Полный текст (2 939 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
إِذَا أَنَّه إذا إنه، إذا إنه هذا لا إشكال فيه –بالكسر- فجعلها جملة مستأنفة، إِذَا هو عَبْدُ القَفَا واللِّهازمِ لا إشكال فيه، وعند الفتح حينئذٍ نقول: في المصدر الوجهان المذكوران، إما أن يكون مبتدأً خبره محذوف أو بالعكس، ولا نجعل (إذا) أنها خبر مقدم وما بعده المصدر مبتدأ مؤخر؛ لأن هذا مبني على قول مرجوح.
والتقدير على الأول: فإذا عبوديته، أي: ففي الحضرة عبوديته، عبوديته: هذا مبتدأ مؤخر، وإذا: خبر مقدم. هذا على القول الآخر.
وعلى الثاني: فإذا عبوديته موجودة، عبوديته صار مبتدأً خبره محذوف وهو موجودة، وإذا عكست قلت: فإذا الشأن والحال عبوديته جعلت عبودية خبراً لمبتدئٍ محذوف.
إذاً: تفتح همزة (إنَّ) وتكسر بعد (إذا) الفجائية، إذا كسرناها جعلناها جملة مستأنفة ولا إشكال، وإذا فتحناها حينئذٍ تؤول بمصدر يكون خبراً لمبتدئٍ محذوف أو مبتدأً لخبر محذوف، إما أن يكون مبتدأً لخبر محذوف، أو يكون خبراً والمبتدأ محذوفاً، وأما جعل (إذا) خبراً مقدماً نقول: هذا فيه ضعف. هذا هو الموضع الأول.
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ
إِذَا: تدل على الفجائية، هذا من إضافة الدال إلى المدلول.
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ أوْ: للتنويع والتقسيم.
أوْ قَسَمِ ... لاَ لاَمَ بَعْدَهُ: يعني يجوز فتح (إنَّ) وكسرها إذا وقعت جواب قسم، ظاهر كلام الناظم هنا -لو جعلناه على ظاهره- قال: لاَلاَمَ بَعْدَهُ أو قسم.
لاَ لاَمَ بَعْدَهُ: قلنا: هذا يحتمل وجهين: إما مع ذكر الفعل أن يكون ملفوظاً به، وإما أن يكون محذوفاً، ظاهر كلام الناظم العموم يشمل النوعين، لكن لا بد من تقييده ليصير موافقاً لما ذكرناه من الصور الأربعة: وهو أنه يعني صورة واحدة، وهي إذا ذكر -تلفظ بالفعل- وعدمت اللام، هذه الحالة بالإجماع يجوز فيها الوجهان، إذا لفظ بالفعل -نطق به تلفظ به وجد ذكر-، واللام محذوفة، لا لام بعده، فحينئذٍ بالإجماع يجوز فيه الوجهان: فتح همزة (إنَّ) وكسرها.
أوْ قَسَمِ: إذاً أو بعد فعل قسم ظاهر من أجل أن يوافق، ولا نعمم، لو قلنا: بعد قسم هذا عام يشمل القسم المذكور والقسم المحذوف. ولك أن تقول: قسم هذا نكرة، والنكرة في سياق الإثبات لا يعم، وحينئذٍ نحتاج إلى مقيد خارج، فنقول: قَسَمِ ظاهر كأنه وصف بصفة محذوفة للعلم به؛ لأنه مجمع عليه فحينئذٍ حذف النعت، وسيأتي المعنى أن النعت إذا علم جاز حذفه.
أوْ قَسَمِ: يعني: أو بعد فعل قسم ظاهر لاَ لاَمَ بَعْدَهُ.
لاَ: هذه نافية للجنس.
ولاَمَ: اسمها.
وبَعْدَهُ: هذا خبرها.
إذاً لو قيل: حلفت أن زيداً قائم -بالفتح والكسر- هكذا قال ابن عقيل، مثَّل لما أراده الناظم على ظاهره، بمعنى: أنه يشمل أو قَسَمِ الفعل الملفوظ والفعل المحذوف، وسبق أن ثَمَّ خلافاً سابق وهو: أنه إذا حذف الفعل ولم تذكر اللام قلنا: مذهب الكوفيين الفتح، ومذهب البصريين وجوب الكسر، وحكوا الإجماع عليه، وخطأهم السيوطي في جمع الجوامع قال: غلط، خطأ. لو اعتبرنا الخلاف سار عليه ابن عقيل على عدم التخطئة، وإذا قلنا بالتخطئة حينئذٍ: أو قَسَمِ لا بد من التقييد بأنه ظاهر لنخرج الحال التي قلنا أخطأ فيها الكوفيون.
стр. 702
قال ابن عقيل: يجوز فتح (إنَّ) وكسرها إذا وقعت جواب قسم، وليس في خبرها اللام، نحو: حلفت أن زيداً قائم، حلفت ذُكر الفعل هنا، أو قسم ظاهر، أن زيداً قائم، إن زيداً قائم، يجوز فيه الوجهان، على الكسر نقول: جعلنا الجملة جواب القسم، لأن الحلف يحتاج إلى جواب القسم، ما هي جملة جواب القسم؟ إذا كسرنا: إن زيداً قائم هي جملة الجواب، وإذا فتحنا حينئذٍ صار مفرداً، وإذا صار مفرداً لا يصلح أن يكون جواباً للقسم، وحينئذٍ يقال فيه: أنه منصوب بنزع الخافض، يعني على تقدير حرف الجر، وجملة القسم قد دل عليه المذكور.
قال: وقد روي بالفتح والكسر، الكسر على (أن) اسمها، وخبرها جواب القسم، والفتح على أساس أن المصدر على نزع الخافض؛ أقسم بالله على أن زيداً قائم، ويكون مغنياً عن جواب القسم، هذه الجملة تكون مغنية عن جواب القسم لأن جواب القسم كالخبر، إذا دل عليه شيء ملفوظ به موجود حينئذٍ يستغنى به عنه، يجوز حذفه، إذا علم جاز حذفه.
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ ومنه جواب القسم.
وروي بالفتح والكسر قوله:
أَوْ تَحْلِفِى بِرَبِّكِ الْعَلِّىِ ... أَنِّي أَبو ذَيَّالِكِ الصَّبِي
أَوْ تَحْلِفِى: هنا لُفِظ بالفعل.
أَنِّي: وقعت (أن) بعد فعل القسم وهو ملفوظ به، يجوز فيه الوجهان، روي بالوجهين: أني وإني. (إني) على أنه جواب القسم، أليس، وبالفتح على أنه مصدر مجرور بحرف الجر.
أَوْ تَحْلِفِى على أني كذا، يعني: على أني أبو ذيالك الصبي؛ على كوني أبي ذيالك الصبي، فحينئذٍ نقول: كوني هذا اسم مجرور بـ على، وهذا بعضهم لا يرتضيه؛ لأن (على) حرف جر ويكون ما بعده مجرور، والأصل في حرف الجر أنه لا يعمل محذوفاً، وحينئذٍ يجعله مفعولاً به منصوباً بلا واسطة، بلا واسطة حرف الجر. فيه وجهان.
على كوني كذا، وحينئذٍ صار مجروراً بحرف الجر محذوفاً، وإذا قلنا: حرف الجر ضعيف فلا يعمل محذوفاً حينئذٍ جعلناه مفعولاً به بدون واسطة.
أَوْ تَحْلِفي بِرَبِّكِ العَلِيِّ ... أَنِّي: يروى بالكسر على جعلها جواباً للقسم، وبالفتح على جعلها مفعولاً لا بواسطة نزع الخافض، أي: على أني، هذا قول. وبعضهم يرى أنها على نزع الخافض، يعني: حرف جر محذوف، وهذا فيه كلام.
قال ابن عقيل: ومقتضى كلام المصنف: أنه يجوز فتح (إنَّ) وكسرها بعد القسم إذا لم يكن في خبرها اللام. وهذا ظاهر عبارته، سواء كانت الجملة المقسم بها فعلية والفعل فيها ملفوظ به نحو: حلفت إن زيداً قائم أو غير ملفوظ، هذا عام، لكن قلنا غير ملفوظ هذه يجب كسر همزة (إنَّ) فيها وحكي الإجماع عليها، وحينئذٍ لا بد من تقييد كلام الناظم بما ذكرناه سابقاً.
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ: الموضع الثاني: أو بعد فعل قسم ظاهر.
لاَ لاَمَ بَعْدَهُ بِوَجْهَيْنِ نُمِي: جاز فيه الوجهان الفتح والكسر.
مَعْ تِلْوِفَا الْجَزَا:
ومَعْ: معطوف على بعد، بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ.
стр. 703
ومَعْ تِلْوِفَا الْجَزَا: (فَا الْجَزَا) كلاهما مقصوران للضرورة، مع تلو فاء الجزاء، بمعنى: أنه إذا وقعت (إنَّ) بعد فاء الجزاء جاز فيها الوجهان، وهل هو كل فاء جزاء ولو كانت في جواب اسم شرط أو حرف شرط؟ الجواب: لا، ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بما كان الشرط اسماً، وأما إذا كان حرفاً فلا، يتعين فيه الكسر.
جواز الوجهين بعد فاء الجزاء مقيد بما إذا كان الشرط بالاسم، وأما إذا كان بالحرف فليس إلا الكسر، نحو: ((وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [التغابن:١٤].
فَإِنَّ: نقول: وقعت بعد فاء الجزاء، هل يجوز فيه الوجهان؟ لا؛ لأنها وقعت بعد شرط وهو حرف (إنَّ)، وأما إذا وقعت بعد اسم شرط حينئذٍ يجوز فيها الوجهان، نحو: من يأتني فإنه مكرم، من يأتني، من: اسم شرط، يأتني: فعلها، فإنه مكرم: وقعت (إنَّ) بعد فاء الجزاء، وحينئذٍ نقول: يجوز فيه وجهان؛ على الكسر -إذا كسرنا- جعلناه جملة؛ فإنه مكرم، إذاً جعلنا جملة الجواب جملة ولا إشكال فيه واضح بين، كأنه قال: فهو مكرم، وأكدنا الخبر من أجل تقوية النسبة -للتأكيد-، وإذا فتحنا: من يأتني فأنه مكرم؛ إذاً صار مفرداً، وإذا صار مفرداً حينئذٍ لا يصح أن يقع جملة جواب الشرط، لا يصلح أن يقع جواب الشرط، كأنه قال: من يأتني فالإكرام، فالإكرام: هذا مفرد، ولا يصح أن يقع جواباً للشرط.
إذاً: لا بد من خبر محذوف، ويجعل الملفوظ مبتدأ، أو بالعكس نجعل الموجود مبتدأ والخبر محذوف، أو بالعكس.
إذاً: من يأتني فإنه مكرم، من يأتني فإكرامه موجود، جعلناه مبتدأً حذف خبره. من يأتني فجزاؤه الإكرام، جعلناه خبر مبتدئٍ محذوف، إذاً: يجوز الوجهان فيما إذا وقعت (إنَّ) بعد فالجزاء بشرط: أن يكون اسم الشرط هو الذي وقعت الجملة في جوابه. فيجوز الكسر على جعلها جواب الشرط، ويجوز الفتح .. ثم تؤول بمصدر، فإما أن يكون المصدر خبراً لمبتدئٍ محذوف، وإما أن يكون مبتدأً خبره محذوف كما ذكره في الحاشية.
منه: ((كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [الأنعام:٥٤] فَإِنََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قرئ بالوجهين.
فَإِنََّهُ بالكسر، يعني: فهو غفور رحيم، لا إشكال فيه، وإنما جيء بـ (إنَّ) من أجل التأكيد، وعلى الفتح: فأنه غفور رحيم، فأنه فالغفران كائن له، أو فجزاؤه الغفران، فإما أن يكون خبر مبتدئٍ محذوف، أو يكون مبتدأً لخبر محذوف.
فالكسر على جعلها جملةً جواباً لـ (من)، والفتح على جعل (أن) وصلتها مصدراً مبتدأً خبره محذوف: فالغفران جزاؤه، أو على جعلها خبراً لمبتدئٍ محذوف والتقدير: فجزاؤه الغفران، هذا التقدير أجود.
مَعْ تِلْوِفَا الْجَزَا وَذَا يَطَّرِدُ ... فِي نَحْوِ خَيْرُ الْقَوْلِ إِنِّي أَحْمَدُ
هذا الموضع الرابع الذي يجوز فيه الوجهان.
وَذَا: المشار إليه الحكم وهو جواز الوجهين: الفتح والكسر.
وَذَا يَطَّرِدُ: مطرد، يعني يوجد كلما وجد المذكور، الشروط المذكورة.
وَذَا يَطَّرِدُ: يعني الوجهان، جواز الوجهين.
стр. 704
فِي نَحْوِ خَيْرُ الْقَوْلِ إِنِّي أَحْمَدُ: خَيْرُ الْقَوْلِ إِنِّي أَحْمَدُ، هذه ضبطوها بماذا؟ قالوا: كل موضع وقعت (إنَّ) فيه خبر قول وكان خبرها قولاً والقائل هو واحد.
(إنَّ) وقعت خبر قول، والمراد بالقول ليس لفظ القول وإنما الكلام وما يكون من مادتها، قول، لفظ، كلام، جملة، نحو ذلك، ليس المراد مادة القول وإنما المراد به ما يدل على الكلام.
وخبر (إنَّ) كذلك قول، والقائل واحد، ثلاثة شروط: مبتدأ، قول، خبر (إنَّ) قول، والناطق المتكلم واحد حينئذٍ يجوز الوجهان.
خبر قول: أي ما بمعنى القول، سواء كان من مادة القول أو الكلام أو أحدهما، نحو، خير القول إني أحمد الله.
خَيْرُ الْقَوْلِ: خَيْرُ: هذا أفعل التفضيل، الْقَوْلِ: مضاف إليه، خَيْرُ مبتدأ، والقول: مضاف إليه، ونحن نقول: يشترط في أن يكون المبتدأ قولاً. وأفعل التفضيل بعض المضاف إليه، بعض المضاف إليه بمعنى: أن القول هو الذي يكون خير، فحينئذٍ اكتسبت المادة من جهة المعنى بإضافتها إلى القول، وإلا فالأصل أن خير هذا مباين للقول، لأنه أعم يشمل القول وغيره، وحينئذٍ نقول: أفعل التفضيل إذا أضيفت إلى شيء فهي بعضه، إن أضيفت إلى معنى فهي معنى، إن أضيفت إلى جثة فهي جثة، إن أضيفت إلى عمل فهي عمل، إن أضيفت إلى قول فهي قول، هذا المراد هنا.
إذاً: خَيْرُ الْقَوْلِ نقول: اسم التفضيل إذا أضيف، فاسم التفضيل بعض ما يضاف إليه.
خَيْرُ الْقَوْلِ: إذاً المبتدأ قول.
إني أحمد الله.
إِنِّي: (إنَّ) واسمها.
أَحْمَدُ الله: هذا قول يقع باللسان، إذاً: وجد فيه الشرطان.
خَيْرُ الْقَوْلِ -قولي أنا-: إني أحمد الله، حينئذٍ نقول: الفاعل واحد: إني أنا أحمد الله، وحينئذٍ نقول: بهذه الشروط الثلاثة يجوز فيه الوجهان في (إنَّ)، إني أحمد الله وأني أحمد الله. إذا قلت: إني أحمد الله على الجملة لا إشكال فيه، جعلتها خبراً عن القول؛ خير القول إني أحمد الله، فكأنك أكدت الجملة وهي مؤلفة من مبتدئٍ وخبر بـ (إنَّ) والجملة تكون استئنافية. ومن فتح جعل (أنَّ) وصلتها مصدراً خبراً عن خير، والتقدير: خير القول حمد الله، فحمد الله هذا وقع خبراً عن المبتدئٍ؛ لأنه في قوة المصدر خير القول أني أحمد الله، مثل لو قال: زيد أني فاضل على قول من جوزه، والجمهور على المنع زيد أني فاضل أو أنه فاضل، فـ (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر عن المبتدئٍ، هذا مثله، وحينئذٍ نقول: خير القول أني أحمد الله، خير القول حمد الله، فجعله خبراً للمبتدئٍ المذكور. والتقدير: خير القول حمد الله. فخير: مبتدأ، وحمد الله: خبر.
ومن كسرها جعلها جملة خبراً عن خير، كما تقول: أول قراءة (سبح اسم ربك الأعلى)، وحينئذٍ يكون الإخبار بالجملة لقصد الحكاية، كأنك تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله كنز، أي: هذا اللفظ وهذا صار مثلها، خير القول إني أحمد الله، فكأنه قال: هذا اللفظ هو خير القول، فأول: مبتدأ، وسبح اسم ربك الأعلى: جملة خبر عن أول، وكذلك خير القول: مبتدأ، وإني أحمد الله: خبر.
стр. 705
إذاً: بهذه الشروط الثلاثة نقول: يجوز فيها الوجهان: إما الكسر وإما الفتح، إن جعلناها مكسورة فهي جملة خبر عن المبتدئٍ، وإن فتحناها حينئذٍ صار الإخبار بالمفرد عن الجملة.
إذا انتفى القول الأول حينئذٍ انتفى الشرط، لو قال: عملي إني أو أني، ولم يقل: خير القول أو قولي. إذا انتفى القول الأول فالفتح متعين: عملي أني أحمد الله، هذا متعين، عملي أني أحمد الله، لا يجوز فيه الوجهان، لماذا؟ لانتفاء الشرط الأول وهو كون المبتدئ قولاً مع كون الشرط الثاني متوفر، أو القول الثاني أو لم يتحد القائل فالكسر، تعين الكسر، نحو قولي إني مؤمن، هكذا مثَّل النحاة وفي النفس منه شيء.
قولي إني مؤمن، هنا قالوا: انتفى القول من الثاني، إني مؤمن ليس فيه قول، وحينئذٍ وجب فيه كسر همزة (إنَّ).
