Полный текст (2 939 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
فامنعه مطلقاً إذا كان الأول معرفة، سواء كان أعرف من الثاني أو أدنى، فالمبتدأ هو المقدم، ولو كان أدنى مرتبة من الجزء الثاني، والثاني هو الخبر ولو كان أعرف من المبتدأ، فالناظم لم يلتفت إلى هذا، وإنما نظر إلى ما يعرفه المخاطب كما سيأتي.
إذاً المراد هنا بالاستواء حِينَ يَسْتَوِي الْجُزْءانِ المبتدأ والخبر.
عُرْفًا وَنُكْراً: في جنس التعريف والتنكير، وإن كان أحدهما أعرف أو أخص من الآخر، فيما إذا كان نكرتين؛ لأن أحدهما قد يضاف غلام رجل، والآخر قد يوصف بجار ومجرور، حينئذ يكون الأول أقرب إلى قلة الشيوع من الثاني، فهو أخص، إذاً لا يلزم أن يكون الأخص هو المبتدأ والأعم ولو كان نكرة من جهة التخصيص أن يكون هو الخبر لا، فالأول النكرة المخصصة يكون مبتدأ، والثاني النكرة المخصصة يكون خبراً، ولو كان الثاني أكثر تخصيصاً من الأول، لأن ما كان أكثر تخصيصاً يكون أقرب إلى المعرفة فهو أعلى درجة، وما كان أبعد فهو أنزل درجة مطلقاً لا يلتفت إلى هذا ولا ذاك، وإنما المقدم الذي يلفظ به أولاً هو الذي يكون مبتدأً، والذي يلفظ به ثانياً هو الذي يكون خبراً ولو كان الثاني أكثر تخصيصاً من الأول.
أما إذا كان أحدهما نكرة مخصصة، والآخر محضة، محضة يعني لم توصف، وإحدى النكرتين وصفت، رجل صالح حاضر، رجل هذا نكرة، وحاضر نكرة، هل استويا؟ لا، ليس عندنا نكرة مخصصة إلا واحدة رجل صالح، هذه نكرة مخصصة، حاضر نقول: هذا نكرة محضة، في هذا التركيب ليس داخلاً في كلام المصنف؛ لأنه يتعين أن تكون النكرة المخصصة هي المبتدأ، والنكرة المحضة هي الخبر، هذا متعين لا يجوز فيه الوجهان، وإنما نقول: هذا الذي هو رجل صالح، هذا مبتدأ قطعاً، وحاضر هذا خبر قطعاً.
وأما إذا كان أحدهما نكرة مخصصة والآخر محضة، فظاهر أن المبتدأ هي النكرة المخصصة كالمثال الذي ذكرناه، إلا أن هذه الصورة خارجة بقوله: عَادِمَيْ بَيَانِ، ليست بداخلان.
وإن كان الاسمان مستويين فالذي يقدم ويجعل مبتدأً هو ما يعلم المخاطب اتصاف الذات به، والذي يؤخر ويجعل خبرًا هو ما يجهل المخاطب اتصاف الذات به، على الأصل في وضع المبتدأ والخبر، يعني إذا قيل: زيد أخي، على كلام الناظم هنا إذا قلت: زيد ونطقت به أولاً، وأخي نطقت به ثانياً، حينئذ أي النوعين من المعرفتين نجعله مبتدأً والآخر خبر؟
على كلام الناظم مطلقاً زيد مبتدأ، وأخي خبر، ونظر بعضهم إلى المعنى، هذا في الظاهر والله أعلم أنه وقوف ظاهري، لماذا؟ لأن الغرض في المبتدأ أن يكون مخبراً عنه، والخبر أن يكون مخبراً به، هذا الأصل فيه، وهذا أصل مطرد، والعبرة هنا بالمعاني أيضاً كما أن العبرة بالألفاظ.
فحينئذ إذا كان الأصل في المبتدأ، أن يكون مخبراً له، فحينئذ إذا كان معلوماً عند المخاطب أحد اللفظين المعرفتين والثاني فيه نوع جهالة، فالأصل حينئذ أن يكون المعلوم هو المبتدأ، والمجهول هو الخبر؛ لأن الخبر هو الجزء الذي تتم به الفائدة مع المبتدأ، وهو محط الفائدة كما يعبر النحاة.
стр. 562
فحينئذ الأولى في مثل هذا التركيب ألا نعين بأن الثاني مطلقاً هو الخبر، وإنما نقول: ننظر إلى المخاطب، فإن كان عنده علم بأحد الذاتين وجَهْلٌ بأحد الأوصاف المتعلقة بالذاتين، حينئذ نجعل المعلوم هو المبتدأ، والمجهول أو الذي فيه نوع جهالة هو الخبر، فقد يكون هذا المتقدم هو المبتدأ وقد يكون هو الخبر.
وهذا من جهة البيان والبلاغة أبلغ مما اختاره الناظم رحمه الله تعالى، فالذي يقدم ويجعل مبتدأً هو ما يعلم المخاطب اتصاف الذات به، والذي يؤخر ويجعل خبراً هو ما يجهل المخاطب اتصاف الذات به، فإذا عرف المخاطب زيداً بعينه واسمه وجهل اتصافه بأنه أخوك، يعلم أن شخصاً اسمه زيد ويعرفه بعينه، لكن ما يدري أنه أخي، فحينئذ يعلم ماذا ويجعل ماذا؟ يعلم اسم زيد وذاته، ويجهل الحكم وهو كونه أخي، حينئذ زيد أخي أيهما الذي يقدم؟ زيد هو الذي يقدم وأخي هو الذي يؤخر، لو قلت في مثل هذا التركيب أخي زيد أخطأت، لماذا؟ لأن التركيب الثاني إنما يقال لمن علم بأن لي أخاً، وجهل اسمه وعينه، فيقال له: أخي زيد، عكس التركيب الأول، انظر المعنى هنا كيف، تحكم في كون هذا محكوماً عليه وهذا محكوم به، إذا علم اسم الشخص وعينه ي-عرف-، وهذا يقع عند الناس، ترى الشخص وتعرف اسمه إلى آخره، وتجهل أنه أخي، فأقول لك: هذا زيد أخي، حينئذ زيد صار محكوماً عليه، وأخي صار محكوماً به، في مثل هذا التركيب لا يجوز التقديم والتأخير، يجب التزام أن يكون زيد هو المبتدأ وأخي هو الخبر، لو علم بالأخوة يعلم أن له أخاً فقد يكون موجوداً هنا مثلاً، لكن نسي أو جهل اسمه وعينه فيقال: أخي زيد، فحينئذ وجب أن يكون أخي هو المبتدأ، وزيد هو الخبر، هذا أحسن ما يقال فيه.
فإذا عرف المخاطب زيداً بعينه واسمه وجهل اتصافه بأنه أخوك قلت: زيد أخي، وإذا عرف أن لك أخاً وجهل عينه واسمه قلت: أخي زيد.
فَامْنَعْهُ حِينَ يَسْتَوِي الْجُزْءانِ: يعني المبتدأ والخبر.
стр. 563
عُرْفًا وَنُكْراً: أي: في التعريف والتنكير، هذا مراده بالعرف والنكر، في التعريف والتنكير، فهما اسما مصدرين للتعريف والتنكير منصوبان بنزع الخافض، وهو أولى من جعلهما تمييز -أعربها محيي الدين تمييز- والأولى تجعل منصوبان بنزع الخافض؛ لأن المعنى عليه وإن كان مقصوراً على السماع أوضح من جعلهما تمييزين محولين من فاعل يستوي، فحينئذ يكون فَامْنَعْهُ حِينَ يَسْتَوِي الْجُزْءانِ في التعريف وفي التنكير، والمراد النكرة هنا ليس مطلق النكرة، وإنما النكرة التي يصلح أن تكون مبتدأً، كل منهما يصلح أن يكون مبتدأً أفضل من زيد أفضل من عمرو، أفضل أفضل نكرتان، الأولى مخصصة والثانية مخصصة، هنا يجب أن يكون الأول مبتدأً والثاني معرفة، ليس كالسابق، لماذا؟ لأن الأولى صالحة لأن تكون مبتدأ وهي مبتدأ، والثانية أفضل من عمرو كذلك صالحة لأن تكون مبتدأ وهي قد أعربناها خبر، لماذا؟ لأنك لو قدمت وأخرت وقعنا في الإبهام واللبس، أفضل من زيد أفضل من عمرو، كل من كان أفضل من زيد فهو أفضل من عمرو، والعكس صحيح لو قدمنا وأخرنا قلنا: أفضل من عمرو أفضل من زيد؟ ليس بصحيح إذاً وقعنا في وهم ولبس، حينئذ يجب أن نلتزم الأصل، وهو أن يكون الأول هو المبتدأ والثاني هو النكرة؛ لئلا يقع إلباس وتلبيس.
عُرْفًا وَنُكْراً عَادِمَيْ بَيَانِ: هذا تقييد، عَادِمَيْ يعني: ما كانا معرفتين وما كانا نكرتين، عَادِمَيْ بَيَانِ إذا لم توجد قرينة تبين المبتدأ من الخبر، إذا انتفت القرينة وجب أن يكون الأول من المعرفتين هو المبتدأ، وأن يكون الأول من النكرتين الصالحتين لجعلهما مبتدأً أن يكون الأول هو المبتدأ، إن وجدت قرينة مع التقديم والتأخير تنفي اللبس والإيهام، حينئذ جاز التقديم والتأخير بين المعرفتين وبين النكرتين.
فَامْنَعْهُ حِينَ يَسْتَوِي الْجُزْءَانِ ... عُرْفَاً وَنُكْرَاً عَادِمَيْ بَيَانِ
إذاً الموضع الأول الذي يجب فيه تأخير الخبر -أن يبقى على أصله- أن يكون كل من المبتدأ والخبر معرفة، أو يكون كل من المبتدأ والخبر نكرة، لكنها صالحة لجعلها مبتدأً -لا بد من التقييد- وأما إذا كانا أحدهما صالحاً لأن يجعل مبتدأ والثاني يكون محضاً ليس داخلاً في كلام المصنف، رجل صالح حاضر، هذه خرجت بقوله: عَادِمَيْ بَيَانِ؛ لأنه ليس فيه لبس يتعين الأول أن يكون مبتدأ والثاني خبر.
وعبر عن هذا التركيب في التوضيح: الأول أن يوهم التقديم ابتدائية الخبر، بأن يكون معرفتين أو نكرتين متساويتين ولا قرينة، فإن كان قرينة جاز التقديم كما سيأتي أبو يوسف أبو حنيفة.
стр. 564
إذاً لو تقدم الخبر لتوهمنا ابتدائيته، يعني إذا قلنا الأصل أخي زيد على المعنى السابق، لو أخطأ فقال: زيد أخي، نقول: التركيب ليس بصحيح، أو يصحح على أن يجعل الخبر المقدم مبتدأً؛ لأن المخاطب سيتوهم أنه المبتدأ المحكوم عليه، إذا قال: أخي زيد، قلنا يجب التزام الأصل أخي زيد، أخي مبتدأ وزيد خبر، لو قدم قال: زيد أخي على أن يكون خبراً مقدماً، نقول: لا. هذا يوهم أنه مبتدأ، فإما أن تلتزم بأنه مبتدأ أو ترجع إلى الأصل أن تقول: أخي زيد، إما أن ترجع عن الحكم فيكون زيد الذي قدمته على أنه خبر مقدم يكون مبتدأً، وأخي يكون خبراً.
ولذلك عبر ابن هشام في التوضيح عن هذه الجملة التي عبر عنها ابن عقيل بما هو أوضح: أن يوهم التقديم ابتدائية الخبر، يعني الخبر في الأصل أنه خبر لو قدمناه لتوهم السامع والمخاطب أنه مبتدأ، ودفعاً للإلباس وجب التزام الأصل وهو تأخير الخبر.
ولا مبين للمبتدأ من الخبر: زيد أخوك، هذا واضح، وأفضل من زيد أفضل من عمرو، ولا يجوز تقديم الخبر في هذا ونحوه؛ لأنك لو قدمته فقلت: أخوك زيد وأفضل من عمرو أفضل من زيد لكان المقدم مبتدأً وأنت تريد أن يكون خبراً من غير دليل يدل عليه، فإن وجدت قرينة عَادِمَيْ بَيَانِ، فإن وجد البيان حينئذ بالمفهوم صح التقديم والتأخير: أبو يوسف أبو حنيفة، أبو يوسف هذا تلميذ أبي حنيفة، أبو يوسف هذا مبتدأ وهو مُشَبَّهٌ، وأبو حنيفة مُشَبَّهٌ به، مبتدأ وخبر، أبو يوسف مبتدأ محكوم عليه، وأبو حنيفة هذا خبر، كل منهما استويا تعريفاً.
هنا عندنا قرينة وهي أن الأصل أن التلميذ هو الذي يشبه بشيخه، لا الشيخ هو الذي يشبه بتلميذه، فإذا قال أبو حنيفة أبو يوسف، هل يتوهم متوهم أن أبو حنيفة مبتدأ؟ لا، ليس أبو حنيفة مشبه بأبي يوسف، لا العكس، إذاً وجدت قرينة معنوية، هنا القرينة ليست لفظية وإنما هي معنوية؛ لأن أبو يوسف هذا مشبه وأبو حنيفة مشبه به، كأنه قال: أبو يوسف مثل أبي حنيفة، وشأن المشبه التقدم على المشبه به، وهو المبتدأ والمشبه به هو الخبر، حينئذ لو قدم وأخر فقال: أبو حنيفة أبو يوسف قلنا: عندنا قرينة عند من يفهم، لكن إذا كان ما يعرف أبا حنيفة ولا أبا يوسف، هذه مشكلة عرف بهما أولاً، ثم اشرح له المثال.
لو قال: أبو حنيفة أبو يوسف جاز لوجود القرينة المعنوية ولا إشكال فيه.
بَنُونَا بَنو أَبْنَائِنَا، وَبَنَاتُنا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجالِ الأَباعِدِ
بَنُونَا بَنو أَبْنَائِنَا: كل منهما معرفة، بنونا هذا معرف بماذا؟؟؟؟
وبنو أبنائنا؟ ... ؟؟؟
إذاً اجتمع معرفتان على قاعدة ابن مالك أن الأول يكون مبتدأً والثاني يكون خبراً، بَنُونَا بَنو أَبْنَائِنَا، أنت على ماذا تحكم-على من- على أبناء الأبناء أو على البنين أيهما أصل تشبه من بمن؟ أبناء الأبناء بالأبناء أو الأبناء بأبناء الأبناء؟
أبناء الأبناء هؤلاء مشبهون بالأبناء، إذاً بَنُونَا هذا خبر مقدم، بَنو أَبْنَائِنَا هذا مبتدأ مؤخر، معلوم من التشبيه؛ لأن القاعدة أن المشبه هو الذي يكون مبتدأ، والمشبه به هو الخبر، فالمعنى تشبيه أبناء البنين بالبنين ومن يُشَابِهْ أَبَه فَمَا ظلَم، هذا هو الأصل.
стр. 565
فحينئذ بَنُونَا هذا خبر مقدم وبَنو أَبْنَائِنَا هذا مبتدأ مؤخر، والأصل بَنو أَبْنَائِنَا مثل بنينا، هذا هو الأصل.
فبنونا خبر مقدم وبنو أبنائنا مبتدأ مؤخر لأن المراد الحكم على بني أبنائهم بأنهم كبنيهم، وليس المراد الحكم على بنيهم بأنهم كبني أبنائهم.
إذاً عَادِمَيْ بَيَانِ المراد به: أنه إذا وجدت قرينة لفظية أو معنوية تدل على المتقدم والمتأخر فيما إذا استويا تعريفاً وتنكيراً جاز التقديم والتأخير.
كَذَا إذَا مَا الْفِعْلُ كَانَ الْخَبَرَا: كَذَا أي: مثل ذا يمتنع تقديم الخبر إذَا مَا الْفِعْلُ، ... مَا زائدة .. ... يا طالباً خذ فائدة ... ما بعد إذا زائدة
فتحكم عليه بأنها زائدة، يعني نحذفها مطلقاً أو أنها تفيد؟ تفيد التأكيد ((وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)) [الشورى:٣٧] وارد في القرآن.
كَذَا: أي مثل (ذا) من امتناع تقديم الخبر على المبتدأ يمتنع تقديم الخبر إذا كان الفعل، الْفِعْلُ هذا اسم كان محذوفة.
كَانَ هو الْخَبَرَا: بمعنى أنه إذا وقع الخبر فعلاً وهنا لم يقل جملة؛ لأنه أراد الفعل المنطوق به من حيث هو، بمعنى أنه ليس الفعل الرافع لاسم ظاهر أو ضمير بارز، ولذلك أطلق الفعل وأُورِد -ومنهم ابن عقيل- على المصنف إيراداً ليس في محله، وهو أنه يرد على مطلق الفعل كل فعل ولو رفع ضميراً مستتراً أو ضميراً بارزاً أو اسماً ظاهراً، ومراد المصنف بهذا البيت أن الخبر إذا وقع فعلاً رافعاً لضمير مستتر امتنع تقديمه على المبتدأ: زيد قام، زيد مبتدأ، قام فعل ماضٍ رفع ضميراً مستتراً، هل يجوز أن نقول: قام زيد نقدم الخبر؟ زيد مبتدأ وقام نقول: فعل ورفع ضميراً مستتراً وهو في محل رفع خبر، هل يجوز أن نقدم الخبر فنقول: قام زيد؟ لا يجوز؛ لأنك لو قلت: قام زيد، خرجت الجملة من اسميتها إلى فعليتها، وفرق بين النوعين؛ لأنه لا يجوز أولاً أن يتقدم الفاعل على فعله، فلا يقال حينئذ زيد فاعل وقام فعل كما هو مذهب الكوفيين، وإنما يتعين أن يكون الأول مبتدأً، إذا تعين أن يكون الأول مبتدأً حينئذ تعين تأخير الفعل، والمراد بهذا أن الكوفيين يرون أن قول القائل: زيد قام، زيد فيه وجهان: يحتمل أنه مبتدأ ويحتمل أنه فاعل، يحتمل أنه مبتدأ وخبره جملة قام، ويحتمل أنه فاعل للفعل المتأخر؛ لأنهم يرون جواز تقديم الفاعل على الفعل، وهو باطل كما سيأتي في محله.
إذاً على مذهب البصريين وهو الصواب أنه لا يجوز تقديم الفاعل على فعله إذا قلنا: زيد قام، امتنع تقديم قام على زيد، لماذا؟ لأنه انتقل من الجملة الاسمية إلى الجملة الفعلية، وهذا مخرج الكلام عن أصله.
كَذَا يمتنع تقديم الخبر إذَا مَا الْفِعْلُ، إذاً: نقول الفعل المراد به هنا الرافع للضمير المستتر؛ لأنه في الأصل إذا عُبّر بالفعل عن فعل رافع لضمير مستتر في الغالب أنه لا يعبر عنه بالجملة، وإن كان هو في المعنى جملة، لكن إذا وقع الخبر جملة فعل رافع لاسم ظاهر أو بارز قلنا هذا من باب الإخبار بالجملة الفعلية أو الاسمية، ومراد المصنف هنا بالفعل الصورة المحسوسة كما عبر المكودي وغيره، وليس فاعله محسوساً -الذي ليس فاعله محسوساً- يعني: منطوقاً به وهو الاسم الظاهر والضمير البار.
стр. 566
إذاً الموضع الثاني أن يكون الخبر فعلاً رافعاً لضمير المبتدأ مستتراً بهذا القيد؛ إذ لو قُدِّمَ لأوهم الفاعلية، لو قُدِّمَ –الفعل- وهو خبر على المبتدأ لأوهم الفاعلية، فخرجت الجملة من كونها اسمية إلى فعلية، وهذا ممنوع نحو: زيد قام، فقام وفاعله المستتر خبر عن زيد، ولا يجوز التقديم فلا يقال قام زيد على أن يكون زيد مبتدأً مؤخراً والفعل خبراً مقدماً بل يكون زيد فاعلاً لقام فلا يكون من باب المبتدأ والخبر بل من باب الفعل والفاعل.
