← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36130

شرح ألفية ابن مالك للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

هنا فَعِيلِ نقول: فَعِيلِ الأصل فيه أنه صفة مشبهة، حينئذٍ قد ينوب عن اسم المفعول، ولكنه سماعي، ولذلك قال: ناب ذو فعيلٍ نقلاً، يعني: منقولاً، وإذا عبر عن الشيء بأنه نقل حينئذٍ حملناه على السماع. إذاً: لا قياس، لا ينقاس، وإن كان المسألة فيها خلاف. ونَابَ نَقْلاً عَنْهُ ذُو فَعِيلِ نَابَ: هذا فعل ماضي. وذُو فَعِيلِ: (ذو) بمعنى صاحب، وهو فاعل. ونَقْلاً: هذا إعرابه حال من ذُو فَعِيلِ. نَقْلاً: أي: لا قياساً، وهو مصدر بمعنى اسم المفعول حال من (ذُو). وناب عنه .. عن مفعول، عن مفعول فقط أو عن مُفعل أيضاً؟ الناظم هنا قال: عَنْهُ، والضمير يعود إلى أقرب مذكور، وهذا هو الظاهر أنه يناب عن مفعول فحسب، وإن حلمه بعضهم على العموم، لكنه ظاهر كلام الناظم أنه .. عن مفعول يعني: عن الثلاثي. ونَابَ نَقْلاً عَنْهُ: يعني عن مفعول، وقد ينوب عن مُفعَلٍ كما قاله الصبان، لكن ظاهر كلام الناظم الأول. وقد ينوب عن مُفعِل نحو: أعله المرض فهو عليل، عليل هذا على وزن فعيل، هذا ناب مناب ماذا؟ معل، أعله فهو معل، أعله. أعله اسم المفعول منه: مُعلٌّ إذا قيل: أعله المرض فهو عليلٌ؛ إذاً: عليل هنا ناب مناب معل، إذاً: جاء نائباً عن غير مفعول بل عن مُفعل. وعقدت العسل فهو عقيد أي: معقد، لكن هذا قليل جداً، أن ينوب عن مفعل ولم يذكر إلا هذين المثالين فحسب، وإلا الأصل أنه نائب مناب مفعول. ونَابَ نَقْلاً عَنْهُ ذُو فَعِيلِ فَعِيلِ: هذا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولذلك جاء بمثالين مذكر ومؤنث وأوقع عليه فعيل. نَحْوُ فَتَاةٍ أَوْ فَتىً كَحِيلِ: وهذا الذي مر معنا هناك في جمع المذكر السالم، قلنا: ألا يكون مما يستوي فيه المذكر والمؤنث: جريح وقتيل، هو هذا. فعيل كحيل تقول: فتاة كحيل وفتىً كحيل، يستوي فيه المذكر والمؤنث. امرأة قتيل ورجل قتيل، امرأة جريح ورجل جريح، إذاً: استوى فيه المذكر والمؤنث. ونَابَ نَقْلاً عَنْهُ ذُو فَعِيلِ ذُو فَعِيلِ: أي صاحب هذا الوزن أي: موازنه. نَحْوُ فَتَاةٍ أَوْ فَتىً كَحِيلِ قال الشارح: ينوب فعيل عن مفعول. انظر خصه بمفعول لأنه هذا ظاهر النظم، وأما أعله فهو معل وعقدته فهو عقيد نقول: هذا قليل جداً. في الدلالة على معناه، انظر نص على أنه يُدل بفعيل ما يُدل بمفعول في المعنى فقط، وأما في العمل فلا، يعني: مفعول هذا يعمل عمل فعله بالشروط السابقة. وَكُلُّ مَا قُرَّرَ لاِسْمِ فَاعِلِ ... يُعْطَى اسْمَ مَفْعُولٍ ............ إذاً: يعمل عمل الفعل. ما ناب عن مفعول هل يعمل عمل الفعل وهو فعيل هنا على جهة الخصوص؟ الجواب: لا، إنما المراد به في الدلالة على معناه. ينوب فعيل عن مفعول في الدلالة على معناه فقط. وقال ابن مالك ﵀ في التسهيل -التسهيل هذا مطبوع لكنه لم يكمله، أكمله غيره-: وينوب في الدلالة لا العمل. هكذا نص على أنه ينوب عنه في الدلالة لا العمل. قال ابن مالك في التسهيل: وينوب في الدلالة لا العمل عن مفعول بقلة فِعْل كذِبْحٌ، وفعَل كقَنس، وفُعْلة كغُرفة، وبكثرة فعيل، أما ذِبح وقَنس وفُعلة هذه قليل، وأما فعيل فهو كثير.

стр. 1577

الشاهد من هذا الكلام أنه قال: ينوب عنه في المعنى لا في العمل، فاسم المفعول .. ما كان على زنة مفعول يرفع نائب فاعل، وأما فعيل إذا أُنيب عن مفعول لا يرفع نائب فاعل، وإنما معناه معنى اسم المفعول، نحو: مررت برجل جريح وامرأة جريح وفتاة كحيل، كحيل العين يعني. وفتىً كحيل، وامرأة قتيل، ورجل قتيل، فناب جريح وكحيل وقتيل عن مجروحٍ ومكحولٍ ومقتولٍ. إذاً: لا يشترط في الإنابة هنا ألا يكون له اسم مفعول، لا، قد يكون وقد يسمع غيره، ولا ينقاس ذلك في شيء، بل يقتصر فيه على السماع، وهذا معنى قوله: ونَابَ نَقْلاً عَنْهُ ذُو فَعِيلِ وزعم ابن المصنف أن نيابة فعيل عن مفعول كثيرة، وليست مقيسة بالإجماع. يعني: دعوى الإجماع في كونها ليست مقيسة قال: فيها نظر. وفي دعواه الإجماع على ذلك نظر، إجماعات النحاة هذه كما ذكرت سابقاً، جمهور وإجماع انتبه لها. فقد قال والده في التسهيل في باب اسم الفاعل عند ذكره نيابة فعيل عن مفعول: وليس مقيساً، فلا يقال: ضريب بمعنى مضروب، لا تقس، إنما سُمع جريح وقتيل، هل سمع ضريب؟ لا، لا نقول: ضريب بمعنى مضروب فنقيسه لأنه على وزن فعيل، نقول: لا، لأنه غير مقيس بل هو محفوظ بكلمات معدودة. وليس مقيساً خلافاً لبعضهم، أي: في نوع منه وهو ما ليس له فعيل بمعنى فاعل ليس مطلقاً. وقال في شرحه: زعم بعضهم. دائماً يقول: قال في التسهيل وقال في شرحه، وأحياناً يقول: وقال في التسهيل وشرحه. هل بينهما فرق؟ قال في التسهيل، وإذا أرادوا تأكيده قالوا: وفي شرحه، انظر هنا قال: فقد قال والده في التسهيل في باب اسم الفاعل، ثم قال: وقال في شرحه. المتن والشرح، ما الفائدة؟ إذا شرح المصنف كتابه فلا بد أن يكون الشرح لاحقاً لا سابقاً ولا موافقاً. لا يكون الشرح سابقاً على المتن عقلاً، ولا يكون موافقاً يضع المتن ويشرح معه، إذاً: يكون لاحقاً، وإذا كان لاحقاً قد يكون بينهما زمن، وحينئذٍ قد يرجع عن بعض أقواله، فقد يذكر في التسهيل شيء ثم في الشرح يخالفه، حينئذٍ إذا خالفه فالحجة في الشرح لأنه لاحق، معلوم قطعاً، فالأول منسوخ إن صح التعبير، حينئذٍ نقول: ما في التسهيل هذا مضروب عليه، وما في الشرح هو المقدم، فإذا وافق الشرح التسهيل هو قوة على قوة، فإن خالفه حينئذٍ صارت العمدة في التسهيل. وهذا يقع حتى عند ابن هشام، قطر الندى قد يذكر شيئاً في المتن ثم يخالفه في الشرح، ولذلك إذا قرأت متناً لشارحٍ .. صاحب المتن انظر قارن بينهما قد يقع خلاف وما يتنبه الطالب، قد يشرح شيء لأنه قد يرجع، مسألة يقررها في المتن ثم يشرحه بعد سنين يكون قد طالع واستفاد أشياء فرجع عن القول، فإذا شرحه قد لا ينص على ما ذكره في المتن، ولذلك هنا يقول: وقال في شرحه، دل على الفرق بينهما.

стр. 1578

وقال في شرحه: وزعم بعضهم أنه مقيس في كل فعل ليس له فعيل بمعنى فاعل كجريح. يعني: لأنه لا لبس فيه، يعني: إذا جاء فعيل قد يكون لفاعل وقد يكون لمفعول، إذا سُمع فعيل لا لفاعل لا لبس فيه، إذا جاء فعيل ويحتمل فاعل ومفعول، بعض الأفعال يُسمع له فعيل بمعنى فاعل، ويُسمع له فعيل بمعنى مفعول، حينئذٍ إذا لم يُسمع للفعل لا نقول بأنه مقيس؛ لأنه يحتمل أنه فعيل بمعنى فاعل أو فعيل بمعنى مفعول. إذا لم يُسمع له فعيل بمعنى فاعل صار مقيساً لانتفاء اللبس، ولذلك قال: زعم بعضهم أنه مقيس في كل فعل ليس له فعيل بمعنى فاعل كجريح، فإن كان له بمعنى فاعل .. فعيل بمعنى فاعل حصل اللبس فلا يكون مقيساً. إذاً: القضية مرتبة على حصول اللبس. فإن كان للفعل فعيل بمعنى فاعل لم ينب قياساً كعليم. وقال في باب التذكير والتأنيث: وصوغ فعيل بمعنى مفعول على كثرته غير مقيس، فجزم بأصح القولين كما جزم به هنا، وهذا لا يقتضي نفي الخلاف. إذاً: في المسألة خلاف، والناظم قال: نَابَ نَقْلاً على ما ترجح عنده وهو الأكثر أنه غير مقيس، والخلاف في فعل ليس له فعيل بمعنى فاعل، هل ينقاس أم لا؟ أما فعل له فعيل بمعنى فاعل ليس مقيساً، لماذا؟ لوقوع اللبس. ثم قال: وقد نبه المصنف بقوله: (نَحْوُ فَتَاةٍ أَوْ فَتىً كَحِيلِ) على أن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث بلفظ واحد، وستأتي هذه المسألة مبينة في باب التأنيث إن شاء الله تعالى. وزعم المصنف في التسهيل: أن فعيلاً ينوب عن مفعول في الدلالة على معناه لا في العمل. هذا هو الصحيح. فعلى هذا لا تقول: مررت برجل جريح عبده؛ لأنه إنما ناب عنه في المعنى فقط، أما العمل لا، فيبقى للأصل. خاتمة: قد يقال: ترجم المصنف لأبنية الصفات المشبهة، قال: باب أبنية أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين، وظاهر صنيع النظم من أوله إلى آخر بيت: (ونَابَ نَقْلاً) أنه لم يذكر للصفات المشبهة أوزاناً، لأنه قال: والصفات المشبهات بها، فذكر فعُل وفعْل .. إلى آخره، كل ما ذكره في الظاهر أنه أسماء فاعلين أو أسماء مفعولين، أين الصفات المشبهة؟ قد يقال: ترجم المصنف لأبنية الصفات المشبهة ولم يذكرها وهو معيب، عيب تترجم للشيء ولم تذكره، هذا عيب. واغتفر في عكسه أن يذكر شيئاً ولم يترجم له يسمى تبرعاً، بمعنى أنه ذكر مسألة خارجة عما ترجم له هذا زيادة فضل لا ينكر عليه، أما تترجم لشيء ولا تذكره لا، هذا عيب. ولم يذكره وهو معيب، ولا يقال: إنه ذكرها في الباب الآتي؛ لأنه سيذكر الصفة المشبهة، لكن نقول: هناك ذكر العمل ولم يذكر الأبنية، وحينئذٍ لا بد أن يكون قد ذكر الأبنية في هذا الموضع وإلا حصل تعارض؛ لأن المذكور فيه أحكامها لا أبنيتها، وجوابه: أن جميع هذه الصفات صفات مشبهة إلا فاعلاً كضارب وقائم فإنه اسم فاعل، إلا إذا أضيف إلى مرفوعه، متى اسم فاعل؟ ما كان على زنة فاعل كضارب وقائم نقول: إذا لم يضف إلى مرفوعه، وسبق خلاف منعاً وجوازاً اتفاقاً وتوسطاً بين طرفين، اسم الفاعل إذا كان من لازم إضافته لمرفوعه ما حكمها؟ حكمها جائزة باتفاق؛ كطاهر القلب. إذا أضيف إلى مرفوعه حينئذٍ انتقل إلى الصفة المشبهة، ولذلك سيأتي:

стр. 1579

وَصَوْغُهَا مِنْ لاَزِمٍ لِحَاضِرِ ... كَطَاهِرِ الْقَلْبِ .................. كَطَاهِرِ الْقَلْبِ زنة فاعل، لما أضيف دل على الثبوت، طَاهِرِ الْقَلْبِ صفة لازمة، وحينئذٍ إذا أضيف إلى مرفوعه نقول: هذا صار صفة مشبهة. ويمتنع الإضافة فيما إذا تعدى إلى أكثر من اثنين .. باتفاق، وإذا تعدى إلى واحد محل نزاع بين النحاة، يجوز وقيل: لا يجوز. إذاً نقول: جميع هذه الصفات مذكورة في هذا الباب صفات مشبهة، إلا فاعلاً كضارب وقائم؛ فإنه اسم فاعل، إلا إذا أضيف إلى مرفوعه وذلك فيما دل على الثبوت؛ كَطَاهِرِ الْقَلْبِ وشاحط الدار أي: بعيد، فهو صفة مشبهة أيضاً. وكذلك اسم الفاعل من غير الثلاثي واسم المفعول إذا قصد بهما الثبوت دون الحدوث، أو أضيفا إلى مرفوعهما كوصف الفاعل من الثلاثي المجرد فهما صفتان مشبهتان. والحاصل: أن هذه الأبنية إن قصد بها الثبوت والدوام وإن لم تضف إلى مرفوعِها فهي صفات مشبهة، إذا قصد بها الدوام والاستمرار؛ لأن هذا معنى الصفة المشبهة، وإن قصد بها الحدوث كانت أسماء فاعلين، وحينئذٍ نقول: الفرق بين فاعل وَفَعْلٌ أَوْلَى وَفَعِيلٌ: أن فاعل يدل على اسم الفاعل بلفظه .. بالصيغة، وأما فعْلٌ إذا قصد به الحدوث فهو اسم فاعل معنى، وأما في اللفظ فلا؛ لأنه ليس عندنا اسم فاعل لما كان على زنة فاعل، وفعْلان وفعَلان وأفعَل وفعَل ليست على زنة فاعل، فإذا استعملت في الدلالة على الحدوث نقول: هي من جهة المعنى اسم فاعل. إذاً: قد يكون اسم الفاعل لفظاً ومعنىً، وقد يكون معنىً لا لفظاً. متى يكون لفظاً ومعنىً؟ إذا كان على زنة فاعل فقصد به الحدوث. ومتى يكون معنىً لا لفظاً؟ إذا كان على زنة فاعل وقصد به الاستمرار، أو كان على غير زنة فاعل كفعْل وما ذكره الناظم من الأوزان، فهو اسم فاعل معنىً لا لفظاً. وذهب بعضهم إلى أنه إذا قصد بها النص على الحدوث حولت إلى فاعل .. كلها، ولذلك قيل: حسُن فهو حاسن، وظرُف فهو ظارف، كل ما قصد به الحدوث حول إلى وزن فاعل، ولذلك عند بعضهم: أن وزن فاعل لا يختص بفعَل المتعدي وفعِل المتعدي، لا يختص بوزن فعَل المتعدي واللازم ولا فعِل المتعدي، بل كل ما أردت منه الحدوث حينئذٍ سواء كان فعَل مطلقاً أو فعِل مطلقاً أو فعُل تأتي به على زنة فاعل. حسُن فهو حاسن، ظرُف فهو ظارف، قبُح فهو قابح، فتح فهو فاتح .. إلى آخره. كل لفظ أردت الدلالة على الحدوث فأت به على زنة فاعل، وثَمَّ من يقوي هذا القول قديماً وحديثاً. وذهب بعضهم إلى أنه إذا قصد بها النص على الحدوث حولت إلى فاعل مطلقاً بقطع النظر عن كونه فعَل أو فعِل أو فعُل، فإذا أُريد حدوث الحسن مثلاً قيل: حاسن لا حسن، وإذا أردت به الثبوت قلت: حسن لا حاسن، نفس اللفظ حسُنَ، إذا أردت الدلالة على الحدوث قلت: حاسن، وإذا أردت به الثبوت والاستمرار قلت: حسن، فرق بينهما، وسيأتي مزيد بيان في الصفة المشبهة. والفرق بين فاعل وغيره في تلك الصفات: أن الأصل في فاعل قصد الحدوث، هذا الأصل فيه. وقصد الثبوت طارئٌ، عارضٌ، فلا يعتبر إلا مع ما يدل على خروجه عن الأصل، يعني: لا بد من قرينة واضحة بينة.

стр. 1580

واستعماله في الثبوت من الإضافة إلى الفاعل ونحوها، أو النصب على التشبيه بالمفعول به أو على التمييز. إذاً: لا بد من قرينة لفظية؛ إما أن يضاف، وإما أن ينصب مفعولاً على التشبيه بالمفعول به أو تمييز. وأما غير فاعل فمشترك، غير فاعل مثل فعَل وما عطف عليه. فمشترك في الأصل بين الحدوث والثبوت، واكتفي في كونه صفة مشبهة بقصد الثبوت فحسب. يعني: كل الصفات المشبهات السابقة يكتفى في الدلالة على قصد الحدوث بالنية فقط، ولا نشترط قرينة لفظية، لماذا؟ لأنه هو الأصل فيها، فما حمل على أصله لا يحتاج إلى قرينة لا حالية ولا قالية. وأما إذا استعمل فاعل في غير مدلوله -وهو الاستمرار والثبوت- حينئذٍ لا بد من قرينة. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 1581

عناصر الدرس * شرح الترجمة (الصفة المشبهة باسم الفاعل) ـ * علامة الصفة المشبهة , وشروط ما يصاغ منه * عمل الصفة المشبهة وحكم معمولها من حيث التقديم والتأخير * حالات الصفة المشبهة وحكم معمولها في كل حالة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: الصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ. يعني: ألحقت باسم الفاعل في العمل. والمراد باسم الفاعل: المتعدي لواحد، لأن اسم الفاعل قد يكون لازماً إذا كان مصوغاً من الفعل اللازم، وقد يكون متعدياً لواحد، وقد يكون متعدياً لأكثر من واحد. الصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ أشبهت اسم الفاعل في المتعدي إلى واحد، وحينئذٍ لا تنصب إلا اسماً واحداً، ويمتنع أن تنصب اسمين، لماذا؟ لأنها إنما ألحقت باسم الفاعل المتعدي لواحد لا متعدي إلى اثنين. الصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ مختلف في حدها، وهي أشبه ما يكون برسم، ولذلك قال الناظم: صِفَةٌ اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلِ ... مَعْنًى بِهَا الْمُشْبِهَةُ اسْمَ الفَاعِلِ وهذا أشبه ما يكون بالعلامة، لذلك ذكر ابن عقيل وذكر المصنف: أن علامة الصفة المشبهة استحسان جر فاعلها بها، فدل على أنه من قبيل الرسم لا من قبيل الحد والتعريف. وأما المشهور في حدها خلاف ما جرى عليه الناظم هنا لأنه يعتبر علامة، والصحيح أن نقول: الصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ هي: ما صيغ لغير تفضيل من فعل لازم لقصد نسبة الحدث إلى الموصوف به دون إفادة معنى الحدوث. هذا يشمل الصفة المشبهة من حيث الحقيقة. (ما صيغ لغير تفضيل) ما: اسم موصول بمعنى الذي، ويصدق هنا على الصفة؛ لأن كل ما ذكره من العوامل والمشتقات إنما هي صفات، وسبق أن الصفة هي ما دل على معنىً وذات، وهذا يشمل اسم الفاعل، اسم المفعول وأفعل التفضيل والصفة المشبهة، كلها تدل على ذات متصفة بحدث وإن اختلفت جهة الحدث. إذاً: (ما) نقول: هذا اسم موصول يصدق على الصفة، والصفة المراد بها: ما دل على ذات وحدث. إذاً: الصفة المشبهة تدل على ذات وحدث، كما أن اسم الفاعل يدل على ذات وحدث. إذاً: هذا من أوجه الشبه بين الصفة المشبهة واسم الفاعل. (صيغ لغير تفضيل) صيغ قلنا: الصياغة والصوغ المراد به: الاشتقاق والأخذ، حينئذٍ أُخذت هذه الصفة المشبهة من مصدر فعل لازم لغير تفضيل احترازاً من أفعل التفضيل كما سيأتي أنه لا يكون كاسم الفاعل. (من فعل لازم) يعني: من مصدر فعل لازم؛ لأنه لا تصاغ الصفة المشبهة إلا من الفعل اللازم، وهذا من الفوارق بين الصفة المشبهة واسم الفاعل، لأن اسم الفاعل يصاغ من اللازم ومن المتعدي، وأما المشبهة باسم الفاعل فهذه خاصة باللازم، وسيأتي قوله: (وَصَوْغُهَا مِنْ لاَزِمٍ) دل على أنها لا تصاغ من الفعل المتعدي. (لقصد نسبة الحدث إلى الموصوف به دون إفادة معنى الحدوث) هذا فصل أراد به بيان أن الصفة المشبهة تدل على الثبوت .. ثبوت الحدث في جميع الأزمنة: الماضي والحال والمستقبل. فإذا قيل: زيدٌ حسنٌ وجهه؛ حينئذٍ الحسن وصف له لازم في الماضي وفي الحال وفي المستقبل، لا يكون في الماضي حسن والآن لا، أو يكون في المستقبل دون الآن، بل الوصف عام. إذاً: الصفة المشبهة تدل على ثبوت حدث لذات؛ لأنها صفة وهي كذلك، الصفة تدل على ذات وحدث. (وهي مصوغة لغير تفضيل قطعاً) حسن وجميل وطاهر ونحو ذلك مصوغة لغير تفضيل.

