← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36130

شرح ألفية ابن مالك للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (2 939 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فأما كان فمذهب البصريين أنها ترفع المبتدأ، ويسمى اسمها حقيقة وفاعلاً مجازاً لشبهه بالفاعل؛ لأنه أشبه الفاعل، الأصل في الفعل أن يتلوه فاعل، حينئذٍ كان زيد قائماً، كان نقول: هذا فعل، والأصل في الفعل أنه يطلب فاعله، حينئذٍ لو سمي اسم كان فاعلاً مجازاً تشبيهاً لكان بضرب على الأصل في الإعمال، حينئذٍ نقول: هذا من باب المجاز، بل بعضهم سماه: فاعلاً حقيقة. ومذهب الكوفيين أنها لم تعمل فيه شيئاً وأنه باق على رفعه؛ لأنه مرفوع، مرفوع بماذا؟ بما رفع به قبل دخول كان، فحينئذ: كان زيد قائماً، كان فعل ماضي ناقص، وزيد مبتدأ مرفوع بالابتداء. إذاً الرفع هذا ليس نتيجة دخول كان وإنما هو بالعامل الذي قبل دخول كان، وهذا ضعيف جداً، لماذا؟ لأنه يترتب عليه أنه يوجد عامل ينصب ولا يرفع، وهذا لا نظير له، أن يوجد عامل ينصب ولا يرفع؛ لأنهم يقولون: إن قائماً هذا منصوب بكان، فإذا كان منصوباً بكان وزيد مرفوع بالابتداء على الأصل، حينئذٍ وجد عامل ينصب ولا يرفع. ومذهب الكوفيين أنها لم تعمل فيه شيئاً وأنه باق على رفعه، وهذا ضعيف لا يعول عليه. واستدل البصريون باتصال الضمائر بها، وهي لا تتصل إلا بالعام. كنت قائماً، التاء هنا اسم كان، اتصلت بكان، وهو ضمير، والقاعدة: أن الضمائر لا تتصل إلا بعاملها، فدل على أن التاء هنا معمول لكان، هذا وجه جيد، والوجه الذي ذكرناه أيضاً له اعتبار، أنَّ (كان) على هذا الاعتبار -قول الكوفيين- أنها نصبت ولم ترفع، وهذا لا نظير له، أن يوجد عامل ينصب ولا يرفع. إذاً: البصريون استدلوا بكون الضمائر تتصل بكان أن (كان) قد أحدثت الرفع، وهذا الرفع متجدد ليس هو الرفع الذي كان قبل دخول كان؛ لأنه قد يقال: زيد قائم، دخلت كان زيد كما هو زيد، في اللفظ كما هو؛ حينئذٍ نقول: لا، هو في اللفظ متحد لكن في الحقيقة ثم فرق فكان زيد (زيدٌ) هذه الضمة أحدثها كان وهو عامل لفظي، وزيد قائم (زيدٌ) هذه الضمة وإن أشبهت ضمة كان زيدٌ إلا أنها محدثة بعامل هو معنوي وهو ضعيف، وفرق بين النوعين. إذاً: اتصال الضمائر بكان دلت على أن اسم كان معمول لكان. ويُنصب الخبر باتفاق الفريقين، ويسمى خبرها، يعني: قائماً هذا منصوب باتفاق البصريين والكوفيين على أنه منصوب، لكن اختلفوا في وجه النصب، فقال الفراء: تشبيهاً بالحال، وقال الكوفيون: حال، والصحيح أنه خبر لكان، فـ (كان) أحدثت الرفع وأحدثت النصب؛ لأن الأصل أن كان وأخواتها دخلت على ما هو مبتدأ وخبر، وحينئذٍ نقول: كان زيد قائماً (زيد) هذا مبتدأ في الأصل، فهو عمدة، و (قائماً) هذا كان خبراً في الأصل قبل دخول (كان) فهو عمدة، والحال حينئذٍ يكون ماذا؟ يكون فضلة فلا يكون الأصل قبل دخول كان فضلة بعد دخولها، هذا ممتنع. إذاً اتفقوا على أن قائماً منصوب، لكن اختلفوا في وجه النصب، فقال الكوفيون المشهور عندهم-: أنه منصوب على الحال فعملت فيه (كان)، لكن لا كونه خبراً لها وإنما هو حال. وذهب الفراء إلى أنه مشبه بالحال، والبصريون على أنه خبر لكان وهذا أصح، أصح من حيث المعنى وأصح من حيث القياس. وينصب الخبر باتفاق الفريقين، ويسمى خبرها، ومفعولاً به مجازاً لشبهه به.

стр. 597

والقياس في هذه الأفعال الأصل فيها أنها لا تعمل، لماذا؟ لأنها قاصرة، الأصل في الفعل أنه يطلب فاعلاً ويطلب مفعولاً، هذا الأصل فيه، وأما أنه يختص بالدخول على جملة اسمية ويكون مقيداً بأحكامها، حينئذٍ هذا قصور في الفعل، وإلا الأصل علو الفعل من حيث العمل على الاسم، الأصل في العمل للأفعال، ولما كان هذا الفعل- (كان) وأخواتها- من حيث المعنى مختلف فيه: هل هو دال على حدث أم لا؟ وهل يتعلق به الظرف أو الجار والمجرور؟ وهل أحكام الخبر من حيث التقدم والتأخير باقية على أصلها بعد دخول كان؟ ضعف، لم يكن له قوة مثل ما كانت الجملة الاسمية قبل دخول (كان) فلها أحكامها من حيث التقديم والتأخير المبتدأ والخبر على ما ذكرناه، هذه باقية نفس الأحكام .. باقية كما هي بعد دخول (كان)، وهذا يدل على أنها لم يجعل لها التصرف التام في الجملة الاسمية، وحينئذٍ صارت (كان) منضبطة بالمبتدأ ومنضبطة بالخبر من حيث التقدم والتأخير، وهذا نقص فيها، فكان الأصل أنها لا تعمل. والقياس في هذه الأفعال ألا تعمل شيئاً لأنها ليست بأفعال صحيحة؛ إذ دخلت للدلالة على تغيّر الخبر بالزمان الذي يثبت فيه، وإنما عملت تشبيهاً لها بما يطلب من الأفعال الصحيحة اسمين نحو (ضرب). (ضرب) هذا يطلب اسمين، أحدهما فاعل، والثاني مفعولاً به، ألحقت (كان) لكونها دخلت على اسمين مبتدأ وخبر بضرب، وحينئذٍ رفعت ونصبت، على كل الأصل فيه السماع وهذا التعليل فيه نظر. ورفع اسمها تشبيهاً بالفاعل من حيث هو مُحَدَّثٌ عنه، ونصب الخبر تشبيهاً بالمفعول. وذهب الكوفيون إلى أنه منصوب على الحال، ورُدَّ بوروده مضمراً -جاء ضمير- كان هو زيد، والحال لا تقع ضميراً، وكذلك جاء معرفة والحال لا تكون معرفة، وأيضاً لا يستغنى عنه، والحال يمكن في بعض الأحوال أنه يستغنى عنها، إذاً ثم فرق بين كونه حالاً وبين كونه خبراً، والأحسن أن يقال بأن (كان) قبل دخولها الخبر عمدة، والعمدة هنا لا يجوز حذفه، فالأصل بقاء ما كان على ما كان .. هذا هو الأصل؛ لأن الأحكام باقية في الأصل إلا ما استثني، أحكام المبتدأ والخبر باقية إلا جملة منها تغيرت وتبدلت بعد دخول كان. حينئذٍ الخبر قبل دخول كان نقول: هذا كان عمدة، فلما دخلت (كان) بقي على أصله، ولذلك نقول: تَرْفَعُ كَانَ الْمُبْتَدَا اسْمَاً وَالْخَبَرْ ... تَنْصِبُهُ، إذاً المبتدأ قبل دخول كان هو اسم كان، ويبقى على أصله أنه عمدة، والخبر قبل دخول كان هو خبر كان أيضاً، والأصل أنه عمدة. ثم قد يكون معرفة، وقد يكون ضميراً، وقد يكون لا يستغنى عنه، بل هو الأصل أنه لا يستغنى عنه، وحينئذٍ لا يمكن أن يعرب حال، ولذلك مذهب الكوفيين يعتبر ضعيفاً في هذا المحل. ورد بوروده مضمراً ومعرفة وجامداً، وأنه لا يستغنى عنه، وليس ذلك شأن الحال؛ لأن الحال وإن كانت منصوبة مثل خبر كان، إلا أنه قد يستغنى عنها، ثم هي ملازمة للتنكير ولا تكون معرفة إلا على تأويل. وجوّز الجمهور رفع الاسمين بعد (كان) كما في قول الشاعر: إِذَا مُتُّ كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ شَامِتٌ ... وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ

стр. 598

إِذَا مُتُّ كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ: صِنْفَانِ خبرها، إذاً رفعت المبتدأ على أنه اسم لها، ورفعت كذلك الخبر، هكذا سمع، كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ، والأصل أن يقول: كان الناس صنفين، لكنه رفع، حينئذٍ رفع الاسمان بعد كان، والصحيح أن هذه كان الشانية، بمعنى أن الضمير يكون محذوفاً بعده وجوباً كانهُ الناس صنفان، فحينئذٍ الناس مبتدأ وصنفان خبر، والجملة في محل نصب خبر كان .. لا بد من التأويل؛ لأنه إذا كان مطرداً أن (كان) تنصب وترفع، حينئذٍ ما جاء مخالفاً للأصل لا بد من التأويل وأمكن التأويل هنا، أمكن التأويل دون قبحودون شذوذ، حينئذٍ كانهُ الناس صنفان، وهذه تسمى كان الشانية وهو أن يكون اسمها ضمير الشان محذوفاً واجب الحذف، ومفسر بالجملة، تفسره جملة ((هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) [الإخلاص:١] (اللَّهُ أَحَدٌ) هذا مفسر لهو، أين مرجعه؟ (اللَّهُ أَحَدٌ) إذاً جملة، فصار مفسراً بجملة. ثم يكون مرجعه متأخراً لا متقدماً، والشأن هو كذلك هو .. هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فسر بجملة ثم هذا المرجع متأخر عنه، والأصل في الضمير أنه يعود إلى متقدم إلا ما استثني. فحينئذٍ كان الناس صنفان نقول: كانهُ، اسم كان محذوف وهو ضمير الشأن، لا بد من التأويل، والجمهور على أن في كان ضمير الشأن اسمها، والجملة في محل نصب خبر كان، وعن الكسائي أنها ملغاة ولا عمل لها، يعني في مثل هذا التركيب. إذاً لا بد من التأويل، إذا جاء ما شأنه الرفع في الجزأين لابد من التأويل. واختلف في دلالة هذه الأفعال على حدث كان وأخواتها، هل تدل على حدث أم لا؟ المشهور: أنها لا تدل على الحدث، وإنما جيء بها للدلالة على الزمن، ربط مضمون الخبر بالاسم، فكان فقط زمانية لا تدل على حدث، والصواب أنها تدل على الحدث، واختلف في دلالة هذه الأفعال على الحدث، والمشهور أنها تدل عليه كالزمان، كسائر الأفعال، ومنعه قوم والأول أصح؛ للتصريح بالمصدر كما سيأتي (وكَوْنُكَ إيَّاهُ عَلَيكَ يَسِيرُ)، هذا تصريح بالمصدر، وإذا صرح بالمصدر حينئذٍ المصدر هو عين الحدث.

стр. 599

وحكى أبو زيد مصدر فتئ، وكذلك غيره حكى مصدر ظل وبات، وينبني على هذا الخلاف هل (كان) تدل على حدث أم لا؟ هل يتعلق بها شيء من الظرف أو الجار والمجرور، فمن أثبت أنها تدل على الحدث حينئذٍ علق بها، يقول: هذا جار ومجرور متعلق بقوله: كان، ((أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا)) [يونس:٢] لِلنَّاسِ هذا متعلق بكان، بناء على ماذا؟ على أنها تدل على الحدث، وإذا لم تكن تدل على الحدث حينئذٍ الظرف والجار والمجرور يقيد ماذا؟ لما قلنا: المتعلقات بالفعل، كلها مقيدات ضرب زيد عمرواً ضرباً شديداً يوم الجمعة في داره، قلنا: في داره، ويوم الجمعة .. هذه كلها مقيدة؛ لأن ضرب زيد عمرواً أين ضربه؟ هذا مبهم، وما نوعية الضرب؟ هذا مبهم، لكن إذا قلت: ضرب زيد عمرواً يوم الجمعة عرفت أن الضرب وقع يوم الجمعة، يوم الجمعة عصراً، بعد الخامسة، في داره .. هذه كلها تقييدات، كلما زادت المقيدات اتضح مفهوم الفعل، وكلما حذفت صار نوع انبهام فيه في الفعل، وحينئذٍ ((أَكَانَ لِلنَّاسِ)) [يونس:٢] نقول: لِلنَّاسِ جار ومجرور متعلق بكان بناءً على أنها تدل على الحدث، وإذا قيل بأنها لا تدل على الحدث وإنما هي زمانية فقط وجيء بها لربط مدلول الخبر بالمبتدأ، فحينئذٍ لا يصح أن يقال بأن الجار والمجرور والظرف متعلقان بكان. وينبني على هذا الخلاف عملها في الظرف والجار والمجرور فمن قال بدلالته على الحدث أجازه، ومنه ((أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا)) [يونس:٢]، ومن قال: لا يدل عليه منعه. قال رحمه الله تعالى: كان وأخواتها. أي: هذا باب بيان كان وأخواتها. وأخواتها: أي نظائرها في العمل، فالأخوة هنا أخوة عملية ليست حقيقية على بابها، وإنما نظائرها في العمل، أفرد كان هنا وعطف أخواتها عليها لماذا؟ لأنها أم الباب، فإذا قيل: (إن) وأخواتها إذاً: (إن) هي أم الباب؛ لأن ما كان أم الباب هذا له تصرف، له أحكام خاصة ينفرد بها عن غيره، (ظن) وأخواتها، نقول هذا لأن ظن هي أم الباب، أفردت كان بالذكر إشارة إلى أنها أم الباب، ولذا اختصت بزيادة أحكام، وإنما كانت أم الباب، لماذا؟ لأن الكون الذي هو مصدر كان وكَوْنُكَ إيَّاهُ، هذا يعم جميع مدلولات أخواتها، أصبح، وأمسى، وظل .. هذا كله داخل في الكون؛ لأن المراد بالكون الذي يتعلق به الجار والمجرور، زيد في الدار أي: كائن، ما المراد بالكينونة؟ المراد به الحصول والحدوث، وهذا يعم أخوات كان ويزيد عليها؛ لأن كان تدل على مطلق الحدوث، وأما أصبح فتدل على حدوث في وقت الصباح، وكذلك أمسى وظل ونحوها، وأما كان فلا فتدل على مطلق الكينونة. إذاً: لأن الكون يعم جميع مدلولات أخواتها، وكان الألف هذه منقلبة عن واو، لأن أصله (كون) تحركت الواو وانفتح ما قبله فوجب قلبها ألفاً، يقال: كان، دليل على أنها واوية الكون ويكون، الكون وهو مصدر، ويكون وهو فعل مضارع. ووزنها فعَل بفتح العين لا فعِل ولا فعُل، لماذا؟ لأنه لو كان فعُل لما جاء منه اسم الفاعل على فاعل، وإنما يجيء على فعيل، وهنا قد سمع كائن

стр. 600

وَمَا كُلُّ مَنْ يُبدي البَشَاشَةَ كائناً أَخَاكَ .. (كائن) هذا اسم فاعل، وهذا لا يأتي من فعُل، وإنما يأتي منه فعيل، ولا من فعِل، لماذا؟ لأن المضارع كان يكْوُنُ يفعُل، ويفعُل لا يأتي من فعِل، وإنما يأتي من فعَل وفعُل، ظرُف يظرُف. إذاً: ليست من باب فعِل ولا من باب فعُل، ما الدليل؟ نقول: ليست من باب فعُل لأنه سمع اسم الفاعل على فاعل، حينئذٍ لو كانت من باب فعُل فاسم الفاعل من فعُل يأتي على فعيل، ظرف فهو ظريف، كرم فهو كريم، حينئذٍ لما جاء كائن علمنا أنه ليس من باب فعُل. ليس من باب فعِل؛ لأن المضارع يأتي على وزن يكون، يفعُل .. ويفعُل هذا إما أن يكون ماضيه فعُل أو فعَل، وليس من باب فعِل، وأسقطنا فعُل باسم الفاعل، فتعين أن يكون من باب فعَل. إذاً كان أصله (كَوَنَ) على وزن فعَل، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفاً. تَرْفَعُ كَانَ المُبْتَدَا اسْمًا والْخَبَرْ ... تَنْصِبُهُ كَكَانَ سَيِّدًا عُمَرْ كَكَانَ ظَلَّ بَاتَ أَضْحَى أَصْبَحَا ... أَمْسَى وَصَارَ لَيْسَ زَالَ بَرِحَا فَتِيءَ وَانْفَكَّ وَهذِى الأَرْبَعَهْ ... لِشِبْهِ نَفْيٍ أَوْ لِنَفْيٍ مُتْبَعَهْ وَمِثْلُ كَانَ دَامَ مَسْبُوقاً بِمَا ... كَأَعْطِ مَادُمْتَ مُصِيبَاً دِرْهَمَا تَرْفَعُ كَانَ: (تَرْفَعُ) هذا فعل مضارع مرفوع وكَانَ فاعل، قصد لفظه. تَرْفَعُ كَانَ المُبْتَدَا: المُبْتَدَا هنا مفعول به. والْخَبَرْ تَنْصِبُهُ: والْخَبَرَ سكنه من أجل الروي، (والْخَبَرْ تَنْصِبُهُ) يعني وتنصب الخبر من باب الاشتغال، ويجوز رفعه: والْخَبَرُ تَنْصِبُهُ كما سيأتي. تَرْفَعُ كَانَ المُبْتَدَا: تَرْفَعُ عرفنا أن مذهب البصريين أن هذا الرفع بعد دخول كان رفع مجدد حاصل، وليس هو الرفع الذي كان قبل دخول كان؛ لأن كان عامل اللفظ، فلما دخل على الجملة الاسمية المكونة من مبتدئ وخبر نسخ العامل الذي دخل على المبتدأ فرفع المبتدأ؛ لأن كان عامل لفظي، والابتداء عامل معنوي، والعامل اللفظي أقوى من العامل المعنوي، بل هو الأصل، والمعنوي إنما جُوِّز للضرورة، الأصل أن يكون العامل لفظياً وهو ما للسان فيه حظ، ولذلك اقتصر في العامل المعنوي على بابين فحسب، باب المبتدأ أنه مرفوع بالابتداء وهو عامل معنوي، وباب الفعل المضارع المجرد عن ناصب وجازم، فرفعه يكون بالتجرد والتعري عن العوامل النصب والجزم، حينئذٍ نقول: هذا باب العامل المعنوي فحسب ولا يقاس عليه غيره. وكل ما أمكن تعليق العامل بكونه لفظياً فهو مقدم، لكن بشرط أن يصح تعليق .. إن صح تعليق العمل هنا بعامل لفظي حينئذٍ صار هو المقدم، لماذا؟ لأن الأصل في العمل أن يكون لشيء ملفوظ به؛ لأنه هو الكلام في الأصل، فالفعل هو الأصل في العمل، حينئذٍ الأصل في الفعل أن يكون ملفوظاً به، وإذا قدر حينئذٍ المقدر أو المحذوف لعلة كالثابت كما هو القاعدة عند الصرفية. إذاً: تَرْفَعُ المراد به تجدد له رفعاً غير الأول الذي عامله معنوي وهو الابتداء. تَرْفَعُ كَانَ المُبْتَدَا، إذا دخلت عليه ويسمى اسماً لها.

