Полный текст (2 939 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الرابع: (ما) وتكون مصدرية زمانية وغير زمانية، يعني: تكون مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر، وزمانية بمعنى: أنه يُضاف لفظ الزمن، مدة أو وقت أو زمن قبل المصدر، وقد لا تكون زمانية، الزمانية هي: التي يُعبر عنها بالظرفية، كما عبر ابن عقيل هناك، وابن هشام يرى أن التعبير بالزمانية أولى، لماذا؟ لو قلنا ظرفية، الظرف في اصطلاح النحاة لابد أن يكون منصوباً، والكل منصوب على إضمار في، حينئذٍ لابد أن يكون منصوباً على إضمار في وقد لا يتأتى بعد كونها مصدراً، بإضافة ما قبلها إلى ما بعدها، ((كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ)) [البقرة:٢٠]، (كلَّما)، (كُلَّ) ما أضاء (ما) هذه مصدرية، ((كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ)) [البقرة:٢٠] فإن الزمان المقدر هنا مخفوض، أي كل وقت إضاءة لهم، وقتِ بالكسر، لأنه مضاف إلى كل، وإذا كان كذلك حينئذٍ وقتِ هذا لا يقال فيه أنه ظرف، وإنما يقال فيه زمن، فلتشمل هذا التركيب ومما على شاكلته، حينئذٍ قال: الأولى أن يُعبر عنها بالزمانية، ولا يقال الظرفية، إذ يشترط في الظرف أن يكون منصوباً، إذا قدرته لابد أن يكون منصوبا، وأما إذا جررته كل وقت إضاءة، حينئذٍ وقتِ هذا صار مجروراً بإضافة كل إليه، فلا يكون ظرفاً وإنما يكون زماناً، وكل ظرف زمان هو اسم زمان ولا عكس، كل ظرفٍ في الاصطلاح عندهم ظرف الزمان فهو اسم زمان ولا عكس نقول: الوقت نفيسٌ، كلمة الوقت هنا: اسم الزمن، لكنها ليست بظرف، الظرف لابد أن يكون منصوباً، هو من المنصوبات، جاء مرفوعاً، إذاً جاء اسم زمان وليس بظرف، وهذا واضح، ((وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)) [البقرة:٢٨١] نقول يوماً هذا، يوم اسم الزمن ولكنه ليس بظرف، ((وَاتَّقُوا يَوْمًا)) [البقرة:٤٨] مفعول به، فاليوم كله هو الذي يكون مُتَقَى، وليست التقوى مأموراً بها أن تقع في ذلك اليوم، ليكون ظرفاً له فالمعنى يَفْسُد، المعنى يكون فاسداً لو نصبناه على الظرفية، وإنما هو منصوبٌ على أنه مفعول به، والمعنى واضح بين، واتقوا يوماً على أنه مفعول به، اليوم كُله مُتَقى، حينئذٍ التقوى تكون سابقة على اليوم، وإذا قلنا ظرف، معناه التقوى ليس مأمور بها في الدنيا، إذاً؟؟؟، ((وَاتَّقُوا يَوْمًا)) [البقرة:٤٨] يعني: اتقوا في ذلك اليوم، والدنيا افعل ما شئت ومثله ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) [البقرة:٢١] ((أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)) [البقرة:١٨٤]، ((أَيَّامًا)) [البقرة:٨٠] هذا لا يكون ظرفاً البتة أبداً، يفسد المعنى، إن كان بعض القراء يوصله يظن أنه معمول لما سبق ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ..
стр. 422
أَيَّامًا)) على هذا التركيب لعلكم تتقون تقع التقوى في هذه الأيام المعدودات فحسب، وليس هذا المراد بالصوم، وإنما المراد أن تكون التقوى صفة لازمة لهم، وإذا جعلنا ظرفاً له جعلنا التقوى محلاً أو جعلنا هذه الأيام المعدودات محلاً للتقوى فسد المعنى، ليس هذا المراد، بل الصوم يكون سبباً في حصول التقوى أبداً وأمداً، وليست في هذه الأيام فحسب، حينئذٍ نقول: ((أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)) [البقرة:١٨٤]، هذا إما أنه منصوب باسم المصدر، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)) [البقرة:١٨٣] ((أَيَّامًا)) [البقرة:٨٠]، أو نجعله مفعولاً به لفعل محذوف (صوموا أياماً معدودات)، على كلٍ هذا أو ذاك قدرناه محذوفاً أو الموجود فالمراد بأيام معدودات أنها ظرف للصوم لا للتقوى، وفرق بينهما.
إذاً (ما) تكون مصدرية وزمانية، يقدر الزمان قبلها، تؤول بزمن أو ظرف على المشهور مضاف إلى مصدر، وتوصل بالفعل المتصرف غير الأمر، توصل بالفعل المتصرف، لكن الأمر لا، والأكثر كونه ماضياً، والأكثر في صلتها أن يكون ماضياً، (لا أصحبك ما دمت منطلقاً)، لا أصحبك (ما) نقول: هذه مصدرية زمانية، وهنا لو قلنا ظرفية لا إشكال، لأن التقديم (لا أصحبك مدة)، دوامك منطلقاً، ما دمت منطلقاً: أي مدة دوامك، مدة هذا مثل الوقت والزمان، فهو اسم زمان، وهنا نُصِب، حينئذٍ لا إشكال، أي في مدة دوامك، صار ظرفاً، لا إشكال فالمصطلح المشهور انطبق على هذا، أما الآية السابقة نقول هذه لا يتأتى فيه ((كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ)) [البقرة:٢٠].
فحينئذٍ هي مصدرية لأنها أُوَُِّلت مع ما بعدها بمصدر –دوام- وظرفية لأنها أضيفت إلى ظرف سبقها ظرف، وهنا انظر لأنه سيأتيك -لا أصحبك ما دمت منطلقاً: مدة دوامك- سيأتي أن (دام) المشهور عند النحاة أنها لا مصدر لها، هذا المشهور، بعضهم يحكي إجماع، وفي هذا المحل يقولون:
ما دمت منطلقاً مدة دوامك: يقدرون لها مصدر، ولذلك نقض عليهم الصبان، كما سيأتي في هذا الموضع في باب (كان) أنهم اتفقوا على التقدير في هذا المحل في مثل هذا المثال، لأن المثال مطرد عندهم: مدة دوامك منطلقا: ثم إذا جاءت دام هناك قالوا لا مصدر لها، كيف لا مصدر لها؟ هذا تعارض، حينئذٍ نقول: دام لها مصدر، لهذا المثال الذي يذكرونه هنا وأطلقوا على التمثيل به فانتبه.
لا أصحبك ما دمت منطلقاً: يعني: مدة دوامك منطلقاً.
وغير زمانية، نحو: عجيب مما ضربتَ زيداً، يعني: عجبت من ضربكَ زيداً، فجاءت (ما) هنا مصدرية، لكنها غير زمانية، غير ظرفية، يعني لا تقدر لفظ الزمن أو الظرف قبل المصدر، إذاً ما تكون مصدرية، ثم هذا المصدر قد تقدر قبله اسم زمان أو لا، الأول: تسمى مصدرية زمانية، والثانية: مصدرية فحسب.
стр. 423
عجبت مما ضربتَ زيداً: يعني من ضربك زيداً، وتوصل بالماضي، كالمثال السابق، وبالمضارع لا أصحبك ما يقوم زيدٌ، يعني: مدة قيام زيد، وعجبت مما تضرب زيداً، ومنه ((بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)) [ص:٢٦]، يعني: بنسيانهم، بـ (ما) نسوا يوم الحساب، هذا فعل ماضي، جاء بعد (ما) وما هنا الأرجح أنها موصول حرفي، ((بِمَا نَسُوا)) [ص:٢٦] أي: بسبب نسيانِهم يوم الحساب، ((بِمَا نَسُوا)) [ص:٢٦] أي بسبب نسيانهم يوم الحساب، وبالجملة الاسمية، توصل بالجملة الاسمية، ولكن هذا قليل، نحو: (عجبت مما زيدٌ قائمٌ)، يعني: عجبت من قيام زيد، تؤول المصدر كما أولته في (أن) ومدخولها.
ولا أصحبك ما زيدٌ قائمُ: وهذا قليل كما ذكر ابن عقيل، وأكثر ما توصل الظرفية المصدرية بالماضي أو بالمضارع المنفي بـ (لم) لا أصحبك ما لم تضرب زيداً، ويقل وصلها بالفعل المضارع الذي ليس منفياً بـ (لم) لا أصحبك ما يقوم زيدٌ، ومنه قوله:
أُطَوِّف مَا أُطَوِّفُ ثمَّ آوي ... إِلى بَيْتٍ قَعِيدتُهُ لَكَاعِ
أُطَوِّف مَا أُطَوِّفُ: يعني: أطوف تطوافي، (تَفْعَال) بفتح التاء، فحينئذٍ صارت مصدرية، صارت مصدرية.
أُطَوِّف مَا أُطَوِّفُ ثمَّ آوي ... إِلى بَيْتٍ قَعِيدتُهُ لَكَاعِ
هذا المشهور عند الجمهور أن (ما) هذه موصول حرفي، وذهب بعضهم وهو مذهب سيبويه، أنها موصول حرفي، بمنزلة (أن) المصدرية، وذهب الأخفش وابن السراج إلى أنها اسمٌ بمنزلة (الذي) –اسمية- واقعة على الحدث مقدراً عائدها معنىً، أعجبني ما قمتَ، يعني: أعجبني ما قمته، لأنه لم يسمع في لسان العرب: أعجبني ما قمت وما قعدت، كما قال ابن هشام في شرح القطر.
إذاً اسم بمنزلة (الذي) واقع على مالا يعقل وهو الحدث، يعني: بمنزلة الذي، ((وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ)) [آل عمران:١١٨]، أي ودوا الذي عنتموه، أي العنت الذي عنتموه، فأوقع الذي على الحدث وهو العنت، ولم يرد أنه سُمِعَ أعجبني ما قُمته وما قعدته، وهذا دليل على إبطال ما ذهبوا إليه، من كون (ما) مصدرية اسماً وليس بحرفٍ.
ولو صح ما ذكر لصح ذلك لأن الأصل أن يكون العائد مذكوراً لا محذوفاً، أعجبني ما قمتَ، أين العائد؟ لو كانت ما هنا بمعنى (الذي) اشترطنا في الاسم الموصول أن يكون ثَمَّ عائدٌ من جملة الصلة إليه.
أعجبني ما قمت وما قعدت: أين الضمير؟ قالوا: مقدر، قلنا: لم يُسمع مرة واحدة أن العرب نطقت بالضمير عائداً على ما، وهي موصولة حرفية، فدل على أنها حرفٌ وليست باسم.
إذاً يُرد عليه بما قالوه: أعجبني ما قمته وما قعدته: لم يُسمع هذا اللفظ في لسان العرب البتة، فلو كان كذلك، لسُمِع ولو مرةً واحدة لأنه الأصل، الأصل أن تكون (ما) اسمية لا حرفية، وإذا كانت اسمية لابد من دليل يدل عليها وأن يطقوا بهذا اللفظ ولو مرة واحدة، لكن كونه لم ينقل، علمنا أنه ليست اسمية بل هي حرفية.
стр. 424
الخامس: (لو)، وتوصل بالماضي، نحو: وددت لو قام زيد، يعني: وددت قيام زيد، وهذه أيضاً فيها خلاف كما ذكرناه، لو التالية غالباً مفهمة تمني، يعني: لا تكون موصولة إلا إذا سُبِقت بمادة تدل على التمني، والغالب أنها ود، أو يود، ((يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ)) [البقرة:٩٦] ((وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ)) [القلم:٩] (لو) ((وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ))، فنقول:
لو التالية غالباً مفهمة تمني -اختلف فيها- فالجمهور أنها لا تكون مصدرية، بل تلازم التعليق، ويؤيد ذلك أنه لم يُسمع دخول حرف جرٍ عليها، وهذا أعظم ما يستدل به على إثبات المصدرية، دخول حرف الجر عليها.
وذهب الفراء والفارسي وابن مالك: إلى أنها قد تكون مصدرية فلا تحتاج إلى جواب وخرجوا على ذلك قوله تعالى: ((يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ)) [البقرة:٩٦] يود أحدهم تعميره، ((وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ)) [القلم:٩] ودوا مداهنتكم، إذاً هذه نقول مختلف فيها الجمهور على النفي، وابن مالك ومن وافقه (أو هو وافقهم) على أنها حرفٌ مصدري، وتوصل بالماضي، يعني: بفعل مُتصرف غير أمر عند القائلين بأنها حرف مصدري، توصل بفعل مُتصرف، يعني: ماضي أو مضارع غير أمرٍ، ولا يحفظ دخولها على الجملة الاسمية، أي لم توصل بالجملة الاسمية، وإنما توصل بفعلٍ متصرف غير أمرٍ والأكثر أنها تقع بعد ما يفيد التمني.
السادس: عند ابن مالك رحمه الله تعالى: (الذي) هذه يوصل بها، وتؤول مع ما بعدها بمصدر، هل هي حرف أم أنها هي اسم، نقل الاتفاق على أنها اسم مع كونها تؤول مع ما بعدها.
ولذلك قيل: مَوْصُولُ الاسْمَاءِ الَّذِي نقول: (الذي) هنا قد تكون اسمية، لا تؤول مع ما بعدها بمصدر، وهي الأصل إذا أُطلقت انصرفت إليها، وأما إذا كانت مصدرية حينئذٍ لابد من تقييدها، فيقال: قد تؤول مع ما بعدها بمصدر، ((وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا)) [التوبة:٦٩] كـ (الذي) هذا واحد مفرد مذكر، وقلنا يشترط في جملة الصلة أن تكون مشتلمة على رابط.
وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَهْ ... عَلَى ضَمِيرٍ لاَئِقٍ ....
لائِقٍ: بمعنى أنه إن كان الموصول مفرداً، كان الضمير مفرداً، لابد من التطابق، بعود الضمير، إن كان مثنى كان الضمير مثنى، وإن كان الموصول جمعاً (الذين) (الذون) حينئذٍ يجب أن يكون الضمير جمعا، التطابق لابد منه.
لو نظرنا هنا في قوله: ((وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا)) [التوبة:٦٩] بالواو (الذي) واحد مفرد، (وخاضوا) بالواو، حصل التطابق أم لا؟ لو كانت اسمية لقال: كالذين خاضوا، كـ (الذين) حينئذٍ صح، أو كـ (الذي) خاض، كـ (قام) لأنه يشترط في الاسمية أن تكون الجملة مشتملة على رابطٍ مطابق لما سبق للموصول نفسه.
стр. 425
وأما الموصول الحرفي فلا يشترط اشتماله على رابط، لا يشترط، ولو وجد لا يُشترط فيه التطابق، إذاً لا يمكن حمل الذي على أنها غير مصدرية، فليس ثم تخريج إلا أن تكون (الذي) هنا في تأويل مصدر مع ما بعدها، فالذي مفرد، وما بعده جمعٌ، الذي مفرد، وما بعده يعني: خاضوا: الواو، عرفتم وجه عدم التطابق، أن (الذي) هذا مفرد اسم موصول، و (خاضوا) صلة الموصول، اشتمل على ضمير وهو الواو، الذي هو مفرد، والواو جمع، ويشترط في الاسم الذي يكون موصولاً، التطابق بين الضمير وبين مرجعه، هنا لم يتطابق فدل على أنها ليست موصولية، هذا استدلال الإمام ابن مالك رحمه الله تعالى، فـ (الذي) مفرد وما بعده جمعٌ، فلو كانت موصولاً اسمياً، لقيل: كالذي خاض، أو كالذين خاضوا، حينئذٍ ((وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا)) [التوبة:٦٩]، يعني: كخوضهم أولها بمصدر.
أُجيب من جهة الجمهور بجوابين: يعني تخريج الآية، كيف نُخرج الآية؟
نقول: بـ (أن الذي): اسم موصول على الأصل، وليس بمصدري، لا يؤول مع ما بعده بمصدر، بأن (الذي) اسم موصول صفة لموصوف محذوف والتقدير خُضْتُم خَوضاً كالخوض الذي خاضوا، خَوضاً كالذي خاضوا، والموصوف مع صفته في قوة اللفظ الواحد، والتقدير (خضتم خوضاً كالخوض الذي خاضوا) والعائد محذوف، أي: خاضوه.
إذاً الضمير المبرز هنا –البارز- وهو الواو ليس هو العائد، وإنما العائد محذوف، خضتم خوضاً هذا مفعول مطلق، ليس داخل المعنى، كالخوضِ كـ (الذي) يعني: كالخوض الذي، فـ (الذي) صفة لموصوف محذوف، كالذي خاضوه، الهاء هي التي تعود على الذي وليس هو الواو، هذا تخريج جيد، وله اطراد، وله وجهه وهو قوي، والعائد محذوف أي خاضوه، أو وجه آخر، وهذا على لغة القليلة والأولى أن نُرجح الأول، أن الذي اسم موصول بالجمع وأصله الذين، حذفت النون منه وهي تحذف من المثنى والجمع في الموصولات، لكنها ليست هي اللغة الفصيحة، وعلى ذلك لا يحمل عليها القرآن.
((خُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا)) [التوبة:٦٩] يعني: كالذين خاضوا، فصار الذي هذا في اللفظ مفرد لكنه في الحقيقة جمع، كـ (الذين) حذفت النون وهذا سائغ عندهم، نعم نقول هو سائغ لكنه ليس هو الفصيح، وإذا لم يكن كذلك لا يحمل عليه القرآن البتة، بل لا يجوز، هذا مثله مثل: أكلوني البراغيث، وهذه ممنوعة في القرآن على الصحيح وهي أشهر من حذف النون من الذين واللذان، أشهر، فإذا نفينا الأشهر مع وجوده ولغة ... الخ بل مع وجود من يقول به بوجوده في القرآن من النحاة، فإذا نفينا عن تلك اللغة أن تكون في القرآن فالذين مع حذف النون هذا من باب أولى وأحرى؛ فإن لم يترجح أنها مصدرية حينئذٍ نؤوله بالتأويل الذي ذكره أولاً: (كالخوض الذي خاضوه) وهذا مستقيم حذف الموصوف كثير في القرآن وحذف العائد كثير كذلك في القرآن، هذه ست من الموصولات التي يُعبر عنها بأنها موصول حرفي أما (الذي) هذا حُكي الاتفاق على أنه اسم على أصله.
قال الناظم رحمه الله تعالى
مَوْصُولُ الاَسْمَاءِ الَّذِي الأَُنْثى الَّتي ... وَالْيَا إِذَا مَاثُنِّيا لاَ تُثْبِتِ
بَلْ مَا تَلِيهِ أَوْلِهِ الْعَلاَمَهْ ... وَالنُّونُ إِنْ تُشْدَدْ فَلاَ مَلامَهْ
стр. 426
وَالنُّونُ مِنْ ذَيْنِ وَتَيْنِ شُدِّدَا ... أَيْضاً وَتَعْوِيضٌ بِذَاكَ قُصِدَا
هذا شُروع فيما عَقَد له الباب رحمه الله تعالى، وهو الموصول الاسمي، ولذلك قال: موصول الأسماء، بإسقاط همزة الأسماء، هي جمع، الأصل فيها أنها همزة قطع.
مَوْصُولُ الاسْمَاءِ: مضاف ومضاف إليه، وهو مبتدأ
الَّذِي: مبتدأ ثاني، وخبره محذوف، يعني: موصول الأسماء، منه الذي، وهو جملة في محل رفع خبر المبتدأ الأول.
