Полный текст (2 939 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
هو مبتدأ ليس كل ما جاء هو حينئذٍ يكون ضميراً فاصلاً لا محل له من الإعراب، لا تلازم، ليس بينهما تلازم حينئذٍ قد يكون مبتدئاً، وقد يكون ضمير فصل لا محل له من الإعراب، ولذلك له شروط: أنه لا يكون إلا بين متلازمين كالمبتدأ والخبر ونحو ذلك.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
الكلام وما يتألف منه، ثم قال:
كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كاسْتَقِمْ
واحِدُهُ كَلِمَةٌ والقَوْلُ عَمْ ... وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ
وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلاَمٌ قَدْ يُؤَمْ
هذا أول باب افتتح به المصنف رحمه الله تعالى هذه الألفية، وجرت عادة مؤلفيه أن يبوبوا ويفصلوا ويكتبوا الكتب بناءً على حكمة عندهم، والحكمة من التبويب جرت عادة المصنفين أن يفصلوا تآليفهم بالأبواب لأمور منها:
أولاً: أن تكون كل مسألة مجموعة تتبع نظائرها في باب مستقل، بحيث إذا أراد الطالب مراجعة مسألة طالع بابها فقط فيسهل عليه الأمر، يعني: من حيث جمع النظير إلى نظيره، فإذا أراد مسألة تتعلق بأحكام الاستنجاء والاستجمار حينئذٍ رجع إلى باب الاستنجاء والاستجمار، ولا يرجع إلى باب الإجارة، لماذا؟ لأن كل شيء يقرن بنظيره، فما كان متعلقاً بالاستنجاء والاستجمار يرجع إلى محله.
ومنها: إذا ختم الطالب باباً حصل له النشاط للآخر، يعني: فيه نوع تقويم وزيادة همة للطالب، فإذا ختم باباً حصل له النشاط للآخر، فالمسافر يفرح بقطع كل مسافة إذا كانت الطريق مقدرةً، كان ذلك أبعث له على السفر، ولذلك قيل، كما قال الزمخشري وغيره: كان القرآن سوراً؛ لأنه إذا انتهى من سورة حينئذٍ ينشط للأخرى.
الكلام وما يتألف منه، عرفنا أن هذا الباب قدمه لما ذكرنا.
ثانياً: لماذا بدأ المصنف رحمه الله تعالى بباب الكلام؟ وقد بدأ غيره بالحديث عن الكلمة، كما صنع ابن هشام في: قطر الندى وغيره، وإن كان الكثير من النحاة إذا كتبوا إنما يبدؤون بباب بالكلام؛ لأن الكلام هو المقصود بالذات، والحديث عن الكلمة إنما يفصل وينظر فيها من أجل أن يصل إلى الكلام، فالكلام مركب من مسند ومسند إليه، مبتدأ وخبر وفعل وفاعل، حينئذٍ النظر إلى الفعل وحده، والنظر إلى الفاعل وحده، والمبتدأ وحده، والخبر وحده، من أجل ماذا؟ من أجل أن يوصلنا ذلك إلى إقامة الكلام على الوجه الصحيح.
إذاً: المقصود هو الكلام، هو المقصود بالذات؛ ولأنه يقع به التفاهم والتخاطب، فالنتيجة حينئذٍ من أجل أن يفهم كلام غيره، وخاصة إذا كان الوحيين، وكذلك ليصلح كلامه هو، من أجل أن يوصل المعاني التي تكون في نفسه بلفظ صحيح واضح بين، فإذا خلط في كلامه حينئذٍ يكون ثم خلط في إيصال المعاني إلى الغير.
وقيل: هو محط الفائدة، فالكلام هو محط الفائدة .. هو النتيجة، وهو الذي يقع به التفاهم والتخاطب، بخلاف الكلمة.
وإنما صدر بها بعض النحاة نظراً لاعتبارين أو أمرين:
стр. 37
الأول: كما سبق أن موضوع علم النحو هو الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء، إذاً: موضوع فن النحو هو الكلمات العربية، فأول ما يبدأ به من الأبواب والحديث ما هو الأنسب؟ أن يكون الموضوع هو الذي يتحدث عنه أولاً.
ثانياً: نظر الآخر أن الكلمة جزء، والكلام كل، يعني: مركب من أجزاء، وأجزاؤه عبارة عن كلمات، ومعرفة الجزء مقدمة على معرفة الكل طبعاً فقدم وضعاً، ليوافق الوضع الطبع، كما هو الشأن عند أرباب الكلام وغيرهم.
وقدم الأول عند الوضع ... لأنه مقدم بالطبع
يعني: إدراك المفردات مقدم على إدراك المركبات، هذا بطبيعة النفس .. طبيعة النفس لا تدرك الكليات إلا إذا أدركت الجزئيات، والعلم بالجزئيات وسيلة إلى العلم بالكليات، فلذلك قدم بعضهم الكلام على الكلمة.
الكلام وما يتألف منه: .. الكلام لوحده نقول: هذا مفرد، كلام مفرد، ثم حصلت الفائدة، والمراد بحصول الفائدة هنا الفائدة التامة التي هي الفائدة الكلامية، وهذه تستلزم التركيب، يعني: لا تحصل الفائدة الكلامية التي يحسن سكوت المتكلم عليها بحيث لا ينتظر السامع إلى شيء آخر انتظاراً تاماً إلا إذا كان ثمة تركيب من مسند ومسند إليه، من مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل.
هنا قوله: الكلام وما يتألف منه، الكلام بالرفع، هذا إذا قيل بأنه مبتدأ على أنه مسند إليه حينئذٍ ينتظر الطالب أو السامع أو القارئ المسند الذي هو الحكم، وإذا نظر فإذا به تأتي إليه الواو، ومن القاعدة عند النحاة كما ذكر ابن هشام في المغني وغيره: أن المبتدأ إذا حكم عليه الطالب بأنه مبتدأ ثم أراد أن يبحث عن خبره، فإذا جاءت الواو فليقف ولا يبحث ما بعدها عن الخبر، لماذا؟
لأن الواو عاطفة فاصلة، يعطف بها بعدها عما قبلها، ولا يمكن أن يوجد خبر بعد واو عن مبتدأ قبلها، كما أنه لا يمكن أن يوجد فاعل بعد واو معطوفاً على فعله هذا ممتنع، فإذا كان كذلك حينئذٍ إذا طبقنا هذه القاعدة: الكلام مبتدأ، وقد حصلت به الفائدة، وما و .. إذاً: جاءت الواو لا يمكن أن يكون ما بعدها خبراً عما قبلها، حينئذٍ نقول: لا بد من محذوف نقدره، فصار التقدير واجباً؛ لأن الذي عندنا كلمة واحدة، ومن المعلوم أن الكلام لا يكون كلمةً واحدة، لا بد أن يكون مركباً من مسند ومسند إليه، مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل .. جملة فعلية أو جملة اسمية، والكلام لوحده هكذا لا يمكن أن يكون كلاماً، يعني: لفظ الكلام، إذاً: لا بد من التقدير، فصار التقدير واجباً.
وأكثر شراح الألفية على تقدير: هذا باب شرح الكلام، وشرح ما يتألف الكلام منه .. هذا باب شرح الكلام: الكلام في الرابعة جاءت، هذا مبتدأ، وباب: خبره، وباب: مضاف وشرح: مضاف إليه، وشرح: مضاف، والكلام: مضاف إليه .. الكلام في الأصل مجرور بالكسرة على أنه مضاف إليه، حذف المبتدأ هذا فأقيم مقامه باب الذي هو المضاف إليه.
стр. 38
حذف المبتدأ، ثم صار باب شرح الكلام، باب: هذا الخبر، حذف الخبر باب، وأقيم مقامه المضاف إليه وهو شرح، فارتفع ارتفاعه شرحُ الكلامِ، ثم حذف هذا الذي أقيم مقام الخبر شرحُ بالرفع، حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، فصار: الكلام، إذاً: بعد حذفين، حينئذٍ لا بد من تقدير مبتدءٍ محذوف على حذف مضافين من الخبر، باب شرح الكلام، وهذا فيه نوع تكلف، ولو قيل: هذا باب الكلام، ثم جعل الشرح مقدراً أو البيان على أنه بيان لمعنى، لا بيان لإعرابه.
وفرق بين أن يقدر الشيء من أجل تصحيح المعنى، أو من أجل تصحيح الإعراب، فرق بينهما، ولذلك دائماً نقول في الشروح: باب العام .. باب مضاف، والعام مضاف إليه، أي: باب بيان العام، ولا يحتاج أن نقول: حذف الباب وأضيف إليه كذا وإلى آخره، نقول: هذا كله لا داعي له.
وإنما يقدر المضاف من باب التبيين والإيضاح، حينئذٍ صار هذا التقدير تقدير معنى لا تقدير إعراب، والفرق بينهما:
أن تقدير المعنى إنما يكون من أجل إيضاح التركيب فحسب، ولا دخل له في الإعراب، وأما تقدير الإعراب حينئذٍ لا بد وأن يكون له أصل في الإعراب، فالأولى أن يقال: باب الكلام، هذا باب الكلام، ثم نقول: هذا باب، أي: باب بيان وإيضاح حقيقة الكلام وشرح الكلام.
الكلام، إذا حذفنا المضافات التي ذكرناها حينئذٍ نقول: هو خبر لمبتدأ محذوف، على حذف مضافين، باب وشرح، والأصح أن يقال: على حذف مضاف واحد، ولا نحتاج إلى كلمة شرح إلا من جهة إيضاح المعنى.
ويصح أن يكون الكلام مبتدأً خبره محذوفاً، الكلام وما يتألف منه هذا محله، وهذان الوجهان المرجح منهما الوجه الأول، وهو: أن يكون الكلام خبراً لمبتدأ محذوف، ويجوز النصب الكلامَ وما يتألف منه، يعني: اقرأ باب الكلام، ثم حذف باب وأقيم مقامه الكلام.
ويجوز عند الكوفيين، بابِ الكلامِ بالجر على حذف حرف الجر مع إبقاء عمله.
على كلٍ: أرجحها أن يكون الكلام خبراً لمبتدءٍ محذوف، وهذا أولى؛ لأن القاعدة عند النحاة: أنه إذا دار الأمر مع جواز حذف الخبر أو المبتدأ فالأولى أن يجعل المحذوف مبتدأً ولا يجعل خبراً؛ لأن الخبر إنما جيء به من أجل الفائدة:
وَالْخَبَرُ الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ .... !
والأصل في المبتدأ أن يكون معلوماً، وإذا كان كذلك فحينئذٍ حذف المعلوم أولى من حذف المجهول، الأصل في المبتدأ أن يكون معرفةً:
وَلاَ يَجُوزُ الابْتِدَا بِالنَّكِرَهْ ... مَا لَمْ تُفِدْ
هذا الأصل .. والأصل في الخبر أن يكون مجهولاً .. الأصل في المبتدأ أن يكون معلوماً، والأصل في الخبر أن يكون مجهولاً؛ لأنه حكم، حينئذٍ إذا جاز حذف أحد الطرفين فالأولى أن يرجح حذف المبتدأ؛ لأنه معلوم بينك وبين المخاطب، وإنما جيء بالخبر من أجل إفادة الحكم الذي تضمنه ذلك الخبر.
إذاً: إعراب الترجمة الكلام وما يتألف منه الأصل هذا باب شرح الكلام وشرح ما يتألف الكلام منه، اختصر للوضوح، يعني: اختصره المصنف للوضوح.
فالناظم ترجم في هذه الترجمة لشيئين: فشرح أولاً الكلام بتعريفه:
كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كاسْتَقِمْ
стр. 39
والكلم التي يتألف منها ثانياً بذكر أسمائها وعلاماتها فالشرح مختلف، يعني: الشرح الأول مختلف عن الشرح الثاني؛ لأنه ترجم لشيئين: تعريف الكلام، قال: وما يتألف الكلام منه، وهو الاسم والفعل والحرف، فعددها قال:
وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ.
ثم بين مزية كل واحد منها بعلامتها:
بالجَرِّ وَالْتَّنْوِينِ، ثم قال: بتاء فعلت، وآتت، هذا تمييز لها بعلاماتها، إذاً: ترجم لشيئين، وقدم الكلام؛ لأنه أصل، وثنى بما يتألف منه الكلام؛ لأنه جزء له، حينئذٍ ترجم لشيئين وعرف الكلام أولاً، ثم أتبعه بالثاني وهو الذي يتألف منه الكلام.
وللإشارة إلى اختلاف الشرحين صرح بعضهم بقوله: وشرحِ ما يتألف الكلام منه، كما صنع الكثير، السيوطي في شرحه والمكودي والأشموني وغيرهم، ونقول: الأولى عدم ذكر كلمة شرح من جهة الإعراب، وإنما تذكر من جهة البيان والإيضاح، فهو تقدير معنى لا تقدير إعراب.
والكلام خبر لمبتدأ محذوف، الأصل: هذا باب الكلام، هاء: حرف تنبيه، وذا: اسم إشارة مبتدأ، والإشارة إلى ما في الذهن من المعاني سواء قلنا: إن ما في داخل الترجمة وضع قبل الترجمة أو بعدها، وباب: خبره، والكلام بالجر مضاف إليه، ثم حذف هذا المبتدأ وحذف الخبر الذي هو باب مضاف وأقيم المضاف إليه الذي هو الكلام مقامه فارتفع ارتفاعه، وهذا أظهر وأشهر من جعل الكلام مبتدأً وخبره محذوف، ومن جعل الكلام بالنصب مفعولاً بمحذوف، وهذا كما ذكرنا أن غيره هو الأولى.
الكلام وما يتألف منه .. الكلام وما يتألف منه، يعني: وما يتألف الكلام منه، هنا أعاد الضمير بالتذكير منه، والأصل أن يقول: منها، يعني: يجوز الوجهان، أن يقول: منه، وأن يقول: منها، لماذا؟ لأن ما هذه اسم موصول يقع على الأشياء التي يتألف الكلام منها، وهذه الأشياء التي يتألف الكلام منها ثلاثة: اسم وفعل وحرف، فحينئذٍ هي من جهة المعنى مؤنث؛ لأنها جمع أشياء- جمع - ومن جهة اللفظ مذكر، وإذا عاد الضمير على الموصول وهو في اللفظ مذكر وفي المعنى مؤنث جاز الوجهان: أن يذكر اعتباراً باللفظ، وأن يؤنث اعتباراً بالمعنى، فيجوز: وما يتألف الكلام منها، يعني: من هذه الأشياء الثلاثة، وما يتألف الكلام منه، يعني: من هذه الأشياء الثلاثة، هذا جائز وذاك جائز.
قال: وما يتألف منها، مراعاة لما وقعت عليه: ما، يعني: المعنى المؤنث، والذي وقعت عليه ما الأشياء الثلاثة: الاسم والفعل والحرف، قال: وما يتألف، ولم يقل: ما يتركب؛ لأن ثم فرق بين التركيب والتأليف، التركيب: وضع شيءٍ على شيءٍ مطلقاً، سواء كان على جهة الثبوت أو لا، وسواء كان بينهما مناسبة أو لا.
إذا كان وضع شيءٍ على شيءٍ على جهة الثبوت فهذا يسمى: بناءً، ولذلك يقال: كل بناء تركيب ولا عكس، العلاقة بينهما العموم والخصوص المطلق، وإذا كان وضع شيءٍ على شيءٍ على وجه المناسبة بينهما فهو تأليف، ولذلك التأليف أخص من التركيب، فكل تأليف تركيب ولا عكس.
стр. 40
هنا قال: وما يتألف منه، ولم يقل: وما يتركب؛ لأن التأليف أخص، إذ هو تركيب وزيادة، تركيب: وضع شيءٍ على شيءٍ، وزيادة، ما هي هذه الزيادة؟ الألفة والتناسب بين الجزأين، فحينئذٍ عبر بالتأليف ولم يعبر التركيب، مع أن أكثر النحاة في تعريف الكلام يقول: اللفظ المركب، مراعاة إلى وضع الشيء على الشيء مطلقاً، سواء كان بينهما ألفة أم لا.
وابن مالك هنا راعى الألفة بين الجزأين.
إذ هو تركيب وزيادة، وهي: وقوع الألفة بين الجزأين، والمراد بالألفة: الارتباط بين الكلمتين بإسناد إحداهما إلى الأخرى، ارتباط وتعلق ونسبة بين الجزأين .. بين المسند والمسند إليه، أو إضافتها إليها، أو وصفها بها أو نحو ذلك، بخلاف ضمها إليها بدون مناسبة.
الحجر مأكول! طار الجدار! مات السقف! بينهما مناسبة أو لا؟ ليس بينهما مناسبة؛ لأن الموت لا يصدر عن الجماد، لا يوصف به إلا من صح أن لا ينفى مثلاً الشيء عن الشيء إلا إذا صح وصفه به، حينئذٍ إذا قيل: طار الجدار! نقول: الجدار لا يطير، مات الجدار! الحجر مأكول! نقول: هذه كلها ليس بينها ألفة.
وقال بعضهم: هما بمعنىً واحد، يعني: التركيب والتأليف، والمشهور التفريق بينهما.
الكلام وما يتألف منه، يعني: وما يتألف الكلام منه، عرفنا لماذا عبر المصنف بالتأليف إذ هو مقصود عنده، فليس الشرط في الكلام أن يكون مركباً فحسب، بل لا بد أن يكون بين الجزأين المسند والمسند إليه مناسبة وارتباط وتعلق بينهما، وأما ما لم يكن كذلك فحينئذٍ هل هو كلام أم لا؟ ينبني على اشتراط التركيب أو التأليف في حد الكلام، وابن مالك أشار إلى التأليف.
الكلام بفتح الكاف، له معنيان:
معنىً لغوي، ومعنىً اصطلاحي، ونقول بفتح الكاف؛ لأن الكلام مثلث الكاف، يقال: الكُلام، والكِلام، أما الكُلام: فهو اسم للأرض الصعبة، هذه أرض كُلام فهو مفرد، ويقال: الكِلام بالكسر، وهو جمع وليس مفرداً، جمع كَلمٍ: وهو الجرح، فالكِلام الجراحات، زيد به كِلام، أي: جراحات.
قال ابن يعيش في شرح المفصل: وسمي الكلام كلاماً؛ لأنه يكلم القلب، يعني: يجرحه.
جِراحاتُ السِّنانِ لَها التِئامٌ ... ... ولا يَلْتامُ ما جَرَحَ اللِّسانُ
فالكلام يجرح، أليس كذلك؟ فحينئذٍ سمي الكلام كلاماً لكونه .. إذاً: كِلام: هذا جمع وليس مفرداً، جمع لأي شيء؟ لكَلْمٍ، أصله: كَلَمَ يكْلُمُ كَلْماً، من باب نصر: نصر ينصر نصراً، كلم يكلم كلماً، هذا ليس مراداً معنا، إنما الذي يكون معنا هو الكلام بفتح الكاف،
وهو لغةً: القول وما كان مكتفياً بنفسه، وهو مركب من شيئين:
القول وما كان مكتفياً بنفسه .. المراد بالقول: اللفظ الدال على معنى، أو التلفظ قليلاً كان أو كثيراً، يعني: شيء يلفظ من الفم، صوتٌ معه حروف، هذا يسمى قولاً، وبالمعنى الأخص: القول هو اللفظ الدال على معنى، احترازاً عن القول الذي لا يدل على معنى، إذا عممنا القول وجعلناه مراداً للفظ كما هو قول لبعضهم.