стр. 601

تَرْفَعُ كَانَ المُبْتَدَا: كيف ترفع كان المبتدأ إذا دخلت عليه؟ هو الآن لم يكن مبتدأ، وإنما تسميته باعتباره قبل دخول كان، وهنا سماه مبتدأً من باب الإيضاح للمبتدئ أو القارئ أو المستمع؛ ليبين لك أن (كان) هذه دخلت على ما أصله مبتدأ الذي سبق تقريره في الباب السابق، وإلا تسميته مبتدأ في مثل هذا التركيب مجاز، يعني لم يقصد به المبتدأ الحقيقي، وإنما أطلق المبتدأ باعتبار ما كان. إذاً تَرْفَعُ كَانَ المُبْتَدَا تسميته مبتدأً باعتبار حاله قبل دخول الناسخ، و (أل) هنا في المبتدئ للجنس، لماذا؟ لأننا لو أطلقنا أن كان تدخل على المبتدئ، إذاً يفهم من هذا أن كل مبتدئ يصح دخول كان عليه وليس بصحيح، بل من المبتدئ ما هو لازم الصدر، فلا يصح دخول كان عليه، من المبتدأ ما هو واجب الحذف كالنعت المقطوع، هو الكريم: (هو) كيف يدخل عليه كان؟ ما تدخل عليه؛ لأنه محذوف، من المبتدئ ما هو لازم الابتداء لا يتصرف (طوبى للمؤمن) نقول: طوبى هذا ملازم الابتداء، لا يعرب إلا مبتدأ فأين التركيب؟ حينئذٍ لا تدخل عليه كان. فمثل هذه المبتدءات يمتنع دخول كان عليها، فقصد المصنف بالمبتدئ هنا: ما يصح دخول كان عليه، وليس كل مبتدئ يصح دخول كان عليه، إذاً: (أل) هنا نحمله على الجنس، فليست للاستغراق لتعم كل ما هو مبتدئ لا، نقول: من المبتدئ ما يمتنع دخول كان عليه، ومن المبتدئ ما يجوز دخول كان عليه، ومراد المصنف هو الثاني وعليه نحمل (أل) للجنس لا للاستغراق. و (أل) في المبتدئ للجنس، فإن منه ما لا تدخل عليه كلازم الصدر إلا ضمير الشأن، كما في المثال السابق: كان الناس صنفان، كان دخلت على المبتدئ والخبر وضميرها اسمها ضمير الشأن ولا بأس به. ولازم الحذف كالمخبر عنه بنعت مقطوع وما لا يتصرف كطوبى للمؤمن، فإنه يلزم الابتداء. هذه الأنواع الثلاثة وما شاكلها حينئذٍ نقول: هذه لا يمكن أن تخرج عن كونها مبتدأً، من يقم أقم معه، نقول: (من) هذا لازم الصدر، لا يمكن أن تدخل عليه بكان ممتنع، طوبى للمؤمن لا يمكن أن تدخل عليه كان. إذاً قوله: المبتدأ جنس أراد به بعض الأفراد وليس على إطلاقه. تَرْفَعُ كَانَ المُبْتَدَا: إذا دخلت عليه ويسمى اسماً لها حقيقة، أو فاعلاً مجازاً. والْخَبَرْ تَنْصِبُهُ: والْخَبَرْ هذا مفعول به أو مبتدأ تَنْصِبُهُ الجملة هذه إما مفسرة وإما أنها خبر المبتدأ، يحتمل هذا وذاك. والْخَبَرْ إذاً: القول فيه كالقول في سابقه، استثنى النحاة من الخبر هنا الجملة الطلبية، فلا يكون خبراً لكان، وجمهور النحاة الذين أجازوا أن يقع الخبر هنا -خبر المبتدئ- جملة طلبية منعوه هنا. فحينئذٍ زيد اضربه، نقول: زيد هذا يصح دخول (كان) عليه، لكن يمتنع هنا لا لذات زيد وإنما لكون خبر زيد جملة طلبية، ولذلك يستثنى من الخبر الجملة الطلبية. يشترط في خبر كان ألا يكون جملة طلبية حتى عند الجمهور الذين يجوزون وقوع الطلبية خبراً عن المبتئدئ.

стр. 602

إذاً: يستثنى من المبتدئ ليس كل مبتدئ تدخل عليه كان، ويستثنى من الخبر ليس كل خبر تدخل عليه كان ولو صح دخوله على المبتدئ، فزيد اضربه نقول: هنا لا يصح دخول (كان) عليه الجملة هذه، لماذا؟ لذات المبتدئ أو للخبر؟ للخبر؛ لكونه جملة طلبية وأما المبتدأ فهو جائز. تَرْفَعُ كَانَ المُبْتَدَا اسْمًا والْخَبَرْ تَنْصِبُهُ. (تَنْصِبُهُ) خبراً لها، باتفاق أنه منصوب، وإنما منصوب على أي شيء؟ جمهور البصريين على أنه منصوب خبرٌ لكان، حينئذٍ نقول: هذا الوجه هو المرجح، والقول بأنه حال وهو مذهب الكوفيين مذهب ضعيف لا يعول عليه، لما ذكرناه. كَكَانَ سَيِّدًا عُمَرْ: ((وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا)) [الفرقان:٥٤] ربك قدير هذا الأصل .. (رب) مبتدأ ودخلت عليه كان وجاز الدخول عليه؛ لأنه ليس من الممنوعات، و (قدير) هذا الخبر وهو ليس جملة طلبية فدخلت كان رفعت المبتدأ الذي هو قبل دخول (كان) وأحدثت له رفعاً جديداً، والعامل فيه (كان)، ونصبت الخبر المرفوع قبل دخول (كان) فصار خبراً لكان. حينئذٍ نقول: اسم كان مرفوع بكان، وخبر كان منصوب بكان، فأحدثت عملين في محلين مفترقين أحدهما الرفع والثاني النصب ((وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا)) [الفرقان:٥٤]. كَكَانَ أي: كقولك كَانَ سَيِّدًا عُمَرْ، كان عمر سيداً، هذا فيه أيضاً جواز تقدم خبر كان على اسمها. كَكَانَ سَيِّدًا عُمَرْ: إذاً أفاد فائدتين بهذا المثال وهو: أن كان دخلت على المبتدئ وهو علم، فرفعته على أنه اسم لها. وسَيِّد هذا كان مرفوعاً فدخلت عليه (كان) فأحدثت فيه النصب؛ على أنه خبر لها، ودل كذلك على أنه يجوز تقدم الخبر على المبتدئ، وإن كان الأصل في النظر في خبر كان مع اسمها هو عين النظر في المبتدئ مع الخبر، هذا الأصل إلا ما استثني، فما وجب هناك تأخر الخبر وجب هنا وما وجب تقدم الخبر هناك وجب هنا، كما سيأتي. كَكَانَ سَيِّدًا عُمَرْ .. كَكَانَ ظَلَّ، ككان في ذلك في كونها ترفع المبتدا اسماً لها والخبر تنصبه ليس خاصاً هذا الحكم بكان فحسب، بل أخوات (كان) ونظائرها مثلها في ذلك العمل، فتدخل على المبتدئ جائز الدخول، وعلى الخبر جائز الدخول فترفع الأول وتنصب الثاني. كَكَانَ هذا خبر مقدم، ظل هذا قصد لفظه وهو مبتدأ مؤخر. كَكَانَ ظَلَّ بَاتَ بإسقاط العاطف، هو جائز في الشعر، ظَلَّ، وبَاتَ، وأَضْحَى، وأَصْبحَا الألف هذه للإطلاق، وأَمْسَى، وَصَارَ، ولَيْسَ، وزَالَ، وبَرِحَا، وفَتِىءَ، وَانْفَكَّ .. هذه اثنا عشر، بقي واحد وهو دَامَ أشار إليه بقوله: (وَمِثْلُ كَانَ دَامَ) فهي ثلاثة عشرة فعلاً. هذه الأفعال باعتبار العمل منها ما يعمل بلا شرط ولا قيد، ومنها ما يعمل بشرط، منها ما يعمل بلا شرط. الأُوَل الثمانية تعمل بلا شرط كان، وظَلَّ، وبَاتَ، وأَضْحَى، وأَصْبحَا، وأَمْسَى، وَصَارَ، ولَيْسَ. هذه كلها متتالية وهي ثمانية تعمل بلا شرط، لا يشترط لها أي شرط. وزَالَ، وبَرِحَا، وفَتِىءَ، وَانْفَكَّ .. هذه تعمل بشرط، وهو أن يتقدمها نفي أو شبه نفي.

стр. 603

دَامَ كذلك مشروطة بشرط وهو أن تكون مسبوقة بما المصدرية، ولذلك قال: منها ما يعمل هذا العمل بلا شرط وهي ثمانية: كان وما عطف عليها إلى قوله: ليس، ومنها ما لا يعمل هذا العمل إلا بشرط وهو قسمان: أحدهما ما يشترط في عمله أن يسبقه نفي لفظاً أو تقديراً، وهو ما أشار بقوله: وهذه الأربعة الأخيرة التي هي: زال، ماضي يزال كما سيأتي، وبرح، وفتئ، وانفك. فَتِىءَ بكسر التاء هذا هو الأشهر في اللغة، الأشهر أنها بكسر التاء، وفيها لغة بالفتح فتَئ من باب فعَل، والأولى على وزن فعِل، ولغة ثالثة أفتأ، ورابعة فتُئ يفتأُ، كظرف يظرف، هذه أربعة لغات في فتئ المشهور فيها كسر التاء فتِئ ثم فتَئ. وَانْفَكَّ وَهذِى الأرْبَعَهْ: أي موادها التي هي زال وما عطف عليه، وَهذِه الأرْبَعَهْ الأخيرة لا تعمل إلا بشرط كونها لِشِبْهِ نَفْيٍ، والمراد بشبه النفي النهي والدعاء، فلا تعمل إلا إذا كانت مسبوقة بدعاء أو نهي أو لنفي محض، وهذا النفي قد يكون بالاسم وقد يكون بالفعل، وقد يكون بالحرف. وَهذِى الأرْبَعَهْ: ذِى مبتدأ، والأرْبَعَهْ بدل أو عطف بيان، مُتْبَعَهْ هذا خبر المبتدئ، ولِشِبْهِ نَفْيٍ هذا لا بد من أن نقدره أو نعلقه بمُتْبَعَهْ، ولو قدرناه بمحذوف كما قال بعضهم لا بأس به. لِشِبْهِ نَفْيٍ أوْ لِنَفْيٍ، إذاً: لا بد أن يتقدمها نفي أو شبه نفي، لماذا؟ قالوا: لأن المقصود من الجملة الإثبات، وهذه ملازمة للنفي معناها، وحينئذٍ نفي النفي إثبات، المراد بالجملة الإثبات، يعني جملة ما دخل على المبتدئ والخبر المقصود به الإثبات، وهذه الألفاظ في نفسها تدل على النفي، فاشترطنا النفي قبلها؛ لأن نفي النفي إثبات، ولذلك لا تعمل هذا العمل إلا بهذا الشرط أن تكون مسبوقة بنفي أو شبه النفي، وقلنا شبه النفي هو: الدعاء والنهي، وأما النفي فالمراد به حقيقته وهو النفي المحض، وهذا قد يكون بحرف وقد يكون بفعل، وقد يكون باسم، أما الحرف نحو: لَنْ تَزَالُوا كَذَلِكُمْ ثُمَّ لاَ زِلـ ... ـتُ لَكُمْ خَالِداً خُلُودَ الجِبَالِ وزَالَ هنا عملت وهي فعل مضارع لسبقها بالنفي وهو لن وهو حرف، كذلك أن تكون مسبوقة بنفي وهو فعل: لَيْسَ ينفَكُّ ذا غِنىً واعْتِزَازٍ ... كُلُّ ذِي عِفَّةٍ مُقِلٌّ قَنُوعُ - أو مُقِلٌ ضبط بهذا وذاك. وقد يكون بالاسم النفي: غَيْرُ مُنْفَكٍّ أَسِيرَ هَوىً ... كلُّ وَانٍ لَيْسَ يَعْتَبرُ حينئذٍ نقول: النفي قد يكون حرفاً وقد يكون اسماً وقد يكون فعلاً، وقد يكون ملفوظاً كما في الأمثلة المذكورة وقد يكون مقدراً، يعني محذوفاً ومثلوا له بقوله تعالى: ((قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ)) [يوسف:٨٥] تَفْتَأُ يعني لا تفتأ، ((تَذْكُرُ يُوسُفَ)) وحينئذٍ نقول: هذا الفعل تَفْتَأُ قد عمِل عمَل كان، ووجد شرطه لكنه مقدر، ويشترط في التقدير هنا ليس قياساً مطرداً، وإنما هو في القَسَمِ أولاً ثم مع الفعل المضارع، ثم لا على جهة الخصوص.

стр. 604

بهذه الشروط الثلاثة يجوز أن يكون النفي مقدراً، ((قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ)) أي لا تفتأ ولا يحذف النافي معها قياساً إلا بعد القسم كما في الآية، وكذلك أن يكون مضارعاً –فعل- وأن يكون لا على جهة الخصوص، وقد شذ الحذف بدون القسم: وَأَبْرَحُ مَا أَدَامَ اللهُ قَوْمِي ... بِحَمْدِ اللهِ مُنْتَطِقاً مُجِيدَا أَبْرَحُ هذا فعل مضارع، لكنه ليس قسماً، أبرح فعل مضارع، والحرف المقدر هو لا، إذاً وجد شرطان بقي شرط ثالث وهو القسم، إذاً يعتبر شاذاً ولا يقاس إلا ما جاء النص باستثنائه؛ لأنه بالاستقراء أن هذا الفعل كغيره لا يعمل إلا بتقدم نفيٍ، وحينئذٍ إذا حذف فصار خارجاً عن القياس، فحينئذٍ ينظر في المثل الذي ورد أو في الآية التي معنا، فنجد أن تفتأ فعل مضارع، إذاً لا يتعداه، وأن التقدير: لا تفتأ، إذاً: لن، وما، وإن .. هذه ليست مثل لا، فنقتصر الحكم على المذكور، ثم هو في قسم، فنقول بهذه الشروط الثلاثة يجوز حذف النافي -حرف النفي-، وأما ما عداه فنقول: لا، وأبرح كما قال الشاعر هنا: وَأَبْرَحُ مَا أَدَامَ اللهُ قَوْمِي، نقول: هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه؛ لأنه وإن كان فعلاً مضارعاً، وإن كان المحذوف الحرف وهو لا، إلا أنه ليس في سياق القسم، والشرط أن يكون في سياق القسم، فهذا أن يكون لنفي أو لشبه نفي، والمراد به كما ذكرنا النهي كقولك: لا تزل قائماً، (لا) ناهية، و (تزل) هذا فعل مضارع ناقص مجزوم بلا، وجزمه السكون، واسمه أنت، وقائماً خبره. إذاً: يحتاج إلى اسم وخبر، ومنه قوله: صاحِ شمِّرْ ولاَ تَزَلْ ذاكِرَ المَوْتِ ... فَنِسْيانُهُ ضَلالٌ مُبِينُ صاحِ يعني: يا صاح، هذا وإن كان في الأصل شاذ إلا أنا نتوسع به لكثرته، ولا تَزَلْ .. (ولا) هذه ناهية و (تزل) هذا فعل مضارع ناقص مجزوم بلا، وجزمه سكون آخره، ولا تزل (أنت) ضمير وهو اسم تزل، و (ذاكِرَ المَوْتِ) هذا خبر، إذاً نصب والدعاء كقولك: لا يزال الله محسناً إليك، لا يزال (لا) هنا دعائية، ولا في النهي والدعاء كما قال ابن آجروم هناك، لا يزال الله محسناً إليك، (لا) نقول هذه نافية -نسميها دعاء أيضاً لا بأس-، (يزال) فعل مضارع مرفوع ناقص مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، ولفظ الجلالة اسم يزال، ومحسناً هذا خبرها أَلاَ يَا اسْلَمي يا دارَ مَيَّ، عَلى الْبَلضى ... وَلاَ زالَ مُنْهَلاً بِجَرْعائِكِ الْقَطْرُ وَلا زالَ مُنْهَلاً (لا) دعائية أو نافية، (زال) فعل ماضي، والقطر هذا اسمها، ومنهلاً خبر مقدم، بجرعائك هذا متعلق بـ: منهلاً. إذاً: هذا شبه النفي وقد مثلنا للنفي. وَهذِى الأرْبَعَهْ أي موادها الأخيرة المذكورة زال، وبرح، وفتئ، وانفك .. هذه الأربعة لا تعمل هذا العمل الذي هو رفع المبتدأ ونصب الخبر إلا إذا تقدمها شبه نفي أو لنفي، إلا إذا كانت متبعة، كيف متبعة؟ هي تابعة أو متبعة؟ إذا كانت متبعة، بماذا؟ كيف التقدير يكون؟ ما الذي أتبع الثاني؟ هي متبعة للنفي وشبه النفي، لذلك تقول: لشبه هذا متعلق بقوله متبعة وهو خبر ذي. إذاً: هذا ما ذكره في هذا البيت.

стр. 605

وَمِثْلُ كَانَ دَامَ، هذا الثالث عشر وَمِثْلُ كَانَ، يمثل بـ: كان -ككان ظل- وَمِثْلُ كَانَ؛ لأنها أم الباب هي الأصل. وَمِثْلُ كَانَ دَامَ يعني: في العمل المذكور بشرط حال كونه (مَسْبُوقاً بِمَا) أي ما؟ المصدرية الزمانية أو الظرفية، ومن أين أخذنا هذا التقييد؟ كَأعْطِ مَادُمْتَ مُصِيباً دِرْهَما إذاً: من المثال نقيد (ما) هنا ليست موصولة، وليست مصدرية فحسب، وإنما هي مصدرية ظرفية يعني زمانية. كَأعْطِ مَادُمْتَ مُصِيباً دِرْهَما: ما دمت (ما) هذه مصدرية ظرفية، لماذا مصدرية؟ لأنها تسبك مع ما بعدها بمصدر، وظرفية لأنها تفسر أو تضاف إلى المدة أو إلى الظرف كَأعْطِ مَادُمْتَ: دام فعل ماضي، والتاء هنا اسمها، ومصيباً درهماً هنا فيه حذف وفيه تقديم وتأخير كأعط المحتاج درهماً ما دمت مصيباً له؛ لأن أعط هذا يتعدى إلى مفعولين، أعط المحتاج درهماً، يأتينا هذا باب أعطى وكسى يتعدى إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، أعط هذا يتعدى إلى مفعولين، أين مفعوله؟ (أعط المحتاج) هذا حذف، (درهماً) هذا المفعول الثاني (ما دمت مصيباً) يعني مدة دوام مصيباً، فمصيباً هذا خبر دام، والتاء هذا اسمها. إذاً كأعط المحتاج درهماً ما دمت مصيباً له، ففي المثال تقديم وتأخير وحذف وَمِثْلُ كَانَ دَامَ مَسْبُوقاً بِمَا ... كَأعْطِ مَادُمْتَ مُصِيباً دِرْهَمَا إذاً هذا يشترط في عمله وهو لفظ دام أن يسبقه (ما) المصدرية الظرفية، لا بد من القيدين؛ لأنها قد تكون مصدرية لا ظرفية فلا تعمل هذا العمل، لو كانت مصدرية فقط ولا تعمل عمل المذكور يعجبني ما دمت صحيحاً، يعني مدة دوامك صحيحاً؟ لا، ليس كذلك لا يقدر بظرف، يعجبني ما دمت صحيحاً أي: دوامك صحيحاً، فدام تامة بمعنى بقي، وصحيحاً حال ولا توجد الظرفية بدون المصدرية. كَأعْطِ مَادُمْتَ مُصِيباً دِرْهَما أي: أعط مدة دوامك مصيباً درهماً، ومنه قوله تعالى: ((وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)) [مريم:٣١] أي مدة دوامي حياً، وهذا يستدل به على أن دام لها مصدر؛ فإن التقدير هنا يكاد أن يكون إجماعاً مدة دوامي حياً، فإذا كان كذلك كوننا نحكم على أن ما المصدرية هنا في هذا التركيب مصدرية لا يفهم منها إلا أنها تسبك مع ما بعدها بمصدر، ولا يفهم غير هذا، إذا لم تسبك مع ما بعدها بمصدر وتؤل بمصدر لم تكن مصدرية، فإذا حكمنا عليها بأنها مصدرية معناه هو أن ما بعد له مصدر، فدام له مصدر، وأما القول بأن مدة دوامي، دوامي هذا مصدر لدام التامة أستعير هنا هذا مغالطة، بل الصحيح أنه لدام الناقصة؛ لأن دام التامة لا تطلب خبراً وإنما تكتفي بمرفوعها كما ستأتي، وحينئذٍ نقول: هذه دام الناقصة على الأصل. قال رحمه الله تعالى تَرْفَعُ كَانَ المُبْتَدَا اسْمًا والْخَبَرْ ... تَنْصِبُهُ كَكَانَ سَيِّدًا عُمَرْ كَكَانَ ظَلَّ .. وما عطف عليه. ثم قال: وَهذِى الأرْبَعَهْ الأخيرة يشترط فيها ما لا يشترط في الثمانية الأولى.

