Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
ثانياً: أن إعادته بلفظه ربما يوهم أن الثاني غير الأول، لو قال: إنَّ زيداً إنَّ زيداً قائمٌ، قد يقول: إنك وصفت زيدين بالقيام .. يحتمل، هذا موهم. أن الثاني غير الأول وإنما وقع بينهما اشتراكٌ، ولذلك قيل: جاء في القرآن بإعادة الضمير: ((فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [آل عمران:١٠٧] فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ: هم في رحمة الله خالدون .. فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا، هم في رحمة الله، ففي الثانية مؤكدة لـ (في) في قوله: في رحمة، ثم أعاد الرحمة بالضمير هكذا قيل. فإن (في) الثانية في قوله: فيها، توكيدٌ لـ (في) الأولى في قوله: فِي رَحْمَةِ اللَّهِ.
إذاً: يشترط فيما إذا كان حرفاً غير جوابيٍ أن يُعاد مع الحرف المؤكِّد ما اتصل بالمؤكَّد، وإن كان اسماً ظاهراً فالأولى أن يُعاد بضميره، ثم لا بد من الفصل بينهما، فحينئذٍ لا يُقال: إنَّ إنَّ زيداً، فإن كان الحرف جواباً كنعم، وبلى، وجيري، وأجل، وإي، ولا، جاز إعادته وحده بنفسه أو بمرادفه، يعني: يصح أن تقول: نعم نعم .. نعم جيري، حينئذٍ يكون من باب توكيد الموافق لا بلفظه وإنما بمعناه. جاز إعادته وحده فيقال لك: أقام زيدٌ؟ فتقول: نعم نعم .. تقول: نعم جيري، لا لا .. ألم يقم زيد؟ تقول: بلى بلى، هذا من توكيد الحرف.
لاَ لاَ أَبُوحُ بِحُبِّ بَثْنَةَ إِنَّهَا ... ... أَخَذَتْ عَلَيَّ مَوَاثِقَاً وَعُهُودَا
وَمُضْمَرُ الرَّفْعِ الَّذِي قَدِ انْفَصَلْ ... أَكِّدْ بِهِ كُلَّ ضَمِيرٍ اتَصَلْ
يَجوز أن يُؤكد بضمير الرفع المنفصل كل ضميرٍ متصل، كل ضمير متصل إذا جئت تؤكده حينئذٍ تأتي بضمير الرفع مرفوعاً كان نحو: قمت أنت، أو منصوباً نحو: أكرمتك أنت، أو مجروراً نحو: مررت به هو، فضمير الرفع المنفصل يجوز أن يؤكَّد به كل ضميرٍ متصل، سواءً كان الضمير المتصل الذي هو المؤكَّد مرفوعاً أو منصوباً أو مخفوضاً، يعني: في محلٍّ من هذه المحآل.
(وَمُضْمَرُ الرَّفْعِ) هذا مبتدأ، ويجوز أن يكون منصوباً على الاشتغال، (أَكِّدْ بهِ) مررت به، أكِّد مُضمَر الرفع، (ومُضْمَرُ الرَّفْعِ) قلنا مبتدأ، وهو مضاف والرفعِ مضافٌ إليه (الَّذِي) نعتٌ، الَّذِي يعني: يصدق على التوكيد اللفظي المرادف، (قَدِ انْفَصَلْ) يعني: المنفصل، (أَكِّدْ بهِ) يعني: بضمير الرفع، (كُلَّ) مفعولٌ به، (كُلَّ ضَمِيرٍ اتَصَلْ) أي: يجوز أن يؤكَّد بضمير الرفع المنفصل كل ضميرٍ متصل: رأيتك أنت .. مررت بك أنت .. زيدٌ جاء هو.
إذاً: حصل التوكيد بهذا، لكن ليس متفقاً عليه، لأنه في حالة الرفع: قُمْتَ أنْتَ، أنتَ: ضمير رفع، وهو مؤكِّد، والمؤكَّد ضمير رفع من جنسه، لا إشكال في حالة الرفع، قمتَ أنتَ، فقد أُكِّد الضمير المرفوع، أو أكَّد الضمير المرفوع ضميراً آخر مرفوعاً، فهو توكيدٌ منفصل ليس له عاملٌ ملفوظٌ به حتى يمكن أن يجيء متصلاً .. هذا واضح.
أمَّا في حالة النصب: أكْرَمتُكَ أنتَ، فقد وقع الضمير المنفصل الذي أصله أن يكون في محل رفع توكيداً للضمير المتصل المنصوب، فهذا محل إشكال مع ما مر معنا في باب الضمائر.
ومذهب الكوفيين: أنه في هذه الحالة يجوز أن يؤتى بالضمير المنفصل المنصوب، فيقال: أكرمتُكَ إياكَ، يعني:
стр. 1787
وَمُضْمَرُ الرَّفْعِ الَّذِي قَدِ انْفَصَلْ ... أَكِّدْ بِهِ كُلَّ ضَمِيرٍ اتَصَلْ
مُتصل، عند الكوفيين إذا كان الضمير المتصل المؤكَّد منصوباً فيؤتى بالضمير المنصوب هذا الأصل فيه: أكرمتُكَ إياكَ، نؤكده بما من جنسه لا بالمرفوع، وإنما نأتي به بالمنصوب، فيُقال: أكرمْتُكَ إياكَ، بدل أن يُقال: أكرمتُكَ أنتَ، حصل تخالف .. أكرمتُكَ: الكاف هذه في محل نصب، وأنتَ: هذا الضمير في محل رفع في الأصل، فكيف يؤتى به في مقامٍ المنصوب؟! ولذلك مذهب الكوفيين أكرمتُك إياكَ، ورأيته إياه .. رأيته الضمير الهاء، إذا أكدته على مذهب البصريين: رأيته هو، وهو لا يأتي في محل نصب، وإنما دائماً يكون ملازماً للرفع، وعلى مذهب الكوفيين: رأيته إياه، واختاره ابن مالك في غير هذا الكتاب، وهنا كلامه مطلق.
وأمَّا البصريون فقد أوجبوا حين تريد التوكيد أن تأتي بالضمير المنفصل المرفوع وصححوا نحو قولك: أكرمتُكَ إياكَ، وأكرمته إياه، على أن يكون بدلاً لا توكيداً، صححوا هذا التركيب: أكرمتُكَ إياكَ صحيح، لكن بدل لا توكيد، وأمَّا إذا أردت التوكيد فتأتي بضميرٍ مرفوع لا بد، ومذهب الكوفيين واضح بيِّن.
إذاً: (مُضْمَرُ الرَّفْعِ الَّذِي قَدِ انْفَصَلْ) يعني: ضمير الرفع المفصول المنفصل (أَكِّدْ بهِ كُلَّ ضَمِيرٍ) متصل مطلقاً، هذا ظاهر النظم، سواءٌ كان الضمير المتصل مرفوع أو منصوب أو مخفوض، وعلى مذهب الكوفيين وافقوا في المرفوع، وأمَّا المنصوب المخفوض فلا.
الْعَطْفُ
هذا انتقال إلى الباب الثالث وهو (العَطْفُ)، لما أنهى ما يتعلق بالنعت وأردفه بالتوكيد شرع في بيان العطف، والعطف في الأصل مصدر، مصدر قولك: عطفتُ الشيء إذا ثنَّيتَه فجعلتَ أحد طرفيه على طرفه الآخر، هذا الأصل في معناه.
العَطْفُ إِمَّا ذُو بَيَانٍ أَوْ نَسَقْ ... وَالغَرَضُ الآنَ بَيَانُ مَا سَبَقْ
فَذُو البَيَانِ تَابعٌ شِبْهُ الصِّفَةْ ... حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ
وهو لغةً: الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، ومراده بهذا الباب هنا: عطف البيان، وسيأتي عطف النسق.
وسمي التابع: عطف بيان، لأن المتكلم رجع إلى الأول فأوضحه به، وسيأتي مزيد بيان.
إذاً: أراد أن يُبيِّن بهذا الباب عطف البيان، وأمَّا عطف النسق فهذا سيأتي بحثه بعد هذا الباب.
(العَطْفُ) هذا مبتدأ، (إِمَّا ذُو بَيَانٍ أَوْ نَسَقْ) قسَّم أولاً ثم حدَّ عطف البيان، لأن عطف البيان وعطف النسق حقيقتان مختلفتان، وإذا كان الأمر كذلك حينئذٍ يمتنع أن يُجمعا في حدٍّ واحد، فلا بد أن نعرف التقسيم أولاً بأن العطف هذا على نوعين: عطف بيان، وعطف نسق، ثُمَّ نُعرِّف عطف النسق وعطف البيان كلاً على حده، لماذا؟ لأن كل واحدٍ منهما له حقيقة مخالفة تمام المخالفة للآخر، فيمتنع أن يُجمعا في حدٍّ واحد.
إذاً: حقيقة عطف البيان تخالف حقيقة عطف النسق، فلذلك لم يَذْكر الناظم ولا غيره من النحاة تعريفاً واحداً يجمعهما، لأن الحقائق المختلفة لا يجمعها تعريفٌ واحدٌ.
стр. 1788
(العَطْفُ إِمَّا) قلنا: العطف مبتدأ، (إِمَّا) هذا حرف تفصيل، سيأتي بحثه في عطف النسق (ذُو بَيَانٍ) صاحب بيان فهو خبر العطف، (أَو نَسَقْ) أو هنا استغنى بـ (أو) عن (إمَّا) الثانية، وهذا سيأتي بحثه في باب النسق، لأن الأصل أن نقول: عطف إمَّا ذو بيانٍ، وإمَّا ذو نسقٍ، فاستغنى بـ (أو) عن (إمَّا) يعني: أقيمت (أو) مُقام (إمَّا) هذا الأصل، إمَّا ذو بيانٍ أو نسق على حذف مضاف، يعني: أو ذو نسقٍ، يعني: صاحب نسق.
(وَالغَرَضُ) المقصود الآن الغرض: مبتدأ، و (الآنَ): هذا ظرف زمان (بَيَانُ)، هذا خبر المبتدأ الغرض، (بَيَانُ مَا سَبقَ) وهو عطف البيان، يعني: الذي سبق، ما هو الذي سبق في أول التقسيم؟ عطف البيان، إذاً: الغرض في هذا الباب، والآن .. الغرض الآن: تقييد، يعني: في هذا الباب، لأنه عَمَّمَ في الترجمة، فقال: (العَطْفُ) وهذا يشمل النوعين، لكنه أراد أن يبيِّن عطف البيان، قال: (وَالغَرَضُ الآنَ) يعني: في هذا الباب، (بَيَانُ) وهذا خبر المبتدأ، الغرض، (مَا سَبقْ) يعني: الذي سبق، وهو عطف البيان.
ثم شرع في بيان عطف البيان، فقال:
(فذُو البَيَانِ تَابِعٌ شِبْهُ الصِّفَةْ)، فذُو البَيَانِ الفاء هذه يحتمل أنها فصيحة، أو مجرد العطف، لأنه "فصيحة" قد يعرضها أنه قَدَّم مُقدِّمة: (وَالغَرَضُ الآنَ بَيَانُ مَا سَبقْ)، لو قال: (العَطْفُ إِمَّا ذُو بَيَانٍ أَوْ نَسَقْ .. فذُو البَيَانِ، قد يقول قائل .. ثَمَّ سائل سئل: ما هو ذو البيان؟ فقال: فذُو البَيَانِ، لكن لمَّا قال: (والغَرَضُ الآنَ بَيَانُ مَا سَبقْ) حينئذٍ أفسد علينا أن تكون الفاء هنا فصيحة، لأن الفصيحة تقع في جواب سؤال مُقَدَّر، وهنا لم يُجعل سؤال لأنه قدم مقدمة وهو في قوله: (والغَرَضُ الآنَ بَيَانُ مَا سَبقْ).
(ذُو البَيَانِ) صاحب البيان، إنما سُمي: عطفَ بيان لأنه يبيِّن متبوعه، إذ اللفظ الثاني تكرارٌ للفظ الأول، يشبه أن يكون مُرادفاً للأول، فإذا قلت: جاء زيدٌ أخوك، أخوك له ذات، وزيد ذات، أخوك: هذا عطف بيان، وزيد: مُبيَّن، حينئذٍ إذا قلت: زيد أخوك .. أخوك زيد، قدمت وأخرت، الذات في البيان والمبيَّن واحدة، أليس كذلك؟ الذات واحدة أو لا؟ جاء أخوك زيدٌ .. جاء زيدٌ أخوك، زيد: ذات، وأخوك: ذات، هل هما ذاتان أم ذات واحدة؟ ذاتٌ واحدة، إذاً: أشبه ما يكون بتكرار للفظ الأول، لكن تضمن إيضاحاً أو تخصيصاً. إذ اللفظ الثاني تكرارٌ للفظ الأول، يشبه أن يكون مرادفاً للأول، فالذات المدلول عليهما باللفظين واحدة، وإنما يؤتى بالثاني لزيادة البيان.
(فذُو البَيَانِ) هذا مبتدأ (تَابعٌ) هذا خبر جنس يشمل جميع التوابع.
(شِبْهُ الصِّفَةْ) يعني: أشبه النعت، في ماذا؟ في كونه موضحاً لمتبوعه في المعرفة، مخصصاً لمتبوعه في النكرة، إذاً: أشبه ذو البيان الصفة، فحينئذٍ بقوله: (شِبْهُ الصِّفَةْ) أخرج عطف النسق، لأنه لا يكون موضحاً لمتبوعه ولا مخصصاً، وأخرج كذلك البدل، لأنه لا يكون موضحاً لمتبوعه ولا مُخصصاً، وأخرج كذلك التوكيد، إذاً: ثلاثة أشياء من التوابع خرجت بقوله: (شِبْهُ الصِّفَةْ)
стр. 1789
قال بعضهم: وأخرج النعت كذلك، لأنه قال: شبه النعت وشبه الشيء: غيره، فخرج النعت بهذا القيد (فذُو البَيَان تَابِعٌ شِبْهُ الصِّفَةْ) أشبه الصفة .. أشبه النعت، ومشبه النعت: غيره، إذاً: خرج النعت، وكونه أشبه النعت بكونه موضحاً أو مخصصاً أخرج الثلاث البقية، إذاً: إلى هنا انتهى الحد.
ما المراد بقوله: (حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ)؟ قالوا: هذا أراد به أن يبيِّن الغرض الأصلي من عطف البيان، وهو أن يكون موضحاً لمتبوعه، ولذلك سُمي: بيان كاسمه، فالغرض الأعلى في عطف البيان: أن يكون مبيِّناً، والبيان والتبيين هو الإيضاح، وهو الكشف الذي عناه الناظم بقوله: (مُنْكَشِفَهْ).
(حَقِيقَةُ القَصْدِ به) يعني: ما المقصود بعطف البيان .. ما هو؟ الإيضاح، قصدك هو الإيضاح، (مُنْكَشِفَهْ) هذا خبر قوله: (حَقِيقَةُ).
فَذُو البَيَان تَابعٌ شِبْهُ الصِّفَةْ ... حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ
حقيقة: هذا مبتدأ، وهو مضاف، والقصد: مضافٌ إليه، وبه: متعلق بالقصد لأنه مصدر، ومنكشفة: هذا خبر المبتدأ.
إذاً نقول: (فَذُو البَيَان تَابِعٌ) هذا جنسٌ (شِبْهُ الصِّفَةْ) أي: في الإيضاح والتخصيص وغيرهما، يعني: لا يكون عطف البيان فقط موضحاً ومبيِّناً، بل يأتي كذلك للمدح، وقيل: للتوكيد، وابن مالك أضعف التوكيد، فقد جاء للمدح كما جاء للإيضاح والتخصيص، كما في قوله: ((الْبَيْتَ الْحَرَامَ)) [المائدة:٩٧] .. ((جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ)) [المائدة:٩٧] قال الزمخشري: الْبَيْتَ الْحَرَامَ عطف بيان أريد به المدح، إذاً: هو عطف بيان، لكن هل أريد به الكشف؟ الكعبة اسمٌ من أسماء مكة، انتبه! فائدة مهمة:
الكعبة اسمٌ من أسماء مكة، حينئذٍ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ عَلَم، لو لم تعرف أنت علم، فإذا كان كذلك إذا قال: ((الْبَيْتَ الْحَرَامَ)) [المائدة:٩٧] هذا مدحٌ له بأنه بيتٌ مُحرَّمٌ، حينئذٍ نقول: جيء بعطف البيان هنا من أجل المدح، لكن هذا قليل نادر، وإلا الأصل أن يكون مبيناً بمعنى: أنه تنكشف به حقيقة سابقه، وهذا ما عناه الناظم في قوله: (حَقِيقَةُ القَصْدِ به مُنْكَشِفَهْ).
إذاً: يأتي للإيضاح، وهذا إنما يكون بعد المعارف، ويأتي للتخصيص، وهذا إنما يكون بعد النكرات، وهل يأتي للمدح؟ نعم، على قلةٍ على ما ذكره الزمخشري في الآية، وهل يأتي للتوكيد؟ قيل: نعم، يأتي للتوكيد، ومثلوا بقول القائل: يَا نَصْرُ نَصْرَاً نَصْرَا، لكن هذا ابن مالك أضعفه: بأنه إذا اتحد اللفظ فالأولى أن يكون من باب التوكيد لا من باب عطف البيان، يَا نَصْرُ نَصْرَاً نَصْرَا، نَصْرَاً نَصْرَا نقول: هذا توكيد أو عطف بيان؟ على ما تقرر في السابق: (وَمَا مِنَ التَّوكِيدِ لَفْظِيٌّ يَجِي مُكَرَّراً) الظاهر أنه توكيد لفظي، وهذا أولى، بأن يُقال: إن عطف البيان لا يأتي للتوكيد، لأنه إذا اتحد لفظه مع متبوعه انتقل إلى كونه توكيداً لفظياً، فلا بد أن يكون مبايناً لمتبوعه، فإن اتحدا حينئذٍ نقول: رجع إلى الأصل.
تَابِعٌ شِبْهُ الصِّفَةْ ... حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ ..
стр. 1790
حَقِيقَةُ القَصْدِ، يعني: الأصل فيه ذلك، (حَقِيقَةُ القَصْدِ به مُنْكَشِفَهْ) يعني: انكشاف الذات التي هي المتبوع هذا المقصود .. المقصود به أصالةً هو الإيضاح والكشف، فلا يرد عطف البيان الذي للمدح وغيره، لماذا؟ لأنه وإن كان على قلة إلا أن الأصل والأكثر هو الإيضاح.
(حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ) قال بعضهم: أخرج النعت، أي: أنه فارَق عطف البيان النعت من حيث إنه يكشف المتبوع نفسه، يعني: بنفسه لا بمعنىً في المتبوع ولا في سببيه، ولذلك فُسِّرَ قوله: (بِهِ) يعني بنفسه، بخلاف النعت.
النعت: بما تضمنه من معنى، لاحظ معي: إذا قلت: جاء زيدٌ الفاضل .. جاء زيدٌ أخوك .. جاء زيدٌ الفاضل، الكشف والإيضاح حصل بالنعت لما فيه من معنى، لا بذات اللفظ، وأمَّا: جاء زيدٌ أخوك، فقلنا: مسمى أخوك هو عين مسمى زيد، فحصل الكشف بذات اللفظ لا بما تضمنه من معنى، لأنه كما سيأتي: عطف البيان لا يكون إلا جامداً، ففرقٌ بينهما من جهة أن عطف البيان يحصل به الكشف بذات اللفظ لا بما تضمنه من معنى، لأنه لا يتضمن معنى، لأنه ليس بمشتق بل هو جامد.
وأمَّا النعت فإنما يكشف لا بذاته، وإنما بما تضمنه النعت من معنى، معنىً في المتبوع، سواء كان حقيقياً أو في سببيه، وهو ما بعده .. الاسم المرفوع.
