Полный текст (2 939 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
لأنها إنما جاءت لتدل على أن فاعلها تلبس بهذا الفعل وشرع فيه لا غيره، ويستثنى عسى فقط؛ فإن خبرها يرفع السبب، كقوله:
وَمَاذا عَسَى الحَجَّاجُ يَبْلغُ جُهْدُهُ -على رواية الرفع-، يَبْلغُ جُهْدُهُ، هكذا قال الأشموني وصاحب التوضيح.
الرابع: حق الاسم في هذا الباب أن يكون معرفة، أو مقارناً لها كما في باب كان، وقد يرد نكرة محضة، كقوله: عَسَى فَرَجٌ يَأْتِي بِهِ اللهُ، عَسَى فَرَجٌ.
إذاً: الأصل في هذا الباب أن يكون الاسم معرفة، لأنه في الأصل -أصل كان- مبتدأ، تَرْفَعُ كَانَ الْمُبْتَدَا، إذاً الأصل أن يكون معرفة، أو يكون مقارناً لها، بمعنى: أنه نكرة لكنها قريبة من المعرفة.
ثم قال ﵀:
وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لأَوْشَكَا ... وَكَادَ لاَ غَيْرُ وَزَادُوا مُوشِكَا
أراد أن يبين لنا أن الأصل في هذه الأفعال أنها جامدة لا تتصرف، وتلزم صيغة واحدة وهي الماضي، هذا الأصل فيها. ثم بعضهم سمع مضارعاً لهذا وبعضهم؟؟؟ الخ، كلها ليست على السنن المطرد، وإنما هي مسموعات لبعضهم.
أفعال هذا الباب جامدة لا تتصرف ملازمة للفظ الماضي، لماذا؟ قيل: لما قصد بها المبالغة في القرب أخرجت من بابها وهو التصرف، لما أريد بها أنها للمبالغة في القرب: كاد زيد يموت، قرب منه الموت جداً للمبالغة، إذاً: التزمت الفعل الماضي ولا تتصرف.
أخرجت عن بابها وهو التصرف، وكذلك كل فعل يراد به المبالغة، كنعم وبئس وفعل التعجب، وقيل: بالاستغناء بلزوم المضارع خبرها، فلم يبنوا منها مستقبلاً.
لما اشترطوا في خبرها أن يكون فعلاً مضارعاً قالوا: اكتفوا بالماضي عن المضارع في نفسها في ذاتها، لكونهم اشترطوا الخبر أن يكون مضارعاً. كاد زيد يموت، لماذا كاد لا يأتي منه المضارع؟ هو يأتي لكن مثال، لماذا؟ قال: لأنهم اكتفوا بـ يموت، يموت هذا خبر كاد، فلما اشترطوا الفعل المضارع استغنوا به عن صيغتها في نفسها فلم يأتوا به على المضارع.
وَاسْتَعْمَلُوا: أي: العرب، هنا ما نقول النحاة؛ لأن الاستعمال هنا استعمال العرب، وهو إطلاق اللفظ وإرادة المعنى. وبعضهم يجعله مرادفاً للموضوع، ولذلك يُجعل اللفظ قسمين: الأول: مهمل. والثاني: مستعمل. وبعضهم يقول: لا، الصواب مهمل وموضوع، ثم الموضوع نوعان: مستعمل وغير مستعمل. هكذا أورده على حاشية مجيب النداء.
وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً: يعني العرب فعلاً مضارعاً: هذا مفعول به.
لأَوْشَكَا: وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لأَوْشَكَا ... وَكَادَ لاَ غَيْرُ
إذاً: لم يسمع في لسان العرب مضارع لهذه الأفعال إلا فعلين فقط، وهما: أوشك وهذا فعل ماضي، وكاد وهو فعل ماضي.
لا غَيْرُ: أي: دون غيرهما من أفعال الباب، فإنه ملازم لصيغة الماضي.
وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لأَوْشَكَا: وهو أكثر استعمالاً من ماضيها. يعني: باب يوشك، يوشك: نقول: هذا فعل مضارع لأَوْشَكَا، إذاً: أوشك فعل ماضي مضارعه يوشك، أيهما أكثر استعمالاً؟ المضارع، المضارع أكثر استعمالاً من ماضيها، حتى زعم الأصمعي أنه لا يستعمل ماضيها، كأنه لم يطلع على الماضي مع كونه لأَوْشَكَا كما سبق بيانه.
وَكَادَ لاَ غَيْرُ
стр. 667
وَكَادَ: ((يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ)) [النور:٣٥] يَكَادُ: هذا فعل مضارع جاء في القرآن، وحينئذٍ هو كثير.
ولأَوْشَكَا: يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتهِ.
وَزَادُوا مُوشِكَا: يعني زادوا العرب في الاستعمال لأَوْشَكَا -اسم فاعل-، فقالوا: موشكاً، أوشك يوشك فهو موشك.
ظاهر كلام الناظم هنا أن المضارع في هذه الأفعال مقصور على أوشك وكاد، يوشك ويكاد فقط، وأنه لم يسمع اسم الفاعل إلا لأوشك فقالوا: موشك. وقال ابن هشام في التوضيح: أربعة ألفاظ استعمل لها مضارع. أربعة ألفاظ في هذا التركيب هنا الباب استعمل لها مضارع: كاد، وعرفنا المثال: ((يَكَادُ زَيْتُهَا)) [النور:٣٥]. وَأَوْشَكَا، وعرفنا المثال: يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتهِ. وَطَفِقْ، حكى الأخفش: طفَق يطفِق كضرَب يضرِب، وطفِق يطفَق كعلِم يعلَم. والرابع: جعل.
إذاً: طفَق يطفِق وطفِق يطفَق، سمع هذا وسمع ذاك بالوجهين.
وجعل، كذلك يجعل، حكى الكسائي: "إِنَّ البَعيرَ لَيَهْرَمُ حَتَّى يجْعَلَ إِذَا شَرِبَ الماءَ مَجَّه".
إن البعير ليهرم حتى يجعلُ –بالضم-، حتى يجعلُ، حتى هنا ابتدائية.
حَتَّى يجْعَلَ إِذَا شَرِبَ الماءَ مَجَّه، وحينئذٍ أربعة ألفاظ سمع لها سمع لها مضارع.
إذاً: وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لأَوْشَكَا ... وَكَادَ لاَ غَيْرُ
هذا فيه نظر، يزاد عليه: طفِق يطفَق ويطفِق، ويزاد عليه: جعل يجعل.
وأما قوله: وَزَادُوا مُوشِكَا فحسب دون غيره، قال ابن هشام: استعمل اسم فاعل لثلاثة. الذي حكي ما عليه عند النحاة ثلاثة: كاد وكرب وأوشك، أوشك عرفنا:
فَمُوشِكَةٌ أَرْضُنَا أَنْ تَعُودَ ... خِلاَ فَ الأَنِيسِ وَحُوشاً يَبَابَا
فَإِنَّكَ مُوشِكٌ أَلاَّ تَرَاهَا، نقول: فَإِنَّكَ مُوشِكٌ هذا اسم فاعل.
وأما كاد فقيل: ورد في الشعر:
أَمُوتُ أَسىً يَوْمَ الرَّجَامِ وَإنَّني ... يَقِينَاً لَرَهنٌ بِالَّذي أَنَا كَائِدُ
وَكَائِدَ هذا اسم فاعل من كاد يكيد فهو كائد. وكذلك سمع كرب:
أَبُنَيَّ إِنَّ أَبَاكَ كَارِبُ يَوْمِهِ ... فَإِذَا دُعِيْتَ إِلَى الْمَكَارِمِ فَاعْجَلِ
والصواب في هذين البيتين: أن كائد الصواب فيه كابد، كابد اسم فاعل من المكابدة، غير جار على فعله إذ القياس مكابد، فليس هو كائد، وإنما الرواية الصحيحة: كابد بالباء. إذاً لم يسمع لكاد اسم فاعل.