стр. 606

وَمِثْلُ كَانَ دَامَ مَسْبُوقاً بِمَا كَأعْطِ يعني بـ (ما) المصدرية الظرفية، أما معانيها فمعنى (ظل) المراد به اتصاف المخبر عنه بالخبر نهاراً، ظل زيد قائماً، ما المقصود بظل زيد قائماً؟ بمعنى أنه اتصف بالقيام في النهار، اتصف المخبر عنه الذي هو اسم ظل بمضمون الخبر في وقت النهار، فظل المراد به اتصاف المخبر عنه الذي هو اسم ظل بمضمون الخبر نهاراً. ومعنى (بات) اتصافه به ليلاً، بات زيد قائماً، بمعنى أنه اتصف بمضمون قام في وقت البيتوتة وهو في الليل. و (أضحى) اتصافه به في وقت الضحى، و (أصبح) اتصافه به في الصباح، و (أمسى) اتصافه به في المساء .. ومعنى (صار) التحول من صفة إلى صفة أخرى، و (ليس) المراد بها النفي، وهي عند الإطلاق لنفي الحال ليس زيد قائماً يعني الآن، إذا أطلق عن القيد حينئذٍ نحملها على نفي الحال، الآن يعني ليس زيد قائماً الآن، وبعده الله أعلم لا نحكم عليه، وإنما نقول: ليس زيد قائماً الآن، في هذا الوقت الذي نتحدث فيه ليس زيد قائماً، وما بعده نقول: هذا ليس داخلاً في الحكم. ليس زيد قائماً أي الآن، وعند التقييد بزمن على حسبه، ليس زيد مسافراً غداً، إذاً ليست لنفي الحال، وإنما تحمل على ما قيدت به، ليس زيد مسافراً غداً، إذاً قد يكون بعده. ومعنى زال وأخواتها تدل على ملازمة الصفة للموصوف مذ كان قابلاً لها، اتفق النحاة على أن هذه الأربع كلها بمعنى واحد (زال، وبرح، وفتئ، وانفك) بمعنى واحد، باتفاق النحاة إجماع أنها بمعنى واحد، وأن هذا المعنى يدل على ملازمة الصفة للموصوف، الصفة الذي هو خبرها، للموصوف الذي هو اسمها، لكن كل ملازمة بحسب الجملة، لا زال زيد عالماً، الأصل في الاتصاف بالعلم أنه مدة بقائه منذ أن شم رائحة العلم إلى أن يموت هذا الأصل فيه. لا زال زيد قائماً، هذا ينفك عنه في وقت دون وقت، وحينئذٍ نقول: الملازمة هنا بحسب ما قبله، يعني بحسب الوصف الذي يكون للموصوف، قد يكون لا يوجد في وقت دون وقت، بل هو ملازم له مدة حياته كالوصف بالعلم والحياة ونحو ذلك، وقد يكون يوجد في وقت دون وقت، وحينئذٍ نفسره بالملازمة ليست كالملازمة السابقة، وإنما هي ملازمة في وقت دون وقت. لا زال زيد صائماً، شهر كامل وشهرين ثلاثة وهو صائم! لا، لا زال زيد صائماً في وقت الصيام، وأما إذا جاء المغرب انتهى الوقت. إذاً تدل على ملازمة الصفة للموصوف منذ كان قابلاً لها، على حسب ما قبلها، فإن كان ما قبلها متصلة الزمان دامت له كذلك نحو ما زال زيد عالماً، وإن كان قبلها في أوقات دامت له كذلك، ما زال يعطي الدراهم، نقول: هذا يعطي في وقت دون وقت، ما زال يعطي الدراهم.

стр. 607

وترد كان، وأصبح، وأضحى، وأمسى، وظل بمعنى صار، قلنا صار تأتي بمعنى التحول من صفة إلى صفة، قد تخرج هذه الخمسة عن معانيها الأصلية كان تدل على كينونة وهو حدث كما ذكرناه، وهذا الحدث واقع في زمن مضى وانقطع، فهي زمانية وتسمى رابطة عند المناطقة، وظل، وأصبح، وأمسى، وأضحى .. نقول: هذه الأصل أنها موضوعة لاتصاف المخبر عنه بما دل عليه اللفظ، فأصبح اتصافه بالقيد متى؟ في الصباح، وكذلك المساء، لكن قد تخرج عن هذا المعنى إلى معنى آخر وهو معنى صار، التحول من صفة إلى صفة أخرى. فلا يقع حينئذٍ الماضي خبراً لها، إذا كانت بمعنى صار يمتنع أن يكون خبرها فعلاً ماضياً ((فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا)) [الواقعة:٦] يعني وصارت، ((وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً)) [الواقعة:٧]، ((فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)) [آل عمران:١٠٣] صرتم، ((ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا)) [النحل:٥٨] صار، وحينئذٍ إذا خرجت عن أصلها واستعملت بمعنى صار نقول: لا تخرج عن العمل بل هي باقية على الأصل. وَغَيْرُ مَاضٍ مِثْلَهُ قَدْ عَمِلاَ ... إِنْ كَانَ غَيْرُ المَاضِ مِنْهُ اسْتُعْمِلاَ وَغَيْرُ مَاضٍ، مبتدأ غَيْرُ مضاف، ومَاضٍ مضاف إليه. مِثْلَهُ قَدْ عَمِلاَ، قد عمل مثله، (قد) حرف تحقيق، و (عمل) هذا فعل ماضي، الألف للإطلاق، والجملة خبر غير، مثله أصل التركيب غير ماض قد عمل مثله، يعني مثل ماذا؟ مثل الماضي، غير الماضي عمل عمل الماضي، حينئذٍ يكون حالاً، حالة كونه مثله، ولو قيل بأنه صفة لمفعول مطلق محذوف كان أولى، يعني وغير ماض قد عمل عملاً مثله، وعملاً هذا مفعول مطلق، ومثله جاء صفة له، هذا أولى من إعرابه حال، من فاعل عمل مستتر، وَغَيْرُ مَاضٍ مِثْلَهُ أي مثل الماضي قد عمل العمل المذكور، والألف هذه للإطلاق؛ لأنه أورد ماذا؟ لماذا نص على مثل هذا التركيب؟ لأنه في سياق تعداد الأفعال ذكرها بصيغة الماضي. كَكَانَ ظَلَّ بَاتَ أَضْحَى أَصْبحَا ... أَمْسَى وَصَارَ لَيْسَ زَالَ بَرِحَا فَتِىءَ وَانْفَكَّ وَهذِى الأرْبَعَهْ ثم قال: وَمِثْلُ كَانَ دَامَ قد يظن الظان أنها لا تعمل هذا العمل إلا إذا كانت بصيغة الماضي، وليس الأمر كذلك، فنفى هذا التصور المحدث بقوله: وَغَيْرُ مَاضٍ مِثْلَهُ قَدْ عَمِلاَ فما اشتق من كان، وما اشتق من ظل، وما اشتق من انفك، وزال إلى آخره يعمل عمل زال، وما اشتق من ظل يعمل عمل ظل .. فالحكم واحد. حينئذٍ الحكم ليس لصيغة الفعل وإنما لمادة الفعل، ولذلك قلنا: وَهذِى الأرْبَعَهْ أي موادها، لماذا قلنا موادها؟ لأن الحكم إما أن يتعلق بالمادة وإما بالصيغة، إذا قلنا بالصيغة معناها بصيغة الماضي، فلا يتعدى الحكم إلى المضارع والأمر واسم الفاعل، وإذا قلنا المادة مادة كان، حينئذٍ كان، يكون، كائن، كن .. هذه كلها تعمل، هنا العبرة بالمادة أو بالصيغة؟ بالمادة، إذاً ليس المراد من تعداد الأفعال السابقة صيغها، بل المراد موادها. فكل ما دل على كان بالمادة سواء كان ماضياً أو مضارعاً أو مصدراً أو أمراً حينئذٍ يعمل هذا العمل، ترفع كان أي: مادة كان المبتدأ، والخبر تنصبه .. ككان ظل أي مادة ظل، بات أي مادة بات، ليس عين الصيغة، وهذا تأويل جيد.

стр. 608

وَغَيْرُ مَاضٍ مِثْلَهُ قَدْ عَمِلاَ متى؟ قيده هل كل الأفعال لها مضارع أو متصرفة؟ لا، إنْ كانَ غَيْرُ الْمَاضِ مِنْهُ اسْتُعْمِلاَ، فالمرد حينئذٍ السماع ليس المسألة اجتهادية، فكل ما ورد من تصرف تلك الأفعال عمل عمل الماضي، فإن لم يكن له إلا ماضي مالنا حيلة فيه يبقى على مضيه، إذا لم يرد إلا الماضي لا يمكن أن نقول غير ماض مثله قد عملا، ليس له غير ماض، فالماضي حينئذٍ يكون هو خاصاً به، فنقدر هناك صيغته مثل ليس. إنْ كانَ غَيْرُ الْمَاضِ مِنْهُ اسْتُعْمِلاَ (مِنْهُ) هذا متعلق بقوله استعملا، والألف للإطلاق، يعني ما تصرف من هذه الأفعال يعمل غير الماضي منه عمل الماضي. جميع هذه الأفعال تتصرف، هذا الأصل فيها؛ لأن الأصل في الفعل أنه متصرف، هذا الأصل فيه، وغير التصرف هذا خارج عن القياس، فجميع هذه الأفعال تتصرف فيأتي منها المضارع والأمر والمصدر والوصف إلا ليس، وهذا مجمع عليه في (ليس). إلا ليس فمجمع على عدم تصرفها، وأما دام فنص كثير من المتأخرين على أنها لا تتصرف، (ليس) مجمع على أنها ملازمة للماضي، إذاً ليس لها غير الماضي، ليست داخلة في قوله: وَغَيْرُ مَاضٍ مِثْلَهُ قَدْ عَمِلاَ، وأما (دام) فأكثر المتأخرين على أنها لا تتصرف، وجزم به ابن مالك رحمه الله تعالى على أنها لا تتصرف. قال أبو حيان: وما ذكر من عدم تصرفها لم يذكره البصريون، ولتصاريف هذه الأفعال من العمل والشروط ما للماضي منها، وكذا سائر الأفعال، يعني إذا قيل: وَغَيْرُ مَاضٍ مِثْلَهُ قَدْ عَمِلاَ، وقد اشترطنا شروطاً في بعضها نقول: الشروط تلك ليست خاصة بالفعل الماضي، بل كل ما تصرف من الماضي فالشرط لازم له (إنْ كانَ غَيْرُ الْمَاضِ مِنْهُ اسْتُعْمِلاَ). قال الشارح: هذه الأفعال على قسمين: أحدهما: ما يتصرف، والتصرف المراد به أنه يأتي منه ماضي ومضارع وأمر، وهذا التصرف قسمان، قد يكون تصرفاً تاماً بأن سمع منه المضارع والأمر والمصدر، وقد يكون تصرفاً ناقصاً، بأن لم يسمع منه إلا المضارع فحسب. أحدهما: ما يتصرف، وهو ما عدا ليس ودام. وهذا القسم -ما يتصرف قسمان-: ما يتصرف تصرفاً ناقصاً وهو (زال) وأخواتها فإنه لا يستعمل منها الأمر ولا المصدر، زال ليس عندنا زل، زال وانفك وفتئ وبرح، هذه ليست لها أمر ولا مصدر، حينئذٍ تصرفها ناقص ليس بتام. الثاني ما يتصرف تصرفاً تاماً وهو باقيها. قال: والثاني: ما لا يتصرف بحال، وهو (ليس) باتفاق، و (دام) عند المتأخرين، ويصححونه يقولون: على الصحيح، وقيل لها: مضارع دام، وهو يدوم، فهي متصرفة إذا ثبت أن لها مضارعاً، قد أثبته بعضهم. حينئذٍ هي متصرفة تصرفاً ناقصاً، والصحيح أن لها مصدراً أيضاً كما سبق، مدة دوامي حياً ((مَا دُمْتُ حَيًّا)) [مريم:٣١] اشترطنا كون (ما) المصدرية حينئذٍ لزم أن يكون ما بعد له مصدر، إن قلنا ليس لها مصدر فحينئذٍ ليست (ما) مصدرية، وهذا باطل، حينئذٍ لا بد أن يكون لها مصدر، والقول بالاستعارة هذا قول لا يلتفت إليه، أنه استعير لها من أجل أن يقيم مصدر (دام) التامة مقام (دام) الناقصة فهذا لا يعول عليه.

стр. 609

فنبه المصنف بهذا البيت على أن ما يتصرف من هذه الأفعال يعمل غير الماضي منه عمل الماضي، وذلك هو المضارع ((وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)) [البقرة:١٤٣] يَكُونَ هذا منصوب بما قبله، ((وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)) الرَّسُولُ اسم يكون، وشَهِيدًا هذا خبرها، عملت يكون عمل كان وَغَيْرُ مَاضٍ مِثْلَهُ قَدْ عَمِلاَ ((كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ)) [النساء:١٣٥] كُونُوا هذا أمر، نقول: فعل أمر مبني على حذف النون كُونُوا مثل قوموا مبني على حذف النون، والواو اسمها ((كُونُوا قَوَّامِينَ)) هذا خبرها منصوب بالياء، ((قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا)) [الإسراء:٥٠]، واسم الفاعل زيد كائن أخاك، كيف صرح هنا ونحن قلنا: نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أَوْاسْتَقَرّْ، وهنا يصرح بكائن؟ هذاك في المتعلق، هنا مقصود لفظه عينه ونفسه. وَمَا كُلُّ مَنْ يُبْدِي البَشَاشَةَ كَائناً ... أَخَاكَ إِذَا لم تُلفِهِ لك مُنجِدَا وَمَا كُلُّ مَنْ يُبدي البَشَاشَةَ كائناً أَخَاكَ، (ما) هذه حجازية، (كل) اسمها، (من يبدي) كل مضاف و (من) مضاف إليه اسم موصول، (يبدي) صلة الموصول لا محل له من الإعراب، (كائناً) خبر ما، واسمها ضمير مستكن كائناً هو، أخاك خبرها منصوب بالألف؛ لأنه من الأسماء الستة. إذاً: كائناً اسم فاعل وهذا يدل على أنها من باب فعل، لا من باب فعُل، فحينئذٍ هو اسم فاعل وعمل عمل كان، كائناً أخاك، والمصدر كذلك والصحيح أن لها مصدر بِبَذْلٍ وحِلمٍ سَادَ في قَوْمِهِ الفَتى ... وَكَوْنُكَ إِيَّاهُ عَلَيكَ يَسِيرُ وكَوْنُكَ هذا مبتدأ، وهو مضاف والكاف مضاف إليه. إيَّاهُ خبرها، عَلَيكَ جار ومجرور متعلق بـ: يَسِيرُ. يسير خبر كون. (كون) لها اعتباران الآن: هي مبتدأ، وهي من مادة كان، نعربها مبتدأ على الأصل قبل دخول كان –لم تدخل كان هنا- (كون) مبتدأ، إذاً تطلب خبر مثل زيد قائم، ثم هي في نفس الوقت تطلب خبراً واسماً، إذاً لها جهتان: تطلب خبرين .. الكلمة هذه كونك تطلب خبرين: خبر من حيث كونها مبتدأ وهو يسير، يسير خبر المبتدأ وليس خبر الكون، وكون يطلب اسماً وهو الكاف، فالكاف هنا لها محلان: محل جر باعتبار كونها مضافاً إليه ومحل رفع باعتبار كونها اسماً لكون. إيَّاهُ (إيَّا) هذا هو خبر الكون، إذاً كون له خبران يسير وإيا، لكن باعتبارين: باعتبار كون الكون مبتدأً يطلب خبراً وهو يسير، وباعتبار كونه وَغَيْرُ مَاضٍ مِثْلَهُ قَدْ عَمِلاَ، حينئذٍ نقول لها: خبر وهو إيَّاهُ. وكَوْنُكَ إيَّاهُ عَلَيكَ يَسِيرُ وما لا يتصرف منها وهو دام وليس، وما كان النفي أو شبهه شرطاً فيه وهو زال وأخواتها لا يستعمل منه أمر ولا مصدر. إذاً: وَغَيْرُ مَاضٍ مِثْلَهُ قَدْ عَمِلاَ ... إِنْ كَانَ غَيْرُ الْمَاضِ مِنْهُ اسْتُعْمِلاَ المراد بهذا البيت أن الحكم وهو رفع المبتدأ على أنه اسم لها أو نصب الخبر على أنه خبر لها ليس خاصاً بالفعل الماضي منها، بل كل ما جاء منها من أمر أو مصدر أو مضارع أو اسم فاعل فالحكم له سيان، وقد جاء في القرآن ويكفي في إثبات هذا الحكم وَفِي جَمِيعِهَا تَوَسُّطَ الْخَبَرْ ... أَجِزْ وَكُلٌّ سَبْقَهُ دَامَ حَظَرْ

стр. 610

هنا انتقل إلى بيان حال الخبر مع كان ومع اسمها. وَفِي جَمِيعِهَا يعني: جميع هذه الأفعال حتى ليس ودام، أطلق الناظم هنا في جميع هذه الأفعال حتى دام وليس. وَفِي جَمِيعِهَا تَوَسُّطَ الْخَبَرْ بينها وبين الاسم، إذا قيل: توسط الخبر فالمراد به ألا يتقدم على الفعل، وألا يبقى في محله، بل المراد به أن يقع بين العامل والمعمول، فحينئذٍ توسط الخبر قال: أَجِزْ، وأجز في جَمِيعِهَا في جميع الأفعال حتى (ليس) و (دام) تَوَسُّطَ الْخَبَرْ. فالمراد هنا توسط أخبارهن جائز مطلقاً حتى في (دام) و (ليس). قال الشارح: مراده أن أخبار هذه الأفعال إن لم يجب تقديمها على الاسم ولا تأخيرها عنه، وهذا كما ذكرناه أن ما وجب هناك فهو واجب هنا، يعني ما وجب تقديمه هناك وجب تقديمه هنا، وما وجب تأخيره هنا قبل دخول كان فهو واجب تأخيره هناك. فمثال وجوب تقديمها على الاسم قولك كان في الدار صاحبها، هذا قبل دخول كان الخبر واجب التقديم في الدار صاحبها، لماذا؟ لئلا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، حينئذٍ وجب تقديمه من أجل أن يعود على متأخر رتبة لا لفظاً. إذا دخلت كان على مثل هذا التركيب وجب التزامه كما هو، فتقول: كان في الدار صاحبها، فصاحبها هذا اسم كان، وفي الدار جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره كائناً، إذا قدرت تقدر باعتبار المحل، هناك قدرناه كائنٌ زيد في الدار زيد كائنٌ بالرفع، وهنا تقول: كان في الدار صاحبه كائناً بالنصب؛ لأنه خبر، فقلنا الصحيح أن المتعلق هو الخبر وحده، والمتعلق هذا قيد فيه، وحينئذٍ الخبر خبر كان منصوب تقول: كائناً في الدار، ولا تقدره مرفوع كائن هكذا وتسكت! لا، كائناً بالنصب. فلا يجوز هاهنا تقديم الاسم على الخبر؛ لئلا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، ومثال وجوب تأخير الخبر عن الاسم قولك: كان أخي رفيقي. (كان أخي رفيقي) كيف نعربها؟ (كان) فعل ماضي، (أخي) اسم كان مرفوع، (رفيقي) خبر كان، هل يجوز التقديم والتأخير؟ لا يجوز. لماذا؟ للبس؛ لأنه لا يتبين من اللفظين أيهما الاسم وأيهما الخبر، إذاً كان صديقي عدوي نقول: لا يتقدم ولا يتأخر، كذلك إذا كان الخبر محصوراً ((وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً)) [الأنفال:٣٥] مُكَاءً هذا بعد إلا، إذاً محصوراً فيه، إذاً لزم التأخير. أين كان زيد، هذا واجب التقديم؛ لأن كان قلنا لا تدخل على اسم الاستفهام، هذا خبر (أين)، وزيد هذا اسمها. هل كان زيد صديقَك، هنا لا يجوز أن يتقدم على هل، ولا أن يُفصل بينهما. وما عدا ذلك مما يمتنع تقديمه أو يجب تأخيره حينئذٍ نقول: الأصل الجواز، أنه يجوز أن يتوسط الخبر بين (كان) وبين اسمها. ((وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)) [الروم:٤٧] (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا) (نَصْرُ) هذا اسم كان، و (حَقًّا) هذا خبره، فتوسط بين هذا وذاك، وهذا أيضاً يؤخذ من المثال السابق كَكَانَ سَيِّداً عُمَرْ، عمر هذا اسم كان، وسيداً هذا خبره توسط بين الفعل والفاعل. ومثال ما توسط فيه الخبر قولك كان قائماً زيد، ((وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)) [الروم:٤٧].

