Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ـ[شرح ألفية ابن مالك]ـ
المؤلف: أحمد بن عمر الحازمي
مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشيخ الحازمي
http://alhazme.net
[ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١٣٨ درسا]
стр. 2
عناصر الدرس
* شرح مقدمة الناظم
* التعريف بالناظم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَه إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.
مستعدون أو ... المشوار طويل؟ ولا نريد نركض حتى لا نتعب، لا يفهم البعض أن الدورة معناها بسرعة بسرعة لا! الدرس كما هو إن شاء الله، لكن هو زيادة وقت وإطالة بحسب ما يسمح به الوقت، ما دام ثلاثة أوقات فما يحتاج إلى شرح يشرح كما هو، وما هو قابل للاختصار يختصر، وما فيه شحذ للأذهان حينئذٍ يذكر على جهة الفائدة، وهذه الأذهان فأمر معقول قريب من الذهن، وأما الأمور البعيدة والشذوذات والتكلفات هذه الأصل البعد عنها، سواء كان في النحو أو في غيرها، لكن ثمة أمور وخاصة بعلل النحو لها مردها في فهم العربية، وما أتقنها طالب هي التي ما يتعلق بالنحو وما يتعلق بالصرف إلا ويتأكد ويترجح، ويكاد أن يجزم بأن اللغة توقيفية على أصح قولي أو أقوال أهل العلم الأصوليين وأهل اللغة:
توقيفٌ اللغاتُ عند الأكثرِ ... ومنهم ابن فورك والأشعري
توقيف اللغات: اللغات توقيفية، كلها توقيفية سواء كانت العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية، أو غيرها كلها توقيف، بمعنى: أن الله علمها آدم ﵇: ((وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا)) [البقرة:٣ ١] .
واللغة الرب لها قد وضعها
هذه العلل تفيد ماذا؟ تفيد التأكيد على هذا القول، وهذا حق، من مارس علل النحو والصرف ونظر في ما تكلم به أهل البيان يجد أن هذه اللغة محكمة، لها أول ولها آخر ولها ظاهر ولها باطن، ولها أصول مطردة، هذه الأصول المطردة بعضها قد ينكشف بشاذ لا يكاد يذكر ولا ينطق في لسان العرب.
لكن يقولون: الأصول المهجورة هذه تكشف الأصول المطردة، قاعدة عن الصرفيين: الأصول المهجورة الشاذة:
فإنه أهْلٌ لأنْ يُؤَكْرَمَا
يكرم هذا الأصل، لما قال الشاعر:
فإنه أهْلٌ لأنْ يُؤَكْرَمَا.
لأن أصله: أكرم، هذا الأصل، فعل ماضي، فتدخل عليه ياء وهمزة ونون وتاء فاعل، حرف المضارعة، فالأصل: أأكرم: (أُو أَ) الهمزة الأولى همزة مضارع .. المتكلم، أأكرم هذا الأصل، كما تقول: ضرب .. أضرب أضرب يدخل على الثلاثي، أكرم رباعي .. فالأصل: أأكرم، لكن نحن نقول: أكرم ونكرم ويكرم.
هذا الحكم مطرد أو لا؟ مطرد في كل رباعي مفتتح بهمزة الاستفهام، تحذف هذه الهمزة من باب التخفيف؛ لئلا يجتمع عندنا مثلان أأكرم، هذا فيه ثقل، ثم حذفت مع الياء والتاء والنون طرداً للباب، هذا نقول:
فإنه أهْلٌ لأنْ يُؤَكْرَمَا: أصل مهجور، هو الأصل، أليس كذلك؟ لكنه مهجور، كشف لنا أصلاً مطرداً وهو: يُكرمُ، ونُكرِمُ، وتُكرمُ، وأُكرم.
стр. 3
هذا يدل على أن اللغة محكمة، ينطق الله بعض أرباب اللسان الفصيح العربي بكلمة تكشف للنحاة والصرفيين كثير من الأصول عندهم، ولذلك يفرحون بمثل هذه الشذوذات؛ لأنها تفسر لهم بعض الأحكام المطردة عندهم.
فأقول: ما سنجري عليه إن شاء الله تعالى لا يفهم أنه دورة، نمشي عقارب الساعة تطاردنا هيا هيا؟! لا، رويداً رويداً، سنمشي قليلاً قليلاً، ومن حيث الشرح .. فك العبارات، والنظر في كلام الناظم رحمه الله تعالى، وكما ذكرنا ما يحتاج إلى إعراب أعربناه، وما لا يحتاج تركناه إحالة عليك أنت .. أنت الذي تقرأ، وأنت الذي تفهم، وأنت الذي تحفظ، وأنت الذي تراجع لست أنا، أنا حفظت وذاكرت وبقي ما بقي، وضاع ما ضاع، والله المستعان.
لكن أنت الذي الآن تؤصل نفسك فتذاكر وتحفظ وتعرب لا بد من الإعراب، ولذلك لو حاول بعضكم أن يجعل ولو بالمذاكرة أن يجعل تمرين الطلاب للأزهري .. خالد الأزهري محلاً للمذاكرة والمدارسة، أظنه ما يخرج من هذه الألفية إلا وقد أتقن أصول النحو كلها عن بكرة أبيها.
وأكاد أجزم ومن يتحدى فليفعل، يجلس مع صاحبه فيفتح الكتاب ثم يعرب كلمةً كلمة، وجرى خالد الأزهري في تمرين الطلاب على أنه قد يذكر بعض الفوائد، وهذه مفيدة جداً، يعني: الإعراب قد يكون محيي الدين يعرب، لكنه قد لا يؤصلك، بمعنى: أنه لا يذكر قاعدة إلا على جهة اليسير جداً، يذكر أن هذا مخالف لأصل كذا، وأن هذا لو أعرب بدل .. البدل من بدل ممنوع عند الجماهير من النحاة، هذا قليل.
لكن الأزهري يكثر من هذه التعليلات، إذاً: كما ذكرت أنه لا بد من تشمير الليلة ونستعين الله ونطلبه العون، وأن يبارك بالوقت، وفي الفهم والحفظ، فالكتاب طويل والوقت قصير، ولا نقول: عقارب الساعة تطاردنا!
طيب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
قال الناظم المصنف الإمام محمد بن مالك رحمه الله تعالى .. جمال الدين بن عبد الله بن مالك الطائي نسباً، الشافعي مذهباً، الجيّاني منشئاً، الأندلسي إقليماً، الدمشقي داراً ووفاًة، قال رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحِيمِ:
قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ
مُصَلِّياً عَلَى النَّبيِّ الْمُصْطفَى
وَأَسْتعِينُ اللهَ فِي ألْفِيَّهْ ...
تُقَرِّبُ الأقْصى بِلَفْظٍ مُوجَزِ ...
وَتَقْتَضي رِضاً بِغَيرِ سُخْطِ
وَهْوَ بِسَبْقٍ حَائِزٌ تَفْضِيلاَ
واللهُ يَقْضِي بِهِبَاتٍ وَافِرَهْ ... أَحْمَدُ رَبِّي اللهَ خَيْرَ مَالِكِ
وآلِهِ المُسْتكْمِلِينَ الشَّرَفَا
مَقَاصِدُ النَّحْوِ بِهَا مَحْوِيَّهْ
وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزِ
فَائِقَةً ألْفِيَّةَ ابْنِ مُعْطِي
مُسْتَوْجِبٌ ثَنَائِيَ الْجَمِيلا
لِي وَلَهُ في دَرَجَاتِ الآخِرَهْ
قال رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحِيمِ:
بدأ نظمه بالبسملة، وهذه .. أو ذكر البسملة في الشعر إذا كان علماً ومشتملاً على الآداب الشرعية متفق على حله وإباحته، فهو جائز بالإجماع، وهذا لا نزاع فيه بين أهل العلم، وإنما وقع النزاع فيما إذا كان الشعر محرماً أو مكروهاً أو مباحاً.
стр. 4
والصحيح: أنه إذا كان محرماً أو مكروهاً فحكمه حكم الشعر، بمعنى: أنه يكره مع المكروه ويحرم مع المحرم.
وأما المباح فالأصل الإباحة، حينئذٍ نقول: المسألة فيها تفصيل: هل يجوز أن يفتتح الشعر بالبسملة؟ نقول: ما كان من العلم والآداب الشرعية فهو متفق على حله وإباحته، وأما ما ورد عن الشعبي من المنع والزهري، حيث قال ﵀: مضت السنة ألا يكتب أمام الشعر بسم الله الرحمن الرحيم، هذا محمول على الشعر الذي يكون محرماً أو مكروهاً أو فيه نوع غزل ونحو ذلك.
فأما هذه المنظومات فهذه جرى أهل العلم على أنها مما يندب أن تفتتح بالبسملة، ولكن الأولى ألا تجعل نظماً .. ألا تدخل في النظم، كما قال الشاطبي:
بدأت ببسم الله في النظم أولاً ..
قالوا: هذا خلاف الأولى، وبعضهم صرح بأنه مكروه، وأما جعلها مستقلًة تكتب في وسط السطر فهذا أمر مندوب فيما إذا كان من العلوم الشرعية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الكلام في البسملة يطول ذكره، وقد مضى معنا كثير من ذلك، الأحكام المتعلقة بها، وأهم ما يذكر: أنه افتتح بالبسملة أو افتتح نظمه بالبسملة اقتداًء بالكتاب العزيز، حيث بدأ الله تعالى القرآن كتاب بقوله: ((بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) إلى آخر السورة [الفاتحة: ١ - ٢].
وكذلك فعل النبي ﷺ ، فأقول: فعل النبي، ولا أقول: السنة قولية لضعفها، وأما حديث: ﴿كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر ـ أو قال ـ: أجذم﴾ أو نحو ذلك، نقول: هذا الحديث لا تثبت به الحجة، فهو ضعيف، والضعيف لا يحتج به لا في الأحكام ولا في فضائل الأعمال.
والحجة فيه: السنة الفعلية، حيث كان النبي ﷺ يكتب إلى عماله، أو يكتب إلى الملوك والرسائل، ونحو ذلك بالبسملة، فجاء في صحيح البخاري: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحِيمِ، من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم﴾ فدل على أن هذا من الأمور المستحبة فعلها، إذا كتب كتاباً أو درس أو علم أو تكلم بكلام مهم يلتفت إليه أن يأتي بالبسملة: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحِيمِ.
والبسملة هذا اللفظ، هكذا: البسملةُ، هذا مصدر مولد، مصدرٌ مولد أو نقول: من قبيل .. ليس مصدراً مولداً، بل هو مصدر قياسي، مصدر قياسي لبسمل يبسمل بسملة، بسملة: هذا مصدر قياسي؛ لأن فعلل يأتي في اللغة مصدره قياساً على: فعللة .. دحرج يدحرج دحرجةً، دحرج: هذا فعل ماضي، يدحرج: هذا المضارع، دحرجةً: هذا القياس.
بسمل يبسملُ بسملًة، نقول: بسملةً: هذا مصدر قياسي، مصدر قياسي للفعل الماضي الرباعي: بسمل.
ويرد السؤال في: بسمل هذا منحوت، بمعنى: أنه اختصر من كلمات، كما يقال: حولق .. حوقل، هذا اختصار لـ: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهلل .. هيلل، لـ: لا إله إلا الله، وسمعل: السلام عليكم، نقول: هذا كله يعتبر من النحت.
стр. 5
وهذا النحت على قسمين في لسان العرب، منه ما هو قياسي، ومنه ما هو سماعي، وهل: بسمل هذا، من السماعي أو القياس؟ فيه خلاف والصواب أنه من السماعي، يعني: مسموع وليس بمولد، كا: الفذلكة، والبلكفة، والكذلكة، هذه كلها من قبيل النحت، لكنها مولدة، يعني: مصنوعة صنعها المتأخرون، لم ينطق بها من يحتج بلسانه.
وأما: بسمل، الصواب أنه سمع ..
لقد بَسْملَتْ ليلَى غَداةَ لَقِيتُها ... فيا حَبَّذا ذَاك الحديثُ المُبَسْمَلُ
لقد بسملت ليلى، هكذا قال ابن أبي ربيعة، فدل على أنه قياسي وليس بسماعي.
وبسمل: من حيث الإفراد .. مفرداتها، ومن حيث المعاني، قلنا: ذكرنا شيئاً مما سبق، لكن نقول: بسم الله: هذا جار ومجرور متعلق بمحذوف الأصح أنه يقدر فعلاً مؤخراً خاصاً، فعلاً: لأن الأصل في العمل للأفعال، ولأن الشرع جاء بذلك مصرحاً به: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)) [العلق:١] اقرأ باسم، باسم: جار ومجرود متعلق بقوله: اقرأ، وجاء في النص: حديث ﴿باسمك ربي وضعت جنبي﴾ وضعت .. باسمك: هذا جار ومجرور متعلق بقوله: وضعت، وهو فعل، فدل على أن الأصل في متعلق البسملة أن يكون فعلاً، خاصاً: لأنه أدل على المقام؛ لأن من بسمل لشيء لا بد وأنه يضمر في نفسه ما جعل البسملة مبدأً له، هذا أولى من أن يقدر فعلاً عاماً أو اسماً عاماً؛ لأنه إذا قال: بسم الله أؤلف .. بسم الله أشرب .. أنام .. آكل .. بسم الله إلى آخره نقول هذا: أدل على المراد من الفعل العام.
أما: بسم الله أبدأ، أو ابتدائي، أبدأ ماذا؟ هذا لفظ عام لا يفهم منه الحدث الخاص، حينئذٍ إذا أضمر في نفسه حدثاً خاصاً، نقول: قدر في نفسه ونوى في نفسه ما جعل البسملة مبدأً له، وهذا أصح من حيث المعنى.
ثالثاً: مؤخراً لماذا؟ لفائدتين:
أولاً: الاهتمام باسم الله تعالى، ألا يتقدم عليه شيء، بسم الله أؤلف .. أنظم.
والفائدة الثانية: إفادة القصر والحصر، والقصر والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عدى.
باسم الله لا باسم غيره، أستعين: الباء هنا للاستعانة، أو للمصاحبة على وجه التبرك.
باسم الله لا باسم غيره: مثل قوله: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) [الفاتحة:٥] إياك نعبد: نعبدك، هذا الأصل، فأريد الحصر والقصر فانفصل الضمير فقدم، فصار المعنى: لا نعبد إلا إياك، وإياك نستعين: لا نستعين إلا بك، فتقديم ما حقه التأخير يفيد القصر والحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عدى.
لهذه الأمور الثلاثة نقدره على الأصح فعل لا اسم .. مؤخر لا مقدم، خاص لا عام، لهذه العلل التي ذكرناها.
وأما قوله تعالى: ((اقْرَأْ بِاسْمِ)) [العلق:١] هذا جاء مقدماً هنا، أليس كذلك؟ نحن نحتج بالآية على أن المتعلق يكون فعلاً، وهنا جاء مقدماً في الآية.
نقول: هنا المراد الاهتمام بالقراءة لأن لها شأن يختص به المقام، فإذا قدم المعمول أو المتعلق .. إذا قدم المتعلق لفائدة ترجى من التقديم لا بأس، وأما الأصل فالتأخير،
وَقَدْ يُفيدُ فِي الجَمِيعِ الاِهتِمَامْ ...
تَقديرُ مَا عُلِّقَ بِاسْمِ اللهِ بِهْ
تَقدِيمُهُ فِي سُورِةِ اقْرأْ فَهُنَا ... بِهِ وَمِنْ ثَمَّ الصَّوابُ فِي المقَامْ
مُؤَخَّراً فَإِنْ يَرِدْ بِسَبَبِهْ
стр. 6
كَان القِراءةُ الأَهمَّ المُعْتَنَى
إذاً: لما كانت القراءة هي أهم وهو المراد من إرسال الوحي، أنزال جبريل ﵇ للنبي ﷺ حينئذٍ بدأ بالفعل، باسم: عرفنا أنه جار ومجرود متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف فعل، وهو مؤخر وخاص.
بِاسْمِ: اسم هذا له معنىً لغوي، وله معنىً اصطلاحي، والمعنى الاصطلاحي سيأتينا، والمراد به من حيث اللغة: ما دل على مسماه، كل ما دل على مسمى فهو اسم، فيشمل الأفعال الاصطلاحية والحروف الاصطلاحية عند النحاة، فلذلك قوله : ((وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ)) [البقرة:٣١] الأسماء ليست هذه الأسماء الاصطلاحية، وإنما الأسماء اللغوية، الشاملة للأفعال الاصطلاحية والحروف الاصطلاحية، فقام وجاء وضرب ويضرب واضرب، هذه كلها أسماء لأنها دلت على مسماها، كذلك: إلى ومن وثم وهل وبل، هذه كلها أسماء، وإنما باعتبار خاص عند النحاة جعلت مقابلة للأسماء وقسيماً لها.
إذاً، باسم: نقول: الاسم هنا المراد به ما دل على مسماه، وهو مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه، وهو مشتق على الصحيح، وأصله: الإله، الإله فِعال بمعنى: مفعول، ولذلك نقول: آلله .. لا إله إلا الله: لا إله: لا معبود بحق إلا الله، فنفسر الإله بمعنى: معبود.
إله: هو أصل لفظ الجلالة: الله، هو أصله ولذلك نقول: هو مشتق، لماذا هو مشتق؟ لأنه دل على صفة، وأسماء الله كلها دالة على صفات، ولذلك قال سبحانه: ((وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)) [الأعراف:١٨٠] أي: البالغة في الحسن غايتها، بهذه الآية نرد على من قال بأن الله جامد ولا يدل على صفة، نقول: هذا المعنى فاسد، أو هذا القول باطل، لماذا؟ لأن الله تعالى عمَّ فقال: ((وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)) [الأعراف:١٨٠] الأسماء: جمع دخلت عليه أل، يفيد العموم، إذاً: الله علم أم لا؟ نقول: علم، إذاً: دخل أو لا؟ دخل، يصدق عليه أن له الغاية في إثبات المعنى .. معنى الكمال له: ((وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)) [الأعراف:١٨٠] أي: التي بلغت في الحسن غايتها.
وهذا إنما مرده إلى اللفظ أو إلى المعنى؟ إلى المعنى لا شك، أما اللفظ في نفسه فلا يوصف بذلك، وإنما الذي يوصف هو المعنى، فقول من يقول بأنه جامد، يدل على ذات فحسب، نقول: هذا قول فاسد.
وقوله سبحانه: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ)) [الأنعام:٣] في السماوات: جار ومجرور متعلق بقوله: الله، ولا يتعلق الجار والمجرور إلا بمشتق أو ما فيه رائحة الاشتقاق، يعني: بفعل أو ما فيه رائحة الفعل.
