Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
وقوله: (مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ) يشمل حذفهما معاً، نحو: ((لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا)) [طه:٧٤] يعني: لا يموت فيها ولا يحيا حياة نافعة، حذف الموصوف وصفته، إذ لا واسطة بين مطلق الحياة والموت، وقوله: (عُقِلْ) مفهومه أنه إذا لم يعقل لا يجوز الحذف، وقوله: (يَجُوزُ حَذْفُهُ) هذا إطلاق ومفهومه مقيد بقوله: (وَفي النَّعْتِ يَقِلّ) يعني: أنه كثير.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1752
عناصر الدرس
* شرح الترجمة. التوكيد. وحده
* أنواع التوكيد. بيان التوكيد المعنوي وبعض أحكامه
* توكيد النكرة عند النحاة
* الفاظ توكيد المثنى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى: التَّوْكِيدُ.
هذا هو ثاني التوابع، بعد أن أنهى ما يتعلق بالنعت ثنى بالتوكيد، وبعض النحاة يعكس ويقدم التوكيد على النعت بناء على أن التوكيد هو عين المتبوع، تقول: جاء زيد نفسه، نفسه هو عين زيد وزيد هو عين نفسه، فهما شيء واحد، وهذا كله في التوكيد سواء كان اللفظي أو المعنوي، فحينئذٍ إذا كان عين المتبوع فهو أولى بالتقديم، وابن مالك هنا قدم النعت على التوكيد، وخالف في بعض كتبه .. عكس، قدم التوكيد على النعت.
قد يقال بأنهم يراعون الترتيب، إذا اجتمعت قلنا يقدم النعت، لكن هذا ليس بظاهر، قد يقال بأنهم لا يراعون ترتيباً معيناً بين النعت والتوكيد، على كل ثنَّى بالتوكيد.
التَّوْكِيدُ: تفعيل، مصدر وكَّد يُؤكِّد توكيداً، فهو في الأصل مصدر ثم نقل سمي بالتابع المخصوص، يعني: نفسه وكلهم أجمعون، هذا تابع مخصوص، سمي توكيداً، نقل من المصدرية إلى التابع المخصوص، سبق أن العلم قد يكون منقولاً من المصدر كفضل، قلنا فضل هذا منقول من المصدر إلى العلمية، ثم جرد عن المعنى، لكن هنا هل جرد عن معناه الأصلي؟ الجواب: لا؛ لأن التوكيد بمعنى التقوية، وهذه ملاحظة في المؤكدات بنوعيها، سواء كانت مؤكدات لفظية أو معنوية.
إذاً نقل وجعل علماً على التابع المخصوص مع ملاحظة المعنى اللغوي له، يعني لم يسلب الدلالة على معنى، فضل إذا سميت فضل، قلنا فضل يدل على الزيادة، طيب. إذا سميت رجلاً فضل، حينئذٍ نزعته من معناه، لا يدل على معناه، صالحاً، لو سميت صالح، قد لا يكون صالحاً؛ لأنه فاسداً، ولكن حينئذٍ نقول: لما نقل من الوصفية إلى العلمية جرد عن معناه الأصلي، سلب صار جامداً، فحينئذٍ صالح وفضل مثل رجل، رجل لا يدل على ذات ولا يدل على وصف، وصفٍ باعتبار اصطلاح النحاة، حينئذٍ توكيد نقل، هو في الأصل مصدر يدل على التقوية، نقل فجعل علماً على التابع المخصوص نفسه، وكلهم .. إلى آخره، هل سلب معناه اللغوي؟ نقول: لا، لم يسلب، بل روعي فيه المعنى الأصلي، إذاً هو مصدر ثم سمي به التابع المخصوص، هكذا يقول النحاة، لكن لا يفهم منه أنه سلب عنه معناه الأصلي اللغوي وهو التقوية، بل المراد به التقوية.
ويقال فيه أيضاً التأكيد، يعني بالهمزة، وبإبدالها ألفاً على القياس، في نحو: فأس، ورأس .. فأس فاس، رأس راس .. هذه صحيحة، قلبت الهمزة ألفاً، حينئذٍ نقول: التأكيد تاكيد ..
إذاً كم لغة؟ ثلاث لغات: توكيد، وتأكيد، وتاكيد، وأفصحها التوكيد لورودها في القرآن ((بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)) [النحل:٩١] فدل على أنها هي الأفصح، ويقال أيضاً: التأكيد بالهمز، تأكيد: تفعيل، وبإبدالها ألفاً على القياس في نحو فأس، ورأس، يقال: أكد تأكيداً، ووكد توكيداً، وأيهما أصل؟ هو بالواو أكثر، وهي الأصل والهمزة بدل، إذاً وكَّد أصل أكَّد، يقال فيه فعلان، وكَّد توكِيداً، وأكَّد توكيداً، والواو أصل والهمزة بدل عنها.
стр. 1753
إذاً التوكيد نقول: هذا تفعيل من فعَّل يُفعِّل تفعيلاً، وكَّد يوكِّد توكيداً، وهو مصدر في الأصل نقل وجعل علماً على التابع المخصوص ومعناه اللغوي وهو التقوية مراد كذلك. التَّوْكِيدُ لم يعرفه النحاة، لم يشتغلوا بتعريفه كعطف البيان، والنعت، لماذا؟ لأنه ألفاظ محصورة، هو نوعان: توكيد لفظي وهذا يكون بإعادة اللفظ لا يحتاج إلى تعريف، أعد اللفظ مرة أخرى صار توكيداً لفظياً، لا نحتاج أن نتعب أنفسنا ونأتي بتعريفه، إعادة اللفظ الأول بعينه أو بمرادفه: قام قام زيد، لا لا لا. نقول: هذا كله توكيد: نعم نعم، بلى بلى، هذا توكيد لفظي، إذاً لا نحتاج إلى تعريفه، والمعنوي نفسه وعينه وكلهم وأجمعون .. سبعة ألفاظ محصورة، وما كان معدوداً بالعد سبعة ألفاظ لا يحتاج إلى حد، ولذلك نقول: التوكيد نوعان: توكيد معنوي، وتوكيد لفظي، وقدم الناظم هنا التوكيد المعنوي على التوكيد اللفظي، والمراد بالتوكيد المعنوي أن ثم ألفاظاً معدودة بالسبعة سيأتي ذكرها في النظم واحداً واحداً، وهذه يؤكد بها ويُقَوَّى المتبوع ولا يستعمل غيرها في موضعها، فهي توقيفية، يعني: لا يقال هذا اللفظ يستعمل توكيداً، نقول: لا. هذا ليس من عندك، الأمر موقوف على السماع، فهي سبعة ألفاظ المشهور منها، وزاد بعضهم ثلاثتهم وغيرها، لكن نقول: هذا كله استعماله في التوكيد نادراً، ثم هو مختلف فيه وأما الذي ذكره الناظم فكله متفق عليه، والشروط المذكورة كلها في الجملة متفق عليها، فباب النعت وباب التوكيد الإجماع فيه كثير.
فبدأ بالتوكيد المعنوي فقال:
بِالنَّفْسِ أَوْ بِالعَيْنِ الاِسْمُ أُكِّدَا ... مَعَ ضَمِيرٍ طَابَقَ الْمُؤَكَّدَا
وَاجْمَعْهُمَا بِأَفْعُلٍ إِنْ تَبِعَا ... مَا لَيْسَ وَاحِداً تَكُنْ مُتَّبِعَا
النفس والعين، هذان لفظان يؤكد بهما الاسم، فيقال: جاء زيد نفسه، وجاء عمرو عينه، ويجمع بينهما كما سيأتي.
(بِالنَّفْسِ أَوْ بِالعَيْنِ الاِسْمُ أُكِّدَا)، بِالنَّفْسِ جار ومجرور متعلق بقوله: أُكِّدَا، وبِالعَيْنِ معطوف عليه كذلك.
(أَوْ) مانعة خلو، يعني لا يلزم منهما الجمع.
(الاِسْمُ) هذا مبتدأ، وأُكِّدَا الألف للإطلاق، أُكِّدَا فعل ماضي مغير الصيغة، ونائب الفاعل يعود على الاسم، وهو الرابط بين الجملة الخبرية وبين المبتدأ، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. الاسم أكدا بالنفس أو بالعين، وهل تقديم بالنفس أو بالعين وهو متعلق بأكدا يفيد الحصر؟ الجواب: لا. وإنما ذكر أو قدم إما من أجل النظم وإما من أجل الاهتمام بهذين اللفظين؛ إذ لهما شروط ولهما استعمال قد لا يكون في غيره، وهما أشهر استعمالاً من غيرهما، فحينئذٍ نقول: تقديم ما حقه التأخير لا يفيد الاختصاص ولا القصر؛ لأنه سيذكر أن ثم ما يؤكد به غير النفس والعين، النفس في الأصل المراد بها الذات، هذا الأصل في استعمالها ((تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ)) [المائدة:١١٦] جاء زيد نفسه أي: ذاته، نفسه استعمال حقيقي في إرادة الذات جاء زيد نفسه، نفسه يعني: ذاته، فرفع احتمال المجاز.
стр. 1754
أما عينه فالأصل في إطلاق العين: العين الباصرة، إذاً جزء من الذات، فأُطلق مراداً بها الكل، حينئذٍ يكون استعمالها في الأصل استعمالاً مجازياً؛ لأنها العين هي العين هذه الباصرة وهي جزء من الذات بخلاف النفس، النفس الشخص كله جسده وروحه يطلق عليه أنه نفس، جاء زيد نفسه ذاته، وأما جاء زيد عينه، عينه: الأصل العين هذه الباصرة، فنقول: أطلق الجزء مراداً به الكل، وهذه سبب الانتقال أو النقل من عين وهي جزء مراداً به الكل هو علة عدم جواز تقديم العين على النفس إذا اجتمعا؛ لأنه يؤكد بالنفس فقط، وبالعين فقط، وبهما معاً، فتقول: جاء زيد نفسه، وتقول في تركيب آخر: جاء زيد عينه، ويجوز أن تجمع بينهما فتقول: جاء زيد نفسه عينه، ولا يصح لك أن تقول: جاء زيد عينه نفسه، بتقديم العين؛ للعلة المذكورة؛ لأن نفسه دال على الذات فهو أوجب وآكد بالتقديم من عين، وأما عين فالأصل فيها أنها مجاز.
بِالنَّفْسِ أَوْ بِالعَيْنِ الاِسْمُ أُكِّدَا ... مَعَ ضَمِيرٍ طَابَقَ الْمُؤَكَّدَا
ما المراد بتأكيد أو الفائدة من تأكيد النفس والعين؟
قالوا: لرفع احتمال المجاز، هذا المشهور عند النحاة، وهو ما عبر عنه ابن عقيل هنا ما يرفع توهم مضاف إلى المؤكَّد، وهو زيد، إذا قيل: جاء زيد أو جاء الأمير هنا أسند المجيء إلى الأمير، قالوا: هذا يحتمل، سبق في باب المضاف أنه يجوز حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ حينئذٍ تقول: جاء الأمير، الأمير فاعل، هنا احتمالات:
يحتمل أن المتكلم أخطأ في الإسناد، أراد أن يقول: جاء زيد فقال: جاء الأمير.
ثانياً: يحتمل أنه على حذف مضاف، جاء الأمير أي: رسول الأمير.
ويحتمل أنه على حذف مضاف من جهة أخرى وهو جاء الأمير .. جاء خبر الأمير.
стр. 1755
إذاً صار التركيب محتملاً، إما الأمير نفسه، وإما الأمير لا بنفسه وإنما بغيره، إما برسوله وإما بخبره، وإما أن يكون التركيب من أصله سهو وغلط أخطأ، فأراد أن يقول: جاء زيد فقال: جاء الأمير، إذاً: صار محتملاً، إذا جئت بـ: جاء الأمير نفسه رفعت الاحتمال، لا نقول: رفعته بالكلية وإنما أضعفت بعض الاحتمالات الواردة الثلاث، وأهمها أولاً: رفع نسبة الخطأ والسهو والغلط في الكلام، وأما الباقي فهو محتمل بقاؤه، أن تقول: جاء الأمير نفسه، أكدت. هل الاحتمالات الثلاثة السابقة كلها ارتفعت؟ قال به بعض النحاة: كل احتمال متعلق بالفاعل الأمير قد ارتفع بقولنا: نفسه، وهذا فيه نظر، لماذا؟ لأنه بالإجماع يجوز أن يؤكد الأمير في هذا التركيب بنفسه عينه، فالأول جيء به للتقوية .. التوكيد ورفع الاحتمال، والثاني وظيفته كوظيفة الأول لرفع الاحتمال، فلو كان الأول نفسه رفع كل الاحتمالات، الثاني ما موقعه في المعنى؟ أكد ماذا؟ هل أكد المؤكِّد؟ لا، لم يؤكد نفسه، عينه هل هو توكيد لنفسه أو توكيد للأمير؟ توكيد للأمير، ونحن نقرر أن عينه يجاء به من أجل رفع الاحتمال، إذا كان نفسه رفع جميع الاحتمالات ماذا رفع عينه؟ هذا يجعلنا نقول: بأن المؤكِّد الأول رفع بعض الاحتمالات، وجاء المؤكِّد الثاني فأكَّد .. قوى بأن لم يبق احتمال لا إسناد من جهة الغلط ولا رسول الأمير، ولا خبر الأمير، فتعين ١٠٠% أن يكون الذي جاء هو الأمير عينه، وأما الأول فبقي الإشكال، إلا أن: جاء الأمير نفسه، جاء الأمير نفسه عينه، أي هذه التراكيب أقوى؟ ما جمعنا بين النفس والعين، جاء الأمير نفسه عينه هو الأمير بذاته، بجسده وروحه، هو الذي جاء، وأما جاء الأمير نفسه، إذاً التركيب صحيح جاء الأمير قطعاً ليس غلطاً ولا سهواً، وإنما محتمل: جاء الأمير خبره، جاء الأمير رسوله .. يحتمل هذا، ما زال الاحتمال باقياً.
جاء الأمير هذا محتمل.
(بِالنَّفْسِ أَوْ بِالعَيْنِ الاِسْمُ أُكِّدَا) إذاً نقول: يؤتى بالنفس والعين للتوكيد ويدلان على إثبات الحقيقة، ورفع المجاز عن الذات، قد يقول قائل: أنا ما أقول بالمجاز فكيف نقول: النفس والعين رافع للمجاز؟ نقول: لا. قل احتمال حذف مضاف، إذا كنت ما ترى مجاز قل: يحتمل التركيب جاء الأمير، جاء رسول الأمير، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه موجود في لسان العرب سواء سميته مجازاً أو حقيقة لا إشكال، لكنه موجود.
إذاً: إذا لم تقل مجاز حينئذٍ كيف تقول هذا لرفع المجاز؟ لا تنكر وجود النفس والعين، وإنما قل: النفس والعين يرفعان احتمال حذف مضاف في التركيب والحمد لله سلمنا من أن نقول مجاز؛ لأن البعض إذا قيل: مجاز، ما أدري كأنه يرتعش هكذا، نقول: هذه المسألة ميسرة سهلة، ولذلك ينتقد يعني بشدة في مسألة المجاز هذه.
(بِالنَّفْسِ أَوْ بِالعَيْنِ الاِسْمُ أُكِّدَا) إذاً ما يرفع توهم مضاف إلى المؤكَّد يدل على إثبات الحقيقة، ورفع المجاز عن الذات.
стр. 1756
(مَعَ ضَمِيرٍ طَابَقَ الْمُؤَكَّدَا) يعني: من شرط صحة التأكيد بالنفس والعين أن يتلبس هذان اللفظان بضمير، ومن شرط هذا الضمير شرط في الشرط أن يكون مطابقاً للمؤكد؛ لأن النفس والعين يؤكد بهما المفرد، ويؤكد بهما المثنى، ويؤكد بهما الجمع .. إذاً ليست من خصائص المفرد، ولذلك نقول في قوله: (بِالنَّفْسِ أَوْ بِالعَيْنِ الاِسْمُ أُكِّدَا) ليس المراد عين اللفظ، بل المراد المادة، لماذا؟ لأنه سيقول: (وَاجْمَعْهُمَا بِأَفْعُلٍ) فدل على أن قوله: الاسم أكدا بالنفس أي: بمادة النفس، أو بالعين: أي بمادة العين. لماذا؟
ليشمل المفرد والمثنى والجمع، لو قلت المراد به عين اللفظ حينئذٍ أخرجت المثنى والجمع، فيكون مفهومه بالنفس مفرداً لا بغيره، وهذا المفهوم مطروح مرفوض، بدليل قوله: (وَاجْمَعْهُمَا بِأَفْعُلٍ).
إذاً: (بِالنَّفْسِ أَوْ بِالعَيْنِ) أي: بهاتين المادتين، هكذا قال الصبان، بقطع النظر عن إفرادهما وغيره.
مادة النفس ومادة العين. وليس المراد بالنفس والعين مفردين حتى يفيد أن النفس والعين يبقيان على إفرادهما وإن أكِّد بهما المثنى أو المجموع، مع أنه ليس كذلك، قد يقال بأن هذا المفهوم نعم، لكن ليس كل مفهوم يكون معتبراً؛ لأنه قال: بالنفس أو بالعين، إذاً لا بمثنى النفس والعين ولا بجمع النفس والعين الاسم أكدا، إذاً لا يؤكد الاسم إلا بلفظ النفس وهو مفرد ولفظ العين وهو مفرد وليس الأمر كذلك، وهذا مفهوم ومطروح.
(مَعَ ضَمِيرٍ طَابَقَ الْمُؤَكَّدَا) يعني يشترط أن يتصل النفس والعين بضمير، ثم هذا الضمير يطابق المؤكدا إفراداً إفراداً، تثنية تثنية، جمعاً جمعاً، فتقول: جاء زيد نفسه عينه، وجاءت هند نفسها عينها تأنيث مفرد، وجاء الزيدان أنفسهما أعينهما، وجاء الزيدون أنفسهم أعينهم، انظر أضيف إلى ضمير عائد على الزيدون، جاء الزيدون أنفسهم هم جمع، جاء الزيدان أنفسهما مثنى، جاءت الهندان أنفسهما، جاءت الهندات أنفسهن، جاءت هند نفسها عينها.
إذاً: لا بد أن يكون مشتملاً على ضمير ثم هذا الضمير يشترط فيه أن يكون مطابقاً للمؤكَّد، إن كان مفرد فمفرد، وإن كان مثنى فمثنى، وإن كان جمعاً فجمعاً.
نأخذ من هذا فائدة: وهي أن لفظ النفس والعين معرفتان مطلقاً؛ لأنه يشترط فيهما أن يضافا إلى الضمير، نفس نكرة، عين نكرة، أضيف إلى الضمير نفسه صار معرفة.
إذاً في التوكيد المعنوي الأصل عند جمهور النحاة لا يؤكَّد به إلا المعرفة؛ لأنها معارف في أنفسها، فحينئذٍ إذا كانت معرفة يشترط التطابق عند بعضهم وعند الجمهور، وسيأتي أن فيه تفصيلاً.
(مَعَ ضَمِيرٍ طَابَقَ الْمُؤَكَّدَا) مَعَ بالنصب، هذا متعلق بمحذوف، حال من النفس وما عطف عليه، (بِالنَّفْسِ أَوْ بِالعَيْنِ الاِسْمُ أُكِّدَا) كأنه قال: الاسم أكد بالنفس والعين حال كونهما مع ضمير، طَابَقَ هذا فعل والفاعل ضمير مستتر يعود على الضمير، أي ضمير مطابق، الْمُؤَكَّدَا مؤكِّد ومؤكَّد، المؤكَّد هو المتبوع، والمؤكِّد هو نفسه اللفظ .. نفسه وعينه مؤكداً، الْمُؤَكَّدَا الألف هذه للإطلاق يعني: في الإفراد والتذكير وفروعه.
وَاجْمَعْهُمَا بِأَفْعُلٍ إِنْ تَبِعَا ... مَا لَيْسَ وَاحِداً تَكُنْ مُتَّبِعَا
стр. 1757
(وَاجْمَعْهُمَا) الضمير يعود على النفس والعين، وَاجْمَعْهُمَا النفس والعين.
