٍ إذا جعلتَ (أخيه) معطوفاً على (عبد الله) صارَ جزءاً واحداً، وصارت تثنية الخبر هنا فاسدة، لا يجوز؛ لأنه يُشترَط في المبتدأ والخبر التطابق إفراداً وتثنية وجمعاً، فيقولان ذلك الألف هنا على أي شيء عائدة؟ إذا جعلتَه معطوفاً على (عبد الله) صار شيئاً واحداً وهو المبتدأ (مثلُ) فقط، أما (مثل عبد الله ولا مثل أخيه) صار مثلين، فإذا قلتَ: يقولان، حينئذٍ المبتدأ وما عُطِف عليه صارَ (يقولان) خبرٌ عنه، إذن فيه إعرابان أحدُهما فاسد وأحدُهما صحيح، لا يصحّ إلا على تقدير حذف مضاف من قوله: أخيه. وما مثل عبد الله ولا أخيه يقولان ذلك، أي ولا مثل أخيه؛ فـ (أخيه) هنا حُذِف المضاف وأبقي المضاف إليه كحالِه، ولو رفعناهُ على الأصل قلنا: و (مثلُ عبد الله ولا أخوه)، لو جرينا على القاعدة الأصلية: وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا
عَنْهُ فِي الاِعْرَابِ، حينئذٍ و (ما مثل عبد الله ولا أخوه)، إذا رفعناه؛ لأنه حُذِف المضاف .. (مثل أخيه) حُذِف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه وارتفعَ ارتفاعه؛ لأنه معطوف على مرفوع والمعطوف على المرفوع مرفوع، لكن هنا أُبقي على حاله فقيل: و (لا أخيه) فدلّ على أنه حذفَ المضاف وأبقى المضاف إليه بجرّه على الأصل، استداموا الجرّ، ويتعينُ هذا لتثنية الخبر (يقولان) ذلك، فلما ثني الخبر حينئذٍ علمنا أن المبتدأ مثنى، فيتعينُ أن يكون (أخيه) مُنفصلاً عن (مثل عبد الله). و (مثل عبد الله ولا زيد ولا عمْرٍ يقولون ذلك) نفسه، لو جعلتَه معطوفاً و (لا زيد ولا عمْرٍ) معطوفاً على الأول (عبد الله) حينئذٍ يقولون الخبر جاء جمعاً، فلم يحصل التطابق؛ لأن الحكمَ صار واحداً، إذا قلت: و (ما مثل عبد الله وزيدٍ وعمروٍ) كلها معطوفة على الأول، جعلتَ المبتدأ مثل فقط وهو شيء واحد، وإذا فصلتَها بالمضافات المحذوفة حينئذٍ جعلتَها ثلاثة أشياء، فيقولون: صارَ الخبر جمعاً، في محله أو لا؟ صارَ في محله، حصلَ التطابق بين المبتدأ والخبر. هذا مثال واضح.
أي و (لا مثل أخيه) بدليل قوله يقولان بالتثنية، وكقول الشاعر:
стр. 1457
أَكلَّ امْرِئٍ تَحسَبِينَ امْرَءاً ... وَنَارٍ توقَّدُ بِاللَّيلِ نَاراً
و (نارٍ) هذا معطوف على قوله .. إذا قلت: امرئ حينئذٍ رجعت المسألة إلى مسألة العطف على معمولين لعاملين مختلفين، هذا يأتي في باب النسق، هذا ممنوع، فحينئذٍ يتعين أن يكون (نار) هذا مضاف إليه، والمضاف محذوف.
أَكلَّ امْرِئٍ تَحسَبِينَ امْرَءاً وَنَارٍ: يعني: وكل نار.
هل وُجِد الشرط المجوِّز للحذف وإبقاء المضاف إليه كحاله؟ نعم، لكونه عُطِف على مثله، وهو (مثل) في المثال الأول و (كل) في المثال الثاني.
والتقدير و (كل نار) فحذفَ (كل) وبقي المضاف إليه مجروراً كما كان عند ذكرها، والشرط موجود وهو العطف على مماثل المحذوف وهو كل في قوله: أكل امرئ.
وهو له تعليق سيأتي في باب العطف والنسق؛ لأنه يلزمُ العطف على معمولي عاملين مختلفين، وهذا يأتي شرحه في محله.
وقوله كذلك:
وَلمْ أرَ مِثْلَ الخَيْرِ يَتْركُهُ الفَتَى ... ولاَ الشَّرِّ يأتِيهِ امرؤٌ وَهْوَ طَائِعُ
يعني و (لا مثل الشر)، ولم أرَ مثل الخير: مفعول به، مثل مضاف والخير مضاف إليه.
قال: ولا الشر يعني ولا مثل الشر، حينئذٍ جُوّزَ حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على حاله الجرّ؛ لكونه معطوفاً على مماثل له في اللفظ والمعنى، أن يكون لفظُ المضاف المحذوف معطوفاً على لفظ مثله، مثل لفظ كل هنا ومثل.
وقد يُحذَف المضاف ويبقى المضاف إليه على جرّه والمحذوف ليسَ مماثلاً للملفوظ بل مقابل له كقوله تعالى: ((تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ)) [الأنفال:٦٧] في قراءة مَن جرَّ (الآخِرَةِ) والتقدير (والله يريد باقي الآخرة)، على خلاف في التقدير، ومنهم من يقدّره (والله يريد عرض الآخرة)، وهذا أظهرُ، فحينئذٍ صارَ الشرط متحققاً وهو عطف على مثل المحذوف.
فيكون المحذوف على هذا مُماثلاً للملفوظ به والأول أولى، والعكس هو الأولى، يعني الذي يخالف ترجيحَ ابن عقيل هو أرجح.
وقد لا يكون المضاف معطوفاً بل المعطوف جملة فيها المضاف.
إذن: وَرُبَّمَا جَرُّوا أي: استداموا الجرّ، يعني الذي كان قبل حذفِ المضاف؛ استدامَه العربُ بعد حذف المضاف فهو عينه، والعامل فيه المضاف المحذوف، فحينئذٍ لما نُوِي لفظه صحَّ أن يكونَ عاملاً في المذكور، وهذا وجهٌ ضعف فيه، أنه يُحذَف المضاف وعمل المضاف فهو ملفوظ فيه ضعف؛ لأنه اسمٌ جامد، فحذفُهُ حينئذٍ يزيد به ضعفاً.
وَرُبَّمَا جَرُّوا أي استداموا جرّ الَّذِي أَبْقَوْا: أبقوه الضمير هنا هو العائد على الذي؛ لأن جملة الصلة يُشترَط فيها أن تشتمل على عائد يعود على الموصول، وهنا محذوف.
كَمَا قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا: الذي تقدّم وهو المضاف.
لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ: يعني المضاف مماثلاً لفظاً ومعنى، فإن لم يكن ثَم مُماثِل فلا يجوزُ، فإن كان ثَم مماثل في المعنى لا في اللفظ فالأصل أنه لا يجوز كذلك.
مُمَاثِلاً لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ: يعني للذي قد عُطِف هو عليه.
ثم قال: وَيُحْذَفُ الثَّانِى: إذن ما سبقَ يتعلّق بالمضاف، والآن الكلام في المضاف إليه.
وَيُحْذَفُ الثَّانِي فَيَبْقَى الأَوَّلُ ... كَحَالِهِ إِذَا بِهِ يَتَّصِلُ
стр. 1458
بَشرْطِ عَطْفٍ وَإِضَافَةٍ إِلَى ... مِثْلِ الَّذِي لَهُ أَضَفْتَ الأَوَّلاَ
فإن كان المحذوف المضاف إليه جملة يعني: الكلام فيه جملة، أن يُقال بأنه على ثلاثة أحوال -إذا حُذف المضاف إليه-، فهو على ثلاثة أحوال أو أقسام أو أنواع؛ لأنه تارة يزولُ مِن المضاف ما يستحقّه من إعراب وتنوين ويبنى على الضم، وهذا الذي في قوله:
وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْراً إِنْ عَدِمْتَ مَا ... لَهُ أُضِيفَ نَاوِياً مَا عُدِمَا
يُحذف المضاف إليه فيزول الإعراب من المضاف، متى؟ إذا نُوِي معناه.
إذن ليسَ كلّ مضاف إليه يُحذف حينئذٍ يبقى المضاف على إعرابه، بل قد يزول، وخُذ الأمثلة السابقة (غير وقبل وبعد وحسب وأول ودون والجهات الست وعلُ) كل هذه يُحذف المضاف وتُبنى، لكن ليس مطلقاً وإنما بحذف المضاف مع نية معناه.
لأنه تارة يزول من المضاف ما يستحقه من إعراب وتنوين ويُبنى على الضم نحو: ليس غير ونحو: ((مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ)) [الروم:٤] وهذا سبق بيانه.
وتارة يبقى إعرابه ويرد إليه تنوينه، يعني يبقى معرباً لا يُبنى، ويرد إليه تنوينه وهو الغالب، أنه إذا حُذِف المضاف إليه بقي المضاف على إعرابه ورجعَ إليه التنوين الذي حذفناه من أجل الإضافة.
نُوناً تَلِي الإعْرَابَ أَو تَنْوِينَا ... مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَطُورِ سِينَا
هذه النون وهذا التنوين إذا حذف المضاف إليه رجع، هذا هو الغالب، وهو الغالب في كل وبعض وأي ومثلها، ((وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ)) [الفرقان:٣٩]، ((أَيًّا مَّا تَدْعُو)) [الإسراء:١١٠] حُذف المضاف إليه وبقي المضاف معرباً ورجع إليه تنوينه، هذا قسم ثاني مما يُحذف فيه المضاف إليه، وتارة -وهو القسم الثالث- يبقى إعرابه ويترك تنوينه كما كان في الإضافة، هذا من قبلنا، وَمِنْ قَبْلِ نَادَى، ((لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ)) [الروم:٤] قلنا هنا: حذف المضاف إليه، ونُوِي ثبوت لفظه، فبقي اللفظ المضاف معرباً على الأصل، وأين التنوين؟ لم يرجع التنوين؛ لأن المضاف إليه محذوف لكنه في اللفظ مُراد، يعني منوي مُقدّر، فالمنوي لفظه كالموجود، فلذلك لم يرجع إليه التنوين، "ابْدَأْ بِذَا مِنْ أَوَّلِ" بالكسر؛ لأنه مُضاف، وإذا كان كذلك فحينئذٍ لا يمنع من الصرف، وإنما إذا قُطِع عن الإضافة كلياً قيل: مِن أَوَّلَ ممنوع من الصرف للوزن والوصف.