وهذه الآية يفسرها قوله تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ)) [الزخرف:٨٤] فدل على أن الله المراد به الإله، حذفت الهمزة تخفيفاً، ثم اجتمع عندنا مثلان: اللام الساكنة الأولى، والثانية متحركة فوجب الإدغام فقيل: الله، ثم فخم بعد الضم وبعد الفتح تفخيماً:
وفخِّمِ اللاَّمَ منِ اسمِ اللهِ ... عَن فتحٍ او ضَمٍّ كَعبدُ اللهِ
وبعد الكسر ترقق هذا مذهب الجمهور، أن ثم تفصيلاً، فقيل: ترقق مطلقاً، وقيل: تفخم مطلقاً، والصواب: التفصيل: أن اللام هذه تفخم بعد الضم وبعد الفتح، وأما بعد الكسر فترقق، قال ابن الجزري:
стр. 7
وفخم اللام من اسم الله عن فتح عن .. بمعنى: بعد، عن فتح أو ضم كعبد الله.
إذاً: أصل الله: الإله، معناه كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.
حاصل أن الذي ينبغي أن يعلم: أن لفظ الجلالة: الله، علم مشتق على الصحيح، بل ابن القيم رحمه الله تعالى أنكر صحة نسبة قول بالجمود لسيبويه، قال: بل سيبويه يرى أنه مشتق، وأن أصحابه أو بعضهم قد غلطوا عليه.
الله: أي المعبود.
الرحمن الرحيم .. باسم: قلنا: اسم هذا مضاف ولفظ الله الجلالة مضاف إليه، وهنا الإضافة من إضافة الاسم إلى المسمى، حينئذٍ تكون بيانية، فتفيد العموم، باسم: باسم الله، أي: بكل اسم هو لله ، فحينئذٍ فيه نوع تعلق قلب بالله ، وهو أن الباء هذه للاستعانة، أو المصاحبة على وجه التبرك، حينئذٍ إذا استحضر في قلبه أنه مستعين بكل اسم هو لله زاده يقيناً وتعلقاً بربه.
الرحمن الرحيم: اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، إلا أن الرحمن أكثر مبالغةً من الرحيم؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، رحمن: على خمسة أحرف، ورحيم: على أربعة أحرف، وزيادة المبنى حروف مادة جوهر الكلمة تدل على زيادة المعنى غالباً، احترازاً من حذرٍ وحاذر.
الرحمن الرحيم، الرحمن: من جهة المعنى عام، ومن جهة اللفظ والإطلاق خاص، والرحيم: من جهة اللفظ عام، ومن جهة المعنى خاص، فبينهما عموم وخصوص.
الرحمن: عام المعنى، من حيث إن الرحمة تشمل الكافر والمؤمن، بل حتى البهائم، ومن حيث اللفظ لا يجوز إطلاقه إلا على الله ، فهو خاص بالرب جل وعلا، والرحيم: هذا من حيث المعنى خاص بالمؤمنين: ((وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً)) [الأحزاب:٤٣] قدم ما حقه التأخير فأفاد القصر والحصر، أي: بالمؤمنين لا بغيرهم، فدل على أن رحيم: لا يتعلق برحمة الكافرين، بخلاف الرحمن.
أما من حيث اللفظ فهذا عام، قل: جاء زيد الرحيم، جاء: فعل ماضي، وزيد: فاعل، والرحيم: نعت، إذاً: وصف به المخلوق، فليس خاصاً من حيث اللفظ، فالاشتراك في اللفظ لا في المعنى، الاشتراك في اللفظ، هذا يتعلق بقاعدة الأسماء والصفات: أن اللفظ إذا كان مطابقاً للفظ أطلق على الرب جلا وعلا حينئذٍ الاشتراك في القدر المشترك من حيث الجنس، وأما من حيث اللفظ فاللفظ هو هو، وأما من حيث المعنى، حينئذٍ إذا أطلق دون إضافة إلى الرب جل وعلا أو إضافة إلى المخلوق حينئذٍ اشتركا في الجنس، أو القدر المشترك، ثم إذا أضيف إلى الرب انفصل المعنى، وإذا أضيف إلى المخلوق انفصل المعنى، كما قرره ابن تيمية في التدمُرية.
إذاً: بسم الله الرحمن الرحيم، باسم الله الرحمن: رحمن من حيث السنة المتبعة، تجر: رحمنِ، على أنه نعت للفظ الجلالة، وأعربه بعضهم: بدل، بناءً على أن الرحمن هل هو علم أو كالعلم؟ مسألة خلافية عند النحاة، جاء استعمال الرحمن مستقلاً أضيفت إليه الأوصاف، فقال: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) [طه:٥] إذاً: هذا صار علماً، ((الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ)) [الرحمن: ٤ - ٢] صار علماً.
стр. 8
ثم جاء بلفظ الرحمن في ظاهره صفةً لغيره: بسم اللهِ الرحمنِ، هل هو علم؟ فحينئذٍ لا يجوز أن ينعت به، سيأتي معنا في القاعدة: أن من المعارف ما ما تنعت .. هي تنعت، لكن لا ينعت بها، كالعلم، فالعلم تقول: جاء زيد الكريم، زيد: علم فاعل، الكريم: نعته، إذاً: نعت، لكن هل يصح أن تقول: جاء الكريم زيد، وتجعل زيد نعتاً للكريم؟ لا، لا يجوز هذا عند النحاة، حينئذٍ إذا كان علماً كيف نقول هنا: الله: مضاف إليه، والرحمن: هذا نعتٌ وهو علمٌ؟ فحينئذٍ أشكل على بعضهم فقالوا: إذاً هو ليس بعلم، بل هو كالعلم؛ لأنه وقع نعتاً لغيره.
والصحيح أن يقال: إن أعلام الرب جل وعلا أعلام وأوصاف، جمعت بين أمرين، بخلاف أعلام المخلوقين، فإذا قيل: صالح، لا يلزم منه أن يكون اللفظ دالاً على مسماه، وأن يكون المسمى الذي هو الشخص ذاته متصفاً بمعنى الصلاح، هذا ليس في حق البشر إلا النبي ﷺ مختلف فيه، هل أعلامه مشتقة دالة على معان اتصفت بها الذات أم لا؟ أما الرب جل وعلا فهذا محل وفاق عند أهل السنة، أن أعلام الرب جلا وعلا: أعلام وأوصاف، فمن حيث هي أعلام حينئذٍ نقول: لا ينعت بها، ومن حيث هي أوصاف صح النعت بها، فإذا وقعت نعتاً كما في الجزء الذي معنا: باسم الله ِالرحمنِ، هذه نعت، كيف صح أن يقع الرحمن نعت وهو علم لله ؟ والقاعدة: أن الأعلام لا ينعت بها؟
نقول: لم ينعت به من حيث إنه علم، وإنما نعت به من حيث إنه وصف، والشيء إذا كان له اعتباران يجوز إعمال أحد الاعتبارين دون نظرٍ للآخر، الشيء إذا كان له عدة اعتبارات اعتباران فأكثر حينئذٍ يجوز أن يراعى أحد هذه الاعتبارات بغض النظر أو قطع النظر عن الاعتبار الآخر.
فالرحمن هنا: إذا أورد بأنه علم فكيف نعت به؟ نقول: لا ينعت بالأعلام مطلقاً في أعلام المخلوقين؛ لأنها لا تتضمن أوصافاً، وأما أعلام الرب جل وعلا فهي أعلام وأوصاف، فمن حيث إنه علم لا ينعت به، ومن حيث إنه وصف يصح النعت به وهنا كذلك، فالرحمن هنا: نعت، بعضهم يعربه: بدل، ولا يصح عنده أن يعربه نعتاً بناًء على هذا الخلاف، فليس الرحمن عنده علم، وإنما هو بدل، يعربه: بدل.
نقول: هذا ليس بصواب، فلا تعارض بين العلمية والوصفية في حق الله .
لا تعارض بين العلمية والوصفية في حق الرب جلا وعلا.
الرحيم: هذا نعت بعد نعت، يعني: جُرَّ الرحمن وجُرَّ الرحيم، وهذه سنة متبعة، ويجوز فيه تسعة أوجه قل ما شئت إلا حالتين:
إذا رفعت أو نصبت الأول الرحمن حينئذٍ لا يجوز لك جر الرحيم:
إن ينصب الرحمن أو يرتفعا ... فالجر في الرحيم قطعاً مُنعا
الرحمنُ .. الرحمنَ، الرحيمُ .. الرحيمَ يجوز، إن رفعته فهو خبر لمبتدأ محذوف، وإن نصبته فهو مفعول به لفعل محذوف تقديره: أمدح، وهذا واجب الحذف كما سيأتي في باب النعت.
إذاً: بسم الله الرحمنِ الرحيمِ .. بسم الله الرحمنُ الرحيمُ .. بسم الله الرحمنَ الرحيمَ .. بسم الله الرحمنِ الرحيمُ .. بسم الله الرحمنِ الرحيمَ .. يجوز، لكن وجهان لا يجوز، وهو: ما هو؟ إذا رفع الرحمن أو نصب حينئذٍ لا يصح جر الرحيم:
إن ينصب الرحمن أو يرتفعا ... فالجر في الرحيم قطعاً مُنعا
стр. 9
لأنه إذا قطع عن التبعية لما قبله لا يصح الرجعة بعدها، أنت قطعت فكيف ترجع؟ إذا قلت: بسم الله الرحمنُ: خبر المبتدأ المحذوف، ثم تقول: الرحيمِ على أنه نعت للفظ الجلالة، قالوا: هذا فيه نكارة؛ فلذلك منعوه، ولعدم السماع هذا الأصل .. الأصل فيه الاحتجاج في اللغة السماع وعدمه، فما سمع على جهة الطرد والعموم حينئذٍ صح أن يجعل قاعدة، وما سمع مخالفاً لهذه القواعد المطردة حينئذٍ يحكم عليه بأنه شاذ عند البصريين، ويجعل جوازاً عند الكوفيين، وما لم يسمع حينئذٍ يرد أو ترد مسألة: هل تثبت اللغة بالقياس أو لا؟ فمنهم من منع ومنهم من جوز.
قال رحمه الله تعالى:
قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ ... أَحْمَدُ رَبِّي اللهَ خَيْرَ مَالِكِ
قَالَ: هذا فعل ماضي .. فعل ماضي من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى: فهو مضارع، لماذا؟ لأن العرب جرت أنها قد تستعمل الماضي بمعنى المستقبل، والمستقبل هذا شأن وحق الفعل المضارع: ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)) [النحل:١] أتى: فعل ماضي، وأمر: هذا فاعل، ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)) [النحل:١] قيام الساعة، هل أتت؟ الجواب: لا، لماذا استعمل هنا الماضي موضع المضارع؟
أولاً: ما الدليل من هذه الآية على أنه استعمل الماضي موقع أوموضع المضارع، قوله تعالى: ((فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)) [النحل:١] أتى: فعل ماضي، هذا الأصل، والفعل الماضي يدل على حدث وقع وانقطع في الزمن الذي مضى، حينئذٍ قوله: ((فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)) [النحل:١] لشيء مضى أو لشيء مستقبل؟ الثاني، فدل على أن أتى هذا فعل ماضٍ لفظاً، مضارع أو مستقبل معنى.
ولذلك سيأتي أن الفعل الماضي ثلاثة أنواع:
١ - ماٍضٍ لفظاً ومعنىً، مثل: قام زيد أمس، قام: فعل ماضي، في اللفظ والمعنى؟ نقول: نعم، في اللفظ والمعنى، ما الذي أكد لنا أن المعنى هنا مراد به الماضي؟ قوله: أمس، هذا مقطوع به، قد يستعمل الفعل الماضي فيكون لفظاً ماضياً، ومن حيث المعنى مستقبلاً، وهو الذي معنا الآن، قال: أي: يقول، أو سيقول، ومنه: ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)) [النحل:١] .. ((فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ)) [النمل:٨٧] .. ((وَنُفِخَ فِي الصُّورِ)) [الكهف:٩٩] نفخ في الصور؟ ما نفخ بعد.
إذاً: عبر بالماضي هنا مراداً به الاستقبال:
ومنه ماض عن مضارع وضع ... لكونه محققاً نحو فزع
الفائدة أنه إذا عبر بالماضي عن المستقبل: النفس لا تؤمن بالمستقبل كإيمانها بما وقع وحدث، أليس كذلك؟ بلى، لا تؤمن ولا تصدق ولا تجزم بحدث سيقع، إذا قال لك: أعطيتك درهماً، هل هو مثل: سأعطيك درهماً؟ سأعطيك بالمستقبل، قد يكون بالكلام ولا يكون فعلاً بالفعل، حينئذٍ ليس ثم اتصال بين المستقبل والماضي، إذا أريد تحقق وقوع المستقبل كأنه مشاهد وقد وقع وحصل حينئذٍ يعبر عن ذلك المعنى بالفعل الماضي: ((فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ)) [النمل:٨٧] ففزع ونفخ، لماذا عُبِّرَ في هذه الآيات بالفعل الماضي؟ نقول: من أجل أن يكون الإيمان بها يقيناً كأنه مدرك بالحس المشاهد، فلا يكون عندك ارتياب وتردد فيما سيقع من هذه الغيبيات كأنه مشاهد وقد وقع وانقضى وانتهى، هذا أخذناه من أين؟ من اللغة العربية.
стр. 10
إذاً: تعين كما ذكرنا اليوم أن أشد وأمكن ما يعين على فهم القرآن هو التمعن والتمكن من لسان العرب:
ومنه ماض عن مضارع وضع ... لكونه محققاً نحو فزع
((فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ)) [النمل:٨٧].
إذاً: قَالَ: المراد به هنا: ماضٍ لفظاً، والمراد به الاستقبال، فوضع الماضي في موضع المستقبل وارد في كلام العرب على سبيل المجاز سواء عبرت عنه: مجاز، أو قلت: حقيقة ونحو ذلك، إذا كنت لا ترى المجاز الأمر واسع، لكن الأسلوب موجود في لسان العرب، وهو إطلاق الماضي مراداً به المستقبل، سميته مجازاً أو لا، نقول: النتيجة واحدة.
على سبيل المجاز، وقرينة هذا المجاز هنا تقدم الخطبة على المقصود، بدليل: قوله: وأستعين الله .. قال محمد في الماضي انتهى قال، انتهى قوله كله، لكنه قال: وأستعين الله، أستعين: هذا فعل مضارع يدل على أن الاستعانة تكون لما سيستقبل لا لشيء مضى وانقطع، فأوقع الماضي موقع المستقبل تنزيلاً لمقوله منزلة ما حصل، كما ذكرناه سابقاً:
إما لحصول مقوله ذهناً، أو لتحقق حصوله خارجاً عنده، يعني: في قوة الموجود، إما لكونه موجوداً بالفعل، وإما لكونه في قوة الموجود.
قَالَ محُمدٌ: هذا اسم الناظم رحمه الله تعالى، وهو علم منقول، لكنه ليس له معنىً، لما أطلق عليه، وهو مخلوق وليس بنبي، حينئذٍ نقول: المعنى غير مراد هنا؛ لأن أعلام البشر ليست لها معاني .. لا تدل على معنى، قد يقال: محمد ومحمود وعبدالله وهو عبد للهوى، ويقال: صالح ونحو ذلك، وفائز وليس بفائز بل هو خاسر، نقول: هذه ألفاظ لها معاني، معانيها التي اشتقت منها في لسان العرب هل هي موجودة في المسمى؟ الجواب: لا، لا نجزم بهذا، قد يكون وقد لا يكون.
أما النبي ﷺ فهذا ابن القيم رحمه الله تعالى يرجح أنها تدل على معاني في الموصوف، ونقل أنه قول الجمهور.
قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ: هو ابن مالك، يعني: الإمام العلامة أبو عبدِالله جمال الدين بن عبد الله بن مالك، رحمه الله تعالى.
هُوَ ابْنُ مَالِكِ، هو: هذا ضمير فصل للمفرد مبني على الضم في محل رفع مبتدأ، وابن: هذا خبره، وهو مضاف، ومالك مضاف إليه.
هل ابن نعت في الأصل لمحمد ثم قطعه، أم أنها جملة معترضة ابتداءً؟ قال محمد هو ابن مالك، هذا محل خلاف بين الشراح، هل قوله: هو ابن مالك: جملة معترضة ابتداءً أم أن الأصل: قال محمد ابن مالك، ثم قطعه؟ لأن الإتباع كما ذكرناه في البسملة: بسم الله الرحمن: هذا إتباع، أليس كذلك؟ إتباع نعت له، والنعت يأخذ حكم المنعوت.
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنُ .. قطعناه، لم يصر نعتاً لما قبله، فحينئذٍ نقول: الرحمنُ، هذا خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو الرحمن، هذه الجملة ليست متصلة بما قبلها من حيث الإعراب في الظاهر، حينئذٍ نقول: قطع النعت، فإذا قيل: أتبع النعت بمعنى: أنه حكم عليه بحكم المنعوت جره أو نصبه أو رفعه، وإذا قطعه حينئذٍ نقول: فصله، هل قوله: ابن، في الأصل نعتاً لمحمد ثم فصله؟ هذا محل النزاع؛ لأنه إذا قيل بأنه نعت له ثم قطعه يرد إشكال، وهو أنه لا يجوز القطع إلا إذا كان المنعوت معلوماً دون النعت حقيقةً أو ادعاءً كما سيأتي معنا.
стр. 11
يعني: إذا قال: قال محمد بن مالك، يجوز القطع بشرط: إذا أطلق محمد يعرف المراد منه، من هو المراد، من هو محمد؟ إذا عرف حقيقةً أو ادعاءً حينئذٍ نقول: يجوز القطع، وإذا لم يكن كذلك، لم يعرف محمد مبهم، هذا اسم مشترك، قد يدل على الناظم وقد يدل على غيره فهو مشترك، إذا لم يفهم منه الاسم الدال على مسماه حينئذٍ لا يجوز القطع.
ثم يبقى إشكال آخر: إذا قيل بأنه قطع، قوله: هو ابن مالك، هل القطع هنا من أجل المدح أو الذم أو البيان والإيضاح؟ من حيث المعنى: هل المراد بالقطع هنا المدح أو الذم أو البيان؟ إن كان المدح أو الذم وجب حذف العامل في النعت الذي قطعه، ابنُ: يجب حذف العامل فيه وهو: هو، وهو قد ذكره هنا، هذا محل إشكال.
أجيب بأن الوجوب إنما يكون إذا كان الفعل أَمدَحُ أو أَذُمُّ، وأما إذا كان مبتدئاً فحينئذٍ صار المعنى للإيضاح فقط، وإذا كان كذلك جاز ذكره وجاز حذفه، وهنا قد ذكره، أجيب بهذا عن هذا الاعتراض، وقد يسلم وقد لا يسلم.
وأما القول بأنه يعلم محمد من المراد به بعد قطع النعت، فهذا محل إشكال، ولذلك الأولى أن نقول: هو ابن مالك: جملة معترضة، لا محل لها من الإعراب، ولا نقول أنه نعت مقطوع عما قبله؛ لأنه إذا كان نعتاً مقطوعاً عما قبله حينئذٍ لا بد أن يكون المنعوت معلوماً حقيقةً أو ادعاءً، وإذا قيل: قال محمد، من محمد هذا؟ لو تركه هكذا ما عرفنا من الناظم، إذاً: لم يعلم إذا قطع النعت، وهذا محل إشكال ولا جواب عنه، إلا ما أجاب به الصبان: بأنه معلوم ادعاءً، وهذا فيه نوع تكلف.