فإن رفع ضميراً بارزاً أو اسماً ظاهراً حينئذ جاز فيه الوجهان التقديم والتأخير، وهو داخل في قوله: وَجَوَّزُوا التَّقْدِيمَ إذ لا ضَرَرا.
فتقول: قام أبوه زيد، زيد قام أبوه، زيد مبتدأ وقام أبوه فعل وفاعل والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، قدِّم الجملة الفعلية قام أبوه زيد، حصل لبس؟ لا؛ لأن الفعل هنا اكتفى بمرفوعه لا يرفع فاعلين، فزيد مبتدأ سواء قدمته أو أخرته، زيد أبوه منطلق، أبوه منطلق زيد. جاز التقديم والتأخير، هذا إذا رفع اسماً ظاهراً، وأما إذا رفع ضميراً بارزاً نحو: الزيدان قاما، والزيدون قاموا.
الزيدان قاما: الزيدان هذا مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفعه الألف لأنه مثنى، و (قاما) قام فعل ماضي والألف فاعل والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو مثنى.
الزيدان قاما، هذا على المشهور أنه جائز مطلقاً، الجمهور على أنه يجوز مطلقاً إذا رفع الفعل وهو خبر ضميراً بارزاً سواء كان مثنى ألف الاثنين أو واو الجماعة جاز مطلقاً، هذا عند الجمهور.
فإذا قدم المثنى قيل: قاما الزيدان، فالزيدان مبتدأ مؤخر، وجملة قاما هذه خبر مقدم، لكن منع بعضهم تقديم هذه الصورة، لماذا؟ لأن الفاعل يحذف للتخلص من التقاء الساكنين، فيقع لبس، فتقول: قام الزيدان، فيظن الظان أن قام هذا فعل والزيدان فاعل، فمنع بعضهم حكاه السيوطي عن والده أنه يمنع هذه الصورة قاما الزيدان؛ لأنك أنت ما تقول: قاما الزيدان، وإن أجيب بهذه قاما هذا فعل وفاعل، والزيدان مبتدأ، هذا الأصل، لكن لما وقع اللبس قام الزيدان حذفت الألف التي هي فاعل، إذاً وقع لبس، فيظن الظان أن قام ليس خبراً مقدماً بل هو فعل، وأن الزيدان ليس مبتدأً مؤخراً بل هو فاعل، فوقعنا في اللبس، فيه أن الألف تحذف لفظاً لالتقاء الساكنين، فاللبس حاصل لفظاً، وأجيب بأنه يمكن دفعه بالوقف على قاما أو الوصل بنية الوقف، ولا لبس في نحو قاما أخواك، لكن هذا يبقى فيه لبس.
وأما قاموا الزيدون هل فيه لبس؟
لا.
لماذا؟
الضمة التي على الميم.
أما قاما، الفتحة هذه موهمة أنها فتحت بناء، وهي فتحت بناء، لكنها موهمة أن يكون الفعل مسنداً إلى الاسم الظاهر قاما الزيدان، وأما قاموا فإذا حذفت الواو للتخلص من التقاء الساكنين، حينئذ بقيت الضمة على أصلها.
إذاً: إذا رفع ضميراً بارزاً حينئذ الجمهور على الجواز مطلقاً سواء رفع ضميراً بارزاً وهو مثنى، قاما الزيدان يجوز تقديم الخبر على مبتدأ أو رفع ضمير الجمع قاموا الزيدون كذلك جائز.
стр. 567
وخصه بعضهم بالجمع، ومنع المثنى لبقاء الإلباس على السامع، وهو في المثنى واقع، ولو عمم فيه جيد، ومنع قوم التقديم مطلقاً حملاً لحالة التثنية والجمع على الإفراد؛ لأنه الأصل،- لا هذا ضعيف-، يعني ما دام أنه زيد قام هذا ممنوع! إذاً قام قاما قاموا ممنوع، نقول: لا. زيد قام امتنع لماذا؟ لعلة، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، وإلا الأصل جواز تقديم الخبر مطلقاً، إذا وقع في إلباس وإيهام حينئذ نقول: نمنع، وأما قاما الزيدان إذا لم يوقع في لبس وما أجاب به الجمهور حينئذ لا بأس، وقاموا كذلك لا بأس، أما قام زيد ونقيس هذا على ذاك نقول: هذا ممتنع.
كَذَا إِذَا مَا الْفِعْلُ كَانَ الْخَبَرَا ... أَوْ قُصِدَ اسْتِعمَالُهُ مُنْحَصِرَا
قوله: كَذَا إذَا مَا الْفِعْلُ كَانَ الْخَبَرَا، في التركيب ابن مالك أحياناً يقع عنده نوع عسر وركاكة، ولذلك قيل: أصل التركيب كذا إذا ما الخبر كان فعلاً؛ لأن الخبر هو المحدَّثُ عنه، فلا يحسن جعله حديثاً لكنه قلب العبارة لضرورة النظم، وليعود الضمير إلى أقرب مذكور في قوله: أوْ قُصِدَ، أوْ هذا للتنويع، وهي الحالة الثالثة من أحوال وجوب تأخير الخبر ولا يجوز تقديمه على المبتدأ.
أوْ قُصِدَ اسْتِعمَالُهُ مُنْحَصِرَا: (أوْ قُصِدَ) أي: وكذا يمتنع تقديم الخبر إذا استعمل منحصراً.
قُصِدَ اسْتِعمَالُهُ يعني: استعمال الخبر.
مُنْحَصَراً، مُنْحَصِراً: بالوجهين إلا أن الفتح أولى ومنحصَراً ليوافق قوله: كَانَ الْخَبَرَا هذا الأصل.
ثم منحصراً فيه، فحينئذ يكون على تقدير فيه، يعني محصوراً فيه، فمنحصراً بصيغة اسم المفعول على الحذف والإيصال، ففيه نائب فاعل، منحصراً فيه، حذف في، ثم استكن الضمير فصار نائب فاعل، لا بصيغة اسم الفاعل إذ التقدير عليه منحصراً مبتدؤه فيه، بحذف المضاف والمتعلق ففيه كثرة حذف مع مخالفته لقوله: الْخَبَرَا، خَبَرَا الراء مفتوحة، مُنْحَصَراً الصاد هذه مكسورة، أوْ قُصِدَ اسْتِعمَالُهُ يعني استعمال الخبر منحصراً.
بمعنى أنه يقترن بإلا أو بإنما، والحصر إثبات الحكم بالمذكور ونفيه عما عداه.
стр. 568
إذاً يمتنع تقديم الخبر إذا استعمل منحصراً ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)) [آل عمران:١٤٤] هذا أعلى صيغ الحصر، (ما) ما إعرابها؟ نافية، محمد هذا مبتدأ، (إلا رسول) المحصور فيه دائماً يكون بعد (إلا) هذا الأصل، ما اقترن بإلا هو المحصور فيه، فحينئذ صار المبتدأ محصوراً في الخبر، كأنه حصر محمداً ﷺ في صفة واحدة وهي كونه رسولاً، وهذا يسمى حصراً إضافياً لا حقيقياً يعني لا إشكال فيه؛ إذ له صفات أخرى، لكن المراد هنا باعتبار المخاطب، إذاً مُحَمَّدٌ هذا مبتدأ ورَسُولٌ هذا خبر، هل يجوز أن يقال: وما رسول إلا محمد، على أن رسول هو المحصور فيه؟ لا يجوز، لماذا؟ لأن الذي يلي إلا هو المحصور فيه، ولو قدمت وأخرت التبس، ما يدرى ما المحصور وما المحصور فيه، فحينئذ إذا جاء الخبر تالياً مقروناً بعلة لا يجوز تقديمه، يعني لا يجوز تقديمه وحده، واختلفوا فيما إذا قدم مع إلا، هذه مسألة أخرى، الكلام فيما لو قيل: ما محمد إلا رسول، هل يصح أن يقال: وما رسول إلا محمد، نقول: رسول خبر مقدم، ومحمد مبتدأ مؤخر؟ نقول: لا يجوز؛ لأن رسول هذا محصور فيه وهو تالي لـ (إلا) هذا ممتنع تقديمه، كذلك إذا كان محصوراً بـ: إنما ((إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ)) [هود:١٢] والمحصور بـ: إنما هو الذي يكون ثانياً ليس الذي تالياً لها، المحصور فيه هو الذي يكون آخراً، ((إِنَّمَا أَنْتَ))، (نَذِيرٌ) هو المحصور فيه، (إنما نذير أنت) أنت هو المحصور فيه، الذي يكون ثانياً متأخراً هو الذي يكون محصوراً فيه.
((إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ)) نقول: نذير، هذا لا يجوز تقديمه على المبتدأ، لماذا؟ لأنه محصور فيه بـ: إنما، وبعضهم يعبر عنه بالحصر معنًى، لكنها من أدوات الحصر عند جمهور البيانيين، وحينئذ نقول: نذير لا يجوز تقديمه على أنت، لماذا؟ لأنه محصور فيه، ومحصور إنما يكون متأخراً، فلو قيل: إنما نذير أنت، حينئذ ظُنَّ أن المبتدأ هو المحصور فيه، وهذا يوقع في اللبس.
إذاً أوْ قُصِدَ اسْتِعمَالُهُ مُنْحَصِرَا نحو: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)) [آل عمران:١٤٤] ((إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ)) [الرعد:٧]، إذ لو قدم الخبر والحالة هذه لانعكس المعنى المقصود، ولأشعر التركيب بانحصار المبتدئ، فإن قيل: المحذور منتف إذا تقدم الخبر المحصور بـ: إلا مع إلا، فظاهر كلام المصنف العموم سواء تقدم مع إلا أو لا، قيل في الجواب: هو كذلك إلا أنهم ألزموه التأخير حملاً على المحصور بـ: إنما، لكن بعضهم أجازه، أن المحصور إذا كان بـ: إلا جاز تقديمه وتأخيره معها لا دونها، لماذا؟ لأن إلا صارت قرينة على كون ما بعدها محصوراً فيه، فلو تقدم الخبر أو تأخر حينئذ نقول: هذا جائز، لو سمع مثل هذا التركيب نقول: الأصل فيه الجواز.
أوْ قُصِدَ اسْتِعمَالُهُ مُنْحَصِرَا، استعمال الخبر منحصراً فيه يعني: في المبتدئ.
стр. 569
إذاً الحالة الثالثة التي يمنع فيها تقديم الخبر: أن يكون الخبر محصوراً بـ: إنما أو إن شئت قل: أن يقترن الخبر بـ: إلا وإنما، إنما زيد قائم، لا يصح أن يقال: إنما قائم زيد إلا على معنى أنه لا يوجد قائم إلا زيد، فرق بين المسألتين، إنما زيد قائم، يعني وصفت زيد بصفة واحدة وهي القيام، زيد ليس له صفة إلا القيام، ولو عكست قلت: إنما قائم زيد يعني لا يوجد قائم من الناس إلا زيد، إنما زيد قائم يعني زيد ليس له صفة إلا القيام، وغير زيد قد يكون قائم، لكن إذا قلت: إنما قائم زيد كأنه لا يوجد في الناس قائم إلا زيد، المعنى اختلف، حينئذ لا يجوز التقديم إذا كان الخبر محصوراً فيه، فلا يجوز تقديم قائم في قوله: إنما زيد قائم، وما زيد إلا قائم على زيد في المثالين.
وقد جاء التقديم مع إلا شذوذاً
فَيا رَبِّ هَلْ إِلاَّ بكَ النَّصرُ يُرْتجى ... عَليهم وهلْ إِلاَّ عَليكَ المُعَوَّلُ
ولذلك الناظم أطلق، لذلك قلنا: لو سمع -يعني سماعاً- يصح تعليق الحكم به قلنا: هذا جائز لوجود القرينة، هنا قال: وهلْ إلاَّ عليكَ المُعَوَّلُ، هل المعول إلا عليك، هذا الأصل، لكن هل حصل لبس بالتقديم هنا؟ ما حصل، يعني إلا عليك أصل تركيب، وهل المعول إلا عليك؟ يعني لا معول إلا عليك هذا الأصل، فحينئذ لما قدم وهو مقرون بإلا ما حصل لبس بقي على أصله.
ثم قال: أوْ كَانَ مُسْنَداً لِذِي لامِ ابْتِدَا، هذا الموضع الرابع.
أوْ كَانَ الخبر مُسْنَداً لِذِي لمبتدئٍ فيه لامُ ابْتِدَا، يعني إذا اتصلت –دخلت- لام الابتداء على المبتدأ لا يجوز تقديم الخبر على المبتدأ؛ لأن لام الابتداء لها حق الصدارة، فلا يتقدم عليها الخبر لزيد قائم، زيد مبتدأ مرفوع بالابتداء دخلت عليه لام الابتداء للتوكيد، وحينئذ قائم خبره لا يصح أن يقال: قائم لزيد، هذا لا يصح، أي وكذا يمتنع تقديم الخبر إذا كانت لام الابتداء داخلة على المبتدأ، نحو: لزيد قائم، فلا يجوز، وإذا جاء التقديم مسموعاً في لسان العرب حكموا عليه بأنه شاذ.
خَالِي لأَنْتَ وَمَنْ جَرِيرٌ خَالُه ... يَنَلِ الْعَلاَءَ وَيكْرمِ الأخْوَالاَ
خَالِي لأَنْتَ، أصلها لأنت خالي، لأَنْتَ دخلت على المبتدئ، وخَالِي هذا خبر مؤخر في الأصل، لكنه قدم عليه شذوذاً.
إذاً قوله: لِذِي المراد به مبتدأ ذِي هنا بمعنى صاحب، وهي صفة لموصوف محذوف أي لمبتدئٍ صاحب لام ابتداءٍ، فإن تقدم حينئذ نقول: هو من باب خالي لأنت وهو شاذ.
أوْ لازِمِ الصَّدْرِ كَمَنْ لِي مُنْجِدَا: هذه الحالة الخامسة وهي: أن يكون المبتدأ له أحقية الصدارة، ولذلك هذان الموضعان موضع واحد في المعنى، إلا أنه لما كان هو بنفسه المبتدأ لأن لام الابتداء ليست اسماً ليست مبتدأ، وإنما هنا الثاني أن يكون المبتدأ هو نفسه، له أحقية الصدارة كأسماء الاستفهام وأسماء الشرط والتعجب وكم الخبرية .. نقول: هذه كلها لها أحقية الصدارة وهي مبتدءات لا يتقدم عليها أخبارها.
стр. 570
أوْ كَانَ مُسْنَداً لمبتدئ لازِمِ الصَّدْرِ بنفسه أو بسبب، بنفسه كاسم الاستفهام، والشرط، والتعجب، وكم الخبرية .. ما أحسن زيداً، ما هذه تعجبية في محل رفع مبتدأ، أحسن الجملة هذه خبر، لا يجوز أن يتقدم الخبر على المبتدأ، دائماً تكون هذه لازمة للصدر، من في الدار؟ من اسم استفهام، في الدار هذا خبر، لا يجوز أن يقال: في الدار من؛ لأن من هذا مبتدأ وله صدر الكلام، من يقم أقم معه، من نقول: اسم شرط في محل رفع مبتدأ.
أوْ لازِمِ الصَّدْرِ كَمَنْ لِي مُنْجِدَا: قلنا مراده أو كان مسنداً لمبتدءٍ لازم الصدر بنفسه أو بسبب، بنفسه، قلنا كاسم الاستفهام والشرط، والتعجب، وكم الخبرية ما أحسن زيداً، من في الدار، من يقم أقم معه، من نقول: اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ (يقم أقم معه) وهذه الجملة كلها في محل رفع خبر المبتدأ على الصحيح، فحينئذ لا يجوز أن يتقدم الخبر هنا على المبتدأ، ما العلة؟ لأن من الشرطية بل أسماء الشرط كلها لها أحقية الصدارة، يعني لا يتقدم عليها شيء البتة.
أو بغيره كأن يكون لفظ مضافاً إلى ما له حق الصدارة مثل: غلام من في الدار؟ غلام هذا هل له أحقية الصدارة؟ ليس له أحقية الصدارة، لكن لما أضيف إلى ما له أحقية الصدارة أخذ حكمه.
ولذلك نقول: مبتدأ لازم الصدر بنفسه كاسم الاستفهام خالص، واسم الشرط خالص، لكن لو أضيف إليه لفظ، هذا اللفظ في الأصل ليس له أحقية الصدارة، حينئذ نقول: انتقل إليه الحكم غلام من في الدار، لا يصح أن نقول: في الدار غلام من، لماذا؟ لأن غلام من هذا مضاف ومضاف إليه، المضاف في نفسه ليس له أحقية الصدارة، لكن لما أضيف إلى ما له أحقية الصدارة أخذ حكمه، فلا يجوز التقديم في نحو ذلك المثال.
غلام من يقم أقم معه، نقول: هذا مثله، أو مشبَّهاً بما له الصدارة، الذي يأتيني فله درهم .. الذي هذا اسم موصول، يأتيني جملة الصلة، الذي نقول: هذا اسم موصول في محل رفع مبتدأ، فله درهم، نقول: هذه جملة، لكن الفاء هنا التحقت بالخبر جوازاً، لماذا؟ قالوا: تشبيهاً لذي بما فيه الشرط، باسم الشرط، ولذلك صار فيه نوع عموم، فلما كان فيه نوع عموم جاز إدخال الفاء على الخبر، الذي يأتيني فله درهم، -المبتدأ هنا الذي مشبه باسم الشرط للعموم، هو عام وذاك عام، لكن لما كان فيه معنى الشرطية الذي يأتيني له درهم، هنا فيه تعليق، إذاً فيه معنى الشرطية، فَشُبِّهَ (الذي) بـ: من؛ وحينئذٍ دخلت الفاء في الخبر جوازاً-، ولهذا دخلت الفاء في الخبر جوازاً فلم يجز تقديم الخبر على الذي لما فيه من مشابهته لاسم الشرط.
أوْ لازِمِ الصَّدْرِ كَمَنْ لِي مُنْجِدَا: يعني كقولك: من، من هذا اسم موصول بمعنى الذي، ولِي نقول: هذا خبر ومُنْجِدَا حال من الضمير في الجار والمجرور، والمنجد هو الناصر، من لي منجداً، لا يجوز أن يقال: لي من، أو لي منجداً من .. لا يجوز هذا ولا ذاك، لماذا؟ لأن من هذه لها أحقية الصدارة.
стр. 571
إذاً هذه خمسة مواضع ذكرها الناظم رحمه الله تعالى في وجوب تأخير الخبر، وهي المشهورة، ويزاد عليها أن يكون المبتدأ هو مذ أو منذ، مذ ومنذ كما سيأتينا في باب حروف الجر أنها قد تكون مبتدأ لها اعتباران: تكون حرف، وتكون مبتدأ، وإذا كانت مبتدأ اختلف في إعرابها، لكن إذا كانت اسماً تكون حرفاً وتكون اسماً، وإذا كانت اسماً اختلف في إعرابها على الوجه بكونها مبتدأ لا يجوز تقديم خبرها عليها، ما رأيته مذ يومان، مذ مبتدأ ويومان خبر، لا يصح أن يقال: يومان مذ، التركيب هذا خلل.
الثاني: أن يكون المبتدأ ضمير المتكلم أو المخاطب مخبراً عنه بالذي وفروعه، أنا الذي عرفوني، الذي عرفوني لا يصلح أن يتقدم على أنا، أنت الذي تدعي ما لا تحسنه، أنت الذي لا يصلح أن يتقدم الذي على أنت.