стр. 1582

لأن الصفات الدالة على التفضيل هي الدالة على مشاركة وزيادة؛ كأعلم وأفضل وأتقى وأصبر، نقول: هذه تدل على حدث ومشاركة وزيادة. الحدث هو ما أخذ منه أعلم .. العلم، وأفضل .. الفضل، وأتقى .. التقوى، نقول: هذه دلت على حدث. ثم مشاركة بين اثنين: لا بد من مفضل ومفضل عليه، زيدٌ أعلمُ من عمروٍ، وزيادة وهي زيادة المفضَّل على المفضَّل عليه في الحدث نفسه .. في العلم. إذاً: دلت على ثلاثة أشياء، أفعل التفضيل يدل على ثلاثة أشياء: حدث لأنه صفة، والصفة تدل على ذات وحدث، وتدل على مشاركة بين اثنين، إذ لا يقال: أعلم، زيدٌ أعلم هكذا دون أن يكون ثَمَّ مفضَّل عليه، إلا إذا استعملت في غير بابها وهذا خروج عن أصلها. إذاً: دلت على مشاركة بين اثنين، زيدٌ أعلمُ من عمرو. ودلت على زيادة؛ زيادة المفضل عليه في الحدث .. المفضل على المفضل عليه. إذاً: أفعل التفضيل تدل على مشاركة وزيادة، وهذه ليست كذلك، الصفة المشبهة ليست دالة على مشاركة وزيادة. (وإنما صيغت لنسبة الحدث إلى موصوفها) وسبق أن النسبة المراد بها: الإضافة، تضيف شيء إلى شيء وتنسب شيئاً إلى شيء، فإذا قيل مثلاً: مررت برجل حسن الوجه، حسن: هذا صفة مشبهة وهو مضاف، والوجه: مضاف إليه. هنا دلت الصيغة (حسن) نسبة الحدث الذي هو الحسن إلى الموصوف، ما هو الموصوف؟ حسن الوجه، الموصوف هو رجل، فدلت على أنه موصوف بهذا الوصف وهو الحُسن. ثم: هل يدل اللفظ على مشاركة أو على زيادة، أم يدل على لزوم حدث؟ لا شك أنه الثاني. إذاً: صيغت لنسبة الحدث إلى موصوفها وهو الحُسن في نحو: مررت برجل حسن الوجهِ، وليست مصوغة لإفادة معنى الحدوث فحسب أنه وجد بعد أن لم يكن، لا، إذا أريد أن يدل على وجود الحدث بعد أن لم يكن حينئذٍ ننتقل إلى اسم الفاعل؛ لأنك إذا أخبرت عن حدث إما أن تخبر عنه بأنه موجود دائماً لازم حينئذٍ تأتي بالصفة المشبهة، وإذا أردت أن تدل على حدث وقع بعد أن لم يكن حينئذٍ تأتي باسم الفاعل. وليست مصوغة لإفادة معنى الحدوث، ففي المثال تفيد أن الحسن ثابت لوجه الرجل، لكنه من قبيل المجاز كما سيأتي. (وليس بحادث متجدد) الحسن هذا ليس بحادث، ليس بمتجدد، وإنما هو لازم. (بخلاف اسمي الفاعل والمفعول؛ فإنهما يفيدان الحدوث والتجدد) فإذا قلت مثلاً: مررت برجل ضاربٍ عمْراً؛ حينئذٍ وصفته بوجود الضرب بعد أن لم يكن، لأنك جئت بصيغة تدل على ذلك وهو اسم الفاعل. (فضارب مفيد لحدوث الضرب وتجدده، وكذلك: مررتُ برجلٍ مضروبٍ) إذاً: وقع عليه الضرب بعد أن لم يكن، مررت برجل ضارب عمْراً أوقع الضرب بعد أن لم يكن. وكذلك إذا قلت: زيدٌ شجاعٌ وزيدٌ جميل. زيد شُجاع، شجاع كما سبق أنه صفة مشبهة على وزن فُعال، حينئذٍ زيد شجاع وصفته بالشجاعة بعد أن لم تكن؟ أم المراد من اللفظ أنه متصف بالشجاعة ماضياً وحالاً ومستقبلاً؟ الثاني. حينئذٍ هو متصف مدة وجود مدلول زيد، متى ما وجد زيد حينئذٍ هو موصوف بالشجاعة.

стр. 1583

فإذا أردت الشجاعة بأنها وقعت بعد أن لم تكن وقلت: زيدٌ شجاع؛ أخطأت في التعبير، أخطأت في اختيار اللفظ، حينئذٍ لا يفهم أنه يحتمل: زيد شجاع هكذا بالنظر العقلي، يحتمل أنه وجدت الشجاعة وكان جباناً، هذا محتمل، لكن إذا أريد الدلالة على أن الشجاعة وجدت بعد أن لم تكن حينئذٍ لا تأت بوصف شجاع، وإنما تعدل عنه إلى وصفٍ اسم الفاعل. وكذلك: إذا قلت: زيدٌ شجاع وزيدٌ جميل؛ كان معنى الصفة هنا إثبات الشجاعة والجمال لزيد واستمرارهما في جميع أوقات وجود زيد. إذاً: دلت على ثبوت الوصف للموصوف، فلا تدل على الحدوث ولا التجدد، والدليل على ذلك أنها دالة على الثبوت: أنه إذا أريد الدلالة على الحدوث دون الثبوت حينئذٍ تأتي باسم الفاعل، حولت الصفة المشبهة إلى صيغة اسم الفاعل، فتقول في (زيدٌ حسنٌ) .. زيدٌ حسنٌ كما سبق أن بعض النحاة يرى أنه متى ما أردت الحدوث تأتي به على زنة فاعل مطلقاً بقطع النظر عن كون الفعل متعدياً أو لازماً، كونه على وزن فعَل أو فعِل أو فعُل، حينئذٍ: زيدٌ حسنٌ، زيدٌ حاسنٌ. زيدٌ شجاع، زيد شاجعٌ. زيد ظريف، زيد ظارفٌ. زيدٌ عفيف، زيدٌ عافٍّ. إذاً: إذا أردت الحدوث تأتي به على زنة فاعل، وهذا قال به بعض النحاة. حولت الصفة المشبهة إلى صيغة اسم الفاعل فتقول في: زيد حسن؛ زيد حاسن، أي: أن الحسن قد حدث له بعد أن لم يكن. إذاً: فرق بينهما من جهة المعنى ومن جهة الصيغة. وفي (زيدٌ ضيق صدرهُ): زيد ضائقٌ صدرهُ، ضيق صدره، حينئذٍ نقول: ضيق يعني ملازم له الوصف صباح مساء، ماضي حال استقبال صدره ضيق، وإذا قلت: زيد ضائقٌ صدرهُ بمعنى أنه وجد بعد أن لم يكن. إذاً: وصف الفاعل يدل على الحدوث بعد أن لم يكن، ووصف الصفة المشبهة تدل على اللزوم والحدوث، ولذلك قال تعالى: ((وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ)) [هود:١٢] والضيق حدث بعد أن لم يكن، هذا خاص. فلو كانت صيغتها تدل على الحدوث لما حولت إلى صيغة أخرى. هذا دليل على أن ثَمَّ فرقاً بين اسم الفاعل والصفة المشبهة. فإذا أُريد ثبوت الوصف قلت: حسنٌ، ولا تقول: حاسن. وإذا أردت حدوثه قلت: حاسن ولا تقول: حسنٌ، وهذا تفريق جيد. ومثله: عافٍّ في عفيف، وشارفٍ في شريف، وظارفٍ في ظريف .. وهكذا. إذاً: الصفة المشبهة تدل على نسبة وصف إلى موصوف على جهة اللزوم، بمعنى: أن هذا الحدث ثابت له مدة وجوده، وهذا مما فارقت فيه الصفة المشبهة اسم الفاعل فإنما يدل على الحدوث والتجدد وهي تدل على الثبوت والاستمرار والدوام.

стр. 1584

وإنما سميت هذه الصفة مشبهة؛ لأنها كان أصلها أنها لا تنصب؛ لأنها أخذت من فعل لازم، (وَصَوْغُهَا مِنْ لاَزِمٍ) فكيف تنصب؟ الأصل فيها أنها لا تنصب لكونها مأخوذة من فعل لازم قاصر، ولكونها لم يقصد بها الحدوث فهي مباينة للفعل، الفعل: قام زيد يقوم زيد، قم، تدل على حدوث شيء بعد أن لم يكن، حينئذٍ باينت الفعل يعني: فارقته، لكنها أشبهت اسم الفاعل فأعطيت حكمه في العمل لا في كل العمل وإنما في بعضه. أشبهت اسم الفاعل فأعطيت حكمه في العمل، ووجه الشبه بين الصفة المشبهة شُجاع وحسن ونحوها مع اسم الفاعل .. وجه الشبه بينهما أنها تدل على الحدث ومن قام به، كل منهما صفة تدل على ذات وحدث، الصفة المشبهة شُجاع وحسن يدل على ذات متصفة بصفة وهي الحُسن، وشجاع يدل على ذات متصفة بصفة وهي الشجاعة .. وهلم جرا. واسم الفاعل كذلك: ضارب، قائم؛ يدل على ذات متصفة بحدث. إذاً: كلٌ منهما صفة، والصفة تدل على ذات وحدث. ومن قام به .. من قام به الذي هو الذات، كما أن اسم الفاعل كذلك. وأيضاً الصفة المشبهة أشبهت الفاعل في كونها تؤنث وتثنى وتجمع، كما أن اسم الفاعل يؤنث ويثنى ويجمع، ولذلك سبق: وَمَا سِوَى الْمُفْرَدِ مِثْلَهُ جُعِلْ الذي هو المثنى والجمع بنوعيه: جمع التكسير بنوعيه وجمع التصحيح. إذاً: الصفة المشبهة تؤنث كما أن اسم الفاعل يؤنث، والصفة المشبهة تثنى وتجمع كما أن اسم الفاعل يثنى ويجمع، فتقول: حسنٌ وحسنةٌ، وحسنان وحسنتان، وحسنون وحسنات، حسن: هذا مفرد مذكر، حسنةٌ: مفرد مؤنث، إذاً: أُنث. وحسنان وحسنتان ثنيا تذكيراً وتأنيثاً كما تقول: ضاربان وضاربتان. وحسنون وحسنات، حسنون بالواو والنون، وحسنات بالألف والتاء، كما تقول في اسم الفاعل: ضارب وضاربة وضاربان وضاربتان وضاربون وضاربات. إذاً: أشبهت الصفة المشبهة اسم الفاعل فيما ذكر. وهذا بخلاف اسم التفضيل كأفضل؛ فإنه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، أي: في غالب أحواله، فلهذا لا يجوز أن يشبه باسم الفاعل كما سيأتي في محله. إذاً: هذا وجه الشبه بين الصفة المشبهة واسم الفاعل، أولاً: تدل على حدث ومن قام به، كما أن اسم الفاعل ومن قام به. ثانياً: الصفة المشبهة تؤنث وتثنى وتجمع كما أن اسم الفاعل كذلك. ثالثاً: يزاد أنها تعمل مع شرط الاعتماد، يعني: لا تعمل النصب إلا إذا اعتمدت. وَوَلِيَ اسْتِفْهَاماً أَوْ حَرْفَ نِدَا ... أَوْ نَفْياً أَوْ جَا صِفَةً أَوْ مُسْنَدَا كما أن اسم الفاعل لا يعمل إلا إذا اعتمد على شيء. فهذه ثلاث مسائل هي وجه الشبه بين اسم الفاعل والصفة المشبهة.

стр. 1585

وأما تعريف الناظم .. فعرف الصفة المشبهة قال: بأنها هي الصفة التي استحسن فيها أن تضاف لما هو فاعل في المعنى، وهذا أشبه ما يكون بضابط أو علامة ليست بحد، يعني: الصفة المشبهة يستحسن .. لا يستقبح بل يكون حسناً بل هو أحسن: أن تضاف إلى ما هو فاعل في المعنى، بخلاف اسم الفاعل، اسم الفاعل كما سبق فيما تعدى إلى مفعول واحد، قلنا: جمهرة البصريين على المنع مطلقاً سواء أُمن اللبس أو لا. وأما ما كان لازماً فهذا متفق على أنه يضاف، وما كان متعدياً هذا متفق على أنه لا يضاف، وليست الصفة المشبهة مشبهة بواحد من النوعين، وإنما مشبهة بما تعدى لواحد، فوقع فيه نزاع: هل يضاف إلى فاعله أو لا؟ قلنا: محل نظر عند النحاة، بعضهم فصل بين ما إذا أمن اللبس وإذا لم يؤمن اللبس، إن أُمن اللبس جازت الإضافة وإلا فلا. وهذا مذهب الناظم -ابن مالك- وفي ذلك قال: اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلِ، فجعلها مفارقة لاسم الفاعل في الاستحسان، ولذلك يفهم من اللفظ استُحِسن ماذا؟ يفهم أنه يجوز إضافة اسم الفاعل إلى فاعله، لكنه لا على وجه الاستحسان بل على وجه الضعف. الصفة التي استحسن فيها أن تضاف لما هو فاعل في المعنى؛ كحسن الوجه وطاهر القلب، فخرج نحو: زيدٌ ضاربٌ أبوهُ، زيدٌ: مبتدأ، وضاربٌ أبوهُ. لو أضفته قلت: زيدٌ ضاربُ أبيهِ، التبس أو لا؟ زيد ضاربٌ أبوه، أبوه فاعل لاسم الفاعل، لو أضفته؟ زيد ضاربُ أبيه التبس، التبس الفاعل بالمفعول؛ لأن ضارب هذا يتعدى إلى واحد، والصفة المشبهة أشبهت اسم الفاعل المتعدي إلى واحد، فإذا قلت: زيدٌ ضاربُ أبيه؛ وقعنا في لبس، السامع لا يدري هل الأب ضارب أو مضروب؟ هذا يحتمل خاصة في زماننا، زيدٌ ضاربٌ أبوه، ضاربُ أببه، نقول: هذا فيه لبس. فخرج نحو: زيدٌ ضاربٌ أبوه؛ فإن إضافة الوصف فيه إلى الفاعل ممتنعة لئلا توهم الإضافة إلى المفعول، وهذا واضح بين ويمنع، وهذا أشبه ما يكون بقاعدة مطردة: كل ما أوقع في لبس فالأصل فيه المنع، حينئذٍ إذا قيل بأن ثَمَّ خلافاً في إضافة اسم الفاعل إلى ما بعده وهو المتعدي إلى واحد .. إلى مرفوعه، إن أوقعت في لبس لا ينبغي أن يكون خلاف في المنع، وإن لم توقع في لبس هنا يكون محل النظر، ولذلك جوزه ابن هشام وابن مالك. ونحو: زيدٌ كاتبٌ أبوه، كاتبُ أبيهِ، كاتبٌ أبوه. فيه لبس؟ زيدٌ كاتبٌ أبوهُ؛ الوصف هنا بكونه كاتباً للأب لا لزيد، فإذا قلت: زيدٌ كاتبُ أبيهِ؛ هذا ليس فيه لبس، لأنه ظاهر أن الأب هو الكاتب وليس المراد الكاتب اسم أبيه لا، إنما المراد الوصف بالكتابة على الأصل، كاتبٌ يعني: موصوف بالكتابة، يعني يحسن الكتابة، فإذا قيل: زيدٌ كاتبُ أبيهِ؛ فحينئذٍ لا يحتمل ما احتمله السابق. فإن إضافة الوصف فيه: زيدٌ كاتبُ أبيهِ وإن كانت لا تمتنع لعدم اللبس لكنها لا تحسن. صِفَةٌ اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلِ

стр. 1586

إذاً: لا يحسن أن يضاف الوصف هنا زيدٌ كاتبُ أبيهِ، وهذا من الفوارق بين الوصفين: الصفة المشبهة واسم الفاعل. لماذا لا تحسن في: زيدٌ كاتبُ أبيهِ؟ علل النحاة ذلك؛ قالوا: لأن الصفة لا تضاف إلى مرفوعها حتى يقدر تحويل إسنادها عنه إلى ضمير موصوفها، يعني: يرتكب مجاز، ثم المجاز هذا قد يكون قريباً وقد يكون بعيداً، إذا كان قريباً فهو مغتفر، وإذا كان بعيداً فهو قبيح، خرج بقوله: اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلِ. الصفة لا تضاف إلى مرفوعها حتى يقدر تحويل إسنادها عنه إلى ضمير موصوفها، هو ليس فيه تحويل، ولذلك قال النحاة: يُقدر، بمعنى: أنه ينوى أولاً أنه أسند ثم بعد ذلك صار تحويل في الإسناد، مجرد تقدير وإلا لم يرد هذا عن العرب، لماذا؟ قالوا: لأن الفاعل في الأصل أن يسند لا يضاف. الفاعل مسند إليه، إذاً: لا بد أن يسند أولاً على حسب القواعد العامة، على حسب القواعد العامة لا بد أن يسند أولاً، هذا شأن الفاعل، ثم العامل قد يكون فعلاً وقد يكون وصفاً ويكون مسنداً، إذاً: الأصل أن يكون الفاعل مسنداً إليه؛ لأن الكلام إنما ينشأ عن فعلٍ وفاعل وكل منهما مسند ومسند إليه. إذاً: لا تتأتى الإضافة هكذا مباشرة، لو قلنا: يجوز إضافة الوصف إلى فاعله دون إسناد حينئذٍ خالفنا القاعدة العامة: قام زيدٌ، زيدٌ مسند إليه. وأن أقل ما يتركب منه الكلام اسمان أو اسم وفعل. إذاً: أين الإسناد، وقد جوزنا كاتبُ أبيهِ أنه أضيف إلى فاعله دون إسناد؟ وقعنا في مخالفة، حينئذٍ تسوية لهذه القواعد ولئلا يحصل فيها لبس أو خلل قيل: أولاً يسند على الأصل، ثم بعد ذلك يحول الإسناد من اللفظ .. الإسناد إلى اللفظ إلى الضمير، فحينئذٍ أوقعنا في ماذا؟ جئنا على الأصل وهو كونه أسند إلى الفاعل، لكنه صار ضميراً، ولذلك سيأتي عند قوله: فَارْفَعْ بِهَا وَانْصِبْ وَجُرَّ؛ أنه إذا نصب أو جر لا بد من ضمير مستتر، بخلاف ما إذا رفعت. إذاً: نقدر أولاً أن ثَمَّ تحويلاً حصل في التركيب، أسند الوصف إلى الفاعل في الظاهر، ثم بعد ذلك قُصدت الإضافة، ولا إضافة إلا بعد إسناد تمشياً مع الأصول العامة والقواعد العامة، حينئذٍ أسندنا الصفة إلى ضمير الموصوف، وهذا باعتبار التقدير فحسب. لأن الصفة لا تضاف إلى مرفوعها حتى يقدر تحويل إسنادها عنه، عنه عن اللفظ نفسه وإلا الأصل هو فاعل. حسنٌ الوجهُ مثلاً، حينئذٍ الوجه هذا فاعل، فإذا أردنا الإضافة لا بد أن نجعل (حسنٌ) مسنداً إلى ضمير، ضمير ماذا؟ يعود على الفاعل، ثم بعد ذلك نجعل الفاعل الذي كان فاعلاً في اللفظ والمعنى نجعله فاعلاً في المعنى فحسب، وأما في اللفظ فهو مضاف إليه. تحويل إسناده عنه إلى ضمير الموصوف بدليلين. الذي دل على أن هذا التحويل حاصل دليلان: الأول: أنه لو لم يقدر كذلك لزم إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن حسنٌ الوجهُ، الوجهُ موصوف، وحسن: صفة، وسبق أن إضافة الموصوف إلى صفته والعكس من إضافة الشيء إلى نفسه، حينئذٍ لا بد من التحويل؛ لئلا نُضيف الشيء إلى نفسه.

