← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36130

شرح ألفية ابن مالك للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

غير موصوفة بالجملة بعدها، طيب. كيف ابتدئ بها وهي نكرة تامة؟ لتضمنها معنى التعجب، وهذا عده ابن عقيل في المسوغات إذا كان فيها معنى التعجب وذكر (ما) التعجبية. لما فيها من معنى التعجب ابتدئ بها، وإلا الأصل لا. وابتدئ بها لتضمنها معنى التعجب المناسب له قصد الإبهام، والمراد إذا قيل: بأن فيها معنى التعجب هل التعجب حاصل بلفظ (ما) أو بالتركيب كله؟ بالتركيب كله، فكيف نقول: فيها معنى التعجب ونحن نقول: التعجب حاصل بصيغة: (ما أفعل زيداً) نقول: لها مدخلية، لها دخل في إفادة التعجب؛ لأن التعجب جزء ومركب، فـ (ما) التعجبية فيها معنى التعجب، أفادت مع التركيب وبعد التركيب التعجب، حينئذٍ لا ينافي .. لا تعارض بين أن نقول: صيغة التعجب: (ما أحسن زيداً) كلها، التركيب كله من المبتدأ والخبر أفاد التعجب إنشاء التعجب، كيف نقول: (ما) لوحدها فيها معنى التعجب والتعجب إنما يكون ثمرة للتركيب؟ نقول: لها مدخلية، يعني: لها شأن في إفادة التعجب، حينئذٍ لا تعارض، نجمع بين هذا وذاك. والمراد: أن لها دخلاً في إفادته، فلا ينافي أن الموضوع للتعجب الجملة بتمامها، فهي مبتدأ وما بعدها خبر فموضعه رفع. إذن: على مذهب سيبويه (ما) نقول: تعجبية، هي اسم مبتدأ معناها: نكرة تامة شيء، وما بعدها الجملة: (أحسنَ زيداً) تعربه على جهة التفصيل فتقول: في محل رفع خبر المبتدأ. إذن: ليس عندنا تقدير، ليس عندنا محذوف. هذا قول وهو الصحيح، مذهب سيبويه في (ما) التعجبية هو الأصح، والمذهب الثاني مذهب الأخفش: أنها معرفة ناقصة، لماذا ناقصة؟ قال: لاحتياجها في إفهام المراد إلى الصلة؛ لأنها بمعنى (الذي) ومعلوم أن اسم الموصول مفتقر إلى ما بعده في إتمام معناه، فهي معرفة ناقصة بمعنى الذي، وما بعدها صلة فلا موضع لها. إذن: إذا اتفقنا على أنها مبتدأ (ما أحسن زيداً) .. الذي أحسن زيداً، إذن: (أحسنَ زيداً) لا موضع لها من إعراب صلة الموصول. أين الخبر؟ محذوف. ما الذي دل عليه؟ لا دليل، ليس فيه دليل، وهذا الذي يرِد على قول الأخفش وغيره. كل من أوجب حذف الخبر نقول: حذفه بلا دليل فلا يجوز، فالقول ضعيف. يعني: يرد على تضعيف هذا القول بكون الخبر محذوفاً، وأين الدليل؟ أين القرينة؟ لا قرينة ولا دليل، حينئذٍ نقول: لا يجوز حذف الخبر، وأنتم جوزتم حذف الخبر. فتقديره عليه: أي الذي حسَّن زيداً شيء عظيم، ولا حاجة لقولهم (شيء) لكن من باب الإتمام. (فالذي) هذا مبتدأ. (حسَّن زيداً أو أحسن زيداً) نقول: الجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، وأين الخبر؟ محذوف. تقديره: شيء عظيم. هذا على مذهب الأخفش: أنها موصولة والجملة التي بعدها صلتها، والخبر محذوف وجوباً، وفيه: أنه حذفٌ دون دليل، والتقدير: (الذي أحسن زيداً شيء عظيم) ليس ذكر (شيء) ضرورياً.

стр. 1612

المذهب الثاني وهو مذهب الفراء وابن درستويه: أن (ما) تعجبية استفهامية في الأصل، هي استفهامية مبتدأ، وهي مشوبة بتعجب، يعني: اختُلط معناها أو خُلط معناها بمعنى التعجب، مثل ما قاله سيبويه، سيبويه قال: نكرة تامة فيها معنى التعجب، مذهب الفراء أنها استفهامية في الأصل ولكنها مشوبة بمعنى التعجب. وقيل: استفهامية في الأصل ثم نقلت إلى إنشاء التعجب. وهذا القول نسبه في التسهيل إلى الكوفيين، قال في التصريح: هو مناسب لقولهم باسمية أفعَل بفتح العين كما سيأتي، يعني: الذي يناسب الكوفيين أفعَل عندهم أحسن اسم كما سيأتي، حينئذٍ الذي يناسبه .. يناسب هذا القول هو قول الفراء بأنها استفهامية. هو مناسب لقولهم باسمية أفعَل بفتح العين؛ فإن الاستفهام المشوب بالتعجب لا يليه إلا الأسماء، نحو: (مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ) هذا القول الثالث. والجملة بعدها خبر عنها، والتقدير: (أي شيء أحسنَ زيداً؟) على قول الفراء أن (ما) استفهامية مشوبة بالتعجب صارت مبتدأ، قلنا: متفق على أنها مبتدأ، أين الخبر؟ الجملة بعدها، وهذا القول أقرب من مذهب الأخفش؛ لأن الخبر يكون موجوداً في الكلام. (ما أحسن زيداً، أيُّ شيء أحسنَ زيداً؟) أين التعجب هنا؟ هذا صار استفهاماً. (أيُّ شيء أحسنَ زيداً) هذا فيه ضعف. المذهب الرابع: أنها نكرة موصوفة. هذا مقابل لمذهب سيبويه، سيبويه أنها نكرة تامة يعني: لا تفتقر إلى الجملة بعدها، فهي مبتدأ والجملة بعدها خبر. هنا نكرة ناقصة، وإذا كانت ناقصة حينئذٍ ما بعدها الجملة تكون صفة لها، وهي مبتدأ، أين الخبر؟ محذوف، وإذا قيل: (الخبر محذوف هنا) اعلم أن القول ضعيف؛ لأنه ليس له دليل يدل عليه. إذن: المذهب الرابع أنها نكرة موصوفة، والجملة التي بعدها صفة لها، والخبر محذوف وجوباً، والتقدير: (شيء أحسنَ زيداً عظيم)، والصواب هو مذهب سيبويه أن (ما) نكرة تامة والجملة التي بعدها خبر عنها، والتقدير: (شيء أحسن زيداً) أي: جعله حسناً. إذن: (مَا) فيها أربعة مذاهب: أنها نكرة تامة، أنها معرفة ناقصة بمعنى (الذي)، أنها استفهامية مشوبة بالتعجب، أنها نكرة موصوفة، والصحيح هو الأول. وأما الفعل .. أفعَل الذي بعدها (بِأفْعَلَ انْطِقْ) هذا فيه مذهبان، قيل: فعل، وقيل: اسم. واختلفوا في (أفْعَلَ)؛ فقال البصريون والكسائي: فعل، إذا قيل: فعل؛ لا بد من دليل، ما الدليل؟ قالوا: وجوب اتصال نون الوقاية به عند اتصال ياء المتكلم به، فتقول: (ما أفقرني إلى عفو الله)، مر معنا عند قوله: وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ التُزِمْ. قال ابن عقيل هناك: واستُدِل بها على فعلية (ما أفعَل)؛ لأن نون الوقاية لا تتصل إلا بالفعل، هذا أصالة، حينئذٍ إذا اتصلت بالكلمة دل على أنها فعل، والمراد بالاتصال اللزوم الذي لا ينفك عنه بحال من الأحوال، فلا يصح أن يقال: (ما أفقرِي) وإنما يقال: (ما أفقرني إلى عفو الله)، وحينئذٍ نقول: دل اتصال نون الوقاية بأفعَل على أنه فعل؛ لأن الفعل إذا دخل عليه أو نصب ياء المتكلم حينئذٍ نقول: ياء المتكلم لا يكون ما قبلها إلا مكسوراً، فلا يناسبه أن يكسر الفعل لأجلها فجيء بهذه النون لتقي الفعل عن الكسر.

стр. 1613

وكونها لازماً، يعني: لا تنفك عنه بحال من الأحوال دل على أنه فعل. للزومه نون الوقاية مع ياء المتكلم، وحينئذٍ فتحته فتحة بناء كما في (ضرب)، (ما أحسن) أحسنَ على وزن أفعَل مثل أكرم، أكرم الفتحة هذه فتحة بناء وليست علامة نصب، وكذلك (ضرَبَ) الفتحة هذه فتحة بناء. وقال: وإذا كان كذلك حينئذٍ صار ما بعده مفعولاً به، على مذهب البصريين أن (أحسنَ) فعل، المنصوب بعده يكون مفعولاً به، وفيه ضمير مستتر كما سيأتي. وقال بقية الكوفيين: اسم، يعني: (أحسن) اسم، ما الدليل؟ قالوا: سمع تصغيره، فيقال: (ما أُحَيسنه) وسمع قول القائل: يا مَا أُمَيْلِح غِزْلاَناً شَدَنَّ لَنَا يا مَا أُمَيْلِح، أُمَيْلِحَ، أَمْلحَ هذا صُغِّر، وقيل: أُمَيْلِحَ، وحينئذٍ نقول: تصغيره دل على اسميته، لماذا؟ لأن التصغير من خصائص الأسماء، إذن: هو اسم. ففتحته حينئذٍ فتحة إعراب كالفتحة في: (زيدٌ عندَك) عندَ الفتحة هذه فتحة إعراب. إذن: هو منصوب وليس بمرفوع مع كونه خبراً، فكيف نُصب؟ قال: وعامل النصب هنا عامل معنوي، ما هو العامل المعنوي؟ قالوا: المخالفة. وهنا أتوا بالعجائب الكوفيون. العامل هو المخالفة، ما هي المخالفة؟ قالوا: الأصل في الخبر أن يكون موصوفه المبتدأ، هذا الأصل. (اللَّهُ رَبُّنَا) عين المبتدأ، (محمد نبينا) ﷺ عين المبتدأ، (زيد قائم) وصف للمبتدأ، (زيد قام أبوه) صار الوصف لما بعده. اتفق النحاة على أن الخبر إذا جرى على المبتدأ بأن كان عينه أو وصفاً له أنه مرفوع باتفاق، وأما إذا جرى الخبر على غير ما هو له لم يكن وصفاً للمبتدأ فوقع فيه بعض النزاع. (زيدٌ أكرِم به أباً) زيد: مبتدأ. أكرم به أباً، الإكرام هنا وقع لمن؟ (زيد قام أبوه) أوضح هذا، زيد: مبتدأ، قائم أبوه، قائم: خبر، الخبر محكوم به والمبتدأ محكوم عليه، هل وصفت زيدا بالقيام؟ لا، إنما وصفت أباه، إذن: جرى على غير ما هو له، هذا ما يسمى بالمخالفة عند الكوفيين، صار عاملاً معنوياً فاقتضى النصب، الكلام متهافت. وعامل النصب هنا المخالفة، فمخالفة الخبر للمبتدأ تقتضي عندهم نصبه، فينصب حينئذٍ .. صار منصوباً، لماذا؟ لكونه لم يجر على ما هو له في الأصل؛ لأن الأصل في الخبر أن يكون محكوماً به على المبتدأ، فإذا حكم به لا على المبتدأ خالف، حينئذٍ اقتضى النصب، ما الذي نصبه؟ مثل ما نقول الابتداء والتجرد نقول هنا المخالفة، وهذا شذوذ. و (أحسن) إنما هو في المعنى وصف لزيد لا لضمير (ما)، (ما أحسنَ زيداً) شيء أحسن زيداً، أحسن زيداً، أحسن فعل ماضي، وزيد فيه ضمير وهو الفاعل، وزيداً مفعول به، هنا وصفتَ الحُسنَ للفاعل أو للمفعول؟ من هو الموصوف بالحسن الفاعل الذي يعود على (ما) بمعنى شيء، أو زيداً؟ زيداً المتعجب منه، إذن جرى على غير ما هو له. قال: وأحسن إنما هو في المعنى وصف لزيد لا لضمير (ما) فمخالفة الخبر للمبتدأ كونه ليس وصفاً للمبتدأ في المعنى، وزيد عندهم مشبه بالمفعول به، لوقوعه بعد ما يشبه الفعل في الصورة.

стр. 1614

إذن عند الكوفيين أن أحسن: اسم، الدليل؟ تصغيره، ما أحيسن زيد، ما أحيسنه، يا مَا أُمَيْلِحَ، ثم أورد عليهم بأنه مفتوح والخبر يكون مرفوعاً قالوا: لا. هو منصوب والعامل فيه المخالفة، إلى هنا واضح. لكن نقول: هذا قول ضعيف؛ إذ لو كان خبراً لرفع هذا الأصل في الخبر، الخبر أن يكون مرفوعاً لا يكون منصوباً. والصحيح: هو مذهب البصريين أنه فعل للدليل السابق، وأما تصغيره فهو شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه، وإذا كان شإذن حينئذٍ لا يصلح دليلاً لإثبات الاسمية، وأما التصغير في (ما أحيسنه)، والبيت الذي رووه يَا مَا أُمَيْلِحَ فشاذ، ووجهه أنه أشبه الأسماء عموماً لجموده، سيأتي أنه لا يتصرف فيه. وأنه لا مصدر له، وأشبه أفعل التفضيل خصوصاً بكونه على وزنه، وبدلالته على الزيادة، وبكونهما لا يبنيان إلا مما استكمل الشروط، لهذه الوجوه جيء به مصغراً، وعلى كلٍّ هو شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، فإذا سقط دليلهم وهو بناؤهم على التصغير، حينئذٍ رجعنا إلى الأصل وهو اتصال نون الوقاية به ولزومها فهو دليل على الفعلية. فإذا ثبت أنه فعل فحينئذٍ لا بد للفعل من فاعل، وفاعله ضمير مستتر وجوباً، ما أحسن زيداً، (ما) قلنا مبتدأ وأحسن فعل ماضي على الصحيح، وفاعله ضمير مستتر وجوباً يعود على (ما)، ولا تقل تقديره هو، وزيداً مفعول به، وعلى طريقة الكوفيين: (ما) مبتدأ، وأحسن خبره منصوب بالمخالفة، وزيداً منصوب على التشبيه بالمفعول به. انظر: أحسن هذا خبر، والفتحة هذه؟ قالوا: هو منصوب، لماذا منصوب؟ لأنه خالف، والمخالفة هي عاملة النصب، وزيداً هذا منصوب على المفعولية لكنه مشبه به، أين الفاعل؟ لا فاعل عندهم، ليس فيه ضمير، هذا ظاهر مذهبهم؛ لأن الاسم في مثل هذا لا يتحمل الضمير .. هذا الأصل، وأما على مذهب البصريين فأحسن فعل ماضٍ وفاعله ضمير مستتر عائد على (ما) وهو دليل الاسمية، وهذا الضمير يخالف سائر الضمائر في ثلاثة أمور، لأن الآن خروج عن أصل: الأول: أن الضمير المستتر في الفعل يجوز العطف عليه بعد الفصل بالضمير، سيأتي في عطف النسق، ((اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ)) [البقرة:٣٥] اسْكُنْ ضمير مستتر، فيه فاعل ضمير مستتر، عَطفتَ عليه وَزَوْجُكَ، جاز أو لا؟ جاز بعد الفصل بضمير منفصل، هذا لا يجوز في باب أحسن، لا يجوز أن تعطف عليه ولو فصلته بضمير منفصل؛ لأنه لا يفصل بينهما، ولو كان تأكيداً، وَوَصْلَهُ بِهِ الزَمَا كما سيأتي، هذا الأول. أن الضمير المستتر في الفعل يجوز العطف عليه بعد الفصل بالضمير المرفوع البارز أَوْ فَاصِلٍ مَا كما سيأتي في كلام الناظم، وهنا لا يجوز مطلقاً، إذن فارق هذا الضمير سائر الضمائر المستترة. الثاني: لا يجوز أن يبدل من الضمير المستتر في أحسن مع كونه يجوز في بعض المسائل. ثالثاً: أنه لا يجوز في باب التدريب أن يخبر عن هذا الضمير المستتر في أحسن، لا نقول: تقديره هو بخلاف سائر الضمائر.

стр. 1615

إذن: ما أفعل، ما أحسن زيداً .. قلنا (ما) هذه مبتدأ وهي اسم بالإجماع، واختلفوا في معناها على أربعة مذاهب، والأصح مذهب سيبويه أنها نكرة تامة، وأحسن فيه قولان: فعل ماضٍ، اسم .. والصواب: أنه فعل وفيه ضمير مستتر يعود إلى (ما) وهو دليل اسميتها، وزيداً مفعول به، لا نقول: منصوب على التشبيهه بالمفعول كما هو شأن الكوفيين. وأما الصيغة الثانية وهي: أفعِل به، فهذه أجمعوا على فعلية أفعِل –بالإجماع-؛ لأن صيغة أفعِل لا نظير فيها في الأسماء، وإنما هي مثل أكرِم، أكرم فعل أمر، حينئذٍ له نظير. وأما الصيغة الثاني فأجمعوا على فعلية أفعِل؛ لأن صيغته لا تكون إلا لفعل، ثم اختلفوا، بعد الإجماع الأول. فقال البصريون: وإن كان لفظه لفظ الأمر (أحسِن)، إلا أنه ليس بأمر، وإنما هو فعل ماضٍ جاء على صورة الأمر، قال البصريون: لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر، وكما يأتي العكس ((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ)) [البقرة:٢٢٨] جاء بلفظ الخبر والمراد به الأمر، وهنا جاء بلفظ الأمر والمراد به الخبر .. كل منهما يأتي بمعنى الآخر، ((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ)) [البقرة:٢٢٨] يعني: ليتربصن؛ لأن هنا حكم واجب، حينئذٍ دل بصيغة يَتَرَبَّصْنَ وهي صيغة الخبر على الأمر، إذن كل منهما يأتي في مقام الآخر، وهذا بحث في علم البيان. ومعناه الخبر وهو في الأصل ماضٍ على صيغة أفعَل، يعني كأن الأصل في أفعِل به هو ما أحسَن زيداً. وهو في الأصل ماضٍ على صيغة أفعَل، بمعنى: صار ذا كذا، ولذلك قلنا: أَوْفَى الهمزة هنا للنقل، وَأَصْدِقْ الهمزة للصيرورة. والمراد على صيغة أفعَل، حينئذٍ الهمزة هنا للصيرورة، هي أفعِل بخلاف أفعَل، أَوْفَى .. حينئذٍ تكون للنقل. على صيغة أفعَلَ، بمعنى صار ذا كذا، أغد البعير أي: صار ذا غدة، أورق الشجر أي: صار ذا ورق، أثمر البستان أي: صار ذا ثمر، أزهر البستان أي: صار ذا زهر، أترب زيد أي: صار ذا متربة يعني: حاجة ..