إذن تارة يبقى على إعرابه ويُترك تنوينه كما كان في الإضافة، وشرطُه ما ذكره الناظم.
وَيُحْذَفُ الثَّانِى فَيَبْقَى الأَوَّلُ كَحَالِهِ: يعني مُعرباً، ولم يُرَد إليه التنوين، ولا نون المثنى ولا الجمع، فيبقى على حاله.
إِذَا بِهِ يَتَّصِلُ: إذا يتصل به، بِهِ جار ومجرور متعلق بقوله: يَتَّصِلُ، إذا به يتصل، إذا يتصل الأول بالثاني أو الثاني بالأول، يعني كأن المضاف إليه موجود، وإذا كان موجوداً حينئذٍ حُذِف منه التنوين ولا يرجع، كذلك يُحذف المضاف إليه ويُنوى كأنه متصل به، فحينئذٍ لا يعود التنوينُ ولا تعودُ النون التي للمثنى والجمع.
стр. 1459
فلا ينوَّن ولا ترد إليه النون إن كان مثنى أو مجموعاً، لكن لا يكون ذلك في الغالب إلا بشرط عطف، أي على ذلك الأول، أن يكونَ بشرط عطف على ذلك الأول، ولو بغير الواو كما سيأتي في الأمثلة.
وَإِضَافَةٍ أي: إضافة المعطوف، إِلَى مِثْلِ، والمثلية المطلقة تُحمَل على اللفظ والمعنى معاً، يعني جميعاً.
إِلَى مِثْلِ الَّذِي لَهُ أَضَفْتَ الأَوَّلاَ: (إِلَى مِثْلِ الَّذِي) هذا يصدق على المضاف إليه، مثل مضاف، والذي مضاف إليه، ودائماً لا بدّ من تفسير الموصول يقع على أي شيء؟ لأنه مبهَم، جاء الذي قام أبوه، مَن هو؟ زيد، إذن الذي يصدقُ على (زيد)، لا بد من تفسيره، وهنا نقول: مِثْلِ الَّذِي اسم موصول مبهم نفسره بالمضاف إليه، يعني مثل المضاف إليه.
الَّذِي لَهُ أَضَفْتَ الأَوَّلاَ: يعني المعطوف عليه.
إذن هذا الذي شرطَهُ الناظم في النوع الثالث: أنه يبقى على حاله مُعرباً ويبقى مسلوبَ التنوين والنون كأن الإضافة موجودة كما هي، وهي موجودة بالفعل كما هي، وشرطه الناظم بما ذكر في البيت السابق، بأن يُعطَف عليه اسم عامل في مثل المحذوف، أن يُعطَف عليه اسم عامل في مثل المحذوف، وهذا العامل إما مُضاف كقولهم: (خُذ ربعَ ونصفَ ما حصل)، أين المضاف الذي حُذف المضاف إليه منه؟ (خُذ ربع ونصف ما حصل) ربع ما حصل، ونصف ما حصل. إذن حُذف من الأول المضاف إليه، وبقي المضاف مُعرباً، لكنه لم يرجع إليه التنوين لنية الإضافة، لذلك قال: فَيَبْقَى الأَوَّلُ وهو المضاف كَحَالِهِ من الإعراب وسلبِ التنوين والنون إِذَا بِهِ يَتَّصِلُ، كما إذا يتصل به، كأنه مُتصل، كأنه لم يحذف .. يُعامل بعد الحذف معاملة قبل الحذف.
(خُذ ربع ونصف ما حصل)، ومذهبُ سيبويه والجمهور أنه من بابِ الفصل بين المضاف والمضاف إليه، يعني هذا التركيب والمثال الذي ذكرَه الشارح: (قَطَعَ اللَّهُ يَدَ وَرِجْلَ مَنْ قَالَهَا)، هذا عند سيبويه والجمهور مِن النحاة أنه مِن باب الفصل بين المضاف والمضاف إليه. والأصلُ (خُذ ربع ما حصل ونصفه) هذا أصل التركيب، فقيل: (خذ ربع ونصفه ما حصل) فحُذفَ الضمير إصلاحاً للفظ لأنه فيه خللٌ من جهة السماع (ونصف ما حصل)، فقيل: نصف ما حصل، حُذفَ الضمير؛ إصلاحاً للفظ.
حينئذٍ هل عندنا مُضاف محذوف؟ ليسَ عندنا مضاف محذوف، نصفه هو الذي حُذف، لكن لم يكن شيء معطوف على سابقه، والمثال الذي ذكره الشارح أظهرُ: (قَطَعَ اللَّهُ يَدَ وَرِجْلَ مَنْ قَالَهَا)، يدَ مَن قالها ورجلَ مَن قالها، حُذفَ من الأول لكونه عطَفَ عليه مثله، (يَدَ مَنْ قَالَهَا وَرِجْلَ مَنْ قَالَهَا)، التقدير: قطعَ الله يدَ من قالها ورجلَ من قالها، فحُذفَ ما أُضيف إليه (يد) وهو (مَن قالها) لدلالة ما أُضيف إليه رجل عليه، وهو واضح بينٌ أنه حذفَ من الأول لدلالة الثاني عليه، وهذا مثل السابق: وما مثل عبد الله ولا أخيه، مثل مثل .. حذفَ الثاني المضاف لدلالة الأول عليه، هنا العكس، أن يحذفَ المضاف إليه لدلالة السابق عليه، أو أن يُعطَف عليه مثله، حينئذٍ جوّزَ الحذف لوجود قرينة ظاهرة في اللفظ، وهي ملفوظة بها.
стр. 1460
ومثله قوله: (سَقَى الأَرَضِينَ الغيث سهل وحزنها ... ) يعني: سهلها وحزنها، حذفَ المضاف إليه وهو الهاء مِن (سهل) لكونه معطوفاً عليه مضاف إلى مثله، وهو حزنها.
التقدير: سهلها وحزنها، فحذفَ ما أُضيف إليه (سهل) لدلالة ما أُضيف إليه (حزن) عليه هذا تقدير كلام المصنف. وقد يفعل ذلك بدون شرطٍ مذكور، لكنه على قلّة، وإن لم يعطف مُضاف إلى مثل المحذوف من الأول كقوله السابق: وَمِنْ قَبْلِ نَادَى يعني: ومِن قبل ذلك.
فحذفَ المضاف إليه ولم يكن ثَم معطوف عليه، لكن هذا لا بد من النظر في الأبيات السابقة ليعلم هل ثَم معطوف عليه أم لا؟
فحذفَ ما أُضيف إليه (قبل) وأبقاه على حاله لو كان مضافاً ولم يعطف عليه مضاف إلى مثل المحذوف، والتقدير: (من قبل ذلك)، ومثله قراءة من قرأ شذوذاً ((فَلا خَوْفُ عَلَيْهِمْ)) [البقرة:٣٨] أي: (فلا خوف شيء عليهم) حذفَ المضاف إليه وبقي المضاف على حاله، ولذلك لم يُنوّن ((فَلا خَوْفُ عَلَيْهِمْ)) [البقرة:٣٨] فلا خوفُ شيءٍ عليهم، كذلك قُرئ ((فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ)) [البقرة:٣٨] هذا يحتمل، يحتمل أنها عاملَهُ عملَ إن فيكونُ مُضافاً منصوباً، فلا خوفَ شيء، مثل: (لا صاحبَ علم ممقوت)، مضاف ومضاف إليه حكمُهُ النصب ظاهراً لفظاً، كذلك (فلا خوفَ شيء عليه)، يحتمل هذا. لكن الشاهد هنا في الرفع ((فَلا خَوْفُ عَلَيْهِمْ)) [البقرة:٣٨] أي: فلا خوفُ شيء عليهم.
وهذا الذي ذكرَه المصنف مِن أنّ الحذف مِن الأول وأن الثاني هو المضاف إلى المذكور هو مذهب المبرد وهو المشهور عندَ النحاة، -وهو المشهور عندَ النحاة عملياً-، وأما من جهة أتباع سيبويه فلا.
ومذهبُ سيبويه أن الأصل: (قطعَ الله يدَ من قالها ورجلَ من قالها) فحذفَ ما أُضيف إليه رجل، الثاني، إذن الحذفَ من الثاني لا مِن الأول، على مذهب المبرد الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، ولا إشكال فيه: قطع الله يدَ مَن قالها، حذفناها لوجود (ورجل من قالها)، لا إشكال فيه، واضحٌ بينٌ وليس فيه تعسف ولا تكلف.
عندَ سيبويه والجمهور لا، أن الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، فحينئذٍ (قطعَ الله يد من قالها ورجل)، ثم أُقحمَ قوله: و (رجل) بينَ المضاف وهو (يد) والمضاف إليه الذي هو (من قالها)، هذا تكلّف تعسّف، (قطع الله يد من قالها ورجل) أخذنا (رجل) وضعناها بين (يد ومن قالها)، فصارَ التركيب: قطع الله يد ورجل مَن قالها، إذن (من قالها) مضاف إليه لـ (يد) لا لرجل، ورجل هذا المضاف إليه محذوف، هذا تعسّف تكلف، فقول المبرد أسلم وأقرب.
فعلى هذا يكون الحذفُ من الثاني لا من الأول على مذهب المبرد بالعكس.
إذن قوله: ويحذف الثاني، الذي هو المضاف إليه، ويُنوى ثبوت لفظه؛ لأنه لو نُوِي ثبوت المعنى دون اللفظ حينئذٍ رجعنا للمسألة الأولى: وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْراً إِنْ عَدِمْتَ مَا .. إلى آخره.
لكن مرادُ الناظم هنا أن يبقى على حاله دونَ أن يتغير، ولذلك ذكرنا أن حذفَ المضاف إليه على ثلاثة أحوال: إما أنه يُبنى المضاف .. خرجَ عن الإعراب، وهذا سبق بيانُه وليس مراد الناظم.
стр. 1461
الثاني: أن يرجعَ إليه ما سُلِب منه بالكلية، وهو كل وبعض وأي، ((أَيًّا مَّا تَدْعُو)) [الإسراء:١١٠] رجعَ إليه التنوين، وليسَ هذا مراد الناظم، وإنما مراده أن يحذف المضاف إليه ويبقى المضاف على حاله من الإعراب لا البناء، ويبقى على حاله من سلبِ التنوين والنون، وهذه الحالة الثالثة، وشرطها بما ذكر.
إذن وَيُحْذَفُ الثَّانِى وهو المضاف إليه ويُنوَى ثبوت لفظه.
فَيَبْقَى الأَوَّلُ كَحَالِهِ: يبقى: فعلٌ مضارع، والأول فاعل وهو مضاف.