وأما الثاني: وهو أنه إذا قطع النعت وجب حذف عامله، وهنا قطع ابن كان مرفوعاً على أنه نعت لمحمد، ثم رفع على أنه خبر للمبتدأ، والرفع ليس هو عين الرفع، الضمة هذه ليست هي عين الضمة التي تكون في قولنا: قال محمد بن مالك .. الضمة هذه أحدثها ... ما الذي أحدثها ما هو العامل؟ قال على الصحيح وليست التبعية، كما سيأتي.
إذاً: قَالَ محمدٌ ابنُ .. هذه الضمة أحدثها قال، إذا فصلته وقطعته، قلت: قال محمدٌ هو ابنُ .. ابنُ الضمة هذه أحدثها: هو، الذي هو المبتدأ، قالوا: وجب حذف العامل مطلقاً سواء كان للمدح أو للذم أو للإيضاح، وهذا قول مو ... ...
وقيل: بل يجب الحذف إذا كان العامل مدحاً أو ذماً، وإذا لم يكن كذلك جاز ذكره وجاز حذفه، والذي معنا من باب الإيضاح لا من باب المدح والذم.
قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ: هو ابن مالك: ابن هذا خبر لمبتدأ .. لقوله هو وهو مضاف، ومالك: مضاف إليه، وهذه جملة معترضة على الصحيح، ولا نقول: نعتاً مقطوعاً أو مفصولاً، بل هي جملة معترضة بين قال ومقوله، لا محل لها من الإعراب.
وفائدة الاعتراض بها كما قال الصبان: تمييز المصنف عن غيره ممن شاركه في اسمه، فليست من قطع النعت؛ لأن القطع إنما يجوز إذا تعين المنعوت بدونه .. بدون النعت، إذا حذفته عرف المراد.
قَال محُمَّدٌ: ليس عندنا إلا محمد واحد، حينئذٍ علم أو لا؟ علم، قال محمد وهو ناظم، وعندنا محمد آخر وهو الجاهل، إذا قال: قال محمد علم أو لا؟ علم، لكن إذا كان ثمَ كثر من أهل العلم من اسمه محمد، وكلهم ينظمون، وكلهم من أهل العربية، حينئذٍ قال: قال محمد، لا يعرف.
стр. 12
إذاً: ليست هذه الجملة؛ لأنها وقع فيها نزاع كبير .. ليست هذه الجملة من قطع النعت؛ لأن القطع إنما يجوز إذا تعين المنعوت بدونه .. بدون النعت، ولوجوب حذف المبتدأ في القطع بالرفع على قول، وإذا سلم أنها من قطع النعت، نقول: يكفي في جوازه تعين المنعوت ادعاءً كما هنا، هذا إجابة الصبان وفيها نوع ضعف.
وأما وجوب حذف عامل النعت المقطوع فمحله إذا كان النعت لمدح أو ذم أو ترحم، وأما إذا كان للبيان والإيضاح كما هو معنا فلا يجب حذف العامل، وهذا قد يكون له وجه كبير، وأما الأول ففيه نوع تكلف.
قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ، ماذا قال؟ أحمد الله ربي خير .. إذاً: قال: هذه تنصب جملةً أو مفرداً في معنى الجملة، قال: أحمد ربي .. قال: وما تصرف منه، قال: يقول يقول قولاً والقول وقائل ومقول، هذه تنصب جملةً، يعني: مبتدأ وخبر بمحل نصب، وفعل وفاعل أو نائبه في محل نصب، وقد يورد لفظ واحد مفرد، لكن معناه: جملة أو جمل.
قلت قصيدةً: قصيدة: هذا مفعول به لقال، لماذا نقول: قصيدًة مفرد، ونحن نقول: القول وما تصرف منه لا ينصب إلا جملةً؟ نقول: هذا في معنى الجملة؛ لأن القصيدة مسماها ليست كلمة واحدة .. قلت شعراً .. قلت كلمةً، على المعنى اللغوي، حينئذٍ نقول: هذه الألفاظ مفردة من حيث اللفظ، ولكن من حيث المعنى معناها: جمل أو جملة.
أَحْمَدُ رَبِّي: هذه الجملة نقول: مقول لقال، فهي في محل نصب.
أحمدُ: هذا فعل مضارع مرفوع ورفعه ضمه ظاهرة في آخره، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنا، أي: المتكلم.
أَحْمَدُ رَبِّي، رب: هذا مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وهي مناسبة الياء، رب: مضاف، والياء: ضمير متصل مبني على السكون في محل جر مضاف إليه.
اجتمع في هذه الجملة: أحمد ربي الله .. أحمد ربي: اجتمع فيها أنواع الإعراب الثلاثة، ١ - الظاهر في أحمد ٢ - ورب تقديري ٣ - والياء المحلي.
اجتمع فيها ثلاثة أمثلة: أحمد ربي .. أحمد: هذا إعراب ظاهر؛ لأنه تلفظ به، وربي: نقول: هذا منصوب ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة.
إذاً: المانع هو الحرف الأخير .. المانع منه هو الحرف الأخير وليس جوهر الكلمة، بدليل أنك تقول: أحمد رباً، هنا نصب أو لا؟ إذا قطع عن الإضافة رجع إلى أصله، والياء، نقول: ضمير متصل مبني على السكون في محل جر مضاف إليه، هذه الكسرة المقدرة هنا منع من ظهورها جوهر الكلمة، وليس الحرف الأخير.
إذاً: اجتمع في هذه الجملة ثلاث أنواع للإعراب: الظاهر والتقديري والمحلي، الظاهر: واضح كاسمه ظاهر، والتقديري: يكون محل ظهور الإعراب هو المانع الذي الحرف الأخير، مثل: الفتى والقاضي، وكذلك المضاف إلى ياء المتكلم.
وأما المبني: فاللفظ كله الجوهر غير قابل للإعراب:
إذا قالت حذامي فصدقوها
أَحْمَدُ رَبِّي اللهَ خَيْرَ مَالِكِ، أحمد: أي: أثني عليه الثناء الجميل اللائق بجلال عظمته وجزيل نعمته، التي هذا النظم من آثارها تعظيماً له وشكراً له لبعض ما يجب علينا له.
أحمد ربي، الحمد عند أهل اللغة وغيرهم له معنيان: معنىً لغوي، ومعنىً اصطلاحي:
стр. 13
أما المعنى اللغوي: فهو الثناء بالجميل على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا.
وفي الاصطلاح عندهم، الحمد: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعماً على الحامد أو غيره، وهذا التعريف فيه نظر؛ لأنهم قيدوا الحمد في مقابلة الإنعام فحسب، فيحمد الله تعالى على هذا التعريف في مقابلة إحسانه، فالصفات المتعدية التي لها تعلق وارتباط بالخلق يحمد عليها، وأما الصفات الذاتية كالحياة والكبرياء فهذه لكونها غير متعدية بالخلق هذه لا يحمد عليها، ولذلك قالوا: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعماً! فإن لم يكن منعماً كاتصافه باستوائه على عرشه لا يحمد على هذه الصفة؛ لأن هذه الصفة غير متعدية للخلق، وهذا ضعيف.
ولذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: الحمد: هو ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وإجلاله، محاسن: هذا يشمل الصفات الذاتية اللازمة والصفات الفعلية، سواء كانت متعلقة بالخلق على جهة الإكرام والجود والإحسان، أم لم تكن كذلك، وهذا عام وهو أولى بالترجيح.
أَحْمَدُ رَبِّي اللهَ: هنا نطق بالجملة الفعلية، وهل هي مراداً من حيث المعنى أم لا؟ نقول: فرق بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية المضارعية، والجملة الماضوية من حيث الدلالة على التجدد والاستمرار، فالجملة الفعلية المضارعية تدل على الاستمرار التجددي، بمعنى: أن هذا الشيء الذي علق بالفعل المضارع مطلوب استمراره وحصوله ووجوده مرة بعد أخرى، ولذلك اختار المصنف هنا ﵀ هذه الجملة: أحمد ربي، لماذا؟ لأن الرب بمعنى: المربي، وإذا كان مربياً فآلاؤه ونعماؤه لا تزال تتجدد وقتاً بعد وقت، فناسب هذه الآلاء أن يأتي بصيغة تدل على التجدد والحصول مرة بعد أخرى.
وأما الماضوية فهذه لا تدل على هذا المعنى .. لا تدل على الاستمرار أصلاً، ولا تدل على التجدد بمعنى: حصول الشيء مرةً بعد أخرى، وإنما تدل على التجدد بمعنى: الحصول بعد العدم، قام زيد: لم يكن قام ثم قام أليس كذلك؟ لكن هل هذا القيام مستمر وقت بعد وقت وحال بعد حال؟ الجواب: لا.
الجملة الاسمية تدل على الاستمرار، لكن لا تدل على التجدد الذي هو بمعنى حصول الشيء مرةً بعد أخرى، وكلا المعنيين ثابت بغلبة الاستعمال على الصحيح عند النحاة، ولذلك جاء حديث: ﴿إن الحمد لله نحمده﴾ لو كان اللفظ الثاني: نحمده، بمعنى: قوله إن الحمد لكان حشواً، وحاشاه ﷺ أن يكون في كلامه ما هو حشو، لكن نصرف الجملة الأولى: إن الحمد، يعني: هذا الحمد مستمر، ولذلك علق بلفظ الجلالة الجامع للمعاني والصفات العليا.
إن الحمد لله نحمده .. نعلق هذا الوصف أو الحمد بماذا؟ بآلائه ونعمائه؛ لأنها قابلة للتجدد.
أَحْمَدُ رَبِّي اللهَ خَيْرَ مَالِكِ: ربي الله، الله ما إعرابه؟ نقول: هذا بدل أو عطف بيان، وكل ما جاز إعرابه بدلاً جاز إعرابه عطف بيان إلا ما استثني كما سيأتي.
стр. 14
خير مالك: خير أيضاً نصب على أنه بدل، قيل: إنه بدل، لكنه ضعيف؛ لأن البدل في المشتق قليل جداً، بل حكى ابن هشام رحمه الله تعالى امتناعه، أنه يمتنع أن يعرب المشتق بدلاً؛ لأن خير هذا: أفعل التفضيل، أصله: أخير .. أفعل، كأكرم وأعلم، لكن لكثرة الاستعمال حذفت هذه الهمزة التي هي همزة أفعل:
وغالباً أغناهم خير وشر ... عن قولهم أخير منه وأشر
فالأصل: أخير وأشر، أليس كذلك؟ هذا هو الأصل، أفعل التفضيل، وحذفت الهمزة .. همزة أفعل التفضيل هنا في هاتين الكلمتين لكثرة الاستعمال.
أحمد ربي الله خير مالك، خير مالك: ربي: المراد به المربي، فهو حينئذٍ يكون مشتقاً، وخير مالك: خير: بمعنى أفضل؛ لأن الخيرية هنا ثابتة من حيث الذات ومن حيث الوصف، فهو خير مالك جل وعلا.
ابْنُ مَالِكِ: مالك الأول: هذا علم، ومالك الثاني: وصف، فإذا كتب مالك الذي هو العلم بالألف: مالك، حينئذٍ وقع الجناس التام اللفظي الخطي، وإن لم تكتب حينئذٍ وقع الجناس التام اللفظي لا الخطي .. إذا كتبت الألف في الأول فبين اللفظين جناس تام لفظي؛ لأنه ينطق به، مالك مالك، سواء كتبت الألف أم لا، فهذا جناس تام لفظي.
وإذا كتبت الألف في الأول الذي هو العلم، حينئذٍ نقول: هذا جناس تام لفظي خطي، وإذا لم تكتب فهو جناس تام لفظي لا خطي.
مُصَلِّياً عَلَى النَّبيِّ الْمُصْطفَى ... وآلِهِ المُسْتكْمِلِينَ الشَّرَفَا
مُصَلِّياً: هذا حال من فاعل أحمد، والأصل في الحال أنها مقارنة، وإذا كان كذلك حينئذٍ يلزم أن يحمدَ ويصلي في وقت واحد بآلة واحدة وهذا متعذر، يعني يقول: الحمد لله وصلى الله وسلم على نبينا محمد في وقت واحد، في ثواني واحدة يمكن أو لا؟ لا يمكن، لا يمكن أن يكون مصلياً حال مقارنة لفاعل أحمد، لماذا؟ لأنه إذا قال: أحمد ربي، يعني: سيحمد بلسانه، فمورد الحمد هو اللسان، والصلاة موردها اللسان، إذاً: اتفقا في مورد واحد في وقت واحد، وهذا متعذر، ولذلك أولت إلى أنها حال مقدرة.
والحال المقدرة: هي التي يتأخر مضمونها عن مضمون عاملها، وقيل: بل مقارنة على الأصل، ومقارنة كل شيء بحسبه، فمقارنة لفظ للفظ وقوعه عقبه، رجعنا إلى الأصل وهو أنها حال مقارنة، هذا الأصل في الحال: أنها مقارنة، مقارنة للفاعل والعامل من حيث الفعل ومن حيث الوقت، هذا هو الأصل فيها، لكن هل مقارنة كل شيء لشيء لا بد وأن تكون معه في الوقت والآلات نفسها؟ الجواب: لا.
ولذلك في الفاء التي تفيد التعقيب هناك: تزوج زيد فولد له، فتدل على التعقيب، بمعنى: أنه تزوج فولد مباشرة، كتب الكتاب ولد العشاء له ولد، كذلك الفاء تدل على التعقيب، تعقيب الشيء بمعنى: وقوعه عقبه مباشرة هذا الأصل، لكن نقول: مقارنة كل شيء لشيء بحسبه، ووقوع الشيء بعد الشيء أيضاً بحسبه، فإذا تزوج فولد له لا بد أن يكون بين الزواج وبين الولادة ما يكون به الحمل والوطء، الوطء والحمل، ثم بعد ذلك تحصل الولادة، وأما مباشرةً فلا.
стр. 15
إذاً: التعقيب هنا تعقيب كل شيء بحسبه، كذلك المقارنة هنا في الحال مقارنة كل شيء بحسبه، فحينئذٍ مقارنة لفظ للفظ وقوعه عقبه، إذاً: مُصَلِّياً، نقول: هذا حال من فاعل أحمد، وهي حال مقارنة على الأصل فإن امتنع حمله على مقارنة بحسب كل شيء بحسبه نقول: نؤولها إلى أنها حال مقدرة، وإذا كانت كذلك فهي التي يتأخر مضمونها عن مضمون عاملها.
مُصَلِّياً: ما المراد بالصلاة هنا؟ أي: طالباً من الله صلاته، والصلاة عند الجمهور بمعنى: الرحمة، صلاة الله تعالى على الخلق العباد بمعنى: رحمتهم، وصلاة الملائكة بمعنى: الاستغفار، وصلاة الآدميين بمعنى: الدعاء، هذا المشهور عند الجمهور، ولكن ابن القيم رحمه الله تعالى يأبى ذلك فيفسر الصلاة بمعنى: الثناء، صلاة الله تعالى على عبده: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.
مُصَلِّياً: هذا مفرد، والصلاة إما تكون جملةً إنشائية من حيث المعنى، خبرية من حيث اللفظ، وهذا المفرد لا يمكن أن يوصف بكونه خبرياً أو إنشائياً؛ لأن الوصف بالخبر والإنشاء إنما يكون للكلام، الذي هو المركب من مسند ومسند إليه، وهنا مصلياً: هذا مفرد، لكننا نقول: هو مفرد في قوة الجملة.
مُصَلِّياً: أي طالباً من الله صلاته، أي: رحمته، أو ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى.
عَلَى النَّبيِّ: جار ومجرور متعلق بقوله: مصلياً، وهذه رواية المشارق على النبي، ورواية المغارب: على الرسول كما هو موجود في بعض النسخ، على النبي: النبي: هو إنسان أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه على المشهور عند الجمهور، فإن أمر به، يعني: بالتبليغ، فهو رسول، فكل رسول نبي ولا عكس، وقيل: النبي من أرسل إلى قوم موافقين، وإن كان بإيحاء كتاب جديد، والرسول: من أرسل إلى قوم مخالفين، يعني: محاربين مضادين منكرين لدعوته، هذا قول لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
والنَّبيِّ: مشتق من النبوة أو من النبه، كلاهما معنيان صحيحان.
عَلَى النَّبيِّ يعني: إذا قيل بأنه مشتق من النبأ، والنبأ: قيل مرادف للخبر، وقيل: بأنه الخبر العظيم، والثاني مردود بقوله تعالى: ((عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)) [النبأ: ١ - ٢] فوصفه، فلو كان دالاً عليه لما صح الوصف، وإذا كان من النبأ فحينئذٍ النبي فعيل، نبييءُ وقعت الهمزة متطرفة، فقلبت ياًء ثم أدغمت الياء في الياء، فالأصل: فعيل .. نبيئٌ، نبيئٌ: نبيئ: هذا إما أن يأتي بمعنى اسم الفاعل وإما أن يأتي بمعنى اسم المفعول، فإما أن يكون مُنبِئاً أو مُنَبَئاً وكلاهما ثابتان في حق النبي ﷺ ، فهو مُخبِرٌ عن الله للخلق، وهو مُخبَرٌ عن لله بواسطة جبريل ﵇.
وإما أن يكون مأخوذاً من النبوة، وهي: الرفعة، وأيضاً هذا المعنى صحيح؛ لأن النبي ﷺ مرفوع الرتبة لكونه سيد البشر، وبإحياء الرب جل وعلا إليه، يعني: بإنزال الوحي، فإذا كان كذلك حينئذٍ فعيل من النبوة، إما أن يكون بمعنى فاعل وإما أن يكون بمعنى مفعول، فإذا كان بمعنى: فاعل فهو رافع رتبة من اتبعه، وإذا كان بمعنى مفعول فهو مرفوع الرتبة لكونه منبأ عن الرب جل وعلا.
стр. 16
المصطفى أي: المختار، وأصل الطاء هنا منقلبة عن تاء، المصطفى، أصلها: مستفى، وقعت التاء بعد الطاء وبعد من أحرف الإطباق فوجب قلبها طاء، كما هو الشأن في المصطلح.
إذاً: مصلياً على النبي المصطفى: مصطفى مفتعل من الصفوة وهو: الخلوص من الكدر، قلبت تاؤه طاءً لمجاورة الصاد؛ لأنها من حروف الإطباق الأربعة: الصاد والضاد والطاء والظاء، فإذا وقعت التاء بعد أحدها وجب قلبها طاءً كما هو مقرر في فن الصرف.
ولامه مبدلة عن واو، مصطفَوٌ هذا الأصل .. مصطفَوٌ تحركت الواو وفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفاً.