стр. 1616

إذن: هذه الهمزة تدل على الصيرورة بمعنى: صار كذا، هذا الأصل فيه. بمعنى: صار ذا كذا، كـ أغد البعير أي: صار ذا غدة، ثم غيرت الصيغة، غيرت من الماضي إلى الأمر: أحسَنَ زيدٌ بالرفع، فقيل: أحسِن حوِّلت من صيغة الماضي إلى الأمر، فقيل: أحسِن زيدٌ فحصل قبح، وهو: أن صورة أحسن فعل أمر، وفعل الأمر لا يناسبه ما بعده أن يكون اسماً ظاهراً، إذا كان مرفوعاً؛ لأنه فاعل أحسِنْ زيدٌ هذا لا نظير له، فحينئذٍ من باب تحسين اللفظ زيدت الباء لزوماً، ثم غيرت الصيغة فقبح إسناد صيغة الأمر إلى الاسم الظاهر، أحسنْ زيدٌ هذا قبيح، فزيدت الباء في الفاعل ليصير على صورة المفعول به، كامرر بزيدٍ، إذن أحسِن بزيد أصلها: أحسنَ زيدٌ. حوّلت صيغة الماضي إلى الأمر للعلة السابقة التي هي: صار ذا كذا، حينئذٍ قيل: أحسِن زيدٌ، في الظاهر صار اللفظ لفظ فعل أمر، والذي يليه اسم ظاهر، ومن القبيح أن يتلو الفاعل وهو اسم ظاهر فعل الأمر ولو صورة؛ لأن فعل الأمر لا يرفع فاعلاً ظاهراً وإنما يرفع ضميراً مستتراً أو بارزاً، قُوما، قوموا، قم .. إذن ضمير مستتر أو بارز، وهنا عندنا في هذا المثال: أحسن بزيدٍ المخاطب واحد، فحينئذٍ لا يحسن أن يتلوه اسم ظاهر، فمن باب التحسين والإصلاح للفظ زيدت الباء لزوماً على الفاعل، فصار مثله مثل امرر بزيد، حينئذٍ تعربه تقول: بزيدٍ الباء زائدة، وزيدٍ فاعل مرفوع ورفعه ضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، لماذا زيد؟ لإصلاح اللفظ من باب التحسين. ولذلك التزمت بخلافها في نحو: ((كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)) [النساء:٧٩] ليست بواجبة، يعني: قد تترك الباء هنا، قلنا الباء زائدة لكنها ليست بواجبة، كَفَى الشَّيْبُ وَالإسْلاَمُ لِلمرْءِ نَاهِيَاًً. فأصله أحسِن بزيدٍ: أحسَن زيدٌ، أي: صار ذا حسنٍ، فهمزته للصيرورة ثم غيرت الصيغة عند نقلها إلى إنشاء التعجب ليوافق اللفظ في التغيير, تغيير المعنى من الإخبار إلى الإنشاء. إذن حولت صيغة الماضي لقصد الإنشاء إلى صورة فعل الأمر، ثم دخلت الباء على الفاعل الظاهر .. الاسم الظاهر من باب التحسين. وهذا مذهب البصريين وهو أرجح. وقال الفراء والزجاج والزمخشري: لفظه ومعناه الأمر -على ظاهره-، أحسِن ليس في الصورة أمراً وفي المعنى ماضياً، بل هو لفظاً ومعنى فعل أمر. لفظه ومعناه الأمر، وفيه ضمير مستتر أحسِنْ بزيدٍ فاعل ضمير مستتر وجوباً، وبزيدٍ، زيدٍ هذا مفعول به على الأصل، والباء زيدت للتعدية. فموضع مجرورها نصب على المفعولية، ثم قيل: مرجع الضمير أين هو؟ إذا قيل: أحسِن بزيدٍ، أين مرجع الضمير؟ اختلفوا على قولين:

стр. 1617

قيل: على المصدر المأخوذ من الفعل، أحسن يا يا حُسنُ زيداً؛ لأنه مخاطب أحسِن أنت، لا بد أن نقدره هكذا، قم يعني: يا زيد، إذا قيل: أحسِن الضمير هنا يعود على الحُسن المفهوم من أحسِن، والتقدير: أحسِن يا حُسنٌ بزيدٍ، وهذا ضعيف أي: دم به والزمه، ولذا لزم الضمير صورة واحدة، ويرده أنه يقال: أحسِن بزيدٍ يا عمرو، أحسِن يا حسنُ بزيدٍ يا عمرو لا يخاطب اثنان، وإنما يخاطب واحد، فإذا قيل: مرجع الضمير هو المصدر أحسن يا حسنٌ بزيدٍ حينئذٍ نقول: كيف نقول: أحسن بزيدٍ يا عمرو؟ أحسن يا حسنٌ بزيدٍ يا عمرو! هذا منتقض. إذن لزم الضمير صورة واحدة، ويرده أنه يقال: أحسن بزيدٍ يا عمرو؛ إذ لا يخاطب شيئان في حالة واحدة، وقيل: الضمير للمخاطب. فمعنى أحسن بزيد: اجعل يا مخاطب زيداً حسناً أي: صفه بالحسن كيف شئت، وإنما التزم إفراد الضمير لجريانه مجرى المثَل، والصواب هو مذهب البصريين السابق أنه فعل في الظاهر أمر، وفي المعنى ماضٍ، والذي يدل على ذلك: أنه لو كان فعل أمر حقيقة لوجب فيه ما يجب في جميع أفعال الأمر من استتار فاعله إذا كان مفرداً مذكراً، فحينئذٍ يبرز إذا كان غير مفرد مذكر، أما تقول: أحسن يا زيد، أحسنا يا زيدا، أحسنوا يا زيدون .. هل هذا يتأتى في هذا الفعل الصيغة أفعِل به؟ الصواب: لا. تقول: أصدق بهما، أصدق بهم، ويبقى كما هو على صورته، فلو كان فعل أمر حقيقة لبرز الضمير مع الفاعل المثنى والجمع، إذن: لا نقول: بأنه فعل أمر. لوجب فيه ما يجب في جميع أفعال الأمر من استتار فاعله وجوباً إذا كان مفرداً مذكراً، وبروزه فيما عدا ذلك، وهنا لا يبرز معه ضمير أصلاً، وأنه لو كان فعل أمر حقيقة لم يكن المتكلم متعجباً، نحن نقول: أحسن بزيدٍ لو كان الضمير هنا على أصله وأحسِن على أصله، حينئذٍ عندما أقول لك: أحسن بزيدٍ أنا أريد أن أتعجب، ما هو أمرك أن تتعجب أنت، لو كان الأمر على حقيقته أحسن بزيدٍ يعني: أن تتعجب، وأنا أريد أن أفيد بهذه الجملة أني أنا متعجب، إذن دل على أنه ليس على أصله. وأنه لو كان فعل أمر حقيقة لم يكن المتكلم متعجباً، بل يكون آمراً غيره بالتعجب، وقد أجمعوا على أن الناطق بهذه الصيغة، بهذا الفعل متعجباً -هذا بالإجماع-، فإذا قيل: بأنه أمر حقيقة لم يكن متعجباً بل هو آمر لغيره. وكذلك نقول: أقوِم بزيدٍ، وأبيِن بزيدٍ، وهذا صحيح .. أقوم من أقام، أقام فعل الأمر ما هو؟ أقم، يحذف منه العين؛ لأنه أجوف قم، أقم، أبن .. لكن نحن نقول: أقوم بزيدٍ، أبين بزيدٍ، لو كان فعل أمر حقيقة لحذفت العين؛ لأن الأجوف يحذف منه عينه عند فعل الأمر، وهذا يدل على أنه ليس أمراً حقيقة. إذن: أفعِل بزيدٍ، أحسِن بزيدٍ، نقول: أحسِن هذا في صورته صورة الأمر، لكنه في الحقيقة هو فعل ماضي، وعلى الصحيح نقول: أحسن مبني على السكون فعل ماضي، مبني على السكون أو حذف حرف العلة إذا كان معتلاً كالأمر، نظراً لصورته، أو على فتحة مقدرة منع من ظهورها مجيئه على صورة الأمر نظراً للمعنى.

стр. 1618

يعني في الإعراب تقول: أحسن، إما أنك تبنيه على السكون باعتبار الصورة، وإما أنك تبنيه على الفتحة المقدر باعتبار المعنى. لك هذا الوجه ولك الوجه الآخر، والباء تكون زائدة وزيد يكون فاعلاً. بِأَفْعَلَ انْطِقْ بَعْدَ مَا تَعَجُّبَا وَتِلْوَ أَفْعَلَ انْصِبَنَّهُ كَمَا ... أَوْ جِئْ بأَفْعِلْ قَبْلَ مَجْرُورٍ بِبَا أَوْفَى خَلِيلَيْنَا وَأَصْدِقْ بِهِمَا (وَتِلْوَ أَفْعَلَ انْصِبَنَّهُ): يعني الذب بعده (انْصِبَنَّهُ) حتماً على أنه مفعول به حقيقة على المذهب الصحيح. (كَمَا أَوْفَى خَلِيلَيْنَا وَأَصْدِقْ بِهِمَا) أَوْفَى: قلنا الهمزة هنا للنقل، وَأَصْدِقْ الهمزة للصيرورة، والباء زائدة في الفاعل. ثم قال رحمه الله تعالى: وَحَذْفَ مَا مِنْهُ تَعَجَّبْتَ اسْتبِحْ ... إِنْ كَانَ عِنْدَ الْحَذْفِ مَعْنَاهُ يَضِحْ (وَحَذْفَ مَا مِنْهُ تَعَجَّبْتَ اسْتبِحْ) استباحة الأصل المنع، فحينئذٍ قال: اسْتَبِحْ حَذْفَ، حَذْفَ: هذا مفعول مقدم لقوله: اسْتَبِحْ، وهو مصدر مضاف إلى المفعول. حَذْفَ مَا، اسم موصول بمعنى الذي مضاف إليه، وهو مفعول حَذْفَ. (مِنْهُ) متعلق بقوله: (تَعَجَّبْتَ)، وتعجبت منه صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، لكن مقيد (إِنْ كَانَ) شرط هذا، ودائماً قاعدة عامة، ولو لم يذكره لعلمناه مما سبق، وهو أنه لا حذف إلا مع قرينة .. مع دليل (إِنْ كَانَ عِنْدَ الْحَذْفِ مَعْنَاهُ يَضِحْ) إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ يَضِحْ عِنْدَ الْحَذْفِ، عِنْدَ متعلق بـ (يَضِحْ) منصوب به، وهو متعلق بخبر كان. وَلاَ يَلِي الْعَامِلَ مَعْمُولُ الْخَبَرْ ... إِلاَّ إِذَا ظَرْفاً أَتَى أَوْ حَرْفَ جَرْ هنا جائز أو ممنوع؟ جائز، لأنه معمول الخبر. إذن: يَضِحْ هذا خبر كان، واسمه مَعْنَاهُ، ويَضِحْ أصله يتضح خبر كان، أي: لا يلتبس. المتعجب منه محكوم عليه في المعنى، ما أحسن زيداً، زيداً محكوم عليه بحسن مستعظم، أحسن بزيدٍ زيدٍ محكوم عليه بحسن مستعظم .. استعظام، حينئذٍ المتعجب منه محكوم عليه في المعنى فهو شبيه بالمبتدأ.

стр. 1619

فيجب أن يكون معرفة أو نكرة تشبه المعرفة، إما أن يكون نكرة وإما أن يكون معرفة، لكنها نكرة مختصة، أو نكرة تشبه المعرفة؛ لكونها مخصوصة، فالمعرفة نحو: ما أحسن زيداً، زيداً هذا معرفة وهو متعجب منه، وهو محكوم عليه في المعنى فحكمه حكم المبتدأ، حينئذٍ كما أنه لا يبتدأ بالنكرة المحضة حينئذٍ لا بد أن يكون المتعجب منه معرفة. فالمعرفة نحو: ما أحسن زيداً، والنكرة المخصوصة نحو: ما أسعد رجلاً اتقى ربه، يعني نكرة مخصوصة، لو قيل: ما أسعد رجلاً، ما جاز؛ لأن رجلاً هذا محكوم عليه وهو في قوة المبتدأ ولا يبتدأ بالنكرة، لما قال: اتقى ربه، صار وصفاً لـ رجلاً فجاز أن يبتدأ به، فجاز أن يقع متعجباً منه. فأما النكرة غير المختصة، أو كان نعتها غير مفيد للتخصيص فحينئذٍ لا يجوز أن يقع متعجباً منه لا فاعلاً في أفعِل بهما، ولا مفعولاً به في: ما أحسَن زيداً، لا يجوز هذا ولا ذاك. فلا يقال: ما أحسن رجلاً، لا يصح أن يقال: ما أحسن رجلاً، ولا يصح أن يقال: ما أحسن رجلاً من الناس، من الناس هذا جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لرجل، لكن هل أفاد التقييد؟ لم يفد، إذن: يشترط في المتعجب منه على جهة العموم أن يكون معرفة أو نكرة مخصوصة؛ لأنه محكوم عليه في المعنى وهو كالمبتدأ، كما أنه لا يبتدأ بالنكرة المحضة، كذلك لا يتعجب من النكرة المحضة، حينئذٍ يجوز حذفه إن دل عليه دليل. (وَحَذْفَ مَا مِنْهُ تَعَجَّبْتَ اسْتبَِحْ)، تَعَجَّبْتَ سماه ماذا؟ سمى المفعول متعجباً منه، وهذا توسع؛ لأن المتعجب منه هو حسنه، ما أحسن زيداً، لذلك قلنا: التعجب مأخوذ من التركيب كله لا من (ما) فقط ولا من (أحسن) فقط، ولا من (زيداً) فقط، لكن في الأصل التعجب هنا وقع من حُسن زيد، ما أحسن زيداً، فالحسن هو المتعجب منه، وزيداً هو محله، ولذلك أُعرب مفعولاً به، فحينئذٍ نقول هنا: فيه توسع في العباراة. (وَحَذْفَ مَا مِنْهُ تَعَجَّبْتَ اسْتبَِحْ) منصوباً كان أو مجروراً، يعني في الصيغتين: ما أفعَله، وأفعِل به. (اسْتبَِحْ) السين والتاء زائدتان أو للصيرورة، يعني صيره مباحاً. (إِنْ كَانَ عِنْدَ الْحَذْفِ مَعْنَاهُ)، مَعْنَاهُ: يعني معنى التركيب، بعد الحذف يَضِحْ يعني: يتضح ولا يلتبس بغيره. أُورد عليه أنه قد يفيد أنه لا يكفي مطلق الفهم، يتضح .. يُفهم، أيهما أعم؟ الفهم أخص، والوضوح أعم، إذن: لو فهم ولم يتضح لا يحذف، لو فهم بعد الحذف ولم يتضح وضوحاً بيناً نقول: لا يحذف، لكن ليس هذا مراده، إنما مراده يتضح يعني: يفهم، الانفهام. أُورد عليه: أنه قد يفيد أنه لا يكفي مطلق الفهم بل لا بد من الوضوح الذي هو قدر زائد على مجرد الفهم. مع أن الظاهر الاكتفاء بمطلق الفهم، فيحمل الوضوح حينئذٍ على الانفهام. قال الشارح: يجوز حذف المتعجب منه وهو المنصوب بعد أفعَل والمجرور بالباء بعد أفعِل إذا دل عليه دليل، لكنه ليس مطلقاً، ليس كل متعجب منه يجوز حذفه، سواء كان في: ما أفعَل أو أفعِل.

стр. 1620

وشرَط في التصريح لحذف المتعجب منه منصوباً كان أو مجروراً: أن يكون ضميراً، إذن لا مطلقاً، أن يكون ضميراً، فلا يجوز الحذف في نحو: أحسن بزيدٍ، بزيدٍ ما يجوز أن تحذف بزيد، أحسن وتسكت؟ لا. لا بد أن يكون ضميراً، ((أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ)) [مريم:٣٨] حُذف الضمير، وهنا له شرط آخر سيأتي. فلا يجوز الحذف في نحو: أحسن بزيدٍ؛ لعدم الدليل عند الحذف، ولا في نحو: زيدٌ أحسِن بزيد، قد يقول قائل: أحسن بزيدٍ لا يجوز الحذف لعدم وجود الدليل، لكن زيدٌ أحسِن بزيدٍ قد يجوز حذف الثاني بزيد لوجود زيد الأول! نقول: لا. لا يجوز كذلك. لأن الإظهار في موضع الضمير في نحو ذلك لنكتة؛ لأنه لو أراد أنه هو هو، لقال: زيدٌ أحسن به؛ لأن البيان والبلاغة أنه لا يوضع المظهر في مقام المضمر إلا لنكتة، ولذلك دائماً نقول: قال الكلامُ، ثم يقول: باب الكلامِ، الكلامُ نقول: أظهر في مقام الإضمار، والأصل أن يقول: وهو يأتي بالضمير، لا بد من نكتة، قد يتساهلون في المتون، لكن في البيان والبلاغة لا بد من إظهار نكتة، فحينئذٍ إذا قال: زيدٌ أحسن بزيدٍ. لم يأت بالضمير به، علمنا أن ثم نكتة، فلا يجوز حذف بزيدٍ لذهاب هذه النكتة والفائدة. إذن ولا في نحو: زيدٌ أحسن بزيدٍ؛ لأن الإظهار في موضع الضمير في نحو ذلك لنكتة تفوت بالحذف، وعلى قياسه لا يجوز الحذف في نحو: ما أحسن زيداً، زيداً لا يجوز الحذف؛ لأنه لا يعلم، وزيدٌ ما أحسن زيداً كذلك لا يُعلم؛ لأنه ذكره لنكتة، وشرط الحذف في أفعِل .. الصيغة الثانية: أن يكون أفعِل معطوفاً على آخر مذكور معه مثل ذلك المحذوف، الآية واضحة: ((أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ)) [مريم:٣٨] أبصر بهم، حذف بهم الثاني لوجوده في الأول، لا بد أن يكون معطوفاً على أفعِل مذكورٌ معه مثل المحذوف، فإن لم يكن كذلك حينئذٍ صار شاذاً؛ لأنه لا بد من قرينة وليس عندنا قرينة من نفس التركيب، أحسن بهم نقول: لا بد من عطفه على مثله. وشرط الحذف من أفعِل أن يكون أفعِل معطوفاً على آخر مذكور معه مثل ذلك المحذوف كالآية التي ذكرناها: ((أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ)) [مريم:٣٨] أي: بهم، حذف الثاني بهم لدلالة الأول عليه، إذن قرينة واضحة بينة. وذهب الفارسي إلى أنه لم يحذف وأنه استتر في الفعل حين حذفت الباء ورُدَّ بوجهين: أولاً: لزوم إبرازه حينئذٍ مع التثنية والجمع. الثاني: أن من الضمائر ما لا يقبل الاستتار كـ (نا) أكرم بنا، الفارسي يقول: ليس عندنا حذف، وإنما حذفت الباء ورجع الضمير استتر .. صار مستتراً، أكرم موجود الضمير، أكرم بنا نقول: (نا) هنا لا يستتر؛ لأنه فاعل، حينئذٍ كيف نحكم عليه بأنه مستتر؟ ثم أكرم بهما، أكرم بهم .. لو استتر لبرز؛ لأنه مثنى وجمع، لما لم يبرز علمنا أن ثم حذفاً. فمثال الأول وهو المنصوب: أَرَى أُمّ عَمروٍ دَمعُها قَدْ تحَدّرا ... بُكَاءً عَلى عَمرٍو وَمَا كَان أَصْبَرَا وَمَا كان أصْبَرَها، إذن ضمير، لو كان اسماً ظاهر لا يجوز الحذف.