стр. 1587

ثانياً: أنهم يؤنثون الصفة في نحو: هندٌ حسنةُ الوجهِ، حسنةُ وهذا صفة مشبهة مؤنث، الوجهِ: مضاف إليه. الوجهِ هذا فاعل في المعنى، كان فاعلاً في اللفظ ثم قصدت الإضافة فلا بد من التحويل؛ تحويل الإسناد من كون حسنةٌ مسند إلى الوجه إلى كونه مضافاً إليه، فجعلنا حسنة مضافاً إلى ضمير، وهذا هو الضمير الفاعل في الأصل، فحينئذٍ قيل: هندٌ حسنةُ الوجهِ، حسنةٌ لماذا أنث؟ الوجه مذكر أو مؤنث؟ مذكر، لا يحتاج إلى تأنيث، لو قيل: هندٌ حسنٌ الوجهُ؛ لا نحتاج إلى تأنيث لأن الوجه مذكر وحسن مذكر، إذاً: لا نحتاج، مثل: قام زيدٌ، متى نحتاج إلى التأنيث؟ إذا كان الفعل أو الوصف مسنداً إلى مؤنث وهنا ثَمَّ ضمير أسند إليه حسنة وهو عائد على هند، وإذا عاد الضمير على متقدم حينئذٍ قلنا: وجب التأنيث مطلقاً سواء كان المؤنث مؤنثاً حقيقياً أو مجازياً، وهنا: هندٌ حسنةُ الوجهِ؛ دل على أن ثَمَّ ضمير مضمر في حسنةُ يعود على هند، ولذلك تقول: زيدٌ حسنُ الوجهِ، هندٌ حسنةُ الوجهِ، ماذا تفهم من التركيبين؟ تفهم: أن ثَمَّ ضميراً هو فاعل في قوله: حسنةُ الوجهِ، هذا الضمير مرجعه إلى هند وهو مؤنث؛ فلذلك وجب تأنيث الوصف فقيل: حسنةُ الوجهِ. إذاً: الدليل الثاني: أنهم يؤنثون الصفة في نحو: هندٌ حسنةُ الوجهِ، فدل على أن الصفة هنا مسندة إلى الضمير. حسنةُ الوجهِ؛ دل على أن الصفة هنا مسندة إلى ضمير، الضمير هذا يعود إلى مؤنث حقيقي، فلهذا حسُن أن يقال: (زيدٌ حسنُ الوجهِ) دون تأنيث، لماذا لا نحتاج إلى التأنيث؟ لأن الضمير هنا مرجعه إلى مذكر. إذاً: من هذين التركيبين نأخذ أن الوصف وهو حسن وحسنةُ فيه ضمير هو فاعل يعود على الموصوف وهو زيدٌ وهندٌ. من أين جاء هذا الضمير؟ كان قبل الإضافة الوصف مسنداً إلى الفاعل ثم حول فأسند إلى ضمير الفاعل الذي هو الموصوف. نقول: أصل التركيب أن الوصف مسند إلى الاسم الظاهر، ثم لما قصدت الإضافة قالوا: لا يمكن أن يضاف الفاعل هكذا مباشرة، لا بد من تحويل يُحوَّل إسناد الوصف من كونه مسنداً للاسم الظاهر من كونه مسنداً إلى ضمير يعود إليه، فحصلت الإضافة ولا إشكال. حسُن أن يقال: زيدٌ حسنُ الوجهِ؛ لأن من حسُن وجههُ حسُن أن يسند الحسن إلى الجملة مجازاً، إذا قيل: (حسُن الوجهُ أو وجه زيد) يحتمل أنه من إطلاق الجزء مراداً به الكل ولا إشكال، سواء قلت حقيقة أو مجاز. لو قيل: بأنه مجاز؛ هل هو مجاز مقبول قريب؟ نعم، مجاز مقبول قريب. ويصلح أن يكون من إطلاق الجزء مراداً به الكل، وقبُح أن يقال: زيدٌ كاتبُ الأبِ، قلنا: هذا ممتنع، وهذا قبيح، لو جاز يكون قبيحاً، لماذا؟ لأن الوصف بالكتابة هنا للأب، فجعلها للابن يحتاج إلى مجاز بعيد .. حتى نجعل الوصف هنا الكتابة للابن. زيدٌ كاتبُ الأبِ، يعني: أبوه هو الكاتب، طيب. قد يكون الابن كاتباً وقد لا يكون، إذا أردنا جعل هذا الوصف للابن نحتاج إلى ارتكاب مجاز بعيد؛ وهذا قبيح، فلذلك استُحسن في الصفة المشبهة جر الفاعل بها؛ لأن المجاز يكون فيها قليل والمجاز عقلي، وحينئذٍ إذا أردنا إضافة اسم الفاعل إلى فاعله وإن صح إلا أنه على ارتكاب مجاز بعيد وهو قبيح، ولذلك لا يُستحسن.

стр. 1588

وقبُح أن يقال: زيدٌ كاتبُ الأبِ؛ لأن من كتب أبوهُ لا يحسن أن تسند الكتابة إليه إلا بمجاز بعيد وهو قبيح. إذاً: عرفنا لماذا جاز: حسنُ الوجهِ وقبُح: كاتبُ الأبِ؟ (حسنُ الوجه) نقول: هذا مجاز قريب، أو (حسنةُ الوجهِ) مجاز قريب؛ لأنه من إطلاق الجزء مراداً به الكل، وهو مستعمل في لسان العرب. وأما (كاتبُ الأبِ) على أن يجعل الوصف كاتب للابن؛ نقول: هذا فيه ارتكاب مجاز بعيد جداً يحتاج إلى إضافات ونحو ذلك، وهذا قبيح. وقد تبين: أن العلم بحسن الإضافة موقوف على النظر في معناها لا على معرفة كونها صفة مشبهة. وهذا رد على اعتراض ابن الناظم على تعريف أبيه؛ لأنه قال: صِفَةٌ اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلِ ... مَعْنًى بِهَا الْمُشْبِهَةُ اسْمَ الفَاعِلِ متى نقول صفة مشبهة؟ إذا اسْتُحْسِنَ جَرُّ الفَاعِلِ بِهَا. متى يستحسن جر الفاعل بها؟ إذا كانت صفة مشبهة، إذا فيه دور، فاعترض ابن الناظم على أبيه، والنظر هنا نقول: الصواب أن النظر في المعنى، ثم نحكم عليه بكونه صفة مشبهة، فلا دور. وقد تبين أن العلم بحسن الإضافة موقوف على النظر في معناها لا على معرفة كونها صفة مشبهة، حينئذٍ فلا دور في التعريف كما توهمه الشارح الذي هو ابن الناظم. قيل: إذا قيل الشارح في أي فن فيريدون به أول شارح للمتن. دائماً يقولون: الشارح، قال الشارح، ما ينصون عليه، مرادهم بهذا الاصطلاح -في كل فن: الشارح .. إلا إذا اصطلح اصطلاحاً خاصاً-؛ فينصرف إلى أول شارح للمتن وهو ابن الناظم، لكن هذا يخالف ما ذكره في كشف الظنون: أن أول شارح هو ابن مالك ﵀، ابن مالك شرح الألفية لكنه ما واصلها، وهذا قد يجري على القاعدة التي عند بعض أهل العلم: أن كل من شرح متنه فالظاهر أنه يكون مهجوراً؛ لأنه لا يأتي بالدرر التي يأتي بها غيره، يعني: يأتي بشرح تعليق أشبه ما يكون فك عبارة أو نحو ذلك، وأما الاعتراضات ونحو ذلك فلا تكون من نفس الشارح؛ لأنه لا يتصور أنه يعارض نفسه ويجيب ويرد .. إلى آخره، ويأتي بمناظرات ويجادل، وإنما هذا يتصور في الغير، أما الذي يشرح كتابه فالغالب أنه لا .. استثنى بعضهم النزهة .. نزهة النظر، بعض الإخوة يقولوا: النزهة تخالف. على كلٍ؛ هذه قاعدة عامة، وابن مالك شرح ألفيته، لكن اصطلاح النحاة إذا قيل: الشارح؛ خاصة في شروحات الألفية فيعنون به ابن الناظم. وحينئذٍ فلا دور في التعريف كما توهمه الشارح؛ لأن العلم بالصفة المشبهة متوقف على استحسان إضافتها إلى الفاعل. هذا باعتبار النظر. واستحسان إضافته إلى الفاعل متوقف على العلم بكونها صفة مشبهة. والصواب: أن الحكم بكونه يستحسن جر فاعل موقوف على المعنى .. النظر لا على اللفظ. صِفَةٌ اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلِ ... مَعْنًى بِهَا الْمُشْبِهَةُ اسْمَ الفَاعِلِ صِفَةٌ: مبتدأ. وجملة: اسْتُحْسِنَ؛ هذه صفة. جَرُّ: هذا نائب فاعل. اسْتُحْسِنَ: مغير الصيغة. وجَرُّ فَاعِلِ: مضاف ومضاف إليه، وجَرُّ: هذا نائب فاعل.

стр. 1589

مَعْنًى بِهَا: هذا منصوب على نزع الخافض أو تمييز، يعني في المعنى أو من جهة المعنى لا اللفظ؛ لأنه قُدر أولاً أنه كان لفظياً الإسناد إليه، ثم لما أُريدت الإضافة حُول فجُعل الإسناد إلى ضمير يعود إلى الموصوف ثم أضيف إلى الفاعل، فهو فاعل باعتبار ما كان، وأما الآن فلا. الْمُشْبِهَةُ اسْمَ الفَاعِلِ الْمُشْبِهَةُ: هذا خبر، ويجوز العكس: أن يكون (الْمُشْبِهَةُ) مبتدأ، و (صِفَةٌ): هذا خبر، كلاهما جائز. الْمُشْبِهَةُ اسْمَ الفَاعِلِ لكن إذا جعلنا (الْمُشْبِهَةُ) مبتدأ؛ حينئذٍ عاد الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، لكن المعربون يجوزون هذا الوجه وإلا فيه إشكال. صِفَةٌ: عرفنا المراد بالصفة: ما دل على معنىً وذات. اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلِ مَعْنًى بِهَا: هذا تعريف بالخاصة فهو رسم، وأورد عليه صور امتناع الجر كما سيأتي، وصور ضعفه، فكيف يقال: اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلِ مَعْنًى؟ لأنه سيأتي أن صور الجر منه ما هو مستحسن، ومنه ما هو ممتنع، ومنه ما هو جائز لكنه ضعيف، فأطلق الناظم هنا، أطلق الناظم أنه يستحسن مطلقاً جر الفاعل بها، والصواب التفصيل، حينئذٍ نقول: يرد عليه صور امتناع الجر وصور ضعفه؛ فإن الصفة المشبهة في جميع هذه الصور لا يستحسن فيها جر الفاعل. وأجيب على صور الامتناع: بأن المراد الاستحسان استحسان الجر بنوعها لا بشخصها، استحسان بنوعها لا بشخصها؛ لأن الحكم بالشيء قد يحكم على شيء من جهة النوع لا من جهة الآحاد، وأما إذا دخلنا في التفاصيل والآحاد فثَمَّ تفصيل. وأما الصفة المشبهة من حيث هي فالأصل فيها أنه يستحسن جر فاعل بها، وحينئذٍ صور الامتناع نقول: لا ترد؛ لأن الحكم هنا على الصفة المشبهة باعتبار النوع لا باعتبار الشخص. وأجيب عن الثاني -وهو صور الضعف- بأن المراد بالاستحسان خلاف الاستقباح، ولا استقباح في الضعيف وإن قوبل بالحسن، وفي كلا الجوابين نظر، ولذلك قلنا: الأولى أن يعرف بما ذكرناه سابقاً. صِفَةٌ اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلِ مَعْنًى بِهَا: أي في المعنى أو من جهة المعنى لا للفظ. ومعنى البيت؛ أي: تتميز الصفة المشبهة عن اسم الفاعل باستحسان جر فاعلها. هذا لا إشكال فيه، لو جعل علامة أن الصفة المشبهة يستحسن فيها جر فاعل في بعض صورها بخلاف اسم الفاعل وجعل من الفوارق في الجملة هذا لا إشكال؛ لأن اسم الفاعل لا يستحسن مطلقاً، حتى لو جاز يكون جائزاً على ضعف، كما ذكرناه سابقاً. إذاً: تتميز الصفة المشبهة عن اسم الفاعل باستحسان جر فاعلها بإضافتها إليه، فإن اسم الفاعل لا يحسن فيه ذلك؛ لأنه إن كان لازماً وقصد ثبوت معناه صار منها، كما ذكرناه سابقاً. اسم الفاعل إذا قصد الثبوت حينئذٍ صار صفة مشبهة، ولذلك سيقول: كَطَاهِرِ الْقَلْبِ، طَاهِرِ: هذا اسم فاعل على زنة فاعل، وحينئذٍ استحسن جر الفاعل بها: طَاهِرِ الْقَلْبِ، نقول: طَاهِرِ هنا ليس باسم فاعل، لماذا؟ لأن اسم الفاعل يدل على حدوث شيء بعد أن لم يكن، والمراد هنا وصف الْقَلْبِ باستمرار الطهارة ووصف الطهارة له، وهذا معنى الصفة المشبهة.

стр. 1590

صار منها وانطلق عليه اسمها، وإن كان متعدياً فالجمهور على منع ذلك فيه فلا استحسان، وإنما قيد الفاعل بالمعنى؛ لأنه لا تضاف الصفة إليه إلا بعد تحويل الإسناد عنه إلى ضمير الموصوفين. وهذا كما ذكرناه سابقاً. فلم يبقَ فاعلاً إلا من جهة المعنى، وأما في اللفظ فلا، وهذا ليس له وجود، لم ينقل في لسان العرب صفة مشبهة أسندت إلى الفاعل ثم نقل إسناد نفس اللفظ إلى المضاف، وإنما هذا من باب جري القواعد على سنن واحد فقط؛ لأن الفاعل لا يكون إلا مسند إليه فكيف تقول: طَاهِرِ الْقَلْبِ والْقَلْبِ هذا فاعل وليس عندنا إسناد؟ انتفى الأصل، (وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ) لا بد من إسناد ومسند إليه، حينئذٍ نقول هنا: أضيفت الصفة إلى الفاعل في المعنى بعد أن أضيفت إليه أسندت إليه في اللفظ، وحصل التحويل، والتحويل هذا في الذهن فقط لا وجود له في الخارج. صِفَةٌ اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلِ ... مَعْنًى بِهَا الْمُشْبِهَةُ اسْمَ الفَاعِلِ مُشْبِهَةَ اسْمِ بالجر والنصب، يجوز الوجهان. مُشْبِهَةُ اسْمَ الفَاعِلِ في أنها تدل على حدث ومن قام به، وأنها تؤنث وتثنى وتجمع، ولذلك حملت عليه في العمل كما ذكرناه سابقاً. اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلِ: فهم من قوله: (اسْتُحْسِنَ) أن ذلك موجود في اسم الفاعل، اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلِ أن ذلك موجود في اسم الفاعل إلا أنه غير مستحسن، وهو كذلك، نحو: كاتبُ الأبِ، وفيه خلاف، ومذهب الناظم جوازه. وفهم منه أيضاً .. من قوله: (جَرُّ فَاعِلِ) أن الجر بها غير لازم، بل يجوز فيه النصب والرفع كما سيأتي: فَارْفَعْ بِهَا وَانْصِبْ وَجُرَّ. إذاً هنا قال: (جَرُّ فَاعِلِ) ولم يذكر الرفع والنصب، هل معنى ذلك أن الصفة المشبهة لا تعمل إلا الجر؟ لا، ليس كذلك، بل ترفع وتنصب وتجر. إذاً: (اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلِ) دل على أمرين: أن اسم الفاعل يجر، ولكنه غير مستحسن، استحسن جر الفاعل مع جواز الرفع والنصب، إذاً: الجر ليس لازماً. قال الشارح: قد سبق أن المراد بالصفة ما دل على معنىً وذات، وهذا يشمل اسم الفاعل واسم المفعول وأفعل التفضيل والصفة المشبهة، وذكر المصنف: أن علامة الصفة المشبهة .. جعله علامة لا تعريف، وإن كان الأشموني وغيره جعلوه تعريف، والأولى ألا يجعل تعريف؛ لأنه لو جعل تعريفاً لورد عليه النقد بما ذكرناه سابقاً، وإنما يجعل علامة في الجملة من الفوارق بين الصفة المشبهة واسم الفاعل، ولا إشكال فيه. أن علامة الصفة المشبهة: استحسان جر فاعلها بها، نحو: حسنُ الوجهِ، ومُنطلقُ اللسان، وطاهر القلب. انظر الأمثلة: منُطلق هذا في الأصل اسم فاعل، لكنه لما قصد به الاستمرار .. لسانه دائماً منطلق؛ حينئذٍ أضيفت إليه. وطَاهِرِ الْقَلْبِ كذلك.