стр. 41
فحينئذٍ اللفظ الدال على المعنى هذا احترز به عن اللفظ الذي لا يدل على معنى وهو المهمل، لكن هل هو المراد هنا أم لا؟ هذا محل النزاع، فالقول إما أن يفسر بالمعنى الأخص الذي سيأتي في قول المصنف: والقول عم، وهو اللفظ الدال على معنى، أو يفسر بالمعنى الأعم الذي هو التلفظ قليلاً كان أو كثيراً، فكل شيء يتلفظ به سواء كان مهملاً أو مستعملاً فهو قول، حينئذٍ يطلق على المهمل أنه كلام لغةً، لماذا؟ لكونه صوتاً مشتملاً على بعض الحروف الهجائية.
ولذلك نعرف اللفظ: بأنه الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية التي أولها الألف وآخرها الياء، مهملاً كان أو مستعملاً، فاللفظ جنس دخل تحته شيئان: اللفظ المهمل .. مهمل مأخوذ من الإهمال وهو الترك، وهو الذي لم تضعه العرب، واللفظ المستعمل: وهو الذي وضعته العرب، كزيد والأول المهمل كديز أو رفعج .. ديز مقلوب زيد، العرب وضعت ماذا؟ وضعت زيداً علماً على الذات المشخصة، يعني: نطقت بزيد مراداً به معنىً خاصاً وهو الذات المشخصة المشاهدة في الخارج، هل وضعت: ديز مقلوب زيد؟ لا، لم تنطق بهذا.
نقول: هذا مهمل، يعني: تركته العرب فلم تضعه، كذلك: رفعج .. وضعت جعفر علماً على ذات مشخصة، ولم تضع مقلوب جعفر وهو رفعج، فصار متروكاً مهملاً، هل هذا مرادف للقول أم لا؟ هذا مختلف فيه سيأتي أن ترجيح المصنف بأن القول أخص من مطلق اللفظ، فكل قول لفظ ولا عكس.
إذاً: القول المراد به هنا في حد الكلام اللغوي هو التلفظ قليلاً كان أو كثيراً، وما كان مكتفياً بنفسه هذا عطف مغاير، بأن الإفادة والمعنى التي يستفيدها الناظر أو السامع إما أن تكون بلفظ أو لا، الفائدة التي تستفيدها أنت إما أن تستفيدها مع لفظ، وإما أن تكون بدون لفظ، كالإشارة والكتاب ةونحوها، حينئذٍ ما كانت الاستفادة بلفظ هذا خصه بقوله: القول؛ لأنه لا بد أن يكون ملفوظاً، إما مرادف للفظ وإما أخص.
وما كان، وما، يعني: شيء، هذا الشيء ليس بلفظ، وما شيء كان هذا الشيء مكتفياً اكتفى بنفسه بذاته في إفادة المعنى دون ضميمة لفظ إليه، وهذا ما يسمى بالدوال الأربعة، كالكتابة والخط والإشارة والرمز، وزاد بعضهم: لسان الحال، هي ليست محصورة في الأربع وإنما اشتهر منها الأربع فعلق الحكم بها، وإلا وهي أكثر من ذلك.
فحينئذٍ كل ما أفاد ولم يكن لفظاً، نقول: هذا كلام لغةً لا اصطلاحاً، فلو أشار إليه أفاد أم لا؟ أفاد، هل هو لفظ؟ الجواب: لا، هل هو كلام لغةً؟ الجواب: نعم، وسيأتي أنهم اتفقوا على أنه مجاز على الإشارة.
كذلك الكتابة: لو كتب قام زيد فقرأ .. قام زيد، استفاد معنى، نقول: هذا المعنى الذي استفاده لم يستفده من لفظ مسموع يلج آذانه، وإنما من شيء مقروء، والكتابة ليست لفظاً، فحينئذٍ استفاد معنىً من هذه النقوش، هو ثبوت قيام زيد ولم تكن الكتابة لفظاً فحينئذٍ صار مبايناً للأول، القول وما كان مكتفياً بنفسه.
стр. 42
فأفادت الكتابة معنىً دون ضميمة لفظ إليها .... النُّصُب .. ما هي النُّصُب؟ الشيء الذي ينصب علامةً على شيء آخر، كالمحراب، تدخل المسجد فترى المحراب تعرف أن هذه جهة القبلة، من الذي أخبرك؟ المحراب، هو الذي أخبرك، كيف أخبرك، نطق؟ نطق بلسان حاله لا بلسان مقاله، ليس له لسان، حينئذٍ نقول: المحراب أفاد فائدة واستفدت منه حكماً ومعنىً، هذا المعنى هو تحديد جهة القبلة.
إذاً: شيء اكتفى بنفسه في إفادة المعنى، كجهة القبلة، ولم يكن ثم لفظ معه.
يقال: النُّصُب بضمتين، والنُّصْبُ والنَّصْبُ ثلاث لغات، وكذلك العقد، وهذه طريقة كانت عند العرب، يعقد بالأصابع لإثبات عدد معين، إذا عقدت عرف أن المراد بالعدد هو كذا.
والرمز، قيل: الرمز هو الإشارة بالحاجب ونحوه، هذا قد يفيد معنىً، وهذا المعنى استفيد من نفس إشارة الحاجب، هل هو لفظ؟ الجواب: لا، إذا: قوله: القول وما كان مكتفياً بنفسه، أفاد أمرين:
أن الكلام لغةً على أحد وجهين: إما أن يكون لفظاً، وإما أن يكون شيئاً ليس بلفظ ولكنه مفيد، حينئذٍ نأخذ قاعدة: وهي أن الفائدة لا تستلزم اللفظ، بل قد تكون الفائدة مأخوذة من غير لفظ، كالإشارة وما ذكرناه.
يطلق الكلام لغةً: على الخط والإشارة وما يفهم من حال الشيء، وهو ما يسمى: بلسان الحال، وإطلاقه على هذه الثلاثة مجاز، هكذا قال السيوطي في: همع الهوامع، أن إطلاقه على الكتابة مجاز، وكذلك إطلاقه على الإشارة مجاز، وما يفهم من حال الشيء، كذلك لسان الحال إطلاق الكلام عليه مجاز.
ويطلق الكلام على التكليم الذي هو المصدر، يعني: يطلق على الحدث نفسه، وهو التكلم، فيطلق الكلام مراداً به التكلم، قالوا:
قَالُوا كلاَمُكَ هِنْداً وَهْيَ مُصْغِيَةٌ ... يَشْفِيكَ قُلْتَ صَحِيحٌ ذَاكَ لَوْ كانَاَ
كلاَمُكَ هِنْداً، يعني: تكليمك هنداً، كلمها يحصل لك الصحة، لماذا؟ لأنه مرض بحبها، فإذا كلمها وحصل له تكليم منه لها حينئذٍ حصل العلاج، قالوا: كلامك هنداً، إذاً: يطلق على الحدث، وهذا لا بأس به.
ويطلق عند كثير من المتأخرين على ما في النفس من المعاني التي يعبر عنها، وهذا وإن ذكره الكثير إلا أنه لا دليل عليه، لا من اللغة ولا من الشرع، فحينئذٍ يفسر الكلام بالمعنى القائم بالنفس، ولذلك حرفوا صفة الكلام الثابتة لله بأنها معنىً قائم .. معنىً قديم قائم بذاته جل وعلا، وإذا أطلق الكلام في الشرع وهو صفة لله فسر بهذا المعنى: المعنى القائم بالنفس، وهذا باطل لا دليل عليه.
بل بإجماع أهل اللغة أن مسمى الكلام والقول إذا أطلقا، يعني: دون قرينة .. دون قيد، إذا أطلق لفظ الكلام وأطلق لفظ القول انصرفا إلى المعنى واللفظ جميعاً، كلفظ الإنسان ينصرف إلى الجسد والروح، فلا نقول: المراد بالإنسان هو الجسد دون الروح، ولا المراد بالإنسان هو الروح دون الجسد، بل متى ما أطلق لفظ الإنسان انصرف إلى الشيئين معاً، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر من حيث الإطلاق إلا بقرينة.
стр. 43
ولذلك جاء القيد في قوله تعالى: ((وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ)) [المجادلة:٨] في أنفسهم، وهذا يرد عليهم، إذ لو كان القول الأصل فيه أنه يطلق على المعنى القائم في النفس ما الداعي إلى قوله: في أنفسهم؟ لو قال: وَيَقُولُونَ .... لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ، حينئذٍ نقول: لو قالوا: ويقولون دون قيد انصرف إلى المعنى النفسي، لماذا قيده وقال: في أنفسهم؟ هذا دل على أنه لو أطلق لانصرف إلى اللفظ والمعنى معاً، ولا يصح إطلاقه على حديث النفس إلا بقيد.
إذاً: قولهم: أن الكلام يطلق على المعنى دون اللفظ، وإطلاقه عليه حقيقة، هذا قول باطل وليس عليه دليل.
ويطلق على اللفظ المركب أفاد أم لم يفد، فيشمل حينئذٍ الكَلِم، والكَلِم قسمان:
كلم مفيد، وكلم غير مفيد، حينئذٍ يطلق عليه أنه كلام، وهل هو حقيقة فيهما، أو في الأول فقط، أو الثاني فقط؟ ثلاثة مذاهب للنحاة، يعني: إطلاق لفظ الكلام على المعنى القائم بالنفس، وإطلاق الكلام على المركب أفاد أم لا؟ هل هو حقيقة فيهما، أم في الأول دون الثاني، أم في الثاني دون الأول؟ هذه ثلاثة مذاهب للنحاة.
والصحيح أنه لا يطلق الكلام على المعنى القائم بالنفس البتة، إلا بقرينة، فإن وجدت قرينة فحينئذٍ لا بأس، وإلا فنرجع إلى الأصل؛ لأن الأصل حمل الكلام على حقيقته، فإن امتنع حمل الكلام على حقيقته، إن قلنا بالمجاز حينئذٍ نصرفه إلى المجاز.
ويطلق على الكلمة الواحدة، فيقال: زيد كلام، لكنه من جهة اللغة لا من جهة الاصطلاح.
إذاً: هذا معنى الكلام في لغة العرب: أنه القول وما كان مكتفياً بنفسه.
قال في حده من جهة الاصطلاح:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم.
قال ابن مالك: كلامنا، قيد بالإضافة فنسب الكلام إلى نفسه هو ومن معه؛ لأن: نا، الدالة على الفاعلين قد يراد بها المتحدث ومن معه .. إذا كان معظماً نفسه حينئذٍ صار من معه ادعاءً، وإن كان يريد أن هذا مذهب النحاة فحينئذٍ قد عبر بنا الدالة على نسبة الحكم إلى النحاة أجمعين.
فقوله: كلامنا، هل فيه احتراز عن كلام غيره، أم لا؟ هذا محتمل، لماذا؟ لأننا قررنا البارحة: أن المصنف رحمه الله تعالى قال:
وَأَسْتعِينُ اللهَ فِي ألْفِيَّهْ ... مَقَاصِدُ النَّحْوِ بِهَا مَحْوِيَّهْ
إذاً: ماذا سينظم لنا؟ سينظم لنا ما يتعلق بمقاصد النحو، فلو قال: الكلام لفظ مفيد، هل ينصرف الكلام هنا إلى غير الكلام عند النحاة؟ لا، إذاً: كلامنا نقول هنا: ليست الإضافة للاحتراز عن كلام غير النحاة؛ لأن النحاة لهم كلام، والأصوليين لهم كلام، والفقهاء لهم كلام، والمناطقة لهم كلام، كل له كلام، وكلهم يحده بحد ينفصل به عن غيره، ولذلك قيل: الكلام عند الفقهاء كل ما أبطل الصلاة من حرف مفهم كقي وعي أو حرفين مطلقاً وإن لم يفهما.
هذا الكلام عند الفقهاء، يعني: لا يشترط في إبطال الصلاة على هذا الحد أن يقول: قام زيد، وزيد قائم، يا فلان تعال إلى ... حتى تبطل الصلاة، لو قال: قي، يعني: أمر من الوقاية، عي: أمر من الوعاية، حينئذٍ أقول: هذا الكلام يعتبر كلاماً عند الفقهاء فتبطل به الصلاة، ما دام أنه مؤلف من حرف مفهم أو حرفين مطلقاً وإن لم يفهما أبطل الصلاة.
стр. 44
مع كونه إذا كان مؤلفاً من حرفين وإن لم يفهما لا يسمى كلاماً عند النحاة، لو عكس لم قال: مل ولم ينوي به معنىً حينئذٍ أقول: هذا ليس بكلام عند النحاة؛ لأنه مؤلف من حرفين، وإذا كان مؤلفاً من حرفين ليس عندنا إسناد، وليس عندنا مسنداً، ولا مسنداً إليه حينئذٍ انتفى عنه وصف الكلام عند النحاة.
وأما الكلام عند الأصوليين فهو اللفظ المنزل على محمد ﷺ للإعجاز بأقصر سورة منه المتعبد بتلاوته:
لفظ منزل على محمد ... لأجل الاعجاز وللتعبد
هذا خاص بالقرآن، إذاً: الكلام عند الأصوليين، ولذلك يقولون: الكتاب .. يبدءون بأول الأدلة، ومراد به القرآن، هذا عند الأصوليين.
بقي الكلام عند أهل الكلام: وهو عبارة عن المعنى القديم القائم بنفسه بذاته جل وعلا، وهذا قلنا أنه باطل.
إذاً: قوله: كلامنا، هل هو احتراز عن كلام الأصوليين، وكلام الفقهاء، وكلام المتكلمين والمناطقة؟ نقول: لا، ليس للاحتراز، أتى بالإضافة وإن كان مستغناً عنها بكون التأليف في النحو كما صرح به في الخطبة: مقاصد النحو .. للإشارة إلى اختلاف الاصطلاحات لغةً واصطلاحاً، يعني: أهل اللغة لهم كلام، هو إمام يتكلم بلسان العرب، إذاً: عندنا دائرة وهي: من يتكلم في اللغة، وهؤلاء أهل لغة ونحاة .. لما قال: مقاصد النحو .. قد يتكلم متكلم من أهل اللغة فيعرف الكلام في فن اللغة وليس في فن النحو، حينئذٍ يكون الاحتراز هنا ليس عن فن مغاير كل المغايرة لعلم اللغة، وإنما لذكر أن الكلام له معنىً في أصل اللغة، ثم جعل له حقيقةً عرفية عند النحاة.
فالاحتراز هنا ليس عن مطلق الكلام في سائر الفنون، وإنما عن دائرة وإن كانت ضيقة في فن اللغة على جهة العموم.
للإشارة إلى اختلاف الاصطلاحات لغةً واصطلاحاً، والكلام الآن في الاصطلاحي لا في اللغوي، وفيه إشارة إلى أن المصنف من مجتهدي النحاة، كلامنا .. أتى بـ: نا، الدالة على التعظيم، وهذا قد يستخدمه الكبير.
إذاً: كلامنا معاشر النحويين لفظ مفيد، يعني: ما اشتمل على جزأين .. على أمرين اثنين، إن وجدا حكمنا عليه بأنه كلام عند النحاة، فإن انتفى واحد منهما انتفت حقيقة الكلام عند النحاة، فضلاً عن انتفاء الركنين أو الجزأين، وهما: اللفظ والإفادة، فما كان لفظاً مفيداً فهو كلام عند النحاة، وما كان لفظاً غير مفيد بالفائدة المرادة عند النحاة فليس بكلام اصطلاحاً، وما كان مفيداً فائدة تامة ولم يكن لفظاً، حينئذٍ ليس بكلام عند النحاة.
وهل يكون مفيداً فائدة تامةً وليس بلفظ؟ نعم، يمكن قلنا: الإشارة، معناها: قم هذه، أو اجلس، نقول: هذه استفاد منها معنىً تام، يعني: فائدة تامة، لكنها ليست بلفظ، حينئذٍ لا بد من اجتماع الأمرين، الأول: اللفظ والثاني: الإفادة.
قوله: لفظ، هذا مصدر: لفظ يلفظ لفظاً، لكنه من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول؛ لأن اللفظ هو التلفظ .. هو فعل الفاعل، كما أن التكلم هو فعل الفاعل متكلم، والأثر الذي يكون بالمصدر هو المراد حده هنا، وهو الكيفيات الحاصلة من فعل الفاعل.
стр. 45
لفظ، أي: ملفوظ، وهذا عند من يثبت المجاز يعتبره مجازاً، من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، ولما كان حقيقةً عرفيةً عندهم اغتفر دخول المجاز في مثل هذه الحدود وإلا الأصل فيه المنع.
اللفظ له معنىً لغوي، ومعنىً اصطلاحي.
أما المعنى اللغوي: فهو يأتي بمعنى الطرح والرمي مطلقاً سواء كان من الفم أو من غيره، من الفم مثل: أكلت التمرة ولفظت نواها، هذا بفهمه، ومن غير الفهم: لفظت الرحى الدقيق، يعني: رمته وطرحته، إذاً: الطرح والرمي هو معنى اللفظ، سواء كان من الفم أو من غيره.
وأما في الاصطلاح: فالمشهور تعريفه أنه صوت مشتمل على بعض الحروف الهجائية، التي أولها الألف وآخرها الياء مهملاً كان أو مستعملاً، فالصوت المراد به هنا: المصوت، يعني: ليس المراد به المعنى المصدري، فصوت يستعمل مصدراً: لصات يصوت فيكون معناه: فعل الشخص الصائت، ويستعمل بمعنى: الكيفية المسموعة الحاصلة من المصدر، وهو المراد .. يعني: أثر المصدر، أثر المصدر.
عندنا تكلم وكلام، وعندنا تلفظ وملفوظ، التلفظ: هو حركة الفم، وهذا يدرك بالبصر، لا يدرك بالسمع، والذي يدرك بالسمع هو الكلام، والذي يدرك بالبصر هو فعل الكلام، يعني: المصنع الذي يخرج الكلام، هو الذي يدرك بالبصر، وأما الذي يدرك بالسمع هذا أثر المصدر، هنا المراد به الصوت ليس هو الكيفية التي تكون بإخراج الصوت، هذا فعل الصائت وليس هو المراد، وإنما المراد الشيء المصوت الذي يلج الأذن.
إذاً: يستعمل مصدراً ويستعمل بمعنى الكيفية المسموعة الحاصلة من المصدر وهو المراد هنا، والصوت عرض مسموع، والأحسن أن يقال: صفة مسموعة، فكل ما يسمع هو صوت، الصوت: كل ما يسمع، والسمع: هو إدراك المسموعات.