ثالثاً: أن يكون الخبر طلباً، قلنا يصح على الصحيح أن تكون جملة الخبر طلبية، زيد اضربه، لكن إذا كانت جملة هل هي مثل: زيد قام أبوه؟ زيد قام أبوه يجوز التقديم والتأخير، قام أبوه زيد، زيد قام أبوه، لكن زيد اضربه لا يصح أن يقال: اضربه زيد، وكذلك زيد هلا ضربته.
رابعاً: أن يكون المبتدأ دعاءً: سلام عليكم، عليكم سلام .. لا يصح، ويل لكم.
خامساً: أن يكون الخبر متعدداً وهو في قوة الخبر الواحد، الرُّمَّانُ حُلْوٌ حَامِضٌ، الرمان مبتدأ، وحلو حامض هذان خبران تعدد الخبر، وَأَخْبَرُوا بِاثْنَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَا عَنْ وَاحِدٍ كما سيأتي، إذاً الرمان حلو، حُلْوٌ بضم الحاء وإسكان اللام ولا يجوز كسرها، كسرها لحن، حِلوٌ نقول: هذا لحن وإنما هو حُلْو بضم الحاء وإسكان اللام، في هذه الحالة نقول: لا يجوز تقديم الخبر، فلا يقال: حُلو، حامض الرمان.
سادساً: أن يقع بين المبتدئ والخبر ضمير الفصل، زيد هو المنطلق، هذا في قوة ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ مثلما سبق؛ لأنه من أنواع الحصر، زيد هو المنطلق، المنطلق هو زيد اختلف المعنى .. فرق بينهما، إذاً: أن يقع بين المبتدأ والخبر ضمير الفصل لا يجوز تقديم الخبر على المبتدأ.
سابعاً: أن يكون الخبر مقترناً بالباء الزائدة، ما زيد بقائم على لغة الإهمال، لا يصح أن يقال: ما بقائم زيد.
ثامناً: أن يقترن الخبر بالفاء الذي يأتيني فله درهم، ذكرناه؛ لأن الفاء دخلت لشبهه بالجزاء –الشرط- والجزاء لا يتقدم على الشرط.
تاسعاً: أن يكون المبتدأ بعد أما، أما زيد فعالم، الفاء هذه لا تلي أما، لا يجوز أن تكون واقعة وتالية لأما، لو قدمت الخبر قلت: أما فعالم زيد، لا يصح هذا، إذاً يجب أن يتأخر الخبر إذا اقترن بفاء بعد أما، أما زيد فعالم، هنا يجب تأخير الخبر؛ لأن الفاء لا تلي أما البتة.
ثم قال ﵀:
وَنَحْوُ عِنْدِي دِرْهَمٌ وَلِيَ وَطَرْ ... مُلْتَزَمٌ فِيهِ تَقَدُّمُ الْخَبَرْ
هذا شروع منه في الحالة الثالثة للخبر، وهي وجوب التقديم، أخذنا جواز الأمرين_الحالة الأولى-، الثانية: وجوب التأخير، وهذا وافق الأصل من حيث كونه متأخراً في اللفظ مخالفاً له من حيث الوجوب؛ لأن الأصل هو الجواز، هنا خالف من الجهتين، تقدم في اللفظ ثم هو واجب، لا يجوز تأخيره، هذا خرج عن الأصل بالكلية كالمبني، والثاني كالممنوع من الصرف.
стр. 572
وهي وجوب التقديم وثلَّث به لمخالفته الأصل من كل وجه.
وَنَحْوُ عِنْدِي دِرْهَمٌ وَلِيَ وَطَرْ: وَنَحْوُ هذا مبتدأ.
قوله: مُلْتَزَمٌ فِيهِ، يعني يجب، الالتزام، والحتم، واللزوم، والوجوب .. هذه كلها مترادفة من حيث المعنى، يعني تحمل على الإيجاب.
وَنَحْوُ عِنْدِي دِرْهَمٌ وَلِيَ وَطَرْ: عِنْدِي نقول: هذا ظرف وهو خبر مقدم.
ودِرْهَمٌ: هذا مبتدأ مؤخر، لِيَ وَطَرْ: يعني حاجة، لي جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
وَطَرٌ: هذا مبتدأ مؤخر.
ما حكم تقدم الخبر هنا على المبتدئ؟ نقول: الوجوب، لماذا؟ لأنه المسوغ للابتداء بالنكرة، لا مسوغ للابتداء بالنكرة هنا إلا تقدم الخبر وهو الظرف والجار والمجرور.
وَنَحْوُ عِنْدِي دِرْهَمٌ وَلِيَ وَطَرْ: مثل بمثالين للظرف وللجار والمجرور.
مُلْتَزَمٌ: هذا خبر المبتدئ نَحْوُ.
مُلْتَزَمٌ فِيهِ: فِيهِ في هذا التركيب السابق، مُلْتَزَمٌ تَقَدُّمُ هذا نائب فاعل، تَقَدُّمُ الْخَبَرْ: تَقَدُّمُ مضاف، والْخَبَرْ مضاف إليه.
إذاً التزم هنا تقديم الخبر على المبتدأ؛ لأن المبتدأ نكرة، ولا مسوغ للابتداء بالنكرة إلا تقدم الخبر.
وهذا سبق معنا هناك:
وَلاَ يَجُوزُ الاِبْتِدَا بِالنَّكِرَهْ ... مَا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَهْ
هل هذا تكرار؟ لا، هنا أفاد الوجوب على ما ذهب سابقاً، هناك أفاد بجواز تقديم أن يبتدأ بالنكرة؛ فالكلام على النكرة، عِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَهْ هذا التركيب صحيح؛ لأنه مفيد، لكن ما نوع التقديم هناك، هل هو جائز أو واجب؟ بهذا البيت أفاد أنه واجب وليس بجائز.
إذاً: مُلْتَزَمٌ فِيهِ تَقَدُّمُ الْخَبَرْ: لماذا؟ لأنه المسوغ للابتداء بالنكرة، ورفعاً لإيهام كونه نعتاً في مقام الاحتمال؛ لأنه لو تأخر الظرف والجار والمجرور بعد النكرات يحتمل أنهما صفات، هذا الأصل، نحن نقول الجمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال في الغالب، إذاً رفعاً لإيهام كونه نعتاً في مقام الاحتمال؛ إذ لو قلت: درهم عندي، احتمل أن يكون نعتاً للنكرة؛ لأنه نكرة محضة، واحتمل أن يكون خبراً، يحتمل هذا ويحتمل ذاك.
وحاجة النكرة إلى التخصيص أشد افتقاراً من حاجة المبتدأ إلى الخبر؛ لأنه إذا قيل: عندي درهم، درهم عندي، نقول: درهم هذا إذا جعلناه نكرة هو نكرة، وإذا أعربناه مبتدأ هو مبتدأ .. إذاً النكرة تحتاج إلى مخصص، والمبتدأ يحتاج إلى خبر، أيهما أشد احتياجاً؟ احتياج النكرة إلى الصفة أشد من احتياج المبتدأ للخبر، حينئذ نقدم إعرابه صفة، فإذا جاء في التركيب هكذا: درهم عندي نعرف عندي متعلق بمحذوف صفة للنكرة، أين الخبر؟ ليس له خبر.
حينئذ دفعاً لهذا الإيهام وجب تقديم الخبر على المبتدئ.
إذاً لو أخرناه لاحتمل أنه إما أن يكون خبراً وإما أن يكون صفة، خبر من جهة كونه مبتدأ، وصفة من جهة كونه نكرة، وافتقار النكرة إلى الصفة أشد من افتقار المبتدأ إلى الخبر.
стр. 573
وحاجة النكرة إلى التخصيص ليفيد الإخبار عنها فائدة يعتد بمثلها آكد من حاجتها إلى الخبر، ولهذا لو كانت النكرة مختصة جاز تقديمها نحو: ((أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ)) [الأنعام:٢] أَجَلٌ هذا مبتدأ، ومُسَمًّى صفته، عِنْدَهُ هل هذا مثل: عندي درهم؟ الجواب: لا، لماذا؟ لوجود التخصيص، لما لم يوجد للنكرة مسوغ للابتداء بها إلا الظرف تقديمه أو الجار والمجرور تعين، لو وجد غيره حينئذ نقول: لا يجب، رجل ظريف عندي، رجل مبتدأ، وظريف صفته، وعندي هذا خبر، هل يجب تقديم الخبر على المبتدأ لكونه نكرة؟ لا، لماذا؟ لوجود مخصص، وهذا المخصص أفاد، فجوز الابتداء بالنكرة.
وَنَحْوُ عِنْدِي دِرْهَمٌ وَلِيَ وَطَرْ ... مُلْتَزَمٌ فِيهِ تَقَدُّمُ الْخَبَرْ
إذاً الحالة الأولى التي يجب فيها تقدم الخبر: أن يكون المبتدأ نكرة ليس لها مسوغ إلا تقدم الخبر، والخبر ظرف أو جار ومجرور.
وعبَّر في التوضيح عن هذه المسألة: أن يوقع تأخيره -تأخير الخبر- في لبس ظاهر، ودائماً قاعدة العرب: دفع الإلباس والالتباس، والإيهام والتوهم .. كل ما أدى إلى التوهم واللبس والإلباس فهو ممنوع مطلقاً في باب النحو كله من أوله إلى آخره.
أن يوقع تأخيره في لبس ظاهر: في الدار رجل، فلو أُخِّر لالتبس الخبر بالصفة، ومنه: عندي أنك فاضل، هل يجب التقديم هنا؟ نعم، لأنك لو قلت: أنك فاضل عندي، التبست أن بإن؛ لأنه في أول الكلام، أنك فاضل، نقول: أنك فاضل أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، فهو في قوة المفرد، حينئذ لو قدمناه لاحتمل أن يكون في قوة الجملة فرق بين المسألتين.
حينئذ يتعين نقول: عندي أنك فاضل، يجب تقديم الخبر على المبتدأ وهو عندي، لماذا؟ لأنك لو أخرته وقلت: أنك فاضل عندي لالتبست أن بإن، وهذا لبس يجب دفعه، فحينئذ يجب التقديم.
هذا عبر به ابن هشام هكذا، نحو: عندك رجل، في الدار امرأة، فيجب تقديم الخبر هنا، فلا تقول: رجل عندك، ولا امرأة في الدار، وأجمع النحاة والعرب على منع ذلك، هذا بإجماع: رجل عندي أو عندك، وامرأة في الدار، هذا ممنوع باتفاق، وَلاَ يَجُوزُ الابْتِدَا بِالنَّكِرَهْ.
وذكرنا أنه قال بعضهم: لو أوردت النكرة عند مخاطب يعلم جاز الابتداء بها، رجل في الدار، لو كان بينك وبين شخص معرفة أو سابق علم أو فهم فحينئذ لو قلت: رجل في الدار أجازه البعض، مع أنه لم يكن ثم مسوغ للابتداء بالنكرة، وهذا مرده إلى أن الفائدة التي تشترط في تسويغها للابتداء بالنكرة هذه مختلفة وهي نسبية، تختلف من شخص إلى شخص، بل من زمن إلى زمن.
ولذلك ليس لها ضابط معين يمكن الرجوع إليه، بعضهم ضبطها بما أفاد التعميم والتخصيص، وعند السرد حينئذ نأتي إلى المسائل التي ذكرها ابن عقيل سابقاً.
فإن كان للنكرة مسوغ جاز الأمران: رجل ظريف عندي، وعندي رجل ظريف.
كَذَا إِذَا عَادَ عَلَيْهِ مُضْمَرُ ... مِمَّا بِهِ عَنْهُ مُبِينَاً يُخْبَرُ
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 574
عناصر الدرس
* ما علم جاز حذفه
* مواضع حذف وجوب حذف الخبر
* تعدد الخبر عن المبتدأ الواحد.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
س: الأمثلة التي فيها الحصر وهي نكرة هل يصح أن يقال: إن سبب تأخيره هو كونه نكرة؟
ج: لا، لأن الخبر الأصل فيه أنه نكرة، لا يقال: إنه تأخر من أجل أنه نكرة.
س: يقول: أنا أحفظ مجموعة من المتون العلمية سواء منظومات أو أحاديث عمدة الأحكام أو غيره لكن تعبت في مراجعتها من جهة ومن جهة أخرى، تعبت كذا في حفظ جديد؟
ج: كل المحفوظات إذا كثرت فهذه لا بد مما يسمى بالتخصيص الآن، يعني الكبير يدخل تحته الصغير، ولكن لكون الطلاب ما يُدّرِّسُوُن، ما بينهم مدارسة فيتعب في تثبيت الصغير، يعني مثلاً البعض يدرس الألفية، وقد يكون من أربع خمس سنين درَس الآجرومية إلى الآن ما درَّسها ولو مرة واحدة، هذه الآجرومية تكون في خبر كان، تذهب أو يجلس خمس سنين وهو يراجع يراجع يراجع أو أنه يتركها وينساها وضيع وقته في الحفظ، لكن الأصل الصحيح الذي يعتمده أنه يدرس الكتاب ثم إذا ضبطه بطريقة جيدة واثق من نفسه حينئذ إذا وجد من يريد أن يدرس يتعلم عليه ما في بأس، الآن لما يأتي طبيب ويأتي حلاق هو يتعلم سنين على الرءوس وبعدها يصير خبير صاحب خبرة، الخبرة ما تأتي بيوم وليلة، كيف نقول خبرة؟ ولذلك يطلبون وظائف خبرة عشر سنين، هذا غلط، هذا إذا احتاج إليه الإنسان يكون قد كان على وظيفة وترك.
الشاهد: أن إذا درس الملحة مثلاً أو درس الآجرومية أو درس نظم الورقات ما تجلس محفوظة هكذا سنتين أوثلاث، يضيع علمك هكذا، وإنما تدرسها، ما وجدت لا بد إنك تجلس وتشرحها أو تجد طالب علم جيد يستغل وقته معك وتجلس تتدارس معه، تشرح بيت وهو يشرح بيت، أما تبقى هكذا في الخزينة وتجلس سنتين أو ثلاث ثم تدرس قطر الندى ومثله ثم الألفية، ثم تأتي إلى المراقي وتدرسها ما .. هذا كالذي يكدس هكذا ما يستفيد، الفائدة قليلة، لكن ما يحرك العلم إلا بالمدارسة بالتدريس، صحيح. يعني أنت لو تجلس وتغلق الكتاب وإذا جاءت مسألة استشهدت ببيت، استشهدت بآية، استشهدت بحديث هذه تنطبع يعني كأنها صارت شيء محسوس، أما الطريقة التي تسيرون عليها هي التي ضيعتكم، أولاً: لا تدريس. وثانياً: لا مراجعة. التدريس البعض يظن أنه نوع تصدر، لا ليس المقصود أن يصرح لك وتفتح دورة وإلى آخره لا، المقصود أنك تجلس ومع طالب واحد يحتاج، كثير الآن ما يستطيع أن يدْرُس الألفية، هؤلاء لو من تصدر له مجلس يدرسهم الأجرومية لاستطاع أنه يستفيد ولو في الإجازة، لكن الله المستعان! طريقة عشوائية ليست منظمة، ولا مرتبة.
стр. 575
هذه مشكلة العلم الآن، وإلا العلم موجود إن شاء الله، من يدرس موجود والكتب موجودة والطلاب الحمد لله في كثرة ما شاء الله، لكن الطريقة، لكن لا بد من مدارسة، يعني أنتم الآن بدأتم في الألفية، الأصل أن كل اثنين ثلاثة مع بعض، لو يوم في الأسبوع يجلسون يراجعون عشرين بيت هذا يحضر وكذا وتسمعون لبعض، ثم فك العبارات هذا يشرح بيتين مختصر والثاني والثالث وهلم جرا، هذا الأصل فيه. تقرءون ابن عقيل، أنا أحاول أني أقرأ مع أني ما أحتاجه في الشرح ابن عقيل، لكن من أجل أن الاختبار سيكون فيه بعض الألفاظ وكذا ويطمئن الطالب أنه درس ابن عقيل، أما إذا ما عرجنا عليه بالكلية يقول: ما قرأنا ابن عقيل. لكن من باب تطييب بعض النفوس نقرأه، نعيد الذي شرحت أعيده في القراءة، اجتهدوا.
وأيضاً المدارسة يعني تجعل الطالب عنده همة، إذا استمر وراجع مائة بيت من الألفية يستمر إن شاء الله، يعني المراجعة تقول: أختي أختي، وإذا شعر أنه ضبط يتحمس أكثر، ولذلك المتون الصغيرة هذه وسيلة أنه يتقن الكبار، والذي دائماً يأتي من فوق هذا ما يضبط، يبدأ فتح الباري وشرح مسلم للنووي، وبعضهم الاستذكار والتمهيد لابن عبد البر، هذا ما ينتهي، هذا ما أظنه ينتهي من الجزء الأول في التمهيد، ثم لو انتهى ما حصل شيء، لكن لا بد من السلم. أنتم فيكم الخير والبركة إن شاء الله.
س: هل هناك شرح لأبي حيان على الألفية؟
الجواب: ما أدري ما أعرف أنه مطبوع، أنا ما أهتم صراحة بجمع الشروحات، أنا ما أتتبع هذه الأشياء لا مخطوط ولا مطبوع، إنما أعتني بالضبط أكثر، يعني آخذ كتاب وأركز عليه وألخص وأحفظ وأذاكر إلى آخره وأحاول أستوعب ولو كان حاشية، وقد أكتفي به وأبحث مسائل، هذه الطريقة التي أسير عليها، أما لا بد أني أجرد كل الشروح ينتهي العمر يحتاج ألف سنة، خمسين سنة ستين سنة هذه ما تنتهي من كتب النحو، لا بد تقرأ كتاب سيبويه والشروحات وما طبع، وبعضهم يذهب ومخطوطات، أشياء ما أدري أحزن عليهم هؤلاء، لأنها أوقات تذهب، فأنت طالب علم لا بد تعرف ما الذي تريده من علم النحو ومن غيره، لا بد تحدد ما تريد هكذا فقط تريد تدرس نحو وتمشي تطقطق رأسك فقط، لا بد تحدد هدف، أريد أن أفهم الكتاب والسنة.
إذاً: إذا حدد أهل العلم طريقة معينة نسلكها، العلل والاستثناءات وما خرج عن المشهور والفصيح إلى آخره كله ما تحتاجه في لسان العرب، كله ما تحتاجه في فهم الكتاب والسنة، أما الذي يريد أن يكفي الأمة يسرح ويكتب ويؤلف وينظم ويريد يتخصص في النحو ما في بأس هذا، لكن نحن ما نريد هذا، نريد أن يكون النحو وسيلة إلى أن نقرأ التفاسير ونقرأ أحاديث الأحكام وأحاديث العقيدة ونستنبط إلى آخره ويكون ديدننا ليل نهار في فهم الكتاب والسنة، هذا يكفيك الأشموني وبعض الكتب التي دائماً نذكرها، أما الذي يتتبع كل شرح .. عندهم نفس في جمع الكتب، كأنها شهوة خفية يعني مثل هذا القبيل.
стр. 576
الذي يشرح كتاب يعني يكتب يحتاج صحيح إلى مراجع، أما الذي يريد أن يضبط فن ما يحتاج أبداً، ألفية ابن مالك إذا ضبطت الأشموني وهذا أنفس كتاب وإذا ظهر الشاطبي جيد لكن إلى الآن في الأدراج، فإذا ضبط الأشموني مع التعليقات للصبان وحاشية الخضري وجمع الجوامع أنت أنت، نعم جمع الجوامع هذا إن شاء الله نضع فيه درس، أنا نفسي فيه صراحة، وهو شرح يعني الجمع الأصل للسيوطي وشرحه شرح نفيس، غاية جداً يعني ما ترك مسألة إلا ذكرها، بعضها أقوال ضعيفة وكذا إلى آخره لكن لو قرأناه مرة مرتين وثلاث مع ضبط الألفية الله أكبر، شيء يفتح النفس صراحة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَنَحْوُ عِنْدِي دِرْهَمٌ وَلِيَ وَطَرْ ... مُلْتَزَمٌ فِيهِ تَقَدُّمُ الْخَبَرْ
هذا شروع منه في وجوب تقدم الخبر على المبتدأ، متى يجب أن يتقدم الخبر على المبتدأ؟ في مواضع كسابقها، في الجملة مجمع عليها متفق عليها، الخلاف فيها يسير، ولذلك السيوطي شرح كلام يسير جداً في همع الهوامع.