стр. 1591

والأصل: حسنٌ وجههُ، ومنطلقٌ لسانهُ، وطاهرٌ قلبهُ. انظر: (حسنٌ وجهه) أراد به ماذا؟ ليشير أن قوله: (حسنَ الوجهِ) أصل الوجه أنه فاعل، وأن الفاعل في الأصل مسند إليه فهو مرفوع (حسنٌ الوجهُ، حسنٌ وجههُ)، حينئذٍ لما أريد الإضافة لا بد أن تقدر أن أصل هذا التركيب: (حسنٌ وجههُ) أسند إلى فاعل في اللفظ، ثم حذفته وأسندت (حسن) إلى الضمير الموصوف ثم جئت بالفاعل في اللفظ وجعلته مضافاً إليه فهو فاعل في المعنى باعتبار الأصل. حسنٌ وجههُ، ومنطلقٌ لسانهُ، منطلقُ اللسان. وطاهرٌ قلبهُ، فوجههُ: مرفوع بـ (حسن) على الفاعلية، ولسانهُ: مرفوع بـ (منطلق)، وقلبهُ مرفوع بـ (طاهر)، وهذا لا يجوز في غيرها من الصفات، فلا تقل: (زيدٌ ضاربٌ أبي عمْراً) تريد: (ضاربٌ أبوهُ عمْراً) ولا (زيدٌ قائمُ الأبِ غداً) تريد: (زيدٌ قائمٌ أبوهُ غداً). وقد تقدم أن اسم المفعول يجوز إضافته إلى مرفوعه، فتقول: (زيدٌ مضروبُ الأبِ) حينئذٍ خرج عن كونه اسم مفعول، فصار صفة مشبهة، وهذا على القاعدة المطردة: اسم الفاعل الأصل فيه لا يكون إلا على زنة فاعل، إلا إذا أُضيف وقصد به الثبوت حينئذٍ صار صفة مشبهة. واسم المفعول كذلك، ومُفعِل ومُفعَل كذلك، وحينئذٍ كل الصفات التي ذكرها في الباب السابق هي صفات مشبهة. فإذا جاء اللفظ (حسن) فالأصل لا نقول: (حاسن) أنه أراد به الحدوث، أنه حدث بعد أن لم يكن لا بد من قرينة تدل على هذا. وهو حينئذٍ جار مجرى الصفة المشبهة؛ لأنه دال على الدوام حينئذٍ. وَصَوْغُهَا مِنْ لاَزِمٍ لِحَاضِرِ ... كَطَاهِرِ الْقَلْبِ جَمِيلِ الظَّاهِرِ ذكر في هذا البيت ثلاث فوارق بين الصفة المشبهة واسم الفاعل، وجعله الأشموني عطفاً على قوله: (جَرُّ فَاعِلِ)، وَصَوْغُهَا: معطوف عليه من باب تمام الحد .. التعريف، وهذا فيه نظر، لماذا؟ لأن صوغها من لازم واجب، وجرها للفاعل مستحسن، وهذا محل إشكال. صِفَةٌ اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعِلِ واسْتُحْسِنَ صَوْغُهَا مِنْ لَازِمٍ؛ هذا محل إشكال، بل الصواب: أن صَوْغُهَا مِنْ لَازِمٍ واجب، لا تصاغ البتة من الفعل المتعدي، وحينئذٍ الأولى أن نجعل ما سبق علامة، ولا نجعله حداً ونتكلف في الأبيات القادمة كلها معطوفة على التعريف من باب تمامه، بل نقول: ما سبق علامة وفارق بين النوعين وذَكر علامة أخرى، وَصَوْغُهَا: مبتدأ، استئناف كلام جديد، علامة أخرى. وَصَوْغُهَا: نقول: هذا مبتدأ، والضمير يعود إلى الصفة المشبهة. وَصَوْغُهَا مِنْ لاَزِمٍ لِحَاضِرِ مِنْ لاَزِمٍ: هذا جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، تقديره: واجب، حينئذٍ من أين أخذنا المحذوف الذي هو خاص؟ نقول: من سياق الكلام؛ لأنه معلوم أن صَوْغُهَا مِنْ لَازِمٍ يكون واجباً، إذاً: صَوْغُهَا مِنْ لَازِمٍ، لو قدرنا (مِنْ لَازِمٍ) متعلق بـ (صوغ) قلنا: لا فائدة جديدة، وإنما نجعله متعلقاً بمحذوف والمحذوف هذا خاص دل عليه المقام، فنقول: صَوْغُهَا واجب مِنْ لَازِمٍ. وقوله: (لِحَاضِرِ) متعلق بواجب.

стр. 1592

إذاً: لا يجوز أن يكون كلٌ من: (لاَزِمٍ لِحَاضِرِ) متعلقاً بصوغها؛ لعدم الفائدة، لأنه معلوم أن الصفة المشبهة من حيث الزمن لا تكون للحاضر، وكذلك باستقراء كلام العرب لا تكون مصوغة إلا من الفعل اللازم، يعني من مصدره، وحينئذٍ ما الجديد؟ صار لبيان الواقع وهو يريد أن يبين الفوارق بين النوعين: اسم الفاعل والصفة المشبهة؛ لأن اسم الفاعل يصاغ من اللازم ومن المتعدي، والصفة المشبهة إنما تصاغ من اللازم فقط، وحكمه: الوجوب. كذلك: اسم الفاعل يكون للحاضر وللماضي وللمستقبل، يكون للحاضر والمستقبل دون الماضي إذا أُعمل، والصفة المشبهة لا تكون إلا لحاضر، إذاً: هذا من الفوارق. وَصَوْغُهَا مِنْ لاَزِمٍ لِحَاضِرِ قال الأشموني: عطف على ما سبق من تمام التعريف، قلنا: هذا فيه نظر. أي: ومما تتميز به الصفة المشبهة أيضاً عن اسم الفاعل أنها لا تصاغ قياساً إلا من فعل لازم، أي: من مصدره أصالة أو عروضاً كما في: (رحما ورحيم وعليم). نأتي في البسملة نقول: يجوز أن يكول: (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) صفتين مشبهتين، لكن كيف صفتين مشبهتين و (رحمان ورحيم) مأخوذ من رَحِم، رَحِم الله كذا؟ حينئذٍ صار متعدياً. القاعدة عند الصرفيين: أن كل ما أريد أن يدل على الثبوت حينئذٍ جاز جعله من باب فعُل، فتقول: رحِمَ رحُمَ، علِمَ علُمَ، ضرَبَ ضرُبَ، كرُمَ كرُمَ على أصله، فتَح فتُح، حينئذٍ تنقله إلى باب فعُل ثم تصوغ منه الصفة المشبهة، حينئذٍ علُمَ ورحُمَ هل هو لازم أصالة أم أمر طارئ عارض؟ الثاني ولا شك، لماذا؟ لأن ما كان أصالة فهو إنما يكون من باب فعُل لأنه لا يكون إلا لازماً، أو فعِل إذا كان لازماً، وأما إذا كان متعدياً وأردنا منه الصفة المشبهة نقلناه إلى باب فعُل؛ لأنه لا يكون إلا لازماً. فتقول: رحُمَ، رحمان صفة مشبهة، كيف صفة مشبهة؟ تقول: نقل رحِمَ إلى رحُمَ ثم اشتق منه، وهذا جائز عندهم، وسيأتي في باب نِعْمَ وبئس. قال: كما في (رحمان ورحيم وعليم). عليم إذا قلنا: أنه صفة مشبهة مأخوذ من علُم. فإنها لازمة بالتنزيل أو النقل إلى فعُل بالضم. بالتنزيل أن ينزل المتعدي منزلة اللازم، وهذا يرد عند البيانيين هناك. ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) [الزمر:٩] قلنا: (يعلم) الأصل فيه أنه متعدي، قد ينزل المتعدي منزلة اللازم فلا يحتاج إلى مفعول، وهنا (يَعْلَمُونَ) هل نقول: ثَمَّ مفعول به محذوف أو مقدر أو منوي؟ لا، ليس له مفعول، هنا غير متعدي، لماذا؟ لأنه نزل هذا المتعدي منزلة اللازم، فإذا كان كذلك صح أن يشتق منه صفة مشبهة، بخلاف اسم الفاعل؛ فإنه يصاغ من اللازم كقائم، ومن المتعدي كضارب. إذاً: (صَوْغُهَا مِنْ لَازِمٍ) هذا خاص بالصفة المشبهة، وأما اسم الفاعل فيكون مشتقاً من اللازم ومن المتعدي.

стр. 1593

(لِحَاضِرِ) المراد بالحضور هنا: الدوام، يعني: شيء لحاضر، لحدث دائم. وهذا من الفوارق بينهما. وأنها لا تكون إلا للمعنى الحاضر الدائم دون الماضي المنقطع والمستقبل، لا ماضي منقطع ولا مستقبل. ماضي منقطع هل ثَمَّ ماضي غير منقطع؟ .. لأن الصفة المشبهة تدل على الماضي وعلى المستقبل، لكن لا الماضي المنقطع ولا المستقبل المترقب؛ لأنك إذا قلت: (زيدٌ حسنٌ) زيدٌ في الماضي والآن والمستقبل حسن، إذاً: ليس عندنا ماضيٍ منقطع كان حسناً ثم صار قبيحاً، وليس عندنا مستقبل مترقب بحيث يوجد فيه الحسن دون سابقه. إذاً: دلت الصفة المشبهة على الأزمنة الثلاثة، لكن في أصلها تدل على الثبوت الحاصل الآن. وأما دلالته على الماضي غير المنقطع فهو لازم لها، ودلالته على المستقبل فهو لازم لها؛ لأننا نخبر عن حدث مستمر، والاستمرار إنما يكون في ماضٍ ويكون في المستقبل. إذاً: هو غير منقطع، وإذا كان غير منقطع حينئذٍ لزم منه أن يكون مستمراً في الماضي وفي المستقبل. وأنها لا تكون إلا للمعنى الحاضر الدائم دون الماضي المنقطع والمستقبل، بخلاف اسم الفاعل. والمراد بالدوام: الثبوت في الأزمنة الثلاثة، الدوام .. لِحَاضِرِ المراد به الدوام الثبوت في الأزمنة الثلاثة. قال ياسين: ودلالة الصفة المشبهة على الدوام عقلية لا وضعية؛ لأنها لما لم تدل على التجدد ليس عندنا إلا تجدد أو دوام، إذا انتفت دلالته على التجدد لزم أن تدل على الدوام، إذاً: اللزوم هنا من جهة العقل لا من جهة الوضع. إذاً: دلالة الصفة المشبهة على الدوام عقلية لا وضعية، ووجهه: أنها لما لم تدل على التجدد ثبت لها الدوام بمقتضى العقل، إذ الأصل في كل ثابت دوامه. الفارق الثالث أشار إليه بقوله: كَطَاهِرِ الْقَلْبِ جَمِيلِ الظَّاهِرِ (طَاهِرِ .. جَمِيلِ) سبق أن اسم الفاعل لا بد أن يكون جارياً على فعله وهو الفعل المضارع، موافقاً له في عدد الحروف والحركات والسكنات، والمراد بالحركات: مطلق الحركات لا أشخاصها، فتقول: ضارب على وزن يضْرب، الأول متحرك والثاني ساكن، ومنه: (طاهر ويطْهر) كلاهما جاريان على حركة فسكون ثم حركة. وأما (داخل ويدخُل) جارٍ أو لا؟ جار؟ (دا .. يدْ .. خِل، خُل) الخاء مكسورة في اسم الفاعل ومضمومة في الفعل. هنا اختلفت في الشخص، وأما في الحركة فهو موافق له، (قائِم يقوم) جاري أو لا؟ (قائِم يقوم) الأول قائم، الأول متحرك فساكن. (يقوم) متحرك فمتحرك، (يقوم) في اللفظ متحرك ومتحرك، لكن الضمة التي على القاف طارئة، أصلها: (يفعُل يقْوُمُ)، استثقلت الضمة .. (يَقْوُمُ) استثقلت الضمة على الواو ثم نقلت إلى سابقها. وهذا كل فعل أجوف واوي يقال فيه: يفعُلُ، حينئذٍ استثقلت الضمة على العين .. الواو ثم نقلت إلى ما قبلها. إذاً: يقُول أصله يَقْوُل فوافق قائل، يقوْم يَقْوُمُ قائم لا إشكال في هذا. وأما الصفة المشبهة فهذه على نوعين إن كانت من فعل ثلاثي: منها ما وازن المضارع، وأشار إليه بقوله: (كَطَاهِرِ الْقَلْبِ) كَطَاهِرِ طاهر يطهر، موازن أولا؟ موازن، لا إشكال فيه. ومستقيم الحال، مستقيم يستقيم، وضامر البطن .. ضامر يضْمر، إذاً: موافق. ومعْتدل القامة معتدل يعتدل، إذاً: موافق.

стр. 1594

إذاً: الصفات المشبهة المأخوذ من الفعل الثلاثي منه ما هو موازن للمضارع وعلى ما ذكرناه. والثاني: ما لم يوازنه وهو الكثير والأول قليل. هذا الكثير، ولذلك بعضهم قال: يلزم أن تكون الصفة المشبهة من الفعل الثلاثي .. ألا تكون موازنة للمضارع، فإن كانت موازنة فهي اسم فاعل وإلا فهي صفة مشبهة، والصواب لا. وهو الكثير في المبنية من الثلاثي نحو: (جَمِيلِ الظَّاهِرِ) جميل يجْمل، جميل الثاني متحرك جميل، ويجْمل الثاني ساكن والثالث متحرك، وهنا (جميل) الثاني متحرك والثالث ساكن، إذاً افترقا. جميل الظاهر وحسن الوجه، حسن ثلاثي يحسن قطعاً أنه مخالف. (كريمُ الأب يكرم) هذا مخالف. (ظريف يظرُ) الثالث متحرك، وظريف الثالث ساكن. إذاً: من الثلاثي صفات مشبهة قد توافق المضارع وقد تخالفه، والمخالفة أكثر، وادعى بعضهم أنها لازمة له والصحيح خلافه، وأما إذا كانت من غير الثلاثي وجبت موازنتها المضارع، (منطلقُ اللسانِ) منطلقُ أصله اسم فاعل، لكن لما أريد به الثبوت أضيف إلى ما بعده فصار صفة مشبهة على ما ذكرناه. إذاً: هذه ثلاثة فوارق ذكرها الناظم بين الصفة المشبهة واسم الفاعل: أولاً: أن الصفة المشبهة لا تصاغ إلا من الفعل اللازم، أي: من مصدره لا من الفعل المتعدي، وأما اسم الفاعل فيصاغ من اللازم ومن المتعدي. ثانياً: الصفة المشبهة لا تكون إلا لحاضر دائم مستمر في الأزمنة الثلاثة، وأما اسم الفاعل فيكون بمعنى الحال فقط ويكون بمعنى الاستقبال. ثالثاً: اسم الفاعل لا يكون إلا موازناً لمضارعه، وأما الصفة المشبهة فإن كانت من الثلاثي فقد تكون موازنة، وأشار إليه بقوله: (كَطَاهِرِ الْقَلْبِ) وهذا قليل، وقد لا تكون موازنة فهو كثير وأشار إليه بقوله: (جَمِيلِ الظَّاهِرِ). وأما ما كان من غير الثلاثي .. مما زاد على الثلاثي فهذا لا يكون إلا موازناً لمضارعه. وأنها لا تجري على المضارع بخلافه، بل قد تكون جارية عليه؛ كَطَاهِرِ الْقَلْبِ، وقد لا تكون وهو الكثير الغالب؛ كـ جَمِيلِ الظَّاهِرِ. ثم قال: وَعَمَلُ اسْمِ فَاعِلِ الْمُعَدَّى ... لَهَا عَلَى الْحَدَّ الَّذِي قَدْ حُدَّا وَعَمَلُ اسْمِ فَاعِلِ الْمُعَدَّى لَهَا: عرفنا أن وجه الشبه بين اسم الفاعل والصفة المشبهة في: أن كلاً منهماً دل على حدث ومن قام به. ثانياً: كل منهما يؤنث ويثنى ويجمع، حينئذٍ عملت الصفة المشبهة حملاً لها على اسم الفاعل، لكن عَلَى الْحَدَّ الَّذِي قَدْ حُدَّا، ما هو الْحَدُّ الَّذِي قَدْ حُدَّا؟ أمران: إِنْ كَانَ عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ وَوَلِيَ اسْتِفْهَاماَ، إذا قلنا: الصفة المشبهة لا تكون إلا لحاضر امتنع الأول لا يتصور فيها،: إِنْ كَانَ عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ يعني: لا يكون إلا استقبالاً أو حالاً، وإذا تقرر أن اسم الفاعل .. الصفة مشبهة لا تكون إلا لحاضر، إذاً: امتنع وجود الشرط الأول في الصفة المشبهة، ماذا بقي؟ وَوَلِيَ اسْتِفْهَاماَ أَوْ حَرْفَ نِدَا، إذاً الاعتماد.

стр. 1595

إذاً: (عَلَى الْحَدَّ الَّذِي قَدْ حُدَّا) أي: على الشروط السابقة، هذا ظاهر النظم، لكن نخصصه بقوله: (لِحَاضِرِ) وحينئذٍ: (عَلَى الْحَدَّ الَّذِي قَدْ حُدَّا) على بعض الشروط السابقة، وألحق بعضهم ألا تصغر وألا توصف بناءً على أن اسم الفاعل لا يعمل إذا صغر أو وصف، وسبق الخلاف فيه. وَعَمَلُ اسْمِ فَاعِلِ الْمُعَدَّى لَهَا: ما هو عَمَلُ اسْمِ فَاعِلِ الْمُعَدَّى؟ النصب؛ لأن الشروط السابقة قلنا: في الظاهر إنما تشترط في عمل النصب كما ذكره غير واحد، لا في عمل الرفع. إذاً: الصفة المشبهة تعملُ الرفعَ. هل عملها الرفعَ لكونها أشبهت اسم الفاعل أو لما فيها من معنى الفعل؟ هل الصفة المشبهة تعمل الرفع بناءً على حملها على اسم الفاعل أو لما فيها من معنى الفعل؟ الثاني؛ لأنها إنما تعمل عمل اسم الفاعل النصب فحسب، وأما الرفع فلا، فلذلك كل منصوب غير ما نصب في الصفة المشبهة غير ما نصب على التشبيه بالمفعول أو التمييز؛ فعمل الصفة المشبهة بناءً على ما فيها من معنى الفعل، وما هو معنى الفعل؟ كونها دالة على حدث وزمن، فإذا كان كذلك إذا نصبت الحال أو تعلق بها جار ومجرور الحال لا يكون إلا لما فيها من معنى الفعل، وكذلك الجار والمجرور قد يكون لما فيها من معنى الفعل، وقد يكون حملاً لها على اسم الفاعل. إذاً: عَمَلُ اسْمِ فَاعِلِ الفعل الْمُعَدَّى لواحد لَهَا أي: ثابت لها، ثابت لها صورةً، قيل: صورةً. لماذا صورةً؟ يعني: في الصورة فحسب لا في الحقيقة. نحن نقول: (حسنٌ الوجهَ) قالوا: هذا كضاربٌ زيداً، لكن نأتي نقول: (ضاربٌ زيداً حسنٌ الوجهَ) الوجهَ لم يقولوا مفعولاً به، قالوا: على التشبيه بالمفعول به, لماذا؟ لأن (حسن) وهو صفة مشبهة لا يؤخذ إلا من القاصر اللازم والقاصر لا ينصب مفعولاً، فحكموا على منصوب الصفة المشبهة إذا كان معرفة أنه مشبه بالمفعول به؛ لأنه لا يكون مفعولاً به، لو جعلناه مفعولاً به حقيقة حينئذٍ لزم أن تكون الصفة المشبهة مأخوذة من متعدي، وهذا فساد ليس بصحيح. إذاً نقول: (عَمَلُ اسْمِ فَاعِلِ الْمُعَدَّى لَهَا) أي: ثابت لها في حالة النصب صورةً، بمعنى: أن المنصوب لها إنما حملت فيه على اسم الفاعل فنصب، وأما اسم الفاعل فينصب مفعولاً حقيقة؛ لأن ثَمَّ حدث تعدى فوقع على المفعول به، وأما هنا (حسنٌ الوجهَ) ليس عندنا حدث تعدى إلى مفعول فوقع عليه. إذاً: فرق بين المسألتين. وَعَمَلُ اسْمِ فَاعِلِ الْمُعَدَّى لَهَا: أي ثابت لها. عَمَلُ: هذا مبتدأ، وهو مضاف. و (اسْمِ) مضاف، و (فَاعِلِ) مضاف إليه، و (الْمُعَدَّى) هذا مضاف إليه. لَهَا: أي ثابت لها، جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر. قال ابن هشام: المراد بالعمل عمل النصب على طريقة المفعول به، وأما عمل الرفع أو عمل نصب آخر فلا يتوقف على ذلك الحد كما أن اسم الفاعل هكذا، بمعنى: أن الصفة المشبهة إذا نصبت غير المشبه بالمفعول به فليست بكونها أشبهت اسم الفاعل، يعني: لا من حيث كونها صفة مشبهة باسم الفاعل، بل من حيث كونها ما اشتملت عليه من معنى الفعل. فرفعها لا لكونها أشبهت اسم الفاعل وخفضها لا لكونها أشبهت اسم الفاعل، وإنما في حالة النصب فحسب.