إذاً نقول: فارَق عطف البيان النعت: من حيث إنه يكشف المتبوع نفسه، لا بمعنىً في المتبوع، ولا في سببيه، وقيل: النعت خرج بقوله: شِبْهُ الصِّفَةْ، وهذا واضح .. هذا أجود، لأن شبه الشيء: غيره، وعليه فقوله: (حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ) لبيان الفرق بين النعت وعطف البيان لا للإخراج.
إذاً قوله: (شِبْهُ الصِّفَةْ) أخْرَج ثلاثة أنواع: عطف النسق، والتوكيد، والبدل، بقي ماذا؟ النعت، اختُلِفَ فيه: هل خرج بقوله: (شِبْهُ الصِّفَةْ) أو بقوله: (حقِيقَةُ القَصْدِ)؟ الظاهر أنه خرج بقوله: (شِبْهُ الصِّفَةْ) وحينئذٍ قوله: (حقِيقَةُ القَصْدِ) لا داعي له، لماذا؟ لأن عطف البيان شبه الصفة .. أشبه الصفة، أشبه الصفة في ماذا؟ في كونه موضحاً، وهو الذي دل عليه قوله: (حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ) إذاً: ليس فيه فائدة كبيرة بقوله: (حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ) فليس للإخراج، لأنه يُستغنى عنه بقوله: (شِبْهُ الصِّفَةْ) لأن شبه الشيء: غيره، لكن لمَّا كان هذا الشبه غير مُبيَّن فسره بقوله: (حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ).
يحتمل هذا، ويحتمل أنه إحالةٌ على ما سبق: النَّعْتُ تَابعٌ مُتِمٌّ مَا سَبَقْ، قلنا: المراد بكونه متماً ما سبق: أنه موضحٌ لمتبوعه في المعارف، ومخصصٌ لمتبوعه في النكرات، لما أحال هنا على ما هناك فسرناه بما سبق، حينئذٍ يكون تفسيراً لما أحال عليه.
стр. 1791
عرفه في قطر الندى بقوله: " عطف البيان: هو تابعٌ موضحٌ أو مخصصٌ جامدٌ غيرُ مؤول " وهذا مما يرد على تعريف الناظم، أن قوله: (شِبْهُ الصِّفَةْ) الصفة لا تكون إلا مشتقةً أو مؤولةً بالمشتق، ولم ينص هنا على أن عطف البيان يشترط أن يكون جامداً، على عكس ما اشترط في النعت، هناك اشترط في النعت: أن يكون مشتقاً، فإذا وقع الجامد موقع النعت وجب تأويله بالمشتق، وهنا يشترط فيه أن يكون جامداً، فإذا وقع المشتق موقع عطف البيان، وجب تأويله بالجامد، هذا في نوعٍ واحد وهو العلم المنقول.
(تَابِعٌ) هذا جنس يشمل التوابع الخمسة.
وموضحٌ أو مخصصٌ: مخرجٌ للتأكيد وعطف النسق والبدل، لأنه ليس فيها توضيح ولا تخصيص: جاء زيدٌ نفسه، تقوية فقط، ليس فيه توضيح، جاء زيد واضح، ونفسه نقول: هذا تقوية، وعطف النسق: جاء زيدٌ وعمروٌ، هذا معطوف على سابقه ليس فيه توكيد ولا تخصيص، وللبدل تقول: أكلت الرغيف ثلثه، ليس فيه توضيح ولا تخصيص.
موضحٌ أو مخصصٌ جامدٌ: هذا أخرج النعت، لأن النعت لا يكون إلا مشتقاً.
غير مؤولٍ: أخرج النعت فيما إذا وقع جامداً مؤولاً بالمشتق، وهذا الحد أسلم من حد الناظم رحمه الله تعالى، بل واضح أن المراد بعطف البيان: التابع الموضح أو المخصص الجامد غير المؤول، وأمَّا كونه (تَابِعٌ شِبْهُ الصِّفَةْ) هذا أشبه ما يكون برسم، وفيه إحالة وفيه إبهام، وفيه تعميم وليس بواضح، ويرد عليه ما سبق.
حينئذٍ نقول: تابعٌ موضحٌ أو مخصص جامدٌ غير مؤول، فاختص بكونه تابعاً، وبكونه مفيداً للتوضيح بعد المعارف، وللتخصيص بعد النكرات، كذلك يشترط فيه أن يكون جامداً، فإذا كان جامداً ثم وقع موقعه المشتق، حينئذٍ وجب تأويل المشتق بالجامد.
وغير مؤول: مخرجٌ لما وقع من النعوت جامداً، نحو: جاء زيدٌ هذا، هذا: جامد، هل نقول: عطف بيان؟ جاء زيدٌ هذا .. هذا: المشار إليه، إذاً: هو جامد، لكنه مؤول بماذا؟ بالمشتق، فلا نُعرِبه عطف بيان، لأنه وإن كان جامداً إلا أنه في قوة المشتق، ولذلك نقول: الجامد نوعان:
جامدٌ محضٌ خالص لا يؤول بالمشتق، وجامدٌ غيرٌ محضٍ في قوة المشتق .. مؤولٌ بالمشتق، وليست المسألة هكذا مفلوته، وإنما الجامد المؤول بالمشتق هو ما كان واحداً من تلك التسعة أو العشر التي ذكرناها سابقاً: اسم الإشارة، والمنسوب، والجملة، وشبه الجملة، إلى آخر ما ذكرناه، وأمَّا ما عداها فالأصل أنه جامدٌ محضٌ، فالتفريق بينهما واضحٌ بيِّن، فالجامد نوعان:
стр. 1792
جامدٌ مؤول بالمشتق، وجامد غير مؤول بالمشتق، وعطف البيان الأصل فيه أن يكون جامداً محضاً، وقد يقع مشتقاً بشرط أن يكون مسماً به، الصديق .. قال أبو بكرٍ الصديق، الصديق: هذا عطف بيان، طيب! كيف عطف بيان هو فِعِّيل من صيغة المبالغة وهو مشتق؟! نقول: كونه فِعِّيلاً قَبل نقله وجعله لقباً، قال عمر الفاروق، فاروق: فاعول، فهو مشتق، حينئذٍ كيف وقع مشتقاً وهو عطف بيان، وعطف البيان لا يكون إلا جامداً؟! نقول: كونه مشتقاً قبل جعله علماً، وهذا بيَّناه سابقاً وقلنا: هذا مثله مثل الأعلام التي تكون مشتقة، صالح! يُسمى صالح وليس بصالح، نقول: كونه صالحاً قبل جعله علماً، وأمَّا صالح بعد جعله علماً فهو كزيد، زيد لا يدل على معنى، كذلك الأسماء التي في الأصل هي مشتقة سواء كان اسم فاعل .. اسم مفعول .. فعيل إلى آخره.
فإذا كان كذلك حينئذٍ إذا جُعِلَ علماً سُلِبَ منه المعنى الذي كان قبل العلمية.
إذاً: عطف البيان المراد به هنا: تَابِعٌ شِبْهُ الصِّفَةْ، وحَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ إذا قلنا: أنها تابعة .. داخلٌ في الحد أولى، على الخلاف الذي ذكرناه والأولى ما ذكره ابن هشام في قطر الندى.
عطف البيان، قال أبو حيان: " سُمي به لأنه تكرار الأول لزيادة البيان، فكأنك رددته على نفسه، بخلاف النعت والتوكيد والبدل " وقيل: سُمي عطف بيان أو عطف لأن أصله هو العطف، فأصل: جاء أخوك زيدٌ وهو زيدٌ هذا الأصل، لكن هذا يحتاج إلى دليل، جاء زيدٌ أخوك، أو جاء أخوك زيدٌ، أصل زيد وهو زيدٌ فحذفت الواو ثم الضمير، وهذا لا دليل عليه.
والكوفيون يسمونه: الترجمة، وهو الجاري مجرى النعت في تكميل متبوعه توضيحاً في المعارف، نحو: جاء أخوك زيد، جاء: فعل ماضي، وأخوك: فاعل، وزيد: عطف بيان، لأنك إذا قلت: جاء أخوك، أخوك من زيد أو عمرو أو خالد، إذا كان عنده عدة إخوة؟ فإذا قلت: جاء أخوك زيدٌ رجعت إليه، انظر جاء أخوك، ثم رجعت فبيَّنت من هو هذا أخوه؟ فقلت: زيدٌ، إذاً: حصل توضيح أو لا؟ حصل توضيح، هذا واضح بيِّن. وتخصيصاً في النكرات: ((مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ)) [النور:٣٥] شجرة مباركة نكرة هذا، يحتمل الزيتونة وغيرها، زيتونةٍ: خصها، مثلما تقول: جاءني رجلٌ، ثم تقول: طويلٌ، خصصته.
وتخصيصاً في النكرات، نحو: ((مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ)) [النور:٣٥] وقيل: توكيداً، وهذا قلنا: ضعيف، في المكرر بلفظٍ نحو: لقائل يَا نَصرُ نَصرٌ نَصراً، قال ابن مالك: الأولى عندي جعله توكيداً لفظياً وهذا أولى وهذا الظاهر، لأن عطف البيان حقه أن يكون للأول به زيادةٌ ووضوح، وتكرير اللفظ لا يتوصل به إلى ذلك، هذا شيء آخر أيضاً، يعني: إذا قيل: بأنه اتحد معه في اللفظ، هذا الأصل في التوكيد اللفظي، ثم زد على ذلك: أن الأصل في عطف البيان أن يكون موضحاً: (حَقِيقَةُ القَصْدِ بِهِ مُنْكَشِفَهْ) وإذا كرر اللفظ بعينه هو هو: جاء زيد زيد، هل حصل توضيح؟ ما حصل، هذا مثله .. هذا جيد.
стр. 1793
ويجب جموده ولو تأويلاً، وبذلك يقابل النعت، والمراد بالجامد تأويل العلم الذي كان أصله صفةً فغلبت يعني: العلمية، "ولا يشترط كونه أخص من المتبوع أو غير أخصٍ في الأصح " هكذا نص عليه السيوطي في جمع الجوامع، ولا يكون عطف البيان مضمراً وفاقاً، يعني: لا يقع عطف البيان ضميراً، ولا تابعاً للمضمر على الصحيح، لأنه في الجوامد نضير النعت في المشتق، وجَوَّزه بعضهم في نحو: قاموا إلا زيداً، زيداً بيان للمضمر في قاموا، ولا يكون جملةً ولا تابعاً لها، لا يقع جملةً تابعاً عطف البيان، ولا تكون الجملة معطوفاً عليها بالبيان، يعني: لا يأتي عطف البيان عطفاً لجملة، وهو لفظٌ مفرد ولا العكس.
قال هنا الشارح: " وعطف البيان هو التابع الجامد المشبه للصفة " هذا تنكيت على الناظم، وهو قوله: التابع الجامد، يعني: يرد على حد الناظم بكونه لم يبيِّن أن عطف البيان يشترط فيه أن يكون جامداً، فنكت عليه فقال: التابع الجامد المشبه للصفة، انظر شِبْهُ الصِّفَةْ أبقاها كما هي، وزاد عليه: الجامد، وهذا جيد.
المشبه للصفة: أشبهه في ماذا؟ فَسَّره ابن عقيل في إيضاح متبوعه وعدم استقلاله، نحو: "أَقْسَمَ بِاللَّهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرْ"، أَقْسَمَ: فعلٌ ماضي، وبِاللَّهِ: جار ومجرور متعلق بقوله: أَقْسَمَ، أَبُو حَفْصٍ: فاعل، عُمَرُ: بالرفع في الأصل عطف بيان، لأن "أبو حفص" هذا ما هو واحد، اثنين .. ثلاثة .. عشرة، فإذا قال: جاء أبو عبد الله، من هو أبو عبد الله؟ يحتمل، فإذا قال: جاء أبو عبد الله زيد، حينئذٍ تعين، حصل كشف وإيضاح لما سبق، فعمر: عطف بيان لأنه موضحٌ لأبي حفصٍ.
فخرج بقوله الجامد: الصفة، لأنها مشتقةٌ أو مؤولة به، وخرج بما عدا ذلك التوكيد وعطف البيان، لأنهما لا يوضحان متبوعهما، والبدل الجامد لأنه مستقل، الجامد البدل لأنه على إعادة العامل، سيأتي أنه جملة مستقلة، وأمَّا التوكيد وعطف النسق فلا يوضحان استقلالاً، وإلا يقع بهما التوضيح، ولكنه يكون تبعاً، يعني: ليس المقصود أصالةً بالتوكيد وعطف النسق أن يكون موضحاً، أي: لا يؤتى بواحدٍ منهما لقصد الإيضاح أو التخصيص استقلالاً، فإن أفاد واحدٌ منها شيئاً من ذلك كعطف أحد المترادفين على الآخر عطف نسق، وكبدل الكل من الكل فإن هذه الفائدة ليست مقصودة، لأن بدل الكل من الكل وإن أفاد الإيضاح، إلا أنه ليس هو الأصل، إذا قلت: جاء زيدٌ أخوك، على أن يكون أخوك هو بدل، فحينئذٍ نقول: حصل به إيضاح، جاء أخوك زيدٌ، زيدٌ: بدل من أخوك، حصل به إيضاح أو لا؟ حصل به الإيضاح، لكن ليس هو القصد الأصلي في البدل، وإنما هو القصد الأصل يكون في عطف البيان.
فَأَوْلِيَنْهُ مِنْ وِفَاقِ الأَوَّلِ ... مَا مِنْ وِفَاقِ الأَوَّلِ النَّعْتُ وَلِي
سبق أن النعت الحقيقي يجب أن يوافق متبوعه في اثنين من عشرة، أو أربعة من عشرة، في اثنين من خمسة هذا عام، والنعت الحقيقي: في أربعة من عشرة.
стр. 1794
عطف البيان في ذلك مثل النعت الحقيقي، عطف البيان في موافقة متبوعه في أربعة من عشرة مثله، فيشترط في النعت: أن يكون مطابقاً لمنعوته إفراداً وتثنيةً وجمعاً وتنكيراً وتعريفاً وتذكيراً وتأنيثاً، هذا يشترط في النعت الحقيقي، مثله عطف البيان بإجماع، إلا مسائل خفيفة وقع فيها نزاع. أن يكون عطف البيان موافقاً لمتبوعه المُبَيَّن في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والتعريف والتنكير.
فَأَوْلِيَنْهُ مِنْ وِفَاقِ الأَوَّلِ ... مَا مِنْ وِفَاقِ الأَوَّلِ النَّعْتُ وَلِي
أَعرِبُوا: (فَأَوْلِيَنْهُ) الفاء هذه للتفريع، لأنه قال: (شِبْهُ الصِّفَةْ) أشبه الصفة، لمَّا أشبه الصفة أخذ حكمه، لما أشبه الصفة في كونه موضحاً في المعارف مخصصاً في النكرات أخذ حكمه.
(فَأَوْلِيَنْهُ) إذاً: الفاء للتفريع، أَوْلِ بمعنى: أعط، أولِ: فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، (أَوْلِيَنْهُ) النون هذه فاعل .. توكيد أو فاعل؟ لماذا لا نقول فاعل؟ نريد أن نفحص، لماذا لا نقول: أَوْلِيَنْهُ، النون هنا فاعل؟ متى تكون النون فاعل؟ .. نون الإناث، وهل هذا الموضع منه؟ الجواب: لا، (فَأَوْلِيَنْهُ) إذاً النون هذه نون التوكيد الخفيفة، إذاً: فعل الأمر هنا مبني أو معرب؟ مبني، على ماذا؟ أصله: أولى كأعطى، إذا قلت: أعطينه، مبني على الفتحة، ترجع المحذوف .. هذا سيأتي: اخشين، حينئذٍ المحذوف يرجع، وهو الذي حذف من أجل البناء هنا.
(أَوْلِيَنْهُ) الياء هذه هي الألف في "أولى" رجعت على أصلها، (فَأَوْلِيَنْهُ)، والضمير المتصل هنا؟ مفعول به أوَّل لـ أَوْلِ، أين مفعوله الثاني؟ الاسم الموصول (مَا)، أَوْلِيَنْهُ، يعني: أعطينه، (مَا) اسم موصول بمعنى الذي، (مِنْ وِفَاق الأَوَّلِ)، مِنْ وِفَاق: جار ومجرور متعلق بقوله: أَوْلِ، (وِفَاقِ) مضاف والأَوَّلِ مضاف إليه، مَا: اسم موصول بمعنى الذي في محل نصب مفعول ثاني لـ أَوْلِ.
(مِنْ وِفَاقِ الأَوَّلِ النَّعْتُ وَلِي) النعت: مبتدأ، وولي .. وليَ: هذا فعل ماضي، والضمير العائد على (ما) محذوف، ما وليه .. ما النعت وليه، لأن جملة "النعت ولي": هذه لا محل لها من الإعراب صلة الموصول مَا؛ كأنه قال: ما النعت وليه من وفاق الأوَّل، فـ مِنْ وِفَاقِ الثانية متعلق بقوله: وَلِي، أي: وليه، والضمير المستتر في ولي عائدٌ على النعت، وتقدير البيت: [فأولينه من وفاق الأوَّلِ الذي النعت وليه من وفاق الأوَّلِ] هذا البيت فيه ركة.
(مِنْ وِفَاقِ) المراد بالوفاق الموافقة، والأول المراد به المتبوع، يعني: فأعطينه، الضمير يعود على عطف البيان، فأعطينه: أعط عطف البيان من موافقة الأول المتبوع ما أعطيته النعت الحقيقي من موافقته للأول، وذاك أربعة من عشرة.
لما كان عطف البيان مشبهاً للصفة لزم فيه موافقة المتبوع كالنعت، فيوافقه في إعرابه وتعريفه أو تنكيره، وتَذْكِيره أو تأنيثه، وإفراده أو تثنيته أو جمعه، حينئذٍ لا بد أن يكون موافقاً لما سبق.
وقوله: (النَّعْتُ) هنا وإن أطلقه إلا أن مراده النعت الحقيقي، لأنه هو الذي دخل في قوله: (شِبْهُ الصِّفَةْ).
стр. 1795
قوله: (النَّعْتُ) أي: الحقيقي، لأنه يجب في البيان أن يكون كالمبيَّن في الإفراد والتذكير وفروعهما، كالنعت الحقيقي بخلاف السببي، وهذا مُجمعٌ عليه .. متفقٌ عليه بين النحاة، أي: وجوب مطابقة البيان والمبيَّن تعريفاً وتنكيراً وإفراداً وتذكيراً وغيره، فهذا متفقٌ عليه.
(فَأَوْلِيَنْهُ مِنْ وِفَاقِ الأَوَّلِ) أي: موافقة الأول المتبوع، أي: أعطينه ما النَّعْتُ أي: الحقيقي وليه، أي: أخذه من موافقة الأول، -هذا شرحٌ لحل البيت-، أعطينه ما النعت أي: الحقيقي، وليه أي: أخذه من موافقة الأول.
(فَقَدْ يَكُونَانِ مُنَكَّرَيْنِ) هذا مختلفٌ فيه، هل يشترط في عطف البيان أن يكون في المعارف أو يجوز في النكرات؟ الصواب: الثاني، أنه يجوز في النكرات، ولذلك قال:
فَقَدْ يَكُونَانِ مُنَكَّرَيْنِ ... كَمَا يَكُونَانِ مُعَرَّفَيْنِ
فَقَدْ: هذه للتفريع على قوله (فَأَوْلِيَنْهُ) .. تفريع على قوله: (فَأَوْلِيَنْهُ)، (فَقَدْ يَكُونَانِ) يعني: العطف ومتبوعه، يَكُونَانِ هذا فعل مضارع ناقص، والألف اسمه، مُنَكَّرَيْنِ خبر، والمراد بالألف هنا: عطف البيان ومتبوعه، قَدْ يَكُونَانِ مُنَكَّرَيْنِ .. كلٌ منهما نكرة، كقوله: ((مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ)) [إبراهيم:١٦] ماء: متبوع .. مبيَّن، وصديد: هذا عطف بيان، إذاً: وقعا نكرتين.