ثم الصوت قد يكون خارجاً من الفم وقد لا يكون، ما لم يكن خارجاً من الفم ليس داخلاً معنا، لو ضرب على اللوح مثلاً يسمعه هذا صوت، مدرك بالسمع، لكنه ليس خارجاً من الفم، وما كان خارجاً من الفم إما أن يكون معه حرف أو لا، صحيح! يمكن خروج الصوت من الفم وليس معه حرف؟! نعم، يصفر .. الصفير هذا نقول: ليس .. هو صوت ولكن ليس معه حرف، هذا النوع يسمى بالصوت الساذج الذي ليس معه حرف.
هنا قال: الصوت، فهو جنس، له عموم يشمل الصوت الذي معه حرف والصوت الذي ليس معه حرف، وهو الصوت الساذج، فلو فرك أسنانه خرج صوت من فمه، هذا صوت لكنه ليس معه حرف.
هنا قال: المشتمل على بعض الحروف: احترازاً عن الصوت الذي لم يشتمل على شيء من الحروف، حينئذٍ خرج هذا النوع، المشتمل على بعض الحروف، يعني: لا على كلها.
الحروف الهجائية: نسبةً إلى الهجاء وهو والتقطيع؛ لأن الهجاء به يعرف تركيب الكلم، زيد مم تتألف هذه الكلمة؟ نقول: زه يه ده! الزاي: اسم مسماه: زه، والياء، اسم مسماه: يه، حرف نفسه تنطق به مع هاء الكست، الدال هكذا الدال هذا اسم ليس بحرف بدليل دخول أل عليه، وتقول: هذه دالٌ بالتنوين، والتنوين من علامات الأسماء إذاً: ليس بحرف، كيف تقول: إنه حرف، نقول: لا، دال والدال هذا اسم، مسماه: ده، المنطوق به في زيد.
стр. 46
إذاً: الهجاء هو التقطيع .. تقطيع الكلمة من أجل معرفة أجزائها التي تألفت منها وهي الحروف، على بعض لا على كل، الحروف الهجائية التي أولها الألف وآخرها الياء، مهملاً كان أو مستعملاً، مهملاً كان أو مستعملاً، يعني: الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية قد يكون مهملاً، والمهمل اسم مفعول من: أهمل، أو: يهمل، أَهْمَلَ أو أُهمِلَ يُهْمَلُ، أيهما المراد؟ أُهمِلَ يُهْمَلُ فهو مُهْمَل، حينئذٍ نقول: المهمل: هو الذي لم تضعه العرب، يعني كما قلنا: ديز مقلوب زيد.
والمستعمل: الذي استعملته العرب كزيد وجعفر وسماء وأرض وجبال ورياح ونحو ذلك، إذاً: اللفظ جنس تحته قسمان: مهمل، ومستعمل، وحقيقة اللفظ: هو الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية التي أولها الألف وآخرها الياء، ثم ذكر النوعين لأقسام اللفظ وهو المهمل والمستعمل.
حينئذٍ يرد إشكال: وهو أننا أخذنا اللفظ جنساً في حد الكلام، وقلنا: ما تخلف عنه اللفظ، هذا الشرط وهذا القيد لا يسمى كلاماً .. ليس بكلام، يرد معنا: قم، هذا كلام أو لا؟ كلام لا شك؛ لوجود الفائدة التامة، والفائدة التامة تستلزم التركيب، وإذا كان كذلك: اسكن وقم، هل هذا مركب أو لا؟ من فعل وفاعل، أين الفعل؟ قم، أين الفاعل؟ مستتر، هل هو ملفوظ به؟ .. تخلف عنه اللفظ؟ تخلف عنه اللفظ، في الظاهر أنه تخلف عنه اللفظ، قالوا: لا بد من إدخاله في الحد.
فنقول: المراد بالصوت هنا مطلق الصوت، فيشمل نوعين: الصوت المصوت بالفعل حقيقة والإيجاد والنطق به.
والصوت المصوت بالقوة، ليشمل الضمائر المستترة واجبة الاستتار؛ لأنها ليست ملفوظاً بها، ولكن العرب أرادتها معنىً وقصدتها قصداً بدليل ماذا؟ بدليل ثلاثة أمور:
أولاً: الإسناد إليها، أسندت إليها، اسكن: هذا طلب السكون، قم: هذا طلب القيام، هو فعل وحدث، هل يتصور وجود حدث بدون محدث؟ الجواب: لا، إذاً: هو مقصود من جهة المعنى.
ثانياً: أكدته، اسكن أنت: أنت: هذا إعرابه توكيد، توكيد لأي شيء، لشيء عدم أو لشيء موجود؟ الثاني ولا شك، إذ العدم لا يؤكد؛ لأنه ليس بشيء، فإذا كان ليس بشيء لا يمكن أن يكون قوله: أنت تأكيد له؛ لأنه عدم محض، لكن لما كان له وجود حينئذٍ صح تأكيده.
الثالث: العطف عليه، اسكن أنت وزوجك، الواو: حرف عطف، وزوجك: معطوف على الضمير المستتر، وليس على أنت، أنت: توكيد، وزوجك: هذا بالرفع، عطف على الضمير المستتر، ثم هو مرفوع، وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه، فحكمه الرفع، إذاً قوله: الصوت يشمل النوعين، فيكون اللفظ له أفراد محققة موجودة منطوق بها، وله أفراد مقدرة، وهذا المقدر المراد به الذي لا يمكن النطق به .. يتعذر أن ينطق به، وإنما استعارت العرب له أنت ونحوه من أجل تقريب المعنى والتدريب فقط، وليس المراد أنه مصور له من كل وجه، واضح هذا؟
стр. 47
فاسكن أنت، نقول: أنت هذا تأكيد، وإذا قيل في الإعراب، اسكن: فعل أمر والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، كيف تقديره أنت وهو واجب الاستتار؟ نقول: هذا من باب التقريب والتدريب فحسب، وليس المراد أنه قد برز بعد أن كان مستتراً واجب الاستتار، إذاً اللفظ له أفراد محققة وله أفراد مقدرة، والمراد بالأفراد المقدرة هنا الضمائر المستترة واجبة الاستتار.
وما حذف للعلم به، نقول: هذا داخل في المحققة، يجوز حذف المبتدأ أليس كذلك؟ يجوز حذف المبتدأ، إذا علم، ويجوز حذف الخبر إذا علم، ويجوز حذف الفعل إذا علم، حينئذٍ إذا حُذِفت هذه المذكورات من المبتدأ والخبر والفعل، نقول: عدم ذكرها هل يجعلها من الأفراد المحققة أو المقدرة؟ المحققة، حينئذٍ المحققة تحتها فردان:
محقق منطوق به بالفعل، ومحقق غير منطوق به، لكنه منطوق به بالقوة.
لفظ مفيد: عرفنا معنى اللفظ وأنه جنس يشمل نوعين، وهو المهمل والمستعمل، قوله: مفيد، هذا فصل أخرج به غير المفيد من اللفظ؛ لأن اللفظ يشمل نوعين: مهمل ومستعمل، أخرج المهمل بقوله: مفيد، ثم المستعمل على نوعين: مفرد ومركب.
ابن مالك رحمه الله تعالى جرى على اختيار حد الكلام بالمختصر، لفظ مفيد، والتعريف الأولى أن يقال: الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالموضع، هذا تعريف ابن آجروم، وهو أخذه من تعريف ابن معطي في الفصول الخمسون، وهذا أولى من الذي ذكره ابن مالك رحمه الله تعالى، ولذلك فهمه فيه نوع صعوبة، الكلام: هو اللفظ المركب المفيد بالموضع، الاحترازات منه واضحة بينة، ولكن لما أدخل المفيد في الحد ثم جعل الوضع الذي هو المقصود داخلاً في المفيد على قوله، وأدخل المركب داخلاً في المفيد حينئذٍ صعب الاحترازات، فلا بد أن يقال: لفظ، هذا يشمل أمرين: مهمل ومستعمل، ثم المستعمل هذا يشمل أمرين: مفرداً وهو الكلمة، ومركباً.
المفرد: خرج بقوله مفيد؛ لأن المفيد المراد به ما أفاد فائدةً يحسن السكوت عليها من المتكلم كما سيأتي، فحينئذٍ نقول: هل المفرد لوحده .. الكلمة: زيد، وإلى، وقال، هل هذه لوحدها تفيد فائدةً يحسن السكوت عليها من المتكلم؟ الجواب: لا، إذاً خرجت بقوله: مفيد.
ماذا بقي؟ بقي معنا المركب، والمركب أنواع: منه مركب إضافي كعبد الله، ومنه مركب مزجي بعلبك، وحضرموت، ومنه مركب توصيفي تقييدي كالإنسان حيوان ناطق مثلاً، ومنه مركب إسنادي.
قولنا، مفيد: أخرج المركب الإضافي؛ لأنه غير مفيد فائدة تامة، وقولنا مفيد: أخرج المركب التوصيفي؛ لأنه غير مفيد فائدة تامة، وأخرج كذلك المركب المزجي كبعلبك فإنه غير مفيد فائدة تامة، بقي ماذا؟ المركب الإسنادي، المركب الإسنادي هذا نسبة إلى الإسناد، والإسناد: هو نسبة حكم إلى اسم إيجاباً أو سلباً، نسبة حكم إلى اسم، يعني: إضافة .. إضافة حكم إلى اسم، والمراد به هنا في باب النحو: نسبة حكم الذي هو الفعل أو الخبر إلى اسم، المراد به المبتدأ أو الفاعل إيجاباً إثباتاً أو نفياً، زيد قائم .. قام زيد، هذا فيه إثبات معنى القيام ومضمون الخبر الذي هو القيام لزيد، ومثله: قام زيد، هذا نسميه ماذا؟ نسميه إسناداً.
стр. 48
المركب الإسنادي على ثلاثة أنواع: مركب إسنادي مسمىً به كتأبط شراً، وشاب قرناها، هذا في الأصل قبل جعله علماً هو مركب من فعل وفاعل، تأبط: هذا فعل ماضي، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو، وشراً: مفعول به، هذا قبل جعله علماً، ثم لما جعل علماً حينئذٍ خرج عن أصله وهو الإفادة فائدة تامة، وصارت فائدته جزئية.
النوع الثاني: مركب إسنادي مقصود لذاته، بمعنى: أنه ركب من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر، وأريد به الدلالة التامة الظاهرة من لفظه، قام زيد هذا أريد به ماذا؟ أريد به إثبات القيام لزيد في الزمن الماضي، زيد قائم، فيه إثبات القيام لزيد دون تقييد بزمن، نقول: هذا مركب إسنادي مقصود لذاته.
النوع الثالث: مركب إسنادي مقصود لغيره، يعني: لم يقصد لذاته وإنما جعل متمماً لغيره في إفادة المعنى، وهذا سبعة أنواع: جملة الخبر، وجملة الصفة، وجملة الصلة، وجملة الحال، وجملة الجواب .. جواب الشرط، وجملة الشرط، وجملة القسم، هذه سبعة بالتتبع والاستقراء يراد بها: إفادة الجملة التي جعلت جزءاً منها تقول: زيد قام أبوه، زيد: مبتدأ، وقام أبوه: فعل وفعال، هل هو مركب إسنادي؟ نقول: نعم مركب إسنادي، هل مقصود لذاته في إفادة الخبر، أو أنه مقصود لغيره بمعنى: أنه متمم لجملة جعل جزء جملة؟ الثاني، هل هذا يسمى كلاماً في اصطلاح النحاة؟ الجواب: لا، هل المركب الإسنادي المسمى به يسمى كلاماً في اصطلاح النحاة؟ الجواب: لا.
إذاً: ماذا بقي معنا؟ المركب الإسنادي المقصود لذاته، فحينئذٍ قوله: مفيد، ماذا أخرج؟ أخرج المهمل، وأخرج المفرد، وأخرج المركب الإضافي والمركب المزجي والتوصيفي، والإسنادي المسمى به، والإسنادي المقصود لغيره، هذه كم؟ سبعة، أخرجها بقوله: مفيد، ومفيد أصل وزنه: مُفْيِدْ يعني: على وزن مُفْعِلْ، أكرم يكرم فهو مكرم، فهو اسم فاعل، من أفاد الرباعي، أصله: مفيد، يعني: بكسر الياء، استثقلت الكسرة على الياء فنقلت إلى ما قبله فصار: مُفِيد، ومفيد قلنا: من أفاد الرباعي، مأخوذ من الفيد وهو: استحداث المال والخير، والمراد به هنا: مصطلح خاص عن النحاة وهو إذا أطلقت الإفادة فالمراد بها الفائدة التي يحسن السكوت عليها من المتكلم، وقيل: من السامع، وقيل: منهما، والأول أصح أنه من المتكلم، لماذا؟
стр. 49
قالوا: لأن الكلام صفة له، هذا حق هو الذي يتكلم، ثم إذا سكت وحصلت الفائدة لا يسكت السامع وإنما يسكت المتكلم، هو الذي أدرى بما يقول، فكما أن الكلام صفة له فكذلك السكوت يكون صفةً له، هذه الفائدة إذا أطلقت عند النحاة انصرفت إلى هذا المعنى، فإذا قيل: لفظ مفيد، معناه: مفيد فائدةً تامة بحيث يحسن السكوت عليها من المتكلم، لا يصير السامع منتظراً لشيء آخر انتظاراً تاماً، بمعنى: أنه يوجد التركيب الإسنادي الفعل مع فاعله والمبتدأ مع خبره، إذا وجد الفعل مع الفاعل والمبتدأ مع الخبر حينئذٍ وجد أصل الكلام، وما زاد على ذلك من الفضلات والمفعولات والأحوال والتمييز هذا ليس داخلاً في حد الكلام من حيث الوجود، ولذلك قيل: انتظاراً تاماً احترازاً عن الانتظار الناقص ليشمل الفعل المتعدي إذا ذكر فاعله ولم يذكر مفعوله، لو قال: قام زيٌد، قام: فعل ماضي، وزيٌد: فاعله، إذاً إذا قلت: قام زيد، وسكت أنت فهمت من هذا ماذا؟ أن قام فعل ماضي وهو لازم لا يتعدى إلى مفعول وزيد هو المتصف بالقيام، وأن هذا القيام وقع في الزمن الماضي.
وإذا قلت: ضرب زيدٌ، هذا فعل متعد، فإذا قلت: ضرب زيدٌ علمت أن الضرب قد وقع من زيد، وأنه فاعل الضرب، وأن هذا الضرب قد وقع في الزمن الماضي، لكن وقع على من؟ هل هناك انتظار أم لا؟ هناك انتظار لكنه انتظار ناقص، هل عدم ذكر المفعول به يكون نقضاً لأصل الكلام؟ لا.
الفائدة التامة حصلت بقولنا: ضرب زيٌد حصلت أو لا؟ نقول: نعم حصلت؛ لأن الفائدة التامة المراد بها وجود المسند والمسند إليه بقطع النظر عن المتعلقات، فلو كان هذا الفعل يتعلق به ظرف زمان أو ظرف مكان أو جار ومجرور، حينئذٍ نقول: هذه لا أثر لها في الحكم على اللفظ وعلى التركيب بأنه مفيد فائدةً تامة، بل هو مفيد فائدة تامة، ولو كان منتظراً المتكلم أو السامع لشيء آخر، هل له أثر؟ نقول: ليس له أثر، إذاً: المراد بالمركب الإسنادي هنا: المركب الإسنادي المقصود لذاته، وهذا إنما يحصل بماذا؟ بوجود المسند والمسند إليه، بقطع النظر عن المتعلقات التي تتعلق بالمسند أو بالمسند إليه.
إن وجد الفعل مع فاعله ووجد المبتدأ مع خبره، حينئذٍ نقول: وجدت الفائدة التامة، لفظ مفيد، هل يشترط في الكلام أن يكون مركباً؟ قلنا: يشترط باتفاق النحاة، لماذا لم ينص عليه الناظم هنا كما نص عليه غيره؟ قالوا: نحن اشترطنا الفائدة التامة، وهذه الفائدة التامة يتعذر وجودها دون تركيب، إذاً: هذا القيد وهذا الشرط الذي هو التركيب موجود في الحد ضمناً، وقيل: استلزاماً، وإذا كان استلزاماً حينئذٍ اعترض عليه بأن دلالة الالتزام مهجورة في الحدود والتعاريف، ودلالة الالتزام هي دلالة اللفظ على مسماه، أو على خارج عن مسماه لازم له لزوماً ذهنياً؛ لأن المفيد المراد به ما أفاد فائدةً، وهذا لا يلزم منه أن يكون التركيب داخلاً في مسماه بل هو شيء خارج عنه.
стр. 50
إن منعنا دلالة الالتزام حينئذٍ توجه النقد إلى هذا الحد بعدم ذكر التركيب، ولذلك نقول: الأولى ألا يُدل على شيء في الحدود بدلالة التزام، لماذا؟ لأن دلالة الالتزام مهجورة في الحدود، والحدود إنما جيء بها من أجل إيضاح الماهية؟ يعني: الماهية التي سئل عنها وأراد الشارح أو المعرف أو الذي يحل .. إذا أراد أن يشرح الماهية حينئذٍ لا بد أن يذكر أركانها التي يتألف منها، وهنا يتألف من التركيب كما أنه يتألف من اللفظ ومن الإفادة، فلا بد أن يذكر وينص التركيب عليه لفظاً، ولا يكفي أن يحيل عليه بدلالة الالتزام، ولذلك الأولى ما ذكرناه سابقاً أن يقال بالبسط لا بالاختصار، الكلام: هو اللفظ المركب المفيد بالوضع.
قوله: بالوضع، لم يذكره ابن مالك رحمه الله تعالى، قيل: المفيد يستلزمه، لماذا؟ قالوا: لأنه لا يحسن السكوت من المتكلم على كلام إلا إذا كان قاصداً له، وهذا إذا فسرنا الوضع بمعنى القصد كما سيأتي وهو ضعيف، والصواب: أن يفسر الوضع في الحدود حد الكلام بالوضع العربي، يعني: أن يكون منطوقاً بلفظ عربي، احترازاً عن غيره من اللغات الأجنبية، فإن تكلم بلغة ليست عربية فليس بكلام عند النحاة، وإذا اشترطنا القصد حينئذٍ دخل معنا كلام البربر وغيره، وخرج عنا يعني: عن الحد، كلام الساهي والنائم والمجنون ومن جرى على لسانه ما لا يقصده، فهؤلاء هل إذا تكلموا بلفظ مفيد: قام قائم من نومه، وقال لزيد علي ألف، هل هو كلام أم لا؟ هو نائم .. !
نقول: إذا اشترطنا القصد ليس بكلام؛ لأنه لم يقصد .. لم يقصد الذي قاله، إن لم نشترط القصد حينئذٍ قلنا هذا لفظ مفيد مركب وهو بالوضع العربي، وعليه على الصحيح أنه لا يشترط القصد وإنما المراد أن يكون موضوعاً بالوضع العربي، يعني: باللسان العربي .. تكون الكلمات عربية، يصير كلام النائم كلاماً أو لا؟ ما نطق به النائم يصير كلاماً على الصحيح.