الأَُنْثى الَّتي: يعني: والأنثى التي، والأنثى المفردة لها التي كذلك مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة بإسقاط حرف العطف على منه الذي.
منه الذي: هذا لم يقيده الناظم وإنما يُقيد معنىً بمقابله، لأنه لما قال:
الأَُنْثى الَّتي: علمنا أن الذي هذا للمفرد المذكر.
مَوْصُولُ الاسْمَاءِ: هذه إما أن تكون نصاً، وإما أن تكون مشتركة، سيعدها الناظم عداً، ولذلك ذهب السيوطي في جمع الجوامع إلى أنها لا تُعرف، وإنما يُستغنى بالعد عن الحد، فالموصولات الاسمية قسمان: منها ما هو خاصٌ، ومنها ما هو مشترك، المشهور في الخاص: أنه ثمانية، والمشهور في المشترك أنها ستة، والخاص كاسمه خاص، بمعنى: أنه لفظ أُطلق على معنى خاص، لا ينصرف إلى غيره، فالذي نقول للمفرد المذكر.
إذاً لا يُستعمل في المفردة المؤنثة، والتي نقول: هذا خاص بالمفردة المؤنثة، فلا يُستعمل في المفرد المذكر، بخلاف المشترك كـ (من) و (ما) و (أل) و (ذو) هذه تطلق مراداً بها المفرد المذكر، والمفرد المؤنث، ويراد بها المثنى والمؤنث والمذكر والجمع، إذاً لفظ واحد يُستعمل مُراداً به كل ما ذكرناه.
ثم الاسم الموصول إما أن يكون مفرداً وإما أن يكون مثنىً، وإما أن يكون جمعاً، وكل من هذه الثلاث إما أن يكون مذكراً وإما أن يكون مؤنثا، .. فالقسمة حينئذٍ تكون كم؟ ٣×٢=٦، إما مفرد وهذا قسمان: مفرد مذكر، ومفرد مؤنث، وإما مثنى وهذا قسمان: مثنى مذكر، ومثنى مؤنث، والجمع كذلك.
مَوْصُولُ الأسْمَاءِ: الذي بدأ بـ (الذي) لماذا؟ لأنه الأصل، وهو مفرد، ويطلق للمفرد المذكر، عاقلاً كان أو غيره، عاقلاً كان أو غيره، والتعبير بكونه يطلق على العالم وغيره أو لا، وإن اشتهر على ألسنة النُحاة أنه يطلق على العاقل وغيره، العاقل: المراد به من بني آدم، وغيره كالبهائم والجمادات ونحوها.
وجاء إطلاقه على الله في القرآن ((وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ)) [الزخرف:٨٤] ولكونه لا يطلق عليه صفة العقل حينئذٍ التعبير بأن الذي للعالِم وغيره يكون من باب أولى وأحرى، أن يكون عام، لأننا نقعد من أجل فهم الكِتاب والسنة.
وإذا كان كذلك حينئذٍ ينبغي أن تكون الألفاظ معتبرة بما وافق عليه الشرع ويُمنع أو يتوقف فيما لم يأت به الشرع.
حينئذٍ (الذي) و (من) هذه نقول الأصل فيها أنها للعالِم، لأنها جاءت مطلقة على الرب جل وعلا والله تعالى لا يوصف بكونه عاقلاً أو نحو ذلك لأن هذه الموصوف من صفة المخلوق.
стр. 427
مَوْصُولُ الأسْمَاءِ: (الذي) إذاً الذي للمفرد المذكر عاقلاً كان أو غيره على المشهور، وعالم أولا لقوله تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ)) [الزخرف:٨٤] ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ)) [الزمر:٧٤] (الذي) هذا على من؟ الله .
إذاً هاذان مثالان أطلق لفظ الذي على الرب جل وعلا ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ)) [الزمر:٧٤] ((هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)) [الأنبياء:١٠٣] هذا على الزمان، ولا يوصف بالعلم، ولا يوصف بالعقل، ((هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)) [الأنبياء:١٠٣].
إذا مَوْصُولُ الأسْمَاءِ الَّذِي: منه الذي وهو للمفرد العالِم المذكر عاقلاً كان أو غيره، وذكرنا أن المذكر هذا لا بأس أن يطلق من جهة الرب جل وعلا باعتبار اللفظ، لذلك جاء ((وَهُوَ اللَّهُ)) [الأنعام:٣] و (هو) بإجماع أنه يعود إلى المذكر بخلاف (هي) هذا يعود إلى المؤنث.
مَوْصُولُ الأسْمَاءِ الذي: والأنثى المفردة لها التي: أيضاً عاقلةً كانت أو غيرها، سواء كانت عاقلة، أو ليست بعاقلة، عاقلة يعني: من بني آدم، ((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)) [المجادلة:١] وهذه عاقلة، وكذلك غير العاقلة: ((مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي)) [البقرة:١٤٢] هذه غير عاقلة، ((الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا)) [البقرة:١٤٢].
إذاً (التي) تستعمل في العاقل في العالِم وفي غيره، وكذلك (الذي) يستعمل في العاقل في العالِم وفي غيره، هذان الاستعمالان مشهوران في لسان العرب.
مَوْصُولُ الأسْمَاءِ: (الذي) عرفنا هذه الجملة مركبة، جملة كُبرى، لأن موصول الأسماء (هذا) مبتدأ أول، (الذي) مبتدأ ثاني، (منه): هذا خبر المبتدأ الثاني، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الأول، فهي جملة كُبرى، وضابط الجملة الكبرى ما هي؟ التي وقع الخبر فيها جملة، ونفس جملة الخبر تسمى جملة صغرى، لابد من حفظ هذه الاصطلاحات.
الأَُنْثى الَّتي: الواو هنا لابد من العطف، لأنه حَكَمَ على الجميع، جميع ما يذكره بكونه موصول الأسماء، ليس خاص بـ (الذي) موصول الأسماء الذي ليس خاصاً به، (التي) الأَُنْثى الَّتي، إذاً والأَُنْثى الَّتي، والأَُنْثى المفردة لها (التي) حينئذٍ صار معطوفاً على ما سبق بإسقاط حرف العطف.
أصلها (الذي)، (التي) أصلها (لذي) هكذا قيل و (لتي) بوزن (فعِل) كـ (عَمِي)، (لَذِي) و (لَتِي) بوزن (فَعِل) كـ (عَمِي) زيدت عليها (أل) زيادة لازمة، هذه سيأتي (أل) التعريف وَقَدْ تُزَادُ لازِماً كَالَّلاتِ، لازم هي زائدة وهي التي يُعبر عنها سيبويه بأنها معتدٌ بها وضعاً، بمعنى في أول الوضع الأول، وضعت وهي زائدة، كهمزة الوصل في الفعل، فعل الأمر، لأننا نحكم أنها زائدة باتفاق، اضرب، نقول العربي نطق هكذا اضرب، أول ما وضع الواضع اضرب، اضرب هذه الهمزة زائدة، لأننا إذا أردنا أن نأخذ فعل الأمر نأخذه باعتبار ماذا؟ باعتبار مضارعه، يضرب، هذا الأصل، أسقط حرف المضارعة، صار ما بعده ساكناً جاءت له همزة الوصل، التقى ساكنان كسرت الأول صار اضرب.
стр. 428
إذاً هذه الهمزة زائدة قطعاً، لكن زائدة بعد وضع كلمة ضرب بإسكان الضاد أولاً ثم زادها العربي، أم أنها ابتداءً وضعت، نقول: ابتداءً وضعت، كذلك (الذي) و (التي)، أصلها (لذي) و (لتي) زيدت عليها (أل) زيادة لازمة وضعاً، معتدٌ بها في أصل الوضع أو عُرف بها على القولين، يعني: إما أن نقول (أل) هذه زِيدت عليها زيادة لازمة، أو أنها مُعرفة، على قول من يرى أن الذي معرفة بـ (أل)، (أل) هو حرف تعريف، هذا عام، يشمل الرجل ويشمل (الذي) و (التي) لأن (أل) موجودة منطوقاً بها في لسان العرب، حينئذٍ صار التعريف بها، وهذا قول موجودٌ عند النُحاة.
وقال الكوفيون: الاسم الـ (ذال) فقط، (الذي) (لذي، ذي) هذا الأصل و (التي) (تي) فقط، هكذا قال الكوفيون، هذا نرده.
قال الكوفيون: الاسم الـ (ذال) فقط من (الذي) ساكنة، وتسقط الياء في التثنية وفي الشعر، يعني الدليل على هذا أنها الـ (ذال) لأنها تسقط في (أل) زائدة لا إشكال، وأما الياء لسقوطها في التثنيةِ، فتقول (ذانِ) (اللذانِ) (أل) هذه للتعريف، أو أنها زائدة، إذا كان كذلك ليست من أصل الكلمة، وهذا لا إشكال فيه، طيب ماذا بقي؟ بقي (الذال) و (الياء) (الذي) (ذي) بقي (ذي) حينئذٍ قال الكوفيون: الياء زائدة ليست أصلية، خلافاً للبصريين لماذا؟ قالوا: لأنه سيأتي، وَالْيََا إِذَا مَاثُنِّيَا لاَ تُثبِتِ لا تَثْبُت في التثنية، فدل على أنها زائدة وليست أصلية، إذ لو كانت أصلية لكانت كـ (الدال) من زيد، تقول: (زيدان) تبقى الياء كما هي كما بقيت الدال من (الزيدان).
ولسقوط الياء في التثنية أو في الشعر، ولو كانت أصلاً لم تسقط، واللام زِيدت ليتمكن النطق بـ (الذال) الساكنة ورُد بأنه ليس من الأسماء الظاهرة ما هو على حرفٍ واحد، هذه قاعدة.
رُدَّ قول الكوفيين بأنه لا يوجد (ذه) فقط هكذا، هاء السكتة يعني، (ذ) حرف واحد اسم ظاهر، وهو على حرف واحد لا وجود له، وفيها لغات: (الذي) و (اللذيِّ) و (اللذيُّ) و (اللذ) و (الذِي) والسادسة (لذي) بحذف (أل) وتخفيف الياء ساكناً.
وَجَعَلَ اللَّذْ كَاْعْتَقَدْ: سيأتينا ابن مالك يستعمل هذا (وَجَعَلَ اللَّذْ) هذه لغة في (الذي) ليست للضرورة الوزن، لا هي لغة فيها، فيها ست لغات. (الذي) المشهورة هذه (الذي) بتشديد اللام وكسر الذال وإسكان الياء، وهي الفصيحة وأفصحها، لا يوجد في القرآن إلا هي، ثم (اللذيِّ) كسر الذال وتشديد الياء مع الكسر، و (اللذيُّ) نفسها بالتشديد لكن مع الضم، و (اللذْ) بحذف الياء مع إسكان الذال، (والذي) مع حذف الياء وكسر (الذي) و (لذي) (لذي) بحذف (أل) وتخفيف الياء ساكنةً.
مَوْصُولُ الاسْمَاءِ الَّذِي الأَُنْثى الَّتي: وذهب يونس والفراء وابن مالك: أن الذي قد يقع موصولاً حرفياً كما ذكرناه سابقاً، فيؤول بالمصدر، وخرجوا عليه قوله: ((وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا)) [التوبة:٦٩] أي كخوضهم، والجمهور على المنع وأجابوا بالجوابين السابقين.
وَالْيَا إذَا مَاثُنِّيا لا تُثْبِتِ:
بَلْ مَا تَلِيهِ أَوْلِهِ الْعَلاَمَهْ: أراد أن يبين لنا المثنى من (الذي) ومن (التي) فالذي يُثنى، فيقال فيه: (اللذان)، ((وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ)) [النساء:١٦].
стр. 429
والتي: يقال فيها (اللتان) بزيادة الألف والنون، والياء: أي ياء؟ (أل) هنا للعهد، أي ياء؟ ياء (الذي) وياء (التي)، قلنا الذي مختوم بياء ساكنة، والتي مختوم بياء ساكنة، حينئذٍ قال:
وَالْيَا إذَا ثُنِّيا -الذي والتي- لا تُثْبِتِ: لا تثبتها بل احذفها، لماذا؟ إذا قلت (الذي) ثم جئت بالألف في حالة الرفع والنون، حينئذٍ التقى الساكنان، الياء والألف، فوجب حذف الياء، لالتقاء الساكنين، تخلصاً من التقاء الساكنين، وقلت: اللذان.
والتي: كذلك نقول: جئت بالألف والنون فالتقى ساكنان، الياء ساكنة والألف، فحذفت الياء، فقلت: اللتان.
وَالْيَا إذَا مَاثُنِّيا لا تُثْبِتِ.
بَلْ مَا تَلِيهِ: الذي تليه الياءُ، وهو الذال أو التاء.
أَوْلِهِ الْعَلاَمَهْ: أتبعه بالعلامة وهي الألف رفعاً والياء نصباً وجراً.
إذاً بين لنا أن هذه الياء في الذي والتي أنها لا تثبت عند التثنية مطلقاً، لا في حالة الرفع، ولا في حالة النصب، بل تأتي بالعلامة، علامة التثنية، وتلحقها بالذال، من الذي، وبالتاء من التي، فتقول: اللذان، واللتان، واللذين واللتين.
الياء: مفعول مقدم، لقوله:
لا تُثْبِتِ: لا تُثْبِتِ الياء إذا ما ثنيَ.
يا طالباً خُذ فائدة ... ما بعد إذا زائدة
إذا وقعت ما بعد إذا احكم عليها أنها زائدة لإفادة التوكيد، ((وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)) [الشورى:٣٧] ((وَإِذَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ))، لو قلت على أصلها وهي نافية ((مَا غَضِبُوا يَغْفِرُونَ)) عند عدم الغضب يغفرون، ليس هذا المُراد، وإنما المراد أن (ما) هذه زائدة، يعني: التأكيد، أنهم عند الغضب تحصل منهم المغفرة، لكن هذا مُقيد ((فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ)) [الشورى:٤٠] ليس دائماً.
بل والياء: مفعول مقدم، منهما: يعني من الذي والتي إذا ثنيا، وكذا إذا جمعا، ليس الحكم خاصاً بالتثنية، بل حتى الجمع، وكذا إذا جُمعا ولم يذكره المُصنف هنا نص على التثنية فحسب، إحالة على قوله: جَمْعُ الَّذِي الأُلَى، سيأتي بيانه.
ولأن سقوط الياء إذا جُمع على قياس جمع المنقوص، كالقاضين، فلا حاجة لذكره، يعني: جاء على القياس، بخلاف الذي والتي، فالتثنية ليست على القياس.
الياء إذا ما ثُنيا: إذا ثني حقيقة أو أُتي بهما على صورة المثنى، الناظم هنا أطلق قال: (ثُنيَ) يعني: حصل للفظ تثنية، فصار مثنى، حينئذٍ هل هو مثنى حقيقة، أم أنه على صورة المثنى، إذا قلنا: مثنى حقيقة، معناه أنه مُعرب، وليس بمبني.
стр. 430
ويأتي التعليل بأنه أُعربَ مع كون الأصل في الاسم الموصول أنه وجد فيه شبهه بالحرف، وهو الافتقار المتأصل هذا موجود حتى مع المثنى، اللذان، واللتان، واللذين، واللتين، لكن يجاب بأن الشبه هنا ليس مُدْنِيا، ليس قريباً، ليس قوياً، من الحرفي لماذا؟ لأن الشبه القوي شرطه في نقل حكم نقل الحرف إليه إلى الاسم المُشبه بالحرفي شرطه عدم المعارض، وهو ألا يكون به حالٌ وهذه الحال خاصة بالأسماء، فإن ورد به حينئذٍ ابتعد الشبه، ضَعُف، صار شبهاً ضعيفاً، وهنا كونه على صورة المثنى، اللذان، واللذين، رفعاً ونصباً، واللتان، واللتين رفعاً ونصباً، قيل بماذا؟ بأنه عارض وجه الشبه ما هو من خصائص الأسماء وهو التثنية فصار مُعرباً، وقيل: لا، بل هو مبني على أصله، ويكون حينئذٍ في حالة الرفع مبنياً على الألف، وفي حالة النصب والجر يكون مبنياً على الياء، وهذا مشهور عند النُحاة بل هو الأشهر لماذا؟ قالوا: لأن التثنية التي تكون من خصائص الأسماء التي تُضعف وجه الشبه في الاسم بالحرفِ هي التثنية الحقيقة، وأما هذا فليس مثنى حقيقة، لأنه لو كان (الذي) مثنى، لقيل (اللذيان)، ولم يقل فيه (اللذان) (اللذيان) كما هو الشأن في القاضي، ولقيل (اللتان) (اللتيان) كما هو الشأن في الفتى، فلما لم يأت على هذه الصيغة حينئذٍ خَرَجَ عن حَدِ المثنى حقيقة، فجاء بصورته على صورة المثنى, فيكون مبنياً على الأصل.
ويُرد على من قال بأنه مُعربٌ لتعارض وجه الشبه مع ما هو من خصائص الأسماء نقول: هذه الخصيصة إنما تكون إذا انفرد بها الاسم، وأما كون اللذان واللتان مثنى، فليس بمثنى، لأنك تقول زيدان، تبقى الكلمة على ما هي، (واللذان) الأصل فيها (اللذيان) و (اللتيان) إذاً لم يأت على صورة المثنى، فيبقى مبنياً على أصله، وهذا التغيير بين حالة الرفع وحالة النصب نقول: هو على أصله مبني على الألف في حالة الرفع، ومبني على الياء في حالتي النصب والجر.
إذاً والياء إذا ما ثنيا: إذا ثُني (ما) زائدة وثُني على القولين نفسرها، وإن كان ظاهر كلام الناظم هنا ماذا؟ ظاهره أنه مثنى حقيقة، أنه مُعرب هذا ظاهره، لكن إذا أردنا أن نؤوله حينئذٍ نقول: ثُني بمعنى أنه أُتي به على صورة المثنى، وليس مثنى حقيقة، وينبني على هذا التأويل أنه مبني وليس بمعرب، وإذا قلنا ثُني حقيقة حينئذٍ صار معرباً لا مبنياً.
إذا ما ثُنيا: حقيقة أو أُتي بهما على صور المثنى، (لا تثبتِ) لا الناهية، تثبت: فعل مضارع مجزوم بلا، وجزمه كسرةٌ ظاهرة في آخره.
تثبتِ: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وجزمه بالسكون
والكسرة كسرة روي، يعني: مناسبة، لمناسبة الراوي.
إذاً تثبتِ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وجزمه سكون آخره، والسكون يكون مقدراً منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من السكون الذي يُعارض الروي.
إذاً لا تثبتِ الياء: الياء مفعول به مقدم، أي لا تُجِزْ ثبوتها، بل هذا تصريح بما عُلم بما قبله لأنه لو اكتفى بهذا التركيب والياء إذا ما ثني لا تُثْبِ: لا تُثْبتِ الياء إذا ما ثُني، معلوم أن التثنية تكون بالعلامة بالألف والنون، والياء والنون، لو اكتفى بهذا الشطر لعلمنا أن الياء، أن قوله:
стр. 431
بَلْ مَا تَلِيهِ أَوْلِهِ الْعَلاَمَهْ: أنه يعتبر يعتبر تصريحاً بما دل عليه الشطر السابق، يعني ليس فيه فائدة جديدة، لو لم يقل هذا التركيب، (بَلْ مَا تَلِيهِ أَوْلِهِ الْعَلاَمَهْ) لفهمنا من قوله:
وَالْيَا إذَا مَاثُنِّيا لا تُثْبِتِ: أن العلامة تلي الذال وتلي التاء، وهذا واضح وبين، بل نقول: هذا بل هنا للانتقال وليست للإضراب.