(بِأَفْعُلٍ): يعني جمعاً ملابساً لأفعل، أو على وزن أفعُلٍ، أفعُل من جموع القلة كما سيأتي كما تقول: أفلس، فتقول: أنفس وأعين.
(وَاجْمَعْهُمَا) الأمر يقتضي الوجوب، هل هو مستعمل مطلقاً في وجوبه أم على الجواز؟ أما باعتبار الجمع فهو واجب، إذا كان المتبوع المؤكد جمعاً فيجب الجمع لا بد منه، فحينئذٍ تقول: جاء الزيدون أنفسهم، لا بد من التطابق، وأما إذا كان مثنى فهذا ليس بواجب، كما سيأتي.
إذاً قوله: (وَاجْمَعْهُمَا) الأمر مستعمل في الوجوب بالنسبة إلى الجمع، وفي الأولوية بالنسبة إلى المثنى.
(بِأَفْعُلٍ) يعني على وزن أفعُل، أو جمعاً ملابساً لأفعل، الباء إما بمعنى على وإما بمعنى الملابسة، هذا أولى كلاهما صحيح.
إما اجمعهما جمعاً ملابساً لأفعل، وإما اجمعهما جمعاً على وزن أفعل، وأفعل كأفلس، جمع قلة.
(إِنْ تَبِعَا) ليس مطلقاً (وَاجْمَعْهُمَا بِأَفْعُلٍ) مطلقاً؟ لا. مقيد ليس على إطلاقه بل هو مقيد.
(إِنْ تَبِعَا) الألف هنا للتثنية، يعني النفس والعين، تبعا (إن) حرف شرط، إذاً صار قيداً، وتبعا هذا فعل ماضي، وألف الاثنين فاعل يعود على النفس والعين.
(مَا لَيْسَ)، (ما) اسم موصول بمعنى الذي مفعول به لتبع.
(مَا لَيْسَ وَاحِداً) ما ليس هو يعود على (ما)، (مَا لَيْسَ وَاحِداً) وَاحِداً هذا خبر ليس، ما هو الذي ليس بواحد؟ وَنَعْتُ غَيْرِ وَاحِدٍ مثله هذا، (مَا لَيْسَ وَاحِداً) الذي هو المثنى والجمع، إذاً متى يجمعان، سواء كان على وجه الوجوب أو الأولوية؟ إذا كان المتبوع الذي هو المؤكَّد مثنى أو جمعاً، مفهومه أن المفرد يجب فيه المطابقة، جاء زيد نفسه، لا يقال: أنفسه، إنما تجب المطابقة إفراداً في اللفظ وفي الضمير، تجب المطابقة النفس والعين مع المفرد في اللفظ، فلا يثنى ولا يجمع، وفي الضمير على ما ذكره سابقاً، وأما في الجمع فتجب المطابقة، والضمير على الأصل، وأما المثنى فلا تجب المطابقة كما سيأتي.
(إِنْ تَبِعَا مَا لَيْسَ وَاحِداً) أما مع المفرد فيجب إفرادها.
(تَكُنْ مُتَّبِعَا)، (تَكُنْ) جواب الطلب، واجمعهما تكن، اجمعهما بأفعل تكن متبعاً، متبعاً للعرب في أفصح كلامهم. واجمعهما تكن هذا مجزوم بجواب الأمر الذي هو اجْمَعْهُمَا.
تَكُنْ أنت، اسم تكن ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، مُتَّبِعَا خبر تكن.
إذاً مراده بهذا البيت أنه إذا أُكد المثنى والجمع لا يؤتى بلفظ النفس والعين مفردين، فلا يقال: جاء الزيدان نفسهما، هذا كلام الناظم .. ظاهره، ولا تقول: جاء الزيدون نفسهم، نفسهم عينهم هذا ليس بصواب عند الناظم، وهذا متفق عليه في الجمع، أما المثنى ففيه.
(وَاجْمَعْهُمَا بِأَفْعُلٍ إِنْ تَبِعَا) تبعا النفس والعين.
(مَا لَيْسَ وَاحِداً) مؤكَّداً ليس واحداً، (ما) هنا تصدق على المؤكَّد.
(لَيْسَ وَاحِداً) ليس "ما" هذا الذي هو المؤكَّد وَاحِداً يعني: ليس مفرداً، مفهومه أنه يجب المطابقة مع المفرد إفراداً في الضمير وفي اللفظ.
стр. 1758
(تَكُنْ مُتَّبِعَا) أفهم كلامه يعني: أشار بكلامه السابق من جهة الفهم، أفهم كلامه منع مجيء النفس والعين مؤكَّداً بهما غير الواحد وهو المثنى والمجموع غير مجموعين على أفعُل، وهو كذلك في المجموع.
وأما المثنى فيجوز فيه أيضاً مع الجمع الإفراد والتثنية، فيه ثلاث لغات، لكن الأفصح هو الجمع، ولذلك قلنا: اجْمَعْهُمَا مستعمل في الوجوب باعتبار الجمع، وفي الأولوية الأفصح الأولى في المثنى، ويجوز التثنية والإفراد، وأما المثنى فيجوز فيه أيضاً مع الجمع الإفراد والتثنية، فيجوز نفساهما.
بل كل مثنى في المعنى مضاف إلى متضمنه يجوز فيه الجمع والإفراد والتثنية، والمختار الجمع، ومنه قوله المشهور عند النحاة: ((فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)) [التحريم:٤] (قُلُوبُكُمَا): قلبا امرأتان فقط، (قُلُوبُكُمَا) جمع القلوب هنا لإضافتهما إلى ضمير تثنية، وهذا الأفصح، إذا أضيف إلى ضمير تثنية فالأفصح الجمع؛ لأنهما مضاف ومضاف إليه، فلو كان مثنى وهذا مثنى أضيف الشيء إلى نفسه، سيأتي.
((فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)) [التحريم:٤]، ويترجح الإفراد على التثنية عند ابن مالك -يمكن في غير هذا الكتاب-، يترجح الإفراد على التثنية عند ابن مالك، يعني يقال: جاء الزيدان الأفصح أنفسهما أعينهما بالجمع على وزن أفعل، هذا الأفصح، ويجوز جاء الزيدان نفسهما عينهما، مفرد مضاف إلى ضمير المثنى، وبعضهم ضعفها جاء الزيدان نفساهما، عيناهما بالتثنية، والإفراد أرجح من التثنية، والأرجح من الاثنين الجمع وهو الأفصح.
ويترجح الإفراد على التثنية عند ابن مالك، وعند غيره بالعكس، وكلاهما مسموع، لكن الأكثر المطرد قياساً الجمع على وزن أفعل.
قلنا: يترجح الإفراد على التثنية، فأما على التثنية –الإفراد- فلأن المتضايفين كالشيء الواحد، فكرهوا الجمع بين تثنيتهما، لماذا رجحنا نفسهما على نفساهما، مع أن الأصل المتبادر إلى الذهن أنه يثنى ليطابق المؤكَّد؟ قال: لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، فإذا قيل: نفسا مثنى، هما مثنى .. وهذا فيه كراهة، أن يضاف الشيء إلى نفسه، كل منهما مثنى. فكرهوا الجمع بين تثنيتهما -المضاف والمضاف إليه هما كالشيء الواحد-، وأما على الإفراد فلأن الاثنين جمع في المعنى. إذاً:
وَاجْمَعْهُمَا بِأَفْعُلٍ إِنْ تَبِعَا ... مَا لَيْسَ وَاحِداً تَكُنْ مُتَّبِعَا
إذا أُكِّد بالنفس والعين الجمعُ وجب الجمع على وزن أفعُل مضافاً إلى ضمير يعود على المؤكَّد وهو جمع، وإذا أُكد به المفرد فهذا مفهوم قوله: مَا لَيْسَ وَاحِداً أنه تجب المطابقة، بقي المثنى، قلنا: (وَاجْمَعْهُمَا بِأَفْعُلٍ إِنْ تَبِعَا مَا لَيْسَ وَاحِداً) دخل فيه المثنى، إذاً الأرجح في المثنى أن يجمع النفس والعين على وزن أفعل مضاف إلى ضمير المثنى، فيقال: جاء الزيدان أنفسهما وجاء الزيدان أعينهما هذا الأفصح، بعده لغة مسموعة كذلك لكنها ليست هي بالأشهر: أن يبقى على إفراده مضافاً إلى ضمير المثنى جاء الزيدان نفسهما، كما هي نفسهما، عينهما.
اللغة الثالثة: جاء الزيدان نفساهما بالتثنية، عيناهما بالتثنية.
стр. 1759
(وَاجْمَعْهُمَا) أي النفس والعين (بِأَفْعُلٍ) يعني على وزن أفعل (إِنْ تَبِعَا) إن تبعا النفس والعين (مَا) مؤكداً (لَيْسَ وَاحِداً) هذا له مفهوم، (تَكُنْ مُتَّبِعَا).
ولذلك يقال: جاء زيد نفسه باعتبار المفرد، وجاء زيد عينه، وجاء زيد نفسه عينه، فتجمع بينهما بلا عطف بخلاف النعوت كما سيأتي، النعت يجوز العطف ويجوز ترك العطف على التفصيل الذي ذكرناه سابقاً، وأما التوكيد فلا يجوز، يجب فيه عدم العطف.
وتقديم النفس على العين لازم إذا جمع بينهما، يجب تقديم النفس على العين، ولا يجوز العكس، هذا المشهور عند النحاة؛ للعلة التي ذكرناها. وقيل: حسن ليس بواجب، لكن التعليل الأول أوفق.
ويجوز جرهما بباء زائدة، يعني يجوز أن تدخل الباء على نفسه وعينه تقول: جاء زيد نفسه، جاء زيد بنفسه، وجاء زيد عينه، وجاء زيد بعينه، وجاءت هند بنفسها -وهذا مستعمل عند الناس- بعينها صحيح هذا.
إذاً موافق للسان العرب، فكيف نعربه؟ جاء زيد نفسه، جاء زيد بنفسه.
الباء حرف جر زائد، ونفسه توكيد للمرفوع وهو مرفوع تقديراً، مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، إذاً جاء زيد بنفسه، الباء حرف جر زائد ونفس هذا مؤكد، لماذا نعربه هكذا؟ لأننا عندنا قاعدة، قبل الولوج في هذه الأبواب قلنا: التابع الاسم المشارك لما قبله في إعرابه، لا بد تستحضر هذا التعريف في جميع الأبواب؛ لأن التابع جنس يدخل تحته النعت والتوكيد، وعطف البيان إلى آخره.
فإذا قلت: جاء زيد بنفسه .. كيف الاسم المشارك لما قبله في إعرابه؟ إذا حكمنا على الباء بأنها زائدة إذاً الإعراب لا بد أن يكون كقوله: ((مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ)) [المائدة:١٩]، و ((هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)) [فاطر:٣] فيبقى على أصله وهو أنه مرفوع ولذلك قلنا: يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ يشمل الإعراب التقديري والإعراب المحلي والإعراب الظاهر، وهذا تجعله مثالاً لما هناك. ومحل المجرور إعراب المتبوع.
قال ابن عقيل هنا: التوكيد قسمان:
أحدهما: التوكيد اللفظي وسيأتي في آخر الباب
والثاني: التوكيد المعنوي وله سبعة ألفاظ معدودة فلا نحتاج إلى حده، وهو على ضربين:
الأول: ما يرفع توهم مضاف إلى المؤكَّد، وهذه هي عين العبارة التي يعبر بها الأكثر من النحاة: ما يرفع توهم مجاز، ما يرفع المجاز عن الذات، أو يدل على إثبات الحقيقية ورفع المجاز عن الذات .. كلها عبارات مؤداها واحد، المراد أن اللفظ السابق يحتمل حذف مضاف سميته مجازاً أو سميته حقيقاً لا إشكال، المراد أنه يرفع احتمال حذف المضاف، ويبقى على حقيقته، جاء زيد نفسه، جاء الأمير نفسه، إذاً لا رسول الأمير، ولا خبر الأمير، ولا احتمال الخطأ في الإسناد وإن كان هذا فيه بعد.
стр. 1760
وهو المراد بهذين البيتين وله لفظان النفس والعين، إذاً لرفع المجاز عن الذات له لفظان فقط النفس والعين، تقول: جاء زيد نفسه، فنفسه توكيد لزيد، وهو يرفع توهم أن يكون التقدير: جاء خبر زيد، أو رسول زيد، أو أخطأ، أراد أن يقول: جاء عمرو فقال: جاء زيد، هذا محتمل، لكن هذا بعيد، أو رسوله وكذلك: جاء زيد عينه. ولا بد من إضافة النفس أو العين لضمير يطابق المؤكَّد نحو: جاء زيد نفسه أو عينه وهند نفسها أو عينها، ثم إن كان المؤكَّد بهما مثنى أو مجموعاً جمعتهما على مثال أفعُل .. جمع قلة، ولا يجوز أن يؤكد بهما مجموعين على نفوس وعيون .. أفعُل، فإذا قيل: جاء الزيدون عيونهم، ما يصح، لماذا لا يصح؟ لم يسمع عيونهم، وجاء الزيدون نفوسهم، نقول: لا يصح.
ولا يجوز أن يؤكد بهما مجموعين على نفوس ولا عيون، لكن النفوس لوحدها لو استعملت دون توكيد جائز، نفوس المؤمنين محرمة صحيح هذا، أرواح المؤمنين .. جائز، ولكن إذا أريد به التأكيد حينئذٍ اختلفا.
فلا يجوز أن يؤكد بهما مجموعين على نفوس وعيون، ولا في العين مجموعاً على أعيان أفعال؛ لأن أفعال هذا من جموع القلة مثل أحمال، أما جمع كثرة فلا، فُعُول نقول: هذا لا يجمع النفس والعين على جمع كثرة، وأما أفعل فهو المسموع، وأما أعيان على وزن أفعال فهذا جوزه البعض، لكن المشتهر عندهم لا.
فتقول: جاء الزيدان أنفسهما أو أعينهما، والهندان أنفسهما أو أعينهما، والزيدون أنفسهم أو أعينهم، والهندات أنفسهن أو أعينهن.
وَكُلاًّ اذْكُرْ فِي الشُّمُولِ وَكِلاَ ... كِلْتَا جَمِيعَاً بِالضَّمِيرِ مُوصَلاَ
هذه أربعة ألفاظ مع الاثنين ستة، بقي واحد وهو عام.
(وَكُلاًّ اذْكُرْ) اذكر كلاً، يعني من المؤكِّدات، (وَكُلاًّ اذْكُرْ) كلاً مفعول به، واذكر فعل أمر، اذكر كلاً فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، أنت اذكر كلاً، في ماذا؟
(فِي الشُّمُولِ) ليس الشمول، وإنما في التوكيد المقصود به تأكيد الشمول، تقوية الشمول، والمراد بالشمول هنا العموم والإحاطة، ولذلك هذه الألفاظ من ألفاظ العموم، يعني مما يدل على أن المراد بالمؤكَّد الشمول والإحاطة والعموم لا الخصوص، ولذلك يعبر عن هذا النوع وهو النوع الثاني الذي عناه ابن عقيل هنا بأنه: ما يرفع توهم عدم إرادة الشمول، لرفع احتمال تقدير بعض المضاف إلى متبوعهم، هذا أيضاً قول. أو احتمال إرادة الخصوص بالمؤكد، تقول: جاء القوم، القوم يطلق في استعمال العرب قد يراد به كل القوم .. جميعهم، وقد يراد به بعض القوم، جاء القوم، فإذا أريد باللفظ صار اللفظ محتملاً للشمول وعدم الشمول، للكل وللبعض، إذا أردت توكيده تقويته بأنه لم يرد به الخصوص فحينئذٍ جئت بلفظ مؤكد دال على الشمول وهو كل جاء القوم كلهم، إذاً هل يحتمل التخصيص، هل يحتمل إرادة الخصوص؟ الجواب: لا. لماذا؟ فإن كان اللفظ المتبوع الذي هو المؤكد يحتمل أن يكون من إطلاق الكل مراداً به الخصوص، وهذا مستعمل في لسان العرب.
(وَكُلاًّ اذْكُرْ فِي الشُّمُولِ): يعني في التوكيد، توكيد الشمول المقصود أو المسوق لقصد الشمول، والشمول المراد به العموم والإحاطة.
стр. 1761
(وَكِلاَ وَكِلْتَا) وسبق أن كلا وكلتا، كلا للمثنى المذكر، وكلتا للمثنى المؤنث، وهما كذلك للشمول؛ لأنه قد يجوز إطلاق "الزيدان" مراداً بهما أحدهما، فيقال: جاء الزيدان على نية حذف المضاف، جاء أحد الزيدين، وجاءت الهندان، يجوز أن يكون على حذف مضاف جاءت إحدى الهندين، فرفعاً لهذا المضاف المتوهم وجوده فتقول: جاء الزيدان كلاهما، وجاءت الهندان كلتاهما، إذاً فيه رفع لتوهم إرادة المؤكد باللفظ العام الخاص، يحتمل أن يراد بـ"الزيدان" أحد الزيدين، وبـ"الهندان" أحد الهندين، فحينئذٍ قلت: كلاهما أكدته بأن المراد باللفظ هو مدلوله وعينه، فليس ثم مضافاً محذوف، وليس ثم دعوى مجاز، وكذلك الهندان، وَكِلاَ كِلْتَا: يعني وكلتا بحذف حرف العطف.
(جَمِيعاً): أي وجميعاً.
قال ابن هشام في جَمِيعاً: التوكيد بها غريب -قاله في الأوضح-، التوكيد بها غريب يعني قليل، وهي بمنزلة كل -مثل: كل- القول فيها كالقول في الكل.
إذاً: هذه أربعة ألفاظ يؤكد بها ما يرفع توهم عدم إرادة الشمول، يعني رفع احتمال تقدير بعضٍ مضاف إلى متبوعهن: كل، وكلا، وكلتا، وجميع.
قال: (بِالضَّمِيرِ مُوصَلاَ) يعني: موصلاً بالضمير، هذا حال من كل وما عطف عليه.
كُلاًّ: اذكر كلاً حال كونه موصلاً بالضمير، يعني: كالشرط السابق: مَعَ ضَمِيرٍ طَابَقَ الْمُؤَكَّدَا، إذاً يشترط في هذه الأربع إذا أُكد بهن أن تضاف إلى ضمير، ثم قوله: (بِالضَّمِيرِ) أل للعهد، يعني الضمير الذي سبق ذكره في قوله: مَعَ ضَمِيرٍ طَابَقَ الْمُؤَكَّدَا، فكأنه قال: موصلاً بالضمير المطابق للمؤكَّد، فأل للعهد.
إذاً هذه أربع ألفاظ: كل، وكلا، وكلتا، وجميع .. فلا يؤكد بهن إلا ما له أجزاء يصح وقوع بعضها موقعه، لرفع احتمال إرادة الخصوص بلفظ العموم فهي لرفع احتمال تقدير بعضٍ مضاف إلى متبوعهن.
يعبر النحاة عن هذا النوع بما ذكره هنا ابن عقيل: ما يرفع توهم عدم إرادة الشمول -الشمول العموم-، يعني اللفظ السابق يحتمل أنه أريد به الخصوص فيؤتى بهذه الألفاظ تأكيداً بأن المراد بها الشمول والإحاطة –العموم-، ويعبر بعضهم بأنها لرفع احتمال حذف مضاف من المتبوع، كأنه إذا قال: جاء الركب كله: جاء بعض الركب، يحتمل ماذا؟ أن ثم مضافاً محذوف، جاء القوم: جاء بعض القوم، جاء الزيدان: جاء أحد الزيدين، جاءت الهندان: جاءت إحدى الهندين .. إذاً يحتمل أن ثم مضافاً محذوفاً.
إذاً لرفع احتمال تقدير بعض .. كلمة "بعض" مضاف لمتبوعهن -المتبوع المؤكَّد-.
ثم اعلم أن "كل" يشترط في التوكيد بها شروط:
أولاً: أن يكون المؤكد بها غير مثنى، كل (وَكُلاًّ اذْكُرْ) ليس على إطلاقه، يشترط فيها أن يكون المؤكد بها غير مثنى، أما المثنى فلا يؤكد.
الثاني: أن يكون متجزئاً، يعني يقبل التجزئة، وهو الذي عبر عنه بعضهم بأنه لا يؤكد بهن إلا ما له أجزاء، لا بد أن يكون متجزئاً، إما بذاته وإما بعامله.