مُصَلِّياً عَلَى النَّبيِّ الْمُصْطفَى: هنا صلى ولم يسلم، بناًء على القول الراجح أنه لا يكره إفراد أحدهما عن الآخر، بل يجوز أن يصلي في مجلس ثم يسلم في مجلس آخر ولو طالت المدة، وأما قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [الأحزاب:٥٦] فهذا لا يدل على وجوب القران بينهما، أو ندبية القران بينهما، بل الامتثال يحصل بما إذا جمع بينهما في وقت واحد، وبما إذا فرق بينهما، ودلالة الاقتران عند جماهير الأصوليين تعتبر ضعيفة، والصواب عدم كراهة إفراد الصلاة عن السلام، ولا السلام عن الصلاة، فلا يرد اعتراضاً على المصنفين بأنه صلى ولم يسلم، أو سلم ولم يصل، نقول: الصواب أنه لا يكره، نعم تمام الامتثال يحصل بالجمع بينهما ولو افترقا في المجلس؛ لأن قوله: صلوا وسلموا، نقول: هذا فيه عطف، والعطف يقتضي أن يجمع بينهما، هذا الأصل؛ لأنها لمطلق الجمع، ثم لمطلق الجمع لا يدل على أنها في مجلس واحد، بل هو يشمل ما كان في مجلس واحد وما كان في مجلسين ولو طالت المدة.
فزيد من الناس إذا صلى في مجلس وسلم في مجلس آخر نقول: هذا امتثل قوله تعالى: ((صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) [الأحزاب:٥٦].
مُصَلِّياً عَلَى النَّبيِّ الْمُصْطفَى: والمراد هنا المختار من الناس، كما قال ﷺ : ﴿إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم﴾ فهو مختار ﵊.
وآلِهِ: يعني: وعلى آله، مصلياً على النبي: هذا حق النبي ﷺ ، وآله، أي: مصلياً على آله، امتثالاً لقوله ﵊: ﴿قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد﴾ إذاً: هذا مأمور به نصاً، بخلاف الصحب هذا من باب القياس، وأما الصلاة على الآل فهذا يعتبر امتثالاً للنص، لكن لا على جهة الاستقلال، وإنما على جهة التبعية.
وآله، يعني: وعلى آله، آله: أصل آل: أهل أو أول، هذا مختلف فيه بين سيبويه والكسائي، فسيبويه يرى أن آل أصله: أهل، قلبت الهاء همزةً، ثم قلبت الهمزة ألفاً، قيل: آل، بدليل تصغيره على أهيل، هذا مذهب سيبويه، ومذهب الكسائي: أن آل أصله: أول، تحركت الواو وانفتح ما قبلها وقلبت ألفاً، أول كجمل، تحركت الواو وفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، وعلى كلٍ هذا أو ذاك فكل منهما له شاهد في لسان العرب.
стр. 17
وآلِهِ: المراد بالآل: أقاربه المؤمنين من بني هاشم والمطلب، هكذا قيل وهكذا يفسر في كثير من هذه المواضع، والصواب أنه في مقام الدعاء يعمم، فيقال: وآله، أي: أتباعه على دينه، وخاصةً إذا لم يذكر الصحب، وهنا لم يذكر الصحب، يعني: الصحابة، والأصل اقترانهم بالآل.
مُصَلِّياً: على النبي ﵊، وعلى آله وصحبه، ولكن ذكر الصحبِ إما أن يكون نصاً وإما أن يكون ضمناً، فإذا كان نصاً فلا إشكال فيه، فيكون من باب عطف الخاص على العام، إذا أريد بالآل أتباعه على دينه، وإذا أريد بهم أقاربه من بني هاشم والمطلب حينئذٍ صار من عطف الخاص على الخاص، وأما إذا لم يذكر الصحب حينئذٍ يعمم الآل فيقال: المراد به أتباعه على دينه، فمن اتبع النبي ﷺ فهو داخل فيه.
ويطلق الآل مراد به الأتباع: ((أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ)) [غافر:٤٦] ليس المراد أقاربه، وإنما المراد أتباعه، فدل على أن الآل يطلق ويراد به الأتباع، قالوا: ولا يضاف إلا إلى ذي شرف بخلاف أهل، أما آل فرعون فإن له شرفاً باعتبار الدنيا، والصحيح جواز إضافته للضمير، وجاء في الحديث: ﴿اللهم صلي على محمد وآله﴾ إذاً: أضافه إلى الضمير، وهذا هو الصواب أنه يجوز إضافته إلى الضمير.
وآلِهِ المُسْتكْمِلِينَ الشَّرَفَا: مستكملين: هذا جمع لمستكمل، ومستكمل هذا اسم فاعل، استكمل يستكمل فهو مستكمل، السين والتاء إذا قيل: مستكمل أومستكملين السين والتاء لهما احتمالان:
١ - إما أن يكونا للطلب.
٢ - وإما أن يكونا زائدين.
فإذا كانا كذلك حينئذٍ يفسر إذا كان المراد به الطلب، أي: الطالبين للكمال، وإذا كانت زائدة حينئذٍ، أي: الكاملين، والكمال يكون في .... إذاً: السين والتاء للطلب أو زائدتان، وعلى كل فالمُسْتكْمِلِينَ الشَّرَفَا: إما مفرد إذا كان بفتح الشين فهو مفرد، فالمعنى على زيادتهما: الكاملين في الشرف، إذا كانت زائدة، لأنه ليس فيهِ ثمة طلب فالسين تكون زائدة، فالمعنى على زيادتهما: الكاملين في الشرف، وعلى أنهما للطلب، أي: الطالبين كمال الشرف، فالسين لها تأثير من جهة المعنى.
وإما أن يكون الشرفا ليس بفتح الشين وإنما بضم الشين، فيكون جمعاً: شُرفاء بالهمز ولكن قصره لضرورة النظم، مثلما يقال: ظريف وظرفاء، وكريم وكرماء، وشريف وشرفاء، حينئذٍ بالضم يكون جمعاً، فمفعول المستكملين محذوف، أي: الكاملين كل المجد أو الطالبين كمال المجد، إذاً: إذا كان بالفتح فالشرفا يكون مفعولاً للمستكملين وهذا هو أصح مرجح عند أرباب الشروح، أن يكون الشرفا بالفتح فتح الشين، وهو مفرد وهو مفعول به للمستكملين والألف هذه تكون للإطلاق، وأما الشرفاء فحينئذٍ لا بد من تقدير مفعول به للمستكملين، ويكون الشرفاء هذا نعت لآله.
وآله: هذا منعوت، المستكملين: هذا نعت أول، الشرفاء: هذا نعت ثاٍن، الشرفاء بالكسر على الأصل؛ لأنه دخلت عليه أل فردته إلى أصله:
وَجُرَّ بِالْفَتْحَةِ مَالا يَنْصَرِفْ ... مَالَمْ يُضَفْ أَوْيَكُ بَعْدَ ألْ رَدِفْ
стр. 18
وإذا كان المستكملين الشرفاء، جعلنا الشرفاء هذا نعتاً لآل، والمفعول به للمستكملين محذوف تقديره: المستكملين كل المجد، المستكملين باتباعه الشرف، المراد بالشرف: العلو والألف للإطلاق.
ثم قال:
وَأَسْتعِينُ اللهَ فِي ألْفِيَّهْ ... مَقَاصِدُ النَّحْوِ بِهَا مَحْوِيَّهْ
أَسْتعِينُ: السين هذه للطلب، يعني: أطلب العون عون الله تعالى
والعون أو طلب العون المراد به: المعاونة والمظاهرة، بأن يعينه الله ، وأن يسدده، وأن يمكنه، وأن يزيل العوائق والعلائق عن إتمام هذا النظم.
وَأَسْتعِينُ اللهَ فِي ألْفِيَّهْ: أستعين في ألفية، استعان وما تصرف منها في لسان العرب يتعدى بعلى: ((وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)) [يوسف:١٨] .. ((وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ)) [الفرقان:٤] أو بالباء: ((وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ)) [البقرة:٤٥] بالصبر، أليس كذلك؟ تعدى بماذا؟ بالباء، هنا تعدى بفي .. فالظاهر أن في بمعنى: على، حينئذٍ صار الحرف نائباً مناب حرفٍ آخر، وهذا مذهب مجوز عند بعضهم، فالظاهر أن: في، بمعنى: على، فإن الاستعانة وما تصرف منها إنما جاءت متعدية بعلى أو بفي، وهذا مذهب الكوفيين، فإنهم يضمنون الحرف لا يرون تضمين الفعل، بل يرون تضمين الحرف، فعندهم إما أن يقال: أستعين مضمن معنى فعل آخر، وإما أن نجعل في مضمناً معنى حرف آخر، إما هذا وإما هذا، أيهما أخف؟ عند الكوفيين تضمين الحرف أخف، ولذلك المذهب المرجح عندهم هو هذا، أنه يضمن الحرف.
أو يجعل أستعين مضمناً معنى فعل يتعدى بفي، وهو أستخير الله في ألفية، إذاً: أستعين الله مستخيراً في ألفية، يعني: في نظم أرجوزة ألفية، فإما أن يضمن الحرف وإما أن يضمن الفعل، الأول مذهب الكوفيين، والثاني مذهب البصريين، وأستعين الله، أي: أطلب العون مستخيراً، ورد الثاني في هذا الموضع بأن الاستخارة إنما تكون للمتردد قبل الشروع في الفعل.
والناظم هنا يقول: قال محمد هو ابن مالك، ثم يقول: وأستعين الله، هل أستخير، لا يتأتى هذا لا يتأتى أن يكون المراد هنا، أستعين مضمناً معنى أستخير، وإن كان مذهب البصريين هو تضمين الفعل، فهو أولى عندهم من تضمين الحرف؛ لأن التضمين أكثر فائدة، ولذلك هنا نقدره: أستعين مستخيراً، زاد معنى الاستخارة، والأولى أن يجعل: في، بمعنى: على، أستعين الله على ألفية.
وَأَسْتعِينُ اللهَ فِي ألْفِيَّهْ: الاستعانة إنما تكون على الفعل، والألفية هذه ألفاظ، فهل يستعين الله تعالى على نفس الألفاظ، أم يستعين الله على فعل يفعله هو بنفسه؟ لا شك أنه الثاني، ولذلك قدر الشراح: وأستعين الله في نظم قصيدة أو أرجوزة على قولين، وأستعين الله في نظم أرجوزة فنقدر نظم؛ لأن الأفعال إنما تكون على الفعل، وأرجوزة: للإشارة إلى موصوف الألفية قبل العلمية، وإلى أنها كلها من الرجز، ولا نقدر قصيدة؛ لأن القصيدة ما بني على حرف واحد بخلاف الأرجوزة فإنها من بحر الرجز:
مستفعلٌ مستفعلٌ مستفعلٌ ... هذا الشطر الأول.
مستفعلٌ مستفعلٌ مستفعلٌ ... هذا الشطر الثاني.
стр. 19
وَأَسْتعِينُ اللهَ فِي ألْفِيَّهْ: أي: في نظم أرجوزة ألفية، أي: عدة أبياتها ألفٌ، بناءً على أنها من قبيل الرجز الكامل، والرجز الكامل: أن يكون كل بيت فيه ستة تفعيلات، مستفعلٌ مستفعلٌ مستفعلٌ هذا شطر، والشطر الآخر: مستفعلٌ مستفعلٌ مستفعلٌ، هذا كله بيت واحد، لذا قيل بأنه من كامل الرجز.
وألفية يحتمل ماذا؟ أنها ألفان، والنون حذفت للإضافة أو النسبة، بناءً على أنها من مشطور الرجز، فحينئذٍ إذا كان من مشطور .. الشطر: النصف، مشطور الرجز فيحسب كل ثلاثة تفعيلات أنها بيت كامل.
قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ ... أَحْمَدُ رَبِّي اللهَ خَيْرَ مَالِكِ
هذا يحتمل أنه بيت، ويحتمل أنه بيتان، إذا جعلته من كامل الرجز حينئذٍ هو بيت واحد؛ لأنه اشتمل الشطر الأول على ثلاث تفعيلات والثاني صار مكملاً له على ثلاث تفعيلات فهذه ست.
ويحتمل أن الأول: قال محمد هو ابن مالك، بيت كامل بناءً على أن مشطور الرجز يتألف من ثلاث تفعيلات، أحمد ربي الله خير مالك: هذا يعتبر بيتاً مستقلاً، حينئذٍ إذا حفظتها قل: حفظت ألفين، وقبل الحفظ قل: أحفظ ألفاً حتى تخفف عن نفسك، وأما بعد الحفظ فقل ما شئت، يعني: توسع في العبارة. نقف على هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...
стр. 20
عناصر الدرس
* تتمة شرح المقدمة
* التعريف بابن معطي وألفيته.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
س- هذا يقول: ذكرتم الفعل الماضي ثلاثة أقسام، فما هي؟
ج- لا ماضٍ لفظاً ومعنى، ماضٍ لفظاً ومعنى .. قام زيد أمس، وماضٍ لفظاً لا معنى: ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)) [النحل:١] هذا في اللفظ لا في المعنى، وماضٍ معنىً لا لفظاً: لم يضرب زيد عمرواً .. لم يضرب، متى؟ في الماضي، هذا من حيث المعنى ماضٍ، ومن حيث اللفظ ليس بماضٍ بل هو مضارع، وهذا سيأتينا عند قوله: وفعل أمر ومضي بنيا
س: شرح الأشموني مع حاشية الصبان الذي عندي هو طبعة مكتبة الصفا فما .... ؟
ج- ليس في طبعة محققة معنا، لكن دار الفكر ودار الكتب العلمية، هذا من الضروري الذي لا بد منه، فتأخذ هذه الطبعة وتلك، لكن الذي طالعتها دار الفكر جيدة لا بأس بها.
ما معنى: فذلك؟ *
قد شبَّهوه بخَلقه فتَخوَّنوا ... شُنَع الوَرى فَتسَتّروا بالبَلْفَكَة
بلا كيف هذا مولد، منحوت لكنه مولد، ومثله: فذلك، فذلك فذلك أقول: هذا مولد أيضاً، والكذلك، يعني: قول المصنف: وكذلك فعل مضارع منصوب مثلاً، قوله كذلك: نقول كذلك المصنف، لماذا كذلك؟ هذا يأتينا معنا في ابن عقيل، ابن عقيل يكذلك فيما إذا عطف على المتفق عليه بمختلف فيه، وسيأتي مثال يغلط به بعض الطلاب بل بعض المشايخ، وأما البلكفا هذه بلا كيف، قد يكون في .. مثل قلقل، قال قلت، قال البخاري قلت: كذا مثلاً شرح بالقنقلة، فإن قيل قلت فنقل، يعني: قال، فإن قيل قلت، إلى آخر ما يذكرونه.
الملف (٢)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
وَأَسْتعِينُ اللهَ فِي ألْفِيَّهْ ... مَقَاصِدُ النَّحْوِ بِهَا مَحْوِيَّهْ
وَأَسْتعِينُ اللهَ فِي ألْفِيَّهْ: عرفنا أستعين أصلها: سعون .. هذه الياء منقلبة عن واو؛ لأنها مأخوذة من العون، فدل على أن هذه الواو ليست أصلية، بل هي منقلبة، حينئذٍ أقول: أصلها: سعون .. سعوِ .. سعوِ .. استثقلت الكسرة على الواو فنقلت، إحلال بالنقل إلى ما قبلها، ثم سكنت الواو فكسر ما قبلها وجب قلبها ياءً، قيل: أستعين.
وَأَسْتعِينُ اللهَ: والسين هذه للطلب، أو معطوف على جملة أحمد، يعني: في محل نصب، بعدما ما تعرب مفردات، تقول: والجملة، وأستعين الله في ألفية: في محل نصب عطفاً على جملة أحمد ربي الله خير مالك، هذا على الصحيح أن الجمل كلها معطوفات على الجملة الأولى، وأن مقول القول هو: أحمد ربي الله، وليس كل الألفية هي مقول القول، وهذا قال به بعضهم.
قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ، ماذا قال؟ أحمد إلى آخر كلمة في الألفية في محل نصب مفعول به لقال، والصواب: أن كل جملة مستقلة، إلا إذا علم أن ابن مالك ﵀ قالها في مجلس واحد، إذا قال في مجلسٍ واحد: قال محمد هو ابن مالك، ثم نظمها كلها عن بكرة أبيها في مجلس واحد صح هذا القول، وأما إذا جزأها حينئذٍ نقول: لا، الصواب: أن الجملة الأولى في محل نصب، مقول القول، ثم بعد ذلك تكون الجمل معطوفات على ذلك المحل.
стр. 21
وَأَسْتعِينُ اللهَ فِي ألْفِيَّهْ، أي: في نظم قصيدة، أو إن شئت قل: أرجوزة وهذا أجود وأحسن وهو الذي قدره السيوطي في البهجة.
مَقَاصِدُ النَّحْوِ بِهَا مَحْوِيَّهْ: مقاصد: هذا مبتدأ وهو مضاف، والنحو مضاف إليه، ومحوية: خبر المبتدأ، وقيل مقاصد: هذا اسم كتاب جمعته هذه الألفية، ونفاه السيوطي رحمه الله تعالى في النكت على الألفية.
ومَقَاصِدُ النَّحْوِ: أي: معظم النحو وجل مهماته، والقصد في الشيء عدم الإفراط فيه، إذاً: المراد بمقاصد النحو نقول: جل المهمات وأغراضه التي ينبغي أن يعتني بها طالب العلم في التأصيل، هو يذكر الأصول، وما يتفرع عن الأصول هذا قد يذكره وقد لا يذكره، وإنما يرجع فيه إلى ... أو الشروح، إذاً مقاصد النحو، أي: أغراضه وجل مهماته كما قال في آخر الألفية:
نَظْماً عَلَى جُلِّ المُهِمَّاتِ اشْتَمَلْ
ومحوية: أي: محوزة، اسم مفعول، مقاصد النحو بها: يعني: فيها، فالباء هنا بمعنى: في، يعني: محوية، أي: مجموعة فيها .. في هذه الألفية، هذا يعتبر من ظرفية المدلول في الدال، لماذا؟ لأن الألفية اسم للألفاظ المخصوصة .. الدالة على المعاني المخصوصة، هذه المعاني هي المقاصد، إذاً: الألفاظ كأنها كأس، والمقاصد كأنها ماء في الكأس، أيهما ظرف وأيهما مظروف؟ لا شك أن الألفية ظرف والمقاصد تكون مظروفاً.
إذاً: بها محوية، أي: مجموعة ومحوزة فيها، أي: في هذه الألفية من ظرفية المدلول في الدال؛ لأن الألفية اسم للألفاظ المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة، والمقاصد هي تلك المعاني.
بها محوية: قلنا: بها يتعلق بمحوية، وإذا كان كذلك محوية اسم مفعول، ووقع ماذا؟ ووقع خبراً عن المبتدأ حينئذٍ هل يصح أن يتقدم معموله الخبري على الخبر؟ هذا سيأتي في الفعل، فيه نزاع، وفي الاسم فيه نزاع، يأتي معنا في موضعه، وبها يتعلق به، والباء بمعنى: في، ويحتمل أن تكون للسببية، ويراد بمقاصد النحو: جميعه، أي: جميع مسائل النحو مجموعة بسببها، أي: تفهم إذا فهمت، والأول هو المشهور، أن بها با بمعنى: في.