بعضهم نفى أن يكون كلاماً، لماذا؟ قال: لأنه إذا قال لزوجته وهو نائم: أنت طالق تطلق أو لا؟ لا تطلق، فيه خلاف؟ ليس فيه خلاف، هل عدم طلاق زوجته لكون كلامه أو ما نطق به ليس كلاماً عربياً أو لشيء خارج عنه؟ لشيء خارج عنه، وهو أن النائم رفع عنه قلم التكليف، فحينئذٍ الخلاف لا ارتباط له بالأحكام الشرعية، نحن نتكلم في اللغات ولا نتكلم في الشرعيات، فإذا ثبت أنه كلام عربي حينئذٍ انتفاء ترتيب الأحكام الشرعية عليه ليس لكونه ليس كلاماً، وإنما لأمر خارج عنه، ولذلك جاء الحديث: ﴿رفع القلم عن ثلاثة﴾ وذكر منهم: عن النائم حتى يستيقظ.
إذاً: لفظ مفيد، هذا حد الكلام عند المصنف، لم يذكر التركيب ولم يذكر القصد، لماذا؟ قيل: لأن التركيب داخل في قوله: المفيد ضمناً بدلالة التضمن، وهذا ضعيف جداً، وقيل: لأنه دل عليه بدلالة الالتزام وهي ضعيفة أيضاً، وكذلك القصد، قيل: المراد بالمفيد أن يكون مقصوداً، يعني: يقصده بقلبه ينويه، فحينئٍذ المفيد دل عليه، والصواب: أنه لا يدل عليه، بل المراد بالمفيد: ما أفاد فائدةً يحسن السكوت عليها.
стр. 51
كاستقم: هل هذا مثال أو تتميم للحد؟ محل خلاف عند الشراح؛ لأنه ترك التركيب، فقال بعضهم: نص عليه بقوله: كاستقم، استقم: هذا مركب من فعل وفاعل، إذاً: لم يترك المركب بل دل عليه بقوله: كاستقم، وقال بعضهم: لا، بل المراد بقوله: كاستقم: أن يكون الكلام موضوعاً، أي: مقصوداً كقصد المتكلم لقوله: استقم، حينئذٍ اشترط شرط القصد، ما المراد ب: كاستقم، هل المراد به اشتراط التركيب، أم اشتراط القصد؟ هذا محل نزاع بين الشراح.
أو يكون المراد بقوله: كاستقم: تمثيلاً فقط وليس متمماً للحد، كونه تمثيلاً لا إشكال فيه، كونه تمثيلاً للكلام المفيد لا إشكال فيه، ولكن هل مع التمثيل زيادة إتمام للحد أو لا؟ هذا محل نزاع، ابنه .. الشارح قال: تمم الحد بقوله: كاستقم، وأراد به القصد .. أراد به الوضع الذي هو التركيب.
والسيوطي ﵀ قال: بل المراد به اشتراط القصد، وأولى القولين أن يقال: بأنه متمم للحد، وهل اشترط به القصد أم التركيب؟ الظاهر والله أعلم أنه أراد به التركيب؛ لأن قوله: كاستقم، هذا لفظ مؤلف .. هذا كلام مؤلف من لفظين، الأول قوله: استقم، والثاني: الضمير المستتر وجوباً فيه، فحينئذٍ تركب من كلمتين، ولذلك قال: وما يتألف منه، أراد أن يشير إلى أن الكلام يتألف من كلمتين، أقل ما يتألف منه الكلام اسم وفعل، أو اسمين .. أقل ما يتألف منه الكلام إما اسم واسم، مبتدأ وخبر، أو: اسم وفعل، فعل وفاعله أو نائب الفاعل.
قوله: كاستقم أشار إلى هذا المعنى، حينئذٍ يكون المراد به أنه مركب، وليس المراد به أنه مقصود، وإن كان ابن مالك يشترط ذلك فيما سيأتي: ...
كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كاسْتَقِمْ ... وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ
نقف على هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 52
عناصر الدرس
* شرح مختصر لحد الكلام مع بعض الإضافات.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
الكلام وما يتألف منه:
كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كاسْتَقِمْ ... وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ
أراد أن يبين في هذا الباب أمرين اثنين، عنون لهما بقوله: الكلام وما يتألف منه، الكلام: عرفنا حقيقته في لغة العرب: أنه القول وما كان مكتفياً بنفسه، والكلام الاصطلاحي عرفه بقوله: لفظ مفيد.
وما يتألف منه: الضمير في يتألف: فاعل يعود إلى الكلام، والأصل فيه أنه يعود إلى أقرب مذكور، ولذلك يقال فيه: أنه جرى على غير ما هو له، وسيأتي أن مذهب البصريين وجوب الإبراز:
وأبرزنه مطلقاً حيث تلا ..
وأما عند الكوفيين: إن أمن اللبس حينئذٍ جاز عدم الإبراز، وإلا فالأصل أنه موافق للبصريين.
وما يتألف: وما: اسم موصول بمعنى: الذي يصدق على الأشياء .. التي يتألف، والمراد بالأشياء هنا: الاسم والفعل والحرف، لأن الكلام لا يخرج عند التركيب عن هذه الثلاثة الأمور، وهي أقسام للكلمة.
منه: الضمير هنا يعود إلى: ما، وقلنا: لفظ ما: مذكر، ومعناها مؤنث، فيجوز فيه الأمران، نقول: وما يتألف منه .. وما يتألف منها.
كَلامُنَا: قلنا: بالإضافة هنا أراد ماذا؟ أراد أن يبين أن الكلام له حقيقتان: حقيقة لغوية، وحقيقة اصطلاحية، ولذلك قال ابن عقيل: وإنما قال المصنف: كلامنا، ليعلم أن التعريف إنما هو للكلام في اصطلاح النحويين لا في اصطلاح اللغويين، وهو في اللغة: اسم لكل ما يتكلم به مفيداً كان أو غير مفيد، وهذا يؤكد ما ذكرناه اليوم من أن الإضافة هنا ليست للاحتراز عند كلام الصرفيين أو كلام المناطقة والأصوليين، أو نحو ذلك، وإنما المراد التمييز عن اصطلاح اللغويين باصطلاح النحاة، فبينهما فرق كما ذكرنا.
كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ، يعني: ما اشتمل على أمرين: كونه لفظاً، وكونه مفيداً.
واللفظ كما ذكرنا: جنس هنا اشتمل على أمرين: المهمل، والمستعمل، وأخرج به الدوال الأربع وما كان من جنسها، فحينئذٍ اشتمل أخرج وأدخل، وهذا شأن الجنس: أنه يدخل ويخرج.
ثم تأتي الفصول بعد ذلك، فصل أو فصلان يخرج به من الجنس ما قد دخل فيه وليس داخلاً في المحدود، حينئذٍ هل المهمل داخل في حد الكلام؟ الجواب: لا، احتجنا إلى إخراجه بقوله: مفيد، وهل المفرد المستعمل .. هل هو داخل في حد الكلام ويصدق عليه أنه كلام؟ الجواب: لا، إذاً: نحتاج إلى إخراجه، فقال: مفيد.
стр. 53
وبعض المركبات كذلك لا يصدق عليها أنها كلام، كالمركب الإضافي، والمركب المزجي، والتوصيفي، والإسنادي المسمى به، والإسنادي المقصود لغيره، فبقي معنا شيء واحد، هذه كلها خرجت بقوله: مفيد؛ لأنها وإن أفادت إلا أن إفادتها قاصرة، والذي يشترط في حد الكلام: أن يكون مفيداً فائدة تامة، وهذه الفائدة التامة إنما تكون بالتركيب، يعني: تستلزم التركيب، حينئذٍ إذا قيل: غلام زيد، وزيد .. وإن قام زيد .. والإنسان حيوان ناطق، ونحو ذلك، هل هذه مفيدة أم لا؟ نقول: نعم، مفيدة .. في نفسها مفيدة، زيد مفيد؛ لأنه علم، وأفاد الدلالة على ذات مشخصة مشاهدة في الخارج، إذاً: فيه فائدة، لكن هذه الفائدة فائدة جزئية ناقصة، بمعنى: أنها دون الفائدة المشترطة في حد الكلام.
وكذلك قولنا: غلام زيد، هذا مركب إضافي، وأفاد .. أفاد نسبة الغلام لزيد، غلام لزيد، حينئذٍ نقول: هذا فيه فائدة، لكن هذه الفائدة ليست تامة وإنما هي قاصرة، وقل كذلك في سائر الأنواع التي خرجت بقوله: مفيد.
حينئذٍ نقول: النحاة لهم حقيقة عرفية أو اصطلاح خاص في إطلاق لفظ المفيد، فإنما يعنون به: الفائدة التامة التي يحسن السكوت عليها من قبل المتكلم، بحيث لا يصير السامع منتظراً لشيء آخر انتظاراً تاماً، هذا مراد النحاة، فكل ما كان قاصراً عن هذه الفائدة ففائدته جزئية وناقصة، وهذه الفائدة التامة قد يعبر عنها بعض أرباب الحواشي بالفائدة الكلامية، حينئذٍ عندنا لفظان: فائدة تامة، وفائدة كلامية، معناهما واحد.
وأما الفائدة الجزئية، والفائدة الناقصة، والفائدة التركيبية، هذه دون الفائدة التامة، الفائدة التركيبية قد تجتمع مع التامة، وقد تكون أعم .. قد تكون معها وقد تكون أعم، إن قام زيد قمت .. نقول: هذا كلم وكلام؛ لأنه مؤلف من أكثر من ثلاث كلمات، وهو مفيد فائدة تامة، إذاً: هو كلم وكلام، هل هو مفيد فائدة تامة؟ نعم، يحسن السكوت عليها؟ نعم، إن قام زيد وسكت .. إن: حرف شرط يفيد التعليق، إن قام زيد .. قام زيد: فعل وفاعل، وهل جملة: قام زيد، مفيدة فائدةً تامة؟ الجواب: لا؛ لأنها وإن كانت مركباً إسنادياً إلا أنه مقصود لغيره.
بمعنى: أن هذه الفائدة .. لأنك تقول: قام زيد، هكذا ابتداءً، كلام أو لا؟ كلام، أفاد فائدة تامة أو لا؟ أفاد فائدة تامة، استقلالاً دون جعله جزء جملة هو مفيد فائدة تامة، لكن لما وضع في ضمن هذه الجملة الشرطية حينئذٍ نقصت الفائدة ونقصت الدلالة، فصار مكملاً لغيره ولا يستقل بالفائدة التي اشترطها النحاة.
حينئذٍ قام زيد، هل هو مفيد؟ نعم، مفيد لا شك، وفائدته في هذا التركيب تامة أم ناقصة؟ في هذا التركيب: إن قام زيد .. فائدته تامة أم ناقصة؟ ناقصة لماذا؟ لأنه جعل متمماً لغيره، وشرط الفائدة أن تكون مستقلةً بذاتها، فإن جعلت الجملة مكملةً لغيرها كجملة الشرط أو الجواب أو الخبر أو الصلة أو الحال أو القسم نقصت دلالتها، وصارت فائدتها فائدة ناقصة ليست بفائدة تامة.
стр. 54
حينئذٍ إذا قيل: فائدة تركيبية: إن قام زيد قمت، فائدة تركيبية أو لا؟ فائدة تركيبية، إن قام زيد .. وسكت، فائدة جزئية، وفائدة ناقصة، وفائدة تركيبية؟ تركيبية نعم، إذاً: التركيبية هذه لا تكون في المفردات، وإنما تكون في المركبات، ثم المركبات قد تكون كلماً وكلاماً فتجتمع مع التامة، وقد تكون كلماً دون الكلام، يعني: غير مفيد، فيصدق عليه أنه مفيد فائدة تركيبية لا تامة، إذاً: كل فائدة تامة تركيبية ولا عكس، لماذا؟ لأن التركيبية هي الفائدة التي أخذت من الإسناد، وهذا قولنا: إن قام زيد، فيه إسناد ولا شك، وهو مفيد، وهذه الفائدة أخذت من التركيب؛ لأن قام فعل وأسند إلى الفاعل ثم علق فهو مفيد، إن: بذاتها حرف والحرف ما دل على معنىً في غيره، وهنا قد دل على معنىً في غيره وهو التعليق، إن: حرف شرط، وقام: لوحده أفاد فائدةً وهو دلالته على ثبوت القيام في الزمن الماضي، وزيد: كذلك دل وأفاد فائدةً جزئية ناقصة، وهي دلالته على الذات المشخصة، قام زيد: إسناد الفعل والحدث إلى زيد، هذا أيضاً دلالة أخرى لكون قام حدث، والحدث يستلزم محدثاً، فلا بد له من محدث.
كون هذا الحدث لم يقع، وقع أو لم يقع؟ إن قام زيدٌ، إن: هذه تصرف الفعل الماضي من دلالته في المعنى والزمن على الماضي إلى المستقبل، فهو ماضٍ لفظاً لا معنىً، فحينئذٍ هذه كلها فوائد استفدناها من هذا التركيب، لكن هل فائدة تامة؟ الجواب: لا، لما قال: لفظ مفيد، قلنا: أخرج المهمل وأخرج المفرد وأخرج بعض الكلم الذي هو غير مفيد، لماذا؟ لأنه وإن أفاد فائدةً جزئية ناقصة تركيبية إلا أنه لفقد الفائدة التامة نقصت دلالته ونزل عن حد الكلام، إذاً: التام نقول: هذا يستلزم .. أو الفائدة التامة تستلزم التركيب، والتركيب قد يكون أعم من التامة لصدقه على: إن قام زيد، ولانفراد التامة بقوله: إن قام زيد قمت، هنا اجتمعا وانفردا، التركيبية بماذا؟ إن قام زيد، دون قمت، إذاً: يجتمعان بينهما العموم والخصوص المطلق.
نحتاج إلى مادتين: مادة الاجتماع، ومادة الافتراق .. مادة الاجتماع: إن قام زيد قمت، اجتمع فيه الفائدة التامة والتركيبية، ومادة الافتراق: افتراق الأعم عن الأخص، والأخص لا يفترق عن الأعم، والأعم هنا الفائدة التركيبية، فنحتاج إلى مثال، وهو: إن قام زيد، ونقف على هذا، قمت حينئذٍ صارت الفائدة فائدة تامة.
فقوله: مفيد هنا، أراد به الإشارة إلى المعنى الذي ذكرناه سابقاً.
ترك قيدين لم يذكرهما ابن مالك رحمه الله تعالى، وهما التركيب والقصد، أما التركيب: فهذا لا شك في اشتراطه .. لا بد من اشتراطه؛ لأن الكلام لا يكون إلا بإسناد، والإسناد نسبة حكم إلى اسم إيجاباً أو سلباً فحينئذٍ يقتضي مسنداً، ومسنداً إليه، فالمسند إليه لا يكون إلا اسماً، والمسند قد يكون فعلاً وقد يكون اسماً، ولا يكون الحرف مسنداً ولا مسنداً إليه، هذا الإسناد يقتضي ماذا؟ مسنداً ومسنداً إليه، إذاً: لا بد من اشتراط التركيب، وأقل ما يتألف منه الكلام اسمان أو اسم وفعل كا ركبوا كما قال ذاك.
стр. 55
فحينئذٍ هل ترك المصنف هذين القيدين أم أنه ضمن ما ذكره من حد الكلام اشتراط هذين الشرطين؟ هذا محل نزاع كما ذكرناه اليوم، فقوله: كاستقم، هل هو متمم للحد أم أنه مجرد مثال؟ هذا محل نزاع، والأصح أنه متمم للحد، ثم هل أراد به اشتراط التركيب أو القصد؟ قولان للشراح:
منهم من جعل قوله: كاستقم، المراد به اشتراط التركيب، قال:
كلامنا لفظ مفيد، يعني: فائدةً تركيبية كفائدة استقم، أو: كلامنا لفظ مفيد، وكونه مقصوداً .. موضوعاً .. مقصوداً كما قصد قوله: استقم، حينئذٍ تكون الكاف للتمثيل، والثاني هذا مشى عليه السيوطي ﵀ في شرحه على الألفية.
وهنا ذكر محيي الدين في قوله: وكأنه قال كلام النحاة هو اللفظ الموصوف بوصفين أحدهما الإفادة والثاني التركيب المماثل لتركيب استقم، حينئذٍ جعله قيداً ثالثاً، والذي أراد به بهذا القيد هو اشتراط التركيب، وهذا إلى هنا لا إشكال فيه، وأما جعله أن المراد به القصد فنقول: الأصح أنه لا يشترط في الكلام أن يكون مقصوداً، لماذا؟ لأن القصد ما هو؟ إرادة المتكلم إفادة السامع، فإذا اشترطنا في الكلام أن يكون مقصوداً حينئذٍ خرج كلام النائم والساهي والمجنون ومن جرى على لسانه ما لا يقصده، هذه كلها خرجت، لماذا؟ لأنهم وإن نطقوا ولا نقول: تكلموا على هذا .. لأنهم وإن نطقوا بمسند ومسند إليه بلفظ مفيد، لو قال: استقم .. لو قال: أنتِ طالق، كالمجنون ونحوه فحينئذٍ هذا الكلام يعتبر مركباً .. لفظاً مفيداً مركباً، وهو مفيد فائدةً تامة، لكن لفقد القصد حينئذٍ هل يشترط في الكلام أن يكون مقصوداً؟ نقول: الصواب أنه لا يشترط.
لأنه يلزم من ذلك أن يكون الكلام الواحد موصوفاً بكونه كلاماً وغير كلام، لا هذا ليس في هذا الموضع، وإنما هذا في تجديد الفائدة، نقول: لا يشترط القصد، لماذا؟ لأن اللفظ هنا هو الذي ينصب عليه حكم النحاة .. بحث النحاة وأهل اللغة إنما يكون في اللفظ، وأما كونه مقصوداً أو غير مقصود هذا خارج عن اللفظ ودلالته، وليس بحث النحاة في المقاصد، بل هذا مبحث الفقهاء وغيرهم، وإنما يبحثون في مجرد ما ينطلق ويلفظ به اللسان، فما كان موافقاً للفظ العربي الصحيح، فحينئذٍ يعتبر كلاماً، وما لم يكن حينئذٍ لا يعتبر كلاماً.