(كَمَا يَكُونَانِ) الكاف هذه للتشبيه، وما: مصدرية، (يَكُونَانِ) أي: عطف البيان ومتبوعه، مُعَرَّفَيْنِ وهذا متفق عليه .. المعرفان، وإنما وقع النزاع في التنكير، ولذلك عكس في التشبيه، يعني: الكاف هنا دخلت على المتفق عليه، والأصل العكس.
أشار بإتيانه بكاف التشبيه المفهمة للقياس الشبهي بل الأولي، لماذا الأولي؟ لأن احتياج النكرة إلى البيان أشد من غيرها، فإذا احتجنا أن يُبيِّن المعرفة فكذلك نحتاج أن يُبيِّن النكرة، بل هي أولى.
إذاً: (فَقَدْ يكُونَانِ مُنَكَّرَيْنِ) أن يكون عطف البيان والمتبوع كلٌ منهما نكرة، بل هو أولى من المعرفة، لأن النكرة أشد احتياجاً وافتقاراً إلى البيان من المعرفة، المعرفة كاسمها معرفة. إذاً: أشار بإتيانه بكاف التشبيه المفهمة للقياس الشبهي بل الأولي، أشار إلى خلاف من منع إتيانهما نكرتين، لأن ثَمَّ من نازَع.
(فَقَدْ يكُونَانِ مُنكَّرَيْنِ) لماذا؟ قالوا: لأن النكرة تقبل التخصيص بالجامد، النكرة ليست على مرتبة واحدة، قلنا: نكرة محضة ونكرة غير محضة، يعني: مخصصة، ثم التخصيص مراتب، إذاً: قد يُبيَّن المُخَصِّص المُخَصَّص، يعني: مُخَصَّص بأعلى، مُخَصَّص بأدنى، وقد يُبيِّن المُخَصَّص النكرة المحضة، إذاً: ليست على مرتبة واحدة، لأن النكرة تقبل التخصيص بالجامد، كما تقبل المعرفة التوضيح به، نحو: لبست ثوباً جبةً، ثوباً: هذا مفعولٌ به، جبةً: هذا عطف بيان، بَيَّن الثوب ما هو؟ جبةً، الثوب عام.
стр. 1796
هذا مذهب الكوفيين: أنه يجوز أن يُخَصَّص النكرة بالنكرة، يعطف عطف بيان النكرة بالنكرة، وذهب غيرهم إلى المنع، بأن عطف البيان خاصٌ بالمعارف وأمَّا النكرات فلا، وهذا نُسِبَ إلى جمهور البصريين، وذهب غيرهم إلى المنع، وأوجبوا في الأمثلة التي ذكرها ابن عقيل هنا: ((مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ)) [إبراهيم:١٦] .. ((مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ)) [النور:٣٥] هذه واردة، ((أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ)) [المائدة:٩٥] ((إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ)) [النبأ: ٣١ - ٣٢] هذه كلها ذكرها الكوفيون على أن النكرة قد تكون نكرةً في باب عطف البيان، كلٌ منهما يُبيَّن بالآخر، وخَصّوا عطف البيان بالمعارف.
قال ابن عصفور وإليه ذهب أكثر النحويين، وقيل: هو مذهب البصريين، قال في الهمع: " ومنع البصرية جريانه على النكرة، وقالوا: لا يجري إلا في المعارف " يعني: عطف البيان لا يكون إلا في المعارف، أمَّا النكرات فلا، هذا مذهب البصريين، والصواب هو مذهب الكوفيين لوروده. وقيل: يختص عطف البيان بالعلم فقط اسماً أو كنيةً أو لقباً، وحجة من منع: بأن البيان بيانٌ كاسمه، والنكرة مجهولة، والمجهول لا يُبيِّن المجهول، إذا كانت النكرة مجهولة، وعطف البيان إنما جيء به للبيان، حينئذٍ المجهول لا يُبيِّن المجهول. ورُدَّ: بأن بعض النكرات أخص من بعضٍ، والأخص يُبيِّن الأعم .. الأخص من النكرات يُبيِّن الأعم مثلما قلنا: رجلٌ فصيح، فصيح: أخص، ورجل: عام، إذاً: صح ذلك.
وقول الزمخشري والجرجاني: يشترط كونه أوضحَ من متبوعه مخالفٌ لقول سيبويه: يَا هَذا ذَا الجُمَّة، إن "ذا الجمة" عطف بيان مع أن اسم الإشارة أوضح من المضاف إلى ذي الأداة، ولذلك اشترط الزمخشري أن يكون عطف البيان أوضحَ من متبوعه، وهذا ضعيف، لماذا؟ لأن سيبويه أعرب: (يَا هَذا ذَا الَجُمة)، ذَا الجمَّة هذا عطف بيان، وأيهما أعرف؟ اسم الإشارة أعرف، إذاً: وقع عطف البيان هنا أدنى، إذاً: لا يشترط فيه أن يكون مساوياً له لا في التعريف ولا في التنكير.
فَقَدْ يَكُونَانِ مُنكَّرَيْنِ ... كَمَا يَكُونَانِ مُعَرَّفَيْنِ
ذهب أكثر النحويين إلى امتناع كون عطف البيان ومتبوعه نكرتين، وذهب قومٌ منهم المصنف وهو مذهب الكوفيين إلى جواز ذلك:
فَقَدْ يَكُونَانِ مُنكَّرَيْنِ ... كَمَا يَكُونَانِ مُعَرَّفَيْنِ
قيل: ومن تنكيرهما قوله تعالى: ((يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ)) [النور:٣٥] زيتونة: عطف بيان، وعند المانع: بدل، البصريون يعربونها بدلاً، ((وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ)) [إبراهيم:١٦] صديد: عطف بيان، وعند البصريين .. المانعين: بدل، فزيتونة عطف بيان لشجرة، وصديد عطف بيان لماء، ((أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ)) [المائدة:٩٥] .. ((إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ)) [النبأ: ٣١ - ٣٢] إذاً: هنا حصل عطف البيان النكرة للنكرة.
ثم وجد فيه ما اشترطه بقوله:
فَأَوْلِيَنْهُ مِنْ وِفَاقِ الأَوَّلِ ... مَا مِنْ وِفَاقِ الأَوَّلِ النَّعْتُ وَلِي
فكان مطابقاً لما قبله.
стр. 1797
وأمَّا قول الزَّمَخشَرِي: أن (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) عطف على (آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ)، في قوله تعالى: ((فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ)) [آل عمران:٩٧] هل يصح أن يُعرَب مقام إبراهيم عطف بيان على ما سبق؟ الجواب لا، لماذا؟ لأن مقام إبراهيم وآيات بينات مخالفٌ للشرط الذي ذكره في قوله: (فَأَوْلِيَنْهُ) هل حصل تطابق بينهما، آيات جمع .. مقام إبراهيم واحد .. آيات مؤنث، مقام إبراهيم مذكر، آيات بينات: نكرة .. مقام إبراهيم معرفة، إذاً: خالفه في ثلاثة أشياء، ولا يمكن أن يكون نعتاً .. لا يمكن أن يكون عطف بيان.
وَصَالِحَاً لِبَدَلِيَّةٍ يُرَى ... فِي غَيْرِ نَحْوِ يَا غُلاَمُ يعْمُرَا
وَنَحْوِ بِشْرٍ تَابِعِ البَكْرِيِّ ... وَلَيْسَ أَنْ يُبْدَلَ بِالمَرْضِيِّ
كل اسمٍ صح الحكم عليه بأنه عطف بيان مفيدٌ للإيضاح أو للتخصيص صح أن يُحكم عليه بأنه بدل كل من كل. كل ما صح إعرابه عطف بيان مفيدٌ للإيضاح أو للتخصيص، صح أن يحكم عليه بأنه بدل كل من كل مفيدٌ لتقرير معنى الكلام وتوكيده، لكونه على نية تكرار العامل من غير عكسٍ. يعني: يُعرب عطف البيان بدلاً، وليس كل ما صح إعرابه بدل أن يُعرب عطف بيان، لماذا؟ لأن عطف البيان كما سبق: أن العامل فيه هو العامل في المتبوع، إذا قلت: جاء زيدٌ أخوك، أخوك: هذا عطف بيان، أو جاء أخوك زيد، زيد: عطف بيان، ما العامل فيه .. الرفع؟ جاء نفسه.
وأمَّا إذا قلت: بأنه بدل حينئذٍ العامل فيه ليس هو جاء، وإنما هو عاملٌ محذوف مماثل للمذكور: جاء زيدٌ جاء أخوك، فأخوك معمولٌ لجاء المقدر هذا، وليس لجاء الملفوظ، إذاً: فرقٌ بينهما، جاء أخوك زيدٌ على أنه عطف بيان جملة واحدة، وجاء زيدٌ أخوك على أنه بدل جملتان، وفرقٌ بين الجملة والجملتين.
إذاً: كل ما أعرب عطف بيان صح أن يعرب بدل كل من كل من غير عكس، إلا ما استثناه الناظم رحمه الله تعالى، ولذلك قال: (وَصَالِحَاً) وإذا كان جائزاً حينئذٍ أيهما أولى؟ إذا جاز أن يُعرب عطف بيان، وقلنا: الأصل أن العطف .. عطف بيان، يجوز إعرابه بدل كل، أيهما أولى؟ عطف البيان؛ لأنه يجعله جملة واحدة، وإذا أمكن إيصال الكلام وجعله جملةً واحدة أولى من فصله وجعله جملتين، ولذلك عَبَّر عنه: (وَصَالِحاً).
قيل: أشار بالصلاحية إلى أن عطف البيان أولى من البدل في غير ما استثني، لأن الأصل في المتبوع ألا يكون في نية الطرح، -هذا سيأتي بحثه في البدل-، وألا يكون التابع كأنه من جملةٍ أخرى ثانية، لأنه على نية تكرار العامل، ثم جواز الأمرين بالنظر إلى صورة التركيب، وأمَّا بالنسبة لقصد المتكلم فلا يصح إلا أحدهما، يعني: إذا أنت تكلمت وقصدت الثاني عطف بيان ما يجوز أن يُعرب بدل، لماذا؟ لأن الجواز هنا باعتبار اللفظ نفسه لا باعتبار النية، إذا عُلِمَ قصد المتكلم ما جاز إلا أحدهما، إن عَنَى البدل تعيَّن، وهذا لا شك فيه واضح، وإن عَنَى عطف البيان لا يجوز إعرابه بدلاً.
стр. 1798
يعني: لو أنا تكلمت الآن .. قصدت عطف البيان فقلت: جاء أخوك زيدٌ، لا يجوز أن تُعرِب زيد بدل، لأني قصدت ماذا؟ عطف البيان، يعني: عُلِمَ القصد، وأمَّا إذا لم يُعلَم فالتركيب من حيث هو: فكل ما جاز إعرابه عطف بيان جاز إعرابه بدل إلا ما استثني، إذاً: ليس على أطلاقه، وأمَّا بالنسبة لقصد المتكلم فلا يصح إلا أحدهما.
وَصَالِحاً لِبَدَلِيَّةٍ يُرَى ... فِي غَيْرِ نَحْوِ يَا غُلاَمُ يعْمُرَا
صالحاً: هذا مفعول ثاني ليُرَى، ويُرَى: هذا مُغيَّر الصيغة، و (لِبَدَلِيَّة) متعلق بقوله: (صَالِحاً)، وَيُرَى صَالِحاً لِبَدَلِيَّةٍ فِي غَيْرِ نَحْوِ، نحن نقول: ما أُعرِبَ عطف بيان صلح أن يُعرب بدل، إذاً: يُرَى، ما هو الذي يُرَى .. الضمير نائب الفاعل يعود على ماذا؟ عطف البيان، إذاً: يُرَى عطف البيان صالحاً لبدليةٍ، إذا استحضرت الضمير حينئذٍ عرفت المراد، يُرَى عطف البيان صالحاً لبدليةٍ، يعني: مطرداً مطلقاً إلا في موضعين:
أشار إلى الأول بقوله: (فِي غَيْر نَحْو يَا غُلاَمُ يعْمُرَا) يَا غُلاَمُ يعْمُرَا بضم الميم وفتحها علمٌ منقولٌ من المضارع منصوبٌ عطف بيان على محل غلام، هذا عطف بيان ولا يجوز إعرابه بدل كل من كل، لماذا؟ لأن شرط البدل والمبدل منه أنه يحل محله، كما سيأتي محله.
ولذلك هذه المسالة لو تؤخر في باب البدل لكان أجود، والفروق بين النوعين: عطف البيان وعطف البدل يذكرها النحاة في هذا المحل، والصواب تأخيرها إلى ما بعده.
إذاً: شرط البدل والمبدل منه أن يصح حلوله محل الأول، الثاني يصح أن يحل محل الأول فيتسلط عليه العامل مباشرةً، فإذا امتنع امتنع، هنا إذا قلنا ماذا؟ (يَا غُلاَمُ يعْمُرا) غلام: هذا يا: حرف نداء، وغلام: منادى، ويعمرا: عطف بيان، هل يصح أن يُعرب بدل؟ لا يصح .. لا يصح حلوله محل غلام، لماذا لا يصح حلوله محل غلام؟ يعمرا حركة الراء الفتحة، منصوب إذاً، منصوب باعتبار محل غلام، أنت إذا نطقت .. أنا سمعت رجل يقول: يا غلام يعمرا، إذا أعربت كلامه حينئذٍ أقول: يا: نداء، غلام: مبني، يعمرا بالنصب، هو نطق به منصوباً، إذاً: عطف بيان باعتبار المحل، لو جوَّزت أن أعربه بدل كل من كل حينئذٍ لا بد أن يكون مدخولاً لـ (يا)، وإذا كان مدخولاً لـ (يا) حينئذٍ يكون: يَعْمُرُ، لو نطق به هكذا: يا غلامُ يَعْمُرُ قلنا: جاز، وأمَّا نطقه بالنصب نقول: يمتنع، لأن إعراب يَعْمُرَا يصح بدلاً بحيث يبقى على إعرابه كما هو ويَحل مَحل الأول، وهنا لا يصح أن يُقال: يا يَعْمُرَا بالنصب، لماذا؟ لأنه عَلَم، والعَلَم إذا وقع منادًى وجب بناؤه على الضم، فتقول: يا غلام يَعْمُرُ هذا الأصل، لو نطق به هكذا، قلنا: صح إعرابه بدل.
حينئذٍ لمَّا لم يصح إحلاله محل الأول امتنع إعرابه بدلاً لأنه منصوب في اللفظ، وليس المراد أنك تغير الحركة من عندك .. تبدل وتغير لا، إنما تنظر في المنطوق به الذي أمَّامك، فحينئذٍ تقول: يا غلام يَعْمُرَا بالنصب، لا يجوز أن يُعرب الثاني بدلاً، لماذا؟ لأنه إنما يجوز إعرابه بدلاً إذا صح إحلاله محل الأول وهو غلام، وهنا لا يصح لأنه منصوب، وغلامٌ مبني على الضم، امتنع إحلاله محل الأول.
стр. 1799
(وَنَحْو بِشْر تَابِع البَكْرِيِّ) هذا يقصد به البيت:
أَنا ابنُ التَّارِكِ البَكْرِيِّ بِشْرٍ ... عليه الطَّيْرُ تَرْقُبُه وُقُوعاً ...
(أَنا ابنُ التَّارِكِ البَكْرِيِّ بِشْرٍ) أين محل الشاهد؟ بشرٍ: هذا عطف بيان مِمَ؟ البَكْرِيِّ، ولذلك قال الناظم هنا: (ونَحْو) يعني: في غير، هذا المستثنى مما لا يجوز إعرابه بدل مع كونه عطف بيان، الأول غَلاَمُ يعْمُرَا، الثاني: (وَنَحْوِ) هذا معطوف على: (غَيْرِ)، (بِشْرٍ تَابِعٍ البَكْريِّ) إذاً: البكري هذا متبوع، وبشرٍ: تابع له .. عطف بيان، ابن مالك يقول: لا يجوز أن يُعرب بدل، ما العلة؟ ما العلة في كونه لا يصح إعرابه بدل؟ البدل يحل محل المبدل منه، وهنا يصح ابْن التَّارِك بِشرٍ؟ لماذا لا يصح؟ نعم:
وَوَصْلُ أَلْ بِذَا المُضَافِ مُغْتَفَرْ ... إِنْ وُصِلَتْ بِالثَّانِ كَالْجَعْدِ الشَّعَرْ
أنا ابن التارك بشرٍ، الضارب زيدٍ، هل يصح؟ الضارب زيدٍ لا يصح، لأن المضاف إذا حُلَِّي بـ (أل) مما يشابه يفعلُ، حينئذٍ لا بد أن يكون المضاف إليه قد حُلِّي بـ (أل) أو مضاف إلى ما فيه (أل):
وَوَصْلُ أَلْ بِذَا المُضَافِ مُغْتَفَرْ ... إِنْ وُصِلَتْ بِالثَّانِ ............
إن لم توصل بالثاني لا يغتفر، فحينئذٍ (التَّارِكِ) اسم فاعل، وهو مضاف و (البَكْريِّ) مضافٌ إليه، (بِشْرٍ) هذا عطف بيان من المضاف إليه البَكْريّ، وحينئذٍ لمَّا لم يصح إحلال بشرٍ مقام البكري امتنع إعرابه بدل كل من كل، والسبب في ذلك أنه محلىً بـ (أل) المضاف، فلا يجوز.
(ونَحْو بِشْر تَابِع البَكْريِّ) أي: من كل تركيبٍ عطف فيه على اسمٍ خالٍ من (أل) معرَّف بها مضافٌ إليه وصفٌ مُحلى بـ (أل)، (وَلَيْسَ أَنْ يُبْدَلَ بِالمَرْضِيِّ) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم ليس، منه (بِالمَرْضِيِّ) المرضي: هذا خبر ليس دخلت عليه الباء الزائدة. هذا فيه تنكيت أو رداً على من جَوَّز الضارب زيدٍ وهو الفراء، يعني: ليس أن يُبدل منه بشرٍ من البكري بالمرضي، وإن جَوَّزه الفراء بناءً على جواز: الضارب زيدٍ، لأنه لم يشترط في المضاف إليه شيءٍ، وهذا راجعٌ للصورة الثانية، وصرح به مع علمه مما قبله رداً على الفراء المجوِّز للأول.
إذاً القاعدة العامة: أنه يصح كل ما أُعرِبَ عطف بيان أن يُعرب بدل كل من كل من غير عكس، إلا فيما استثناه الناظم والقاعدة فيه .. الضابط العام: أن يمتنع إحلاله محل الأول، فإن لم يمتنع حينئذٍ صح إعرابه بدل كل من كل. والضابط العام: إن لم يمتنع إحلاله محل الأول فإن امتنع حينئذٍ لا يصح، ومن صور الامتناع: يا زيد الحارث، الحارث: هذا عطف بيان، ولا يجوز إعرابه بدل كل من كل، لماذا؟ لأنه محلى بـ (أل) والمحلى بـ (أل) لا يتلوا ياء النداء إلا في صور معدودة، مستثناة وهذا ليس منها، لأنه لا يصح أن تقول: يا الحارث! هنا ليس كالسابق: (يَا غُلاَمُ يعْمُرا) يعْمُرَا: هذا عَلَم، لو كان: يعْمُرُ لصح، وهنا: يا زيد الحارث بالبناء على الضم، نقول: هذا لا يصح أن يكون بدل كل من كل .. من زيد، لماذا؟ لأنه يُقال: يا الحارث، لأن مدخول (أل) لا تدخل عليه ياء.
стр. 1800
من كل منادًى أتبع بما فيه (أل) فإنه لا يجوز لك أن تقول: يا الحارث فتنادي ما فيه (أل)، ونحو كذلك: يا أيها الرجل زيدٌ، فالرجل نعت لأي، وزيد عطف بيان عليه، ولا يصح أن تقول: يا أيها زيد، فيُعرَب عطف بيان ولا يجوز أن يُعرب بدل.
فيجوز أن يُعرَب عطف بيان ولا يجوز أن يُعرب بدل لأنك تقول: يا أيها الرجل، الرجل نعت لأي، وزيد: هذا عطف بيان، حينئذٍ لا يصح أن يكون بدل كل من كل.