كَحَالِهِ: أي: حالة كونه كحاله مثل حاله السابق قبل الحذف، وما هو حاله؟ حذفُ التنوين والنون إن كان مثنى أو جمعاً.
إِذَا بِهِ يَتَّصِلُ: فلا يُنوّن ولا تُرد إليه النون مطلقاً.
بَشرْطِ عَطْفٍ: يعني على ذلك الأول.
وَإِضَافَةٍ: أي إضافة المعطوف، ومثل الإضافة عمل المعطوف في مثل ما أُضيف إليه الأول كقوله: بِمِثْلِ أَوْ أَحْسَنَ مِنْ شَمْسِ الضُّحَى.
وَإِضَافَةٍ إلَى مِثْلِ الَّذِي لَهُ أَضَفْتَ الأَوَّلاَ: الَّذِي أَضَفْتَ الأَوَّلاَ لَهُ، الأَوَّلاَ: الألف هذه للإطلاق، يعني معطوف إليه؛ لأنه بذلك يصيرُ المحذوف في قوة المنطوق به.
إذن: الحالة الثالثة: أنه يُحذف المضاف إليه ويبقى إعرابه ويُترك تنوينه كما كان في الإضافة، والشرطُ ما ذكره الناظم هنا، ومذهبُ سيبويه على ما ذكرناه أنه مخالف لمذهب المبرد.
هنا فائدة: قد يفعل ما ذكر من الحذف مع مضاف معطوف على مضاف إلى مثل المحذوف وهو عكس الأول، كقول أبي برزة الأسلمي ﴿غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات وثمانيَ﴾ يعني: ثماني غزوات، إذن حذُفَ من الثاني بفتح الياء دون تنوين والأصل ثماني غزوات هكذا ضبطَه الحافظ في الفتح.
ثم قال ﵀:
فَصْلَ مُضَافٍ شِبْهِ فِعْلٍ مَا نَصَبْ ... مَفْعُولاً اَوْ ظَرْفاً أَجِزْ وَلَمْ يُعَبْ
فَصْلُ يَمِينٍ وَاضْطِرَاراً وُجِدَا ... بِأَجْنَبِيٍّ أَوْ بِنَعْتٍ أَوْ نِدَا
فَصْلَ مُضَافٍ: فصلَ بالنصب مفعول به مُقدّم لقوله: أجز، أجز فصل مضاف.
مُضَافٍ شِبْهِ فِعْلٍ: يعني مُشبه للفعل، صفة لمضاف.
مَا نَصَبْ: شبه مضاف وفعل مضاف إليه، ما نصب: (ما) هذه فاعل المصدر، نصب: الجملة صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب، يعني الذي نصبه، الضمير هذا العائد محذوف، ((أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا)) [الفرقان:٤١] (أهذا الذي بعثه) هذا مثله.
مَا نَصَبْ: يعني نصبه.
مَفْعُولاً أَوْ ظَرْفاً: حالان من (ما)، أو من الضمير المحذوف.
أَجِزْ: أجز حذفَ مضاف شبّه فعل ما نصب مفعولاً أو ظرفاً.
المضاف والمضاف إليه كما ذكرنا سابقاً كالشيء الواحد، جزء واحد فهو كالكلمة الواحدة.
فلا يُفصَل بينهما كما لا يُفصَل بين أبعاض الكلمة، كما لا تفصل بين أجزاء زيد، لا تفصل بين غلام زيد، هذا الأصل فيه؛ لأن الثاني نُزِّل من الأول منزلة التنوين كما في (زيدٌ)، زيدٌ هذا كلمتان، زيد اسم، والتنوين هذا حرف معنى، فهو كلمتان، كذلك غلام زيد كلمتان، نزلت الثانية منزلة الأول .. بمنزلة التنوين من الأول.
стр. 1462
إذن: كالشيء الواحد، فلا يُفصل بينهما كما لا يُفصل بين أبعاض الكلمة إلا في ضرورة الشعر مطلقاً، هذا مذهب جمهور البصريين، أنه لا فصلَ بين المضاف والمضاف إليه إلا في ضرورةِ الشعر خاصة، ولكن الناظم هنا خالفَ الجمهور، وفصلَ في الفاصل.
فقال: قد يكون الفاصلُ جائزاً مستعملا في السعة .. سعة الكلام وقد يكون ضرورة.
إذن: ليسَ كل فصل بين المضاف والمضاف إليه يكون في ضرورة الشعر.
وأما الناظمُ هنا فالفصل عندَه بين المضاف والمضاف إليه قسمان: جائز في سعة الكلام وهو النثر، تستعمله ولك القياس، ومخصوص بالضرورة.
قوله:
فَصْلَ مُضَافٍ شِبْهِ فِعْلٍ مَا نَصَبْ ... مَفْعُولاً أَوْ ظَرْفاً أَجِزْ وَلَمْ يُعَبْ
فَصْلُ يَمِينٍ .................. ... ......................................
هذه أشارَ بها إلى ما يجوزُ في سعة الكلام.
وقوله: وَاضْطِرَاراً وُجِدَا بِأَجْنَبِيٍّ، أَوْ بِنَعْتٍ، أَوْ نِدَا
هذه ثلاثُ مسائل أرادَ بها ما يفصل به بين المضاف والمضاف إليه ضرورة.
أجز فصلَ مضاف، أجز أن يفصل المضافَ منصوبُه؛ لأن ما نصب قلنا هذا فاعل، وإذا كان فاعل حينئذٍ يُقدّر المصدر بأن والفعل، أجز أن يَفصل المضافَ منصوبُه حال كونه مفعولاً أو ظرفاً.
لأن ما نصب قلنا: هذا فاعل.
وفَصْلَ مُضَافٍ: فصل مصدر، ومضاف هذا مضاف إليه، من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، وما نصب فاعل، إذن: كيف يكون التقدير؟ أجز أن يَفصل المضافَ منصوبُه حالة كونه مفعولاً أو ظرفاً، والإشارةُ بذلك إلى أن مِن الفصل بين المتضايفين ما هو جائز في السعة، ولذلك قال: أَجِزْ، يعني: في ساعة الكلام لا في الضرورة، ولذا ما عبّرَ عنه بذلك، خلافاً للبصريين في تخصيصهم ذلك بالشعر مطلقاً، والحق أن مسائل الفصل سبعٌ؛ منها ثلاثة جائزة في السعة:
الأول: أن يكون المضاف مصدراً؛ لأنه قال: (شِبْهِ فِعْلٍ) يعني أن يكون المضاف مشابهاً للفعل، وأراد به نوعين: المصدر، واسم الفاعل.
إذن المسألة الأولى التي يجوزُ فيها الفصل بين المتضايفين: أن يكون المضاف مصدراً، وهذا داخل في قوله: شِبْهِ فِعْلٍ؛ لأن المصدر أشبه الفعل.
أن يكون المضاف مصدراً، والمضاف إليه فاعله، والفاصل إما مفعوله كقراءة من قرأ -قراءة ابن عامر- ((قَتْلُ أَوْلادَهَمْ شُرَكَائِهِمْ)) [الأنعام:١٣٧] الأصل: قتلُ شركائِهم أولادَهم؛ لأن أولادَهم هذا مفعول به للمصدر وهو قتلُ وهو مضاف، (قَتْلُ أَوْلادَهَمْ شُرَكَائِهِمْ) فُصلَ بينَ (قَتْلُ وشُرَكَائِهِمْ) المضاف والمضاف إليه بمعمول المضاف وهو مفعول به، وهو أولادهم، (قَتْلُ أَوْلادَهَمْ شُرَكَائِهِمْ).
إذن (أَوْلادَهَمْ) بالنصب على أنه مفعول به، فصلَ بين المضاف وهو قتل وبين المضاف إليه وهو شركائهم، ما المجوز ما المسوغ؟ لكونه معمولاً للمصدر وهو المضاف.
إذن: ((قَتْلُ أَوْلادَهَمْ شُرَكَائِهِمْ).
كذلك قوله: (فَسُقْنَاهُمُ سَوْقَ الْبُغَاثَ الأَجَادِلِ ... ) فسقناهم سوقَ الأجادل هذا الأصل.
стр. 1463
وإما أن يكون الفاصلُ بين المصدر والمضاف إليه ظرفَه كقول بعضهم: (تَرْكُ يَوْماً نَفْسِكَ وهَوَاهَا)، (تَرْكُ نَفْسِكَ يَوْماً) هذا الأصل، والمضاف إلى مصدر نصبَ يوماً على الظرفية، ففصلَ بين المضاف والمضاف إليه وهو المصدر الظرف (تَرْكُ يَوْماً نَفْسِكَ وهَوَاهَا).
الثانية: أن يكونَ المضاف وصفاً، إذن المسألة الأولى: متى يُفصل بين المضاف والمضاف إليه؟
أن يكون المضاف مصدراً، ثم قد يُفصل بمفعوله، وقد يُفصل بظرفه، بمفعوله مثل: (((قَتْلُ أَوْلادَهَمْ شُرَكَائِهِمْ))) [الأنعام:١٣٧] شركائهِم بالكسر على أنه مضاف إليه، و (قتلُ) هذا المضاف وهو المصدر، و (أولادَهم) بالنصب على أنه مفعول به للمصدر الذي هو المضاف، فُصلَ بين المصدر (قتل) وبين (شركائهم) بالمفعول به أولادهم، إذن: هل هو أجنبي؟ لا ليس بأجنبي، لأنه معمول للمضاف، المنصوب والمجرور معمولان للمضاف، أولادهم منصوب بقتل وهو مضاف، (شركائهم) مجرور بالمضاف.
إذن له جهتان: كونه مصدراً نَصب، وكونه مضافاً جَرّ، هذا واضح.
كذلك بالظرف (تَرْكُ يَوْماً نَفْسِكَ وهَوَاهَا).
المسألة الثانية: أن يكونَ المضاف وصفاً، والمضاف إليه إما مفعوله الأول والفاصل مفعوله الثاني، يعني يفصلُ بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول الثاني فيما إذا أُضيف المضاف إلى مفعوله الأول، وهذا مثلُ قراءةِ بعضهم (فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدَهُ رُسُلِهِ) أين المضاف؟ مُخْلِفَ، أخلفَ، هذا يتعدّى إلى اثنين، (مُخْلِفَ وَعْدَهُ رُسُلِهِ) مخلف رسله وعدَه هذا الأصل، أُضيف مخلف إلى رسل وهو المفعول الأول، وعده هو المفعول الثاني.