فيخرج باشتراط القصد كلام النائم ومن عطف عليه، ويدخل معنا كلام البربر والترك ونحو ذلك من اللغات الأجنبية، فعلى اشترط القصد نقول: هذا يسمى في لغة العرب كلاماً أو لا؟ يسمى كلاماً، والصواب إخراجه؛ لأنه يشرط في الكلام أن يكون موضوعاً بالوضع العربي، فثم أربعة شروط لا بد من توفرها في صحة صدق الكلام على اللفظ:
стр. 56
أن يكون ملفوظاً .. أن يكون مفيداً .. أن يكون مركباً .. أن يكون موضوعاً بالوضع العربي، والصواب: أنه لا يشترط فيه القصد ولا تجدد الفائدة، إذاً قوله: لفظ مفيد كاستقم، وهذا هو الذي جرى عليه هنا في الألفية بأنه عبر باللفظ، وفي الكافية التي هي أصل للألفية عبر بالقول، فخرج باللفظ: الخمس الدوال أو الدوال الأربع المذكورة سابقاً، وخرج بالمفيد: الكلمة وبعض المركبات وهو الذي لا يفيد، يعني: لا يفيد فائدةً تامة، وهو الذي أشار إليه ابن عقيل ببعض الكلم، والمراد بالمفيد: ما يفهم معنىً يحسن السكوت عليه، والمراد بالسكوت ترك الكلام مع القدرة عليه، هذا المراد بالسكوت .. ترك الكلام مع القدرة عليه، فإن ترك الكلام لا مع القدرة فهو أخرس .. ترك الكلام مع القدرة عليه، نقول: هذا سكوت، وأما تركه لا مع القدرة عليه: هذا خرس.
وهل المراد سكوت المتكلم أو السامع أو هما؟ أقوال: أرجحها الأول، يعني: المراد سكوت المتكلم؛ لأنه خلاف التكلم، فكما أن التكلم صفة المتكلم كذلك السكوت صفته أيضاً، والمراد بحسن السكوت عليه ألا يكون محتاجاً في إفادته للسامع كاحتياج المحكوم عليه إلى المحكوم به أو عكسه، فلا يضره احتياجه إلى المتعلقات من المفاعيل ونحوهما.
وهذا ما ذكرناه من اشتراط التركيب بأن المراد به وجود المسند والمسند إليه بقطع النظر عن الظروف والمتعلقات، وهذا المراد به على جهة التخصيص إدخال الفعل المتعدي الذي لم يذكر مفعوله، ضرب زيد .. قام زيد، هذا فعل لازم، وزيد فاعله، الكلام تام انتهى، قام: هذا لا يحتاج إلى ما يتمم معناه، قام زيد .. ضرب زيد، عمرواً كالأول، ضرب زيد، أين المضروب؟ لم يذكر، هل احتاج: ضرب إلى شيء يبين معناه؟ نقول: نعم؛ لأن ضرب فعل متعدٍ، يعني: يتعدى من الفاعل إلى المفعول به، فحينئذٍ لا بد من محل يقع عليه ذلك الحدث، فقولنا: ضرب، ضرب فاعل ومفعول، لا بد من شيء يقع عليه الضرب، فلما قال: ضرب زيد احتجنا إلى إيضاح محل هذا الضرب، فهو محتاج إلى المفعول به، لكن عدم ذكره هل يخرجه عن كونه كلاماً؟ الجواب: لا، بل هو كلام لوجود المسند والمسند إليه، فالمسند: ضرب، والمسند إليه: زيد، فحينئذٍ تم الكلام.
فمتى ما وردت الجملة الاسمية بطرفيها المبتدأ والخبر، والجملة الفعلية، الفعل وفاعله أو نائبه، حينئذٍ تم الكلام ووجدت الفائدة التامة، لكن يبقى إشكال في ماذا؟ في الفضلات التي قد لا يصح أو يفسد الكلام بدونها، هل هي داخلة في مسمى الكلام أو لا؟ هذا محل بحث ونظر، لو قال .. ـ وهو عنده زوجات ـ، قال: نسائي طوالق إلا هنداً، نسائي طوالق: مبتدأ وخبر، تم الكلام أو لا؟ تم الكلام، لو قال: نسائي طوالق وسكتنا .. الكل، إلا هنداً، يغير المعنى أو لا؟ يغير المعنى من أصله، هذه الفضلات ذكر الصبان أنها داخلة في مسمى الكلام، يعني: يستثنى في الاحتياج والافتقار إلى المفعولات ونحوها إن كان يفسد الكلام بحذفها فهي داخلة في مسمى الكلام، وإن لم يفسد الكلام بحذفها فحينئذٍ ليست داخلةً في الكلام، وهي ثلاثة أقوال، هذا الثالث الذي رجحه الصبان في حاشيته.
стр. 57
وهل يشترط إفادة المخاطب شيئاً يجهله، يعني: هل يشترط بقوله: المفيد، أن يكون مفيداً فائدةً متجددة، جديدة؟ لو قلت: السماء فوقنا والأرض تحتنا، وأنا أمامكم، وأنتم أمامي، هذا فيه جديد؟! هل يسمى كلاماً؟ هذا محل نزاع بين النحاة، بعضهم يشترط ذلك: أنه لا بد من تجدد الفائدة، يعني: أخبرك بشيء لا تعلمه، فإن أخبرتك بشيء تعلمه حينئذٍ لا يسمى كلاماً، فخرج أكثر كلامنا، لو اشترطنا تجدد الفائدة، هل يشترط إفادة المخاطب شيئاً يجهله؟ قولان:
الأول: نعم، وجزم به ابن مالك، فلا يسمى نحو: السماء فوق الأرض، والنار حارة، وتكلم الرجل كلاماً، هل فيه فائدة جديدة؟ ما فيه فائدة لا بد أن تفصل ما هو هذا الكلام، حينئذٍ لعدم وجود فائدة من هذا الكلام جديدة على ذهن السامع، قال: لا يسمى كلاماً.
والثاني: لا، يعني: لا يشترط وصححه أبو حيان، رد على ابن مالك، قال: وإلا كان الشيء الواحد كلاماً وغير كلام إذا خوطب به من يجهله فاستفاد مضمونه ثم خوطب به ثانياً، يعني: قلت لك: الفاعل مرفوع، كلام جديد .. يعتبر كلام، قلت بعدها: الفاعل مرفوع، إذاً: صار الأول كلاماً والثاني ليس بكلام، بل في محل واحد يتكلم المتكلم، هذا يعرف أن الفاعل مرفوع، أقول: الفاعل مرفوع، هذا يعلم وهذا لا يعلم، نفس الكلام: الفاعل مرفوع، يعتبر كلاماً؟ ليس بكلام، كلاماً باعتبار زيد لأنه يجهله، وليس بكلام باعتبار عمرو؛ لأنه يعلمه.
إذاً: صار اللفظ الواحد .. التركيب الواحد كلاماً وليس بكلام، ونظرُ النحاة كما قلنا للفظ والمعنى فحسب، وأما المقاصد فهذه ليست محل بحث للنحاة، قال الصبان هنا: فالمراد بإفادة اللفظ فائدةً يحسن السكوت عليها دلالته على النسبة الإيجابية أو السلبية، النسبة التي هي الارتباط والتعلق بين الموضوع والمحمول، أو المسند والمسند إليه هي المرادة بالإفادة، سواء كانت حاصلةً عند السامع أو لا .. قصد بها المتكلم الكلام أو لا .. طابق كلامه الواقع أو لا، لا ينظر إلى شيء خارج عن النسبة الإيجابية أو السلبية البتة، وإنما ينظر إلى عين التركيب فحسب، فعل وفاعل .. مبتدأ وخبر، ما عدى ذلك لا يلتفت إليه عند النحاة.
وإلا لو كان الأمر كذلك لقلنا، أيضاً نقيده: إن لم يطابق الواقع لا يسمى كلاماً، فإن طابق الواقع يسمى كلاماً، أليس كذلك؟ نقول: هذا ليس بوارد، لماذا؟ لأن مطابقة الواقع وعدم مطابقة الواقع شيء خارج عن مجرد اللفظ والمعنى، وكذلك القصد مثله، أمر خارج عن مجرد اللفظ والمعنى .. عن مجرد التركيب، فإذا ورد التركيب من المسند والمسند إليه تم الكلام ولا ننظر إلى شيء آخر عن القصد.
وهل يشترط في الكلام .. - الكلام فيما سبق في القصد والفائدة الجديدة- وهل يشترط في الكلام القصد، وهو إرادة المتكلم إفادة السامع؟ لا بد أن يريد أن يفيد المتكلم السامع، فإن انتفى ذلك القصد حينئذٍ لا يسمى كلاماً، هذا فيه قولان أيضاً للنحاة:
стр. 58
الأول: نعم، وجزم به ابن مالك فلا يسمى ما ينطق به النائم كلاماً كما ذكرنا، وعلى هذا يزاد في الحد مقصود، وهل أراده ابن مالك هنا في هذا الحد الذي ذكره في الألفية؟ قيل: نعم أراده، إما بتضمين أو استلزام المفيد للقصد، وإما بجعلك استقم متمماً للحد والمراد به القصد، يعني: له وجهان، في إدخال هذا الشرط في كلام ابن مالك رحمه الله تعالى، قيل: لفظ مفيد ولا يكون مفيداً إلا إذا حسن السكوت، ومتى يحسن السكوت؟ إذا قصده المتكلم، إذاً: صار مقصوداً، وقيل: لا، المفيد لا يدل عليه، وإنما يجعل متعلق كاستقم، شرطاً لاشتراط القصد في حد الكلام، وقلنا: هذا فيه تكلف، وعلى هذا يزاد في الحد مقصود، والثاني لا، يعني: لا يشترط القصد، وصححه أبو حيان؛ لأن المراد بالكلام النسبة الإيجابية أو السلبية فحسب، ولا نظر للنحاة فيما عدا ذلك البتة، فكل ما كان خارجاً عن اللفظ والمعنى ليس بمقصود، ولا علاقة له في صحة الكلام وعدمه، بل النظر إلى الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر.
وهل يشترط فيه اتحاد الناطق؟ قولان: اتحاد الناطق، يعني: المتكلم واحد، أنا أقول: زيد، هذا يقول: قائم، أنت تسمعه، هل هذا كلام أم لا؟ هذا فيه خلاف: إن اشترطنا اتحاد الناطق المتكلم أن يكون واحداً، المسند والمسند إليه صدرا من متكلم واحد حينئذٍ لا يسمى كلاماً، فإن لم تشترط حينئذٍ يسمى كلاماً .. إذا لم نشترط اتحاد الناطق يسمى كلاماً، هل يشترط فيه اتحاد الناطق؟ قولان:
الأول: نعم، يشترط ذلك، فلو اصطلح رجلان على أن يذكر أحدهما فعلاً والآخر فاعلاً، اصطلحا، أنا أقول: قام، وأنت تقول: زيد، أو مسند مبتدأ، مثلاً يقول: زوجتي، الثاني يقول: طالق، حينئذٍ تقع مشكلة، فلو اصطلح رجلان على أن يذكر أحدهما فاعل والآخر فعل أو مبتدأ والآخر خبر لم يسم ذلك كلاماً؛ لأن الكلام عمل واحد، فلا يكون عامله إلا واحداً.
وعلى هذا يزاد في الحد: من ناطق واحد.
والثاني: لا يشترط، وصححه ابن مالك وأبو حيان، كما أن اتحاد الكاتب لا يعتبر في كون الخط خطاً، والصحيح في هذه المسألة أنه لا يتصور فيه افتراق الناطق البتة، هذا غير متصور، ولذلك قال ابن أم قاسم في شرحه على الألفية: صدور الكلام من ناطقين لا يتصور .. صدور الكلام من متكلمين ناطقين لا وجود له؛ لأن كل واحد منهما إنما اقتصر على كلمة واحدة اتكالاً على نطق الآخر بالأخرى، فهي مقدرة في كلامه، يعني: لو قلت: أنا أقول الفاعل، أو الفعل، وأنت تقول: الفاعل، إذا قلت: قام، أنا نويت الكلمة الثانية، وأنت إذا قلت: زيد، فقد نويت الكلمة الأولى وهي: قام، إذاً: لا يتصور وجوده من واحد.
وعليه لو اشترط اتحاد الناطق، قيل: يشترط أو لا يشترط، لو قال أحدهم: زوجتي، وقال الثاني: طالق، تطلق أو لا؟ هذا كما ذكرناه في النائم، والمجنون إذا قال: زوجتي طالق، لا تطلق، لماذا؟ لعدم وجود القصد، لكن القصد اعتباره هنا من جهة الشرع لا من جهة اللغة، كذلك في هذا المثال الذي ذكرناه.
فقول الناظم رحمه الله تعالى: كاستقم، هنا .. كلامنا لفظ مفيد كاستقم:
стр. 59
ذكرنا أنه اختلف فيه: هل هو تمثيل فقط أو تتميم للحد أيضاً؟ قال الأشموني هنا: يجوز في قوله: كاستقم، أن يكون تمثيلاً وهو الظاهر، يعني: أنه مثال فقط، ليس تتميماً للحد، لماذا؟ قال: وإنما كان ظاهره التمثيل فقط؛ لأن الناظم اقتصر في شرح الكافية على ذلك في حد الكلام، والألفية خلاصة الكافية، فلما أنه لم يشترط القصد في الكلام عندما عرف الكلام في الكافية وهي أصلها .. أصل الألفية، لما اختصرها يبقى على الأصل: أنه لم يشترطه، فإذا كان ثم ما يوهم الاشتراط حينئذٍ رجعنا إلى الأصل، وهذ طريقة الأشموني في أول الكتاب إلى آخره: أنه إذا أشكل شيء في الألفية رجع إلى الكافية؛ لأنها أصلها.
لكن لا، قد يقال: بأنه قد يخالف، ولذلك ذكرنا أنه في حد الكلام هنا اختار اللفظ، وهناك اختار القول، وثم فرق بين الاختيارين، قد يكون رجع أو صحح أو نحو ذلك، إن ثبت أنه انتهى من الكافية ثم مباشرةً اختصرها قد يقال بما ذهب إليه الأشموني، وأما إذا جلس وقتاً وزمن وفاصل حينئذٍ قد يكون رجع عن بعض أقواله وصحح ما قد يميل إليه في الكافية.
هنا لم يذكر التركيب والقصد نظراً إلى أن الإفادة تستلزمهما؛ لأن المفيد الفائدة المذكورة لا يكون إلا مركباً كما ذكرناه، ولا ترد الأعداد المسرودة لما تقدم من أن المراد بالإفادة الدلالة على النسبة الإيجابية والسلبية، وحسن السكوت .. سكوت المتكلم يستدعي أن يكون قاصداً لما تكلم به، لكنه في التسهيل صرح بهما، يعني: بالتركيب والقصد، وهذا أولى على من اشترطه؛ لأن الحدود لا تتم بدلالة الالتزام.
ولذلك جعل ابن الناظم قوله: كاستقم، تتميماً للحد، أي: من جهة الدلالة به على أمرين يتضمنهما معتبرين في الكلام، أي: وتمثيلاً أيضاً من جهة الإيضاح به للمحدود لا تمثيلاً فقط، وعلى كونه تتميماً للحد كاستقم، ما إعرابه؟ إذا قيل: كونه تتميماً للحد، أو مجرد تمثيل على قول ابن الناظم، حينئذٍ: كاستقم جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، وذلك كاستقم.
وأما إذا جعل تتميماً للحد حينئذٍ لا بد من متعلق يتعلق به، يجعل إما صفةً للفظ أو لمفيد، والثاني محل نزاع، يعني: لا بد أن يجعل متمماً للحد، فنقول: كلامنا لفظ، كلامنا: مبتدأ، ولفظ: خبر، مفيد: نعت للفظ، كاستقم: على أنه تتميم للحد تقول: جار ومجرور، متعلق بمحذوف صفة، إما للفظ أو لمفيد، وجعله للفظ أولى، ولذلك هناك في البسط يقدمون التركيب على المفيد، فيقولون: الكلام هو اللفظ المركب المفيد، وهذا أجود، لماذا؟ لأنه بالمفيد أخرج بعض المركب الذي هو ليس بالمفيد، أو أخرج المهمل من المركبات إن سلم بوجود مهمل في المركبات؛ لأن اللفظ المفرد كما سبق معنا: أن اللفظ يكون مهملاً ويكون مستعملاً، مهمل ومثلنا له بـ: ديز، هذا موجود قطعاً في المفردات، وهل هو موجود في المركبات؟ محل نزاع بين أهل اللغة، هل هو موجود أم لا؟ إن سلمنا بوجوده حينئذٍ نحتاج إلى إخراجه، إن لم نسلم بوجوده فحينئذٍ لا نحتاج إلى إخراجه، والشيخ الأمين ﵀ في نثر الورود قال بوجوده ومثل له بكلام الهذيان.
إذاً: وعلى كونه تتميماً للحد كاستقم: ظرف مستقل، نعت ثان للفظ.
стр. 60
كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كاسْتَقِمْ ... وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ
واحده: كلمة، هذه الجملة من ابن مالك رحمه الله تعالى أتعبت الشراح، وستتعبون معي إن شاء الله تعالى.
واسم وفعل ثم حرف الكلم ..
واحده: كلمة، الآن: الكلم ظاهره ماذا؟ هل المراد به الكلم الاصطلاحي الذي هو ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر، أفاد أم لان، الكلم الاصطلاحي: ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر، فيشترط فيه العدد، ولا تشترط فيه الإفادة فحينئذٍ: قام زيد، كلم؟ لا، كلام؟ نعم، قام زيد مؤلف من كلمتين، إن قام زيد قمت، كلام؟ نعم، كلم؟ نعم، إن قام زيد، كلم؟ لا كلام، إذاً: الكلم الاصطلاحي ما تركب من ثلاث كلمات، فا النظر فيه يكون للعدد دون الإفادة، فـ: ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)) [المؤمنون:١] نقول: هذا كلم وكلام، قام زيد: كلام وليس بكلم، إن قام زيد قمت: كلام وكلم، إن قام زيد، نقول: هذا كلم وليس بكلام، عرفنا هذا الكلم الاصطلاحي.
وقد يراد بالكلم: اسم جنس جمعي، يعني: جمع، مثل رجل ورجال، لكن نوعه: أنه اسم جنس جمعي، وهو الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء، فالمفرد كلمة، والجمع أو اسم الجنس الجمعي له، وليس جمعاً خلافاً للجرجاني، اسم الجنس الجمعي: كلم بإسقاط التاء، فُرِّقَ بينه وبين واحده بالتاء، التاء موجودة في المفرد وساقطة في الجمع، مثل: شجر وشجرة، بقرة وبقر، بقر: هذا جمع، اسم جنس جمعي، وبقرة بالتاء: هذا المفرد.
هل هذا فيه معنىً اصطلاحي؟ لا، ليس معنى اصطلاحي، عرفتم الفرق بين النوعين؟
هل مراد ابن مالك رحمه الله تعالى هنا بقوله: وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ، هل المراد به الكلم الاصطلاحي، أم المراد به جمع: كلمة .. نقول: جمع، من باب التقريب؟ قيل وقيل، يعني: قيل بأن المراد به الكلم الاصطلاحي، وقيل: المراد به ليس الكلم الاصطلاحي، بل هو اسم جنس جمعي للكلمة، ولذلك قال: واحده: كلمة.
قيل المراد الاصطلاحي، فحينئذٍ الكلم: مبتدأ مؤخر مرفوع، ورفعه، هه؟ ضمة، أين هي؟ مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الروي أو الوقف، في الكلام تقول: وقف، هنا تقول: الروي.