стр. 1621

رَبِيْعَةَ خَيْراً مَا أَعَفَّ وَأَكْرَمَا، والتقدير: مَا أَعَفَّها وأكْرَمَها، إذن: في ما أفعَل، يحذف إذا كان ضميراً، وما عدا الضمير لا يجوز حذفه، إذن: نحتاج إلى تقييد قول الناظم (وَحَذْفَ مَا مِنْهُ تَعَجَّبْتَ اسْتبَِحْ) هذا فيه إطلاق، ولو في قوله: ما أحسن زيداً، احذف زيد، نقول: لا. ليس الأمر كذلك بل لا بد أن يكون ضميراً. التقدير: وَمَا كان أصْبَرَها فحذف الضمير وهو مفعول أفعَل للدلالة عليه بما تقدم. ومثال الثاني الآية: ((أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ)) [مريم:٣٨] التقدير: وَاللَّهُ أَعْلَم وأبصر بهم فحذف بهم لدلالة ما قبله عليه، وقول الشاعر: فَذَلِكَ إنْ يَلقَ المَنِيَّةَ يَلقَهَا ... حَمِيْداً وَإِنْ يَسْتَغْنِ يَومَاً فَأَجْدرِ فَأَجْدرِ به، أين المعطوف عليه؟ هل ثم صيغة أخرى معطوف عليه ذكر معه به، هل ذكر به في اللفظ؟ ((أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ)) [مريم:٣٨] أعيد: بهم موجود أول، هنا بهم موجود؟ ليس موجود، نحكم عليه بأنه شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، لماذا؟ لتخلف الشرط؛ لأنه لا يجوز حذف فاعل أفعِل إلا إذا عطف على مثله أفعِل وذكر معه نفس المحذوف فأجدر به. حينئذٍ يرد السؤال: لماذا في: ما أحسن، ما أصبرها .. ضمير مفعول به وحذف وهو فضلة، هل فيه إشكال؟ ليس فيه إشكال (وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ) هو فضلة، لكن ((أبصر بهم))، ((أَسْمِعْ بِهِمْ)) [مريم:٣٨] بهم هذا ضمير فاعل والأصل في الفاعل أنه لا يجوز حذفه، وذكرنا في الأول هناك أن ثم مسائل مستثناة، ومنها: التعجب، هذا الذي معنا. إذن حذف هنا لماذا؟ قالوا: إنما جاز حذف المجرور بعد أفعِل مع كونه فاعلاً لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلة فجاز فيه ما يجوز فيها، لما دخلت عليه الباء -تعليل جميل هذا- لما دخلت عليه الباء ولزمت حينئذٍ صارت صورته صورة الفضلة المجرور، فجاز حذفه. لكن لا بد من قرينة وهي كونه معطوفاً على مثله. إذن: وَحَذْفَ مَا مِنْهُ تَعَجَّبْتَ اسْتبَِحْ ... إِنْ كَانَ عِنْدَ الْحَذْفِ مَعْنَاهُ يَضِحْ وذلك فيما إذا كان ضميراً، يمكن يؤول الناظم، نقول: تعليقه هنا الحكم: (إِنْ كَانَ عِنْدَ الْحَذْفِ مَعْنَاهُ يَضِحْ) يتضح، هذا من باب وضح كوعد، وعد يعد، أين الواو؟ وضع يضع، أصله يفعِلُ يَوعِ .. إذن وقعت الواو بين عدوتيها فحذفت يعد، وهي فاء أصلية .. أصل الكلمة، يوضح يضح وقعت بين عدوتيها، إذا كان فعَل يحول إلى فعِل، فحينئذٍ نقول: إذا كان من باب يفعَل يحول إلى يفعِل من أجل إسقاط الواو فقط، وإلا يضع يوضع، أين يضع هنا؟ بفتح الضاد، إذن نقول: يوضَح .. يوضِح هذا الأصل، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها. وَفِي كِلاَ الفِعْلَيْنِ قِدْماً لَزِمَا ... مَنْعُ تَصَرُّفٍ بِحُكْمٍ حُتِمَا يعني كل من الفعلين السابقين غير متصرفين بحكم مجمع عليه بين النحاة قديم، يعني منذ أن نشأ النحو وقبل أن يتكلم النحاة به حينئذٍ الحكم سابق وهو محل وفاق بينهم.

стр. 1622

يعني: أن فعلي التعجب وهما: ما أفعله وأفعل به غير متصرفين مطلقاً أصلاً، ولا نقول تصرف تام ولا ناقص ننفيه. غير متصرفين فلا يستعمل منهما مضارع ولا غيره، مما يصاغ من الأفعال بل يلزم أفعَل لفظ الماضي ويلزم أفعِل لفظ الأمر، أبداً دائماً لا يكون إلا جامداً، ولذلك قيل: لا مصدر له، وإن كان في الأصل له مصدر، أحسن في الأصل له مصدر، ويشتق منه ويكون مضارع وأمر، لكن إذا ركب في صيغة التعجب الكلام عليه هنا، ما أفعَل وأفعِل نقول: هذا غير متصرف لا يستعمل منه مضارع ولا أمر، وهذا الحكم قديم. (وَفِي كِلاَ الفِعْلَيْنِ قِدْماً لَزِمَا) لَزِمَا الألف للإطلاق. (وَفِي كِلاَ) جار ومجرور متعلق بقوله: لَزِمَا، واللزوم بمعنى الحتم والوجوب. (وَفِي كِلاَ الفِعْلَيْنِ) هذا متعلق بـ لَزِمَا. (قِدْماً) أي: قديماً وفي أصل اللغة قديماً، كذلك متعلق بقوله: لَزِمَا؛ لأنه منصوب على الظرفية. أي: في الزمن القديم، وكذا بِحُكْمٍ متعلق بقوله: لَزِمَا، والباء فيه سببية، وأراد بالحكم هنا كون المجيء على طريقة واحدة أدل على المراد أي: التعجب، يعني لماذا التزم هنا عدم التصرف؟ قالوا: لأنه أدل على المراد، وما هو المراد؟ التعجب، نحن نريد معنى واحد غير متقلب، غير متنوع لا يكون في زمن دون زمن، إذن: ما الذي يناسبه؟ يناسبه لفظ غير متقلب، ولذلك لزم، نقول: أدل على المراد أي: التعجب، وإنما كان مجيئه على طريقة واحدة أدل؛ لأن تصرفه ونقله من حالة إلى حالة ربما يشعر بزوال المعنى الأول وهو التعجب. وعدم التصرف .. تصرف الفعل إما بخروجه عن طريقة الأفعال من الدلالة على الحدث والزمن كنعم، وبئس، وليس، وعسى .. هذه نزع منها الدلالة على الحدث والزمن فصارت جامدة غير متصرفة البتة، إذن: عدم تصرفها جاءها من أي طريق؟ من نزع دلالتها على الحدث والزمن. أو بالاستغناء عن تصرفه بتصرف غيره، يعني: لا نأتي بالمضارع منه؛ لأن ثم غير ما .. ما يغني عنه، كما قلنا: سواء هناك لا يثنى، استغناء عنه بتثنية سي، سيان. فلا يقال: سواءان، لماذا؟ اكتفاء بسيان، نقول: هنا كذلك عدم التصرف قد يكون لدلالة بعض الأفعال على المعنى الذي دل عليه هذا الفعل، حينئذٍ لا نشتق منه مضارع ولا أمر إلى آخره .. أو بالاستغناء عن تصرفه بتصرف غيره، وإن دل على ما ذكر كيدع ويذر، فإنه استغني عن ماضيهما بماضي ترك، وعدم تصرف فعل التعجب لكلا الأمرين، لهذا وذاك، فكل من هذين الفعلين ممنوع التصرف، فالأول نظير تبارك، وعسى، وليس .. والثاني نظير هب بمعنى اعتقد وتعلم بمعنى اعلم، وقيل: أيضاً في علة جمودهما وعدم تصرفهما، تضمنهما معنى حرف التعجب الذي كان ينبغي أن يوضع فلم يوضع، والله أعلم. (وَفِي كِلاَ الفِعْلَيْنِ قِدْماً لَزِمَا مَنْعُ تَصَرُّفٍ) مَنْعُ بالرفع أو بالنصب؟ فاعل لزم، لزم هذا فعل. ابن هشام يقول: إذا عرفت الفعل فابحث مباشرة عن الفاعل، وإذا عرفت المبتدأ فابحث مباشرة عن الخبر؛ لأنك إذا لم تعربه مباشرة ضعت هذا في التعليم فقط، تضيع يعني، تعرب مبتدأ ثم تذهب تعرب فاعل إلى آخره وكذا، أين الخبر؟ في خبر كان.

стр. 1623

وكذلك إذا قلت: فعل، حينئذٍ تضيع إذا ما قلت أين الفاعل، مباشرة ابحث عن فاعله، كذلك إذا كان يحتاج إلى نائب فاعل. إذن: (مَنْعُ تَصَرُّفٍ) التصرف المراد به التقلب، سواء كان تصرفاً تاماً أو تصرفاً ناقصاً، مَنْعُ هذا فاعل للزم. (بِحُكْمٍ) من جميع النحاة (حُتِمَا) هو أي: الحكم، بمعنى ماذا حتم؟ بمعنى لزم، قلنا: الحتم، واللزوم، والوجوب بمعنى واحد، فَالحَتْمُ وَاللاَّزِمُ مَكْتُوبٌ وَمَا، كذلك الكتابة تأتي بمعنى الوجوب. قال الشارح: لا يتصرف فعلا التعجب بل يلزم كل منهما طريقة واحدة، فلا يستعمل من أفعَل غير الماضي ولا من أفعِل غير الأمر قال المصنف: وهذا مما لا خلاف فيه. لذلك قال: (قِدْماً لَزِمَا). وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلاَثٍ صُرَّفَا ... قَابِلِ فَضْلٍ تَمَّ غَيْرِ ذِي انْتِفَا وَغَيْرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي أَشْهَلاَ ... وَغَيْرِ سَالِكٍ سَبِيلَ فُعِلاَ هذه شروط ما يؤتى به على صيغة ما أفعَل وأفعِل، إذن ليس كل فعل في لسان العرب يتعجب منه، بل لا بد من ثمانية شروط جمعها الناظم في هذين البيتين، وأكثرها مجمع عليه بين النحاة يعني: لا خلاف فيه. (وَصُغْهُمَا) يعني: اشتق، أو ائت، أو خذ، والصياغة والأخذ والاشتقاق بمعنى واحد، صُغْهُمَا. (مِنْ ذِي ثَلاَثٍ) هذان شرطان، يعني من فعل ذي ثلاثٍ، فهو على حذف موصوف. صفة لموصول محذوف أي: فعل، أي ثلاثٍ، حينئذٍ اشتملت هذه الكلمة على شرطين: الأول أن يكون الفعل المصوغ منه أفعَل وأفعِل فعلاً لا اسماً، ثانياً: أن يكون مؤلفاً من ثلاثة أحرف لا ما زاد عليه كالرباعي ومزيد الثلاثي ومزيد الرباعي. (صُرَّفَا) تصرفاً تاماً، يعني متصرف لا بد أن يكون متصرف، فاحترز به عن الجامد، فالجامد كنعم وبئس وعسى وليس لا يشتق منها أفعَل وأفعِل. (قَابِلِ فَضْلٍ) يعني: قابل للزيادة، يتفاوت في نفسه كالعلم والجهل، وأما فني ومات، هذا لا يتعجب منهما، لماذا؟ لأن الفناء شيء واحد، والموت شيء واحد. هو نزع الروح ليس فيه تفاضل .. زيادة. (تَمَّ) يعني: تام، وما كان كذلك يعني اكتفى بمرفوعه، وأما ما لا يكتفي بمرفوعه وهو كان وكاد فحينئذٍ لا يتعجب منهما. (غَيْرِ ذِي انْتِفَا) يعني: غير منفي انتفاء بالقصر للوزن، والمراد به ألا يكون منفياً إما باللزوم أو بالعروض كما سيأتي. (وَغَيْرِ ذِي وَصْفٍ) يعني اسم فاعل (يُضَاهِي أَشْهَلاَ) أي: في الوزن، وكون مؤنثه على فعلاء، يعني لا يكون على وزن حمِرَ فهو أحمَر، وحمِرَ لا يتعجب منه؛ لأن الوصف منه وهو اسم الفاعل على وزن أفعل كـ أشهل. (وَغَيْرِ سَالِكٍ سَبِيلَ فُعِلاَ) وَغَيْرِ سَالِكٍ يعني: غير فعل سالكٍ سبيل، يعني: ذاهب طريق (فُعِلاَ) وهو مبني للمجهول، هذه ثمانية شروط: كونه فعلاً ثلاثياً، متصرفاً، قابلاً للتفاضل، تام، غير منفي -يعني: مثبت-، وَغَيْرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي أشْهَلاَ وَغَيْرِ سَالِكٍ سَبِيلَ فُعِلاَ، هذه كلها شروط .. أوصاف للفعل المقدر، يعني: إعرابها أوصاف للفعل المحذوف، وهي كلها مفردة إلا قوله: (صُرَّفَا) و (تَمَّ) فإنهما جملتان فعليتان.

стр. 1624

(صُرَّفَا) الألف هذه للإطلاق، و (تَمَّ) كلها صفات للفعل، ولذلك لم يعطفها بالواو إلا في قوله: (وَغَيْرِ ذِي وَصْفٍ) (وَغَيْرِ سَالِكٍ). يشترط في الفعل الذي يصاغ منه فعلا التعجب .. ابن عقيل قال: شروط سبعة لم يعتبر الفعلية، الصواب أنه يعتبر؛ لأنه لا يصاغ من الاسم، فالشروط ثمانية: الأول: أن يكون فعلاً فلا يبنيان من الجِلف والحمار، جِلف على وزن فِعل، قيل: الرجل الجاف الغليظ، فلا يقال: ما أجلَفه، لماذا؟ لكونه لا فعل له، جلف هذا اسم ليس له فعل، هكذا مثَّل به كثير من النحاة، والحمار اسم، فلا يقال: ما أحمره؛ لأنه ليس له فعل، لبنائه من غير فعل، لكن نوزع في جِلف، أما ما أحمره هذا محل وفاق أنه لا يتعجب منه؛ لأن الحمار اسم وليس بفعل. ولكن في القاموس: جلف كفرح، جَلفاً وجَلافة، إذن أثبت له فعل، إذا قيل: جلِف كفرِح، يعني: فعل، جَلَفاً فرحاً وجلافة، إذن له مصدر، وعليه يصح أن يقال: ما أجلفه .. أن يتعجب منه، وإن كان كثير من النحاة يمثلون بهذا حتى ابن هشام في التوضيح مثّل بهذا، الصواب: أن يقال بأن له فعلاً، وهو موازن لفرح، جلف كفرح، حينئذٍ ما أجلفه صواب، ولو نُزّل بأنه لا فعل له حينئذٍ نقول: ما أجلفه هذا شاذ، وأما ما أحمره من كونه حماراً نقول: هذا لا أصل له، فإذا سمع حينئذٍ نقول: هذا شاذ. ولذلك شذ قولهم: ما أذرعها، ما أذرع المرأة، ما أذرعها، أي: ما أخف يدها في الغزل، بنوه من قولهم: امرأة ذراع كسحاب، يعني: خفيفة اليد في الغزل، فقولهم: ما أذرع المرأة نقول: هذا شاذ وإن سمع؛ لأنه ليس له فعل، امرأة ذراع، ذراع هذا اسم وليس بفعل. إذن (مِنْ ذِي ثَلاَثٍ) يعني: من فعل، إذن الشرط الأول أن يكون فعلاً، فإذا كان اسماً حينئذٍ لا يتعجب منه، (مِنْ ذِي ثَلاَثٍ) مِنْ ذِي: من فعل صاحب أحرفٍ ثلاثٍ. إذن لا يتعجب إلا من الفعل الثلاثي المجرد، فيشترط أن يكون ثلاثياً، فلا يبنيان –الصيغتان- مما زاد عليه، سواء كان رباعياً الأصول أو ثلاثياً مزيد أو رباعي مزيد، نحو: دحرج وانطلق واستخرج، لا يؤتى بحرف من هذه الحروف الثلاثة ويتعجب منها؛ لأن أحسن على أربعة أحرف: أحسن، ما أفعل، وأفعِل به هذا على زنة أربعة أحرف، حينئذٍ لو جئت بدحرج لا بد أنك تحذف الحرف الأخير من أجل أن يستقيم معه الصيغة، وإذا حذفت منه حرفاً بطلت البنية، خرج الفعل عن مدلوله، هذا في الرباعي، ومثله الثلاثي المزيد وصار أربعة أحرف، فما زاد عن الرباعي من باب أولى وأحرى؛ لأنه لا بد من حذف حرفين أو ثلاثة.

стр. 1625

إذن: لا يبنى الصيغتان إلا من فعل ثلاثي، فما زاد عن الثلاثي بجميع أنواعه لا يبنى منه اتفاقاً إلا أفعَل، ففيه نزاع، أفعَل مثل أكرم فيه نزاع، فقيل: يجوز مطلقاً، وهذا رأي سيبويه، وقيل: يمتنع مطلقاً، وهو قول المازني والأخفش وابن السراج والفارسي، وقيل: بالتفصيل: يجوز إن كانت الهمزة لغير النقل نحو: ما أظلم هذا الليل، وما أقفر هذا المكان، ولا يقال: ما أذهب نور الليل؛ لأن الهمزة هنا للنقل، إن كانت همزته للنقل امتنع، وإن لم يكن كذلك جاز، وهذا مذهب ابن عصفور، والأول مذهب سيبويه وأكثر النحاة أنه يجوز مطلقاً، والقول بجواز بناء فعل التعجب من أفعل مطلقاً هو قول سيبويه وأصحابه، واختاره ابن مالك في التسهيل وشرحه، بأنه يجوز مطلقاً. وشذ على هذين القولين الأخيرين المنع مطلقاً، والتفصيل .. تفصيل ابن عصفور ما أعطاه للدراهم، وما أولاه للمعروف، وعلى كلٍّ قول: ما أتقاه .. الأقوال الثلاثة، وما أملى القربة؛ لأنهما من اتقى وامتلأ، إذا قيل: ما أتقاه بنيته من اتقى، اتقى على وزن افتعل، إذن ليس على وزن أفعَل، يكون مما اتفق النحاة على منعه أو مما اختلف فيه؟ مما اتفقوا على منعه، نحن نقول: ما زاد عن الثلاثي متفق على منعه إلا أفعل، اتقى على وزن افتعل، افتعل هل هو عين أفعل؟ إذن: هو متفق على المنع. ما أبلى القربة من امتلأت، افتعلت، حينئذٍ من باب أولى إذا اتقى منع فامتلأت من باب أولى وأحرى. إذن: أن يكون ثلاثياً، فلا يبنى مما زاد عليه، إلا أفعل وقع فيه خلاف أجازه سيبويه ومنعه غيره، وفصل ابن عصفور. (مِنْ ذِي ثَلاَثٍ صُرَّفَا) أن يكون متصرفاً -هذا الثالث- فلا يبنيان من فعل غير متصرف كنعم وبئس وعسى وليس. وما له تصرف ناقص كيدَع ويذر، يعني مطلقاً سواء كان غير متصرف تصرفاً تاماً كنعم وبئس، أو يكون متصرفاً ناقصاً. إذن (صُرَّفَا) المراد به التصرف التام، احترازاً مما لا يتصرف أصلاً أو مما له تصرف ناقص، فيمنع في الطرفين. إذن الشرط: أن يكون متصرفاً تصرفاً تاماً؛ لأنه المتبادر عن الإطلاق، فلا يبنيان من فعل غير متصرف أصلاً، ولا من فعل ناقص التصرف كيدع ويذر. الرابع: أن يكون معناه قابلاً للمفاضلة .. (قَابِلِ فَضْلٍ) يعني: المعنى قابل لأن يستعظم، فلان يزيد عن فلان، إذن يقع فيه التعجب، فلا يبنيان من مات وفني ونحوهما؛ إذ لا مزية فيهما لشيء على شيء. زيدٌ مات وعمروٌ مات، كل منهما مات لا يتعجب من موت أحدهما.