الموضع الأول قلنا: إذا كان المبتدأ نكرة والخبر ظرف أو جار ومجرور ولا يوجد مسوغ الابتداء بالنكرة إلا تقدم الخبر الذي هو الظرف والجار والمجرور، وحينئذ يتعين أن يتقدم الخبر وهو ظرف أو جار ومجرور على المبتدئ.
الثاني مما يجب فيه تقدم الخبر، أشار إليه بقوله:
كَذَا إِذَا عَادَ عَلَيْهِ مُضْمَرُ ... مِمَّا بِهِ عَنْهُ مُبِينَاً يُخْبَرُ
هذا من الأبيات المعقدة عند ابن مالك، ولذلك بعضهم أصلحه بقوله:
كَذَا إِذَا عَادَ عَلَيْهِ مُضْمَرُ ... مِنْ مُبْتَدَاً وَمَا لَهُ تَصَدَّرَا
كَذَا إِذَا عَادَ عَلَيْهِ مُضْمَرُ مِنْ مُبْتَدَاً
يعني: أن يتصل -من أجل أن تُفهم- أن يقترن ويتصل بالمبتدأ ضمير يعود على الخبر، أن يتصل بالمبتدأ ضمير يعود على الخبر، قلنا: الأصل في المبتدأ التقدم، والأصل في الخبر التأخر، والأصل في الضمير ألا يعود على متأخر لفظاً ورتبة، هذا الأصل. فإذا اتصل بالمبتدأ ضمير يعود على الخبر حينئذ عاد الضمير على متأخر لفظاً، لأنه ينطق به متأخراً في اللفظ ورتبة، ما معنى رتبة؟ يعني منزلته في لسان العرب أين يوضع الخبر؟ هو الجزء الثاني، فإذا عاد الضمير على الخبر وهو متأخر لفظاً ورتبة حينئذ قلنا: هذا ممنوع، لو قال: صاحبها في الدار، صاحب هذا مبتدأ وهو مضاف والضمير مضاف إليه. في الدار: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، هنا اتصل الضمير بالمبتدأ، صاحبها في الدار، صاحبها الضمير يعود على الدار، حينئذ عاد على متأخر لفظاً ورتبة، وهذا ممنوع، فحينئذ وجب تقديم الخبر على المبتدأ من أجل أن يعود على متأخر رتبة لا لفظاً، وهذا جائز كما سيأتي. عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة ممنوع، وأما عود الضمير على متأخر رتبة لا لفظاً هذا جائز.
إذاً: تصحيح للكلام ولئلا يخالف أصلاً من أصول اللغة حينئذ وجب تقدم الخبر على المبتدأ. هذا مراد الناظم رحمه الله تعالى.
بماذا عبر عن هذا المعنى؟ قال:
стр. 577
كَذَا: أي: مثل ذا السابق، في كونه يلزم فيه تقدم الخبر، يجب تقديم الخبر إذا عَادَ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الضمير يعود على الخبر، لكن هنا فيه إشكال: وهو أن الضمير لا يشترط فيه أن يعود على كل الخبر، وإنما على ملابس أو مشتمل أو جزء في الخبر، ولذلك قيل: في التركيب هنا حذف مضاف، أي: إذا عاد عليه أي على ملابسه، أو على جزئه، أو على بعضه، لأنك إذا قلت: صاحبها في الدار، في الدار صاحبها، صاحبها الضمير يعود على ماذا؟ قلنا: الخبر هو المحذوف على الصحيح متعلق، وإذا قلنا المجموع أو قلنا الجار والمجرور نفسه، الضمير هنا يعود على الدار فقط وهي جزء الخبر وبعض الخبر ليس كل الخبر.
إذاً: إذا عَادَ عَلَيْهِ: أي: على بعضه، لا يشترط فيه أن يعود على كله.
إذا عَادَ عَلَيْهِ: على الخبر.
مُضْمَرُ: يعني ضمير. إذا عاد عليه ضمير.
مِمَّا: من أين؟ من أين رجع إليه الضمير؟
مِمَّا بِهِ: يعني من مبتدأ، الذي بِهِ بذلك الخبر عَنْهُ عن ذلك المبتدأ.
مُبِيناً: مفسراً.
يُخْبَرُ: يعني هذا الضمير يكون عائداً على الخبر وهو متلبس ومتصل بالمبتدأ.
عَلَيْهِ، إذا عَادَ عَلَيْهِ: يعني على ملابسه، على بعضه، على جزئه ضمير.
مِمَّا: يعني من مبتدأ، الذي مما: ما هذه اسم موصول بمعنى الذي، يصدق على المبتدأ.
مِمَّا بِهِ: بِهِ، يعني الخبر.
عَنْهُ: يخبر، يخبر عنه.
مُبِيناً: هذا بمعنى مفسراً. في الدار صاحبها إذا لو أخر الضمير لعاد على متأخر لفظاً ورتبة، وهذا ممنوع، ولذلك أصلحه ابن غازي بقوله:
كَذَا إِذَا عَادَ عَلَيْهِ مُضْمَرُ مِنْ مُبْتَدَاً
لو قالها هكذا أراحنا.
كَذَا أي: مثل ذا.
إذا عَادَ عَلَيْهِ: على الخبر.
مُضْمَرُ من مبتداً: إذا اتصل بالمبتدأ ضمير يعود على الخبر، ولا نحتاج إلى هذه الكلفة التي ذكرها ابن مالك رحمه الله تعالى.
الثاني: أن يشتمل المبتدأ على ضمير متصل به يعود على شيء في الخبر، شيء لا يشترط أن يكون كل الخبر. على شيء في الخبر متصل بالخبر أو جزء منه، نحو: في الدار صاحبها، صاحبها: مبتدأ، والضمير المتصل به راجع إلى الدار، وهو جزء من الخبر، الدار الذي رجع إليه الضمير جزء من الخبر، فلا يجوز تأخير الخبر نحو: صاحبها في الدار، لئلا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، وهذا ممنوع كما سيأتي في باب الفاعل.
على التَّمْرَةِ مِثْلها زُبداً، زُبداً تمييز. مِثْلها هذا مثل صاحبها مبتدأ اتصل به ضمير يعود على الخبر وهو التمر جزء، جزء من الخبر، حينئذ وجب تقديم الخبر على المبتدئ لئلا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة.
((أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) [محمد:٢٤] مثله؟ مثله إذاً جاء في القرآن. ((أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) [محمد:٢٤] أَقْفَال هذا مبتدأ، مبتدأ مؤخر، وهو متصل به ضمير يعود على القلوب، ((أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) [محمد:٢٤] عَلَى قُلُوبٍ هذا خبر مقدم واجب التقديم، حينئذ نقول: هذا مما يذكر مثالاً لما ذكره المصنف.
стр. 578
وهذا مراد المصنف بقوله: كَذَا إذا عَادَ عَلَيْهِ مُضْمَرُ ... البيت، أي: كذلك يجب تقديم الخبر إذا عاد عليه مضمر مما يخبر بالخبر عنه وهو المبتدأ، فكأنه قال: يجب تقديم الخبر إذا عاد عليه ضمير من المبتدأ، عاد عليه هكذا قال وافق ابن عصفور، وهذه عبارة ابن عصفور في بعض كتبه وليست بصحيحة؛ لأن الضمير في قولك: في الدار صاحبها إنما هو عائد على جزء من الخبر لا على الخبر، فينبغي أن تقدر مضافاً محذوفاً في قول المصنف: عَادَ عَلَيْهِ التقدير إذا عاد على ملابسه، ثم حذف المضاف الذي هو ملابس وأقيم المضاف إليه وهو الهاء مقامه، فصار اللفظ: كَذَا إذا عَادَ عَلَيْهِ.
ومثل قولك: في الدار صاحبها قولهم: على التَّمْرَةِ مِثْلها زُبداً.
أَهَابُكِ إِجْلاَلاً وَمَا بِكِ قُدْرَةٌ ... عَلَيَّ وَلكِنْ مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُهَا
حَبِيُبهَا هذا خبر مبتدأ مؤخر، ومِلْءُ عَيْنٍ هذا خبر مقدم، حَبِيُبهَا اتصل به ضمير يعود على العين، مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيُبهَا، وحَبِيُبهَا: مبتدأ مؤخر، ومِلْءُ عَيْنٍ: خبر مقدم، ولا يجوز تأخيره؛ لأن الضمير المتصل بالمبتدأ وهو (ها) عائد على عين، وهو متصل بالخبر، فلو قلت: حبيبها ملء عين، عاد الضمير حينئذ على متأخر لفظاً ورتبة.
إذاً: عرفنا أنه يجب تقديم الخبر إذا اتصل بالمبتدأ ضمير يعود على شيء في الخبر.
كَذَا إِذَا عَادَ عَلَيْهِ مُضْمَرُ ... مِمَّا بِهِ عَنْهُ مُبِينَاً يُخْبَرُ
أي: يجب تقديم الخبر إذا عاد عليه ضمير من المبتدأ، وفي المكودي والتقدير: كذا يلزم تقديم الخبر إذا عاد على ملابسه ضمير من المبتدأ الذي يخبر الخبر عنه.
كَذَا إذَا يَسْتَوْجِبُ التَّصْدِيرا
كَذَا: أي مثل ذا السابق، فهنا يأتي بالكذلكة من باب بيان الحكم لأن الثاني ملحق بالأول، شبيه به في وجوب تقديم الخبر.
إذَا: كان الخبر.
يَسْتَوْجِبُ: يعني يستحق.
التَّصْدِيرا: أي في جملته، إذا كان الخبر له حق الصدارة، إذا كان المبتدأ له حق الصدارة وجب ماذا؟ تأخير الخبر، إذا كان الخبر نفسه له حق الصدارة وجب تقديم الخبر، وهذا مجمع عليه في الجملة، مثل ماذا؟ مثل الاستفهام أو المضاف إليه، كقوله:
كَأيْنَ مَنْ عَلِمْتُهُ نَصِيراَ
مثَّل هنا.
كَأيْنَ مَنْ عَلِمْتُهُ نَصِيراَ: علمتُه بالضم.
كَأيْنَ: أي كقولك، الكاف داخلة على محذوف.
أيْنَ: نقول: خبر مقدم.
مَنْ عَلِمْتَهُ: من اسم موصول على الذي.
عَلِمْتُهُ نَصِيراَ: عَلِمْتُ فعل وفاعل، والضمير الهاء مفعول أول، ونَصِيراَ: مفعول ثان، ويحتمل أن علمته بمعنى عرفته، وحينئذ يكون الهاء مفعول به، ونَصِيراَ هذا حال من الهاء من الضمير يحتمل هذا.
إذاً: إذا كان الخبر له حق الصدارة وجب أن يتقدم، وذلك إذا كان اسم استفهام ونحو ذلك، أين زيد؟ زيد هذا نقول: مبتدأ مؤخر، وأين: هذا خبر مقدم؛ لأنه له حق الصدارة في الكلام. ومثله ما قاله الناظم: أيْنَ مَنْ عَلِمْتُهُ نَصِيراَ.
وَخَبَرَ الْمَحْصُورِ قَدِّمْ أَبَدَا ... كَمَالَنَا إِلاَّ اتِّبَاعُ أَحْمَدَا
стр. 579
هذا الموضع الرابع، وهو أن يكون خبر المبتدأ المحصور قَدِّمْ، خبر المبتدأ المحصور قَدِّمْ أبَدَا، يعني: قدمه على المبتدأ، يجب تقديم الخبر إذا كان المبتدأ محصوراً.
أن يكون مسنداً إلى مقرون بأداة حصر لئلا يلتبس، نحو: ما في الدار إلا زيد، زيد هذا مقرون بعلة، ابن هشام ﵀ ما يعبر بالحصر في مثل هذا، ولعل له نكتة، يقول: إذا اقترن الخبر بـ (إلا) لفظاً أو (إنما) معنى، فإذا اقترن الخبر بـ (إلا) حينئذ وجب تأخير الخبر، وإذا اقترن المبتدأ بـ (إلا) وجب تقديم الخبر وتأخير المبتدأ، ما في الدار إلا زيد، أين المقدم وأين المؤخر؟ المقدم هنا في الدار وهو الخبر، وزيد: مبتدأ مؤخر، أيهما المحصور فيه؟
المبتدأ، قلنا: الذي يلي (إلا) هو المحصور فيه، سواء كان مبتدأ أو خبراً، أليس كذلك؟ ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)) [آل عمران:١٤٤] قلنا: منحصرة، يعني منحصراً فيه، وحينئذ رسول هذا منحصر فيه وهو بعد (إلا).
هنا: ما في الدار إلا زيد، زيد هذا محصور فيه، فالذي يلي (إلا) من مبتدأ أو خبر هو المحصور، المحصور فيه وجب تأخيره من مبتدأ وخبر، والمحصور وجب تقديمه من مبتدأ وخبر. القاعدة عند النحاة والبيانيين: المحصور فيه وهو الذي يلي (إلا) أو يكون الثاني في (إنما) وجب تأخيره من مبتدأ وخبر ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)) [آل عمران:١٤٤] رَسُولٌ هذا محصور فيه، ما في الدار إلا زيد، زيد محصور فيه، والمحصور فيه وجب تأخيره من مبتدأ وخبر، والمحصور وجب تقديمه من مبتدأ وخبر.
إذاً: وَخَبَرَ الْمَحْصُورِ: أي: خبر المبتدأ المحصور فيه بـ (إلا) أو بـ (إنما).
قَدِّمْ أبَدَا: على المبتدأ.
كَمَالَنَا: مَا حرف نفي. لنا: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم واجب التقديم، وهو محصور.
إلاَّ اتِّبَاعُ أحْمَدَا: اتِّبَاعُ هذا مبتدأ مؤخر، ليس لنا طريق إلا اتباع النبي ﷺ .
أحْمَدَا: الألف هذه للإطلاق.
إذاً هنا المحصور فيه هو المبتدأ، وهو الذي يجب تأخيره، وحينئذ يتعين تقديم الخبر.
وَخَبَرَ الْمَحْصُورِ قَدِّمْ أبَدَا كَمَالَنَا
هذا محصور.
إلاَّ اتِّبَاعُ أحْمَدَا
وإنما عندك زيد، أين المحصور فيه؟ زيد، لأنه هو الذي يكون متأخر في باب (إنما)، في باب (إنما) الذي يكون متأخر الثاني هو الذي يكون محصوراً فيه، وعند هو المحصور.
إذاً: المحصور يجب تقديمه سواء كان مبتدأً أو خبراً.
إنما في الدار زيد وما في الدار إلا زيد، ومثل: مَالَنَا إلاَّ اتِّبَاعُ أحْمَدَا.
نزيد على هذه المواضع الأربعة: أن يستعمل كذلك في مَثَلٍ، أن يستعمل الخبر كذلك متقدماً في مَثَلٍ والأمثال لا تغير ولا تبدل، القاعدة: لأن الأمثال لا تغير. في كل واد بنو سعد، بنو سعد: هذا مبتدأ مؤخر، في كل واد: هذا خبر مقدم. هل نقول: بنو سعد في كل واد؟ لا يصح، لماذا؟ لغة من حيث هو جائز، يجوز الوجهان، لكن لما كان مثلاً والأمثال لا تبدل ولا تغير التزمناه، إذاً: يجب تقديم الخبر لكونه مثلاً.
السادس: أن يكون الخبر هو كم الخبرية، أو مضافاً إليها، نحو: كم درهمٍ مالك؟ كم خبرية خبر مقدم، وهو مضاف، ودرهم: مضاف إليه. أو درهم مجرور بمن المقدرة، على خلاف يأتينا في محله.
стр. 580
مالك: هذا مبتدأ مؤخر.
وصاحب كم غلام أنت؟ أنت: هذا مبتدأ مؤخر، وصاحب نقول: هذا واجب التقديم، لماذا؟ لأنه إذا أضيف إلى كم، مثل: غلام من يقم أقم معه.
سابعاً: أن يكون الخبر اسم إشارة ظرفاً، نحو: ثَمَّ زيد، بفتح الثاء، وهنا عمرو، عمرو هذا مبتدأ مؤخر، وهنا: هذا خبر مقدم واجب التقديم، ووجه تقديمه القياس على سائر الإشارات، فإنك تقول: هذا زيد ولا تقل: زيد هذا.
ثامناً: أن يكون مسنداً إلى مقرون بفاء، أما في الدار فزيد، هنا لا يجوز تقديم زيد على في الدار؛ لأن أما لا يليها فاء، لا يليها الفاء، ممتنع، وأما في المسجد فخالد، لا يصح أن يقال: أما فخالد في المسجد.
تاسعاً: أن تقترن بالخبر لام الابتداء، وإن كان على خلاف الأصل، إذا اقترنت لام الابتداء بالخبر حينئذ وجب تقديمه. زيد لقائم، لقائم زيد، وجب التقديم لأن لام الابتداء لها حق الصدارة. لقائم زيد، فلا يجوز: زيد لقائم.
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ... تَقُولُ زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا
لما انتهى من المسائل الثلاث والأنواع التي تتعلق بالخبر من حيث جواز التقديم ووجوب التأخير ووجوب التقديم، وهذا التفسير الثاني الذي هو ذكر الحالتين مبين لقوله: إِذْ لاَ ضَرَرَا. إذا لم يكن من الموجبات لتقديم الخبر على المبتدئ أو الموجبات لتأخيره حينئذ يجوز فيه الوجهان، وهذا ضبطه سهل، مثلما يقال في الحرف: ما لا يقبل علامة الاسم ولا علامة الفعل.
ثم انتقل إلى مسألة حذف المبتدأ والخبر، كل منهما مسند، يعني: هما ركنا الإسناد، ليس مسند بمعنى أنه لا يقال بأنه مسند إليه المقصود أن كلاً منهما جزء وركن في الإسناد، وحينئذ المجيء به لحصول الفائدة، ولا يتركب الكلام إلا لمسند ومسند إليه، وإذا كان كذلك فالأصل ذكرهما ولا يجوز الحذف، هذا هو الأصل؛ لكن إذا دلت قرينة على المحذوف فالقاعدة العامة أنه يجوز حذفه، إلا ما استثني ويأتي في محله.
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ... تَقُولُ زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ: يعني من مبتدأ أو خبر أو هما معاً، الأحوال ثلاثة: إما أن يحذف المبتدأ فقط ويذكر الخبر، وإما أن يحذف الخبر ويذكر المبتدأ، أو يحذفا معاً، ولكن لا بد من قرينة، إذا حذفا أو حذف أحدهما أو هما معاً لا بد من قرينة، يعني شيء يفهم منه المحذوف يدل على المحذوف، ولا يشترط في هذه القرينة أن تكون لفظية، بل قد تكون معنوية، يعني تفهم بالمعنى بشيء خارج عن اللفظ.
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ: من مبتدأ أو خبر أو هما معاً بالقرينة.
كَمَا تَقُولُ زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُما
إذاً: يجوز حذف ما علم من المبتدأ والخبر. قيل: الجواز قوله: جائز هنا المراد به غير ممتنع، يعني نفي المنع فحسب، ليس المراد به المنع.
جَائِزٌ: بمعنى أنه غير ممتنع، وإذا فسر الجواز بكونه غير ممتنع دخل فيه الوجوب، لأنه قد يجب حذف الخبر وقد يجب حذف المبتدأ، وقد يجوز كل منهما.