стр. 611

((لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ)) [البقرة:١٧٧] (الْبِرَّ) هذا خبر، و (أَنْ تُوَلُّوا) هذا اسمها مؤخر. وكذلك سائر أفعال هذا الباب من المتصرف وغيره يجوز توسط أخبارها بالشرط المذكور. أما خبر (ليس) فهذا بعضهم نقل فيه خلاف، والصواب أنه يجوز التوسط، وقد سمع: سَلِى إِنْ جَهِلتِ النَّاسَ عَنَّا وَعَنْهمُ ... فَلَيسَ سَواءً عَالمٌ وجهُولُ وذكر ابن معطي أن خبر دام لا يتقدم على اسمها، وهذا محجوج بالسماع: لاَ طِيبَ لِلعَيشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ... لذَّاتُهُ بادِّكارِ الشَّيْبِ والهَرَمِ لا طِيبَ لِلعَيشِ ما دامتْ مُنَغَّصَةً فقدم الخبر هنا منغصة على لذاته فدل على جواز الأمرين. وفي جميعها توسط الخبر أجز، قيل: إجماعاً حكي الإجماع، مع أنه ثم خلاف في ليس ودام، لكن حكي الإجماع لأنه لم يلتفت إلى مخالفة ابن معطي ولا غيره. لقوله: ((وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)) [الروم:٤٧] وفي قراءة من نصب: ((لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا)) [البقرة:١٧٧] وَكُلٌّ سَبْقَهُ دَامَ حَظَرْ ,يعني كل من العرب، أو النحاة حضر سبقه، يعني سبق الخبر دام. يفهم منه أن ما عدا دام يجوز أن يتقدم على الفعل في أول البيت - وَفِي جَمِيعِهَا تَوَسُّطَ الْخَبَرْ - الكلام على تقدم الخبر على الاسم دون الفعل، والآن انتقل إلى مسألة وهي: تقدم الخبر على الاسم والفعل معاً. إذاً هذه مسألة ثانية وليست كالمسألة الأولى، المسألة الأولى توسط الخبر بين الفعل والاسم ((وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)) [الروم:٤٧] حينئذٍ هل يجوز أن يتقدم على الفعل نفسه؟ نعم، وكل سبقه حظر، وكل حظر سبقه دام، دل على أنه يجوز في غير دام، وأما دام فهذا محل نزاع، وكذلك ليس. يجوز تقديم أخبار هذا الباب على الأفعال إلا (دام) و (ليس) والمنفي بـ (ما) وهذا سينص عليه الناظم، إلا دام وليس، دام ذكرها هنا وليس سيأتي في الص؟؟؟. والمنفي بـ (ما) كذلك سيأتي تفصيله، فأما (دام) فحكي الاتفاق عليه؛ لأنه مشروطة بدخول (ما) المصدرية الظرفية، والحرف المصدري لا يعمل ما بعده فيما قبله كَأعْطِ مَا دُمْتَ مُصِيْبَا دِرْهَمَا، مصيباً ما دمت، هذا ممنوع باتفاق، لا يتقدم خبر ما دام على ما ودام معاً، وهذا محل وفاق، وأما أن يتقدم عليها دون ما فهذا محل نزاع، صوبه الشارح وغيره. إذاً: فأما دام فحكي الاتفاق عليها لأنها مشروطة بدخول (ما) المصدرية الظرفية، والحرف المصدري لا يعمل ما بعده فيما قبله، ودليل الجواز هو قوله تعالى: ((أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ)) [سبأ:٤٠] وجه الاستدلال ((أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ)) [سبأ:٤٠] (إِيَّاكُمْ) هذا مفعول ليعبدون، ويَعْبُدُونَ هذا الخبر، قالوا: تقدم معمول الخبر يؤذن بجواز تقدم الخبر نفسه ((أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ)) (كَانُوا) الواو هذه اسم كان، و (يَعْبُدُونَ) الجملة في محل نصب خبر.

стр. 612

إياكم ما إعرابها؟ هـ مفعول به لقوله: (يعبدون) إذاً تقدم على الفعل معمول الخبر، قالوا: وتقدم معمول الخبر يؤذن ويشير إلى أن الخبر لو تقدم لا بأس به؛ لأنه هو فرع، وإذا تقدم الفرع فالأصل من باب أولى وأحرى، و (أَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُون) هذا أوضح، كانوا يظلمون أنفسهم، أَنْفُسَهُمْ ,هذا مفعول به ليظلمون، فتقدم على الفعل، فدل على أنه يجوز أن يتقدم الفعل لتقدم معموله. وَكُلٌّ أي: كل العرب والنحاة، سَبْقَهُ ,أي: سبق الخبر دام، دام هذا مفعول به لسبق وهو مصدر قصد لفظه ,حَظَرْ, أي: منع، أي أجمعوا على منع خبر دام عليها، وهذا تحته صورتان: الأولى أن يتقدم على (ما)، وهذا محل الإجماع. والصورة الثانية: أن يفصل بين (ما) و (دام)، هذه محل النزاع وليست داخلة في الإجماع. وَكُلٌّ سَبْقَهُ دَامَ حَظَرْ، ومنعه الكوفيون في الجميع؛ لأن الخبر فيه ضمير الاسم فلا يتقدم على ما يعود عليه. إذاً مذهب البصريين جواز تقدم الخبر على الأفعال كلها إلا دام، والكوفيون على المنع لم يجيزوا، بناء على أصلهم السابق وَالْمُفْرَدُ الْجَامِدُ فَارِغٌ، قلنا الكوفيون يرون أن الجامد يتحمل ضميراً يعود إلى المبتدأ، فلو قدمناه هنا لعاد على متأخر لفظاً ورتبة، قالوا: هذا لا يجوز؛ لأنه متحمل للضمير، فمنعوا تقدم الخبر على أفعال هذا الباب، قالوا: لأن الخبر فيه ضمير الاسم، فلا يتقدم على ما يعود عليه. ومنعه ابن معطٍ في دام قيل: ورد للسماع وللقياس على سائر أخواتها للإجماع. ومنعه بعضهم فيما ليس تشبيهاً بـ (ما) في (ليس)، وهو محجوج بالسماع الذي ذكرناه سابقاً. قال: وأشار بقوله: وَكُلٌّ سَبْقَهُ دَامَ حَظَرْ إلى أن كل العرب أو كل النحاة منع سبق خبر دام عليها، وهذا إن أراد به أنهم منعوا تقديم خبر دام على (ما) المتصلة بها نحو: لا أصحبك قائماً ما دام زيد، ما دام زيد قائماً (ما دام زيد قائماً) (قائماً) هو الخبر ليس أصحبك، أصحبك هذا فعل. وعلى ذلك حمله ولده في شرحه ففيه نظر، والذي يظهر أنه لا يمتنع تقديم خبر دام على دام وحدها، أما الذي يمتنع هو أن يتقدم الخبر على ما ودام معاً، هذا محل الإجماع. وكلام ابن مالك رحمه الله تعالى: وَكُلٌّ سَبْقَهُ دَامَ حَظَرْ يشمل الصورتين، يتقدم الخبر على ما ودام معاً، قائماً ما دمت، ما قائماً دمت .. على الصورتين نقل الإجماع، والإجماع مسلم في واحدة دون الأخرى، وهي أنه يمتنع تقدم الخبر على ما ودام، أما الفصل بين ما ودام فهذا محل خلاف. منعوا تقديمه على دام وحدها، ويتأخر عن ما وفي دعوى الإجماع على منعها نظر؛ لأن المنع معلل بعلتين: أولاً: عدم تصرفها، وهذا كما ذكرناه أنه سمع يدوم، إذاً لا يسلم أنها ليست متصرفة، وهذا معترض، وأيضاً هذا لا ينهض مانعاً بدليل اختلافهم في ليس مع الإجماع على عدم تصرفها. والأخرى -العلة الثانية-: أن ما موصول حرفي، ولا يوصل بينه وبين صلته، وهذا أيضاً مختلف فيه، والصورة الأولى -أن يتقدم على (ما) - أقرب إلى كلام الناظم، لماذا؟ لأنه سيقول:

стр. 613

كَذَاكَ سَبْقُ خَبَرٍ مَا النَّافِيَهْ, فدل على أن الكلام في تقدم الخبر على (ما) و (دام) نفسها وليس على الفصل، لكن هذا من باب الاستحسان فقط، وإلا ظاهر كلامه أنه يشمل الصورتين: وَكُلٌّ سَبْقَهُ دَامَ حَظَرْ حظر سبق دام مطلقاً سواء تقدم على دام وحدها دون ما أو على ما، لكن ذهب الأشموني إلى أن كلامه ظاهره -بالبيت الذي يليه- أن مراد الناظم أن يتقدم على ما ودام معاً؛ لأنه سيأتي سيقول: كَذَاكَ سَبْقُ خَبَرٍ مَا النَّافِيَهْ، إذاً كذاك أي: مثل الذي سبق، فدل على أن مراده بما سبق: التقدم على ما وليس على الفصل بين ما ودام، هذا محتمل. إذاً أراد بهذا البيت أن يبين لنا حكم توسط الخبر بين الفعل واسم كان وأخواتها، وبين أن يتقدم الخبر على كان نفسها، فالأول مجمع عليه مطلقاً بدون استثناء، والثاني محل خلاف، وإن وقع خلاف في ليس ودام في الأول بالتوسط، لكن الصواب أنه يجوز مطلقاً. ثم قال ﵀: كَذَاكَ سَبْقُ خَبَرٍ مَا النَّافِيَهْ ... فَجِىءْ بِهَا مَتْلُوَّةً لاَ تَالِيَهْ كَذَاكَ: أي: كما منعوا -أي النحاة أو العرب- وَكُلٌّ سَبْقَهُ دَامَ حَظَرْ، كَذَاكَ, أي: كما منعوا أن يسبق الخبر (مَا) المصدرية كَذَاكَ, منعوا أن يسبق (مَا) النافية. (مَا) النافية عند البصريين لها الصدارة، حينئذٍ إذا كان لها الصدارة لا يتقدم عليها معمول ... مدخولها، ما كان زيد قائماً، لا يصح أن يقال: قائماً ما كان زيداً؛ لأن ما هذه لها الصدارة. وقوله: كَذَاكَ يوهم أن هذا الحكم وهو المنع مجمع عليه كالسابق؛ لأنه شبهه به قال: كَذَاكَ فذاك مجمع عليه وهذا مختلف فيه، حينئذٍ يوهم قوله: كَذَاكَ أن هذا الحكم وهو المنع مجمع عليه؛ لأنه شبهه بالمجمع عليه، وإنما أراد التشبيه في أصل المنع دون وصفه، ممنوع فقط مع خلاف، لكنه هو الصحيح، والأول ممنوع لكنه مجمع عليه، إذاً الصفة أو القدر المشترك هو المنع، أراد التشبيه في أصل المنع دون وصفه، فأما المنفي بـ (ما) غير زال وأخواته، وهو كان وأخواتها؛ لأن ما دخل عليه ما النافية قسمان، منه ما كانت (ما) شرطاً في إعماله وهو زال وأخواته، ومنه ما كان زائداً على أصل اللفظ وهو ما عدا الأربعة: ما كان زيد قائم، ما أصبح عمرو قائماً، ما أمسى زيد قائماً، ما هنا ليست شرطاً في إعمال هذه الأفعال، لكن ما زال، وما دام، وما انفك .. حينئذٍ هل الحكم مستوٍ؟ ظاهر كلام الناظم مستوٍ؛ لأنه قال: كَذَاكَ سَبْقُ خَبَرٍ مَا النَّافِيَهْ خَبَرٍ بالتنوين الأصل (خَبَرِ مَا النَّافِيَهْ)، حينئذٍ يشمل ما كانت (ما) النافية شرطاً في عمله وما كانت ما النافية قدراً زائداً على مجرد العمل مثل: كان، وأصبح .. وغيرها. فَجىء بها مَتْلُوَّةً: (بها) الضمير يعود على ما النافية، مَتْلُوَّةً: يعني: متبوعة لا تابعة؛ لأن لها الصدر ولا فرق في ذلك بين أن يكون ما دخلت عليه يشترط في عمله تقدم النفي كزال أو لا ككان، فهو حكم عام. فلا تقل قائماً ما كان زيد، هذا لا يصح قائماً ما كان زيد، قائماً ما زال عمرو، هذا كله لا يجوز، ولو كان شرطاً في إعماله، ولا قاعداً ما زال عمرو. قال في شرح الكافية: وكلاهما جائز عند الكوفيين.

стр. 614

يعني هذا الحكم خاص بالبصريين، وأما الكوفيون في النوعين -ما كانت ما شرطاً في إعماله وما لم تكن كذلك- جائز، لماذا؟ لأن ما ليس لها حق الصدارة، فمحل الخلاف هل (ما) له حق الصدارة أم لا؟ فمن قال: لها حق الصدارة منع، ومن لا فلا، وهذا محل الخلاف بين البصريين. قال في شرح الكافية: وكلاهما جائز عند الكوفيين؛ لأن (ما) عندهم لا يلزم تصديرها. إذاً نقول: أما المنفي بما غير زال وأخواته ففيه قولان: البصريون على المنع كما ذهب إليه الناظم هنا، والكوفيون على الجواز، ومنشأ الخلاف في أن ما النافية هل لها الصدر -صدر الكلام- أو لا؟ البصريون على الأول والكوفيون على الثاني. وأما زال وأخواته ففي تقديم الخبر عليها ثلاثة أقوال: الأول: المنع مطلقاً سواء نفيت بما أو بغيرها، والثاني الجواز مطلقاً وعليه الكوفيون؛ لأن (ما) ليس لها عندهم حق الصدارة، والثالث وهو الأصح وعليه البصريون: المنع إن نفيت بـ: ما؛ لأن لها الصدر والجواز إن نفيت بغيرها كلا ولم ولن، حينئذٍ هذه الألفاظ لا يزال ولن يزال، نقول: إذا قيل: لا يزال ولن يزال يجوز تقدم الخبر على الفعل نفسه، وأما إذا قيل: ما يزال، نقول: هنا (ما) لها الصدارة، فلا يجوز التقدم؛ إذاً لا بد من التفصيل. ولذلك خص الناظم هنا (ما) بالحكم، إذاً إذا نفي زال وأخواته بغير (ما) ليس داخلاً في المسألة معنا، لماذا؟ لأن الحكم معلل هنا، وهو أن سبب المنع هو كون (ما) لها حق الصدارة، إذاً لن ليس لها حق الصدارة (لا) النافية ليس لها حق الصدارة، (إن) النافية ليس لها حق الصدارة .. إذاً لا يمنع ذلك من تقدم الخبر على زال ونحوها، إذاً لا بد من التفصيل. كَذَاكَ سَبْقُ خَبَرٍ مَا النَّافِيَهْ: يعني إذا وقعت (ما) النافية لفعل فالخبر الذي دخلت عليه، أو دخل عليه ذلك الفعل إن سبق بما النافية حينئذٍ ممنوع كالحكم السابق، لكن في أصل المنع لا في الإجماع. فَجىء بها مَتْلُوَّةً لاَ تَالِيَهْ، ومفهوم كلامه: أنه إذا كان النفي بغير (ما) يجوز التقديم؛ لأنه خص ما النافية، فما عداها لا يلتحق به الحكم. فتقول: قائماً لم يزل زيد، قائماً هذا خبر مقدم، لم يزل زيد (لم) حرف نفي، هنا نافية وجاز تقدم الخبر عليها لماذا؟ لكون لم ليس لها حق الصدارة في الكلام. ومنطلقاً لم يكن عمرو، ومنعهما بعضهم وهو الفراء. قال في شرح الكافية: عند الجميع جائز. كَذَاكَ سَبْقُ خَبَرٍ مَا النَّافِيَهْ وَمَنْعُ سَبْقِ خَبَرٍ لَيْسَ اصْطُفِي ... فَجِيءْ بِهَا مَتْلُوَّةً لاَ تَالِيَهْ ...................................... إذاً البيت السابق عرفنا المراد منه: أن الخبر لا يتقدم على الفعل المنفي بـ (ما) سواء كانت ما شرطاً في إعماله أو لا.

стр. 615

مفهومه: أنه إذا سبق بغير ما من الأدوات النفي جاز، ومفهوم كلامه أيضاً جواز تقديم الخبر على الفعل وحده إذا كان النفي بما، بمعنى التوسط بين ما والفعل، ما قائماً كان زيد، هذا من باب الجواز فقط وإلا فيه ركاكة، ما قائماً كان زيد، يجوز؛ لأن المنع أن يتقدم على (ما) وهنا لم يتقدم على ما، وإنما تحايل تقدم على الفعل فحسب، ما قائماً كان زيد. جائز أو لا؟ جائز، هل نأخذه من كلام الناظم؟ نعم يدل عليه؛ لأنه قال: سَبْقُ خَبَرٍ مَا النَّافِيَهْ، أن يتقدم الخبر على ما النافية، فلو تقدم على الفعل ولم يتقدم على (ما) النافية فهو جائز، فالأصل جوازه وعليه الأكثرون توسط الخبر بين (مَا) والمنفي بها نحو: ما قائماً كان زيد، ومنعه بعضهم لأن الفعل مع ما كحبذا، فلا يفصل بينهما، ما كان مثل حبذا، لكن لا، حبذا هذا تركيب مثل بعلبك أو حضرموت، وأما ما كان ليس فيه تركيب، وإنما هو سبق حرف لفعل مثل: لم يكن، هذا ليس مركباً. ثم قال: وَمَنْعُ سَبْقِ خَبَرٍ لَيْسَ اصْطُفِي وَمَنْعُ: هذا مبتدأ. اصْطُفِي: يعني اختير، الجملة خبر المبتدأ، ما الذي اختير؟ مَنْعُ سَبْقِ خَبَرٍ لَيْسَ يعني: لا يتقدم خبر ليس على ماذا؟ على اسمها دونها؟ سبق حكمه في قوله: وَفِي جَمِيعِهَا تَوَسُّطَ الْخَبَرْ أَجِزْ، قلنا: هذا عام، وهنا يتكلم عن الفعل نفسه. وَمَنْعُ سَبْقِ خَبَرٍ لَيْسَ اصْطُفِي: أي: منع من منع أن يسبق الخبر لَيْسَ اصْطُفِي. أي منع من منع أن يسبق الخبر ليس اصطفي أي: اختير، وهو رأي الكوفيين، بضعفها بعدم التصرف هي ضعيفة، وشبهها بما النافية، قياساً على فعل التعجب وعسى ونعم وبئس قالوا: هذه غير متصرفة، إذا كان الفعل ليس متصرفاً قالوا: هذا يضعف في التعامل مع معمولاته، إذا كان جامداً حينئذٍ لا يحصل له ما يحصل للمتصرف من حيث تقديم المفعول وتقديم الاسم أو متعلق المفعول أو متعلق الخبر .. إلى غير ذلك، فإذا كان جامداً حينئذٍ يلزم حالة واحدة هذا الأصل. وهنا ليس أشبهت فعل التعجب، سبق أن (ما) التعجبية مبتدأ لا يجوز تقدم الخبر عليها، حينئذٍ نقول: ليس هنا أشبهت (ما) التعجبية، فعل التعجب، لماذا؟ لأنه لا يجوز أن يتقدم على مبتدئه. وبعضهم أجاز ونسب إلى الجمهور استدلالاً بقوله تعالى: ((أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ)) [هود:٨] ((لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ)) لَيْسَ ,هو، مَصْرُوفًا هذا خبر ليس، تقدم أو تأخر؟ تأخر، نحن نستدل بهذه الآية على تقدم الخبر على ليس، وهنا تأخر قالوا: ((يَوْمَ يَأْتِيهِمْ)) يَوْمَ هذا منصوب على ماذا؟ على الظرفية، والعامل فيه مصروفاً وهو الخبر، فتقدم على ليس، وتقدُّم معمول الخبر على الفعل يؤذن بجواز تقدم الفعل نفسه؛ لأنه لو لم يكن جائز أن يتقدم مصروفاً ما جاز أن يتقدم معموله؛ لأن المعنى واحد ارتباط العامل بالمعمول شيء واحد، والمعمول مكمل للعامل، والعامل لا يكمل إلا بمعموله، فإذا تقدم المعمول وهو فرع له وأثره، ومعناه موجود فيه، حينئذٍ يؤذن بجواز تقدم الخبر نفسه، وهذا واضح واستدلال جيد.