ومحوية: خبر لم يطابق، ومقاصد جمع، قلنا: هذا مبتدأ ومحوية: هذا خبر، والأصل التطابق بين المبتدأ والخبر إفراداً وتثنيةً وجمعاً، وهنا محوية: مفرد، ومقاصد جمع، هل حصل التطابق؟ الجواب: لا، نقول: لم يطابق محوية الخبر .. الذي هو الخبر لم يطابق المبتدأ لأنه في مثل هذا التركيب يجوز الأمران، بل هذا هو الأفصح، أن يكون مفرداً، لكون مقاصد جمع كثرة لما لا يعقل، والأفصح فيه الإفراد، إذا كان المبتدأ جمع كثرة لما لا يعقل فالخبر يجوز فيه الوجهان: أن يطابق، وأن يلزم الإفراد .. أن يطابق مقاصد النحو بها محويات، هذا يجوز، وطابق المبتدأ؛ لأن المبتدأ جمع والخبر جمع كذلك.
ولما كان المبتدأ جمع كثرة مقاصد مفاعل لما لا يعقل حينئذٍ جاز أن يلزم الإفراد، ولا يطابق المبتدأ، بل هذا هو الأفصح في لسان العرب، لكون مقاصد جمع كثرة لما لا يعقل، والأفصح فيه الإفراد:
وجمع كثرة لما لا يعقل
وما سواه الأفصح المطابقة ... الأفصح الإفراد فيه يافل
نحو هبات وافرات لائقة
стр. 22
هذا سيأتي بهبات وافرة، وأفرد الناظم لفظ: وافرة في قوله: بهبات وافرة؛ لأنه يجوز الأمران، أو لتأويل هبات بمعنى: جماعة، جماعة الهبات، فيكون جارياً على الأفصح، على كل وافق هنا وخالف هناك، وافق هنا لفظاً ومعنىً، فقال: مقاصد النحو بها محوية، جاء على الأفصح، هناك قال: بهبات وافرة خالف، والأفصح أن يقول: وافرات، ولكن نؤول له، نقول: هبات، أي: جماعة الهبات، حينئذٍ أولنا الجمع في معنى المفرد.
مقاصد النحو: النحو المراد به .. النحو في لسان العرب يأتي بمعنىً لغوي ويأتي بمعنىً اصطلاحي، واستوعب بعضهم النحو وأورده في أربعة عشر معنىً، والمشهور منها ستة معانٍ، مجموعة في قول الناظم:
قصد ومثل جهة مقدار ... قسم وبعض قاله الأخيار
قصد ومثل جهة مقدار، وقدم القصد لأنه هو الأكثر وهو الغالب في استعمال هذا اللفظ، قسم وبعض قاله الأخيار، تقول: نحوت نحوك أي: قصدت جهتك مثلاً، ونحوت المدينة، أي: قصدتها فجاء النحو هنا بمعنى القصد، وزيد نحو عمرو يعني: مثله، فجاء النحو بمعنى المثل، ومررت برجل نحوك، أي: مثلك، وتقول: صليت نحو الكعبة أي: جهتها، فالنحو هنا بمعنى: الجهة، ولزيد نحو ألف .. ألف ريال مثلاً، يعني: مقدار ألف ريال.
وهذا على أربعة أنحاء، أي: أقسام، وجاء نحو القوم، يعني: بعضهم، وأكلت نحو السمكة، أي: بعضها، وأظهر معانيه وأكثرها تداولاً هو القصد، هذا من جهة المعنى اللغوي، وهذا الذي عناه الكثير بأن النحو الاصطلاحي له مرد إلى المعنى اللغوي، إذ كل معنىً اصطلاحي ولا بد أن يكون له ارتباط بالمعنى اللغوي، والعلاقة بينهما إما العموم والخصوص المطلق، أو الوجهين.
وأما النحو في الاصطلاح فثم اصطلاح للقدماء المتقدمين، وثم اصطلاح خاص للمتأخرين بلفظ النحو، عندنا علمان: صرف ونحو، والنظر في الكلمة كلمة عربية، إما أن ينظر فيها قبل التركيب أو بعد التركيب في الجملة، إن نظر إليها قبل التركيب في جوهر الكلمة في ذاتها، كما مر معنا: المصطفى، أصله: مصتفى، قلبت التاء طاءً، هذه قاعدة.
قلنا: إذا جاء تاء الافتعال بعد حرف من أحرف الإطباق وجب قلب التاء طاءً، هذه قاعدة صرفية، النظر فيها هنا هل هو نظر إلى الإسناد، يعني: كون هذه الكلمة مسنداً أو مسنداً إليها، كونها مبتدئاً أو خبراً أو فاعلاً أو نحو ذلك نقول: لا، وإنما نظروا إلى جوهر الكلمة .. إلى ذاتها قبل تركيبها، وكذلك قوله: مصطفون .. مصطفون الواو هذه تحركت وفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفاً، قال محمد: قال أصله: قول فهو أجوف واوي، بدليل القول ويقول، فدل على أن هذه الألف منقلبة عن واو، أصلها: قول، تحركت الواو وانفتح ما قبلها.
стр. 23
هذا البحث هو بحث صرفي، أم نحوي؟ وينظر للكلمة باعتبار آخر، باعتبار أحوال أواخرها من حيث ما يعتريها من صفات تتعلق بها من حيث الرفع أو النصب أو الخفض أو الجزم، وهذا إنما يكون بعد تركيبها، بعد إسنادها إلى غيرها حينئذٍ ننظر إلى الكلمة قال قول، ثم نقول: قال زيد .. قول قال، في نفسه لا يرفع .. لوحده قال هكذا قبل تركيبه وإسناده نقول: لا يرفع فاعله، بل هو ليس فعلاً كما سيأتي بل هو اسم، كما ذكرناه (وعلم آدم الأسماء)، فهو اسم، قال: اسم على قال محمد، محمد هذا فاعل، رفعه قال، قال أصله: قول، نقول: قال هنا ليس بفعل بل هو اسم، وسيأتي معنى قوله: ومسند.
النظر في الكلمة إما أن يكون قبل الإسناد أو بعده، هل علم النحو مختص بواحد من هذين النظرين، أو أنه يشمل النوعين؟ هذا يختلف باختلاف الأزمان، كان المتقدمون يطلقون لفظ النحو على النوعين معاً، فيشمل ماذا؟ علم الصرف المتعلق بجوهر الكلمة، وما يعتريها من إبدال أو إدغام أو حذف أو نحو ذلك، كل ما يتعلق بجوهر الكلمة دون نظر إلى إسنادها، فهذا صرف عند المتأخرين، لكنه نحو عند المتقدمين.
وأما النظر في الكلمة بعد تركيبها وإسنادها إلى غيرها، أو إسناد غيرها إليها كقال محمد، وزيد قائم، ومات عمرو، نقول: هذه جمل اسمية وجمل فعلية، هذا النظر في آخر الكلمة من حيث الإعراب والبناء هو محل نظر النحاة، ولكن هل يسوَّى بينه وبين النظر في جوهر الكلمة من حيث الاسم لا من حيث الأصول والقواعد، وإلا القواعد متباينة ومختلفة لكن هل يسمى النظران أو الاعتباران اسماً واحداً يجمع النوعين؟ هذا ما ذهب إليه المتقدمون وجرى ابن مالك ﵀ على هذا، ولذلك قال:
مقاصد النحو، ثم نجده نظم نحواً من ثلاثمائة بيت في الصرف، فدل على ماذا؟ على أنه توسع في هذا المصطلح فضم الصرف إلى مفهوم لفظ النحو، وأما المتأخرون ففصلوا من باب التحقيق .. فصلوا بين العلمين، وجعلوا النظر في جوهر الكلمة من حيث الإعلال والإبدال والإدغام والحذف وكلما يتعلق بها، سموه علماً مستقلاً بالصرف أو التصريف ووضعوا له منظومات ونثراً وشروح وحواشي إلى آخره.
وجعلوا النحو الذي يتعلق بأحوال أواخر الكلم إعراباً وبناءً باسم النحو على جهة الخصوص، إذاً: المزج عند المتقدمين والفصل عند المتأخرين، فحينئذٍ نقول: النحو في الاصطلاح ثم اصطلاح للقدماء واصطلاح للمتأخرين، واصطلاح القدماء المراد بالنحو عندهم: ما يرادف علم العربية، إذا أطلق علم العربية عند المتأخرين يشمل اثني عشر نوعاً، وإذا أطلق عند المتقدمين فالمراد به النحو والصرف معاً، فصار النحو مرادفاً لعلم العربية، وصار النحو شاملاً لنوعين من الفنون وهما ما يتعلق بأواخر الكلم إعراباً وبناءً وما يتعلق بذات الكلمة أو بجوهر الكلمة، فصار المراد بالنحو عندهم ما يرادف علم العربية، أي: ما يشمل النحو والصرف فقط، لتخصيص غلبة الاستعمال علم العربية بهما، يعني: الاستعمال غلب في تخصيص علم العربية بهذين الفنين فحسب فقط.
стр. 24
أما عند المتأخرين فيشمل اثني عشر فناً، لكن أهم علوم العربية فلا ينزع اثني عشر فناً: النحو والصرف والبلاغة، وإذا أخذ شيئاً من العروض من أجل أن يحسن قراءته وهذا شيء جيد، فحينئذٍ نقول: العلم: علم النحو الشامل للصرف يعرف بأنه: علم بأصول يعرف بها أحوال الكلم إفراداً وتركيباً، هذا الذي عنها ابن رحمه الله تعالى بقوله:
مقاصد النحو، فهو علم بأصول يعرف بها أحوال الكلم إفراداً وتركيباً، إفراداً: كالإعلال والإدغام والحذف والإبدال، وهذا هو فن الصرف والتصريف، أو تركيباً كحركات الإعراب والبناء وهذا هو فن النحو عند المتأخرين.
فقوله: إفراداً: لا ينظر في هذه الكلمة بعد التركيب من مسند ومسند إليه، يعني: ليس النظر هنا في كونه مبتدأً أو فاعلاً أو نائب فاعل أو خبراً لا، لا ينظر إليه، وإنما ينظر إلى جوهر الكلمة قبل تركيبها، وأما الكلمة قبل التركيب فهذه في الأصل لا توصف بكونها مبنية ولا معربة، يعني: زيد لوحدها لا تقل: زيد هكذا إلا من باب التعليم، وإلا تقول: زيد بالإسكان؛ لأن زيدٌ معناه: أنك أعربتها؛ لأن هذه الضمة ضمة إعراب، فإذا كان كذلك أين العامل؟ ليس لها عامل، أنت لم تركبها بعد .. لم تسندها إلى غيرها، فإذا قلت: زيٌد أخطأت، وإنما تقول: زيد؛ لأن الكلمة قبل تركيبها على الصحيح فيها ثلاثة أقوال:
قيل معربة، وقيل مبنية، وقيل لا معربة ولا مبنية، وهذا رأي ابن مالك وهو أرجح، أنها لا توصف بإعراب ولا بناء.
وأما بعد التركيب حينئذٍ ينظر إليها من جهة الإسناد وعدمه.
وأما في اصطلاح المتأخرين: فالنحو علم بأصول يعرف بها أحوال أواخر الكلم إعراباً وبناءً أفردنا إفراداً هذا صار علماً مستقلاً وهذا أجود للطالب وأسهل أن يدرس الصرف على جهة الخصوص، ثم يدرس بعد ذلك النحو على جهة الخصوص، إذاً علم بأصول يعرف بها أحوال الكلم إفراداً وتركيباً هذا من جهة شموله لفن الصرف أو علم بأصول يعرف بها أحوال أواخر الكلم إعراباً وبناءً هذا على جهة خصوص النحو مع إخراج فن الصرف وهذا هو النحو عند المتأخرين.
علم بأصول: المراد بالأصول هنا: القواعد العامة التي يقعدها النحاة كقولهم: الفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب، والمضاف إليه دائماً مجرور، والمضاف بحسب العوامل، والمبتدأ لا يكون إلا اسماً ولا يكون إلا مرفوعاً، والخبر يكون مفرداً ويكون جملةً وأحكام الضمائر والمعارف ونحو ذلك كل أبواب النحو وما يستخلص من قواعد نتيجة البحث في ذلك الباب يسمى: قاعدة، ويسمى: أصلاً ويسمى: ضابطاً ويسمى: أساساً، فهذه كلها مترادفة من حيث الاصطلاح وإن كانت متباينة من حيث المعاني اللغوية.
علم بأصول: ما المراد بالعلم؟ إما أن يفسر بمعنى: الإدراك، وإما أن يفسر بمعنى: الملكة وهي هيئة راسخة في النفس تكون نتيجة عن المطالعة وضبط ودربة العلم ونحو ذلك، وإما أن يفسر بالمسائل التي هي فروع القواعد ثلاثة أقوال في تفسير العلم ولكن هنا لا يمكن تفسيره بالقواعد؛ لأننا فسرنا الأصول بماذا؟ بالقواعد كيف قواعد بقواعد؟ وإنما يفسر بالإدراك والإدراك: هو المعنى اللغوي لمعنى العلم:
العلم إدراك المعاني مطلقاً ... وحصره في طرفين حققا
стр. 25
فالعلم المراد به: إدراك المعنى، والمراد بالإدراك: هو وصول النفس إلى المعنى بتمامه، فإن لم يكن كذلك فهو شعور لا إدراك، وهذا المعنى قد يكون معنىً مفرداً، وقد يكون معنىً مركباً، المعنى المفرد: هو مدلول اللفظ المفرد: زيد هذا لفظ مفرد، مدلوله شيء مفرد وهو: الذات المشخصة: زيد قائم هذا مركب مدلوله ثبوت قيام زيد، إدراك الأول يسمى: تصوراً وإدراك الثاني يسمى: تصديقاً، ففرق بين العلمين علم التصور وعلم التصديق:
إدراكٌ مفردٌ تصوراً عُلِم
العلم إدراك المعاني مطلقا
سموهما: التصديق والتصورا
ودَرْكُ نسبةٍ بتصديقٍ وُسِم
وحصره في طرفين حققا
.............................
إذاً: هذان علمان، قوله: علم، أي: إدراك بأصول، الأصول المراد بها هنا: القواعد العامة التي يستنبطها النحاة من كلام العرب بواسطة التتبع فحينئذٍ إذا قعدوا قاعدة كالفاعل مرفوع نقول: علمك بهذه القاعدة: الفاعل مرفوع، تستطيع بواسطتها أن تعرف جزئيات تلك القاعدة؛ لأن القاعدة ما هي: قضية كلية يتعرف بها أحكام الجزئيات موضوعها والكلام في هذا يطول وقد سبق معنا مفصلاً في شرح الملحق ولا بد من الإحالة.
حينئذٍ نقول قضية التي هي: الفاعل مرفوع هذه قضية كلية، بأن الفاعل: هذا مبتدأ محكوم عليه، مرفوع: هذا محمول وهو خبر، الفاعل يشمل ماذا؟ يشمل زيد وعمرو وخالد من قولك: جاء زيدٌ ومات عمرٌ وسافر خالد هذه كلها آحاد هل هي داخلة تحت قولنا: الفاعل؟ نقول: نعم، داخلة تحت قولنا: الفاعل.
ما الذي يدلنا على أن هذا اللفظ: زيد من قولك: جاء زيد فاعل؟ بتطبيق الحدود: الاسم المرفوع المذكور قبله فعل أو الاسم المؤول بالصريح المذكور قبله فعل إلى آخره، أو أسند إليه فعل صريح أو مؤول بالصريح مقدم عليه بالأصالة قائماً منه أو واقع عليه، حينئذٍ نقول: هذا الحد بالنظر فيه والتفكر وتنزيله على زيد تحكم بأنه فاعل.
هنا فائدة الحدود حدود يذكرها النحاة ويفصلون فيها من أجل أن تحكم على اللفظ؛ لأنه يأتيك: جاء زيد، ضربت عمرواً وخالداً إلى آخره تقول: خالد من هذا اللفظ أو هذا التركيب هل هو فاعل أو تمييز أو حال؟ يلتبس، حينئذٍ الذي يضبط لك هذا عن ذاك هو الحد، فمعرفة الحد بتفاصيله وجزئياته وإدخاله وإخراجه يعينك على الحكم على الشيء بكونه فاعلاً، ثم إذا حكمت عليه بكونه فاعلاً يستلزم ماذا؟ يستلزم الحكم الإعرابي وهو: أنه مرفوع.
ولذلك يركب قياس من الشكل الأول فيقال: زيد، من: جاء زيد فاعل، هذه مقدمة صغرى، وكل فاعل مرفوع فالنتيجة: زيد مرفوع؛ لأنه فاعل مع التعليل، هذه قد يقول قائل: كلفة فيها هذه أنت مبرمج عليها، أليس كذلك؟ فتحكم على الشيء بكونه فاعلاً أولاً تتصور أنه فاعل، وهذا التصور لو لم تستحضر فيه الحد إلا أن مدلول الحد هو الذي وقع في نفسك صار أمراً جبلياً لا يحتاج إلى تكلف وطلب للمعلومات.
стр. 26
فحينئذٍ تحكم على زيد من قولك: جاء زيد بأنه فاعل والذي دلك على هذه المقدمة الصغرى هو الحد ثم ما حكم الفاعل هل هو مرفوع أو منصوب أو مجرور؟ وكل فاعل مرفوع، هذه قضية كلية يشمل زيداً وغيره، من أين أخذنا هذه القاعدة، ما دليلها؟ استقراء كلام العرب، نظر في الكتاب وفي السنة، وفيما ورد من فصحاء العرب حينئذٍ أثبتنا بالاستقراء والتتبع أن كل فاعل مرفوع.
ينتج لنا نتيجة مسلم بها وهي: أن زيد من قولك: جاء زيد فاعل مرفوع، إذاً علم بأصول بقاعدة الفاعل مرفوع ينتج لنا العلم بآحادها وأفرادها، النتيجة نقول: علم بأصول أي: بهذه القواعد ينتج لنا ماذا؟ العلم بمفردات هذه القواعد، هذه القواعد إنما تبحث في كتب النحو وأنت الذي تستخلصها يعني: تحفظها وتفهمها، ثم تطبقها على تلك الجزئيات.
إذاً: يطلق العلم على القواعد المعلومة التي من شأنها أن تعلم لما علم بالفعل؛ لأن النحو له حقيقة في نفسه سواء علم أو لم يعلم، وإطلاق العلم على القواعد المعلومة بالفعل حقيقة عرفية كإطلاقه على الملكة أي الكيفية الراسخة في النفس التي يقتدر بها على استحضار ما كانت علمته واستحصال ما لم تعلمه، وأما إطلاقه على الإدراك فحقيقة لغة وعرفاً هذا هو الصواب في العلم: أنه يطلق ويراد به الإدراك، ثم استعماله في الملكة أو استعماله في القواعد هذا ليس على أصل المعنى اللغوي.