هل المراد هنا أن الجواز الذي يصدق على الوجوب أو الجواز المقابل للوجوب؟ فسر بهذا وذاك، وحينئذ لا بأس أن يقال: بأن المراد بالجواز هنا ما يدخل تحته الوجوب، فيقال: جائز أي: غير ممتنع فيصدق بالوجوب.
стр. 581
هناك الملاوي قال: قيل: الجواز هنا أعم من الوجوب.
وقوله: بَعْدَ: يعني فيما سيأتي.
وَبَعْدَ لَوْلا غَالِباً حَذْفُ الْخَبَرْ حَتْمٌ
قال: هذا من ذكر الخاص بعد العام، لأن قوله هنا: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ؛ لأن الواجب حذفه من مبتدأ وخبر لا بد من قرينة تدل عليه، وكذلك ما حذف جوازاً لا وجوباً لا بد من قرينة تدل عليه، وحينئذ نعمم الحكم هنا بالجواز ليصدق على الوجوب، هذا وإن ذكروه المكودي وغيره لكنه غير ظاهر.
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ
مَا: أتى بـ: مَا التي تقتضي العموم، فيحتمل أن يكون الحذف هنا في سائر الأبواب، في جميع أبواب النحو حذف ما يعلم جائز، ويحتمل أن (ما) هنا مخصصة بالقرينة، وهو كونه ذكرها في باب المبتدأ والخبر، هذا أو ذاك نقول: الحكم عام، سواء قلنا: مراد الناظم هنا (ما) في هذا الباب، أو قلنا العموم، فالحكم عام، كل ما يعلم يجوز حذفه، إلا ما سيأتي من الفاعل ونائب الفاعل، استثناءات وإلا الأصل هو الجواز.
إذاً: أتى بـ (ما) التي تقتضي العموم، فيحتمل أن يكون في سائر الأبواب، ويحتمل أن يكون مقصوراً على هذا الباب لأن السياق يدل على ذلك.
كَمَا تَقُولُ زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُما
كَمَا: هذا مثال لحذف الخبر للعلم به، حُذف الخبر هنا في هذا المثال لكونه معلوماً، متى؟ تقول: زيد من غير ذكر للخبر بعد قول السائل: من عندكما؟ فالقرينة حينئذ من حذف الخبر كونه واقعاً في جواب سؤال، والسؤال دائماً يعتبر قرينة، لكنها قرينة حالية ليست لفظية، لأن زيد لوحده هكذا ليس فيها لفظ يدل على المحذوف وإنما قلت: زيد، الأصل أنه مفرد، وحينئذ من أين أخذنا أن الخبر محذوف؟ لكونه واقعاً في جواب سؤال، هل هذا لفظ أم حال؟ حال ليس بلفظ.
إذاً تقول: زيد من غير ذكرٍ للخبر بعد قول السائل: من عندكما، فزيد مبتدأ، والخبر محذوف للعلم به أي: زيد عندنا، هذا التقدير، من عندكما؟ زيد، التقدير: زيد عندنا، ولا يصح أن تقول: عندنا زيد؛ لأن الجواب يجب أن يكون مطابقاً للسؤال، ولو قلت هنا شيء يعني زدته حصراً على السؤال ولم يسأل عنه، قلنا: هذا حشو في الكلام.
عندنا زيد، على التقديم والتأخير، ولم نجعل زيداً فاعلاً للاستقرار، وحينئذ نقول: هذا أفاد الحصر. فزيد: مبتدأ، والخبر محذوف للعلم به، أي: زيد عندنا. وإن شئت صرحت به؛ لأن هذا المراد بالجواز، يجوز فيه الوجهان: أن تحذف، وأن تصرح به.
ولو كان المجاب به نكرة، وقلنا: النكرة وهي مبتدأ يجوز أن تقع في جواب سؤال، أليس كذلك؟ من جاءك؟ رجل. من عندك؟ رجل عندي، قلنا لا يصح أن تقول: عندي رجل، بل هنا من المسوغات بالابتداء بالنكرة كونه واقعاً في جواب سؤال، فرجل عندي، رجل: هذا مبتدأ. أليس كذلك؟ هو نكرة، أين المسوغ؟ ليس له مسوغ لفظي، وإنما كونه واقعاً في جواب سؤال ابتدأنا بالنكرة ولا بأس، وهذا جائز.
ولو كان المجاب به نكرة، نحو: رجل، فقدر الخبر أيضاً بعده.
قال في شرح التسهيل: لا يجوز أن يكون التقدير: عندي رجل، إلا على ضعف، عندي رجل من أجل أن نبتدئ بالنكرة فيه ضعف، بل الصواب أن يبقى الكلام على أصله، رجل عندي، هذا الأصل. من عندك؟ رجل. هكذا، مثل: من عندك؟ زيد، وهذا مبتدأ حذف خبره.
стр. 582
إذاً: يجوز حذف ما علم من المبتدأ والخبر، فالأول الذي هو حذف المبتدأ يكثر في جواب الاستفهام، نحن: ((وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ)) [القارعة:١٠] * ((نَارٌ حَامِيَةٌ)) [القارعة:١١] يعني: هي نار حامية.
وبعد فاء الجواب: ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)) [فصلت:٤٦] أي: فعمله لنفسه.
وبعد القول: ((وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)) [الفرقان:٥] أي: هو.
ويقل بعد إذا الفجائية: خرجت فإذا السبع، يعني: حاضر.
ولم تقع في القرآن إلا ثابتة، ومنه في غير ذلك: ((سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا)) [النور:١] أي: هذه.
إذا ضبطوا بأن هذا الشيء يقع بكثرة خلف كذا فالمراد به تحصيل حاصل، وإلا ليس بضابط بأنه إذا وجد في هذه جاز حذفه وما عداه فلا، لا.
إذا عرفت متى يجب ذكر الخبر من جهة التقديم والتأخير حينئذ ما علم جاز حذفه ولا ينضبط بضابط، لذا قل من ضبطه، وإنما هذا استطراد من السيوطي في جمع الجوامع.
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ... تَقُولُ زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا
هنا قاعدة -حشَّيتُ بها-: إذا كان في الجملة ما يصلح أن يكون مبتدأً غير الاستفهام فالاستفهام خبر، وإذا لم يكن في الجملة ما يصلح أن يكون مبتدأ فالاستفهام مبتدأ.
وَفِي جَوَابِ كَيْفَ زَيْدٌ قُلْ دَنِفْ ... فَزَيْدٌ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ إِذْ عُرِفْ
وَفِي جَوَابِ كَيْفَ زَيْدٌ: يعني وقل، هذا مثال لحذف المبتدأ للعلم به، هذه سورة أنزلناها للعلم به.
وَفِي جَوَابِ: قول السائل: كيف زيد؟ زيد كيف؟ كيف زيد؟
قُلْ دَنِفْ: مريض، يعني: زيد مريض، حذفت ماذا؟ حذف المبتدأ وأبقيت الخبر للعلم به، لأنه واقع في جواب سؤال.
إذاً: فِي جَوَابِ: نقول: هذا متعلق بقوله: قل.
قُلْ دَنِفْ: أي مريض، في جواب قول السائل: كيف زيد؟ فدنف يعني مريض: خبر، والمبتدأ محذوف، أي: زيد دنف.
فَزَيْدٌ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ: فزيد المبتدأ.
اسْتُغْنِيَ عَنْهُ: وحذف في اللفظ لفظاً.
إذْ عُرِفْ: بقرينة السؤال، وهذا الشطر حشو، لماذا؟ لأنه قال: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ، دخل في قوله: مَا يُعْلَمُ، المبتدأ والخبر، ثم مثَّل فقال:
وَفِي جَوَابِ كَيْفَ زَيْدٌ قُلْ دَنِفْ قل مريض، إذاً: زيد حذف لكونه يعلم لما ذكره سابقاً في القاعدة العامة.
فقوله: فَزَيْدٌ المبتدأ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ لفظاً.
إذْ عُرِفْ: بقرينة السؤال. قال المكودي: في الشطر كامل تتميم للبيت ولو استغنى عنه لصح المعنى، لو لم يقل: فَزَيْدٌ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ إذْ عُرِفْ، هل مدلول هذا الشطر يكون داخلاً في ما سبق أو نحتاج لا بد على التنصيص؟ داخل في ما سبق وإلا ليس فيه فائدة، ولذلك الأشموني ما اعترض ولا الصبان، لكن .. !
إذاً: هذا هو الموضع الثاني.
وَفِي جَوَابِ كَيْفَ زَيْدٌ: هذا حذف للمبتدأ للعلم به.
إذا دار الأمر بين كون المحذوف مبتدأً وكونه خبراً يجوز الوجهان: إما أن يكون مبتدأ وإما أن يكون خبر، يجوز هذا ويجوز ذاك. أيهما أولى؟ هذه ما سيذكرها النحاة في هذا المحل.
стр. 583
قيل: الأولى كون المحذوف المبتدأ، أن يكون المحذوف المبتدأ، هذا الأولى، لماذا؟ لأن الخبر محط الفائدة، فإذا دار الأمر: عندك كلمة فيها محذوف يجوز أن يكون الملفوظ به خبراً لمبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون مبتدأً خبره محذوف، أيهما أولى؟ قيل: الأولى كون المحذوف المبتدأ والملفوظ به هو الخبر، لماذا؟ لأنه محط الفائدة، وهذا هو أرجح، هذا الراجح أنه إذا دار الأمر بين النوعين أن يكون المحذوف هو المبتدأ؛ لأن الأصل في المبتدأ إنما يذكر لا للجهل به، ننظر إلى المعاني ولا نكون ظاهرية، ننظر إلى المعاني فنقول: الأصل في المبتدأ إنما ذكر توطئة. زيد عالم، تصور معي: زيد عالم، أنا أعرف زيد وأنت تعرف زيد، ولكن كونه عالم هذا الذي أنا تكلمت من أجله، زيد عالم، إذاً: الأصل أن يكون المبتدأ معلوماً، والأصل أن يكون الخبر مجهولاً، وحينئذ إذا دار الأمر بين الاثنين الأولى أن نجعل المبتدأ هو الذي حذف، لأنه معلوم، والخبر هو محط الفائدة.
وقيل: كونه الخبر لأن التجوز في آخر الجملة أسهل، -وهذا ضعيف- التجوز يعني التساهل في آخر الجملة أسهل، نقول: ننظر إلى المعاني.
ومثال المسألة قوله: ((فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)) [يوسف:١٨] صَبْرٌ هذا يحتمل أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، ويحتمل العكس، أي: شأني صبر جميل، أو صبر جميل أمثل من غيره، صبري صبر جميل، هذا على أن يكون المحذوف هو المبتدأ، أو شأني صبر جميل لا بأس، أو صبر جميل أمثل من غيره على حذف الخبر، نقول: الأولى أن يجعل صبر جميل خبراً لمبتدأ محذوف، أي: شأني، أو صبري صبر جميل لا بأس، لو قدر صبري لأن هذا عام، صبر جميل هذا خاص لا بأس، السيوطي قدر شأني من أجل أن يفر عن التكرار لكن ليس فيه تكرار.
صبري: هذا عام لأنه يحتمل الجميل وغيره، فلما قال: صبر جميل حينئذٍ مثل أن نقول: علمه علم نافع، لأن العلم قد يكون نافعاً وقد لا يكون نافعاً، فإذا أخبرت بجنس اللفظ مع نوع تخصيص بالإضافة أو الوصفية لا بأس، علمه علم نافع، صبري صبر جميل.
стр. 584
وقد يحذفا معاً إذا حلا محل المفرد: ((وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)) [الطلاق:٤]، ((وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ)) [الطلاق:٤] ثم قال: ((وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)) [الطلاق:٤] فعدتهن ثلاثة أشهر، وحذف المبتدأ والخبر وهو: ((فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ)) [الطلاق:٤] لدلالة ما قبله عليه، وإنما حذفا لوقوعهما موقع المفرد، والظاهر أن المحذوف مفرد، -كذا يقول ابن عقيل- وإذا كان كذلك حينئذ بماذا يقدر؟ قال: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ –كذلك- مثل ذلك-، وحينئذ حذف المبتدأ والخبر وكانا في قوة المفرد، وهذا هو المسوغ لحذف النوعين، ولكن الأولى كما قال هنا: أن يمثل بنعم الجوابية ولا الجوابية، هل زيد قائم؟ نعم، نعم حصل بها الفائدة الكلامية، ولذلك قال ابن طلحة: أنه يصح الاكتفاء بحرف عن ماذا؟ عن الإسناد، يعني يحصل الكلام بحرف واحد، كلمة واحدة، وهذا ضعيف، لماذا؟ لأن الجملة والكلام مقدر بعد نعم، نعم زيد قائم، هل زيد قائم؟ نعم، نسكت نحن، نعم زيد قائم، زيد قائم هذا حذف للعلم به، لأنه واقع في جواب السؤال، وهذا أولى مما ذكره الشارح هنا.
وَبَعْدَ لَوْلاَ غَالِباً حَذْفُ الْخَبَرْ ... حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمينٍ ذَا اسْتَقَرّ
هذا شروع في المواضع التي يجب فيها حذف الخبر، سبق أن الحذف إما أن يكون جائزاً وإما أن يكون واجباً، ولذلك أدخله بعضهم فيما ذكره الناظم في قوله: جائز، أي: غير ممتنع، يصدق على الوجوب، ثم ذكر لنا المواضع التي يجب فيها حذف الخبر، وهي كذلك في الجملة مجمع عليها متفق عليها، وترك الناظم رحمه الله تعالى المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ.
وَبَعْدَ لَوْلا غَالِباً حَذْفُ الْخَبَرْ
حَذْفُ: هذا مبتدأ.
وحَتْمٌ: هذا خبر.
وَبَعْدَ لَوْلا: ما إعراب بعد؟؟؟؟ متعلق بالمصدر حَتْمٌ بعد لولا.
وَبَعْدَ لَوْلا غَالِباً حَذْفُ الْخَبَرْ حَتْمٌ: يعني: يجب أو من مواضع وجوب حذف الخبر إذا وقع خبراً لمبتدءٍ تلا لَوْلا.
سبق أن من علامات الاسم وقوعه بعد لولا، من علامات الاسمية أنه يقع بعد لولا، وهنا لَوْلا لا يتلوها ويليها إلا المبتدأ، ثم لَوْلا المقصود بها هنا: لولا الامتناعية، وهي التي يعبر عنها أنها لامتناع لوجود، يعني: امتنع شيء بوجود شيء آخر، لولا زيد لأكرمتك، هذه لولا تسمى لولا الامتناعية، ما الذي امتنع وما الذي وجد؟ امتنع الإكرام الذي هو جواب لولا، لماذا؟ لوجود زيد. إذاً: امتنع الكرم أو الإكرام لوجود زيد، هذه تسمى لولا الامتناعية، أين خبرها؟ لولا زيد، زيد مبتدأ، لأكرمتك، اللام هذه واقعة في جواب لولا، أكرمتك هذه الجملة لا محل لها من الإعراب لأنها جواب، أين الخبر؟ الخبر محذوف، وحكم حذفه أنه محذوف وجوباً، تقديره: موجود، لولا زيد موجود لأكرمتك، لولا وجود زيد لأكرمتك.
стр. 585
إذا وقع المبتدأ بعد لولا الامتناعية لأنه معلوم بمقتضاها، إذ هي دالة على امتناع لوجود، فالمدلول على امتناعه هو الجواب: لأكرمتك، الذي دلت على امتناعه هو جوابها، فهو الذي امتنع، لماذا؟ والمدلول على وجوده هو المبتدأ، فإذا قيل: لولا زيد لأكرمت عمرواً، فالمراد وجود زيد منع من إكرام عمرو، حينئذ نقول: الخبر هنا موجود -تقديره موجود- وهذا الوجود نقول: هو متعلق لَوْلا، يعني من حيث المعنى، لأنا نقول: لولا زيد، يعني: لولا وجود زيد، وهذا كون عام، قيد عام، ليس قيداً خاصاً وليس كوناً خاصاً أو حدثاً خاصاً.
قول ابن مالك:
وَبَعْدَ لَوْلا
أي: الامتناعية.
غَالِباً: لماذا قال غالباً؟ احترازاً من لولا في بعض أحوالها، وهي التي لا يكون الوجود فيها وجوداً عاماً، وإنما يكون الحدث والمتعلق حدثاً خاصاً، فهي حينئذ قسمان: بعد لولا في غالب أحوالها يجب حذف الخبر تقديره موجود، وبعد لولا في قلة وهي التي لا يكون كونها كوناً عاماً بل خاصاً، وحينئذ لا بد من التفصيل: إن دل عليه دليل جاز حذفه، وإلا فالأصل أنه يجب ذكره ولا يجوز حذفه.
إذاً: وَبَعْدَ لَوْلا غَالِباً: نقول: لولا الامتناعية، وهو كون الامتناع معلقاً بها على وجود المبتدأ الوجود المطلق وليس الوجود المقيد. ((وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ)) [البقرة:٢٥١] أين الجواب؟ ((لَفَسَدَتِ)) [البقرة:٢٥١] إذاً: نفي الفساد هذا ممتنع، لوجود مدافعة الله تعالى. ((وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ)) يعني: لولا أن يدفع الله، هذا من إضافة المصدر إلى فاعله.
النَّاسَ: مفعول، أن يدفع الله الناس لفسدت، وحينئذ نقول: انتفى الفساد لمدافعة الله تعالى الناس، هذا وجود مطلق وكون عام أم أنه خاص؟ خاص، لولا دفع الله الناس موجود لفسدت، وحينئذ نقول: هذا كون عام، وهذا الذي أراده هنا. لولا دفع الله الناس موجود، فحذف موجود للعلم به وسد جوابها مسده، فقوله: غالباً أي: في القسم الغالب منها، إذ هي على قسمين: قسم يمتنع فيه جوابها بمجرد وجود المبتدأ بعدها وهو الغالب، وهذا إذا كان الوجود المراد به الوجود المطلق، يعني: يقدر بموجود فقط، مثل: كائن هناك واستقر.
قلنا: إذا كان الكون عام وجب حذفه، وإذا كان خاصاً مثل: زيد مسافر غداً، مسافر هذا متعلق غداً وجب ذكره، هذه لَوْلا مثلها، قد يكون الخبر موجود فقط مطلق، وقد يكون كوناً خاصاً أو حدثاً خاصاً فيجب ذكره. هذا مراد الناظم رحمه الله تعالى، وهذا الصحيح بتوجيه كلامه، لأنه يميل إلى هذا الرأي في غير هذا الكتاب.
إذ هي على قسمين: قسم يمتنع فيه جوابها بمجرد وجود المبتدأ بعدها وهو الغالب، وقسم يمتنع لنسبة الخبر إلى المبتدئ وهو قليل، وذلك إذا كان الامتناع معلقاً على الوجود المقيد وهو غير الغالب، فغير الغالب لا يجب حذف الخبر، بل فيه تفصيل: إن دل دليل عليه بعد حذفه جاز -يجوز ذكره ويجوز حذفه- وهو داخل في قوله: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ، وإن لم يدل عليه دليل حينئذ وجب ذكره.
стр. 586
وَبَعْدَ لَوْلا غَالِباً حَذْفُ الْخَبَرْ –منه- حَتْمٌ: لولا زيد لأتيتك، يعني: لولا زيد موجود لأتيتك، هنا يجب الحذف، لأن هذا القسم هو قسم لَوْلا غالباً، أن يكون الخبر كوناً عاماً لا مقيداً.
والثاني: حذفه جائز إذا دل عليه دليل، بخلاف ما إذا لم يدل، نحو: لولا قومكِ حديثو عهد. لولا قومك، لولا هذه امتناعية امتنع شيء لوجود شيء، أليس كذلك؟ فيها معنى الامتناع؟ ﴿لولا قومكِ حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة﴾ إذاً: امتنع هدم الكعبة لكونهم حديثو عهد.