стр. 1762
بذاته بنفسه يتجزأ مثل الجمع: جاء القوم، القوم: زيد وعمرو وخالد كلهم قوم، يتجزأ بذاته أو لا؟ يتجزأ بذاته، ((فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ)) [الحجر:٣٠] الملائكة يتجزءون أم لا؟ نعم يتجزءون ملك ملك ملك .. كلهم منفصل عن الآخر، إذاً له أجزاء متجزئة بذاتها .. منفصلة، هذا أول.
بذاته مثل: ((فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ)) [الحجر:٣٠]، جاء القوم كلهم، أو بعامله، أما هو في ذاته فلا يتجزأ، ولهم مثال مشهور عند النحاة: اشتريت العبد كله، العبد زيد مثلاً واحد ما يتقسم رجل ويد إلى آخره ما يتقسم، ليس مثل القوم والملائكة، لكن كونه عبداً هو قال: اشتريت العبد، والعبد معلوم أنه يتبعض باعتبار الرق .. وصف، وأما باعتبار ذاته فلا يتبعض، اشتريت العبد يحتمل بعضه، قد يكون اثنان مشتركين في عبد واحد .. مبعض، وهذا الذي يسميه المواريث مبعض، حينئذٍ إذا اشترى بعض العبد، تجزأ أو لا؟ تجزأ، إذاً يحتمل، إذا قال: اشتريت العبد يعني: الثلث أو النصف أو بعضه، والثاني الباقي مملوك للغير، لكن إذا قال: اشتريت العبد كله رفع احتمال التجزئة، لكن باعتبار العامل هو قابل للتجزئة.
فرفع قوله: كله احتمال تجزئة العبد، والعبد في الأصل لا يتجزأ باعتبار ذاته، وإنما يتجزأ باعتبار عامله، والذي دلك على أنه يتجزأ اشتريت، والعبد يتبعض.
إذاً: أن يكون المؤكد بكل متجزئاً إما بذاته بنفسه اللفظ نفسه وما يصدق عليه، وإما بالعامل، والأول مثاله كما ذكرنا، والثاني مثاله المشهور: اشتريت العبد كله.
ولا يجوز جاء زيد كله، جاء زيد كله لا يصح؛ لأن زيد لا يتجزأ لا بذاته ولا بعامله، إلا إذا كان مؤولاً بأنه عبد، هذا شيء ثاني، وأما إذا كان حراً فيبقى على الأصل، وكذلك العامل لو كان عبداً مجيئه لا يتجزأ بخلاف الشراء، هنا. إذاً: لا يجوز جاء زيد كله.
ثالثاً -من شروط كل-: أن يتصل بها ضمير عائد على المؤكد، وهذا ذكرناه فيما نص عليه الناظم بقوله: (بِالضَّمِيرِ مُوصَلاَ).
إذاً: يشترط في التوكيد بكل ثلاثة شروط: أن يؤكد بها غير مثنى.
أن يكون متجزئاً بذاته أو بعامله.
أن يتصل بها ضمير عائد على المؤكَّد.
وشروط كلا وكلتا: أن يكون المؤكد بهما دالاً على اثنين، ولا يقصد به المثنى اصطلاحاً لا، أن يكون دالاً على اثنين، جاء زيد وعمروٌ كلاهما، يصح أو لا يصح؟ زيد وعمروٌ ليس مثنى، نقول: ليس المراد هنا المثنى الاصطلاحي، وإنما المراد أن يكون المؤكد دالاً على اثنين، إما بالعطف وإما باللفظ نفسه، فجاء زيد وعمروٌ كلاهما، كلاهما توكيد، والمؤكد مثنى .. دالاً على اثنين، كيف مثنى؟ نقول: لغة لا اصطلاحاً.
إذاً: الشرط الأول: أن يكون المؤكد بهما دالاً على اثنين.
الثاني: أن يصح حلول الواحد محلهما .. محل الاثنين، هذا احترازاً من الأفعال التي تستلزم المشاركة، اختصم زيدٌ وعمروٌ كلاهما، غلط على الصحيح، لماذا؟ لأن اختصم زيدٌ .. لو قال: اختصم زيدٌ ما يصح التعبير؛ لأن اختصم يقتضي فاعلين، وإن كان أحدهما فاعلاً في الاصطلاح والثاني في المعنى، حينئذٍ نقول: هل يصح حلول المفرد الواحد محل فاعل اختصم؟ نقول: لا، لا يصح.
стр. 1763
أن يصح حلول الواحد محلهما، فلا يجوز اختصم الزيدان كلاهما؛ لأنه لا يحتمل أن يكون المراد: اختصم أحد الزيدين، هذا احتمال غير وارد، نحن نقول: كلا هذا لرفع توهم مضاف إلى المتبوع، وهذه قاعدة عامة في الكل .. في الأربعة، حينئذٍ لا يحتمل اختصم أحد الزيدين، اختصم مع من؟ مع نفسه؟ هذا ما يحتمل بعيد، إنما لا بد من شخص آخر، إذاً هو يستلزم فاعلاً آخر؛ لأنه لا يحتمل أن يكون المراد اختصم أحد الزيدين، فلا حاجة للتأكيد.
الثالث: أن يكون ما أسندته إليهما غير مختلف في المعنى، فلا يجوز مات زيد وعاش عمرو كلاهما، لا يصح، لكن جاء زيد وانطلق عمروٌ كلاهما يصح.
(وَكُلاًّ اذْكُرْ فِي الشُّمُولِ وَكِلاَ كِلْتَا جَمِيعاً) جَمِيعاً هذه مثل كل في الشروط، (بِالضَّمِيرِ مُوصَلاَ) يعني موصلاً بالضمير.
فإذا جاء لفظ من هذه الألفاظ غير موصل بالضمير لا يكون مؤكِّداً، ولذلك قوله: ((خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا)) [البقرة:٢٩] هذا حال، لا نقول: توكيد، لماذا؟ لأن من شرط التوكيد بجميعاً وكل وما عطف عليه أن يكون مضافاً للضمير، فإذا جرد عن الضمير لا يكون مؤكداً. خلافاً لمن وهم، ولا قراءة بعضهم: (إِنَّا كُلاً فِيهَا) (كلاً) هل يصح أن يكون توكيداً؟ (كلاً) ما يصح لا بد من الضمير كلهم أو كله، لا بد أن يكون مضافاً إلى الضمير، (إِنَّا كُلاً) إننا كلاً، لا بد أن يكون مضافاً إلى الضمير، ولذلك خرجه البصريون على أنه بدل من اسم (إن) ولا يصح أن يكون تأكيداً لاسم (إن). ولا قراءة بعضهم: (إِنَّا كُلاً فِيهَا) خلافاً للفراء والزمخشري، بل جميعاً حال وكلاً بدل، ويجوز كونه حالاً من ضمير الظرف، (إِنَّا كُلاً فِيهَا) فيها كلاً؛ لأنه إذا كان الوصف تقدم على جار ومجرور حينئذٍ أعرب حالاً.
قال الشارح هنا: هذا هو الضرب الثاني من التوكيد المعنوي وهو ما يرفع توهم عدم إرادة الشمول، أو إن شئت قل: لرفع احتمال تقدير بعض مضاف إلى متبوعهم، والمستعمل لذلك أربعة ألفاظ: كل، وكلا، وكلتا، وجميع.
جميع بمنزلة كل في المعنى، وكلا وكلتا كذلك بمنزلة كل في المعنى، كل منها يؤكد بها الشمول والإحاطة والعموم، ويشترط فيها كلها أن تكون مشتملة على الضمير؛ ليحصل الربط بين التابع والمتبوع.
فيؤكد بكل وجميع ما كان ذا أجزاء يصح وقوع بعضها موقعه نحو: جاء الركب كله، لجواز أن يقال: جاء بعض الركب، وهكذا.
أو جميعه، والقبيلة كلها، بعض القبيلة أو جميعها، والرجال كلهم أو جميعهم، والهندات كلهن أو جميعهن ولا تقول: جاء زيد كله، لا يصح، لماذا؟ لأنه غير متجزئ، لا بد أن يكون متجزئاً إما بذاته أو بعامله.
ويؤكد بكلا المثنى المذكر، لجواز أن يقال: جاء أحد الزيدين، وإحدى الهندين، نحو: جاء الزيدان كلاهما، وبكلتا المثنى المؤنث نحو: جاءت الهندان كلتاهما، ولا يجوز اختصم الزيدان كلاهما على مذهب الفراء والأخفش وأبي علي الفارسي، وذهب الجمهور إلى الجواز، ووافقهم الناظم في التسهيل، ولا يقال حينئذٍ: اختصم الزيدان كلاهما، ولا الهندان كلتاهما، لامتناع التقدير المذكور.
стр. 1764
إذا كان الضابط هو حذف مضاف .. لفظ بعض، لا بد أن يكون مطرداً، فلا يقال: اختصم بعض الزيدين أو أحد الزيدين، أو اختصم إحدى الهندين أو بعض الهندين .. ما يصح هذا، فإذا كان الاحتمال هو رفع دفع مضاف في المتبوع وهو لفظ بعض أو أحد أو إحدى، نقول: هذا لا يوجد في اختصم، وتضارب الزيدان، وتقاتل العمران .. نقول: هذا يستلزم أن يكون كل منهما فاعل، فحينئذٍ لا يصح أن يقال: بعض، فلا يقع فيه مجاز.
ولا بد من إضافتها كلها إلى ضمير يطابق المؤكد كما مُثِّل.
ولا يجوز حذف الضمير استغناء بنيته، يعني بنية الإضافة خلافاً للفراء والزمخشري، ولذلك جوز هناك جميعاً أن يكون توكيداً؛ لأنه يجوز حذف الضمير، والصواب لا، وكذلك (إِنَّا كُلاً) جوزوا حذف الضمير على نيته والصواب لا.
وَاسْتَعْمَلُوا أَيْضاً كَكُلٍّ فَاعِلَهْ ... مِنْ عَمَّ فِي التَّوْكِيدِ مِثْلَ النَّافِلَهْ
هذا اللفظ السابع والأخير، وهو لفظ عامة، وقل من ذكره من النحاة، هذا يدل على قلته في استعمال العرب.
إذاً: اللفظ السابع والأخير: هو لفظ عامة.
قال: (وَاسْتَعْمَلُوا) أي: العرب.
(أَيْضاً) أي: كما استعملوا غير عامة في التوكيد فاعله، حال كونه من عم ككل، يعني يراد بعامة ما يراد بكل، فكل ما اشترط هناك اشترط هنا.
(وَاسْتَعْمَلُوا أَيْضاً) أي: العرب، أَيْضاً إعرابه مفعول مطلق لفعل محذوف، آض يئيض أيضاً، والرجوع هنا أي: كما استعملوا غير عامة، غير لفظ عامة، وقوله: مِنْ عَمَّ أي: مشتقاً من مصدره، واستعملوا أيضاً فَاعِلَهْ هذا مفعول به، مِنْ عَمَّ هذا حال من فاعله .. حال منه.
(كَكُلٍّ) هذا كذلك حال مقدمة، فِي التَّوْكِيدِ: متعلق بقوله: اسْتَعْمَلُوا، استعملوا في التوكيد، مِثْلَ النَّافِلَهْ: هذا حال ثالثة، ثلاثة أحوال في هذا التركيب.
تقدير البيت هكذا: استعملوا أيضاً فاعلة من عم ككل مثل النافلة، وأما قوله: فِي التَّوْكِيدِ فلا داعي له، لماذا؟ حشو هذا، استعملوا فاعله ككل، حال كونه مثل كل، إذاً وكل يستعمل في التوكيد، لماذا قال: في التوكيد؟ هذا يعتبر حشواً.
وَاسْتَعْمَلُوا أَيْضاً أي: كما استعملوا غير عامة، وقوله: مِنْ عَمَّ فاعله حال كونه من عم، عم فعل ماضي، يعني مشتقاً من مصدره، وقوله: فِي التَّوْكِيدِ متعلق بـ اسْتَعْمَلُوا ويغني عنه قوله: كَكُلٍّ.
إذاً: استعملوا أيضاً حال كونه ككل في الدلالة على الشمول اسماً موازناً لفاعله، وهذا فاعله ليس هو الذي استعمل، إنما مشتق من عم، إذا أخذ من عم .. عم بمعنى شمل، عموم .. لفظ العموم نفسه، إذا أخذ منه وزن فاعله تقول: عامة، إذاً جئت بلفظ عامة، تقول: عامة، جاء القوم عامتهم، كما تقول: جاء القوم كلهم، إذاً قوله: فَاعِلَهْ .. استعملوا فاعله يعني: اسماً موازناً لفاعله، حال كونه مشتقاً من مصدر عم.
مِثْلَ النَّافِلَهْ هذا اختلفوا فيه، مراده مثل النافلة هل هي بمعنى أن عدها من ألفاظ التوكيد يشبه النافلة، يعني كأن الألفاظ ستة، وليست سبعة، هي الفرض، وعامة نافلة متممة لها، ولذلك قل من ذكرها من النحاة، إذاً أشبهت النافلة بعد الفرض. والمراد بالنافلة: هي الزيادة؛ لأن أكثر النحويين لم يذكرها.
стр. 1765
وقال في التوضيح: إلا أخرى، قول ابن مالك هنا: (مِثْلَ النَّافِلَهْ) يقول: ليس المراد بأنه زائدة على ما سبق لا، مراده أن تاءها مثل تاء النافلة أنها تستعمل مع المؤنث والمذكر، جاء القوم عامتهم، جاءت الهندات عامتهن، بقيت التاء كما أن النافلة تبقى.
قال في التوضيح: والتاء فيها بمنزلتها في النافلة، التاء في عامة بمنزلة التاء في النافلة، فتصلح مع المؤنث والمذكر، والمقصود من التشبيه أن التاء في عامة مثل التاء في نافلة، يؤتى بها مع المذكر ومع المؤنث، وليس ذكره استدراكاً على النحاة.
على كلٍّ هذا أو ذاك نقول: ذكر سيبويه عامة من ألفاظ التوكيد. اعتبار اللفظ عامة بمعنى جميع، ومجيئه توكيداً هو مذهب سيبويه.
قال الشارح هنا: أي: استعمل العرب للدلالة على الشمول ككل عامة -لفظ عامة-، وإنما لم يصرح الناظم هنا بلفظ عامة، لماذا؟ لأنها ما يمكن أن يأتي به إلا بحذف الألف: عم عامة الأول من المدغمين ساكن والألف ساكنة، ولا يجتمع ساكنان عند العرضيين أبداً، لا بد حرف متحرك وساكن، أو متحركان، أما ساكن فساكن فلا، فلذلك لم يأت به وإنما جاء به على وزن فاعله.
ولم يقل عامة مع أنه أخصر؛ لأن فيه اجتماع ساكنين وهو غير جائز في النظم، عاممة هذا الأصل، أريد إدغام المثلين فسلب الحركة من الأول الميم ثم أدغمت الميم في الميم. إذاً استعمل العرب للدلالة على الشمول ككل عامة مضافاً إلى ضمير المؤكد نحو: جاء القوم عامتهم والقبيلة عامتها، والزيدون عامتهم والهندات عامتهن، مثل كلهن وإلى آخره.
وقل من عدها من النحويين في ألفاظ التوكيد وقد عدها سيبويه ويكفي، وإنما قال: مِثْلَ النَّافِلَهْ بالنصب لأن عدها من ألفاظ التوكيد يشبه النافلة أي: الزيادة؛ لأن أكثر النحويين لم يذكرها.
وخالف المبرد في عامة وقال: إنما هي بمعنى أكثرهم، جاء القوم عامتهم أي أكثرهم، فيكون من باب التخصيص، عكس ما أراده الناظم، إذا قيل: جاء القوم عامتهم، إذا كانت للشمول أفادت نفي التخصيص، احتمال التخصيص منفي، فحينئذٍ تأكيد للشمول، وعلى مذهب المبرد جاء القوم عامتهم يكون تخصيصاً بعد تعميم، جاء القوم كلهم، ثم قال: عامتهم، يعني: أكثرهم، مثل قوله: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ)) [آل عمران:٩٧]. ولذلك يعرب عامتهم بمعنى أكثرهم بدل بعض من كل، فيعد من المخصصات.
عرفتم الفرق بين المذهبين؟ مذهب سيبويه والذي اختاره الناظم هنا: أن عامة ترفع احتمال الخصوص، جاء القوم عامتهم، يعني: جميعهم تأكيد، فرفع احتمال الخصوص، بعض القوم عامتهم رفع الاحتمال.
وعلى مذهب المبرد أن عامتهم بمعنى أكثرهم، صار تخصيصاً بعد تعميم، فهو من بدل البعض من الكل، وخالف المبرد في عامة وقال: إنما هي بمعنى أكثرهم، فتكون بدل بعض من كل، جاء القوم عامتهم أي: أكثرهم.
إذاً (وَاسْتَعْمَلُوا) أي: العرب أيضاً فاعله من عم ككل، يعني: في حال الدلالة على الشمول، (فِي التَّوْكِيدِ) هذا متعلق بقوله: استعملوا ولا حاجة إليه، (مِثْلَ النَّافِلَهْ) هذا حال من فاعله، فاعله حال كونها مثل النافلة، الزيادة على ما ذكره النحاة.
стр. 1766
وَبَعْدَ كُلٍّ أَكَّدُوا بِأَجْمَعَا ... جَمْعَاءَ أَجْمَعِينَ ثُمَّ جُمَعَا
وَدُونَ كُلٍّ قَدْ يَجِيءُ أَجْمَعُ ... جَمْعَاءُ أَجْمَعُونَ ثُمَّ جُمَعُ
هذا ما يسمى بتوابع كل.
(وَبَعْدَ كُلٍّ أَكَّدُوا بِأَجْمَعَا)؟؟؟
إذاً يؤتى بهذه الألفاظ مؤكدة بعد كل على جهة الخصوص، فهل هي مؤكدة لكل أو أنها مؤكدة لمؤكَّد كل؟ الثاني، مؤكدة لمؤكد كل، يعني تقوي عمل كل، فكل منهما مؤكد بذاته، فيكون التوكيد بعد توكيد من باب تقوية المؤكَّد في النفي، نفي الاحتمال بالإضافة.
(وَبَعْدَ كُلٍّ) قلنا هذا متعلق بقوله: أَكَّدُوا، (وَبَعْدَ كُلٍّ أَكَّدُوا بِأَجْمَعَا) مفهومه أنه يلزم أن تكون هذه الألفاظ بعد كل لا سابقة عليها، فيقال: جاء القوم كلهم أجمعون، ولا يصح: جاء القوم أجمعون كلهم؛ لأنها تابعة لكل والتابع تابع كاسمه، فلا يكون متبوعاً بكل، ولذلك قال: بَعْدَ كُلٍّ، كما قال هناك: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ، فدل على أن رتبة الفاعل بعد رتبة الفعل، هنا قال: (وَبَعْدَ كُلٍّ أَكَّدُوا بِأَجْمَعَا) دل على أن رتبة أجمع بعد رتبة كل ولا يجوز التقديم.
فهم منه أمران: أحدهما واجب وهو أن أجمع إذا ذكر مع كل لا يكون إلا متأخراً عنها، والآخر غالب وهو أنه لا يؤكد به دون كل، وهذا نبه عليه بالبيت الذي يليه، يعني: (وَبَعْدَ كُلٍّ أَكَّدُوا بِأَجْمَعَا) الغالب أنه لا يؤكد بأجمع إلا بعد كل، لكن هذا لو نظرنا إلى أصله نقول: قد يفهم الوجوب، لكن نقول: هذا ليس بواجب بل هو غالب لمجيء قوله: (وَدُونَ كُلٍّ قَدْ يَجِيءُ أَجْمَعُ) يعني قد يؤكد بأجمع دون كل، فيقال: ((فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)) [الحجر:٣٠] جاء القوم أجمعون يصح، إذا جئت بها مع كل سبقت كل وتأخرت أجمع، إذا حذفت كل وجئت بأجمع فقط حينئذٍ قلت: جاء القوم أجمعون، الأول لازم واجب، والثاني من غير الغالب وهو كون أجمع يؤكد بها دون كل، يعني تنفرد عن كل فيؤكد بها، هذا غير غالب.