وأما إطلاقه على فروع القواعد أي: المسائل الجزئية المستخرجة منها بجعل قاعدة كبرى لصغرى سهلة الحصول: هكذا زيد من قام زيد فاعل وكل فاعل مرفوع فزيد من قام زيد مرفوع، هذا فيه تجوز عند الحكماء ويعتبر من المجاز لكنه معمول به.
بأصول: المراد بالأصل: الأصل الاصطلاحي، وهو المراد في القاعدة والقانون والضابط والأساس، وهي قضية كلية يتعرف بها على أحكام الجزئيات موضوعها، فقاعدة الفاعل مرفوع مثلاً: لها جزئيات، وجزئياتها: كل اسم صدق عليه حد الفاعل، أولاً الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإذا فهم الحدود ونزلها على الآحاد والمفردات حينئذٍ صح له أن يسمي الفاعل: فاعلاً، والمفعول به، مفعول، والمضاف، والتمييز، والحال إلى آخره.
ولذلك قد يخلط الطالب بعض المسائل في التمييز والحال أو في المضاف والمضاف إليه، خاصة إذا كان في باب المبنيات، ليس له مرد في ضبط هذه المسائل إلا الرجوع إلى الحدود أنفسها، فيضبطها على الوجه الصحيح ويستحضرها حينئذٍ يصح له الاستدلال على إثبات هذا الآحاد أو هذا الفرد بأنه فاعل أو مفعول.
ومن هنا تأتي صعوبة النحو عند الطلاب؛ لأنه إذا أراد أن يعرب لا بد أن يستحضر كل هذا الحدود، وأن يكون مستحضراً لشروط كل باب واستثناءات كل باب، فإذا أراد أن يعرب وجهاً صحيحاً لا اعتراض عليه لا بد وأن يستحضر النحو كله من أوله إلى آخره.
ولذلك تقول: قال محمد هو ابن مالك انظر! قال هذا يتعلق في بحث الأفعال الفعل الماضي، قال محمد: هذا له ارتباط بالأعلام، هو: بالضمائر، ابن مالك: مضاف ومضاف إليه، أحمد ربي الله خير: إعراب تقدير بالظاهر إلى آخره، لا بد أن يستحضر الحدود كلها.
стр. 27
ولما كان ثم قصور في حفظ التعاريف واستحضارها صار النحو ماذا؟ كأنه طلاسم وإذا أعرب ولو كان حافظاً لبعض الأبواب أو بعض المنظومات إذا لم تكن عنده مستقرة استقرار تام يعني: يمليها عن ظهر قلب ويفهم معناها إن لم يكن كذلك حينئذٍ يخلط في الإعراب.
ولذلك بعضهم يعرب ويأتي بالعجائب وهو يحفظ الألفية لماذا؟ لأنه حفظها هكذا ظاهراً ولم يمارس هذه الأصول وهذه القواعد التي نضمها ابن مالك: مقاصد النحو بها محوية، مقاصد يعني: جل ومهمات النحو نضمها لك ابن مالك رحمه الله تعالى.
ولذلك لا يكاد أن يفوته شيء من الأصول المطردة يعني: ثم ما هو أصل مطرد تحتاجه كثير في حياتك في الكلام وفهم كلام الناس في الخطابة إن كنت خطيب، أو في التفسير ونحو ذلك، الأمور التي قد تستعين ببعض الكتب مما يزيد على شروحات الألفية إنما يكون في النوادر أو في الشذوذات، أو في توجيه بعض الأقوال، يمر عليك قول ينسب للفراء ما وجه استدلاله أو ما وجه القول هذا؟ لا بد وأن تبحث في الحواشي ونحو ذلك، ولو قلت: هذا اللفظ من حيث هو ينظر إليه، هل هو مسلم به أو لا؟ دليله ليس من شأنك أنت.
إن كان هذا مستدل له بدليل وهو واضح بين فاقبله ولا ترده، وإن لم يكن كذلك فلا تتعب نفسك إن لم يكن من الأصول المطردة.
إذاً: مقاصد النحو، ما المراد بمقاصد النحو؟ نقول: أغراضه وجل مهماته، ما المراد بكلمة: النحو هنا في عبارة ابن مالك ﵀؟ ما يشمل الفنين .. ما يرادف علم العربية/ وعلم العربية يستعمل في فنين فقط لا ثالث لهما وهما: النحو عند المتأخرين والصرف أو التصريف.
موضوع علم النحو: الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء، هذا من اصطلاح المتأخرين وهو العمدة.
والثمرة: فهم الكتاب والسنة وإقامة اللسانين.
وفضله: الوسائل لها أحكام المقاصد، فإذا كان يستعان بهذا النحو على فهم الكتاب والسنة فما كان منه واجب كان تعلم النحو واجب، وما كان عيناً فهو عين، وما كان مستحباً فهو مستحب.
والنسبة بينه وبين العلوم الأخرى التباين، والواضع هو أبو الأسود الدؤلي بأمر أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، ولذلك قسم له الأشياء فقال: اسماً وفعلاً وحرفاً كما سيأتي قال له: انح لهم نحواً، فسمي النحو لتسمية علي رضي الله تعالى عنه.
الاستمداد: من كتاب الله، وهذا متفق عليه، والسنن على الصحيح، هل يستدل بالحديث بإثبات قاعدة أو لا؟ هذا فيه خلاف، أكثر النحاة على المنع، بناءً على جواز الرواية بالمعنى، والصواب أنه يحتج به في إثبات الأحكام أو القواعد العامة في لغة العرب.
والثالث: كلام فصيح العرب بالتتبع والاستقراء.
اسمه: علم النحو من إضافة العام للخاص، والنحو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول أي: المنحو وهذا يعتبر من إطلاق المصدر نحا ينحوا نحواً مصدر، أطلقه وأراد به ماذا؟ اسم المفعول، لكن هل هو خاص بهذا الفن: علم بأصول يعرف بها أحوال أواخر الكلم، أقول: هل هو خاص به أم أنه عام؟ كل علم منحو أم لا؟ كل علم منحو، يعني: مقصود، أنت تقصد علم الفقه وتقصد علم التفسير، إذاً هو مقصود.
стр. 28
والفقه في اللغة: الفهم، الفقه هو: الفهم، كل علم مفقوه يعني: مفهوم فليس خاصاً بالفقه الاصطلاحي عند المتأخرين حينئذٍ يكون من إطلاق العام وإرادة الخاص أو صار حقيقةً عرفيةً في اصطلاح القوم الذين اصطلحوا على هذا الاصطلاح، ولذلك الاصطلاح هذا يعرف بأنه: اتفاق طائفة مخصوصة على أمر معهود بينهم متى أطلق انصرف إليه.
فإذا كان النحاة اصطلحوا على أن الفاعل هو الاسم المرفوع المذكور قبله فعله حينئذٍ عند أهل اللغة الفاعل كل من أوجد الحدث أو الفعل فهو أعم؛ لأن: زيد قائم، زيد هذا فاعل زيد قائم فاعل أم لا؟ فاعل نعم؛ لأنه هو الذي أحدث القيام فهو فاعلٌ لغة لكنه ليس فاعلاً اصطلاحاً، فكل فاعل اصطلاحاً فهو فاعل لغة من غير عكس.
إذاً: اتفاق طائفة مخصوصة على أمر معهود بينهم متى أطلق انصرف إليه.
ومسائله: القواعد التي تبحث فيها كالفاعل مرفوع ونحو ذلك.
وَأَسْتعِينُ اللهَ فِي ألْفِيَّهْ ... مَقَاصِدُ النَّحْوِ بِهَا مَحْوِيَّهْ
تُقَرِّبُ الأقْصى .. تقرب، يعني: هذه الألفية للأفهام، الأقصى، يعني: الأبعد، وهل أفعل التفضيل على بابه أم لا؟ هل الألفية هذه إذا قربت للأفهام الأقصى الأبعد، هل يلزم منه أن تقرب البعيد، أم قد يفوته؟ قيل: يلزم، فحينئذٍ لا تكون أفعل التفضيل على بابها، بل تقرب الأقصى الأبعد والبعيد من باب أولى وأحرى.
وقيل: لا، لا يلزم من تقريب الأبعد تقريب البعيد؛ لأنه قد يعتني بالمعاني الدقيقة، فيفوته ما هو قريب من ذلك، وهذا أمر ملاحظ، حينئذٍ نحمل أقصى هنا على غير باب أفعل التفضيل، ونقول: تقرب هذه الألفية للأفهام .. فهم الطلبة الأقصى، يعني: الأبعد والبعيد فيشمل النوعين، لا من باب التلازم.
لو جعلناه من باب التلازم لقلنا: أفعل هنا على بابه، ولكن نقول: لا، ليس على بابه بل هو يشمل الأبعد والبعيد، أي: تقرب البعيد للأفهام أو الأبعد من المعاني.
بلفظ موجز: يعني: مع لفظ موجز، فالباء هنا بمعنى مع، أو للسببية يحتمل هذا ويحتمل ذاك، وكلاهما عليهما الشراح، يعني: بعضهم فسره بمعنى: مع.
مع لَفْظٍ مُوجَزِ: بسبب لفظ موجز، لا إشكال في هذا، فلفظ الباء بمعنى: مع، أي: تفعل ذلك مع وجازة اللفظ، أي: اختصاره، والأشموني مشى على هذا، أنها بمعنى: مع، ولم يجعلها سببية؛ لأن المعهود سبباً للتقريب، البسط لا الإيجاز، إذا أراد أن يفهم غيره حينئذٍ يختصر له الكلام اختصاراً أو يسهب؟ يفصل تفصيلاً أم أنه يختصر الكلام اختصاراً؟ إذا أريد الفهم على جهة البسط يفهم كل المسألة من أولها وآخرها، فحينئذٍ لا بد من البسط، فكيف يقول ﵀: تقرب الأقصى البعيد للأفهام، أفهام الطلبة بلفظ موجز، يعني: مع الاختصار، لذلك عدل الأشموني عن تفسير الباء هنا بكونها للسببية إلى كونها، بمعنى: مع.
ولذلك قال: ولم تجعل للسببية؛ لأن المعهود عند الناس وعند أهل العلم سبباً للتقريب البسط لا الإيجاز، ويصح كونها للسببية على الصواب فيكون فيه غاية المدح للمصنف، حيث اتصف بالقدرة على توضيح المعاني بالألفاظ الوجيزة التي من شأنها تبعيده، التي من شأنها: من شأن الألفاظ الوجيزة تبعيد المعاني الدقيقة، لكن لقدرة المصنف وبلاغته استطاع أن يعكس الأمر.
стр. 29
تُقَرِّبُ الأقْصى بِلَفْظٍ مُوجَزِ، يعني: مع لفظ موجز، والموجز المراد به هنا الاختصار، فالإيجاز هو تقليل الكلام – الألفاظ_ مع كثرة المعنى، وهذه صفة سائدة في المختصرات عند أهل العلم، ولذلك عم بها النفع لمن اشتغل بها، لفظ قليل، ولكن تحته من المعاني الكثيرة الكثيرة الكثيرة، ولذلك في الفقه تظهر هذه المزية أكثر وأكثر؛ لأنه يأتي بالمنطوق والمفهوم، يذكر الحكم بالمنطوق وعكسه المفهوم، يكون مخالفاً للحكم وهو مراده .. هو مراده.
ولذلك قد يستدرك على بعضهم بماذا؟ بأنه أطلق المفهوم والأصل تخصيصه، الأصل أنه لا يعم، حينئذٍ يورد عليهم من هذه الحيثية، لماذا؟ لأن المفاهيم المنطوقات، والمفاهيم في المتون سواء كانت نثرية أو منظومات مرادة عند أرباب التصنيف، وما جاءت الاعتراضات والنقد والتنقيح إلا من أجل هذا، وما اختصرت إلا من أجل تسهيل العلم، لا من أجل تعقيد العلم، والبعض يظن أن هذه المختصرات لها نوع إضلال لبعض الطلاب هكذا يعبر البعض، ويقول الزاد هذا أضل الطلاب، لماذا؟ لأنه كلام بدون دليل هذا أولاً، ثم فيه من تعجيز الكلام وربط الكلام بحيث يوصل إلى عدم الفهم من قراءة اللفظ بنفسه وهذا ليس بصحيح، الزاد كغيره من المتون، إنما يوجد فيه بعض الألفاظ التي تحتاج إلى تصحيح، لكن في الجملة نقول: هو واضح وبين.
إذاً: تُقَرِّبُ الأقْصى بِلَفْظٍ مُوجَزِ: يعني: مع لفظ موجز، أو بسبب لفظ موجز، وهذا إذا أردنا به مدحة ابن مالك رحمه الله تعالى.
وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ: يعني: توسع البذل، ما المراد بالبذل هنا؟ العطاء.
بِوَعْدٍ مُنْجَزِ: يعني: مع وعد منجز، أو بسبب وعد منجز، يعني: تفسر الباء هنا كما فسرت في قوله: بلفظ موجز، إما أن تكون للمعية، وإما أن تكون للسببية، وتبسط البذل، يعني: توسع هذه الألفية لوجازتها العطاء الكثير للطالب .. طالب العلم؛ لأن اللفظ الواحد والجملة الواحدة يدخل تحتها جمهور من المسائل، إما بالمنطوق وإما بالمفهوم كما ذكرناه، وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزِ، يعني: مُوُفَاً أو مُوَفَّاً سريعاً في أسرع وقت، وهذه كانت طريقة المتقدمين، أنه إذا درس متناً متوسطاً فما فوق نبغ، بخلاف الآن المعاصرين يدرس ويدرس ويدرس وهو مبتدئ الأوائل لا كان الطالب يتخرج في سبع سنين إلى عشر سنين فإذا به يخلف شيخه، ويراجع الدرس للطلاب، والآن لا، يجلس يدرس ويدرس ويدرس وهو مبتدئ، لماذا؟
لعدم العناية بهذه المنظومات وبهذه المختصرات، فهي مفتاح .. هي لطالب العلم مفتاح، انتبه، يعني: لا يلج العلم بدون أن يكون له مختصر محفوظ، كما ذكرنا اليوم عن النووي رحمه الله تعالى، ويحفظ في كل فن مختصراً.
الأئمة كلهم عن بكرة أبيهم من أولهم إلى آخرهم لا بد وأنه قد سار على هذا المنهاج، وأما أن يريد أن يصل العلم دون متون ودون مختصرات وأن يأتي هكذا من رأسه ويقرأ المطولات، ويجرد ويختصر ويكتب إلى آخره دون أن يسير بهذا السير الذي أصله أهل العلم فلن يصل، هيهات هيهات.
وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزِ: هذا إشارة إلى ما تمنحه لقارئها من كثرة الفوائد، وهو كذلك، من درس الألفية وضبط معها بعض الشروح حينئذٍ حصل الكثير والكثير.
стр. 30
وَتَقْتَضي رِضاً بِغَيرِ سُخْطِ: تقتضي: يعني: تطلب، القضاء هنا بمعنى الطلب، أو بمعنى الحكم، قد يأتي القضاء بمعنى الحكم وبمعنى الطلب، تقتضي، أي: هذه الألفية، يعني: تطلب من الله، هكذا قدره بعضهم، أو من قارئها، أو منهما معاً، إما من الله تطلب الرضا، وإما من قارئها طالب العلم، أو مقرئها، أو منهما معاً، يعني: من الله تعالى ومن قارئها، وإسناد الطلب إليها مجاز عقلي، كيف تطلب هي من الله؟! هي ألفاظ ترفع يديها وتدعو الله ، نقول: لا، هذا إسناد عقلي، يعني: مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب، إذ الطالب في الحقيقة ناظمها، هو ناظمها وهو الإمام ابن مالك رحمه الله تعالى.
وتقتضي رضاً، أي: محضاً، رضاً بكسر الراء، وهو سماعي، كضم سين: سخط، وسكون خائه، والقياس الفتح؛ لأنه من باب فرح يفرح، وتقتضي، أي: هذه الألفية، رضاً محضاً.
بغير سخط، يعني: لا يشوبه شيء من السخط، سواء كان من الله تعالى إذا كان الطلب من الله، أو كان من القارئ، فلن يسخط عليه أبداً، ولذلك قل أن يوجد نقد لابن مالك رحمه الله تعالى إلا في موضعين اثنين لا يكاد الجواب عنهما أن يتم:
وكلمة بها كلام قد يعم ... يأتينا غداً إن شاء الله
ولذلك قال السيوطي: هذا من أمراضه التي لا دواء لها، يعني: لا يمكن الإجابة عنها، وجرت عادتهم أنهم في المصنفات المختصرات أنها مجلة ومحترمة ومعظمة، يعني: لا يكثر النقد إليها، لأنه إذا انتقدت وورد فيها الانتقادات العشر والمائة والألف سقطت هيبتها، إذاً: نحن نريد أن نحفظ المتن من أجل ماذا؟ أن نضبط العلم، ونمدحها من أجل أنها تجمع لنا العلم الذي صنف فيه هذا الكتاب، فإذا انتقدناها ما تركنا فيها شاردة ولا واردة ما بقي لها حرمة.
فلذلك من عادتهم أنهم ولو من باب التكلف أن يجيبوا عن أي اعتراض، وهذه سنة متبعة عند المؤلفين، ولا بأس بها، لكن لا يصل إلى حد التكلف الذي يكون بعيداً، إن أجيب بإجابات مقبولة واعتذارات قريبة لا بأس بها، وأما التنطع وتنزيه المصنف عن أن يقع في خلط هذا فيه تكلف.
ولذلك شراح الألفية على ثلاثة أنحاء:
متعصبون لابن مالك ﵀، وبعضهم يحط من شأنه، وبعضهم معتدل كابن عقيل رحمه الله تعالى.
وَتَقْتَضي رِضاً بِغَيرِ سُخْطِ، يعني: رضاً تام لا يشوبه شيء من السخط، وهذا علامة الإتقان أنه قد أتقن هذا النظم على الجادة.
فائققةٍ .. فائقةً .. فائقةٌ: يجوز فيه الأوجه الثلاثة، فائقةً: هذا على أنه حال من فاعل تقتضي، تقتضي: هذا فعل مضارع، مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هي يعود إلى الألفية.
تقتضي هذه الألفية ماذا؟ وتقتضي رضاً بغير سخط حالة كونها فائقةً ألفية ابن معطي، فائقةٍ بالجر، وأستعين الله في ألفية فائقةٍ: على أنه صفة لألفية، فائقةٌ: وهي فائقةٌ، على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
فائقة: أي: عالية في الشرف، يعني: فاقت ألفية ابن معطي، وكان قبل تأليف الإمام مالك رحمه الله تعالى ألفيته هي التي لها الراية، وهي التي يحفظها طلاب العلم، ولكن لما ألف هذه قضت على تلك، كالزاد مع المقنع، كان الأصل هو المقنع لابن قدامة رحمه الله تعالى، فلما ألف الحجاوي الزاد حينئذٍ لم يترك له شاردة.