стр. 616

أجيب من جهة المانعين بأن يوم هذا ظرف، وأن القاعدة أنهم يتوسعون في الظروف والمجرورات ما لا يتوسعون في غيره، حينئذٍ ألحق بالقاعدة العامة وهو: أن الظروف والمجرورات هذه يتوسع فيها، يتوسع فيها بماذا؟ يعني يتساهل فيها، لا نأتي نطبق الأحكام بالمنع والإيجاب إلى آخره على الظرف والجار؛ لأنه ضعيف، الضعيف لا نقوى عليه إنما نقوى على القوي، فنقول الضعيف هذا لا يعتبر حجة في إثبات الأحكام. إذاً ((أَلا يَوْمَ)) يَوْمَ نقول هذا معمول مَصْرُوفًا وهو خبر ليس فتقدم على ليس، دل عند الجمهور على جواز تقدم الخبر، أجيب -هذا الاستدلال- بأن يوم ظرف، ويتوسع في الظرف والمجرورات ما لا يتوسع في غيرها. وَمَنْعُ سَبْقِ خَبَرٍ لَيْسَ اصْطُفِي: (وَمَنْعُ سَبْقِ) مبتدأ هذا منع، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله والفاعل محذوف، وسبق هذا مصدر مضاف إلى فاعله وهو خبر، و (لَيْسَ) ما إعرابه؟ قصد لفظه وهو مفعول اصْطُفِي هذه الجملة خبر. إذاً: يمنع تقدم خبر ليس عليها، اختلف النحويون في جواز تقديم خبر ليس عليها، وذهب الكوفيون والمبرد والزجاج وابن السراج وأكثر المتأخرين ومنهم المصنف إلى المنع؛ لعدم السماع، ولأنه فعل غير متصرف قياساً على نعم وبئس ونحوها .. وذهب أبو علي الفارسي وابن برهان إلى الجواز فتقول: قائماً ليس زيد، واختلف النقل عن سيبويه، فنسب قوم إليه الجواز وقوم المنع، له قولان، ولم يرد من لسان العرب تقدم خبرها عليها، وإنما ورد من لسانهم ما ظاهره تقدم معمول خبرها عليها كقوله تعالى: ((أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ)) إلى آخره. وبهذا استدل من أجاز تقديم خبره عليها وتقريره أن يوم يأتيهم معمول الخبر، الذي هو مصروفاً، وقد تقدم على ليس. قال: ولا يتقدم المعمول إلا حيث يتقدم العامل، والجواب ما ذكرناه. ثم قال: وَذُو تَمَامٍ، ونقف على هذا، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ... !!!

стр. 617

عناصر الدرس * أقسام (كان) ـ وأخواتها من حيث التمام والنقصان ومعناهما * هل يلي معمول الخبر العامل؟ * تختص كان دون أخواتها بأربعة امور * زيادتها _خذفها_حذف نون مضارعها. * مسائل مهمة وفوائد. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصالة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: ................................. ... وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي فَتِىءَ لَيْسَ زَالَ دَائِمَاً قُفِي وَمَا سِوَاهُ نَاقِصٌ والنَّقْصُ فِي أشار بهذا البيت إلى أن هذه الأفعال النواسخ تنقسم إلى قسمين: منها ما هو تام، ومنها ما هو ناقص. وبعضها يأتي ناقصاً فحسب ولا يأتي تاماً يعني يلازم النقص، وبعضه قد يكون تارة ناقصاً ويكون تارة تاماً. وَذُو تَمَامٍ: ..... عرفنا أن منها ما هو تام ومنها ما هو ناقص. ما هو التام وما هو الناقص؟ هذا فيه خلاف بين النحاة، والأصح أن التام ما اكتفى بمرفوعه، يعني: عن طلب المنصوب. والناقص: هو ما لا يكتفي بمرفوعه فيحتاج ويفتقر إلى المنصوب، فحينئذ (كان) نفسها إذا افتقرت إلى المنصوب رفعت الاسم ونصبت الخبر قلنا: هذه ناقصة. وإذا لم تنصب الخبر وإنما اكتفت برفع الفاعل حينئذ نقول: هذه تامة. وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي وَذُو تَمَامٍ: يعني من أفعال هذا الباب أي: التام منها. مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي: مَا .. اسم موصول بمعنى الذي. يَكْتَفِي: هذا صلتها. بِرَفْعٍ: هذا جار ومجرور متعلق بـ يكتفي، والمراد به: مرفوع، فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول. إذاً: ما اكتفى بمرفوعه هو الذي يعبر عنه بأنه ذو التمام. وَذُو تَمَامٍ: أي من أفعال هذا الباب أي: التام منها. مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي: أي: الذي يكتفي برفع، أي: يستغني بمرفوعه عن منصوبه، وحينئذ هذا المرفوع لا نقول: اسم (كان) واسم (أصبح) لا، نقول: فاعل، مثل: قام زيد، ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ)) [البقرة:٢٨٠] نقول: كَانَ: فعل ماض تام ولا نقول ناقص. وذُو عُسْرَةٍ: فاعل، مثل: قام زيد. إذاً: خرجت عن كونها ناقصاً تدخل على المبتدأ والخبر وترفع فاعلاً صريحاً، إن كان ذو عسرة ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ نقول: هذه تامة ترفع الفاعل الصريح، نعربه فاعلاً مثلما نعرب زيد من قولك: قام زيد، قام: فعل ماض، وزيد: فاعل. ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ)) [البقرة:٢٨٠] كَانَ: فعل ماض تام. وذُو عُسْرَةٍ: هذا فاعل، ليس عندنا خبر وليس عندنا (اسم كان) ولا غيرها. وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ: يعني ما بمرفوع يكتفي، أي: يستغني بمرفوعه عن منصوبه، وهذا المرفوع فاعل صريح. وَمَا سِوَاهُ: والذي سواه، أي: سوى المكتفي بمرفوعه. وَمَا سِوَاهُ: الضمير يعود على المكتفي بمرفوعه. وَمَا سِوَاهُ: أي: سوى المكتفي بمرفوعه نَاقِصٌ، لافتقاره إلى المنصوب، نَاقِصٌ لماذا؟ لافتقاره إلى المنصوب. إذاً: عرف لنا التام والناقص، في هاتين الجملتين عرف لنا التام ما هو، قال: ما برفع يكتفي. وَمَا سِوَاهُ: وما سوى المكتفي بمرفوعه نَاقِصٌ، يعني: الذي يفتقر إلى المنصوب، هذا عرف لنا على جهة العموم. ثم قال: ....... وَالنَّقْصُ فِي ... فَتِىءَ لَيْسَ زَالَ دَائِمَاً قُفِي

стр. 618

دَائِماً قُفِي: تُبع، حينئذ بهذا التعبير الذي هو حصر لنا أن منها ما هو ناقص أبداً ولا يكون تاماً، فما عداه يكون ناقصاً وتاماً، أثبت لنا النقص -ما لا يخرج عن النقص- وما عداه حينئذ ما لم يذكره من النواسخ نقول: هذا يكون تارة تاماً ويكون تارة ناقصاً. والنَّقْصُ: النَّقْصُ هذه (أل) للعهد الذكري؛ لأنه قال: وَمَا سِوَاهُ نَاقِصٌ. ((إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)) [المزمل:١٦] مثلها، أعيدت النكرة معرفة، فهي عين الأولى. إذاً: والنقص السابق المذكور وهو الافتقار إلى المنصوب في فتئ وليس، وزال: هذا ماضي يزال قُفِي: تبع دائماً، فلا تستعمل هذه الثلاثة تامة بحال، لا تكون إلا ناقصة، وما عداها يكون تارة ناقص، وتارة أخرى تاماً، وما سواها يستعمل ناقصاً وتاماً. إذاً: فتئ وليس وزال دائماً قفي، دائماً هذه حال من الضمير المستتر في قفي، تقدم عليه، يعني: قفي دائماً بمعنى أنه مستمر لا ينفك عن النقص بحال من الأحوال. إذاً: كل هذه الأفعال يجوز أن تستعمل تامة إلا فتئ وزال التي مضارعها: يزال، لا التي مضارعها: يزول؛ فإنها تامة. هذه الأفعال نواسخ كلها. قوله: كَكَانَ ظَلَّ بَاتَ .. إلى آخره، نقول: هذه تسمى نواقص. وسبق خلاف: هل تدل على حدث أم لا؟ هل (كان) تدل على حدث؟ هل (أصبح) تدل على حدث أم لا؟ الصحيح قلنا: أنها تدل على حدث، لأنها الأصل في وضع الأفعال أن تكون متضمنة للحدث. ثم الكثير منها سمع له مصادر، وهل المصدر إلا الحدث؟ إذا قيل: (كان) مشتقة من الكون والكون هو عين الحدث مصدر، فحينئذ نقول: (كان) هذه متضمنة للحدث ولا شك، وكذلك الصباح والمساء ونحو ذلك. إذاً: هذه الأفعال تسمى نواقص، قيل: لعدم دلالتها على الحدث بناءً على أنها لا تفيد، وهذا مشهور عند النحاة: أن (كان) الناقصة لماذا سميت ناقصة؟ لأنها لا تدل على حدث، وإنما هي لمجرد الربط -ربط الخبر بالمبتدأ- في الزمن الماضي فحسب، فهي زمانية محضة جردت للزمن، كان زيد قائماً ماذا أفادت؟ أفادت اتصاف زيد بالقيام في الزمن الماضي فقط؛ لأن القيام هو مدلول الجملة، الحدث الموجود في الجملة الآن ما هو؟ هو القيام فحسب. و (كان) ما وظيفتها؟ قالوا: أضافت القيام إلى زيد وقيدته بكونه في الزمن الماضي فحسب، أما (هي) هل تدل على حدث عند الكثيرين؟ لا، الصواب أنها تدل على حدث، ولذلك عند بعضهم سميت ناقصة لكونها لا تدل على حدث؛ لأن الأصل في الفعل أن يكون متضمناً لشيئين: زمن وحدث. هنا الأصل فيها (كان) أن تدل على حدث وزمن، لكن دلت على الزمن، إذاً: نقصت أو لا؟ نقصت أحد جزئي الفعل، قام: يدل على حدث وهو القيام وأنه في زمن مضى. (كان) لا تدل على حدث، وإنما تدل على زمن مضى، إذاً: هي ناقصة. فنقصها لأحد جزئي الفعل الذي يوضع له في أصل لسان العرب سميت ناقصة، وهذا مشهور عند كثير من النحاة والصواب خلافه.

стр. 619

تسمى نواقص؛ قيل: لعدم دلالتها على الحدث، بناءً على انها لا تفيده، لا تدل عليه، والأصح لعدم اكتفائها بالمرفوع. هذا الأصح، إنما سميت نواقص؛ لأنها لا تكتفي بالمرفوع، لعدم اكتفائها بالمرفوع؛ لأن فائدتها لا تتم به فقط بل تفتقر إلى المنصوب. كان زيد هل اكتفت في الدلالة؟ لا، ما اكتفت؛ لأن الأصل في دخول (كان) قلنا: نواسخ تنسخ المبتدأ، حكم المبتدأ والخبر، هذا الأصل، وحينئذ دخلت على ما هو عمدة من حيث المبتدأ ومن حيث الخبر، حينئذ لا يتم معناها إلا بالنصب للخبر، كان زيد هكذا لوحدها نقول: هذا لا يفيد شيئاً الأصل فيه، وحينئذ لا بد من منصوب تتعدى إليه بعد رفعها للمبتدأ على انه اسم لها؛ لأن فائدتها لا تتم به فقط، بل تفتقر إلى المنصوب. ثم منها -من النواسخ-: ما لزم النقص فحسب ولا يتعداه بحال من الأحوال وهو (ليس) باتفاق، وهذا محل وفاق أنها لا تستعمل تامة، وإنما تكون ناقصة، وسيأتي أنه يجوز حذف خبرها عند سيبويه وتبعه ابن مالك رحمه الله تعالى. ليس أحد هنا، ليس أحد هكذا سمعت. ليس أحد هنا، وأما: (ليس أحد) لوحدها نقول: هذا ليست تامة، بل هي ناقصة والخبر محذوف. منها: ما لزم النقص وهو (ليس) باتفاق، و (زال) خلافاً للفارسي، و (فتئ) خلافاً للصاغاني، وحينئذ (زال وفتئ) محل خلاف؛ هل ملازمة للنقص أم لا؟ تأتي تامة أو تأتي ناقصة؟ هذا محل خلاف، والجماهير على أنها لا تأتي تامة بل هي ملازمة للنقص، وهذا الذي رجحه ابن مالك كما قال: .... وَالنَّقْصُ فِي ... فَتِىءَ لَيْسَ زَالَ دَائِماً قُفِي وبقية الأفعال -يعني: عدا (ليس وزال وفتئ) - تستعمل بالوجهين: تارة تأتي تامة فتكتفي بمرفوعها عن طلب منصوبها، وتارة تأتي ناقصة وحينئذ لا بد من منصوب ولا بد من مرفوع، فإن استعملت تامة اكتفت بالمرفوع، فتكون حينئذ (كان) لها معاني مختلفة غير (كان) التي تكون ناقصة؛ لأنها خرجت عن النقص، وحينئذ لا بد من معنىً نستقرأ كلام العرب فنثبت لها معنى، فإذا كانت تامة (كان) حينئذ تأتي بمعنى ثبت، كان الله ولا شيء معه، مثلوا بهذا لدلالتها على ثبت، كان الله يعني: ثبت الله، ولا شيء معه. وتأتي بمعنى: حدث، نحو: إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَأدْفِئُونِي، إذا حدث، ووجد مثلها. وحضر؛ نحو: ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ)) [البقرة:٢٨٠]. وتأتي بمعنى: وقع، نحو: ما شاء الله كان، يعني: ما شاءه الله وقع، وحينئذ (كان) بمعنى وقع. وكفل وغزل، يعني: تأتي بمعنى كفل، يقال: كنت الصبي كفلت الصبي، كنت الصبي، هذا توري به، كنت الصبي، يعني: كفلت الصبي. وكنت الصوف، يعني: غزلته. وأصبح وأضحى وأمسى بمعنى: دخل في الصباح والضحى والمساء. وظل بمعنى: دام أو طال أو أقام نهاراً. وبات بمعنى: أقام ليلاً أو نزل بالقوم ليلاً. وصار: تأتي بمعنى رجع؛ ((أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ)) [الشورى:٥٣] يعني: ترجع الأمور. وضم وقطع: ((فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ)) [البقرة:٢٦٠] فصرهن بمعنى: قطع، وضم. ودام بمعنى: بقي. وانفك بمعنى: خلص أو انفصل، نحو: انفك الأسير أو الخاتم.

стр. 620

وبرح بمعنى: ذهب أو ظهر. واختلف في (كان) الشانية؛ هل هي ناقصة، أم تامة، أم أنها قِسم برأسها؟ فالجمهور على أنها ناقصة، وقيل: من أقسام التامة، وقيل: قسم برأسها. الصحيح أنها من أقسام الناقصة. إذاً: (كان) تأتي تامة وتأتي ناقصة إذا جاءت تامة حينئذ تكتفي بمرفوعها عن منصوبها. ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة] إن وجد إن ثبت لا بأس، تتناوب. وقوله تعالى: ((خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ)) [هود:١٠٧] يعني: ما بقيت السَّمَوَاتُ، هنا (دام) تامة، فحينئذ تكتفي بمرفوعها. ((مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ)) [هود:١٠٧] يعني: ما بقيت. ((فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ)) [الروم:١٧] تمسون أي: تدخلون في المساء، وتصبحون يعني: تدخلون في الصباح. وهذا هو معنى التمام. إذاً: وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي وَمَا سِوَاهُ نَاقِصٌ ما سوى الذي لا يكتفي بمرفوعه، بل لا بد أن يفتقر إلى منصوب فينصبه، وحينئذ نقول: هذا ناقص. ثم الأفعال قسمان: منها ما هو لازم للنقص، وهو الذي حصره في الشطر الآتي: والنقص في فتئ وليس وزال على إسقاط حرف العطف. دَائِماً قُفِي: يعني تُبع دائماً. وما عداه حينئذ يأتي بالوجهين: تارة يكون تاماً، وتارة يكون ناقصاً. أشار إلى أن التمام: الاكتفاء بالمرفوع، والنقصان: الافتقار إلى المنصوب. وتسمية هذه الأفعال ناقصة لنقصانها عن بقية الأفعال بالافتقار إلى شيئين، وقيل: لنقصانها عنها بتجردها عن الحدث، أي: من الحدث المقيد؛ لأن الدال عليه هو الخبر، أما هي فتدل على حدث مطلق يقيده الخبر حتى (ليس) وحدثها الانتفاء، (ليس) الجمهور على أنها ليس لا حدث، وإنما هي لنفي الحال فقط، للنفي هل لها حدث؟ ليس لها حدث، وذهب الرضي إلى أن لها حدث وهو الانتفاء، وحينئذ الانتفاء هذا مصدر انتفى ينتفي انتفاءً، حدثها هو الانتفاء، ورده عليهم كثير، لماذا؟ لأنها وإن كانت فعلاً إلا أنها من جهة أصل الوضع دلت على حدث، لكن باستعمالها لنفي الحال جردت عن الحدث، وهذا موافق لما ذكروه في تعريف الفعل. وحدثها الانتفاء، فإذا قلت: كان زيد قائماً أو ليس زيد قائماً فكأنك قلت في الأول: حصل شيء لزيد حصل القيام، حصل شيء لزيد هذا عام، حصل القيام، وفي الثاني انتفى شيء عن زيد، انتفى القيام، فيكون في الكلام إجمال ثم تفصيل، وعليه؛ فتعمل في الظروف، وقيل: لا تدل على الحدث أصلاً بل هي لنسبة الحدث الدال عليه خبرها إلى مرفوعه وزمانه. وهذا خلاصة ما ذكره الرضي لأنه خالف الجمهور في هذه المسألة بأن (ليس) لها حدث وهو الانتفاء. وكثير من النحاة يرون أنها ليست دالة على حدث. ثم قال رحمه الله تعالى: وَلاَ يَلِي الْعَامِلَ مَعْمُولُ الْخَبَرْ ... إِلاَّ إِذَا ظَرْفاً أَتَى أَوْ حَرْفَ جَرْ