стр. 1626

الخامس: أن يكون تاماً، واحترز بذلك من الأفعال الناقصة نحو: كان وأخواتها وكاد وأخواتها، فلا يقال: ما أكون زيداً قائماً، وأجازه الكوفيون بناء على أن قائماً هذا ليس خبراً بل هو حال، وهذا سبق بيانه. وأجازه الكوفيون بناء على أصله من أن المنصوب بعد كان حال، إذن لا يكون كان وأخواتها مما يقع به التعجب، فلا يقال: ما أكون زيداً؛ لأنه لو صح ما أكون زيداً قائماً لزم نصب أفعَل لشيئين وهما: زيداً المتعجب منه، والخبر؛ لأنه لا بد من خبر، مهما تصرفت كان لا بد من اسم وخبر، إذن نصب به شيئان، فيقال: ما أكون زيداً قائماً، هل يجوز حذف قائماً من أجل أن يبقى في اللفظ زيداً فقط؟ لا يجوز، ولا يجوز حذف قائماً لامتناع حذف خبر كان، ولا جره باللام لامتناع جر الخبر باللام. إذن لا يتصرف في أفعل بكونه على وزن كان فينصب شيئين اثنين، بل لا بد أن يكون ناصباً لواحد. سادساً: أن لا يكون منفياً، فلا يبنى من المنفي لالتباسه بالمثبت؛ لأنه إذا قيل: ما ضربت زيداً، ما أضرب زيداً، فحينئذٍ صار مثبتاً التبس المنفي بالمثبت، وهذا يشمل النوعين سواء كان المنفي لزوماً؛ لأن بعض الألفاظ ملازمة للنفي لا تكون مثبتة، أو يكون ما هو قابل للإثبات والنفي، نحو: ما عاج فلان بالدواء، أي ما انتفع به، لا يقال: ما أعوجه، أو ما أعيجه؛ لأن هذا ملازم للنفي، فإذا أدخلته في صيغة ما أفعل صار مثبتاً، نقول: هذا فيه إبطال لمعناه فيلتبس حينئذٍ المعنى هل هو مثبت أو منفي، ما عاج مضارعه يعيج، وأما عاج يعوج بمعنى ما ل يميل فيستعمل في الإثبات. إذن عاج هذا مضارعه يعيج، وهذا الذي يمنع، وأما عاج يعوج بالواو بمعنى مال يمل فيستعمل في الإثبات. أو جوازاً نحو: ما ضربت زيداً، نقول: هذا نفي، هل يتعجب منه؟ الجواب: لا. لماذا؟ مع كونه قد يكون مثبتاً، نقول: في هذا التركيب لا. حينئذٍ ألا يكون منفياً سواء كان المنفي لزوماً يعني ملازم للنفي، ولا يكون مثبتاً أو يكون ويكون، فالحكم عام. السابع: أن لا يكون الوصف منه على أفعَل، وهو الذي أشار إليه بقوله: (وَغَيْرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي أَشْهَلاَ) يعني: غير صاحب وصف ليس الوصف منه مشابهاً لأفعل، فإن كان الوصف منه على وزن أفعل، اسم الفاعل على وزن أفعل امتنع التعجب منه، واحترز بذلك من الأفعال الدالة على الألوان: سوِد فهو أسود، فلا يقال: ما أسوده، وكذلك العيوب عوِر ما أعوره، لا يقال: ما أعوره، ممتنع لأن الوصف منه على وزن أفعل، ولا يقال في حوِل أحول ما أحوله، ولا يقال: ما أحمره حمِر، اسم الفاعل منه أحمر فلا يقال: ما أحمره، إذن كل ما كان الوصف اسم الفاعل منه على زن أفعل فلا يتعجب منه. أن لا يكون الوصف منه على أفعل، واحترز بذلك من الأفعال الدالة على الألوان، كسود فهو أسود، وحمر فهو أحمر، والعيوب كحول فهو أحول، وعور فهو أعور، فلا تقول: ما أسوده ولا ما أحمره، ولا ما أحوله، ولا ما أعوره، ولا أعور به ولا أحول به .. كل هذا ممتنع مباشرة، وإنما يؤتى بواسطة.

стр. 1627

الثامن: أن لا يكون مبنياً للمفعول، وهذا ذكرناه في السابق: استعظام وصف في الفاعل، زيادة وصف في الفاعل، احترازاً من استعظام، زيادة وصف في المفعول، ولذلك اشترطوا أن يكون مبنياً للمعلوم وألا يكون مبنياً للمجهول. دفعاً للبس المبني من فعل المفعول بالمبني، يعني إذا جيء به على زنة أفعل؛ لأنه لا يغير الصيغة: ضُرب زيدٌ، لو أراد أن يتعجب منه سيقول: ما أضربه، حينئذٍ التبس، هل هذا المتعجب منه وقع عليه الفعل أم وقع منه؟ وأما الصيغة لازمة لا تتغير: ما أفعله، أضرب بزيد، هل التعجب هنا من كونه أوقع الضرب أو وقع عليه؟ هذا فيه لبس، إذن نمنع أن يكون التعجب من مغير الصيغة. ألا يكون مبنياً للمفعول دفعاً للبس المبني من فعل المفعول بالمبني من فعل الفاعل، واستثنى بعضهم ما كان ملازماً لصيغة فُعِل، مثل عُنيت، عُني بكذا، عُنيت بحاجتك، فيجوز عندهم ما أعناه؛ لأنه لا يلتبس، إذا قال: ما أعناه حينئذٍ لا يلتبس، وما أزهاه علينا، يعني يقول: زهي علينا. وقال في التسهيل: وقد يبنيان من فعل المفعول إن أُمن اللبس، إذن هذه ثلاثة أقوال: المشهور المنع مطلقاً إذا أمن اللبس أو لم يؤمن اللبس. الثاني: استثناء الملازم للمبني للمجهول نحو: عُني وزهي. الثالث وأجازه ابن مالك ﵀ في التسهيل: أنه يجوز إن أمن اللبس، وأما إذا لم يؤمن اللبس حينئذٍ لا يجوز. فلا تقول: ما أضرب زيداً تريد التعجب من ضرب أوقع به لئلا يلتبس بالتعجب من ضرب أوقعه. إذن: وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلاَثٍ صُرَّفَا وَغَيْرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي أَشْهَلاَ ... قَابِلِ فَضْلٍ تَمَّ غَيْرِ ذِي انْتِفَا وَغَيْرِ سَالِكٍ سَبِيلَ فُعِلاَ (وَغَيْرِ سَالِكٍ) يعني: غير فعل سلك وذهب طريق فُعِل يعني بضم أوله وكسر ثانيه مبنياً للمجهول، هذه ثمانية شروط لا بد من توفرها. فإن عدم الفعل واحداً .. بعضاً من هذه الشروط، هل معنى ذلك أنه لا يتعجب منه نخرجه، أم أن ثم طريق آخر؟ قال: لا. قد يتعجب منه لكن ليس مباشرة، يعني ليس بالصيغة المشهورة ما أفعَل، وأفعِل به، وإنما ننتقل إلى طريقة أخرى. وَأَشْدِدَ اوْ أَشَدَّ أَوْ شِبْهُهُمَا ... يَخْلُفُ مَا بَعْضَ الشُّرُوطِ عَدِمَا وَمَصْدَرُ العَادِمِ بَعْدُ يَنْتَصِبْ ... وَبَعْدَ أَفْعِلْ جَرُّهُ بِالْبَا يَجِبْ هذا الطريق الثاني فيما عدم بعض الشروط، يعني: إذا لم يكن ثلاثياً هل نتعجب منه أو لا؟ نعم نتعجب منه، لكن لا مباشرة في ما كان غير متصرف تصرفاً تاماً، في ما كان معناه قابل للتفاضل هذا سيأتي، وكذلك الجامد لا يتعجب منه البتة. إذا كان ناقصاً ولم يكن تاماً نتعجب منه لكن لا مباشرة، والمنفي، وما كان الوصف منه على وزن أفعَل، والمبني للمجهول يتعجب منها لكن بطريقة أخرى. ا (وَأَشْدِدْ أَوْ) الدال الثانية مفتوحة، وأصلها أشدد، أفعِل، هي الصيغة الثانية. (وَأَشْدِدْ أَوْ) سقطت الهمزة وحركت الدال للتخلص من التقاء الساكنين. (وَأَشْدِدْ أَوْ أَشَدَّ) لا تقل: وَأَشْدِدْ أَوْ أَشَدَّ لا. ينكسر معك الوزن. وَأَشْدِدَ اوْ أَشَدَّ أَوْ شِبْهُهُمَا ... يَخْلُفُ مَا بَعْضَ الشُّرُوطِ عَدِمَا

стр. 1628

يُتوصل إلى التعجب من الأفعال التي لم تستكمل الشروط بأشدد ونحوه، وبأشد ونحوه، هذان فعلان أشدد، أشدَّ .. أشدد هذا قائم مقام أفعِل بزيد، أفعِل أحسِن، وأشد هذا قائم مقام أفعَل الصيغة الأولى، وقدم وأخر من أجل الوزن. أو شبه أشدد وشبه أشد، وما هو شبه أشدد وأشد؟ أكثَر أكثِر، أقلَل أقلِل، أكبَر أكبِر، أصغَر أصغِر، أعظَم أعظِم، أقوَى أقوِي، أضعَف أضعِف، أحسَن أحسِن، أقبَح أقبِح .. كل هذه مثلها .. شبه أشدَّ وأشدد. (يَخْلُفُ) أي: صيغتي التعجب المصوغتين من ما عدم بعض الشروط، أو يخلف صيغتي ما عدم بعض الشروط، (يَخْلُفُ) الجملة قصد لفظه فهو مبتدأ. إذن: (وَأَشْدِدْ) هذا مبتدأ قصد لفظه، (أَوْ أَشَدَّ) معطوف عليه، (أَوْ شِبْهُهُمَا) معطوف عليه، (يَخْلُفُ) أشدد وما عطف عليه فاعل، يَخْلُفُ الجملة خبر. (مَا) اسم موصول بمعنى الذي، مفعول إذن. يخلف ما عدم بعض الشروط، بَعْضَ بالنصب على أنه مفعول مقدم لـ عَدِمَا، والألف للإطلاق. (بَعْضَ) مضاف، و (الشُّرُوطِ) مضاف إليه، بَعْضَ الشُّرُوطِ عَدِمَا الجملة في محل رفع لا محل لها من الإعراب، صلة الموصول؛ لأن (ما) اسم موصول. إذن هذان اللفظان: أشْدِدْ أَوْ أشَدَّ، وما يقوم مقامهما يخلف صيغتي ما عدم بعض الشروط. هنا قال: (وَأَشْدِدْ أَوْ أَشَدَّ) فيه لبس فيه إشكال، المتبادر منه أن أشدد وأشد مصوغان من فعل مستكمل للشروط، هذا الأصل؛ لأننا نحن تركنا الفعل الذي لم يستكمل الشروط فلم نتعجب منه مباشرة، فجئنا بنائب عنه، الأصل المتبادر للذهن أن النائب يكون مستكمل للشروط أو لا؟ هكذا بالعقل؟ هذا الأصل فيه، إذا كان الفعل ليس مستكملاً للشروط نأتي بالأصل من باب أولى. فنقول: أشْدِدْ أَوْ أشَدَّ المتبادر أنه مستكمل للشروط هذا هو الظاهر؛ لأن القصد من الإتيان بهما التخلص من صوغ فعل التعجب من فعل لم يستكمل الشروط، مع أن أشدد وأشد مصوغان من غير الثلاثي وهو اشتد الخماسي -هذه مشكلة- وهو اشتد الخماسي على الظاهر؛ إذ لا يعلم ورود أشد الرباعي فعلاً، لكن قال في القاموس: أشد الرجل إذا كانت معه دابة شديدة، لكن هذا لا يصلح أن يكون هو الذي يصاغ منه هذا الفعل، أشد الرجل إذا كانت معه دابة شديدة، والصوغ من هذا في أشد استخراجاً بعيد، ليس معه دابة قوية، حينئذٍ ما أشد استخراجاً، زيدٌ أشد استخراجاً من كذا، نقول: هذا ليس فيه تناسب. وقيل: هما من شدد الثلاثي، حكاه ابن مالك في العمدة وبهذا ينتفي الاعتراض بأنهما من غير الثلاثي، فلم يستكملا الشروط في أنفسهما فكيف يتوصل بهما إلى غيرهما؟ إذن أشدد أو أشد متبادر أنه من اشتد الخماسي، لكن حكى ابن مالك شدَد أو شدِد -يرجع إليه- فحينئذٍ ثبت الفعل الثلاثي. وَأَشْدِدَ اوْ أَشَدَّ أَوْ شِبْهُهُمَا ... يَخْلُفُ مَا بَعْضَ الشُّرُوطِ عَدِمَا أي: يخلف فعلي التعجب المأخوذين مما ذكر، فلا يؤتى بهما مباشرة وإنما نأتي بأشد وأشدد، ثم بعد ذلك: (وَمَصْدَرُ العَادِمِ) ننظر إلى الفعل، إذن جئنا بالواسطة الأولى توصيلة، وهي: أشد ما أشد، وأشدد: ما أعظم أعظِم، ما أكبر أكبِر، ما أصغر أصغِر تأتي بهذا اللفظ.

стр. 1629

ثم تنظر في الفعل الذي منع من أن يتعجب منه مباشرة، فتأخذ منه المصدر. قال: (وَمَصْدَرُ العَادِمِ) ومصدر الفعل العادم لبعض الشروط (بَعْدُ) يعني بعد أشد (يَنْتَصِبْ)، ما هو الذي منعناه؟ مثلاً استخرج، نقول: استخرج هذا لا يؤتى منه مباشرة، وإنما نأتي بأشد، نقول: ما أشد، استخرج ما مصدره؟ استخراجاً، فحينئذٍ تأتي بالمصدر مضاف إلى فاعل الفعل، فتقول: ما أشد استخراج زيدٍ، أو ما أشد استخراجه، أشدد باستخراج زيدٍ تأتي بالمصدر إما منصوباً بعد أشد وإما مجروراً بالباء على الأصل؛ لأن المتعجل منه في أفعَل يكون منصوباً على المفعولية، والمتعجب منه في أفعِل يكون مجروراً بالباء، إذن: هو على أصله. (وَمَصْدَرُ العَادِمِ) مصدر الفعل العادم، إذن ما لا مصدر له لا بد من مصدر هنا، إذن الذي ليس له مصدر لا مدخل له لا في الأول ولا في الثاني. ومصدر الفعل العادم لبعض الشروط، (بَعْدُ) يعني: بعد أشد (يَنْتَصِبْ)، وإن قدرته بعدما أفعل لا بأس، وإن كان الظاهر بعد أشد، لكن قوله: (وَبَعْدَ أَفْعِلْ) هذا يدل على أن الأصل مراعاة الوزن، لكن لا بأس هذا أو ذاك. (وَمَصْدَرُ العَادِمِ بَعْدُ يَنْتَصِبْ وَبَعْدَ أَفْعِلْ) أشدد (جَرُّهُ) يجب (بِالْبَا) على الأصل. إذن كل ما امتنع أن يصاغ منه مباشرة لعدم توفر شرط من الشروط السابقة حينئذٍ نأتي بلفظ أشد وأشدد، ثم نأتي بمصدر العادم .. الفعل غير مستوفي الشروط نأتي بمصدره مضافاً إلى الفاعل لا بد من هذا، ما نقول: ما أشد استخراجاً، وما أشد انطلاقاً لا، لا بد أن يكون مضافاً إلى الفاعل: ما أشد استخراجه، إذا كان الكلام عن زيد، أو ما أشد استخراج زيد. وَمَصْدَرُ العَادِمِ بَعْدُ يَنْتَصِبْ ... وَبَعْدَ أَفْعِلْ جَرُّهُ بِالْبَا يَجِبْ فتقول في التعجب من الزائد على ثلاثة، ومما الوصف منه على أفعل الذي هو أعور هنا، ما أشد أو أعظم دحرجته، دحرج لا يتعجب منه مباشرة؛ لأنه رباعي، فإذا أردنا التعجب نقول: ما أشد دحرجة زيد، أشدد بدحرجة زيد .. تأتي به على الأصل. ما أشد دحرجته أو انطلاقه أو حمرته، ما أشد حمرته وما أشد صفرته، وما أشد عوره، وما أشد حوره .. ، أو أشدد أو أعظم بها، وكذا المنفي والمبني للمفعول، إلا أن المصدر هنا لا يكون صريحاً وإنما مؤولاً بالصريح نحو: ما أكثر ألا يقوم زيدٌ؛ لأننا لا بد أن نأتي بالنفي كما هو، لو حذفنا النفي وجئنا بالمصدر كيف نسلط النفي عليه؟ إذن نبقيه كما هو ويكون المصدر مؤولاً بالصريح، فنقول: ما أكثر ألا يقوم زيدٌ، حينئذٍ التعجب يكون من عدم قيام زيدٍ، وما أعظم ما ضُرِبَ زيدٌ، ضُرِبَ هذا مغير الصيغة، و (ما) هذه مصدرية، إذن في قوة المصدر. إذن وَمَصْدَرُ العَادِمِ إما صريحاً وإما مؤولاً بالصريح، متى يكون مؤولاً بالصريح؟ في حالين: الأول: إذا تعجبت من المنفي. الثاني: الفعل المبني للمجهول، تقول: ما أشد ما ضُرب زيدٌ، تعجبت؛ لأنك لفظت به كما هو، ضُرب ما حصل لبس، والنفي حرف بقي كما هو، وأشدد بهما، وأما الناقص كان وأخواتها فعلى القول بأن له مصدراً حينئذٍ لا إشكال فيه، ما أشد كون زيد قائماً، جئت بالمصدر كما هو.

стр. 1630

فإن كان له مصدر فمن النوع الأول، يعني المصدر الصريح، وإلا فمن الثاني المؤول بالصريح، تقول: ما أشد كونه جميلاً، أو ما أكثر ما كان محسناً، (ما) هذه مصدرية، -هذا غريب عند النحاة-، إذا كان ما له مصدر فحينئذٍ كيف نقول: مصدر مؤول؟ قالوا: إذا لم يكن له مصدر نأتي بـ (ما) المصدرية و (كان) فيكون مؤولاً بالمصدر. الصواب: أن (كان) لها مصدر. أو ما أكثر ما كان محسناً، وأما الجامد والذي لا يتفاوت معناه فلا يتعجب منهما البتة، الجامد ليس له مصدر؛ لأنه قال: (وَمَصْدَرُ العَادِمِ) إذن: ما لا مصدر له وهو الجامد لا يتعجب منه البتة، وما لا يتفاوت هذا خرج عن معنى التعجب؛ لأن التعجب فيه استعظام وصف .. زيادة وصف في الفاعل، وهذا ليس فيه استعظام. وكذلك ما لا فعل له؛ لأنه لا مصدر له. إذن: وَمَصْدَرُ العَادِمِ أخرج نوعين: الجامد الذي لا مصدر له، وما لا فعل له وهو الاسم كما ذكرناه في جلف ما أجلفه، وما أحمره، نقول: هذا يحفظ ولا يقاس عليه. قال الشارح: يعني أنه يتوصل إلى التعجب من الأفعال التي لم تستكمل الشروط بأشدد ونحوه، وبأشد ونحوه، هذا متى؟ إذا لم يستكمل الشروط، لكن في التصريح للأزهري قال: ولا يختص التوصل بأشد ونحوه بما فقد بعض الشروط، بل يجوز فيما استوفى الشروط نحو: ما أشد ضربَ زيد لعمرو، ولا يرد هذا على الناظم؛ لأن مراده يخلف وجوباً. يعني: ما استوفى الشروط لك أن تأتي به على الطريقة الثانية أشدد وأشد، هذا إذا استوفى الشروط، لكنه ليس هو الشائع، ليس هو الفصيح. وما عدم بعض الشروط تعين. إذن: يخلف وجوباً لا جوازاً، هذا مراد الناظم، وأما الجواز وذلك فيما إذا استوفى الشروط، لكنه ليس بالمشهور. وينصب مصدر ذلك الفعل العادم شروطه بعد أفعل مفعولاً على الأصل، ويجر بعد أفعِل بالباء فتقول: ما أشد دحرجته واستخراجه، وأشدد بدحرجته واستخراجه، وما أقبح عوره، وأقبح بعوره، وما أشد حمرته، وأشدد بحمرته. وبِالنُّدُورِ احْكُمْ لِغَيْرِ مَا ذُكِرْ ... وَلاَ تَقِسْ عَلَى الَّذِي مِنْهُ أُثِرْ (وبِالنُّدُورِ احْكُمْ) يعني: ما لم يستوفِ الشروط وجاء على صيغة ما أفعَله على الأصل دون التوسط بأشدد وأشد، حينئذٍ نقول: هذا نادر، وإذا قيل: نادر في مثل هذا حينئذٍ نقول: شاذ، ولذلك قال: لا تقس. إذن: ما لم يستوفي الشروط إذا جيء به على وزن ما أفعل وأفعِل به قلنا: هذا يحفظ ولا يقاس عليه؛ لأن ما عدم الشروط يجب أن ينتقل إلى الطريقة الثانية. (وبِالنُّدُورِ احْكُمْ) احكم بالندور، يعني القلة. (لِغَيْرِ مَا ذُكِرْ وَلاَ تَقِسْ عَلَى الَّذِي مِنْهُ أُثِرْ) يعني: نقل عن العرب، مع أنه منقول، نقول: هذا يحفظ ولا يقاس عليه. (وبِالنُّدُورِ احْكُمْ لِغَيْرِ مَا ذُكِرْ) قيل: البيت هذا لا داعي له، يعني مفهوم مما سبق؛ لأنه قال: (وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلاَثٍ) بين أنه لا بد من شروط، ثم بين الطريقة في تخلف الشروط. إذن: علم من الأبيات الأربعة: أن ما جيء به على الأول بِأَفْعَلَ انْطِقْ ولم يستوفِ الشروط حكمنا عليه بأنه نادر شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، لكن هذا اعتراض معترض.