стр. 31
أي: عالية في الشرف، وإنما فاقتها؛ لأنها من بحر واحد، من الرجز كلها من أولها إلى آخرها، بخلاف ألفية ابن معطي فإنها من بحرين السريع والرجز، وهذا يشوش على الطالب.
كذلك هذه الألفية أكثر أحكاماً من ألفية ابن معطي، وهذه جرت عادة أهل العلم أنهم في مثل الألفيات أو المختصرات أنهم يقارنون ما كتبوه بما سبق، ولذلك السيوطي هناك يقول:
وهذه ألفية تحكي الدرر
فائقةً ألفية العراقي ... منظومة ضمنتها علم الأثر
في الجمع والإيجاز واتساقِ
نفس الكلام؛ لأن العراقي هو سابق وهو متأخر، والقاعدة عند أرباب المختصرات إذا أراد الطالب أن يميز بين مختصرين أو نظمين أيهما أجود ولا يقع في نزاع؟ أن الثاني المتأخر إذا كان أهلاً للتصنيف فالاشتغال بكتابه أولى، المتأخر إذا كان أهلاً للتصنيف، وبلغ الغاية في الفن الذي نظم أو كتب، فالاشتغال بكتابه أولى.
ولذلك ابن معطي هنا مع وجود ألفيته وهي مطبوعة ومشروحة .. مع ذلك تركت واشتغل بألفية ابن مالك، وهو متأخر بعده، وجمع في هذه الألفية ما تركه ابن معطي؛ لأن الناقد بصير، وهو قبل أن ينظم لا بد أنه نظر في من سبقه، وإذا كان كذلك حينئذٍ لا بد وأنه يستدرك ما قد فوته الأول، ولذلك ألفية السيوطي مرجحة على ألفية العراقي، لماذا؟
أولاً: لأنه متأخر، ولأنه أهل للتصنيف ولو كان في هذا الفن، ثم أن العراقي أسبق منه وإن شرحت ألفيته من جهته هو أو من جهة السخاوي، نقول: هذان الشرحان لا يتعلقان بالنظم نفسه؛ لأن الترجيح إما أن يكون لذات الشخص، وإما أن يكون لذات النظم، وإما أن يكون لما كتب على النظم أو المتن نفسه، حينئذٍ إذا نظر إلى الشخص هوالشخص .. نحن نقول: لا نريد أن نحفظ العراقي نفسه ولا السيوطي، وإنما نريد ما ألفه العراقي وما ألفه السيوطي.
إذاً: ننظر بتجريد المتنين عن أصحابهما، فننظر في المتن نفسه هل هو فائق بالفعل ألفية العراقي أو لا؟ ثم ما كتب على ألفية العراقي نقول: يمكن تجريده وجعله على ألفية السيوطي، أليس كذلك؟ السخاوي رحمه الله تعالى شرحه إما أنه يتعلق بلفظ بالمتن، وإما أنه لفائدة وحكم ومسألة بالمصطلح، الثاني هذا يمكن جعله على ألفية السيوطي، وأما الأول فلا علاقة لنا به، لماذا؟ لأن كل تركيب يحتاج إلى حل يختص به.
على كل، قال هنا:
فائقةً ألفية ابن معطي، حينئذٍ رجحت ألفية ابن مالك رحمه الله تعالى لهذين النظرين: أن ألفيته من بحر الرجز، كلها من أولها إلى آخرها، وأما ألفية ابن معطي فإنها اشتملت على بحرين السريع والرجز، كذلك هذه أكثر فائدة، يعني: أشمل من جهة الأحكام النحوية من ألفية ابن معطي.
стр. 32
فائقةً ألفية ابن معطي، ألفية: بالنصب .. أيش اعرابه؟ مفعول به لفائقة؛ لأن فائقة هذا اسم فاعل، واسم الفاعل يعمل عمل فعله، وابن معطي: هو الشيخ زين الدين أبو الحسين يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي، نسبةً إلى زواوى وهي قبيلة كبيرة كانت تسكن بظاهر بجايا من أعمال أفريقيا الشمالية، الفقيه الحنفي، ولد في سنة أربع وستين وخمسمائة، وأقرأ العربية مدةً بمصر ودمشق، وروى عن القاسم بن عساكر وغيره، وهو أجل تلامذة الجزولي، وكان من المتفردين بعلم العربية، وهو صاحب الألفية المشهورة وغيره من الكتب الممتعة، وقد طبعت ألفيته في أوروبا والعلماء لهم عليها عدة شروح، لكنها دون ألفية ابن مالك رحمه الله تعالى.
وَهْوَ بِسَبْقٍ حَائِزٌ تَفْضِيلاَ ... مُسْتَوْجِبٌ ثَنَائِيَ الْجَمِيلا
وهْو: بإسكان الهاء للوزن، يعني: ابن معطي، بسبق علي .. يعني: بسبب سبقه علي، حائز، أي: جامع تفضيلاً علي، هذا فيه ماذا؟ فيه أشبه ما يكون كالاستدراك لما سبق، يعني: لا يظن الظان أنه إذا رجح ألفيته على ألفية ابن معطي سقط ابن معطي؟ لا، بل هو له فضله وله مكانته في كونه سابقاً في التأليف والإفادة، قد أفاد أمم وحفظوا ألفيته، ومع ذلك له الفضل عند الله تعالى.
وهو، أي: ابن معطي، بسبق: الباء للسببية، أي: بسبب سبقه إياي، بسبق، أي: بسبق علي في الزمن والإفادة، وفي تقديم المعمول: بسبق حائز تفضيلاً .. تقديم المعمول إشارة إلى أنه لم يحز الفضل على المصنف إلا بالسبق، والجار والمجرور مرتبط بكل من حائز ومستوجب، وهو بسبق حائز أي: جامع.
تفضيلاً، أي: علي، أي: فضلاً، والمراد بالتفضيل .. التفضيل هنا: مصدر فضل يفضل تفضيلاً، والمراد به فضلاً، من إطلاق المسبب على السبب، أو هو مصدر مبني للمفعول.
إذاً: بسبق حائز جامع تفضيلاً علي، فهو مفضل علي بسبب ماذا؟ بسبب سبقه علي في الزمن والإفادة، وهذا ثابت شرعاً وعرفاً.
مستوجب، أي: مستحق، ويحتمل أن السين والتاء للتصيير، أي: مصير الثناء واجباً علي .. مستوجب علي أيضاً، فكل هذه تقدر بجار ومجرور محذوف، وهو بسبق علي، حائز تفضيلاً علي، مستوجب: أي: مستحق علي.
ثنائي الجميلا .. مستوجب ثنائي، وايش إعراب ثنائي؟ مفعول به لمستوجب، والسين هذه مستوجب .. للطلب، يعني: طالب مستحق، مستوجب علي .. ثنائي، الثناء: مختص بالخير عند الجمهور، وعند ابن عبد السلام يعمه والشر، فيقال: أثنى عليه شراً: ﴿مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقال: وجبت، ومروا بجنازة فأثنوا عليها شراً، فقال: وجبت﴾ قال ابن عبد السلام: إذاً أثنوا عليها خيراً وأثنوا عليها شراً، وهؤلاء صحابة وهم حجة في لسان العرب، إذاً: الثناء لا يختص بالخير، بل يعم الشر.
مُسْتَوْجِبٌ ثَنَائِيَ الْجَمِيلا: عليه لانتفاعي بما ألفه واقتدائي به، ولما يستحقه السلف من ثناء الخلف، والجميل: إما صفة لازمة أو مخصصة أو معمول للثناء، أي: ثنائي الثناء الجميل، أو ثنائي بالجميل، إذاً: أشار في هذا البيت إلى أن ابن معطي رحمه الله تعالى وإن فضلت ألفية ابن مالك عليه إلا أن له الفضل في السبق والإفادة.
واللهُ يَقْضِي بِهِبَاتٍ وَافِرَهْ ... لِي وَلَهُ في دَرَجَاتِ الآخِرَهْ
стр. 33
والله يقضي: هذا سؤال، خبرية لفظاً إنشائية معنىً، يعني: اللهم اقض لي، والله يقضي: خبرية أريد بها الدعاء، أي: اللهم اقض بذلك، والله يقضي، يعني: يحكم.
بهبات: جمع هبة، وهي العطية، أي: عطايا، وهنا وصف هبات وهو جمع بوافر، وهو مفرد لما ذكرناه سابقاً، هذا على خلاف الأصح، لكن لا بد من التأويل، لتأوله بالجماعة، وإن كان الأفصح: وافرات؛ لأن هبات جمع قلة، والأفصح في جمع القلة مما لا يعقل وفي جمع العاقل مطلقاً المطابقة، والأفصح في جمع الكثرة مما لا يعقل الإفراد الأفصح فيه الإفراد.
والله يقضي بهبات، يعني: بعطايا من فضلة جل وعلا وافرة، أي: زائدة، وقيل: تامة، من وفر الشيء، يعني: من وفر اللازم لا المتعدد، بهباتٍ وافرةْ: هذا الأصل، وقف على السكون من أجل الوزن.
لي وله، لي: بدأ بنفسه لحديث: ﴿كان رسول الله ﷺ إذا دعا بدأ بنفسه﴾ رواه أبو داود، وجاء عن نوح: ((رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ)) [نوح:٢٨] وعن موسى: ((قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي)) [الأعراف:١٥١] وله، يعني: لابن معطي.
في درجات الآخرة: مضاف ومضاف إليه، لي وله في درجات: هذه كلها متعلقة بيقضي، أو صفات لهبات، هبات لي .. هبات له .. هبات في درجات الآخرة، ولكن بعضهم جعل في درجات الآخرة أنه متعلق بمحذوف صفة لهبات، ولا يصح أن يتعلق بيقضي، لماذا؟
لأن المعنى: والله يقضي في درجات الآخرة، درجات الآخرة ليست محلاً للحكم والقضاء أليس كذلك؟ وحينئذٍ لا يصح تعليق في درجات الآخرة بيقضي، وإنما يتعين أن يكون متعلقاً بمحذوف صفة لهبات.
واللهُ يَقْضِي بِهِبَاتٍ وَافِرَهْ ... لِي وَلَهُ في دَرَجَاتِ الآخِرَهْ
درجات: قال في الصحاح: هي طبقات من المراتب، يعني: مراتبها علية، وقال أبو عبيد: الدرج إلى أعلى والدرك إلى أسفل، والمراد: مراتب السعادة في الدار الآخرة، ولفظ الجملة خبر ومعناها: الطلب.
هذا ما يتعلق باختصار بمقدمة المصنف رحمه الله تعالى.
ونقف على هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سؤال: هل صحيح أن ابن مالك رحمه الله تعالى نظم الألفية للمبتدئين؟
- الألفية تعتبر من كتب المتوسطين في علم النحو، ولذلك يجعلها البعض بعد الآجرومية، يعني: يدرس الآجرومية شرح جيد ثم بعد ذلك لا بأس أن يأخذ الألفية، ثم بعد الألفية يأخذ: جمع الجوامع للسيوطي إذا أراد الانتهاء؛ لأن جمع الجوامع سار فيه على نهج تاج الدين السبكي في جمع الجوامع في الأصول.
تاج الدين السبكي في الأصول جمع كتابه: جمع الجوامع من زهاء مائة مصنف، والسيوطي سار بسيره فجمع كتابه من مائة مصنف، فدل على أنه قد حوى علماً جماً، وشرحه في: همع الهوام، وهذا الكتاب لو اعتكف عليه الطالب بعد الألفية الكل في الكل في النحو.
نعم صحيح تناطح سيبويه والفراء والخليل، لو اعتكف عليه وفهم الفهم الصحيح حينئذٍ تكون سيبويه زمانك، وهم يقتطفون منه كثير الأشموني والصبان وغيرهم، يأخذون منه الكثير؛ لأن فيه أقوال قد لا توجد في غيره؛ لأن المتتبع للمصنفات لا بد وأن يقف على أقوال قد لا تكون مشهورة، وهو يأتي بالمشهور وغيره.
стр. 34
س: يقول خالد الأزهري في تمرين الطلاب عند: بسم الله الرحمن الرحيم
يلزم على الأول أن يعمل المصدر محذوفاً، ما هو الأول؟ ثم يقول: عمل المصدر لما فيه من راحة الفعل لا بالحمل على الفعل.
- نعم، مصدر مما يتعلق به الجار والمجرور، ثم إذا قلنا: هو متعلق للجار والمجرور أو الظرف، هل هو بالقياس والحمل على الفعل، أو لما فيه هو من رائحة الفعل؟ لا شك أنه الثاني؛ لأن المصدر مدلوله الحدث، إذا قيل الضرب من ضرب .. ضرب هذا مؤلف من جزئين، الضرب والزمن، حينئذٍ قيل: الضرب مصدر، مسمى المصدر هو الضرب، فهو اسم للفظ، هل هذا يعمل .. الضرب هل يعمل قياساً على الفعل، أو لما فيه من رائحة الفعل؟ لا شك أنه رائحة الفعل؛ لأنه أحد جزئي الفعل، وثم جزء ثالث سيأتي معنا إن شاء الله.
- وماذا يقصد باللام المقدرة قبل لفظ الجلالة في البسملة بسم الله ..
- نعم، هل الله هنا مجرور بلفظ اسم، أو بالإضافة، أو باللام المقدرة، ثلاثة أقوال: إذا قيل: بسم الله، اسم هذا مجرور بالباء، والعامل فيه حرف الجر، إذاً: تقول: الباء حرف جر، واسم: اسم مجرور بالباء، وجره كسرة، ما الذي أحدث هذه الكسرة؟ الباء، إذاً: هو عامل الكسر .. هو عامل الجر.
طيب! باسم اللهِ، الكسرة هذه ما الذي أحدثها؟ فيها ثلاثة أقوال:
قيل: اسم، هو اللفظ عينه، وهو المضاف وهو المرجح وعليه الجمهور لا الجمهور على أنها معنوية.
وقيل: الإضافة، مثل التبعية، كونه أضيف إليه.
وقيل: ثم حرف مقدر، أصل التركيب: باسم للله، ثم حذفت اللام وهي الجارة للفظ الجلالة وبقي عملها، وهذا ضعيف جداً؛ لأن حرف الجر لا يعمل محذوفاً ولا منوياً، هذا هو الأصل.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ...
стр. 35
عناصر الدرس
* شرح الترجمة
* شرح حد الكلام
* خلاف الشراح في قوله: (كاستقم) إلخ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سؤال: هذا يقول: ما المراد بقول ابن مالك: وتبسط البذل بوعد منجز؟
- تبسط، قلنا: توسع، الوسع: العطاء، والبذل: هو العطاء، بوعد منجز، يعني: مع وعد، وهذا الوعد منجز، قد يخلف الوعد وقد ينجزه وهو قد وفى بما ذكره، يعني: من باب مدح الألفية فحسب.
- هذا يحكي قصة ..... لكن لا أدري ما صحتها، هل صحيح أن ابن مالك ﵀ عندما وصل إلى قوله:
وَتَقْتَضي رِضاً بِغَيرِ سُخْطِ ... فَائِقَةً ألْفِيَّةَ ابْنِ مُعْطِي
قال بعدها: فائقة له بألف بيت، ثم لم يستطع إكمال هذا البيت فنام فرآى في المنام ابن معطي يكمله إلى آخره ..
- ما أدري هذه القصة وصحتها.
- هذا يريد كلمات قبل الدرس.
- هذا ما يمكن.
- ما اسم كتاب الشوكاني ﵀ الذي نقلتم منه درس أمس؟
- هذا أدب الطلب الذي كتب عليه: كيف تصبح عالماً؟
أي طالب عنده سؤال يكتبه فيما يتعلق بالدرس، أما خارج الدرس فلا.
- لماذا كان الأولى في المتعلق: لي وله، وفي درجات الآخرة .. لي وله في درجات الآخرة، أن نقول: إنه متعلق أن .. متعلقه محذوف.
- لا، قلنا: يقضي، والله يقضي لي وله، وأما في درجات الآخرة، هذا محل إشكال لو جعلناه متعلقاً بيقضي، وإنما الأولى أن يكون متعلقاً بمحذوف صفة لهبات.
نقاش غير واضح .............
- ما هو تعريف الملكة؟ ذكرناه بالأمس.
- ............... يستحضر بها المعلومات يعني التي تعلمها، أو يستحصل بها ما لم يكن، يعني: ما لم يعلمه، وهذه الهيئة أو الملكة إنما تكون بالدربة، يعني: بالممارسة ممارسة العلم، وهذا قد يكون في النحو وقد يكون في الفقه، وقد يكون في سائر العلوم.
- هل تقولون بالمجاز؟
- في المسألة خلاف بين أهل العلم، من قال بالمجاز مع إثبات الصفات هذا الخلاف معه لفظي لا بأس به المسألة اصطلاحية، وإذا نظر الإنسان في أدلة القائلين بالمجاز والمانعين بالمجاز لا يكاد أن يذهب إلا إلى القول بالمجاز، القول بالمجاز موجود، ووجوده أو الالتزام به لا يلزم به أن يقول بما قال به المؤولة من تحريف النصوص، وأما تحريف النصوص فهم يقولون بأن المجاز لا يعدل إليه إلا عند تعذر الحقيقة، ولا يلزم أن يكون قائلاً ببدعة ... لا، وعده من الطواغيت، هذا باعتبار أنه يستند إليه في التحريف وتأويل النصوص.
- ما الفرق بين الحال المقارن والحال .....
- ستأتي أنواع الحال كلها في باب الحال، فلا تستعجل.
ولذلك الرد على المجازيين أو على المؤولة والمحرفة، بأن إنكار المجاز يبطل مذهبهم هذا ضعيف، يعني: إذا أردت .. أن البعض يظن من طلاب العلم ظاهرية أنه إذا أبطل المجاز أبطل حجة المعتزلي أو الأشعري وكلهم هؤلاء أبطلها من أصل .. لا ليس صحيحاً، لماذا؟ لأنه هو قال بالمجاز فرعاً لا أصلاً، اعتقد أن ظاهر النصوص المماثلة هذا أولاً، ثم لما اعتقد هذا مع تنزيه عدل إلى أن الظاهر غير مراد، حينئذٍ أوله وحرفه إلى القول بالمجاز.