حديثو عهد هل هو كون عام أو حدث عام أم خاص؟ خاص، إذاً هو الخبر، لولا قومكِ: هذا مبتدأ، أين خبره؟ حديثو عهد، هذا واجب الذكر أم أنه يجب حذفه لقوله: وَبَعْدَ لَوْلا غَالِباً؟ نقول: لا، هذا يجب ذكره، لماذا؟ لأنه خاص، والذي يجب حذف الخبر إذا كان كوناً أو وجوداً مطلقاً عاماً، ففرق بين المسألتين.
لولا قومكِ، نقول: لولا هذه امتناعية، وقومك: هذا المبتدأ، خبره: حديثو عهد، هذا الخبر، وهنا واجب الذكر؛ لأنه لو حذف لما دل عليه دليل، وليس هو من مسألتنا التي ذكرها الناظم.
هنا يقول: أن يكون خبراً لمبتدئٍ بعد لولا، نحو: لولا زيد لأتيتك، التقدير: لولا زيد موجود لأتيتك.
واحترز بقوله: غَالِباً عما ورد ذكره وفيه شذوذ، -هذا غلط ليس بصحيح- تفسير ابن عقيل لقوله: غَالِباً بكونه في الغالب في لسان العرب أنه يحذف بعد لولا وقليل شاذ لا يحذف ليس هذا مراد الناظم رحمه الله تعالى، بل المراد أن لولا لها حالان: حال هي غالب، وهو أن يكون خبرها وجوداً مطلقاً عاماً غير مقيد. والحالة الثانية وهو قليل: أن يكون وجودها وجود مقيد، يعني خاص، فحينئذ نقول: وجب حذف الخبر إذا كان الوجود مطلقاً عاماً، وإذا كان خاصاً لا بد من التفصيل، أما كونه يحمله على أنه سمع قليلاً في لسان العرب -التصريح بخبر لولا- نقول: هذا ليس بمراد.
واحترز بقوله: غالباً عما ورد ذكره فيه شذوذاً.
لَوْلاَ أَبُوكَ وَلَوْلاَ قَبْلَهُ عُمَرٌ ... أَلْقَتْ إِلَيْكَ مَعَدٌ بِالْمَقَالِيدِ
لَوْلاَ أَبُوكَ موجود، هذا لا إشكال فيه. الشاهد في الثانية: لَوْلاَ قَبْلَهُ عُمَرٌ، عُمَرٌ: هذا مبتدأ مؤخر، وقبله: هذا خبر صرح به، هذا شاذ يقول، حينئذ نقول: الصواب أن يعرب قبله متعلق بمحذوف حال والخبر محذوف على القاعدة على الأصل، لا إشكال فيه.
وهذا الذي ذكره المصنف في هذا الكتاب من أن الحذف بعد لولا واجب إلا قليلاً -يعني وليس بشاذ- هو طريقة لبعض النحويين، ومنهم من عمم مطلقاً في النوعين -العامة والخاصة-.
والطريقة الثالثة: أن الخبر إما أن يكون كوناً مطلقاً أو كوناً مقيداً، فإن كان كوناً مطلقاً وجب حذفه، لولا زيد لكان كذا، لولا زيد موجود لكان كذا.
وإن كان كوناً مقيداً فإما أن يدل عليه دليل بذكر مثلاً سابقاً أو لا، فإن لم يدل عليه دليل وجب ذكره، لولا زيد محسن إلي ما أتيت، لولا زيد محسن، محسن: هذا كون خاص مقيد بالإحسان ليس مطلقاً. لو قال: لولا زيد ما أتيت، صار كوناً عاماً التبس، وحينئذ إذا أراد الخاص أو كونه محسن أو مكرم ونحو ذلك وجب ذكره لأنه مقيد.
стр. 587
وإن دل عليه دليل جاز إثباته وحذفه، نحو أن يقال في السؤال: هل زيد محسن إليك؟ قال: لولا زيد لهلكت، يعني: لولا زيد محسن إلي لهلكت وحذفه للعلم به.
هذا الثالث -الطريقة الثالثة- هي ما أرادها الناظم رحمه الله تعالى: وَبَعْدَ لَوْلا غَالِباً، يعني: في غالب أحوالها، وحينئذ نقول: الطريقة الثالثة التي شرحها ابن عقيل هي مراد الناظم رحمه الله تعالى.
وأما الجمهور عندهم أن لولا لا يأتي كونها خاصاً البتة، وإذا جاء نحو ذلك إما أن يُلَحَّنَ قائله، وإما أن يؤول؛ فالجمهور -جمهور النحاة- على أن لولا لا يكون خبرها إلا كوناً عاماً.
التفصيل الثالث هذا الذي شرحنا به كلام الناظم لا يجري على كلام الجمهور، لماذا؟ لأن الكون عندهم مطلق عام في خبر لولا مطلقاً بلا تفصيل، فإذا جاء ما ظاهره خاص إما أن يلحن القائل وإما أن يؤول، ولذلك لم يحتجوا بالحديث السابق، لولا قومكِ حديثو عهد، قالوا: لا، لماذا؟ هذا محتمل أنه من لحن الرواة، فلذلك السيوطي قال: هذا لعله من تصرفات بعض العجم لأنه خالف القاعدة، ليس بصحيح هذا، الكلام فاسد، وحينئذ نقول: نرجع إلى الأصل، ولذلك خطه المعري بقوله:
يُذِيبُ الرُّعْبُ مِنْهُ كُلَّ عَضْبِ ... فَلَوْلاَ الْغِمْدُ يُمْسِكُهُ لَسَالاَ
لَوْلاَ الْغِمْدُ موجود لما صرح بـ: يمسكه وهو خاص، قالوا: هذا لحن، لو لحنوا المعري ما في إشكال، أما الحديث فلا، يبقى على أصله إما أن يؤول، وإما أن يذكر ما؟؟؟
إذاً نقول: القاعدة عامة في هذا الباب: أنه إذا وقع المبتدأ بعد لولا الامتناعية حينئذ حذف الخبر، متى؟ إذا كان كوناً عاماً، وأما إذا كان كوناً خاصاً حينئذ ينظر في الدليل، إن دل عليه دليل جاز حذفه وإلا فلا، على القاعدة المطردة.
إذاً: إذا وقع المبتدأ بعد لولا الامتناعية لأنه معلوم بمقتضاها إذ هي دالة على امتناع لوجود فالمدلول على امتناعه هو الجواب، والمدلول على وجوده هو المبتدأ، فإذا قيل: لولا زيد لأكرمت عمراً فالمراد: وجود زيد منع من إكرام عمرو.
وجاز الحذف لتعين المحذوف، جاز الحذف لماذا؟ لتعين المحذوف، لأنه معلوم من السياق: لولا زيد لأكرمتك، يعني زيد وجوده كونه حاضر هو الذي منع من الإكرام، هذا مُجَوِّز للحذف بماذا وجب؟ بسد جملة الجواب مسده لأكرمت زيداً.
ووجب لسد الجواب وحلوله محله، ثم أطلق الجمهور وجوب الحذف، هكذا قال السيوطي في جمع الجوامع، ثم أطلق الجمهور جمهور النحاة ماذا؟ وجوب الحذف مطلقاً بعد لولا بدون تفصيل، بدون تفصيل بين: غالباً وغيره.
وقيده ابن مالك بما إذا كان الخبر الكون المطلق، فلو أريد كونٌ بعينه لا دليل عليه لم يجز الحذف فضلاً عن أن يجب، نحو: لولا زيد سالمنا ما سلم، وهذا مثل: لولا الغمد يمسكه لسالا، وحديث: ﴿لولا قومكِ ... ﴾ إلى آخره. فإن كان عليه دليل جاز الحذف والإثبات، نحو: لولا أنصار زيد حموه لم ينج، وهذا فيه دليل لو حذف، حموه: هذا الخبر، لولا أنصار زيد لم ينج، يفهم من السياق؟ يفهم نعم، لأنه أنصار إذاً حموه، فهو لازم له، حينئذ لو حذفه جاز، جاز حذفه للقرينة وجاز إثباته، ومنه بيت المعري السابق.
والجمهور أطلقوا وجوب الحذف بناءً على أنه لا يكون بعدها إلا كوناً مطلقاً. إذاً قوله:
стр. 588
وَبَعْدَ لَوْلاَ غَالِباً حَذْفُ الْخَبَرْ ... حَتْمٌ
أن من مواضع وجوب حذف الخبر إذا وقع بعد لولا في غالب أحوالها وهو إذا كان الخبر كوناً عاماً ووجوداً مطلقاً، وفي غير الغالب وهو القسم الثاني من قسمي لولا: أن يكون الخبر كوناً مقيداً، ففيه التفصيل الذي نذكره دائماً: إن دل دليل عليه جاز حذفه، وإلا فلا، والحديث صحيح.
وَفِي نَصِّ يَمينٍ ذَا اسْتَقَرّ
هذا هو الموضع الثاني الذي يجب فيه حذف الخبر.
وَفِي نَصِّ: يعني وفي المبتدأ الواقع نَصِّ يَمينٍ.
ذَا: اسم إشارة إلى الحكم وهو حذف الخبر وجوباً.
اسْتَقَرّ: يعني ثبت.
وَفِي نَصِّ يَمينٍ: يعني وفي مبتدأ.
نَصِّ: واقع نص يمين.
ذَا: اسم إشارة يشار إليه هو الحكم وهو وجوب حذف الخبر.
اسْتَقَرّ: أي ثبت.
الموضع الثاني الذي يجب فيه حذف الخبر: أن يكون المبتدأ نصاً في اليمين، نحو: لعمرك لأفعلن، والمراد: أن يكون المبتدأ نصاً أو يعبر عنه بأنه صريح في اليمين، هذا المراد به أحد أمرين: - المراد بكون المبتدأ نصاً وصريحاً في القسم-: ألا يستعمل في غير القسم أصلاً، لا يستعمل إلا في القسم، أو يكثر استعماله في القسم، إما ألا يستعمل في غير القسم أصلاً فيختص به، وإما أن يغلب استعماله في القسم، هذا يعبر عنه بأنه صريح أو يعبر عنه بأنه نص في اليمين، حتى يصير بحيث لا يستعمل في غير القسم إلا بقرينة.
ويفهم منه قبل ذكر المقسم عليه، ويقابله غير الصريح، غير الصريح ما هو؟ هو ما يكثر استعماله في غير القسم، حتى لا يفهم منه القسم إلا بعد ذكر المقسم عليه. عهد الله، عهد الله هذا يستعمل قسماً وغير قسم، لكن الأكثر أنه يستعمل في غير القسم. ((وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ) [النحل:٩١] هنا ما جاء بقسم. وتقول: عهد الله يجب الوفاء به، هذا ليس بقسم. أما إذا أردت القسم حينئذ لا بد من قرينة: عهد الله لأفعلن كذا، ما الذي دلنا على أن عهد هنا استعمل في القسم؟ قوله: لأفعلن.
إذاً صريح أو نص في اليمين وغير الصريح، الأول: هو ألا يستعمل إلا في القسم فحسب، يعني لا يستعمل في غيره، أو يغلب استعماله في القسم.
وأما الثاني: فهو أن يغلب استعماله في غير القسم، فإذا استعمل في القسم نحتاج إلى قرينة. لعمرك لأفعلن، لعمرك، عمر: هذا مبتدأ. لأفعلن: الجملة جواب القسم، أين الخبر؟ محذوف، لعمرك قسمي، قسمي هذا هو الخبر، ما الذي دلنا عليه؟ القسم لا بد أنه معلوم، لأن السياق سياق قسم، لعمرك لأفعلن، لعمرك نقول: هذه اللام موطئة للقسم وعمر هذا مبتدأ، أين خبره؟ محذوف تقديره: قسمي. قد يقول قائل: هذا خاص، نقول: نعم خاص، ولكن دل عليه القسم: لأفعلن كذا، نقول: هذا مقسم عليه.
إذاً: وجب حذفه لكونه معلوماً، وقد سد الجواب مسده بخلاف غير الصريح فلا يجب حذف خبره، بل يجوز إثباته نحو: علي عهد الله لأفعلن، علي: هذا الخبر، لأنه لا يشعر بالقسم حتى يذكر المقسم عليه.
إذاً: إذا كان المبتدأ نصاً في اليمين وجب حذف الخبر لدلالة المقام عليه، فإن لم يكن نصاً في اليمين لم يجب حذف الخبر، بل مرده إلى القرينة، إن علمت حينئذ جاز وإلا فلا.
وَبَعْدَ وَاوٍ عَيَّنَتْ مَفْهُومَ مَعْ ... كَمِثْلِ كُلُّ صَانِعٍ وَمَا صَنَعْ
стр. 589
وَبَعْدَ وَاوٍ: يعني وكذا يجب الحذف حذف الخبر وجوباً إذا وقع المبتدأ بعد واو، هذه الواو قد عينت مفهوم مع، عينت مفهوم مع، والمراد بمفهوم مع هو المصاحبة، يعني: إذا كانت الواو تفيد المصاحبة، وإذا قيل: واو مع بمعنى أنها نص في المعية لا تحتمل العطف.
كَمِثْلِ كُلُّ صَانِعٍ وَمَا صَنَعْ
كُلُّ صَانِعٍ وَمَا صَنَعْ: يعني والذي صنعه إذا جعلنا (ما) اسم موصول، وصنعتُه إذا جعلناها ما مصدر، يجوز الوجهان. أين الخبر؟ كُلُّ صَانِعٍ، كل: مبتدأ وهو مضاف، وصَانِعٍ مضاف إليه، والواو نص في المعية وَمَا صَنَعْ على ما ذكرناه، أين الخبر؟ قالوا: محذوف وجوباً، لماذا؟ لأن المبتدأ هنا وهو كل صانع قد وقع بعده واو المعية -واو المصاحبة- فلما وقعت واو المعية بعد واو المصاحبة دل السياق على أن المراد هنا: الجمع بين كل صانع وصنعته.
كُلُّ صَانِعٍ وَمَا صَنَعْ: يعني كل صانع وصنعته، فهما مقترنان، فحينئذ علم من السياق بواو المعية أن الخبر محذوف، لأنه كما سبق إذا جاءت الواو فالأصل ألا يكون الخبر بعد، هذا الأصل، إلا إذا كان ما بعدها مفرداً داخل في حيز ما قبلها.
فكل صانع: هنا انتهينا هذا المبتدأ، أين خبره؟
وَمَا صَنَعْ: لا يمكن أن يكون خبراً، أين هو؟ قالوا: محذوف، لماذا؟ لدلالة الواو عليه كأنها نابت مناب الخبر.
الموضع الثالث: أن يقع بعد المبتدأ، انظر! كل صانع، ثم جاءت بعده الواو. أن يقع بعد المبتدأ واو هي نص في المعية احترازاً من الواو التي تكون احتمالاً، كل رجل وضيعته وصنعته هي نفسها، فكل: مبتدأ، وقوله: ضيعته معطوف على كل، والخبر محذوف، لماذا؟ لدلالة الواو وما بعدها على المصحوبية من السياق يعني، الواو دلت على ذلك، وكان الحذف واجباً لقيام الواو مقام مع، قامت الواو مقام مع، ولو جيء بـ مع نصاً لكان كلاماً تاماً، وهذا مذهب البصريين أنه لا بد من الخبر وتقديره مقترنان.
وأما مذهب الكوفيين قالوا: هنا الخبر لم يحذف، وإنما أغنت عنه الواو، يعني الواو هنا سدت مسد الخبر، كما قلنا: قائم الزيدن، الزيدان هذا فاعل سد مسد الخبر، ليس عندنا خبر محذوف، الكلام لا يفتقر إلى خبر، بل الزيدان سد مسد الخبر، هنا الواو سدت مسد الخبر، فهو كلام تام لا يحتاج إلى تقدير، واختاره ابن خروف.
فإن لم تكن الواو صريحة في المعية بأن احتملت العطف نحو: زيد وعمرو مقرونان جاز الحذف والإثبات.
إذاً: الموضع الثالث الذي يجب فيه حذف الخبر: أن يقع بعد واو هي واو المعية ويكون المبتدأ سابقاً على الواو، كُلُّ صَانِعٍ وَمَا صَنَعْ، أي: كل صانع وصنعته مقترنان، ومعنى الاقتران هنا: أن صنع إذا كانت رفيعة قالوا: صاحبها كذلك، وإن كانت دنية فصاحبها كذلك. إذاً الصنعة تكون مقرونة أو مقترنة مع صاحبها.
ثم قال:
وَقَبْلَ حَالٍ لاَ يَكُونُ خَبَرَا ... عَنِ الَّذِي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا
هذا الموضع الرابع.
وَقَبْلَ حَالٍ: وكذا إذا كان المبتدأ مصدراً أو مضافاً إلى مصدر وهو قبل حال، لا بد من التقدير.
стр. 590
وَقَبْلَ حَالٍ: يعني وكذا إذا كان المبتدأ مصدراً أو مضافاً إلى مصدر، فهو مقيد. إذاً ليس كل مبتدأ وإنما يشترط في المبتدأ أن يكون مصدراً، ثم هذا المصدر سواء كان هو بنفسه أو بسبب، يعني أضيف إلى مصدر؟؟؟
قَبْلَ حَالٍ: إذاً عندنا حال منصوبة وجدت حال، وهذه الحال لاَ يَكُونُ خَبَرَا، يعني: لا يصلح أن يكون خبراً، لا يكون بالياء، وفي الملوي الرواية بالتاء لا تكون، لا تكون باعتبار حال مؤنثة واجب التأنيث، ولا يكون باعتبار اللفظ، لأن الحال يذكر ويؤنث، أليس كذلك؟ لفظ الحال يذكر ويؤنث، فيجوز فيه الوجهان، لكن الرواية يقول الملوي بأنها بالتاء.
وَقَبْلَ حَالٍ لاَ يصلح أن يَكُونُ خَبَرَا عَنِ المبتدئ الَّذِي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا يعني: حذف.
مثَّل للمصدر ومثَّل للمضاف إلى المصدر.
كَضَرْبِيَ العَبْدَ مُسِيئاً: ضَرْبِيَ ضرب: هذا مبتدأ وهو مصدر مضاف إلى الفاعل، مصدر مضاف إلى فاعله، ضَرْبِيَ أنا يعني، العَبْدَ مفعول به للضرب وهو مبتدأ.
إذاً: المبتدأ هنا وقع مصدراً. العبد هذا مفعول به لضرب.
مُسِيئاً: هذا حال، حال من ماذا؟ حال من اسم كان المحذوفة، سيأتي.
هذه الحال قال: لاَ يَكُونُ خَبَرَا، يعني: لا يصلح أن يخبر بها عن المبتدئ.
كَضَرْبِيَ العَبْدَ مُسِيئٌ، ضربي مسيء لا يصلح أن يكون خبراً، لا يصلح أن يخبر بها عن المبتدأ، حينئذ نقول: الخبر محذوف هنا، وحكمه: أنه واجب الحذف، لماذا؟ لاشتماله على الشروط المذكورة: أن يكون المبتدأ مصدراً، وعمل في اسم، ثم جاءت حال منصوبة على الحالية، ومن شأن هذه الحال أنها لا تصلح أن تكون خبراً عن المبتدأ، لو صلحت أن تكون خبراً ما خرجت المسألة عن مسألتنا، كَضَرْبِيَ العَبْدَ مُسِيئاً، فمسيئاً هذا حال سد مسد الخبر المحذوف وجوباً، والأصل: كضربي العبد حاصل، إذ كان أو إذا كان، إذا أردت المضي: إذ كان، إذا أردت المستقبل: إذا كان، وهذا واضح.
إذا كان مسيئاً: فحذف حاصل ثم الظرف الذي هو إذ كان أو إذا كان.
إذاً مُسِيئاً نقول: هذا حال سد مسد الخبر، لما دلت الحال على المحذوف حينئذ اكتفي بهذه الحال بدلالتها على المراد اكتفي بها عن الخبر، فإذا دل الشيء على الخبر حينئذ نستغني عن هذا الخبر ونجعل الموجود كافياً في الدلالة على ذلك المحذوف.