وَمَا تَلِيهِ أَوْلِهِ الْعَلاَمَهْ: هذا تصريح بما عُلم ضمناً في قوله: (وَالْيَا إذَا مَاثُنِّيا لا تُثْبِتِ).
مَا تَلِيهِ: ما: اسم موصول بمعنى الذي، يصدق على ماذا؟ يصدق على ما قبل الياء، والذي قبل الياء التي تُزال التي تُحذف هو الذال والتاء، الذي، التي الذي قبل الياء من الذي الذال والذي قبل الياء من التي التاء إذاً ما تليه الياءُ من الذي هو الذال، وما تليه الياء من التي هو التاء، بل (ما) واقعة على ما قبل الياء وهو الذال من الذي، والتاء من التي.
تَلِيهِ: تليه فيه ضميران، ما هما أولا؟
تَلِيهِ: أين الضمير الأول؟ وأين الضمير الثاني؟
تلي: هذا فعل مضارع، طيب وفاعله، ضمير مستتر، يعود إلى الياء، والهاء هذه مفعول به يعود إلى الاسم الموصول.
بَلْ مَا تَلِيهِ -الياءُ- أظهر الفاعل، بَلْ مَا تَلِيهِ الياءُ يعني الذي تليه تلي الياءُ ذالاً، وتلي الياءُ تاءً، بل ما تليه يعني الذي تليه الياء والذي تليه الياء تكون بعده (الذي) الياء ماذا ولت الذال، والتي الياء هنا ماذا تلت، التاء، هذا مرادُه، كان في العبارة؟؟؟
بل ما: أي الذي تليه يعني تلي الياء الضمير في تليه مستتر يعود إلى الياء والضمير البارز الهاء يعود إلى ما الموصولة التي قلنا تصدق على الذال من الذي والتاء من التي.
أَوْلِهِ الْعَلاَمَهْ: يعني أتبعه، لقوله: وَلِيَه، يليه بالكسر، فيه ما هو شاذ، يعني أتبعه.
الْعَلاَمَهْ: أي علامة: الألف والياء، هذا (أل) هنا تكون للعهد الذهني أو الذكري، يجوز هذا وذاك.
بِالأَلِفِ ارْفَعِ الْمُثَنَّى، بِالأَلِفِ ارْفَعِ .. وَتَخْلُفُ الْيَا هذه هي العلامة، أشار إليه بقوله: العلامة، والمرجع هو ما سبق، لأنه قال: إِذَا مَا ثُنِّيَ، لما قال إذا ما ثُني، ثم قال أوله العلامة، يعني: علامة التثنية، وهذه سبق ذكرها في قوله: بِالأَلِفِ ارْفَعِ الْمُثَنَّى، وَتَخْلُفُ الْيَا فِي جَمِيعِهَا الأَلِفْ جَرًّا وَنَصْباً.
أَوْلِهِ: أوله العلامة الدالة على التثنية وهي الألف في حالة الرفع والياء في حالتي النصب والجر.
أَوْلِهِ: أول هذا يتعدى إلى مفعولين: أوليِ أنتَ، ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، يعني فعل أمر، والهاء هنا الأولى هذه هاء ضمير متصل مبني على الكسر في محل نصب أعربه غير واحد بأنه مفعول أول، والعلامة مفعول ثاني، ولو عُكس كان أولى، لأن العلامة فاعل في المعنى، أولِ العلامةَ أخر الذي والتي، يجوز هذا وذاك.
أوله العلامة:
стр. 432
بل ما تَلِهِ أَولِه العلامة: كان القياس أن يقال اللذيانِ، واللتيانِ، واللذَيينَ، بفتح الذال مع ياءين هذا الأصل، واللذيين الياء الأصلية الذي وياء التثنية، واللتيين، هذا الأصل فيها قياساً، بإثبات الياء ولكن لسكون الياء في الذي والتي اجتمعا ساكنة مع العلامة، فحذفت لالتقاء الساكنين، فالذي الأصل فيه أنه كالقاضيان، بإثبات الياء، وذا وتان كما سيأتي كالفتيان، بقلب الألف ياء، لكنهم فرقوا بين تثنية المبني، والمعرب، هكذا قيل.
يعني: لماذا لم يجروا على المشهور من إبقاء ياء الذي والتي؟ قالوا تفرقة بين المثنى والمعرب، هذا فيه نظر.
والنُّونُ إِنْ تُشْدَدْ فَلا مَلامَهْ: تُشدد مماذا؟ من قولك اللذانِ، واللتانِ، هذا مسموع من القرآن: (واللذانَّ، واللتانَّ، واللذينِّ، واللتينِّ) بتشديد النون، لكن الأفصح هو بقاؤها كما هي مع كسرها، ثم تأتي اللغة الثانية وهي تشديدها، فاللذان واللتان فيها ثلاث لغات: ثبوت نونها مكسورة مخففة: كنون المثنى وهي الأصل وهي الفصيحة وهي الغالب حتى في القرآن يقال: اللذان واللتان، واللذين، واللتين، يعني بقاء النون كما هي ومكسورة كنون المثنى، ثبوتها مكسورة مخففة دون تشديد، كنون المثنى، وهذه أفصح اللغات وهي الأصل.
ثانياً: ثبوت النون مشددة مكسورة: اللذانِ، اللتانِ، نقول هذه ثابتة قرأ بها في السبع.
ثالثاً: حذف النون تخفيفاً: تحذف النون، اللذا، اللتا، كما ذكرناه في اللذين هناك، تحذف النون، لكن ما يحمل عليها القرآن والله أعلم أنه ما يحمل عليها القرآن.
اللغة الثالثة حذف النون تخفيفاً سبب طول الموصول بالصلة والعائد. سُمِع
أَبَنِي كُليب إنَّ عَمَّيَّ اللَّذا ... قَتَلا المُلُوكَ وَفَكَّكَا الأَغْلالا
إنّ عمي اللذ: اللذان: فككا أو قتلا الملوك، وسُمع كذلك:
هُما اللتا لو ولدت تميمُ: هما اللتانِ حذفت النون.
إذاً اللغة الثالثة دون الاثنتين السابقتين الاثنتان واقعتان في القرآن، الأولى هي الأفصح وهي كثير، والثانية مقرون بها في السبع.
والنُّونُ من مثنى الذي والتي إنْ تُشْدَدْ: يعني تُضَعَّف حينئذٍ اختلفوا أي النونين هي الزائدة؟ المشهور أنه الثانية، إنْ تُشْدَدْ فَلا مَلامَهْ: على مشددها لا عَتب، لأنه وافق لغةً، وكل من وافق لغةً وخاصة جاء القرآن بها فلا ملامة، لا يعتب عليه إلا الجاهل، كلما ورد القرآن به فالنطق به فصيح ولا شك، ولو خالف المشهور حينئذٍ يكون وجوده في القرآن من باب ماذا؟ فصيح وأفصح، كما يقال صحيح وأصح، وإنما يقال الكثير جداً هو: الأفصح.
والنُّونُ إنْ تُشْدَدْ فَلاَ مَلامَهْ: على مشددها وهو في الرفع متفق عليه بين الكوفيين والبصريين، اللذانَّ، هذا متفق عليه، واللتانَّ، يعني بعد الألف، وأما بعد الياء فمختلف فيه جوزه الكوفيون ومنعه البصريون، والصحيح الجواز, لوروده في القرآن، قرأ به في السبع، فدل على أنه مقروء به فإذا كان كذلك حُجة صار على البصريين، يمنعون لأي سبب غريب هذا.
стр. 433
وأما في النصب فمنعه البصريون وأجازه الكوفيون وهو الصحيح، القول الصحيح هكذا، حتى تُعود نفسك أنما جاء في القرآن يعني تقول به مباشرة لا تتردد، لو قيل البصريين على خلافه، قل أنا على خلافهم، لكن تأكد أولاً أن القراءة صحيحة ثابتة، فإذا كانت ثابتة لا تُبالي أبداً، القرآن حُجة عليهم وليس هم حُجة على القرآن، ولو لم يَرِد إلا في آية واحدة، في قراءة سبعية ثبتت والباقي كله على خلاف، قل: هذا فصيح، وهذا فصيح، والكثير هو أفصح وأكثر، وهذا فصيح ولا نرده نقبله، لا نكون حاكمين على القرآن -خاصة القرآن-.
والنون: يعني أطلق النون هنا سواء وقعت بعد الألف، أو بعد الياء، وهو مذهب المُصنف، أنها مطلقاً عِنده ولذلك أطلقها النون مطلق هنا هذا يَعُم النون الواقعة بعد الألف والنون الواقعة بعد الياء، وهو الصحيح الثابت ولا يجوز الرد، إنْ تُشْدَدْ فَلا مَلامَهْ على مُشددها.
وَالنُّونُ مِنْ ذَيْنِ وَتَيْنِ شُدِّدَا: ذين وتين: هذان اسما إشارة، لما ذكر التشديد من نون اللذانِّ واللتانِّ، ناسب أن يذكر ما شُدد من نوني اسم الإشارة مثنى في حالة الرفع والنصب، إذاً للمناسبة وإلا الأصل أن يذكر في باب اسم الإشارة هذا الأصل، لكن الشيء قد يخرج عن نظيره تحت بابه لوجود نظير أنسب في موضع آخر.
والنون: نقول ذكرهما هنا مع كونهما ليسا موصولين لاشتراكهما مع اللذين واللتين، في جواز تشديد نونهما، وليس التشديد خاصاً بالياء كما مثل بل هو عامٌ.
والنون من ذين تثنية ذا وتين تثنية تا والقول فيها كالقول في اللذان واللتان، هل هما مُعربان أم مبنيان، القول هو عين، المشهور أنهما مبنيان، على الألف والياء.
شُددا: أيضاً كما شددت النون من اللذان واللتان في الاسم الموصول، شُددا: الألف هذا للإطلاق، أيضاً مع الألف اتفاقاً ومع الياء على الصحيح.
وتعويض بذاك قُصِدَا:
تعويض بـ (ذاك)، بـ (ذاك) ما هو ذاك؟ التشديد .. تعويض بذاك التشديد قُصدَا: يعني القصد من هذا التشديد هو التعويض، تعويض عن الياء المحذوفة من الذي والتي، وعن الألف المحذوف من (ذانِ) (ذانِّ) (تانِ) (تانِّ) نقول الألف حُذفت، لالتقاء الساكنين، في (ذا) و (تا) حينئذٍ عُوض عن هذه الألف وهي أصلية، الألف أصلية وإن كانت منقلبة عن واو أو ياء، لكن لما حُذفت للتخلص من التقاء الساكنين عُوض، كما عوض في: (عِده) و (زنه) نقول هذه معوض وعد، أصلها (وعد) فلما حذفت الفاء، فاء الكلمة قيل (عدةٌ) اسم أصل سِمْوٌ حذفت اللازم وعُوض عنها بأولها، إذاً التعويض له أصل في لسان العرب.
وَتَعْوِيضٌ بِذَاكَ: أي التشديد، وهو لغة تميم، التشديد من المحذوف، وهو الياء، من الذي والتي والألف من (ذا) و (تا) إذاً تعويضٌ هذا عائدٌ على قوله السابق.
والنُّونُ إنْ تُشْدَدْ فَلا مَلامَهْ من اللذان واللتان
стр. 434
ثم لما ذكر (ذين) و (تين) أعاد العلة للجميع وتعويضٌ بذاك التشديد، في كلٍ من الكلمات الأربعة السابقة قصدا، تعويض مبتدأ، وقوله: قُصِدا: الألف للإطلاق هذا الجملة خبر، وبذاك جار ومجرور متعلق بقوله: قُصِدا، وهذه كما قلنا لُغة تميم، وقيل بل التشديد لتأكيد الفرق بين تثنية المُعرب وتثنية المبني، يعني: من أجل أن نُفرق بين المثنى في كونه معرباً وفي كونه مبنياً، لكن هذا فاسد لماذا؟ لأنه لو كان كذلك لكان الأكثر هو التشديد، ونحن ذكرنا أن اللغة الفصحى هي أن تكون النون كنون المثنى.
وتعويضٌ بِذَاكَ قُصِداً:
قال الشارح: وأما الموصول الاسمي فالذي للمفرد المذكر، والتي للمفردة المؤنثة، فإن ثنيت أسقطت الياء وأتيت مكانها بالألف في حالة الرفع، نحو اللذان، واللتان، وبالياء في حالتي الجر والنصب، فتقول اللذين، واللتين، وإن شئت شددت، يعني: ليس واجباً وإنما هو لغةٌ، حينئذٍ أنت مُخير شددت النون عوضاً عن الياء المحذوفة هذا رجح أنه من باب التعويض عن الياء المحذوفة، وليس فرقاً بين تثنية المبني والمعرب نحو اللذان واللتان، فتقول اللذين واللتين.
وهذا كما ذكرنا مُتفقٌ عليه في الرفع، ومختلف فيه في النصب والجر، وإن شئت شددت النون عوضاً عن الياء المحذوفة فقلت اللذانِّ واللتانِّ، فقد قُرأ قراءة سبعية ((وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا)) [النساء:١٦] بالتشديد، ويجوز التشديد أيضاً مع الياء وهو مذهب الكوفيين والبصريون على المنع، والصواب مذهب الكوفيين، فتقول اللذينِّ بالتشديد، واللتينِّ، وقد قرأ ((أَرِنَا الَّذَيْنِّ أَضَلَّانَا)) [فصلت:٢٩] بالكسر، وهذا التشديد يجوز أيضاً في تثنية ذا وتا اسمي إشارة، تقول: ذانِّ وتانِّ، وكذلك مع الياء وهو مذهب الكوفيين والمقصود بالتشديد أن يكون عوضاً عن ألف المحذوفة كما تقدم في الذي والتي، قُرأ ((فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ)) [القصص:٣٢] ((إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ)) [القصص:٢٧] بالتشديد فيهما ... والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ... !!!
стр. 435
عناصر الدرس
* تتمة استعمالات الموصول الإسمي المختص
* فائدة .... في جمع (الذين واللذون) ـ
* الموصول الإسمي المشترك
* الصلة وأحكامها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
وقفنا عند قول الناظم رحمه الله تعالى:
جَمْعُ الَّذِي الأُلَى الَّذِينَ مُطْلَقا ... وَبَعْضُهُمْ بِالوَاوِ رَفْعاً نَطَقَا
بِاللاَّتِ وَاللاَّءِ الَّتِي قَدْ جُمِعَا ... وَالَّلاءِ كَالَّذِينَ نَزْراً وَقَعَا
إذاً ذكرنا فيما سبق أن الموصول قد يكون مفرداً وقد يكون مثنًى، وقد يكون جمعاً -مجموعاً- ثم كل منهما قد يكون مذكراً وقد يكون مؤنثاً، القسمة حينئذٍ تكون ستة أقسام.
ذكر المفرد المذكر بقوله: الذي، والمفرد المؤنث بقوله: التي.
ثم بين المثنى لهما فقال:: (الَّذِي): يثنى بزيادة علامة التثنية مع حذف الياء، ومثلها (الَّتِي)، وحينئذٍ الذي والتي واللذان واللتان، ذكرنا أن (اللذان) -على الحكاية- فيه ثلاث لغات، يعني الاسم الموصول اللذان واللتان، فيهما ثلاث لغات.
الأولى: إبقاء النون كنون المثنى المتحركة بالكسر، وهذه فصحى.
ثانياً: تشدد مع الكسر.
ثالثاً: تحذف.
وأما في المثنى (ذين تين) هذه ليست مثلها في اللغة الثالثة، يعني فيهما لغتان فحسب، اللغة الثالثة هذه ليست موجودة في اسم الإشارة وإنما هي في الاسم الموصول -تنبه لهذا- لئلا يظن أن القاعدة مطردة، وإنما الثلاث لغات هذه مذكورة ومحفوظة في الاسم الموصول، وأما اسم الإشارة المثنى ففيه لغتان فحسب، يعني لا تحذف لئلا يقع فيه لبس.
ثم شرع في بيان الجمع فقال::
جَمْعُ الَّذِي الأُلَى: المراد بالجمع هنا الجمع اللغوي؛ لأن الصواب أن (الأُلى) و (اللذين) اسما جمع وليسا بجمعين حقيقين، وإنما هما اسما جمع، واسم الجمع ما دل على أكثر من اثنين من غير نظر إلى مفرده.
والمراد بالجمع هنا: كل ما دل على أكثر من اثنين بقطع النظر عن كون له مفرد أو لا، سلم واحده في الجمع أو لا -مطلقاً- حينئذٍ يدخل فيه اسم الجنس الجمعي، واسم الجمع، ويدخل فيه جمع التصحيح المذكر والمؤنث.
جَمْعُ الَّذِي: أمران شيئان.
الأُلَى والَّذِينَ: بحرف العطف ولكن أسقطه من أجل ضيق النظم، وهو جائز عندهم في النظم إلا أنه مختلف فيه في النثر، وابن مالك يجوزه في النثر.
قال:: جاء زيدٌ عمرو خالد، بحذف حرف العطف، إذا عُلِم.
جَمْعُ الَّذِي: (جمعُ) مبتدأ، و (هو) مضاف والذي مضاف إليه.
والأُلَى: هذا خبر كلمة (جمع).
الأُلَى: قلنا:: مقصوراً وقد يمد ألاء، الأُلى يلزمه (أل)، فلا يشتبه حينئذٍ بـ (إلى) الجارة، -هذا أوَّل فيما إذا كانت لم تضبط الكلمات، لم تكن ثم مطابع، وحينئذٍ قد يشتبه، أما الآن فلا يشتبه-.
الأُلى: يلزمه ألف فلا يشتبه بـ (إلى) الجارة، ولهذا تكتب بغير واو، بخلاف (أولى) الإشارية التي سبق معنا، فتكتب بواو بعد الهمزة لعدم (أل) فيها فتشتبه بـ (إلى) الجارة.
جَمْعُ الَّذِي الأُلَى: قلنا: مقصوراً وقد يمد فيقال:: (ألاء)، وهذا اسم جمع وليس بجمع على الصحيح، ولا يكاد يكون فيه خلاف.
يقال: في جمع المذكر (الأُلى) مطلقاً عاقلاً كان أو غيره، هكذا أطلقه ابن عقيل و (الأُلى) كـ (العلى) والمشهور وقوعها بمعنى (الذين)، فيكون حينئذٍ للعقلاء المذكرين، خلافاً لما أطلقه الشارح هنا.
стр. 436
قال: عاقلاً كان أو غيره والصواب التفصيل، أنه للعاقل بكثير، وأما استعماله في غير من يعقل هذا قليل جداً، بل أطلق بعضهم أنه خاص بالعقلاء فهو في معنى (الذين)، يعني يستعمل استعمال الذين.
ولهذا قال: الأشموني والكثير: استعماله في جمع من يعقل، ويستعمل في غيره قليلاً، (الذي) هو (الأُلى).
إذاً (الأُلى) هذا يقال: في جمع المذكر مطلقاً سواء كان عاقلاً أو غيره، إلا أنه في العاقل هو الكثير، وفي غيره -غير العاقل- قليل.