ومنه: يا زيد هذا، كذلك يُعرب هذا: عطف بيان، ولا يجوز أن يُعرب بدل كل من كل، لماذا؟ لأنه كما سيأتي أن هذا إذا وقع منادًى لا بد من وصفه بمحلًى بـ (أل) وهنا لم يحل بـ (أل) لم يوصف، يا زيدُ هذا هكذا، نقول: هذا عطف بيان، ولا يجوز أن يُعرب بدل كل من كل، لماذا؟ لأنه إذا قيل: يا هذا لم يُنعت بما فيه (أل) وهذا ممتنع.
ومنه: زيدٌ أفضل الناس الرجال والنساء، زيدٌ: مبتدأ، أفضلُ: خبر، الناسِ: مضاف إليه، الرجالِ والنساءِ، أفعل التفضيل إذا أُضِيف صار بعضاً من المضاف إليه، إذا قيل: زيدٌ أفضل الناس الرجالِ، نقول: هذا عطف بيان، ولا يجوز أن يُعرب بدل، لماذا؟ لأنك إذا أعربته بدل صار زيدٌ أفضل بعض الرجال وبعض النساء، هذا المعنى فاسد أو صحيح؟ فاسد، لماذا؟ لأنه بإعادة العامل أفضل الناس، العامل في الناس ما هو؟ أفضل، فإذا أعربته بدل حينئذٍ أفضل الرجال يعني: بعض الرجال والنساء معطوفٌ عليه، فصار أفضل بعض النساء، وهذا فاسد المعنى.
إذَاً القاعدة العامة: أنه متى ما صح إحلال العطف .. عطف البيان محل سابقه جاز أن يُعرب بدل كل من كل.
قال الشارح هنا: كل ما جاز أن يكون عطف بيان جاز أن يكون بدلاً -من غير عكس-، نحو: ضربت أبا عبد الله زيداً، زيداً: عطف بيان، وبدل كل من كل، واستثنى المصنف من ذلك مسألتين تتعيَّن فيهما كون التابع عطف بيان:
الأولى: أن يكون التابع مفرداً معرفةً معرباً، والمتبوع منادًى، نحو: (يَا غُلاَمُ يعْمُرَا) فيتعيَّن أن يكون يعمُرَا عطف بيان، ولا يجوز أن يكون بدلاً، لأن البدل على نية تكرار العامل، فكان يجب بناء يعْمُرَا على الضم، لأنه لو لفظ بياء معه لكان كذلك، إذاً: المثال بالنصب، أمَّا لو رفعه بالضم لا إشكال فيه يجوز.
الثانية: أن يكون التابع خالياً من (أل) والمتبوع بـ (أل) فقد أضيفت إليه صفةٌ بـ (أل) نحو: أنا الضارب الرجل زيدٍ، فيتعين كون زيد عطف بيان ولا يجوز كونه بدلاً من الرجل، لأن البدل على نية تكرار، وسبق أن ثَمَّ خلاف في هذا، هل يصح أن يعطف أصلاً مما لا يصلح أن يكون مضافاً إليه أو لا؟ سبق معنا هذا: أنه يُغتَفر في التوابع .. في الثواني ما لا يُغتَفر في الأصول. ولا يجوز كونه بدلاً من الرجل، لأن البدل على نية تكرار العامل، فيلزم أن يكون التقدير: أنا الضارب زيدٍ، ولا يجوز ذلك، لما عرفت في باب الإضافة من أن الصفة إذا كانت بـ (أل) لا تضاف إلا إلى ما فيه (أل) أو ما أضيف إلى ما فيه (أل).
стр. 1801
ومثله: الضارب .. أنا الضارب الرجل زيدٍ، قول الشاعر: (أَنا ابنُ التَّارِكِ البَكْرِيِّ بِشْرٍ) فبشرٍ: عطف بيان، ولا يجوز كونه بدلاً، إذ لا يصح أن يكون التقدير: أنا ابن التارك بشرٍ، وأشار بقوله: (وَليْسَ أَنْ يُبْدَلَ بِالمَرْضِيِّ) إلى أن تجويز كون بشرٍ بدلاً غير مرضيٍّ، وقصد بذلك التنبيه على مذهب الفراء والفارس، لأنه يجوز عندهما: الضاربُ زيدٍ.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1802
عناصر الدرس
* شرح الترجمة. عطف النسق. وحده
* أقسامه وحروف كل قسم
* معاني حروف العطف. الواو. ـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى: عَطَفُ النَّسَقْ.
أي: هذا باب عطف النسق، وهذا الباب الرابع من أبواب التوابع، إذ التوابع خمسة: النعت، والتوكيد، وعطف البيان، وعطف النسق، لأنه سبق قال:
الْعَطْفُ إِمَّا ذُو بَيَانٍ أَوْ نَسَقْ ... وَالْغَرَضُ الآنَ بَيَانُ مَا سَبقْ
فبين عطف البيان ثم هذا رديفه، وبعضه جمع بينهما في العنوان فحسب، وأمَّا عند التفصيل فيبوب لكل واحدٍ منها باباً يختص به، التوابع أربعة من حيث الجملة: النعت، والتوكيد، والعطف والبدل، ثُمَّ يُقال: العطف نوعان:
عطف بيان، وهذا سبقت أحكامه، وعطف نسق.
عَطَفُ النَّسَقِ، النَّسَقْ: بفتح السين، اسم مصدر بمعنى: المفعول، يُقال: نسقت الكلام أنسَقُه عطفت بعضه على بعض، والمصدر بالتسكين: النَسْقُ، والنَسَق بالفتح على وزن: فَعَل، هذا اسم مصدر، وقيل: بالتحريك مصدر كذلك، النَسَق قيل: مصدر واسم مصدر، وأمَّا النَسْق فهو مصدر.
وقيل: النَسَق في اللغة: النظم، قال الزبيدي: " والنَسَق العطف على الأول "، النَسَق إذاً: عرفنا أن المراد به التتابع، أو المراد به النظم، أو المراد به عطف الشيء بعضه على بعض، جاء زيدٌ وعمروٌ، عطفت عمراً على زيد، وهذا يسمى نسق لأنه تابع متوسط بينه حرفٌ من حروف العطف الآتي ذكرها.
قال ﵀:
تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ عَطْفُ النَّسَقْ ... كَاخُصُصْ بِوُدِّ وَثَنَاءٍ مَنْ صَدَقْ
عرَّف لنا عطف النسق بأنه التابع المتوسط بينه وبين متبوعه أحد الحروف التي سيذكرها الناظم وهي تسعة.
فالتابع: هذا جنس، يشمل النعت، والتوكيد، وعطف البيان، والبدل، وعطف النسق، يشمل هذه الأحكام الخمسة كلها .. الأنواع الخمسة، ثم قوله: المتوسط بينه وبين متبوعه، التابع قلنا: الاسم المشارك لما قبله في إعرابه، إذاً: عندنا تابع ومتبوع، هذا يصدق على النعت، والتوكيد، وعطف البيان، والبدل، وعطف النسق، عندنا تابع ومتبوع.
التابع: هو الذي نُعربه بدلاً أو عطف بيان، والمتبوع: هو الذي أُتبِعَ، حينئذٍ المتوسط بينه وبين متبوعه حرفٌ هذا أخرج بقية التوابع، فاختص الحكم بعطف النسق، إذاً: جاء زيدٌ وعمروٌ، عمروٌ: هذا تابع، زيدٌ: متبوع.
الاسم المشارك لما قبله في إعرابه، شاركه هنا، رأيت زيداً وعمراً، عمراً: هذا تابع، وزيداً: هذا متبوع شاركه في إعرابه وهو النصب، مررت بزيدٍ وعمروٍ، عمروٍ: هذا تابع، زيدٍ: هذا متبوع، وشاركه في الخفض.
стр. 1803
إذاً: الاسم المشارك لما قبله، لكن هنا يختلف الحكم عن النعت والتوكيد والبيان والبدل، بأن ثَمَّ فاصل بين التابع والمتبوع وهو حرفٌ من حروف المعاني الآتي ذكرها، إذاً: المتوسط، يعني: الذي توسط بينه .. بين عطف النسق وبين متبوعه، إذاً إذا قيل: جاء زيدٌ وعمروٌ، لا بد أن نحدد أين التابع الذي نسميه عطف نسق، أين المعطوف الذي نسميه عطف نسق؟ هو عمرو، الذي بعد الواو، وما قبل الواو معطوفٌ عليه، وليس هو بعطف نسق، جاء زيدٌ، زيدٌ: فاعل، والواو حرف عطف، وعمرو: هذا هو المنسوق، ولذلك بعضهم يقول: نَسَق من إطلاق المصدر أو اسم المصدر مراداً به اسم المفعول، أي: العطف المنسوق، إذاً: عندنا متبوع.
المتوسط بينه وبين متبوعه أحد الحروف التي سنذكرها، فخرج بقوله: متوسط إلى آخره بقية التوابع، هذا هو الحد باعتباره تابعاً، وبعضهم عرفه باعتباره مصدراً. وعُرِّف النسق باعتبار المصدر: بأنه تشريك، إذاً: تفعيل، إذا قيل: تكليم، تلفظ ونحو ذلك صار مصدراً، صار وصفاً لمن؟ للمتكلم، إذاً: أنت الذي تعطف وأنت الذي تتبع عطف النسق والنعت والتوكيد ونحو ذلك، كما نقول: أنت مؤكد، أنت الذي أخذت ألفاظ التوكيد وجعلتها تابعةً لما قبلها.
هنا النسق باعتبار كونه مصدر: تشريكُ معمولين في عاملٍ واحدٍ مع توسط حرفٍ بينهما يقوم مقام تكرار العامل، وسبق في أول التوابع لأن العامل في عطف النسق هو العامل في المعطوف عليه على الصحيح، وقيل: بواسطة الواو، وقيل: الواو، وقيل: عاملٌ مقدر، والمشهور أنه العامل بواسطة الواو، وهذا منسوبٌ إلى الجمهور، إذا قيل: جاء زيدٌ وعمروٌ، زيدٌ: مرفوعٌ على أنه فاعل، والعامل فيه جاء، الواو: حرف عطف، عمروٌ: مرفوع، ما الرافع له؟ نقول: الرافع له هو: جاء السابق، لكن بواسطة الواو، وقيل: الواو نفسها، وهذا غريب، وقيل: عامل مقدر كالعامل السابق، يعني: جاء عمروٌ وجاء زيدٌ .. جاء زيدٌ وجاء عمروٌ، وهذا ليس بصواب، لماذا؟ لأننا نجعله في مقام جملتين وليس الأمر كذلك.
فحينئذٍ إذا قيل: بأنه على تقدير عامل امتنع العطف في المفردات، إذا كل مفرد أُتبع ما قبله بحرفٍ من حروف العطف وكان العامل فيه هو العامل في الأول امتنع العطف في المفردات، لأنه لا يوجد عندنا عامل إلا وهو مقدرٌ قبله فعلٌ أو نحو ذلك، رأيت زيداً وعمراً، يعني: ورأيت عمراً، إذاً: صار من عطف الجملة على الجملة، جاء زيدٌ وعمروٌ، إذاً: جاء زيدٌ وجاء عمروٌ ونحو ذلك.
حينئذٍ نقول: هذا يُضعف أو يُقل أن يكون العطف داخلاً في المفردات، وهذا فيه فسادٌ، إذاً: تشريكٌ معمولين في عاملٍ واحدٍ على الصحيح، مع توسط حرفٍ بينهما يقوم مقام تكرار العامل، كأنه قال: الأصل هو التكرار، لكن هذا الحرف كالواو مثلاً قام مقام تكرار العامل، يعني: كأن الواو نابت مناب العامل الذي حقه أن يتكرر.
(تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ عَطْفُ النَّسَقْ)، (تَالٍ) هذا خبر مقدم، وعطف النسق: هذا مبتدأ مؤخر، وتالٍ نقول: هذا خبر مقدم مرفوع، ورفعه الضمة المقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، لأنه منقوص: تالي .. قاضي .. مشتري، إذا كان نكرة وجب تنوينه.
стр. 1804
وسبق أن خلافاً بين النحاة في هذا التنوين، هل هو تنوين عوضٍ عن حرف، أو تنوين تمكين؟ والجماهير على أنه تنوين تمكين، وليس تنوين عوضٍ عن حرفٍ، والذي يكون عوضاً عن حرف ليس في: قاضي، ومشتري، وإنما هو في الجمع المنتهي، أو صيغة منتهى الجموع كـ: (جوارٍ وغواشٍ) وهذا سيأتي في الممنوع من الصرف، وأمَّا: تالٍ ونحوه كـ: (مشترٍ وقاضٍ) نقول: هذا التنوين تنوين تمكين، بدليل رجوع الياء وبقاءها مع التنوين في حالة النصب: رأيت قاضياً، لو كان التنوين عوضاً عن حرف، العوض لا يجتمع مع المعوض عنه، البدل والبدل منه لا يجتمعان، فإذا قيل: قاضٍ، التنوين هذا عوض عن ياء، حينئذٍ ما هو هذا التنوين في قوله: رأيت قاضياً .. ما نوعه، الياء موجودة، أين العِوض .. أين المعَوض عنه؟ لم تحذف الياء، فنبقى على ماذا؟ فيه إشكال، والصواب أنه تنوين تمكين، وليس بتنوين عوضٍ عن حرف.
إذاً: (تَالٍ) هذا خبر مُقدَّم مرفوع، ورفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، وما هما الساكنان؟ الياء: تالي، لأن الحركة هنا محذوفة للثقل، حينئذٍ نوينا وقدرنا الحركة، ثم نُوِّن والتنوين حكمه أنه واجب لأنه نكرة، نُوِّن فالتقى ساكنان: الياء والتنوين، فقيل: تَالٍ، إذاً تالٍ: هذا خبر مُقدَّم و (بِحَرْفٍ) مُتعلِّقٌ به لأنه اسم فاعل و (مُتْبِعٍ) نعتٌ لـ حَرْفٍ.
تَالٍ المراد به: تابع، فهو جنس دخل فيه جميع التوابع، قوله: (بِحَرْفٍ) يعني: تبع ما قبله وشارك ما قبله في إعرابه بواسطة حرفٍ، حينئذٍ خرجت جميع التوابع الأربعة: النعت، والتوكيد وعطف البيان والبدل، لأنها تتبع متبوعها بدون واسطة حرفٍ، وهذا الحكم خاصٌ بعطف النسق.
(تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) يعني: الحرف هو المُتْبِع الذي أتْبَع ما بعده بما قبله، في الحكم والمعنى، أو في الحكم فقط، يعني: في اللفظ والمعنى، أو في اللفظ فقط، بمعنى: أنه شَرَّكَه فيما قبله في الإعراب والمعنى، أو شَرَّكَه في الإعراب لا في المعنى، وبذلك نَعْرف أن القسمة ثنائية أو ثلاثية.
(تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) بِحرفٍ، الناظم هنا قال: (بِحَرْفٍ) الصَبَّان قال: ولو تقديراً بناءً على مذهب الناظم الذي نذكره دائماً أنه يجوز حذف حرف العطف بين المتعاطفين، وهذه مسألة مختلف فيها بين النحاة، اتفقوا على جوازها في النظم .. الشعر، اتفقوا على جوازها في النظم، تقول: جاء زيدٌ عمروٌ، وأيُّ عمروٌ؟ معطوف على ما سبق بحذف حرف العطف وهذا كثير، ولذلك قال:
(فَالْعطْفُ مُطْلقاً بِوَاوٍ ثمَّ فَا) يعني: بواوٍ وثم وفاء: (حَتَّى أَمَ اوْ كَفِيكَ) حَتَّى وحتى وأم، كلها حذفت الواو، هذا جائز باتفاق، مع كون كل حرفٍ أو كل لفظٍ من هذه الألفاظ تابعٌ لما قبله بواسطة الواو، فهو عطف نسق، لو قيل: عطف نسق (بِوَاوٍ ثُمَّ) (ثمَّ) هذا معطوف على واو في مَحل جر، كيف معطوف عليه بدون حرف عطف، نقول: حرف هنا مقدر بمعنى: أنه حذف أسقط، لكنه منوي، وإذا كان كذلك حينئذٍ لم يخرج عن حد عطف النسق، فيقال: هو التابع المتوسط بينه وبين متبوعه أحد الحروف الآتي ذكرها، أين الحرف هنا؟ نقول: هذا مقدر، وهذا متفق عليه.
стр. 1805
وأمَّا في النثر فجماهير النحاة على المنع، على أنه لا يجوز أن يحذف حرف العطف ثم يكون الكلام من قبيل عطف النسق؛ لأنه يوقع في اللبس، لو قيل: جاء زيدٌ أخوك .. جاء زيدٌ وأخوك، جاء زيدٌ عمروٌ، عمروٌ: هذا يحتمل أنه بدل غلط مما سبق، لو قيل: جاء زيدٌ وعمروٌ ثم حذفت الواو، جاء زيدٌ عمروٌ هذا يلتبس .. يوقع في اللبس، لأن السامع يتوهم أن عمرو عطف نسق أو أنه بدل غلط مما قبله؟ هذا محتمل، كل ما أوقع في لبسٍ للسامع حينئذٍ الأصل اجتنابه. بحرفٍ ولو تقديراً، لأن حذف العاطف جائزٌ عند المصنف نظماً ونثراً، ونجري كلامه دائماً على ما رجحه هو لا ما رجحه غيره.
(تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) أي: موضوعٍ للإتباع، ليس كل حرفٍ يستعمل في النسق لا، وإنما نستقرئ كلام العرب فننظر ما الذي استعملوه من حروف العطف فنستعمله، ولذلك ثَمَّ حروف يختلف فيها النحاة: هل هي حرف عطفٍ أم لا؟
(بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) أي: موضوعٍ للإتباع، وهو تَشْرِيك الثاني مع الأول في عامله، وقلنا: هذا هو المعنى المصدري لعطف النسق: تشريك معمولين في عاملٍ واحدٍ، لأن الكلام هنا في النوايا والمقاصد، تَشرِيك معمولين في عاملٍ واحدٍ، لا بد أن يكون هذا الحرف الموضوع للإتباع مُشَرِّكاً لما بعده فيما قبله إمَّا لفظاً ومعنىً، وإمَّا لفظاً لا معنىً.
إذاً (مُتْبِعٍ) أي: موضوعٍ للإتباع، وما المراد كونه موضوعاً للإتباع؟ هو تشريك الثاني مع الأول في عامله، فأخرج نحو: (مررت بغضنفرٍ، أي: أسدٍ)، (أي) هذه عند الكوفيين حرف عطف، فيها خلاف بين النحاة البصريين والكوفيين، الكوفيون يرون أنها حرف عطف، والبصريون يرون أنها حرف تفسير، مثل (أل) التفسيرية، فحينئذٍ ينبني على هذا خلاف، رأيت أسداً، أي: غضنفراً، رأيت غضنفراً، أو: مررت بغضنفرٍ، أي: أسدٍ، أسد: لو اعتبرنا (أي) هذه حرف عطف حينئذٍ صار مثل: جاء زيدٌ وعمروٌ، مررت بغضنفرٍ، جار ومجرور، (أي) حرف عطف، أسدٍ: معطوفٌ على غضنفر، والمعطوف على المجرور مجرور، و (أي) هذه مثل الواو، كأنك قلت: مررت بزيدٍ وعمروٍ، حكمه واحد، هذا عند الكوفيين.
وعند البصريين لا: ما بعد (أي) يكون بدلاً، أو عطف بيان مما سبق، حينئذٍ (مررت بغضنفرٍ أي) أي: حرف تفسيرٍ مبنيٌ على السكون لا محل له من الإعراب، وليس بحرف عطف، فلن يكون من عطف النسق البتة، إذا نفينا أن يكون حرف عطف، حينئذٍ لن يكون من عطف النسق البتة، وأسدٍ بالخفض: تابعاً لغضنفر، ما نوعه؟ إمَّا أنك تعربه عطف بيان، أو بدل، لا إشكال، فأسدٍ: بدل.