وقولي إن زيداً يحمد الله، القائل واحد؟ ليس بواحد، إذاً انتفى الشرط الثالث. عملي أني أحمد الله؛ يتعين النصب ولا يجوز الكسر، مع تخلف الشرط الأول وهو كون المبتدأ قولاً.
إذا تخلف الشرط الثاني كون الخبر (إنَّ) قولاً تعين كسر: قولي إني مؤمن، -الإيمان مشتمل على القول، لكن كمثال-.
الثالث: إذا انتفيا: قولي إن زيداً يحمد الله، حينئذٍ نقول: يجب فيه الكسر.
وَذَا يَطَّرِدُ: يعني ذا الحكم وهو جواز الوجهين في نحو: خير القول إني أحمد الله تعالى، إني أحمد. هذه أربعة مواضع يجوز فيها فتح همزة (إنَّ) وكسرها، إذا كسرت فهي جملة ولا إشكال فيها -المعنى واضح- كأن الجملة مركبة من مبتدئٍ وخبر وجئت بـ (إنَّ) مؤكدة فحسب، إذا فتحت حينئذٍ صار مفرداً فلا بد من تقديم خبر من أجل تصحيح التركيب، إما أن يكون -إذا صح الإخبار به- جعله خبراً لمبتدئ مذكور مثل: خير القول؛ لا إشكال فيه. وأما إذا اشترط أن يكون جملة حينئذٍ لا بد من تقدير خبر أو مبتدأ، إما أن تجعل هذا المصدر خبراً، وإما أن تجعله مبتدأً، والأمر واضح.
الموضع الخامس: أن تقع في موضع التعليل، أن تقع (إنَّ) في موضع التعليل، فيجوز فيها الوجهان، لماذا؟ لأن التعليل قد يكون بالمفرد، تعليل الشيء إذا عللته قد يكون بالمفرد، قمت إجلالاً، إجلالاً هذا مفعول لأجله، إذاً وقع التعليل بالمفرد. وقد يقع التعليل بالجملة، وهذا كثير جداً في خواتيم الآيات. ((إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)) [الطور:٢٨]، ((إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) [القصص:١٦] لأنه الغفور الرحيم، لأنه البر الرحيم، وحينئذٍ نقول هنا: التعليل وقع بالجملة.
стр. 706
((إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)) [الطور:٢٨] (إِنَّه) قرأ نافع والكسائي بالفتح: أنه غفور رحيم، أنه هو البر الرحيم، على تقدير لام العلة: لكونه براً رحيماً، ((إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)) [الطور:٢٨] قرأ نافع والكسائي بالفتح على تقدير لام العلة: لأنه هو البر الرحيم، فنقدر المصدر ماذا؟ لكونه براً رحيماً، والباقون بالكسر: إنه هو البر الرحيم على أنه تعليل مستأنف، ومثله: ((وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)) [التوبة:١٠٣] ولذلك عند الأصوليين قاعدة: أن (إنَّ) بعد الأمر والنهي والخبر للتعليل، من مسالك العلة: (إنَّ) بعد الخبر والنهي والأمر تفيد التعليل. ((وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)) [التوبة:١٠٣] وَصَلِّ: هذا أمر، لأن صلاتك، فهذه الجملة جملة تعليل.
السادس: أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه، أن تقع بعد واو وهذه الواو مسبوقة بمفرد يصلح أن يعطف عليه، مثاله قوله: ((إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى)) [طه:١١٨] * ((وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى)) [طه:١١٩] وَأَنَّكَ: سبقت بواو يجوز عطفها على المفرد السابق، فيجوز فيها الوجهان، قرأ نافع وأبو بكر بالكسر إما على الاستئناف، أو بالعطف على جملة (إنَّ) الأولى بالكسر، والباقون بالفتح على: ((أَلَّا تَجُوعَ)) (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر ألا تجوع، و (لا) هذه لا تفصل بين (أن) وتجوع، يعني: لا تمنع من سبك المصدر بما بعده، أَلَّا تَجُوعَ، يعني: جوعك، فحينئذٍ نقول: هذه (لا) لا تمنع سبك (أن) مع ما بعدها، فهو في قوة المصدر، فكأنك عطفت على هذا المفرد.
السابعة: أن تقع بعد (حتى)، وحتى لها اعتبارات، بعد حتى، ويختص الكسر بالابتدائية، إذا جاءت (حتى) للابتدائية حينئذٍ تعين الكسر بعدها، نحو: مرض زيد حتى إنهم لا يرجونه، حتى: هذه ابتدائية، والفتح بالجارة والعاطفة: عرفت أمورك حتى أنك فاضل، حتى أنك بالعطف، إذا قدرنا (حتى) عاطفة فحينئذٍ يفتح ما بعدها وجوباً، وإذا قدرناها جارة فتح ما بعدها؛ لأنها لا تدخل إلا على المفرد، (حتى) من خواص الاسم، يعني مثل باء الجر وحينئذٍ تجر ما بعدها، ولا يكون ما بعدها جملة، بل لا بد أن يكون مفرداً.
ثامناً: أن تقع بعد (أما)، نحو: أما إنك فاضل، فالكسر على أنها حرف استفتاح مثل (ألا)، والفتح على أنها بمعنى: أحقاً، أما، بمعنى: أحقاً.
التاسع: أن تقع بعد (لا جرم)، ((لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ)) [النحل:٢٣] وهذا الغالب فيها الفتح، وجرم هذه عند سيبويه فعل ماض، و (أن) وصلتها فاعل، و (لا) صلة. جرم: فعل ماض، و (لا) صلة يعني زائدة، مثل: لا أقسم، (لا) هنا زائدة جيء بها للتأكيد، ومثلها: لا جرم.
وعند الفراء أن (لا جرم) بمنزلة: لا رجل، ومن مقدرة من بيان الجنس، ومعناها: لا بد ومن مقدرة بعدهما، والكسر تنزيلاً لها منزلة اليمين: لا جرم ليأتيني زيد، أو لأن يأتيني زيد، لا جرم ليأتيني زيد وحينئذٍ قدرت بكونها قسماً.
стр. 707
إذاً: في هذه المواضع التسع نقول: يجوز فيها الوجهان -في (أن) -؛ إما الفتح وإما الكسر.
ثم قال رحمه الله تعالى:
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ ... لاَمُ ابْتِدَاءِ نَحْوُ إِنِّي لَوَزَرْ
هذا شروع في أحكام لام الابتداء، لام الابتداء هذه مما لها صدارة الكلام، يعني تقع في أول الكلام، هذا الأصل، ثم هي من المؤكدات عند البيانيين، يعني يؤتى بها لتأكيد الكلام مثل (إن وأن)، قلنا: (إن وأن) للتأكيد لتقوية النسبة، كذلك اللام لام الابتداء تأتي لتقوية النسبة، تأتي للتأكيد، وحينئذٍ لها حق الصدارة ولها كذلك معنى التأكيد بمعنى (إنَّ)، وإذا كان كذلك امتنع أن يدخل حرف على حرف بمعنىً واحد، إذا كان لها حق الصدارة فحينئذٍ الأصل أن يؤتى بها في أول الكلام: لئن زيداً قائم، هذا أصل التركيب، اللام لام الابتداء لأن لها الصدارة وهي تؤكد الجملة، و (إنَّ) لها الصدارة وهي مؤكدة للجملة، لكن لا يجتمع حرفان بمعنىً واحد، فزحلقت هذه اللام إلى الخبر، ولذلك سميت اللام المزحلقة، لماذا زحلقت؟ لئلا يجتمع حرفان بمعنىً واحد في موضع واحد وهو أول الجملة، هذا ممتنع عندهم.
(إنَّ) من خصائصها: أن تلحقها لام الابتداء، ولكن لما لحقتها أولاً حينئذٍ دخلت على ما بعدها، وما بعدها قد يكون خبراً، وقد يكون اسماً، وقد يكون معمول الخبر، وقد يكون فصلاً، فهذه أربعة مواضع تكون محلاً للام.
شرع في الخبر وهو الأصل.
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ ... لامُ ابْتِدَاءٍ
وَتَصْحَبُ لامُ ابْتِدَاءٍ الْخَبَرْ -هذا التركيب- بَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ يعني لا بعد غيرها، فقدم ما حقه التأخير لإفادة القسم الإضافي.
وَبَعْدَ: نقول: هذا متعلق بـ: تَصْحَبُ، قُدِّم لإفادة الحصر، أي: لا بعد ذات الفتح، ذات الفتح هذه لا تقع في أول الكلام كما هو الشأن في (لكن)، لا بد أن تكون مسبوقة بكلام، وحينئذٍ (إنَّ) وقعت مؤكدة، و (أَّن) قلنا: وقعت مؤكدة، والفرق بينهما: أن (إنَّ) تقع في أول الجملة -أول الكلام- بخلاف (أن)؛ لأنها مفرد والمفرد لا يبتدأُ به.
إذاً: لا بعد ذات الفتح ولا غيرها من أخوات المكسورة ونحو هن، فالحصر إضافي، فلا ينافي أنها تصحب المبتدأ. لزيد قائم، يعني: ليست خاصة بباب (إنَّ) فقط، لا.
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ: إذاً لا بعد ذات الكسر، نعم (أن) لا تصحبها، فحينئذٍ نقول: والمبتدأ -لزيد قائم-؟ لا علاقة له بباب (إنَّ) نقول: هذه تصحبها، زيد لقائم؛ الجمهور على أنه ممتنع ليس بفصيح، لكن جوزه البعض، دخلت لام الابتداء على الخبر جائز أو لا؟ جائز عند من جوزه، ليست من باب (إن وأخواتها).
إذاً قوله: وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ: هو فيه نوع حصر لكنه إضافي باعتبار ما يذكر في هذا الباب، لا باعتبار ما لا يذكر في هذا الباب، فالمبتدأ وخبره حينئذٍ له أحكام خاصة، فتدخل اللام هناك مؤكدة على المبتدئ، لزيد قائم، زيد: مبتدأ، وقائم: خبر. علمت لزيد عالم، ظننت لزيد قائم؛ دخلت لام الابتداء كما سيأتي في باب (ظن) وليس من باب (إنَّ).
стр. 708
إذاً: وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ: لا بعد غيرها، والمراد: لا بعد غيرها مما يذكر في هذا الباب وهو (أن وأخواتها)، وأما الخبر والمبتدأ وظن ونحوها هذه لا علاقة لها بهذا الباب.
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ
ذَاتِ: هذه مؤنث ذُو بمعنى: صاحبة، صاحبة الكسر دون غيرها من أخواتها، فإن دخلت على غير (إنَّ) حكمنا بزيادتها، أي: مع كونها مفيدة للتأكيد فالمنسلخ عنها كونها لام الابتداء فقط؛ لأننا إذا قلنا بأنها زائدة إما أن نقول: الزيادة شاذة، وإما أن نقول: الزيادة معتبرة، إن قلنا شاذة لا قياس عليه، إن قلنا معتبرة حينئذٍ الأصل أنه لا يزاد شيء إلا لفائدة، وحينئذٍ لام الابتداء هل دخلت للمعنى الذي وضع لها في لسان العرب أو لا؟ نقول: لا. هنا إذا استعملت زائدة نقول: خرج وانسلخ عنها المعنى الأصلي وهو معنى الابتداء، لا كونها تفيد التأكيد؛ لأن كل حرف زائد دخل على جملة أفاد التأكيد وإن لم يفد المعنى الذي وضع له في لسان العرب.
إذاً: وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ؛ وهي إن المكسورة دون غيرها من أخواتها، فإن دخلت على غير (إنَّ) حكمنا بكونها زائدة كما سيأتي لَعَمِيدُ وغيرها.
ومعنى كونها زائدة؛ أنها تفيد التأكيد -إذا لم نحكم عليها بالشذوذ- تفيد التأكيد لكن لا كونها لام الابتداء، فليست هي لام الابتداء، فانسلخ عنها معنى كونها لام الابتداء ولم ينسلخ عنها التأكيد الذي يكون ملازماً للحرف الزائد.
تَصْحَبُ الْخَبَرَ ... لامُ ابْتِدَاءٍ
الْخَبَرَ: هذا مفعول به، ولامُ ابْتِدَاءٍ: هذا مضاف ومضاف إليه وهو فاعل.
تصحب لام ابتداء الخبر جوازاً لا وجوباً، يعني لا يجب وإنما هو جائز.
نَحْوُ: إنِّي لَوَزَرْ
لَوَزَرْ: يعني ملجأ يلجأ إليه ويستعان به.
إنِّي لَوَزَرْ: إني، إن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها في محل نصب، واللام هذه لام الابتداء.
وَزَرْ: هذا خبر (إنَّ) مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره.
إذاً: دخلت اللام هنا على خبر (إنَّ) المكسورة، أصل التركيب: لَإِنَّ، استثقل وجود حرفين بمعنىً واحد، فزحلقت اللام من (إنَّ) إلى الخبر، زحلقت اللام من (إنَّ) إلى خبره، وحينئذٍ نقول: الأصل في هذه اللام أن تكون في أول الكلام، لماذا؟ لأن لها الصدر، يعني مثل: (إنَّ) ومثل (من) الشرطية والاستفهامية، و (ما) التعجبية، و (كم) نقول: مثلها لام الابتداء، لها أحقية الصدارة في الكلام، فحقها أن تدخل على (إنَّ) نحو: لئن زيداً قائم، هذا الأصل.
стр. 709
ولم يُدَّعَى أن الأصل: إن لزيداً قائم، لماذا قالوا: الأصل دخلت على حرف؟ نقول: هي تؤكد المبتدأ في الأصل أو في الحال، وإذا أردنا أن نُقعِّد هذه نقول: الأصل: إن لزيداً قائم، قالوا: هذا هو الأصل، لكن لم يذكروا هذا الأصل، وإنما قالوا: لئن زيداً قائم. لماذا عدلوا عن هذا؟ قالوا: لئلا يفصل بين (إنَّ) ومعموليها معاً بما له صدر الكلام، لئلا يفصل بين (إنَّ) ومعموليها مما له صدر الكلام، حينئذٍ ادعوا أن الأصل: لَإِنَّ، ولم يقولوا الأصل: إن لزيداً، لماذا؟ لأن (إنَّ) الأصل فيها ضعف عملها، فحينئذٍ لو دخلت لام الابتداء بعد (إنَّ) مباشرة حينئذٍ هي أجنبية عن معمولي (إنَّ)، فالأصل فيها أنها تبطل عملها، لكن لم يدَّعُوا هذا من أجل سلامة التركيب، فأدخلوا اللام على الحرف وهو (إنَّ).
فحينئذٍ صار الأصل: لَإِنَّ زيداً قائم، لكن لما كانت اللام للتأكيد و (إنَّ) للتأكيد كرهوا الجمع بين حرفين بمعنىً واحد، فأخروا اللام إلى الخبر، وهذه اللام تسمى المزحلقة، فزحلقوا اللام إلى الخبر، ولم يزحلقوا (إنَّ) لأنها عامل، والعامل يبقى في محله، وحق العامل التقدم، فلم يزحلق (إنَّ) وإنما زحلقوا اللام؛ لأنها لا تعمل.
وهذه اللام لا تدخل على باقي أخوات (إنَّ)، فلا تقول: لعل زيداً لقائم، هذا ممتنع لعدم السماع، وأجاز الكوفيون دخولها في خبر (لَكِنَّ) لكنه شاذ، هذا إن صح الاستدلال ببيتهم:
يَلُومُونَني في حُبِّ لَيلى عَوَاذِلي ... ولكنَّنِي مِن حُبِّها لَعَمِيدُ
لَعَمِيدُ: هذا خبر، ودخلت اللام في خبر (لَكِنَّ)، لكنه شاذ، هذا إن سُلِّم بأن البيت معروف، وإلا قيل بأنه مركب.
وخُرِّج على أن اللام زائدة، لكنه شاذ، لا نقول: اللام زائدة، لأنا لو قلنا اللام زائدة فحسب حينئذٍ قد يسوغ الزيادة مع جعل اللام زائدة، بل الصواب أنه شاذ ولا يقاس عليه.
كما شذ زيادتها في خبر (أمسى) فَقَالَ مَنْ سَأَلُوا أَمْسَى لَمَجْهُودَا، أَمْسَى لَمَجْهُودَا نقول: هذا شاذ.
كذلك: كما زيدت في خبر المبتدئ شذوذاً:
(أُمُّ الْحَليْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَ بَهْ ... ) الأصل في دخول اللام على المبتدئ نفسه؛ لزيد قائم، والجمهور على منعها من دخولها على خبر المبتدئ، زيد لقائم؛ قالوا: هذا شاذ، وجوزه البعض وأجاز المبرد دخولها في خبر (أَنَّ) المفتوحة، قرئ شاذاً: (إِلاَّ أَنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ) بفتح (أَنَّ)، ويتخرج أيضاً على زيادة اللام.
إذاً: كلما زيدت اللام في غير خبر (إنَّ) فهو شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه، هذا إن سلم بالأصل.
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ
أطلق المصنف هنا الخبر، فهل كل خبر لـ (إنَّ) يصلح أن يكون مدخولاً للام؟ الجواب: لا، بل لا بد من استيفاء ثلاثة أشرط -ثلاثة أشرط أو ثلاثة شروط يجوز الوجهان-: كونه مؤخراً، ومثبتاً، وغير ماضٍ، وسينص الناظم على بعضها.
كونه مؤخراً، بمعنى: أنه لا يتقدم.
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلاَّ فِي الَّذِي ... كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ الْبَذِي
يعني: إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً تقدم، حينئذٍ لا يجوز. وإذا تأخر حينئذٍ جاز، بشرط كونه مؤخراً.
ومثبتاً لا منفياً، وغير ماض بشرطه، وسيأتي.
стр. 710
((إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ)) [إبراهيم:٣٩] دخلت على .. ؟ ما نوع "سَمِيعُ الدُّعَاءِ"؟
((إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ)) دخلت اللام هنا على سَمِيعُ وهو خبر (إنَّ).
((وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ)) [النمل:٧٤] دخلت على الفعل المضارع. ((وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ)).
((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم:٤] على الجار والمجرور، متوسط أو متأخر؟ ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) متأخر.
((وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ)) [الحجر:٢٣] على الجملة الاسمية.
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ ... لاَمُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ إِنِّي لَوَزَرْ
وَلاَ يَلِي ذِي اللاَّمَ مَا قَدْ نُفِيَا ... وَلاَ مِنَ الأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا
وَقَدْ يَلِيهَا مَعَ قَدْ كَإِنَّ ذَا ... لَقَدْ سَمَا عَلَى الْعِدَا مُسْتَحْوِذَا
هذا بيان للشروط التي ذكرناها.
وَلاَ: نافية.
يَلِي: هذا فعل مضارع.
ذِي الَّلامَ: ذِي اسم إشارة مفعول به. الَّلامَ المعهودة وهي لام الابتداء.
مَا قَدْ نُفِيَا: مَا اسم موصول بمعنى الذي، فاعل يَلِي، (وَلاَ يَلِي مَا قَدْ نُفِيَا ذِي الَّلامَ).
لاَ يَلِي: لا يتبع المنفي ذي اللام. إذاً: اللام إذا دخلت على الخبر يشترط في الخبر ألا يكون منفياً.
وَلاَ يَلِي ذِي الَّلامَ: اللام هذا ما إعرابه؟ بدل أو عطف بيان.
مَا قَدْ نُفِيَا: مَا: فاعل يلي.
قَدْ: هذه للتحقيق.
ونُفِيَا: الألف للإطلاق، نُفِيَ، ما الذي نفي؟ الضمير يرجع إلى أي شيء؟ أين الخبر؟
نُفِيَ، الذي قد نُفِي، (ما) يصدق على ماذا؟
على خبر، فحينئذٍ تقول: يرجع إلى (ما)، فالضمير هنا مرجعه (ما)، الاسم الموصول الذي هو فاعل.
وقَدْ نُفِيَا: الجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والألف هذه للإطلاق.
إذاً: الضمير المستتر هنا مرجعه (ما) لأننا نقول: يشترط في جملة الصلة أن تشتمل على ضمير لائق، يعود على الموصول نفسه. إذاً: نُفِيَ؛ الضمير يعود على (ما) نفسها، طبِّق القواعد السابقة.
وَلاَ يَلِي ذِي الَّلامَ مَا قَدْ نُفِيَا: يعني: لا يليها فعل منفي- ليس فعلاً فحسب-، إذا كان خبر (إنَّ) منفياً لم تدخل عليه اللام، لماذا؟ لأن اللام لتأكيد الإثبات، والنفي عدم، إذاً: يتنافى الإثبات مع العدم، المنفي عدم، واللام للتأكيد وهما متنافيان، فلا تقول: إن زيداً لما يقوم، إن زيداً ما يقوم؛ هذا صحيح أو لا؟ صحيح التركيب: إن زيداً ما يقوم، إن زيداً لما يقوم، نقول: هذا لا يصح.
َوأَعْلَمُ إنَّ تَسْليِماً وَتَرْكاً ... لَلا مُتَشَابِهَانِ وَلا سَوَاءُ
لَلا: دخلت اللام على لا، وحينئذٍ نقول: هذا شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه، أدخل اللام في الخبر المنفي بـ (لا) وهو شاذ.
وَلاَ مِنَ الأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا
وَلاَ: وَلاَ يليها أيضاً مَا كَرَضِيَا من الأفعال، ولا: يليها، يعني يلي ذي اللام ما كرضي من الأفعال، مِنَ الأَفْعَالِ هذا حال، حال من ما، في قوله: مَا كَرَضِيَا، يعني: الذي أشبه رضي. ورضي هذا لو نظرت إليه فإذا به ماضي متصرف غير مقترن بقد، والأحكام عند المصنف تؤخذ من الأمثلة.
стр. 711
مَا كَرَضِيَا: الذي كرضي -أشبه رضي-، لا يلي اللام، فلا تقل: إن زيداً لقام، إن زيداً لرضي، لا يقال هذا، لماذا؟ لأن الناظم قال:
وَلاَ مِنَ الأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا
فما كان من جنس رضي -صيغته ونوعه- لا يجوز أن يلي اللام؛ لأنه فعل ماضي، وإن كان متصرفاً إلا أنه غير مسبوق بـ (قد).
وَلاَ مِنَ الأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا: وهو ماضٍ متصرف غير مقترن بـ (قد)، فلا يقال: إن زيداً لرضي، ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى)) [آل عمران:٣٣] اصْطَفَى مثل رضي.
وَلاَ مِنَ الأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا: يعني ولا يليها أيضاً.
مَا: اسم موصول بمعنى الذي.
كَرَضِيَا: الألف للإطلاق.
مِنَ الأَفْعَالِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ما التي تلتها.
وَلاَ مِنَ الأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا: أشار به إلى أنه إذا كان الخبر ماضياً متصرفاً غير مقرون بـ (قد) لم تدخل عليه اللام، فلا تقل: إن زيداً لرضي، وأجاز الكسائي وهشام ذلك، لكن على إضمار قد، أجازوا هذا على إضمار (قد) "لَقَدْ رَضِيَ"، كأنهم جعلوا المحذوف كالملفوظ به، وحينئذٍ: إذا لم يكن كرضيا؛ كم يدخل تحته من الأنواع؟ الاسم المفرد: إن زيداً لقائم، لأن قائم ليس كرضيا.
الفعل المضارع: (إن الله ليعلم)، كما سبق.
الجملة الاسمية: ((وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي)) [الحجر:٢٣].
الظرف والجار والمجرور.
الماضي الجامد الذي ليس كرضي، إن زيداً لنعم الرجل، وإن زيداً لعسى أن يقوم، وإن زيداً لبئس ما صنع، نقول: هذه كلها داخلة في قوله: ما كرضي، وَلاَ يَلِي ذِي ... وَلاَ مِنَ الأَفْعَالِ مثل الذي رضيا، ما عداه يجوز، فإن كان الفعل مضارعاً دخلت اللام عليه، ولا فرق بين المتصرف وغير المتصرف، وإنما ذكر رضي وهو متصرف هذا في الفعل الماضي احترازاً من الجامد فيجوز على الصحيح، وأما الفعل المضارع فسواء كان متصرفاً أم لا، (إن الله ليعلم)، (إن زيداً ليذر الشر): هذا غير متصرف، ما سمع إن يذر، ليس له ماضٍ، هذا إذا لم تقترن به السين أو سوف، فإن اقترنت به: إن زيداً سوف يقوم أو سيقوم ففي الجواز خلاف، وصحح ابن عقيل جوازه إذا كان سوف، وأما السين فقليل.
وإن كان ماضياً غير متصرف؛ كنعم وبئس، فظاهر كلام الناظم هنا: كَرَضِيَا؛ أنه يجوز أن تدخل عليه لام الابتداء: إن زيداً لنعم الرجل، وإن عمرواً لبئس الرجل، لماذا؟ لأن الفعل الجامد كالاسم، الفعل الجامد مثل الاسم، الأصل في الاسم أنه جامد ومثله الفعل الجامد، وهذا مذهب الأخفش والفراء، والمنقول أن سيبويه لا يجيز ذلك.
إذاً: لا يلي اللام فعل مثل رضي، هذا الشرط الكم؟ وَلاَ يَلِي ذِي الَّلامَ مَا قَدْ نُفِيَا
أولاً: ألا يكون منفياً، بأن يكون الخبر مثبتاً.
ثانياً: ألا يكون ماضياً متصرفاً غير مقترن بـ (قد)، يدخل تحت هذا خمسة أنواع: المفرد، والجملة الفعلية -الفعل المضارع-، نعم وبئس -الجامد، الجملة الاسمية. إذاً: يستثنى هذا النوع فحسب.
وَلاَ يَلِي ذِي اللاَّمَ مَا قَدْ نُفِيَا ... وَلاَ مِنَ الأَفْعَالَ مَا كَرَضِيَا
ثم قال:
وَقَدْ يَلِيَهَا
قد يليها ما هو؟ رضي. قلنا: رضي الأصل أنه لا يلي.
وَلاَ مِنَ الأَفْعَالَ مَا كَرَضِيَا: لا يليها.
ثم قال: وَقَدْ يَلِيَهَا. إذاً: استثناء.
стр. 712
وَقَدْ يَلِيَهَا: قد هنا للتقليل.
يَلِيَهَا: فيه ضميران: ضمير مستتر، وضمير بارز. الضمير المستتر يعود على ماذا؟ على رضي، والضمير البارز يعود على لام الابتداء، الضمير البارز يعود على لام الابتداء، والضمير المستتر يعود على رضي، كأنه قال: وقد يلي رضي لام الابتداء مع قد، مع (قد) قصد لفظه، و (مع) هذا: حال من فاعل يلي.
كَإنّ ذَا ... لَقَد سمَا عَلَى الْعِدَا مُسْتَحْوِذَا
كَإنّ: يعني: كقولك، الكاف داخلة على مقول محذوف.
إنّ ذَا: اسم إشارة.
لَقَد سمَا: اللام هذه لام الابتداء، هي لام التأكيد دخلت على سما، بشرط: أن يسبق بـ (قد)، وحينئذٍ لما كان سما في أصله كرضيا حينئذٍ لا يصح أن يقال: كإن ذا لَسَمَا، لَسَمَا لا يصح، لكن لما سبق بـ (قد) حينئذٍ جاز دخول اللام على (قد) لا عليه هو، لماذا؟ قالوا: لأن (قد) تقرب الماضي من الحال، لأن دخول اللام على الفعل المضارع جائز، والأصل في الفعل المضارع أنه يدل على الحال، بل هو معناه -زمنه الحقيقي، والاستقبال نقول: هذا مجاز، هذا الصحيح، وإن كان الجمهور على أنه حقيقة في الحال والاستقبال، لكن نقول: عندهم أنه لا يتعين الاستقبال إلا بقرينة؛ السين وسوف ولن ولام الابتداء ونحو ذلك. وما احتاج إلى قرينة فرع عما لا يحتاج إلى قرينة، وهذا شأن المجاز، وحينئذٍ نقول: الفعل المضارع حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال، وهذا هو الصحيح وإن كان خلاف الجمهور، والسيوطي في جمع الجوامع رجح هذا القول.
إذاً: (قد) تقرب الماضي من الحال فأشبه حينئذٍ المضارع، لما دخلت (قد) على الماضي المتصرف كأنها قربته إلى الفعل المضارع والفعل المضارع يجوز أن يكون مدخولاً للام الابتداء، ولذلك: قام زيد وقد قام زيد، هل هما بمعنىً واحد؟ قام زيد، قد قام زيد؛ ليس بمعنىً واحد، قام زيد هذا قبل سنة، سنتين، عشر، يحتمل، فهو مطلق الزمن الماضي. لكن: قد قام زيد يعني في الزمن الماضي القريب، ما تقول: قبل سنة قد نجحت، لا، قد نجحت يعني قريب طلعت النتيجة، وأما: نجحت، يعني في الزمن الماضي البعيد، وإذا أدخلت عليه (قد) حينئذٍ الزمن الماضي القريب، فرق بين الجملتين؛ لأن (قد) تقرب الزمن الماضي، لأن الزمن الماضي نوعان: زمن ماضي بعيد، وهذا نسبي، وزمن ماضي قريب. إذا أردت الزمن البعيد لا تأتِ بقد، وإذا أردت الزمن الماضي القريب ائت بـ (قد)، فرق، حرف واحد، المعنى يختلف. ونحن لا نفرق بين (قد) وغيرها.
وَقَدْ يَلِيهَا مَعَ قَدْ كَإِنَّ ذَا ... لَقَدْ سَمَا عَلَى الْعِدَا .....
الْعِدَا: يعني الأعداء.
سمَا: يعني: علا.
عَلَى الْعِدَا: هذا جار ومجرور متعلق بسما.
مُسْتَحْوِذَاً: هذا حال من فاعل سما، سما هو يعود على (ذا) كأنه زيد مثلاً.
مُسْتَحْوِذَاً: أي غالب، هذا تتمة للمثال. إذاً: يشترط في خبر (إنَّ) الذي تدخل عليه اللام: ألا يكون فعلاً ماضياً متصرفاً، ويجوز في هذا النوع -يستثنى منه- ما سبقته (قد)، ما دخلت عليه (قد)، ما اقترن بـ (قد). إن اقترن بـ (قد) حينئذٍ جاز أن تدخل عليه اللام. إن زيداً لرضي: ممنوع، إن زيداً لقد رضي: جائز. ما الفرق بينهما؟ دخول (قد) على الثاني دون الأول.
стр. 713
قال ابن عقيل: وإذا كان ماضياً غير متصرف فظاهر كلام المصنف جواز دخول اللام عليه، فتقول: إن زيداً لنعم الرجل، وإن عمْراً لبئس الرجل، هذا ذكرناه. فإن قرن الماضي المتصرف بـ (قد) جاز دخول اللام عليه، وهذا المراد بقوله: وَقَدْ يَلِيَهَا مَعَ قَدْ نحو: إن زيداً لقد قام.
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ ... وَالْفَصْلَ وَاسْماً حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ
هذه ثلاث مواضع كذلك تدخل عليها اللام بعد (إنَّ) المكسورة، كل المواقع هذه بعد (إنَّ).
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ: تدخل اللام -لام الابتداء،- والذي تدخل عليه أربعة أشياء، كل الكلام مقيد بـ (إنَّ) المكسورة، دخولها على غير (إنَّ) المكسورة شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. يرد السؤال: تدخل على أي شيء، لأن (إنَّ) المكسورة يليها اسمها ويليها خبرها، ويليها معمول الخبر، ويليها ضمير الفصل، ما الذي تدخل عليه وما الذي لا تدخل عليه؟ تدخل على الخبر خبر (إنَّ) بشرطه السابق.
ثم قال:
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ
إذاً: الموضع الثاني الذي تدخل عليه لام الابتداء هو معمول الخبر، والخبر -كما سبق- قد يكون له معمول، يعني: إما جار ومجرور متعلق به، وإما حال، وإما مفعول مطلق .. إلى آخره، وحينئذٍ لا بد من التفصيل: ليس كل معمول خبر يجوز دخول اللام عليه، لا بد من شروط.
وَتَصْحَبُ: هذه اللام أيضاً، الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ.
الْوَاسِطَ: هذا مفعول به، ومَعْمُولَ الْخَبَرْ: بدل، يعني المتوسط من ماذا؟ معمول الخبر، احترازاً من المتأخر فلا تدخل عليه.
الْوَاسِطَ: يعني بين اسم (إنَّ) وخبرها، أي: المتوسط، من وسط الشيء كوعد، أي: توسطه.
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ
مفهومه: أنها لا تصحب المعمول المتأخر؛ لأنه قال: المتوسط معمول الخبر، احترازاً من معمول الخبر غير المتوسط، مثل: إن زيداً ضارب لعمْراً، هذا ممتنع. إن زيداً ضارب هذا خبر (إنَّ)، عمْراً: هذا مفعول به لضارب، دخلت عليه اللام نقول: هذا شاذ، إذا سمع نقول: هذا شاذ، لا يصح، لماذا؟ لأن شرط دخول اللام -لام الابتداء- على معمول الخبر: أن يتوسط، يتوسط بين ماذا وماذا؟ هذا على الخلاف السابق، إذا قلنا بجواز تقدم معمول الخبر إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً على اسم (إنَّ) حينئذٍ جاز دخوله إذا تقدم على اسم (إنَّ)، وإذا قلنا بالمنع حينئذٍ صار التوسط بين الاسم والخبر، والصحيح المنع أنه لا يتقدم إلا إذا كان الخبر ظرفاً أو جار ومجروراً.
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلاَّ فِي الَّذِي ... كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ الْبَذِي
стр. 714
حينئذٍ؛ إذا كان الخبر جاراً ومجروراً أو ظرفاً جاز تقدمه على اسم (إنَّ)، وأما معمول الخبر مطلقاً سواء كان ظرفاً أو جار ومجرور لا يتقدم على اسم (إنَّ) لأنَّ -قاعدة معتبرة-: وهي أنَّ المعمول إذا تقدم يؤذن بتقدم عامله وإلا الأصل أنه لا يجوز، وحينئذٍ إذا تقدم معمول الخبر وهو ظرف نقول: الأصل فيه أنه يجوِّز تقدم الخبر، وهذا ممتنع؛ لأن الخبر لا يجوز تقدمه، فإذا لم يجز تقدمه كذلك معمولاته كلها بلا تفصيل، لا يجوز أن تتقدم على اسم (إنَّ)، وحينئذٍ: إن زيداً ضارب عمراً، لعمْراً نقول: لا يجوز، لكن لو قال: إن زيداً عمْراً ضارب؛ حينئذٍ توسط معمول الخبر بين اسم (إنَّ) وخبرها، فجاز دخول اللام عليه.
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ
تدخل لام الابتداء على معمول الخبر إذا توسط بين اسم (إنَّ) والخبر، بهذا القيد: بين اسم (إنَّ) والخبر، نحو: إن زيداً لطعامك آكل، هذا المثال ما أدري ما الذي أعجبهم فيه، النحاة كلهم، الأشموني .. على هذا: إن زيداً لطعامك آكل، طعامك ما إعرابه؟ هذا معمول آكل؛ لأنه اسم فاعل فينصب، مثل: ضارب عمْراً، وحينئذٍ توسط بين الاسم والخبر فجاز أن يقترن به اللام.
وينبغي أن يكون الخبر حينئذٍ مما يصح دخول اللام عليه، يعني: ليس مطلقاً، بل لا بد من شروط معتبرة في معمول الخبر.
الأول: أن يكون هذا المعمول متوسطاً، وقد نص الناظم على هذا، أن يكون متوسطاً بين الاسم والخبر.