стр. 1631

اعترض بأنه لا حاجة إليه بعد تقريره الشروط؛ لأنه بين أنه لا قياس إلا بالشروط، مفهومه: أن ما جاء دون شرط .. تحقيق الشروط فهو شاذو يحفظ ولا يقاس عليه، وهذا واضح بين. اعترض بأنه لا حاجة إليه بعد تقريره الشروط، ولئن سُلِّم الاحتياج فهو يغني عن قوله: (وَلاَ تَقِسْ). يعني: لو قيل: بأنه يحتاج إليه، إذن يكفينا (وبِالنُّدُورِ احْكُمْ لِغَيْرِ مَا ذُكِرْ)، ما الفائدة من قوله: (وَلاَ تَقِسْ)؟ إذا حكم عليه بكونه نادراً وهو مخالف للقياس إذن هو لا يقاس عليه، إذن ما الفائدة من قوله: (وَلاَ تَقِسْ)؟ إذ معلوم أن النادر لا يقاس عليه، أُجيب -الجواب لا بد-: أنه أتى بالشطر الأول إشارة إلى أن الشروط سمع نادراً تخلفها، -وهو هذا باب الاعتراض-، سمع نادراً تخلفها لدفع توهم أنها لم تتخلف. يعني: أنه أتى بهذا الشطر للدلالة على أن تلك الشروط مع كون العرب التزمتها عند التعجب، إلا أن بعضهم خالف، فسمع مخالفة الشروط، لو لم يذكر هذا قد يقال: بأن العرب استوفت الشروط، يعني لم تأتِ بصيغة تعجب إلا وهي مستوفية للشروط! لا. شرطت الشروط ومع ذلك خالفت، إذن أفاد فائدة جديدة. لدفع توهم أنها لم تتخلف، ثم لما كان النادر قد يطلق على القليل الذي يقاس عليه فتكون تلك الشروط شروطاً للكثرة قال: (وَلاَ تَقِسْ) النادر .. ليس كل نادر لا يقاس عليه. هذا كلفظ القلة. ومعنى البيت: أن ما جاء عن العرب من فعلي التعجب مبنياً مما لم يستكمل شروطه فحقه أن يحفظ ولا يقاس عليه للندرة. (وبِالنُّدُورِ) أي: القلة (احْكُمْ) احكم بالندور، هذا متعلق باحكم. (لِغَيْرِ مَا ذُكِرْ) من استيفاء الشروط. (وَلاَ تَقِسْ عَلَى الَّذِي مِنْهُ أُثِرْ) أي: نقل. فهم من قوله: بِالنُّدُورِ أنه قد جاء بناء صيغتي التعجب من الفعل العادم لبعض الشروط، وأن ذلك نادر غير مقيس. يعني أنه إذا ورد بناء فعل التعجب من شيء من الأفعال التي سبق أنه لا يبنى منها حكم بندوره، ولا يقاس على ما سمع منه، إذن لا فائدة من الشروط إذا جوزنا القياس. كقولهم: ما أخصره، هذا مأخوذ من اختُصر، اختُصر هذا مبني للمجهول الأصل لا يجوز، لكن سمع ما أخصره، مأخوذ من اختُصر، هذا فيه شذوذان: الأول: أنه مبني للمجهول، الثاني: أنه خماسي. فبنوا أفعَل من فعل زائد على ثلاثة أحرف وهو مبني للمفعول، وكقولهم: ما أحمقه. فبنوا أفعل من فعل الوصف منه على أفعل، أحمق هذا على وزن أفعل، نحو: حمِق حمُق فهو أحمق، وقولهم: ما أعساه، من فعل جامد، وأعس به، فبنوا أفعل وأفعل به من عسى وهو فعل غير متصرف. وما أعطاه، وما أفقره من افتقر، وما أجمعه، وما أجنه من جُنَّ، كل هذا نقول يحفظ ولا يقاس عليه. وَفِعْلُ هَذَا البَابِ لَنْ يُقَدَّمَا ... مَعْمُولُهُ وَوَصْلَهُ بِمَا الْزَمَا وَفَصْلُهُ بظَرْفٍ اوْ بِحَرْفِ جَرْ ... مُسْتَعْمَلٌ وَالْخُلْفُ فِي ذَاَكَ اسْتَقَرّْ هذا خاتمة الباب، وهو أنه يجب أن يتصل المعمول بالعامل، فلا يتصرف فيه لكونه جامداً، يعني معموله لا يجوز أن يتقدم عليه، ما أحسن زيداً، لا يصح أن يقال: زيداً ما أحسن، لا يصح، لماذا؟ لكونه جامد غير متصرف، فلا يتصرف في معموله.

стр. 1632

ولا يقال: ما زيداً أحسن؛ لأن هذا نوع تصرف؛ لأن أحسن جامد لا يتصرف مَنْعُ تَصَرُّفٍ حكم قديم، إذن: لا يتصرف في معموله البتة، لا بد أن يكون لاحقاً له، فلو تقدم وهو عامل ضعيف حينئذٍ خالفنا الأصل وهو: أن العامل الضعيف لا يعمل فيما قبله. (وَفِعْلُ) هذا مبتدأ وهو مضاف و (هَذَا) مضاف إليه. و (البَابِ) هذا البابِ، يعني: باب التعجب، هذا تقييد، ابن مالك إذا قيد "حكم خاص"، هَذَا البَابِ: البَابِ هذا بدل، أو عطف بيان أو نعت، والمراد به باب التعجب. (لَنْ يُقَدَّمَا) (لن) للتأبيد هنا بقرينة. (مَعْمُولُهُ وَوَصْلَهُ بِمَا الْزَمَا) الْزَمَا وَصْلَهُ: حينئذٍ نقول: (لن) هنا للتأبيد -لا تفيد التأبيد هي إلا إذا دلت قرينة- يعني قد تدل قرينة على أنها للتأبيد، وأما دعوى الزمخشري بأنها تأبيدية ففاسد ((لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا)) [الحج:٧٣] قال: لن هنا للتأبيد، نعم للتأبيد لكن لقرينة وهي أن الخلق صفة لله ، أما زيد لن يقوم هذه مثل لا يقوم، لا تدل على التأبيد، ولذلك يجمع معها بالتأبيد –لفظ التأبيد-: لن يقوم أبداً، فلو كانت للتأبيد لامتنع أن يقال معها (أبداً)، وهذا وارد حتى في القرآن. إذن: (لَنْ يُقَدَّمَا) الألف للإطلاق أو التثنية؟ للإطلاق؛ لأن المبتدأ هنا: فِعْلُ .. فِعْلُ هَذَا البَابِ .. (فِعْلُ هَذَا البَابِ لَنْ يُقَدَّمَا مَعْمُولُهُ) إذن الفاعل (مَعْمُولُهُ)، ولذلك قلت لك قبل قليل: إذا أعربت الفعل انظر في فاعله، أين هو حتى تعرف تتم الإعراب، (لَنْ يُقَدَّمَا) الألف هذه للإطلاق قطعاً لا تحتمل (مَعْمُولُهُ) هذا الفاعل، وليس هو محتمل للألف. (وَفِعْلُ هَذَا البَابِ لَنْ يُقَدَّمَا) لعدم تصرفه، مَعْمُولُهُ هذا نائب فاعل، لَنْ يُقَدَّمَا عليه. (وَوَصْلَهُ بِهِ)، (بِهِ .. بِمَا) نسختان، (بِمَا الْزَمَا) بـ (ما) التعجبية، ولو قيل بِهِ أحسن، وهذه النسخة التي شرح عليها المكودي بِهِ .. أحسن. (وَوَصْلَهُ) هذا مفعول مقدم لقوله: (الْزَمَا) الزمن، فتقدم هنا المعمول على الفعل المؤكد بنون التوكيد للضرورة، وإلا الأصل لا يتقدم، لا يجوز. وَوَصْلَهُ بِهِ: جار ومجرور متعلق بقوله: الْزَمَا، يعني: بالعامل، بلا خلاف فيهما. وذلك لعدم تصرف هذين الفعلين امتنع أن يتقدم عليهما معمولهما، وأن يفصل بينهما بغير ظرف أو مجرور وهو الذي عناه بالبيت الثاني. (وَفَصْلُهُ بظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرْ مُسْتَعْمَلٌ)، فَصْلُهُ: يعني فصل المعمول عن العامل (بظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرْ) هذه مانعة خلو، فيجوز الفصل بمجموع الظرف والجار والمجرور. (مُسْتَعْمَلٌ) هذا خبر فَصْلُهُ، يعني: وارد في لسان العرب نظماً ونثراً، استعمل نظماً ونثراً، وسيأتي المثال. فهم من قوله: (مُسْتَعْمَلٌ) أن مذهبه موافق لمن أجاز ذلك خلافاً لمن منع. (وَالْخُلْفُ في ذَاَكَ اسْتَقَرّْ) الْخُلْفُ مبتدأ، واسْتَقَرّْ الجملة خبر، (فِي ذَاَكَ) متعلق بـ (اسْتَقَرّْ). وَالْخُلْفُ يعني: اختلاف بين النحاة، (فِي ذَاَكَ) الذي هو الفصل بالظرف والجار والمجرور، هل هو جائز أم لا؟ (اسْتَقَرّْ) ولكنه قال: مُسْتَعْمَلٌ فدل على جوازه.

стр. 1633

فذهب الجرمي وجماعة إلى الجواز، والأخفش والمبرد إلى المنع. إذن: نقول الخلاصة في هذين البيتين: أنه لعدم تصرف هذين الفعلين امتنع أن يتقدم عليهما معمولهما، وأن يفصل بينهما بغير ظرف ومجرور، واختلفوا في الفصل بالظرف والمجرور إذا كانا متعلقين بالفعل، عندنا ظرف وجار ومجرور قد يكون أجنبياً لا متعلقاً بأفعِل ولا أفعَل، هذا لا. قولاً واحداً أنه لا يفصل بينهما، حكى في التسهيل الإجماع بلا خلاف. وأما إذا كانا متعلقين بالفعلين نفسهما وقع النزاع، إذن النزاع ليس مطلقاً، قوله: (وَفَصْلُهُ .. مُسْتَعْمَلٌ)، (وَالْخُلْفُ في ذَاَكَ اسْتَقَرّْ) يعني: الخلف في الظرف والجار والمجرور إذا كانا معمولين للفعل نفسه، وأما إذا كان أجنبياً فقولاً واحداً لا يجوز الفصل، محل إجماع. واختلفوا في الفصل بظرف أو مجرور متعلقين بالفعل، والصحيح جوازه، ولو تعلق الظرف والجار بمعمول فعل التعجب لم يجز الفصل به اتفاقاً، نحو: ما أحسن معتكفاً في المسجد، ما أحسن معتكفاً .. يتعجب من حسن المعتكف في المسجد، في المسجد هذا متعلق بقوله: معتكفاً وهو متعجب منه. إذن: هل يجوز أن يفصل بين الفعل والمتعجب منه؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه لا بد أن يكون معمولاً له مباشرة، وهنا معمول المعمول، إذن ما أحسن في المسجد معتكفاً لا يجوز؛ لأنه متعلق بالمتعجب منه، ولو تعلق بالفعل نفسه لجاز. وأحسن بجالس عندك، أحسن عندك بجالس يجوز؟ لا يجوز، نقول: الظرف والجار والمجرور له ثلاثة أحوال في هذا المقام: إما أن يتعلق مباشرة بالفعل نفسه، وإما أن يكون أجنبياً عنه، وإما أن يتعلق بمعمول الفعل مثل: ما أحسن معتكفاً في المسجد، معتكفاً هذا مفعول لأحسن، في المسجد جار ومجرور، متعلق بأحسن أو معتكفاً؟ معتكفاً، إذن ليس متعلقاً به مباشرة، هذا النوع لا يجوز أن يفصل بينهما، فلا يصح أن يقال: ما أحسن في المسجد معتكفاً. وأحسن بجالس عندك، عندك متعلق بجالس، لا يصح أن يقال: أحسن عندك بجالس؛ لأنه ليس متعلقاً بالفعل نفسه. قال الشارح: لا يجوز تقديم معمول فعل التعجب عليه، فلا تقول: زيداً ما أحسن. تقدم على (ما) لا يجوز. ولا ما زيداً أحسن. يعني: تقدم على الفعل دون (ما). ولا بزيد أحسن. لا يجوز؛ لأن بزيد هذا فاعل في المعنى، والفاعل لا يجوز أن يتقدم على عامله. ويجب وصله بعامله فلا يفصل بينهما بأجنبي، (وَوَصْلَهُ بِهِ الْزَمَا) هذا يرجح -كلام ابن عقيل-، قال: ويجب وصله بعامله، ما هو عامله؟ أحسن، إذن قوله: وَوَصْلَهُ بِهِ، بالعامل يعني ليس (بِمَا)؛ لأن (ما) ليست عاملاً، كأن ابن عقيل النسخة عنده بِهِ وهنا عندنا بِمَا. فلا يفصل بينهما بأجنبي، والمراد بالأجنبي غير المفعول في: ما أحسن زيداً، وغير الفاعل في: أحسن بزيدٍ، فلا تقول في: ما أحسن معطيك الدرهم، ما أحسن الدرهم معطيك. لا يصح؛ لأن الدرهم هذا معمول المعمول، فلا يجوز أن يفصل بينه وبين العامل.

стр. 1634

ولا فرق في ذلك بين المجرور وغيره، فلا تقول: ما أحسن بزيد ماراً. ما أحسن، ما قال: أحسن بزيدٍ ماراً لكن قال: ما أحسن، ما أحسن يقتضي منصوباً أو مجروراً بالباء؟ منصوباً، إذن هو يقول: لا تقل، ما قال: قل. قال: لا تقل: ما أحسن بزيدٍ ماراً؛ لأن بزيد هذا معلق بماراً وهو معمول المعمول، إذن لا يتوسط. تريد: ما أحسن ماراً بزيد. هذا التركيب الصحيح، ما أحسن ماراً بزيد تركيب صحيح؛ لأن الأصل: أحسن ثم ماراً وهو معموله واتصل به، بزيدٍ جار ومجرور متعلق بماراً، لا يصح أن يقال: ما أحسن بزيدٍ ماراً، تفصل بينهما بجار ومجرور متعلق بالمعمول. ولا ما أحسن عندك جالساً، عندك متعلق بجالساً، تقدم عليه، نقول: هذا لا يجوز، تريد ما أحسن جالساً عندك، هذا الصواب، تؤخر عندك. فإن كان الظرف أو المجرور معمولاً لفعل التعجب ففي جواز الفصل في كل منهما بين فعل التعجب ومعموله خلاف بين النحاة (وَالْخُلْفُ فِي ذَاَكَ اسْتَقَرّْ) والمشهور جوازه خلافاً للأخفش والمبرد ومن وافقهما، ونسب الصيمري المنع إلى سيبويه، ومما ورد فيه الفصل في النثر قولهم: ما أحسن بالرجل أن يصدق، بالرجل متعلق بقوله: يصدق، وتقدم عليه. ما أحسن بالرجل أن يصدق، وما أقبح به أن يكذب. هذا لا يجوز فيه. قال: ومما ورد فيه الفصل في النثر قول عمرو بن معد يكرب: للهِ دَرُّ بَنِي سُلَيم! مَا أَحْسَنَ فِي الْهَيْجَاءِ لِقَاءَها، فِي الْهَيْجَاءِ متعلق بقوله: أَحْسَنَ، ولِقاءَها هذا هو المفعول به. إذن فصل بينهما الجار والمجرور، وهذا جاز، لماذا؟ لكون الجار والمجرور وهو فِي الْهَيْجَاءِ -الحرب- متعلق بقوله: أَحْسَنَ، وهذا جائز. وَأكْرَمَ فِي اللَّزْباتِ -جمع لزبة، وهي الشدة والقحط- وَأكْرَمَ فِي اللَّزْباتِ عَطَاءَهَا، في اللزبات متعلق بقوله: أكرم، وعطاءها مفعول أكرم، إذن جاز التوسط بينهما، جاز لكونه متعلقاً به؛ لأن كلاً منهما معمول لأفعَل. وَأَثْبَتَ فِي المَكْرُمَاتِ بَقَاءَهَا الحكم واحد. وقول علي وقد مر بعمار فمسح التراب على وجهه: [أَعْزِزْ عَلَيَّ - أَبَا اليَقْظَِان - أَنْ أَرَاكَ صَرِيعاً مُجَدَّلاً]. ومما ورد منه في النظم قول بعض الصحابة ﵃: وَقَالَ نَبِيُّ المُسْلِمِينْ تَقَدَّمُوا ... وَأَحْبِبْ إِلَيْنَا أَنْ تَكُونَ المُقَدَّمَا أَحْبِبْ إلَيْنَا .. خَلِيْلَيَّ مَا أَحْرَى بِذِي اللُّبِّ أَنْ يُرَى ... صَبُورَاً وَلكِنْ لاَ سَبِيْلَ إلَى الصَّبْرِ أين الشاهد؟ مَا أَحْرَى أنْ يُرَى بِذِي اللُّبِّ، هذا متعلق بقوله: أَحْرَى. إذن الخلاصة: أن الأصل .. أنه لا يجوز أن يفصل بين فعل هذا الباب ومعموله، ولا أن يتقدم معموله عليه، وأما الفصل بالظرف والجار والمجرور فالصواب فيه التفصيل: إن كان الجار والمجرور متعلقين بغير فعل الباب فالمنع بلا خلاف. قال في شرح التسهيل: بلا خلاف، وإن كانا معمولين لفعل الباب ففيه خلاف، والصواب: الجواز. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 1635

عناصر الدرس * شرح الترجمة. نعم وبئس وما جراهما. * نعم وبئس. فعلان لا إسمان * حالات فاعل. نعم وبئس. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: نِعْمَ وَبِئْسَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا أي: هذا باب بيان ما يتعلق بِـ: نِعْمَ وَبِئْسَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا، فجعل الباب يشتمل على نوعين: أولاً: نِعْمَ وَبِئْسَ وهما أصل الباب، والثاني: ما حمل على نعم وبئس في المعنى والعمل، أو في المعنى دون العمل. نِعْمَ وَبِئْسَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا: أي: في المدح والذم، كحبذا وساء، سيأتي أنه: وَاجْعَلْ كَبِئْسَ سَاءَ، كذلك في المدح أو الذم: حبذا ولا حبذا. نعم وبئس في لسان العرب لهما استعمالان: أن يستعملا متصرفين كسائر الأفعال، حينئذٍ يكون لهما مضارع وأمر واسم فاعل وغيرها كشأن الأفعال المتصرفة، حينئذٍ لا يكونا جامدين كما هو الشأن في الاستعمال الثاني. إذن: أن استعملا متصرفين كسائر الأفعال حينئذٍ يشتق من الماضي مضارعٌ وأمرٌ واسمٌ فاعل وغيرها، وهما إذ ذاك للإخبار بالنعمة والبؤس، فتقول: نعم زيدٌ أو نَعِمَ زيدٌ بكذا ينعم به فهو ناعمٌ، ينعم فعل مضارع، وناعم هو اسم فاعل، وبئسُ يبأس فهو بائس. إذن: على هذا النوع نقول: هذا الاستعمال ليس وارداً في هذا الباب، وليس هو المقصود؛ لأن نعمَ وبئسَ كما قال الناظم هنا فِعْلاَنِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ، وهما في هذا الاستعمال اشتق لهما مضارع وأمر اسم فاعل. إذن: ليس هذا النوع هو الذي عناه الناظم رحمه الله تعالى. النوع الثاني أو الاستعمال الثاني: أن يستعملا لإنشاء المدح والذم، وسبق أن الكلام قسمان: خبرٌ وإنشاء، خبرٌ، وهو ما احتمل الصدق والكذب لذاته، وإنشاءٌ، وهو ما لم يحتمل الصدق والكذب، حينئذٍ نعم الرجل زيدٌ، نقول: أريد به إنشاء المدح، يعني: أنه ليس موجوداً، وإنما وجد بهذه الجملة: نعم الرجلُ زيدٌ، وبئس الرجل زيدٌ، نقول: المراد به إنشاء الذمِ وإنشاء المدح، يعني: بهذا التركيب حصل المدح، وبهذا التركيب حصل الذمُّ. فلم يكن موجوداً في الخارج، ثم أخبر عنه؛ لأن هذا شأن الخبر، الخبر إنما يكون عن شيء موجود سابق، ولذلك من باب التقريب في ضبط الخبر والإنشاء أن يقال: بأن متعلق الخبر ماضٍ .. شيءٌ وقع وحصل، ومتعلق الإنشاء شيء مستقبل .. يقع في المستقبل، كل ما لم يقع قبل التلفظ فهذا إنشاء، وكل ما وقع قبل التلفظ بالجملة فهو خبر، هذا من باب التقريب فحسب، وإلا قد يستعمل الإنشاء في مقام الخبر، والعكس بالعكس.