قد يرد السؤال هنا: (أي .. أسدٍ) أسد تابع، وغضنفر متبوع، توسط بينهما حرفٌ، هل يصدق عليه حد عطف النسق أو لا؟ نقول: لا يصدق عليه، لأن هذا الحرف (أي) لم يوضع للتَشْرِيك، نحن اشترطنا قلنا: بحرفٍ مُتْبِعٍ، يعني: موضوع للإتباع، ما المراد بكونه: موضوعاً للإتباع؟ تشريك الثاني مع الأول في عامله، وليس الأمر كذلك في (أي).
إذاً: فإن أسداً تابعٌ بحرفٍ وليس معطوفاً عطف نسق بل بيان، فهو عطف بيان، نعربه عطف بيان، لأن (أي) حرف تفسيرٍ لا حرفٌ متبع، والناظم قال: (تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) يعني: موضوعٌ للإتباع، و (أي) لم يوضع للإتباع.
стр. 1806
إذاً (بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) نقول: موضوعٌ للإتباع، والمراد بالإتباع تشريك معمولين في عاملٍ واحدٍ في إعرابه، يعني: يكون الإعراب الثاني تابعاً للأول بواسطة هذا الحرف، فحينئذٍ أخرج حرفاً لم تضعه العرب للإتباع، وهو (أي) التفسيرية، فإذا قال قائل: حدُّ عطف النسق التابع الذي توسط بينه وبين متبوعه حرفٌ، و (مررت بغضنفرٍ أي: أسدٍ) تابعٌ ومتبوعٌ وتوسط بينهما حرف، إذاً: هذا عطف نسق، نقول: لا! ارجع إلى الحد، ما هو حد عطف النسق؟ التابع المتوسط بينه وبين متبوعه بحرفٍ، أي: موضوعٍ للإتباع، حينئذٍ إذا لم يوضع للإتباع فحينئذٍ لا يرد نقداً أو اعتراضاً على الحد. لا حرفٍ متْبِعٍ على الصحيح، وليس لنا عطف بيان بعد حرفٍ إلا هذا.
يعني: ليس عندنا عطف بيان بعد حرفٍ إلا هذا النوع، وهو الواقع بعد (أي) التفسيرية.
وخرج التوكيد المسبوق بحرفٍ كما ذكرناه: ((كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)) [النبأ: ٤ - ٥] سبق أن ثُمَّ هنا، و ((أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)) [القيامة:٣٤] أن هذا الحرف صُورِي، قلنا: توكيد الجملة اللفظي الأكثر أن يكون في الجمل، وتعطف بثُمَّ وألحق الرضي بها الفاء، طيب! إذا وقع العطف بثُم هل هو عطف نسق؟ قلنا: لا، ليس بعطف نسق، لأن المعنى غير مراد، إذ لو كان عطف نسق لخرج عن التوكيد، لأن ما بعد ثم مطابقٌ في اللفظ لما قبل ثم: ((كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)) [النبأ: ٤ - ٥] مطابقٌ له، إذاً: (ثم) جيء بها هنا لعطف ما بعدها على ما قبلها صورةً فسحب، إذ لو كان المراد بها حقيقة العطف لخرج من باب التوكيد إلى باب عطف النسق، وليس هذا المراد، لأنهم أطلقوا على أنها من أمثلة التوكيد بالجملة، والتي فُصِل بينهما حرفٌ.
وقلنا: ما كان متصلاً .. الجملة الثانية هي عين الأولى وبينهما اتصالٌ شديد، فعند البيانيين أنه يمتنع الفصل بينهما بحرف عطف، و (ثُم) هنا في هذا التركيب ليست بحرف عطفٍ لفظاً ومعنى، وإنما هي من جهة المعنى.
وخرج التوكيد المسبوق بحرفٍ نحو: ((كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)) [النبأ: ٤ - ٥] ولو جُعِلَ قوله: (بِحَرْفٍ) الباء للسببية لخرج جميع ذلك، يعني: لو قيل: تَالٍ بِحَرْفٍ، الباء إذا حملناها على الملابسة ورد علينا ما سبق وأخرجناه بما ذُكِر، وإذ جعلناها -بِحَرْفٍ - سببية، يعني: بسبب حرفٍ متبعٍ لم يرد شيء، لأن مررت بغضنفرٍ، أي: أسدٍ التبعية ليست بسبب (أي) هنا، وإنما بسبب ما قبله، حينئذٍ صار عطف بيان، لانطباق حد عطف البيان عليه، وكذلك الذي ذكره في التوكيد.
стр. 1807
لخرج جميع ذلك، لأن تبعية البيان المسبوق بـ (أي) التفسيرية، والتوكيد المسبوق بالعاطف ليست بسبب الحرف، لثبوت التبعية لهما مع حذف (أي) والعاطف، لأننا لو قلنا: السبب هو وجود الفاء أو ثم، طيب! احذفها: كلا سيعلمون .. كلا سيعلمون، هل خرج عن كونه توكيداً؟ لا، إذاً: كونه تابعاً لما قبله ليس بسبب ثم، بخلاف: جاء زيدٌ وعمروٌ، عمروٌ تابعاً لما سبق بوجود الواو، لو حذفت الواو لسقط العطف .. لما صار كلاماً فصيحاً، صار حشواً .. لغواً، فحينئذٍ كون وجود هذا الحرف لم يؤثر دل على أنه ليس بعطف نسق، ولذلك تقول: مررت بغضنفرٍ أسدٍ، صحيح؟ صحيح، إذاً: أسدٍ عطف بيان، سواءٌ وجدت (أي) أم لا، وكذلك: كلا سيعلمون الثانية، مؤكدة للأولى سواءٌ وجدت (ثم) أو لا.
إذاً: (بِحَرْفٍ) يعني: بسبب الحرف، لو لم يوجد الحرف لما كان ما بعده تابعاً لما قبله، وهذا ليس موجود في عطف البيان الذي يكون بعد (أي) التفسيرية، وكذلك الجملة المؤكدة التي تقع بعد (ثم) أو فاء.
(تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ عَطْفُ النَّسَقْ) عَطْفُ النَّسَقْ: مضاف ومضاف إليه، وهو مبتدأ، وتال: خبرٌ مقدم عليه.
(كَاخُصُصْ بِوُدِّ وثَنَاءٍ مَنْ صَدَقْ) الكاف هذه تمثيلية داخلةٌ على محذوفٍ تقديره كقولك، اخُصُصْ هذا فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: أنت، (بِوُدِّ) الباء حرف جر، ودِّ: اسمٌ مجرورٌ بالباء، والباء أصلية، فتقتضي حينئذٍ متعلقاً تتعلق به، لماذا؟ نقول: هو حرفٌ أصلي، وإذا كان حرفاً أصلياً يقتضي متعلقاً يتعلق به، لماذا يقتضي الحرف الأصلي متعلقاً؟ معمول والمعمول يقتضي عاملاً لا بد، إذا قيل: بودٍ حرف جر، بزيدٍ، مع عمروٍ، تعرف أن هذا معمول، وكل معمول لا بد له من عاملٍ يقتضي العمل فيه، حينئذٍ لذلك قيل: بزيدٍ، زيدٍ: هذا مفعول به في المعنى تعدى إليه عامل وسبق أن حروف الجر إنما سميت حروف جر، لأنها تجر معاني الأفعال إلى مجروراتها، أو للأسماء، فإذا قلت: بزيدٍ بعمروٍ بودٍ، إذاً: ثَم معنى جُر إليه، والحرف أصلي، الكلام مفروض في الحرف الأصلي.
إذاً: ثَم معنى جُر إلى المعنى هذا، هو معنى العامل، سواء كان فعلاً أو كان وصفاً، إذاً: (بِوُدٍ) جار ومجرور متعلق بقوله: اخْصُص، يعني: بمحبةٍ وثناءٍ معطوف على وُدٍ عطف نسقٍ، والحرف هو الحرف المُتْبِع الذي عناه بقوله: (بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ).
(ثَنَاءٍ) معطوفٌ على (وُدِّ) والمعطوف على المجرور مجرور، إذاً: (ثَنَاءٍ) هو المَعْنِي بقوله: (تَالٍ) والواو هو المعنِي بقوله: (بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) انتبه! يظن البعض أن زيدٌ وعمروٌ كله عطف نسق لا، جاء زيدٌ وعمروٌ: يتصور زيد وعمرو كلٌ منهما عطف نسق لا، عطف النسق: ما بعد الواو، هو الذي يُعرب بأنه عطف نسق، بِحَرْفٍ يكون سابقاً عليه.
стр. 1808
إذاً: إذا طبقت حد الناظم (تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) هذا الحد، (بِوُدِّ وَثَنَاءٍ) تقول: ثناء هو قوله: (تَالٍ) المراد تابع، والواو قبله هي المعنية بقوله: (بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) أتبعه في الإعراب، شَرَّكه في إعراب ما قبله، إعراب ما قبله ما هو؟ الخفض .. الجر بالباء، وَثَنَاءٍ: مجرور بأي شيء؟ بـ: (اخْصُص) أو بالباء؟ بالباء لأنه خفض، و (اخصص) هذا فعل، والفعل لا يقتضي الخفض، وإنما يرفع أو ينصب.
إذاً (بِوُدِّ) بمحبةٍ وثناءٍ يعني: بخيرٍ، (ثَنَاءٍ) هذا العامل فيه هو العامل في المَتْبُوع، التالي الذي هو: ثناء، العامل فيه هو العامل في المَتْبُوع وهو الباء.
(مَنْ صَدَقْ) يعني: الذي صدق، من: اسمٌ موصولٌ بمعنى: الذي، وصدق: فعلٌ ماضي، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على (من)، حينئذٍ نقول صدق: فعل وفاعله، والجملة لا محل لها صلة الموصول، طيب! (من) هنا يحتمل أن يكون بمعنى: الذي، أو: الذين، لماذا قلنا بمعنى: الذي؟ أو يحتمل أن يكون بمعنى: الذين، أليست (من) هذه اسم موصول مشترك، مفرد ومثنى والجمع، متى نقول: هذه بمعنى: الذين، أو بمعنى: اللذين، أو بمعنى: الذين؟
لمَّا أفرد الفاعل مذكر علمنا أن مراده (من) المفرد، إذ لو كان مثنًى لقيل: من صدقا .. من صدقوا بالواو، مثل أن تقول: جاء الذي قام، واللذان قاما، والذين قاموا، كذلك (من) .. جاء من قام .. جاء من قاما .. جاء من قاموا، فتنظر إلى العائد، فإن كان مفرداً حكمت عليه بالإفراد، إلا فيما إذا كان السياق قد يدل على أنه أعاد الضمير على (من) لفظ دون المعنى، وهذا سبق معنا: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ)) [البقرة:٨] هنا أعاده على اللفظ مع كون المعنى جمع، لكن لا بد من قرينة أخرى: ((وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)) [البقرة:٨].
إذاً:
تَالٍ بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ عَطْفُ النَّسَقْ ... كَاخُصُصْ بِوُدِّ وَثَنَاءٍ مَنْ صَدَقْ
حَدَّ لنا عطف النسق، ثُمَّ بيَّن لنا الحروف التي يعطف بها، يعني: كأنه فَسَّرَ لنا قوله: (بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) ما هو هذا الحرف؟ لا بد أن يكون توقيفياً، وثَمَّ حروف متفق عليها، وثَمَّ حروف مختلف فيها، والقول هنا كالقول في حروف الجر، يعني: ذكر المعاني التي تُذكر في هذا الباب لا يمكن استقصاؤها، وإنما نذكر الأصول، ومغني اللبيب من أراد التوسع فليرجع إليه، وإلا ثَمَّ مسائل فيها خلاف طويل عريض جداً.
(فَالْعَطْفُ) الفاء هذه فاء الفصيحة، كأن سائلاً قال: ما هو هذا الحرف المُتْبِع؟ فقال: (فَالْعَطْفُ مُطْلَقَاً)، فَالْعَطْفُ الفاء: فاء الفصيحة، والْعَطْفُ: مبتدأ وخبره قوله: (بِوَاوٍ) وما عطف عليه، الباء حرف جر، واوٍ أي: مسمى واوٍ، لأن الواو ليست هي حرف عطف، وإنما هي اسمٌ، بدليل دخول الباء عليها: و (بِوَاوٍ) .. والتنوين كذلك، فهي اسمٌ، وإنما لمراد: مسمى الواو، جاء زيد وا .. وه .. وه، هذا هو الذي هو مسمى الواو، أمَّا الواو فهي اسمٌ وليست بحرفٍ.
стр. 1809
(بِوَاوٍ) الواو اسمٌ مجرورٌ بالباء، وجره كسرة ظاهرة على آخره، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ تقديره كائنٌ .. كائنٌ بالرفع ولا تقول: كائناً أو كائنٍ، إنما تقدره: كائنٌ بالرفع لأنه خبرٌ، والخبر مرفوع، (فَالْعَطْفُ مُطْلَقَاً بِوَاوٍ) كائنٌ بواوٍ، لكن هنا نقول: بواوٍ وما عطف عليه، لأن الخبر هنا مجموع، لأنه أراد أن يبيِّن حروف العطف، العطف كائنٌ بأي شيء؟ ليس بالواو فقط، وما عداها ليس بحرف عطف لا، إنما المراد الواو وما عطف عليه.
حينئذٍ نقول: الواو وما عطف عليه خبر المبتدأ، لكن هذا عند بيان الحكم العام، وأمَّا عند التفصيل فتعرب كل واحدةٍ على حدة، فَالْعَطْفُ مُطْلَقَاً بِوَاوٍ .. فالعطف بواوٍ مُطلقاً، كائنٌ بواوٍ مُطلقاً، مُطْلَقَاً: هذا حال من الضمير المستتر في متعلَّق الجار والمجرور، التركيب هكذا: فالعطف كائنٌ مُطلقاً بواوٍ .. كائنٌ بواوٍ مُطلقاً .. حال كونه مطلق، والمراد بالإطلاق هنا في اللفظ والمعنى، بمعنى: أن الحرف يُشرِّك، ما قبله في المعنى، يعني: معنى العامل، وفي اللفظ الذي هو الحكم الإعراب: الرفع والنصب والخفض، فإذا قيل: جاء زيدٌ وعمروٌ، الواو هنا اقتضت ثلاثة أحكام، أو حكمين؟
الواو هنا شَرَّكت ما بعدها فيما قبلها في المعنى، ما المراد بالمعنى؟ يعني: معنى العامل، أليس الفاعل الذي عُطف عليه في عمرو، أليس هو متصف بالمجيء في الزمن الماضي؟ بلى، هو هذا المعنى، فإذا قيل: جاء زيدٌ، زيدٌ: موصوفٌ بكونه وقع منه مجيءٌ في الزمن الماضي، هذا معنى السابق، إذا قيل: وعمروٌ، الواو شَرَّكت عمرو مع زيد في المعنى الذي ثبت له وهو المجيء في الزمن الماضي، هذا المراد به في المعنى.
ثُمَّ في الإعراب، إذا كان ما قبله مرفوع شَرَّكت ما بعده في الرفع، وإذا كان ما بعده منصوباً شَرَّكته في النصب، وهكذا في الخفض، إذاً: تشريكٌ في المعنى وفي الحكم، هذا المراد بقوله: (مُطْلَقَاً) لأن بعض الحروف تُشَرِّك ما بعدها فيما قبلها في الإعراب فحسب، وأمَّا الحكم لا، إمَّا أن يكون مسكوتاً عنه كما هو الشأن في بعض أحوال (بل) وأمَّا أن يكون ثابتاً له نقيض ما قبل، ولذلك قال: (وَأَتْبَعَتْ لَفْظَاً فَحَسْبُ بَلْ) هذا مقابل لقوله: (مُطْلَقاً) يُفسِّره.
إذاً: قَسَّم لك الحروف إلى قسمين: عطف مُطلقاً بمعنى: أن هذا الحرف شَرَّك ما بعده فيما قبله في الحكم، وهو الإعراب، والذي عبر عنه باللفظ رفعاً ونصباً وخفضاً، وفي المعنى بمعنى: أنه يثبت لما بعد الحرف ما ثبت لما قبل الحرف، وهو مقتضى العامل السابق.
(وَأَتْبَعَتْ لَفْظَاً فَحَسْبُ) يعني: فقط دون المعنى (بِواوٍ ثُمَّ فَا) يعني: بواوٍ وثُم على إسقاط حرف العطف، و (فَا وحَتَّى أَمَ اوْ) أصلها: أمْ أَو .. أمْ: بإسكان الميم وأو، وكل همزةٍ في حرفٍ فهي همزة قطع إلا همزة واحدة اختلفوا فيها: همزة (أل) هل هي همزة قطع أم همزة وصل؟ على الخلاف السابق، وأمَّا ما عداها فهو متفقٌ عليه أن همزته همزة قطع، إذاً: هنا أسقطها الناظم لضرورة النظم، وهكذا تقرؤها: أَمَوْ .. (أَمَ اوْ)، (كَفِيْكَ صِدْقٌ وَوَفَا) كَفِيْكَ يعني: كقولك: فيك صدقٌ ووفاء.
стр. 1810
من يعربه تفصيلاً ليس اختصاراً؟ نقول: هو في مقام التعليم الطالب ما يختصر، لا يقول: جاء فعل وفاعل، هذا المنتهي يُعرِب هكذا، لكن تقول: جاء فعل ماضي إلى آخره.
؟؟؟
إنما نقول: وفاءٌ هذا الأصل ووفاء، حينئذٍ نقول: الضمة الأصل أن تكون ظاهرة على الهمزة المحذوفة ضرورةً، لأنه: ووفاءٌ.
(كَفِيْكَ صِدْقٌ وَوَفَا) إذاً: ذكر في هذا البيت ستة أحرف، فهذه الستة الأحرف تُشرِّك بين التابع والمتبوع لفظاً ومعنىً، وهذا المراد بقوله: (مُطْلَقاً) فعرفنا المراد التشريك في اللفظ أو في الحكم، يعني: في الإعراب، يكون ما بعده مرفوع كشأن سابقه، وفي المعنى يعني: يثبت لما بعد الواو مثلاً من المعنى ما ثبت لما قبل الواو، يعني: معنى العامل يثبت لما بعد الواو.
قال الشارح هنا: " حروف العطف على قسمين " هذا يأتي.
وَأَتْبَعَتْ لَفْظَاً فَحَسْبُ بَلْ وَلاَ ... لَكِنْ كَلَمْ يَبْدُ امْرُؤٌ لَكِنْ طَلاَ
وَأَتْبَعَتْ بَلْ لَفْظَاً، أتبعت ما بعدها لما قبلها، لأنه يقول: (بِحَرْفٍ مُتْبِعٍ) إذاً: أتبعت (بل) بل: هذا فاعل، وأتبع فعلٌ ماضي مبنيٌ على الفتح، والتاء تاء التأنيث .. حرفٌ مبنيٌ على السكون لا محل له من الإعراب، (لَفْظاً) هذا تمييز، يعني: من جهة اللفظ، أو منصوب بنزع الخافض، دائماً مثل هذا يُجوِّز فيه النحاة وجهين، لكن كونه تمييزاً أولى، لماذا؟ لأن النصب بنزع الخافض مسموع، ولا يُجوَّز مُطلقاً بهذا الإطلاق، وإن توسع النحاة وغيرهم في الإعراب أو في الكلام به، أو في تجويزه، لكن إذا قرروا مسألة على جهة التأصيل حكموا عليه بأنه سماعي: (نَقْلاً وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ) كما سبق معنا.