الثاني: ما أشار إليه بقوله: مَعْمُولَ الْخَبَرْ، فـ (أل) هنا للعهد، أي: الخبر الذي يجوز أن تدخل عليه اللام. لو قال: إن زيداً عمْراً ضرب، هل يصح أن نقول: إن زيداً لعمْراً ضرب؟ إن زيداً لعمْراً ضرب يصح أو لا يصح؟ هنا توسط معمول الخبر بين الاسم والخبر ودخلت عليه اللام، نقول: لا يجوز، لأن الخبر ضرب مثل رضي، لا يجوز، فحينئذٍ: إن زيداً لعمْراً ضرب نقول: هذا يمتنع، لأن شرط دخول اللام على معمول الخبر: أن يكون العامل –الخبر- مما يصلح دخول اللام عليه، فإن امتنع كأن يكون منفياً أو يكون ماضياً متصرفاً غير مقرون بـ (قد) حينئذٍ لو توسط معمول الخبر لا يجوز دخول اللام عليه، هذا الشرط الثاني أشار إليه بقوله: مَعْمُولَ الْخَبَرْ.
فـ (أل) للعهد، أي: الخبر الذي سبق أنه يصح اقترانه باللام، وأما ما لا يصح فلا.
إذاً: الشرط الثاني: أن يكون الخبر مما يصح دخول اللام عليه، وهذا يستفاد مما ذكرناه.
الثالث: ألا تكون اللام قد دخلت على الخبر، يعني: لام واحدة تدخل إما على الخبر وإما على معموله، إن دخلت على الخبر امتنع دخولها على معمول الخبر، فحينئذٍ: إن زيداً لعمْراً لقد ضرب؛ ممتنع، لماذا؟ لا يجوز دخولها على معمول الخبر، لأنها دخلت على الخبر. إذاً: لا يؤكَّد بلامين في موضع واحد، فإذا دخلت على الخبر امتنع دخولها على معمول الخبر.
الرابع: ألا يكون المعمول حالاً ولا تمييزاً، فلا يصح أن تقول: إن زيداً لراكباً حاضر، حاضر راكباً، الحال تقدمت على معمول الخبر وهي معمول الخبر، ولا يجوز دخول اللام عليها، ولا يجوز على خلاف.
стр. 715
ولا يقال: إن زيداً لعرقاً يتصبب، يتصبب عرقاً، تقدَّم توسَّط معمول الخبر وهو تمييز لا يجوز دخول اللام عليه، وقد نص الشارح على الحال، ونص غيره على التمييز. وزاد أبو حيان: ألا يكون المعمول مفعولاً مطلقاً ولا مفعولاً لأجله. فعنده لا يجوز: إن زيداً لركوب الأمير راكب، ولا: إن زيداً لتأديباً ضارباً ابنه، نقول: هذه كلها ممتنع.
إذاً: الحال والتمييز والمفعول المطلق والمفعول لأجله هذا لا تدخل عليه لام الابتداء.
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ: إذاً بشرطه السابق: أن يكون متوسطاً، أن يكون الخبر مما يصلح دخول اللام عليه، ألا تدخل على الخبر، ألا يكون المعمول حالاً ولا تمييزاً ولا مفعولاً لأجله ولا مفعولاً مطلقاً. وهذه كلها محل خلاف.
وَالْفَصْلَ: الفصل المراد به ضمير الفصل، وهذا تدخل عليه اللام: ((إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)) [آل عمران:٦٢] ((إِنَّ هَذَا)) هَذَا: اسم إن، هُوَ: ضمير فصل، الْقَصَصُ: هذا الخبر، دخلت اللام على هُوَ.
((إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)) [آل عمران:٦٢] هذا بعد (إنَّ) فحسب، والكلام فيما يلي (إنَّ) لا مطلقاً، ضمير الفصل قيل: هو حرف لا محل له من الإعراب، الجمهور على هذا وهو الصحيح: أنه حرف لا محل له من الإعراب. وقيل: بل هو اسم لا محل له من الإعراب كأسماء الأفعال، وقيل: هو اسم ومحله على حسب ما قبله، وقيل: على حسب ما بعده، قولان، حينئذٍ: إن زيداً هو قائم، هو إذا قلنا: لا محل له من الإعراب إما أن يكون حرفاً أو اسماً، لا إشكال فيه. على القول الثالث بأن محله ما قبله يكون في محل نصب: إن زيداً هو قائم، هو في محل نصب لماذا؟ تبعاً لما قبله، وعلى القول الرابع أنه باعتبار ما بعده يكون في محل رفع: كان زيد قائماً، العكس؛ زيد هو قائم، بالاعتبارين يكون في محل رفع، لكن الصحيح أنه حرف لا محل من الإعراب، وعليه أكثر النحاة، فحينئذٍ لم سمي ضمير والضمائر هذه أسماء؟ قالوا: مجاز؛ لأنه على صورة الضمير الاسمي وحينئذٍ صار مجازاً علاقته المشابهة في الصورة، وسمي ضمير فصل؛ لفصله بين الخبر والصفة، في نحو: زيد هو القائم، لو قلت: زيد القائم يحتمل هذا أن القائم خبر، ويحتمل أنه نعت، فلما قلت: زيد هو القائم تعين أن يكون خبراً لا نعتاً؛ لأن النعت لا يُفصل بينه وبين منعوته، زيد هو القائم، ويسمى عماداً عند الكوفيين لاعتماد المتكلم عليه في رفع الاشتباه بين الخبر والصفة، أراد المتكلم أن يفصل بين الخبر والصفة وجاء بهذا الضمير -في الصورة-، وإنما يكون على صيغة ضمير الرفع مطابقاً لما قبله غيبة وحضوراً وغيرهما، يعني: بصورة الرفع، وضمائر الرفع: أنت، هو، نحن، أنا، يعني: لا يخرج عن هذه الصور الثلاث، ويكون باعتبار ما قبله. إنا لنحن، إنا نحن قائمون، نقول: قائمون هذا خبر (إنَّ)، و (نحن) هذا ضمير فصل لا محل له من الإعراب. لماذا جاء (نحن) ولم يأت بـ (هو)؟ مطابقة لما قبله. كذلك: زيد هو القائم نقول: (هو) جاء بصورة المفرد مطابقة لما قبله.
بين مبتدئٍ وخبر في الحال أو في الأصل، زيد هو القائم: هذا في الحال، أو في الأصل مثل الذي معنا: إن زيداً لهو القائم.
стр. 716
معرفتين أو ثانيهما كالمعرفة في عدم قبول (أل) كـ: أفعل من، هذه كلها شروط لاعتبار ضمير فصل ضمير فصل.
أولاً: أن يكون بصورة المرفوع، ويكون مطابقاً لما قبله، وأن يقع بين مبتد، وخبر في الحال أو باعتبار الأصل، يعني: قبل دخول الناسخ، كذلك: أن يقع بين معرفتين أو ثانيهما كالمعرفة في عدم قبول (أل)، وهو أفعل التفضيل إذا جاءت بعدها (من) كـ: أفعل من.
وإنما جاز دخول لام الابتداء على ضمير الفصل؛ لأنه مقوٍّ للخبر، هو فيه تقوية لا شك، لذلك يعد من المؤكدات هنا.
لرفعه توهم السامع كون الخبر تابعاً، فنزل منزلة الجزء الأول من الخبر، أي: إذا كان الخبر جملة اسمية.
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ ... وَالْفَصْلَ
يعني: تصحب الفصل، أشار به إلى أن لام الابتداء تدخل على ضمير الفصل، إن زيداً لهو القائم، ((إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ)) [آل عمران:٦٢] فـ (هذا) اسم إن، و (هو): ضمير فصل لا محل له من الإعراب، ودخلت عليه اللام والْقَصَصُ خبر (إنَّ)، وسمي فصلاً لما ذكرناه.
إذاً: يشترط في ضمير الفصل الشروط السابقة حتى يعتبر أنه ضمير فصل، ليس الباب في بحث (إن وأخواتها) بل هو مطلق. زيد هو القائم، نقول: هذا ضمير فصل، لا بد أن يكون بصيغة المرفوع، وأن يكون مطابقاً لما قبله، وأن يكون بين مبتدئٍ وخبر، وأن يكون بين معرفتين أو الثاني منهما في قوة المعرفة، بعدم قبوله لـ (أل).
((كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ)) [المائدة:١١٧]، ((وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ)) [الصافات:١٦٥] هذه أمثلة لما ذكرناه.
وَاسْماً حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ
هذا الموضع الرابع مما تدخل عليه لام الابتداء.
وَاسْماً: يعني وتصحب اسماً، هذه كلها معطوفات على السابق:
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ ... وَالْفَصْلَ وَاسْماً
يعني: تصحب اسماً اسم (إنَّ).
حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ: بمعنى أن الاسم المتأخر تدخل عليه اللام؛ لأنها لو دخلت عليه اللام وهو متقدم لاجتمع عندنا مؤكدان، إن لزيداً -الذي هو الأصل-، ولكن لم يعرجوا عليه لئلا يدخل ما له صدارة بين (إنَّ) ومعموليها، وهذا الأصل فيها أنه يبطل إعمالها، وحينئذٍ إذا تقدم الخبر وتأخر الاسم جاز أن تدخل اللام على الاسم، مثل: إن قائم لزيداً.
لا يصح، لماذا؟
؟؟؟
إذاً: ليس مطلقاً، بل الخبر إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً. ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً)) [النازعات:٢٦] لَعِبْرَةً نقول: الجار والمجرور هنا توسط، فهو خبر مقدم، وتأخر الاسم.
وَاسْماً حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ
حَلَّ: هذا فعل ماض بمعنى: نزل.
الْخَبَرْ: هذا فاعل حل.
قَبْلَهُ: هذا منصوب بـ حل. حل الخبر قبله، حل: بمعنى نزل، وجاء في مرتبة قبل الاسم، وهذا إنما يتصور فيما إذا كان الخبر ظرفاً أو جاراً ومجروراً، وما عداه فلا؛ لأنه ممتنع: وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ.
стр. 717
حينئذٍ: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً)) [النازعات:٢٦] إذا دخلت اللام على الاسم -اسم (إنَّ) - وكان متأخراً والخبر ظرفاً أو جاراً ومجروراً هذا النوع نقول: مما يجب فيه توسط .. ؟ قلنا: الجار والمجرور باعتبار التقدم ثلاثة أحوال: ما يجوز فيه الوجهان، ما يجب التأخر، ما يجب التوسط. مما يجب فيه التوسط يعني: تقدم الخبر على الاسم: أن يكون الاسم قد حل به لام الابتداء؛ لأنك إذا قلت: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً)) [النازعات:٢٦] عِبْرَةً هذا واجب التأخير؛ لأنه إذا قدمته: (إن لعبرة) في الكلام العادي، إن لعبرة في ذلك تلا (إنَّ) لام الابتداء وهو ممتنع.
إذاً: إذا دخلت اللام -لام الابتداء- على اسم (إنَّ) وهو متأخر نقول: هذا الموضع مما يجب فيه تقدم الخبر على اسم (إنَّ).
وَاسْماً: يعني وتصحب اسماً حَلَّ -اسم (إنَّ) يعني-.
حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ: الخبر هذا فاعل حل.
وقَبْلَهُ: نقول: هذا معمول حَلَّ، نحو: إن عندك لزيداً، ((وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا)) [القلم:٣] لَكَ: جار ومجرور متقدم خبر. ما حكم التقدم هنا؟ واجب التقدم. ولَأَجْرًا؟ هذا واجب التأخير، كلاهما متلازمان، واجب التأخير، لا يجوز أن يتقدم الاسم هنا فهو واجب التأخير، وإذا وجب التأخير حينئذٍ لزم منه تقدم الخبر.
وَاسْماً حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ
قوله: معمول الخبر، قبله الخبر؛ هذا يسمى إيطاءً عندهم، وهو أن يكون اللفظ مطابقاً لما قبله بمعنىً واحد، هذا ممتنع، هذا عيب عندهم، حينئذٍ كيف نوجهه؟ الصبان يقول: ثَمَّ نسخة: وَاسْماً حَلَّ قَبْلَهُ خَبَرْ، وعليه فلا إيطاء، -إن صحت النسخة هذه-.
وأما معمول الخبر قبله الخبر؛ اللفظ واحد والمسمى واحد، هذا عيب عندهم عند العرضيين يسمى إيطاءاً، يعني: تواطأ آخر البيت مع آخر الشطر الأول. لو كان اللفظ واحداً والمعنى مختلف لا إيطاء، يندفع، وإذا كان الأول معرَّف والثاني نكرة أيضاً اندفع، لكن كلاهما معرَّف هذا فيه نوع إشكال، قد يكون خبر قبله خبر، فصح الوزن، قبله خبر، لكن على المذكور الله أعلم.
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ ... وَالْفَصْلَ وَاسْماً حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ
هذه مواضع أربعة تدخل عليها اللام بعد (إنَّ) المكسورة: معمول الخبر بشروطه السابقة، الخبر أولاً .. ثم معمول الخبر، ثم الفصل، ثم اسم (إنَّ).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 718
عناصر الدرس
* حكم عمل هذ هـ الأحرف عند إتصالها بـ (ما) ـ
* العطف على منصوب هذه الأحرف
* حكم هذه الأحرف بعد التخفيف وما يتبع ذلك م المسائل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَوَصْلُ مَا بِذِي الحُرُوفِ مُبْطِلُ ... إِعْمَالَهَا وَقَدْ يُبَقَّى الْعَمَلُ
هذا شروع في مسألة وهي: ما إذا اتصلت (مَا) الزائدة بهذه الحروف، سبق أن هذه الحروف الستة تدخل على المبتدئ أو الجملة الاسمية فتنصب المبتدأ على أنه اسم لها، وترفع الخبر على أنه خبر لها، حينئذٍ لاختصاصها بالجملة الاسمية أعملت فيها، وإذا دخلت عليها (مَا) الزائدة حينئذٍ تكفها عن العمل، وسبب كفها عن العمل أنها تهيئها للدخول على الجملة الفعلية إذا اتصلت بها (إنَّ): إنما يقوم زيد، إن زيداً قائم -هذا الأصل-، حينئذٍ إذا دخلت عليها (ما) الزائدة كفتها عن العمل وهيئتها للدخول على الجملة الفعلية، فإذا دخلت على الجملة الفعلية حينئذٍ زال اختصاصها بالجملة الاسمية، فإذا زال اختصاصها حينئذٍ بطل عملها؛ لأنها إنما أعملت لاختصاصها بالجملة الاسمية، فإذا زال اختصاصها ودخلت على الجملة الاسمية حينئذٍ ما وجه الشبه بينها وبين ما اختص بالاسم!
قال الناظم: وَوَصْلُ مَا: يعني: اتصال (مَا)، وَصْلُ هذا مبتدأ وهو مضاف، و (ما) الزائدة قصد لفظه في محل جر مضاف إليه.
وَوَصْلُ مَا بِذِي الحُرُوفِ: بِذِي هذا جار ومجرور متعلق بقوله وَصْلُ، وهو اسم إشارة للمفرد المؤنث، والحُرُوفِ هذا نعت أو بدل أو عطف بيان، ومُبْطِلُ هذا خبر.
إعْمَالَهَا: مفعول به لمبطل؛ لأنه اسم فاعل، واعتمد هنا فحينئذٍ نصب المفعول به.
стр. 719
وَوَصْلُ (مَا) الزائدة، وهذه تسمى (مَا) الكافة، أو (مَا) المهيئة، فلها ثلاثة أسماء، كافة ومهيئة وزائدة؛ زائدة: لأنها ليست موصولية وليست مصدرية وليست موصوفة، وإنما هي زائدة بمعنى: دخولها وخروجها سواء، إلا أنها كفت (إِنَّ) وأخواتها عن العمل، ومهيئة: لكونها هيئت هذه الأحرف للدخول على الجملة الفعلية: ((قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ)) [الأنبياء:١٠٨]، إذاً: دخلت على الجملة الفعلية ودخلت على الجملة الاسمية، فحينئذٍ صارت لفظاً مشتركاً، -حرفاً مشتركاً- بين الفعل والاسم، والحرف المشترك الأصل فيه أنه لا يعمل، حينئذٍ رجعت إلى أصلها؛ وهي عدم العمل: ((قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ)) يُوحَى هذا فعل، ودخلت عليه (إنما)، (ما) هذه زائدة: ((كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ)) [الأنفال:٦]، يُسَاقُونَ (كَأَنَّمَا) (كأن) دخلت عليها (مَا) الزائدة وهيئتها للدخول على الجملة الفعلية فبطل عملها، بخلاف: (وَلَكِنمَّا يُقْضَى فَسَوْف يَكُونُ ... )، بمعنى أن (مَا) الموصولة إذا دخلت على إن وأخواتها لا تخرجها عن العمل؛ لماذا؟ لأنه صار اسماً لها، لَكِنمَّا يُقْضَى، (لكنما) في ظاهره أن (لكن) دخلت على الجملة الفعلية وليس الأمر كذلك، لماذا؟ لأن ما هذه موصولية، فهو اسم (لكن)، ويُقْضَى الجملة في محل رفع خبر لكن، حينئذٍ يحترز بكون (ما) الداخلة على (إن) وأخواتها بأنها الزائدة، يحترز بها عن الموصولية، فلا تخرجها عن أصلها من نصب المبتدئ ورفع الخبر، وكذلك الموصوفة والمصدرية، الموصوفة والمصدرية ليست بداخلة معنا: إن ما عندك حسن، يعني: إن الذي عندك حسن، هل خرجت عن أصلها؟ لا، لأن الذي يصلح أن يكون اسماً لـ (إن)، إن ما عندك حسن، يعني: إن الذي عندك حسن، وإن ما فعلت حسن، وإن فعلك حسن، وتكتب مفصولة من (إن) بخلاف (ما) الزائدة، يعني: (ما) الزائدة تتصل بـ (إنما) تكتب كلمة واحدة، وأما (ما) الموصولية والموصوفة والمصدرية لا، يجب فصلها بالكتابة في الرسم لا تتصل بها، وهذا إذا كان الإنسان يكتب، حينئذٍ إذا كانت (ما) مصدرية فصلها، كتب: (إن) لوحدها، ثم فصلها وكتب (ما)، كذلك في (ما) الموصولية، (إنَّ ما) حينئذٍ نكتب (إن) لوحدها و (ما) لوحدها، و (أما) الزائدة لا؛ لأنها امتزجت بالكلمة فصارت كأنها جزء منها، فتكب معها.