стр. 1596

قال ﵀: المراد بالعمل عمل النصب على طريقة المفعول به، وأما عمل الرفع أو عمل نصب آخر، كالحال مثلاً. كالحال فلا يتوقف على ذلك الحد، كما أن اسم الفاعل هكذا. عَلَى الْحَدَّ الَّذِي قَدْ حُدَّا عَلَى الْحَدَّ: يعني كائناً على الحد، على الشرط. عَلَى الْحَدَّ: متعلق بعمل، عملُ على الحد، أو بما تعلق به الخبر، أو حال من ضمير متعلق. يجوز فيه ثلاثة أوجه: كائن لها على الحد .. حالة كونها عَلَى الْحَدَّ وهو متعلق بالمحذوف، أو متعلق به على أنه حال. عَلَى الْحَدَّ الَّذِي قَدْ حُدَّا: الألف للإطلاق، والمراد به بعض الشروط. عَلَى الْحَدَّ الَّذِي قَدْ حُدَّا له في بابه من وجوب الاعتماد على ما ذكر سابقاً. وَوَلِيَ اسْتِفْهَاماً أَوْ حَرْفَ نِدَا ... أَوْ نَفْياً أَوْ جَا صِفَةً أَوْ مُسْنَدَا ولو قُرنت بـ (أل) .. سيأتي أنها تعمل مطلقاً قرنت بـ (أل) ودون (أل). على الصحيح من أنها مع الصفة المشبهة حرف تعريف، يعني: حتى لو قيل بأنها حرف تعريف فتعمل ولو كانت (أل) داخلة عليه، وأما إذا قيل بأنها موصولة فلا إشكال فيه. وترك اشتراط الحال أو الاستقبال؛ لأنه لا يتجه فيها مع كونها للدوام المتضمن للحال والاستقبال. لم يشترط الناظم هنا إذا جعلناه مقيد بقوله: (لِحَاضِرِ) لم يشترط أن تكون بمعنى الحال أو الاستقبال لعدم تصور ذلك فيها؛ لأنها إنما تكون لمطلق الزمن، وإذا كانت لمطلق الزمن حينئذٍ دخل فيها الحال والاستقبال ضمناً لا أصالة، وبقي من الشروط: ألا تصغر ولا توصف على القول بهما. إذاً: وَعَمَلُ اسْمِ فَاعِلِ الْمُعَدَّى ... لَهَا عَلَى الْحَدَّ الَّذِي قَدْ حُدَّا أشار بهذا أنه يثبت لهذه الصفة عَمَلُ اسْمِ الفَاعِلِ المتعدي وهو الرفع والنصب، الرفع والنصب ليس لكونها أشبهت اسم الفاعل، هذا في الرفع، وأما النصب ففيه تفصيل: إن كان المراد به أن المنصوب على التشبيه بالمفعول به فهذا حملاً لها على اسم الفاعل، وإن كان غير ذلك كالحال والمستثنى وظرف الزمان والمكان والمفعول معه حينئذٍ نقول: لا، وإنما لما فيها من معنى الفعل. نحو: (زيدٌ حسنٌ الوجهَ) ففي (حسن) ضمير مرفوع هو الفاعل، ورفعه لكونه دالاً على ذات وصفة، وهذا الشأن في المشتقات. (حسنٌ) نقول: صفة مشتقة دالة على ذات وصفة. و (الوجهَ) منصوب على التشبيه بالمفعول به، هذا حملاً لها على اسم الفاعل، وقيل: على التشبيه بالمفعول به لا على أنه مفعول؛ لأنها مأخوذة من فعل لازم قاصر والفعل اللازم لا ينصب، ولذلك وُضع الحكم لها صورة لا حقيقة. لأن (حسناً) شبيه بـ (ضاربٍ) فعمل عمله. وأشار بقوله: (عَلَى الْحَدَّ الَّذِي قَدْ حُدَّا) إلى أن الصفة المشبهة تعمل على الحد الذي سبق في اسم الفاعل وهو أنه لا بد من اعتمادها كما أنه لا بد من اعتماده، ولم يذكر الزمن لما ذكرناه. وَسَبْقُ مَا تَعْمَلُ فِيهِ مُجْتَنَبْ ... وَكَوْنُهُ ذَا سَبَبِيَّةٍ وَجَبْ هذا من الفوارق أيضاً بين الصفة المشبهة واسم الفاعل، ولشدة الالتباس بينهما اجتهد النحاة في ذكر الفوارق أكثر من العمل؛ لأنه يلتبس، لأنه إذا استعملت فعْل وفعيل وفعَل السابقة في اسم الفاعل يحتاج إلى نظر.

стр. 1597

من الفوارق بينهما: أنه ما عملت فيه يمتنع أن يتقدم عليها، بخلاف اسم الفاعل. (أنا زيداً ضاربٌ) جائز، (أنا ضاربٌ زيداً). (أنا زيداً ضاربٌ) هذا يجوز أن يتقدم معمول اسم الفاعل .. منصوبه عليه، وأما الصفة المشبهة فيمتنع، يمتنع أن يتقدم عليها معمولها على تفصيل سيأتي. وَسَبْقُ: هذا مبتدأ، وهو مضاف. و (مَا تَعْمَلُ فِيهِ): (مَا) اسم موصول بمعنى الذي في محل جر مضاف إليه، واقعة على الصفة المشبهة. سبقُ الذي تعمل فيه .. تعمل الصفة المشبهة فيه وهو المعمول مُجْتَنَبْ، وفي نسخة: يجتنب بصيغة الفعل، بخلاف اسم الفاعل؛ فإنه يتقدم عليه منصوبه إلا إذا كان بـ (أل) أو مجروراً بإضافة أو حرف جر غير زائد. إذاً: اسم الفاعل يتقدم عليه منصوبه إلا إذا كان محلىً بـ (أل)، فلا يصح: (أنا زيداً الضاربُ) لأن معمول الصلة لا يتقدم عليها كما سبق مراراً. (أل) لا يعمل ما بعدها في ما قبلها، إذاً: (أنا زيداً الضاربُ) هذا يمتنع أن يتقدم عليه؛ لأن ما بعد (أل) الموصولة لا يعمل فيما قبلها، وكذلك إذا جر بإضافة نحو: (هذا غلامُ قاتلٍ زيداً) هذا سبق معنا أن المضاف والمضاف إليه كالموصول مع صلته، فكما أنه لا يتقدم معمول الصلة على صلته لا يتقدم معمول المضاف إليه عليه ولا يتوسط بينهما، حينئذٍ: (غلامُ قاتلٍ زيداً) أو (هذا غلامُ قاتلٍ زيداً) لا يصح أن يقال: (هذا زيداً غلامُ قاتلٍ) بتقديم المعمول عليه لما ذكرناه سابقاً. وكذلك: (مررت بضاربٍ زيداً) لا يصح أن يقال: (مررتُ زيداً بضاربٍ) إلا إن جر بحرف جر زائد فيجوز؛ لأن حرف الجر ليس أصلياً، يعني: لم يدخل من أجل تحديد المعنى. فإن جر بحرف جر زائد نحو: (ليس زيدٌ بضاربٍ عمْراً) جاز التقديم فتقول: (ليس زيدٌ عمْراً بضاربٍ) ومنع ذلك المبرد. إذاً: في غير هذه الثلاث الأنواع يجوز أن يتقدم معمول اسم الفاعل عليه، وهذه الثلاث قلنا: ألا يكون محلى بـ (أل) .. دخلت عليه (أل). ثانياً: ألا يكون مضافاً إليه، (هذا غلامُ قاتلٍ زيداً) يمتنع للعلة التي في الأول. ثالثاً: ألا يكون مجروراً بحرف جر أصلي، فإن جر بحرف جر زائد جاز أن يتقدم عليه، وأما الصفة المشبهة فيمتنع. وَسَبْقُ مَا تَعْمَلُ: يعني الصفة المشبهة. فِيهِ: في المعمول مجتنب. سبق: مبتدأ، ومجتنب: هذا خبر. أي: أنها تخالف اسم الفاعل في شيئين: الأول: أن معمولها لا يتقدم عليها، أي: بحق الشبه باسم الفاعل، يعني: المعمول الذي أعملت الصفة المشبهة بحق شبهها باسم الفاعل لا يتقدم عليها، وأما من جهة كونها لما فيها من معنى الفعل فيتقدم عليها، على التفصيل السابق: وَعَمَلُ اسْمِ فَاعِلِ الْمُعَدَّى لَهَا حينئذٍ نقول: يثبت لها ما يثبت لاسم الفاعل، فالذي نصبه اسم الفاعل هو الذي تنصبه ولا يتقدم عليها، فإذا نصبت لا بشبهها باسم الفاعل كالحال حينئذٍ يجوز أن تتقدم الحال، ومنع ذلك الرضي. وكذلك التمييز، وكذلك إذا تعلق بها جار ومجرور على معنى الفعل لا على كونها أشبهت اسم الفاعل، يجوز أن يتقدم.

стр. 1598

إذاً: قوله: (وَسَبْقُ مَا تَعْمَلُ فِيهِ مُجْتَنَبْ) ليس على إطلاقه، وإنما المراد به: بحق الشبه باسم الفاعل وهو المنصوب على طريقة المفعول به؛ لأنه الذي تفارق فيه الصفة اسم الفاعل، أما المرفوع والمجرور فلا يتقدمان فيهما لا لهذا السبب، وإنما لكون المرفوع فاعلاً في الأصل، وإذا كان كذلك امتنع أن يتقدم على عامله. والثاني: المجرور مضاف إليه، والمضاف إليه لا يتقدم على المضاف. إذاً: المرفوع والمجرور لا يتقدمان على الصفة المشبهة لكون المضاف إليه فاعلاً في المعنى والفاعل لا يتقدم، هذا إذا كان مرفوعاً، وإذا كان مخفوضاً حينئذٍ نقول: هو مضاف إليه والمضاف إليه لا يتقدم على المضاف. قال ابن هشام: (وَسَبْقُ مَا تَعْمَلُ فِيهِ مُجْتَنَبْ) قال: خاص بما تعمل فيه للشبه باسم الفاعل، أما ما عملت بما فيها من معنى -يعني: معنى الفعل- كالظرف والمجرور والحال والتمييز فلا يمتنع فيه السبق، وذلك نحو: (زيدٌ اليومَ عظيمٌ، زيدٌ عظيمٌ اليومَ) نقول: (اليومَ) هنا منصوب على الظرفية ليس منصوباً على التشبيه بالمفعول به. يختص عمل الصفة المشبهة بنصب المفعول به على التشبيه، ما عداه فلا، فإذا نصبت الظرف الزماني أو المكاني لا نقول لكونه أشبهت اسم الفاعل وإنما لما فيها من معنى الفعل فيتقدم عليها. (زيدٌ اليومَ عظيمٌ) جائز، مع كون اليوم منصوب بـ (عظيم) و (عظيم) ككريم وجميل وهو صفة مشبهة. كيف تقدم؟ نقول: هذا جائز. وَسَبْقُ مَا تَعْمَلُ فِيهِ مُجْتَنَبْ: نقول: لا، عملت النصب في اليوم لا لكونها أشبهت اسم الفاعل وإنما لما فيها من معنى الفعل. (زيدٌ اليومَ عظيم، وزيدٌ بك فرحٌ، زيدٌ فرحٌ بك) بِكَ: جار ومجرور متعلق بـ (فرح) وهو صفة مشبهة، تقدم أو لا؟ تقدم. جائز؟ نعم. وقول ابن مالك: (وَسَبْقُ مَا تَعْمَلُ فِيهِ مُجْتَنَبْ) لا يشمل هذا النوع. و (زيدٌ طالعاً حسنٌ وجههُ، زيدٌ حسنٌ وجههُ طالعاً) نقول: حال، وجاز تقدمها مع كون الصفة المشبهة قد عملت فيها لكونها عملت فيها لما فيها من معنى الفعل لا حملاً على اسم الفاعل. و (زيدٌ وجهاً حسنُ)، وجهاً: هذا تمييز، وعملت في التمييز على ما فيها من معنى الفعل لا حملاً على اسم الفاعل، ومنع الرضي تقدم الحال والتمييز. على كلٍ؛ الخلاف ليس في كونها أشبهت اسم الفاعل أو لا، وإنما لمسألة أخرى. هذا مما تفارق فيه الصفة المشبهة اسم الفاعل في كون اسم الفاعل لا يتقدم عليه معموله الذي نصبه، والصفة المشبهة حملت على اسم الفاعل فنصبت مفعولاً به على التشبيه به، هذا النوع لا يتقدم، وما عداه يتقدم، والسبب: أن ما عدا هذا النوع منصوب بها على ما فيها من معنى الفعل لا حملاً على اسم الفاعل. وَكَوْنُهُ ذَا سَبَبِيَّةٍ وَجَبْ كَوْنُهُ: الضمير يعود على ماذا؟ وَكَوْنُهُ تعمل فيه المعمول. وَكَوْنُهُ: أي كون معمولها. ذَا سَبَبِيَّةٍ وَجَبْ: كونه ذا سببية وجب. (كَوْنُهُ ذَا سَبَبِيَّةٍ) (كَوْنُ) هنا لها جهتان .. (كون) مبتدأ في نفسها وهي كان، فتطلب اسماً وخبراً، وكونه مبتدأ يطلب خبراً. إذاً: لها خبران. لفظ (كون) لها خبران: خبر باعتبار كونها مبتدأً، وكل مبتدأ له خبر، وخبر باعتبار كونها ناقصة.

стр. 1599

وَكَوْنُهُ: هنا أُضيفت إلى الضمير والضمير فيه ..... من إضافة الكون إلى اسمه، (كون) هذا مصدر لكان، وكونك إياه عليك يسير. و (ذَا) من الأسماء الستة منصوب على أنه خبر الكون كان. (وَجَبْ) هذا خبر المبتدأ. وَكَوْنُهُ ذَا سَبَبِيَّةٍ وَجَبْ: وهذا الشيء الثاني ذكره في هذا البيت، أي: ويجب في معمولها أن يكون سببياً، أي: متصلاً بضمير الموصوف لفظاً أو معنى، يعني: لا يكون أجنبياً، المعمول قد يكون سببياً وقد يكون أجنبياً، أجنبياً يعني لا صلة له بالموصوف. (زيدٌ ضاربٌ عمْراً) ضاربٌ أسند إلى ضمير فاعل، ما علاقة زيد بعمرو؟ بعيد عنه أجنبي مفصول، وأما (زيدٌ ضاربٌ غلامَهُ) إذاً ثَمَّ ملابسة بين الموصوف والمعمول الذي هو غلامهُ، هنا يمتنع في معمول الصفة المشبهة أن يكون أجنبياً، بل لا بد أن يكون سببياً، والسبب واحد من ثلاثة أمور: أن يكون متصلاً بضمير الموصوف، مثل (مررتُ برجلٍ حسنٍ وجههُ) وجهه: هذا فيه ضمير يعود على الموصوف وهو رجل. ثانياً: أن يكون متصلاً بما يقوم مقام ضميره، نحو: (مررت برجلٍ حسنِ الوجهِ) الهاء هذه أصل الكلمة: وجه، ليست ضميراً. (حسنِ الوجهِ) فـ (أل) هنا قائمة مقام الضمير المضاف إليه -على رأي-. الثالث: أن يكون مقدراً معه ضمير الموصوف منوي، مثل: السمنُ منوان بدرهم، يعني: منوان منه مقدر، هنا قد يكون مقدراً. أن يكون مقدراً معه ضمير الموصوف: (مررتُ برجلٍ حسنٍ وجهاً) أي: وجهاً منه. إذاً: على جهة الإجمال نقول: يجب في معمولها أن يكون سببياً، أي: متصلاً بضمير الموصوف لفظاً نحو: (حسنٌ وجههُ)، أو معنىً نحو: (الحسنُ الوجهَ) أي: منه. ولا يجب ذلك في معمول اسم الفاعل، بل ينصب السببي وينصب الأجنبي، المراد به: الأجنبي. وَكَوْنُهُ ذَا سَبَبِيَّةٍ وَجَبْ قال الشارح: لما كانت الصفة المشبهة فرعاً في العمل عن اسم الفاعل قصرت عنه. يعني: سبق أن الفرعية تضعف العامل، الأصل هو الفعل ثم حمل عليه اسم الفاعل فصار فرعاً، والصفة المشبهة حملت على فرع لا على أصل، الفرع ضعيف وحمل فرع على فرع إذاً ازداد ضعفاً، ولذلك منع أن يتقدم عليها معمولها. وَسَبْقُ مَا تَعْمَلُ فِيهِ: تَعْمَلُ فِيهِ يعني الصفة المشبهة، لضعفها، التعليل هنا: لضعفها لكونها فرعاً عن فرع؛ فإنها فرع عن اسم الفاعل الذي هو فرع عن الفعل، بخلاف اسم الفاعل لكونه فرعاً عن أصل وهو الفعل، ولذلك كان أقوى منها. فلما كانت فرعاً قصرت عنه .. عن اسم الفاعل، قصرت عنه فلم يجز تقديم معمولها عليها كما جاز في اسم الفاعل، فلا تقول: (زيدٌ الوجهَ حسنٌ) ممنوع، الوجهَ: هذا منصوب على التشبيه بالمفعول به، الأصل فيه: (زيدٌ حسنٌ الوجهَ) الوجهَ: منصوب على أنه مشبه بالمفعول به، حينئذٍ لا يتقدم عليها، كما تقول: (زيدٌ عمْراً ضاربٌ) هذا جائز ولم تعمل إلا في سببيٍ نحو: (زيدٌ حسنٌ وجهَهُ)، ولا تعمل في أجنبي، فلا تقول: (زيدٌ حسنٌ عمْراً) هذا ممتنع لضعفها. واسم الفاعل يعمل في السببي والأجنبي نحو: (زيدٌ ضاربٌ غلامَهُ) فيه ضمير يعود على زيد، و (ضاربٌ عمْراً) ليس فيه ضمير، إذاً: هو أجنبي.