إذاً: (لَفْظاً) نقول: يجوز فيه وجهان: تمييزه أولى، يعني: وأتبعت من جهة اللفظ، حينئذٍ صار التقييد هنا له مفهوم .. صار وصفاً، فإذا قال: (لَفْظَاً) يعني: مراده في الحكم، بمعنى: أن ما بعده يأخذ حكم ما قبله في الإعراب، لأنه لم يكن عطف نسق إلا من أجل هذا، كل الحروف التسعة الآتية كلها تُشرِّك ما بعدها فيما قبلها في الإعراب، ولكن انفردت هذه عن السابقة الستة لكونها تُشرِّك في اللفظ فقط، وأمَّا المعنى فلا، يعني: معنى العامل السابق للحرف لا يُعطى بما بعد (بل) و (لا) و (لكن).
стр. 1811
(وَأَتْبَعَتْ لَفْظاً فَحسْبُ) الفاء هذه زائدة لتزيين اللفظ كما سبق، وحسب بمعنى: قط، بقية حروف العطف، (بَلْ) هذا فاعل أتبعت و (لاَ) معطوف عليه (لَكِنْ) على إسقاط العاطف يعني: ولكن، (كَلَمْ يَبْدُ امْرُؤٌ لَكِنْ طَلاَ)، كَلَمْ يَبْدُ يعني: كقولك، حينئذٍ صارت الكاف جارَّةً لقول محذوف، لَمْ: حرف نفيٍ وجزمٍ وقلب، مبني على السكون لا محل له من الإعراب، (يَبْدُ) فعل مضارع مجزومٌ بلم، وجزمه حذف حرف العلة الواو، لأنه من بدا يبدو كـ: دعا يدعو، مثله: لم يدع، حينئذٍ (يَبْدُ) نقول: هذا فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بلم، وجزمه حذف حرف العلة وهو الواو، والفاعل (امْرُؤٌ) .. فاعل مرفوع بـ: يبدو، فاعلٌ مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، (لَكِنْ) حرف عطف مبنيٌ على السكون لا محل له من الإعراب، (لَكِنْ طَلاَ) بفتح الطاء مقصوراً، هو نفسه مقصور طلا الولد من ذوات الظلف، وقيل: ولد بقر الوحش فقط، يعني: مختلف فيه.
إذاً: (لَكِنْ طَلاَ)، طَلاَ: هذا معطوف على (امْرُؤٌ) والمعطوف على المرفوع مرفوع، إذاً: شَرَّكت ما بعدها فيما قبلها في الرفع، وسيأتي من أحكام الباب: قد يكون العطف محلاً، وقد يكون تقديراً، وقد يكون لفظاً.
(طَلاَ) نقول: هذا مرفوع ورفعه ضَمَّة مُقدَّرة على آخره، لأنه كفتى، فتى: حركته مُقدَّرة، (طَلاَ) مثله، وهو معطوف على (امْرُؤٌ) إذاً: الضَمَّة مُقدَّرة على آخره، لَمْ يَبْدُ امْرُؤٌ: لم يظهر، هذا نفيٌ للبداء عنه وهو الظهور، (لَكِنْ طَلاَ) يعني: لكن ظهر طلا، أو الظاهر طلا، إذاً شَرَّكَتْه في اللفظ دون المعنى، لأن ما قبل (لكن) وهو امرؤٌ الحكم منفيٌ عنه، وما بعد (لكن) وهو طلا الحكم ثابتٌ له، فالذي نُفي أولاً أثبت ثانياً لما بعد (لكن)، إذاً: شَرَّكَت بينهما في الإعراب فحسب، وهذا مراده بقوله: (وَأَتْبَعَتْ لَفْظاً فَحسْبُ بلْ) فقط يعني، وأمَّا في المعنى فلا، هذا يختلف، لكن هو مثَّل بـ (لكن) دون (بل) و (لا) وسيأتي البحث فيها على جهة التفصيل، والمراد هنا الإشارة إلى أن (لكن) أثبتت لما بعدها ما قبلها في الإعراب فحسب لفظاً، وأمَّا في المعنى فيختلفان.
قال الشارح: " حروف العطف على قسمين:
أحدهما: ما يُشرِّك المعطوف مع المعطوف عليه مُطلقاً، أي: لفظاً وحكماً " حكماً عبر به هنا عن المعنى، وإن كان الكثير يقول: لفظاً ومعنىً، وقد يطلق الحكم كذلك على اللفظ، لكن المقصود في اللفظ أن يكون الإعراب، وفي المعنى أن يكون المعنى الثابت لما قبل الحرف، وهي الواو نحو: جاء زيدٌ وعمروٌ، وثُم نحو: جاء زيدٌ ثُم عمروٌ، والفاء: جاء زيدٌ فعمروٌ، وحتى: قدم الحجاج حتى المشاة، وأم: أزيد عندك أم عمروٌ؟ وأو نحو: جاء زيدٌ أو عمروٌ؟ هذه كلها الحروف الستة شَرَّكت ما بعدها ما قبلها في الإعراب وفي المعنى.
стр. 1812
" والثاني: ما يُشرِّك لفظاً فقط لا معنىً " وهو المراد بقوله: (وَأَتْبَعَتْ لَفْظاً فَحسْبُ بَلْ وَلاَ لَكِنْ) هذه الثلاثة تُشرِّك الثاني مع الأول في إعرابه لا في حكمه، يعني: لا في معناه، نحو: ما قام زيدٌ بل عمروٌ، عمروٌ هو القائم، وزيدٌ منفيٌ عنه القيام، إذاً: أثبتت لما بعدها نقيض ما قبلها، أثبتت القيام لعمرو ونفته عن زيد لما سبق، لأنها لا تكون بعد نفيٍ، وجاء زيدٌ لا عمروٌ، فالجائي زيدٌ دون عمرو، جاء زيدٌ لا عمروٌ: لا هنا أثبتت لما بعدها حكم ما قبلها في الإعراب، ونفت المعنى عنه، ولا تضرب زيداً لكن عمراً، يعني: اضرب عمراً، عمراً مضروب .. مأمورٌ بضربه، وزيداً: منهي عن ضربه.
إذاً: هذه الأحرف الثلاثة تُشرِّك ما بعدها ما قبلها في الإعراب فحسب، وأمَّا في الحكم الذي هو المعنى فلا.
تكون هذه الحروف التي ذكرها الناظم هنا في البيتين تسعة: ستة في الأول، وثلاثة في الثاني، وثَمَّ أربعة أو خمسة أحرف مذكورة في المغني فليرجع إليها.
حروف العطف المذكورة تسعةٌ، وهي ثلاثة أقسام، وإن كان المشهور أنها على قسمين على ما ذكره الشارح:
- ما يُشرِّك في اللفظ فقط دائماً، وهو ثلاثة: (بل) و (لكن) و (لا) لاختلاف المتعاطفين فيها بالإثبات والنفي، المعطوف والمعطوف عليه يختلفان في الإثبات والنفي كما سبق: جاء زيدٌ لا عمروٌ، جاء زيدٌ مثبت له المجيء، لا عمروٌ منفيٌ عنه المجيء، إذ ما قبل (بل) و (لكن) منفي، وما بعدهما مثبت، و (لا) بالعكس كما سيأتي تفصيله.
- وما يُشرِّك لفظاً ومعنىً دائماً، وهو أربعة: (الواو) و (الفاء) و (ثم) و (حتى).
- وما يُشرِّك لفظاً فقط تارةً، ولفظاً ومعنىً تارةً أخرى، وهو: (أم) و (أو)، (أم) و (أو) مختلف فيها، هو ذكرها الناظم مع القسم الأول، وهو: (فَالْعَطْفُ مُطْلَقاً) يعني: ما يُشرِّك لفظاً ومعنىً مُطلقاً في كل تركيب، لكن (أم) و (أو) فيه نوع خلاف، لكنه في غير الغالب لا تكون مُشرِّكةً في اللفظ والمعنى، والناظم لم يراع هذه القلة، ولذلك حكم عليها بما حكم على (الواو) و (حتى) و (ثم) و (الفاء)، هذه دائماً في كل تركيب مُشرِّكة لما بعدها ما قبلها في اللفظ وفي المعنى، أمَّا (أو) و (أم) الغالب الكثير أنها مثل (الواو) ومن غير الغالب أنها لا تُشرِّك.
حينئذٍ الناظم لا إشكال بأنه راعى الكثرة وهي التي يؤصل عليها فحكم على (أم) و (أو) بأنها تُشرِّك ما بعدها ما قبلها في اللفظ والمعنى.
(أم) و (أو) أكثر النحاة على أنهما يُشرِّكان في اللفظ لا في المعنى، ونسبته لأكثر النحاة كما ذكرناه سابقاً، كثيراً ما ينسب شيء لأكثر النحاة يكون فيه نزاع. (أم) و (أو) وأكثر النحاة على أنهما يُشرِّكان في اللفظ لا في المعنى، وصحح الصبَّان أنهما يُشرِّكان لفظاً ومعنىً ما لم يقتضيا إضراباً، يعني: (أم) و (أو) كما سيأتي (أو) أنها تأتي للإضراب، و (أم) تأتي منقطعة: (وَبِانْقِطَاعٍ وَبِمَعْنَى "بَلْ").
стр. 1813
(أم) المنقطعة، و (أو) الإضرابية، إذاً: يُشرِّكان في اللفظ والمعنى ما لم يستعملا في معنى الإضراب، وإذا استعملا في معنى الإضراب حينئذٍ قال هنا: (وَأَتْبَعَتْ لَفْظاً فَحَسْبُ بلْ) (بل) هذه تأتي للإضراب، ولذلك ضبط (أم) المنقطعة بأنها بمعنى: (بل) وَبِانْقِطَاعٍ وَبِمَعْنَى "بَلْ"، إذاً: (أم) تأتي بمعنى: (بل)، وهو قد ذكرها في المُشرِّكة في اللفظ والمعنى، ثم تأتي بمعنى: (بل)، و (بل) تُشرِّك في اللفظ لا في المعنى، إذاً: قد يكون ثَمَّ اعتراض على الناظم بهذا، لكنه راعى الأكثر والمشتهر في: (أم) أنها إذا أطلقت انصرفت إلى المتصلة، وهي المعادلة كما سيأتي.
إذاً: والصحيح أنهما يُشرِّكان لفظاً ومعنىً ما لم يقتضيا إضراباً، فإنهما حينئذٍ يُشرِّكان في اللفظ فقط، لأنهما بمعنى: (بل) و (بل) إنما تُشرِّك في اللفظ فقط.
إذاً: (أم) و (أو) فيهما تفصيل: إذا كانتا بمعنى: (بل) أخذت حكم (بل) في أنهما يُشرِّكان في اللفظ وحسب، وإذا لم يكونا بمعنى: (بل) رجعنا إلى الأصل الذي أطلقه الناظم هنا، وهو الكثير الغالب. لأن القائل: أزيدٌ في الدار أم عمروٌ .. إذا قال قائل: أزيدٌ في الدار أم عمروٌ هل فيه تَشرِيك أم لا؟ هو عالمٌ قاطع بأن أحدهما موجود، ولكن الذي أشكل عليه تعيين الموجود، إذاً: سوى بينهما في الوجود في الدار، (أم) هنا سَوَّت بينهما، لو قيل: أزيدٌ في الدار أم عمروٌ، ثَمَ تسوية بينهما .. تَشرِيك، ما بعد (أم) مشاركٌ لما قبلها في كونه موجوداً في الدار أو لا؟ وهو قاطعٌ بأن واحداً منهما في الدار، ولكن التعيين هو الذي يحتاجه جواباً لسؤاله، ولذلك في مثل هذا التركيب لا يُجاب: نعم أو لا، وإنما يقال: زيد .. عينته، عمرو .. إذاً: عينته، عينته بكونه هو الكائن في الدار، مع تجويز أن يكون الثاني كائناً في الدار.
إذا قيل: أزيدٌ في الدار أم عمروٌ؟ القائل عالمٌ بأن الذي في الدار أحد المذكورين لا بد، وغير عالمٍ بتعيينه وهذا واضح، فالذي بعد (أم) مساوٍ للذي قبلها في الصلاحية لثبوت الاستقرار في الدار وانتفائه وحصول المساواة إنما هو بأم، هذا كلامٌ نفيسٌ للصبَّان، وهو: أن (أم) حصل بها تسوية، ما بعدها لما قبلها، في كون كلٍ منهما صالحٌ لأن يكون مستقراً في الدار، وهذا هو المعنى، نحن الآن لا نتحدث عن إعراب، الإعراب واضحٌ بيِّن، وأمَّا المعنى فنقول: (أم) شَرَّكت ما بعدها فيما قبلها في المعنى، ما هو المعنى؟ صلاحية كل واحدٍ من المذكورين بعد (أم) وقبل (أم) أن يكونا هو الذي استقر في الدار، وهذا هو التشريك المعنوي، وليس فيه أزْيَدُ من هذا، كلام جميل!
وكذلك: (أو) مُشرِّكة لما قبلها وما بعدها فيما يُجاء به لأجله من شكٍ أو غيره، وهذا واضح بيِّن: تعلم النحو أو الفقه، كلٌ منهما يشتركان في معنى، وهو: صلاحية أن يكون مطلوباً في العلم الشرعي أو غيره، حينئذٍ نقول: (أو) هنا شركت ما بعدها فيما قبلها في صلاحية أن يكون مطلوباً العلم به.
стр. 1814
وأمَّا إذا اقتضيا إضراباً فإنهما يُشرِّكان في اللفظ فقط، وهذا واضحٌ بيِّن لماذا؟ لأنهما بمعنى: (بل) وتقرر أن (بل) إنما تكون للتشريك اللفظي فحسب دون المعنى، وإنما لم ينبه عليه الناظم لأنه قليل، يعني: لماذا الناظم لم يجعل (أم) و (أو) مع (بل) و (لكن) و (لا)؟ نقول: جعل النوعين مع الكثير الغالب، وأمَّا مجيء (أم) و (أو) للإضراب هذا مختلفٌ فيه، يعني: حتى (أو) فيه خلاف بين النحاة: هل تأتي للإضراب أم لا؟ كما سيأتي.
فجعلهما الناظم مما يُشرِّك في اللفظ والمعنى باعتبار أن ما قبلها وما بعدها مستوٍ في المعنى الذي سيقا له من شكٍ وغيره، إذاً: وضح عندنا أن (أم) و (أو) يكونان لتشريك ما بعدهما لما قبلهما في المعنى، سواءٌ كانت (أم) في التسوية، أو (أو) في المعاني التي سيقت لها، وهي السبعة الآتي ذكرها.
ثم شرع في بيان معاني الحروف.
إذاً: عدَّها أولاً، ثم فصَّل:
فَاعْطِفْ بِوَاوٍ سَابِقاً أَوْ لاَحِقَاً ... فِي الْحُكْمِ أَوْ مُصَاحِباً مُوَافِقَاً
(فاعْطِفْ) الفاء .. ما نوع الفاء؟ التفريع .. طيب! الآن إذا قال: فَالْعَطْفُ مُطْلَقَاً بِوَاوٍ عدَّها .. عَدَّ لنا الحروف التسعة، هل يتفرع على ذلك ذكر المعاني؟ يحتمل .. هل بعد ذكر الحروف التسعة .. هل يتصور أن سائلاً يسأل: ما معاني هذه الحروف التسعة؟ أيهما أقرب؟ الثاني.
إذاً: كلٌ منهما جائز، لكن التفريع فيه بعد، لأن الأصل في التفريع: أن ما بعدها يكون فرعاً، وذاك أصل، يعني: يكون بينهما علاقة ارتباط لا من جهة تفصيل المعاني، وإنما من جهة كون ما بعد الفاء مُفرَّعاً على ما قبله، بمعنى: أن وجوده بوجود أصله، هذا الأصل في التفريع، وهنا يمكن لكن على تأويل.
(فَاعْطِفْ بِوَاوٍ) فَاعْطِفْ يعني: جوازاً، لا يجب أنك إذا عطفت إنما تعطف بالواو دون غيرها لا، إنما المراد فاعطف، يُباح لك العطف بالواو: لاحقاً أو سابقاً أو مصاحباً في الحكم، (فَاعْطِفْ) فعل أمر مبنيٌ على السكون لا محل له من الإعراب، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: أنت، و (بِوَاوٍ) جار ومجرور متعلقاً بقوله: اعطف، (لاَحِقاً) انظر بواوٍ هذا فيه معنى التخصيص.
(فَاعْطِفْ بِوَاوٍ) يعني: لا بغيرها، لأنه خَصَّ، إذا قيد العامل بجار ومجرور فهو يعتبر من المخصصات.
(لاَحِقاً) مفعولٌ به لاعطف، (أَوْ) للتنويع، (سَابِقاً .. أَوْ مُصَاحِباً) (سَابِقاً) معطوف على لاَحِقاً، ومُصَاحِباً: معطوفٌ على (لاَحِقاً)، و (فِي الحُكْمِ) جار ومجرور متعلق بسابقاً أو بلاحقاً أو مصاحباً على قول، من يرى أنه إذا تَوسَّط الاسم بين المعمولات جاز أن يكون من باب التنازع، والصحيح قلنا: لا، إنما التنازع هنا يكون في ماذا؟ (لاَحِقاً أَوْ سَابِقاً فِي الحُكْمِ) في الحكم تنازع فيه لاحقاً أو سابقاً، ومصاحباً هذا يحتاج إلى تقدير.
نقف على هذا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1815
عناصر الدرس
* تتمة معاني حروف العطف (الغاء , ثم , حتى) ـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:
وقفنا عند قول الناظم - رحمه الله تعالى -:
فَاعْطِفْ بِوَاوٍ لاَحِقَاً أَوْ سَابِقَاً ... فِي الحُكْمِ أَوْ مُصَاحِبَاً مُوَافِقَاً
أراد في هذا البيت أن يبيِّن لنا معنى الواو .. واو العطف، ماذا تقتضي؟ حكي الإجماع على أنها للمعية مطلق المعية، وهي التي أرادها بقوله: (لاَحِقاً أَوْ سَابِقَاً أَوْ مُصَاحِبَاً).
الفاء هذه (فَاعْطِفْ) قلنا: فاء الفصيحة، و (بِوَاوٍ) مُتعلِّقٌ به، (فَاعْطِفْ بِوَاوٍ لاَحِقَاً) هذا أيضاً قيدٌ لـ: (فاعْطِفْ) لأن المفعول به .. المعمولات سواءٌ كانت مرفوعة أو منصوبة أو مخفوضة مكملات ومقيدات للعوامل، يعني: اعطف بواوٍ لا بغيرها، اعطف بواوٍ ماذا؟ قال: (لاَحِقَاً)، لاَحِق هذا اسم مفعول، وهو مفعولٌ به لقوله (اعْطِفْ): اعطف أنت لاحقاً، (أَوْ) للتنويع، (سَابِقَاً) هذا النوع الثاني، (أَوْ مُصاحِباً) (أَوْ) للتنويع أيضاً، و (مُصَاحِباً) معطوف على قوله: (لاَحِقاً) وكلٌ منها .. الثلاثة اسم فاعل، لاحق: اسم فاعل .. سابق .. مصاحب، كلها اسم فاعل، اسم الفاعل يعمل.
وقوله: (فِي الحُكْمِ) جار ومجرور تنازع فيه العاملان السابقان، وهما: (لاَحِقاً أَوْ سابقاً) يعني: كلٌ منهما يطلبه على أنه معمولٌ له، حينئذٍ نُعْمِل الثاني لقربه، وهو: (فِي الحُكْمِ) ونقول:
فِي الحُكْم مُتعلِّق بقوله: (سَابِق) طيب! لاحقاً هذا نُقدِّر له ثُمَّ نَحذفه؛ لأنه فَضْلة ليس بعمدة، فنقول: (لاَحِقاً) هذا مفعولٌ به حُذِفَ معموله .. هكذا عند الإعراب، أو حذف متعلقه وهو قوله: (فِي الحُكْمِ) لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله: (فِي الحُكْمِ) وهذا تقرير ما سبق معنا في باب التنازع، على رأي من يرى أنه لا بأس أن يقع الاسم المتنازع فيه بين العوامل، حينئذٍ نقول: تنازع (فِي الحُكْمِ) ثلاثة عوامل: (لاَحِقاً أَوْ سَابِقاً أَوْ مُصَاحِباً).