стр. 720
وَوَصْلُ مَا بِذِي الحُرُوفِ مُبْطِلٌ ... إعْمَالَهَا: إِعْمَالَهَا أبطلت عملها، لأنها تزيل اختصاصها بالأسماء، وتهيئها للدخول على الفعل، فوجب إهمالها لذلك، ويستثنى من ذلك ليت، فإنها لا تبطل اختصاصها بالأسماء، بل هي هي، كما هي باقية على أصلها، وإن جاز فيها الإهمال والإعمال، ليت يستثنى من هذه الأحرف لا تكفها (ما) عن الدخول على الجملة الاسمية، بل يبقى الحال باختصاصها بالجملة الاسمية، ووجوب الإهمال هو مذهب سيبويه والجمهور، يعني: إذا دخلت (ما) الكافة هذه على (إن) وجب الإهمال، فلا يجوز النصب: إنما زيد قائم، هذا واجب، مذهب سيبويه والجمهور على هذا، ولا يجوز إنما زيداً قائم، لماذا؟ لأنها إنما أعملت لاختصاصها بالجملة الاسمية، فلما دخلت عليها (ما) الزائدة زال اختصاصها فبطلت العلة التي من أجلها أعملت، فحينئذٍ بطل عملها، ولا يجوز إعمالها، هذا هو ما عليه جماهير النحاة؛ أن هذه الحروف إذا دخلت عليها (ما) الزائدة كفتها عن العمل، ووجب إهمالها، فلا يجوز إعمالها، إلا ليت فيجوز فيها الوجهان، وذهب بعض النحاة وهم قلة ومنهم الناظم -ابن مالك ﵀ أن العمل باقٍ، لكنه قليل، فيجوز حينئذٍ: إنما زيداً قائمٌ، أنما زيداً قائمٌ، لكنما زيداً قائم، جائز عند المصنف رحمه الله تعالى، لماذا؟ لأنه سمع في ليت الإهمال والإعمال، وحكى بعضهم إنما زيداً قائمٌ حكى بعضهم أنه سمع: إنما زيداً قائمٌ، وهذا إعمال لها، حينئذٍ قاسوا على ليت بقية أخواتها بجامع أن كلاً منها أحرف تدخل على المبتدئ فتنصبه والخبر فترفعه، وكذلك مادام أنه سمع: إنما زيداً قائمٌ، حينئذٍ فليكن ذلك مطرداً في بقية الأحرف، ولذلك قال: وَقَدْ يُبَقَّى الْعَمَلُ.
مُبْطِلٌ إعْمَالَهَا: إذاً هذا هو الأصل، وهذا هو الكثير المطرد في لسان العرب، أن (ما) الزائدة إذا دخلت على هذه الأحرف أبطلت عملها، وهذا هو الوارد في لسان العرب، ولكن في قلة قَدْ يُبَقَّى الْعَمَلُ كما هو، ولذلك قال: (وَقَدْ) قَدْ هنا للتقليل.
يُبَقَّى العَمَلُ: حكى الكسائي والأخفش إنما زيداً قائمٌ، إذاً: نطقت العرب بنصب معمول (إن) بعد دخول (ما) الزائدة، حينئذٍ دل على أنهم قد أعملوها كأصلها، يعني: كما لو لم تدخل عليها (ما) الزائدة، لكن الصواب أن ما حكاه الأخفش والكسائي هذا يعتبر شاذاً، يعني: يحفظ ولا يقاس عليه.
стр. 721
وَقَدْ يُبَقَّى: قَدْ هنا للتقليل بالنسبة لغير ليت، -قليل بالنسبة لغير ليت-؛ لأنه جمع، قال: بِذِي الحُرُوفِ: دخلت فيها: (إن، وأنَّ وليت)، ومعلوم أن (إنّ وأنّ ولكنَّ ولعلَّ)، هذه إذا دخلت عليها (ما) الجماهير على أنها تمنع من الإعمال، بقي ليت، وهذا يكاد أن يكون إجماعاً أن ليت هذه تبقى بعد دخول (ما) على اختصاصها بالجملة الإسمية، وإذا بقي اختصاصها حينئذٍ بقيت العلة التي هي سبب في إعمالها، حينئذٍ تعمل وتهمل، وذلك: وَقَدْ يُبَقَّى العَمَلُ: هل المراد ليت، أو ما عداها؟ استعمل اللفظ في مشترك، في معنييه، حينئذٍ قد، نقول: هذه للتقليل بالنسبة لغير ليت، والتحقيق بالنسبة لليت؛ لأن إعمالها كثير ليس بقليل، بل أوجبه بعضهم ولم يجز الإهمال البتة لوجود الاختصاص وهو علة العمل، ففيه استعمال المشترك في معنييه.
وَقَدْ يُبَقَّى العَمَلُ: يعني: يبقى العمل كما هو على أصله، استصحابا للأصل، وتجعل حينئذٍ -إذا بقيت العمل- تُجعل (ما) ملغاة، يعني: في الأصل إذا أبطلت عملها صارت (ما) كافة –كفت-، وإذا أعملت حينئذٍ (ما) ملغاة، ليس لها وظيفة ليس لها عمل، وإنما عملها شيء معنوي هذا هو الأصل الذي دخلت من أجله، إنما زيد، (ما) هنا لها عمل، لها تأثير، وهو شيء معنوي كونها منعت (إن) من النصب، حينئذٍ قد لا تعتبر هذا المعنى فتجعلها ملغاة، فوجودها وعدمها سواء، فتقول: إنما زيداً بالنصب، و (ما) هذه ما دورها؟ لا شيء ملغية، وإذا كانت ملغية حينئذٍ تسلط العامل الذي هو (إنّ) على اسمها، فبقي على الأصل.
وتُجعل (ما)؛ وذلك مسموع في ليت، لبقاء اختصاصها: أَلاَ لَيَتَماَ هذَا اَلْحَمامَ لَنَا، (ليتما)، دخلت (ما) الكافة على (ليت)، أَلاَ لَيَتَماَ هذَا، هذا ما يظهر عليه الإعراب، اسم ليت وهو مبني هل هو في محل نصب، هل هو في محل رفع؟ محتمل لهذا وذاك، الحمامَ، الحمامُ روايتان، فالحمامَ هذا بدل أو عطف بيان، حينئذٍ البدل له حكم المبدل منه إعراباً، فلما نصب الحمامَ علمنا أن هذا (ذا) اسم ليت في محل نصب، وروي: الحمامُ بالرفع، إذاً: ذا مبتدأ وليس اسماً لـ: ليت، ليتما هذا، هذا (ذا) نقول: هذا مبتدأ في محل رفع، لماذا؟ لأن ليت دخلت عليها ما فكفتها عن العمل صارت مهملة، الدليل على هذا أن (الحمامَ) رفع بالضم، فدل على أن ما قبله مبتدأ؛ لأن النعت يأخذ حكم المنعوت وكذلك البدل.
إذاً: لَيَتَماَ هذَا اَلْحَمامَ، هذَا اَلْحَمامُ دل على أن هذا له حالان -اعتباران- اعتبرت (ما) أنها كافة حينئذٍ أبطلت عمل ليت، (ما) صارت ملغية لا وجود لها لا تأثير لها أعملت ليت.
стр. 722
وأما البواقي فذهب الزجاج وابن السراج إلى جوازه فيها قياساً، فتبعهم الناظم رحمه الله تعالى، ووافقهم الناظم هنا، ومذهب سيبويه المنع لزوال الاختصاص بخلاف ليت، فإنها باقية على اختصاصها بالأسماء، وهذا هو الأولى الذي ينبغي ترجيحه: أن هذه يستثنى منها ليت فحسب إذا دخلت عليها (ما)، وأما ما عداها فحينئذٍ نقول: اللغة الدارجة والمطردة في لسان العرب أنها تلغى، حينئذٍ (ما) تعتبر كافة، وما ورد في لسان العرب من بعضها حينئذٍ نقول: هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، إنما زيداً قائمٌ -ما حكاه الأخفش والكسائي- نقول: شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وأما القياس على (ليتما) قياس فاسد، لماذا؟ لأنه باتفاق أن هذه الأحرف إنما أعملت لاختصاصها بالجملة الاسمية، حينئذٍ فرق بين المقيس والمقيس عليه، ليتما بعد دخول ما بقيت على أصلها، فالعلة المقتضية للعمل موجودة، ولذلك قوله: من أوجب الإعمال، حتى مع (ما) له وجه؛ لبقاء الاختصاص، وأما (إنما وكأنما ولعلما)، حينئذٍ نقول: هذه زال اختصاها بالجملة الاسمية، حينئذٍ العلة المقتضية للعمل هذه منتفية غير موجودة، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، حينئذٍ إذا وجدت العلة وجد الحكم، وإذا ارتفعت العلة ارتفع الحكم.
وَوَصْلُ مَا بِذِي الحُرُوفِ مُبْطِلُ ... إِعْمَالَهَا وَقَدْ يُبَقَّى العَمَلُ
وهذا قلنا: قول فيه نوع مرجوحية.
قال: إذا اتصلت ما غير الموصولة بـ (إنّ) وأخواتها كفتها عن العمل إلا ليت، فإنه يجوز فيها الإعمال والإهمال، فتقول: إنما زيد قائم، ولا يجوز نصب زيد، وكذلك (أن وكأن ولكن ولعل) وتقول: ليتما زيدٌ قائمٌ، وإن شئت نصبت زيداً، وقلت: ليتما زيداً قائمٌ، وظاهر كلام المصنف: أن (ما) إن اتصلت بهذه الأحرف كفتها عن العمل، وقد تعمل قليلاً -كلها يعني-، وهذا قول مرجوح، وهذا مذهب جماعة من النحويين كالزجاج وابن السراج، وحكى الأخفش والكسائى: إنما زيداً قائم، والصحيح المذهب الأول، أنها لا تعمل البتة، وهو مذهب سيبويه وجمهور النحاة.
وهو أنه لا يعمل منها مع ما إلا ليت، وأما ما حكاه الأخفش والكسائي فشاذ، واحترزنا بغير الموصولة من الموصولة، فإنها لا تكفها عن العمل، بل تعمل معها، والمراد من الموصولة التي بمعنى الذي، والتي هي مقدرة بالمصدر: إن ما فعلت حسن، يعني: المصدرية والموصولة التي بمعنى الذي، وكذلك الموصوفة، حينئذٍ نقول: هذه لا تكف إن عن العمل، إن ما عندك حسن، لو جعلتها موصوفة، يعني: إن شيئاً عندك حسن، هذه لا تكف ما.
إذاً: (ما) الموصوفة و (ما) الموصولة و (ما) المصدرية لا تكف إن وأخواتها عن العمل.
ثم قال:
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفَاً عَلَى ... مَنْصُوبِ إِنَّ بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلاَ
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ، جَائِزٌ هذا خبر مقدم، ورَفْعُكَ مبتدأ مؤخر، ويجوز العكس على مذهب الكوفيين؛ لأنه كقوله: وَقَدْ ... يَجُوزُ نَحْوُ فَائِزٌ أُولُو الرَّشَدْ، هذا مثل هؤلاء، فائز أولو الرشد، يعني: وصف لم يعتمد على نفي أو استفهام، عند البصريين لا يجو أن يكون مبتدأً، وعند الكوفيين جائز.
стр. 723
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ: على مذهب الكوفيين: جَائِزٌ مبتدأ ورَفْعُكَ فاعل سد مسد الخبر، وجوزه ابن مالك على قلة، والصحيح أن: جَائِزٌ يكون خبراً مقدماً، ورَفْعُكَ مبتدأً مؤخراً، وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفاً، مَعْطُوفاً ما إعرابها؟
مفعول به للرفع: ((وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ)) [البقرة:٢٥١]، هذا من القبيل نفسه، ((وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ)) رَفْعُكَ مَعْطُوفاً، مصدر أضيف إلى الفاعل، وهو الكاف، رفعك أنت معطوفاً، مَعْطُوفاً هذا مفعول به لـ: رَفْعُ عَلَى مَنْصُوبِ، مَعْطُوفاً عَلَى مَنْصُوبِ: جار ومجرور متعلق بمعطوف.
مَنْصُوبِ إنَّ: مَنْصُوبِ مضاف وإِنَّ قصد لفظه مضاف إليه.
بَعْدَ أنْ تَسْتَكْمِلا: بعد هذا متعلق برفع، رفعك مَعْطُوفاً بَعْدَ أنْ تَسْتَكْمِلا، يعني: بعد استكمال (إنَّ) خبرها، فـ: بَعْدَ مضاف وأَنْ تَسْتَكْمِلاَ مضاف إليه في محل الجر، حينئذٍ بعد استكمالها، يعني: هذه الجملة خبرها، هنا المراد بهذه المسألة إذا جاء اسم معطوف على اسم (إن) فهذا إما أن يكون سابقاً على الخبر وإما أن يكون لاحقاً بالخبر، فهما صورتان، إن زيداً قائم وعمروٌ، هذه التي عناها الناظم هناز
بَعْدَ أنْ تَسْتَكْمِلا، جاء اسم بعد واو عطف بعد خبر (إنّ) واسم (إنّ)، إنّ زيداً قائمٌ وعمروٌ، وعمروٌ ما إعرابه؟ يجوز فيه النصب معطوفاً على اسم (إن) وهذا لا إشكال فيه واضح: إن زيداً قائمٌ وعمرواً، زيداً اسم إنّ قائم خبرها، الواو حرف عطف، عمرواً معطوف على المنصوب وهو اسم إن والمعطوف على المنصوب منصوب، لا إشكال.
بقي الإشكال فيما لو رفع، وعمروٌ، وعمروٌ حينئذٍ له أحد وجهين، إما أن يكون
стр. 724
مبتدأً لخبرٍ محذوف -وعمروٌ كذلك-، يعني: وعمروٌ قائم، ويحتمل -على ظاهر كلام المصنف- أنه معطوف على محل اسم (إنّ)، وما هو محل اسم (إنّ)؟ هو المراعاة قبل دخول (إنّ)؛ لأن الأصل: زيدٌ قائم، فهو مرفوع، دخلت (إنّ)، حينئذٍ كأنها أعملت في اللفظ وبقي المحل على ما هو، فلما عطف عليه بالرفع علمنا أن المعطوف عليه له صلة بالرفع، ولا يتصور في منصوب (إنّ) أن يكون له رفع إلا من جهة كونه مبتدأً؛ لأنه قبل دخول (إنّ) هو مبتدأ، فحينئذٍ يكون زيداً له عملان –محلان-، وتسلط عليه عاملان، الابتداء؛ لأننا إذا قلنا: زيداً في المحل مرفوع، مرفوع بأي شيء بـ (إنّ)؟ (إنّ) ما ترفع الاسم، حينئذٍ يكون مرفوعاً بالابتداء الذي كان قبل دخول (إنّ)، إذاً: هذا عامل، واللفظ المنصوف نصب بماذا؟ بـ (إنّ)، حينئذٍ عاملان على معمول واحد، لكن من جهتين، والمعمول هذا له جهتان: رفع ونصب، وهذا قول باطل، لأن بالإجماع أن (إنّ) وأخواتها تعتبر من النواسخ، وليس للنسخ معنىً إلا إزالة الحكم الذي كان قبل دخول الناسخ، فحينئذٍ الرفع بعد دخول (إنّ) غير موجود، رائحة الرفع غير موجودة أصالة، لزوال العامل الذي هو الابتداء بوجود (إنّ) وهو عامل لفظي، فزيداً في اللفظ والمعنى والمحل إن صح التعبير منصوب بـ (إنّ)، وليس للابتداء وجود، وليس للمبتدئ وجود لوجود (إنّ) واسمها، فحينئذٍ إذا أبطلنا هذا الاحتمال أن يكون مرفوعاً تعين الثاني -الوجه الثاني- وهو أن يكون عمروٌ بالرفع على أنه مبتدأ حذف خبره، لكن يبقى الإشكال في توجيه قول ابن مالك رحمه الله تعالى؛ لأن هذا القول ضعيف جداً؛ أن يكون لاسم (إنّ) محل، وهو الرفع.
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفاً عَلَى ... مَنْصُوبِ إنَّ: وهو اسمها، وظاهر أنه ليس العطف؛ لأنه قال: وَجَائِزٌ رَفْعُكَ، عَلَى مَنْصُوبِ إنَّ لا يمكن أن يكون العطف هنا على اللفظ بل هو على المحل، وليس ثم محل إلا من جهتين، ما ذكرناه سابقاً، وقد زاد بعضهم: (إنّ) واسمها في محل رفع مبتدأ، وهذا أبعد أيضاً، لأن الابتداء إنما يرفع مبتدأً فقط لا يرفع شيئاً آخر، و (إنّ) وزيداً ليست بكلمة واحدة حتى يتسلط عليها الابتداء، فهذا قول ضعيف وأبعد من الأول، فتعين الثاني وهو أن يكون عمروٌ مبتدأ حذف خبره، وعمروٌ كذلك أو وعمروٌ قائم.
وَجَائِزٌ: بالإجماع، رَفْعُكَ: جَائِزٌ رَفْعُكَ هذا يشعر بأن الأصل معتبر أو لا؟ إذا قيل لك: يجوز لك فعل ذلك، حينئذٍ ما يقابل الجواز يعتبر أصلاً، بل ويعتبر أرجح، إذا قيل: يجوز لك كذا، حينئذٍ نقول: ما يقابل الجواز يكون أصلاً، وإذا كان أصلاً حينئذٍ مراعاة الأصول هو الأرجح، فحينئذٍ جَائِزٌ رَفْعُكَ مع النصب والنصب أرجح؛ لأنه موافق للأصل، فأشعر قوله: وَجَائِزٌ –جائز-؛ إنما أبيح لك ذلك مع كونه ليس هو الأصل في الاسم، حينئذٍ نقول: هذا يدل على مرجوحية الرفع وكون النصب هو الراجح.