стр. 621

(كان) تدخل على جملة المبتدأ والخبر، فترفع المبتدأ على أنه اسم لها، وتنصب الخبر على أنه خبر لها، وحينئذ هي عملت في الاسم وعملت في الخبر. يرد السؤال هنا: هل (كان) باعتبار الاسم وباعتبار الخبر؛ هل هما أجنبيان أم لا؟ الأجنبي عندهم: الذي لا علاقة له بالعامل، هذا الأجنبي. هل لها علاقة أو لا؟ قطعاً واضح، نقول: (اسم كان) إذاً عملت فيه الرفع، إذاً ليس بأجنبي عنها، (اسم كان) ليس بأجنبي عنها، وخبرها كذلك ليس أجنبياً عنها؛ لأنها عملت في الاسم فصار بينهم علاقة، وعملت في الخبر فصار بينهما علاقة، فحينئذ: إذا كان الخبر عاملاً في غيره: كان زيد ضارباً عمْراً، عمْراً هذا إعرابه مفعول به، لضارباً، ضارباً هذا إعرابه خبر (كان). إذاً: كان زيد ضارباً عمْراً، عمْراً هذا معمول الخبر، عرفنا أن الخبر نفسه ليس بأجنبي عن (كان)، لكن معمول الخبر هل هو أجنبي عن (كان) أم لا؟ هذا محل نزاع وهو الذي أراده الناظم بهذا البيت. معمول الخبر إذا نصب الخبر أو رفعه أو تعلق به ظرف أو جار ومجرور حينئذ ما علاقة هذا المعمول بالعامل - (كان) الأصلي-؟ هل هو أجنبي أم لا؟ إن قلت: أجنبياً؛ حينئذ لا يجوز أن يلي هذا المعمول (كان)؛ لأنك فصلت بين العامل الأصلي (كان) وبين معموليه، وإذا قلت: لا، ليس بأجنبي بل هو معمول لأن عامله معمول لـ (كان) حينئذ جاز أن يلي (كان) معمول الخبر، هذا محل النزاع، البصريون –جماهيرهم- على أنه يمنع أن يلي (كان) معمول الخبر، لماذا؟ لأنه أجنبي، والكوفيون على الجواز لأنه ليس بأجنبي، لأنه يعتبر كالجد، (كان) جد بالنسبة لعمْراً، وحينئذ إذا فصل بين (كان) ومعموليها بمعمول الخبر حينئذ ليس فيه مخالفة للأصل؛ لأن ألا يفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، وهذا متفق عليه لا إشكال فيه، في الجملة متفق عليه، وإنما الخلاف: هل هذه الصورة داخلة تحت هذا الأصل أم لا؟ البصريون على دخولها، وحينئذ يمنع أن يلي العامل معمول الخبر، والكوفيون على الجواز؛ لأنه ليس بأجنبي فحينئذ لا بأس أن يلي العامل معمول الخبر. هذا هو محل النزاع. إذاً: وَلا يَلِي الْعَامِلَ، ما مقصوده بالعامل هنا؟ (كان وأخواتها). لا يَلِي الْعَامِلَ مَعْمُولُ الْخَبَرْ: معمول الخبر من مفعول أو حال أو ظرف أو جار ومجرور، كل ما تعلق بالخبر، فحينئذ: هل يجوز معمول الخبر أن يلي (كان وأخواتها)؟ هذا محل النزاع. المصنف هنا اختار ماذا؟ قال: وَلا يَلِي نفي بمعنى النهي، لا يَلِي الْعَامِلَ: الذي هو (كان وأخواتها) مَعْمُولُ الْخَبَرْ: لا يليه لأنه أجنبي عنه، فحينئذ يكون قد فصل بين العامل ومعموليه، وهذا باطل مخالف لأصله. وَلا يَلِي الْعَامِلَ: الْعَامِلَ هذا مفعول به.

стр. 622

ومَعْمُولُ الْخَبَرْ: هذا فاعل يلي. ولا يلي معمول الخبر العامل، سواء كان مفعولاً أو حالاً أو غيرهما، مطلقاً عند جمهور البصريين، يعني: سواء تقدم الخبر على الاسم أم لم يتقدم؛ لأن هذا يدخل تحته صورتان: إما أن يتقدم معمول الخبر على الاسم فقط، وإما أن يتقدم الخبر ومعمول الخبر على الاسم أيضاً مع كون المعمول تالياً لـ (كان)، وتحته صورتان: البصريون مطلقاً على المنع، سواء تقدم الخبر على الاسم، نحو: كان طعامَك آكلاً زيد، كان زيد آكلاً طعامَك، هذا التركيب الأصل فيه: كان زيد آكلاً طعامك، آكلاً: هذا خبر كان، والفاعل هو، وطعامك: هذا مفعول به. هل يجوز أن يقال: كان طعامك زيد آكلاً؟ لا. كان طعامك آكلاً زيد؟ لا، مطلقاً، فتحته صورتان: أن يتقدم الخبر على الاسم، فيقال: كان طعامك آكلاً زيد، زيد هذا متأخر وهو اسم (كان)، وآكلاً: هذا خبرها، تقدم على الاسم، وتقدم معمول آكلاً معمول الخبر على الخبر فتلا (كان)، هذا ممتنع عند البصريين. أم لم يتقدم، نحو: كان طعامك زيد آكلاً، آكلاً هذا في محله، وزيد في محله لم يتقدم الخبر على الاسم، وإنما تقدم معمول العامل على الاسم فتلا العامل. إذاً: هذا ممنوع مطلقاً، لماذا؟ للفصل بين العامل ومعموليه بأجنبي. وأجازه الكوفيون مطلقاً؛ لأنه سيأتي استشهادهم بقوله: بِمَا كان إيَّاهُمْ عَطِيَّةُ عَوَّدَا وخُرِّجَ على زيادة (كان) أو ضمير الشأن، كما سيأتي. استثنى الناظم صورة واحدة وهي: إذا كان معمول الخبر ظرفاً أو حرف جر، حينئذ يجوز؛ لأنهم يتوسعون في الظروف والمجرورات ما لا يتوسعون في غيرهما، فيستثنى هذا لما ذكرناه من الأصل. إلاَّ إذَا ظَرْفاً أَتَى: إلا إذا أتى معمول الخبر حال كونه ظرفاً كعند، أو حرف جر مع مجروره، إذا جاء معمول الخبر ظرفاً أو حرف جر ليس لوحده بل مع مجروره لأنه يستلزمه؛ حينئذ يلي العامل اتفاقاً، وهذا لا إشكال فيه؛ لأن الكوفيين يجيزون ما هو أشد من هذا وهو: كان طعامك زيد آكلاً، إذا أجازه الكوفيون طعامك وهو اسم أجنبي واضح بين ولا يتوسع فيه فجوازهم للمجرورات والظروف من باب أولى وأحرى، فهو محل وفاق بين البصريين والكوفيين، فالاستدلال حينئذ ليس لإثبات الكوفيين، لأنهم يثبتونه مطلقاً، الجواز عندهم مطلقاً؛ لأن معمول الخبر ليس أجنبياً عن العامل الأصلي وهو كان، فحينئذ جوازه هنا باتفاق، أن يكون معمول الخبر ظرفاً أو حرف جر. للتوسع في الظروف والمجرورات: كان عندك زيد جالساً، زيد: اسم كان، وجالساً: خبرها، وعندك: هذا ظرف متعلق بجالس، هو معمول له، لأن (عند) منصوب على الظرفية. وَعِندَ فِيهَا النَّصبُ يَستَمِرُّ ... لَكنَّهَا بِمِنْ فَقَطْ تُجَرُّ وحينئذٍ؛ تلى (عِندَ) العامل وهو معمول لخبر (كان)، هذا جائز باتفاق، لماذا؟ لأنه ظرف. كان في الدار زيد جالساً، جالساً في الدار، تقدم المعمول وهو جار ومجرور، هذا جائز؛ لأنه جار ومجرور، وهم يتوسعون في الجار والمجرور أكثر من توسعهم في غيره. إذاً: وَلا يَلِي الْعَامِلَ مَعْمُولُ الْخَبَرْ إلاَّ .. استثنى مسألة واحدة: وهي إذا كان معمول الخبر ظرفاً أو حرف جر.

стр. 623

قال: ويخرج من كلامه أنه إذا تقدم الخبر والمعمول على الاسم وقدم الخبر على المعمول جازت المسألة. لو قال: كان آكلاً طعامك زيد، يجوز؟ هذا مثل: ((وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)) [الروم:٤٧] فيجوز لتقدم الخبر على الاسم، وهنا لم يتلُ معمول الخبر العامل، وإنما الذي تلاه هو الخبر وليس بأجنبي. إذاً: يخرج من كلامه إذا تقدم الخبر والمعمول على الاسم. وقدم الخبر على المعمول جازت المسألة؛ لأنه لم يلي (كان) معمول خبرها، فتقول: كان آكلاً طعامك زيد، ولا يمنعه البصريون، وهذا واضح بين لعدم وجود الأجنبي الذي يلي (كان). وَمُضْمَرَ الشَّانِ اسْماً انْوِ إِنْ وَقَعْ ... مُوهِمُ مَا اسْتَبَانَ أَنَّهُ امْتَنَعْ نحن قعدنا قاعدة: أن معمول الخبر لا يلي (كان)، إذا سمع في لسان العرب ما ظاهره أن معمول الخبر تلا (كان) ماذا نصنع؟ لا بد من التأويل، وهذه طريقة البصريين، لا بد من التأويل. من التأويل الصحيح عندهم: أنه يجعل اسم (كان) ضمير الشأن محذوف واجب الحذف، والجملة التي تليه مبتدأ وخبر في محل نصب خبر (كان)، وحينئذ لم يلي كان معمول الخبر، فصلوا بين كان والجملة التي تليها بالاسم المحذوف وهو مضمر الشأن. قال: وَمُضْمَرَ الشَّانِ: هذا مفعول مقدم لـ: انْوِ، وهو من إضافة الدال إلى المدلول. َمُضْمَرَ الشَّانِ: هذا الضمير التفسيري يسمى، المفسر، وبعضهم يسميه ضمير القصة، وهو يرجع إلى جملة بعده كما ذكرناه، يرجع إلى جملة، يعني: لا بد أن يفسر بجملة، ومرجعه يكون متأخراً، وأبرز وأوضح مثال: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) [الإخلاص:١] هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، " هُوَ": هذا مبتدأ، هذا ضمير الشأن. اللَّهُ أَحَدٌ: مرجع الضمير الجملة هي التي فسرها، لو قال: " هُوَ" هو، على أي شيء يرجع هذا؟ ليس له مفسر، لو قال هكذا لوحده: " هُوَ"، وهو قول الصوفية وغيرهم، نقول: هذا ليس له مرجع، ليس بكلام، هذه خرافة؛ لأن " هُوَ" لا بد من مرجع ضمير مفسر، هذا بإجماع النحاة. الأصل في الضمير أن يكون مرجعه سابقاً عليه، وهنا في ضمير الشأن يكون مرجعه متأخراً ثم يكون جملة ولا يكون مفرداً، زيد ضربته مرجع الضمير زيد وهو مفرد، لكن هنا: ((هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) [الإخلاص:١] اللَّهُ: مبتدأ، وأَحَدٌ: خبر، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وحينئذ نقول: مرجع الضمير الجملة، والجملة مفسرة للضمير. وَمُضْمَرَ الشَّانِ اسْماً انْوِ: انْوِ مُضْمَرَ الشَّانِ اسْماً، اسماً لماذا؟ لـ (كان). انو مضمر الشأن، ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ انْوِ، فهو ليس مذكوراً، وإنما يقدر وينوى، فحينئذ: انو مضمر الشأن حالة كونه اسماً، اسماً لماذا؟ لأي شيء؟ لـ (كان) من أجل فك الجملة عما بعدها، ولأجل ألا يلي معمول الخبر (كان) فنأتي باسم محذوف هو ضمير الشأن، انو في العامل مضمر الشأن اسماً حال من مضمر، أي: حالة كونه محكوماً باسميته لـ (كان) فيفيد أن (كان) لشأنية، هذه تسمى (كان) الشأنية، (كان) على أنحاء، (كان) الناقصة و (كان) التامة و (كان) الشانية و (كان) الزائدة، أربعة أنواع، مر معنا ثلاث، هذه الثالثة، وبقي (كان) الزائدة: وَقَدْ تُزَادُ كَانَ فِي حَشْوٍ

стр. 624

أربعة أنواع: (كان) الناقصة، و (كان) التامة وأشار إليها بقوله: وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ وهذه (كان) الشانية والصحيح أنها نوع من الناقصة، وهي يلجأ إليها عند تقدير الاسم ضمير الشأن. كان الناس صنفان، وإلا الناس صنفان، بعضهم رأى أنه قد ترفع (كان) الجزأين: الاسم، وهذا لا إشكال فيه، والخبر، صنفان والأصل نقول: صنفين، وحينئذ تخريجاً لهذا الفرع المخالف للأصل المتفق عليه لا بد من التأويل. كَانَهُ أو كان هوَ الناس صنفان، كان هو الحال والشأن الناس صنفان، هنا مثله، .. لـ (كان) فيفيدنا أن (كان) الشانية ناقصة وهو الأصح؛ لأنه لم يثبت في كلامهم ضمير الشأن إلا مبتدأ في الحال أو في الأصل، في الأصل قبل دخول (كان) هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، أو في الحال وهو: كَانَهُ، الذي معنا. كَانَهُ، نحو: ((هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) [الإخلاص:١] وقيل: تامة فاعله الضمير والجملة مفسرة له، وقيل: واسطة. انو مضمر الشان اسماً، يعني: انو في العامل مضمر الشان حال كونه اسماً لـ (كان). إِنْ وَقَعْ: شيء من كلامهم وثبت مُوهِمُ: جواز مَا اسْتَبَانَ وظهر لك أَنَّهُ امْتَنَعْ، وهو أنه لا يلي العامل معمول الخبر، إن جاء في لسان العرب ما ظاهره أنه قد ولي العامل معمول الخبر حينئذ وجب التأويل، وصورة هذا التأويل ماذا؟ أن ننوي اسم (كان) محذوفاً وهو ضمير الشأن. قال الشاعر: قَنَافِذُ هَدَّاجُون حَوْلَ بُيوتِهِم ... بِمَا كَان إيَّاهُمْ عَطِيَّةُ عَوَّدَا الكوفيون استدلوا بهذا على أنه لا يمتنع، أن يلي (كان) معمول الخبر، لماذا؟ لأن عطية اسم (كان)، وعَوَّدَا: هذا فعل ماضي، والجملة في محل رفع خبر (كان). إيَّاهُمْ عودهم، هذا الأصل، عطية عودهم، عودهم: الهاء هذا مفعول به لعود، فهو معمول للخبر، انفصل فتقدم على الاسم فصار: كان إيَّاهُمْ عَطِيَّةُ عَوَّدَا، هل يصح الاستدلال بهذا؟ قالوا: لا؛ لأن الأصل مطرد وحينئذ لا بد من التأويل، فننوي ضمير الشأن محذوفاً هنا، كان هو عطية عودا، إياهم بعد أن نوينا ضمير الشأن كَانَهُ إياهم كان هو إياهم، اتصل أو انفصل لا إشكال، كَانَهُ كان هو إياهم، إذاً: إيَّاهُمْ لم يلي (كان)، لماذا؟ لأن الذي تلا (كان) هو الاسم المحذوف، والمحذوف لعلة كالثابت، وحينئذ يراعى حذفه كما أنه ثابت في الكلام، فحينئذ لم يلي العامل معمول الخبر، ولكن الكوفيون لهم تأويل ولهم إشكالات أخرى في هذا، فهذا ظاهره ماذا؟ أنه مثل: كان طعامك زيد آكلاً، تأخر الخبر وتقدم معموله على الاسم. كان طعامك زيد آكلاً، مثله، قلنا: هنا تقدم معمول الخبر ولم يتقدم الخبر نفسه على اسم كان، هذا مثله: كان إياهم عطية عوداً. إذاً: لا بد من التأويل، وهذا الوجه المشهور أنه ضمير الشأن. ويحتمل أن (كان) زائدة. بِمَا كَان إِيَّاهُمْ عَطِيَّةُ عَوَّدَا إذا خرجناها على أنها زائدة حينئذ خرجت المسألة من باب (كان)، بما بالذي عطية عودهم، وحينئذ صارت الجملة مبتدأ وخبر لا محل لها من الإعراب صلة الموصول. ومثله: فأَصْبَحُوا والنَّوَى عَالِي مُعَرَّسِهِم ... ولَيْسَ كُلَّ النَّوى تُلْقِي المسَاكينُ

стр. 625

تُلْقِي: هذا الفعل هو خبر (كان). المساكينُ: فاعله. وكُلَّ النَّوى نقول: هذا معمول الخبر، حينئذ نقدر: ليس هو كل النوى تلقي المساكين. الكوفيون إعرابهم مساكين هذا اسم (كان). وكُلَّ النَّوى: هذا معمول تلقي، وتلقي: هو الخبر، على هذا يكون تلا العامل معمول الخبر، إذا جعلنا كل النوى: هذا منصوب، هذا معمول لتلقي، وتلقي هو الخبر، أليس كذلك؟ المساكين هذا اسم كان متأخر، يكون مثل كان طعامك آكلاً زيد، هذا مثله إذا قدمت الخبر على الاسم، والصواب: أن ضمير الشأن هنا محذوف، وكُلَّ النَّوى: هذا منصوب بتلقي، والمساكينُ هذا فاعل تلقي، ليس اسم (كان) بل هو فاعل على الصحيح. ثم قال رحمه الله تعالى: وَقَدْ تُزَادُ كَانَ فِي حَشْوٍ كَمَا ... كَانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا هذه (كَانَ) الزائدة. وَقَدْ تُزَادُ وَقَدْ: للتقليل هنا؛ لأن الزيادة أقل من الأصالة. وَقَدْ تُزَادُ: قد للتقليل. تُزَادُ: هذا فعل مضارع مغير الصيغة، وكَانَ: نائب فاعل قصد لفظه. قَدْ تُزَادُ كَانَ: إذا زيدت (كَانَ) حينئذ هل لها عمل؟ هل تعمل؟ نقول: لا، ليس لها عمل البتة، لا ترفع ولا تنصب، لماذا؟ لأن الشيء الزائد إنما يزاد من جهة اللفظ فحسب، وأما المعنى الذي وضع له في لسان العرب فليس مراداً، فحينئذ يقال: التركيب هنا: زيد فيه كلمة، فنقول: هذا المراد به التأكيد وليس المراد به المعنى الذي وضع له في لسان العرب، فحينئذ (كان) إذا لم يكن المراد بها المعنى الأصلي الذي وضع له في لسان العرب حينئذ لا تعمل، لا ترفع ولا تنصب. إذاً: ما الفائدة من ذكرها؟ نقول: تفيد التأكيد، تأكيد التركيب. وَقَدْ تُزَادُ: إذاً تزاد ولا تعمل شيئاً أصلاً، وهو مذهب الجمهور. تزاد لا بقيد التمام أو النقصان، هل نقول: تامة أو ناقصة إذا زيدت؟ لا هذه ولا تلك؛ لأننا نقول: قسمة ثلاثية أو رباعية، تامة، ناقصة، زائدة، إذا كانت زائدة إذاً لا بقيد كونها تامة ولا بقيد كونها ناقصة؛ لأنها مباينة للقسمين، تامة لا بد لها من مرفوع، وناقصة لا بد لها من منصوب، وهذه لا ترفع ولا تنصب إلا على بيت سيأتي معنا. وَقَدْ تُزَادُ كَانَ: هنا ذكر (كَانَ) بلفظ الماضي فحينئذ يلتزم منها -من هذه الأفعال النواسخ التي تزاد- (كان) فحسب، ما عداها فهو شاذ، يعني: لا تزاد (أصبح وأمسى) نقول: هذا شاذ، ولذلك شذ قولهم: ما أصبحَ أبْرَدَها، هذا زائد، نقول: (أصبح) زائد، لكنه شاذ ليس كـ (كان). وشذ كذلك: وما أمسى أدْفأها، ما أبردها وما أدفاها، ما أصبح أبردها وما أمسى أدفاها، نقول: هذا شاذ؛ لأن التخصيص هنا بـ (كان) فحسب، (كان) بصيغة الماضي، فإن زيدت بصيغة المضارع فهو شاذ كذلك. أنت تكون ماجد نبيل، أنت: مبتدأ، وماجد: خبر، زيدت (كان) بين المبتدأ والخبر زيادتها بين المبتدأ والخبر سماعية هذه، وكونها بلفظ المضارع نقول: هذا شاذ؛ لأن الذي هو أصل للقياس زيادتها بلفظ الماضي، لأن هذا خروج عن الأصل، وما خرج عن الأصل حينئذ لا يقاس عليه غيره البتة، فإن قيس فيكون من باب؟؟؟ فإن سمع قليلاً نادراً قلنا: هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.