стр. 1600

فَارْفَعْ بِهَا وَانْصِبْ وَجُرَّ مَعَ أَلْ ... وَدُونَ أَلْ مَصْحُوبَ أَلْ وَمَا اتَّصَلْ بِهَا مُضَافاً أَوْ مُجَرَّداً وَلاَ ... تَجْرُرْ بِهَا مَعْ أَلْ سُماً مِنْ أَلْ خَلاَ وَمِنْ إِضَافَةٍ لِتَالِيهَا وَمَا ... لَمْ يَخْلُ فَهْوَ بِالْجَوَازِ وُسِمَا فَارْفَعْ بِهَا وَانْصِبْ وَجُرَّ: هذه أحوال ثلاثة. كل صفة مشبهة يجوز فيها ثلاثة أحوال: الرفع والنصب والجر، ثلاثة أحوال. فَارْفَعْ بِهَا وَانْصِبْ بها، وَجُرَّ بها، يعني: بالصفة المشبهة، فهي العامل، لذلك قال: (بِهَا) يعني: بنفسها، حملاً على اسم الفاعل في النصب فحسب. فَارْفَعْ بِهَا: على الفاعلية، فيكون مرفوعها فاعلاً، هذا المشهور وهو الأصح، وبه قال سيبويه والبصريون. وقال الفارسي: بدل بعض من كل، والفاعل ضمير مستتر، فإذا قيل: زيدٌ حسن وجههُ بالرفع قلنا: هذا فاعل على مذهب سيبويه وأصحابه، وهو ليس فاعلاً على مذهب الفارسي بل هو بدل .. بعض من كل، وأين الفاعل؟ ضمير مستتر، وعلى القول الأول .. قول سيبويه أن المرفوع فاعل حينئذٍ يتعين ألا يكون في الصفة ضمير مستتر، لماذا؟ لأنه لو كان فيها ضمير مستتر لكان إعرابه فاعلاً، ولا يكون للصفة كما للفعل لا يكون له فاعلان. إذا قيل: (حسنٌ وجههُ) وجههُ فاعل حينئذٍ يمتنع أن يكون في الصفة ضمير مستتر؛ لأنه لا يستتر إلا الضمير المرفوع وهنا لا يتصور رفعه إلا كونه فاعلاً، فإذا جوزنا استتار الضمير في حسن مع كونه رفعت الاسم الظاهر حينئذٍ كان له فاعلان، وهذا ممتنع. إذاً: على قول سيبويه بأن المرفوع فاعل تعين ألا يكون في الصفة ضمير مستتر. تنبه. إذاً: (فَارْفَعْ بِهَا) يعني بالصفة المشبهة. والرفع على ضربين، يعني على قولين: على الفاعلية وهو الأصل فيها، وبه قال سيبويه والبصريون، وحينئذٍ فالصفة خالية من الضمير؛ لأنه لا يكون للشيء فاعلان. والقول الثاني قول الفارسي: إنه بدل من الضمير المستتر، والفاعل هو الضمير المستتر، والأول أولى. وَانْصِبْ: بها. وَانْصِبْ: لا يخلو المعمول إذا نصبته، إما أن يكون معرفة وإما أن يكون نكرة، المنصوب بها إما أن يكون معرفة وإما أن يكون نكرة، حينئذٍ تقول: (زيدٌ حسنٌ الوجهَ) هذا معرفة. (حسنٌ وجهاً) نكرة، لا يخلو عن حالين: إما أن يكون معرفة، وإما أن يكون نكرة. إذا كان نكرة جاز نصبه على وجهين: إما على أنه مشبه بالمفعول به، وإما على التمييز، والثاني أرجح. يعني قولان، إذا قيل: (حسنٌ وجهاً) وجهاً نقول: هذا معمول للصفة المشبهة وهو منصوب وهو نكرة، إذاً: يجوز أن يعرب مشبهاً بالمفعول به، وإما أن يعرب تمييزاً والثاني أرجح. وإن كان معرفة: (حسنٌ الوجهَ) حينئذٍ يتعين أن يكون مشبهاً بالمفعول به، ولا يصح إعرابه على مذهب البصريين تمييزاً؛ لأنه معرفة والتمييز لا يكون معرفة، وجوزه الكوفيون. إذاً: إذا قيل: وَانْصِبْ بها إما على كونه تمييزاً وذلك يكون في النكرة، وإما على كونه مشبهاً بالمفعول به وهذا يجوز في المعرفة والنكرة ولكن النكرة خلاف الأولى. وَجُرَّ: يعني على الإضافة، جر بها، يعني: على الإضافة. فَارْفَعْ بِهَا وَانْصِبْ وَجُرَّ: جر بها يعني على الإضافة، جر ماذا؟ وارفع ماذا؟ وانصب ماذا؟ قال:

стр. 1601

مَعَ أَلْ وَدُونَ أَلْ مَصْحُوبَ أَلْ مَصْحُوبَ أَلْ: هذا متنازع فيه، مفعول به. ارفع مصحوب (أَلْ)، انصب مصحوب (أَلْ)، جر مصحوب (أَلْ). إذاً: باب التنازع .. تنازعته العوامل الثلاث. مَعَ أَلْ وَدُونَ أَلْ مَعَ أَلْ: هذه حال من قوله: (بِهَا) ارْفَعْ بِهَا وَانْصِبْ بها حذفه لدلالة الأول عليه، وجر بها أيضاً لدلالة الأول عليه حذفه. مَعَ أَلْ: (مَعَ) هذا منصوب على الظرفية حال من الضمير في (بِهَا)؛ لأن (بِهَا) المراد به الصفة المشبهة، يعني: الصفة المشبهة لها حالان في العمل: تعمل مطلقاً مع (أَلْ) ودون (أَلْ) سواء كانت محلاة بـ (أل) أو بدون (أل)، (زيدٌ الحسنُ الوجهَ) بـ (أل). (زيدٌ حسنٌ الوجهَ) عملت مطلقاً بـ (أل) وبدون (أل). مَعَ أَلْ: يعني اتصلت بها (أل). وَدُونَ أَلْ: مجردة، دون ضمنت معنى غير، مجردة من (أل). ماذا ترفع وتنصب وتجر؟ قال: مَصْحُوبَ أَلْ يعني: المعمول الذي صاحب (أل)، معمول الصفة دخلت عليه (أل). وَمَا اتَّصَلْ بِهَا مُضَافاً أَوْ مُجَرَّداً اتَّصَلْ بِهَا: الضمير يعود على ماذا؟ أي: وما اتصل من معمول الصفة بالصفة، وسيأتي أنه يشترط ألا يفصل بين الصفة المشبهة ومعمولها، فإن فصل حينئذٍ لا عمل، أي: وما اتصل من معمول الصفة بالصفة في حال كونه مضافاً لما بعده أو مجرداً يعني من (أل) والإضافة. قوله: (مُضَافاً) هذا حال من فاعل (اتَّصَلْ). وَمَا اتَّصَلْ بِهَا: يعني بالصفة المشبهة حال كونه مضافاً، وهذا يدخل تحته أربعة أنواع: النوع الأول: يشمل المعمول المضاف إلى ما فيه (أل) وهذا ذكرها ابن عقيل. المعمول المضاف إلى ما فيه (أل) نحو: (وجهُ الأبِ) هنا ما اتصلت به (أل) وإنما أُضيف إلى ما فيه (أل)، هنا قلنا: فارفع بها مصحوب (أل) يعني (الوجه)، تكون (أل) داخلة على المعمول نفسه. الثاني: لم تدخل عليه وإنما مضاف، مضاف إلى أي شيء؟ قلنا: يشمل أربعة أنواع: الأول: المعمول المضاف إلى ما فيه (أل) نحو: (وجهُ الأبِ) وجه: هذا المعمول في الأصل، لم تدخل عليه (أل) ليس مصحوب (أل) وإنما دخلت (أل) على ما أضيف إليه. لا إشكال فيه. الثاني: المضاف إلى ضمير الموصوف، نحو: (وجهه) ضمير الموصوف، يعني: أضيفت إلى ضمير؛ لأنه لا بد أن يكون سببياً كما سبق. (زيدٌ حسنٌ وجهَهُ) أُضيف هنا، داخل في الإضافة. الثالث: المضاف إلى ما أضيف إلى ضمير الموصوف، نحو: (وجهَ غلامهِ) هذا مثل ما هناك: وَوَصْلُ أَلْ بِذَا الْمُضَافِ مُغْتَفَرْ. (حسنٌ وجهَ غلامهِ) وجهَ: هو المعمول، أضيف إلى غلام وهو ليس محلىً بـ (أل)، وإنما غلام مضاف إلى ضمير يعود إلى الموصوف، مضاف إلى مضاف، هذا الثالث. الرابع: المضاف إلى المجرد من (أل) دون الإضافة، (وجهُ أبٍ). هذه أربعة أحوال. أَوْ مُجَرَّداً: يعني من الإضافة و (أل)، هذه كم في معمول الصفة؟ ستة. مصحوب (أل) هذا الأول (الوجهَ)، وما اتصل بها يعني: لا ينفصل عنها، مضافاً تحته أربع، هذه كم؟ خمسة. أو مجرداً؛ هذه ستة. ثم الصفة المشبهة قد تكون محلاة بـ (أل) وقد لا تكون، ستة في اثنين؟ اثني عشر.

стр. 1602

وكل مثال يجوز فيه الرفع والنصب والجر، ثلاثة في ثنتي عشر بست وثلاثين مسألة، كلها داخلة في هذا البيت، ست وثلاثون مسألة ليست كلها على وجه الجواز، هذا المشهور عند النحاة: أنها في الجملة ست وثلاثون مسألة، بعضهم أوصلها إلى سبعين، بعضهم أوصلها إلى ستمائة، وبعضهم أوصلها إلى ألف وأربعمائة وزيادة، كل هذا من باب التكلف، وإلا في الجملة تكون في ست وثلاثين مسألة. إذاً: فَارْفَعْ بِهَا وَانْصِبْ وَجُرَّ مَصْحُوبَ (ألْ) سواء كانت محلاة بـ (أل) أو لا. مَصْحُوبَ أَلْ: يعني المعمول المصاحب لـ (أل). وَمَا اتَّصَلْ بِهَا: يعني بالصفة المشبهة حال كونه مضافاً، فشمل أربعة أنواع. أَوْ مُجَرَّداً: يعني مُجَرَّداً من (أل) والإضافة، فهذه ست، كلها ست وثلاثون مسألة، وهي كالتالي -الست والثلاثون-: تقول: (رأيتُ الرجلَ الحسنَ وجهٌ)، هذه محلى بـ (أل) وهو مجرد، ورفع. و (الحسنَ وجهٌ) بـ (أل) والمعمول مرفوع وهو مجرد. و (الحسنَ وجهاً) نفس العامل محلىً بـ (أل) والمعمول مجرد من (أل) وهو منصوب. و (الحسنَ وجهٍ) نفسه لكنه مخفوض. إذاً: الأول يحكم الثاني، المثل الأول هو الذي ينطبق عليه الشرح، ثم الرفع والنصب والخفض، ولذلك تقول: (رأيتُ الرجلَ الحسنَ وجهٌ) الحسنَ بـ (أل) ووجهٌ بالرفع مجرد من (أل) والإضافة. (الحسنَ وجهاً، الحسنَ وجهٍ) بالإضافة. و (الحسنَ الوجهُ) محلىً بـ (أل)، و (الحسنَ الوجهَ، والحسنَ الوجهِ). و (الحسنَ وجهُ الأبِ) مضاف إلى ما فيه (أل)، و (الحسنَ وجهَ الأبِ) نفسه لكنه بالنصب، و (الحسنَ وجهِ الأبِ) نفسه لكنه بالخفض، و (الحسنَ وجهُ أبٍ) مضاف إلى مجرد وهو الرفع. و (الحسنَ وجهَ أبٍ) بالنصب، و (الحسنَ وجهِ أبٍ) بالخفض نفسه. و (الحسنَ وجهُهُ) بـ (أل) ومضاف إلى ضمير، و (الحسنَ وجهَه) نفسه لكنه بالنصب، و (الحسنَ وجهِهِ) نفسه لكنه بالخفض، و (الحسنَ وجهُ أبيهِ) مضاف إلى مضاف إلى الضمير. و (الحسنَ وجهَ أبيهِ) نفسه بالنصب، و (الحسنَ وجهِ أبيهِ)، أمثلة المحلى بـ (أل) انتهينا منها. بقي المجرد من (أل). (رأيتُ رجلاً حسناً وجهُهُ) مضاف إلى ضمير. و (حسناً وجهاً) و (حسنَ وجهٍ) و (حسناً الوجهُ) و (حسناً الوجهَ) و (حسنَ الوجهِ) بالإضافة، و (حسناً وجهُ الأبِ) مضاف إلى ما فيه (أل)، و (حسناً وجهَ الأبِ) و (حسنَ وجهِ الأبِ) و (حسناً وجهُ أبٍ) و (حسناً وجهَ أبٍ) بالنصب، و (حسنَ وجهِ أبٍ) و (حسناً وجهُهُ) و (حسناً وجهَهُ) و (حسنَ وجهِهِ)، و (حسنَاً وجهُ أبيهِ) و (حسنَاً وجهَ أبيهِ) بالنصب، و (حسنَ وجهِ أبيهِ) هذه ست وثلاثون مسألة كلها داخلة في قوله: مَصْحُوبَ أَلْ وَمَا اتَّصَلْ بِهَا مُضَافاً أَوْ مُجَرَّداً، مع قوله: مَعَ أَلْ وَدُونَ أَلْ. كلها جائزة؟ الجواب: لا، وإنما يمتنع منها أربعة في الإضافة، ولذلك قال: وَلاَ تَجْرُرْ بِهَا مَعْ أَلْ سُماً مِنْ أَلْ خَلاَ وَمِنْ إِضَافَةٍ لِتَالِيهَا. وَلاَ تَجْرُرْ: هذا استثناء. وَلاَ تَجْرُرْ بِهَا مَعْ أَلْ: حال من هاء المجرور، تجرر بها يعني بالصفة المشبهة مع (أل)، إذاً: استثناء فيما إذا حليت بـ (أل)، أما إذا لم تحل فلا.

стр. 1603

سُماً: هذا مفعول لتجرر، خلا من (أل) وَمِنْ إِضَافَةٍ لِتَالِيهَا. استثنى مسائل. يعني: يمتنع إضافة الصفة المقرونة بـ (أل) إلى المجرد من (أل) ومن إضافة إلى ما فيه (أل)، هذه كم؟ مقرونة بـ (أل) إلى المجرد من (أل) ومن إضافة إلى ما فيه (أل)، حينئذٍ قال: شملت ثنتي عشرة مسألة، إلا صورتان؛ وهما: (الحسنُ الوجهِ) و (الحسنُ وجهِ الأبِ) فالممتنع عشرة، وما عدا ذلك فهو جائز. قال ابن عقيل: فتحصل حينئذٍ ست وثلاثون صورة، والممتنع منها في الجملة أربعة، لكن في التفصيل ثنتي عشر. وإلى هذا أشار بقوله: (فَارْفَعْ بِهَا) أي: بالصفة المشبهة. وَانْصِبْ وَجُرَّ مَعَ أَلْ: إذا كانت الصفة بـ (أل) نحو: الحسن. وَدُونَ أَلْ: أي إذا كانت الصفة بغير (أل) نحو: حسنٌ. مَصْحُوبَ أَلْ: أي المعمول المصاحب لـ (أل) نحو: الوجهَ. وَمَا اتَّصَلْ بِهَا مُضَافاً أَوْ مُجَرَّداً: أي والمعمول المتصل بها أي بالصفة إذا كان المعمول مضافاً أو مجرداً من الألف واللام والإضافة، ويدخل تحته أربعة أنواع، يعني تحت قوله: (مُضَافاً) على التي ذكرناها السابقة. وأشار بقوله: (وَلاَ تَجْرُرْ بِهَا مَعْ أَلْ) إلى أن هذه المسائل ليست كلها على الجواز، بل يمتنع منها إذا كانت الصفة بـ (أل) أربع مسائل، لذلك نقول: تجب الإضافة وتمتنع الإضافة وتقبح الإضافة، تمتنع وتقبح وتجب. متى تجب؟ نقول: تجب الإضافة إذا كانت مجردة من (أل) إلى ضمير متصل بها في الأصل، إذا كانت مجردة من (أل) يعني: الصفة ... مضافة إلى ضمير متصل بها في الأصح، نحو: (مررتُ برجلٍ حسنِ الوجهِ وجميلهِ)، (مررتُ برجلٍ حسنِ الوجهِ) ليس المثال في (حسنِ الوجهِ) وإنما في قوله: (وجميلهِ) جميلِ: هذا صفة مشبهة معموله ضمير متصل، سبق: وَفِي اخْتِيَارٍ لاَ يَجِيءُ الْمُنْفَصِلْ ... إِذَا تَأَتَّى أَنْ يَجِيءَ الْمُتَّصِلْ و (جميلهِ) نقول: تجب الإضافة هنا، لماذا؟ لأنك لو نصبته فقلت: (وجميلٍ إياه) حينئذٍ فصلت مع إمكان الاتصال، وهذا ممتنع، فتجب الإضافة في هذا على الأصح. نحو: (مررتُ برجلٍ حسنِ الوجهِ جميلِهِ)، ولا يجوز نصب هذا الضمير، وجوزه الفراء فيقال: (جميلٍ إياهُ)، ورد بأنه لا يفصل الضمير ما قدر على اتصاله، فإن لم تباشره متصلة به -فصل بينه وبين الضمير أو غيره- أو قرنت بـ (أل) لم تجب الإضافة، بل يتعين النصب باتفاق في حالة الفصل، نحو: (قريشٌ نجباءُ الناسِ وكرامُهُمُوها) هنا وجب الفصل. وعلى أحد القولين للنحاة في حالة الاقتران بـ (أل) نحو: (مررتُ بالرجلِ الحسنِ وجها الجميلَه). والقول الثاني: أن الضمير في موضع جر. إذاً: الأصل أنه إذا أمكن الاتصال فيما إذا كانت الصفة المشبهة مجردة عن (أل) والمعمول ضمير حينئذٍ وجبت الإضافة، خلافاً للفراء. وتمتنع في المسائل الأربع التي ذكرها ابن عقيل. يعني: يمتنع منها إذا كانت الصفة بـ (أل) أربع مسائل؛ لما تقرر في باب الإضافة السابق هناك أنه لا يضاف إلا ما استثني. لما تقرر في باب الإضافة من أنه لا تجوز إضافة الصفة المقترنة بـ (أل) إلى الخالي من (أل) ومن إضافة لما فيه (أل). وَوَصْلُ أَلْ بِذَا الْمُضَافِ مُغْتَفَرْ ... إِنْ وُصِلَتْ بِالثَّانِ ..........

стр. 1604

الأصل هناك لا يضاف إلا بشروط، إن وجدت الشروط هنا جازت الإضافة، وإن امتنعت امتنعت الإضافة، وحينئذٍ يكون الحسن محمولاً على: وَإِنْ يُشَابِهِ الْمُضَافُ يَفْعَلُ ... وَصْفاً فَعَنْ تَنكيرِهِ لاَيُعْزَلُ فإذا كانت الصفة المضافة صفة مشبهة فالأحكام السابقة لاحقة هنا، وما انتفى هناك انتفى هنا. المسألة الأولى: جر المعمول المضاف إلى ضميره الموصوف، نحو: (الحسنُ وجهِهِ) هذا مستثنى. والصورة الثانية: جر المعمول المضاف إلى ما أضيف إلى ضمير الموصوف، نحو: (الحسنُ وجهِ غلامِهِ). الثالثة: جر المعمول المضاف إلى المجرد من (أل) دون الإضافة، نحو: (الحسنُ وجهِ أبٍ) لعدم الرابط. الرابعة: جر المعمول المجرد من (أل) والإضافة، نحو: (الحسنُ وجهٍ). فمعنى كلامه: ولا تجرر بها أي: بالصفة المشبهة إذا كانت الصفة مع (أل) اسماً خلا من (أل)، لا تجرر بها إذا كانت الصفة دون (أل) اسماً خلا من (أل) أو خلا من الإضافة لما فيه (أل) وذلك المسائل الأربعة. وما لم يخل من ذلك يجوز جره كما يجوز رفعه ونصبه، كـ (الحسنِ الوجهِ، والحسنِ وجهِ الأبِ) وكما يجوز جر المعمول ونصبه ورفعه إذا كانت الصفة بغير (أل) على كل حال. إذاً قوله: فَارْفَعْ بِهَا وَانْصِبْ وَجُرَّ مَصْحُوبَ (ألْ) وَمَا اتَّصَلْ بِهَا مُضَافاً أوْ مُجَرَّداً؛ هذا يستثنى منه المسائل الأربع في الجملة، وعند التفصيل تكون ثنتي عشرة مسألة. وَلاَ تَجْرُرْ بِهَا مَعْ أَلْ: إذا كانت محلاة بـ (أل). سُماً مِنْ أَلْ خَلاَ: سُماً: هذا مفعول لتجرر. خَلاَ: هذه صفة من (أل)، إذا اتصلت به (أل) جازت الإضافة. وَمِنْ إِضَافَةٍ لِتَالِيهَا: أي تالي (أل) ولو بواسطة الإضافة لضميره، فيشمل الإضافة لضمير تاليها، أي: خلا من إضافة لما فيه (أل). وَمَا لَمْ يَخْلُ فَهْوَ بِالْجَوَازِ وُسِمَا وَمَا: هذه شرطية مبتدأ. لَمْ يَخْلُ فَهْوَ: الضمير يعود على ماذا؟ فَهْوَ: الفاء واقعة في جواب الشرط، و (هْوَ) المعمول. فَهْوَ بِالْجَوَازِ: يعني جواز الإضافة. وُسِمَا: أي علما. وما لم يخل من (أل) والإضافة لتاليها فهو بالجواز أي: جواز الجر، لأن الكلام في الجر. وتقبح الإضافة إذا كانت الصفة دون (أل) مضافة إلى مضاف لضمير وهو مثال: (حسنُ وجهِهِ) حسنُ وجهِهِ قالوا: إضافته قبيحة، ومنعها سيبويه: (حسنُ وجهِهِ) إضافته قبيحة. ومنعها سيبويه اختياراً، وخص جوازها بالشعر، ومنعها المبرد مطلقاً في الشعر وغيره. وقال ابن مالك في شرح الكافية: وهو عند الكوفيين جائز في الكلام كله، وهو الصحيح. (حسنُ وجههِ) جائز أو لا؟ فيه خلاف. قال ابن مالك: الصحيح جوازه مطلقاً، يعني في الشعر والنثر. وهو الصحيح؛ لأن مثله قد ورد في حديث أم زرع: (صِفرُ وشاحِها) صفرُ: هذا صفة مشبهة. وشاحِها: مثل (حسنُ وجهِهِ) مضاف ومضاف إليه، فإذا جاء كذلك .. لكن النحاة ما يعبرون هذا الكلام. وفي حديث الدجال: ﴿أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى﴾ أعور عينه مثل: (حسنُ وجهِه) إذاً: لا يمنع، ومع هذا ففي جوازه ضعف، ووافقه أبو حيان. إذاً: الإضافة تمتنع في الأربع المسائل، وتجب في المسألتين المذكورين، وتقبح مع الجواز.