стр. 1636

إذن: يستعملا بئسَ ونعمَ لإنشاء المدح والذم، وهما في هذا الاستعمال لا يتصرفان، يعني: يلزمان حالة واحدة وهي الفعل الماضي نِعْمَ وَبِئْسَ فحسب، فلا يشتق منهما فعل مضارع ولا أمرٌ ولا اسم فاعل بخلاف الاستعمال الأول؛ لخروجهما عن الأصل في الأفعال؛ لأن الأصل في الفعل أن يكون دالاً على حدث وزمن، وهذا هو الأصل، ولكن نِعْمَ وَبِئْسَ لا يدلان على الحدث ولا على الزمن، فكيف حينئذٍ نقول: هما فعلان؟ نعم هما فعلان، ويصدق عليهما حد الفعل، كلمة دلت على معنى في نفسها واقترنت بأحد الأزمنة الثلاثة، كيف اقترنت بأحد الأزمنة الثلاثة، ونحن نقول هنا: سُلب منها الزمن، وسُلب منها الحدث؟ نقول: النظر هنا باعتبار الوضع، فلا عبرة بسلب الزمن طارئاً، فإذا قيل: كلمة دلت على معنى في نفسها واقترنت بأحد الأزمنة الثلاثة، حينئذٍ خرج نِعْمَ وَبِئْسَ، ودخل اسم الفاعل واسم المفعول، ولذلك الصواب أن يزاد في حد الاسم وفي حد الفعل وضعاً، يعني: باعتبار الوضع هو الذي يكون مآلاً في ضبط الأسماء وضبط الأفعال، فيقال: كلمة دلت على معنى في نفسها واقترنت بأحد الأزمنة الثلاثة وضعاً يعني: في أصل الوضع، فإن نزع منها الدلالة على المعنى بالاستعمال لا يخرجها عن كونها فعلاً، فإن نزع منها الدلالة على أحد الأزمنة الثلاثة، حينئذٍ نقول: لا يسلبها وصف الفعلية، وإنما النظر في الأصل، حينئذٍ نقول: نعم في الأصل دال على حدثٍ وزمن، وبئسَ في الأصل .. أصل الوضع دال على حدثٍ وزمن، لكن لما استعملا في المدح والذم، حينئذٍ يرد السؤال: هل الذم والمدح يناسبه أن يكون الفعل الدال عليهما في زمن مضى وانتهى أم يناسبه أن يدل عليه فعلٌ في كل زمنٍ؟ لا شك أنه الثاني، تقول: نعم الرجل زيدٌ، مدحته، متى؟ في الزمن الماضي والآن انقطع؟ هذا لا يناسب المدح، وإنما يناسب المدح أن يكون مستمراً، ويناسب الذم الذي ينبني عليه الأحكام أن يكون مستمراً، وهذا لا يناسبه أن يدل عليه بفعلٍ ماضي ينقطع، ولذلك سُلب الزمن من نِعْمَ وَبِئْسَ للدلالة على الاستمرار، حينئذٍ نعم الرجل زيدٌ في كل وقت؛ في الماضي وفي الحال وفي المستقبل، إذن: سلبُ الزمن من: نِعْمَ وَبِئْسَ نقول: هذا عارض، لاستعمالهما في المدحِ والذمِ؛ لأن المدح والذم لا يناسبه الزمن الماضي المنقطع، ولا الزمن المستقبل، ولا الزمن الحال الذي مآله الانقطاع ينتهي، زيدٌ يصلي الآن، إذن: بعد وقت لا يصلي، لو قيل: نمدح زيد الآن: ينعمُ زيدٌ، ينعمُ الرجلُ الآن، حينئذٍ نقول: ماذا حصل؟ حصل المدح في هذا الزمن الحال، وبعد ذلك وقبل ذلك؟ نقول: هذا لا يناسبه المدح. إذن: نقول: هما غير متصرفين لجمودهما، وخروجهما عن الأصل في الأفعال من الدلالة على الحدثِ والزمانِ، فأشبها الحرف، كما أن الحرف لا يتصرف كذلك ما أشبه الحرف لا يتصرف، حينئذٍ نقول: نِعْمَ وَبِئْسَ بالمعنى الطارئ عليهما لا يدلان إلا على المدحِ والذمِ، والكلام هنا باعتبار الاستعمال الثاني، لا باعتبار الأول.

стр. 1637

نِعْمَ وَبِئْسَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا: يعني: ما سلك مسلك نِعْمَ وَبِئْسَ في المدح والذم كحبذا وساء. ونِعْمَ وَبِئْسَ هكذا: نِعْمَ، أصلهما على وزن فَعِلَ، كذلك بَئِسَ هذا الأصل فيهما، وقد يردان كذلك: نَعِمَ وَبَئِسَ، هذه لغة فيها، أو بسكون العين وفتح الفاء، نَعْمَ، بَئْسَ، نَعم الرجل زيدٌ، وبَئسَ الرجلَ زيدٌ، وكسرها: نعِمَ وبَئِسَ كذلك، وكسر الفاء مع إسكان العين: نِعْمَ وبِئْسَ وهذا هو الأصل، أو بكسرهما معاً: نِعِم وبِئِس، نِعِم هذه مستعمل: نِعِم بكسر الفاء والعين، وكذلك بِئِس، نقول: هذه لغة فيها، وأفصحها: نِعْمَ ثم نِعِم ثم نَعْمَ ثم نَعِمَ هذه أربع لغات، والناظم ذكرها باللغة المشهورة نِعْمَ وَبِئْسَ، وقد يقال في بِئْسَ بَيْسَ، بياءٍ مبدلة عن الهمزة على غير قياس: بِئْسَ بَيْسَ، جميل هذا. فِعْلاَنِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ ... نِعْمَ وَبِئْسَ رَافِعَانِ اسْمَيْنِ نِعْمَ وَبِئْسَ: نِعْمَ مبتدأ مؤخر وبِئْسَ معطوف عليه، وفِعْلانِ: هذا خبر مقدم، غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ: هذا نعت لفعلانِ، رَافِعَانِ اسْمَيْنِ، أعربها المكودي نعت لفعلانِ، يعني: نعت ثاني، فِعْلانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ رَافِعَان اسْمَيْنِ نِعْمَ وَبِئْسَ هذا التركيب، حينئذٍ فيه فصلٌ بين المنعوت ونعته بالمبتدأ الذي هو نِعْمَ وَبِئْسَ. قال: ولا يجوز أن يكون غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ ورَافِعَانِ أخباراً، لا يجوز أن يكون غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ خبر؛ لأنه يحتمل أن نقول: فِعْلانِ: خبر أول، تعدد الخبر، غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ هذا خبر ثاني، رَافِعَانِ هذا خبر ثالث، هذا جائز من حيث الصنعة، من حيث الصنعة وَأَخْبَرُوا بِاثْنَيْنِ أَوْ بِأكْثَرَا عَنْ وَاحِدٍ، تقول: هذا جائز، لكن من حيث المعنى لا. ولا يجوز أن يكون غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ ورَافِعَانِ أخباراً؛ لأنهما قيد في فعلين، قيد لهما، وليس المراد أن يخبر بهما عن نِعْمَ وَبِئْسَ، فالمراد هنا أنه يقيِد فِعْلانِ، وليس المراد أنه يخبر عن نِعْمَ وَبِئْسَ، نعم هذا صحيح، إذا قلت الكلام هكذا: نِعْمَ وَبِئْسَ مبتدأ، فِعْلانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ، غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ خبر لنعمَ أو لفعلين .. نعت له؟ الظاهر الثاني، أن غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ نعت لـ فِعْلانِ، رَافِعَانِ اسْمَيْنِ، نقول: كذلك الأصل فيه أنه نعت لـ فِعْلانِ، لكن لا مانع من جعل رَافِعَانِ خبراً لمبتدأ محذوف، وأكثر المعربين للألفية جعلوا هكذا: أن رَافِعَانِ خبراً لمبتدأ محذوف تقديره وهما رَافِعَانِ اسْمَيْنِ، اسْمَيْنِ هذا مفعول به لـ رَافِعَانِ، رَافِعَانِ مثنى رافع وهو اسم فاعل فنصبه مثنى، وَمَا سِوَى الْمُفْرَدِ مثْلَهُ جَعِلْ، إذن: رفع برافع، فإذا قيل رَافِعَانِ خبراً لمبتدأ محذوف تقديره هما، والواو يحتمل أنها واو الحال لا بأس، أو على الاستئناف، حينئذٍ أخبر عن نِعْمَ وَبِئْسَ بخبرين أولاً: كونهما فعلين، وكون الفعلين غير متصرفين، وأخبر عنهما بكونهما رافعينِ ولا بأس بهذا .. لا إشكال فيه.

стр. 1638

فِعْلانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ نِعْمَ وَبِئْسَ، حكم على نِعْمَ وَبِئْسَ بأنهما فعلان، وهذا على مذهب جمهور البصريين وهو المرجح أن نِعْمَ وَبِئْسَ فعلانِ وليس اسمين خلافاً للفراء ومن وافقه من الكوفيين، بدليل دخول تاء التأنيث الساكنة عليهم، وسبق أن تاء التأنيث الساكنة من خواص الأفعال، بل من خواص الفعل الماضي، وأتت -كما سبق- وأتت، أي: تاء وأتت، دالة على تأنيث المسند إليه، وهذه من خواص الفعل، بل من خواص الفعل الماضي، فلما اتصلت تاء التأنيث بِـ نِعْمَ وَبِئْسَ حكمنا عليهما بكونهما فعلين؛ لأنه اتصل بهما ما هو من خصائص الأفعال، ولذلك جاء في الحديث: ﴿فَبِهَا وَنِعْمَتْ﴾، ويقال: نعمت المرأة هند، وبئست المرأةُ دعدٌ، إذن: أنثنا، نعمت المرأةُ، المرأةُ هذا فاعل، ونعمت دخلت عليه تاء التأنيث فدل على أنه فعلٌ لأنه لا يؤنثُ بهذه التاء الخاصة إلا الفعلُ، وكذلك بئست المرأةُ لا يؤنث بئسَ إلا لكونه فعلاً. وحكى الكسائي قولهم: نعما رجلينِ، ونعموا رجالاً، نعما رجلينِ، نعما الألف هذه فاعل، والفاعل هذا ضميرٌ بارز، والضمير البارز المتصل لا يتصل إلا بالفعل، فدل على أنه فعلٌ، كذلك نعموا رجالاً بالواو، هذا وإن كان شاذاً يحفظ ولا يقاس عليه إلا أنه تؤخذ منه أحكام، ولذلك سبق معنا قاعدة: أن ما كان شاذاً قد يصرح به للدلالة على الأصلية ... على أنه هو الأصل، حينئذٍ يعتبر في أخذ الأحكام، فلا نقول: هذا شاذ لا يفرع عليه، لا، نقول: نستفيد منه أنه اتصل به ضمير الاثنين في قوله: نعما رجلين، وضمير الواو نعموا رجالاً؛ لأن ضمائر الرفع لا تتصل إلا بالأفعال. إذن: حكمنا بكون نِعْمَ وَبِئْسَ فعلين بدليلين: الأول: اتصال تاء التأنيث بهما، وتاء التأنيث لا تتصل إلا بالفعل، ثانياً: اتصال الضمائر البارزة بهما، كما فيما حكاه الكسائي: نعما رجلين ونعموا رجالاً، وضمائر الرفع المتصلة لا تتصل إلا بالأفعال، فهذا مذهب البصريين وهو المرجح، وذهب جماعة من الكوفيين ومنهم الفراء إلى أنهما اسمان: نِعْمَ اسم، وبِئْسَ اسم، حينئذٍ نقول: ما الدليل على اسميتهما وقد دخلت التاء على نِعْمَ وَبِئْسَ، ما الدليل؟ قالوا: الدليل دخول حرف الجر على نِعْمَ وَبِئْسَ، وحروف الجر من خصائص الأسماء، كما استدللتم أنتم بأن تاء التأنيث من خصائص الأفعال، وحكمتم على نِعْمَ وَبِئْسَ بأنهما فعلان، نحن نحكم عليهما بأنهما اسمان لدخول ما هو من خصائص الأسماء، واستدلوا بدخول حرف الجر عليهما في قول بعضهم: نعم السيرُ على بئس العير، وقول الآخر: والله ما هي بنعم الولدُ، حينئذٍ دخلت الباء على بئس: نعم السير على بئسَ، كما تقول: علا الرجلُ، هذا فعل، وتقول: جلستُ على الكرسي، الكرسي هذا اسم لدخول على عليه.

стр. 1639

إذن: دخل حرف الجر على بئسَ فدل على أنها اسمٌ، كذلك: بنعمَ الولدُ، دخلت الباء على نِعمَ فدل على أنها اسمٌ، حينئذٍ يرد الإشكال لابد من الجواب، ونحن نسلم معهم بأن حرف الجر من خصائص الأسماء، لكننا لا نسلم بأننا ظاهريون، وهو أنه كلما وجد حرف الجر داخلاً على كلمة فهي اسمٌ، لا، نقول: مدخول حرف الجر قد يكون اسماً ظاهراً وقد يكون اسماً مؤولاً بالظاهر، اسماً ظاهراً منطوقاً به، وقد يكون اسماً مؤولاً بالظاهر، لما ثبتت فعلية بئس ونعم باتصال ما هو من خصائص الأفعال بهما، حينئذٍ تعين أن نحمل بئس ونعم في هذين المثلين على أن حرف الجر لم يدخل على بئس ونعم، وإنما دخل على اسم؛ لأنه من خصائص الاسمية، فلابد أن يكون ما بعده اسم، وأمكن تأويل هذين المثلين، حينئذٍ نقول: لا خلاف بين دخول حرف الجر وبين اتصال تاء التأنيث بنعم وبئس، كل منهما على مورد، حينئذٍ لا خلاف، ولذلك أُوِّلَ دخول حرف الجر "على" على بئس والباء على نِعمَ، لكونهما مفعولين لقول محذوف، يعني: دخل حرف الجر على موصوفٍ محذوف، ما هي بنعم الولد، يعني: ما هي بولد مقولٍ فيه نِعمَ الولدُ، ما هي بولد مقول فيه حذف الموصوف وصفته وهو ولد، ما هي بولدٍ، إذن: الباء دخلت على ولد وهو اسمٌ، ولا إشكال فيه، الولد هذا موصوف بصفة، ما هي الصفة؟ مقولٍ فيه، فحذف الموصوف وصفة الموصوف، الولد والمقول حذفهما معاً، وأقيم مقول القول الذي هو نعم الولد مقام المحذوف فدخلت الباء عليه في اللفظ، حينئذٍ نحكم بكون الباء في (بنِعمَ) بأنها لم تدخل على نِعمَ مباشرة، وإنما دخلت على موصوف محذوف وصفته. لقول محذوف واقع صفة لموصوف محذوف، وهو المجرور بالحرف لا نِعمَ وبئس، والتقدير: نِعمَ السير على عير مقولٍ فيه بئس العير، وما هي بولد مقولٍ فيه نِعمَ الولدُ، وهذا واضح بين، قد يقول قائل: لماذا تؤولون؟ نقول: لأنه قد سمع دخول حرف الجر على ما هو متفق عليه بيننا وبينهم، وهو الفعل الماضي. والله مَا لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُه والله مَا لَيْلِي بِنَامَ: نَامَ نَامَ فعل ماضي باتفاق البصريين والكوفيين، إذن: هل نقول بدخول حرف الجر هنا على نَامَ صار اسماً؟ لن نقول لا الكوفيون ولا البصريون، حينئذٍ نقول: دخول حرف الجر هنا على نام هل هو مخرج له عن الفعلية، بكون حرف الجر لا يدخل إلا على الاسم؟ نقول: لا؛ لأن حرف الجر ليس ظاهراً بأن كل ما دخل على لفظٍ حكمنا باسميته، نقول: لا، قد يكون داخلاً على محذوف، والله ما ليلي بليلٍ مقولٍ فيه نام صاحبه. إذن: مثل التقدير الذي قدرناه هناك، فلما وجِدَ مثل هذا المثال: والله مَا لَيْلِي بِنَامَ واتفقنا على تأوليه، حينئذٍ لما اتصلت التاء واتصلت الضمائر بنعم وبئس حكمنا عليهما بكونهما فعلين وأولنا بنعم الولد وعلى بئس العير، وهذا أمر مطرد وجمعاً بين النصوص وجمعاً بين الأدلة، وأما الكوفيون فمذهبهم ضعيف في هذا.

стр. 1640

فِعْلانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ، إذن: حكمنا على نِعْمَ وَبِئْسَ بأنهما فعلان، وكل فعلٍ يلزم منه أن يرفع فاعلً، حينئذٍ على مذهب البصريين تقول: نعم الرجلُ زيدٌ، نِعمَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح، لم فعل ماضي؟ لاتصال ما هو من خصائص الأفعال به، ولماذا بنيَ؟ على الأصل، فلا يسأل عنه، نِعْمَ، ولم حرك؟ للتخلص من التقاء الساكنين، ولم كانت الحركة فتحة؟ طلباً للخفة، وما بعده يكون فاعلاً، نِعمَ الرجل، الرجلُ فاعل لنعمَ، ولذلك قال الناظم: رَافِعَانِ اسْمَيْنِ على الفاعلية، نعم الرجل زيدٌ، وزيدٌ هذا مخصوص مبتدأ مؤخر، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر مقدم، وعلى رأي الكوفيين: نِعمَ الرجلُ زيدٌ هم يسلمون بهذا التركيب: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، نِعمَ عندهم مبتدأ، وهو اسم بمعنى الممدوح مبني على الفتحِ في محل رفع، لم بني والأصل أنه معرب؟ قالوا: لتضمنه معنى الإنشاء وهو من معاني الحروف، كما بنيت أسماء الإشارة لتضمنها معنى الإشارة، إذن: نِعمَ هذا مبتدأ مبني على الفتح في محل رفع، والرجلُ عطف بيان أو بدل مرفوع بالضمة، لذلك رفع ليس فاعلاً، وزيدٌ خبر، إذن: نِعمَ زيدٌ مبتدأ وخبر، والرجل الذي وقع بينهما هذا يعرب عطف بيان أو بدل، ولذلك رفع نظراً لمحل نِعمَ، لكن يرد عليه إشكال، وهو قول القائل السابق: نعم السير على بئس العيرُ، هم أعربوا: نِعمَ الرجل على أنه بدل .. بدل المرفوع مرفوع، وبِئسَ الرجل بدل المرفوع مرفوع، أو عطف بيان، حينئذٍ يكون آخذاً حكم ما سبق، لكن بِنِعمَ الولدُ؟ إذا حكمنا على نِعمَ بأنها اسم حينئذٍ هو مجرور فلماذا قيل: الولدُ بالرفع؟ إذا كان ما بعد نعم يكون عطف بيان أو بدل، حينئذٍ الأصل: بِنعمَ الولدِ وعلى بئس العيرِ بالجر، هذا الأصل، اعترض عليهم، ما هي بنِعمَ الولدُ: كان القياس ما ذهب إليه هؤلاء أن يكون الولدُ بدلاً أو عطف بيان من نعم المخفوض محلاً بالباء، والعير كذلك من بئس في قوله على بئس العيرُ، لكن الرواية بالرفع، هذا محل إشكال. وخُرِّج ذلك على أن (ما) نافية مهملة، ما هي (ما) مهملة، و (هي) مبتدأ، وبنِعمَ الباء حرف جر زائد، ونِعمَ خبر، حينئذٍ صار نعم لها محلان، رفعٌ وخفضٌ، خفضٌ بالباء الزائدة؛ لأنها واقعة بعد (ما)، وسبق أن (ما) مطلقاً سواء كانت حجازية أو تميمية وحجازية مهملة أو عاملة تدخل الباء في خبر (ما) حينئذٍ الباء هنا زائدة، ونِعمَ نقول: هذا مجرور، فله محلان، جر بالباء وله محل لأنه خبر مرفوع، إذن: الولدُ بالرفع بناء على محل نِعمَ على أنه خبر للمبتدأ. وخُرِّج ذلك على أن (ما) نافية مهملة، هي مبتدأ وبنِعمَ الباء حرف جر زائد، نعم اسم بمعنى الممدوح وهو خبر المبتدأ مبني على الفتح وله محلان، الجر بالنظر إلى الباء والرفع بالنظر إلى الخبرية، والولد عطف بيان على نِعمَ، باعتبار المحل، أو الباء أصلية، ونِعمَ في محل جر بها، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ هي، والولدُ نعت مقطوع فهو خبر مبتدأ محذوف. يعني: لو قيل: بأن الباء أصلية لا نقول بأنها زائدة، ما هي بنعم الولد، نقول: الباء أصلية، جار ومجرور متعلق بمحذوف، حينئذٍ صار خبراً للمبتدأ هي.