стр. 626

إذاً: تزاد كان بلفظ الماضي، ولا تكون بقيد التمام ولا النقصان؛ لأنها مباينة لهما ثم لا تعمل شيئاً. أين تزاد؟ فسره وبين محله وقال: فِي حَشْوٍ: في حشو جار ومجرور متعلق بقوله: تزاد، هذا بيان، تزاد هذا فيه إبهام، ولذلك المتعلقات دائماً تخصص العوامل. تُزَادُ كَانَ: أين تزاد؟ هذا محتمل في الأول، في الأثناء، في الأخير. قال: فِي حَشْوٍ: يعني في أثناء الكلام لا في أوله ولا في آخره. إذاً: نأخذ أن (كان) إذا جاءت في أول الكلام لا تكون زائدة، وإذا جاءت في آخر الكلام خاتمته لا تكون زائدة، وإنما يحتمل زيادتها إذا كانت في أثناء الكلام. فِي حَشْوٍ: أي: في أثناء الكلام، فلا تزاد في الأول؛ لأن الأول محل الاعتناء، ولا في الآخر الذي هو الأطراف؛ لأنه محط الفائدة. .. فِي حَشْوٍ كَمَا ... كَانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا فسر بعضهم الحَشْوٍ بأنه بين شيئين متلازمين، ليس جاراً ومجروراً، بين شيئين متلازمين، يعني: كل منهما يطلب الآخر كالمبتدأ والخبر، والفعل وفاعله، والصفة والموصوف، والجار مع المجرور، هذه كلها متلازمة، شيئان متلازمان، كل منهما إذا وجد وجد الثاني. ضابط زيادة (كان) إنما تكون في حشو، وهذا الحشو يكون بين متلازمين مبتدأ وخبر، زيد كان قائمٌ، مررت بزيد قائمٍ، بزيد كان قائمٍ، زادت بين متلازمين. ؟؟؟ يقول: وذكر ابن عصفور أنها تزاد بين الشيئين المتلازمين كالمبتدأ وخبره، زيد كان قائمٌ، زيد: مبتدأ، وقائم: خبر، وكان: هذه زائدة. أين اسمها وخبرها؟ ليس لها اسم ولا خبر. والفعل ومرفوعه، نحو: لم يوجد كان مثلك، لم يوجد مثلك، يوجد مثلك هذا الأصل، قام كان زيد؛ لم يوجد كان مثلك، هذا من باب التأكيد، فمثلك فاعل يوجد، و (كان) هذه زائدة وهي زيدت بلفظ الماضي وليس لها معنىً إلا التأكيد. والصلة والموصول: جاء الذي كان أكرمته، الذي أكرمته، هذان متلازمان، أليس كذلك؟ وحينئذ الذي كان أكرمته نقول: زيدت (كان) بين متلازمين وهما الصلة والموصول. والصفة والموصوف: مررت برجلٍ كان قائم، برجلٍ بالتنوين، برجلٍ كان قائمٍ، برجل: هذا موصوف، وقائم: صفته، و (كان) فاصلة أو زائدة بينهما. وهذا يفهم أيضاً من إطلاق قول المصنف: وَقَدْ تُزَادُ كَانَ فِي حَشْوٍ بل هو أعم، لم يقيده بمتلازمين، بل ما كان في أثناء الكلام فحسب، قد يكون بين متلازمين وقد لا يكون، هذا ظاهر كلام المصنف، لكن بالمثال قد يقال: إنه أراد نوعاً معيناً وهو ما يقاس عليه، وهو (ما) التعجبية وفعلها، ما كان أصح، (ما): هذه تعجبية مبتدأ، أصح: هذا فعل التعجب مثل: ما أحسن زيداً، تزاد قياساً بين (ما) التعجبية وفعلها، ما أحسن زيداً؛ ما كان أحسن زيداً، وما عداه فهو سماعي. ما كَانَ أصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا: الألف هذه للإطلاق يتعجب من علم المتقدمين. إذاً: وإنما تنقاس زيادتها بين (ما) وفعل التعجب، كَانَ أصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا، ولا تزاد في غيره إلا سماعاً. إذاً: قوله: فِي حَشْوٍ: إن أراد به القياس فحينئذ مقيد بالمثال الذي ذكره، إن كان أراد به ما هو سماعي وقياسي حينئذ يكون المثال ذكر بعض الأفراد فحسب، وما عداه فهو مرجع أو مرده إلى الموقف.

стр. 627

وقد سمع زيادتها بين الفعل ومرفوعه، هذا سماعي. والأمثلة التي ذكرها الشارح أمثلة مولدة، يعني ليست مسموعة. سمع زيادتها بين الفعل ومرفوعه: وَلَدتْ فاطمةُ - بنتُ الخُرْشُبِ الأَنْمَارِيَّةُ الكَمَلةَ من بني عَبْس، لم يُوجَدْ (كانَ) أَفْضَلَ مِنْهُم. لم يوجد كان أفضل منهم، أفضل: هذا فاعل ليوجد، يوجدْ أوجد يوجد ليس نائب فاعل، ولذلك قال: بين الفعل ومرفوعه. يوجدْ جزم بلم، وأفضل: هذا فاعل يوجد، و (كان) هذه فاصلة زائدة. وسمع أيضاً زيادته بين الصفة والموصوف: فَكَيْفَ إِذَا مَرَرْتُ بِدَارِ قَوْمٍ ... وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامِ وَجِيرَانٍ لَنَا كِرَامِ؛ هنا فصل بين الموصوف والصفة، أين الموصوف؟ وَجِيرَانٍ، وكِرَامِ: هذا الصفة فصل بينهما بـ كَانُوا، لكن ورد إشكال هنا: سيبويه استدل بهذا على أن (كان) تزاد بين الصفة والموصوف، وابن هشام لم يرتضِ هذا، لماذا؟ لأن (كان) هنا عملت، الواو هذا اسمها، وهذا محل إشكال، ولذلك قال: هذا البيت لا يقال بأن (كان) زائدة، وإنما الواو هذه اسم (كان) ولنا: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، وإنما فيه الفصل بين الموصوف وصفته بالجملة، على حد قوله: ((كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ)) [الأنعام:١٥٥] كِتَابٌ: موصوف، مُبَارَكٌ: صفته، فصل بينهما بالجملة: أَنزَلْنَاهُ، هذا مثله، وحينئذ استدلوا به على الفصل بين الموصوف وصفته بالجملة، أما كونه (كان) زائدة هذا محل إشكال. أجاب بعضهم: بأنه لا مانع بأن يقال: (كان) مع اسمها تزاد، أنها تزاد (كان) مع اسمها، وحينئذ نقول: لا نقول (كان) هي الزائدة، بل الجملة كلها، فحينئذ: هل ينظَّر هذا بمثل "ظننت" إذا أُهملت وأُلغيت؟ وحينئذ تكون ملغاة هي وفاعلها وهذه مثلها الزيادة، لكن فرق بين الإلغاء وبين الزيادة؛ لأن الأصل الزيادة أنها منافية لا تزاد، إنما الزيادة تكون للحروف، وأما الأسماء فزيادتها شاذة لا يُحمل عليها، ولذلك لا يقال: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)) [الشورى:١١] كَمِثْلِ الكاف زائدة لا، وإنما نقول: هي أصلية. فَكَيْفَ إِذَا مَرَرْتُ بِدَارِ قَوْمٍ ... وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامِ وشذ زيادتها بين حرف الجر ومجروره كقوله: سَرَاةُ بَنِيْ أَبِي بَكْرٍ تَسَامَى ... عَلَى كَانَ الْمُسَوَّمَةِ العَرابِ عَلَى كَانَ الْمُسَوَّمَةِ، على المسوَّمة: جار ومجرور دخلت بينهما (كان). والأصل فيها أنها تزاد بلفظ الماضي، هذا كثير، وقد شذت زيادتها بلفظ المضارع؛ لأن (كان) بلفظ الماضي مبنية، فأشبهت الحرف والأصل في الزيادة للحروف، وأما الفعل المضارع فهو معرب وحينئذ يكون قد أشبه الاسم المعرب وزيادة الأسماء شاذة، فما أشبه الاسم حينئذ صارت زيادته شاذة، وما أشبه الحرف من حيث البناء صارت زيادته أصلية، فـ (كان) لماذا نقول: زيادتها قياسية -قياساً-؟ لأنها أشبهت الحرف والجامع هو البناء، هذا مبني وهذا مبني، والحرف يزاد، بل هو الأصل في الزيادة. و (كان) وتكون الذي هو الفعل المضارع هذا معرب، فأشبه ماذا؟ أشبه الاسم المعرب، والأسماء لا تزاد إلا شذوذاً، وحينئذ زيادة ما أشبهها لأن القاعدة: أن الشيء إذا أشبه الشيء أخذ حكمه.

стр. 628

أَنتَ تكُونٌ مَاجِدٌ نَبِيلُ ... إِذا تَهُبُّ شَمأَلٌ بَلِيلُ فحينئذٍ نقول: هذا شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه. ثم قال ﵀: وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ ... وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كَثيراً ذَا اشْتَهَرْ الكلام كله الآن فيما سبق، وهذا فيما اختصت به (كان) دون أخواتها، وأكثرها مجمع عليه في الجملة، الخلاف فيه قليل. مما اختصت به (كان) أنها قد تحذف دون سائر أخواتها ثم تعمل وهي محذوفة، تحذف ويبقى اسمها منسوباً إليها، أو تحذف ويبقى خبرها ويكون منسوباً إليها –منصوباً، حينئذ حذفت وبقي عملها، وهذا من خصائص (كان) دون سائر أخواتها. وَيَحْذِفُونَهَا: من؟ العرب، يعني نطقوا بها محذوفة، أو النحاة حكموا بجواز حذفها مع ما ذكر. وَيَحْذِفُونَهَا: الضمير هنا يعود إلى (كان)، ثم إما أن يكون حذف (كان) هنا وحدها، أو مع اسمها، إما أن تحذف وحدها ويبقى الاسم والخبر، وإما أن تحذف مع اسمها ويبقى الخبر، وزيد: أن تحذف (كان) مع خبرها ويبقى الاسم، ماذا بقي؟ أن تحذف هي واسميها، تحذف (كان) وحدها، هذا أولاً. تحذف مع اسمها ويبقى الخبر، تحذف مع الخبر ويبقى اسمها، هنا قال: وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ ظاهر العبارة -والله أعلم- أنه أراد حذف (كان) مع اسمها، والشراح أدخلوا حذف (كان) وحدها كذلك ولا بأس من باب تكثير المعاني، لكن ظاهر العبارة أنه أراد حذف (كان) مع اسمها؛ لأنه قال: وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ ، إذاً: لا يبقون الاسم، وإنما يحذف الاسم مع (كان)، هذا ظاهر العبارة. وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ: أي: (كان) إما وحدها أو مع الاسم وهو الأكثر، أنها تحذف مع اسمها؛ لأن الفعل ومرفوعه كالشيء الواحد، وقد تحذف (كان) مع خبرها ويبقى الاسم، تحذف مع الخبر ويبقى الاسم مرفوعاً، ومن ذلك قولهم: "المرء مجزي بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر" -برفعهما- (المرء مجزي بعمله، إن خيرًا فخير) خير: هذا اسم (كان) المحذوفة مع خبرها، إن كان في عمله خير فجزاؤه خير، وإن كان في عمله شر فجزاؤه شر، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، هذه قل ما شئت، إن شراً فشر وإن خيراً فخير، إن خيرٌ فخير، إن شرٌ فشر، يعني: برفعهما ونصبهما ورفع الأول ونصب الثاني ونصب الأول ورفع الثاني، لكن المثال الذي هو الشاهد معنا هنا في حذف (كان) مع خبرها: إن خيرٌ فخيرٌ، إن كان في عمله (كان) حذفت، في عمله: هو الخبر، خير الذي بقي هو الاسم، لكن هذا قليل جداً، قليل، والكثير أن تحذف (كان) مع اسمها. وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ: على حاله كما هو منصوب لا يرفع؛ لأن (كان) المحذوفة هنا تعمل وهي محذوفة، وهذا لقوتها؛ لأنها أم الباب. ثم بين أن هذا الحذف (كان) مع اسمها في موضعين يكثر. وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كَثيراً ذَا اشْتَهَرْ واشْتَهَرْ: يعني الحذف مع إبقاء الخبر، واشْتَهَرْ بعد (إِنْ) و (وَلَوْ) الشرطيتين كَثيراً ذَا الحكم، ذَا مشار به الحكم وهو حذف (كان) مع إبقاء الخبر. وَبَعْدَ إِنْ: بَعْدَ: هذا متعلق بقوله: اشْتَهَرْ.

стр. 629

إِنْ: هذا قصد لفظه مضاف إليه، بَعْدَ: مضاف، و (إِنْ) مضاف إليه. كيف أضيفت وهي حرف؟ نقول: هذا قصد لفظه، وإذا قصد لفظه صار علماً صار اسماً. بعد (إن) الشرطية كثير؛ لأنها أم أدوات الجزم (إن)، و (لو) أم أدوات الجزم غير العاملة، ولذلك اختص كثرة الحذف بهذين الحرفين: (إن) أم أدوات الجزم، يعني: التي تعمل الجزم هي أمها، مثل: كان هنا، و (لو) هذه أم أدوات الجزم غير العاملة، ولذلك اختص الحذف بعدهما، إذا جاء اسم منصوب بعد (لو وإن) حينئذ تعربه خبراً لـ (كان) المحذوفة مع اسمها، ﴿الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ﴾ ولو خاتماً، نقول: خاتماً هذا خبر لـ (كان) المحذوفة مع اسمها، ولو كان الملتمس، هكذا تقدره: ولو كان الملتمس خاتماً، حينئذ هذا فصيح أو نقول شاذ؟ نقول: فصيح. وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كَثيراً: بَعْدَ إِنْ وَلَوْ، (المرء مجزي بعمله، إن خيراً فخيرٌ، وإن شراً فشرٌ) إن كان عمله خيراً، إن خيراً: حذف (كان) مع اسمها بعد (إن) تقديره: إن كان عمله خيراً، إذاً بقي الخبر على ما هو، (وإن شراً فشرٌ) إن كان عمله شراً فشر. وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ: الشرطيتين. كَثيراً ذَا: الحكم اشْتَهَرْ، ذَا: مبتدأ، واشتهر: الجملة خبر، وكَثيراً: هذا حال، حال من الضمير المستتر في اشْتَهَرْ، هذا الظاهر. وذَا اشتهر: ذَا قلنا: الحكم الذي هو حذف (كان) وإبقاء خبرها مع اسمها، وذَا: اسم إشارة مبتدأ، واشْتَهَرْ: الجملة خبر. وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ: نقول: هذا متعلق باشتهر، وكَثيراً هذا حال من الضمير المستتر في اشْتَهَرْ. قَدْ قيلَ مَا قِيلَ، إِنْ صِدْقاً، وإِنْ كَذِباً ... فَما اعتِذارُكَ من قَولٍ إذا قيلا؟ إِنْ صِدْقاً: إن كان المقول صدقاً، وإن كان المقول كذباً. وبعد (لو) كما في الحديث: ﴿التمس ولو خاتماً من حديد﴾. وقد شذ حذفها بعد (لدن). إذاً: بعد (إن ولو) كثير. مفهومه: أنه قد يأتي لا بعد (إن ولو) وهو كذلك، لكنه قليل، وهو بعد (هلا وألا ولدن) هذا قليل يحفظ ولا يقاس عليه، يعني: القلة هنا معبر عنها بالندرة. بعد (هلا وألا ولدن)، (مِنْ لَدُ شَوْلاً فَإلَى إتْلاَئِهَا ... ): مِنْ لَدُ أن كَانَتْ شَوْلاً ثم قال: وَبَعْدَ أَنْ تَعْوِيضُ مَا عَنْهَا ارْتُكِبْ ... كَمِثْلِ أَمَّا أَنْتَ بَرًّا فَاقْتَرِبْ إذاً: عرفنا أن (كان) تحذف مع اسمها، وقد تحذف دون اسمها، وقد تحذف مع خبرها، والأكثر هو حذفها مع اسمها، وقد تحذف وحدها ويبقى الاسم والخبر، ويعوض عنها (ما) الزائدة، وهذا بعد (أن) المصدرية. وَبَعْدَ أن: المصدرية. تَعْوِيضُ مَا: الزائدة عنها -عن (كان) المحذوفة فقط دون اسمها-. ارْتُكِبْ: فتحذف (كان) وجوباً إذا عوض عنها، إذ لا يجوز الجمع بين العوض والمعوض، إذاً: تحذف (كان) بعد (أن) المصدرية، هذا ضابط في التعويض، الأصل في حذف (كان) ألا يعوض عنها. وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ دون تعويض، لكن في محل واحد حفظ عن العرب أنهم عوضوا عن ذلك المحذوف، وهو فيما إذا حذفت (كان) فقط دون اسمها وخبرها، ثم كانت (كان) هذه بعد (أن) المصدرية، هذا ضابطها، ولذلك قيدها: وَبَعْدَ أنْ: يعني بعد (أن) المصدرية.

стр. 630

تَعْوِيضُ (مَا) عَنْهَا: تعويض (ما) الزائدة عنها، يعني: عن (كان) المحذوفة، لذلك قال: عَنْهَا ولم يقل عنهما. ارْتُكِبْ: فتحذف (كان) وجوباً بعد التعويض، يعني: لا يصير الحكم وجوباً، قبل التعويض الحذف جائز، لكن لما عوض عنها حينئذ لا يجوز إرجاع (كان) لأنه لا يجمع بين العوض والمعوض. أنَّ (كان) تحذف بعد (أن) المصدرية، ويعوض عنها (ما)، ويبقى اسمها وخبرها. أمَّا أنْتَ بَرًّا فَاقْتَرِبْ كَمِثْلِ أمَّا أنْتَ بَرًّا، أصلها: أن كنت براً، وبعضهم يقدره: لأن كنت براً بلام التعليل ولا إشكال. أن كنت براً، التاء هنا هي اسم (كان)، وبراً: خبرها، احذف (كان)، إذا حذفت (كان) الضمير المتصل ينفصل، صار أنت كنت، هذا متصل، وحينئذ ينفصل، فتقول: (أنْ أنت براً)؛ لأنك حذفت كنت (التاء) كان وبقيت التاء المتصلة فجئنا بالضمير المنفصل، فصار التركيب: أن أنت بعد حذف (كان) براً، عوض عن (كان) ما، فقيل: أن ما أنت، النون مع الميم للتقارب أدغمت، أمَّا أنْتَ بَرًّا فَاقْتَرِبْ. إذاً (أن): هذا حرف مصدري، و (ما): زائدة، وأنت: هذا اسم (كان) المحذوفة في محل رفع، وبراً: هذا خبر كان المحذوفة، هذا الحذف صار واجباً بعد التعويض، وأما قبله فلا، لا يوصف بكونه واجباً؛ لأنه لما عوض عنها لأنه إذا قلت مثلاً: (التمس ولو خاتماً من حديد) يجوز أن تقول: ولو كان الملتمس خاتماً، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز أن تقول: ولو خاتماً، ويجوز أن تقول: ولو كان الملتمس خاتماً تأتي به وتحذفها، الحذف جائز، أما إذا عوض عنها فحينئذ لا يجوز، خلافاً لمن قال بذلك، وقد قيل به. إذاً: تحذف بعد (أن) المصدر ويعوض عنها -كذا يقول ابن عقيل- ويعوض عنها (ما) ويبقى اسمها وخبرها نحو: أمَّا أنْتَ بَرًّا فَاقْتَرِبْ، والأصل: أن كنت براً فاقترب، لأن كنت، قيل هكذا، ابن هشام يقدرها هكذا في التوضيح وفي قطر الندى، فحذفت لام التعليل لأن حذفها مع (أن) مطرد، فحذفت (كان) أن كنت براً حذفت (كان) لكثرة الاستعمال قصداً إلى التخفيف، فانفصل الضمير المتصل؛ لأنه لم يبق في الكلام عامل يتصل به هذا الضمير، فانفصل؛ لأنه لما اتصل به نقول: لكونه عامل، لأن الضمائر لا تتصل إلا بعواملها، وحينئذ لما ذهب العامل انفصل وهو التاء، فصار: أن أنت براً، ثم عوض عنها (ما) عوضاً عن (كان) فصار: أن ما أنت براً، ثم أدغمت النون في الميم فصار: أمَّا أنْتَ بَرًّا، ومثله قول الشاعر: أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنتَ ذا نفَرٍ ... فَإنَّ قَومِيَ لم تَأكُلهُمُ الضَّبُعُ وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ... !!!