إذن فُصلَ بين المضاف وهو مخلف والمضاف إليه وهو رسله، بالمفعول الثاني وهو وعدَه.
وما نوعُ المضاف هنا؟ اسم فاعل وصف، وهو يتعدّى إلى اثنين.
إذن: أن يكونَ المضافُ وصفاً، والمضاف إليه إما مفعوله الأول، والفاصل مفعوله الثاني، كقراءة بعضهم: (فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدَهُ رُسُلِهِ)، وقوله: (وَسِوَاكَ مَانِعُ فَضْلَهُ المحُتاجِ ... ) مانع المحتاج فضله، حينئذٍ فصلَ بين المضاف والمضاف إليه وهو المفعول الأول لمانع بالمفعول الثاني.
أو ظرفه كحديث: "هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي"، تاركو صاحبي لي، هذا أصل التركيب، ففصلَ بين المضاف وهو تارك، وهو وصفٌ، وبينَ صاحبي الذي هو المضاف إليه بالظرف الذي هو (لي) يعني جار ومجرور يتوسع فيه.
وقوله: (كَنَاحِتِ يَوْماً صَخْرَةٍ بِعَسِيلِ ... ).
ناحتٍ يوماً، وصخرة هذا هو المضاف إليه، إذن المسألة الثانية التي يجوزُ في سعة الكلام أن يكونَ المضاف وصفاً، ثم هذا الوصف قد يتعدّى إلى اثنين فيُضاف إلى الأول ويكون الفاصل هو المفعول الثاني، وقد يكون الظرف كما في الحديث.
стр. 1464
وقد شملَ كلامُ الناظم في البيت السابق جميعَ ذلك، كل الذي ذكرناه داخل في قوله: فَصْلَ مُضَافٍ شِبْهِ فِعْلٍ، شبه الفعل يشملُ المصدرَ واسمَ الفاعل، مَا نَصَبْ الذي نصبه، مَفْعُولاً أَوْ ظَرْفاً، ومثّلنا للنوعين، قد يكونُ الفاصلُ المفعول وقد يكون الفاصلُ الظرف (قَتْلُ أَوْلادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ) هذا الفاصل مفعول، (تَرْكُ يَوْماً نَفْسِكَ) هذا الفاصل الظرف.
إذن هذه داخلة كلها في كلام الناظم في قوله: شِبْهِ فِعْلٍ.
الثالثة: أن يكون الفاصل قسَمَاً، وقد أشار إليه بقوله: وَلَمْ يُعَبْ فَصْلُ يَمِينٍ.
يُعَبْ: فعل مضارع مغير الصيغة مجزوم بلم، وجزمُهُ سكون آخره، فَصْلُ: نائب فاعل، وهو مضاف و (يَمِينٍ) مضاف إليه، وهو مضاف إلى فاعله، (فصلُ) مصدر أُضيف إلى فاعله، أن يفصلَ اليمينُ المضافَ، هذا التقدير: أن يفصل اليمينُ -يمينُ القسم- المضافَ، كقولك: (هذا غلامُ واللهِ زيدٍ) فصلتَ بين غلام وزيد بالقسم وهو قولك: والله. حكى ذلك الكسائي.
هذه كلها جائزة في سعة الكلام.
إذن: فَصْلَ مُضَافٍ شِبْهِ فِعْلٍ مَا نَصَبْ مَفْعُولاً أَوْ ظَرْفاً أَجِزْ، تقدير البيت أجز .. جوازاً في سعة الكلام، في نثر الكلام لا يعيب عليك أي أحد، أجز فصل مضاف، يعني أن يفصلَ بين المضاف والمضاف إليه المفعول والظرف، بشرطِ أن يكونَ المضاف شبه فعل، والمراد بشبه الفعل المصدر واسم الفاعل، وسواء كان الفاصل بين المضاف والمضاف إليه هو المفعول أو الظرف، وكل منهما معمول للمضاف، حينئذٍ النتيجة لن يفصل بين المضاف والمضاف إليه أجنبي، فإن كان أجنبياً صارَ شاذاً إلا في الضرورة، ولذلك قال: وَاضْطِرَاراً وُجِدَا بِأَجْنَبِيٍّ، أما ما ليسَ أجنبياً عن المضاف فيجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه.
ثم زاد المسألة الثالثة مما يجوزُ في سعة الكلام: وَلَمْ يُعَبْ، فَصْلُ يَمِينٍ. ولعله والله أعلم فصلَ بين المسألتين والثالثة أن القسمَ ليسَ معمولاً للمضاف، يعني المسألة الثالثة هذه ليست داخلة في قوله: شِبْهِ فِعْلٍ؛ لأنّ السابق .. الفاصل يكون معمولاً ليس أجنبياً، وأما هنا فالأصلُ أنه أجنبي هذا الأصل، لكن لكثرةِ استعمالِ العرب للقسَم حينئذٍ توسّعوا فيه: وَلَمْ يُعَبْ، فَصْلُ يَمِينٍ. بين المضاف والمضاف إليه.
وأما الأربع الباقية فتختصُّ بالشعر، ولقد أشارَ إلى ثلاث مسائل من ذلك:
الأولى: الفصل بأجنبي (وَاضْطِرَاراً وُجِدَا) وُجِدَا أي الفصل، والألف للإطلاق، وجد اضطراراً، هذا مفعول لأجله، وجدَ الفصل بين المضاف والمضاف إليه اضطراراً، يعني لأجل الاضطرار، وهذا دلَّ على أنه مفعول لأجله.
بِأَجْنَبِيٍّ: جار ومجرور مُتعلّق بقوله: وُجِدَا، والألف للإطلاق. بِأَجْنَبِيٍّ من المضاف، أَوْ بِنَعْتٍ، أَوْ نِدَا .. فالمسألة الأولى الفصل بالأجنبي، ويُعنى به معمول غير المضاف، يعنى بالأجنبي الفاصل بين المضاف والمضاف إليه أن يكون معمولاً، لكنه ليس معمولاً للمضاف بل معمولاً لغيره فصارَ أجنبياً عنه، لو كان العامل هو المضاف لقلنا هذا ليسَ بأجنبي هذا قريب، وأما إذا كان معمولاً لغيره هذا صار دخيلاً.
ويُعنى به معمول غير مضاف فاعلاً كان كقوله:
стр. 1465
أَنْجَبَ أَيَّامَ وَالِدَاهُ بِهِ ... إِذْ نَجَلاهُ فَنِعْمَ مَا نَجَلاَ
أَنْجَبَ أَيَّامَ: أيام: مُضاف، إذ نجلاهُ: مضاف إليه، والداه: فاعل أنجبَ، ففصلَ بينَ (أيام إذ نجلاه) بقوله: والداه، و (والداه) ليسَ معمولاً لا للمضاف ولا للمضاف إليه، فصارَ أجنبياً عنه، (أَنْجَبَ أَيَّامَ وَالِدَاهُ بِهِ إِذْ نَجَلاهُ)، أيام إذ نجلاه: أيام مضاف، وإذ نجلاه مضاف إليه، فصلَ بينهما بـ (والداه) وهو فاعل أنجبَ، حينئذٍ صار معمولاً لغيره. أي أنجبَ والداه به أيام إذ نجلاه، أو مفعولاً كقوله: (تَسْقِى امْتِيَاحاً نَدَى المِسْوَاكَ رِيَقتِهَا) بالكسر.
أي: (تسقي ندى ريقتِها المسواكَ) بالنصب، فحينئذٍ فصلَ بين المضاف والمضاف إليه بمفعول ليسَ للمضاف، تسقي المسواك: المسواك هذا مفعول لتسقي.
ندى المسواك ريقتِها: فصل بين (ندى ريقتها) بالمسواك وهو مفعول لتسقي.
أو ظرفاً كقوله: (كما خطّ الكتاب بكفِّ يوماً يهودي)، (بكفِّ يهودي يوماً) فصلَ بين (كف ويهودي) بـ"يوماً"، وهو ليسَ معمولاً لكف ولا للمضاف إليه.
هذه المسألة الأولى وهو: الفصل بالأجنبي، وأشارَ إليها بقوله:
وَاضْطِرَاراً وُجِدَا بِأَجْنَبِيٍّ.
أَوْ بِنَعْتٍ.
المسألة الثانية: الفصل بنعت المضاف كقوله:
نَجَوْتُ وَقَدْ بَلَّ المُرَادِيُّ سَيفَه ... مِنْ ابنِ أَبي شَيخِ الأَبَاطِحِ طَالِبِ
من ابنِ أبي طالب شيخِ الأباطح، هذا الأصل، من ابنِ أبي طالب فصلَ بين (ابن أبي طالب) بـ (شَيخِ الأَبَاطِحِ)، وهذا نعتٌ للمضاف، والعاملُ ليس هو المضاف، العامل في المضاف هو العامل في النعت؛ لأن العامل في النعت هو العامل في المنعوت، فصارَ أجنبياً.
إذن الفصلُ بنعت المضاف كقوله: مِنْ ابنِ أَبي شَيخِ الأَبَاطِحِ طَالِبِ.
أي: من ابن أبي طالب شيخ الأباطح.
الثالثة: الفصلُ بالنداء كقوله:
(كَأَنَّ بِرْذَوْنَ أَبَا عِصَامِ ... زَيْدٍ)، والأصل: كأن برذون يا أبا عصام زيد، فصلَ بينَ (برذون) وهو مضاف و (زيد) وهو مضاف إليه.
وهذه ستة مسائل ذكرَها الناظم بقي مسألة واحدة من المختصّ بالضرورة وهي السابعة، الفصل بفاعل المضاف كقوله: (وَلاَ عَدِمْنَا قَهْرَ وَجْدٌ صَبِّ ... ).
إذن قوله: فَصْلَ مُضَافٍ شِبْهِ فِعْلٍ مَا نَصَبْ مَفْعُولاً أَوْ ظَرْفاً أَجِزْ، أشارَ به إلى ما جازُ أن يفصلَ بين المضاف والمضاف إليه وهو كون الفاصلِ معمولاً للمضاف.
وزادَ المسألة الثالثة وهي قوله: وَلَمْ يُعَبْ، فَصْلُ يَمِينٍ. وهذه كلها مسائل في السعة، يعني يجوزُ في سعة الكلام.
وَاضْطِرَاراً وُجِدَا: يعني ووجد اضطراراً؛ لأجلِ الاضطرار الفصل بأجنبي من المضاف أو بنعت للمضاف أو نداء، يعني جملة مُنفصلة وقعت بينَ المضاف والمضاف إليه.