стр. 1641

طيب. الولدُ بالرفع لا إشكال، فالأصل فيه أنه نعت، والنعت يجوز قطعه عن المنعوت، فتقول: بنعم هي الولدُ فصار خبر مبتدأ محذوف. إذن: هذا على مذهب الكوفيين، وقلنا: الصواب أنهما فِعْلانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ، حينئذٍ ما بعدهما يعرب فاعلاً ولا يعرب خبراً. فِعْلانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ ... نِعْمَ وَبِئْسَ رَافِعَانِ اسْمَيْنِ رَافِعَانِ قلنا: هما رافعان، خبر مبتدأ محذوف، اسْمَيْنِ هذا مفعول به لرافعان، رَافِعَانِ معاً اسمين أو كل واحد منهما يرفع اسماً؟ كل واحد منهما يرفع اسماً، لا أن كل واحد يرفع اسمين، قد يفهم من العبارة ذلك، لكن ليس هذا المراد، المراد: رَافِعَانِ اسْمَيْنِ، أن كل واحد منهما يرفع ما بعده على أنه فاعل له. يعني: أن كل واحد منهما يرفع اسماً، ومجموعهما يرفع اسمين، لا أن كل واحد منهما يرفع اسمين، رَافِعَانِ اسْمَيْنِ على الفاعلية، سواء كان هذا الاسم ظاهراً أو مضمراً. فهم أن رفع الاسمين بعدهما على الفاعلية؛ لتصريحه بفعليتهما؛ لأنه قد يقال: رَافِعَانِ اسْمَيْنِ لا يلزم أن يكون فاعلاً، نقول: لا هو قال: فِعْلانِ، إذن: حكم على نعم بكونها فعل، وإذا رفع الفعل اسماً حينئذٍ رفعه على أنه فاعل لا على أنه خبر، هذا واضح بين؛ لأنه صرح بفعلية نِعْمَ وَبِئْسَ، ثم ذكر أن لهما اسمين مرفوعين بهما، يقتضي ذلك أنهما على الفاعلية، ثم لما كان فاعل نِعْمَ وَبِئْسَ له خصائص أراد أن يبين خصائص فاعل نِعْمَ وَبِئْسَ؛ لأنه ينفرد عن كل فاعل ببعض الأحكام الخاصة به، فقال: رَافِعَانِ اسْمَيْنِ .. مُقَارِنَىْ أَلْ أوْ مَضَا فَينِ لِمَا قَارَنَهَا .. وَيَرْفَعَانِ مُضْمَراً يُفَسِّرُهُ مُمَيِّزٌ هذه ثلاثة أنواع لفاعل نِعْمَ وَبِئْسَ. إذن: ليس كل اسم ظاهر يصح أن يرفع على أنه فاعل لِـ نِعْمَ وَبِئْسَ، بل لابد من ضوابط. قال: مُقَارِنَىْ (ألْ): مُقَارِنَىْ صفة لاسمين، رافعان اسمين على الفعلية. مُقَارِنَىْ (أَلْ): مُقَارِنَىْ مضاف و (أَلْ) مضاف إليه، ومُقَارِنَىْ أين النون؟ حذفت للإضافة، و (أل) حرف تعريف، فكيف صار مضافاً إليه والمضاف لا يكون إلا اسماً؟ قصد لفظه. إذن: قصد لفظه مُقَارِنَىْ (أَلْ). إذن: النوع الأول أن يكون الفاعل مقارناً لـ (أل)، أي (أل)؟ الموصولية أم الزائدة أم المعرفة أم الاستفهامية؟ أطلق الناظم مُقَارِنَىْ (أَلْ)، والأصل في (أل) أنها معرِّفة، حينئذٍ مُقَارِنَىْ (أَلْ) لا الموصولة ولا الاستفهامية ولا الزائدة وإنما هي المعرِّفة. إذن: نقول النوع الأول من أنواع فاعل نِعمَ: أن يكون محلىً بالألف واللام، كما الناظم: (أل)، نِعمَ الرجلُ زيدٌ، نِعمَ العبدُ .. بئس الشرابُ، ((نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)) [الأنفال:٤٠]، هذا النوع الأول أن يكون فاعل نِعمَ وبئس محلىً بـ (أل)، ثم أل هذه اختلف فيها، بعد أن سلمنا بأنها معرِّفة، وسبق أن المعرِّفة أنواع: جنسية وعهدية، والجنسية قد تكون حقيقة وقد تكون مجازية، والمعرِّفة قد تكون تعريف ذهني أو ذكري أو حضوري.

стр. 1642

إذن: الاختلاف هنا لا يخرجها عن كونها معرِّفة، هي معرِّفة، اُختلف في أل هذه، نِعمَ العبد، نِعمَ المولى، نِعمَ النصير، فقال الأكثرون: هي للجنس، أكثر النحاة والبيانيين على أنها للجنس حقيقة لا مجازاً، فحينئذٍ مدحت الجنس كله من أجل زيد، جنس الرجل، يعني: إذا قلت: نِعمَ الرجل، جنس الرجل، فشمل كل من يصدق عليه هذا اللفظ، يعني: مدحت كل الأفراد، زيد وعمرو وخالد إلى ما لا نهاية، كل المدح هذا من أجل زيد. نِعمَ الرجل فمدحت الجنس كله، يعني: أريد بمدخولها جميع أفراد الجنس قصداً أو تبعاً للمدوح، فمدحت الجنس كله من أجل زيد، ثم خصصت زيداً بالذكر، فتكون حينئذٍ مدحته مرتين، ويكون من باب ذكر الخاص بعد العام، كأنه ذُكر العام أولاً ثم خصصته بالذكر، وهذا مبالغة في المدح .. غاية أن تمدح كل الرجال من أجل زيد، يعني من أجل أن تثني على زيد، ثم بعد ذلك تخصه بالذكر، فحينئذٍ دخل أولاً في الرجل، ثم نصصت عليه مرة أخرى، فحينئذٍ مدحته مرتين، فإذا قلت: نِعمَ الرجلُ زيدٌ فالجنس كله ممدوح، وزيدٌ مندرج تحت الجنس، الجنس المراد به الأفراد هنا، شمل كل الأفراد حقيقة. فالجنس كله ممدوح وزيدٌ مندرج تحت الجنس؛ لأنه فرد من أفراده، وفي تقريره قولان، يعني: كيف وصلنا إلى هذا المدح. الأول: أنه لما كان الغرض المبالغة في إثبات المدح للممدوح، جعل المدح للجنس الذي هو منه، إذ الأبلغ في إثبات الشيء جعله للجنس حتى لا يتوهم كونه طارئاً على المخصوص، يعني: مثلما قال ابن عقيل، جعلنا المدح منصباً أولاً على كل أفراد الجنس، ثم ذكرناه بعد ذلك.

стр. 1643

الوجه الثاني في تقرير المدح هنا: أنه لما قصدوا المبالغة عدَّوا المدح إلى الجنس مبالغة، ولم يقصدوا غير مدح زيدٍ، فكأنه قيل: ممدوح جنسه لأجله، يعني: مُدح الجنس ظاهراً لا حقيقة، وهذا أشبه ما يكون بالقول الثاني وهو المجازي؛ أنه لما قصدوا المبالغة عدوا المدح إلى الجنس مبالغة يعني في المدح، ولم يقصدوا غير مدح زيدٍ، فكأنه قيل: ممدوحٌ جنسُه لأجله، فالجنس ممدوح تبعاً لا قصداً، يعني: القول الأول أن الجنس ممدوحٌ قصداً وتبعاً لزيد، وعلى القول الثاني أن الجنس غير مراد هنا، بل مدح تبعاً لزيد. وقيل: هي للجنس مجازاً، فإذا قلت: نعم الرجلُ زيدٌ، جعلت زيداً جميع الجنس مبالغةً ولم تقصد غير مدح زيد، يعني: كأنك أسندت المدح إلى الجنس ظاهراً، وأنت مقصودك بالمدح زيد فحسب، لم تقصد الجنس، وإنما ذكرت الجنس مبالغة فحسب، ولذلك الأكثر على أنه ليس مجازاً. وقيل: هي للجنس مجازاً، وكأنك قد جعلت زيداً الجنس كله مبالغةً، وقيل: للعهدِ، ثم اختلف، قيل: العهد الذهني، وقيل: العهدُ الخارجي، فعلى القول بأنها للعهدِ الذهني؛ لأن مدخولها فرد مبهم؛ وذلك كقول القائل: ادخل السوق، اشتري اللحمَ، إذا قال قائل: اذهب إلى المسجد، ولم يكن ثم بينك وبينه عهد، هل المراد أل هنا تشمل كل المساجد؟ اذهب صلِّ في المسجد، أو اذهب إلى السوق، أو اشترِ اللحم، لو قيل: أل هنا للاستغراق أو للجنس، حينئذٍ دخل كل سوق تحت قولنا: ادخل السوق، ودخل كل مسجد تحت قولنا: ادخل المسجد أو صلِّ في المسجد، نقول: لا، المراد به هنا واحد مفرد .. فرد، لكنه مبهم غير معين، فصار كأنه معين من جهة العرف؛ لأنه لا يتصور عقلاً أنك تدخل كل سوق أو أنك تصلي في كل مسجد أو أنك تشتري كل ما يصدق عليه اللحم، لا، المراد بالحقيقة العرفية المتعارف بين المخاطب والمتكلم أنك إذا قيل لك: ادخل السوق يعني: سوق واحد، لكن هذا السوق غير معين، فهو فردٌ مفهم، فإذا قيل: نعم الرجلُ فحينئذٍ مدحت واحداً فقط، لكنه فرد مفهم، ثم عينته، فقلت: نِعمَ الرجلُ زيدٌ وهذا أقرب إلى الحقيقة من ذاك الذي تمدح الناس كلهم من أجل زيد. ادخل السوق ولا تريد الجنس ولا معهوداً بينك وبين المخاطب، أما لو كانت أل للعهد لا، الحكم يختلف، لو قلت لك: ادخل السوق وأنا بيني وبينك معهود .. سوق معين لا، ليس الأمر كذلك، وإنما المراد إذا لم يكن بيني وبينك خطاب يعني سابق، حينئذٍ نقول: أل هنا للعهد الذهني والمعهود مفرد أو فرد مبهم غير معين، فإذا قيل: نعم الرجلُ مدحت الرجل، لكنه مبهم وهو فرد داخل تحت الرجل، ثم عينته فقلت: زيد. وقيل: للعهد الخارجي والمعهود هو الفرد المعين يعني: الشخص الذي مدحته، الذي هو المخصوص بالمدح أو الذم، فالرجل في نِعمَ الرجل: زيد، نِعمَ الرجلُ: من هو؟ زيد معين، فرد معين، ثم قلت: زيد، والأصل أن يقول: نِعمَ الرجلُ هو، لكنه أقيم هنا الظاهر مقام الضمير، وإلا الأصل أن يقال: نِعمَ الرجلُ هو.

стр. 1644

إذن: أل هذه مُقَارِنَىْ (أَلْ) نقول: أكثر النحاة والبيانيين على أنها جنسية، ثم اختلفوا هل هو الجنس الحقيقي أو المجازي؟ الأكثر على أنه الحقيقي، وقال بعضهم: المراد به العهد، ثم اختلفوا، هل العهد الخارجي أو العهد الذهني؟ على كلٍّ الأقرب إلى الحقيقة أن يقال: العهد الذهني، أما أكثر النحاة فاختاروا ما ذكرناه. مُقَارِنَىْ (أَلْ): هذا النوع الأول، أَوْ: للتنويع، وهو النوع الثاني من فاعل نِعمَ وبئسَ، مَضَافَينِ: يعني: لا يكونان مقارني لـ (أل)، انتفت (أل). إذن عندنا مرحلة ثانية: وهي أن يكونا مضافين لما قارنها، مثل ماذا؟ نِعْمَ عُقْبَىْ الْكُرَمَا كما قال الناظم هنا: نِعْمَ عُقْبَىْ، ما فيه أل، هو فاعل نِعمَ، لكنه أضافه إلى ما فيه أل، فجوز أن يكون فاعلاً لنِعمَ. أَوْ مَضَافَينِ لِمَا: مضافين هذا معطوف على قوله: مُقَارِنَىْ، ولِمَا هذا متعلق به، لأنه مضاف اسم مفعول، قَارَنَهَا .. مضافين لما قارنها: يعني: للذي قَارَنَهَا، وقَارَنَهَا صلة الموصول، كقولك: الكاف داخل على مقول محذوف، كقولك: نِعْمَ عُقْبَىْ الْكُرَمَا .. الكرماءُ بالهمز، لكنه قصره للضرورة. إذن: نِعْمَ فعل ماضي وعُقْبَىْ فاعله، وحينئذٍ لو قيل: ما دخلت عليه أل؟ نقول: نعم، لكنه أضيف إلى ما فيه (أل)، وهذا جائز. أَوْ مُضَافَيْنِ لِمَا قَارَنَهَا: يعني: قد لا تضاف إلى ما فيه أل، قد يضاف فاعل نِعمَ إلى لفظ لم يقترن بـ (أل)، لكنه يضاف هو إلى ما فيه (أل)، وهذا داخل في قول الناظم: قَارَنَهَا. ولذلك قال الصبان: أَوْ مَضَا فَينِ لِمَا قَارَنَهَا ولو بواسطة، إما أن يكون مباشراً لها، مثل: عُقْبَىْ الْكُرَمَا، مضاف إليه باشر أل، أو قد لا يكون فيه أل، لكنه أضيف هو أيضاً إلى ما فيه أل، كقول الشاعر: فَنِعْمَ ابنُ أُخْتِ الْقَوْمِ فَنِعْمَ ابنُ أُخْتِ: لو وقفنا إلى هنا قلنا: لا يجوز؛ لأن ابن هذا فاعل نِعمَ، وهو قد أضيف، لكنه لم يضف إلى ما فيه أل، لكننا نقول: لا، قد أضيف هذا أُخْتِ إلى ما فيه أل وهو الْقَوْمِ، وظاهر كلام الناظم أنه لا يريد هذا النوع لقلته، ولكن لا مانع من إدخاله، فنقول: أَوْ مُضَافَيْنِ لِمَا قَارَنَهَا ولو بواسطة، حينئذٍ أُخْتِ هو الواسطة هنا. فَنِعْمَ ابنُ أُخْتِ الْقَوْمِ غَيْرَ مُكَذَّبِ ولم ينبه عليه لكونه بمنزلة السابق، وقد نبه عليه في التسهيل .. هو نفسه ﵀. وَيَرْفَعَانِ: هذا النوع الثالث أو الربع، النوع الثالث باعتبار كلام الناظم في ظاهره، والنوع الرابع باعتبار ما زدناه.

стр. 1645

وَيرْفَعانِ أَيضًا عَلى الفَاعِليَّة مُضْمَراً يُفَسِّرُهُ مُمَيِّزٌ، هذا النوع الثاني من الفاعل الذي يرفعه نِعْمَ وَبِئْسَ، قلنا: رَافِعَانِ اسْمَيْنِ ظاهراً أو مضمراً، يحتمل هذا وذاك فهو داخل فيه، فحينئذٍ رَافِعَانِ اسْمَيْنِ ظاهراً ومضمراً، وَيَرْفَعَانِ أيضاً على الفاعلية مُضْمَراً هذا مفعول لقوله يَرْفَعَانِ، والألف في يَرْفَعَانِ فاعل، ورفعه يكون بثبوت النون، ما الدليل؟ وَاجْعَلْ لِنَحْوِ يَفْعَلاَنِ النُّونَا رَفْعاً، إذن: مرفوع بثبوت النون أو بثبات النون، وَيَرْفَعَانِ مُضْمَراً: مُضْمَراً: مبهماً، لابد أن يكون مبهماً، هذا الشأن فيه، يُفَسِّرُهُ مُمَيِّزٌ: ظاهره أنه متأخر ولا يتقدم، وهذا قول جمهور النحاة؛ أن ضمير المرفوع بنِعمَ وبئسَ على أنه فاعل لهما، يجب أن يُفَسَّر بـ (مُمَيّزٍ) لأنه مبهم في نفسه. كَنِعْمَ قَوْماً مَعْشَرُهُ، يعني: كقولك، الكاف إذا دخلت على جملة لابد من التأويل، فنقول: كقولكَ داخلة على محذوف هو قوم، نِعْمَ قَوْماً مَعْشَرُهُ، ننزل كلام الناظم هنا نِعْمَ فعل ماضي، وهو غير متصرف، وقَوْماً: هذا بالنصب، لا يصلح أن يكون فاعلاً؛ لأنه ليس مقارناً لـ (أل)، وليس مضافاً لما فيه أل، حينئذٍ يتعين أن يكون الضمير مستتراً هنا فاعلاً لنعم، فنقول: نِعْمَ فعل ماضٍ وفاعله ضمير مستتر، قَوْماً: هذا واجب ذكره، لماذا؟ لأن الضمير الذي أسند إليه نِعْمَ مبهم، لابد من تفسيره، من مرجع يفسره، هذا المراد، فقوماً منصوبٌ على التمييز، على أنه مفسر للضمير المستتر في نِعمَ، وواجب التأخير عند جمهرة النحاة، حينئذٍ يلزم منه عود الضمير على متأخرٍ لفظاً ورتبة، وقلنا: هذا من المسائل المستثناة، ستة أبواب أو ست مسائل استثناها النحاة؛ من عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة خلافاً للأصل المطرد في لسان العرب ومنها باب نِعمَ وبئسَ في هذا المقام، وهو أن نعم وبئس يرفعان ضميراً مستتراً، ثم نقول: يجب أن يفسر بتمييز منصوب بعده، حينئذٍ رجع الضمير، نعم هو مثلاً أو هم قوماً لا يجوز إظهاره، لكن من باب التعليم، نِعمَ هم، هم من؟ ليس هناك كلام سابق رجع إليه، هم قوماً، إذن: هم رجع إلى قوماً وهو متأخر في اللفظ والرتبة، حينئذٍ نقول: هذا مما يستثنى في لسان العرب، وإلا الأصل في عود الضمير أن يكون على متقدمٍ لفظاً ورتبةٍ.