إذاً الموضع الرابع: أن يكون المبتدأ مصدراً، هذا ضابط. عبر السيوطي قال -لم يأت بهذا التعبير إنما ذكر المثال- قال: مسألة ضربي زيداً قائماً، هذه قال فيها ﵀: وهذه المسألة طويلة الذيول كثيرة الخلاف، وقد أفردتها قديماً بتأليف مستقل لكثرة الخلاف فيها، وما أقل الحاجة إليها.
ضربي زيداً قائماً، إذاً أن يكون المبتدأ مصدراً، وبعده حال سدت مسد الخبر، وهذه الحال لا تصلح أن تكون خبراً، فيحذف الخبر وجوباً لسد الحال مسده وذلك نحو: ضربي العبد مسيئاً على الإعراب السابق. قال هنا: فضربي مبتدأ، والعبد معمول له، ومسيئاً حال سدت مسد الخبر. وصح كون الحال سدت مسد الخبر لأن الحال بمنزلة الظرف في المعنى.
وصح ذلك لأن الحال بمنزلة الظرف في المعنى، فقولك: ضربي زيداً قائماً في معنى: ضربي زيداً وقت قيامه، وأيضاً الظرف ينتصب على معنى في، وكذلك الحال كما سيأتي.
стр. 591
وكذلك كل من الحال والظرف قيد، فلما تشابه الحال والظرف في هذه الأمور، والظرف يسد مسد الخبر أعطي الحال هذا الحكم فسدت الحال مسد الخبر، والخبر محذوف وجوباً والتقدير: ضربي العبد إذا كان مسيئاً، ضربي زيداً إذا كان قائماً، إذا أردت الاستقبال بـ إذا، وإن أردت المضي فالتقدير: ضربي العبد إذ كان مسيئاً، فمسيئاً حال من الضمير المستتر في كان المفسر بالعبد، وإذا كان أو إذا كان ظرف زمان نائب عن الخبر.
ونبه المصنف بقوله: وَقَبْلَ حَالٍ على أن الخبر المحذوف مقدر قبل الحال التي سدت مسد الخبر كما تقدم تقريره. ضربي العبد حاصل إذ كان مسيئاً، ضربي العبد حاصل، إذاً قبل الحال.
واحترز بقوله: لاَ يَكُونُ خَبَرَا عن الحال التي تصلح أن تكون خبراً، عن المبتدأ المذكور نحو ما حكى الأخفش من قوله: زيد قائماً، حينئذ نجعل هذا قائماً لا نقول: خبر محذوف، نقول: زيد ثبت قائماً، فهو حال للضمير المستتر في ثبت، والتقدير: ثبت قائم، وهذه الحال تصلح أن تكون خبراً: زيد قائم، فلا يكون الخبر واجب الحذف بل جائز الحذف.
والمضاف إلى هذا المصدر حكمه حكم المصدر، لذلك قال ابن مالك هنا:
وأتَمْ ... تَبْيِينيَ الْحَقَّ مَنُوطاً بِالحِكَمْ
أتَمْ: أفعل التفضيل أتم.
تَبْيِينيَ: هذا مصدر. إذاً أضيف أفعل التفضيل إلى المصدر فأخذ حكمه، مثل: غلام من هناك؟
تَبْيِينيَ الْحَقَّ: الْحَقَّ هذا مفعول به.
مَنُوطاً بِالحِكَمْ: مَنُوطاً أي معلقاً بِالحِكَمْ. منوط هذا حال، أتم تبييني الحق حاصل إذ كان منوطاً، إذا كان منوطاً. إذاً هذه المسألة يعبر عنها بماذا؟ بمسألة: ضربي زيداً قائماً، وهي من مواضع وجوب حذف الخبر.
والجمهور على أن ضربي مبتدأ، وهو مصدر مضاف إلى فاعله، وزيداً: مفعول به، وقائماً: حال، على المسألة التي ذكرها السيوطي رحمه الله تعالى.
ثم اختلفوا: هل يحتاج هذا المبتدأ إلى خبر أو لا؟ مسألة في الأصل، هل يحتاج إلى خبر أو لا؟ فيه خلاف.
الجمهور نعم، لا بد من تقدير خبر، ثم اختلفوا: هل يجوز إظهاره؟ فقيل: نعم، والجمهور على المنع. ثم اختلفوا في كيفيته ومكانه، فقال الجمهور: تقديره: إذ كان قائماً إن أردت الماضي، وإذا كان قائماً إن أردت المستقبل وحذف كان وفاعلها ثم الظرف، وما أضيف إليه كذلك.
إذاً: هذه المواضع نقول: مما يجب فيه حذف الخبر: بَعْدَ لَوْلاَ غَالِبَاً يعني: في غالب حاليها، وَبَعْدَ مبتدئٍ هو نَصٌّ فِيِ اليَمِينِ، وَبَعْدَ وَاوٍ عَيَّنَتْ مَفْهُومَ مَعْ -أن يكون مبتدأ أولاً ثم يأتي بعده حرف وهو الواو بمعنى المصاحبة-، ثم قَبْلَ حَالٍ على ما ذكره الناظم رحمه الله تعالى.
زاد ابن عقيل المواضع التي يجب فيها حذف المبتدأ وجوباً، وقد عدها في غير هذا الكتاب أربعة:
الأول: النعت المقطوع إلى الرفع، يعني ثَمَّ مواضع يجب فيها حذف المبتدأ على عكس المسألة السابقة، لكن تركها الناظم ولم ينظمها، ولا أدري هل ذكرها في الكافية أو لا.
стр. 592
أولاً: النعت المقطوع إلى الرفع، يعني إذا كان مخبراً عنه بنعت مقطوع، المبتدأ قد يخبر عنه بنعت، ثم هذا النعت يقطع، يعني: يفصل عما قبله، وحينئذ يكون خبراً لمبتدأ محذوف وحكم هذا المبتدأ واجب الحذف. مطلقاً؟ لا، إذا كان لمدح أو ذم أو ترحم.
إذا كان مخبراً عنه بنعت مقطوع لمدح نحو: مررت بزيدٍ الكريمُ، زيدٍ هذا مجرور بالباء، الكريمِ هذا الأصل نعت –صفة- يجوز قطعه بمعنى: أنك تفصله عما قبله فترفعه، فإذا رفعته تعين أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، هل يجوز ذكر هذا المبتدأ؟ نقول: في مقام المدح لا، وهنا مقام المدح: زيد الكريم هذا مدح وثناء، وحينئذ لا يجوز أن يقال: بزيدٍ هو الكريمُ، وإنما: مررت بزيدٍ الكريمُ، والكريمُ: هذا خبر مبتدأ محذوف واجب الحذف.
أو ذم: مررت بزيد الخبيثُ، هو الخبيثُ كسابقه، أو تَرَحُّم: مررت بزيد المسكينُ. فالمبتدأ في هذه المُثل نقول: محذوف وجوباً، والتقدير: هو الكريم، هو الخبيث، هو المسكين.
وأما إذا كان من باب الإيضاح فلا يجب، كما قال هناك: قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ، قال محمد بن مالك، هذا الأصل قطعه فقال: هو ابن مالك من باب الإيضاح فقط، وحينئذ لا نعترض على المصنف أنه يجب حذفه، لأنه ليس من المدح ولا الذم ولا الترحم، وإنما من باب الإيضاح، فيجوز ذكره ويجوز حذفه، وإنما التزم فيه النعت المقطوع إلى الرفع -مدح وذم وترحم- التزم فيه الحذف لأنهم لما قطعوا هذه النعوت إلى النصب التزموا إضمار الناصب أمارة على أنهم قصدوا إنشاء المدح والذم والترحم كما فعلوا في النداء، إذ لو أظهروا لأوهم الإخبار، وأجري الرفع مجرى النصب.
وأما غير هذه الثلاث من النعوت فيجوز فيه الحذف والذكر نحو: مررت بزيد الخياطُ، أي: هو الخياط من باب الإيضاح.
الثاني: أن يكون الخبر مخصوص نِعْمَ أو بئس، نحو: نِعْمَ الرجل زيد، نِعْمَ الرجل: فعل وفاعل، وزيد: هذا المخصوص بالمدح، وبئس الرجل عمرو، بئس الرجل: فعل وفاعل، وعمرو هذا هو المخصوص بالذم، فزيد وعمرو نقول: خبران لمبتدأ محذوف وجوباً هو زيد، أي: الممدوح زيد، هو عمرو أي: المذموم عمرو، على أحد الوجوه.
الموضع الثالث: ما حكى الفارسي من كلامهم: في ذمتي لأفعلن، فـ في ذمتي: خبر مبتدأ محذوف واجب الحذف، والتقدير: في ذمتي يمين هذا إذا كان الخبر مشعراً بالقسم ليس صريحاً فيه، الموضع هذا يعنون له، نقول: إذا كان الخبر مشعراً بالقسم لكنه ليس صريحاً فيه، حينئذ يجب حذف المبتدأ.
الموضع الرابع: أن يكون الخبر مصدراً نائباً مناب الفعل، صبر جميل، صبري صبر جميل، وهذا محل نزاع أيضاً، لذلك مثلنا هناك بما جاز، وهذا محل خلاف.
وَأَخْبَرُوا بِاثْنَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَا ... عَنْ وَاحِدٍ كَهُمْ سَرَاةٌ شُعَرَا
وَأخْبَرُوا: العرب، يعني نطقوا بخبرين فأكثر، أو النحاة يعني: حكموا بجواز أن يخبر الشخص بخبرين فأكثر.
وَأخْبَرُوا بِاثْنَيْنِ: يعني بخبرين.
أوْ بِأكْثَرا: الألف للإطلاق، يعني بأكثر من اثنين، وهذا المراد به جواز تعدد الخبر.
стр. 593
عَنْ وَاحِدٍ: يعني عن مبتدئٍ واحد يجوز، وجمهور النحاة على هذا، جمهور النحاة على أنه يجوز تعدد الخبر، لأن الخبر وصف، فهو أشبه ما يكون بالنعت، ويجوز تعدد النعوت كما سيأتي، وحينئذ إذا جاز تعدد النعت جاز تعدد الخبر.
إذاً: جواز تعدد الخبر لفظاً ومعنىً لمبتدءٍ واحد في اللفظ والمعنى، كقوله تعالى: ((وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)) [البروج:١٤، ١٥، ١٦].
((وَهُوَ)) هذا مبتدأ.
((الْغَفُورُ)) هذا خبر أول.
((الْوَدُودُ)) ثاني.
((ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ)) الْمَجِيدُ بالرفع، الْمَجِيدِ بالخفض صفة للعرش، -قراءة- الْمَجِيدُ بالرفع يكون خبراً رابعاً.
((فَعَّالٌ)) خبر خامس.
إذاً: أخبروا بمتعدد عن شيء واحد.
هنا قال: جمهور النحاة على جواز تعدد الخبر كما في النعوت، سواء اقترن بعاطف أم لا، فالأول نحو: زيد فقيه وشاعر وكاتب، والثاني كقوله: ((وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ)) [البروج:١٤] إلى آخر ما ذكرناه.
فالخبر إن كان متعدداً لفظاً ومعنى لمبتدئ واحد في اللفظ والمعنى هذا الذي وقع فيه نزاع بين النحاة والجمهور على الجواز وهو الصحيح، ولا ينبغي إنكاره. فإن كان الخبر لفظين لكن مجموعهما يدل على معنى واحد، ولا يكتفى بأحدهما نحو: حلو حامض، "الرُّمَّانُ حُلْوٌ حَامِضٌ"، الرُّمَّانُ: مبتدأ، وحُلْوٌ: هذا خبر أول، وحَامِضٌ: خبر ثاني. كيف نعربها؟
هذا تعدد الخبر، لكن لا يصح أن يتقدم هذا النوع على مبتدئه كما سيأتي، ولا يجوز أن يفصل بينهما بالواو، هذا حلو حامض لم يكن ذلك من محل الخلاف، وإن كان المبتدأ لفظاً واحداً ولكن معناه متعدد كالمثنى والجمع لم يكن ذلك من محل الخلاف، وإنما الخلاف فيما إذا تعدد الخبر لفظاً ومعنىً، بمعنى: أن كل لفظ يستقل بالإخبار به عن المبتدأ، كقولك: زيد كاتب شاعر فقيه، كل لفظ من هذه يمكن أن تستقل بنفسها، فالثانية ليست قيداً في مفهومها، هذا محل النزاع؛ وأما إذا كانت الثانية داخلة في مفهوم الأول فهذا لا بد منه، لأن اللفظ قد يكون مركباً في اللفظ وفي المعنى كذلك، يعني: التعدد يكون في اللفظ ويكون في المعنى، وقد يكون اللفظ واحداً والمعنى متعدد، وقد يكون العكس، اللفظ متعدداً والمعنى واحد، وهو ما يعبر عنه بالإفراد والتركيب فيهما.
قال محيي الدين: الذي يستفاد من كلام الشارح أن تعدد الخبر على ضربين: تعدد في اللفظ والمعنى جميعاً، وضابطه: أن يصح الإخبار بكل واحد منهما على انفراد، كالآية القرآنية التي تلاها وكمثال الناظم والبيتين، وحكم هذا النوع عند من أجاز التعدد أنه يجوز فيه العطف وتركه، وإذا عطف أحدهما على الآخر جاز أن يكون العطف بالواو وغيرها، فأما عند من لم يجز التعدد فيجب أن يعطف أو يقدم بما عدا الأول مبتدآت. وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ)) من منع يجعل كل خبر من هذا أنه خبر مبتدأ محذوف.
((وَهُوَ الْغَفُورُ)) هذا خبر لـ: َهُوَ.
((الْوَدُودُ)) خبر لمبتدأ محذوف، هو الودود.
стр. 594
((ذُو الْعَرْشِ)) خبر مبتدأ محذوف، هذا كله تكلف، لماذا؟ لأن هذه الأخبار إذا صلح أن يخبر بها عن مبتدئٍ واحد فالأصل حينئذ نقول: عدم التقدير وعدم الفصل، وكل جملة إذا فصلت حينئذ صارت جملة من الجمل المستقلة عن الأخرى، وهذا فيه تكلف، بل الصحيح أنه جائز التعدد.
الثاني: التعدد في اللفظ دون المعنى، وضابطه: ألا يصح الإخبار بكل واحد منهما على انفراده، نحو قولهم: الرمان حلو حامض، ولهذا النوع أحكام، منها: أنه يمتنع عطف أحد الأخبار على غيره، فحلو: هذا خبر أول، وحامض: هذا خبر ثاني.
ومنها: أنه لا يجوز توسط المبتدأ بينهما، ومنها: أنه لا يجوز تقدم الأخبار كلها على المبتدأ، فلا بد في المثالين من تقدم المبتدأ عليهما والإتيان بهما بغير عطف.
إذاً الخلاصة نقول: الصحيح أنه يجوز أن يتعدد الخبر لمبتدأ واحد، فإذا قلت: زيد كاتب فقيه شاعر ولم تأت بحرف العطف نقول: الأول خبر أول، والثاني ثاني، والثالث ثالث، وهذا جائز ولا إشكال فيه، وليس مع من منع حجة في ذلك.
وَأَخْبَرُوا بِاثْنَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَا ... عَنْ وَاحِدٍ كَهُمْ سَرَاةٌ شُعَرَا
هُمْ: هذا مبتدأ.
وسَرَاةٌ: هذا خبر أول.
وشُعَرَا: قصره للنظم، شعراء هذا خبر ثاني، فجاز التعدد لأن الخبر حكم ويجوز أن يحكم على الشيء الواحد بحكمين فأكثر.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 595
عناصر الدرس
* شرح الترجمة ومعنى النواسخ وأنواعها (كان وأخواتها) ـ
* عمل (كان) ـوأخواتها ومعنى كل فعل
* أنواع تصرفها وعملها بعد التصرف
* حالات خبرها من حيث التقديم والتأخير.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى: (كَانَ) وأَخَواُتها.
لما فرغ مما يتعلق بالمبتدأ والخبر شرع فيما يسمى بنواسخ المبتدأ والخبر، (كان) وأخواتها وما عمل عملها، و (ظن) وأخواتها و (إن) وأخواتها .. هذه أبواب كلها متتالية يعنون لها بالنواسخ، يعني: نواسخ المبتدئ والخبر.
نواسخ: جمع ناسخ اسم فاعل مأخوذ من النسخ، وهو في اللغة بمعنى الإزالة، ونسخت الشمس الظل إذا أزالته، واصطلاحاً عندهم: ما يرفع حكم المبتدأ والخبر، (ما) أي: فعل أو حرف يرفع حكم المبتدأ والخبر؛ لأن (إن) وأخواتها هذا يعتبر من الحروف، و (كان) وأخواتها و (كاد) و (ظن) هذا يعتبر من الأفعال.
إذاً: ما يعني عامل يصدق على الفعل والحرف، فيعم حينئذٍ النواسخ من حيث الفعلية والحرفية.
يرفع حكم المبتدأ والخبر، المبتدأ الأصل أنه مرفوع، والخبر كذلك مرفوع.
مبتدأ مرفوع بالابتداء، والخبر مرفوع بالمبتدأ كما سبق معنا في قوله:
وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بِالاِبْتِدَا ... كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالْمُبْتَدَا
هذا الرفع الذي يكون في المبتدأ قد يرفع، ينسخ يزال، كذلك الرفع الذي يكون في الخبر يرفع وينسخ ويزال، ويأتي بحكم جديد.
والعوامل النواسخ من حيث الرفع وما يحدث للمبتدأ من حيث النصب، وما يحدث للخبر تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
منها ما يرفع المبتدأ وينصب الخبر، وهو باب كان وأخواتها وما ألحق بها.
وما ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، وهو (إن) وأخواتها.
وما ينصب المبتدأ والخبر، وهو باب (ظن) وأخواتها.
هذا من حيث العمل تنقسم النواسخ إلى ثلاثة أقسام:
ما يرفع المبتدأ وينصب الخبر؛ العكس: ما ينصب المبتدأ ويرفع الخبر؛ ما ينصبهما معاً.
وهل يوجد ما يرفع المبتدأ والخبر؟
هذا قيل به، لكن على تأويل وهو في (كان) الشأنية، لكن الأقسام الثلاثة من حيث القياس المطرد.
وأما من حيث أنفسها ذواتها فهي إما أن تكون فعل وإما أن تكون حرفاً، كان وأخواتها باتفاق كلها أفعال إلا ليس، ففيه خلاف والصحيح أنها فعل وليست بحرف، خلافاً لمن زعم حرفيتها، والدليل على أنها فعل أنها تقبل آثاراً فعلية ((لَيْسُوا سَوَاءً)) [آل عمران:١١٣]، ((لَسْتَ عَلَيْهِمْ)) [الغاشية:٢٢] ليست هند مفلحةً، إذاً: قبلت تاء التأنيث وقبلت تاء الفاعل، ((لَسْتَ عَلَيْهِمْ)) هذه التاء تاء الفاعل، تاء الفاعل علامة على الفعلية بِالتَّا مِزْ كما سبق معنا وَمَاضِيَ الأفْعَالِ بِالتَّا مِزْ وَسِمْ، إذاً: ميزه بالتاء التي هي تاء الفاعل وتاء التأنيث الساكنة؛ حينئذٍ نثبت أنها فعل، وجماهير النحاة على القول بفعليتها.
وأما ما عدى ليس في باب كان وأخواتها فهو فعل وهذا محل وفاق.
وأما من حيث العمل فجمهور البصريين على أن (كان) وأخواتها ترفع المبتدأ، وهذا الرفع حادث وليس هو الرفع السابق الذي كان قبل دخول الناسخ، وكذلك تنصب الخبر، وهذا أيضاً محل وفاق كونه منصوباً، وأن (كان) هي التي نصبته على خلاف في توجيه النصب، قيل: حال، وقيل: مشبه بالحال، وقيل: خبر كان ..