قال: أجازَ المصنف أن يفصلَ في الاختيار بينَ المضاف الذي هو شبه الفعل، والمراد به المصدر واسم الفاعل، إذن خصّصَ الشارح هنا شبهَ فعلٍ بقوله: المصدر واسم الفاعل.
والمضاف إليه بما نصبهَ المضاف مِن مفعول به أو ظرف أو شبهه، وهو الجار والمجرور، يعني متوسّعون في هذه التسمية.
стр. 1466
فمثال ما فصلَ فيه بينهما بمفعول المضاف الآية: ((وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ)) [الأنعام:١٣٧]، ومثال ما فُصلَ فيه بين المضاف والمضاف إليه بظرف، وفُهِم منه جوازُ الفصل بالمجرور إذ الظرف والمجرور من وادٍ واحد، بظرف نصبه المضاف الذي هو مصدر ما حكي عن بعض من يُوثَق بعربيته ((تَرْكُ يَوْماً نَفْسِكَ وهَوَاهَا سَعْيٌ لَهَا فِي رَدَاهَا).
ومثال ما فصلَ فيه بين المضاف والمضاف إليه بمفعول المضاف الذي هو اسم فاعل، قراءةُ بعض السلف: ((فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدَهُ رُسُلِهِ)) [إبراهيم:٤٧].
ومثالُ الفصل بشبهِ الظرف حديث: ﴿هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي﴾ هل تاركو صاحبي، وهذا معنى قوله: فَصْلَ مُضَافٍ .. إلى آخره، وجاءَ الفصلُ أيضاً في الاختيار بالقسم حكى الكسائي (هذا غلام والله زيد)، ولهذا قال المصنف: وَلَمْ يُعَبْ فَصْلُ يَمِينٍ.
وأشارَ بقوله: (وَاضْطِرَاراً وُجِدَا) إلى أنه قد جاءَ الفصلُ بينَ المضاف والمضاف إليه في الضرورة بأجنبي مِن المضاف، وبنعت المضاف وبالنداء .. ثلاث مسائل، وبقي الرابعة وهي الفصل بفاعل المضاف.
فمثال الأجنبي:
كَمَا خُطَّ الكِتَابُ بِكَفِّ يَوْماً ... يَهُوِدىٍّ يُقَارِبُ أوْ يُزِيلُ
ففصلَ بـ يوماً بين كفِّ ويهودي وهو أجنبي مِن (كفِّ) لأنه معمول لـ (خط).
ومثال النعت قوله:
نَجَوْتُ وَقَدْ بَلَّ المُرَادِيُّ سَيفَه ... مِنْ ابنِ أَبي شَيخِ الأَبَاطِحِ طَالِبِ
الأصل من ابن أبي طالب شيخ الأباطح، وكذلك قول الشاعر:
وَلَئِنْ حَلَفْتُ على يَدَيكِ لأحلفَنْ ... بَيَمِينِ أصْدَقِ من يمينِكِ مُقْسِمِ
بيمين مقسم أصدق من يمينك، فُصلَ بينهما بالنعت.
ومثال النداء قوله:
(وفاقُ كَعْبُ بُجَير) يعني: يا كعبُ، وفاق بجير، مضاف ومضاف إليه، (يا كعب) هذا نداء.
خاتمة: قال في شرح الكافية: المضاف إلى الشيء يتكملُ بما أُضيف إليه، يعني يكون المضاف إليه مُكمّلاً للمضاف، مكمّلاً لمعناه، ولذلك قلنا العامل وهو المضاف إنما عمِلَ مع كونه جامداً، والأصلُ في الجامد لا يعمل، وإنما يعملُ المشتق الذي فيه رائحة الفعل، والمضاف (غلام زيد)، (غلام) ليسَ فيه رائحة الفعل، لماذا عملَ؟ لكونه أشبهَ اسم الفاعل في الافتقار والطلب لما بعده.
إذن المضاف إلى الشيء يتكملُ بما أُضيف إليه تكمل الموصول بصلته، كما أن الموصولَ لا يتمّ معناه سواء كان موصولاً حرفياً أو اسمياً، لا يتكمل معناه إلا بما بعده .. بالصلة، سواء كانت جملة أو لا.
والصلةُ لا تعملُ في الموصول ولا فيما قبله، وكذا المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا فيما قبلَ المضاف.
إذن: ينزلُ المضافُ مع المضاف إليه منزلةَ الصلة مع صلته، في كون المضاف إليه لا يعملُ في المضاف، كذلك لا يعملُ فيما قبل المضاف، فلا يجوزُ في نحو (أنا مثلُ ضاربٍ زيداً)، مثل: مضاف، وضارب: مضاف إليه، زيداً: معمول لأي شيء؟ لضارب وهو مضاف إليه، هل يجوزُ أن يتقدّم زيداً على مثل؟ أنا زيداً مثل ضارب؟ نقول: لا يجوزُ، كما أن معمولَ الصلة لا تتقدّم على الصلة، كذلك معمولُ المضاف إليه لا يتقدّم على المضاف.
стр. 1467
فلا يجوزُ في نحو: (أنا مثل ضاربٍ زيداً) أن يتقدم (زيداً) على (مثل) وإن كان المضافُ غيراً، إن كان المضاف لفظ (غير)، وقُصِد بها النفي، ومتى يُقصَد بها النفي؟ بأن صحَّ حلولُ حرف النفي والمضارع محل (غير) ومخفوضها، يعني إذا صحَّ أن يُؤتى بلفظ المضارع مع حرف نفي موضع (غير) قلنا: غير هذه أُريد بها النفي، إن قُصِد بها النفي جازَ أن يتقدَّمَ عليها معمول ما أُضيفت إليه كما يتقدَّمُ معمول المنفي بلا، فأجازوا (أنا زيداً غير ضارب)، أنا غيرُ ضاربٍ زيداً، غير: مضاف، وضارب: مضاف إليه، وزيداً: معمول له، جازَ أن يتقدّم (أنا زيداً غير ضارب)، لماذا جازَ في هذا ولم يجز في الأول؟ لأن غير هنا مُضمّنة معنى النفي وهو صحةُ حلول حرف النفي مع المضارع.
فأجازوا (أنا زيداً غير ضارب)، كما يقال: (أنا زيداً لا أضرب)، هنا يتقدّم المعمول لا إشكال فيه، لأنه فعلٌ والفعل يتصرّف في معموله بالتقدم والتأخر، بخلاف (لن)، (لن) لا يتقدّم عليها معمولها، أما (لا) فيجوز، يعني: لن أضرب زيداً، (زيداً لن أضرب) هذا ممنوع، أما (لا أضرب زيداً) (زيداً لا أضرب) هذا جائز.
ومنه قوله تعالى: ((عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ)) [المدثر:١٠] غيرُ يسيرٍ على الكافرين، قلنا الأصل أنه لا يتقدَّم معمول المضاف إليه، وهنا تقدَّم معموله (على الكافرين) هذا متعلق بقوله يسير، فتقدم عليه، دلَّ على الجواز.
فإن لم يقصد بغير النفي لم يتقدَّم عليها معموليها، معمولي ما أُضيفت إليه، فلا يجوز في قولك: (قاموا غير ضارب زيداً)، هل يصحّ أن تقدم: (قاموا زيداً غير ضارب)؟ لا يجوزُ، لماذا؟ لأن غير هنا ليست مُضمّنة معنى النفي، حينئذٍ لا يصح أن يحل محلها في هذا التركيب حرف نفي مع الفعل المضارع.
قاموا زيداً غير ضارب، هذا لا يصح؛ لعدم قصد النفي بغير.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
ثم قال الناظم: المُضَافُ إِلَى يَاءِ المُتَكَلِّمْ.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1468
عناصر الدرس
* شرح الترجمة (المضاف إلى ياء المتكلم) ـ
* حكم ياء المتكلم وحكم آخر ماأضيف إليه
* شرح الترجمة (إعمال المصدر) وتعريفه
* حالات عمل المصدر وشروط العمل.
* اسم المصدر وعمله.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى: المُضَافُ إِلى يَاءِ المُتَكَلِّمْ.
هذا تابعٌ لما سبق؛ لأنه داخلٌ في الإضافة، ولكن فصلَه لتميزه ببعض الأحكام، إذن أفردَ هذا الباب بالذكر لأن فيه أحكاماً ليست في الباب الذي قبله، لأن الأصلَ في المضاف أن يكونَ حكمُه الإعرابَ بحسب العوامل المقتضية له السابقة عليه، فإن تسلّطَ عليه عاملٌ يقتضي رفْعَه رفَعَه، وإن تسلّط عليه عامل يقتضي نصْبَه نصَبَه، وهكذا في الجر.
فحينئذٍ الأصلُ فيه ظهور الإعراب، ولكن هنا الحكم يختلفُ، إذا قيل: غلامِي، سبق مراراً أن المضاف إلى ياء المتكلم يجب أن يكون آخر المضاف مكسوراً؛ لأنه لا يناسب الياء إلا الكسر.
وهذا فيه مذاهب، لكن المشهور أنه مُعرَب مُطلَقاً رفعاً ونصباً وخفضاً، تقول: هذا غلامِ، جاء غلامِ، غلام: فاعل مرفوع ورفعُهُ ضمةٌ مقدّرة على الميم، على آخر المضاف. لماذا مُقدّرة؟ لأنه مضاف إلى ياء المتكلم، فحينئذٍ انشغلَ المضاف آخره بحركة مُناسبة الياء؛ لأن الياء لا يناسبها ما قبلها إلا أن يكون مكسوراً، فحينئذٍ قُدّرت الضمة وقُدّرت الفتحة في نحو (رأيتُ غلامي)، وقُدّرت الكسرة على الصحيح في نحو (مررت بغلامِ)، هذه الكسرة ليست كسرة إعراب، إنما هي كسرة بنية يعني لمناسبة الياء.
إذن لهذه المناسبة أفردَ الناظمُ المضافَ إلى ياء المتكلم، وسبقَ الكلام في ياء المتكلم عند قوله:
وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ التُزِمْ ... نُونُ وِقَايَةٍ ...............
قلنا هي بالإجماع اسمٌ هنا وليست حرفاً.
المُضَافُ إِلى يَاءِ المُتَكَلِّمْ: أي هذا باب المضاف إلى ياء المتكلم
آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا ... لَمْ يَكُ مُعْتَلاًّ كَرَامٍ وَقَذَى
أَوْ يَكُ كَابْنَيْنِ وَزَيْدِيْنَ فَذِي ... جَمِيعُهَا اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي
وَتُدْغَمُ اليَا فِيهِ وَالوَاوُ وَإِنْ ... مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ
وَأَلِفَاً سَلِّمْ وَفِي الْمَقْصُورِ عَنْ ... هُذَيْلٍ انْقِلاَبُهَا يَاءً حَسَنْ
حُكمان شهيران عَنوَنَ للأول بقوله: آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ، ثم خصَّ أربعة أنواع لأنه لا يُكسر ما قبل الآخر، إِذَا لَمْ يَكُ مُعْتَلاًّ، أَوْ يَكُ كابْنَيْنِ وَزَيْدِيْنَ فَذِي -الأربعة- جَمِيعُهَا اليَا.