стр. 1646

إذن: قَوْماً منصوبٌ على التمييز، والجملة في رفع نِعمَ، والفاعل في محل رفع خبر مقدم، ومَعْشَرُهُ نقول: هذا مبتدأ مؤخر، ويسمى المخصوص كما سيأتي، فمن المثال حينئذٍ نقول: المثال هنا دل على أن نِعمَ وبئسَ لا يكتفيان بالفاعل، بل لابد من اسم آخر يسمى مخصوصاً وسيأتي: وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ، إذن: وَيَرْفَعَانِ مُضْمَراً: يعني: مبهماً على الفاعلية، يُفَسِّرُهُ مُمَيِّزٌ، فإذا قلت: زيدٌ نِعمَ رجلاً، لم يعد الضمير على زيد، بل على (رجلاً) هذا واضح، زيدٌ نعمَ رجلاً، في المثال الذي ذكره الناظم: نِعْمَ قَوْماً مَعْشَرُهُ لا يلتبس أن عود الضمير على المتأخر، لكن لو قلت: زيدٌ نِعمَ رجلاً، نعمَ هل الضمير هنا المستتر الذي هو فاعل يعود على زيد أو على رجل؟ على رجل، لا على زيد؛ لأنه هنا عمم الناظم: وَيَرْفَعَانِ مُضْمَراً مطلقاً سواء تقدم المخصوص أم تأخر، يُفَسِّرُهُ مُمَيِّزٌ هذه الجملة من فحواها تدل على أن المميز .. التمييز متأخر عن الضمير قطعاً وهذا واجب التأخير، حينئذٍ إذا قيل: زيدٌ نعمَ رجلاً، نقول: نِعمَ فيه ضمير، هذا الضمير لا يعود على زيد المتقدم، وإنما يعود على رجلاً المتأخر. إذن: قوله: يُفَسِّرُهُ مُمَيِّزٌ فيه أن الضمير يعود على المتأخر مطلقاً، ولو تقدم المخصوص على القول بجواز تقدم المخصوص، وحكى ابن هشام في القطر الإجماع على جوازه، ويجوز وصف هذا المميز: نعم رجلاً صالحاً زيدٌ، يجوز وصفه: نِعمَ رجلاً صالحاً زيدٌ، وكذا فصله: ((بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)) [الكهف:٥٠]، بئسَ بدلاً للظالمين، فُصل بالجار والمجرور. وَيَرْفَعَانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ ... مُمَيِّزٌ كَنِعْمَ قَوْمًا مَعْشَرُهْ أن يكون الفاعل مضمراً مفسراً بنكرة بعده منصوبة على التمييز، وهذا مذهب الجمهور، ولم يجوزوا أن يكون المذكور المرفوع فاعلاً كما سيأتي؛ لأنك إذا قلت: نعمَ رجلاً زيدٌ، بعضهم قال: لا نحتاج إلى ضمير، لا نحتاج إلى أن نقول الفاعل ضمير، بل نقول: نعمَ رجلاً زيدٌ، زيدٌ هو الفاعل، كأنك قلت: نعمَ زيدٌ رجلاً، هذا نقول: فاسد لا يمكن، لماذا؟ لأن أولاً قولهم نِعمَ رجلاً أنت، وبئسَ رجلاً هو، فلو كان هذا المرفوع المتأخر على أنه فاعل لاتصل بارزاً في المثال الأول ومستتراً في الثاني: نِعمَ رجلاً هو، يجوز أن يقع المخصوص ضمير منفصل هو، لو كان فاعلاً لوجب اتصاله، لا يصح أن يقال: نِعمَ رجلاً هو، لوجب أن يتصل بـ (نِعمَ)، ومتى ما أمكن الاتصال حينئذٍ لا يجوز أن يعدل إلى الانفصال، فلو كان الأمر كذلك لوجب اتصاله، لكن لما لم يتصل علمنا أنه ليس بفاعل.

стр. 1647

إذن: نعم رجلاً أنت، ونِعمَ رجلاً هو، هذان المثالان يدلان على أن المرفوع بعد نِعمَ إذا وجد النكرة المنصوب على التمييز ليس بفاعل، إذ لو كان فاعلاً لاستتر في الثاني الذي هو (هو) وبرز في الأول الذي هو (أنت)، الثاني: قولهم: نِعمَ رجلاً كانَ زيدٌ، ما وجه الاستدلال على أنَّ نِعمَ رجلاً زيدٌ ليس بفاعل؟ نِعمَ رجلاً كان زيدٌ، هذا تركيب مسموع، لو كان الذي بعد رجلاً يجوز أن يكون فاعلاً لما دخل عليه كان؛ لأن كان تدخل على المبتدأ ولا تدخل على الفاعل، إذن: لما سمع نِعمَ رجلاً كان زيدٌ، دخلت كان على زيد، وهو المرفوع المتأخر بعد نِعمَ رجلاً، وكان لا تدخل على الفاعل، فدل على أنه لا يمكن أن يكون فاعلاً، ولذلك أوجب الجمهور أن يكون في مثل هذا التركيب ضميراً مستتراً واجب الاستتار، وله أحكام كما سيأتي. وأنه لا يجوز أن يرفع المذكور بعد التمييز على أنه فاعل لنِعمَ. نِعْمَ قَوْماً مَعْشَرُهْ، ففي نِعْمَ ضمير مستتر يفسره قَوْماً، ومَعْشَرُهُ مبتدأ. إذن: الجملة السابقة نِعْمَ قَوْماً نقول: هذه الجملة في محل رفع خبر مقدم، ومَعْشَرُهُ مبتدأ مؤخر، والرابط العموم .. الضمير للمبتدأ على أن المراد بالضمير الجنس، أو إعادة المبتدأ بمعناه وعلى أن المراد به الشخص، هذا سبق معنا في باب المبتدأ والخبر: وَمُفْرَداً يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ ... حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ قلنا: نعم الرجلُ زيدٌ، إما أن الرابط العموم، وإما أنه إعادة المبتدأ بمعناه، إذا جعلنا: أل في الرجل للجنس، حينئذٍ الرابط العموم، وإذا جعلناها عهدية، فالرابط إعادة المبتدأ بمعناه. إذن: فيه ضمير مستتر يفسره قَوْماً، ومَعْشَرُهُ مبتدأ، والرابط ما ذكرناه الضمير يعود على المبتدأ، وهذا الضمير المستتر له أحكام أربعة، ليست كسائر الضمائر. الأول: أنه واجب الاستتار، ليس بجائز الاستتار، فلا يبرز في تثنية ولا جمعٍ، استغناء بتثنية تمييزه وجمعه، يعني: قد يجمع التمييز وقد يثنى، فإذا ثني أو جمع حينئذٍ لا نحتاج إلى أن نجمع أو نثني الضمير، بل هو واجب الاستتار، وأجاز ذلك قومٌ من الكوفيين، وحكاه الكسائي عن العرب، ومنه قول بعضهم: مررتُ بقومٍ نعموا قوماً، أبرز الضمير على أنه فاعل، وقوماً هذا منصوب على أنه تمييز .. نكرة، نعموا قوماً، رجع الضمير من نعم متصل إلى قوماً. إذن: جمعه بناء على أن التمييز جمع، نقول: هذا نادرٌ بل شاذٌ يحفظ ولا يقاس عليه، بل يجب أن يكون مستتراً فلا يثنى ولا يجمع، حينئذٍ إذا أردنا التثنية أو الجمع، ثنينا وجمعنا التمييز، نِعمَ رجلينِ الزيدان، نِعمَ رجالاً الزيدون، فنكتفي برجالاً ورجلينِ، ونثني ونجمع كذلك المخصوص لابد من التطابق، حينئذٍ نقول: نِعمَ رجلينِ، رجلينِ هذا منصوب على التمييز وهو مثنى، ولا نقول: نعما –بالألف- رجلينِ، ولا نقول: نعموا رجالاً، لا، وإنما نثني ونجمع التمييز، فنكتفي به. وهذا نادر.

стр. 1648

الثاني: أنه لا يتبع يعني بشيء من التوابع، وأما نحو: نِعمَ هم قوماً فشاذٌ، نِعمَ هم قوماً، الجمهور منعوا الإتباع وأعربوا هذا البيت على النحو التالي: نِعمَ: فعلٌ ماضي والفاعل ضمير مستتر وهم توكيد للضمير المستتر، نِعمَ هم قوماً، قوماً هذا تمييز، لكن حكموا عليه بكونه شاذاً يحفظ ولا يقاس عليه؛ لأن من شأن هذا الضمير أن لا يتبع، يعني لا يعطف عليه، ولو فصل بينهما فاصل، ولو كان مشروعاً عندهم، وكذلك لا يؤكد ولا يبدل منه، مطلقاً، جميع التوابع الأربعة لا ترِد في ضمير نِعمَ. إذن: نقول: هذا الضمير لا يتبع بشيءٍ من التوابع، وذلك لقوة شبهه بالحرف؛ لأن فهمه لفظاً ومعنى متوقفٌ على التمييز، نِعمَ الضمير ما هو؟ قوماً رجلاً .. إلى آخره، فنقول: لا يفهم الضمير، ولذلك قلنا: مضمراً مبهماً، لا يفهم الضمير إلا بالتمييز، يُفَسِّرُهْ يكشفه ويوضحه هذا التمييز. لأن فهمه لفظاً ومعنى متوقفٌ على التمييز الواقع بعده، وقد سمع نِعمَ هم قوماً، وخرجوه على أن الفاعل مستتر وهم توكيد للفاعل، وهذا شاذٌ عند الجمهور. الثالث: أنه إذا فسِّر بمؤنث لحقته تاء التأنيث وجوباً، نحو: نعمتِ امرأةٌ هندٌ، ولكن هذا ليس متفقاً عليه، وهذا سبق في باب الفاعل: وَالْحَذْفَ فِي نِعْمَ الْفَتاةُ اسْتَحْسَنُوا ... لأِنَّ قَصْدَ الْجِنْسِ فِيهِ بَيِّنُ لكن ليس هو الذي معنا هنا. وَالْحَذْفَ فِي نِعْمَ الْفَتاةُ اسْتَحْسَنُوا: نحن الآن هنا نتحدث عن الفاعل إذا كان ضميراً، لا إذا كان اسماً ظاهراً محلىً بـ (أل) والحكم مختلف. أنه إذا فسر بمؤنث لحقته تاء التأنيث وجوباً، نحو: نعمت امرأةً -بالنصب- هندٌ، هندٌ هذا مخصوص وامرأةً منصوبٌ على التمييز والفاعل ضمير مستتر، والتاء هذه للتأنيث، تأنيث الضمير المستتر. وقيل: لا تلحق .. محل نزاع محل خلاف. وقيل لا تحلق، وإنما يقال: نِعمَ امرأة هندٌ استغناءً بتأنيث المفسِّر، وقيل: بجواز الأمرين. إذن: إذا كان المفسِّر مؤنثاً حينئذٍ في تأنيث الفعل ثلاثة أقوال: يجب التأنيث بناءً على أن المفسر .. التمييز مؤنث: نعمت امرأةً هندٌ، وقيل: لا يلزم اكتفاء بتأنيث المفسر أو المميز، وقيل: يجوز الأمران، هذه ثلاثة أحكام تتعلق بالضمير المستتر. وأما المفسِّر فيشترط فيه شروط: أولاً: أن يكون مؤخراً عنه، فلا يجوز أن يتقدم: رجلاً نِعمَ، لا يصح، وإنما يجب أن يكون مؤخراً عنه، فلا يجوز تقديمه على نِعمَ وبئسَ، فلا يقال: رجلاً نِعمَ زيدٌ، هذا فاسد. ثانياً: أن يتقدم على المخصوص فلا يجوز تأخيره عنه عند جميع البصريين، وعندهم نحو: نِعمَ زيدٌ رجلاً شاذٌ وقد أجازه الكوفيون، وهذا يأتي بحثه. أن يتقدم على المخصوص، يعني: أن تقول: نِعمَ رجلاً زيدٌ، ولا يصح أن يقال: نِعمَ زيدٌ رجلاً هذا شاذ عندهم، وإن كان الظاهر جوازه، وقد أجازه الكوفيون. الثالث: أن يكون مطابقاً للمخصوص في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، فتقول: نِعمَ رجلاً زيدٌ، ونِعمَ رجلين الزيدان، ونِعمَ رجالاً الزيدون، ونِعمت فتاةً هندٌ لابد أن يكون مطابقاً للمخصوص إفراداً وتثنية وجمعاً، يعني: لا يقال: نِعمَ رجلاً الزيدان، ولا نِعمَ رجلين زيدٌ، لابد أن يكون مطابقاً له.

стр. 1649

الرابع: أن يكون نكرة، التمييز يجب أن يكون نكرة، وهذا واضح، التمييز عند البصريين لا يكون نكرة، لكن يزاد عليه أن يكون نكرةً قابلاً لـ (أل)، نَكِرَةٌ قَابِلُ أَلْ مُؤَثِّرَا، أن يكون نكرة قابلاً لـ (أل)؛ لأن هذا التمييز خلف عن الفاعل المقرون بـ (أل)، فيجب أن يكون قابلاً لها، فلا يجوز أن يكون هذا التمييز من الألفاظ التي لا تقبل (أل)، مثل: مثل وغير وأَيٍّ وأفعل التفضيل المضاف أو المقرون بـ (من)، حينئذٍ كل ما لا يقبل (أل) ولو قلنا بأنه نكرة لا يصح أن يقع تمييزاً لنِعمَ، لماذا؟ لأن هذا التمييز خلف عن الفاعل المقرون بـ (أل)، حينئذٍ إذا كان كذلك لا يقع محله إلا ما يقبل التعريف. الخامس: أن يكون -هذا التمييز- نكرةً عامة، أي: لها أفراد في الوجود متعددة، فلا تقل: نِعمَ شمساً هذا الشمسُ، لا يصح هذا؛ لأن الشمس غير متعددة، لكن لو قلت: نِعمَ شمساً شمسُ هذا اليوم، نِعمَ شمساً، شمساً منصوبٌ على التمييز، نقول: يجوز، بناءً على أن الشمس لها مطالع، تختلف، أمس شديدة الحر، اليوم متوسطة، تختلف كل يوم لها حرارتها المناسبة ولها قبولها عند الناس وعدم ذلك. إذن: لو قلت: نِعمَ شمساً شمسُ هذا اليوم لجاز؛ لأنك جعلت الشمس متعددة بتعدد الأيام. السادس: لزوم ذكره، يجب أن يكون مذكوراً. نص عليه سيبويه، وقيل: لا يجوز حذفه -التمييز- وإن فهم المعنى، وجوز حذفه ابن مالك وابن عصفور وقال في التسهيل: لازمٌ غالباً، لحديث: ﴿فَبِهَا وَنِعْمَتْ﴾، ما ذكر تمييزاً، لكنه لما فهم المعنى حذف التمييز، ابن مالك جيد في الاستدلال بالأحاديث والآيات، وتبعه على هذا النهج ابن هشام رحمه الله تعالى، ولذلك إذا فتحت كتاب لابن مالك، أو إذا أردت مثال من القرآن أو من السنة فانظر أي كتاب لابن هشام أو لابن مالك، وقد تبحث في كتب البعض تتعب أن تجد آية في باب كامل، وهذا سنة حسنة سنها ابن مالك وتبعه ابن هشام، على أنهم جعلوا النحو ممزوجاً بالقرآن وبالسنة، حينئذٍ نقول: هذه حسنة جيدة. إذن: جوزه ابن مالك بناء على أنه سمع: ﴿فَبِهَا وَنِعْمَتْ﴾، هذه ستة شروط لابد من توفرها في التمييز. نقف على هذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ... !!!

стр. 1650

عناصر الدرس * هل يجمع بين فاعل. نعم وبئس. الظاهر والتمييز؟ * حكم (ما) الواقعية بعد. نعم وبئس. ـ * المخصوص بالمدح أوالدم وأحكامه * ما يجرى مجرى أفعال المدح والدم وحكمه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: وقفنا عند قول الناظم رحمه الله تعالى: وَيَرْفَعَانِ مُضْمَراً يُفَسِّرُهْ ... مُمَيِّزٌ كَنِعْمَ قَومَاً مَعْشَرُهْ وقلنا: هذا هو النوع الثالث أو الرابع مما يكون فاعلاً لـ: (نِعْمَ) و (بِئْسَ) وهو القول المُرجَّح عند جماهير البصريين: أن يكون الفاعل ضميراً مُفسَّراً بنكرة بعده منصوبة على التمييز، وهذا الضمير له أحكام ثلاثة ذكرناها، وكذلك المُفسِّر له شروط وهي ستة، وهذا القول هو المشهور عند النحاة. وذهب الكِسَائي: إلى أن الاسم المرفوع بعد النَّكِرة المنصوبة فاعلُ (نِعْمَ): نِعْمَ رجلاً زيدٌ، ليس فيه ضمير وإنما (رجلاً) هذا حال على مذهبه، و (زَيدٌ) هذا مرفوع على أنه فاعل (نِعْمَ). وذهب الكِسَائي: إلى أن الاسم المرفوع بعد النَّكِرة المنصوبة فاعلُ (نِعْمَ) والنَّكِرة عنده منصوبة على الحال، إذن: الإعراب هكذا: نِعْمَ رجلاً زيدٌ، (نِعْمَ) فعل ماضي و (زيدٌ) فاعل و (رجلاً) هذا حالٌ من الفاعل مُقدَّماً عليها، ويجوز عنده أن تتأخر فيُقال: نِعْمَ زيدٌ رجلاً، إذن: حالٌ متأخرة .. على الأًصل. وذهب الفَرَّاء إلى قول الكِسَائي نفسه السابق: إلى أن الاسم المرفوع بعد النَّكِرة هو فاعل (نِعْمَ) إلا أنه جَعَل النَّكِرة المنصوبة تَمييزاً مُحوَّلاً عن الفاعل، والأصل: نِعْمَ الرَّجُل زيدٌ، حُذِف الرَّجُل، ثُمَّ قيل: رجلاً بناءً على ما سبق بيانه في التمييز، ثُمَّ حُوِّل إسناد الفعل إلى اسم الممدوح، ونُصِب تَمييزاً، فقيل: نِعْمَ رجلاً زيدٌ، ويَقبُح عندهم تأخيره لأنه وقع موقع الرَّجُل المرفوع، وأفاد فائدةً فَيقْبُح، يعني: لا نقول يَمْتنِع وإنما قبيح، يجوز على قُبحٍ، أن يُقال: نِعْمَ زيدٌ رجلاً. إذن: عند الفَرَّاء وعند الكِسَائي (زَيدٌ) في: نِعْمَ رجلاً زيدٌ فاعل، واختلفا في (رجلاً) أعْرَبه الكِسَائي على أنه حال، وعند الفَرَّاء تَمييز مُحوَّل عن الفاعل، عند الكسائي يجوز التقديم والتأخير: نِعْمَ رجلاً زيدٌ .. نِعْمَ زيدٌ رجلاً، وعند الفَرَّاء الأصل: نِعْمَ رجلاً زيدٌ، ويَقبُح تأخيره فيُقال: نِعْمَ زيدٌ رجلاً. هذه ثلاثة أقوال ذكرها النحاة، وذكرها ابن عقيل، حيث قال: " وزعَمَ بعضهم" -صَدَّرَه بـ: زَعَم، إذن: لم يقبل هذا القول-، أنَّ (مَعْشَرُهْ) مرفوع بـ: (نِعْمَ) وهو الفاعل ولا ضمير فيها، وقال بعض هؤلاء: أنَّ (قَومَاً) حال وهو الكِسَائي، وبعضهم: إنه تمييز وهو الفَرَّاء. ومثل: (نِعْمَ قَومَاً مَعْشَرُهْ) قوله تعالى: ((بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً)) [الكهف:٥٠] (بِئْسَ) فعل ماضي، والفاعل ضمير مستتر .. واجب الاستتار، و (بَدَلاً) هذا تَمييز، و (لِلظَّالِمِينَ) جار ومجرور مُتعلِّق بـ: (بَدَلاً) مصدر تَعلَّق به، وقول الشاعر: لَنِعْمَ مَوْئِلاً الْمَوْلَى ..
следующие страницы →