وَتُبْلِي الأُلى يَسْتَلْئِمُونَ عَلَى الأُلى ... تَراهُنَّ يومَ الرَّوْعِ كالْحِدَإِ الْقُبْلِ
وهنا ذكره مع جمع التصحيح، جَمْعُ الَّذِي الأُلَى، والذين الَّذِينَ مُطْلَقا مطلقاً يعني و (الذين) بالياء مطلقاً يعني ملفوظاً بالياء مطلقاً رفعاً ونصباً وجراً، وهذا مراده بالإطلاق أنه يذكر اللفظ بالياء سواء كان في محل رفع أو في محل نصب أو في محل جر.
وأراد بالإطلاق هنا ما يقابل اللغة الأخرى، ولذلك قال: وَبَعْضُهُمْ بِالوَاوِ رَفْعاً نَطَقَا.
إذاً: فصل بين الرفع وبين الجر والنصب.
الَّذِينَ بالياء مطلقاً في جميع الأحوال، هذا يأتي مبنياً على الفتح.
وَبَعْضُهُمْ: أي بعض العرب، ونُسب لهُذيل قيل أو عُقيل.
بِالوَاوِ رَفْعاً نَطَقَا: يعني لم ينطقه بالياء وإنما نطقه بالواو حالة كونه رافعاً، أو رَفْعاً يعني: في حال الرفع، إما أنَّ رَفْعاً هذا حال، وإما أنه منصوب بنزع الخافض، يحتمل هذا ويحتمل ذاك، لكن إذا قلنا: رَفْعاً حال –مصدر- الأصل أنه يؤول بمشتق فيقل: رافعاً.
وَبَعْضُهُمْ: مبتدأ، من العرب من يجري (الذين) مجرى جمع المذكر السالم نَطَقَا: الألف هذه للإطلاق، نَطَقَاَ: الجملة خبر، نَطَقَا: بالواو: الواو جار ومجرور متعلق بقوله: نَطَقَا.
رَفْعاً: هذا حال، نقول: حال من فاعل نطقا، نطقا حال كونه رافعاً الذين بالواو.
نَحْنُ اللَّذُونَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا ... يَومَ النُّخَيلِ غَارَةً مِلحَاحَا
نَحْنُ اللَّذُونَ: جاء به في حالة الرفع بالواو، وهل هو حينئذٍ معرب أو أنه مبني؟ على الخلاف الذي ذكرناه في (اللذين واللتين)، أنه لم يجرِ مجرى الجمع الصحيح حينئذٍ بقي على بنائه فيقال: فيه إنه في محل الرفع يأتي بصورة الواو، ويكون مبنياً على الواو، وفي حالتي النصب والجر يأتي بالياء فيكون مبنياً على الياء، هذا المشهور عند النحاة.
وهل هو حينئذٍ معرب أو مبني جيء به على صورة المعرب؟ الثاني –الظاهر-.
стр. 437
قولان للنحاة: قيل: مبني؛ إذ هذا الجمع ليس حقيقياً، هو ليس بجمع حقيقي، لأن الذين جمع الذي، و (الذي) هذا ليس بعلم ولا صفة، ثم (الذين) قيل: هذا يطلق على العقلاء فحسب، هذا الأصل فيه، و (الذي) هو مفرده يطلق على العقلاء وغيرهم، قالوا: ولا يكون المفرد أعم من الجمع،- لا يكون الجمع أخص من المفرد-، حينئذٍ لا يكون جمعاً حقيقياً له، فليس بجمع حقيقي، إذا كان كذلك حينئذٍ لا يعترض على كونه أشبه الحرف وهو مبني للشبه الافتقاري بكونه قد جمع بواو ونون أو ياء ونون؛ لأننا نقول: هذا الجمع ليس حقيقياً، وإذا كان كذلك لا يعتبر ناقضاً لوجه الشبه، وإنما الذي يعتبر ناقضاً لوجه الشبه ويؤثر في كونه مؤثراً، حينئذٍ نقول: هذا هو الجمع الحقيقي، وأما الجمع الذي ليس بحقيقي هذا لا تأثير له، بل يبقى وجه الشبه قوياً.
إذ هذا الجمع ليس حقيقياً حتى يعارض شبه الحرف؛ لاختصاص الذين بالعقلاء، وعموم الذي للعاقل وغيره، ولأن الذي ليس علماً ولا صفة، إذاً جُمع (الذي) (باللذين)، وفيه صورتان: إما أن يقال: (بالذين) مطلقاً رفعاً ونصباً وجراً، وهذا هو اللغة المشهورة وعليها القرآن، وإما أن يقال: في حالة الرفع بالواو (اللذون) جاء اللذون قاموا مثلاً، حينئذٍ يكون مبنياً على الواو، وإذا جيء بالذين حينئذٍ يكون مبنياً على الفتحة، وإنما بني على الواو لأنه أشبه جمع التصحيح، نُزِّلَ مُنَزَّلَتَه، حينئذٍ نقول: بني على الواو، كذلك في حالتي الجر والنصب.
جَمْعُ الَّذِي الأُلَى، والَّذِينَ: بالياء هذا الثاني، مطلقاً في جميع الأحوال بالياء -ملازماً للياء-.
وَبَعْضُهُمْ: بعض العرب كهذيل أو عقيل، من يجري (الذين) مجرى جمع المذكر السالم، فينطقه بالواو حالة كونه رافعاً له، والظاهر من كلام المصنف أنه معرب.
إذاً: يقال: في جمع المذكر (الأُلى)، وقد يستعمل جمعاً لـ (التي) في جمع المؤنث.
ثم قال:
بِاللاَّتِ وَاللاَّءِ الَّتِي قَدْ جُمِعَا ... وَالَّلاءِ كَالَّذِينَ نَزْراً وَقَعَا
هذا شروع في ذكر الجمع لـ (التي)، لما أنهى الجمع للفظ (الذي) وهو مفرد جمعه بـ (الأُلى) و (الذين)، كذلك شرع في بيان ما يجمع به لفظ (التي)، يعني ماذا يقال: في جمع الإناث؟
قال: بالَّلاتِ و (الَّلاءِ) بدون ياء وبإثبات الياء، وهنا الأصل أن يذكر الياء؛ لأن الياء هي أصل، بـ (اللاتي) بالياء، و (اللائي) بالياء، ثم قد يحذفان، فهذه أربع كلمات.
(بالَّلاتِ) و (الَّلاتِي) (بالياء)، و (اللائي) و (اللآئي) بالياء، أربع كلمات ((وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ)) [النساء:١٥] بالياء، ((وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ)) [الطلاق:٤] بالياء.
الَّتِي: هذا المبتدأ.
قَدْ جُمِعَا: الألف للإطلاق، (التي) قد جمع (باللاتي) و (اللائي)، هذا تركيب البيت، (التي) هذا مبتدأ جملة اسمية، قَدْ جُمِعَا الجملة خبر، باللاتي واللائي.
стр. 438
وَالَّلاءِ كالَّذِينَ نَزْراً وَقَعَا: وَالَّلاءِ: هذا مبتدأ، وَقَعَا، كالَّذِينَ، الآن تقرر عندنا أن اللائي هذا يعبر به عن جمع التي فهو لجمع المؤنث، قد يستعمل هذا اللفظ في المذكر لكنه قليل، ولذلك قال: وَالَّلاءِ الذي سبق ذكره في أنه يعبر به عن جمع المؤنث، وَاللَّائِي وَقَعَا -الألف للإطلاق خبر- في لسان العرب.
كالَّذِينَ: هذا متعلق بـ (وَقَعَا).
نَزْراً: أي قليلاً، فهو قليل إذا كان كذلك حينئذٍ لا يكون هو الفصيح، بل الفصيح أن يستعمل (الذين) (والأُلى) مراداً به جمع الذكور، (واللاء) (واللاتي) بالياء وبحذفهما في جمع المؤنث مطلقاً.
وحينئذٍ استعمال (اللائي) في موضع (الذين)، نقول: هذا خلاف الأصل، وإن سمع في لسان العرب إلا أنه قليل، ولذلك عبر عنه بـ (نَزْراً).
أي اللائي وقع جمعاً لـ (الذي) قليلاً كما وقع (اللاء) جمعاً لـ (التي)، ولذلك قرأ ابن مسعود (واللائي آلوا من نسائهم) يعني والذين آلوا من نسائهم، حينئذٍ قرأ باللائي بدلاً من الذين، والأصل الذين.
يقال: في جمع المذكر الأُلَى مطلقاً عاقلاً كان أو غيره، فصَّلنا فيه، فيقال: جاءني الأُلَى فعلوا، جاءني فعل ومفعول به، والأُلَى هذا فاعل، وجملة فعلوا هذه صلة الموصول.
الأُلَى هنا استُعْمِل في دلالته على جمع الذكور، مراداً به الذكور الجمع، ما الدليل؟ فعلوا الواو؛ لأنه قد يُستعمل في الإناث، لكنه قليل، والأصل فيه استعماله في الذكور، الذي يميِّز هذا عن ذاك هو العائد، إن كان مذكراً حينئذٍ (الأُلى) صار لجماعةِ الذكور، وإن كان مؤنثاً فحينئذٍ صار الأُلَى في جماعة الإناث.
جاءني الأُلى فعلوا، وقد يستعمل جمعاً للتي في جمع المؤنث، وقد اجتمع الأمران في البيت:
وتُبْلي الأُلى يُسْتَلْئِمون على الأُلى ... تَراهُنَّ: أُلى في الموضعين، قال: الأُلى يُسْتَلْئِمون: يعني الذين يستلئمون، فجاء بالواو دل على أن (الأُلَى) هنا استُعمِل في جمع الذكور.
على الأُلى تراهنَّ: تراهُنَّ: أتى بالنون، دل على أن المراد به جماعة الإناث، استُعمل في محل واحد، وأيهما أصل وأيهما فرع؟ الذكور أصل والإناث فرع.
إذاً (التي) يجمع على الأُلَى واللواتي بإثبات الياء وحذفها، واللوائي ممدوداً ومقصوراً و (اللاء) بالقصر، و (اللاءات) مبنياً على الكسر .. وهذه كلها ليست بجموع وإنما هي أسماء جموع، ليست بجموع حقيقية.
و (الذين) فيما سبق ذكرنا أنه إذا كان بالياء يبن على الفتح، وأما على لغة من يجعله بالواو حينئذٍ يكون مبنياً على الواو في حالة الرفع ويكون مبنياً على الياء في حالتي النصب والجر.
ويقال: للمذكر العاقل في الجمع خاص (الذين) مطلقاً في الرفع والنصب والجر، جاءني الذين أكرموا زيداً، ورأيت الذين أكرموه، ومررت بالذين أكرموه.
لزم حالة واحدة مع كونه مرفوعاً أو في محل رفع، وفي محل نصب، وفي محل جر، حينئذٍ نقول: هذا شأن المبني.
стр. 439
والأصل فيه أنه يستعمل للعاقل، وقد ينزل غير العاقل منزلة العاقل فيستعمل فيه (الذين) كذلك، يعني العاقل في نفسه، وقد يكون منزلاً منزلة العاقل، قال: تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ)) [الأعراف:١٩٤] نزل الأصنام لما عبدوها منزلة من يعقل، ولذا أعاد الضمير عليها ضمير العقلاء في قوله بعد: ((أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا)) [الأعراف:١٩٥].
وبعض العرب يقول: (الذون)، هذه لغة طيء وهذيل وعقيل على الشك في الرفع، و (الذين) في النصب والجر.
نَحْنُ اللَّذُونَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا ... يَومَ النُّخَيلِ غَارَةً مِلْحَاحَا
نَحْنُ: هذا ضمير منفصل مبتدأ.
واللَّذُونَ: اسم موصول خبر المبتدأ مبني على الواو في محل رفع.
ويقال: في جمع المؤنث اللاَّتِ وَاللاَّءِ بحذف الياء فتقول: جاءني اللات فعلن، فعلن تعيد الضمير هنا بالإناث، واللاء فعلن، ويجوز إثبات الياء، بل العكس، إثبات الياء هو الأصل ويجوز حذفها فهي أربع لغات: اللاتي واللائي، وقد ورد اللاء بمعنى الذين:
فَمَا آباؤُنَا بِأَمَنَّ مِنْهُ ... عَلَيْنَا اللاَّءِ قَدْ مَهَدُوا الْحُجُورَا
الّلاِءِ يعني الذين، قد مهدوا الحجورا، وكما قرأ ابن مسعود فيما ذكرناه سابقاً.
وَمَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ ... وَهكَذَا ذُو عِنْدَ طَيِّءٍ شُهِرْ
وَكَالَّتي أَيْضاً لَدَيْهِمْ ذَاتُ ... وَمَوْضِعَ اللاَّتِي أَتَى ذَوَاتُ
هذا شروع في الموصول المشترك، قلنا: الموصول على نوعين: موصول خاص، يعني ألفاظ خاصة تستعمل في مراداتها الخاصة التي وضعت لها في لسان العرب، المفرد للمفرد والمثنى للمثنى، والجمع للجمع، ولا يعبر عن المفرد بالجمع ولا عن الجمع بالمفرد، ولا عن المثنى بالمفرد ولا بالجمع، كل منهما يلزم حالته التي وضع لها في لسان العرب.
وكذلك المؤنث والمذكر، وهذه قلنا: ثمانية على المشهور تزيد أو تنقص.
والنوع الثاني مشتركة: بمعنى أن اللفظ واحد ينطق به مرة واحدة (من)، ولكن من جهة المعنى قد يستعمل في المذكر المفرد وقد يستعمل في المذكر المثنى، وقد يستعمل في المذكر الجمع، أو المؤنث في الجميع مفرداً أو مثنًى أو جمعاً، اللفظ واحد، هذا يعبر عنه بأنه موصول مشترك، ليس خاصاً بواحدة، فتقول: جاءني من قام، ومن قامت، ومن قاما، ومن قاموا، ومن قمن .. اللفظ واحد وحينئذٍ تنظر إلى العائد هو الذي يفسر هل هذا مفرد أو مثنى أو جمع.
وهذه ستة ألفاظ: ﴿من، وما، وأل، وذو -عند طيء خاصة- وأل، وأي﴾ .. ستة.
وأما ذَاتُ وذَوَاتُ هذه فرع ذَوَ، تابعة لها.
إذاً: وَمَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ.
من الموصولات الاسمية ما يستعمل للواحد والمثنى والجمع مذكراً ومؤنثاً بلفظ واحد، وهو ألفاظ ستة: (من، وما، وأل، وذو، وذا، وأي)، هذه ستة.
سيشرحها الناظم واحدة تلو الأخرى.
وَمَنْ: هذه الأول، مَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ: تساوي الذي ذكر، المراد بالمساواة هنا: أي تساوي كلاً مما ذكر سابقاً، أي تستعمل فيما يستعمل فيه كل ما ذكر.
تُسَاوِي مَا ذُكِرْ، ما الذي ذكر؟
مَوْصُولُ الاسْمَاءِ الَّذِي الأَُنْثى الَّتي ..
جَمْعُ الَّذِي الأُلَى الَّذِينَ مُطْلَقا ... الخ
стр. 440
هذه الألفاظ المذكورة الآن: مَنْ وَمَا وَأَلْ، تُسَاوِي الذي ذُكر سابقاً من الموصولات، في كونه يستعمل في جميع ما مضى، مساويةً لها مطلقاً بلا تفصيل، فيستعمل اللفظ الواحد مراداً به كل ما ذكر –السابق- المفرد والمثنى والجمع، لا تفصيل بينها، لا نقول: هذا للمفرد المذكر، والتي للمفردة المؤنثة، والأُلى .. وكذا إلى آخره، هذه كلها التفصيلات لا تأتي هنا، وإنما هو لفظ واحد يعبر به عن الجميع.
أولها: مَنْ، قال::
وَمَنْ: ومن هذه الأصل فيها أنها تكون للعاقل، تستعمل في العاقل بكثرة، وفي غيره بقلة، يعني قد تستعمل في غير العاقل لكنه قليل، وبعضهم يعبر أيضاً كما ذكرنا سابقاً: عاقل بدلاً منه يقول: عالم ((وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)) [الرعد:٤٣].
إذاً: الأصل في (من) أنها تستعمل للعاقل، أو إن شئت قل للعالم، وقد تخرج عنه لغيره، لكن لا تخرج عنه لغيره إلا لقرينة، إلا لسبب، إلا لموجب، إلا لمعنى بلاغي، لا بد من هذا.
وذكر ابن هشام أنها تخرج عن العاقل إلى غيره في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: أن يقترن غير العاقل مع من يعقل في عمومٍ فُصِّل بـ (من) الجارة ((فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ)) [النور:٤٥] ((وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ)) [النور:٤٥] هذا عموم، دابة تطلق على من يعقل ومن لا يعقل، ثم جاء التفصيل -تفصيل هذا العموم- بـ (من) الجارة .. فمنهم، ومنهم، ومنهم.
قال:: ((مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ)) [النور:٤٥] هذا قطعاً أنه غير عاقل، ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ)) [النور:٤٥] هذا فيه عاقل وفيه غير عاقل، أليس كذلك؟
إذاً هذا استعملت (من) هنا في غير العاقل لوجود قرينة، هذه القرينة ما هي؟ جمع بينهما -بين العاقل وغير العاقل- في لفظ واحد، ثم جاء هذا العموم مفصلاً في مثل هذا التراكيب، يعبر بـ (من)، إذا صار اختلاط بين العاقل وغير العاقل يعبر بـ (من).
إذاً: أن يقترن غير العاقل مع من يعقل، في عموم فُصِّل بـ (من) الجارة، نحو قوله تعالى: ((فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ)) [النور:٤٥] هذا فصل ماذا؟ ((وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ)) [النور:٤٥] هذا العموم.
الموضع الثاني: أن ينزل منزلته، بمعنى أنه يشبه غير العاقل بالعاقل، إذا شبه به حينئذٍ أخذ حكمه، فاستعمل فيه اللفظ على جهة المجاز، وذكرنا الآية السابقة التي هي ((مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ)) [الأحقاف:٥] المراد بها الأصنام.
الموضع الثالث: الذي يستعمل (من) وهي للعاقل في غيره: أن يجتمع مع العاقل فيما وقعت عليه (من) نحو: ((كَمَنْ لا يَخْلُقُ)) [النحل:١٧] لشموله للآدميين والملائكة والأصنام، ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ)) [الحج:١٨] اجتمع معهما وهذا التفريق بينه وبين السابق فيه تدقيق.
стр. 441
هذا (من)، إذاً الأصل في (من) أنها تستعمل للعاقل، وقد تخرج عنه في ثلاث مسائل، وقد يزاد عليها عند البيانيين، فحينئذٍ إذا استعملت مراداً بها المفرد والمثنى والجمع الذي يميز هذا عن ذاك هو المرجع –العائد- إذا قلت: جاء من قام، يعني جاء الذي قام، جاء من قامت (هي)، جاء من قاما، هذا بالتثنية، يعني مذكر، جاء من قامتا (بالتأنيث)، جاء من قاموا، من قمن .. نقول: هذه كلها فسرت (من) بالضمير الذي يرجع إليه وعرفنا أن المراد بها إما مذكر وإما مؤنث، إما مفرد وإما مثنىً، وإما جمعاً.
وَ (مَا) أيضاً الأصل فيها أنها تستعمل لغير العاقل عكس (من)، وقد تستعمل في العاقل قليلاً، وذكر ابن هشام ثلاثة مواضع لها:
الأول: أن يختلط له مع العقل، أن يحصل اختلاط العاقل وغير العاقل، حينئذٍ له أن يعبر بـ (ما)، انظر في المواضع السابقة اختلط العاقل بغير عاقل وقد يعبر بـ (من).