إذاً: يشعر قوله جائز أن النصب هو الأصل والراجح.
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفَاً عَلَى ... مَنْصُوبِ إِنَّ بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلاَ
стр. 725
وهنا بين لك أن الرفع يكون بشرطين: أولاً: منصوب (إنّ)، لا لعل ولا لكن، ويزاد عليها كما سيأتي: وَأُلْحِقَتْ بِإِنَّ لَكِنَّ وَأَنْ، وأما ليت ولعل وكأن فلا، حينئذٍ الشرط الأول في جواز الرفع: أن يكون المعطوف على منصوب (إنّ)، وألحقت بها (لكن وأن) ثلاثة ألفاظ.
ثم قال: بَعْدَ أنْ تَسْتَكْمِلا، الألف للإطلاق، ماذا تستكمل؟ (إن) تستكمل خبرها، فتتم الجملة: إن زيداً قائمٌ، نحو: إن زيداً آكل طعامك وعمروٌ، هذا فيه توجيه آخر فيه سعة، وليس معطوفاً على محل الاسم، قال الصبان: وليس معطوفاً على محل الاسم؛ لأن الرافع هنا الابتداء وقد زال بدخول الناسخ، كما ذكرناه، بل إما مبتدأ خبره محذوف والجملة ابتدائية، عَطْفٌ على محل ما قبلها من الابتداء إن كان جملة، أو مفرد معطوف على الضمير في الخبر إن كان فاصل كما في المثال: إن زيداً آكلٌ طعامك وعمروٌ، هنا جاء الخبر اسم فاعل، ومعلوم أن الخبر إذا جاء اسم فاعل، حينئذٍ يرفع .. -ليس الخبر عموم اسم الفاعل-؛ يرفع ضميراً مستتراً، وحينئذٍ الضمير المستتر في العطف عليه راجح ومرجوح، راجح إذا فصل بين المعطوف والمعطوف عليه وهو الضمير بفاصل، هذا سيأتينا هناك في باب التأكيد، ومرجوح إذا عطف عليه دون فاصل، إذا قيل: إن زيداً آكل طعامك، وعمروٌ، وعمروٌ هذا قلنا: مبتدأ لخبر محذوف، له وجه آخر، وهو أن يكون معطوفاً على الضمير المستتر في آكل؛ لأن آكل هذا يرفع ضميراً مستتراً، وهنا قد وجد الشرط أو ما يرجح هذا الإعراب، وهو الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لكونه ضميراً مستتراً: إن زيداً آكلٌ طعامك وعمروُ، لو قيل: إن زيداً قائمٌ وعمروٌ، عمروٌ هذا لا يصح أن يعطف على الضمير المستتر، وجوزه بعضهم لكن على ضعف، فيكون ضعيفاً، والأصح أن يقال بأنه مبتدأ لخبر محذوف، ولو عطف على ضمير قائم -عند من جوزه- جاز فيه الوجهان، لكن الأصح أنه إذا عطف على ضمير مستتر لابد من فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه، إن زيداً قائمٌ هو وعمروٌ، لو قال: هو وعمروٌ جاز أن يعطف على الضمير المستتر، فيكون هو تأكيد للضمير المستتر كما سبق معنا.
أو مفرد معطوف على الضمير في الخبر إن كان فاصل، كما في المثال، فإن لم يكن فاصل، يعني: بين عمرو والضمير المستتر، نحو: إن زيداً قائم وعمرو تَعَيَّنَ الوجه الأول، وهو كون عمرو مبتدأ حذف خبره.
إذاً: هذا ما يتعلق بوجود عاطف حرف، واسم معطوف بعد استكمال (إنّ) اسمها واخبرها، لو تقدم هذا الاسم قبل الخبر: إن زيداً وعمرواً وعمروٌ قائمان، اختلف الحكم أو لا؟ اختلف؛ لأن المسألة مفروضة في تأخر الاسم المرفوع، والآن تقدم.
стр. 726
فإن عطف على المنصوب قبل استكمال إن خبرها تعين النصب عند الجمهور، وجب النصب: إن زيداً وعمرواً قائمان، لا يجوز: إن زيداً وعمروٌ قائمان لا يجوز هذا، لماذا؟ لما يلزم على الرفع من العطف قبل تمام المعطوف عليه؛ لأن الأصل: وعمروٌ، حينئذٍ نقول: وعمروٌ إن عطف على (إنّ) وخبرها، نقول: عطف على شيء قبل تمامه، فكأنه حشر بين جزئي كلمة، إن زيداً عمروٌ قائمٌ نقول: عمروٌ كأنه حشر بين جزئي كلمة، مثل الياء من زيد، فحينئذٍ كونه يعطف على قائم: زيدٌ قائمٌ قبل استيفاء واستكمال الخبر، نقول: هذا ممنوع وسيأتي إن شاء الله في باب العطف؛ لما يلزم على الرفع من العطف قبل تمام المعطوف عليه إن جعل من عطف الجمل، ومن تقدم المعطوف على المعطوف عليه إن عطف المرفوع على الضمير في الخبر. حينئذٍ إذا قيل: إن زيداً وعمروٌ قائمٌ بالرفع، لو قيل: بأنه معطوف على الضمير المستتر في قائم صار تقدم المعطوف على المعطوف عليه، وهذا في المفردات وسيأتي معنا أنه ممنوع أيضاً.
وأجاز الكسائي الرفع مطلقاً، إذاً: مذهب البصريين أنه يجب النصب: إن زيداً وعمرواً قائمان –واجب النصب-، ولا يجوز فيه الرفع، وأجاز الكسائي الرفع مطلقاً، سواء قبل الاستكمال وبعده، بعد الاستكمال لا إشكال فيه، وأما قبل الاستكمال هذا محل إشكال، لماذا أجازه؟ قالوا: استدلالاً بقوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)) [المائدة:٦٩]، هذه الآية يقع فيها إشكالات عند النحاة: (إِنَّ) حرف توكيد ونصب، الَّذِينَ: اسمها منصوب -في محل نصب-، الَّذِينَ آمَنُوا: صلة المنصوب، وَالَّذِينَ هَادُوا: معطوف على المنصوب، وَالصَّابِئُونَ: جاء الإشكال، إذاً: قبل استكمال إن خبرها جاء اسم مرفوع -في أفصح الكلام ليس لك حجة-، فحينئذٍ جوز الكسائي الرفع قبل استكمال الخبر، وكذلك جاء: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ)، ((وَمَلائِكَتَهُ)) [الأحزاب:٥٦] على مذهب البصريين، وملائكتُه بالرفع، إذاً: قبل استكمال الخبر، يُصَلُّونَ خبر: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ) يُصَلُّونَ خبر، إذاً جاء اسم معطوف على اسم (إنّ) قبل استكمال الخبر وهو مرفوع، والبصريون يوجبون النصب، كذلك قوله: فَإنِّي وَقَيَّارٌ بَهَا لَغَريبُ، فَإنِّي وَقَيَّارٌ: معطوف على الياء، وجاء بالرفع.
стр. 727
إذاً: جوز الكسائي الرفع قبل استكمال الخبر، ولكن البصريين يأبون ذلك، ويقولون: لابد من التخريج إما على التقديم والتأخير، وإما على الحذف إما هذا وإما ذاك، إما ثم محذوف في الكلام، يعني: (وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى) نجعلها مبتدأ خبره محذوف: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى كذلك، مبتدأ وخبر والجملة معترضة: ((مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ))، فقوله: ((فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)) هذا خبر (إنّ)، وجملة: وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى كذلك، جملة معترضة، أو على التقديم والتأخير، أي: تقديم المعطوف وتأخير الخبر والقصد العكس، والتقدير: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا .. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا، وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى كذلك، ومَنْ آمَنَ في محل رفع بالابتداء وخبره: فَلا خَوْفٌ إلى آخره، والجملة خبر (إنّ)، وخبر وَالصَّابِئُونَ المحذوف، أي: كذلك كما علم.
إذاً: إذا جعلناه على التقديم والتأخير يكون التركيب: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا .. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى كذلك، كأننا جعلنا الكلام جملتين أتممنا الجملة الأولى، ثم قلنا: وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى كذلك، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ .. انتهت الآية مبتدأ وخبر، فَلا خَوْفٌ هذه جملة، وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى كذلك، صارت جملة مستقلة، وهذا أولى، ويجوز أن يكون: مَنْ آمَنَ خبر الصَّابِئُونَ، وخبر (إنّ) محذوف لدلالة خبر الصَّابِئُونَ عليه، فالحذف على هذا من الأول لدلالة الثاني وعلى الأول من الثاني لدلالة الأول وهو الكثير والعائد على كلٍ محذوف أي: مَنْ آمَنَ منهم، يجوز أن يكون: (مَنْ آمَنَ) خبر وَالصَّابِئُونَ، يعني: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا، وقفنا، أين خبر (إنّ)؟ محذوف، وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مبتدأ، مَنْ آمَنَ خبر المبتدئ الذي هو الصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى، أغنى خبر الصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى عن خبر (إنّ)، حينئذٍ حذف من الأول لدلالة الثاني عليه -عكس الأول-، فحينئذٍ: مَنْ آمَنَ فَلا خَوْفٌ –الجملتان- إما نجعل واحدة منها خبر لـ (إنّ): (إِنَّ الَّذِينَ)، فحينئذٍ نقدر خبراً محذوفاً للصَّابِئُونَ، وإما أن نجعل من آمن خبراً للصَّابِئُونَ، ونقدر خبراً لـ (إنّ)، على كلٍ لابد من التخريج عند البصريين.
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفَاً عَلَى ... مَنْصُوبِ إِنَّ بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلاَ
قال الشارح: إذا أتي بعد اسم إن وخبرها بعاطف جاز في الاسم الذي بعده وجهان: أحدهما: النصب عطفاً على اسم (إنّ) نحو: إن زيداً قائمٌ وعمراً.
стр. 728
والثاني: الرفع نحو: إن زيداً قائمٌ وعمروٌ واختلف فيه، فالمشهور أنه معطوف على محل اسم (إنّ) فإنه في الأصل مرفوع؛ لكونه مبتدأ -هذا ضعيف-، وهذا يشعر به ظاهر كلام المصنف، يعني: ظاهر كلام الناظم أن (إنّ) لم تنسخ الابتداء، في الحقيقة لم تنسخه، وإنما هو باقٍ بدليل ماذا؟ بدليل أن اسمها في محل رفع مبتدأ، وهذا محل إشكال، وذهب قوم إلى أنه مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: وعمرو كذلك، وهو الصحيح. بل هذا المتعين، والأول لا يجوز.
فإن كان العطف قبل أن تستكمل (إنّ) أي: قبل أن تأخذ خبرها؛ تعين النصب عند جمهور النحويين، إن زيداً وعمراً قائمان، وإنك وزيداً ذاهبان، وأجاز بعضهم الرفع، وهو مذهب الكسائي لما ذكرناه سابقاً.
وَأُلْحِقَتْ بِإِنَّ لكِنَّ وَأنّ ... منْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنّ
أُلْحِقَتْ بـ (إنّ) في ماذا؟ فيما تقدم من جواز العطف بالرفع بعد استكمال خبرها، يعني: القول السابق يقال في (أنّ) -وهي فرع (إنّ) - و (لكن)، فهذه الثلاثة الأحرف، يجوز رفع المعطوف بعد استكمال أخبارها، إما على أنه معطوف على منصوب (إنّ) كما رأى الناظم هنا، وإما أنه مبتدأ وخبره محذوف، وأما إذا كان العطف قبل استكمال (إنّ وأنّ ولكن) أخبارها، حينئذٍ وجب وتعين النصب عند البصريين.
стр. 729
وَأُلْحِقَتْ بِإنَّ: فيما تقدم من جواز العطف بالرفع بعد الاستكمال، لكِنَّ: ألحقت لكن، لكن هذا ما إعرابه؟ نائب فاعل قصد لفظه فهو علم، ألحقت لكن بإن باتفاق النحاة، و (أنّ) بالفتح و (أنْ) بالتخفيف للوزن، (وأنّ) المفتوحة على الصحيح، لكن باتفاق ملحقة بـ (إنّ)، و (أنّ) على الصحيح ملحقة بـ (إنّ)، إذا كان موضعها موضع الجملة، ليس مطلقاً كل (أن) لا، إذا كانت تفسر بالجملة حينئذٍ صح أن يعطف بعد استكمال خبرها بالرفع على منصوبها أو على أنه مبتدأ خبره محذوف، إذا كان موضعها موضع الجملة بأن تقدمها علم أو معناه، يعني: (أنّ) قد تقع موقع الجملة متى؟ بضابط إذا تقدمها علم أو معناه، يعني: مادة العلم، وله مثال في القرآن: ((وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ)) [التوبة:٣] أذان، هذا في معنى العلم؛ بعني هو إعلام: ((أَنَّ اللَّهَ))، (أنّ) وقعت (أنّ) هنا، ((أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ)) [التوبة:٣]، وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ كذلك من المشركين، وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ، أو وَرَسُولُهُ معطوف على (أنّ الله) منصوب (إنّ) ((أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) [التوبة:٣] مِنَ الْمُشْرِكِينَ هذا خبر، وعطف عليه: وَرَسُولُهُ، وَرَسُولُهُ بالرفع إما أن يكون مبتدأً لخبر محذوف وَرَسُولُهُ كذلك، أو وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ، وإما أن يكون معطوفاً على محل اسم (إنّ) على ما رآه الناظم، واشترط ذلك أن تكون في موضع جملة لا مطلقاً (أنّ)؛ لأنها حينئذٍ بمنزلة المكسورة، إذا فسرت بالجملة بعد العلم أو معناه صارت في منزلة (إن) المكسورة؛ وذلك بأن وقعت في محل الجملة بحسب الأصل لسدها معموليها بعد العلم مسد مفعوليه، وهما أصلهما المبتدأ والخبر، حينئذٍ لو قيل: أعجبني أن زيداً قائمٌ وعمرواً وعمروٌ يجوز الوجهان؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنها لم تقع في محل الجملة: أعجبني أن زيداً قائمٌ وعمرواً بالنصب، تعين النصب، ولا نقول: يجوز فيه الرفع؛ لكونه بعد (أنّ)، لا، لأن (أنّ) مشترط فيها أن تقع محل الجملة، وهنا وقعت محل مفرد: أعجبني أن زيداً قائمٌ، أعجبني قيام زيد فهو فاعل، إذاً: وقعت محل المفرد، وحينئذٍ لا يجوز الرفع، بل يتعين النصب: أعجبني أن زيداً قائمٌ وعمرواً؛ لتعين النصب لأنها ليست في موضع جملة.
وَأُلْحِقَتْ بِإنَّ (لكِنَّ) قلنا: باتفاق، وَأنَّ: المفتوحة على الصحيح.
منْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ: قيل هذا الشطر يستغنى عنه؛ لأنه قال:
وَأُلْحِقَتْ بِإنَّ لكِنَّ وَأنّ
إذاً: معلومه بالمفهوم أن لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ ليست ملحقة به، إذاً: ما الفائدة من قوله: (منْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ)؟ فـ: لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ إذا جاء بعدها معطوف بعد أخبارها تعين النصب، ولا يجوز فيه الرفع، حيث لا يجوز في المعطوف مع هذه الثلاث إلا النصب تقدم المعطوف أو تأخر لزوال معنى الابتداء معها.
стр. 730
منْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ: قيل: لو استغنى عن هذا الشطر لم يخل بالمعنى، المعنى باقٍ، وأجيب: بأن مفهوم (أنّ)، و (لكن) مفهوم لقب، إذا قلنا: أُلْحِقَتْ بِإنَّ لكِنَّ وَأنَّ، بمفهوم هذين الحرفين علمنا أن لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ، لكن ما نوع المفهوم؟ هذا مفهوم لقب، ومفهوم اللقب ضعيف عند الكثير، فدفعاً لهذا الإيهام لئلا يُخرج بـ (لكن) و (أنّ) ما ذُكر صرح الناظم بذلك المفهوم، إذاً: تصريحه بقوله: (منْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ) وإن كان مفهوماً من الشطر الأول، إلا أن جهة الفهم لقبية، ومفهوم اللقب هذا فيه ضعف، قد يقول قائل: لا، ما أراد الناظم هذا، حينئذٍ يحتاج أن يحترز عنه، فنص على ذلك دفعاً لهذا الوهم، وأجيب: بأن مفهوم (أنّ) ولكن مفهوم لقب وهو ضعيف، فخاف المصنف أن لا يعتبره أحد بضعفه، فنطق بذلك المفهوم.
وَأُلْحِقَتْ بِإِنَّ لكِنَّ وَأنّ ... منْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنّ
إذاً: (لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ) لا يجوز معها إلا النصب، سواء تقدم المعطوف أو تأخر، ليت زيداً وعمرواً قائمان، وليت زيداً قائمٌ وعمرواً بالنصب واجب النصب، واجب النصب على ماذا؟ واجب النصب على أي شيء؟!
معطوف على اسم ليت، ولا يجوز فيه الرفع، علمتُ أن زيداً قائمٌ وعمروٌ، علمتُ أن زيداً قائمٌ وعمروٌ وعمرواً يجوز أو لا يجوز؟ جائز، لماذا؟ (أنّ) هنا في موضع الجملة؛ لأنها حلت محل مفعولي علِمَ، وعمروٌ حينئذٍ نعربه مبتدأ خبره محذوف، وعمرواً معطوف على اسم أن.
ما زيدٌ قائماً، لكن عمرواً وخالداً منطلقان، ما زيد قائماً، هذا ليس فيها شاهد، لكن عمرواً وخالداً منطلقان، هنا جاء الاسم المعطوف قبل استكمال الخبر فوجب النصب، لو تأخر: لكن عمرواً منطلقٌ وخالدٌ –بالرفع-؟ جاز الوجهان؟ لكن خالداً منطلق وعمرواً واجب النصب؛ لأنه بعد لكن.