- المعلوم أن هو ضمير فصل لا محل له من الإعراب فكيف أعرب هو في قول ابن مالك: هو ابن مالك، مبتدأً، كيف أعرب؟
стр. 36
هو مبتدأ ليس كل ما جاء هو حينئذٍ يكون ضميراً فاصلاً لا محل له من الإعراب، لا تلازم، ليس بينهما تلازم حينئذٍ قد يكون مبتدئاً، وقد يكون ضمير فصل لا محل له من الإعراب، ولذلك له شروط: أنه لا يكون إلا بين متلازمين كالمبتدأ والخبر ونحو ذلك.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
الكلام وما يتألف منه، ثم قال:
كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كاسْتَقِمْ
واحِدُهُ كَلِمَةٌ والقَوْلُ عَمْ ... وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ
وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلاَمٌ قَدْ يُؤَمْ
هذا أول باب افتتح به المصنف رحمه الله تعالى هذه الألفية، وجرت عادة مؤلفيه أن يبوبوا ويفصلوا ويكتبوا الكتب بناءً على حكمة عندهم، والحكمة من التبويب جرت عادة المصنفين أن يفصلوا تآليفهم بالأبواب لأمور منها:
أولاً: أن تكون كل مسألة مجموعة تتبع نظائرها في باب مستقل، بحيث إذا أراد الطالب مراجعة مسألة طالع بابها فقط فيسهل عليه الأمر، يعني: من حيث جمع النظير إلى نظيره، فإذا أراد مسألة تتعلق بأحكام الاستنجاء والاستجمار حينئذٍ رجع إلى باب الاستنجاء والاستجمار، ولا يرجع إلى باب الإجارة، لماذا؟ لأن كل شيء يقرن بنظيره، فما كان متعلقاً بالاستنجاء والاستجمار يرجع إلى محله.
ومنها: إذا ختم الطالب باباً حصل له النشاط للآخر، يعني: فيه نوع تقويم وزيادة همة للطالب، فإذا ختم باباً حصل له النشاط للآخر، فالمسافر يفرح بقطع كل مسافة إذا كانت الطريق مقدرةً، كان ذلك أبعث له على السفر، ولذلك قيل، كما قال الزمخشري وغيره: كان القرآن سوراً؛ لأنه إذا انتهى من سورة حينئذٍ ينشط للأخرى.
الكلام وما يتألف منه، عرفنا أن هذا الباب قدمه لما ذكرنا.
ثانياً: لماذا بدأ المصنف رحمه الله تعالى بباب الكلام؟ وقد بدأ غيره بالحديث عن الكلمة، كما صنع ابن هشام في: قطر الندى وغيره، وإن كان الكثير من النحاة إذا كتبوا إنما يبدؤون بباب بالكلام؛ لأن الكلام هو المقصود بالذات، والحديث عن الكلمة إنما يفصل وينظر فيها من أجل أن يصل إلى الكلام، فالكلام مركب من مسند ومسند إليه، مبتدأ وخبر وفعل وفاعل، حينئذٍ النظر إلى الفعل وحده، والنظر إلى الفاعل وحده، والمبتدأ وحده، والخبر وحده، من أجل ماذا؟ من أجل أن يوصلنا ذلك إلى إقامة الكلام على الوجه الصحيح.
إذاً: المقصود هو الكلام، هو المقصود بالذات؛ ولأنه يقع به التفاهم والتخاطب، فالنتيجة حينئذٍ من أجل أن يفهم كلام غيره، وخاصة إذا كان الوحيين، وكذلك ليصلح كلامه هو، من أجل أن يوصل المعاني التي تكون في نفسه بلفظ صحيح واضح بين، فإذا خلط في كلامه حينئذٍ يكون ثم خلط في إيصال المعاني إلى الغير.
وقيل: هو محط الفائدة، فالكلام هو محط الفائدة .. هو النتيجة، وهو الذي يقع به التفاهم والتخاطب، بخلاف الكلمة.
وإنما صدر بها بعض النحاة نظراً لاعتبارين أو أمرين:
стр. 37
الأول: كما سبق أن موضوع علم النحو هو الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء، إذاً: موضوع فن النحو هو الكلمات العربية، فأول ما يبدأ به من الأبواب والحديث ما هو الأنسب؟ أن يكون الموضوع هو الذي يتحدث عنه أولاً.
ثانياً: نظر الآخر أن الكلمة جزء، والكلام كل، يعني: مركب من أجزاء، وأجزاؤه عبارة عن كلمات، ومعرفة الجزء مقدمة على معرفة الكل طبعاً فقدم وضعاً، ليوافق الوضع الطبع، كما هو الشأن عند أرباب الكلام وغيرهم.
وقدم الأول عند الوضع ... لأنه مقدم بالطبع
يعني: إدراك المفردات مقدم على إدراك المركبات، هذا بطبيعة النفس .. طبيعة النفس لا تدرك الكليات إلا إذا أدركت الجزئيات، والعلم بالجزئيات وسيلة إلى العلم بالكليات، فلذلك قدم بعضهم الكلام على الكلمة.
الكلام وما يتألف منه: .. الكلام لوحده نقول: هذا مفرد، كلام مفرد، ثم حصلت الفائدة، والمراد بحصول الفائدة هنا الفائدة التامة التي هي الفائدة الكلامية، وهذه تستلزم التركيب، يعني: لا تحصل الفائدة الكلامية التي يحسن سكوت المتكلم عليها بحيث لا ينتظر السامع إلى شيء آخر انتظاراً تاماً إلا إذا كان ثمة تركيب من مسند ومسند إليه، من مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل.
هنا قوله: الكلام وما يتألف منه، الكلام بالرفع، هذا إذا قيل بأنه مبتدأ على أنه مسند إليه حينئذٍ ينتظر الطالب أو السامع أو القارئ المسند الذي هو الحكم، وإذا نظر فإذا به تأتي إليه الواو، ومن القاعدة عند النحاة كما ذكر ابن هشام في المغني وغيره: أن المبتدأ إذا حكم عليه الطالب بأنه مبتدأ ثم أراد أن يبحث عن خبره، فإذا جاءت الواو فليقف ولا يبحث ما بعدها عن الخبر، لماذا؟
لأن الواو عاطفة فاصلة، يعطف بها بعدها عما قبلها، ولا يمكن أن يوجد خبر بعد واو عن مبتدأ قبلها، كما أنه لا يمكن أن يوجد فاعل بعد واو معطوفاً على فعله هذا ممتنع، فإذا كان كذلك حينئذٍ إذا طبقنا هذه القاعدة: الكلام مبتدأ، وقد حصلت به الفائدة، وما و .. إذاً: جاءت الواو لا يمكن أن يكون ما بعدها خبراً عما قبلها، حينئذٍ نقول: لا بد من محذوف نقدره، فصار التقدير واجباً؛ لأن الذي عندنا كلمة واحدة، ومن المعلوم أن الكلام لا يكون كلمةً واحدة، لا بد أن يكون مركباً من مسند ومسند إليه، مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل .. جملة فعلية أو جملة اسمية، والكلام لوحده هكذا لا يمكن أن يكون كلاماً، يعني: لفظ الكلام، إذاً: لا بد من التقدير، فصار التقدير واجباً.
وأكثر شراح الألفية على تقدير: هذا باب شرح الكلام، وشرح ما يتألف الكلام منه .. هذا باب شرح الكلام: الكلام في الرابعة جاءت، هذا مبتدأ، وباب: خبره، وباب: مضاف وشرح: مضاف إليه، وشرح: مضاف، والكلام: مضاف إليه .. الكلام في الأصل مجرور بالكسرة على أنه مضاف إليه، حذف المبتدأ هذا فأقيم مقامه باب الذي هو المضاف إليه.
стр. 38
حذف المبتدأ، ثم صار باب شرح الكلام، باب: هذا الخبر، حذف الخبر باب، وأقيم مقامه المضاف إليه وهو شرح، فارتفع ارتفاعه شرحُ الكلامِ، ثم حذف هذا الذي أقيم مقام الخبر شرحُ بالرفع، حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، فصار: الكلام، إذاً: بعد حذفين، حينئذٍ لا بد من تقدير مبتدءٍ محذوف على حذف مضافين من الخبر، باب شرح الكلام، وهذا فيه نوع تكلف، ولو قيل: هذا باب الكلام، ثم جعل الشرح مقدراً أو البيان على أنه بيان لمعنى، لا بيان لإعرابه.
وفرق بين أن يقدر الشيء من أجل تصحيح المعنى، أو من أجل تصحيح الإعراب، فرق بينهما، ولذلك دائماً نقول في الشروح: باب العام .. باب مضاف، والعام مضاف إليه، أي: باب بيان العام، ولا يحتاج أن نقول: حذف الباب وأضيف إليه كذا وإلى آخره، نقول: هذا كله لا داعي له.
وإنما يقدر المضاف من باب التبيين والإيضاح، حينئذٍ صار هذا التقدير تقدير معنى لا تقدير إعراب، والفرق بينهما:
أن تقدير المعنى إنما يكون من أجل إيضاح التركيب فحسب، ولا دخل له في الإعراب، وأما تقدير الإعراب حينئذٍ لا بد وأن يكون له أصل في الإعراب، فالأولى أن يقال: باب الكلام، هذا باب الكلام، ثم نقول: هذا باب، أي: باب بيان وإيضاح حقيقة الكلام وشرح الكلام.
الكلام، إذا حذفنا المضافات التي ذكرناها حينئذٍ نقول: هو خبر لمبتدأ محذوف، على حذف مضافين، باب وشرح، والأصح أن يقال: على حذف مضاف واحد، ولا نحتاج إلى كلمة شرح إلا من جهة إيضاح المعنى.
ويصح أن يكون الكلام مبتدأً خبره محذوفاً، الكلام وما يتألف منه هذا محله، وهذان الوجهان المرجح منهما الوجه الأول، وهو: أن يكون الكلام خبراً لمبتدأ محذوف، ويجوز النصب الكلامَ وما يتألف منه، يعني: اقرأ باب الكلام، ثم حذف باب وأقيم مقامه الكلام.
ويجوز عند الكوفيين، بابِ الكلامِ بالجر على حذف حرف الجر مع إبقاء عمله.
على كلٍ: أرجحها أن يكون الكلام خبراً لمبتدءٍ محذوف، وهذا أولى؛ لأن القاعدة عند النحاة: أنه إذا دار الأمر مع جواز حذف الخبر أو المبتدأ فالأولى أن يجعل المحذوف مبتدأً ولا يجعل خبراً؛ لأن الخبر إنما جيء به من أجل الفائدة:
وَالْخَبَرُ الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ .... !
والأصل في المبتدأ أن يكون معلوماً، وإذا كان كذلك فحينئذٍ حذف المعلوم أولى من حذف المجهول، الأصل في المبتدأ أن يكون معرفةً:
وَلاَ يَجُوزُ الابْتِدَا بِالنَّكِرَهْ ... مَا لَمْ تُفِدْ
هذا الأصل .. والأصل في الخبر أن يكون مجهولاً .. الأصل في المبتدأ أن يكون معلوماً، والأصل في الخبر أن يكون مجهولاً؛ لأنه حكم، حينئذٍ إذا جاز حذف أحد الطرفين فالأولى أن يرجح حذف المبتدأ؛ لأنه معلوم بينك وبين المخاطب، وإنما جيء بالخبر من أجل إفادة الحكم الذي تضمنه ذلك الخبر.
إذاً: إعراب الترجمة الكلام وما يتألف منه الأصل هذا باب شرح الكلام وشرح ما يتألف الكلام منه، اختصر للوضوح، يعني: اختصره المصنف للوضوح.
فالناظم ترجم في هذه الترجمة لشيئين: فشرح أولاً الكلام بتعريفه:
كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كاسْتَقِمْ
стр. 39
والكلم التي يتألف منها ثانياً بذكر أسمائها وعلاماتها فالشرح مختلف، يعني: الشرح الأول مختلف عن الشرح الثاني؛ لأنه ترجم لشيئين: تعريف الكلام، قال: وما يتألف الكلام منه، وهو الاسم والفعل والحرف، فعددها قال:
وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ.
ثم بين مزية كل واحد منها بعلامتها:
بالجَرِّ وَالْتَّنْوِينِ، ثم قال: بتاء فعلت، وآتت، هذا تمييز لها بعلاماتها، إذاً: ترجم لشيئين، وقدم الكلام؛ لأنه أصل، وثنى بما يتألف منه الكلام؛ لأنه جزء له، حينئذٍ ترجم لشيئين وعرف الكلام أولاً، ثم أتبعه بالثاني وهو الذي يتألف منه الكلام.
وللإشارة إلى اختلاف الشرحين صرح بعضهم بقوله: وشرحِ ما يتألف الكلام منه، كما صنع الكثير، السيوطي في شرحه والمكودي والأشموني وغيرهم، ونقول: الأولى عدم ذكر كلمة شرح من جهة الإعراب، وإنما تذكر من جهة البيان والإيضاح، فهو تقدير معنى لا تقدير إعراب.
والكلام خبر لمبتدأ محذوف، الأصل: هذا باب الكلام، هاء: حرف تنبيه، وذا: اسم إشارة مبتدأ، والإشارة إلى ما في الذهن من المعاني سواء قلنا: إن ما في داخل الترجمة وضع قبل الترجمة أو بعدها، وباب: خبره، والكلام بالجر مضاف إليه، ثم حذف هذا المبتدأ وحذف الخبر الذي هو باب مضاف وأقيم المضاف إليه الذي هو الكلام مقامه فارتفع ارتفاعه، وهذا أظهر وأشهر من جعل الكلام مبتدأً وخبره محذوف، ومن جعل الكلام بالنصب مفعولاً بمحذوف، وهذا كما ذكرنا أن غيره هو الأولى.
الكلام وما يتألف منه .. الكلام وما يتألف منه، يعني: وما يتألف الكلام منه، هنا أعاد الضمير بالتذكير منه، والأصل أن يقول: منها، يعني: يجوز الوجهان، أن يقول: منه، وأن يقول: منها، لماذا؟ لأن ما هذه اسم موصول يقع على الأشياء التي يتألف الكلام منها، وهذه الأشياء التي يتألف الكلام منها ثلاثة: اسم وفعل وحرف، فحينئذٍ هي من جهة المعنى مؤنث؛ لأنها جمع أشياء- جمع - ومن جهة اللفظ مذكر، وإذا عاد الضمير على الموصول وهو في اللفظ مذكر وفي المعنى مؤنث جاز الوجهان: أن يذكر اعتباراً باللفظ، وأن يؤنث اعتباراً بالمعنى، فيجوز: وما يتألف الكلام منها، يعني: من هذه الأشياء الثلاثة، وما يتألف الكلام منه، يعني: من هذه الأشياء الثلاثة، هذا جائز وذاك جائز.
قال: وما يتألف منها، مراعاة لما وقعت عليه: ما، يعني: المعنى المؤنث، والذي وقعت عليه ما الأشياء الثلاثة: الاسم والفعل والحرف، قال: وما يتألف، ولم يقل: ما يتركب؛ لأن ثم فرق بين التركيب والتأليف، التركيب: وضع شيءٍ على شيءٍ مطلقاً، سواء كان على جهة الثبوت أو لا، وسواء كان بينهما مناسبة أو لا.
إذا كان وضع شيءٍ على شيءٍ على جهة الثبوت فهذا يسمى: بناءً، ولذلك يقال: كل بناء تركيب ولا عكس، العلاقة بينهما العموم والخصوص المطلق، وإذا كان وضع شيءٍ على شيءٍ على وجه المناسبة بينهما فهو تأليف، ولذلك التأليف أخص من التركيب، فكل تأليف تركيب ولا عكس.
стр. 40
هنا قال: وما يتألف منه، ولم يقل: وما يتركب؛ لأن التأليف أخص، إذ هو تركيب وزيادة، تركيب: وضع شيءٍ على شيءٍ، وزيادة، ما هي هذه الزيادة؟ الألفة والتناسب بين الجزأين، فحينئذٍ عبر بالتأليف ولم يعبر التركيب، مع أن أكثر النحاة في تعريف الكلام يقول: اللفظ المركب، مراعاة إلى وضع الشيء على الشيء مطلقاً، سواء كان بينهما ألفة أم لا.
وابن مالك هنا راعى الألفة بين الجزأين.
إذ هو تركيب وزيادة، وهي: وقوع الألفة بين الجزأين، والمراد بالألفة: الارتباط بين الكلمتين بإسناد إحداهما إلى الأخرى، ارتباط وتعلق ونسبة بين الجزأين .. بين المسند والمسند إليه، أو إضافتها إليها، أو وصفها بها أو نحو ذلك، بخلاف ضمها إليها بدون مناسبة.
الحجر مأكول! طار الجدار! مات السقف! بينهما مناسبة أو لا؟ ليس بينهما مناسبة؛ لأن الموت لا يصدر عن الجماد، لا يوصف به إلا من صح أن لا ينفى مثلاً الشيء عن الشيء إلا إذا صح وصفه به، حينئذٍ إذا قيل: طار الجدار! نقول: الجدار لا يطير، مات الجدار! الحجر مأكول! نقول: هذه كلها ليس بينها ألفة.
وقال بعضهم: هما بمعنىً واحد، يعني: التركيب والتأليف، والمشهور التفريق بينهما.
الكلام وما يتألف منه، يعني: وما يتألف الكلام منه، عرفنا لماذا عبر المصنف بالتأليف إذ هو مقصود عنده، فليس الشرط في الكلام أن يكون مركباً فحسب، بل لا بد أن يكون بين الجزأين المسند والمسند إليه مناسبة وارتباط وتعلق بينهما، وأما ما لم يكن كذلك فحينئذٍ هل هو كلام أم لا؟ ينبني على اشتراط التركيب أو التأليف في حد الكلام، وابن مالك أشار إلى التأليف.
الكلام بفتح الكاف، له معنيان:
معنىً لغوي، ومعنىً اصطلاحي، ونقول بفتح الكاف؛ لأن الكلام مثلث الكاف، يقال: الكُلام، والكِلام، أما الكُلام: فهو اسم للأرض الصعبة، هذه أرض كُلام فهو مفرد، ويقال: الكِلام بالكسر، وهو جمع وليس مفرداً، جمع كَلمٍ: وهو الجرح، فالكِلام الجراحات، زيد به كِلام، أي: جراحات.
قال ابن يعيش في شرح المفصل: وسمي الكلام كلاماً؛ لأنه يكلم القلب، يعني: يجرحه.
جِراحاتُ السِّنانِ لَها التِئامٌ ... ... ولا يَلْتامُ ما جَرَحَ اللِّسانُ
فالكلام يجرح، أليس كذلك؟ فحينئذٍ سمي الكلام كلاماً لكونه .. إذاً: كِلام: هذا جمع وليس مفرداً، جمع لأي شيء؟ لكَلْمٍ، أصله: كَلَمَ يكْلُمُ كَلْماً، من باب نصر: نصر ينصر نصراً، كلم يكلم كلماً، هذا ليس مراداً معنا، إنما الذي يكون معنا هو الكلام بفتح الكاف،
وهو لغةً: القول وما كان مكتفياً بنفسه، وهو مركب من شيئين:
القول وما كان مكتفياً بنفسه .. المراد بالقول: اللفظ الدال على معنى، أو التلفظ قليلاً كان أو كثيراً، يعني: شيء يلفظ من الفم، صوتٌ معه حروف، هذا يسمى قولاً، وبالمعنى الأخص: القول هو اللفظ الدال على معنى، احترازاً عن القول الذي لا يدل على معنى، إذا عممنا القول وجعلناه مراداً للفظ كما هو قول لبعضهم.
следующие страницы →