إذاً المسألة ترجع إلى القرينة وإلى ما أراده المتكلم، قد يغلب هذا الشيء على شيء آخر، وهذه كلها قد لا يقال فيها بأن لها ضوابط معينة مطردة لا يخرج عنها، وإنما السياق، وهذا الذي يحكم هذه المسائل.
أن يختلط العاقل مع غير العاقل نحو قوله تعالى: ((يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) [الجمعة:١] فإن (ما) يتناول ما فيهما من إنس وملك وجن وحيوان وجماد، بدليل ((وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)) [الإسراء:٤٤].
والموضع الثاني: أن يكون أمره مبهماً على المتكلم، كقولك -وقد رأيت شبحاً من بعيد-: انظر (ما) ظهر لي، عبرت بـ (ما) عن شيء مبهم، إذا أبهم عليك الشيء ولا تدري هل هو عاقل أو غير عاقل تأتي بـ (ما)، هذا هو الأصل فيه، -الأصل في الأشياء غير عاقلة- ثم إذا تبين لك حينئذٍ تحكم عليها بالعاقل.
والموضع الثالث: أن يكون المراد صفات من يعقل، كقوله تعالى: ((فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ)) [النساء:٣] (ما) هذا عاقل –مرأة- هنا عبر بـ (ما) والأصل فيها أنها لغير العاقل، هل معنى ذلك أن المرأة ليست عاقلة؟ لا، إنما المراد الصفات التي وقعت عليها (ما)، لأن الأمر هنا تعلق بالنكاح ((فَانكِحُوا)) والنكاح إنما ينظر فيه إلى الصفات، ولذلك جيء بـ (ما).
إذاً الأصل في (ما) أنها للعاقل، وقد تخرج عنه لقرينة ومعنىً يقتضيه السياق، فحينئذٍ لا بأس بذلك.
стр. 442
وأما إذا لم يكن كذلك فحينئذٍ يعبر باللفظ الواحد عن المفرد المذكر المؤنث، وعن المثنى المذكر والمؤنث، وعن الجمع المذكر والمؤنث، فيقال: أعجبني ما ركب، يعني الذي ركب، وما ركبت –دابة- وما ركبا، وما ركبتا، وما ركبوا، وما ركبن .. إلى آخره، حينئذٍ نقول: هذه ألفاظ هي متحدة في اللفظ، لكنها من حيث المعنى مفترقة، ولذلك في عود الضمير على (من) -وهي في اللفظ واحد- قد يجوز أن يراعى فيه المعنى وقد يراعى فيه اللفظ، إلا أن اعتبار اللفظ أكثر من اعتبار المعنى -هذا في القرآن- عود الضمير على (من) فقد يراد بها غير لفظها، أما لفظها فهو مفرد مذكر، قد تصدق على المفرد المذكر، حينئذٍ لا إشكال، عود الضمير على المعنى أو على اللفظ واحد، لو قال: جاءني من قام -وهو عاد الضمير على اللفظ وعلى المعنى- لا يصح هنا التغاير، لماذا؟ لأن اللفظ مفرد مذكر (من)، والمعنى الذي صدقت عليه (من) مفرد مذكر، أما إذا اختلفا حينئذٍ إما أن يعيد الضمير على اللفظ، وإما أن يعيد الضمير على المعنى. وكلامها جائز
((وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ)) [الأنعام:٢٥]، ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ)) [يونس:٤٢] جاء في القرآن هذا وذاك.
((مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ)) [الأنعام:٢٥] أعاده إلى اللفظ، ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ)) [يونس:٤٢] أعاده إلى المعنى؛ هذا جائز وهذا جائز، إلا أن اعتبار اللفظ أكثر، هكذا عند البيانيين.
وَأَلْ: (أل) هذه تستعمل للعاقل وغير العاقل، (أل) وما بعدها كلها تستعمل للعاقل وغير العاقل، وإنما يستثنى (من) و (ما) فحسب، (من) للعاقل والأصل فيها وقد تخرج عنه، و (ما) لغير العاقل وهذا هو الأصل فيها.
وأما ((أل)، وذو، وذا، وأي) فهذه كلها تستعمل للعاقل وغير العاقل.
وهذه (أل) -كما سبق- (أل) موصولة، وهي اسم على الصحيح، والجمهور على هذا، وأنها من خصائص الاسم، وهي داخلة في قوله: و (أل) بالجَرِّ وَالْتَّنْوِينِ وَالنِّدَا وَأَلْ، (أل) هذه قلنا: تشمل المُعَرِّفَة والزائدة والموصولة، والموصولة هي التي وصلنا إليها الآن، حينئذٍ (أل) هذه هل هي اسم أو حرف؟ فيها قولان:
القول الصحيح: أنها اسم، بدليل عود الضمير إليها، والضمير لا يعود إلا على الأسماء (قد أفلح المتقي ربه) رجع الضمير إلى (أل)، فدل على أنه اسم.
الجمهور: أن (أل) الموصولية تكون اسماً موصولاً بمعنى الذي وفروعه، وقيل: موصول حرفي، وقيل: حرف تعريف، كلاهما حرف إلا أن بعضهم يرى أنها حرف تعريف وبعضهم يرى أنها موصولٌ حرفي، ورُدَّ بعود الضمير عليها بقوله: (قد أفلح المتقي ربه)، وبأنها لا توؤل بمصدر، من قال بأنها حرف مصدري هي لا تؤول بمصدر؛ لأن الحرف المصدري ضابطه: كل حرف أول مع ما بعده بمصدر كما عرفنا، وهذه لا توؤل بمصدر -الضارب ماذا تقول؟ ليس فيه تأويل- وبأنها لا توؤل بمصدر، والثاني بدخولها على الفعل، يعني الدليل الثاني: بدخولها على الفعل.
стр. 443
هل دخلت على الفعل؟ نعم، دخولها على الفعل يدل على أنها في الأصل لا تدخل إلا على الأفعال، هذا هو الأصل فيها كما بيناه، أن (أل) الموصولية الأصل فيها أنها لا توصل إلا بجملة فعلية، ولكن لما كان ظاهرها موافقاً لظاهر (أل) التعريف وتلك حرف وهذه اسم، حينئذٍ قبح أن تدخل على غير الاسم، فلما قبح دخولها على غير الاسم روعي لها الحقَّان، حق الموصولية وأنه لا يليها إلا فعل، وحق موافقة (أل) التعريف التي تدخل على الاسم، فدخلت على ما هو في اللفظ اسم، وفي المعنى فعل، وهو الصفة الصريحة كما سيأتي.
إذاً: نقول الجمهور أنها تكون اسماً موصولاً بمعنى (الذي) وفروعه، يعني جاء الضارب زيداً، جاءت الضاربة زيداً، جاء الضاربان، جاء الضاربتان، جاء الضاربون .. كل هذه نقول: (أل) موصولية ودخلت على صفة صريحة، وهذه جاءت بمعنى (الذي) وفروع (الذي).
ومحل الخلاف حيث لا عهد، أي: في الخارج وإلا فهي حرف تعريف اتفاقاً، جاء محسن فأكرمت المحسن، محسن: اسم فاعل، هو صفة صريحة، جاء محسن فأكرمت المحسن، هل (أل) هنا حرف تعريف أم أنها موصولية؟ محل وفاق أن هذه مواضع ليست محل الخلاف، إنما (أل) تكون موصولة حيث لا عهد، أما إذا كان ثم عهد فحينئذٍ صارت حرف تعريف محل وفاق، فمثل هذا المثال جاء محسن فأكرمت المحسن، نقول: هذه (أل) حرف تعريف وليست موصولية، وإن تلاها اسم فاعل، لماذا؟ لوجود العهد الذي طرأ عليها، ولذلك قالوا: محل الخلاف حيث لا عهد، يعني في الخارج وإلا فهي حرف تعريف اتفاقاً، نحو: جاء محسن فأكرمت المحسن قاله: الرضي-الرضي شرح الكافي، وهو من أجود شروح الكافية-.
إذاً الألف واللام نقول: هذه اسم موصول على الصحيح، وأيضاً نقول: هي للعاقل ولغير العاقل، وأيضاً نقول: من قال بأنها حرف موصولي قول فاسد –باطل-؛ لأنها لا تؤول مع ما بعدها بمصدر، من قال: إنها حرف تعريف مطلقاً قلنا:: الضمير قد عاد إليها، ولا يعود إلا على أسماء.
وَمَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِر، ْ وَهكَذَا: هكذا مثل ذا الماضي، وهو مساواة من، وما، وأل لما ذكر في كونها بلفظ واحد تستعمل في المفرد والمثنى، والجمع المذكر والمؤنث ذُو لكن عِنْدَ طَيِّءٍ خاصة ليس مطلقاً عِنْدَ طَيِّءٍ خاصة شُهِرَ.
وَهكَذَا ذُو عِنْدَ طَيِّءٍ شُهِرْ: ذو مبتدأ قصد لفظه.
شُهِرْ: يعني شهر بهذا الذي ذكر، شُهِرْ هذه الجملة خبر.
عِنْدَ طَيِّءٍ: متعلق به.
وَهكَذَا: هذا حال من الضمير في شهر.
إذاً التقدير: وذو شهر عند طيء حال كونه هاء، مثل (من)، (وما)، (وأل)، في كونه يستعمل بلفظ واحد ذو مراداً به المذكر المفرد والمؤنث المفرد، والمثنى بنوعيه، والجمع بنوعيه المذكر والمؤنث.
نقول: جاء ذو قام، وجاء ذو قامت، جاء ذو قاما، وجاء ذو قمن، وجاء ذو قاموا .. إلى آخره.
مثل (من)، (وما)، واللفظ واحد وهو مبني عندهم على السكون وليس على الواو.
وَهكَذَا ذُو عِنْدَ طَيِّءٍ شُهِرْ: ولغة طَيِّءٍ خاصة استعمال ذو موصولة، ولذلك احترز عنها ابن مالك هناك في باب الأسماء الستة.
قال:: منْ ذَاكَ ذُو إنْ صُحْبَةً أَبَانَا.
стр. 444
قلنا::احترازاً عن ذو الطائية؛ فإنها موصولية، والغالب الأشهر عندهم أنها مبنية على السكون وقد تعرب، وإذا أعربت صارت ملحقة بالأسماء الستة، مثلها، الحكم واحد.
فَحَسْبيَ مِنْ ذُو عِنْدَهُمْ مَا كَفانِيَا: (من) حرف جر، و (ذو) جاء بالواو، فلو كانت معرفة لجاءت بالياء، لقيل: من (ذي)، فدل على أن (ذو) عند (طَيِّءٍ) مبنية على السكون، وليست مبنية على الضم، وتستعمل للعاقل ولغيره، وأشهر لغاتٍ فيها أنها تكون بلفظ واحد.
والمشهور إفرادها وتذكيرها وَبِئْرِي ذُو حَفَرْتُ وَذُو طَوَيْتُ، يعني الذي حفرته والذي طويته، وقد تؤنث وتثنى وتجمع، ونازع في ذلك ابن مالك رحمه الله تعالى، وسمع من كلامهم لا وذُو فِي السَّمَاءِ عَرْشُهُ، لا والذي في السماء عرشه، فدل على أن (ذو) هذه موصولة عندهم، فتقول: جاءني ذو قام، وذو قامت، وذو قاما، وذو قامتا، وذو قاموا، وذو قمن، ولذلك: فَحَسْبيَ مِنْ ذُو عِنْدَهُمْ مَا كَفانِيَا.
وَكَالَّتي أيْضاً لَدَيْهِمْ ذَاتُ: هذا استثناء، كَالَّتي لَدَيْهِمْ ذَاتُ.
كَالَّتي: هذا خبر مقدم، ذَاتُ: هذا مبتدأ مؤخر، يعني وذَاتُ لَدَيْهِمْ -لدى طَيِّءٍ - على جهة الخصوص دون غيرهم.
أيْضاً: آض يئيض أيضاً -رجوعاً لما سبق من استثناء بعض الأحكام بلغة طيء- كَالَّتي، يعني تستعمل للمفردة المؤنثة، يعني طَيِّءٍ يقولون: جاءت التي قامت، ويقولون كذلك: جاءت ذات قامت (ذات قامت) بدلاً من الَّتي.
وَكَالَّتي أيْضاً لَدَيْهِمْ –عند طَيِّءٍ - ذَاتُ، ذاتُ مثلها، وَمَوْضِعَ اللاتِي أتَى ذَوَاتُ: يعني تجمع (ذات) على (ذوات)، فيقال: في جمع الإناث (ذوات)، ويقال: في المفردة المؤنثة (ذاتُ) بالبناء على الضم.
(ذات) قيل أصلها (ذو)، قلبت الواو ألفاً فقيل: (ذا) وألحق بها تاء التأنيث، وقيل: بل هي صيغة مستقلة وفيها لغات، البناء على الضم (ذاتُ)، إعراب (ذات) (وذوات) بمعنى صاحبة أوصاحبات، يعني ومع التنوين لعدم الإضافة، وإعراب (ذات) إعراب جمع المؤنث السالم، يعني إما تكون مضمومة ضمة بنا (ذاتُ)، وإما أنها كصاحبة تعرب بحركات مع التنوين، أو أنها تُعرب جمع المؤنث السالم، يعني ترفع بالضمة وتنصب وتجر بالكسرة.
وَكَالَّتي أَيْضاً لَدَيْهِمْ ذَاتُ ... وَمَوْضِعَ اللاَّتِي أَتَى ذَوَاتُ
قال هنا: وأما (ذات) فالفصيح فيها للمفردة أن تكون مبنية على الضم رفعاً ونصباً وجراً مثل: (ذواتُ)، لكن هذ في الجمع.
ومنهم من يُعرِبها إعراب مسلمات فيرفعها بالضمة وينصبها ويجرها بالكسرة، حكي: باِلفَضْلِ ذُو فَضّلكُمُ اللهُ بِهِ، وَالكَرَامَةِ ذَاتُ أَكْرَمَكُمْ اللهُ بَهْ، باِلفَضْلِ ذُو فَضّلكُمُ اللهُ بِهِ: يعني بالبفضل (الذي) -أتى بـ (ذو) في مقابلة (الذي) - باِلفَضْلِ ذُو فَضّلكُمُ اللهُ بِهِ، وَالكَرَامَةِ ذَاتُ أَكْرَمَكُمْ اللهُ بَهْ، وحكي إعرابها كجمع المؤنث السالم، وحكي تثنية (ذو) (وذات) وجمعهما فيقال: في الرفع (ذوا)، و (ذواتا)، و (ذووا)، و (ذوات)، وفي النصب والجر (ذوي)، و (ذواتَي) و (ذَوِي) بكسر الياء مع الياء.
стр. 445
إذاً عند طَيِّءٍ يستعملون (ذو) موضع (الذي) للمفرد المذكَّر، ويستعملون (ذات) بالبناء على الضم المشهور عندهم موضع (التي) للمفردة المؤنثة، وَمَوْضِعَ اللاتِي الذي هو جمع المؤنث السالم يستعملون بدلها (ذواتُ) بالضم كذلك.
ثم قال: ﵀:
وَمِثْلُ مَاذَا بَعْدَ مَا اسْتِفْهَامِ ... أَوْ مَنْ إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلاَمِ
هذا العنوان الخامس ﴿من، وما، وأل، وذو﴾، أربعة، هذا الخامس وهو (ذا) الإشارية.
ذَا: بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أشِرْ هذا الأصل فيها، الأصل في (ذا) أنها اسم إشارة لمفرد، كما سبق معنا: بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أشِرْ، أصل (ذا) الموصولة هي المشار بها جردت من معنى الإشارة، جرد هذا اللفظ من معنى الإشارة، واستعمل اسماً بالشرطين اللذين ذكرهما الناظم، وهما أنه لا بد من أن تقع بعد (ما) أو (من) الاستفهاميتين، تسبقها (من) أو (ما)، (ما) متفق عليه، و (من) على الصحيح، ثم يشترط الشرط الثاني: ألا تكون ملغاة، فإن ألغيت حينئذٍ رجعت إلى أصلها.
وَمِثْلُ مَا: الموصولة فيما تقدم، في كونها تكون بلفظ واحد للمفرد المذكر والمفردة المؤنثة والمثنى بنوعيه والجمع بنوعيه، لفظ واحد يطلق ويستعمل فيما ذكرناه سابقاً.
وَمِثْلُ مَاذَا: أين المبتدأ وأين الخبر؟ (ذا) مثل (ما) -هذا الأصل- (ذا) قصد لفظه، (مِثْلُ مَا) نقول هذا خبر مقدم.
وَمِثْلُ مَاذَا بَعْدَ مَا اسْتِفْهَامِ: (بعد) في موضع الحال من (ذا)، حالة كونه بعد مَا اسْتِفْهَامِ يعني: من إطلاق الدال على المدلول ما استفهام مضاف ومضاف إليه.
حينئذٍ يشترط في (ذا) التي تكون موصولية أن تقع بعد (ما) الاستفهامية فيقال: ماذا صنعت، وقعت بعد (ما)، صنعتَ هذا ليس مفرداً حتى يقال: بأن (ذا) اسم إشارة، وهذا محل وفاق عند البصريين.
أو بعد (من) -على الأصح- أو (من) يعني: أو بعد (من) الاستفهامية على الأصح، فتقول: من ذا عندك، من الذي عندك؟ ماذا صنعت؟ ما الذي صنعته؟
حينئذٍ استعملت (ذا) موضع (ما) ما الذي صنعت؟ ما الذي صنعتما؟ ما الذي صنعتم؟ ما الذي صنعتن؟ كلها استعملت باختلاف المراجع والمرجع واحد وهو ذا.
إذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلاَمِ، إذَا لَمْ تُلْغَ (ذا) في الكلام، إذاً (ذا) تستعمل موصولة بشرطين اللذين ذكرهما المصنف، وهو أن تكون بعد (ما) الاستفهامية، أما (من) فهذه محل نزاع.
قال: أبو حيان: ولا خلاف في جعلها موصولة بعد (ما)، وأما بعد (من) فخالف قوم؛ لأن من تخص من يعقل، فليس فيها إبهام كما في (ما)، يعني (ما) هذه مبهمة؛ لأنها في الأصل لغير العاقل ففيها إبهام، وأما (من) فالأصل أنها للعاقل فليس فيها إبهام.
وإنما صارت بالرد للاستفهام في غاية الإبهام فأخرجت (ذا) من التخصيص إلى الإبهام وجذبتها إلى معناها ولا كذلك من لتخصيصها.
يعني استطاعت (ذا) أن تخرج (ما) لكونها مبهمة أخرجتها عن دلالتها للاستفهام إلى دلالتها على الموصولية، وليس كذلك الشأن في (من) الاستفهامية، لم تستطع (ذا) أن تجذبها إلى معنى الموصولية، لكن الجمهور على أن (من) مثل (ما) الاستفهامية، حينئذٍ إذا وقعت بعدها (ذا) فهي اسم موصول.