واسم: هذا خبر مقدم، اسم وما عطف عليه خبر مقدم؛ لأن الأمر إذا دار بين نكرة ومعرفة فحينئذٍ الأصل جعل المعرفة مبتدأً والنكرة خبر، وهنا دار إما أن نجعل اسم معرفة، ونؤول له .... إما أن نجعل الاسم مبتدأ ونقدر له صفة، وهذا فيه تكلف، وإما أن نجعل الاسم هنا وهو نكرة خبراً مقدماً وهو الأصل في الخبر أن يكون نكرة، ونجعل الكلم لكونه معرفةً .. نجعله مبتدأً.
إذاً: على القول بأن الكلم المراد به الكلم الاصطلاحي حينئذٍ نقول: الكلم مبتدأ مؤخر واسم وما عطف عليه خبر مقدم، فأورد عليه حينئذٍ أن الكلم في الاصطلاح ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر، هذا الكلم في الاصطلاح، أليس كذلك؟ إذا قلنا: الكلم -الكلم الاصطلاحي- .. ينقسم إلى: اسم وفعل وحرف، نقول: القسمة .. قسمة الشيء إلى أشياء لها طريقان لا ثالث لهما:
إما أنه من تقسيم الكلي إلى جزئياته.
وإما أنه من تقسيم الكل إلى أجزائه.
стр. 61
وكل منهما لا يصح هنا البتة، لماذا؟ قال: وتقسيم الناظم لا يصح أن يكون من تقسيم الكلي إلى جزئياته؛ لأن علامته .. علامة صحة هذا التقسيم، صحة إطلاق اسم المقسوم على كل واحد من جزئياته كانقسام الإعراب إلى رفع ونصب وخفض وجزم، وحينئذٍ تنظر إلى الاسم المقسوم.
الإعراب أربعة أنواع: رفع ونصب وخفض وجزم، إذا أردت أن تعرف وتتأكد أن هذا من تقسيم الكلي بالياء، إلى جزئياته تأتي إلى القسم، وهو؟ الرفع والنصب تجعله مبتدأً، وتأتي إلى المقسوم وهو الإعراب فتجعله خبراً إن صح الكلام فهو من تقسيم الكلي إلى جزئياته، إن لم يصح فهو من النوع الثاني.
هنا إذا قيل: الرفع إعراب، صحيح أو لا؟ صحيح .. النصب إعراب .. الخفض إعراب .. الجزم إعراب، صح أو لا؟ صح، الكلمة: اسم وفعل وحرف، أين الاسم المقسوم؟ كلمة، أين الأقسام؟ اسم وفعل وحرف.
الاسم كلمة، صحيح؟ .. الفعل كلمة .. الحرف كلمة، هذا من تقسيم الكلي إلى جزئياته.
هنا هل يصح أن يقال: .. الاسم كلم .. الحرف كلم .. الفعل .. كلم؟ لا يصح .. لا يصح ذلك، فإذا لم يصح حينئذٍ ننظر في القسمة الثانية.
هنا قال: فالرفع وحده يقال له: إعراب، والنصب كذلك وهكذا، وكانقسام الحيوان إلى إنسان وفرس، الحيوان اسم جنس هذا يصدق على ماذا .. لفظ: الحيوان؟ على كل ما فيه حياة .. حيوان فعلان، يصدق على الإنسان، فيقال: الإنسان حيوان، ويصدق على الفرس، فيقال: الفرس حيوان، والجراد حيوان، وهلم جرا، نقول: هذا التقسيم من تقسيم الكلي إلى جزئياته، وهنا لا يصح إطلاق اسم المقسوم على كل واحد من الثلاثة، فلا يقال: الاسم كلم، والفعل كلم، والحرف كلم.
كما قال ابن آجروم: .. هناك ابن آجروم قال: الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع وأقسامه، أي: الكلام: ثلاثة: اسم وفعل وحرف، قال: وهذا لا يصح أن يكون من تقسيم الكلي إلى جزئياته، لماذا؟ لأنه لا يصح أن يقال الاسم كلام، والفعل كلام، والحرف كلام، الاسم مفرد، والكلام يشترط فيه أن يكون مركباً، فكيف يخبر عن المفرد بالمركب؟! إذاً: لا يصح أن يكون من باب تقسيم الكلي إلى جزئياته.
هذا الذي هو الطريق الأول: إذا قلنا: الكلم المراد به المعنى الاصطلاحي، ثم قسمناه إلى اسم وفعل وحرف، نقول: هذا التقسيم من أي النوعين؟ نظرنا فإذا به لا يصح أن يكون من تقسم الكلي إلى جزئياته، حينئذٍ هل يصح أن يكون من باب تقسيم الكل إلى أجزائه؟ ولا يصح أن يكون من تقسيم الكلي إلى أجزائه؛ لأن علامته عدم صحة إطلاق اسم المقسوم على كل واحد من أجزائه، بل لا يصح إطلاقه إلا إذا اجتمعت أجزاؤه التي تركب منها، وهنا لا يصح، لماذا؟
لأننا نقول: تقسيم الكل إلى أجزائه لا بد أن يصدق اسم المقسوم على كل الأجزاء مجتمعة، يعني: الكلم: اسم وفعل وحرف، هو الكلم، اسم وفعل وحرف الكلم؛ لأنه أتى بواو العطف المقتضية للجمع.
стр. 62
فحينئذٍ يقتضي هذا أنه لا يسمى كلماً اصطلاحياً إلا إذا اشتمل على فعل واسم وحرف، لا بد أن يوجد فيه هذه الأنواع الثلاثة، فإن نقص منها واحد لا يسمى كلماً اصطلاحياً وهذا حق أو باطل؟ باطل، واللازم باطل؛ لأنه يقتضي أنه لا يقال له: كلم، إلا إذا اجتمعت الثلاثة نحو: قد قام زيد .. ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)) [المؤمنون:١] وأما إذا اجتمع اثنان منها نحو: قام غلام زيد، هذا اجتمع منها اثنان، قام: فعل، غلام زيد: اسمان، أين الحرف؟ غير موجود، هل هو كلم اصطلاحي؟ نعم، قام غلام زيد .. ترددتم لماذا؟ قام غلام زيد: مركب هذا من كلمتين: غلام زيد كلمتان، تحسب الثنتين، وأما: قام، فهي كلمة، إذاً: ثلاثة ألفاظ، فحينئذٍ هو كلم اصطلاحاً، لكن على هذا التقسيم .. إذا جعلناه من تقسيم الكل إلى أجزائه لا يكون كلمة، لماذا؟ لعدم وجود الحرف، أو واحد نحو أبو زيدٍ قائمٌ، هذه كلم أو لا؟ كلم، أين الفعل؟ لا فعل .. أين الحرف؟ لا حرف، الثلاث الكلمات كلها من النوع الأول وهو الاسم.
إذا قلنا: من تقسيم الكل إلى أجزائه خرج النوع الأول: قام غلام زيد، وخرج الثاني، أبو زيدٍ قائمٌ، فلا يقال له: كلم، وليس الأمر كذلك، فبان بهذا بطلان القسمة من حيث هي، إذاً: التقسيم باطل على النوعين، إذا جعلنا ماذا؟ إذا جعلنا الكلم بالمعنى الاصطلاحي وهو مبتدأ، واسم وفعل وحرف: هذا خبره، لا يصح أن يكون من باب القسمة أنه تقسيم الكلي إلى جزئياته، ولا الكل إلى أجزائه لوجود اللازم الباطل.
حينئذٍ ماذا نصنع؟ أجاب المكودي بجواب، لكنه فاسد، أقبح مما .. يعني: أورد عليه أقبح مما أورد على ابن مالك رحمه الله تعالى، قال: بأن قوله: اسم وفعل وحرف، من أجل أن يحصل التطابق ويصح التقسيم، قال: هذا من إطلاق المفرد وإرادة الجمع، أي: الكلم: أسماء وأفعال وحروف، وهذا فاسد، لماذا؟ لأن الواو إن كانت على بابها فحينئذٍ أقل الجمع في الأسماء ثلاثة، وأقل الجمع في الأفعال ثلاثة: ستة، وأقل الجمع في الحروف ثلاثة: هذه تسعة، لا يصدق عليه أنه كلم إلا إذا كان مؤلفاً من تسع كلمات، وهذا باطل.
وإن كانت الواو بمعنى: أو، حينئذٍ الكلم إما أسماء فقط، أو أفعال فقط، أو حروف فقط، فإذا وجد من الاسم والفعل والحرف كما هو الشأن في: ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)) [المؤمنون:١] هذا لا يسمى كلماً، وهذا فاسد، كما يقول العامة: أراد أن يكحلها أعماها! يعني: أراد أن يجيب على الاعتراض ويرفع الإشكال فوقع في إشكال أقبح مما أورد على الناظم.
ويرد على هذا الجواب ما هو أقبح مما ورد على عبارة الناظم؛ وذلك إما أن تبقى الواو في قوله: والأفعال والحروف على بابها، فيفهم منه أن الكلم لا يطلق إلا على ما تركب من تسع كلمات فأكثر؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، وهذا باطل .. أقل الجمع في الأسماء ثلاثة، وفي الأفعال وفي الحروف كذلك، وهذا باطل.
وإما أن تجعل الواو بمعنى: أو، فيفهم منه: أن الكلم لا يكون إلا من الأسماء وحدها، أو من الأفعال وحدها، أو من الحروف وحدها، وأما من اثنين أو من ثلاثة منها فلا يكون وهذا باطل أيضاً، فبان عدم صحة هذا الجواب.
стр. 63
إذاً: القول بكون الكلم مبتدأ والمراد به: الكلم الاصطلاحي، واسم وفعل: هذا خبر مقدم، هذا لا يصح البتة، بهذا التعبير وبهذا الإعراب لا يصح.
ابن هشام ﵀ ساهم في دفع الإشكال ورفعه بتوجيه إعراب آخر له وجهه، وهو مسلم وصحيح في نفسه، إلا أنه بعيد عن عبارة المصنف رحمه الله تعالى، وقيل: يرتفع الإشكال بجعل الكلم في النظم مبتدأً أول .. واسم وفعل ثم حرف، الكلمُ: مبتدأ أول، واحده: مبتدأ ثان، كلمة: خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول.
إذاً: فصل الجملة عن سابقها، واسم وفعل ثم حرف: مستقل، الكلم واحده: كلمة، صحيح أو لا؟ الكلم من حيث اللفظ واحده: كلمة، وهي: اسم وفعل وحرف، فجعل الاسم خبراً لمبتدأ محذوف، فحينئذٍ استطاع بهذا الإعراب أن يجعل التقسيم .. تقسيم الاسم والفعل والحرف أقساماً للكلمة، فردها إلى أصلها، فقال: الكلم: هذا مبتدأ أول، واحده: كلمة، هذا جملة اسمية خبر المبتدأ الأول، وهي: اسم .. الضمير يعود إلى الكلمة، إذاً اسم: هذا خبر المبتدأ محذوف تقديره هي.
وقيل: يرتفع الإشكال بجعل الكلم في النظم مبتدأً أول، وواحده: مبتدأ ثان، وكلمة: خبر عن الثاني، والثاني وخبره خبر عن الأول، ويكون: اسم وفعل خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: وهي، أي: الكلمة اسم.
وهذا جيد أولى من ذاك: أسماء وأفعال وحروف، هذا التخريج صحيح أم لا؟ صحيح، لأن المعنى صحيح أو لا؟ المعنى صحيح، الكلم واحده: كلمة، وهي اسم وفعل وحرف، رده إلى المشهور عند النحاة، فيكون قوله: واسم إلى آخره: تقسيماً للكلمة لا للكلم فانفصلت الجملة.
فيكون من باب تقسيم الكلي إلى جزئياته، أو الكل إلى أجزائه؟ كلي، أو الكل؟ من الكلي، لماذا؟ لصحة الإخبار:
إن صح إخبار بمقسم فذا
أو لم يصحا فهو كل قد قسم ... تقسيم كلي بجزئي خذا
بغير ياء أي لأجزا قد علم
إذاً: إن صح الإخبار حينئذٍ فهو من تقسيم الكلي إلى جزئياته،
إن صح إخبار بمقسم فذا
أو لم يصحا فهو كل قد قسم ... تقسيم كلي بجزئي خذا
بغير ياء أي لأجزا قد علم
يعني: لا تقل كلي: بالياء، بل هو كل.
فحينئذٍ إذا لم يصح الإخبار باسم المقسوم عن كل قسم على حده، فهو تقسيم كل إلى أجزائه، وهذا الجواب ظاهر في نفسه لكنه بعيد من كلام الناظم رحمه الله تعالى.
والقول الثاني: .. القول الأول ما هو؟ أن الكلم: المراد به الكلم الاصطلاحي، وفيه توجيهان من حيث الإعراب: هه! واضحة أو نعيد؟ القول الأول: أن المراد بالكلم: الكلم الاصطلاحي، وهو: ما تركب من ثلاثة كلمات فأكثر، وهذا فيه إعرابان، يعني: في كلام الناظم:
إما أن يكون مبتدأً وما قبله خبر، وهذا فاسد، وإما أن يكون مبتدأً أول وواحده كلمة: خبر عنه، واسم وفعل: هذا خبر لمبتدأ محذوف، وهي: فيكون تقسيماً للكلمة لا للكلم، وهذا له اعتباره وله وجهه لكنه بعيد من كلام الناظم.
стр. 64
القول الثاني: أن المراد بالكلم ليس المراد به الكلم الاصطلاحي، والقول الثاني -وهو الأحق .. الصواب-: أن الكلم: مبتدأ، خبره: ما قبله، وأنه ليس المراد به معناه الاصطلاحي، ليس المراد به المعنى الاصطلاحي وهو: ما تركب من كلمتين .. من ثلاث كلمات فأكثر، بل المراد به: الكلمات: اسم جنس جمعي، يعني: المراد به المعنى اللغوي، وليس المراد به المعنى الاصطلاحي، بل المراد به الكلمات، أي: أشخاصها، فإنها وإن كثرت لا تخرج عن هذه الثلاثة، لا تخرج عن .. خالد وعمرو، وقام وضرب، إلى آخره، مهما عددت من الأفعال والأسماء والحروف لا تخرج عن هذه الأنواع الثلاثة، أي: الكلم: الذي يتألف منه الكلام ينقسم باعتبار واحده إلى ثلاثة أنواع .. الكلم: الذي يتألف منه الكلام .. على هذا التقدير .. التفسير بأنه: ليس المراد به الكلم الاصطلاحي، نقول: الكلم الذي يتألف منه الكلام ينقسم باعتبار واحده، على هذا التقدير؛ لأنه قال: واحده كلمة، أشار إلى أن واحد الكلم: كلمة.
والذي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف هو الكلم، إذاً: الكلم الذي يتألف منه الكلام ينقسم باعتبار واحده إلى ثلاثة أنواع: نوع الاسم، ونوع الفعل ونوع الحرف، فهو من تقسيم الكلي إلى جزئياته.
فالمراد بالكلم في كلام الناظم: الكلمات، أي: الأنواع الثلاثة للكلمة، فالمراد به حينئذٍ: المعنى الجنسي للكلمة، لا المعنى المصطلح عليه؛ لأن المعنى الجنسي: الذي هو قول مفرد مستقل أو منوي معه .. لأن المعنى الجنسي هو الذي يصح الحكم بالاسم والفعل والحرف عليه، ولقوله: واحده كلمة، هذا دليل على أنه أراد بالكلم: المعنى اللغوي لا الاصطلاحي؛ لأن الكلم المصطلح عليه يتألف من أجزاء، فلو كان مراده الكلم الاصطلاحي لقال:
وجزؤه كلمة ..
هذا أنسب؛ لأن: ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)) [المؤمنون:١] قد: جزء، وأفلح: جزء، والمؤمنون: جزء، ولذلك نقول: الكل والأجزاء، والكلي والجزئيات، فالجزء حينئذٍ لا يعبر عنه بالواحد؛ لأن الواحد قد يفهم استقلالاً دون غيره، وأما الجزء فلا ينفك عن غيره على الأصل.
فحينئذٍ لقوله: واحده كلمة، وإلا لقال: جزؤه كلمة أو نحوه؛ ولأن المقام يقتضي بيان أقسام الكلمة، هذا هو الأصل، وجرت عادة النحاة أنهم في هذا المقام يقسمون الكلمة ولا يقسمون الكلم المصطلح عليه .. ولأن المقام يقتضي بيان أقسام الكلمة لا أجزاء الكلم المصطلح؛ لأن الباب معقود للكلام وما يتألف منه، وهو الكلم الثلاث التي هي أقسام الكلمة، ولذلك قال: الكلام وما يتألف منه، يعني: وما يتألف الكلام منه، أي: والأشياء التي يتألف الكلام منه، وهذا المراد به ماذا؟ الاسم والفعل والحرف، فدل على أن مراده هنا بيان الكلام لا الكلم.
وحشر الكلم هنا المصطلح عليه هذا من باب الاجتهاد والنظر.
стр. 65
إذاً: وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ، منحصرة في ثلاثة أقسام .. الكلمة منحصرة في ثلاثة أنواع: الاسم والفعل والحرف، ويستفاد الحصر في تقديم الناظم الخبر، فيكون فيه الرد على من زاد رابعاً وسماه: خالفةً، وهو اسم الفعل كما سيأتي، حينئذٍ: أل، في قوله: الكلم على هذا المعنى تكون للعهد، تكون عهدية؛ لأنها قال في الترجمة ماذا؟ وما يتألف منه، ثم قال: الكلم، يعني: والمعهود الذي يتألف منه الكلام، فدل على أن هذه الأشياء التي عنون لها في الترجمة هي التي أراد بيانها في هذا الشطر: واسم وفعل ثم حرف الكلم.
أل: للعهد، والمعهود: ما صدق عليه لفظ: ما، وهو الأشياء التي يتألف منها الكلام.
وأل، في الكلم على هذا القول الأخير بالعهد: والمعهود ما وقعت عليه: ما، في الترجمة، فيصير تقدير الكلمات الثلاثة المؤلف منها الكلام: اسم وفعل وحرف، والصبان له توجيه يجمع بين القولين، يقول: يمكن اعتبار الكلم أنه مراداً به المعنى الاصطلاحي، ويمكن أن يحمل على المعنى اللغوني، يعني: باعتبارين، وهذا ما يسمى بالاستخدام عند البيانيين.
وخرجه الصبان على أن تجعل الكلم في كلام الناظم بمعنى: الكلمات، على ما ذكرناه، ويبقى قوله: واحده: كلمة، قال: الضمير هنا رجع إلى الكلم لا باعتبار الكلمات، وإنما باعتبار الكلم المصطلح عليه، وهذا فيه تكلف، بل الصواب: أن الضمير هنا يعود إلى الكلم، وهو اسم جنس جمعي، ويجوز فيها .. _في إعادة الضمير وجهان-، كما قال ابن معطي: واحدها كلمة .. أنث، وهنا ذكر، ويجوز فيه الوجهان: التأنيث والتذكير كما سيأتي معنا.