(وَبَعْدَ كُلٍّ أَكَّدُوا بِأَجْمَعَا) يعني غالباً بدليل قوله: (وَدُونَ كُلٍّ) أما البعدية فهي لازمة واجبة، كونها بعد كل فهو واجب، وأما دائماً لا تكون إلا بعد كل! لا. ليس بلازم، بل قد يؤتى بأجمع دون كل، فهذا غالب أن يكون أجمع بعد كل، ومن غير الغالب أن يكون أجمع دون كل.
(وَبَعْدَ كُلٍّ أَكَّدُوا بِأَجْمَعَا) أي غالباً، فلهذا استغنت عن أن يتصل بها ضمير يعود على المؤكد ((فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)) [الحجر:٣٠] أين الضمير؟ لا تحتاج إلى ضمير، لا يشترط فيها الضمير؛ لكونها تابعة لكل واشترط الضمير في كل، فأغنى عن أن يتصل بها ضمير.
استغنت عن أن يتصل بها ضمير يعود على المؤكد فتقول: اشتريت العبد كله أجمعَ، أجمعَ ممنوع من الصرف، والأَمة كلها جمعاء للمؤنث مفرد، والعبيد كلهم أجمعين، والإماء كلهن جُمَع، جُمَع هذا توكيد لجمع المؤنث السالم، إذاً لا يؤتى بها إلا بعد كل، وأما إذا نزعت كل جاز.
وَبَعْدَ كُلٍّ أَكَّدُوا بِأَجْمَعَا ... جَمْعَاءَ أَجْمَعِينَ ثُمَّ جُمَعَا
(بِأَجْمَعَا) هذا للمفرد المذكر، والألف هذه للإطلاق.
стр. 1767
و (جَمْعَاءَ) للمفرد المؤنث، و (أَجْمَعِينَ) للجمع المذكر (ثُمَّ) هذا بالواو .. بمعنى الواو، (ثُمَّ جُمَعَا) للجمع المؤنث، والألف هذه للإطلاق، ولا يثنيان فلا يقال: أجمعان ولا جمعاوان، لا يثنيان وهذا سينص عليه الناظم، فلا يقال: أجمعان ولا جمعاوان، وهذا هو مذهب جمهور البصريين وهو الصحيح؛ لأن ذلك لم يسمع، كونه لم يسمع يكفي، وكذلك استغناءً بكلا وكلتا عنها.
قال الشارح: يجاء بعد كل بأجمع وما بعدها لتقوية قصد الشمول، إذاً قصد الشمول هذا معنى في المؤكَّد، فدل على أن أجمع وما عطف عليه توكيد للمؤكَّد بكل لا لكل نفسها، لا توكيد للمؤكِّد، فإذا أريد تقوية التوكيد يجوز أن يتبع كله بأجمع وكلها بجمعاء وكلهم بأجمعين وكلهن بجمع، فلذلك يقال: جاء الركب كله أجمع، وبجمعاء بعد كلها، جاءت القبيلة كلها جمعاء، وبأجمعين بعد كلهم نحو: جاء الرجال كلهم أجمعون، وبجمع بعد كلهن نحو: جاءت الهندات كلهن جمع، ((فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)).
(وَدُونَ كُلٍّ قَدْ يَجِيءُ أَجْمَعُ) قد للتقليل، فهم منه أن ذلك قليل بالنسبة لذكرها بعد كل، وأما في القرآن فموجود ((لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)) [الحجر:٣٩] ((لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ)) [الحجر:٤٣] ورد في القرآن.
(وَدُونَ كُلٍّ) أي قد يؤكد بهن وإن لم يتقدم لفظ كل، يجرد دون لفظ كل، لكن الغالب هو الأول، أن يؤتى بلفظ كل ثم يأتي بعدها لفظ أجمع، (وَدُونَ كُلٍّ قَدْ يَجِيءُ أَجْمَعُ)، قَدْ يَجِيءُ قلنا: قد هذه للتقليل، فهم منه أن ذلك قليل بالنسبة لذكرها بعد كل.
(وَدُونَ) هذا متعلق بـ يَجِيءُ وهو مضاف، وكل مضاف إليه، يعني: وقد يجئ أجمعُ وما عطف عليه دون كل، وقد يجيء دون كل أجمعُ وجمعاءُ وأجمعون ثم جمعُ.
أي: قد ورد استعمال العرب أجمع في التوكيد غير مسبوقة بكله نحو: جاء الجيش أجمع، واستعمال جمعاء غير مسبوقة بكلها، نحو: جاءت القبيلة جمعاء، واستعمال أجمعين غير مسبوقة بكلهم نحو: جاء القوم أجمعون، واستعمال جُمع فُعَل غير مسبوقة بكلهن نحو: جاء النساء جمع، وزعم المصنف أن ذلك قليل ومنه قوله:
حَولاً أَكْتَعَا إِذًا ظَلِلتُ الدَّهْرَ أَبْكِي أَجْمَعَا، إذا تكررت ألفاظ التوكيد فهي للمتبوع وليس الثاني تأكيداً للتأكيد لما ذكرناه سابقاً أنه إذا قيل: كله أجمع فالثاني توكيد للمتبوع الأول، وكذلك إذا قيل: جاء زيد نفسه عينه فعينه توكيد لزيد، لا توكيد للتوكيد؛ لأن المؤكِّد نفس المؤكِّد اللفظ لا يؤكَّد، لماذا؟ لأن العلة إما رفع احتمال مجاز وإما رفع احتمال بعض .. مضاف محذوف، وهذه غير موجودة في ألفاظه لا كل ولا نفس ولا عين، حينئذٍ انتفت علة التوكيد.
إذاً: إذا تكررت ألفاظ التوكيد فهي للمتبوع وليس الثاني تأكيداً للتأكيد، ولا يجوز قطعها إلى الرفع أو إلى النصب ولا عطف بعضها مطلقاً، فلا يقال: جاء زيد نفسه وعينه، بالواو كما يجوز في النعت، ولا جاء الركب كلهم أجمعون بالواو، نقول: هذا لا يجوز، وألفاظ التوكيد كلها معارف.
وهذا فيما أضيف إلى الضمير ظاهر إذا قيل: نفسه، عينه، كله، كلهم، أنفسهم، أعينهم .. واضح لأنه مضاف إلى الضمير، والمضاف إلى الضمير معرفة لا إشكال فيه.
стр. 1768
وما خلى عن الإضافة إلى الضمير ففي تعريفه قولان: قيل: بنية الإضافة، إضافة منوية إلى الضمير، وقيل: بالعلمية الجنسية، وحينئذٍ تكون ممنوعة من الصرف، إذا قيل بأنها معرفة وهي لم تضف إلى الضمير، وهذا مثل أجمع وما عطف عليه، إما بأنها منوية وإما أنها علم بالجنس.
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَإِنْ يُفِدْ تَوْكِيدُ مَنْكُورٍ قُبِلْ ... وَعَنْ نُحَاةِ البَصْرَةِ الْمَنْعُ شَمِلْ
(وَإِنْ يُفِدْ) (إن) حرف شرط، و (يفد) هذا فعل مضارع مجزوم بإن.
(تَوْكِيدُ مَنْكُورٍ قُبِلْ) تَوْكِيدُ هذا فاعل، وهو مضاف ومَنْكُورٍ المراد به النكرة، قُبِلْ يعني: قبِلَ، هذا جواب الشرط.
(وَعَنْ نُحَاةِ البَصْرَةِ الْمَنْعُ شَمِلْ) وَعَنْ نُحَاةِ: جار ومجرور متعلق بقوله: الْمَنْعُ، المنع عن نحاة البصرة شمل، الْمَنْعُ مبتدأ وشَمِلْ هذا فعل مبني للمعلوم والفاعل ضمير مستتر يعود على المنع.
(شَمِلْ) يعني شمل المفيد وغير المفيد؛ لأن قوله: (وَإِنْ يُفِدْ تَوْكِيدُ مَنْكُورٍ) مفهومه إن لم يفد فلا يقبل.
(وَإِنْ يُفِدْ تَوْكِيدُ مَنْكُورٍ قُبِلْ) يعني إذا كان التوكيد للاسم المؤكَّد النكرة مفيداً قبل، مفهومه إن لم يفد فلا يقبل.
(وَعَنْ نُحَاةِ البَصْرَةِ الْمَنْعُ شَمِلْ) شمل ماذا؟ المفيد وغير المفيد يعني مطلقاً، ولذلك المذاهب في توكيد النكرة ثلاثة، وعلة الخلاف أو سبب الخلاف ما ذكرناه آنفاً: وهو أن ألفاظ التوكيد معارف، فإذا قيل: التزم هذا حينئذٍ هل يشترط في المؤكِّد المطابقة مع المؤكَّد تعريفاً وتنكيراً أو لا؟ هذا محل النظر هنا.
النعت لا شك فيه، يشترط فيه التنكير والتعريف المطابقة.
وَلْيُُعْطَ فِي التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ مَا ... لِمَا تَلاَ كَـ"امْرُرْ بِقَوْمٍ كُرَمَا
هل هذا الشرط موجود في التوكيد؟ هذا محل النزاع، فمن منع كالبصريين قال: لا بد من التطابق، فالنكرة لا تفيد؛ لأن هذا معرفة وهذا نكرة، وبعضهم جوز مطلقاً، وبعضهم فصَّل.
إذاً: في توكيد النكرة ثلاثة أقوال: المنع مطلقاً، وهذا مذهب البصريين وهو الذي حكاه الناظم هنا (وَعَنْ نُحَاةِ البَصْرَةِ الْمَنْعُ شَمِلْ) مطلقاً شمل المفيد وغير المفيد، كل توكيد لنكرة باطل ولو أفاد فهو ممنوع.
المذهب الثاني: الجواز مطلقاً أفاد أو لم يفد، وهذا بعيد في عدم الإفادة؛ لأن مبنى الكلام على الإفادة، إذا كان لا يفيد شيء لمَ نؤكده؟ وهذا مذهب بعض الكوفيين.
والثالث: التفصيل بين توكيد نكرة أفاد وبين توكيد نكرة لم يفد، فإن أفاد قُبِل وإلا رُدَّ، وهذا مذهب الكوفيين عامة، وهو الذي اختاره ابن مالك هنا وقال ابن هشام في التوضيح: وهو الصحيح، يعني التفصيل. إن أفاد قبل وإلا فلا.
(وَإِنْ يُفِدْ تَوْكِيدُ مَنْكُورٍ قُبِلْ) يعني إذا لم يفد توكيد النكرة لم يجز، هذا صار محل وفاق باعتبار الكوفيين والبصريين، اعتبار الكوفيين والبصريين ما لم يفد حكي الاتفاق أنه لا يصح توكيده، وإن أفاد جاز عند الكوفيين قال ابن هشام: وهو الصحيح.
стр. 1769
هنا قال ابن عقيل: مذهب البصريين أنه لا يجوز توكيد النكرة سواء كانت محدودة أو غير محدودة، يعني لها أول وآخر، شهر له أول وآخر، أسبوع له أول وآخر محدود، وكذلك يوم له أول وآخر، وأما زمن، ووقت، وساعة، وبرهة، وحين .. ألفاظ ليس لها أول ولا آخر، إن أُكِّد المحدود المؤقت حينئذٍ أفاد، وإن أكِّد غير المحدود حينئذٍ لم يفد، مذهب البصريين المنع مطلقاً، ولذلك قال هنا: سواء كانت محدودة أو لا. كيوم وليلة وشهر وحول أو غير محدودة كوقت وزمن وحين.
ومذهب الكوفيين واختاره المصنف وصححه ابن هشام، جواز توكيد النكرة المحدودة لحصول الفائدة بذلك.
إذاً نقول: النكرة نوعان: نكرة محدودة ونكرة غير محدودة.
النكرة المحدودة: هي التي لها مدة معلومة، معلومة المقدار كأسبوع، ويوم، وليلة، وشهر، وحول .. هذه محدودة لها أول وآخر، وغير المحدودة هي التي تصلح للقليل والكثير يعني: ليس لها ولا آخر، لا ابتداء ولا انتهاء مثل: زمن، ووقت، وحين، ومدة، وساعة، ومهلة.
والثاني متفق على منعه لعدم الفائدة، ما هو الثاني؟ غير المحدود، قال: وهذا متفق بين البصريين وإلا حكي خلافه، لكن بين عموم البصريين والكوفيين متفق على أنه لا يؤكد لعدم الفائدة؛ لأنه لو قال: قد انتظرتك وقتاً كله، ما الفائدة، انتظرتك وقتاً .. وقت نصف ساعة، ساعة، يوم، يومين .. يحتمل قليل وكثير، إذا قال: كله ما الفائدة؟ ليس فيه فائدة؛ لأن وقتاً ليس له أول ولا آخر، فإذا أكده لا فائدة، وأما الأول وهو المحدود فأجازه الكوفيون واستدلوا على ذلك بدليلين: الأول: السماع، ورد السماع، وإذا ورد السماع صار هو الأصل.
فورد السماع عن العرب المعتد بكلامهم، ومنه قول القائل: تَحْمِلُنِي الذَّلفَاءُ حَولاً أَكْتَعَا، أكتع هذا من توابع أجمع، حولاً: حول له أول وله آخر، وأكده بأكتعا، إذاً سمع.
(يَا لَيْتَ عِدّةَ حَوْلٍ كُلِّه رَجَبُ) أكد حول، (قَدْ صَرَّتِ البَكْرَةُ يَومَاً أَجْمَعَا) يَومَاً أَجْمَعَا إذاً أكده، انظر: حولاً ويوماً هذه نكرة محدودة لها أول ولها آخر، إذا ورد.
ثانياً: حصول الفائدة مع وجود الدليل وهو السمع، حينئذٍ نلحظ من جهة المعنى ففي توكيد النكرة المحدودة فائدة، بخلافها في غير المحدودة، فمثلاً يوم معلوم المقدار، فإذا قلت: قد انتظرتك يوماً جاء الاحتمال، ما هو الاحتمال؟ بعض اليوم، نصفه، ثلثه، غالبه .. يحتمل، فحينئذٍ إذا أكد هل حصلت فائدة أم لا؟ حصلت فائدة، فإذا قلت: انتظرتك يوماً كله يعني: أربعة وعشرين ساعة من أوله إلى آخره، لكن يوماً هذا محتمل أنك أطلقت العام وأردت به الخاص، أو إطلاق الكل مراداً به الجزء، فهو وارد.
إذاً إذا قال: قد انتظرتك يوماً كان محتملاً للمجاز، أو إن شئت قل: من إطلاق الكل مراداً به الجزء.
أنه يقارب اليوم إما نصفه أو أقل أو أكثر، فإذا قال: قد انتظرتك يوماً كله فقد أزال بلفظ كله الاحتمال، ومنه صمت شهراً، يحتمل أنه ثمانية وعشرين يوم، أقل من هذا، ويحتمل النصف، ويحتمل الثلث، لكن إذا قال: صمت شهراً كله، رفع الاحتمال، إذاً حصلت الفائدة، ولذلك كل من نظر في مذهب الكوفيين علم أنه هو أصح.
стр. 1770
وَإِنْ يُفِدْ تَوْكِيدُ مَنْكُورٍ قُبِلْ ... وَعَنْ نُحَاةِ البَصْرَةِ الْمَنْعُ شَمِلْ
مذهب الكوفيين واختاره المصنف وصححه ابن هشام في التوضيح: جواز توكيد النكرة المحدودة لحصول الفائدة بذلك، والأمثلة التي ذكرناها واضحة.
(وَعَنْ نُحَاةِ البَصْرَةِ الْمَنْعُ شَمِلْ) قلنا: الْمَنْعُ مبتدأ، وشَمِلْ هذا الجملة خبر، وَعَنْ نُحَاةِ متعلق به.
وقوله: (شَمِلْ) أي: عم، الشمول المراد به العموم، المفيد وغير المفيد، ولا يجوز على القولين: صمت زمناً كله، على القولين لا يجوز هذا، ولا شهراً نفسه، لماذا؟ هل يؤكَّد بالنفس والعين ما يحتمل عدم الشمول؟ قلنا: يوماً يحتمل بعضه، مثل: جاء القوم كلهم، جاء القوم .. القوم يحتمل من إطلاق العام وإرادة الخاص، يوم يحتمل من إطلاق الكل مراداً به الجزء.
هذا التعليل يستلزم ألا يؤكَّد النكرة المحدودة إلا بما يستعمل في الشمول وهو كل وما عطف عليه، إذاً يقال من الشروط التي يصح فيها توكيد النكرة: أن تكون النكرة محدودة، وأن يكون المؤكِّد مما يؤكد به الشمول وَكُلاًّ اذْكُرْ فِي الشُّمُولِ وأما نفسه: صمت شهراً نفسه، ما يصح هذا؛ لأنه لو احتمل شهر أنه دون الشهر رفع الاحتمال لا يكون بنفس، وإنما يكون بكل وهو دال على الشمول، فلا بد أن يكون من ألفاظ الإحاطة ككل وجمع وما عطف عليه.
وَاغْنَ بِكِلْتَا فِي مُثَنًّى وَكِلاَ ... عَنْ وَزْنِ فَعْلاَءَ وَوَزْنِ أَفْعَلاَ
(وَاغْنَ) يعني: استغن، استغن بكلتا عن وزن فعلاء، يعني لا تثنِ فعلاء تقول: فعلاوان؛ لوجود كلتا.
وَوَزْنِ أَفْعَلاَ: أجمعا، فلا يقال: جمعاوان؛ لوجود كلا، إذاً لا يثنى أجمع فيقال: جمعاوان، وكذلك لا يقال: أجمعان ولا يقال: جمعاوان؛ للاستغناء بكلا وكلتا، بدلاً أن تثني جمعاوان ائت بكلتاهما، وبدلاً من أن تثني أجمع فتقول: أجمعان ائت بكلا.
إذاً يستغنى عن تثنية وزن فعلاء ووزن أفعلا بكلتا وكلا، هذا مراده، وهذا نصصنا عليه فيما سبق.
(وَاغْنَ): أي: استغن.
(بِكِلْتَا) جار ومجرور متعلق بقوله: اغْنَ، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
(في مُثَنًّى) ما المراد بالمثنى هنا .. اصطلاحاً أو لغةً؟ لغةً، يعني ما دل على اثنين وإن لم يسم في الاصطلاح مثنى، ليدخل نحو: جاء زيد وعمرو كلاهما، وهند ودعد كلتاهما، (وَكِلاَ) معطوف على قوله: كِلْتَا، (عَنْ وَزْنِ فَعْلاَءَ) .. عن وزن فعلاء، أو عن تثنية وزن فعلاء؟ الثاني، إذاً يجب تقدير مضاف هنا .. على تقدير مضاف؛ لأن نفس وزن فعلاء لا يصلح للمثنى حتى يستغنى فيه عنه بغيره.
(عَنْ وَزْنِ فَعْلاَءَ وَوَزْنِ أَفْعَلاَ) كما استغني بتثنية سي عن تثنية سواء، فلا يقال: سواءان؛ لوجود سيان، سي ثم ألف ونون، إذاً هذه تثنية سي، فيستغنى عن تثنية سواء فلا يقال: سواءان لوجود سيان، كذلك لا يقال: جمعاوان ولا أجمعان لوجود كلا وكلتا، وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش، معترفين بعدم السماع والحمد لله.
أجازوه معترفين .. حالة كونهم معترفين بعدم السماع، لم يسمع، فإذا كان لم يسمع حينئذٍ نقول: الأصل التوقيف لأنه لفظ مسموع كما هو.
стр. 1771
قال الشارح: قد تقدم أن المثنى يؤكد بالنفس أو العين وبكلا وكلتا، ومذهب البصريين: أنه لا يؤكد بغير ذلك فلا تقول: جاء الجيشان أجمعان، ولا جاء القبيلتان جمعاوان استغناء بكلا وكلتا عنه، وأجاز ذلك الكوفيون.
إذاً: المشهور أن كلا للمذكر وكلتا للمؤنث، هذا هو المشهور، وقد يستغن بكليهما عن كلتيهما، كلا قد يقوم مقام كلتا، كلا في المؤنث المثنى يقام مقام كلتا، قاله في التسهيل.