стр. 446
إذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلاَمِ نقول: إذاً بشرطين أن تكون بعد استفهام بـ (ما) أو (من) نحو ((يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ)) [البقرة:٢١٥] ما الذي ينفقونه؟ (ما) استفهامية كما هي، و (ذا) اسم موصول بمعنى (الذي)، (ويُنفِقُونَ) هذه جملة الصلة التقدير ما الذي ينفقونه؟
ومثلها قَدْ قُلْتُهَا ليُقالَ: مَنْ ذَا قالهَا
الشرط الثاني: أن تكون غير ملغاة، والمراد بالإلغاء أن تركب مع (ما) فتصير اسماً واحداً، إذا أضيف اسم إلى اسم، يعني نسب اسم إلى اسم إذا قصدا بجعل الإضافة أنهما اسماً واحداً في مثل هذا التركيب حينئذٍ صارت ملغاة، والشرط في كونها موصولة -الكلام في (ذا) - في كونها موصولة أن يقصد بـ (ما) أو (من) أنها استفهامية على أصلها، و (ذا) بمعنى (الذي) أو (التي)، فإن قصد تركيب اللفظين ليجعلا اسماً واحداً صارت ملغية، ماذا عندك؟ (ماذا) كلها اسم استفهام وليست مركبة من (ما) و (ذا) لا، صارت كلها اسم استفهام، إذا قدرت أنها كلها اسم استفهام صارت ملغاة، فحينئذٍ صارت (ماذا) مثل زيد، مركبة (ماذا) من أربعة أحرف، وزيد من ثلاثة أحرف، فحينئذٍ تكون المبتدأ وجملة صنعت خبر، وإذا لم يكن كذلك بأن جعلت (ما) مستقلة وهي استفهامية و (ذا) نويت بها أنها موصولية، حينئذٍ صح التركيب لكونها غير ملغاة ووقوعها بعد الاستفهام.
إذاً المراد بإلغائها هذا المشهور عند النحاة: أن تركب مع (ما) أو (من) فتصير اسماً واحداً مستفهماً به، من ذا عندك؟ من الذي عندك؟ هذا صارت موصولية، ماذا عندك؟ (ماذا) كلها مبتدأ، وعندك خبر، أما ماذا صنعت؟ (ما) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و (ذا) اسم موصول بمعنى الذي في محل رفع خبر (ما) مبتدأ و (ذا) خبر، إذاً منفصلتان، و (صنعت) هذه صلة الموصول، وأما إذا ركبتها كلها صارت (ماذا) مبتدأ، و (صنعت) خبر.
إذاً المراد بالإلغاء هنا أن تركب مع (ما) -يعني (ذا) - أو (من) فتصير اسماً واحداً مستفهماً به، أو (ما) اسماً واحداً موصولاً، هذا وجه ذكره البعض لكنه منكر عند الكثير، قلنا: التركيب إذا قصدت أنهما اسماً واحداً ماذا تقصد بهما؟ استفهام، هذا المشهور، بعضهم يرى أنه من باب الإلغاء أن تجعل (ما) و (ذا) كلمة واحدة لكن مراداً بها الموصولية كأن (ماذا) صارت اسماً موصولاً، لكن هذا منكر عند الكثير لكن يقال: في باب الإلغاء، أو نكرة موصوفة كذلك فيه كلام، فصور التركيب ثلاثة: تركب (ما) مع (ذا) وتصير اسماً واحداً مستفهماً به.
تركب (ما) مع (ذا) وتصير اسماً موصولاً كلها اسم موصول.
تركب (ما) مع (ذا) وتصير نكرة موصوفة بـ (ذا) كلاهما مركب.
هذا التركيب ثلاثة أنواع، ويقال: له الإلغاء الحكمي ليس الإلغاء الحقيقي، والإلغاء الحقيقي جعل (ذا) زائدة و (ما) استفهامية، ماذا عندك؟ إذا أردت إلغاءها حقيقة، حينئذٍ لا تجعل لها معنى، وإذا لم تجعل لها معنى حينئذٍ تحكم عليها بأنها زائدة، فـ (ما) اسم استفهام مبتدأ و (ذا) اسم زائد إذاً لا محل له من الإعراب، و (عندك) يكون هو الخبر، هذا هو الإلغاء الحقيقي، أن تجعل (ذا) زائدة و (ما) تكون مبتدأ وما بعد (ذا) يكون خبراً، هذا هو الإلغاء الحقيقي.
стр. 447
والإلغاء الحقيقي: جعل (ذا) زائدة و (ما) استفهامية على رأي الناظم تبعاً للكوفيين المجوزين زيادة الأسماء وقالوا: وذلك المجموع المجعول اسماً واحداً مستفهماً به مخصوص بجواز عمل ما قبله فيه نحو: أقول ماذا؟ صح أن يكون في محل نصب للقول الملفوظ به -هذا قول-، وأجاز الكوفيون وقوع (ذا) موصولة، وإن لم يتقدم عليها استفهام (ذا)، كل أسماء الإشارة عند الكوفيين يجوز جعلها أسماء موصولة كلها بلا استثناء، ولا يشترطون أن يتقدم عليها استفهام لا (ما) ولا (من). أجاز الكوفيون وقوع (ذا) موصولة، وإن لم يتقدم عليها استفهام كقوله: نَجَوْتِ وهذا تحملينَ طَليقُ، يعني والذي تحملين طليق، استدلوا بهذا البيت على أن (هذا) اسم موصول بمعنى (الذي)، هل تقدمه شيء؟ نَجَوْتِ وهذا تحملينَ طَليقُ، وهذا تحملين يعني: والذي تحملينه، فدل على أن هذا اسم موصول ولم يتقدمها استفهام، إذاً لا يشترط تقدم الاستفهام كما هو مذهب البصريين.
وأجيب بأن تحملين: حالاً أو خبراً، وطليق: خبر ثاني، بل أجاب ابن هشام أحسن من هذا: وهذا مبتدأ وطليق خبر، وتحملين هذا يكون حال.
إذاً: طليق هذا هو خبر المبتدأ، وعند الكوفيين أن أسماء الإشارة كلها يجوز أن تستعمل موصولات، وخرجوا عليه ((وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ)) [طه:١٧] وأجيب بأن يَمِينِكَ حال من الإشارة، وخرجوا عليه أيضاً ((هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ)) [آل عمران:٦٦] أي: الذين حاججتم.
على كل الصواب أنه لا يستثنى من أسماء الإشارة إلا (ذا) فحسب، هي التي تأتي اسماً موصولاً؛ لأن الأصل أن كل معنى ينفرد عن الآخر، باب أسماء الإشارة منفصل كلياً عن باب الموصولات، فإذا استعمل أحدهما في الآخر حينئذٍ يكون هذا استثناء ولا يكون للباب كله، وإذا جوز الباب كله حينئذٍ اتحدا، صار ما الفرق بين هذا وذاك؟ وما الفرق بين أن يضع العرب الذي والتي، ثم يستعمل اسم الإشارة في موضعين؟ نقول: هذا مخالف للأصول التي ينطلق منها النحاة.
إذاً: وَمِثْلُ مَا: الموصولة في ما تقدم (ذا).
بَعْدَ مَا اسْتِفْهَامِ أوْ مَنْ: أو بعد (من) الاستفهامية على الصحيح، هذا الشرط الأول.
إذَا لَمْ تُلْغَ: وقلنا: الإلغاء نوعان: إلغاء حكمي وهو تركبها في ثلاث صور، وإلغاء حقيقي، والإلغاء الحقيقي أن تجعل (ذا) زائدة غير مركبة، والإلغاء الحكمي هذا أن تجعل مركبة إما استفهاماً وإما موصولاً وإما نكرة موصوفة.
ويظهر أثر الإلغاءين -هكذا قال: الصبان، يعني ما الفرق بين الإلغاء الحكمي والحقيقي؟ ما الأثر؟ هو ليس فيه أثر إلا في الكتابة فحسب، وعلى القديم- يظهر أثر الإلغاءين في نحو: سألته عن ماذا؟ فتثبت الألف مع الجار على تقدير الإلغاء الحكمي، وتحذف معه على تقدير الحقيقي. يظهر أثر الإلغاءين في نحو: سألته عن ماذا؟ ماذا -الألف هذه- إذا كان إلغاءً حكمياً حينئذٍ تثبت الألف -تكتبها- وإذا كان حقيقياً تحذف.
وَمِثْلُ مَاذَا بَعْدَ مَا اسْتِفْهَامِ ... أَوْ مَنْ إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلاَمِ
стр. 448
قال: واحترز بقوله: إذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلاَمِ: من أن تجعل (ما) مع (ذا) أو من مع (ذا) كلمة واحدة للاستفهام، نحو ماذا عندك؟ أي: أي شيء عندك؟ وكذلك من ذا عندك؟ فـ: ماذا مبتدأ كلها، وعندك خبره، وكذلك من ذا مبتدأ، وعندك خبره، فـ (ذا) في هذين الموضعين ملغاة لأنها جزء كلمة؛ لأن المجموع استفهام، ولم يفسره بالجزء بالإلغاء الحقيقي، وإنما فسره بالإلغاء المشهور عند النحاة أن تركب فتجعل اسماً واحداً، وإذا جعلت اسماً واحداً حينئذٍ تكون استفهامية ولا تكون موصولية إلا على من جوز وإلا الكثير على المنع.
ثم قال: ﵀:
وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَهْ ... عَلَى ضَمِيرٍ لاَئِقٍ مُشْتَمِلَهْ
وَكُلُّهَا: كل الموصولات، وهو لم يذكر الحرفية وإنما ذكر الاسمية حينئذٍ لا نحشر الحرفية؛ لأنه قيد الباب من أوله قال: مَوْصُولُ الاسْمَاءِ.
وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَهْ: وإن كان الحكم عاماً في الموصولات الحرفية والاسمية؛ لأن الموصولات الحرفية يلزم أن يكون بعدها صلة، فلذلك قلنا: أنْ توصل بالفعل المضارع وبالفعل الماضي، وقلنا: أنَّ توصل بالجملة الاسمية ونحو ذلك .. فدل على أنه لا بد من كلمة تليها أو جملة، حينئذٍ تؤول مع ما بعدها بمصدر، وإلا كيف يأتي المصدر؟ هذا ممتنع، حينئذٍ لا بد من صلة، فالصلة واجبة في الموصول الحرفي وفي الموصول الاسمي، وإنما يفترقان في العائد فيشترط في الموصول الاسمي: أن تكون الجملة مشتملة عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ كما ذكره المصنف بخلاف الموصول الحرفي فلا يشترط.
وَكُلُّهَا: يعني ما سبق من الموصولات.
يَلْزَمُ: اللزوم يطلق بمعنى الوجوب، إذاً يَلْزَمُ لا بد منه، يَلْزَمُ بَعْدَهُ لا قبله، حينئذٍ بين محل هذه الصلة.
بَعْدَهُ: يعني بعد الموصول.
صِلَهْ: هذه الصلة يتم معناه بها، وتعِّرفه على القول بأن جملة الصلة هي المعرِّفة للاسم الموصول، حينئذٍ الاسم الموصول قلنا: مبهم، جاء الذي، جاء الذين، جاء اللذان .. مبهم، ما الذي يتمم معناه؟ هو جزء معنى؛ لأنه يدل على عاقل أو يدل على غير عاقل، أو يدل على جمع أو على تثنية، هذا فيه معنى، لكن ما الذي يتمم معناه؟ هو الصلة، ولذلك هي متممة للمعنى، وهي معرِّفة عند كثير من النحاة، بمعنى: أن الموصول يُعدُّ من المعارف كالضمير والعلم واسم الإشارة.
ما السبب في كونه مَعْرِفة؟ الموصول عند كثير من النحاة.
إذاً: صِلَةٌ يتم معناه بها، وتُعرِّفه، هذه الصلة قد تكون ملفوظاً بها وقد تكون منوية –مقدرة-، ملفوظاً بها نحو: جاء الذي قام أبوه، -نطقت بها-، وقد تكون مقدِّرة منوية نحو: نحن الأُلَى فاجمع جموعك، قلنا: (الأُلى) هذا يستعمل في ماذا؟ جَمْعُ الَّذِي الأُلَى هنا قال: نحن الأُلى فاجمع، إذاً فاجمع هذه ليست الصلة؛ لأنه فصلها بالفاء، فاجمع جموعك، إذاً: نحن الأُلى عُرفوا بالشجاعة، بالسياق والمقام، فدل على أن جمل الصلة هنا منوية.
стр. 449
وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَهْ: يعني أن تكون بعده، مفهومه: أنه لا يجوز تقديم الصلة ولا جزء منها على الموصول، يعني لا يجوز أن تتقدم الصلة على الموصول، جاء الذي قام أبوه، جاء قام أبوه الذي، لا يصح، جاء قام الذي أبوه، لا يصح، تقديم جزء على الموصول لا يجوز، تقديم الصلة كلها على الموصول لا يجوز، تقديم المعمول ولو كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً على الموصول لا يصح مطلقاً، ولذلك أطلقه الناظم قال: وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ: يعني بعد الموصول، صِلَهْ كلها كلاً وجزءاً، تكون بعد الموصول ولا يتقدم جزء منها على الموصول، أما تقديم بعضها على بعض لا على الموصول فهذا جائز، فهو داخل في قوله: يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَهْ.
إذاً قوله: وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَهْ، قلنا: بعده مفهومه أنه لا يجوز تقديم الصلة ولا جزء منها على الموصول، ولو كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، وأما تقديم بعض أجزاء الصلة على بعض فجائز، يعني لا على الموصول وإنما تقديم بعضها على بعض: جاء الذي قائم أبوه، جاء الذي أبوه قائم .. أبوه: مبتدأ وقائم: خبر، لو قلت: جاء الذي أبوه قائم، قائم أبوه، قدمت أو أخرت هذا جائز؛ لأنه تقديم لبعض أجزاء الصلة على بعضها دون الموصول، وهذا جائز.
قال في التسهيل: وقد يلي معمول الصلة الموصول إن لم يكن حرفاً أو (أل)، وعلله بأن امتزاج الحرف بصلته أشد من امتزاج الاسم بصلته، فتقديم معمولها كإيقاع كلمة بين جزئي مصدر، وكذا اشتد امتزاج (أل)، يعني لا يتقدم على (أل) الاسمية، -المعمول-: جاء الضارب زيداً، الزيداً ضارب، ما يصح؛ لأن (أل) ممتزجة مع مدخولها ليس كامتزاج الذي أبوه قائم؛ لأنها في الصورة صورة حرف، حينئذٍ لها أحقية في أن يكون اللفظ كجزء من مدخوله، ولذلك إذا أوقع معمول الصلة بين (أل) وصلتها قال: كأنك أوقعت اللفظ بين جزئي الزاي والياء من زيد، وهذا ممتنع.
وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ: إذاً بعده لا قبله، نفهم من هذا أن من شرط الصلة أن تكون تالية للموصول، ولا يجوز أن تتقدم البتة لا هي ولا معمولها، وأما أن تتناوب هي فيما بينها بالتقديم والتأخير فهذا جائز، إلا إذا كان حرفاً، أو (أل)، (أل) هذا ممتنع، فلا يتقدم معمولها على صلتها لا عليها، حينئذٍ نقول: جاء الضارب زيداً، هل يصح أن نقول: جاء زيداً الضارب؟ لا، الدليل؟ وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ، إذاً لا بد أن يكون بعدهُ - بعد (أل) -.
جوزنا تقديم الصلة على المعمول والمعمول على الصلة لا على الموصول، جاء الذي قائم أبوه، جائز أو لا؟ جائز، هل هذا الحكم ينطبق على جاء الضارب زيداً؟ الضارب (أل) هذه موصولية، والضارب صلتها، وزيداً معمول الصلة، هل يتقدم معمول الصلة على ضارب لا على (أل)؟ ما يمكن هذا، فلا يقال: الزيداً ضارب، هذا ممتنع، حينئذٍ هذا يستثنى، لما ذكره من علة.
стр. 450
عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ مُشْتَمِلَهْ: يعني هذه الجملة جملة الصلة يشترط فيها شروط سيأتي بعضها، أن تكون مشتملة على ضمير، هذا الضمير يسمى العائد، يعود من الجملة إلى الموصول، ويشترط فيه أن يكون مطابقاً، ولذلك قال: عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ بالموصول أي: مطابق له، فإن كان مفرداً مذكراً -يعني الموصول (الذي) - وجب أن يكون الضمير العائد إليه مفرداً مذكراً، وإذا كان الموصول أو مفردة مؤنثة، وجب أن يكون الضمير مؤنثاً مفرداً، وإذا كان مثنى وجب أن يكون مثنى، وهكذا ..
عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ: بالموصول أي: مطابق له.
مُشْتَمِلَهْ: يعني هذه الصلة مشتملة على ضمير لائق بالموصول أي: مطابق له.
لا بد في جملة الصلة من ضمير يعود إلى الموصول يربطها به كجملة الخبر، جملة الخبر لا يصح أن تكون جملة إلا إذا اشتملت على رابط قد يكون ضميراً وقد يكون غيره، لكن هنا يشترط فيه الضمير واختلف في الاسم الظاهر، هل يكون خلفاً له، والصواب أنه يعتبر شاذاً.
سُعَادُ الَّتِي أَضْنَاك حُبُّ سُعَادَا، حبها الأصل، سُعَادُ الَّتِي أَضْنَاك حُبُّ سُعَادَا: حبها نقول: أتى بالاسم الظاهر بدلاً عن الضمير وهذا يعتبر شاذاً، وإن أدخله ابن مالك رحمه الله تعالى في حد الموصول كما ذكرناه اليوم.
إذاً لا بد في جملة الصلة من ضمير يعود إلى الموصول يربطها به، وحكم الضمير المطابقة للموصول في الإفراد والتذكير والحضور وفروعها: عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ مُشْتَمِلَهْ.
ثم قال: ﵀:
وَجُمْلَةٌ: أراد أن يفسر هذه الصلة، قلنا: الصلة هذه شيء يكون تابعاً ومتمماً لمعنى الموصول، ويشترط فيه أن يكون مشتملاً على ضمير، ما هي هذه الصلة؟
قال:
وَجُمْلَةٌ أوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ بِهِ: إذاً هذه الجملة لا تخرج عن شيئين في الجملة: إما أن تكون جملة وهذه جملة اسمية أو جملة فعلية، إما هذا وإما ذاك.
أوْ شِبْهُهَا: وهذا يشمل ثلاثة أشياء: إما أن يكون ظرفاً، وقيده ابن هشام في التوضيح بالظرف المكاني، وإما أن يكون جاراً ومجروراً وكلاهما يشترط فيهما أن يكونا تامين، وإما أن يكون –الثالث- صفة صريحة، وهو صلة (أل) كما سيأتي النص فيه.
إذاً، وَجُمْلَةٌ أوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ: واشترطه فيما سبق: وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَهْ، هذا أمران في الجملة: إما جملة على الإطلاق، وإما أن يكون شبه الجملة، وشبه الجملة هذه يدخل تحته ثلاثة أشياء: الظرف المكاني، والجار والمجرور التامان، والصفة الصريحة.
والجملة المراد بها: القول المركب؛ لأنها أعم من الكلام؛ إذ لا يشترط فيها الإفادة بخلاف الكلام.
كل كلام جملة، ما العلاقة بينهما؟ العموم والخصوص المطلق، كل كلام جملة ولا عكس .. ، فيصدق على كل كلام وجد فيه التركيب الإسنادي والإفادة أنه جملة، وتنفرد الجملة بالتركيب الإسنادي ولا يشترط فيها الإفادة فهي أعم، إن قام زيد نقول: هذا جملة وكلام، إذاً ينفرد الأعم -الجملة- بفرد لا يصدق عليه أنه كلام، وأما الكلام فلا ينفرد عن الجملة بشيء البتة.