وَأُلْحِقَتْ بِإنَّ لكِنَّ: إذاً: يجوز فيها الوجهان، النصب والرفع، النصب عطفاً على اسم لكن، والرفع على أنه مبتدأ لخبر محذوف.
وَخُفِّفَتْ إِنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ ... وَتَلْزَمُ اللاَّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا ... مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا
وَخُفِّفَتْ إنَّ: خُفِّفَتْ هذا فعل مغير الصيغة، و (إنّ) نائب فاعل، (فقل) قلًَّ فعل ماضٍ والفاء هذه عاطفة، (فَقَلَّ الْعَمَلُ) هذا فاعل، (وَخُفِّفَتْ إنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ): بشرط تخفف (إنّ)، بمعنى أنها تحذف إحدى النونين، فيقال: (إنْ)، بدل الشدة: (إنَّ) تقول: (إنْ)، إنْ زيداً قائمٌ، إن زيدٌ لقائمٌ، حينئذٍ إذا خففت إن بحذف إحدى النونين قال: قَلَّ الْعَمَلُ. فَقَلَّ الْعَمَلُ، القليل العمل والكثير عدم العمل الإهمال.
إذاً: كونها لا تعمل بعد التخفيف أكثر من إعمالها: إنْ زيداً قائمٌ يجوز؟
قل العمل.
قليل، يعني: ليس بشاذ هو لغة، إذا قيل: معناه ليس بنادر أو أندر، إذا قيل: نادر هذا مختلف فيه هل يقاس عليه أم لا؟ وإذا قيل: أندر، أو حكم عليه بكونه شاذ هذا محل وفاق لا يقاس عليه، وأما النادر هذا محل نزاع، والصحيح أنه ما يعتبر لغة مطردة، وإنما قد يستعان به في الشعر ونحوه.
стр. 731
الحاصل: (وَخُفِّفَتْ إنَّ) إنْ زيداً قائمٌ، (إنْ) حرف توكيد ونصب، حذفت إحدى النونين طلباً للخفة لكثرة الاستعمال، حينئذٍ بقي عملها كما هو: زيداً اسم (إنّ) منصوبٌ بها وقائم خبرها.
(فَقَلَّ الْعَمَلُ) معناه أنها قد لا تعمل، بل هو الكثير، فتقول: إن زيدٌ بالرفع على الأصل، كأنها لم تدخل (إنّ)، إن زيدٌ لقائمٌ، بالرفع على أنه مبتدأ وقائم خبرها، و (إنْ) هذه هل لها أثر من جهة العمل؟ ليس لها أثر، وجودها -من جهة العمل- وجودها وعدمها سواء؛ لأنها لم تنصب المبتدأ على أنه اسم لها، ولم ترفع الخبر على أنه خبرٌ لها، بل يقال: إنْ زيدٌ، زيدٌ مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، واللام هذه فارقة وقائم خبر زيد مرفوع بالمبتدأ.
وَخُفِّفَتْ إنَّ: عرفنا التخفيف هو بإسقاط إحدى النونين، فتقول: (إنّ) تخففها إنْ زيداً فَقَلَّ الْعَمَلُ، (إنْ) المكسورة خففت لماذا؟ قالوا: لثقلها، فيكثر إهمالها، لقوله فَقَلَّ الْعَمَلُ، فيكثر إهمالها لزوال اختصاصها ويجوز إعمالها، لكنه قليل، وَخُفِّفَتْ إنَّ –المكسورة- بشرط أن لا يكون اسمها ضميراً، أما إذا كان اسمها ضميراً فلا يجوز بل تبقى على أصلها، وأن يكون خبرها صالحاً لدخول اللام، فإن لم يكن كذلك فلا، إن زيداً ضربَ عمراً، إنْ زيدٌ ضربَ عمراً، يصح؟ لا يصح، لماذا؟ لأن ضرب هذا مثل كـ (رضي) مثل رضي، لا يجوز أن تدخل عليه اللام إلا إذا قرن بـ (قد)، حينئذٍ يشترط في (إن) التي تخفف أن يكون خبرها صالحاً لدخول اللام، فحينئذٍ: إن زيداً ضرب لا يصح تخفيفها، وكذلك إذا كان اسمها ضميراً، ويستثنى الخبر المنفي الذي دخلت عليه أداة النفي: وَلاَ يَلِي ذِي الَّلاَمَ مَا قَدْ نُفِيَا
إذاً: المنفي لا يلي اللام، لكن هنا يستثنى.
стр. 732
وأما الخبر الذي لا يصلح أن تدخل عليه اللام إلا هذا الموضع حينئذٍ نستثني؛ لأنه وإن لم تدخل عليه اللام لا يتوهم معه أن (إنْ) نافية؛ لأنك إذا قلت مثلاً: إن زيداً لم يقم، خففها: إنْ زيداً لم يقم، (إنْ) هذه لا تلتبس بـ (إنْ) النافية، لماذا؟ للعمل، إذا كان العمل ظاهراً، إنْ زيداً، (إنْ) النافية لا تعمل، فحينئذٍ إذا نصبت بـ (إنْ) المخففة لا لبس مع (إنْ) النافية متى يقع اللبس؟ إن رفعتَ ما بعدها، إنْ زيدٌ قائمٌ هذا يحتمل: ما زيدٌ قائمٌ إن زيدٌ قائمٌ، يحتمل أن تكون (إنْ) نافية، ويحتمل أن تكون (إنْ) مخففة من الثقيلة؛ لأنه ليس عندنا شيء ظاهر يدل على نوعية (إنْ) هذه، لو نصبنا إنْ زيداً، عرفنا أنها مخففة، إذا رفعنا (إنْ) النافية ما بعدها مرفوع، و (إنْ) المخففة من الثقيلة ما بعدها مرفوع، حينئذٍ: إن زيدٌ قائمٌ، هل هذا إثبات أم نفي؟ التبس الأمر، فحينئذٍ قالوا: إذا أهملنا (إنّ) المخففة فحينئذٍ وجب اتصال أو دخول اللام الفارقة على خبر (إنْ)، إلا إذا وجدت قرينة لفظية أو معنوية فيستغنى عنها كما سيأتي، فحينئذٍ إذا قيل بالنفي: إن زيدٌ لم يقم، هنا عندنا قرينة لفظية أن (إنْ) هذه مخففة من الثقيلة، وليست هي النافية، لماذا؟ لأن النافية إنما يؤتى بها من أجل النفي، ولو سلطت (إنْ) النافية على هذه الجملة لصار من نفي النفي فصار إثبات، وهذا ليس مراداً، فحينئذٍ إذا وجد الخبر المنفي وقد خففت (إنّ) فصارت (إنْ) ولم تعمل لا نحتاج إلى اللام، إذاً: لم تدخل اللام على اللام كما هو الشأن هناك، الشأن هناك (للا) متشابهان قلنا: دخلت اللام على لا، فصار ثقل في اللسان، لكن هنا لم تدخل، لماذا؟ لأننا لم نحتج إليها؛ لأن القرينة اللفظية وهو وجود (لم ولن ولا) يدل على أن (إنْ) هذه مخففة من الثقيلة وليست (إنْ) النافية، ولذلك استثني من عدم صلاحية الخبر للام المنفي، قلنا: يشترط في (إنْ) إذا أردنا تخفيفها أن يكون خبرها صالحاً لدخول اللام، -قاعدة عامة-، صالحاً لدخول اللام، نستثني ماذا؟ المنفي، لماذا نستثنيه؟ لأنه لا يلتبس مع (إنْ) النافية، وإنما يعرف بصورته المحسوسة أن (إنْ) حينئذٍ مخففة من الثقيلة؛ لأنه وإن لم تدخل عليه اللام لا يتوهم معه أن (إنْ) نافية.
وَخُفِّفَتْ إنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ: العمل (أل) في العمل إما للعهد، وهو العمل المذكور، ما هو؟ نصب المبتدأ ورفع الخبر، وحينئذٍ (أل) هذه للعهد الذهني أو نجعلها نائبة عن الضمير، كما هو مذهب الكوفيين، فقل عملها، إما (أل) عهدية، وإما نائبة عن الضمير، وإما بدل من الضمير، والتقدير: فقل عملها.
стр. 733
وَخُفِّفَتْ إنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ: ما علة التخفيف - (إنْ) المكسورة-؟ نقول: لثقلها (إنّ) ثلاثة أحرف، و (إنْ) حرفان، فيكثر إهمالها لزوال اختصاصها، ويجوز إعمالها، وكثر الإهمال، قالوا: لزوال الاختصاص، نحو: ((وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ)) [يس:٣٢]، وَإِنْ كُلٌّ، وَإِنْ كُلٌّ (لمَّا) أو (لمَا)؟ في النصب (لمَا)، ((وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ))، (إنْ) مخففة من الثقيلة، كُلٌّ ما إعرابه؟ مبتدأ، مثل: إن زيدٌ قائمٌ، (إنْ) مخففة من الثقيلة، إذا كان ما بعدها منصوب منطوقاً به فهو واضح بين، حينئذٍ تجعله اسماً لها، فهو منطوق به، هنا: ((وَإِنْ كُلٌّ)) بالرفع، إذاً: لن يكون اسماً لها، فحينئذٍ هذه (إنْ) مخففة من الثقيلة وأهمل إعمالها -لم تعمل-.
وجاز إعمالها للأصل: وإن كلاً لما بالتخفيف، وإن كلاً: إذاً: أعملت (إنْ) هنا على الأصل، إعمالاً للأصل، وإنما قل هنا العمل وبطل فيما إذا كفت بـ (ما)، إذا كفت بـ (ما) بطل العمل، إنما زيدٌ قائمٌ قلنا: الصحيح أنها لا تعمل، هنا خففت فقل العمل جاز العمل، لماذا لا نقول هنا كما قال ابن مالك: وَقَدْ يُبَقَّى الْعَمَلُ؟ هو سوى بينهما المسألة عنده واحدة، لكن الإشكال عندنا، إذا قلنا: بأنه في السابق، وَقَدْ يُبَقَّى الْعَمَلُ فيه نظر باعتبار ما عدا ليت، والصواب أنه يعتبر شاذ ولا يقاس على ليت.
هنا زال الاختصاص بتخفيف إنّ (إنْ) ومع ذلك بقي العمل وإن كان قليلاً، وهذا القيل لغة فصيحة، ولذلك جاء في القرآن، ما الفرق بين المسألتين؟ نقول: وإنما قل هنا العمل وبطل فيما إذا كفت بـ (ما) مع أن العلة في الموضعين زوال الاختصاص بالأسماء؛ لأن المزيل هناك أقوى، (ما) هذا لفظ فهو قوي، أجنبي زِيدَ على اللفظ، وهو لفظ وهو قوي، كذلك زيد، يعني: هو أجنبي خارج عن الجملة، وهو بخلافه هنا فإنه نقصان بعض الكلمة، فالمانع هناك أجنبي، وهو لفظي وهو كلمة زائدة بلفظها، كلمة: (ما)، وهنا (إنْ) ليس عندنا إلا حذف إحدى النونين فحسب، فهو شيء من جزء الكلمة وليس بشيء خارج عنها، والسماع هو المعتبرز
فإنه نقصان بعض الكلمة، ومحل ما ذكر إن ولِيَها اسم، فإن وليها فعل وجب الإهمال، -هذا لا إشكال فيه، يعني: لو جاء بعد (إنْ) المخففة فعل هل نقول يجوز فيها الوجهان؟ لا؛ لأنه زال اختصاصها فدخلت على الجملة الفعلية، إذاً: ما بعدها يعتبر جملة فعلية، إما فعل ماضي أو مضارع .. إلى آخره-.
ولا يدعى الإعمال وأن اسمها ضمير الشأن والجملة الفعلية خبرها، بل الصواب أن يقال: بأن (إنْ) حينئذٍ تكون ملغاة، وإن خففت عن الثقيلة؛ لأن الفعل قد تلاها.
стр. 734
وَتَلْزَمُ الَّلامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ: عرفنا: وَخُفِّفَتْ إِنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ: متى تخفف وما الحكم، الإهمال كثير والأعمال قليل، إذا أهملت حينئذٍ قلنا: هي في اللفظ بمنزلة (إنْ) النافية، في اللفظ: إنْ زيدٌ قائم، في اللفظ الواحد، هذا إذا أهملت، حينئذٍ إما أن توجد قرينة لفظية أو معنوية تبين أن هذه (إنْ) إما نافية وإما مخففة وإما أن لا توجد، إن وجدت قرينة لفظية أو معنوية حينئذٍ صارت هي الدليل على توجيه (إنْ) هل هي مخففة أم أنها نافية، يعني: يُعلم من السياق أو من اللفظ أن هذه (إنْ) مخففة أو أنها (إنْ) النافية، إذا لم يوجد هذا ولا ذاك وجب دخول اللام على خبر (إنْ)، فإذا دخلت اللام على خبر (إنْ) تعين أن تكون (إنْ) هذه مخففة من الثقيلة، ولذلك قال: وَتَلْزَمُ الَّلامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ: تلزم وجوباً، اللام: الفارقة بين كون (إن) مخففة أو نافية، إِذَا مَا تُهْمَلُ: يعني: إذا تهملُ، إذا أهملت إنّ - (إنْ) المخففة من الثقيلة-، والتبست بـ (إنْ) النافية حينئذٍ وجب دخول اللام -اللام الفارقة- على خبر (إنْ).
وَتَلْزَمُ الَّلامُ الفارقة إِذَا مَا تُهْمَلُ للتفرقة بينها وبين (إنْ) النافية، ومَا هذه زائدة، إذا تهمل، فإذا أهملت ولم تعمل، حينئذٍ وجب اتصال اللام بخبرها إذا التبس بـ (إنْ) النافية.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ... !!!
стр. 735
عناصر الدرس
* أحكان (إن) المخفة
* أحكام (أن) المخففة
* أحكام (كأن) المخففة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
س: أليس الأولى أن يقدم الناظم وجوب التقديم ووجوب التأخير ثم يجعل الجواز؟
ج: لا لا، اصطلاحاً ما في بأس، يقدم هذا وذاك، والأصل الجواز: وَجَوَّزُوا التَّقْدِيمَ إِذ لاَ ضَرَرا، هذا الأصل جواز الأمرين، أما إذا وجب تقديم أو تأخير هذا خلاف الأصل.
س: ذكر ابن عقيل أن قول الناظم: وَجَوَّزُوا التَّقْدِيمَ خلافاً، فهل فيه فائدة؟
ج: نعم مسألة منع الكوفيين؛ لأن النسخة ما هي جيدة، التحقيق فيه كلام فيه سقط أو فيه شيء يعني، السيوطي تعرض لها في جمع الجوامع.
س: لماذا ترك ابن مالك رحمه الله تعالى لفضة باب عند التبويب، هل فيه نكتة؟
ج: الله أعلم.
س: لماذا لم تحذف كان من قوله تعالى: ((أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ)) [القلم:١٤]؟
ج: تحذف؟! ما يقال تحذف، نزَر ونرُر فيه وجهان ما في بأس، لكن نزَر من أجل البيت فقط.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَخُفِّفَتْ إِنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ ... وَتَلْزَمُ اللاَّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
إذاً: (إِنَّ) تخفف بحذف إحدى النونين، فيقال: (إنْ)، ثم يقل العمل ويكثر الإهمال، فيقال: (إن زيد لقائم، إن زيداً قائم)، حينئذٍ يجوز فيه الوجهان بالشروط التي ذكرناها سابقاً.
وَتَلْزَمُ اللاَّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ: إذا أهملت حينئذٍ قلنا قد تلتبس بـ (إن) النافية، إذا لم توجد قرينة لفظية أو معنوية، إذا لم توجد قرينة لفظية أو معنوية حينئذٍ وجب قال: تَلْزَمُ، إذاً يجب، يجب ماذا؟ دخول اللام على الخبر.
(وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ ... ... لاَمُ ابْتِدَاءٍ)
فإذا وجدت اللام حكمت على أن هذه (إن) مخففة من الثقيلة، إذا لم تجد اللام حكمت عليها بأنها (إن) النافية: إن زيد لقائم، هذه مخففة من الثقيلة، والدليل: اللام.
إن زيد قائم هذه نافية.
وَتَلْزَمُ اللاَّمُ: وجوباً -اللام الفارقة-.
إِذَا مَا تُهْمَلُ: إذا أهملت (إن) المخففة من الثقيلة فلم تعمل، حينئذٍ تلتبس بـ (إن) النافية، إذ اللفظ واحد، حينئذٍ لا يفرق بين هذا وذاك، إن زيد قائم إن زيد قائم، هل المراد إثبات أم نفي؟ لا يميز إلا اللام.
ثم قال:
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا ... : (رُبَّمَا) رب للتقليل، الأصل أنها مختصة بالأسماء.
فَكُلُّ مَا رُبَّ عَلَيْهِ تَدخُلُ ... فَإِنَّهُ مُنَكَّرٌ يَا رَجُلُ
وإذا دل على أنه نكرة فهو اسم، هنا دخلت عليه (ما)، وسوغت دخوله على جملة فعلية: (رُبَّمَا اسْتُغْنِيَ)، استغني هذه جملة فعلية دخلت عليها (رب)، الذي سوغ ذلك هو وجود (ما)، و (رب) هنا للتقليل و (ما) كافة، كفت (رب) عن الدخول على الجملة الاسمية؛ لأنها من خصائصها؛ لأنها تعمل الجر: رب رجل، وإذا دخلت عليها (ما) حينئذٍ كفتها: ((رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)) [الحجر:٢]، رُبَّمَا هي (رب) نفسها، لكن مخففة لغة: ((رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا))، دخلت على الجملة الفعلية، ما الذي سوغ الدخول على الجملة الفعلية وهي مختصة بالنكرات؟ (ما) الكافة كفتها، وكونها كفتها من جهة الأثر.
стр. 736
إذاً: رُبَّمَا للتقليل، استُغْني عَنْها -عن اللام- جار ومجرور متعلق بمحذوف نائب فاعل، استُغْني هذا مغير الصيغة وعَنْها نائب فاعل، والضمير يعود إلى اللام، متى؟
إِنْ بَدَا: إن ظهر.