فـ: (سَابِقاً) عُلِّقَ به في الحكم، وأضمر في الأول ثُمَّ حُذِف، (أَوْ مُصَاحِباً) إمَّا أن يكون من باب التنازع، أو أن يكون معطوفاً على لاحقاً وحذف معموله، لا لكونه متنازعاً فيه، وإنما اكتفاءً بما سبق من قوله: (في الحُكْمِ) يعني: حُذف من الثاني لدلالة الأول عليه، حينئذٍ مُصَاحِباً هذا: إمَّا أن يكون مُنازعاً لـ: (لاَحِقاً) أو سَابِقاً لقوله: (في الحُكْمِ) الجار والمجرور، وإمَّا أن يكون منفكاً، والثاني أصح، لماذا؟
стр. 1816
لأن (سَابِقاً فِي الحُكْمِ أَوْ مُصَاحِباً) كقولك: ضربتُ زيداً وأهنتُ، قلنا: هذا ليس من باب التنازع، فزيداً يكون مفعولاً به لقوله: ضربت، ونُقدِّر للثاني: أهنت زيداً، فحذف من الثاني لا لكونه منازعاً للأول فأعطي الأول الاسم الظاهر لا، وإنما نقول: ضربت زيداً: فعل وفاعل ومفعولٌ به، وأهنت: هذا فعل وفاعل حذف مفعوله لدلالة ما قبله عليه، هذا مثله: (سَابِقاً في الحُكْمِ أَوْ مُصَاحِباً) حينئذٍ تَجويز بعضهم كالصبَّان وغيره: أن يكون مُصَاحِباً كذلك منازع فيه نظر، بل الصواب: أن التنازع إنما يكون بالسابقين، وهذا ما قرره ابن مالك فيما سبق: (إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ قَبْلُ).
إذاً: يشترط في التنازع: أن يكون العاملان سابقين، فإن توسط بينهما خرجا من باب التنازع، إن تأخرا خرجا من باب التنازع، فالذي تأخر خرج من باب التنازع، والذي تَقدَّم فالحكم باقٍ له.
(فَاعْطِفْ بِواوٍ لاَحِقاً) يعني: أن يكون ما بعده لاحقاً وتابعاً في الوجود لما قبله، تقول: جاء زيدٌ وعمرو بعده، هذا لاحق عمرو معطوفٌ على زيد وهو بعده، تقول: جاء زيدٌ وعمروٌ بعده، (أَوْ سَابِقاً) جاء زيدٌ وعمروٌ قبله، إذاً: عطفت عمرو وهو سابق على زيد في المجيء، أيهما جاء أولاً؟ جاء زيدٌ وعمروٌ قبله، (أَوْ مُصاحِباً) جاء زيدٌ وعمروٌ معه، الواو هنا عطفت عمراً على زيد، وهو مصاحبٌ لما قبله، هذا فيما إذا نُصَّ، يعني: إذا جاءت قرينة ظاهرة واضحة بينة، حينئذٍ نَحمل ما بعد الواو على أحد هذه المعاني الثلاث.
إمَّا أن يكون لاحقاً بأن يكون ما بعد الواو وصف بالعامل .. مقتضى العامل بعدما وصف به ما قبل الواو: جاء زيدٌ، اتصف زيدٌ بالمجيء، وعمروٌ بعده، عمروٌ: معطوفٌ على زيد، متى جاء؟ بعد زيد، إذاً: وصف الأول بمضمون العامل وهو المجيء، ثم بينهما زمن أو فترة أو دون ذلك، فُوصف ما بعد الواو بما قبل الواو.
(أَوْ سَابِقاً) عكس الأول، جاء زيدٌ وعمروٌ قبله، فالسابق في المجيء هو عمرو، وقد وقع بعد الواو، إذاً: عُطِف بها سابق على لاحق.
(أَوْ مُصَاحِباً) يعني بمعنى: المعية.
ومن الأول قوله تعالى: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ)) [الحديد:٢٦] هذا لاحق، نوح قبل إبراهيم، وإبراهيم لاحق، ونوح أول الرسل.
ومن الثاني وهو السابق: ((كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ)) [الشورى:٣] يوحى إليك النبي ﷺ ، وهو خاتم الرسل، ((وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ)) [الشورى:٣] الواو حرف عطف، عطفت السابق على اللاحق، وهذا واضح بيِّن، ... ((فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ)) [العنكبوت:١٥] الواو هنا للمصاحبة.
(أَوْ مُصَاحِباً مُوَافِقَاً) موافقاً له .. متابعاً له: هذا صفة لمصاحباً.
стр. 1817
إذاً: الواو نقول: هي لمطلق الجمع عند البصريين، سواءٌ عُبِّر مطلق الجمع أو الجمع المطلق فالمعنى واحد لا فرق بينهما على المشهور عند النحاة، فإذا قلت: جاء زيدٌ وعمروٌ، الواو: حرف عطف، وعمروٌ: معطوف على زيد، ماذا تفيد هذه الواو؟ تدل على مطلق الجمع فقط .. الاجتماع، ثُمَّ الاجتماع هذا يُفَسَّر إمَّا بسابق أو لاحق أو معه، وهذا يحتاج إلى قرينة خارجة عن معنى الواو، أمَّا الواو تدل على أن عمرو وزيد اجتمعا في هذا الوصف وهو المجيء، وما عداه فنحتاج إلى قرينة، مع ترجيحٍ لبعض المعاني على بعض من حيث الأكثرية.
جاء زيدٌ وعمروٌ: دل ذلك على اجتماعهما في نسبة المجيء إليهما فقط، هذا المراد بالواو: مطلق الجمع، يعني: مطلق الجمع، الجمع غير المقيد، لأننا إذا قلنا: لاحق، قيدنا الجمع، وإذا قلنا: سابق، قيدنا الجمع، وإذا قلنا: مصاحب، قيدنا الجمع لا، نقول: الواو لمطلق الجمع، الجمع المطلق عن القيد بكونه مصاحباً أو لاحقاً أو سابقاً.
حينئذٍ إذا قيل: جاء زيدٌ وعمروٌ، لا يُفهم منهما .. لا يفهم من الواو: أيُّ أحدهما أسبق؟ لا يفهم، يحتمل أن يكون زيد، الترتيب الظاهر هو المراد جاء زيدٌ وعمروٌ، زيدٌ جاء قبل عمرو يحتمل، ويحتمل العكس، ويحتمل أنهما جاءا معاً، واحتمل كون عمروٍ جاء بعد زيد، أو جاء قبله، أو جاء مصاحباً له، وإنما يَتبيِّن ذلك بالقرينة، كالمعية في قوله تعالى: ((وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ)) [البقرة:١٢٧] الواو هنا للمعية والمصاحبة، علمناها من خارجٍِ ليس من اللفظ، وإنما جاء في السابق .. القرآن أو في السنة ما يُفَسِّر أن إسماعيل كان يرفع البيت مع إبراهيم ﵇، حينئذٍ نستفيد من هذه القصة الخارجة عن مجرد النص المذكور معنا، بأن الواو هنا للمصاحبة.
إذاً: استفدنا المعية بقرينة: ((وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ)) [البقرة:١٢٧] إسماعيلُ: بالرفع معطوفاً على إبراهيم، إذاً: الواو هنا للمصاحبة بدليلٍ أو بقرينةٍ خارجة.
والترتيب في قوله: ((إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا)) [الزلزلة: ١ - ٣] الواو هنا للترتيب، لأن هذه الوقائع إنما تحصل مرتبةً كما جاء في السنة، وكذلك عكس الترتيب الذي هو قوله: سابقاً على لاحقٍ، في قوله تعالى: ((مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا)) [الجاثية:٢٤] عكس الترتيب، نموت ونحيا .. نحيا ونموت، حينئذٍ: نموت ونحيا عطفت السابق على اللاحق، نحيا ونموت هذا الأصل، سيأتي مزيد بيان.
إذاً نقول: لمطلق الجمع عند البصريين الواو، وحكي الإجماع على ذلك، زعمه السيرافي وغيره، أن إجماع النحاة على أن الواو لمطلق الجمع، والمراد بمطلق الجمع: أنه لا يُقيِّد بقيدٍ من القيود الثلاثة التي ذكرناها.
стр. 1818
إذاً: لمطلق الجمع والجمع المقيد، فذِكر المطلق ليس للتقييد بالإطلاق، بل لبيان الإطلاق، فلا فرق بين العبارتين كما ذكرناه سابقاً، والمراد بالجمع هنا في مقتضى الواو، يعني: ماذا تفيد؟ المراد الاجتماع في الحصول في عطف الجمل التي لا محل لها من الإعراب، وفي نسبة العامل إلى المتعاطفين أو المتعاطفات في غير ذلك لا الاجتماع في زمانٍ أو مكان، يعني إذا قيل: اجتماع، ماذا تفيد هذه الكلمة: لمطلق الجمع، هل تفيد الاجتماع في زمنٍ مُعيَّن، أو تفيد الاجتماع في مكانٍ مُعيَّن، أو مطلق عن هذا ولا ذاك؟
نقول: الثاني، وإنما تدل على أن العامل الذي عطف عليه، وهو العامل فيما بعد الواو مثلاً نقول: شُرِّك بينهما في النسبة، فكما أنه نُسِبَ المجيء إلى زيد المعطوف عليه، كذلك نُسِبَ ما بعد الواو إلى المجيء الذي هو الأصل في العمل، فحينئذٍ نقول: جاء زيدٌ وعمروٌ، الواو شَرَّكت في النسبة، ما هي النسبة؟ نسبة العامل إلى الفاعل: جاء زيدٌ، هنا نسبة بينهما، وهو إثبات المجيء لزيد في الزمن الماضي، حينئذٍ وعمرو الواو شَرَّكت ما بعدها في نسبة العامل للمعمول السابق، هذا المراد .. الاجتماع، وكذلك في الجمل.
إذاً المراد بالجمع: الاجتماع في الحصول .. في عطف الجمل التي لا محل لها من الإعراب: قام زيدٌ وخرج عمروٌ، أفادت الجمع، ما المراد بالجمع هنا في الجمل: قام زيدٌ وخرج عمروٌ؟ حصول قيام زيد وحصول خروج عمرو، الحصول فقط، هذا الاجتماع .. هذا الجمع المراد به في العطف، وأمَّا في المفردات فالتشريك يحصل في مدلول العامل الذي ثبت لما قبل الواو يحصل كذلك لما بعد الواو، إذاً: فرقٌ بين عطف المفردات وبين عطف الجمل:
عطف الجمل: ما بعد الواو يُشرِّك ما قبله في مجرد الحصول، كلٌ منهما حاصل، إذاً: اجتمعا في مطلق الحصول، وكذلك فيما إذا كان لها محلٌ من الإعراب شَرَّكته في المحل، فالمعطوف على الجملة الواقعة حالاً، كذلك يكون محلها النصب، وأمَّا من حيث المعنى حينئذٍ نقول: المراد به مطلق الحصول، وأمَّا في المفردات فكما أنها تُشرِّك في الإعراب كذلك تُشرِّك في النسبة، وفي نسبة العامل إلى المتعاطفين أو المتعاطفات في غير ذلك، لا الاجتماع في زمانٍ أو مكان.
إذاً: عرفنا أن الواو لمطلق الجمع، وهذا هو مذهب البصريين، ومذهب الكوفيين أنها للترتيب، بمعنى: أن ما بعدها مؤخرٌ عما قبلها، يعني: تفيد ما تفيده الفاء وثُم من حيث: أن ما بعدها قد وجد بعد ما قبلها: جاء زيدٌ فعمروٌ، دلت الفاء على الترتيب، يعني: مجيء عمرو بعد مجيء زيد، عند الكوفيين: أن الواو للترتيب كذلك.
стр. 1819
ورُدَّ بقوله تعالى: ((إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا)) [المؤمنون:٣٧] هؤلاء المنكرون للبعث نَمُوتُ وَنَحْيَا، نَمُوتُ وَنَحْيَا لو كانت للترتيب: الحياة كائنةٌ بعد الموت، إذاً: أنكروا البعث أو أثبتوه؟ أثبتوه، وحكا الله تعالى قولهم بناءً على أنهم ينكرون البعث، إذاً: موتٌ ولا حياة، فلو كانت للترتيب حينئذٍ نموت ونحيا، نموت أولاً وبعد ذلك تقع الحياة وتحصل، إذاً: هذا إثباتٌ للبعث، ولذلك قال هنا: ورُدَّ بقوله تعالى، يعني: القول بأنها للترتيب رُدَّ بقوله: ((إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا)) [المؤمنون:٣٧] إذ لو كانت الواو للترتيب لكان اعترافاً بالموت بعد الحياة.
فأجابوا تأويلاً لهذه الآية: بأن المراد -نموت ونحيا- المراد به: يموت كبارنا وتولد صغارنا فنحيا، هذا تأويل بعيد! ومن أوضح ما يرد عليهم قول العرب: اختصم زيدٌ وعمروٌ، اختصم على وزن: افتعل، وفاعله اثنان، لأنه يقتضي المشاركة افتعل وتفاعل، واتفقوا على أن الثاني في باب افتعل وتفاعل لا يعطف بـ (الفاء) و (ثُم) لأنهما للترتيب، هذا محل وفاقٍ بين البصريين والكوفيين: أن في باب اختصما، يُقال: اختصم زيدٌ وعمروٌ، إذ لا يقال: اختصم زيدٌ، لأن باب افتعل الذي يدل على المشاركة، وكذلك باب تفاعل: تشارك وتضارب وتقاتل، يقتضي أن يقع الفعل بين اثنين، تشارك زيد وعمرو .. تضارب زيد وعمرو.
هل يصح أن يُقال: تضارب زيدٌ فعمروٌ؟ لا يصح، لأن (الفاء) هنا للترتيب، هل يصح أن يُقال: تضارب زيدٌ ثم عمروٌ؟ لا يصح، لأنها للترتيب، إذاً: نُفي صحة قولنا: اختصم زيدٌ فعمروٌ، أو اختصم زيدٌ ثم عمروٌ، نُفي هذا التركيب لكون (الفاء) و (ثم) للترتيب، واتفقوا على أنه يُقال: اختصم زيدٌ وعمروٌ، فلو كانت للترتيب لما صح أن يؤتى بالواو هنا كما نُفي (ثم) و (الفاء)، واضح؟ نحن نرد على الكوفيين القائلين بأن (الواو) للترتيب، لماذا؟ نقول: نرد عليهم لأن قولهم فاسد، هذا قول ضعيف جداً، نرد عليهم بماذا؟ بما دل من الأفعال على المشاركة بين اثنين، في باب افتعل وتفاعل.
اتفق البصريون مع الكوفيين على أنه لا يؤتى بالعطف هنا بـ (الفاء) ولا (ثم) فلا يقال: تضارب زيدٌ فعمروٌ، لماذا لا يؤتى بالفاء؟ قالوا: لأنها تفيد الترتيب، والفعل يقتضي المشاركة بين اثنين، كيف تضارب زيدٌ فعمروٌ، أو تضارب زيدٌ ثم عمروٌ؟ هذه تدل على التعقيب والترتيب، إذاً: منعنا (الفاء) و (ثم) هنا في هذا التركيب، لأنهما يأتيان للترتيب.
وجَوَّزنا معاً في لسان العرب أن يُقال: اختصم زيدٌ وعمروٌ، هل يمكن أن يُقال: بأن الواو للترتيب؟ لا يمكن، لأننا منعنا (الفاء) و (ثم) لأجل الترتيب فكيف نقول: الواو للترتيب؟! هذا فاسد، ولذلك ابن هشام في قطر الندى قال: من أظهر ما يرد عليهم بهذه الأمثلة التي جاءت في لسان العرب في الأفعال التي تقتضي المشاركة بين اثنين، ثم عطف الثاني على الأول بالواو ولم يُجوَّز أن يعطف الثاني على الأول بـ (الفاء) و (ثم) لأنهما يقتضيان الترتيب.
حينئذٍ نقول: جاء في لسان العرب: اختصم زيدٌ وعمروٌ. ظ
стр. 1820
ومن أوضح ما يُرَدّ عليهم قول العرب: اختصم زيدٌ وعمروٌ، وامتناعهم أن يعطفوا بـ (الواو) أو بـ (ثم) لكونهما للترتيب، فلو كانت (الواو) مثلهما لامتنع ذلك كما امتنع معهما، أن يعطف بـ (الفاء) و (ثم).
إذاً نقول: (الواو) لمطلق الجمع على الصحيح، ثم هي محتملة لواحدٍ من المعاني الثلاثة المذكورة.
قال في التسهيل: " وتنفرد الواو بكون متبوعها في الحكم محتملاً للمعية برجحانٍ، وللتأخر بكثرة، وللتقدم بقلة " هذا نستفيد منه: أن مطلق الجمع يدخل فيه هذه الأنواع الثلاثة: عطف اللاحق على السابق، أو بالعكس، أو المصاحبة، يرد السؤال: هل كلها مرتبة واحدة، أم متفاوتة؟ نقول: لا، متفاوتة، هذا مراد ابن مالك في التسهيل: أنها متفاوتة، قال: " وتنفرد الواو بكون متبوعها في الحكم محتملاً للمعية برجحان، وللتأخر بكثرة، وللتقدم بقلة " يعني: الكثير في لسان العرب: أنه إذا قيل: جاء زيدٌ وعمروٌ، الترتيب أن يكون الثاني لاحق للأول هذا الكثير، والعكس بقلة مع وجوده، والمعية برجحانٍ، يعني: شيء مرجوح.
ولذلك مضى معنا في باب المفعول معه: أن جاء زيدٌ وعمروٌ يجوز أن ينصب، يُقال: جاء زيدٌ وعمراً، لكنه مرجوح؛ لأن الأصل أن الواو لمجرد العطف، تعطف الثاني على السابق، وهذا معناه: أن مجيئها لعطف اللاحق على السابق أكثر، والعكس كذلك مثله، ولكن للمعية هذا قليل، لذلك قال: للمعية برجحان، وللتأخر بكثرة، وللتقدم بقلة.
فهي وإن كانت موضوعةً لمطلق الجمع الصادق بالأمور الثلاثة لكنها متفاوتة، فاستعمالها في المعية أكثر، وفي تقدم ما قبلها كثير، وفي تأخره قليل، لكن هذا لم يسلم لابن مالك ﵀ مطلقاً، المراد أنها ليست على مرتبة واحدة.
فتكون عند التجرد عن القرائن للمعية بأرجحية، ولتقدم ما قبلها برجحان، ولتأخره بمرجوحية، ولكن هذا يحتاج إلى إثبات.
فَاعْطِفْ بِوَاوٍ لاَحِقَاً أَوْ سَابِقَاً ... فِي الحُكْمِ أَوْ مُصَاحِبَاً مُوَافِقَاً
إذاً كأنه قال: اعطف بواوٍ لمطلق الجمع، وفَسَّر هذا الإطلاق بقوله: (لاَحِقاً أَوْ سَابِقَاً ... أَوْ مُصَاحِبَاً فِي الحُكْمِ).
وَاخْصُصْ بِهَا عَطْفَ الَّذِيْ لاَ يُغْنِي ... مَتْبُوعُهُ كَاصْطَفَّ هَذَا وَابْنِيْ
(اختصم زيدٌ وعمروٌ) لا عطف هنا إلا بالواو، تقاتل زيدٌ وعمروٌ: لا عطف هنا إلا بالواو، كل ما كان على وزن افتعل وتفاعل مما يقتضي المشاركة وإيقاع الحدث بين اثنين فصاعداً لا يجوز العطف بينها إلا بالواو: تضارب زيدٌ وعمروٌ وخالدٌ وبكرٌ، كل هؤلاء فاعل .. فاعل في المعنى، لأنك تقول: تضارب، يعني: حصل حدث فيه مشاركة، مشاركة ممن؟ زيد وعمرو وخالد وبكر، إذاً: كلهم فعلوا الحدث وهو الضرب، مضاربة كلٌ منهم ضرب الآخر.