стр. 451
وكذلك بين الكلِم والجملة عموم وخصوص وجهي أو مطلق؟ هل يشترط فيهما الإفادة؟ لا يشترط فيهما الإفادة، المركب الإسنادي في الكلم سواء أفاد أم لا، والجملة كذلك مركب إسنادي أفاد أم لا، إذاً اجتمعا ما الفرق بينهما؟ أن الكلم يشترط فيه العدد ثلاثة فصاعداً، وأما الجملة فلا يشترط، إذاً: أيهما أعم؟ الجملة أعم؛ لأنها تصدق على الكلم وزيادة، وإذا كان كذلك هذا الشأن العام، تصدق على الكلم إن قام زيد قمت، وهذا كلم وجملة، وقام زيد هذا جملة وليس بكلم، إذاً صدق على فرد لا يصدق عليه الأعم.
وَجُمْلَةٌ أوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ: يعني الذي وصل به إما أن يكون جملة وإما أن يكون شبه جملة، ويشترط في الجار والمجرور أن يكونا تامين، والمراد بالتام ما يفهم عند ذكره متعلقه العام، وكذا الخاص؛ لأن متعلق الجار والمجرور إما أن يكون عاماً، والمراد به الكون والاستقرار والثبوت، وهذا واجب الحذف كما سيأتي في باب الخبر:
وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ اوْ بِحَرْفِ جَرّ ... نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أَوِ اسْتََقَرّ
كَائِن: هذا نقول: خبر، وهو متعلق الجار والمجرور، سواء وقع خبراً أو وقع جملة للصلة، فحينئذٍ يكون عاماً، فيجب حذفه، وأما إذا كان خاصاً يعني لا يصح أن يقال: زيد كائن في الدار، زيد ثابت مستقر في الدار، لا يصح أن يصرح بهذا الخبر، بل يجب حذفه، وهذا يكون محل وفاق، وأما إذا كان المتعلق خاصاً كالسفر والنوم ونحو ذلك من الأحداث المتعينة، فحينئذٍ إن دلت قرينة عليه جاز حذفه وإلا فلا يجوز، زيد سيسافر اليوم وعمرو غداً، اليوم: هذا ظرف متعلق بـ: سيسافر، فحينئذٍ نقول: هذا متعلق خاص، وعمرو غداً: يعني: وعمرو سيسافر غداً، غداً هذا متعلق بمحذوف، عمرو مبتدأ وغداً هذا متعلق بمحذوف خبر، ما نوعه؟ خاص، هل يجوز حذفه؟ نقول: للقرينة الموجودة في الجملة السابقة دليل على هذا المحذوف، فحينئذٍ يجوز حذفه؛ لكن زيد اليوم وعمرو غداً، هكذا ابتداء؟ لا ندري ما المراد بقوله: زيد اليوم وعمرو غداً.
لكن إذا قال: زيد سينكح اليوم وعمرو غداً، نعرف أن المراد به النكاح أو السفر.
حينئذٍ القاعدة في مثل هذا أن يقال: الجار والمجرور والظرف إذا كان تامين ينظر فيهما إلى المتعلق؛ لأنه كما سيأتي في محله لا بد من متعلق يتعلق بهما.
إن كان كوناً أو استقراراً عاماً، أو ثبوتاً ونحو ذلك وجب حذفه باتفاق النحاة، وأما إن كان خاصاً كالسفر والحدث ونحو ذلك فحينئذٍ ينظر فيه، إن دلت قرينة عليه جاز حذفه، وإلا وجب ذكره، لا يجوز حذفه البتة، كما ذكرنا: زيد اليوم وعمرو غداً، نقول: اليوم هذا منصوب بعامل محذوف ما هو؟ هذا لا يمكن تعيينه بمثل هذا التركيب، وعمرو غداً مثله؛ حينئذٍ لا بد من ذكرهما.
إذا وقع الظرف والجار والمجرور صلة للموصول، جاء الذي عندك، وجاء الذي في الدار، حينئذٍ نقول: كل من: عندك وفي الدار متعلقان بمحذوف واجب الحذف، وواجب أن يكون فعلاً في مثل هذا الموضع كما سيأتي في محله.
فحينئذٍ يكون التقدير: جاء الذي استقر عندك، وجاء الذي استقر في الدار.
стр. 452
إن لم يُفِد حينئذٍ لا يسمى جاراً ومجروراً تاماً، لو قال: جاء الذي اليوم، جاء الذي بك، هذا لا يُفهم منه، لكن إذا قيل: جاء الذي عندك فَهِمْت من هذا اللفظ (عندك) المتعلق المحذوف العام وهو كائن أو استقر، وأما جاء الذي بك لا يفهم، واثق بك، أو عدو لك .. إلى آخره، نقول: هذا لا يُفهم، حينئذٍ لا يصح أن يقع جاراً ومجروراً لفظ من: الظرف أو الجار والمجرور ولا يكون تاماً، والفرق بين التام والناقص هو ما ذكرناه.
إذاً المراد بالتام: ما يفهم عند ذكره متعلقه العام، وكذا الخاص إذا دلت عليه قرينة، وإذا لم تدل عليه قرينة وجب ذكره ولا يجوز حذفه.
والناقص: ما لا يفهم عند ذكره متعلقه الخاص، لعدم القرينة عليه، والرابط هنا في التام موجود لكونهما متعلقين بفعل مسند إلى ضمير موصول تقديره الذي استقر عندك.
حينئذٍ يرد السؤال -قول ابن مالك: عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ مُشْتَمِلَهْ، وقلنا: جُمْلَةٌ أوْ شِبْهُهَا، يعني يشمل الظرف والجار والمجرور-حينئذٍ إذا قيل: جاء الذي عندك، عندك قلنا: هذه صلة الموصول، ابن مالك يقول: عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ، أين الضمير؟ الضمير المستتر (الرابط) الضمير المستتر في المتعلق؛ لأن المتعلق هنا يتعين أن يكون جملة ولا يجوز أن يقدر اسم فاعل، حينئذٍ تقول: جاء الذي استقر عندك. (استقر) هذا فعل ماضي والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو، يعود على الذي، إذاً صار هو الرابط.
إذاً: الذي أُسند إليه المتعلق -الضمير المستتر وهو الفاعل- هو الرابط بين جملة الصلة والموصول، تقديره الذي استقر عندك والذي استقر في الدار، فمن هنا أشبها الجملة؛ لأنهما يعطيان معناهما، أشبها الجملة لماذا؟ ابن مالك عبر قال: أوْ شِبْهُهَا: يعني شبه الجملة، من أين جاء الشبه؟ نقول: في اللفظ هو اسم (عندك) لكن في المعنى مع اعتبار التقديم هو جملة فعلية، فأشبه الجملة في اللفظ فحسب، وأما في المعنى فلا، حيث أعطي معنى الجملة الفعلية.
وَجُمْلَةٌ أوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ بِهِ: يعني الموصول.
كَمَنْ عِنْدِي الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ: كَمَنْ عِنْدِي: يعني الذي عندي، ابْنُهُ: الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ، مثَّل للنوعين العام والخاص، كَمَنْ عِنْدِي، نقول: هذا عام أو خاص، موصول عام أو خاص الذي عندي: كَمَنْ عِنْدِي، هذا مشترك أو خاص؟ مشترك (من) قلنا: وَمَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ، فهي من قبيل المشترك.
الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ: (الذي) هذا خاص، كَمَنْ عِنْدِي (عندي) ظرف تام متعلق بمحذوف (كمن استقر عندي)، هذا مثال لشبه الجملة، وهو قدم وأخر، ذكر الجملة أولاً ثم ذكر شبه الجملة، ثم مثَّل للثاني على حد قوله تعالى: ((يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ)) [آل عمران:١٠٦] حينئذٍ بدأ بالمتأخر، وهو نوع من أنواع البلاغة.
كَمَنْ عِنْدِي: هذا ظرف تام.
الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ: هذا جملة (ابْنُهُ) مبتدأ، وكُفِلْ الجملة خبر، والجملة من المبتدأ والخبر لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، وهذه الجملة يشترط فيها ثلاثة شروط تأتينا إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد ... !!!
стр. 453
عناصر الدرس
* شروط جملةالصلة
* صلة (أل) الموصولية
* أل/الموصولية أحكامها وأنواعها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
سبق في قوله:
وَمِثْلُ مَاذَا بَعْدَ مَا اسْتِفْهَامِ ... أَوْ مَنْ إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلاَمِ
هذه ذكرنا أن الناظم ذكر شرطين، وزاد ابن هشام: ألا تكون (ذا) للإشارة، نحو: من ذا الذاهب؟ هنا لا يمكن أن تكن (ذا) موصولة؛ لأن الذاهب هذا لفظ مفرد، ولا يصلح أن يكون صلة للموصول، فيتعين حينئذٍ أن تكون (ذا) إشارية، ألا تكون (ذا) للإشارة، نحو: من ذا الذاهب؟ وذلك لأن ما بعدها مفرد ولا يصلح أن يكون صلة لغير (أل) وهنا ليست (أل).
ثم قال:
وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَهْ ... عَلَى ضَمِيرٍ لاَئِقٍ مُشْتَمِلَهْ
دل هذا على أن كل الموصولات لا بد من صلة تبين معناها، تتمم معناها وتعرفها على القول بأنها مُعَرِّفَة، سواء كانت موصولات حرفية أو اسميه، وهذا متفق عليه.
وهذه الجمل أو هذه (الصلة) مشتملة على ضمير، هذا يسمى عائد لمَّا افتقر إلى صلة وعائد، هذا الضمير يسمى عائداً، يعني: مرجعه إلى الاسم الموصول، لا بد أن يكون مطابقاً له إفراداً وتذكيراً وتثنية وجمعاً، ثم إذا عاد الضمير عليه حينئذٍ إذا اختلفا من جهة المصدق واللفظ يجوز مراعاة اللفظ ويجوز مراعاة المعنى، ومراعاة اللفظ أكثر.
ثم بين هذه الصلة فقال:
وَجُمْلَةٌ أَوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ ... بِهِ كَمَنْ عِنْدِي الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ
عرفنا أن الصلة تكون جملة، وتكون شبه جملة، وأن الجملة تكون جملة اسمية وتكون جملة فعلية، وأن شبه الجملة المراد به ثلاثة أشياء: الظرف وقيده بالتوضيح المكاني، والجار والمجرور ويشترط فيهما التمام احترازاً من الناقص، وكذلك الثالث: الصفة الصريحة التي سيأتي أنها صلة (أل).
يشترط في هذه الجملة أولاً: أن تكون معهودة، يعني: بين المتكلم وبين المخاطب، فإن لم تكن كذلك حينئذٍ لا تصلح أن تكون صلة للموصول. يشترط في الصلة: أن تكون معهودة، بأن يعلمها المخاطب ويعلم متعلقها بمعية، يعني: يعرف المتكلم أنه أتى بجملة وهذه الجملة معلومة عند المخاطب، لا بد من ذلك، ليحصل الإتمام ويحصل إزالة الإبهام الذي في (الذي)، لو قال: جاء الذي قام أبوه ولم يدر ما هو، أو جاء الذي زيد أبوه قائم ولم يدر من هو زيد، فحينئذٍ نقول: هذه الجملة لم يحصل بها إتمام المعنى الذي في (الذي)، ولم يحصل بها رفع الإبهام في الاسم الموصول.
إذاً: يشترط في الصلة أن تكون معهودة بأن يعلمها المخاطب ويعلم تعلقها بمعين. أما صفة النكرة فالشرط فيها: علم المخاطب بها فقط كما ذكرناه في حد الموصول.
أو تكون مُنَزَّلَةً مُنَزَّلَةَ المعهود، يعني: يستثنى إذا كانت في مقام التهويل والتفخيم أو إرادة الجنس، حينئذٍ لا يشترط فيها أن تكون معهودة، يعني: الأصل أن تكون معهودة إلا في مقامين: مقام التهويل والتعظيم، ومقام إرادة الجنس. وهو الذي عبر عنه بعضهم بأنها تكون مُنَزَّلَةً مُنَزَّلَةَ المعهود وإلا لم تصلح للتعريف.
стр. 454
فالأول -الذي هو مقام التهويل- نحو: جاء الذي، أو الأول الذي هو اشتراط لأن تكون معهودة: جاء الذي قام أبوه. والثاني: هي الواقعة في معرض التهويل والتفخيم: ((فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)) [طه:٧٨] يعني: هول عظيم.
وكذلك إرادة الجنس: ((كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ)) [البقرة:١٧١] كالذي، ليس ثمَّ ما هو معهود بين المتكلم والمخاطب لإرادة جنس مدخول (الذي)، يعني: الذي هو صلة الموصول.
إذاً الشرط: أن تكون جملة الصلة معهودة بين المتكلم والمخاطب، إلا في مقامين:
أولاً: مقام التهويل والتعظيم، ((فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)) [طه:٧٨].
الثاني: إرادة الجنس، ((كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ)) [البقرة:١٧١].
وَجُمْلَةٌ أوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ: نقيدها بكونها معهودة، وإن جرى أكثر النحاة على أن الجملة يشترط فيها ثلاثة شروط ولا يذكرون أنها تكون معهودة، لكن بعضهم قيدها بما ذكرنا، بأن الأصل في جملة الصلة أن تكون رافعة للإبهام، ولا يمكن أن يكون المخاطب قد حصل عنده رفع للإبهام إلا إذا كانت الصلة معلومة، وإلا إن جُهل مصدق (الذي) وجهلت الصلة حينئذٍ كيف تم به؟ هذا أمر متعذر.
ويشترط في الجملة أيضاً: أن تكون خبرية لفظاً ومعنى، يعني: لا إنشائية، الخبرية معلومة، ما هي الخبرية؟ ما هي الجملة الخبرية؟ ما احتمل الصدق أو الكذب لذاته، حينئذٍ احترازاً من الإنشائية والطلبية، الطلبية هي نوع من الإنشاء. حينئذٍ لا تقع الجملة جملة الصلة إلا خبرية لفظاً ومعنى. وأما الإنشائية والطلبية فهذه لا تقع صلة للموصول.
إذاً: يشترط في جملة الصلة أن تكون خبرية لا إنشائية، وهي المقارِن حصول معناها للفظها فلا يوصل بها. لا يوصل بها؛ لأن الخبرية معنى اللفظ سابق على اللفظ، بخلاف الإنشائية والطلبية، فإما أن يكون مقارناً للفظ، وإما أن يكون متأخراً عن اللفظ. أليس كذلك؟ إذا تكلمت بكلام معناه إما أن يكون سابقاً: زيد قام، في الزمن الماضي، قبل أن أتكلم وقع الحدث قبل كلامي، قام زيد، زيد قائم، قد يكون في أثناء كلامي بلفظه حصل الحدث. بعتك داري: هذه ألفاظ إنشائية، بعتك داري. أو إذا كان في المستقبل كأن تأتي بـ (ليت، ولعل) ونحو ذلك من المسائل التي يكون مدلولها في المستقبل لا في الماضي ولا في الحال، حينئذٍ نقول: يشترط في الخبرية أن يكون اللفظ الذي حصل به الإخبار قد وقع حدثه قبل اللفظ، وهذا هو معنى الخبرية، احترازاً من الإنشائية، وهي المقابل حصول معناها للفظها فلا يوصل بها، والطلبية: ما يكون مطلوبها أو مدلولها يقع بعد اللفظ.
قال ابن مالك: لأن الصلة معرفة للموصول، فلا بد من تقدم الشعور بمعناها على الشعور بمعناه. هي معرفة للموصول، جاء الذي قام أبوه، حينئذٍ لا بد أن يكون قام أبوه متقدم في العلم على (الذي)؛ لأن هي معرفة له، حينئذٍ إذا كانت معرفة لا بد أن يسبق الشعور بمعناها الشعور بمعنى (الذي)، هذا واضح بين، أمر عقلي.
وخرج الطلبية وهي أولى بالامتناع من الإنشائية، لأنها لم يحصل معناها بعد، فهي أبعد عن حصول الوضوح بها لغيرها.
стр. 455
إذاً: كل من الطلب والإنشاء نقول: هذا ليس له خارج يدل اللفظ عليه حين التكلم. ليس له خارج، بخلاف الخبرية له خارج، يعني له شيء وقع وحصل، وأما الإنشائية والطلبية ليس له مدلوله لم يقع بعد، حينئذٍ: ما وقع مدلوله هو الذي يحصل به التعريف، وما لم يقع -وهي الإنشائية والطلبية- هذه لا يحصل بها التعريف، يعني تعريف الموصول.
إذاً: خبرية لا إنشائية، وحينئذٍ الطلب والإنشاء نقول: هذا خرج؛ لأنه ليس له خارج يدل اللفظ عليه حين التكلم، وإنما يحصل خارجه عقيب الكلام بعده، وعليه فلا يكونا معهودين للمخاطب، وإنما يكون الشيء معهوداً للمخاطب إذا علمه قبل الكلام، وأما مع الكلام أو بعده انتفى عنه الشرط الأول وهو: كونها عهدية.
واستُثني جملة القسم، فهي إنشائية، وصح وقوعها صلة: ((وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ)) [النساء:٧٢] قالوا: هذه مستثناة، هي محل نزاع القسمية، لكن الكثير وصححه السيوطي في جمع الجوامع أنه يصح أن تقع صلة.
وقيل: الصلة هي جملة جواب القسم وهي خبرية فلا استثناء.
إذاً: يشترط أن تكون خبرية لفظاً ومعنى، احترازاً من الطلبية والإنشائية، فلا يجوز: جاءني الذي اضربه، من هو هذا الذي اضربه؟ هذا في المستقبل ما يعرفه، كيف تعرف (الذي) بقولك: اضربه؟ ما حصل به التعريف؛ لأنها غير معهودة، ليس بيني وبين المخاطب معهود. جاء الذي اضربه، جاء الذي ليتني كنت مكانه، من هو؟ هذا مجهول. جاءني الذي ليته قائم، خلافاً لهشام الذي اشترط أو جوز أن تكون طلبية أو إنشائية.
إذاً: الطلبية اضربه أو لا تضربه لا يصح أن تقع صلة للموصول؛ لأن مدلولها لم يقع، وإذا لم يقع حينئذٍ لا يكون معهوداً بينك وبين المخاطب، فامتنع الشرط الأول.
الثاني: كونها خالية من معنى التعجب، جملة التعجب، يعني: لا تكون تعجبية. وجملة التعجب: ما أحسنه! وما أعلمه! هل هي إنشائية أو خبرية؟ محل نزاع، إن كانت إنشائية حينئذٍ خرجت بالاحتراز بالأول، خبرية: احترزنا من الإنشائية. وإن كانت خبرية حينئذٍ تستثنى من الخبرية، فيقال: لا تكون الجملة التعجبية صلة للموصول، لماذا؟ لأن التعجب إنما يكون من خفاء السبب، والصلة تكون موضحة ومعرفة، حينئذٍ ماذا حصل؟ إذا كان الموصول فيه إبهام وجملة التعجب فيها إبهام، هل يرفع المبهم بمبهم مثله، أو أنه بمُعرِّف؟ هل يرفع الإبهام بمبهم مثله أم لا بد من مُعرِّف؟
الثاني: يعني شيء موضح له ومبين.
إذاً: كونها خالية من معنى التعجب؛ لأن التعجب إنما يكون من خفاء السبب، والصلة تكون موضحة فتنافيا، حينئذٍ لا بد أن تكون خالية من معنى التعجب.
قال السيوطي: والصحيح جوازه. بناء على أنها خبرية، والأشهر هو الأول الذي ذكرته.