стр. 1605

ويقبح رفعها مطلقاً مع (أل) ومجردة العاري من الضمير و (أل) والإضافة إلى أحدهما، وذلك مثال: (الحسنُ وجهٌ) الحسنُ وجهٌ هذا قبيح .. رفعه قبيح. و (حسنٌ وجهٌ) هذا قبيح؛ لأنه مجرد عن (أل) والإضافة، وإنما يستحسن النصب على التمييز. و (الحسنُ وجهِ أبٍ، وحسنُ وجهِ أبٍ) هذه كم مسألة؟ الحسنُ وجهٌ وحسنٌ وجهٌ دون (أل) وبـ (أل). و (الحسنُ وجهِ أبٍ وحسنُ وجهِ أبٍ) كلاهما فيما حلي بـ (أل) مثالان، لكن مع (أل) ودون (أل)، هذا قبيح، الرفع فيه قبيح. الأول: (الحسنُ وجهٌ) بـ (أل)، (حسنٌ وجهٌ) بدون (أل) هذا قبيح. كذلك: (الحسنُ وجهِ أبِ، وحسنُ وجهِ أبٍ) هذا قبيح. ومنع أكثر البصريين: (حسنٌ وجهٌ) لخلو الصفة من ضمير مذكور يعود على الموصوف، واختاره ابن خروف، ومذهب الكوفيين جوازه بقبح، وإليه ذهب ابن مالك رحمه الله تعالى. إذاً: هذه الأبيات الثلاثة شملت ستاً وثلاثين مسألة على الوجه الذي ذكرناه. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 1606

عناصر الدرس * شرح الترجمة. التعجب. وحده * صيغتا التعجب * حذف المتعجب منه * هل يتصرف فعلا التعجب * شروط ما يصاغ منه فعلا التعجب. وحكم الغاقد لشرط منها. * حكم فعل التعجب مع معموله من حيث التأخير والتقديم والتأخير. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: التَّعَجُّبُ. أي: هذا باب بيان ما يتعلق بالتعجب في اصطلاح النحاة، وليس مطلق التعجب. التَّعَجُّبُ تفعُّل من العجب، واختُلف في حدِّه، وارتضى جمهرة من الشراح والنحاة ما عرفه به ابن عصفور، قيل أحسن ما قيل في حد التعجب قول ابن عصفور، وهو قوله: هو استعظام زيادة في وصف الفاعل خفي سببها وخرج بها المتعجب منه عن أمثاله أو قل نظيره فيها. هذا حد لابن عصفور في بيان حقيقة التعجب، وهو ما أشبه ما يكون بالمعنى اللغوي؛ لأن التعجب في اصطلاح النحاة خاص بصيغتين اثنتين لا ثالث لهما: ما أفعَل وأفعِل به، وأما التعجب في لسان العرب فهو أعم، فيأتي بالاستفهام ويأتي بغيره. (هو استعظام زيادة) استعظام استفعال من العظمة. استعظام زيادة في وصف الفاعل، خفي سببها وخرج بها المتعجب منه عن أمثاله أو قل نظيره فيها، حينئذٍ شمل نوعي التعجب؛ لأن بعض النحاة وبعض أهل اللغة يحصر التعجب في ما خفي سببه، وليس الأمر كذلك، ولذلك إذا وُصف الرب جل وعلا بصفة التعجب: (عجب ربنا)، ((بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ)) [الصافات:١٢] نقول: هذه لا بد من تأويلها؛ لأن التعجب لا يكون إلا عما خفي سببه، والله تعالى لا تخفى عليه خافية، إذن: لا بد من التأويل. نقول: لا، ليس الأمر كذلك، حصر التعجب في ما خفي سببه فحسب نقول: هذا ليس بصحيح بل هو أعم من ذلك، فيطلق على خروج الشيء عن نظيره، بمعنى: أنه قليل في الناس مثلاً من اتصف بصفة العلم فنقول: ما أعلم زيداً، لا لكونه خفي سببه وإنما لكونه قد وجد فيه صفة ليست موجودة في غيره. إذن: استعظام زيادة نقول: هذا كالجنس في الحد، قوله: (استعظام زيادة) كالجنس في الحد. وذلك كاستعظام زيادة الحسن في زيد (ما أحسنَ زيداً) استعظمت العلم أو الحسن، (ما أعلمَ زيداً، ما أتقاه) ونحو ذلك إذا صح مجيئه. قوله: (في وصف الفاعل) يعني: المراد به من قام به الوصف، استعظام زيادة في وصف الفاعل، يعني: المراد ما قام به الوصف، وهذا فصل يخرج به الزيادة في وصف المفعول، فلا يقال: (ما أضربَ زيداً) بنصب زيد على أنه استعظام لوقوع الضرب عليه، لا يستعظم إلا ما اتصف به الفاعل، وأما ما وقع على المفعول فلا، ولذلك منع النحاة أن يشتق فعل التعجب من المبني للمجهول، لأن الوصف الذي يتعجب منه ويستعظم هو ما اتصف به الفاعل، وأما ما وقع على المفعول لا. إذن: قوله: (في وصف الفاعل) احترز به عن وصف المفعول، قد تكون ثَمَّ زيادة في وصف المفعول لكن لا يتعجب منها، فلا يقال: (ما أضربَ زيداً) بنصب زيد استعظاماً لضربٍ وقع على زيد، ولذا من شروطه كما سيأتي: أن يكون الفعل مبنياً للمعلوم، لأن المبني للمعلوم هو الذي جيء به لوصف الفاعل. وقوله: (خفي سببها) فصل ثانٍ يخرج به ما ظهر سببه، ولذا قيل: إذا ظهر السبب بطل العجب.

стр. 1607

وقوله: (وخرج بها المتعجب منه عن أمثاله أو قل نظيره فيها) هذا فصل ثالث يخرج به ما يكثر وجود أمثاله؛ فإنه لا يتعجب منه، و (أو) حينئذٍ في التعريف للتقسيم، يعني: أن المتعجب منه إما أن يخرج عن نظائره بتلك الزيادة أو يقل نظيره. إما أنه يخرج عن نظائره بتلك الزيادة وحينئذٍ لا يلزم أن يكون خفي سببه، هذا أمره واضح، وهذا الوصف يوصف به الرب جل وعلا. إذن نقول: سبب التعجب قد يكون لخروج المتعجب منه عن نظائره ويعلم سببه، حينئذٍ نقول: هو تعجب، وهذا الذي يوصف به الرب جل وعلا: ((بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ)) [الصافات:١٢]، ﴿عجب ربنا لرجل .. ﴾ إلى آخره. نقول: هذا قل وخرج عن نظائره، لا لكونه خفي سببه والله تعالى لا تخفى عليه خافية. إذن: التعجب قد يكون من هذا، وقصره على عما خفي سببه هذا فيه قصور، وليس بصواب. إذن: (وخرج بها المتعجب منه عن أمثاله أو قل نظيره فيها)، نقول: (أو) هنا للتقسيم، يعني: أن المتعجب منه إما أن يخرج عن نظائره بتلك الزيادة أو يقل نظيره، فالحامل على التعجب أحد أمرين: الأول: انفراد المتعجب منه بالوصف. الثاني: أن يكون له أمثال قلائل لا يكادون يعرفون. والتعجب نوعان: حقيقي وادعائي. فالأول -وهو الحقيقي-: بأن يكون المتعجِّب في حقيقة الأمر عالماً بأن المتعجَّب منه منفرد بالوصف. أن يكون المتعجِّب الذي يتعجب يكون في نفس الأمر عالماً بكون المتعجَّب منه خارجاً عن نظائره في الوصف، وقد لا يكون كذلك، وإنما نزَّله مُنزَّلة الخارج عن نظائره، فحينئذٍ الأول يكون حقيقي والثاني يكون ادعائي. فالأول بأن يكون المتعجِّب في حقيقة الأمر عالماً بأن المتعجَّب منه منفرد بالوصف أو قليل النظائر، يعني: على حقيقته. والثاني: بأن يكون قد نزَّل المتعجَّب منه هذه المنزلة. هو يعلم أنه ليس الأمر كذلك، ولكنه نزله منزلة ما انفرد عن نظائره فتعجب منه، الثاني نقول له: ادعائي. لأن ما ثبت له من الوصف بالغ النهاية بحيث لا يدركه أحد في اعتقاده، هذا حقيقة التعجب. قال الناظم هنا: التَّعَجُّبُ: بِأَفْعَلَ انْطِقْ بَعْدَ مَا تَعَجُّبَا ... أَوْ جِيءْ بِأفْعِل قَبْلَ مَجْرُورٍ بِبَا

стр. 1608

خص التعجب هنا ببعض أفراده، وإلا صيغ التعجب كثيرة كما قال النحاة وغيرهم، وله عبارات كثيرة، ومن صيغ التعجب: كيف، ومتى، ومَن، وما، وأي في الاستفهام، هذه قد يتعجب بها. ((عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)) [النبأ:١]، ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾ [الحاقة: ١،٢] حمل على التعجب عند بعضهم. ((لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ)) [المرسلات:١٢]، (لله دره) هذا تعجب. (حسبك بزيدٍ رجلاً)، ((كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ)) [البقرة:٢٨] هذه صيغة تعجب. ﴿سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس﴾ هذه صيغة تعجب. (لله دره فارساً) لكن هل هذا الذي بوب له النحاة؟ لا، نقول: هذا ليس الذي عناه النحاة بهذا الباب، وإنما عنوا صيغتين اثنتين هما القياس، وما عداهما على قسمين: منه ما هو سماعي ومنه ما هو قياسي. وسيأتي في باب نِعْمَ وبئس أنه قد يحوَّل إلى باب فعُل، هذا يكون قياسياً، وما عداه مثل استعمال الاستفهام في غير الاستفهام، أو استعمال لفظ (سُبْحَانَاللَّهِ) للتنزيه في غير معناه نقول: هذا يستعمل في التعجب لكن بقرينة. إذن: (ما أفعله وأفعِل به) نقول: هذه صيغة بوب لهما النحاة هذا الباب، وما عداهما حينئذٍ يتعجب به إما سماعياً وإما قياسياً لكن لا يكون كذلك إلا بقرينة، ولا يحمل على التعجب إلا هاتين الصيغتين. بِأَفْعَلَ انْطِقْ بَعْدَ مَا تَعَجُّبَا: انطق بأفعَل. إذن: (بِأَفْعَلَ) المراد به هذا الوزن .. متعلق بقوله: (انْطِقْ)، حال كونه بَعْدَ، أو بَعْدَ متعلق بقوله: (انْطِقْ). مَا: وسيأتي معناها، وهي اسمية بالإجماع. تَعَجُّبَاً: أي في حال كونك متعجباً، فأطلق المصدر وأراد به المشتق. بِأَفْعَلَ انْطِقْ: أي انطق بأفعل. بَعْدَ مَا تَعَجُّبَا: يعني حال كونك متعجباً، أي: انطق بوزن أفعَل بَعْدَ مَا، فتقول: ما أفعَل، انطق بأفعل بعد ما، يعني: ائت بـ (ما) أولاً، ثم تتلوها بأفعل، فتنطق بها تالية، فتقول: ما أفعل. تَعَجُّبَاً: ونصب تعجباً على أنه مصدر في موضع الحال، أي: متعجباً، أو مفعول له، أي: لأجل إنشاء فعل التعجب فهو على حذف مضاف، لأجل إنشاء فعل التعجب حينئذٍ يكون على حذف مضاف. أَوْ: للتنويع والتقسيم، الصفة الثانية أو الصيغة الثانية. أَوْ جِيءْ: هذا أمر مثل انطق، إنما غاير بينهما من أجل التنويع فقط .. تفنن. أَوْ جِيءْ بِأفْعِلْ قَبْلَ: هناك قال: بعد، وهنا قال: قبل. قَبْلَ مَجْرُورٍ بِبَا: بباءٍ، قصره للضرورة. مَجْرُورٍ: يعني قبل اسم مجرور. أي: أو جئ بوزن أفعِلْ بإسكان آخره وكسر ما قبل آخره: أفعِل. قبل اسم مجرور بباء الجر، فتقول: أفعِل به، أحسن بزيد مثلاً، أعلم بزيد، أكرم بعمرو، فأتى بأفعِل مكملاً بمعموله وهو المتعجب منه المجرور بالباء. في الأول قال: (بِأَفْعَلَ انْطِقْ بَعْدَ مَا تَعَجُّبَا) جاء بـ (ما) وأفعل ولم يتذكر المتعجب منه وهو المنصوب بعده، لم يكمله، أنقصه. ثم قال: (أَوْ جِيءْ بِأفْعِل قَبْلَ مَجْرُورٍ بِبَا) المجرور بالباء هو الفاعل وهو المتعجَّب منه. إذن: كمَّل أفعِل وأتى بمجروره الذي هو الفاعل في الحقيقة. ثم قال: وَتِلْوَ أَفْعَلَ انْصِبَنَّهُ: رجع للأول ليبين المتعجَّب منه.

стр. 1609

وَتِلْوَ: أي انصب تلو. أَفْعَلَ: السابق الذي قال فيه: (بِأَفْعَلَ انْطِقْ بَعْدَ مَاتَعَجُّبَاً). تِلْوَ أَفْعَلَ: إذا قلت: ما أفعَل الذي يتلوه وهو متعجَّب منه انْصِبَنَّهُ حتماً، مفعولاً به على مذهب البصريين ومشبهاً بالمفعول به على مذهب الكوفيين. وَتِلْوَ: يعني تابع، وهذا منصوب على الاشتغال. تِلْوَ أَفْعَلَ: الذي بعده. انْصِبَنَّهُ: اشتغل بضمير يعود على الاسم المتقدم لو أسقطناه لعمل فيه النصب. إذن: (وَتِلْوَ) نقول: منصوب على الاشتغال، فالعامل فيه فعل مضمر وجوباً يفسره المذكور. وَتِلْوَ أَفْعَلَ: أي تأتي بعد ما أفعَل باسم منصوب فتقول: (ما أحسنَ زيداً) وبذلك كمُل الكلام المستفاد منه إنشاء التعجب، لأنه لا يكمل إلا بذكر المنصوب. ثم مثل بمثالين للصيغتين فقال –كقولك-: مَا أَوْفَى خَلِيلَيْنَا). مَا أَوْفَى: (ما) هذه تعجب، وهي مبتدأ، وسيأتي معناها. و (أَوْفَى) الهمز هذه للنقل. و (أَوْفَى): فعل ماضي، وفاعله ضمير مستتر يعود على (مَا) وهو دليل الاسمية. خَلِيلَيْنَا: هذا مفعول به على مذهب البصريين، وإذا أعربنا (أَوْفَى) أنه فعل ماضي تعين أن يكون (خَلِيلَيْنَا) مفعولاً به، وسيأتي مزيد بحث. خَلِيلَيْنَا: نقول: هذا منصوب على المفعولية. و (أَوْفَى) فيه ضمير مستتر وجوباً يعود على (مَا). وَأَصْدِقْ بِهِمَا: (أَصْدِقْ) هذا لفظه أمر ومعناه الخبر، والهمزة هذه للصيرورة. وَأَصْدِقْ بِهِمَا: الباء هذا حرف جر زائد واجب الزيادة، والهاء: ضمير مجرور بالباء، لكنه مجرور لفظاً؛ لأن حرف الجر الزائد لا يغير الحقائق، فإذا دخل على المفعول فقبل دخوله وبعده هو مفعول، وإذا دخل على الفاعل فقبل دخوله وبعد دخوله هو فاعل .. وهلم جرا. إذن: الحقيقة هي الحقيقة، وإنما الإعراب تغير باعتبار دخوله؛ لأنه أثَّر معنىً، وهذا المعنى المراد به التأكيد، وهنا المراد به إصلاح اللفظ فحسب، ليس المراد به التأكيد، وإنما المراد به: تحسين اللفظ. إذن: (وَأَصْدِقْ) نقول: هذا على زنة أفْعِلْ مثال للصيغة الثانية. أَصْدِقْ: لفظه أمر ومعناه الخبر. بِهِمَا: الباء زائدة في الفاعل، والهاء نقول: هذا فاعل في محل جر. و (مَا) هذه للتثنية. إذن: ذكر في هذين البيتين الصيغتين المشهورتين اللتين اصطلح عليهما النحاة في هذا الباب، وهو ما أفعَل زيداً، ما أحسَن زيداً وأحسِن بزيد. إذا أردت التعجب فإما أن تأتي به على الصيغة الأولى فتقول: (ما أحسنَ زيداً، ما أعلمَ عمْراً، ما أكرمَ خالداً) وتقول: (أكرِم بخالد، وأعلِم بمحمد، وأحسِن بزيد) إذن: هما صيغتان، ولذلك قال الشارح: للتعجب صيغتان؛ إحداهما: ما أفعله، والثانية: أفعِل به، وإليهما أشار المصنف بالبيت الأول، أي: انطق بأفعَل بعد (ما) للتعجب، نحو: (ما أحسنَ زيداً وما أوفى خليلينا). أَوْ جِئْ بأَفْعِلْ قَبْلَ مَجْرُورٍ بِبَا: نحو: (أحسِن بالزيدين وأصدِق بهما) ليعود الضمير على مثنىً.

стр. 1610

إذن: (بِأَفْعَلَ انْطِقْ بَعْدَ مَا تَعَجُّبَا) الصيغة الأولى: ما أفعله، والصيغة الثانية: أفعِل به. ننظر في مفردات (ما أفعله) نقول: (ما) هذه تعجبية، وهي اسم بالإجماع، لا خلاف بين النحاة أنها اسم. (ما أحسنَ زيداً)، (ما) اسم بالإجماع. والدليل على ذلك: أن في (أحسَن) وهو فعل ماض ضمير يعود على (ما) التعجبية، ومعلوم أن الضمائر لا تعود إلا على الأسماء، فدل على اسميتها. إذن: (ما) اسم بإجماع؛ لأن في أفعَل ضميراً يعود عليها، والضمير لا يعود إلا على الأسماء، هذا إجماع أول أنها اسم. ثم إجماع ثانٍ: وهو أنها مبتدأ، يعني: إعرابها مبتدأ لا تخرج عن الابتداء. وأجمعوا على أنها مبتدأ؛ لأنها مجردة بالإسناد إليها، وهو واجب التقديم، إذا كان مبتدأً، المبتدأ قد يجوز تقدمه وتأخره، (ما) التعجبية إذا أعربناها مبتدأ -وهو كذلك-؛ حينئذٍ لا يجوز تأخيرها، لا يقال: (أحسنَ زيداً ما) من باب تقديم الخبر على المبتدأ، لا، لا يجوز، وهو واجب التقديم؛ لأنها في كلام جرى مجرى المثل فلزم طريقة واحدة. إذن: هذان إجماعان. الإجماع الأول: أنها اسم، والدليل؟ عود الضمير من أحسنَ وهو الفاعل عليها. الإجماع الثاني: أنها مبتدأ فلا تخرج عنه. والإجماع هنا قيل: فيه نظر، لماذا؟ لأن الكسائي خالف، قال: لا محل لها من الإعراب. قالوا: قول الكسائي شاذ، يعني لا يلتفت إليه، بمعنى: أنه لا يعد ناقضاً للإجماع فهي مبتدأ، فقوله: (لا موضع لها من الإعراب) نقول: هذا قول شاذ. إذن: اتفقوا على اسميتها وعلى أنها مبتدأ. ثم اختلفوا في المعنى، إذن: من حيث الإعراب ومن حيث الاسمية مجمع عليهما، وأما من حيث المعنى نقول: اختلفوا، وقع نزاع. فقال سيبويه: هي نكرة تامة، بمعنى شيء، نكرة تامة، لماذا نكرة تامة؟ لأن النكرة نوعان: نكرة تامة ونكرة ناقصة. متى نقول: هذه تامة ومتى نقول: هذه ناقصة؟ إذا افتقرت إلى ما بعدها في تتميم معناها فهي ناقصة، وإذا لم يكن ما بعدها -الجملة التي تليها أو المفرد- .. إذا لم يكن متمماً لها فحينئذٍ نقول: هذه تامة، فهي مستغنية بنفسها، ولذلك أعربناها مبتدأ، وإذا كان كذلك فالخبر بعدها الجملة: أحسن زيداً، (ما أحسنَ زيداً) فلو كانت ناقصة للزم منه أن تكون جملة (أحسنَ زيداً) صفة لـ (ما)، أين الخبر؟ محذوف. ما دليله؟ لا دليل عليه. إذن: أحوجنا إلى حذف الخبر حيث لا دليل على حذفه، وهذا لا يجوز. وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ إذن: إذا كان الخبر لا يعلم بعد حذفه نقول: لا يجوز حذفه، ولذلك قال سيبويه: أنها نكرة تامة. لماذا لم يقل معرفة؟ عرفنا لماذا تامة، لماذا لم يقل معرفة؟ قالوا: لأن التعجب إنما يكون في ما خفي سببه فيناسبه التنكير، هذا الغالب في حق البشر لا نعمم، نقول: في حق البشر الغالب أن التعجب يكون في ما خفي سببه، وهذا يناسبه التنكير؛ لأنك أنت تجهل، وحينئذٍ إذا جهلت فالأصل أن تعبر عنه بشيء نكرة لا بشيء معرفة. إذن: فقال سيبويه: هي نكرة تامة بمعنى شيء، أي: غير موصوفة بالجملة، هذا المراد بالتمام.