стр. 631

عناصر الدرس * شرح الترجمة (فصل في ماولا ولات وإن ..... ) ـ * أوجه شته الحروف بـ (ليس) ـوشروط عملها عمل ليس. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: وَبَعْدَ أَنْ تَعْوِيضُ مَا عَنْهَا ارْتُكِبْ ... كَمِثْلِ أَمَّا أَنْتَ بَرًّا فَاقْتَرِبْ عرفنا أن كانت تحذف دون اسمها ويبقى الاسم مرفوعاً والخبر منصوباً، ويعوض عنها (ما) الزائدة بعد (أن) المصدرية كما مثّل الناظم هنا بقوله: أمَّا أنْتَ بَرًّا فَاقْتَرِبْ. عرفنا كيف وصل إلى هذا: أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنتَ ذَا نفَرٍ ... فإنَّ قَومِيَ لمْ تأكُلهُمُ الضَّبُعُ فـ (أن) مصدرية، و (ما) زائدة عوضاً عن كان وأَنتَ اسم كان المحذوفة، وذَا نفر خبرها، ولا يجوز الجمع بين كان و (ما)؛ لكون (ما) عِوَضاً عنها ولا يجوز الجمع بين العِوَضِ والمُعَوَّض. هذه قواعد عندهم أغلبية، قد يخالفون هذا النص لكن في بعض المواضع، وهذا الشأن كما هو الشأن في القواعد الفقهية والأصولية، الأصل أنها تكون مطردة، لكن قد يشذ عنها بعض الأفراد، لذلك ما من قاعدة إلا ولها استثناء هذا الأصل، ولذلك تجد في كتب القواعد أن يذكروا القاعدة و ... خرج كذا وكذا وكذا إلى آخره، لماذا؟ لأن هذه القاعدة -وإن كان أصلاً يدخل هذا الفرد تحتها إلا أنه لموجب أو لعارض أو لمانع- حينئذٍ لم يدخل تحت هذه القاعدة، مثلها الجمع بين العوض المعوض؛ لأنه قد يخالفون في بعض المسائل ويجمعون بين العوض والمعوض، فنقول: قاعدة أغلبية، ومثلها القاعدة التي ذكرناها في ((أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ)) [هود:٨] أنه تقديم المعمول يؤذن بتقديم العام، هذا أيضاً أغلبية فقد يخالفون في بعض المواضع، ويختلف النظر حينئذٍ يبقى الاجتهاد، هل هذه مما ينازع فيها فتخرج أو أنها داخلة تحت القاعدة، يبقى المسألة من باب تحقيق المناط كما يقولو الأصوليون. وأجاز ذلك المبرد فيقول: أمَّا كنت منطلقاً انطلقت. يعني جوز الجمع بين العوض والمعوض، أمَّا كنت، (ما) هذه زيدت من أجل كان المحذوفة، يعني كأنه جوز رجوع كان بعد حذفها، أما أنت منطلقاً انطلقت. هذا الأصل، فرد كان رجعت صار أما كنت منطلقاً انطلقت، لكن هذا يعتبر شاذ. ولم يسمع من لسان العرب حذف كان وتعويض (ما) عنها وإبقاء اسمها وخبرها إلا إذا كان اسمها ضمير مخاطب كما مثل به المصنف. وهذه القاعدة في مثل هذه المسائل كلها كل ما خرج عن القياس فالأصل أنه يكتفى بما سمع ولا يقاس عليه غيره، إذا سمع استثناء كان بأنها تزاد بهذا اللفظ لا يقاس عليه أبداً لا المصدر، ولا اسم الفاعل، ولا الفعل المضارع .. إلى آخره، لماذا؟ لأن الأصل عدم الزيادة، فإذا كان كذلك حينئذٍ نقف على السماع. ولم يسمع مع ضمير المتكلم نحو: أما أنا منطلقاً انطلقت، والأصل: أن كنت منطلقاً، ولا مع الظاهر: أما زيد ذاهباً، زيد اسم كان المحذوفة وهو اسم ظاهر، الأصل عدم الزيادة، ومثّل به سيبويه في كتابه، والقياس جوازهما كما جاز مع المخاطب، قياس ما لم يسمع على ما سمع. والأصل أن كان زيد ذاهباً انطلقت وقد مثل سيبويه ﵀ في كتابه: أما زيد ذاهباً.

стр. 632

إذاً الحاصل أن المسموع هو ما كان بضمير المخاطب، وما عداه يكون من باب القياس، فهل يوافق أم يخالف؟ الثاني أقرب. إذاً: هذه مواضع حذف كان كما ذكرناها. قال ابن هشام رحمه الله تعالى في التوضيح: تحذف كان ويقع ذلك على أربعة أوجه: الأول -وهو الأكثر-: أن تحذف مع اسمها ويبقى الخبر، وكثر ذلك بعد إن ولو الشرطيتين، ومثّل لهما بقولهم: " النَّاسُ مجَزِيُّونَ بِأعْمَالِهِمْ إنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وَإنْ شَرَّاً فَشَرٌّ"، أي: إن كان عملهم خيراً فجزاؤهم خير، ويجوز إن خير فخير بتقدير إن كان في عملهم خير فيجزون خيراً، ويجوز نصبهما ورفعهما، والأول أرجحها والثاني أضعفها، والأخيران متوسطان، ومثال لو: ﴿الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ﴾، وقل الحذف المذكور بدون إن ولو. الموضع الثاني: أن تحذف مع خبرها ويبقى الاسم وهو ضعيف كما سبق إن خير، إن كان في عمله خير، هذا ضعيف. ثالثاً: أن تحذف وحدها، وكثر ذلك بعد أن المصدرية، بمثل أما أنت منطلقاً انطلقت، ثم شرحه. الرابع: أن تحذف مع معموليها، -كلها يعني-، لكن هذا ضعيف جداً، وذلك بعد إن الشرطية يعني، في قولهم: افعل هذا إما لا، إن كنت لا تفعل غيره، فما عوض ولا نافية للخبر. هذا أقل من ذكره ذكره في التوضيح. وَمِنْ مُضَارِعٍ لِكَانَ مُنْجَزِمْ ... تُحْذَفُ نُونٌ وَهُوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ أيضاً هذا من خصائص كان ولا يلحق بها غيره، وهو أنه تحذف نون كان بشروط ذكرها المصنف هنا. وَمِنْ مُضَارِعٍ: جار ومجرور متعلق بقوله: تُحْذَفُ نُونٌ .. تُحْذَفُ نُونٌ من مضارع، إذاً خصوص النون، وخص بها المضارع، إذاً لا الأمر ولا اسم الفاعل ولا الماضي ولا غيره، وَمِنْ مُضَارِعٍ لِكَانَ: صفة لمضارع جار ومجرور متعلق بمحذوف، سواء كانت كان تامة أو ناقصة، أطلق الناظم هنا، لِكَانَ إذاً النون تحذف من كان سواء كانت كان تامة أو ناقصة، بشرط أن تكون بصيغة المضارع. لِكَانَ مُنْجَزِمْ: هذه صفة ثانية لمضارع، صفة بعد صفة، مُنْجَزِمْ يعني بالسكون لا بحذف النون، لم يتصل به ضمير نصب وقد وليه متحرك، تُحْذَفُ نُونٌ هي لام الفعل تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وشبهها بحروف العلة؛ لأنها متطرفة، وإذا كان كذلك حينئذٍنقول: يجوز حذف هذه النون بهذه الشروط المذكورة في البيت، وهو حذف جائز يعني ليس بواجب، وهو حذف جائز مَا الْتُزِمْ، يعني لم يوجبه العرب أو يحكم بوجوبه النحاة، بل من أراد أن يحذف تخفيفاً حذف، ومن أراد الأصل نطق بالأصل. إذاً شروط الحذف: أن يكون من مضارع بخلاف الأمر والماضي. ثانياً: مجزوماً بالسكون، بخلاف المرفوع والمجزوم بالحذف.

стр. 633

ثالثاً: ألا توصل بضمير، فإن وصلت بضمير حينئذٍلا يجوز حذفها نحو: (إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّط عَلَيْهِ)، لا يجوز حذف النون هنا، ولا بساكن نحو: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ)) [البينة:١] حينئذٍنقول: تحركت النون هنا للتخلص من التقاء الساكنين، ومثال ما اجتمعت فيه الشروط قوله: ((وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا)) [مريم:٢٠] أَكُ أصلها: أكون، سكنت النون للجازمة ولم، فالتقى ساكنان الواو ساكنة والنون ساكنة، حينئذٍحذفنا الواو للتخلص من التقاء الساكنين فصار أَكُن، الأصل عدم الحذف؛ لأنه حذف منه حرف الواو، وإن كان للتخلص من التقاء الساكنين والمحذوف لعلة كالثابت، إلا أن الأصل أنه لا يحذف منه، لكن لكثرة استعمال هذا اللفظ (أك، ونك) خفف أيضاً بحذف النون، إذاً لم أك نقول: هذا فعل مضارع مجزوم بلم وجزمه السكون على النون المحذوفة تخفيفاً ((لَمْ أَكُ)) فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وجزمه سكون ظاهر على النون المحذوفة تخفيفاً. ((لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ)) [المدثر:٤٣] أصلها نكن، حذفت النون تخفيفة، ((وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ)) [النحل:١٢٧]، ((فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ)) [غافر:٨٥] –انظر- تصرَّفَ في الفعل المضارع من كان يك، أك، تكن، نكن .. كلها حذفت منها النون تخفيفاً، وسواء في ذلك الناقصة كالأمثلة السابقة والتامة، لكن الحذف فيها أقل، ((وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ)) [النساء:٤٠] بالرفع –قراءة- ((وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ)) يعني توجد حَسَنَةٌ، حينئذٍ حذفت منها النون تخفيفاً. إذاً: وَمِنْ مُضَارِعٍ: لا من ماضي ولا أمر. لِكَانَ: لا لغيرها. مُنْجَزِمْ: بالسكون لا مرفوع ولا منصوب. تُحْذَفُ نُونٌ: وهي لام الفعل تخفيفاً. وَهُوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ. يقول ابن عقيل: إذا جزم الفعل المضارع من كان قيل: لم يكن والأصل: يكون فحذف الجازم الضمة التي على النون فالتقى ساكنان الواو والنون، فحذف الواو لالتقاء الساكنين، يعني: للتخلص من التقاء الساكنين، فصار اللفظ لم يكن والقياس يقتضي أن لا يحذف منه بعد ذلك شيء آخر، هذا هو القياس؛ لأنه إذا حذف منه حرف صار إجحافاً به، وإذا زيد عليه حذف آخر صار إجحافاً بعد إجحاف، ولو جوز القياس أن يحذف منها حرف واحد حينئذٍ الأصل عدم حذف حرف آخر. هذا من حيث النظر والتأصيل، وأما من حيث الوجوب فشيء آخر. لكنهم حذفوا النون بعد ذلك تخفيفاً لكثرة الاستعمال، فقالوا: لم يك وهو حذف جائز لا لازم ومذهب سيبويه ومن تابعه: أن هذه النون لا تحذف عنه ملاقاة ساكن، بل تحرك: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ)) [البينة:١] لا تحذف إذا حصل التقاء بين ساكنين، بل يجب تحريك النون للتخلص من التقاء الساكنين. أن هذه النون لا تحذف عند ملاقاة ساكن، فلا تقل: لم يك الرجل، هذا غلط بل: لم يكن الرجل. وأجاز ذلك يونس، وقد قُرِءَ شاذاً (لم يكُ الذين كفروا).

стр. 634

وأما إذا لاقت متحركاً فلا يخلو إما أن يكون ذلك المتحرك ضميراً متصلاً أولا، يعني إذا كان بعدها -بعد النون- متحرك، قلنا الساكن لا تحذف، إذاً يكون بعدها متحرك، هذا المتحرك إما أن يكون ضميراً أو لا، إن كان ضميراً فلا يجوز إن يكن هو، لا يجوز الحذف؛ لأنه يصير متصلاً بكان، وإن لم يكن ضميراً حينئذٍ جاءت المسألة. فإن كان ضميراً متصلاً لم تحذف النون اتفاقاً، قالوا: لأن الضمير يرد الشيء إلى أصله، إذا حذفت رده الضمير .. تحذف يرده الضمير يبقى الدور فيها. كقوله ﷺ : ﴿إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلّط عَليْه وَإنْ لاَ يَكُنْهُ فَلاَ خَيْرَ لَكَ في قَتْلِهِ﴾ فلا يجوز حذف النون فلا تقل: إنْ يَكُهُ وَإنْ لاَ يَكُ، وإن كان غير ضمير متصل جاز الحذف والإثبات نحو: لم يكن زيد لم يك زيد، لم أك بغياً، لم أكن بغياً. وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق في ذلك بين كان الناقصة والتامة، وقد قرء ((وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا)) [النساء:٤٠] برفع حَسَنَةٌ وحذف النون وهذه هي التامة. مسائل: الأولى في تعدد الخبر، في كان الخلاف في تعدد الخبر المبتدأ. هل يجوز أن يتعدد خبر كان؟ قلنا هذا الباب مفرع على الباب السابق، هذا هو الأصل، فما جاز هناك جاز هنا إلا لمانع، وما امتنع هناك امتنع هنا إلا لمانع؛ لأن كان هذه داخلة على جنس المبتدأ والخبر، حينئذٍ كلما ثبت للمبتدأ والخبر قبل دخول الناسخ فهو مستصحب، الأصل بقاء ما كان على ما كان، حتى يدل دليل على انتفاء ما قد ثبت قبل دخول كان، هذا هو الأصل. فحينئذٍ تعدُّدُ الخبر هل يجوز أم لا؟ وَأَخْبَرُوا بِاثْنَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَا ... عَنْ وَاحِدٍ كَهُمْ سَرَاةٌ شُعَرَا الأصل –القياس- جواز تعدد خبر كان، لكن خالف بعض النحاة هنا ممن جوز هناك منع هنا، في تعدد الخبر في كان الخلاف في تعدد خبر المبتدأ، والمنع هنا أولى؛ لقيام المانع المقتضي على المانع من جواز تعدد الخبر، والمنع هنا أولى ووجهه أن هذه الأفعال قلنا الأصل فيها عدم العمل، هذا القياس، لكنها شُبّهت بما تعدى إلى اسمين ضرب، الأول فاعل والثاني مفعول به، إذاً أُعملت هذه الأفعال على خلاف الأصل، الأصل أنها أفعال غير صحيحة، غير تامة، وحينئذٍ الأصل فيها عدم العمل، لماذا أُعمِلت؟ حملاً لها على ضرب مُشَبَّهٌ به، هذا القياس، وهذا المُشَبَّهٌ به وجدناه يعمل في اسمين فقط ولا يتعدى إلى الثالث، حينئذٍ صار الأصل هنا ألا تعمل كان إلا في اسمين؛ لأنها ما أعملت إلا حملاً على ضرب ونحوه.

стр. 635

والمنع هنا أولى ووجهه أن هذه الأفعال شبهت بما يتعدى إلى واحد، قالوا: فلا يزاد عليه، ضرب زيد عمرواً ينصب واحداً، إذاً كان ليس لها إلا منصوب واحد فقط، لماذا؟ لأنها إنما أعملت حملاً على ضرب، فلذلك لا تتعدى، إذاً وجد المانع من تعدد الخبر هنا، ومن جوزه قال: هو في الأصل خبر مبتدأ، فإذا جاز تعدده مع العامل الأضعف وهو الابتداء فمع الأقوى أولى، لكن هناك العامل في الخبر ليس هو الابتداء، بل هو المبتدأ، فليس هو ضعيف، بل كان والمبتدأ قد يكونان في مرتبة واحدة؛ لأن كان ليست فعلاً متمحضاً حتى نقول: هو مثل ضرب، وإنما هو ضعيف، فإذا كان ضعيفاً حينئذٍ الأصل في المبتدأ ألا يعمل أيضاً، ولكنه أعمل هناك للاقتضاء؛ لأنه لا يتم معناه إلا بالمبتدأ كالمضاف مع المضاف إليه. إذاً: قولان في جواز تعدد خبر كان، القياس يقتضي ألا يتعدد، هذا هو القياس، واستصحاب الأصل يقتضي أي يتعدد. الثانية قال أبو حيان: نص أصحابنا على أنه لا يجوز حذف اسم كان وأخواتها، ولا حذف خبرها لا اختصاراً ولا اقتصاراً، -هذا الأصل فيه، ولذلك اختصت كان لأنها أم الباب بما ذكر، أما ما عدا كان فلا يجوز، لا حذف اسم أصبح ولا خبرها إلى آخره، ولذلك خص الحكم بكان لأنها أم الباب فهو استثناء من الأصل- (لا اختصاراً ولا اقتصاراً) ما الفرق بينهما؟ الاختصار: هو حذف لدليل، والاقتصار: هو حذف لا لدليل. إن حذف لقرينة –لدليل- سمي اختصاراً، وإن حذف لا لدليل هكذا لا لقرينة لا للعلم به .. صار اقتصاراً، ففرق بين الاختصار والاقتصار. نص أصحابنا على أنه لا يجوز حذف اسم كان وأخواتها ولا حذف خبرها لا اختصاراً ولا اقتصاراً، أما الاسم فلأنه مشبه بالفاعل، والفاعل لا يجوز حذفه، وأما الخبر فكان قياسه جواز الحذف؛ لأنه إن روعي أصله وهو خبر المبتدأ فإنه يجوز حذفه للعلم به، أو ما آل إليه من شبهه بالمفعول فكذلك، يعني إما أن يكون في الأصل أن يراعى الأصل وهو أنه خبر، والخبر يجوز حذفه للعلم به، أو ما آل إليه بعد دخول كان وهو كونه مشبهاً بالمفعول به – وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ. حينئذٍ على الطريقتين قبل دخول كان وبعد كان الأصل فيه القياس يقتضي أنه يحذف. لكنه صار عندهم عوضاً من المصدر؛ لأنه في معناها إذ القيام: كون من أكوان زيد، والأعراض لا يجوز حذفها، قالوا: قد تحذف في الضرورة، يعني اسم كان لغير ما ذكر من الشروط السابقة وأخواتها قد تحذف في الضرورة. ومن النحويين من أجاز حذفه لقرينة اختياراً، يعني لا في الضرورة، إذا دل عليه دليل وعلم المحذوف سواء كان اسم كان أو خبرها جاز، وهذا هو الأصل والمطرد الذي ذكرناه. وفصّل ابن مالك فمنعه في الجميع إلا ليس، منعه في الجميع لا يحذف منه لا اسم ولا خبر، إلا ليس لوجود السماع المقتضي ذلك. فأجاز حذف خبرها اختياراً ولو بلا قرينة، لماذا؟ إذا كان اسمها نكرة عامة تشبيهاً بـ: لا، كقولهم: ليس أحد أي: هنا، لكن هذا مسموع حكاه سيبويه، ليس أحد هنا، هنا هذا حذف كما ذكرناه سابقاً. هذا مسموع يحفظ ولا يقاس عليه، وحينئذٍ نقول: الأصل عدم جواز حذف اسم كان وخبر كان، هذا هو الأصل، لما ذكرناه من الأمور. ثم قال رحمه الله تعالى:
следующие страницы →