وذكر أيضاً السيوطي ﵀: أنها توصل بجملة القسم: جاء الذي أقسم بالله لقد قام أبوه، وهذا ذكرناه. وبجملة الشرط مع جزائه كما يخبر بها، نحو: جاء الذي الذي جاء إن قام عمرو قام أبوه، هذا من باب التجوز العقلي فحسب.
стр. 456
الثالث: كونها غير مفتقرة إلى كلام قبلها، يعني: ألا يكون ثَمَّ ترابط بين جملتين توسط بينهما الموصول، نقول: هذا ممتنع، لا بد أن تكون صلة الموصول جملة مستقلة ليس لها ارتباط بما قبل الموصول نفسه، فإن كان ثَمَّ ارتباط أو حرف يدل على أن ثَمَّ كلاماً يستدعي كلاماً قبل الموصول حينئذٍ امتنع وقوعها صلة للموصول.
كونها غير مفتقرة إلى كلام: جاءني حتى أبوه قائم، نقول: (حتى) هذه تدل على أن ما بعدها غاية لما قبلها، حينئذٍ امتنع أن تكون هذه الجملة صلة للموصول، وبجملة تستدعي كلاماً قبلها، نحو: جاءني حتى أبوه قائم. و (حتى) لا بد أن يتقدمها كلام يكون غاية له.
إذاً: هذه ثلاثة شروط مع الشرط الذي زدناه: وهو أن تكون معهودة، أربعة شروط لا بد من استيفائها في جملة الصلة: أن تكون خبرية لا إنشائية ولا طلبية، لا إنشائية خلافاً لهشام، ولا طلبية خلافاً للكسائي.
وكذلك: ألا تكون تعجبية، فإن كانت تعجبية حينئذٍ إن كانت خبرية على الخلاف، إن كانت خبرية فهي مستثناة من الشرط الثاني تكون خبرية، وإن كانت إنشائية حينئذٍ خرجت بقولنا: خبرية لا إنشائية، فهي مستثناة من الجملة الخبرية، لأنَّ في التعجب إبهاماً فلا يزل إبهام الموصول، وهذا تعليل واضح بين خلافاً لما ذكره السيوطي رحمه الله تعالى.
ويشترط في الظرف والجار والمجرور أن يكونا تامين، والمعني بالتام أن يكون في الوصل به فائدة، ومتى تكون الفائدة في الوصل به؟ إذا عُلم متعلقه العام. هذا ضابطه أولى مما ذكره ابن عقيل.
إذا علم من اللفظ متعلقه العام حينئذٍ نقول: هذا مفيد فائدة تامة. جاء الذي عندك، زيد في الدار، عرفنا أنه كائن في الدار مستقر في الدار، لكن زيد بك، بك هذا لا معنى له، حينئذٍ لا بد أن يتعلق بمحذوف خاص: زيد واثق بك، حينئذٍ نقول (بك) هذا متعلق بخاص لا يجوز حذفه، والكلام لا يكون مستقيماً.
أن يكون في الوصل به فائدة: جاء الذي عندك والذي في الدار، والعامل فيهما فعل محذوف وجوباً، وهذا محل إجماع. والخلاف في كون متعلق الجار والمجرور بالظرف هل هو اسم أو فعل في غير هذه المسألة، يعني في الظرف والحال والصفة، وأما في هذه المسألة فمحل وفاق، وبذلك رُجِّحَ في غيرها أن يكون فعلاً طرداً للباب كما سيأتي في محله في باب المبتدأ.
والتقدير: جاء الذي استقر عندك، أو الذي استقر في الدار.
فإن لم يكونا تامين لم يجز الوصل بهما، فلا تقل: جاء الذي بك، ولا جاء الذي اليوم، نقول: هذا باطل، لا يصح كلاماً؛ لأن المتعلق خاص وحذفه، ولا يجوز حذف المتعلق الخاص إلا إذا دلت عليه قرينة واضحة بينة. هذا ما يتعلق بقوله:
وَجُمْلَةٌ أَوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ ... بِهِ كَمَنْ عِنْدِي الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ
على اختصار.
وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ ألْ
стр. 457
وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ: هذا كالشرح لقوله: أو شبهها، وهو أن (أل) الموصولية صلتها لا تكون جملة فعلية ولا اسمية ولا ظرفاً ولا جاراً ومجروراً، وما وقع من ذلك في كلام العرب فهو شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وإنما الشرط في موصول أو صلة (أل) الموصولية: أن تكون صفة، والصفة المراد بها: ما دل على ذات، ما دل وضعاً على حدث معين وصاحبه، فحينئذٍ هو مركب في المعنى، دال على حدث وعلى صاحبه، كما أن الشأن في الفعل مطلقاً فعل الماضي والمضارع والأمر يدل على حدث، والصفة كذلك تدل على حدث.
الفعل بأنواعه الثلاث لا يدل على ذات بالمطابقة، وإنما يدل على ذات التي هي المحدثة الفاعل بدلالة الالتزام، لأنه متضمن لحدث، وكل حدث لا بد له من محدث.
وأما اسم الفاعل فهو دال على ذات.
إذاً: دلالة اسم الفاعل على الفاعل بالمطابقة، اسم الفاعل يدل على الفاعل بالمطابقة؛ لأنه اسم فاعل كاسمه وضع للدلالة على الذات التي اتصفت بهذا الحدث.
وأما الفعل: قام زيد، نقول: قام هذا يدل على زيد، لكن وجه الدلالة ليس بالمطابقة، وإنما بدلالة الالتزام، لأن (قام) تضمن ودل على حدث، وهذا الحدث لا يمكن أن يقع إلا بمحدث، فهو مستلزم للفاعل، فدلالة الفعل على الفاعل دلالة التزامية، ودلالة اسم الفاعل على الفاعل دلالة مطابقية، بمعنى: أن اللفظ دل عليه مطابقة، والفعل دل على الفاعل هناك بدلالة الالتزام، بمعنى: أنه خارج عن معناه، ما وضع له في لسان العرب، وإنما وضع قام لشيئين حدث وقع في زمن مضى، فهو مركب من حدث ... خلل في الصوت: أبووك، نقول: أبوك. أليس كذلك؟ أو أبووك؟ حينئذٍ دلالة قام، وهذه مهمة تفيدك في هناك في المطلق والمقيد والعام والخاص.
دلالة قام على الزمن دلالة مطابقية، ودلالة ضارب على الزمن دلالة التزامية، على العكس في الفاعل؛ لأن قام دل على زمن وحدث. إذاً: كل واحد منهما بدلالة المطابقة، على أحدهما نقول: بدلالة التضمن. وأما دلالة قام على الفاعل فهي دلالة التزامية، ودلالة ضارب -اسم الفاعل- على الفاعل مطابقية، وعلى الحدث مطابقية، وعلى الزمن بدلالة الالتزام، دلالة التزام، لأنه وضع لشيئين ليس منهما الزمن الذي هو الحدث والذات ليس منهما الزمن. وأما قام دل على شيئين، وضع لشيئين منهما الزمن، فرق بينهما من جهة الدلالة على الفاعل والدلالة على الحدث.
وأما الدلالة على المصدر فاتفقا، وهو: أن قام وقائم إذا ذكرنا مثالاً واحداً، أو ضرب وضارب دل على الحدث بالمادة التي هي الحروف التي تألف منها ضارب وضرب، أو قام وقائم، لأن قام يدل على المصدر وهو القيام، وقائم وهو اسم الفاعل يدل على المصدر وهو القيام. إذاً: دلا على المصدر بالمادة، اشتركا يعني بالحروف وافترقا في الدلالات السابقة التي ذكرناها.
إذاً: وَصِفَةٌ: المراد بالصفة ما دل وضعاً على حدث معين وصاحِبِه. والمراد بها على جهة التفصيل في هذا المحل: اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المبالغة، واختلف في الصفة المشبهة.
стр. 458
والمراد باسم الفاعل واسم المفعول اللذين يقعان صلة لـ (أل) في هذا المحل المراد بهما: الذي أريد بهما الحدوث. سبق أنه قد يراد بمدخول (أل) عهداً، وقد يراد به الثبوت، إن أريد به الثبوت حينئذٍ صار في قوة الصفة المشبهة، حينئذٍ يأتي الخلاف: هل هذا اسم فاعل أم صفة مشبهة؟ على القول بكون الصفة المشبهة لا تدخل عليه (أل) الموصولية حينئذٍ يأتي الخلاف، وأما إذا كان كلاً منهما يدخل عليه (أل) فلا إشكال. إذا قيل: المؤمن والكافر، هل المراد هنا إيمان متجدد أم أنه صفة ثابتة لموصوفها؟ لا شك الثاني، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: هذا هو معنى الصفة المشبهة، دلالتها على ثبوت الحدث لا على تجدده، وحينئذٍ نقول: اسم الفاعل واسم المفعول اللذان يشترط في صلة (أل) أن يكون صفة صريحة المراد بهما ما دلا على الحدوث، فإن أريد بهما الثبوت كالمؤمن والصانع كانت (أل) الداخلة عليهما معرفة؛ لأنها حينئذٍ صفة مشبهة، بل الصواب يرجع إلى الخلاف في الصفة المشبهة: هل هي مدخول أل الموصولية أم لا؟
وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ: صريحة أي: خالصة في الوصفية، بمعنى: أنها لم تستعمل استعمال الأسماء، لأن الشيء في أصله قد يكون دالاً على ذات وصفة وحدث، ثم يستعمل استعمال الأسماء الجامدة: كالصاحب والراكب، فـ (أل) الداخلة على الراكب نقول: هذه ليست موصولية بل معرفة، مع كونه اسم فاعل راكب على وزن فاعل، ومع ذلك نقول: (أل) الداخلة عليه مُعَرِّفة وليست موصولية، لماذا؟ لأن مدخول (أل) هنا ليست صفة صريحة بل هو اسم جامد، كيف اسم جامد وهو على وزن فاعل؟ نقول: سلب دلالته على الوصفية، ومثله: الراكب، أي: خالصة الوصفية.
وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ: أي خالصة الوصفية التي لم تنقل إلى الاسمية، خرج به الصفة التي غلبت عليها الاسمية كالصاحب، فـ (أل) فيها حرف تعريف لا موصولة.
وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ ألْ: صلة (أل) الموصولة.
وكذلك احترز بقوله: صريحة من الداخلة على اسم التفضيل، وهذا مجمع عليه؛ أن (أل) الداخلة على الأفضل والأكرم هذه حرف تعريف وليست بـ (أل) الموصولية، محل وفاق هذا، وإنما الخلاف في الصفة المشبهة.
وكذلك المنسوب مثل: القرشي، (أل) هذه تعريف وليست موصولة، وإن كان في تأويل الصفة لأنه ليس بصفة صريحة، وإنما هو من جهة المعنى، قرشي يعني: منسوب إلى قريش، فهو موصوف من جهة المعنى، أي: المنسوب إلى قريش.
ثم قال: وَكَوْنُهَا بِمُعْرَبِ الأَفْعَالِ قَلَّ
وَكَوْنُهَا: أي هذه الألف واللام. وَكَوْنُهَا، وكون: هذا مصدر لكان الناقصة تفتقر إلى اسم وخبر، اسمها الهاء المضاف إليه.
وقوله: بِمُعْرَبِ الأَفْعَالِ: هذا خبر كان.
وقَلَّ: خبرها أيضاً. كيف اجتمع خبران؟
وَكَوْنُهَا بِمُعْرَبِ الأَفْعَالِ قَلَّ
بِمُعْرَبِ: هذا خبر كان.
وقَلَّ: خبر كان.
стр. 459
بِمُعْرَبِ الأَفْعَالِ: هذا خبر كان من حيث طلبها وافتقارها إلى اسم وخبر، فالاسم الضمير، وبمعرب هذا جار ومجرور متعلق محذوف خبر كان، وهي مبتدأ، وتفتقر من هذه الحيثية إلى خبر، فلها جهتان: جهة كونها تفتقر إلى اسم وخبر، وجهة كونها مبتدأً، فـ (قل) هذا خبر الكون، من جهة كونه مبتدأً، و (بِمُعْرَبِ الأَفْعَالِ) خبر الكون من جهة كونه طالباً لاسم وفعل.
وكَوْنُكَ إيَّاهُ عَلَيكَ يَسِيرُ
يأتينا إن شاء الله في محله.
دخول (أل) الموصولة على معرب الأفعال الذي هو الفعل المضارع، هل هو دخول صحيح أم أنه قبيح وشاذ؟ ينبني على هذا الخلاف: أن (أل) هل هي من خصائص الأسماء أم لا؟ من قال بأن دخولها على الفعل المضارع دخول صحيح معترف به في لسان العرب، حينئذٍ جعل (أل) الموصولة ليست علامة على اسمية الكلمة، وليست (أل) كلها، لا، المراد (أل) الموصولية، وأما (أل) المعرفة أو الزائدة فهي علامة، محل وفاق لا إشكال فيه، وإنما (أل) الموصولية التي تكون داخلة على الصفة الصريحة: ضارب ومضروب، والأمثلة المبالغة، والصفة المشبهة، هل هي معرفة بالاسم بمعنى أنها دالة على أنه اسم أم لا؟ منبني على هذا الخلاف.
إن قلنا: دخوله على الفعل -الفعل المضارع صحيح- حينئذٍ سلبنا عنها هذه الخصيصة، وإن قلنا: شاذ وأنه قبيح حينئذٍ نقول: هي على أصلها تعتبر علامة على اسمية الكلمة.
ابن مالك رحمه الله تعالى اختار أن دخولها دخول صحيح لكنه قليل، وعلى كلامه في قوله هناك: بالجَرِّ وَالْتَّنْوِينِ وَالنِّدَا وَأَلْ؛ لا بد أن نستثني الموصولية على مذهبه، لأنه لا يرى أن (أل) الموصولة علامة لاسمية الكلمة، والجماهير: أن (أل) بجميع أنواعها ومنها الموصولة تعتبر علامة على اسمية الكلمة، وأما دخولها على الفعل المضارع فيما ورد من الأبيات والأشعار وإن كثر بالنسبة لـ؟؟؟ لكنه كثرة نسبة، إن كثر يعتبر ضرورة ويعتبر شاذاً، بل حكى عبد القاهر الجرجاني كما حكاه في شرح الشذور ابن هشام: أنه شاذ بإجماع النحاة، لكن الإجماع هذا محل نزاع.
وَكَوْنُهَا بِمُعْرَبِ الأَفْعَالِ قَلَّ
يعني: دخولها على معرب الأفعال قليل، وإذا كان قليلاً حينئذٍ يستساغ ويقال بدخول (أل) على الفعل المضارع مطلقاً، سواء كان في الشعر أو في النثر على هذا القول.
والجماهير على أن دخولها على الفعل المضارع تعتبر ضرورة.
هنا قال: الألف واللام توصف (أل) بصفة محضة، يعني: خالصة من شائبة الاسمية كالصاحب والراكب، وذلك اسم الفاعل والمفعول كالضارب والمضروب، بخلاف غير المحضة، كالذي يوصف به وهو غير مشتق كأسد، لو وصف به نقول: هذا صفة، لكنه غير مشتق.
والصفة التي غلبت عليها الاسمية كصاحب وراكب، فـ (أل) في جميع ذلك معرِّفة لا موصولة، إن لم تكن صفة كالأسد ولو وصف به نقول: هذا لا يعتبر صلة لـ (أل)، إن كان مشتقاً لكنه أجري مجرى الأسماء الجامدة كراكب وصاحب، حينئذٍ نقول: هذا لا يشتق، هذا لا يوصل به. فإذا كان كذلك حينئذٍ إذا دخلت (أل) على الأسد أو على الراكب والصاحب نقول: هذه (أل) معرِّفة وليست موصولية.
وهل توصل بالصفة المشبهة؟ قولان للنحاة مشهوران:
стр. 460
الأول: توصل بها، كما في الحسن، وبه جزم ابن مالك -رحمه الله تعالى-، وهذا هو المشهور: أنها توصل بها؛ لشبهها الفعل باعتبار رفعها الظاهر باطراد مطلقاً، بخلاف أفعل التفضيل؛ فإنه لا يرفع الظاهر باطراد إلا في مسألة الكحل كما سيأتي بيانه.
إذاً: الصفة المشبهة ترفع الاسم الظاهر على أنه فاعل، إذا كان كذلك حينئذٍ لها شبه قوي بالفعل، فإذا كان لها شبه قوي بالفعل حينئذٍ صح دخول (أل) الموصولية عليها؛ لأنها في اللفظ هي اسم، وفي المعنى لشبهها القوي بالفعل في كونها ترفع الاسم الظاهر حينئذٍ صارت في معنى اسم الفاعل وفي معنى اسم المفعول.
وقد ذكرنا الضابط في صلة (أل) أنها من جهة اللفظ هي اسم، ضارب ومضروب، ومن جهة المعنى هي في قوة الجملة الفعلية، وكذلك حسن، حسن من حيث اللفظ هو اسم، ومن حيث المعنى نقول: هذا في قوة الفعل، ما الدليل على أنه في قوة الفعل؟ رفعها للاسم الظاهر باطراد.
أما أفعل التفضيل فهذا محل وفاق، لأنها لا ترفع إلا الاسم الظاهر في محل واحد –مستثنى- وما كان مستثنىً حينئذٍ يكون خارجاً عن القياس، فالأصل فيها أنها لا ترفع الاسم الظاهر إلا في مسألة الكحل وهذا مستثنى، وحينئذٍ ما خرج عن القياس غيره عليه لا يقاس، فيقال: الأصل فيها أنها لا ترفع الاسم الظاهر وإنما ضمير مستتر. هذا الأول.
الثاني: لا توصل بها لضعفها وقربها من الأسماء، لأنها للثبوت، فلا تؤول بالفعل، ولذلك لا توصل بأفعل التفضيل باتفاق، يعني هي من حيث المعنى للثبوت، نقول هنا: لم ينظر إلى المعنى وإنما نظر إلى العمل، فلما عملت عمل الفعل والأصل في العمل للأفعال كانت أشبه به من هذه الحيثية، فألحقت به؛ لأن المراد هنا العمل، لأن (أل) إذا اتصلت باسم الفاعل وهي موصولية واسم المفعول والصفة المشبهة حينئذٍ تعمل فيما بعدها، صار معتمداً عليه كما سيأتي في محله.
فإذا كان كذلك روعي في الصفة المشبهة عملها وإن لم يلتفت إلى المعنى من حيث الثبوت، فغلِّب جانب العمل على جانب المعنى ولذلك عملت، ولذلك وقع فيها خلاف، بخلاف الضارب والمضروب.
وفي وصلها بالفعل المضارع قولان:
توصل به، ورجحه ابن مالك.
وَكَوْنُهَا بِمُعْرَبِ الأَفْعَالِ قَلَّ
الثاني: لا توصل به، وعليه الجمهور، وما ورد من كلام العرب من الضرورات القبيحة، مَا أَنْتَ بالْحَكَمِ التُّرْضَى حُكُومَتُهُ: الذي ترضى، ترضى هذا فعل مضارع مغير الصيغة دخلت عليه (أل)، و (أل) المعرفة لا تدخل على المضارع بإجماع، وكذلك الزائدة لا تدخل على المضارع بإجماع، وإنما تعين حمل أل لهذا أن تكون موصولية، حينئذٍ دخولها على ترضى هل هو دخول صحيح أم لا؟ المشهور أنه يعتبر من الضرورات القبيحة كما قال الجمهور.
،
следующие страницы →