إذن تم حكمان أو حكم واحد، واستثنى منه هذه الأنواع الأربعة.
آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا: أي ياء؟ ياء المتكلم، فـ (أل) هنا حينئذٍ تكونُ للعهد الذكري، أي الياء المذكورة في الترجمة، وهذا أولى من جعلِ المكودي بأنها مُحتملة للياء الذي في قوله: (وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ) هذا بعيد، مشوار بينهما، يحتمل هذا وذاك، لكن ما دامَ أنه ذكرَ الياء في الترجمة لا ينبغي العدول إلى فاصل بعيد فنقول: (وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الفِعْلِ التُزِمْ) لا، ما دامَ أنه قال: المُضاف إلى ياء المتكلم إذن آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا المذكورة في الترجمة وهي ياء المتكلم، حينئذٍ (أل) للعهد الذكري.
стр. 1469
آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ: وجوباً؛ لأن (اكسِر) هذا فعل أمر، والأمرُ يقتضي الوجوب، حينئذٍ يجبُ كسرُ آخره، والعلة في ذلك مناسبة الياء؛ لأن ما قبلَ الياء يلزم أن يكون مكسوراً، فالانتقالُ من الضم إلى الياء فيه ثِقل، والانتقال من الفتح إلى الياء كذلك فيه ثِقل، وحينئذٍلم يبقَ إلا الكسر، فالكسرُ من جنس الياء، ولذلك قيلَ الياء عبارةٌ عن كسرتين؛ لأنها كسرة مُشبعة مثل الفتحة والألف، نقول: الألف عبارة عن فتحتين؛ لأنها ألفٌ مشبعة والواو عبارة عن حركتين؛ لأنها ضمّة مُشبعة، هذا المشهور عند النحاة.
إذن: آخِرَ مَا أُضِيفَ: آخِرَ هذا بالنصب مفعول مُقدّم لقوله: اكسِر، اكسِر وجوباً آخِر ما أُضيف يعني المضاف، ما أُضيف الذي أُضيف يعني المضاف؛ لأن (ما) هنا موصولة، والموصول مع صلته في قوة المشتق، آخر المضاف كأنه قال: اكسر آخر المضاف، وآخر المضاف هو حرف الإعراب، (مَا أُضِيفَ لِلْيَا) الياء السابقة، والعلة ما ذكرناها.
هذا حكمٌ عام، أنه يجب كسرُ ما قبلَ آخر ياء المتكلم، وأما ياء المتكلم فإذا لم يكن واحدٌ من الأربعة المستثناة حينئذٍ يجوزُ فيها خمسة أوجه، لكن المشهور الإسكان للياء والفتح، فتقول: غلامي، كتابي .. غلاميَ كتابيَ، فحينئذٍ نقول: غلامي، هذا اكسر آخره؛ لأنه أُضيف إلى ياء المتكلم؛ لأنه لا يُناسبه إلا الكسر، اكسره مطلقاً سواء رُكّب مع عامل يقتضي الرفع، أو رُكّب مع عامل يقتضي النصب، أو رُكّب مع عامل يقتضي الخفض؛ فتقول: جاء غلامي، غلامي فاعل مرفوع ورفعه ضمة مُقدّرة على آخره منعَ من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة، وغلامُ مضاف والياء ضمير مُتصل مبني على السكون في محل خفض مضاف إليه.
كذلك (رأيت غلامي)، غلامي: مفعول به منصوب ونصبه فتحةٌ مقدرةٌ على آخره، منعَ من ظهوره اشتغالُ المحل بحركة المناسبة، (غلامي) مضاف والياء مضاف إليه في محل خفض.
(مررت بغلامي) الباء حرف جرّ، وغلامي هنا مخفوض في اللفظ، فلذلك اختلفَ النحاة وهذا الخلاف قويّ؛ لأن الكسرة هذه هل هي كسرة الباء أم أنها كسرة الياء؟ وجهان؛ اختارَ ابنُ مالك في التسهيل أنها كسرةُ الباء، والصواب أنها كسرة الياء يعني: كسرة مناسبة للياء، فحينئذٍ أشبهَ ما تكون بحركة بنية، لماذا؟ لأن التركيبَ سابق على دخول العامل، وإذا كان سابقاً حينئذٍ اقتضى الياء كسر ما قبله، يعني آخر المضاف، ثم دخلَ العامل، هذا الذي يُتصوّر في الذهن، ركّبت أولاً (غلامي)، ثم بعد ذلك قلت: مررتُ بغلامي، إذن لما دخلَ الحرف .. حرفُ الجر على (غلامي) دخل عليه وهو مضاف ومضاف إليه، إذن حصلَ التركيب أولاً فكُسِر آخر المضاف ثانياً، ثم دخلَ العامل ثالثاً فوجدَ الحرف مكسوراً فحينئذٍ لا يمكن أن يحدثَ كَسراً آخر، لأن الحرف الواحد المحل الواحد لا يتحرّك بحركتين: حركة مناسبة وحركة إعراب؛ لا، فحينئذٍ نُقدّر الكسر هذا هو الصحيح وهذا المقتضي القياس.
آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ: هذا حكمٌ آخر المضاف، وأما المضافُ إليه فهو الياء، واللغة المشهورة فيه الفتح والإسكان، فتقول: غلاميَ بتحريك الياء بالفتح،
стр. 1470
وغلامي، كتابيَ، كتابيْ بالإسكان والفتح، استثنى أربعة أنواع: لا يُكسر ما قبل آخره وهي المعتل وهذا يشملُ نوعين: المقصور والمنقوص.
والثالث: أو يكُ مثنى كابنين.
الرابع: أن يكن جمعاً على حد المثنى كزيدين، هذه الأربعة لا يُكسَر ما قبلها.
وحركة الياء كذلك يتعيّنُ فيها الفتح.
آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا لَمْ يَكُ مُعْتَلاًّ: إذا هذا شرط، إذا لم يكُ مُعتلاً .. لم يكن حذفت النون هنا للتخفيف.
ومِن مُضَارِعٍ لِكَانَ مُنجَزِمْ ... تُحْذَفُ نُونٌ وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ
إِذَا لَمْ يَكُ مُعْتَلاًّ: يعني في الاصطلاح النحوي وهو ما كان آخره حرفاً من حروف العلة، بشرط أن يكون ما قبله حركة من جنس الحرف، حينئذٍ (إِذَا لَمْ يَكُ مُعْتَلاًّ) نقولُ بالاصطلاح النحوي وهو ما آخِره حرفُ علة قبلها حركة مجانسة له. فخرجَ (دلْو وضْبي)، دلو: آخره واو قبلها سكون، وليست حرف علة، حينئذٍ نقول: هذا يجري مجرى الصحيح، فحكمُه حكمُ قوله: آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ، فتقول: دلوي، ضبيي، ثديي .. إلى آخره.
حينئذٍ إذا كانَ آخر الكلمة حرف من حروف العلة وما قبله لم يكن من جنسه، يعني حركة ليست من جنس الحرف، الواو يناسِبُه ما قبلها الضمة، والياء يناسبها ما قبلها الكسرة، والألفُ تلزم الفتحة، حينئذٍ خرجَ نحو: دلو، وضبي، يعني ما لم يكن المضاف إلى الياء مُعتلّ الآخر، وشملَ نوعين: المقصور والمنقوص، ولذا أتى بمثالين قالَ: كَرَامٍ، أصلُها رامي، هذه كقاضي، والمنقوص سبق بيانه.
وَسَمِّ مُعْتَلاًّ مِنَ الأَسْمَاءِ مَا ... كَالْمُصْطَفَى وَالمُرتْقَيِ مَكَارِمَا
وبيّنا حكمَه فيما سبق، وعرفنا حقيقةَ المنقوص، ما كان آخره ياء لازمة قبلها كسرة.
والمقصور كذلك كـ (قذى) وهو ما يقعُ في العين، هذا مقصور آخِره ألفٌ لازمة قبلها فتحة، وهذا سبقت بيانُ حدودِه، (أَوْ يَكُ كابْنَيْنِ) يعني أو يكن مثنى كابنين، والمراد بابنين هنا مثال للمثنى، أو جمعاً مذكراً سالم أو جمعاً على حدّ المثنى كزيدين.
حينئذٍ إذا لم يكن واحداً من هذه الأربعة اكسِر آخره، فيشملُ أربعة أنواع: المفرد الصحيح كغلامِ، ويدخلُ فيه المفرد المعتل الجاري مجرى الصحيح كدلو وضبي، ويدخلُ فيه جمعُ التكسير بنوعيه: غلمانِ وهنودِ وزيودِ، ويدخلُ فيه جمع المؤنث السالم، مسلمات وفتيات وفاطمات، فحينئذٍ نقول: هذه الأربعة الأنواع يُكسَر ما قبل آخره، من أين أخذناها؟ من الاستثناء لأن الاستثناء معيار العموم؛ لأنه قال: (إِذَا لَمْ يَكُ مُعْتَلاًّ) استثنى المعتل بنوعيه المنقوص، والمقصور، والمثنى، وجمع المذكر السالم، ماذا بقي؟ المفرد غلام، إذن إذا أضفتَه اكسِر آخرَه تقول: غلامي، كذلك المفرد الجاري المعتل الآخر، يعني آخره حرفُ علة لكنه لم يكن ما قبلَه من جنس الواو أو الياء، فحينئذٍ يجري مجرى الصحيح، فتقول: دلوي، وغلامي، ونحو ذلك، وضبيي، وكذلك الثالث جمعُ المؤنث السالم تقول: مسلمات وفتيات.
الرابع: جمعُ التكسيرُ تقول: غلمانِ، وزيودِ، وهنودِ .. بنوعيه المؤنث والمذكر.