стр. 1611

غير موصوفة بالجملة بعدها، طيب. كيف ابتدئ بها وهي نكرة تامة؟ لتضمنها معنى التعجب، وهذا عده ابن عقيل في المسوغات إذا كان فيها معنى التعجب وذكر (ما) التعجبية. لما فيها من معنى التعجب ابتدئ بها، وإلا الأصل لا. وابتدئ بها لتضمنها معنى التعجب المناسب له قصد الإبهام، والمراد إذا قيل: بأن فيها معنى التعجب هل التعجب حاصل بلفظ (ما) أو بالتركيب كله؟ بالتركيب كله، فكيف نقول: فيها معنى التعجب ونحن نقول: التعجب حاصل بصيغة: (ما أفعل زيداً) نقول: لها مدخلية، لها دخل في إفادة التعجب؛ لأن التعجب جزء ومركب، فـ (ما) التعجبية فيها معنى التعجب، أفادت مع التركيب وبعد التركيب التعجب، حينئذٍ لا ينافي .. لا تعارض بين أن نقول: صيغة التعجب: (ما أحسن زيداً) كلها، التركيب كله من المبتدأ والخبر أفاد التعجب إنشاء التعجب، كيف نقول: (ما) لوحدها فيها معنى التعجب والتعجب إنما يكون ثمرة للتركيب؟ نقول: لها مدخلية، يعني: لها شأن في إفادة التعجب، حينئذٍ لا تعارض، نجمع بين هذا وذاك. والمراد: أن لها دخلاً في إفادته، فلا ينافي أن الموضوع للتعجب الجملة بتمامها، فهي مبتدأ وما بعدها خبر فموضعه رفع. إذن: على مذهب سيبويه (ما) نقول: تعجبية، هي اسم مبتدأ معناها: نكرة تامة شيء، وما بعدها الجملة: (أحسنَ زيداً) تعربه على جهة التفصيل فتقول: في محل رفع خبر المبتدأ. إذن: ليس عندنا تقدير، ليس عندنا محذوف. هذا قول وهو الصحيح، مذهب سيبويه في (ما) التعجبية هو الأصح، والمذهب الثاني مذهب الأخفش: أنها معرفة ناقصة، لماذا ناقصة؟ قال: لاحتياجها في إفهام المراد إلى الصلة؛ لأنها بمعنى (الذي) ومعلوم أن اسم الموصول مفتقر إلى ما بعده في إتمام معناه، فهي معرفة ناقصة بمعنى الذي، وما بعدها صلة فلا موضع لها. إذن: إذا اتفقنا على أنها مبتدأ (ما أحسن زيداً) .. الذي أحسن زيداً، إذن: (أحسنَ زيداً) لا موضع لها من إعراب صلة الموصول. أين الخبر؟ محذوف. ما الذي دل عليه؟ لا دليل، ليس فيه دليل، وهذا الذي يرِد على قول الأخفش وغيره. كل من أوجب حذف الخبر نقول: حذفه بلا دليل فلا يجوز، فالقول ضعيف. يعني: يرد على تضعيف هذا القول بكون الخبر محذوفاً، وأين الدليل؟ أين القرينة؟ لا قرينة ولا دليل، حينئذٍ نقول: لا يجوز حذف الخبر، وأنتم جوزتم حذف الخبر. فتقديره عليه: أي الذي حسَّن زيداً شيء عظيم، ولا حاجة لقولهم (شيء) لكن من باب الإتمام. (فالذي) هذا مبتدأ. (حسَّن زيداً أو أحسن زيداً) نقول: الجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، وأين الخبر؟ محذوف. تقديره: شيء عظيم. هذا على مذهب الأخفش: أنها موصولة والجملة التي بعدها صلتها، والخبر محذوف وجوباً، وفيه: أنه حذفٌ دون دليل، والتقدير: (الذي أحسن زيداً شيء عظيم) ليس ذكر (شيء) ضرورياً.

стр. 1612

المذهب الثاني وهو مذهب الفراء وابن درستويه: أن (ما) تعجبية استفهامية في الأصل، هي استفهامية مبتدأ، وهي مشوبة بتعجب، يعني: اختُلط معناها أو خُلط معناها بمعنى التعجب، مثل ما قاله سيبويه، سيبويه قال: نكرة تامة فيها معنى التعجب، مذهب الفراء أنها استفهامية في الأصل ولكنها مشوبة بمعنى التعجب. وقيل: استفهامية في الأصل ثم نقلت إلى إنشاء التعجب. وهذا القول نسبه في التسهيل إلى الكوفيين، قال في التصريح: هو مناسب لقولهم باسمية أفعَل بفتح العين كما سيأتي، يعني: الذي يناسب الكوفيين أفعَل عندهم أحسن اسم كما سيأتي، حينئذٍ الذي يناسبه .. يناسب هذا القول هو قول الفراء بأنها استفهامية. هو مناسب لقولهم باسمية أفعَل بفتح العين؛ فإن الاستفهام المشوب بالتعجب لا يليه إلا الأسماء، نحو: (مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ) هذا القول الثالث. والجملة بعدها خبر عنها، والتقدير: (أي شيء أحسنَ زيداً؟) على قول الفراء أن (ما) استفهامية مشوبة بالتعجب صارت مبتدأ، قلنا: متفق على أنها مبتدأ، أين الخبر؟ الجملة بعدها، وهذا القول أقرب من مذهب الأخفش؛ لأن الخبر يكون موجوداً في الكلام. (ما أحسن زيداً، أيُّ شيء أحسنَ زيداً؟) أين التعجب هنا؟ هذا صار استفهاماً. (أيُّ شيء أحسنَ زيداً) هذا فيه ضعف. المذهب الرابع: أنها نكرة موصوفة. هذا مقابل لمذهب سيبويه، سيبويه أنها نكرة تامة يعني: لا تفتقر إلى الجملة بعدها، فهي مبتدأ والجملة بعدها خبر. هنا نكرة ناقصة، وإذا كانت ناقصة حينئذٍ ما بعدها الجملة تكون صفة لها، وهي مبتدأ، أين الخبر؟ محذوف، وإذا قيل: (الخبر محذوف هنا) اعلم أن القول ضعيف؛ لأنه ليس له دليل يدل عليه. إذن: المذهب الرابع أنها نكرة موصوفة، والجملة التي بعدها صفة لها، والخبر محذوف وجوباً، والتقدير: (شيء أحسنَ زيداً عظيم)، والصواب هو مذهب سيبويه أن (ما) نكرة تامة والجملة التي بعدها خبر عنها، والتقدير: (شيء أحسن زيداً) أي: جعله حسناً. إذن: (مَا) فيها أربعة مذاهب: أنها نكرة تامة، أنها معرفة ناقصة بمعنى (الذي)، أنها استفهامية مشوبة بالتعجب، أنها نكرة موصوفة، والصحيح هو الأول. وأما الفعل .. أفعَل الذي بعدها (بِأفْعَلَ انْطِقْ) هذا فيه مذهبان، قيل: فعل، وقيل: اسم. واختلفوا في (أفْعَلَ)؛ فقال البصريون والكسائي: فعل، إذا قيل: فعل؛ لا بد من دليل، ما الدليل؟ قالوا: وجوب اتصال نون الوقاية به عند اتصال ياء المتكلم به، فتقول: (ما أفقرني إلى عفو الله)، مر معنا عند قوله: وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ التُزِمْ. قال ابن عقيل هناك: واستُدِل بها على فعلية (ما أفعَل)؛ لأن نون الوقاية لا تتصل إلا بالفعل، هذا أصالة، حينئذٍ إذا اتصلت بالكلمة دل على أنها فعل، والمراد بالاتصال اللزوم الذي لا ينفك عنه بحال من الأحوال، فلا يصح أن يقال: (ما أفقرِي) وإنما يقال: (ما أفقرني إلى عفو الله)، وحينئذٍ نقول: دل اتصال نون الوقاية بأفعَل على أنه فعل؛ لأن الفعل إذا دخل عليه أو نصب ياء المتكلم حينئذٍ نقول: ياء المتكلم لا يكون ما قبلها إلا مكسوراً، فلا يناسبه أن يكسر الفعل لأجلها فجيء بهذه النون لتقي الفعل عن الكسر.

стр. 1613

وكونها لازماً، يعني: لا تنفك عنه بحال من الأحوال دل على أنه فعل. للزومه نون الوقاية مع ياء المتكلم، وحينئذٍ فتحته فتحة بناء كما في (ضرب)، (ما أحسن) أحسنَ على وزن أفعَل مثل أكرم، أكرم الفتحة هذه فتحة بناء وليست علامة نصب، وكذلك (ضرَبَ) الفتحة هذه فتحة بناء. وقال: وإذا كان كذلك حينئذٍ صار ما بعده مفعولاً به، على مذهب البصريين أن (أحسنَ) فعل، المنصوب بعده يكون مفعولاً به، وفيه ضمير مستتر كما سيأتي. وقال بقية الكوفيين: اسم، يعني: (أحسن) اسم، ما الدليل؟ قالوا: سمع تصغيره، فيقال: (ما أُحَيسنه) وسمع قول القائل: يا مَا أُمَيْلِح غِزْلاَناً شَدَنَّ لَنَا يا مَا أُمَيْلِح، أُمَيْلِحَ، أَمْلحَ هذا صُغِّر، وقيل: أُمَيْلِحَ، وحينئذٍ نقول: تصغيره دل على اسميته، لماذا؟ لأن التصغير من خصائص الأسماء، إذن: هو اسم. ففتحته حينئذٍ فتحة إعراب كالفتحة في: (زيدٌ عندَك) عندَ الفتحة هذه فتحة إعراب. إذن: هو منصوب وليس بمرفوع مع كونه خبراً، فكيف نُصب؟ قال: وعامل النصب هنا عامل معنوي، ما هو العامل المعنوي؟ قالوا: المخالفة. وهنا أتوا بالعجائب الكوفيون. العامل هو المخالفة، ما هي المخالفة؟ قالوا: الأصل في الخبر أن يكون موصوفه المبتدأ، هذا الأصل. (اللَّهُ رَبُّنَا) عين المبتدأ، (محمد نبينا) ﷺ عين المبتدأ، (زيد قائم) وصف للمبتدأ، (زيد قام أبوه) صار الوصف لما بعده. اتفق النحاة على أن الخبر إذا جرى على المبتدأ بأن كان عينه أو وصفاً له أنه مرفوع باتفاق، وأما إذا جرى الخبر على غير ما هو له لم يكن وصفاً للمبتدأ فوقع فيه بعض النزاع. (زيدٌ أكرِم به أباً) زيد: مبتدأ. أكرم به أباً، الإكرام هنا وقع لمن؟ (زيد قام أبوه) أوضح هذا، زيد: مبتدأ، قائم أبوه، قائم: خبر، الخبر محكوم به والمبتدأ محكوم عليه، هل وصفت زيدا بالقيام؟ لا، إنما وصفت أباه، إذن: جرى على غير ما هو له، هذا ما يسمى بالمخالفة عند الكوفيين، صار عاملاً معنوياً فاقتضى النصب، الكلام متهافت. وعامل النصب هنا المخالفة، فمخالفة الخبر للمبتدأ تقتضي عندهم نصبه، فينصب حينئذٍ .. صار منصوباً، لماذا؟ لكونه لم يجر على ما هو له في الأصل؛ لأن الأصل في الخبر أن يكون محكوماً به على المبتدأ، فإذا حكم به لا على المبتدأ خالف، حينئذٍ اقتضى النصب، ما الذي نصبه؟ مثل ما نقول الابتداء والتجرد نقول هنا المخالفة، وهذا شذوذ. و (أحسن) إنما هو في المعنى وصف لزيد لا لضمير (ما)، (ما أحسنَ زيداً) شيء أحسن زيداً، أحسن زيداً، أحسن فعل ماضي، وزيد فيه ضمير وهو الفاعل، وزيداً مفعول به، هنا وصفتَ الحُسنَ للفاعل أو للمفعول؟ من هو الموصوف بالحسن الفاعل الذي يعود على (ما) بمعنى شيء، أو زيداً؟ زيداً المتعجب منه، إذن جرى على غير ما هو له. قال: وأحسن إنما هو في المعنى وصف لزيد لا لضمير (ما) فمخالفة الخبر للمبتدأ كونه ليس وصفاً للمبتدأ في المعنى، وزيد عندهم مشبه بالمفعول به، لوقوعه بعد ما يشبه الفعل في الصورة.

стр. 1614

إذن عند الكوفيين أن أحسن: اسم، الدليل؟ تصغيره، ما أحيسن زيد، ما أحيسنه، يا مَا أُمَيْلِحَ، ثم أورد عليهم بأنه مفتوح والخبر يكون مرفوعاً قالوا: لا. هو منصوب والعامل فيه المخالفة، إلى هنا واضح. لكن نقول: هذا قول ضعيف؛ إذ لو كان خبراً لرفع هذا الأصل في الخبر، الخبر أن يكون مرفوعاً لا يكون منصوباً. والصحيح: هو مذهب البصريين أنه فعل للدليل السابق، وأما تصغيره فهو شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه، وإذا كان شإذن حينئذٍ لا يصلح دليلاً لإثبات الاسمية، وأما التصغير في (ما أحيسنه)، والبيت الذي رووه يَا مَا أُمَيْلِحَ فشاذ، ووجهه أنه أشبه الأسماء عموماً لجموده، سيأتي أنه لا يتصرف فيه. وأنه لا مصدر له، وأشبه أفعل التفضيل خصوصاً بكونه على وزنه، وبدلالته على الزيادة، وبكونهما لا يبنيان إلا مما استكمل الشروط، لهذه الوجوه جيء به مصغراً، وعلى كلٍّ هو شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، فإذا سقط دليلهم وهو بناؤهم على التصغير، حينئذٍ رجعنا إلى الأصل وهو اتصال نون الوقاية به ولزومها فهو دليل على الفعلية. فإذا ثبت أنه فعل فحينئذٍ لا بد للفعل من فاعل، وفاعله ضمير مستتر وجوباً، ما أحسن زيداً، (ما) قلنا مبتدأ وأحسن فعل ماضي على الصحيح، وفاعله ضمير مستتر وجوباً يعود على (ما)، ولا تقل تقديره هو، وزيداً مفعول به، وعلى طريقة الكوفيين: (ما) مبتدأ، وأحسن خبره منصوب بالمخالفة، وزيداً منصوب على التشبيه بالمفعول به. انظر: أحسن هذا خبر، والفتحة هذه؟ قالوا: هو منصوب، لماذا منصوب؟ لأنه خالف، والمخالفة هي عاملة النصب، وزيداً هذا منصوب على المفعولية لكنه مشبه به، أين الفاعل؟ لا فاعل عندهم، ليس فيه ضمير، هذا ظاهر مذهبهم؛ لأن الاسم في مثل هذا لا يتحمل الضمير .. هذا الأصل، وأما على مذهب البصريين فأحسن فعل ماضٍ وفاعله ضمير مستتر عائد على (ما) وهو دليل الاسمية، وهذا الضمير يخالف سائر الضمائر في ثلاثة أمور، لأن الآن خروج عن أصل: الأول: أن الضمير المستتر في الفعل يجوز العطف عليه بعد الفصل بالضمير، سيأتي في عطف النسق، ((اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ)) [البقرة:٣٥] اسْكُنْ ضمير مستتر، فيه فاعل ضمير مستتر، عَطفتَ عليه وَزَوْجُكَ، جاز أو لا؟ جاز بعد الفصل بضمير منفصل، هذا لا يجوز في باب أحسن، لا يجوز أن تعطف عليه ولو فصلته بضمير منفصل؛ لأنه لا يفصل بينهما، ولو كان تأكيداً، وَوَصْلَهُ بِهِ الزَمَا كما سيأتي، هذا الأول. أن الضمير المستتر في الفعل يجوز العطف عليه بعد الفصل بالضمير المرفوع البارز أَوْ فَاصِلٍ مَا كما سيأتي في كلام الناظم، وهنا لا يجوز مطلقاً، إذن فارق هذا الضمير سائر الضمائر المستترة. الثاني: لا يجوز أن يبدل من الضمير المستتر في أحسن مع كونه يجوز في بعض المسائل. ثالثاً: أنه لا يجوز في باب التدريب أن يخبر عن هذا الضمير المستتر في أحسن، لا نقول: تقديره هو بخلاف سائر الضمائر.

стр. 1615

إذن: ما أفعل، ما أحسن زيداً .. قلنا (ما) هذه مبتدأ وهي اسم بالإجماع، واختلفوا في معناها على أربعة مذاهب، والأصح مذهب سيبويه أنها نكرة تامة، وأحسن فيه قولان: فعل ماضٍ، اسم .. والصواب: أنه فعل وفيه ضمير مستتر يعود إلى (ما) وهو دليل اسميتها، وزيداً مفعول به، لا نقول: منصوب على التشبيهه بالمفعول كما هو شأن الكوفيين. وأما الصيغة الثانية وهي: أفعِل به، فهذه أجمعوا على فعلية أفعِل –بالإجماع-؛ لأن صيغة أفعِل لا نظير فيها في الأسماء، وإنما هي مثل أكرِم، أكرم فعل أمر، حينئذٍ له نظير. وأما الصيغة الثاني فأجمعوا على فعلية أفعِل؛ لأن صيغته لا تكون إلا لفعل، ثم اختلفوا، بعد الإجماع الأول. فقال البصريون: وإن كان لفظه لفظ الأمر (أحسِن)، إلا أنه ليس بأمر، وإنما هو فعل ماضٍ جاء على صورة الأمر، قال البصريون: لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر، وكما يأتي العكس ((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ)) [البقرة:٢٢٨] جاء بلفظ الخبر والمراد به الأمر، وهنا جاء بلفظ الأمر والمراد به الخبر .. كل منهما يأتي بمعنى الآخر، ((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ)) [البقرة:٢٢٨] يعني: ليتربصن؛ لأن هنا حكم واجب، حينئذٍ دل بصيغة يَتَرَبَّصْنَ وهي صيغة الخبر على الأمر، إذن كل منهما يأتي في مقام الآخر، وهذا بحث في علم البيان. ومعناه الخبر وهو في الأصل ماضٍ على صيغة أفعَل، يعني كأن الأصل في أفعِل به هو ما أحسَن زيداً. وهو في الأصل ماضٍ على صيغة أفعَل، بمعنى: صار ذا كذا، ولذلك قلنا: أَوْفَى الهمزة هنا للنقل، وَأَصْدِقْ الهمزة للصيرورة. والمراد على صيغة أفعَل، حينئذٍ الهمزة هنا للصيرورة، هي أفعِل بخلاف أفعَل، أَوْفَى .. حينئذٍ تكون للنقل. على صيغة أفعَلَ، بمعنى صار ذا كذا، أغد البعير أي: صار ذا غدة، أورق الشجر أي: صار ذا ورق، أثمر البستان أي: صار ذا ثمر، أزهر البستان أي: صار ذا زهر، أترب زيد أي: صار ذا متربة يعني: حاجة ..
следующие страницы →