خرجه على ماذا؟ قال: أن تجعل الكلم في كلام الناظم بمعنى الكلمات، وترجع الضمير في: واحده، إلى الكلم بمعنى: الكلم الاصطلاحي على الاستخدام لا بمعنى الكلمات، وإلا لأنث الضمير، فيصير المعنى: واسم وفعل ثم حرف الكلمات، أي: الأنواع الثلاثة للكلمة، وواحد الكلم الاصطلاحي: كلمة، وهذا فيه تكلف، بل الصواب أن: واحده، يعود إلى اللفظ باعتبار المعنى اللغوي، وهذا لا مانع منه، ويجوز في عود الضمير على الجمع تذكيراً وتأنيثاً.
هنا سيأتي معنا في قوله: أنها اسم جنس جمعي.
إذاً قوله: واسم وفعل ثم حرف الكلم، إذاً: الكلمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف، ولا يخرج عن هذه القسمة لفظ رابع، أي: لا يزيد عليها لفظ رابع، ودليل التقسيم والحصر في الثلاثة، أمران:
دليل نقلي: وهو ما أثر عن علي رضي الله تعالى عنه لما شكا إليه أبو الأسود الدؤلي العُجْمَ، يعني: الناس اعوجت ألسنتهم، فقال له علي بن أبي طالب: انح لهم نحواً، ولذلك سمي: نحواً، انح لهم نحواً واقسم الكلام ثلاثة أشياء: اسماً وفعلاً وحرفاً جاء لمعنى ... هكذا أورده السيوطي في: الأشباه والنظائر، والله أعلم ثابت عنه أم لا؟
حينئذٍ هذا دليل نقلي .. صح عن صحابي: أن الكلمة تنقسم إلى ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف.
стр. 66
وكذلك دليل عقلي: وهو ماذا؟ وهو النظر الصحيح: أن الكلمة إما أن تصلح ركناً للإسناد أو لا، وسبق أن الإسناد المراد به: المسند والمسند إليه، هذه عبارات المسند والمسند إليه .. المحكوم والمحكوم عليه، والمبتدأ والخبر، وأيضاً الموضوع والمحمول، هذه أربعة ألفاظ .. أربعة أقسام، ومصدقها واحد، ولكن الاختلاف باختلاف الفنون.
زيد قائم، زيد: مبتدأ عند النحاة .. محكوم عليه عند الأصوليين .. موضوع عند المناطقة .. مسند إليه عند البيانيين.
قائمٌ: خبر عند النحاة .. محكوم به عند الأصوليين .. محمول عند المناطقة .. مسند عند البيانيين.
هذه أربعة أقسام .. نقف على هذا، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وأصحابه أجمعين ...
стр. 67
عناصر الدرس
* بيان انواع الكلمة ,حدالكلمة. والكلم.
* حد القول وعلامته مع الكلمة ,والكلم
* فائدة: بعض الحدود المهمة في باب الكلام.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
.........................................
واحِدُهُ كَلِمَةٌ ........ ... وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ
................................
عرفنا توجيه مراد المصنف رحمه الله تعالى، وأن هذا التقسيم إنما هو تقسيم للكلمة، وليس للكلم الاصطلاحي، فالاسم والفعل والحرف أقسام للكلمة، وهي محصورة في هذا التقسيم الثلاثي ولا رابع عليها، ومن زاد: الخالفة، فهو مردود عليه بإجماع النحاة.
ويدل على ذلك التقديم: واسم وفعل ثم حرف الكلم، قلنا: الكلم: هذا مبتدأ مؤخر، والمراد به الكلمات، واسم: هذا خبر مقدم؛ لأنه إذا اجتمع نكرة ومعرفة حينئذٍ تجعل المعرفة مبتدأً والنكرة خبراً على الأصل في المبتدأ والخبر.
وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ .. واسم: قدم الاسم هنا لشرفه على الفعل والحرف، يعني: على أخويه وقسيميه، لماذا؟ قالوا أولاً: فالاسم مشتق من السمو وهو: العلو، اسم: أصله مأخوذ من السمو والعلو .. وهو العلو على مذهب البصريين، ومأخوذ من: السمة، وهي العلامة على مذهب الكوفيين، أصله على مذهب البصريين: سِمْوٌ .. أو سُمْوٌ، فِعل أو فُعل، وجرى له ما جرى إلى أن صار اسماً، فوزنه حينئذٍ على مذهب البصريين: افعٌ! لأن المحذوف هو الواو، سِمو .. سُمو، أين الواو؟ نحن نقول: اسم، ليس عندنا واو، حينئذٍ نقول: حذفت اعتباطاً لغير علة تصريفية فصار وزنه ماذا؟ افع.
وأما على مذهب الكوفيين فالمحذوف منه هو الفاء، فوزنه: اعْلٌ، ففرق بينهما، وهذا مبين في غير هذا الشرح.
إذاً: الاسم مشتق من السمو، ولذلك قدمه على على قسيميه .. على على قسيميه الفعل والحرف.
وأهم من ذلك أن يقال: الاسم يوجد منه الكلام برمته، يعني: من نوعه، تحصل الفائدة الكلامية من نوعه: زيد قائمٌ، فحينئذٍ صار ماذا؟ صار الاسم مسنداً ومسنداً إليه، مخبراً به ومخبراً عنه، فارتفع عن قسيميه الفعل والحرف لهذه الميزة، وهو كونه يقع مسنداً ومسنداً إليه، محكوماً عليه ومحكوماً به، مخبراً عنه ومخبراً به، زيد قائٌم: زيد: هذا اسم وهو مبتدأ، وهو محكوم عليه، وقائمٌ هذا خبره، وهو مسند .. فحينئذٍ صار الاسم مسنداً ومسنداً إليه .. محكوم عليه ومحكوم به.
وأما الفعل ثنى به؛ لأنه ليس له من جزئي الكلام إلا كونه مسنداً فحسب، ولا يقع البتة، إذا قصد معناه لا يقع مسنداً إليه البتة، لماذا؟ لأن الإسناد الذي هو كونه مسنداً إليه، هذه من علامات الأسماء، لا يسند إلا إلى الأسماء، حينئذٍ صار الفعل مسنداً ولا يمكن أن يتركب الكلام من فعلين كما تركب من اسمين، لماذا؟ لأن الكلام لا بد فيه من مسند إليه، وإذا كان الفعل لا يقع مسنداً إليه حينئذٍ تعذر اجتماع فعلين في كلام واحد، يعني: يحصل منه الكلام.
стр. 68
وتعليل ذلك عند النحاة: أن الفعل في المعنى صفة، الأفعال كلها بأنواعها: الماضي والمضارع والأمر في المعنى صفات، والصفات تقتضي موصوفاً، حينئذٍ إذا قلت: جاء قام .. كما قلت: زيد قائم أسندت هذا إلى ذاك، قلت: جاء قام، جاء مسنداً إليه، وقام مسند، جاء: هذا يدل على وقوع حدث وهو المجيء، وقام كذلك يدل على حدث وهو وقوع القيام، من الذي قام بالمجيء، ومن الذي قام بالقيام؟ أين الموصوف؟ هل هو موجود في اللفظ؟ الجواب: لا.
إذا تجرد الكلام بفعلين حينئذٍ امتنع وجود الموصوف، ولذلك ثنى به.
ثُمَّ حَرْفٌ: ثلث بالحرف؛ لأنه يقع طرفاً، لا مسنداً ولا مسنداً إليه، والحرف سيأتي: أنه ما دل على معنىً في غيره فقط، فحينئذٍ كونه لا يقع مسنداً ولا مسنداً إليه صار خارجاً عن أصل الكلام، لماذا؟ لأن الكلام محصور في المسند والمسند إليه.
وإذا كان الحرف لا يقع مسنداً ولا مسنداً إليه، حينئذٍ امتنع أن يكون جزءً من الكلام، ولذلك سمي الحرف حرفاً؛ لأنه يقع طرفاً.
وأما قوله: ثُمَّ، وهذا في باب التقسيم عند بعضهم، بمعنى: الواو، كأنه قال: اسم وفعل وحرف، إذ لا معنى للتراخي بين الأقسام؛ لأن ثم تفيد ماذا؟ تفيد التراخي، هو: لا شك أن رتبته أدنى من رتبة الفعل، ولو أريد هذا المعنى لقيل: اسم ثم فعل ثم حرف، أليس كذلك؟ لأن الاسم أعلى درجةً، ثم أدنى منه الفعل؛ لكونه يقع مسنداً لا مسنداً إليه، ثم الحرف، لو أريد الترتيب من حيث الشرف لجيء بثم بعد الاسم، وعطف الفعل على الاسم بثم لإثبات التراخي.
ويكفي في الإشعار بانحطاط درجة الحرف عن قسيميه ترتيب الناظم لها في الذكر على حسب ترتيبها في الشرف وقوعه طرفاً، يعني: لا نحتاج أن تكون ثم على بابه؛ لأن كلاً من هذه الأقسام باعتبار الكلمة مرتبة واحدة، متحدة، الاسم قسم للكلمة، والفعل قسم للكلمة، والحرف قسم للكلمة، إذاً: كل منها قسم للكلمة، هل من هذه الحيثية فيه ترتيب؟ لا، وإنما الترتيب متى يكون؟ إذا نظر إلى ذات الاسم، وإلى ذات الفعل، وإلى ذات الحرف، فحينئذٍ بالنظر إلى الانقسام نقول: ثم بمعنى: الواو، وبالنظر إلى ذواتها: الاسم من حيث هو لا بكونه قسماً للكلمة وقسيماً للحرف، حينئذٍ نقول بالتساوي.
وقيل الأولى إبقاء ثم على حالها، يعني: لا نقول: إنها بمعنى الواو، وهذا جرى عليه الأكثرون: إذا جاءت ثم في هذا الموضع، قالوا: ثم بمعنى الواو؛ لأنه لا فرق بينها من حيث كونها قسماً للكلمة، وقيل: الأولى إبقاء ثم على حالها، وجعلها للتراخي الرتبي بين الأقسام من حيث ذواتها لا من حيث الانقسام، يعني: تبقى على المعنى الذي وضعت له في لسان العرب، والمراد به: التراخي الرتبي، يعني: رتبة الحرف بعد رتبة الفعل.
فحينئذٍ هذا بالنظر إلى ماذا .. إلى ذات الحرف أو إلى كونه قسماً؟ بالنظر إلى الحرف ذاته، أو من حيث كونه قسماً للكلمة؟ من حيث ذاته، وعليه نقول: كان الأولى أن يقول: اسم ثم فعل ثم حرف، والأولى أن تجعل هنا ثم بمعنى: الواو، ولا ينظر إلى ذواتها؛ لأن المقصود هنا التقسيم فحسب.
وقيل: الأولى إبقاء ثم على حالها وجعلها للتراخي الرتبي بين الأقسام من حيث ذواتها، لا من حيث الانقسام، يعني: له نظران.
стр. 69
وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ قلنا: هذا الصحيح أنه اسم جنس جمعي، اسم جنس على المختار لدلالته وضعاً على الماهية من حيث هي .. من حيث هي، يعني: لا بالنظر إلى الأفراد في الخارج، قد ينظر إلى الشيء ذهناً وهو المراد به الحقيقة الكلية الموجودة في الذهن .. وقد ينظر إليها باعتبار أفرادها في الخارج، وقد ينظر إليها لا باعتبار أفرادها في الخارج، وهذا قد يأتي معنا في النكرة.
وقيل: بل هو جمع، ورد: بأن الغالب تذكيره والغالب على الجمع تأنيثه، يعني: الكلم هذا ليس باسم جنس، بل هو جمع، كرجال ومسلمون، رد هذا القول، وهو قول الجرجاني وغيره، لماذا؟ لأن الغالب في الكلم تذكيره، ولذلك قال ابن مالك: واحده كلمة، والغالب في الجمع تأنيثه .. الغالب في الجمع إذا أعيد الضمير إليه .. الغالب فيه التأنيث.
وقيل: اسم جمع، ورد: بأن له واحداً من لفظه، والغالب على اسم الجمع خلافه، الغالب على اسم الجمع: ألا يكون له واحد من لفظه، وهذا له واحد من لفظه، فدل على أنه ليس باسم جمع.
إذاً: ثلاثة أقوال في لفظ: الكلم، هل هو اسم جنس، أو جمع، أو اسم جمع؟ ثلاثة أقوال، والصحيح أنه اسم جنس، والقائلون بأنه اسم جنس اختلفوا، هل هو اسم جنس جمعي، أو اسم جنس إفرادي والصواب الأول: أنه اسم جنس جمعي، لا إفرادي.
والمختار: أنه اسم جنس جمعي، والجمعي هذا صفة لاسم لا ..... فاسم جنس جمعيٌ أو جمعيٍ؟ فيه قولان:
اسم جنس جمعيٌ: هذا نعت لاسم، اسم جنسٍ جمعيٍ: هذا نعت للمضاف إليه، والصواب: الأول أنه نعت لاسم لا الجنس على الصواب وذلك لأنه لا يقال إلا على ثلاث كلمات فأكثر سواء اتحد نوعها أو لم يتحد، أفادت أم لم تفد، وقيل: لا يقال على الكلم يعني .. لا يقال إلا على ما فوق العشرة، والصواب الذي عليه الجماهير أنه من ثلاثة فأكثر، فما دون الثلاثة لا يطلق عليه أنه كلم ولو أفاد بل هو كلام.
وعلى المختار يجوز في ضميره، يعني: الكلم نفسه لا اسم الجنس الجمعي، نظر هنا باعتبارين: نظر إلى الكلم نفسه، ونظر إلى اسم الجنس الجمعي.
الكلم يجوز في ضميره العائد عليه التأنيث ملاحظةً للجمعية والتذكير على الأصل وهو الأكثر.
إذاً: قول ابن مالك: واحده، على الأصل أو لا؟ على الأصل، فلا نحتاج إلى قول الصبان أنه من باب الاستخدام، كلم: المراد به الكلمات، ثم قال: واحده، إذاً: واحد الكلم الاصطلاحي كلمة، بل الصواب أنه عائد على الكلم باعتبار كونه اسماً جنسياً جمعياً، اسم جنس جميعاً باعتبار كونا اسم جنس جمعياً، هذا هو الأصح.
ملاحظةً للجمعية: هذا إذا أنث، والتذكير على الأصل وهو الأكثر، وجاء في القرآن: ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)) [فاطر:١٠] إليه يصعد، ما قال: تصعد، ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ)) [فاطر:١٠] وهذا فاعل، ولو كان مؤنثاً لقال: تصعد بالتاء، لكن لما قال: يصعد، دلى على ماذا؟ على أنه مذكر، يعني: راعى فيه جانب التذكير.
((يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ)) [المائدة:٤١] مذكر أو مؤنث؟ مذكر، لو كان مؤنث لقال: مواضعها، أحسنت لقال: مواضعها.
стр. 70
وأما اسم الجنس الجمعي، يعني: لا بالنظر إلى الكلم، وإنما اسم الجنس الجمعي من حيث هو باعتبار مرجع الضمير فيه ثلاثة أحوال:
فمنه ما يجب تذكيره ولا يجوز تأنيثه: كغنم.
وما يجب تأنيث ضميره، ولا يجوز تذكيره: كبط.
وما يجوز في ضميره الأمران كبقر وكلم، هذا اسم الجنس من حيث هو، لا بالنظر إلى الكلم، قلنا: الكلم اسم جنس جمعي، أليس كذلك؟ بلى، يجوز في ضميره أمران، هل هذا الحكم مطرد في جميع اسم الجنس؟ لا، وإنما فيه تفصيل: بعضه يجب تذكيره، وبعضه يجب تأنيثه، وبعضه فيه الأمران، ومرده إلى لسان العرب، يعني: كيف تعرف أن هذا مما يجب تذكيره، وهذا مما يجب تأنيثه، وهذا مما يجوز فيه الأمران؟ بالرجوع إلى القاموس ولسان العرب ونحو ذلك.
وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ .. ثم حرف الكلم: عرفنا أن الكلم المراد به: اسم جنس جمعي، لا اسم جنس إفرادي، واسم الجنس الجمعي حقيقته هو الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء غالباً، بأن تكون التاء في المفرد لا في الجمع كلمة .. كلم، التاء موجودة في المفرد، شجرة .. شجر، بقرة .. بقر، إلى آخره.
نقول: وجود التاء في المفرد وتسقط في الجمع، هو عينه اللفظ: كلمة .. تحذف التاء، صار: كلم، بقر: هذا جمع اسم جنس جمعي، واحده: بقرة، لا فرق بينهما إلا التاء، هل التاء مطلقاً تكون فرقاً بينه؟ لذلك قلنا: غالباً، قد يكون العكس، التاء في الجمع لا في المفرد، مثل: كمئٍ وكمئةٍ .. كمئٍ: هذا مفرد، وكمئةٍ: هذا جمع، عكس بقرة وبقر، وقد يكون الفرق بينهما بالياء: زنج وزنجي، روم ورومي.
حينئذٍ الغالب فيه أن يفرق بينه وبين واحده بالتاء، هذا اسم الجنس الجمعي.
وأما اسم الجنس الإفرادي: فهو ما يصدق على القليل والكثير، يعني: يدل على الماهية بقطع النظر عن إفادة القلة أو الكثرة، الماهية من حيث هي: ماء، تقول: هذا ماء، وتنظر إلى البحر فتقول: هذا ماؤه، أليس كذلك؟ إذاً: اللفظ صدق على القليل والكثير، هذا تراب، أليس كذلك؟ هذا زيت، يصدق على القليل والكثير، النقطة تقول: هذه زيت وهي نقطة، وتأتي إلى الجردن وتقول: هذا زيت، يصدق على القليل والكثير.
هذا ضابط اسم الجنس الإفرادي: ما دل على الماهية لا بقيد قلة أو كثرة كماء وتراب.
واحِدُهُ كَلِمَةٌ: عرفنا أن المراد هنا بواحده: المراد به لفظ الكلم، وأن المراد بالكلم: اسم الجنس الجمعي، وهنا ذكَّر على الأصل، فلا نحتاج نقول: لماذا ابن مالك رحمه الله تعالى، لم يقل كما قال ابن معطي: واحدها كلمة؟ جرى على الأصل أو لا؟ جرى على الأصل.
واحِدُهُ كَلِمَةٌ: والكلمة: فعِلة، وفيها ثلاث لغات كما سيأتي لها معنيان: معنىً لغوي، ومعنىً اصطلاحي.
أما معناها في لسان العرب، الذي إذا أطلق عند العرب انصرف إليه المراد به: الجمل المفيدة، والمفيدة: هذا قيد لبيان الواقع لا للاحتراز، فحينئذٍ إذا كانت الجملة واحدةً أو متعددة صح إطلاق الكلمة عليها، على الجمل المفيدة، يعني: قد تأتي إلى سورة، وتقول: هذه جملة .. هذه كلمة، وهي جمل، وقد تأتي إلى جملة واحدة: قام زيد، أو زيد قائم، فتقول: هذه كلمة.