стр. 1471
إذن: آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ وجوباً، هذا يشملُ أربعة أنواع، استثنى أربعة أنواع، عرفنا هذه الأربعة بالاستثناء، (إِذَا لَمْ يَكُ مُعْتَلاًّ) مقصوراً أو منقوصاً، (أَوْ يَكُ كَابْنَيْنِ) وهذا المراد به المثنى، أو (وَزَيْدِيْنَ) وهذا المراد به جمعُ المذكر السالم، فَذِي الفاء فاء الفصيحة، ما حكمُ هذه المستثنيات: المعتل والمثنى وجمع التصحيح؟ قال: فَذِي، كأنه ثم سؤالٌ مُقدّر، فوقعت الفاء هذه في الجواب، فَذِي الأربعة، ذي اسم إشارة (جَمِيعُهُا اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي) هذا تركيب عجيب.
فذي مبتدأ أول، وجميعها التوكيد، والياء مبتدأ ثاني، وفتحها مبتدأ ثالث، ثلاثة مبتدءات، وجوّزَ بعضهم جميعه أن يكونَ مُبتدأ ثانياً، والياء مبتدأ ثالث وفتحها مبتدأ رابع أربع مبتدءات.
(احْتُذِي) هذه جملة في محلّ رفع خبر المبتدأ الثالث أو الرابع فَتْحُهَا، وفَتْحُهَا احْتُذِي مبتدأ وخبر في محلّ رفع خبر المبتدأ الثاني أو الثالث الذي هو الياء، و (اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي) مبتدأ وجملة الخبر في محل رفع خبر المتبدأ الذي هو (ذي)، أو جميعها، وجميعها والخبر في محلّ رفع خبر المبتدأ الأول الذي هو ذي، إذن أربعة مُبتدءات أو ثلاثة يجوز فيها، فذي الأربعة جميعها هذا تأكيد، (اليَا) أي ياء؟ ياء المتكلم بعد: يعني بعدها، حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه، بعدها .. بعد، فَتْحُهَا فتح الياء، (احْتُذِي) أي اتبع، وهنا لم يجوِّز وجهاً ثانياً، فقال: احتُذي أي اتبع ما نُقلَ فيه عن العرب، وإذا نُقلَ عن العرب مقالٌ واحد حينئذٍ لا يجوزُ التعدد، وإذا كان كذلك صارَ الفتح واجباً لأنه لم ينص على الوجوب، والفتح واجب، كقوله: اكسِر آخر ما أُضيف لليا، وسكتَ عن الياء لأن الحكم مأخوذ من قوله: (فَذِي جَمِيعُهَا اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا) إذن يَتعيّنُ الفتح، مفهومه أن الياء في قوله: آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا. يجوزُ فيه الوجهان، ولا يجبُ الفتح بل الأصل هو السكون.
إذن للمخالف إثباتُ الحكم .. للمخالف للمستثنى المعتل وما عُطِف عليه حكم الياء أنه واجب الفتح، مفهومُه أن ما قبلَه المستثنى منه أنه لا يجبُ فيه الفتح، بل يجوزُ فيه الوجهان، فحينئذٍ إذا قيل لك: قوله: آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ، بيّنَ لك حكمَ المضاف أنه يُكسَر آخره، ولم يتكلّم عن الياء، ما حكمُ الياء؟ هو سكتَ عن الياء، لكن بالمفهوم تأخذُ حكم الياء، وهو أنه يجوزُ فتحها والأصل فيها الإسكان، من أين أخذنا هذا الحكم؟ لأنه ذكرَ حكم المستثنى وهو المعتل والمثنى والجمع، قال: يجبُ فتح الياء، فلما عيّنَ فتح الياء في المستثنى دلَّ على أن ما قبلَ إذا لم يك معتلاً يجوزُ فيه الوجهان وهو جواز الفتح مع الإسكان.
فذي الأربعة، فُهِم منه تخصيص الياء في هذه المواضع أن الياء في غيرها لا يجبُ فتحُها بل يجوزُ فتحها وسكونها.
جَمِيعُهَا تأكيد، فَذِي جَمِيعُهَا، اليَا بَعْدُ بعدَها .. بعد المعتل المنقوص وبعدَ المقصور وبعدَ المثنى وبعدَ جمع التصحيح إذا أُضيف واحد من هذه الأربعة إلى الياء، فَتْحُهَا احْتُذِي: اتبع.
стр. 1472
فتقول: هذا راميَ، راميَ بفتح الياء، مع إدغام الياء في الياء كما سيأتي، وتقول: هذا قاضيَ، وهذا قذيَ .. وتقول: هذان غلامَيَ وزيديَ ومسلميَ .. كلها بالإدغام مع فتح الياء، والكلام في الياء التي تكون ثانياً.
إذن فَذِي جَمِيعُهَا اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي، بعد: أي بعدَها، حال من الياء وهو مُتعلّق بقوله: احتذي، ويجوزُ جعلُ جميعها مبتدأ ثانياً، والياء مبتدأ ثالثاً، وفتحها مبتدأ رابعاً على التصريف الذي ذكرناه.
اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي.
وَتُدْغَمُ اليَا فِيهِ، وَتُدْغَمُ اليَا يعني: ياء المنقوص وياء المقصور وياء المثنى في حالة نصبه وجره، وكذلك جمع التصحيح تدغم فيه، يعني في ياء المتكلم.
وَتُدْغَمُ اليَا: أي ياء؟ ياء المنقوص، وياء المقصور، وياء المثنى، وياء الجمع، فيه: أي في الياء المذكورة، وهي ياءُ المتكلم، وإنما ذكَرَه فِيهِ ولم يقل: فيها لتأويله باللفظ.
ثم قال: وَالوَاوُ: والواو كذلك، تُدغَم فيه يعني: في الياء، لكن ليست تُدغَم فيه مع كونها واواً، لا، تقلب الواو ياء ثم تدغم الياء في الياء.
وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ: فتقول: مسلمون لي مسلمِيَ، أصلها مسلموي واو ساكنة وياء ساكنة، قُلِبت الواو ياء، إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون وجَبَ قلبُ المتقدم، إن كان ياء قلب واواً والعكس، هنا الواو ساكنة فوجبَ قلبها ياء، ثم أُدغمت الياء في الياء، لكن بقيت مُشكلة وهي: ضمةُ الميم، مسلموي، هذا الأصل مُسلمُيّ هذا ثقيل، ولو أبقيناها لرجعت الياء إلى أصلها، يعني قُلِبت واواً؛ لأن الياء الساكنة المضموم ما قبلَها يجبُ قلبها واواً، ثم تقلب الواو ياء، فحينئذٍ فراراً من هذا نقلبُ الضمة كسرة، فنقول: مُسلمِي، أصلها مسلمُي، هذا الذي عناهُ هنا: (وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ) مثل: مسلمُي، ضمّ اكسِره، حينئذٍ تقول: مُسلمي، لماذا؟ طلباً للتخفيف، ولئلا تنقلبُ الياء واواً.
يَهُنْ: يعني يسهل، هانَ يهون يعني: يسهلُ النطق بالكلمة.
وَتُدْغَمُ اليَا فِيهِ: عرفنا المراد يعني: ياء المتكلم وياء المنقوص والمقصور، حينئذٍ تُدغَم في ماذا؟ في ياء المتكلم، وَالوَاوُ بالرفع، يعني الواو كذلك، أو وكذا الواو، لكن بعدَ قلبها ياء، ليست هكذا هي واو لا، بعد قلبها ياء، ولم يذكره المصنف اكتفاء بأخذِهِ من قوله: وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ، أي: وكذا الواو من المجموع حال رفعه وفُهِم منه وجوبُ قلب الواو ياء؛ لأن الحرف لا يُدغَم إلا في مثله، هذا واضح بيّن.
وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ: فإن لم يُضم بقي على حاله، مصطفَي مصطفاوي، هذا الأصل واو ساكنة ثم بعدها ياء، قُلبت الواو ياء، فأُدغمت الياء في الياء، فصارَ مُصطفي، هل فيه ثِقل؟ ليس فيه ثِقل، حينئذٍ يبقى.
إذن قوله: وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ. مُسلمُي مسلمِي، تَقلَب الضمة كسرة، وإذا كان مفتوحاً يُبَِقى على حاله، فتقول: مصطفَي.
فَاكْسِرْهُ يَهُنْ: فاكسِره هذا أمرٌ وهو يقتضي الوجوب، فإن لم يَنضم بل انفتحَ بقي على فتحه نحو: مصطفون فتقول: جاء مصطفي.
стр. 1473
آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا لَمْ يَكُ مُعْتَلاًّ. إذن استثنى من هذه القاعدة: آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ. استثنى أربعة أنواع، هذه الأربعة آخرها واجب السكون، يعني ما قبل الياء ما حكمُه؟ ساكن، واجب السكون والياء معَها واجبة الفتح، إذن واجب السكون آخِر ما أُضيف سكّن، والياء نفسها افتحها وجوباً في الموضعين، في آخر المضاف سكّنه وهذا واجب، في المواضع الأربعة، والياء نفسُها وجبَ فتحها بخلاف الأربعة المواضع المفرد، والذي هو كالصحيح، وجمع التكسير بنوعيه، وجمع المؤنث .. آخِره اكسره، والياء يجوزُ فيها الوجهان، هي خمسة أوجه لكن المشهور وجهان.
إذن هذه الأربعة آخرها واجبُ السكون والياء معها واجبةُ الفتح، وإنما وجبَ سكونها –تعليل-؛ لأن آخرها لا يقبل الحركة؛ لأن رامي لا يقبل الحركة لا لذاته وإنما للثقل؛ لأننا حذَفنا حركةَ الإعراب، حينئذٍ يمتنعُ أن يحرّكها بحركة عارضة، لأن الأصل أنه يظهرُ الإعراب نطقاً على الياء، لما تعذّر للثقل حذفنا الضمة والكسرة، فإذا حذفنا الضمةَ والكسرة، حينئذٍ لا يمكن أن نُحرّك الياء بكسرة عارضة.
إذن آخرها لا يقبل الحركة، فآخرُ المقصور والمثنى المرفوع ألف، وهو لا يقبلُ الحركة، وآخر المنقوص والمثنى المجرور والمنصوب وجمع المذكر السالم ياء، واجبة الإدغام في ياء المتكلم، والحرف المدغم في مثله لا يقبل الحركة، إذن سُكّن آخر المضاف في هذه الأربعة لكونه لا يقبل الحركة.