وقد يستعمل عن كليهما وكلتيهما بـ كلهما، ويقال على هذا: جاء الزيدان كلُّهما، وجاءت الهندان كلُّهما، لكن هذا كله قليل.
إذاً الاستغناء عن كلتا بكلا نقول: هذا قليل. والاستغناء بكل عن كلا وكلتا نقول: هذا قليل.
ونقف على هذا، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1772
عناصر الدرس
* شروط تأكيد ضمير الرفع المتصل
* التوكيد اللفظي وحده
* توكيد لضمير المبصل تأكيداُ لفظياً
* توكيد الحروف
* التوكيد بضمير رفع منفصل
* شرح الترجمة العطف وبيان نوعيه
* حد عطف البيان واغراضه
* ما يتبع فيه عطف البيان متبوعه
* كل عطف بيان يصح إعرابه بدل كل من كل إلا ما استثنى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:
وقفنا عند قول الناظم - رحمه الله تعالى -:
وَإِنْ تُؤكِّدِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلْ ... بِالنَّفْسِ وَالعَينِ فَبَعْدَ المُنْفَصِلْ
عَنَيْتُ ذَا الرَّفْعِ، وَأَكَّدُوا بِمَا ... سِوَاهُمَا وَالقَيْدُ لَنْ يُلْتَزَمَا
(وَإِنْ تُؤكِّدِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلْ) يعني: إذا أُكِّد ضميرٌ مرفوعٌ متصل، سبق أن الضمير قد يكون مُتصلاً وقد يكون منفصلاً، وإذا كان مُتصلاً قد يكون منصوباً، وقد يكون مخفوضاً، وقد يكون مرفوعاً، يعني: في محل رفع، وفي محل نصب، وفي محل خفضٍ، هنا قال: (وَإِنْ تُؤكِّدِ الضَّمِيرَ) يعني: إذا أُكِّد ضميرٌ مرفوعٌ متصل (بِالنَّفْسِ وَالعَينِ) على جهة الخصوص وجب توكِيده أولاً بالضمير المنفصل، يعني: يَجب أن يُفصل بين المؤكِّد والمؤكَّد بالضمير المنفصل، ولذلك قال: (فبَعْدَ المُنْفَصِلْ) هذا متى؟ إذا أُكِّد الضمير المتصل المرفوع، حينئذٍ لا بُدَّ من توكيده بضمير رفعٍ منفصل، ثُمَّ بعد ذلك يأتي النفس والعين.
لو قلت: (قم) هذا فعل أمر فيه ضمير مستتر، هذا الضمير المستتر لا شك أنه متصلٌ ليس مُنفصلاً، وهو مرفوع، إذا أردت توكيده بالنفس: قم، لا تقل: قم نَفْسُك .. قم عَينُك قم نَفْسُك عَينُك لا، لا بُدَّ أن تفصل بين النفس وبين الضمير المؤكَّد بلفظ: أنت، وهو ضميرٌ؟؟؟ ليس أنت على جهة الخصوص وإنما بضمير رفعٍ منفصل، فتقول: قُم أنَتَ نَفسُك، حينئذٍ أكَّدْتَ الضمير المستتر المرفوع في (قم) بِنفسُك، وهو لفظ النفس الذي عناه الناظم هنا، وكذلك لفظ العين، ولكن بعد الفَصْل، وخَصَّصَ الناظم هنا الفصل بالضمير المُنفصِل.
حينئذٍ: قم أنت نفسك أو عينك .. قُمْنَا نحن أنفسنا، (قُمْنَا) (نا) هذا ضمير مُتَّصِل مرفوع، وإذا أردت توكيده بالنفس حينئذٍ تقول: قمنا نَحنُ، (نَحنُ) هذا ضمير رفع منفصل، أكَّدْتَه أو فَصَلَت بين الضمير المؤكَّد، وبين النفس الذي هو المؤكِّد بالضمير.
إذاً عرفنا مُراد الناظم هُنا: أنه إذا أرَدْتَ أن تؤكِّد ضميراً مرفوعاً مُتَّصلاً، حينئذٍ (بِالنَّفْسِ وَالعَينِ) على جهة الخصوص لا بغيرهما من المؤكِّدات وجَبَ الفصل بضميرٍ منفصل، فتقول: (قُم نَفسُك) غَلَط، بل لا بُدَّ أن تقول: قُمْ أنَتَ نَفسُك، قمنا نحن أنفسنا، وأمَّا: قمنا أنفسنا، هذا لا يصح.
قال ﵀: (وَإِنْ تُؤكِّدِ) إن: حرف شرطٍ، وتُؤكِّدِ: هذا فعل مضارع مجزوم بإن الشرطية وهو فعل الشرط، وإنما حرك هنا للتخلص من التقاء الساكنين، فجزْمه حينئذٍ يكون بسكونٍ مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، (وَإِنْ تُؤَكِّدِ الضَّ) إذاً التقى ساكنان، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: تؤكد أنت.
(الضَّمِيرَ) هذا مفعول به لتؤكد، و (المتَّصِلْ) هذا نعته، (بِالنَّفْسِ) متعلق بقوله: (تُؤكِّدِ)، إذاً: التأكيد هنا على جهة الخصوص، (بِالنَّفْسِ وَالعَينِ) معطوفٌ عليه، (فبَعْدَ المُنْفَصِلْ) يعني: بعد الضمير المنفصل.
стр. 1773
(فبَعْدَ المُنْفَصِلْ) بَعْدَ: هذا ظرف قيل: متعلق بمحذوف تقديره: فأكد بهما بعد الضمير المنفصل، أو فبعد أن يؤكِّده المنفصل، (وَإِنْ تُؤكِّدِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلْ) مطلقاً مستتراً كان أو بارزاً، بِالنَّفْسِ وَالعَينِ لا بغيرهما، لا بـ (كل) ولا بـ (كلا) ولا بـ (كلتا) ولا بـ (جميع) ولا بـ (عامة)، فهذه الألفاظ كلها يجوز فيها الوجهان: التوكيد .. الفصل وعدم الفصل، وأمَّا الحكم هنا فهو خاصٌ بالنفس والعين دون غيرهما.
وإنما اختص هذا الحكم بالنفس والعين لقوة استقلالهما، فإنهما يستعملان في غير التوكيد كثيراً، نحو: علمت ما في نفسك، وعين زيدٍ حسنة، العين الباصرة حسنة، حينئذٍ نقول: هذا اللفظ استعمل في غير التوكيد، هذا بخلاف: (كل) هناك، والكثير أن يكون تابعاً، وكذلك: (كلا) و (كلتا) و (جميعاً) و (أجمع) وتوابعها، الأكثر أن تقع مؤكدات، هنا استعمل النفس والعين استعمال الأسماء، يعني: لا التوكيد كثيراً في لسان العرب: علمت ما في نفسك، ليس توكيداً ونفس، عين زيدٍ جميلةٌ أو حسنة، عين باصرة، بخلاف بقية الألفاظ فلم يكن لها من قوة الاستقلال ما للنفس والعين، فلم يَكرهوا توكيد المرفوع المتصل بها.
إذاً: إذا أردت التوكيد بالنفس والعين لا بد من الفصل، لماذا؟ لأن استعمال هذين الاسمين النفس والعين في غير التوكيد كثير، وهذا لم يقوَ في باب (كل) ونحوه، لأن استعمالها التوكيد كثير، فقويت أن تؤكد دون فاصل، وأمَّا النفس والعين فلا.
(بِالنَّفْسِ وَالعَينِ) دون غيرهما، (فبَعْدَ المُنْفَصِلْ) يعني: بعد الضمير المنفصل .. بعد أن يؤكده الضمير المنفصل، يعني: تفصل بينهما بالضمير المنفصل.
(عَنَيْتُ ذَا الرَّفْعِ) هذا تقييد لقوله: (الضَّمِيرَ المُتَّصِلْ) في قوله: (وَإِنْ تُؤَكِّدِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلْ) هذا عام يشمل الضمير المتصل المرفوع، والضمير المتصل المنصوب، والضمير المتصل المخفوض هذا عام، هل الحكم عام؟ لا، قال: (عَنَيْتُ) بقولي: (إِنْ تُؤَكِّدِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلْ: ذَا الرَّفْعِ) إذاً: فهم أن المنصوب المتصل، والمخفوض المتصل لا يجب أن يُفصل بين المؤكِّد والمؤكَّد، بل هو حسنٌ كما سيأتي.
وَإِنْ تُؤَكِّدِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلْ ... بِالنَّفْسِ وَالعَينِ فَبَعْدَ المُنْفَصِلْ
حتماً واجباً، وإنما وجب ذلك، قالوا: لوقوع اللبس في بعض المواقع، كما لو قلت: هندٌ ذهبت نفسها، وسعدى خرجت عينها، هذا يحتمل .. فيه لبس، هندٌ خرجت نفسها يعني: روحها يحتمل، خرجت نفسها هل هذا توكيد أم فاعل؟ يحتمل أنه فاعل فنفسها خرجت .. روحها، ويحتمل أنه توكيد للضمير المستتر، خرجت هي نفسها، فلما وقع اللبس حينئذٍ لا بد من الفاصل.
стр. 1774
وسعدى خرجت عينها، عينها يعني: بذاتها .. هي نفسها خرجت؟ أو خرجت عينها على الأصل؟ عينها الباصرة، فهذا يحتمل أن تكون نفسها ذهبت وعينها خرجت، فإذا قيل: ذهبت هي نفسها تعين أن يكون نفسها توكيداً لا فاعل، لم يكن لبسٌ، حينئذٍ لم يفرقوا بين هذين المثالين وغيرهما طرداً للباب، لما وقع اللبس في بعضٍ، وإن لم يقع اللبس في بعضٍ، حينئذٍ طرداً للباب قالوا: يتعين أن يُفصل بين الضمير المتصل المرفوع، وبين مؤكِّده بالنفس والعين بضميرٍ منفصل، لا بد أن يُفصل بينهما.
وقيل: إنما وجب الفصل لأن المرفوع المتصل بمنزلة الجزء، فكرهوا أن يؤكدوه أولاً بمستقلٍ من غير جنسه، فأكدوه أولاً بمستقل من جنسه، وبمعناه وهو الضمير المنفصل المرفوع ليكون تمهيداً لتأكيده بالمستقل من غير جنسه، وهو النفس والعين، يعني: كأنهم فروا من أن يؤكَّد الضمير بالاسم الظاهر، والاسم الظاهر الذي هو من غير جنس الضمير، وحينئذٍ قالوا: أولاً نمهد بأن يؤكَّد بضميرٍ منفصل ثم بعد ذلك يؤتى بالنفس والعين.
ليكون تمهيداً لتأكيده بالمستقل من غير جنسه، وهو النفس والعين اللذان هما من الأسماء الظاهرة، أمَّا إذا كان المؤكَّد اسماً ظاهراً، أو ضمير رفعٍ منفصل، أو ضمير نصبٍ مطلقاً فلا يشترط هذا الشرط، ولذلك قال: (وَإِنْ تُؤكِّدِ الضَّمِيرَ) إذاً: لا الاسم الظاهر .. خرج به الاسم الظاهر، فإذا قلت: جاء زيدٌ نفسه، لا نحتاج: جاء زيدٌ أنت أو هو نفسه كما سبق معنا، إذاً: لا نحتاج لأنه ظاهرٌ بنفسه.
وكذلك الضمير المنفصل والضمير المخفوض، لأنه قال: (عَنَيْتُ ذَا الرَّفْعِ) يعني: قصدت بهذا الحكم الضمير المتصل المرفوع، وأمَّا غيره فهو واضحٌ، فلا يشترط هذا الشرط لفقد العلة المقتضية له، إذ الظاهر مستقلٌ بنفسه، والمنفصل ليس كالمتصل لاستقلاله بنفسه، إياك إياك لا نحتاج إلى التوكيد، والمنصوب ليس كالمرفوع في شدة الاتصال، لأن المنصوب مفعولٌ به كما سبق، والمفعول به ليس في قوة المرفوع، لأن المرفوع كجزءٍ من الفعل، ولذلك كانت رتبة الفاعل متقدمة على رتبة المفعول.
إذاً: المنصوب ليس كالمرفوع (وَإِنْ تُؤكِّدِ الضَّمِيرَ المُتَّصِلْ) إذاً مفهومه: أن الضمير المؤكد بالنفس والعين إذا كان منفصلاً لا يلزم توكيده بالضمير نحو: أنت نفسك قائمٌ، هل يحتاج إلى توكيد؟ نقول: لا، لأنه في قوة الاسم الظاهر هنا.
(عَنَيْتُ ذَا الرَّفْعِ) يعني: عنيت بهذا الضمير في قولي: (إِنْ تُؤَكِّدِ الضَّمِيرَ المتَّصِلْ)، عَنَيْتُ بهذا الضمير (ذَا الرَّفْعِ) يعني: صاحب الرفع، الضمير المتصل بكونه مرفوعاً، وهذا واضحٌ بيِّن. مفهومه: أنه إذا لم يكن مرفوعاً حينئذٍ لا يُلتَزَم الفصل.
(وَأَكَّدُوا بِمَا سِوَاهُمَا) هذا تصريحٌ بالمفهوم السابق، لأنه قال: (بِالنَّفْسِ وَالعَينِ) قلنا: هذا قيد، مفهومه -وإن تؤكد بالنفس والعين فبعد المنفصل- مفهومه: إن لم تؤكد بالنفس والعين فلا يشترط، إذاً: هذا تصريح بالمفهوم السابق.
стр. 1775
(وَأَكَّدُوا بِمَا سِوَاهُمَا) أكدوا الضمير المتصل المرفوع (بِمَا) يعني: بمؤكدٍ (سِوَاهُمَا) سوى العين والنفس، (وَالقَيْدُ لَنْ يُلْتَزَمَا)، أيُّ قيد .. أين هو من كلامه؟ (فبَعْدَ المُنْفَصِلْ) هكذا، يعني: حتماً، فأكد بهما قلنا: بعد هذا منصوب بعامل محذوف، تقديره: فأكد بهما بعد المنفصل، إذاً: وجب التوكيد بعد المنفصل إذا كان التوكيد بالنفس والعين.
(وَأَكَّدُوا) أي: العرب، الضمير المتصل المرفوع (بِمَا) جار ومجرور متعلق بقوله: أَكَّدُوا، وما: هنا اسم موصول بمعنى: المؤكد، أكدوا بمؤكدٍ (سِوَاهُمَا) يعني: سوى النفس والعين، استقر سواهما، أو ثبت سواهما، (والقَيْدُ لَنْ يُلْتَزَما) فيجوز تركه، إذا كان القيد السابق (فبَعْدَ المُنْفَصِلْ) لن يلتزم حينئذٍ جاز تركه.
وفهم من عبارته: أنه جائزٌ التوكيد، لأنه قال: لن يُلتَزَم .. لن يجب، ونفي الوجوب لا يستلزم نفي المشروعية، هذا الأصل، في الشرع إذا قيل: ليس بواجب معناه: ليس بمشروع؟ لا، قد يكون مندوباً، المشروع: هذا يشمل الواجب والندب، فإذا قيل: ليس بمندوبٍ لا يُفهم منه أنه ليس بواجب، وإذا قيل: ليس بواجبٍ لا يُفهم منه أنه ليس بمندوب، وإذا قيل: ليس بواجبٍ لا يُفهم منه أنه ليس بمشروع، والعكس بالعكس، لأن المشروع أعم، يعني: جاء به الشرع.
(وَالقَيْدُ لَنْ يُلْتَزَما) نفى الوجوب .. شرطية، وهذا لا ينفي أنه يجوز -الجواز والإباحة- أنه يجوز أن يؤكَّد بعد الفصل.
(وَأَكَّدُوا بِمَا سِوَاهُمَا) يعني: سوى النفس والعين، (وَالقَيْدُ لَنْ يُلْتَزَمَا) القيد السابق الذي أشار إليه بقوله: (فبَعْدَ المُنْفَصِلْ) .. لَنْ يُلْتَزَمَا، القَيْدُ: مبتدأ، ولَنْ: هذا ناصبة، ويُلْتَزَمَا: الألف للإطلاق، ويُلْتَزَمْ: فعل مضارع مُغيِّر الصيغة منصوب بلن، ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، (وَالقَيْدُ لَنْ يُلْتَزَمَا) يعني: غير مُلتَزَمٍ به، فُهِمَ منه أنه جائز، حينئذٍ يجوز تركه.
قال الشارح هنا: " لا يجوز توكيد الضمير المرفوع المتصل بالنفس أو العين إلا بعد تأكيده بضميرٍ منفصل " وهذا على قول الجمهور .. بل الجماهير: أنه يشترط أن يكون الفاصل ضمير منفصل، وذهب بعضهم ورجحه السِيُوطي في: الهمع، أنه لا يشترط الضمير، بل بأي فاصلٍ، وذهب بعضهم إلى أن الشرط مطلق الفصل، ولا يشترط أن يكون ضميراً.
قال السِيُوطي: " لا يشترط في كون الفاصل ضميراً "، لكن المشهور هو ما ذكره الناظم هنا، أنه يجب أن يكون الفاصل هو الضمير المنفصل. إلا بعد توكيده بضميرٍ منفصل: قوموا أنتم أنفسكم، قوموا: هذا فعل أمر، فيه ضمير متصل وهو الواو، هذا ضمير رفع متصل بعامله، أردت توكيده بالنفس، لا يصح أن تقول: قوموا أنفسُكم هكذا! على أن يكون أنفس هو توكيدٌ للضمير المتصل، بل لا بد أن يُفصل بينهما، والعلة التي ذكرنها سابقاً. قوموا أنتم أنفسكم، أو أعينكم، ولا تقل: قوموا أنفسكم، بل تقول: قم أنت نفسك أو عينك، وقمنا نحن أنفسنا، وقاموا هم أنفسهم، إذاً: لا بد من الفصل بين الضمير المتصل المرفوع، والتوكيد إذا كان بالنفس والعين.
стр. 1776
بخلاف: قام الزيدون أنفسهم، هل يشترط؟ لا يشترط، وهذا مأخوذٌ من الأبيات السابقة، وكذلك من قوله: (وَإِنْ تُؤكِّدِ الضَّمِيرَ) إذاً: إذا أكدت الاسم الظاهر فعلى الأصل: أنه لا نحتاج إلى فاصلٍ. بخلاف: قام الزيدون أنفسهم، فيمتنع توكيده بالضمير، لأن الاسم الظاهر لا يؤكَّد بالضمير، لأن الضمير أعرف كما سبق، فحينئذٍ لا يكون مؤكداً.
قال: فإذا أكدته بغير النفس والعين لم يلزم ذلك، تقول: قوموا كلكم .. قوموا أنفسُكم، لا يصح، قوموا أنتم أنفسُكم .. قوموا كلكم، صح، لماذا؟ لأن الشرط أن يكون المؤكد هو النفس والعين، وما عداهما لا يجب، (وَالقَيْدُ لَنْ يُلْتَزَما) إذاً: قوموا كلكم .. قوموا أنتم كلكم، يجوز؟ يجوز الوجهان والفصل أحسن. تقول: قوموا كلكم، أو: قوموا أنتم كلكم فالضمير جائزٌ لا واجب بل هو حسنٌ .. أن يُفصل بين الضمير المتصل المرفوع وبين ما عدى سوى .. إذا أكد بما سوى والعين حينئذٍ نقول: الفصل حسنٌ وليس بواجبٍ. وكذا إذا كان المؤكد غير ضمير رفعٍ، بأن كان ضمير نصبٍ أو جرٍ فتقول: مررت بك نفسك، أو عينك، ومررت بكم كلكم، ورأيتك نفسك أو عينك، ورأيتكم كلكم، حينئذٍ نقول: هذا توكيدٌ بما سوى النفس بضميرٍ متصل، لكنه منصوبٌ أو مخفوض، حينئذٍ لا يتعين الفصل.
إذاً خلاصة هذا البحث: أنه إذا أُكد الضمير المتصل المرفوع وجب الفصل بضميرٍ منفصل، وهذا إذا كان التوكيد بالنفس والعين فقط، والعلة ما ذكرناها سابقاً، وأمَّا إذا أُكد غير الضمير المتصل المرفوع، وهذا يشمل الاسم الظاهر، ويشمل الضمير المتصل المنصوب أو المخفوض، فلا يجب بل هو حسنٌ فيما إذا كان التوكيد بالنفس والعين، وإذا كان التوكيد بغير النفس والعين، حينئذٍ لا يجب الفصل مطلقاً، سواءٌ أُكد الضمير المتصل المرفوع أو سواه، هذا مراده بهذين البيتين.