стр. 596
فأما كان فمذهب البصريين أنها ترفع المبتدأ، ويسمى اسمها حقيقة وفاعلاً مجازاً لشبهه بالفاعل؛ لأنه أشبه الفاعل، الأصل في الفعل أن يتلوه فاعل، حينئذٍ كان زيد قائماً، كان نقول: هذا فعل، والأصل في الفعل أنه يطلب فاعله، حينئذٍ لو سمي اسم كان فاعلاً مجازاً تشبيهاً لكان بضرب على الأصل في الإعمال، حينئذٍ نقول: هذا من باب المجاز، بل بعضهم سماه: فاعلاً حقيقة.
ومذهب الكوفيين أنها لم تعمل فيه شيئاً وأنه باق على رفعه؛ لأنه مرفوع، مرفوع بماذا؟ بما رفع به قبل دخول كان، فحينئذ: كان زيد قائماً، كان فعل ماضي ناقص، وزيد مبتدأ مرفوع بالابتداء.
إذاً الرفع هذا ليس نتيجة دخول كان وإنما هو بالعامل الذي قبل دخول كان، وهذا ضعيف جداً، لماذا؟ لأنه يترتب عليه أنه يوجد عامل ينصب ولا يرفع، وهذا لا نظير له، أن يوجد عامل ينصب ولا يرفع؛ لأنهم يقولون: إن قائماً هذا منصوب بكان، فإذا كان منصوباً بكان وزيد مرفوع بالابتداء على الأصل، حينئذٍ وجد عامل ينصب ولا يرفع.
ومذهب الكوفيين أنها لم تعمل فيه شيئاً وأنه باق على رفعه، وهذا ضعيف لا يعول عليه.
واستدل البصريون باتصال الضمائر بها، وهي لا تتصل إلا بالعام.
كنت قائماً، التاء هنا اسم كان، اتصلت بكان، وهو ضمير، والقاعدة: أن الضمائر لا تتصل إلا بعاملها، فدل على أن التاء هنا معمول لكان، هذا وجه جيد، والوجه الذي ذكرناه أيضاً له اعتبار، أنَّ (كان) على هذا الاعتبار -قول الكوفيين- أنها نصبت ولم ترفع، وهذا لا نظير له، أن يوجد عامل ينصب ولا يرفع.
إذاً: البصريون استدلوا بكون الضمائر تتصل بكان أن (كان) قد أحدثت الرفع، وهذا الرفع متجدد ليس هو الرفع الذي كان قبل دخول كان؛ لأنه قد يقال: زيد قائم، دخلت كان زيد كما هو زيد، في اللفظ كما هو؛ حينئذٍ نقول: لا، هو في اللفظ متحد لكن في الحقيقة ثم فرق فكان زيد (زيدٌ) هذه الضمة أحدثها كان وهو عامل لفظي، وزيد قائم (زيدٌ) هذه الضمة وإن أشبهت ضمة كان زيدٌ إلا أنها محدثة بعامل هو معنوي وهو ضعيف، وفرق بين النوعين.
إذاً: اتصال الضمائر بكان دلت على أن اسم كان معمول لكان.
ويُنصب الخبر باتفاق الفريقين، ويسمى خبرها، يعني: قائماً هذا منصوب باتفاق البصريين والكوفيين على أنه منصوب، لكن اختلفوا في وجه النصب، فقال الفراء: تشبيهاً بالحال، وقال الكوفيون: حال، والصحيح أنه خبر لكان، فـ (كان) أحدثت الرفع وأحدثت النصب؛ لأن الأصل أن كان وأخواتها دخلت على ما هو مبتدأ وخبر، وحينئذٍ نقول: كان زيد قائماً (زيد) هذا مبتدأ في الأصل، فهو عمدة، و (قائماً) هذا كان خبراً في الأصل قبل دخول (كان) فهو عمدة، والحال حينئذٍ يكون ماذا؟ يكون فضلة فلا يكون الأصل قبل دخول كان فضلة بعد دخولها، هذا ممتنع.
إذاً اتفقوا على أن قائماً منصوب، لكن اختلفوا في وجه النصب، فقال الكوفيون المشهور عندهم-: أنه منصوب على الحال فعملت فيه (كان)، لكن لا كونه خبراً لها وإنما هو حال.
وذهب الفراء إلى أنه مشبه بالحال، والبصريون على أنه خبر لكان وهذا أصح، أصح من حيث المعنى وأصح من حيث القياس.
وينصب الخبر باتفاق الفريقين، ويسمى خبرها، ومفعولاً به مجازاً لشبهه به.
стр. 597
والقياس في هذه الأفعال الأصل فيها أنها لا تعمل، لماذا؟ لأنها قاصرة، الأصل في الفعل أنه يطلب فاعلاً ويطلب مفعولاً، هذا الأصل فيه، وأما أنه يختص بالدخول على جملة اسمية ويكون مقيداً بأحكامها، حينئذٍ هذا قصور في الفعل، وإلا الأصل علو الفعل من حيث العمل على الاسم، الأصل في العمل للأفعال، ولما كان هذا الفعل- (كان) وأخواتها- من حيث المعنى مختلف فيه: هل هو دال على حدث أم لا؟ وهل يتعلق به الظرف أو الجار والمجرور؟ وهل أحكام الخبر من حيث التقدم والتأخير باقية على أصلها بعد دخول كان؟ ضعف، لم يكن له قوة مثل ما كانت الجملة الاسمية قبل دخول (كان) فلها أحكامها من حيث التقديم والتأخير المبتدأ والخبر على ما ذكرناه، هذه باقية نفس الأحكام .. باقية كما هي بعد دخول (كان)، وهذا يدل على أنها لم يجعل لها التصرف التام في الجملة الاسمية، وحينئذٍ صارت (كان) منضبطة بالمبتدأ ومنضبطة بالخبر من حيث التقدم والتأخير، وهذا نقص فيها، فكان الأصل أنها لا تعمل.
والقياس في هذه الأفعال ألا تعمل شيئاً لأنها ليست بأفعال صحيحة؛ إذ دخلت للدلالة على تغيّر الخبر بالزمان الذي يثبت فيه، وإنما عملت تشبيهاً لها بما يطلب من الأفعال الصحيحة اسمين نحو (ضرب).
(ضرب) هذا يطلب اسمين، أحدهما فاعل، والثاني مفعولاً به، ألحقت (كان) لكونها دخلت على اسمين مبتدأ وخبر بضرب، وحينئذٍ رفعت ونصبت، على كل الأصل فيه السماع وهذا التعليل فيه نظر.
ورفع اسمها تشبيهاً بالفاعل من حيث هو مُحَدَّثٌ عنه، ونصب الخبر تشبيهاً بالمفعول.
وذهب الكوفيون إلى أنه منصوب على الحال، ورُدَّ بوروده مضمراً -جاء ضمير- كان هو زيد، والحال لا تقع ضميراً، وكذلك جاء معرفة والحال لا تكون معرفة، وأيضاً لا يستغنى عنه، والحال يمكن في بعض الأحوال أنه يستغنى عنها، إذاً ثم فرق بين كونه حالاً وبين كونه خبراً، والأحسن أن يقال بأن (كان) قبل دخولها الخبر عمدة، والعمدة هنا لا يجوز حذفه، فالأصل بقاء ما كان على ما كان .. هذا هو الأصل؛ لأن الأحكام باقية في الأصل إلا ما استثني، أحكام المبتدأ والخبر باقية إلا جملة منها تغيرت وتبدلت بعد دخول كان.
حينئذٍ الخبر قبل دخول كان نقول: هذا كان عمدة، فلما دخلت (كان) بقي على أصله، ولذلك نقول: تَرْفَعُ كَانَ الْمُبْتَدَا اسْمَاً وَالْخَبَرْ ... تَنْصِبُهُ، إذاً المبتدأ قبل دخول كان هو اسم كان، ويبقى على أصله أنه عمدة، والخبر قبل دخول كان هو خبر كان أيضاً، والأصل أنه عمدة.
ثم قد يكون معرفة، وقد يكون ضميراً، وقد يكون لا يستغنى عنه، بل هو الأصل أنه لا يستغنى عنه، وحينئذٍ لا يمكن أن يعرب حال، ولذلك مذهب الكوفيين يعتبر ضعيفاً في هذا المحل.
ورد بوروده مضمراً ومعرفة وجامداً، وأنه لا يستغنى عنه، وليس ذلك شأن الحال؛ لأن الحال وإن كانت منصوبة مثل خبر كان، إلا أنه قد يستغنى عنها، ثم هي ملازمة للتنكير ولا تكون معرفة إلا على تأويل.
وجوّز الجمهور رفع الاسمين بعد (كان) كما في قول الشاعر:
إِذَا مُتُّ كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ شَامِتٌ ... وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ
стр. 598
إِذَا مُتُّ كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ: صِنْفَانِ خبرها، إذاً رفعت المبتدأ على أنه اسم لها، ورفعت كذلك الخبر، هكذا سمع، كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ، والأصل أن يقول: كان الناس صنفين، لكنه رفع، حينئذٍ رفع الاسمان بعد كان، والصحيح أن هذه كان الشانية، بمعنى أن الضمير يكون محذوفاً بعده وجوباً كانهُ الناس صنفان، فحينئذٍ الناس مبتدأ وصنفان خبر، والجملة في محل نصب خبر كان .. لا بد من التأويل؛ لأنه إذا كان مطرداً أن (كان) تنصب وترفع، حينئذٍ ما جاء مخالفاً للأصل لا بد من التأويل وأمكن التأويل هنا، أمكن التأويل دون قبحودون شذوذ، حينئذٍ كانهُ الناس صنفان، وهذه تسمى كان الشانية وهو أن يكون اسمها ضمير الشان محذوفاً واجب الحذف، ومفسر بالجملة، تفسره جملة ((هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) [الإخلاص:١] (اللَّهُ أَحَدٌ) هذا مفسر لهو، أين مرجعه؟ (اللَّهُ أَحَدٌ) إذاً جملة، فصار مفسراً بجملة.
ثم يكون مرجعه متأخراً لا متقدماً، والشأن هو كذلك هو .. هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فسر بجملة ثم هذا المرجع متأخر عنه، والأصل في الضمير أنه يعود إلى متقدم إلا ما استثني.
فحينئذٍ كان الناس صنفان نقول: كانهُ، اسم كان محذوف وهو ضمير الشأن، لا بد من التأويل، والجمهور على أن في كان ضمير الشأن اسمها، والجملة في محل نصب خبر كان، وعن الكسائي أنها ملغاة ولا عمل لها، يعني في مثل هذا التركيب.
إذاً لا بد من التأويل، إذا جاء ما شأنه الرفع في الجزأين لابد من التأويل.
واختلف في دلالة هذه الأفعال على حدث كان وأخواتها، هل تدل على حدث أم لا؟
المشهور: أنها لا تدل على الحدث، وإنما جيء بها للدلالة على الزمن، ربط مضمون الخبر بالاسم، فكان فقط زمانية لا تدل على حدث، والصواب أنها تدل على الحدث، واختلف في دلالة هذه الأفعال على الحدث، والمشهور أنها تدل عليه كالزمان، كسائر الأفعال، ومنعه قوم والأول أصح؛ للتصريح بالمصدر كما سيأتي (وكَوْنُكَ إيَّاهُ عَلَيكَ يَسِيرُ)، هذا تصريح بالمصدر، وإذا صرح بالمصدر حينئذٍ المصدر هو عين الحدث.
стр. 599
وحكى أبو زيد مصدر فتئ، وكذلك غيره حكى مصدر ظل وبات، وينبني على هذا الخلاف هل (كان) تدل على حدث أم لا؟ هل يتعلق بها شيء من الظرف أو الجار والمجرور، فمن أثبت أنها تدل على الحدث حينئذٍ علق بها، يقول: هذا جار ومجرور متعلق بقوله: كان، ((أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا)) [يونس:٢] لِلنَّاسِ هذا متعلق بكان، بناء على ماذا؟ على أنها تدل على الحدث، وإذا لم تكن تدل على الحدث حينئذٍ الظرف والجار والمجرور يقيد ماذا؟ لما قلنا: المتعلقات بالفعل، كلها مقيدات ضرب زيد عمرواً ضرباً شديداً يوم الجمعة في داره، قلنا: في داره، ويوم الجمعة .. هذه كلها مقيدة؛ لأن ضرب زيد عمرواً أين ضربه؟ هذا مبهم، وما نوعية الضرب؟ هذا مبهم، لكن إذا قلت: ضرب زيد عمرواً يوم الجمعة عرفت أن الضرب وقع يوم الجمعة، يوم الجمعة عصراً، بعد الخامسة، في داره .. هذه كلها تقييدات، كلما زادت المقيدات اتضح مفهوم الفعل، وكلما حذفت صار نوع انبهام فيه في الفعل، وحينئذٍ ((أَكَانَ لِلنَّاسِ)) [يونس:٢] نقول: لِلنَّاسِ جار ومجرور متعلق بكان بناءً على أنها تدل على الحدث، وإذا قيل بأنها لا تدل على الحدث وإنما هي زمانية فقط وجيء بها لربط مدلول الخبر بالمبتدأ، فحينئذٍ لا يصح أن يقال بأن الجار والمجرور والظرف متعلقان بكان.
وينبني على هذا الخلاف عملها في الظرف والجار والمجرور فمن قال بدلالته على الحدث أجازه، ومنه ((أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا)) [يونس:٢]، ومن قال: لا يدل عليه منعه.
قال رحمه الله تعالى: كان وأخواتها.
أي: هذا باب بيان كان وأخواتها.
وأخواتها: أي نظائرها في العمل، فالأخوة هنا أخوة عملية ليست حقيقية على بابها، وإنما نظائرها في العمل، أفرد كان هنا وعطف أخواتها عليها لماذا؟ لأنها أم الباب، فإذا قيل: (إن) وأخواتها إذاً: (إن) هي أم الباب؛ لأن ما كان أم الباب هذا له تصرف، له أحكام خاصة ينفرد بها عن غيره، (ظن) وأخواتها، نقول هذا لأن ظن هي أم الباب، أفردت كان بالذكر إشارة إلى أنها أم الباب، ولذا اختصت بزيادة أحكام، وإنما كانت أم الباب، لماذا؟ لأن الكون الذي هو مصدر كان وكَوْنُكَ إيَّاهُ، هذا يعم جميع مدلولات أخواتها، أصبح، وأمسى، وظل .. هذا كله داخل في الكون؛ لأن المراد بالكون الذي يتعلق به الجار والمجرور، زيد في الدار أي: كائن، ما المراد بالكينونة؟ المراد به الحصول والحدوث، وهذا يعم أخوات كان ويزيد عليها؛ لأن كان تدل على مطلق الحدوث، وأما أصبح فتدل على حدوث في وقت الصباح، وكذلك أمسى وظل ونحوها، وأما كان فلا فتدل على مطلق الكينونة.
إذاً: لأن الكون يعم جميع مدلولات أخواتها، وكان الألف هذه منقلبة عن واو، لأن أصله (كون) تحركت الواو وانفتح ما قبله فوجب قلبها ألفاً، يقال: كان، دليل على أنها واوية الكون ويكون، الكون وهو مصدر، ويكون وهو فعل مضارع.
ووزنها فعَل بفتح العين لا فعِل ولا فعُل، لماذا؟ لأنه لو كان فعُل لما جاء منه اسم الفاعل على فاعل، وإنما يجيء على فعيل، وهنا قد سمع كائن
стр. 600
وَمَا كُلُّ مَنْ يُبدي البَشَاشَةَ كائناً أَخَاكَ .. (كائن) هذا اسم فاعل، وهذا لا يأتي من فعُل، وإنما يأتي منه فعيل، ولا من فعِل، لماذا؟ لأن المضارع كان يكْوُنُ يفعُل، ويفعُل لا يأتي من فعِل، وإنما يأتي من فعَل وفعُل، ظرُف يظرُف.
إذاً: ليست من باب فعِل ولا من باب فعُل، ما الدليل؟ نقول: ليست من باب فعُل لأنه سمع اسم الفاعل على فاعل، حينئذٍ لو كانت من باب فعُل فاسم الفاعل من فعُل يأتي على فعيل، ظرف فهو ظريف، كرم فهو كريم، حينئذٍ لما جاء كائن علمنا أنه ليس من باب فعُل.
ليس من باب فعِل؛ لأن المضارع يأتي على وزن يكون، يفعُل .. ويفعُل هذا إما أن يكون ماضيه فعُل أو فعَل، وليس من باب فعِل، وأسقطنا فعُل باسم الفاعل، فتعين أن يكون من باب فعَل.
إذاً كان أصله (كَوَنَ) على وزن فعَل، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفاً.
تَرْفَعُ كَانَ المُبْتَدَا اسْمًا والْخَبَرْ ... تَنْصِبُهُ كَكَانَ سَيِّدًا عُمَرْ
كَكَانَ ظَلَّ بَاتَ أَضْحَى أَصْبَحَا ... أَمْسَى وَصَارَ لَيْسَ زَالَ بَرِحَا
فَتِيءَ وَانْفَكَّ وَهذِى الأَرْبَعَهْ ... لِشِبْهِ نَفْيٍ أَوْ لِنَفْيٍ مُتْبَعَهْ
وَمِثْلُ كَانَ دَامَ مَسْبُوقاً بِمَا ... كَأَعْطِ مَادُمْتَ مُصِيبَاً دِرْهَمَا
تَرْفَعُ كَانَ: (تَرْفَعُ) هذا فعل مضارع مرفوع وكَانَ فاعل، قصد لفظه.
تَرْفَعُ كَانَ المُبْتَدَا: المُبْتَدَا هنا مفعول به.
والْخَبَرْ تَنْصِبُهُ: والْخَبَرَ سكنه من أجل الروي، (والْخَبَرْ تَنْصِبُهُ) يعني وتنصب الخبر من باب الاشتغال، ويجوز رفعه: والْخَبَرُ تَنْصِبُهُ كما سيأتي.
تَرْفَعُ كَانَ المُبْتَدَا: تَرْفَعُ عرفنا أن مذهب البصريين أن هذا الرفع بعد دخول كان رفع مجدد حاصل، وليس هو الرفع الذي كان قبل دخول كان؛ لأن كان عامل اللفظ، فلما دخل على الجملة الاسمية المكونة من مبتدئ وخبر نسخ العامل الذي دخل على المبتدأ فرفع المبتدأ؛ لأن كان عامل لفظي، والابتداء عامل معنوي، والعامل اللفظي أقوى من العامل المعنوي، بل هو الأصل، والمعنوي إنما جُوِّز للضرورة، الأصل أن يكون العامل لفظياً وهو ما للسان فيه حظ، ولذلك اقتصر في العامل المعنوي على بابين فحسب، باب المبتدأ أنه مرفوع بالابتداء وهو عامل معنوي، وباب الفعل المضارع المجرد عن ناصب وجازم، فرفعه يكون بالتجرد والتعري عن العوامل النصب والجزم، حينئذٍ نقول: هذا باب العامل المعنوي فحسب ولا يقاس عليه غيره.
وكل ما أمكن تعليق العامل بكونه لفظياً فهو مقدم، لكن بشرط أن يصح تعليق .. إن صح تعليق العمل هنا بعامل لفظي حينئذٍ صار هو المقدم، لماذا؟ لأن الأصل في العمل أن يكون لشيء ملفوظ به؛ لأنه هو الكلام في الأصل، فالفعل هو الأصل في العمل، حينئذٍ الأصل في الفعل أن يكون ملفوظاً به، وإذا قدر حينئذٍ المقدر أو المحذوف لعلة كالثابت كما هو القاعدة عند الصرفية.
إذاً: تَرْفَعُ المراد به تجدد له رفعاً غير الأول الذي عامله معنوي وهو الابتداء.
تَرْفَعُ كَانَ المُبْتَدَا، إذا دخلت عليه ويسمى اسماً لها.
следующие страницы →