(مَا) فاعل بدا.
نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِداً: إذا ظهر للمستمع ما الذي نَاطِقٌ متكلم أَرَادَهُ، يعني: أراد الناطق المعنى الذي أراده مُعْتَمِداً على قرينة لفظية أو معنوية.
إن وجدت هذه القرينة اللفظية أو المعنوية وعلم مراد المتكلم الناطق بكون هذه إن مخففة من الثقيلة استغني عن اللام، إذاً متى وجبت اللام؟ عند اللبس، عند الالتباس، متى يقع اللبس؟ إذا لم يفهم مراد المتكلم، متى يفهم مراد المتكلم؟ إذا قام قرينة لفظية أو معنوية.
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا.
قلنا: وَتَلْزَمُ، هذا عام.
وَتَلْزَمُ الَّلامُ إذَا مَا تُهْمَلُ: إذا أهملت –مَا: زائدة- إذا أهملت لزمت اللام -جاء تخصيص-.
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إنْ بَدَا ... مَا نَاطِقٌ: في الأول: وَتَلْزَمُ اللاَّمُ مطلقاً، سواء عرفنا مراد المتكلم أم لا، جاء التخصيص لبعض أفراد العام السابق، فقيل: رُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا عن اللام متى؟ إن ظهر لنا (ما)، يعني: المعنى نَاطِقٌ أرَادَهُ، أرَادَهُ يعود على (ما) خبر المبتدأ، نَاطِقٌ هذا مبتدأ، وأرَادَهُ الجملة خبر، ومُعْتَمِداً حال، حال كونه معتمداً، على قرينة لفظية، نحو: إنْ زيدٌ لن يقومَ، إذا وجدت النفي في الخبر حينئذٍ احكم عليها -احكم أن (إن) - بأنها مخففة من الثقيلة ليست نافية، لماذا؟ لأنها لو كانت نافية لصار نفي النفي إثبات وليس هذا مراد المتكلم، هو أراد نفي القيام عن زيد، لو قيل: ما زيد لن يقوم -ركاكة هذه-: ما زيد لن يقوم صار نفي نفي، حينئذٍ يقتضي الإثبات، وليس هذا مراد المتكلم.
إذاً: إذا وجد النفي -حرف النفي (لا) أو (لن) أو (لم) -في الخبر -متصلاً بالخبر-، فاحكم على (إن) بأنها مخففة من الثقيلة.
إذاً: اسْتُغْنِيَ عَنْهَا في هذا الترتيب مع كونها مخففة من الثقيلة لوجود القرينة اللفظية، وهي حرف النفي: (لم) و (لن)، ومثله: (إنِ الْحَقُّ لاَ يَخْفَى عَلَى ذِيْ بَصِيْرَةٍ)، لاَ يَخْفَى، هذا خبر (إن)، وهذه مخففة من الثقيلة قطعاً، لماذا؟ (إنِ الْحَقُّ لاَ يَخْفَى)، إذاً: كون الخبر منفياً دل على أن (إن) مخففة من الثقيلة، حينئذٍ هي مهملة، وهذه قرينة لفظية وليست معنوية، وأما المعنوية كقول الشاعر:
ونَحْنُ أُباة الضَّيْمِ مِنْ آلِ مالِك ... وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ
стр. 737
(وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ)، وَإِنْ مَالِكٌ، (وَإِنْ) هذه مخففة من الثقيلة وهي المهملة، ولم تدخل اللام على الخبر، وَإِنْ مَالِكٌ لكَانَتْ ما أدخل اللام لماذا؟ لأن المعنى واضح، هو ماذا يريد؟ يريد مدح، وإذا أراد المدح ينفي أو ثبت؟ يثبت قطعاً، (وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ)، لو قال: ومَا مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ، مدحه أو ذمه؟ هذا ذم، فحينئذٍ هذه قرينة معنوية -السياق كونه أراد المدح والثناء- نقول: هذه قرينة معنوية دلالة المقام على المدح، حينئذٍ دل على أن الكلام في الإثبات لا في النفي.
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا: عن اللام السابقة.
إِنْ بَدَا: ظهر.
مَا: أي: معنى.
نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا: إذا ظهر المعنى -معنى المتكلم أو المعنى المراد- من الكلام بقرينة لفظية -كما ذكرنا- أو معنوية، حينئذٍ استغني عنها عن اللام فلا تدخل.
إذا خففت إن فالأكثر في لسان العرب إهمالها، فتقول: إن زيد لقائم، وإذا أهملت لزمتها اللام فارقة بينها وبين إن النافية، هل هذه اللام لام الابتداء، أم أنها لام تسمى لام فارقة وليست هي عين لام الابتداء؟ خلاف طويل عريض لا فائدة منه، ولكن الصحيح أنها لام فارقة وليست هي لام الابتداء؛ لأنها تدخل على ما لا تدخل عليه لام الابتداء، حينئذٍ دل على أنها لام مغايرة لتلك، لكن لا ينبني عليه شيء -عمل-.
لزمتها اللام فارقة بينها وبين (إن) النافية، ويقل إعمالها فتقول: إن زيداً قائم، وحكى الإعمال سيبويه، والأخفش رحمهما الله تعالى، فلا نلزمهما حينئذٍ اللام؛ لأنها لا تلتبس، نعم إذا أعملت ظاهراً: إن زيداً لا تلزمها اللام؛ لأن بالنطق نقول: هذه إن مخففة من الثقيلة وهي معملة.
لأنها لا تلتبس والحالة هذه بالنافية؛ لأن النافية لا تنصب الاسم وترفع الخبر، وإنما تلتبس بإن النافية إذا أهملت، ولم يظهر المقصود، -مقصود المتكلم-، فإن ظهر قد يستغنى عن اللام كقول الشاعر ما ذكرناه، والتقدير: وَإِنْ مَالِكٌ لكَانَتْ، وحذفت اللام؛ لأنها لا تلتبس بـ (أن).
واختلف النحويون في هذه اللام، هل هي لام ابتداء أدخلت للفرق بين (إن) النافية و (إن) المخففة من الثقيلة، أم هي لام أخرى اجتلبت للفرق؟ وكلام سيبويه يدل على أنها لام الابتداء دخلت الفرق، والظاهر أنها ليست لام الابتداء؛ لوجود الفرق بين اللامين إذ تدخل هذه على ما يدخل لام الابتداء.
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً فَلاَ ... تُلْفِيهِ غَالِبَاً بِإِنْ ذِي مُوصَلاَ
стр. 738
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً فَلاَ ... تُلْفِيهِ غَالِباً بإِنْ: عرفنا أن (إن) مخففة من الثقيلة، وإذا خففت حينئذٍ زال اختصاصها بالجملة الاسمية، فتدخل على الجملة الفعلية، حينئذٍ يرد السؤال: هل كل فعل يلي (إن) المخففة من الثقيلة، أم ثم شيء مسموع عن العرب؟ الثاني، فليس كل فعل يلي (إن) المخففة من الثقيلة، بل ثم ما هو غالب كثير في لسان العرب، وهو أن يكون الفعل الذي يلي (إن) المخففة من الثقيلة ناسخاً، ومعلوم أن الأفعال الناسخة: كان وأخواتها وكاد وأخواتها وظن وأخواتها، هذا هو الغالب، لا يلي إن المخففة من الثقيلة إلا واحد من هذه الأفعال، ومن غير الغالب أن يليها فعل ليس بناسخ، إذاً مقصوده بهذا البيت أن يبين لنا إن المخففة من الثقيلة إذا أهملت، حينئذٍ تدخل على الجملة الفعلية حيث زال اختصاصها، ثم هل كل فعل يليها أم ثم تفصيل؟ الثاني ولا شك.
وَالْفِعْلُ: ما إعرابه؟ مبتدأ، إنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً، يكُ:
وَمِنْ مُضَارِعٍ لِكَانَ مُنْجَزِمْ ... تُحْذَفُ نُونٌ وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ
حذفت النون هنا تخفيفاً.
إنْ لَمْ يَكُ: أي: الفعل نَاسِخاً للابتداء، وهو كان وكاد وظن وأخواتها، كل هذه.
فَلاَ تُلْفِيهِ: -فلا تجده- وَالْفِعْلُ إنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً فَلاَ ... تُلْفِيهِ -فلا تجده- غَالِباً بإِنْ ذِي مُوصَلاَ، غَالِباً سيأتي المراد بـ: غَالِباً، (بإِنْ ذِي) بـ (إن) ما إعراب بـ (إن)؟
جار ومجرور، كيف حرف جر يدخل على (إن)؟ حرف جر -حرف على حرف-؟
قصد لفظه.
بـ (إِنْ) جار ومجرور متعلق بقوله: (مُوصَلاَ)، وذِي؟
اسم إشارة إعرابها؟
بدل أو نعت، ما في بأس، وتُلْفِيهِ يتعدى إلى مفعولين (باب ظن)، أين مفعوله الأول؟
الهاء، والثاني؟
مُوصَلاَ، هذا هو المفعول الثاني لتلفيه، تلفيه موصلاً، غَالِباً هذا ظرف وليس بحال، ومُوصَلاَ اسم مفعول من أوصل الرباعي المتعدي، وثلاثيه اللازم وصل بمعنى اتصل، وإن كان وصل يتعدى أيضاً، وإن كان الكثير أنه لازم.
إذاً: موصلاً المراد به متصل.
لا يوجد فعل متصل بـ (إن ذي) التي أهملت إلا وتجده ناسخاً، لكن في الغالب -في الحال الغالب-، وهذا الشأن هنا غالباً مثل الشأن في قوله:
وَبَعْدَ لَوْلا غَالِباً: قلنا: يعني: في غالب أحوالها، وهي أن يكون خبرها؟
؟
وَبَعْدَ لَوْلا غَالِباً، يعني: في غالب أحوالها، ما هو غالب أحوالها؟ كون عام وكون مقيد، لها طريقان لها حالان، والغالب أن يكون خبرها كوناً عاماً هي التي يجب فيها الحذف.
وأما إذا كان كوناً خاصاً هذا فيه تفصيل: إن علم جاز وإلا فلا.
стр. 739
(غَالِباً) ظرف زمان أو مكان متعلق بالنفي؛ لأنه قال: فَلاَ تُلْفِيهِ غَالِباً، يعني: في غالب أحوال (إن) المهملة، فَلاَ تُلْفِيهِ غَالِباً، إذاً متعلق بالنفي، وأعربه محيي الدين: حال، لكن ليس بظاهر، والمعنى انتفى في غالب الأزمنة، أو في غالب التراكيب، وجود الفعل موصلاً بإن إذا لم يك ناسخاً: هذا المراد، انتفى في غالب الأزمنة أو في غالب التراكيب وجود الفعل موصلاً بـ (إن) إذا لم يكن ناسخاً، ومفهوم ذلك عكس، أنه قد يصل في بعض الأحوال، لكنه على قلة أن يكون الفعل ليس ناسخاً، ومفهوم ذلك: أن وجود الفعل الناسخ موصلاً بـ (إن) لم ينتفِ في الغالب فيصدق بالكثرة، ولو جعل متعلقاً بالمنفي لكان المفهوم أن وجود الفعل الناسخ موصلاً بـ (إن) غالبيٌ، مع أن القوم إنما ذكروا الكثرة للغلبة، يعني: النحاة يعبرون في مثل هذه التراكيب بالكثير، ولا يعبرون بالغالب، وابن مالك كثيراً ما يعبر عن الكثرة بالغالب، حينئذٍ ثم تفصيل هل هو متعلق بالنفي أو المنفي؟ خلاف لا طائل تحته.
وَالْفِعْلُ إنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً فَلاَ ... تُلْفِيهِ: إنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً، نَاسِخاً، يشترط في الناسخ كونه غير نافٍ ليخرج ليس، يعني: غير ناف بنفسه؛ ليخرج ليس.
وغير منفي: ليخرج زال وأخواتها.
وغير صلة: ليخرج دام، إذاً: هذه مستثناة من الفعل الناسخ، ليس، زال وأخواتها، ودام، هذه لا تأتي بعد إن، مستثنى من قوله: وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً: يستثنى منه المنفي، ما كان نفياً بنفسه وهو ليس، أو زال وأخواتها، أو صلة وهو دام.
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً فَلاَ ... تُلْفِيهِ غَالِبَاً بِإِنْ ذِي مُوصَلاَ
إن ولي إن المكسورة المخففة فعل كثر كونه مضارعاً ناسخاً، كثير أن يكون مضارعاً ناسخاً: ((وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ)) [القلم:٥١]، ((وَإِنْ يَكَادُ)) يكاد هذا فعل مضارع ناسخ، كاد يكاد، جاء بعد (إن) المخففة من الثقيلة: ((وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ))، ((وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ)) [الشعراء:١٨٦]، ((لَمِنَ الْكَاذِبِينَ)) اللام هذه داخلة على خبر (إن)، دل على أنها .. ؟
((وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ)) يعني: ما نظنك لمن الكاذبين، أو إثبات؟
إثبات.
إثبات، الدليل؟
اللام.
((إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ)) [الصافات:٥٦]؟
مخففة من الثقيلة، كاد دكت، حذفت الألف للتخلص من التقاء الساكنين: ((وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)) [الأعراف:١٠٢]، ((وَجَدْنَا)) فعل ماضي من وجد، وهو ناسخ.
وندر كونه ماضياً غير ناسخ.
إذاً: الكثير أن يكون مضارعاً ناسخاً، ثم بعده في المرتبة الثانية أن يكون ماضياً ناسخاً، وندر كونه ماضياً كذلك غير ناسخ: ((وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ))، يَكَادُ قلنا: مضارع، ((وَإِنْ وَجَدْنَا)) هذا ماضي.
إذاً: الماضي والمضارع الناسخ ليس بنادر، وإنما النادر كونه ماضياً غير ناسخ، ومثله:
شَلَّتْ يَمينُكَ إنْ قَتَلْتَ لمُسلماً
стр. 740
لمُسلماً: اللام وقعت في الجواب، وإنْ هذه مخففة من الثقيلة، قَتَلْتَ، قتل هذا ليس بناسخ، فهو فعل ماضي غير ناسخ، وأندر منه كونه لا ماضياً ولا ناسخاً، يعني: ليس ماضياً غير ناسخ ولا ناسخ بنوعيه المضارع والماضي.
"إنْ يَزِينُك لَنَفْسُك": نقول: هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.
إذاً المراتب على هذه: إما أن يكون ناسخاً مضارعاً وهو الأكثر، ثم ماضٍ منه -من الناسخ- وهذا بمرتبتين لكنها فصيحة والقياس عليها كثير، وإما أن يكون ماضياً غير ناسخ وهذا نادر ومختلف في القياس عليه، ثم أن يكون غير ماضٍ غير ناسخ, وهو المضارع: إنْ يَزِينُك وهذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً فَلاَ ... تُلْفِيهِ غَالِبَاً بِإِنْ ذِي مُوصَلاَ
ودخول اللام مع الفعل الناسخ على ما كان خبراً في الأصل، نحو: ((وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)) [الأعراف:١٠٢]، يعني: اللام هنا دخلت على الأصل، للإشارة إلى كونها مخففة من الثقيلة، فاللام حينئذٍ تكون داخلة على إن المهملة مطلقاً، إلا ما استثني فيما إذا وجدت قرينة حينئذٍ يستغنى عنها، ومع غير الناسخ على معموله فاعلاً كان أو مفعولاً ظاهراً أو ضميراً منفصلاً، فالفاعل بقسميه نحو: "إنْ يَزِينُك لَنَفْسُك"، نفس ما إعرابها؟
فاعل دخلت عليه اللام، إذاً: هذه لام فارقة وليست لام الابتداء، لا تدخل على الفاعل، لام الابتداء لا تدخل على الفاعل.
والمفعول الظاهر، نحو: إن قتلت لمسلماً، قتلت مسلماً دخلت اللام الفارقة على المفعول به، وأما المفعول الضمير فكما لو عطف على قولك: إن قتلت لمسلماً قولك وإن أهنت لإياه، دخلت على الضمير، -مفعول به وهو ضمير-، منفصل أو متصل؟
منفصل، حينئذٍ هذه لام فارقة وليست لام الابتداء، المقصود: أن دخول اللام مع الفعل الناسخ على ما كان خبراً في الأصل، وقد تدخل على المفعول وعلى الفاعل، سواء كان المفعول ظاهراً أو كان ضميراً.
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً فَلاَ ... تُلْفِيهِ غَالِباً بِإِنْ ذِي مُوصَلاَ
وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ ... وَالْخَبَرْ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ أَنّ
هذا ما يتعلق بتخفيف (أن)، (أن) مفتوحة الهمزة (إن) في التخفيف، إلا أن (إن) إذا خففت صار الإهمال أكثر من الإعمال، وأما (أنَّ) إذا خففت حينئذٍ تلزم الإعمال على حالها وشأنها فلا تهمل، وهذا قد يقدح في أنها فرع عن (إنَّ) هذا قد يقدح فيه؛ لأنها لو كانت فرع (إنَّ) حينئذٍ لحقتها في التخفيف كما لحقتها في العمل.
وَإنْ تُخَفَّفُ أَنَّ: المفتوحة.
فَاسْمُهَا اسْتَكَنّ: يعني: يبقى العمل، ولذلك قال: فاسمها، ولا يعبر بكون لها اسماً إلا إذا كانت عاملة، لا يقال: بأن لها اسماً إلا إذا كانت عاملة، وأما إذا لم يكن كذلك حينئذٍ صارت مبتدأً.
إذاً: وَإنْ تُخَفَّفُ أَنَّ: فيقال: (أن) بحذف إحدى النونين، يبقى العمل، ولذلك قال: وَإنْ تُخَفَّفُ أَنَّ فَاسْمُهَا: واقعة في جواب الشرط، فلا يسمى اسمها إلا وهي عاملة.
فَاسْمُهَا اسْتَكَنّ: اسْتَكَنّ يعني: حذف من اللفظ وجوباً ونوي وجوده لا أنها تحملته؛ لأنها حرف.
следующие страницы →