إذاً: (عَنَيْتُ ذَا الرَّفْعِ) هذا تقييد لقوله: (الضَّمِيرَ المُتَّصِلْ) .. انتبه لهذا!
(وَأَكَّدُوا بِمَا سِوَاهُمَا) هذا تصريحٌ بالمفهوم بقوله: (بِالنَّفْسِ وَالعَينِ) لأنه متعلق بقوله: (تُؤَكِّدِ).
ثُمَّ قال:
وَمَا مِنَ التَّوكِيدِ لَفْظِيٌّ يَجِي ... مُكَرَّراً كَقَوْلِكَ ادْرُجِي ادْرُجِي ...
هذا شروعٌ منه في بيان القسم الثاني من نوعي التوكيد، سبق أن التوكيد نوعان: توكيدٌ معنوي، وتوكيدٌ لفظي، التوكيد المعنوي محصورٌ في سبعة ألفاظ، ولذلك لم يحده النحاة، والتوكيد اللفظي هذا كذلك مقابلٌ للأول، الأول باعتبار المعنى، ولكنه بألفاظٍ محصورة، وهذا بذات اللفظ، وليس له ألفاظاً محصورة وإنما له الجنس، لأنه يقع بالفعل، ويقع بالجملة، ويقع بالحرف، ويقع بالاسم، يكون التوكيد اللفظي بماذا؟ بالفعل .. جنس الفعل، وأمَّا إذا أردنا أن نعدد الأفعال فهذا لا حصر لها، وكذلك بالاسم، وكذلك بالحرف، وكذلك بالجملة، يؤكّد بها.
стр. 1777
عرفه بعضهم: بأن التوكيد اللفظي هو إعادة اللفظ الأول بعينه .. بذاته .. بنفسه، بعينه قلنا: عين هذا يُجر بالباء، إعادة اللفظ الأول بعينه، وهذا يشمل الحرف والاسم والفعل، والجملة كذلك، والمركب غير جملة أيضاً، غلام زيدٍ غلام زيدٍ، هذا مركب ليس جملة. فإعادة الاسم كأن تقول: قام زيدٌ زيدٌ، إعادة اللفظ الأول بعينه سواء كان فاعلاً أو مفعولاً، فتقول: قام زيدٌ زيدٌ، قام: فعلٌ ماضي، وزيدٌ: فاعلٌ مرفوع، وزيدٌ الثاني: توكيدٌ لفظي، ولا تقل: فاعل، إنما هو توكيدٍ لفظي لزيد، فهو إعادة للفظ الأول الذي هو زيد الفاعل بعينه .. بنفسه كما هو.
رأيت زيداً زيداً، رأيت: فعل وفاعل، وزيداً: مفعولٌ به، وزيداً الثاني: ليس مفعولاً ثاني لرأى، وإنما هو توكيدٌ للمفعول به، لأنه إعادة اللفظ بعينه:
أَخَاكَ أَخَاكَ، إِنَّ مَنْ لاَ أَخَاً لَهُ ... كَسَاعٍ إِلى الهَيْجَا بِغَيرِ سِلاَحِ
(أخاكَ أخاكَ) (أخاك) الأول: منصوبٌ بفعلٍ محذوف على الإغراء: الزم أو احفظ أخاك، أخاك الثاني توكيدٌ للأول منصوبٌ مثله، لأن حكم التوكيد حكم المؤكَّد، لأنه تابع وهذا لا يحتاج أن ننصص عليه في كل مقام، فلما كان التابع هو الاسم المشارك لما قبله في إعرابه دخل فيه أنواع التوابع كلها، ومنها التوكيد المعنوي والتوكيد اللفظي.
إذاً: يكون في الاسم:
أَخَاكَ أَخَاكَ، إِنَّ مَنْ لاَ أَخَاً لَهُ ... كَسَاعٍ إِلى الهَيْجَا بِغَيرِ سِلاَحِ
فـ: (أخاك) الأول هذا منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ وجوباً على الإغراء، والثاني توكيدٌ له.
أو فعلاً، تقول: جاء جاء زيدٌ، قام قام زيدٌ إذا أردت توكيد القيام، فقام الأول: فعل، وقام الثاني: كذلك فعل، لكن قام الأول فعلٌ أسند إلى فاعله، وقام الثاني قُصِدَ به التوكيد فحسب فليس له فاعل، وهذا سبق معنا في الفعل الذي ليس له فاعل، وهو إذا كان الفعل مؤكِّداً لما سبق، فحينئذٍ قام قام زيدٌ، زيدٌ هذا لا نقول: من باب التنازع كما قيل، وإنما نقول: قام الأول فعلٌ قُصدت فعليته، لأنه مستقل بذاته لم يكن تابعاً لغيره، وقام الثاني قُصِدَ به التوكيد، فلما قُصِدَ به التوكيد حينئذٍ نُزِع منه الإسناد، يعني: لا يفتقر إلى فاعل، من حيث هو لو يكن مؤكِّداً لزم أن يكون مسنداً إلى غيره، لأن كل فعلٍ لا بد أن يكون ثم فاعلٌ له، وهنا لم يقصد به هذا، وإنما قصد به توكيد الفعل السابق، حينئذٍ لا فاعل له، وزيدٌ الملفوظ به فاعلٌ للأول.
ومنه: أتاكَ أتاكَ، أو أتاكِ أتاكِ، ضُبط بالوجهين، (أَتَاَكَ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ احْبِسِ احْبِسِ .. )، هذا فيه توكيدٌ للفعل، أتاكِ أتاكِ اللاحقون .. اللاحقون أتاكِ أتاكِ، أتى: هذا فعل ماضي، والكاف في محل نصب مفعول به، واللاحقون فاعل للأول، والثاني: توكيدٌ للأول أتاكِ، أعاد الضمير المتصل وهو منصوبٌ توكيداً لسابقه، واللاحقون: هذا فاعلٌ للأول، قال بعضهم: أن أتاكِ أتاكِ، واللاحقون من باب التنازع، وهذا لا يصح، لماذا؟ لأن اللاحقون فاعل، وسبق أنه إذا أُعْمِل الأول أو الثاني وجب الإضمار، ولا يجوز الحذف، لو كان المقام من مقام التنازع لقال: أتوكِ أتاكِ اللاحقون، إذا أعْمَلَ الثاني، أتاكِ أتوكِ اللاحقون.
стр. 1778
قال بعضهم: أتاكِ أتاكِ اللاحقون، الفعلان تنازعا في "اللاحقون" على أنه فاعلٌ لهما. نقول: أتاكِ أتاكِ، على أن الفعلين تنازعا اللاحقون، نقول: هذا فاسد، لماذا؟ لأنه لو أُعْمِلَ الثاني وجب باتفاق البصريين والكوفيين الإضمار في الأول، فيقول: أتوكِ أتاكِ اللاحقون، هذا إذا أعمَلَ الثاني، وإذا أعمَلَ الأول أتاكِ أتوكِ اللاحقون لكنه لم يضمر، فدل على أن اللاحقون فاعلٌ للأول والثاني توكيدٌ له ولا فاعل له، وقال بعضهم: أتاكِ أتاكِ اللاحقون، اللاحقون: هذا فاعلٌ للفعلين معاً، وهذا أفسد، لماذا؟ لأن الشيء الواحد لا يكون فاعلاً لاثنين، ولو كانا متحدين اللفظ والمعنى، بل كل فعلٍ يقتضي فاعلاً مختصاً به، هذا هو الأصل.
إذاً الصواب نقول: أَتَاَكَ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ، أتاكِ الأول فعل ماضي، والكاف مفعولٌ به، واللاحقون: فاعله، أتاكِ الثاني: توكيد، الحاصل أن هذا من مقام توكيد الفعل بالفعل.
احْبِسِ احْبِسِ: هذا ظاهره أنه من توكيد الجملة، لأنك تقول: قام زيدٌ قام زيدٌ قام زيدٌ، تؤكِّد والتوكيد أقصى ما يكون ثلاثة، قام زيدٌ قام زيدٌ قام زيدٌ، وهذا الذي عللنا به فيما سبق: أن التوكيد قائمٌ مقام تكرير جملتين أو ثلاثة، إذا زيد حرفٌ في الجملة قلنا: هذا يؤكِّد، يعتبر من المؤكِّدات، وإذا كان من المؤكِّدات معناه: أنه أُقِيمَ مُقَام جملتين فأكثر، هذا المراد بالتوكيد، أليس التوكيد هو التقوية؟
إذا أردنا تقوية قام زيدٌ قام زيدٌ، أو: زيدٌ قائمٌ زيدٌ قائمٌ زيدٌ قائمٌ، قال بعض أهل البيان: أنه إذا قيل: إن زيداً قائمٌ، هذا في قوة قولك: زيدٌ قائمٌ زيدٌ قائمٌ زيدٌ قائمٌ، فحذفت زيدٌ قائمٌ الثانية وزيدٌ قائمٌ الثالثة، وعوضت عنها: إنَّ، ولذلك نقول: إنَّ مؤكدةٌ للنسبة، نسبة مضمون الخبر إلى المبتدأ .. الاسم، ما المراد بهذه النسبة؟ النسبة هذه لا تكون في اسمٍ، ولا تكون في خبرٍ، وإنما تكون بين اسمين: وهو ما يقتضيه تركيب الكلام.
الحاصل: أن احْبِسِ احْبِسِ، نقول: هذه الجملة الثانية مؤكدة للجملة الأولى.
قوله: هو إعادة اللفظ الأول بعينه، هذا فيه قصور، لماذا؟ لأنه قد يُعاد اللفظ الأول بمعناه، ويكون مؤكداً له، ولذلك جوزوا بعامة أن يُقال: نعم نعم، هذا في توكيد الحرف، نسينا أن نذكره!
يؤكَّد الحرف: زيدٌ قام .. قام زيد؟ نعم نعم، تعيد نعم الثانية توكيداً للأولى، ويصح أن يُقال: نعم جيري! وجيري بمعنى: نعم، هنا حصل توكيدٌ بين اللفظين، لكن أعيد الأول مرةً ثانية لكن بمعناه لا بلفظه، هذا يسمى توكيداً لفظياً، على هذا الحد المشهور عند النحاة، وهذا يُعرِّف به ابن هشام كثير في كتبه: إعادة اللفظ الأول بعينه لا يشمل ما كان معاداً بمرادفه، ولذلك عَرَّفه في التسهيل: بأنه هو إعادة اللفظ أو تقويته بموافقه معنىً، هذا أجمع، إعادة اللفظ أو تقويته بموافقه معنىً .. بما وافقه في المعنى، حينئذٍ يشمل ما ذكرناه، فله صورتان:
стр. 1779
فالأول: يكون في الاسم والفعل والحرف، وذكرنا أمثلتها، والمركب غير جملة: غلام زيدٍ غلام زيدٍ، هذا مركب غر جملة، جاء غلام زيدٍ غلام زيدٍ غلام زيدٍ، نقول: هذا توكيد غير مفرد وغير جملة: "جاء زيدٌ جاء زيدٌ"، "نكاحها باطل باطل باطل"، هذا توكيد مثلث، "قام قام زيدٌ، نعم نعم، لا لا" هذا إعادة اللفظ الأول بعينه، أمَّا بموافقه أو مرادفه في المعنى، مثَّلوا له بقوله: أَنْتَ بِالخَيْرِ حَقِيقٌ قَمِنٌ، قَمِنٌ: ما المراد بها؟ حقيق نفسها، فأكد: حقيقٌ بقمنٌ، وقمن هي في المعنى حقيق، هنا أعاد اللفظ لا بلفظه ولكن بمعناه، إذاً: وجد التوكيد بالإعادة والتكرار إلا أنه بالمعنى لا باللفظ.
ومنه توكيد الضمير المتصل بالمنفصل، منه يعني: من إعادة الشيء بموافقه .. بمرادفه دون لفظه: التوكيد .. توكيد الضمير المتصل بالمنفصل، قال الناظم:
(وَمَا مِنَ التَّوكِيدِ لَفْظِيٌّ يَجِي مُكَرَّرَاً) وما: اسم موصولٌ بمعنى: الذي مبتدأ، (مِنَ التَّوكِيدِ) هذا حالٌ من الضمير في (لَفْظِيٌّ) (لَفْظِيٌّ) الياء هذه ياء النسبة، ومر معنا عند قوله: (وَشِبْهِه كَذَا وَذِي) أن المنسوب في قوة المشتق، وإذا كان كذلك فحينئذٍ يرفع ضميراً مستتراً، بل عند بعضهم يرفع المنسوب اسماً ظاهراً.
إذاً: إذا كان كذلك فحينئذٍ قوله: لفظيٌ حال كونه من التوكيد، فمن التوكيد: جار ومجرور متعلق بمحذوف حالٌ من الضمير في لفظي، ولماذا جوزنا أن يكون حالاً من الضمير فيه؟ لأننا قلنا إنه في قوة المشتق، كأنه ذاتٌ منسوبةٌ إلى قريشٍ إذا قلت: قرشيٌ، مكيٌ ذاتٌ منسوبةٌ إلى مكة، يعني: المقام فيها، حينئذٍ نقول: هذا منسوبٌ، وإذا كان كذلك ففيه ضميرٌ صح مجيء الحال منه، إذاً: مِنَ التَّوكِيدِ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال الضمير في لَفْظِيٌّ.
ولَفْظِيٌّ: ما إعرابه؟ خبر المبتدأ، لا يصح، والذي لفظيٌ ما يصح، ما هو المحذوف .. أين صلة الموصول؟ إذا قيل: ما اسم موصول تبحث عن صلة الموصول، يَجِي .. إذا قلت: يجي وما يجيء من التوكيد لفظيٌ، ما يستقيم، يَجِي: هو الخبر .. خبر ما الموصول، ولَفْظِيٌّ: هو صلة الموصول على تقدير محذوف، وما: هو لفظيٌ من التوكيد يجيء مكرراً صحَّ؟ صحَّ، وما هو لفظيٌ إذاً: صارت صلة الموصول جملة اسمية، لَفْظِيٌّ: خبرٌ لمبتدأ محذوف تقديره هو.
وما هو لفظي حال كونه من التوكيد يجي مكرراً، وجملة يَجِي هي خبر المبتدأ، وإذا أعرب البيت عرفت المعنى، (وَمَا مِنَ التَّوكِيدِ لَفْظِيٌّ يَجِي) كما قلنا: جا يجي، وجاء يجيء، إذا قيل: جا يجي لغة، وإذا قيل: يجي من جاء حينئذٍ حذفت لامه ضرورة، لأن الهمزة هي اللام، جاء على وزن فعل، إذاً: الهمزة هي لام الكلمة، أين هي هنا، يجي؟ محذوفة، إذاً يجي: يحتمل أنه لغة وهذا هو الظاهر والأولى، ويحتمل أنه من جاء حينئذٍ يكون يجيء حذفت اللام التي هي الهمزة ضرورة لأجل الوزن.
(يَجِي) الضمير هنا يعود على: (وَمَا).
стр. 1780
(مُكَرَّراً) هذا حالٌ من فاعل: (يَجِي) حال كونه مكرراً، والتكرار هو الإعادة، ولذلك قلنا في حد التوكيد اللفظي إعادة اللفظ الأول بعينه، أو إعادة اللفظ أو تقويته بموافقه معنىً، إذاً: متضمنٌ لمعنى الإعادة، والتكرار هنا لا يزيد على ثلاث مرات، هذا يكاد أن يكون اتفاق بين النحاة والبيانيين، بل قيل: المكرر يكون مرتين، وقيل: ثلاثاً، ولا قائل بالزيادة، أمَّا مرتين أو ثلاثة، حينئذٍ يصح أن يُقال: قام زيدٌ زيدٌ، قام زيدٌ زيدٌ زيدٌ، إذا أردت التأكيد القوي فتعيد مرة ثالثة، مكرراً ثلاث مرات فقط لاتفاق على أنه لم يقع في لسان العرب أزيد منها، والتكرار هنا لفظاً ومعنىً أو معنىً، ليشمل النوعين اللذين ذكرهما في حد التوكيد اللفظي، لأننا قلنا: إعادة اللفظ الأول بعينه أو بموافقه، يعني: مرادفه في المعنى، إذاً: التكرار حصل لشيءٍ لفظي ومعنوي، وحصل لشيءٍ معنوي فحسب.
إذاً قوله: مكرراً لفظاً ومعنىً كـ قام قام زيد، أو معنىً فحسب نحو: أَنْتَ بِالخَيْرِ حَقِيقٌ قَمِنٌ، هنا أعيد وكرر لكن بالمعنى دون اللفظ.
(كَقَوْلِكَ ادْرُجِي ادْرُجِي) كَقَوْلِكَ: الكاف هنا للتشبيه .. مثال، إذاً ليست استقصائية، (كَقَوْلِكَ ادْرُجِي ادْرُجِي) (ادْرُجِي) هذا فعل أمر، والياء فاعل، كأنه قال: اركعي اركعي، الياء هذه فاعل، تركعين تركعين .. تدرجين تدرجين، إذاً: (ادْرُجِي ادْرُجِي) أي: اقربي اقربي، أو ادْرُجِي يعني: اصعدي الدرج، الدرج: جمع درجة وهي المرقاة .. السُلَّم، (ادْرُجِي ادْرُجِي) يعني: اصعدي الدرج، هل هذا من توكيد الجملة، أو من توكيد الفعل، أو من توكيد الضمير؟ يحتمل الثلاث، لكن ظاهر صنيع الناظم هنا: أنه من توكيد الجملة، لأن ادْرُجِي: هذا فعل وفاعل، فأعاده مرةً ثانية لأن أكثر ما يقع التوكيد اللفظي في الجمل كما سيأتي، ولذلك نحمله على الأكثر والأشهر أولى.
هذا المثال: (ادْرُجِي ادْرُجِي) يحتمل أن يكون من تأكيد الجملة وهذا ظاهر بيِّن، بل الظاهر هذا مراد الناظم، وعليه حمله الأشْمُوني، وأن يكون من تأكيد الضمير المتصل وهو معلومٌ من البيت الآتي وداخلٌ فيه فيكون تكرار، والأولى عدم حمله على هذا، وأن يكون من توكيد الفعل فقط - السِيُوطي حمله على الثاني لكنه مرجوح – وأن يكون من توكيد الفعل فقط: قام قام زيد، (ادْرُجِي ادْرُجِي) إذا قال: ادْرُجِي، لمَ أعاد الضمير مرةً أخرى؟ قال: لئلا يوهم أن المخاطب مُذَكَّر، لو قال: ادرجي ادرج، قد لا يفهم أن الثاني توكيداً للأول، لماذا؟ لأن الأول خطاب للمؤنث والثاني خطاب للمُذكَّر، لئلا يتوهم متوهم هذا أعاد مرةً ثانية الضمير المتصل، فقال ادْرُجِي ادْرُجِي، فيكون من باب توكيد الفعل مثل: قام قام زيدٌ، وهذا كذلك محتمل.
أن يكون من تأكيد الفعل فقط، وجيء بالضمير معه لئلا يلتبس بأمر المخاطب، الثاني توكيدٌ للأول ادْرُجِي .. ادرج هذا الأصل، لكن أعاد الضمير لئلا يلتبس أنه توكيدٌ والفاعل المخاطَب وليس الأمر كذلك.
стр. 1781
قال الشارح: " هذا هو القسم الثاني من قسمي التوكيد، وهو التوكيد اللفظي، وهو تكرار اللفظ الأول بعينه اعتناءً به " (ادْرُجِي ادْرُجِي) وكقوله: (أَتَاكِ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ احْبِسِ احْبِسِ) وهذا مشهور.
والأكثر في التوكيد اللفظي أن يكون في الجمل، هذا الأكثر، وأمَّا المفردات فهذا قليل، سواءً كان فعلاً، أو حرفاً، أو اسماً، وكثيراً ما يقترن بعاطفٍ إذا كان جملة، يعني: يُعد بعاطف: ((كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)) [النبأ: ٤ - ٥] الثانية توكيدٌ للأولى، والعاطف يكون ثَم على جهة الخصوص.