وَأَلِفاً سَلِّمْ: سلّم ألفاً، يعني اتركها سالمة لا تَقلِبها، وهذا في المثنى في حالة الرفع، والمقصور (فتايَ، عصايَ) تبقى كما هي، (غلاماي). أي: اتركها على حالها، وشمِلَ المقصور نحو: (فتايَ، وعصايَ)، والمثنى في حال الرفع (هذان غلاماي)، هذا لغة جمهور العرب أنه في حالة الألف في المثنى رفعاً إذا أُضيفَ لياء المتكلم تبقى الألفُ كما هي لا تقلبها، والمقصور كذلك إذا أُضيف إلى ياء المتكلم حينئذٍ تبقى كما هي، فتقول: (فتايَ، وعصايَ، وغلامايَ) بإثبات الألف، هذه لغة الجمهور، وهذيل -قبيلة- يُبدِلون ألف المقصور ياءً دون ألف المثنى، ألف المقصور فقط، ولذلك قالوا: وَفِي الْمَقْصُورِ عَنْ هُذَيْلٍ انْقِلاَبُهَا يَاءً حَسَنْ، في المقصور لا في غيره، وهو المثنى في حالة الرفع، فهو خاصٌّ بحالة واحدة، وهذيل يُبدلون ألف المقصور ياء، ويُدغمونها في ياء المتكلم، ولذلك قال: (وَفِي الْمَقْصُورِ) يعني: لا في ألف المثنى فلا تُبدَل عندهم، (عَنْ هُذَيْلٍ) خاصة (انْقِلاَبُهَا) مبتدأ (يَاءً) هذا مفعول لقوله: انقلاب لأنه مصدر.
(انْقِلاَبُهَا يَاءً حَسَنْ) حَسَنٌ هذا خبرُ المبتدأ، يَاءً مفعول به أو بنزع الخافض، يعني لياء، حسن نحو: عصا، يقولون: (عصَيَّ، فتَيَّ، هوَيَّ) يعني بقلب الألف ياء، أصلُها عصا، فتى، ألف .. تُقلَب الألف ياء، ثم تُدغَم الياء في الياء فيقال: عصيَّ وهويَّ.
وَأَلِفَاً سَلِّمْ وَفِي الْمَقْصُورِ عَنْ ... هُذَيْلٍ انْقِلاَبُهَا يَاءً حَسَنْ
يعني هذه الألف، وَأَلِفاً سَلِّمْ من الانقلاب سواء كانت للتثنية نحو (يداي) أو للمحمول على التثنية نحو (ثنتاي) بالاتفاق، أو آخر المقصور نحو: (عصاي) على المشهور.
стр. 1474
قال الشارح: يُكسَر آخر المضاف إلى ياء المتكلم، إذن آخرُ المضاف وجبَ فيه الكسر، وأما الياء نفسها فهذه المشهور فيها لغتان: الإسكان والفتح، أما الإسكان هذا الأصل لأنه مبني وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنِيِّ أَنْ يُسَكَّنَا، هذا الأصل فيه، وأما الفتح قالوا: لأنه على حرف واحد، ياء حرف مبني على حرف واحد، والأصل في المبني إذا كان على حرف واحد أن يكونَ محركاً، وأخفُّ الحركات هي الفتحة، فصارَ على أصل آخر. والفتح هو الأصل الثاني؛ لأن الأصل في المبني الذي وضعَ على حرف واحد أن يكون مُتحركاً والفتحة أخفُّ الحركات، ومع جواز الإسكان والفتح في ياء المتكلم فالإسكان أكثر وأشهر.
فيه لغة ثالثة وهي قليلة، أقلّ من اللغتين السابقتين، وهي: حذفُ الياء مع بقاء كسرة المضاف، تقول: جاء غلامِ، بكسر الميم مع حذف الياء، هذه لغة، هذه قُرئ بها كذلك، والرابعة: قلبها ألفاً بعدَ فتح ما قبلها، تقول: غلامِيَ الأصل هذا، تقلب الكسرة فتحة، فحينئذٍ تقول: تحرّكت الياء وانفتحَ ما قبلَها فوجبَ قلبها ألفاً فصار (غلامَ)، وقيل منه: ((يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ)) [الزمر:٥٦] أصلها يا حسرتي، ثم قُلبت الكسرة فتحة فتحرّكت الياء وانفتح ما قبلَها، فقلبت ألفاً، صار ((يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ)) أصلها: يا حسرتي.
الخامسة: حذفُها وإبقاء الفتحة (يا حسرتَ) يعني تُحذَف الألف كما حُذفت الياء وإبقاء الكسرة، لتدلَّ عليه، كذلك تحذف الألف تقول: يا غلامَ، بفتح الميم لتدلَّ على الألف المحذوفة، أصلها يا غلاما، هذه الوجوه عامة في باب النداء وفي غيره.
يُكسَر آخر المضاف إلى ياء المتكلم إن لم يكن مقصوراً ولا منقوصاً ولا مثنى ولا مجموعاً جمع سلامة لمذكر، فذي الأربعة هذه مُستثناة، كالمفرد كغلام، وجمعي التكسير الصحيحين، النحاة يعنونون لجمع التكسير بلفظ واحد، وقد يُقسِّمونه إلى قسمين، يعني يقولون: جمع التكسير نوعان: جمع تكسير لمذكر كزيود، وجمع تكسير لمؤنث كهنود، ولذلك قال هنا: وجمعي التكسير، يقصد به المذكر والمؤنث، فتقول: هنودِ، وزيودِ.
وجمع السلامةِ للمؤنث، والمعتل الجاري مجرى الصحيح، والمرادُ به ما كان آخره حرفَ علة وقبله ساكن نحو: (غلامي وغلماني وفتياتي ودلوي وظبيي، وهنداتي وأخواتي)، وإن كان مُعتلاً يعني آخره حرفَ علة؛ فإما أن يكونَ مقصوراً أو منقوصاً، فإن كان منقوصاً أُدغمت ياؤه في ياء المتكلم (هذا قاضِيَّ، هذا رامِيَّ)؛ هذا مبتدأ وقاضِيَّ خبر مرفوع، ورفعه ضمة مُقدّرة على الياء المدغمة في ياء المتكلم.
إذن نقول: هذا قاضِيَّ، مرفوع بضمة مُقدّرة على ما قبلَ ياء المتكلم منعَ من ظهوره اشتغال المحل بسكون الواجب لأجل الإدغام لا الاستثقال كما هو حكمه في غير هذه الحالة.
إذن نقول: مُقدّر، والمانعُ منه هو الإسكان، ومحلّ الإعراب هو الياء، أين الياء؟ مُدغمة في الياء .. ياء المتكلم.
стр. 1475
أُدغمت ياؤه في ياء المتكلم، وفُتحت ياء المتكلم وجوباً، (فَذِي جَمِيعُهَا اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي)؛ فتقول (قاضي) رفعاً ونصباً وجراً، وكذلك تفعلُ بالمثنى وجمع المذكر السالم في حالة الجر والنصب، فتقول: (رأيت غلامَيَ وزيديَ، ومررتُ بغلاميَ وزيديَ)، والأصل بغلامين لي وزيدين لي، فحُذفت اللام تخفيفاً، والنون لأجل الإضافة فقيل: غلامَي، ثم جاءت الياء، والياء ساكنة، فأدغمت الياء في الياء.
وزيدين لي، حُذفت اللام تخفيفاً، والنون للإضافة، فقيل: (زيدي)، ثم جاءت الياء، الأولى ساكنة والثانية مفتوحة .. واجبة الفتح، إذن اجتمعَ مِثلان؛ الأول ساكن والثاني مُتحرّك فوجبَ إدغامُ الاول في الثاني، ثم أُدغمت الياء في الياء وفُتحت ياء المتكلم.
وأما جمعُ المذكر السالم في حالة الرفع فتقول فيه أيضاً: (جاء زيدي ومسلمي) كما تقول في حالة النصب والجر، والأصل (زيدوي ومسلموي)، اجتمعت الواو والياء، أصلُها (زيدون لي ومسلمون لي)، فلمّا أُريدَ التخفيف حُذفت اللام والنون؛ لأجل الإضافة صارَ (زيدوي ومسلموي)، حينئذٍ قُلبت الواو ياء، لماذا؟ للقاعدة: اجتمعت الواو والياء وسُبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الواو ياء، ثم هي ساكنة والثاني مُتحركة فوجبَ إدغامُها، ثم جاءت علة وهي كونها مضمومة .. الميم مُسلمُي، حينئذٍ وجبَ قلبُ الضمة كسرة، لتناسبَ الياء لتصحّ؛ لأنها لو لم تُقلب لقُلبت الياء واواً؛ لأن الياء الساكن إذا ضُمّ ما قبلَها وجبَ قلبها واواً، فترجع إلى الأصل، ونحن نريدُ الفرار من الواو إلى الياء من أجلِ الإدغام. والأصل (زيدوي ومسلموي)، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الواو ياء وأُدغمت الياء المنقلبة عن الواو في ياء المتكلم، ثم قُلبت الضمة كسرة، لماذا؟ لتصحّ الياء، لذلك علَّلَهُ الشارح .. لتصحّ الياء، أي ياء؟ المنقلبة عن الواو، حينئذٍ علامةُ الرفعِ الواو المنقلبة ياء للموجب، فتقول: جاءَ مسلمي، مسلمي فاعل مرفوع ورفعه الواو المنقلبة ياء، حينئذٍ تكونُ الواو مُقدّرة، وهذا ذكرناه في جمع المذكر السالم هناك، مسلمي، نقول: هذا إعرابه بحرف مُقدّر، أينَ الحرف؟ هو الواو، وليست هي الياء، قد يقولُ قائل: مرفوع والياء هذه هي علامة الإعراب، نقول: لا، جمعُ المذكر السالم يُعرب رفعاً بالواو لا بالياء، وهذه الياء إنما هي ياءٌ تصريفية، يعني الذي جاءَ بها هو تطبيقُ القواعد الصرفية؛ فهي فرع لا أصل، والإعراب يكون بالواو.
ثم قُلبت الضمةُ كسرة، هذا صريحٌ في أن هذا بعدَ قلب الواو ياء وقيل العكس، لتصحّ الياء أي المنقلبة، فصارَ اللفظ (زيدي)، وأما المثنى في حالة الرفع فتسلَمُ ألفُه وتُفتح ياء المتكلم بعده فتقول: (زيداي وغلاماي) عند جميع العرب.
وأما المقصور فالمشهور في لغة العرب جعله كالمثنى المرفوع فتقول: (عصاي وفتاي)، وهذيل تقلب ألفه ياءً وتُدغمها في ياء المتكلم وتفتح ياءَ المتكلم فتقول (عصيَّ)، هذا حكاها عيسى بن عمر عن قريش و (فتي ورحي) قال شاعرهم:
سَبَقُوا هَوَيَّ وأعنَقُوا لِهَواهُمُ ... فَتُخُرِّمُوا ولكلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
هوي: هواي هذا الأصل، فقُلبت الألفُ ياء ثم أُدغمت الياء في الياء هوي.
следующие страницы →