стр. 1821
وكما ذكرنا سابقاً ونعيد: أن الأول يُعرب فاعلاً اصطلاحاً، والثاني والثالث والرابع يعتبر معطوفاً ولا يعطف إلا بالواو، وأن الأربعة كلٌ منها فاعل ومفعول، الأول فاعل في الاصطلاح مفعولٌ في المعنى، ثُمَّ الثلاثة زيد وعمرو وبكر وخالد .. الثلاث المعطوفات بالواو كلٌ منها فاعل ومفعول، لأنه إذا ضارب فهو ضارب ومضروب، إذا قلت: تضارب زيدٌ وعمروٌ، عمروٌ هذا الثاني ضارب ومضروب، إذاً: هو فاعل للضرب ووقع عليه الضرب، والأول: تضارب زيد، في الاصطلاح هو فاعل ولا شك، وهو في المعنى مفعولٌ.
(وَاخْصُصْ بِهَا) يعني: بالواو (عَطْفَ)، (اخْصُصْ) فعل أمر، والفاعل أنت، (بِهَا) الضمير يعود على الواو، (عَطْفَ الَّذِي) مفعولٌ به، (عَطْفَ) مضاف و (الَّذِي) مضاف إليه، (لاَ يُغْنِي متْبُوعُه) يعني: لا يكتفي الكلام به، هكذا قدره بعضهم، وقيل: يعطف بها ما لا يستغنى به عن متبوعه وهذا أحسن، لذا قال: (لاَ يُغْنِي):
وَاغْنَ بِكِلْتَا .. وَبِسِوَى الْفَاعِلِ قَدْ يَغْنَى فَعَلْ ..
ابن مالك يستعمل هنا: يُغْنِي يَغْنِي غَنَى، يستعمله بمعنى الاستغناء، (الَّذِي لاَ يُغْنِي) يعني: ما لا يُستَغنَى به عن متبوعه، وهذا فيما إذا كان الفعل دالاً على المشاركة.
(كَاصْطَفَّ)، (اصْطَفَّ) أصله: (اصتفف) على وزن (افْتَعَل) كـ: (اجتمع) كـ: (اختصم) حينئذٍ نقول: ما كان على وزن افتعل فاعله اثنان، لكن في المعنى، الفاعل الاصطلاحي واحد له، والثاني لازمٌ له، لأنه لا يقول: اختصم زيد، كيف اختصم زيد .. اختصم مع من؟ خاصم زيدٌ خصمَ من؟ عمراً، إذاً: هذا الفعل المخاصمة والخصومة تقتضي اثنين، لا يمكن أن يتصور أنه يقع من واحد، إلا كما ذكرنا؟؟؟ إذا كان مريضاً، يخاصم نفسه ويختصم.
(كَاصْطَفَّ) أصله: (اصتفف) فأبدل من التاء طاءً وأدغمت الفاء في الفاء، فاصطفوا إذا وقفعوا في الحرب صفاً، (اصْطَفَّ هذَا وابْنِي) هذَا فاعل، وابْنِي: هذا معطوفٌ عليه، الواو حرف عطف، هل يمكن أن يؤتى بحرفٍ غير الواو في هذا المقام؟ الجواب: لا، لأن نسبة الحدث إلى الثاني كنسبته إلى الأول، يعني: وقعا معاً، حينئذٍ لا يمكن أن يؤتى بـ (الفاء) ولا بـ (ثم).
(وَاخْصُصْ بِهَا) يعني: اختصت الواو بأنه يعطف بها في الأفعال التي لا يتصور أن يستغني بواحدٍ عن متبوعه (كَاصْطَفَّ هَذَا وابْنِي).
(وَاخْصُصْ بِهَا) يعني: بالواو، (عَطْفَ الَّذِي لاَ يُغْنِي مَتْبُوعُهُ) وهذا فيما إذا دل الفعل على اشتراكٍ .. مشاركةٍ بين اثنين فصاعداً، حينئذٍ نعطف الثاني على الأول بالواو لا بـ (الفاء) ولا بـ (ثم)، وهذا من الأدلة في الرد على الكوفيين، بكون الواو تأتي للترتيب، وهذا الدليل محفوظ:
وَاخْصُصْ بِهَا عَطْفَ الَّذِي لاَ يُغْنِي ... مَتْبُوعُهُ ..
يعني: لا يكتفى الكلام به (كَاصْطَفَّ هَذَا) كقولك: (اصْطَفَّ هَذَا وابْنِي)، (ابْنِي) معطوفٌ على هَذَا، وكلٌ منهما وقعت منه المصافَّة، لأن الاصطفاف لا يقع من واحد، كيف تصف نفسك؟! ما يمكن هذا، وإنما يقع مع شخصٍ آخر وثالث ورابع.
стр. 1822
قال: اختصت الواو من بين حروف العطف، بأنها يعطف بها حيث لا يُكْتَفى بالمعطوف عليه، اختصم زيدٌ وعمروٌ، ولو قلت: اختصم زيد لم يجز، ولو قلت: اختصم زيدٌ فعمروٌ لم يجز، ولو قلت: اختصم زيدٌ ثم عمروٌ لم يجز، لا بد أن تأتي بالواو، ما جئت بالواو لحنٌ! لو جئت بواحدٍ: اختصم زيد كضارب زيد، نقول: هذا ما يصلح، لا بد أن تأتي بالمعطوف والواو.
ولو قلت: اختصم زيدٌ لم يجز، ومثله: اصطف هذا وابني، وتشارك زيدٌ وعمروٌ، ولا يجوز أن يعطف في هذه المواضع بالفاء ولا بغيرها من حروف العطف، ولا يُقال: اختصم زيدٌ فعمروٌ.
إذاً: يعطف بها حيث لا يُكْتَفَى بالمعطوف عليه، يعني: يعطف بها اسمٌ على اسمٍ، لا يُكْتَفى في الكلام به إلا بمتبوعه، فهي من المعاني النسبية التي لا تقوم إلا باثنين فصاعداً، وهذا المشهور أنه في باب افتعل وتفاعل وفاعل، ضارب زيدٌ عمراً هذا لا يحتاج إلى عطف، لأنه يتعدى إلى مفعول، ضارب زيدٌ عمراً من باب: فاعل، وأمَّا باب افتعل وتفاعل هذا الذي يُراد هنا.
وَاخْصُصْ بِهَا عَطفَ الَّذِي لاَ يُغْنِي ... مَتْبُوعُهُ ..
أمَّا قوله: (بَيْنَ الدَّخُول فَحَوْمَلِ) بالفاء هنا، قالوا: الأصل هنا على تقدير مضاف .. على حذف مضاف، تقديره: بين أماكن الدخول فأماكن حومل، فهو بمنزلة: اختصم الزيدون فالعمرون، جائز أو لا؟ إذا قلت: اختصم الزيدون، كلٌ منهم خاصم الآخر، فاعل ومفعول، فالعمرون: هذا جائز، لأن الثاني ليس معطوفاً على الأول في كونه مشاركاً له في العامل، وإنما هو في قوة قوله: اختصم زيدٌ فاختصم العمرون .. اختصم الزيدون فاختصم العمرون، إذاً: كلٌ منهم له خصومة تخصه منفكة عن الآخر، فلا إشكال في هذا .. هذا جائز.
لو قيل: اختصم الزيدون، صح أو لا؟ صح، لأنك أوقعت الجمع موقع الثلاثة فأكثر، وكذلك اختصم الزيدان، أمَّا إذا جئت بالعطف على الأصل: اختصم زيدٌ وعمروٌ لأن التثنية والجمع إذا اشتركا كلٌ منهما المخاصِم والمخاصَم زيد، إذاً قلت: اختصم الزيدان، هذا جائز، لأنهما منفكان، واختصم الزيدون كأنك قلت: اختصم زيد وزيد وزيد، أمَّا إذا كانا مختلفين: اختصم زيدٌ وعمروٌ لا بد من الفصل.
وَالْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ بِاتِّصَالِ ... وَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ بِانْفِصَالِ
(وَالفَاءُ) التي ذكرها سابقاً بقوله: (فَا .. وَالفَا) (أل) هذه للعهد الذكري، يعني: الفاء المذكورة في عَدِّ حروف العطف هناك، والفاء العاطفة لها ثلاثة أحكام:
الأول: تُشرِّك ما بعدها فيما قبلها في الحكم، وهذا معلومٌ في كل حرف سيأتينا، ولا نحتاج إلى تنصيص عليه، لأنها ما كانت حرف عطف إلا لكونها مُشرِّكة للثاني فيما قبله في الرفع أو النصب أو الخفض، فلا نحتاج أن نقول: لها حكمٌ مستقلٌ بها، وإنما نَتعرَّض إلى المعنى.
الثاني: أنها تفيد الترتيب، ما المراد بالترتيب؟ يعني: تدل على تأخر المعطوف على المعطوف عليه، يعني: ما بعد الفاء وقع بعد ما قبل الفاء، جاء زيدٌ فعمروٌ، مجيء عمرو ليس مقارناً لمجيء زيد، لماذا؟ لأنك عطفت بالفاء، والفاء تدل على الترتيب، بمعنى: أن ما بعدها حصل له المجيء بعد حصول المجيء لما قبلها، إذاً: لم يَتَّحِدا .. لم يقعا معاً، هذا المراد بالترتيب.
стр. 1823
(لِلترْتِيبِ بِاتِّصَالِ) احترازاً من (التَّرتِيبِ بِانْفِصَالِ) الذي هو معنى: (ثُمَّ) إذاً قوله: (بِاتِّصَالِ) متعلق بقوله: (لِلترْتِيبِ)، ولِلترْتِيبِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ الفاء، وَالفَاءُ: مبتدأ، كائنٌ للترتيب، و (بِاتِّصَالِ) متعلقٌ به، والمراد بالاتصال: ما يُعبِّر عنه جماهير النحاة بالتعقيب، يعني: أن يكون عقبه بلا مهلةٍ، يعني: ليس بين المعطوف والمعطوف عليه في إيقاع الحدث منهما مهلة، يعني: بلا تراخٍ، كما هو الشأن في (ثم) يعني: إذا قلت: جاء زيدٌ فعمروٌ، نقول: دلت الفاء على أمرين:
أولاً: الترتيب. ز تأخر المعطوف عن المعطوف عليه في إيقاع الحدث، ثم أفادت معنىً آخر وهو: أنه ليس بين الفعلين الواقعين بين المعطوف والمعطوف عليه .. ليس بينهما مهلة .. مباشرةً، جاء زيد فجاء عمروٌ بعده، ليس بينهما زمن، حينئذٍ نقول: هذا المراد بالتعقيب، وتعقيب كل شيءٍ بحسبه:
تزوج زيدٌ فوُلد له، الفاء هنا للتعقيب، تزوج فوُلد، هل هو مثل: جاء زيدٌ فعمروٌ مباشرة بعده عمرو؟ نعم، هنا وقعت بعده، لكن تزوج زيدٌ فولد له لا، وإنما لا بد من تسعة أشهر، إذاً: بينهما مهلة لكنها عرفية .. مهلة عرفية، فهذا تعقيب؟ نقول: نعم، الفاء هنا أفادت التعقيب، لكن هذا التعقيب ليس المراد أن ينفي الزمن لأنه منافٍ للعقل، وإنما المراد أنه لم يتأخر عن المهلة المعهودة، يعني: لو جلس سنتين أو ثلاث ما ولد له ثم قيل: تزوج زيدٌ فولد له خطأ، لماذا؟ لأنه وجد زيادة على تسعة أشهر، أمَّا إذا قيلت هذه بعد تسعة أشهر مباشرةً صار المعنى صحيح.
فإذا أردت أن تخبر بأن زيد تزوج فولد له في الوقت المعهود لم يتأخر عن السنة مثلاً، تقول: تزوج زيدٌ فولد له، وأمَّا إذا تأخر سنتين فأكثر تقول: تزوج زيدٌ ثم ولد له.
(وَالفَاءُ لِلترْتِيبِ بِاتِّصَالِ) يعني: بلا مهلةٍ .. بلا تأخر، وهذا المراد بمعنى: التعقيب عند النحاة، ((أمَّاتَهُ فَأَقْبَرَهُ)) [عبس:٢١] مباشرة، موت ثم قبر، دخلت البصرة فبغداد، أول كان السفر ليس مثل الآن، دخلت البصرة فبغداد، إذا كانت المسافة بين البصرة وبغداد ثلاثة أيام وقد حصل دخوله بغداد بعد البصرة بثلاثة أيام فهي للتعقيب، فإذا زادت عن ذلك حينئذٍ خطأ في التعبير، فيقال: دخلت البصرة ثم بغداد، وهو في كل شيءٍ بحسبه، كما ذكرناه: تزوج فلانٌ فولد له، كذلك: دخلت البصرة فبغداد.
(وَالفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ بِاتِّصَالِ) المراد بالترتيب هنا المعنوي، لأن الترتيب نوعان: ترتيب معنوي، وترتيبٌ ذكري، يعني: أن يذكر الشيء بعد الأول لكن لا بد من مناسبةٍ، وهنا المراد بالترتيب الترتيب المعنوي، بمعنى: أنه يَتعلَّق بالمعنى.
стр. 1824
وقد تكون للترتيب الذكري، وأكثر ما يكون -هذا الترتيب الذكري- في عطف مفصلٍ على مجملٍ، نحو قوله تعالى: ((فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ)) [النساء:١٥٣] ما هو السؤال .. ما هي هذه الأسئلة؟ ((فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ)) [النساء:١٥٣] إذاً: وقع تفصيل بعد إجمال، نقول: الفاء هنا للترتيب الذكري، لأنه وقع بعد إجمال، والذي انحط عليه الكلام، وليس المراد من الترتيب الذكري مجرد ترتيب شيئين في الذكر، يعني: مجرد أنه قيل: جاء زيدٌ فعمروٌ، إذا قيل: الترتيب الذكري هنا، نقول: لا، ليس هذا المراد، لأن هذا مأخوذٌ من غير الفاء، لو أسقطت الفاء وجيء بحرفٍ آخر حينئذٍ نقول: هذا أفادت الترتيب، كون الشيء مذكوراً أولاً، ثُمَّ الذي يليه سواءٌ كان بحرف عطف أو لا .. سواءٌ كان بالفاء أو بغيرها، نقول: الترتيب حاصل.
لأن هذا القدر لازمُ للذكر مع إسقاط الفاء أيضاً، ليس من أجل الفاء، ونحن نعلق الحكم هنا: الترتيب الذكري بالفاء على جهة الخصوص، بل ترتيب مراتب المذكور في الذكر، أي: بيان أن المذكور أولاً حقه أن يتقدم في الذكر لتقدم رتبته على رتبة المتأخر، إذاً: أفادت الفاء إذا كانت للترتيب الذكري أن رتبة المتقدِّم .. رتبته التقدِّيم، وما بعد الفاء رتبته التأخير، وهذا يكون في عطف المفَصَّل على المجمل كثيراً.
وَالْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ بِاتِّصَالِ ... وَثُمَّ لِلتَّرْتِيْبِ بِانْفِصَالِ
وكثيراً ما يقتضي أيضاً -الفاء-: التسبب، إن كان المعطوف جملة، وهذا يذكرها الأصوليون هناك في جهة التعليل: سها فَسَجد .. زنا فرُجِم .. سرق فقُطِع، هنا الفاء عطفت جملة على جملة، وأفادت السببية، ولذلك نقول: سرق فقطع، أفادت الفاء أن علة القطع السرقة، زنا فرجم، علة الرجم زنى، سها فسجد سجود السهو، إذاً: ما قبله علةٌ لما بعده.
إذاً: كثيراً ما تقتضي الفاء التسبب إن كان المعطوف جملةً: ((فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ)) [القصص:١٥] قضى عليه بسبب الوكز، كذلك الأمثلة التي ذكرناها. ولدلالتها على ذلك كونها تدل على السببية في عطف الجمل لا في عطف المفردات، استعيرت للربط في جواب الشرط، نقول: الفاء تقع رابطةً لجواب الشرط بالشرط، لماذا اختيرت الفاء؟ لأن فيها معنى السببية، ومعلومٌ أن الشرط وجواب الشرط .. فعل الشرط وجوابه أن بينهما تعليق، وأنه مرتبٌ عليه ترتيب السبب على المسبب: إن جئتني أكرمتك يعني سبب أو مسبب على المجيء.
стр. 1825
ولدلالته على ذلك استعيرت للربط في جواب الشرط: من يأتيني فإني أكرمه، إني: جملة وجب دخول الفاء عليها، من يأتيني فإني أكرمه، ولهذا إذا قيل: من دخل داري فله درهم، أفاد استحقاق الدرهم بالدخول، يعني: إن دخل استحق الدرهم، إن لم يدخل لم يستحق الدرهم، إذاً: جعل الدخول علة .. سبباً لاستحقاق الدرهم، ولو حذف الفاء احتمل ذلك واحتمل الإقرار بالدرهم له، إذا قيل: من يأتيني له درهمٌ، هذا صار محتملاً للسببية، ويحتمل الإقرار: من يأتيني له درهم، يعني: له دين عندي درهم، إقرارٌ بالدرهم، ويحتمل السببية لو أسقطت الفاء، من يأتيني له درهمٌ، نقول: هذا ليس جزماً .. قطعاً في أن الدرهم حاصلٌ للإتيان، وإنما يحتمل الإقرار بالدرهم، من يأتيني فله درهمٌ، صار محتملاً. ولو حذف الفاء احتمل ذلك السببية واحتمل الإقرار بالدرهم له.
وقد تخلوا الفاء العاطفة للجمل عن هذا المعنى نحو: ((الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى)) [الأعلى: ٢ - ٤] خلت عن معنى الترتيب ومعنى السببية لمجرد العطف.
(وَالْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ بِاتِّصَالِ وَثُمَّ) يُقال: ثُمَّ ثُمَّت بالتاء، (وَثُمَّ) هذا مُبتدأ قصد لفظه، (لِلتَّرْتِيبِ) كائنٌ للترتيب، وعرفنا معنى الترتيب: تأخر المعطوف عن المعطوف عليه، (بِانْفِصَالِ) مُقابل لقوله: (بِاتِّصَالِ) يعني: بمهلة، كل ترتيب حصل بين المعطوف والمعطوف عليه مهلةٌ من الزمن قلت أم كثرت يُجاء بـ (ثم)، وإذا كان ليس بينهما مهلة إلا ما يتصور في العقل أو العادة، حينئذٍ يلزم أن نأتي بالفاء، إذاً: كلٌ من (الفاء) و (ثم) تفيد الترتيب، إلا أن الترتيب في (الفاء) مع التعقيب، يعني: بنفي المهلة بين المعطوف والمعطوف عليه، و (ثم) كذلك تفيد الترتيب إلا أنه بمهلةٍ، يعني: تأخرٍ في الزمن، بينهما انفصال: (وَ"ثُمَّ" لِلتَّرْتِيبِ بِانْفِصَالِ).
أي: تدل (الفاء) على تأخر المعطوف عن المعطوف عليه متصلاً به، و (ثم) على تأخره عنه منفصلاً، أي: متراخياً عنه، ولذلك يُقال: (ثم) للتراخي، نحو: جاء زيدٌ فعمروٌ، ومنه قوله تعالى: ((الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى)) [الأعلى:٢] هذا محتمل ليس جزماً، وجاء زيدٌ ثم عمروٌ، ومنه قوله تعالى: ((وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ)) [فاطر:١١].
وَاخَصُصْ بِفَاءٍ عَطْفَ مَا لَيْسَ صِلَهْ ... عَلَى الَّذِي اسْتَقَرَّ أَنَّهُ الصِّلَهْ
هذا من خصائص الفاء، كما أن الواو هناك تختص أن يعطف بها ما لا يستغنى عنه في الكلام، هنا تختص الفاء لما فيها من معنى السببية أن يعطف بها على جملة الصلة ما لم يكن فيها ضميرٌ يعود على الجملة أو على الموصول، وتختص الفاء بأنها تعطف على الصلة، يعني: بها، ما لا يصلح كونه صلةً.
следующие страницы →