وجعل الرضي الفاء مثل ثُم، بمعنى: أنه يُعطف الجمل المؤكدة بعضها لبعض، سواءً كانت اثنتين أو ثلاث، أن يعطف بثُم، وألحق بها الرضي الفاء، ومنه: ((أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)) [القيامة: ٣٤ - ٣٥] اجتمع فيها حرفان.
ويأتي بدون عاطف، حديث: ﴿وَاللَّهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا﴾ ثلاث مرات، يعني: أعادها النبي ﷺ ثلاث مرات: ﴿لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا﴾ وهذا قد يرجِّح بأن التوكيد ثلاث لا اثنين، ولذلك يأتي في الأحاديث: ثلاثاً .. ثلاثاً كثير، هذا يدل على ماذا؟
أولاً: على أن التأكيد لا يزيد على الثلاث، ولم يرد أربعاً.
ثانياً: ترجيح القول بأنه مثلث دون أن يكون مثنى، لأن بعضهم يرى أن التكرار مرتين فحسب، أمَّا الثالثة فلا، نقول: وروده في الأحاديث كثيرة ثلاثاً .. ثلاثاً يدل على أن التوكيد يكون بالثلاث.
والمراد بعاطفٍ: صورةً، لأن بين الجملتين تمام الاتصال، إذا قيل: ((كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)) [النبأ: ٤ - ٥] الثانية توكيدٌ للأولى، طيب! العاطف هذا ما دوره؟ لو كان حقيقةً لكان من باب عطف النسق، عطف جملة على جملة، لو كان حقيقةً لخرج عن باب التوكيد فصار من عطف النسق، حينئذٍ لما لم يكن من عطف النسق ونحن جعلناه توكيداً، ثم عطفنا بحرف عطف لا بد أن نجعل هذا الحرف صورةً فحسب، يعني: لا وجود له من حيث المعنى، وعند البيانيين: أن الجملة الثانية إذا كانت عين الأولى لا يفصل بينهما بعاطف، إذا كانت هي عين الأولى حينئذٍ يكون بينهما تمام الاتصال .. متصلة بها .. هي عينها، فالأصل فيه أنها لا يعطف، فالفصل خلاف الفصيح، إذاً: لا بد أن نجعل أن هذا العاطف صورةً لا معنى له. والمراد بعاطفٍ صورةً لأن بين الجملتين تمام الاتصال، فلا تعطف الثانية على الأولى حقيقةً، ولأن حرف العطف لو كان عاطفاً حقيقةً كان تبعية ما بعده لما قبله بالعطف لا الترتيب، صحيح هذا.
стр. 1782
لو قيل بأن: ((أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)) [القيامة:٣٤] مثل: جاء زيدٌ وعمروٌ، وجاء زيدٌ وذهب عمروٌ، هذا من باب العطف في المفردات والجمل، إذاً: يقتضي أن الثاني منسوقاً على الأول، وهو من باب عطف النسق، ونحن حديثنا في التوكيد الذي يفيد التقوية، قام زيدٌ وخرج عمروٌ، ليس فيه تقوية، هذا عطف بالواو، حينئذٍ: ((أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)) [القيامة:٣٤] ((كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)) [النبأ: ٤ - ٥] نقول: لو جعل من باب العطف لخرج عن باب التوكيد، فلا يفيد تقويةً.
إذاً: هذا يؤكد أن هذا الحرف إنما جيء به لمجرد الربط الصوري فحسب، وأمَّا المعنى فلا. ويجب ترك العاطف عند الإبهام للتعدد، لو قال: ضربت زيداً ضربت زيداً، الثانية توكيدٌ للأولى، لو عطف: ضربت زيداً ثُم ضربت زيداً، يوهم أنه ضربه مرة ثانية، إذاً: فيه إيهام بالعطف فيجب الترك، ضربت زيداً ضربت زيداً، فإذا قلت: ضربت زيداً ثم ضربت زيداً، وقع إيهامٌ وهو أن الضرب مكررٌ.
هنا مثل ابن عقيل بقوله تعالى: ((كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً)) [الفجر: ٢١ - ٢٢] هاتان الآيتان أكثر النحاة على أنهما من قبيل التوكيد، وليس الأمر كذلك، بل ((دَكّاً دَكّاً)) [الفجر:٢١] دَكّاً الأول حال، والثاني معطوفٌ عليه بحذف العاطف، دَكّاً فدكاً، لأن المراد دَكّاً بعد دكٍّ .. صفاً بعد صفٍ، هذا المراد، فالمراد به ما ذكرناه، وأمَّا أنها توكيد فلا.
((كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً)) [الفجر:٢١] نقول: هذا ليس من التأكيد في شيء، لأن معناه: دَكّاً بعد دكٍّ، وأن الدك كرر عليها حتى صارت هباءً منثوراً، فالمراد به: ((دَكّاً دَكّاً)) [الفجر:٢١] يعني: تكرار الدك، وصفاً صفاً، ليس المراد صفاً واحداً لا، صفاً بعد صف، إذاً: كلٌ سابق عن الآخر.
وكذلك: ((وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً)) [الفجر:٢٢] ليس من التوكيد، إذ المعنى: أنه تنزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفاً بعد صفٍ، محدِقين بالخلق، فليس الثاني في الآيتين تأكيداً للأول، بل المراد التكرار، كما يُقال: علمته الحساب باباً باباً، فالثاني معطوف على الأول بحذف حرف العطف، وبعضهم إذا جعله حال يجعله في قوة: مُبَوَّباً، كما في قوله: ادخلوا الأول فالأول، لكن صُرِّحَ هنا بالعطف، إذاً: باباً بعد باب ليس من التوكيد للجملة.
وكذلك قول المؤذن: الله أكبر الله أكبر، الثانية .. الله أكبر: مبتدأ وخبر، الثانية: مبتدأ وخبر، هنا لم يعطف بينهما، هل هو من باب التوكيد؟ نقول: لا، بل المراد به: إنشاء تكبيرٍ ثانٍ، بخلاف: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، فالثاني المراد به الإخبار فهو في قوة التوكيد للسابق.
ولاَ تُعِدْ لَفْظَ ضَمِيرٍ مُتَّصِلْ ... إِلاَّ مَعَ اللَّفْظِ الَّذِي بهِ وُصِلْ
стр. 1783
إذا أريد تكرير لفظ الضمير المتصل للتوكيد، لم يَجُز ذلك إلا بشرط أن يُعاد مع المؤكِّد ما اتصل بالمؤكَّد، فإذا قلت مثلاً: مررت بك، ذكره ابن عقيل هذا المثال، إذا أردت أن تؤكد الضمير في: بك، الكاف هل تقول: مررت بكك .. تلحق به ضمير آخر؟ لا، إنما تؤكد الضمير، تعيده مرةً أخرى مع مدخوله: مررت بك بك، الثاني الكاف توكيد للضمير الأول، لكن لا يجوز أن يستقل بنفسه، ولا أن يتصل بالضمير السابق، حينئذٍ لا بد من إعادة ما اتصل بالمؤكَّد، إذاً: بك الأولى مؤكَّد، وبك الثانية توكيد، فوجب إعادة ما اتصل بالأول من أجل التوكيد.
(وَلاَ تُعِدْ لَفْظَ ضَمِيرٍ مُتَّصِلْ) إذا أكدته تأكيداً لفظياً، لا: ناهية، وتعد: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: أنت، ولفظَ: هذا مفعول به، وهو مضاف والضمير مضاف إليه، ومتصل: هذا نعت.
(إِلاَّ) أداة استثناء (مَعَ اللَّفْظِ) هذا ظرف متعلق بمحذوف حال من لفظ، إلا حال كونه مع اللفظ الذي وصل به، (الَّذِي) هذا نعت للفظ، (بهِ وُصِلْ) به جار ومجرور متعلق بقوله: (وُصِلْ)، الذي وصل به، وصل ما هو؟ المؤكَّد، (بهِ): بذلك الذي اتصل به، سواءٌ كان اسماً أو فعلاً أو حرفاً، فتقول: رغبت فيه فيه، إذا أردت أن تؤكد في وهو حرف، فيه: الضمير الذي دخل عليه: فيه، حينئذٍ لا تقل: فيهه! وإنما تقول: فيه فيه، أعدته بالسابق.
إذا أرِيدَ تكرير لفظ الضمير المتصل للتوكيد لم يجز ذلك إلا بشرط اتصال المؤكِّد بما اتصل بالمؤكََّد، نحو: مررت بك بك، ورغبت فيه فيه، والنحاة هنا ابن هشام وغيره، ابن عقيل جرى على هذا، يمثلون بالمجرور، ولا يمثلون بالمنصوب والمرفوع، مع أن الحكم واحد رأيتك رأيتك، قمت قمت، قالوا: لأنه لا يفيد المثال، لماذا؟ لأنه يوهم أنه من باب توكيد الجملة، إذا قلت: قمت قمت، ولذلك اختلف الشراح هنا في: (ادْرُجِي ادْرُجِي) هل هو من توكيد الجملة .. هل هو من توكيد الفعل .. هل هو من توكيد الضمير؟ اختلفوا فيه، لأنه مُحتَمِل، والمثال لا يصلح أن يكون مُحتملاً، وإنما تأتي بشيءٍ نصاً في المسألة، فالضمير به به .. بك بك .. فيه فيه، هذا لا إشكال فيه.
ولذلك يصح أن نُمثل نقول: قمتُ قمتُ، فإذا أردنا أن نؤكِّد التاء في: قمتُ، إذا أردنا توكيده نقول: قمت قمت، أعدنا الفعل مع التاء، فالتاء الثانية توكيدٌ للأول .. التاء في: قمت، وأعدنا الفعل، لكن لو مثل بهذا: قمت قمت، هذا يلتبس، لماذا؟ لأنه مُحتمل أن يكون من باب توكيد الفعل للفعل، ويحتمل أنه من باب توكيد الجملة للجملة.
على كلٍ: (وَلاَ تُعِدْ لَفْظَ ضَمِيرٍ مُتَّصِلْ) مطلقاً، سواءٌ كان مرفوعاً أو منصوباً أو مخفوضاً، إلا مع اللفظ الذي وصل به، سواءٌ كان فعلاً كـ: (قمتُ قمتُ) أو اسماً كغلامك غلامك، أو حرفاً كبك بك، اسماً مثل المضاف غلامك غلامك، مررت بغلامك غلامك، هذا توكيدٌ للكاف مع تكرار الاسم.
стр. 1784
إذاً: (وَلاَ تُعِدْ لَفْظَ ضَمِيرٍ مُتَّصِلْ) مُطلقاً سواءً كان مرفوعاً كـ: (قمتُ قمتُ) أو منصوباً كضربتكَ ضربتكَ، أو مخفوضاً بحرفٍ كفيه فيه، أو بالاسم نحو: (غلامكَ غلامكَ)، إلا مع اللفظ الذي وصل به بأن تكرره مرةً أخرى، وهنا: لم يذكر المنفصل، وإنما قال: متصل، لأنه واضح، المتصل: إياكَ إياكَ ضربت، لا يحتاج إلى تنصيص، إياك إياك ضربت، ضربت إياه إياه، هذا لا يحتاج إلى تنصيص لأنه ليس من شرطه أن يُعاد، لأنه مثل: جاء زيدٌ زيدٌ، كما أنه يتكرر وهو لفظٌ مستقل بنفسه، حينئذٍ لا يحتاج إلى تنصيص، والاسم الظاهر كذلك لا يحتاج إلى تنصيص لأنه واضح.
ولذلك نبه بعضهم قال: وإن كان اسماً ظاهراً، وضميراً منفصلاً منصوباً فواضح، فواضح أنه يُكرر اللفظ بعينه دون إعادة ما عَمِلَ فيه، فتقول: إياكَ إياكَ ضربت، إذاً: إياك الأول مفعولٌ به، وإياك الثاني توكيدٌ له، وضربت فعل وفاعل، والاسم الظاهر كذلك جاء زيدٌ زيدٌ، زيدٌ زيدٌ قام توكيد للمبتدأ أو توكيد للفاعل.
(كَذَا الحُرُوفُ) يعني: الحروف كذا، كَذَا هذا متعلق بمحذوف خبر مقدم، الحُرُوفُ: مبتدأ، (كَذَا) أي: مثل ذا، ما هو المشار إليه؟ الضمير المتصل، يعني: الحرف إذا أردت تأكيده فلا بد من إعادة ما دخل عليه، فإذا قلت مثلاً: إن زيداً قائمٌ، إذا أردت توكيد اسم إنَّ ماذا تقول؟ إن زيداً زيداً قائمٌ، أكد لي الخبر: إن زيداً قائمٌ قائمٌ، أكد لي إنَّ فقط، الظاهر أنك تقول: إنَّ إنَّ زيداً قائمٌ، مثلما قلت: زيداً زيداً، فقلت: قائمٌ قائمٌ، لكن النحاة مطبقون على أنه لا بد من إعادة مدخولها، فتقول: إنَّ زيداً إنَّ زيداً قائمٌ، واختلفوا في إعادة اسم إنَّ بالضمير، إنَّ زيداً إنه قائمٌ، أعدته لا بلفظه وإنما بمعناه أو بمرادفه أو بموافقه، لأن الضمير إذا رجع إلى شيء معين صار مرادفاً له، أنت لا تقول: ضربتُه، ضربتُه صار مبهم هذا، لكن إذا قلت: زيدٌ ضربتُه، الضمير هنا معيَّن أو لا؟ مبهم؟ ليس مبهماً لأن مرجعه معيَّن، فإذا قلت: إنَّ زيداً إنَّه قائمٌ، صار من التوكيد لـ (إنَّ) فأعدت اسم إنَّ معها لكن بالضمير، وهذا أولى كما سيأتي.
فيجوز فيها الوجهان: إنَّ زيداً إنَّ زيداً قائمٌ، إنَّ زيداً إنَّه قائمٌ.
(كَذَا الحُرُوفُ) أي: كالضمير المتصل، (غيْرَ مَا تَحَصَّلاَ بِهِ جَوَابٌ) يعني: الحروف التي تقع في جواب السؤال: نعم .. بلى .. جيري .. إي .. لا، هذه الحروف لا نحتاج إلى إعادة .. ليس لها مدخول أصلاً، هل جاء زيدٌ؟ نعم، انتهينا ليس فيه شيء يُعاد.
(غيْرَ مَا تَحَصَّلاَ) غيرَ منصوبٌ على ماذا، هل يجوز فيه الرفع؟ على الاستثناء (غيْرَ مَا تَحَصَّلاَ بِهِ جَوَابٌ) غيْرُ ما تحصلا، يصح أو لا؟ لا، لماذا لا يصح؟ لأنه يصح أن تكون نعت للحروف .. صفة، جَوَّزه بعضهم (كَذَا الحُرُوفُ غيْرُ مَا تَحَصَّلا) فلم يُقْصَد بها أن تقوم مقام (إلا) لكن الأولى النصب، غيْرَ مَا تَحَصَّلاَ هذا أولى.
стр. 1785
(كَذَا الحُرُوفُ غيْرَ) منصوبٌ على الاستثناء أو بالرفع نعت لحروف، غيْرَ: مضاف، وما: اسم موصول بمعنى: الذي مضافٌ إليه، (مَا تَحَصَّلاَ) الألف للإطلاق، تَحَصَّلاَ يعني: حصل، (تَفَعَّلَ) قصد به أصل الفعل ليس عندنا تفعُّل، إنما المراد به الحصول، وهذا لعله من أجل النظم، ما حصلَ به (جَوَابٌ)، جَوَابٌ هذا فاعل تَحَصَّلاَ، وذلك (كَنَعَمْ) هل جاء زيد؟ نعم، أليس زيدٌ قادماً؟ بلى، (كَنَعَمْ وَكَبَلى) وأجل، وجيري، وإي، ولا.
نعم: حرف تَصْدِيق للمُخْبِرِ وإعلامٍ للمُسْتَخبِرِ، ووعدٌ للطالب، وبمعنى نعم: جيري، وأجل، وأي، كما في المغني، وأمَّا: بلى، فلا تقع باطرادٍ إلا بعد النفي مجرداً، نحو: ((زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي)) [التغابن:٧] أو مقروناً باستفهامٍ حقيقي: أليس زيدٌ بقائم؟ نقول: بلى، أو توبيخِي: ((أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى)) [الزخرف:٨٠] هذا استفهام توبيخي، أو تقريري: ((أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)) [الأعراف:١٧٢].
على كلٍ: المراد هنا بهذين المثالين: (كَنَعَمْ وَكَبَلى) أدخل الكاف على: كَبَلى لماذا؟ لأنها في الغالب تقع في جواب نفيٍ، ونعم لا، لا تختص بالنفي.
قال الشارح هنا: " كذلك"، أي: كذلك، إذا أريد توكيد الحرف الذي ليس للجواب، حينئذٍ وجب فيه أمران: يجب أن يُعاد مع الحرف المؤكِّد ما اتصل بالمؤكَّد، نحو: إنَّ زيداً إنَّ زيداً قائم، ولا بد من الفصل بين الحرفين باسم إنَّ، وأمَّا إذا أعيدت إنَّ لوحدها حكموا عليها بأنها شاذ، مع أن القياس يقتضي هذا:
إِنَّ إِنَّ الكَرِيمَ يَحْلُمُ مَا لَمْ ... ... يَرَيَنْ مَنْ أَجَارَهُ قَدْ ضِيمَا
(إِنَّ إِنَّ الكَرِيمَ) قالوا: هذا شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه، لماذا؟ لأنه لا بد أن يُعاد مدخولها معها هذا الأصل، مثل الحرف، الذي هو حرف الجر ونحوه، مثل الذي دخل على الضمير المتصل، إنَّ إنَّ زيدٌ قائمٌ يعاد هو أو ضميره إن كان ظاهراً، والأولى: إنَّه قائمٌ لأنه الأصل، لماذا لأنه الأصل؟ لأن الاسم الظاهر إذا أعيد حينئذٍ نأتي بضميره، فإذا جئنا باسمه كما هو حينئذٍ أقمنا الظاهر مقام الضمير، هذا خروجٌ عن مقتضى الظاهر، فلذلك كان الأصل أن يؤتى بالضمير: إنَّ زيداً إنَّه قائمٌ، وهذا أولى كما ذكرنا. وإنما كان إعادة ضمير المؤكَّد أولى من إعادة لفظه لأمرين:
الأول: أنه يلزم على إعادة لفظه: إنَّ زيداً إنَّ زيداً قائمٌ، التكرار لفظاً، وليس مما يَحسن لغير موجب، لا بد من موجب يقتضي التكرار، وهنا ليس الموجب بظاهر.
стр. 1786
ثانياً: أن إعادته بلفظه ربما يوهم أن الثاني غير الأول، لو قال: إنَّ زيداً إنَّ زيداً قائمٌ، قد يقول: إنك وصفت زيدين بالقيام .. يحتمل، هذا موهم. أن الثاني غير الأول وإنما وقع بينهما اشتراكٌ، ولذلك قيل: جاء في القرآن بإعادة الضمير: ((فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [آل عمران:١٠٧] فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ: هم في رحمة الله خالدون .. فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا، هم في رحمة الله، ففي الثانية مؤكدة لـ (في) في قوله: في رحمة، ثم أعاد الرحمة بالضمير هكذا قيل. فإن (في) الثانية في قوله: فيها، توكيدٌ لـ (في) الأولى في قوله: فِي رَحْمَةِ اللَّهِ.
إذاً: يشترط فيما إذا كان حرفاً غير جوابيٍ أن يُعاد مع الحرف المؤكِّد ما اتصل بالمؤكَّد، وإن كان اسماً ظاهراً فالأولى أن يُعاد بضميره، ثم لا بد من الفصل بينهما، فحينئذٍ لا يُقال: إنَّ إنَّ زيداً، فإن كان الحرف جواباً كنعم، وبلى، وجيري، وأجل، وإي، ولا، جاز إعادته وحده بنفسه أو بمرادفه، يعني: يصح أن تقول: نعم نعم .. نعم جيري، حينئذٍ يكون من باب توكيد الموافق لا بلفظه وإنما بمعناه. جاز إعادته وحده فيقال لك: أقام زيدٌ؟ فتقول: نعم نعم .. تقول: نعم جيري، لا لا .. ألم يقم زيد؟ تقول: بلى بلى، هذا من توكيد الحرف.