стр. 71
إذاً: الكلمة لغةً: هي الجمل المفيدة، قال تعالى: ((وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا)) [التوبة:٤٠] كلمة الله، وهي: لا إله إلا الله، هذه جملة اسمية، ((تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ)) [آل عمران:٦٤] هذه جملة فعلية، ألا نعبد: هي الكلمة، ((تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ)) [آل عمران:٦٤] ما هي هذه الكلمة: ((أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ)) [آل عمران:٦٤] إذاً: أطلقت الكلمة على الجملة الفعلية، وهناك: كلمة الله هي العليا، أطلقت على الجملة الاسمية.
((كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا)) [المؤمنون:١٠٠] هذا إشارة إلى قوله: ((رَبِّ ارْجِعُونِ)) [المؤمنون:٩٩] .... هذه جمل ليست بجملة واحدة، إذاً: هذان المثالان يصدقان على الكلمة، إذا أطلقت على الجملة المفيدة أو على الجمل المفيدة، وجاء في الصحيحين: ﴿الكلمة الطيبة صدقة﴾ سبحان الله ونحو ذلك، ﴿وأفضل كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل﴾ وهذا نصف بيت، وأطلق عليه أنه كلمة.
وهذا الإطلاق، قلنا: هذا معنىً لغوي، وهو الأصل في وضعها في لسان العرب، كما تقول: بيت، هذا موضوع وضعاً شخصياً والواضع له العرب، حينئذٍ إذا أطلق لفظ البيت انصرف إلى المعنى المخصوص، كزيد: إذا أطلق لفظ زيد انصرف إلى المعنى الذي وضع له.
كلمة: لَفْظٌ، لها معنىً في لسان العرب، إذا أطلق انصرف إليه، ما هو هذا المعنى؟ الجمل المفيدة، إذاً: مصدقها معنىً أو لفظ؟ مصدق الكلمة، يعني: ما تقع عليه الكلمة، معنىً أو لفظ؟ لفظ؛ لأن إذا قلت: زيد، اسم، مسماه .. هذا الشخص مثلاً، هذا مسمى، الاسم والمسمى، زيد: اسم، مسماه: الشخص الذي تراه، كلمة: هذه اسم، مسماها: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله المراد به لفظه، ألا نبعد إلا الله، المراد به لفظه، ألا كل شيء ما خلا باطل: المراد به لفظه.
إذاً: فمصدق لفظ كلمة: لفظ، وهذا لا مانع منه كما سيأتي معنا.
وهذا الإطلاق لمعنى الكلمة منكر في اصطلاح النحاة، يعني: إذا أطلقه أحد منهم شنعوا عليه، وأنكروا عليه، لماذا؟ لأنه قد استعمل لفظاً يشارك لفظاً عندهم له حقيقة عرفية، والكلمة عند النحاة المراد بها قول مفرد كما سيأتي، وهو حقيقة عرفية خاصة، يعني: ليس هو المعنى الذي وضع له في لسان العرب، فحينئذٍ إذا أطلق لفظ الكلمة مراداً به الجملة، أو الجمل المفيدة صار فيه تلبيس، فإذا فعله فاعل منهم أنكر عليه.
وهذا الإطلاق منكر في اصطلاح النحويين، ولذلك لا يتعرض لذكره في كتبهم بوجه من الوجوه، كما قال ابن مالك في شرح التسهيل، هو نص على هذا ﵀، قال: لا يجوز أن يطلق لفظ الكلمة عند النحاة مراداً به الجملة المفيدة، ولكنه خالف هنا في الألفية وقال:
وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلاَمٌ قَدْ يُؤَمْ:
стр. 72
هو قال: ينكر عليه، وهل ننكر عليه؟ نعم، ننكر عليه، ولذلك قال السيوطي: هذا الشطر من أمراضها التي لا دواء لها، يعني: بعض الأمور التي يمكن أن يكون فيها نوع زلل أو خلل يعتذر له، وأما هذا لا يوجد، ما في طريقة .. لأنه هو بنفسه، يعني: نحاربه أو نرد قوله بقوله، وهذا من أعظم الردود: أنه ينص على شيء في موضع، ويرى أنه منكر باتفاق النحاة، يعني: ينقل اتفاق، ثم هو يستعمله، هذه مصيبة، فقوله:
وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلاَمٌ قَدْ يُؤَمْ:
نقول: هذا ينكر عليه، لماذا؟ لأن هذا المصطلح غير مستعمل عند النحاة، والكلمة إذا أطلقت عند النحاة لها معنىً خاص .. حقيقة عرفية، كالعام عند الأصوليين والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ لها معان خاصة إذا أطلق اللفظ انصرف إليه، وهذا مثلها، إذاً: إطلاق هذا اللفظ بهذا المعنى الجمل المفيدة في كتب النحاة منكر، فإذا فعله فاعل حينئذٍ نقول: قد أخطأ، وإن كان هو الأصل في استعمال لغة العرب، وهو الحقيقة، واستعماله في القول المفرد، إن قلنا: حقيقة عرفية لا إشكال، بل لو عبر بعضهم بمجاز كما هم يقولون، نقول: هو الأصل، لماذا؟
لأنهم يقولون: استعمال لفظ الكلمة في الجمل المفيدة مجاز .. مجاز مرسل، علاقته الجزئية والكلية، يعني: أطلق الجزء مراداً به الكل: ((يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ)) [البقرة:١٩] أصابعهم! كل الأصبع أم الأنامل؟ الأنامل جزء من الأصبع، فأطلق الكل مراداً به الجزء، هنا العكس: أطلق الجزء مراداً به الكل، فإذا قيل:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... كلمة، نقول: ألا: كلمة .. كل: كلمة .. شيء: كلمة .. خلا: كلمة .. لفظ الجلالة: كلمة، كلمات، فأطلق .. أخذ هذا الجزء أطلق على الكل، إذاً: هو حقيقة أو مجاز؟ عندهم .. عند النحاة يعتبر مجازاً، مجازاً مهملاً .. مجازاً مرسلاً .. مهملاً علاقته الجزئية والكلية، وقد ذكره هنا في الألفية، فقد قيل: إنه من أمراضها التي لا دواء لها.
والكلمة اصطلاحاً عند النحاة: قول مفرد، أو اللفظ الدال على معنىً مفرد، هذا أو ذاك، والمشهور كما قال ابن هشام وغيره: قول مفرد، القول: هو اللفظ الدال على معنىً، ويشمل المفرد والمركب؛ لأن القول هذا خاص بالمستعمل، سبق معنا أن اللفظ: مهمل ومستعمل، والمستعمل هو الذي يسمى قولاً، ما العلاقة بين القول واللفظ؟ أيهما أعم؟ اللفظ أعم؛ لأنه يشمل المهمل والمستعمل، مدلوله شيئان، والقول مدلوله شيء واحد.
فكل قول لفظ ولا عكس، لماذا؟ لأن اللفظ أعم، والقول خاص بالمستعمل، قول، قلنا: يشمل المفرد ويشمل المركب؛ لأن المستعمل قسمان: مفرد كزيد، ومركب كقام زيد، الكلمة: قول مفرد، مفرد أخرج المركب، ما المراد بالمفرد؟ ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، هذا مشهور في كتب النحاة وهو غلط.
المفرد: ما دل جزؤه على جزء معناه، عفواً! العكس: ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، زيد، ما معناه؟ ذات مشخصة، زه: جزء من زيد، هل دل على شيء مما دل عليه زيد؟ لا، إذاً: هذا ماذا نسميه؟ نسميه مفرداً، هذا عند المناطقة، وتبعهم كثير من النحاة، وهذا من تداخل الاصطلاحات، من خلط اصطلاح باصطلاح، وسيأتي ما الذي ينبني عليه.
стр. 73
إذاً: الكلمة اصطلاحاً: قول مفرد، فخرج بالقول: غيره من الدوال كالخط والإشارة، وبالمفرد: وهو ما لا يدل جزؤه على جزء معناه المركب، فيصد على زيد، زاد بعضهم: قول مفرد مستقل، يعني: لا تسمى الكلمة كلمة إلا إذا كانت مستقلة، يعني: تنفصل لوحدها، وأما إذا كانت لا توجد لوحدها إلا مع غيرها فليست بكلمة، يضرب .. نضرب .. تضرب .. أضرب، كم كلمة؟ .. نضرب هذه أمثلة، نضرب كم كلمة؟ فيه قولان .. نضرب، هذه النون حرف من أحرف المضارعة، أنيت .. أضرب، إذاً: الهمزة هذه والنون ويضرب وتضرب، هذه الأحرف تسمى أحرف مضارعة، هل هي حرف مبنى أو حرف معنى؟ ما الفرق بينهما؟ حرف المبنى هو جزء الكلمة، وحرف المعنى هو كلمة بذاتها، هل يضرب وأضرب هذه الأحرف حروف معاني أو مباني؟ معاني.
إذاً: هو كلمة، هذا هو الأصل؛ لأنه قسيم للاسم والفعل، الاسم والفعل والحرف هذه أقسام للكلمة، ما حقيقة الحرف؟ ما دل على معنى في غيره، إذاً: يضرب .. أضرب دلت على معنى في غيرها، فهي حرف معنى، وليست حرف مبنى، وإذا أطلق الحرف في هذا المقام انصرف إلى حرف المعنى، ولا يدخل معنا حرف المبنى، ولذلك لن يقيده ابن مالك، قال: واسم وفعل ثم حرف، ولم يقل: حرف جاء لمعنى، أو حرف معنى، احترازاً عن حرف المبنى، هذا كثير، نقول: هذا ليس بوارد، بل التقييد في مثل هذه التراكيب لبيان الواقع لا للاحتراز.
إذاً: أضرب، هذا الحرف الهمزة نقول: هذا حرف معنى، ثم الفعل بعده فهما كلمتان، هل يضرب ونضرب النون والهمزة توجد لوحدها مستقلة دون فعل مضارع، لا توجد، هل هي كلمة؟ من اشترط الاستقلال قال: ليست بكلمة، فحينئذٍ لا بد من إخراجها، فنقول: قول مفرد مستقل احترازاً عن أحرف المضارعة، واحترازاً عن تاء التأنيث، عائش .. عائشة، نقول: هذه التاء تدل على التأنيث، أليس كذلك؟ هل هي حرف مبنى أو حرف معنى؟ حرف معنى، عائشة: كم كلمة؟ نقول: كلمتان في الأصل، قرشي، يعني: منسوب إلى قريش، هذه الياء حرف مبنى أو حرف معنى؟ حرف معنى، هل هي كلمة مستقلة أم لا؟ بناءً على الخلاف الواقع.
وبالمستقل الذي اشترطه بعضهم، وذهب إليه السيوطي في جمع الجوامع خرج به أبعاض الكلمات الدالة على معنىً كحروف المضارعة، وياء النسب، وتاء التأنيث، وألف ضرب، فليست بكلمات لعدم استقلالها، ومن أسقط هذا القيد وهو الأصح، وهو الذي ذهب إليه الرضي وغيره، ذهب إلى أن هذه الأحرف مع ما هي فيه صارت كالكلمة الواحدة، يعني: امتزجت، لشدة امتزاج المعنى صارت كالكلمة الواحدة، وهذا هو الظاهر.
стр. 74
فحينئذٍ يقال فيها: إنها كلمة، لكنها في هذا المقام لعدم استقلالها، لماذا لم تستقل؟ نقول: لامتزاجها بمدخولها، ما الدليل على أنها امتزجت بمدخولها؟ تخطي العامل لها: ((لَمْ يَلِدْ)) [الإخلاص:٣] .. لم اضرب .. لو قيل: أضرب، الهمزة هذه كلمة، وهي: مراعاة، يعني: ننظر إليها، ولها استقلال، فحينئذٍ: لمْ- أَ- .. دخل الحرف على الحرف، وهذا خلل، هل يدخل الحرف على الحرف؟ الجواب: لا، دخول الحرف علامة على الاسمية، لم أضرب، ملحظ آخر: لم، هذه تجزم، فلو جوزنا جدلاً دخول الحرف على الحرف، حينئذٍ أين ظهر أثر لم؟ في آخر: أضربْ –الباء-، لو كانت: لم داخلةً على الهمزة لظهر أثرها فيها وعليها، ولكن لما ظهر في آخر الكلمة: أضرب، دل على أن الهمزة جزء من الفعل لا ينفك عنه البتة، إذاً: تخطي العامل لهذه الأحرف أحرف المضارعة دليل على أن هذه الكلمة التي هي حرف المضارعة امتزجت بالفعل حتى صارت جزءً منه.
وهذا ما ذهب إليه الرضي، قال: من أنها مع ما هي فيه كلمتان في الأصل، صارتا واحدةً لشدة الامتزاج فجعل الإعراب على آخره كالمركب المزجي، إذاً: الأصح إسقاط لفظ: مستقم.
ولم يزد، أو نزد: دال بالوضع كما قال بعضهم: اللفظ الدال بالوضع، لماذا احتاج الدال بالوضع؟ لأنه أخذ اللفظ جنساً في حد الكلمة، وإذا أخذنا القول جنساً في حد الكلمة لا نحتاج إلى هذا الفصل؛ لأنه خرج بالجنس، فقولنا: قول، حينئذٍ اختص بماذا؟ بالموضوع الذي هو المستعمل، وإذا قيل: هي لفظ، الكلمة لفظ نحتاج إلى ماذا؟ إلى إخراج المهمل، فلا بد من فصل، فحينئذٍ صار لفظ القول جنساً قريباً في الحد، وصار اللفظ اللفظي جنساً بعيداً، واستعمال الأجناس القريبة هو المعتمد عند أرباب الفنون والحدود، دون أن يجعل اللفظ البعيد هو المأخوذ جنساً في حد الكلمة أو في حد اللفظ.
ولم نزد دالاً بالوضع مخرجاً المهمل؛ لأن من أخذ اللفظ جنساً في الحد احتاج إلى هذا القيد، ومن أخذ القول جنساً أسقط هذا القيد؛ لأن القول موضوع لمعنى، وما قيل: من أن ذكر اللفظ أولى عند بعضهم وهو أولى .. أن ذكر اللفظ أولى لإطلاق القول على غيره، كالرأي هذا ممنوع عند بعضهم، كابن هشام وغيره، ولذلك ذهب في القطر إلى أن استعمال الأجناس البعيدة مع إمكان القريبة معيب عند أهل النظر، والصواب أنه ليس معيب، وإنما هو ترك للأولى.
كالرأي ممنوع لعدم تبادره إلى الأذهان إذ هو مجاز .. استعمال القول مراداً به الرأي والاعتقاد، هذا قول الشافعي، يعني: رأي الشافعي، هذا اعتقاد .. هذا قول أهل السنة والجماعة، يعني: اعتقاد أهل السنة والجماعة، إذاً: استعمل لفظ القول في الرأي والاعتقاد، فحينئذٍ أخذه جنساً في حد الكلمة أو الكلام نقول: هذا لفظ مشترك، وإذا كان كذلك فاللفظ المشترك ممنوع في الحدود، وفي الحد جعلنا الإفراد صفة القول، وجعله ابن الحاجب وأبو حيان صفة المعنى، حيث قالوا: وضع لمعنىً مفرد.
стр. 75
قلنا: لا .. قول مفرد، مفرد هنا وصف لأي شيء؟ للقول، وذهب أبو حيان، كذلك ابن الحاج، وهو الذي ذكره ابن عقيل: أنه لفظ وضع لمعنىً مفرد، مفرد صفة لأي شيء؟ للمعنى، وأيهما أولى بالوصف: القول الذي هو اللفظ، أو المعنى بالإفراد؟ كل منهما على الصحيح يوصف بالإفراد والتركيب، اللفظ قد يكون مفرداً وقد يكون مركباً، وكذلك المعنى قد يكون مفرداً وقد يكون مركباً، إلا أن وصف اللفظ بالإفراد والتركيب أولى؛ لأن المعنى تبع له.
حيث قال: وضع لمعنىً مفرد؛ لأنه كما قال الرضي وغيره: صفته في الحقيقة وإنما يكون صفةً للمعنى بتبعية اللفظ، ولسلامته من الاعتراض بنحو الخبر، فإنه كلمة ومعناه مركب، يعني: لا يشترط في مدلول الكلمة أن يكون المعنى مفرداً، بل قد يكون مدلول الكلمة معنىً مركباً، إذا قلت: الكلام ينقسم إلى قسمين خبر وإنشاء، قد يكون مدلول اللفظ معنىً، وقد يكون مدلول اللفظ لفظاً كما ذكرناه قبل قليل، حينئذٍ إذا قلت: قام زيد، هذا خبر، خبر هذا المفرد أو لا، خبر .. كلمة: خبر مفرد أو لا؟ قولوا: مفرد، مدلوله مفرد أو مركب؟ مركب؛ لأن قام زيد هو مدلول لفظ الخبر، فدل على أن معنى الكلمة أو ما يصدق عليه الكلمة قد يكون مفرداً وقد يكون مركباً، فإذا أخذنا المفرد وصفاً للمعنى، حينئذٍ خرج المعنى المركب.
وضرب، كلمة أو لا؟ كلمة، مدلوله مفرد أو مركب، الفعل يدل على أي شيء؟ على شيئين: حدث وزمن، إذاً: معناه مركب أو لا؟ معناه مركب.
ولسلامته من الاعتراض بنحو الخبر فإنه كلمة، ومعناه مركب، وهو زيد قائم مثلاً، ونحو ضرب فإنه كلمة، ومعناه مركب من الحدث والزمان، إذاً: واحده: كلمة، نقول: المراد بالكلمة هنا: القول المفرد، وسبق أن تعريف المفرد عن النحاة: هو ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، وهذا غلط، لا نقول: خلاف الأولى، ولا نقول: قابل للتأويل، نقول: هذا غلط ليس بصواب، كيف غلط وابن هشام في كتبه كلها يقول: المفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه؟!
نقول: تسليمهم بهذا التعريف لزم منه محذور، وهو المركب الإضافي علماً، عبد الله مركب إضافي، أليس كذلك؟ إذا أريد به الوصف تقول: هذا عبد الله، يعني: يعبد الله تعالى، هذا لا إشكال فيه عندهم أنه مركب، لكن لما نقل وجعل علماً صار مسماه شيئاً واحداً، فمدلول عبد الله علم المدلول زيد، مدلول زيد نفسه ذات مشخصة، كما قلنا هناك: زيد لا يدل جزؤه على جزء معناه: زه .. يه .. ده، لا يدل واحد من هذه الأجزاء على جزء المعنى الذي دل عليه اللفظ كله، وهو زيد.
عبد الله صار مثله، لا يدل جزؤه على جزء معناه، فعبد لا يدل شيء البتة، ولفظ الجلالة لا يدل على شيء البتة، فعبد هذه كالزاي من زيد مثلها، هذا مسلم عند المناطقة أو لا؟ مسلم عند المناطقة، لكن عند النحاة غير مسلم، بل عبد الله علماً، نقول: هذا مركب.
следующие страницы →