لاَ لاَ أَبُوحُ بِحُبِّ بَثْنَةَ إِنَّهَا ... ... أَخَذَتْ عَلَيَّ مَوَاثِقَاً وَعُهُودَا
وَمُضْمَرُ الرَّفْعِ الَّذِي قَدِ انْفَصَلْ ... أَكِّدْ بِهِ كُلَّ ضَمِيرٍ اتَصَلْ
يَجوز أن يُؤكد بضمير الرفع المنفصل كل ضميرٍ متصل، كل ضمير متصل إذا جئت تؤكده حينئذٍ تأتي بضمير الرفع مرفوعاً كان نحو: قمت أنت، أو منصوباً نحو: أكرمتك أنت، أو مجروراً نحو: مررت به هو، فضمير الرفع المنفصل يجوز أن يؤكَّد به كل ضميرٍ متصل، سواءً كان الضمير المتصل الذي هو المؤكَّد مرفوعاً أو منصوباً أو مخفوضاً، يعني: في محلٍّ من هذه المحآل.
(وَمُضْمَرُ الرَّفْعِ) هذا مبتدأ، ويجوز أن يكون منصوباً على الاشتغال، (أَكِّدْ بهِ) مررت به، أكِّد مُضمَر الرفع، (ومُضْمَرُ الرَّفْعِ) قلنا مبتدأ، وهو مضاف والرفعِ مضافٌ إليه (الَّذِي) نعتٌ، الَّذِي يعني: يصدق على التوكيد اللفظي المرادف، (قَدِ انْفَصَلْ) يعني: المنفصل، (أَكِّدْ بهِ) يعني: بضمير الرفع، (كُلَّ) مفعولٌ به، (كُلَّ ضَمِيرٍ اتَصَلْ) أي: يجوز أن يؤكَّد بضمير الرفع المنفصل كل ضميرٍ متصل: رأيتك أنت .. مررت بك أنت .. زيدٌ جاء هو.
إذاً: حصل التوكيد بهذا، لكن ليس متفقاً عليه، لأنه في حالة الرفع: قُمْتَ أنْتَ، أنتَ: ضمير رفع، وهو مؤكِّد، والمؤكَّد ضمير رفع من جنسه، لا إشكال في حالة الرفع، قمتَ أنتَ، فقد أُكِّد الضمير المرفوع، أو أكَّد الضمير المرفوع ضميراً آخر مرفوعاً، فهو توكيدٌ منفصل ليس له عاملٌ ملفوظٌ به حتى يمكن أن يجيء متصلاً .. هذا واضح.
أمَّا في حالة النصب: أكْرَمتُكَ أنتَ، فقد وقع الضمير المنفصل الذي أصله أن يكون في محل رفع توكيداً للضمير المتصل المنصوب، فهذا محل إشكال مع ما مر معنا في باب الضمائر.
ومذهب الكوفيين: أنه في هذه الحالة يجوز أن يؤتى بالضمير المنفصل المنصوب، فيقال: أكرمتُكَ إياكَ، يعني:
стр. 1787
وَمُضْمَرُ الرَّفْعِ الَّذِي قَدِ انْفَصَلْ ... أَكِّدْ بِهِ كُلَّ ضَمِيرٍ اتَصَلْ
مُتصل، عند الكوفيين إذا كان الضمير المتصل المؤكَّد منصوباً فيؤتى بالضمير المنصوب هذا الأصل فيه: أكرمتُكَ إياكَ، نؤكده بما من جنسه لا بالمرفوع، وإنما نأتي به بالمنصوب، فيُقال: أكرمْتُكَ إياكَ، بدل أن يُقال: أكرمتُكَ أنتَ، حصل تخالف .. أكرمتُكَ: الكاف هذه في محل نصب، وأنتَ: هذا الضمير في محل رفع في الأصل، فكيف يؤتى به في مقامٍ المنصوب؟! ولذلك مذهب الكوفيين أكرمتُك إياكَ، ورأيته إياه .. رأيته الضمير الهاء، إذا أكدته على مذهب البصريين: رأيته هو، وهو لا يأتي في محل نصب، وإنما دائماً يكون ملازماً للرفع، وعلى مذهب الكوفيين: رأيته إياه، واختاره ابن مالك في غير هذا الكتاب، وهنا كلامه مطلق.
وأمَّا البصريون فقد أوجبوا حين تريد التوكيد أن تأتي بالضمير المنفصل المرفوع وصححوا نحو قولك: أكرمتُكَ إياكَ، وأكرمته إياه، على أن يكون بدلاً لا توكيداً، صححوا هذا التركيب: أكرمتُكَ إياكَ صحيح، لكن بدل لا توكيد، وأمَّا إذا أردت التوكيد فتأتي بضميرٍ مرفوع لا بد، ومذهب الكوفيين واضح بيِّن.
إذاً: (مُضْمَرُ الرَّفْعِ الَّذِي قَدِ انْفَصَلْ) يعني: ضمير الرفع المفصول المنفصل (أَكِّدْ بهِ كُلَّ ضَمِيرٍ) متصل مطلقاً، هذا ظاهر النظم، سواءٌ كان الضمير المتصل مرفوع أو منصوب أو مخفوض، وعلى مذهب الكوفيين وافقوا في المرفوع، وأمَّا المنصوب المخفوض فلا.
الْعَطْفُ
هذا انتقال إلى الباب الثالث وهو (العَطْفُ)، لما أنهى ما يتعلق بالنعت وأردفه بالتوكيد شرع في بيان العطف، والعطف في الأصل مصدر، مصدر قولك: عطفتُ الشيء إذا ثنَّيتَه فجعلتَ أحد طرفيه على طرفه الآخر، هذا الأصل في معناه.
العَطْفُ إِمَّا ذُو بَيَانٍ أَوْ نَسَقْ ... وَالغَرَضُ الآنَ بَيَانُ مَا سَبَقْ
فَذُو البَيَانِ تَابعٌ شِبْهُ الصِّفَةْ ... حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ
وهو لغةً: الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، ومراده بهذا الباب هنا: عطف البيان، وسيأتي عطف النسق.
وسمي التابع: عطف بيان، لأن المتكلم رجع إلى الأول فأوضحه به، وسيأتي مزيد بيان.
إذاً: أراد أن يُبيِّن بهذا الباب عطف البيان، وأمَّا عطف النسق فهذا سيأتي بحثه بعد هذا الباب.
(العَطْفُ) هذا مبتدأ، (إِمَّا ذُو بَيَانٍ أَوْ نَسَقْ) قسَّم أولاً ثم حدَّ عطف البيان، لأن عطف البيان وعطف النسق حقيقتان مختلفتان، وإذا كان الأمر كذلك حينئذٍ يمتنع أن يُجمعا في حدٍّ واحد، فلا بد أن نعرف التقسيم أولاً بأن العطف هذا على نوعين: عطف بيان، وعطف نسق، ثُمَّ نُعرِّف عطف النسق وعطف البيان كلاً على حده، لماذا؟ لأن كل واحدٍ منهما له حقيقة مخالفة تمام المخالفة للآخر، فيمتنع أن يُجمعا في حدٍّ واحد.
إذاً: حقيقة عطف البيان تخالف حقيقة عطف النسق، فلذلك لم يَذْكر الناظم ولا غيره من النحاة تعريفاً واحداً يجمعهما، لأن الحقائق المختلفة لا يجمعها تعريفٌ واحدٌ.
стр. 1788
(العَطْفُ إِمَّا) قلنا: العطف مبتدأ، (إِمَّا) هذا حرف تفصيل، سيأتي بحثه في عطف النسق (ذُو بَيَانٍ) صاحب بيان فهو خبر العطف، (أَو نَسَقْ) أو هنا استغنى بـ (أو) عن (إمَّا) الثانية، وهذا سيأتي بحثه في باب النسق، لأن الأصل أن نقول: عطف إمَّا ذو بيانٍ، وإمَّا ذو نسقٍ، فاستغنى بـ (أو) عن (إمَّا) يعني: أقيمت (أو) مُقام (إمَّا) هذا الأصل، إمَّا ذو بيانٍ أو نسق على حذف مضاف، يعني: أو ذو نسقٍ، يعني: صاحب نسق.
(وَالغَرَضُ) المقصود الآن الغرض: مبتدأ، و (الآنَ): هذا ظرف زمان (بَيَانُ)، هذا خبر المبتدأ الغرض، (بَيَانُ مَا سَبقَ) وهو عطف البيان، يعني: الذي سبق، ما هو الذي سبق في أول التقسيم؟ عطف البيان، إذاً: الغرض في هذا الباب، والآن .. الغرض الآن: تقييد، يعني: في هذا الباب، لأنه عَمَّمَ في الترجمة، فقال: (العَطْفُ) وهذا يشمل النوعين، لكنه أراد أن يبيِّن عطف البيان، قال: (وَالغَرَضُ الآنَ) يعني: في هذا الباب، (بَيَانُ) وهذا خبر المبتدأ، الغرض، (مَا سَبقْ) يعني: الذي سبق، وهو عطف البيان.
ثم شرع في بيان عطف البيان، فقال:
(فذُو البَيَانِ تَابِعٌ شِبْهُ الصِّفَةْ)، فذُو البَيَانِ الفاء هذه يحتمل أنها فصيحة، أو مجرد العطف، لأنه "فصيحة" قد يعرضها أنه قَدَّم مُقدِّمة: (وَالغَرَضُ الآنَ بَيَانُ مَا سَبقْ)، لو قال: (العَطْفُ إِمَّا ذُو بَيَانٍ أَوْ نَسَقْ .. فذُو البَيَانِ، قد يقول قائل .. ثَمَّ سائل سئل: ما هو ذو البيان؟ فقال: فذُو البَيَانِ، لكن لمَّا قال: (والغَرَضُ الآنَ بَيَانُ مَا سَبقْ) حينئذٍ أفسد علينا أن تكون الفاء هنا فصيحة، لأن الفصيحة تقع في جواب سؤال مُقَدَّر، وهنا لم يُجعل سؤال لأنه قدم مقدمة وهو في قوله: (والغَرَضُ الآنَ بَيَانُ مَا سَبقْ).
(ذُو البَيَانِ) صاحب البيان، إنما سُمي: عطفَ بيان لأنه يبيِّن متبوعه، إذ اللفظ الثاني تكرارٌ للفظ الأول، يشبه أن يكون مُرادفاً للأول، فإذا قلت: جاء زيدٌ أخوك، أخوك له ذات، وزيد ذات، أخوك: هذا عطف بيان، وزيد: مُبيَّن، حينئذٍ إذا قلت: زيد أخوك .. أخوك زيد، قدمت وأخرت، الذات في البيان والمبيَّن واحدة، أليس كذلك؟ الذات واحدة أو لا؟ جاء أخوك زيدٌ .. جاء زيدٌ أخوك، زيد: ذات، وأخوك: ذات، هل هما ذاتان أم ذات واحدة؟ ذاتٌ واحدة، إذاً: أشبه ما يكون بتكرار للفظ الأول، لكن تضمن إيضاحاً أو تخصيصاً. إذ اللفظ الثاني تكرارٌ للفظ الأول، يشبه أن يكون مرادفاً للأول، فالذات المدلول عليهما باللفظين واحدة، وإنما يؤتى بالثاني لزيادة البيان.
(فذُو البَيَانِ) هذا مبتدأ (تَابعٌ) هذا خبر جنس يشمل جميع التوابع.
(شِبْهُ الصِّفَةْ) يعني: أشبه النعت، في ماذا؟ في كونه موضحاً لمتبوعه في المعرفة، مخصصاً لمتبوعه في النكرة، إذاً: أشبه ذو البيان الصفة، فحينئذٍ بقوله: (شِبْهُ الصِّفَةْ) أخرج عطف النسق، لأنه لا يكون موضحاً لمتبوعه ولا مخصصاً، وأخرج كذلك البدل، لأنه لا يكون موضحاً لمتبوعه ولا مُخصصاً، وأخرج كذلك التوكيد، إذاً: ثلاثة أشياء من التوابع خرجت بقوله: (شِبْهُ الصِّفَةْ)
стр. 1789
قال بعضهم: وأخرج النعت كذلك، لأنه قال: شبه النعت وشبه الشيء: غيره، فخرج النعت بهذا القيد (فذُو البَيَان تَابِعٌ شِبْهُ الصِّفَةْ) أشبه الصفة .. أشبه النعت، ومشبه النعت: غيره، إذاً: خرج النعت، وكونه أشبه النعت بكونه موضحاً أو مخصصاً أخرج الثلاث البقية، إذاً: إلى هنا انتهى الحد.
ما المراد بقوله: (حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ)؟ قالوا: هذا أراد به أن يبيِّن الغرض الأصلي من عطف البيان، وهو أن يكون موضحاً لمتبوعه، ولذلك سُمي: بيان كاسمه، فالغرض الأعلى في عطف البيان: أن يكون مبيِّناً، والبيان والتبيين هو الإيضاح، وهو الكشف الذي عناه الناظم بقوله: (مُنْكَشِفَهْ).
(حَقِيقَةُ القَصْدِ به) يعني: ما المقصود بعطف البيان .. ما هو؟ الإيضاح، قصدك هو الإيضاح، (مُنْكَشِفَهْ) هذا خبر قوله: (حَقِيقَةُ).
فَذُو البَيَان تَابعٌ شِبْهُ الصِّفَةْ ... حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ
حقيقة: هذا مبتدأ، وهو مضاف، والقصد: مضافٌ إليه، وبه: متعلق بالقصد لأنه مصدر، ومنكشفة: هذا خبر المبتدأ.
إذاً نقول: (فَذُو البَيَان تَابِعٌ) هذا جنسٌ (شِبْهُ الصِّفَةْ) أي: في الإيضاح والتخصيص وغيرهما، يعني: لا يكون عطف البيان فقط موضحاً ومبيِّناً، بل يأتي كذلك للمدح، وقيل: للتوكيد، وابن مالك أضعف التوكيد، فقد جاء للمدح كما جاء للإيضاح والتخصيص، كما في قوله: ((الْبَيْتَ الْحَرَامَ)) [المائدة:٩٧] .. ((جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ)) [المائدة:٩٧] قال الزمخشري: الْبَيْتَ الْحَرَامَ عطف بيان أريد به المدح، إذاً: هو عطف بيان، لكن هل أريد به الكشف؟ الكعبة اسمٌ من أسماء مكة، انتبه! فائدة مهمة:
الكعبة اسمٌ من أسماء مكة، حينئذٍ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ عَلَم، لو لم تعرف أنت علم، فإذا كان كذلك إذا قال: ((الْبَيْتَ الْحَرَامَ)) [المائدة:٩٧] هذا مدحٌ له بأنه بيتٌ مُحرَّمٌ، حينئذٍ نقول: جيء بعطف البيان هنا من أجل المدح، لكن هذا قليل نادر، وإلا الأصل أن يكون مبيناً بمعنى: أنه تنكشف به حقيقة سابقه، وهذا ما عناه الناظم في قوله: (حَقِيقَةُ القَصْدِ به مُنْكَشِفَهْ).
إذاً: يأتي للإيضاح، وهذا إنما يكون بعد المعارف، ويأتي للتخصيص، وهذا إنما يكون بعد النكرات، وهل يأتي للمدح؟ نعم، على قلةٍ على ما ذكره الزمخشري في الآية، وهل يأتي للتوكيد؟ قيل: نعم، يأتي للتوكيد، ومثلوا بقول القائل: يَا نَصْرُ نَصْرَاً نَصْرَا، لكن هذا ابن مالك أضعفه: بأنه إذا اتحد اللفظ فالأولى أن يكون من باب التوكيد لا من باب عطف البيان، يَا نَصْرُ نَصْرَاً نَصْرَا، نَصْرَاً نَصْرَا نقول: هذا توكيد أو عطف بيان؟ على ما تقرر في السابق: (وَمَا مِنَ التَّوكِيدِ لَفْظِيٌّ يَجِي مُكَرَّراً) الظاهر أنه توكيد لفظي، وهذا أولى، بأن يُقال: إن عطف البيان لا يأتي للتوكيد، لأنه إذا اتحد لفظه مع متبوعه انتقل إلى كونه توكيداً لفظياً، فلا بد أن يكون مبايناً لمتبوعه، فإن اتحدا حينئذٍ نقول: رجع إلى الأصل.
تَابِعٌ شِبْهُ الصِّفَةْ ... حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ ..
стр. 1790
حَقِيقَةُ القَصْدِ، يعني: الأصل فيه ذلك، (حَقِيقَةُ القَصْدِ به مُنْكَشِفَهْ) يعني: انكشاف الذات التي هي المتبوع هذا المقصود .. المقصود به أصالةً هو الإيضاح والكشف، فلا يرد عطف البيان الذي للمدح وغيره، لماذا؟ لأنه وإن كان على قلة إلا أن الأصل والأكثر هو الإيضاح.
(حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ) قال بعضهم: أخرج النعت، أي: أنه فارَق عطف البيان النعت من حيث إنه يكشف المتبوع نفسه، يعني: بنفسه لا بمعنىً في المتبوع ولا في سببيه، ولذلك فُسِّرَ قوله: (بِهِ) يعني بنفسه، بخلاف النعت.
النعت: بما تضمنه من معنى، لاحظ معي: إذا قلت: جاء زيدٌ الفاضل .. جاء زيدٌ أخوك .. جاء زيدٌ الفاضل، الكشف والإيضاح حصل بالنعت لما فيه من معنى، لا بذات اللفظ، وأمَّا: جاء زيدٌ أخوك، فقلنا: مسمى أخوك هو عين مسمى زيد، فحصل الكشف بذات اللفظ لا بما تضمنه من معنى، لأنه كما سيأتي: عطف البيان لا يكون إلا جامداً، ففرقٌ بينهما من جهة أن عطف البيان يحصل به الكشف بذات اللفظ لا بما تضمنه من معنى، لأنه لا يتضمن معنى، لأنه ليس بمشتق بل هو جامد.
وأمَّا النعت فإنما يكشف لا بذاته، وإنما بما تضمنه النعت من معنى، معنىً في المتبوع، سواء كان حقيقياً أو في سببيه، وهو ما بعده .. الاسم المرفوع.
إذاً نقول: فارَق عطف البيان النعت: من حيث إنه يكشف المتبوع نفسه، لا بمعنىً في المتبوع، ولا في سببيه، وقيل: النعت خرج بقوله: شِبْهُ الصِّفَةْ، وهذا واضح .. هذا أجود، لأن شبه الشيء: غيره، وعليه فقوله: (حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ) لبيان الفرق بين النعت وعطف البيان لا للإخراج.
إذاً قوله: (شِبْهُ الصِّفَةْ) أخْرَج ثلاثة أنواع: عطف النسق، والتوكيد، والبدل، بقي ماذا؟ النعت، اختُلِفَ فيه: هل خرج بقوله: (شِبْهُ الصِّفَةْ) أو بقوله: (حقِيقَةُ القَصْدِ)؟ الظاهر أنه خرج بقوله: (شِبْهُ الصِّفَةْ) وحينئذٍ قوله: (حقِيقَةُ القَصْدِ) لا داعي له، لماذا؟ لأن عطف البيان شبه الصفة .. أشبه الصفة، أشبه الصفة في ماذا؟ في كونه موضحاً، وهو الذي دل عليه قوله: (حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ) إذاً: ليس فيه فائدة كبيرة بقوله: (حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ) فليس للإخراج، لأنه يُستغنى عنه بقوله: (شِبْهُ الصِّفَةْ) لأن شبه الشيء: غيره، لكن لمَّا كان هذا الشبه غير مُبيَّن فسره بقوله: (حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ).
يحتمل هذا، ويحتمل أنه إحالةٌ على ما سبق: النَّعْتُ تَابعٌ مُتِمٌّ مَا سَبَقْ، قلنا: المراد بكونه متماً ما سبق: أنه موضحٌ لمتبوعه في المعارف، ومخصصٌ لمتبوعه في النكرات، لما أحال هنا على ما هناك فسرناه بما سبق، حينئذٍ يكون تفسيراً لما أحال عليه.
следующие страницы →