وكذلك قوله: أَبُنَيَّ إِنَّ أَبَاكَ كَارِبُ، نقول: الثاني هذا اسم فاعل من كرب التامة وليست الناقصة، نحو قولهم: "كَرَبَ الشتاءُ"، أي: قرب، كما جزم به الجوهري وغيره.
وحكى عبد القاهر الجرجاني المضارع واسم الفاعل من عسى، فقال: عسى يعسي عاسٍ، عاسٍ اسم فاعل.
وحكى أبو حيان الأمر وأفعل التفضيل من أوشك، وحكي اسم الفاعل من كرب كما ذكرناه، وحكى الجوهري مضارع طفِق، وكذلك الكسائي مضارع جعل. إذاً: سمعت كلمات لكنها ليست بالكثيرة.
وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لأَوْشَكَا ... وَكَادَ لاَ غَيْرُ وَزَادُوا مُوشِكَا
ثم قال ﵀:
بَعْدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ أَوْشَكْ قَدْ يَرِدْ ... غِنىً بِأَنْ يَفْعَلَ عَنْ ثَانٍ فُقِدْ
стр. 668
هذا المراد به أن هذه الأفعال منها ما هو تام ومنها ما هو ناقص، هذا مراده على قول الجمهور، منها ما هو تام وهو الذي يكتفي بمرفوعه، وما هو ناقص وهو الذي لا يكتفي بمرفوعه بل لا بد من منصوب:
....................................
وَمَا سِوَاهُ نَاقِصٌ .................... ... وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِى
.....................................
التعريف هو نفسه هنا، لأن هذا الباب فرع عن ذاك.
قال: بَعْدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ أوْشَكْ
أوْشَكْ: أوشك بالإسكان للوزن.
بَعْدَ عَسَى: هذا متعلق بقوله: يَرِدْ.
اخْلَوْلَقَ: على إسقاط حرف العطف: واخلولق.
أوْشَكْ: أي: وأوشك.
وأوْشَكْ قَدْ يَرِدْ: بإسكان الكاف، أصله: أوشكَ.
غِنىً بِأَنْ يَفْعَلَ: أي يستغني بِأَنْ يَفْعَلَ -الذي هو الخبر- أن يفعل يستغنى به عَنْ ثَانٍ: يعني عن ثانٍ من معموليها فُقِدْ، عن ثان مفقود، ما هو الثاني من معموليها؟ الخبر، إذاً: يستغنى بـ (أن) يفعل عن معموليها، وحينئذٍ (أن) يفعل أقيم مقام المعمولين، وسد مسد المعمولين، أكثر الشراح -شراح الألفية- على أنهم أرادوا أن الناظم بهذا البيت قسم الأفعال إلى تامة وناقصة، وأنه لم يسمع التمام إلا في هذه الأفعال فحسب، وهي: عسى واخلولق وأوشك، وليس الأمر كذلك كما سيأتي.
غِنىً بِأَنْ يَفْعَلَ عَنْ ثَانٍ: يعني: من معموليها.
فُقِدْ: يعني حذف وهو الخبر، ضمير يعود إلى ثانٍ، وحينئذٍ إذا قيل: عسى أن يقوم، (أن) وما دخلت عليه قلنا: هذا في تأويل مصدر. أين اسم عسى؟ لم يذكر.
أن يقوم إما أن نقول: بأن عسى هنا اكتفت بمرفوعها عن المنصوب، فهي تامة، وإما أن نقول: أن عسى هنا اكتفت بـ (أن) يفعل عن معموليها، يعني: سدت مسد معموليها، وإذا قيل بأنها سدت مسد معموليها فهي ناقصة ليست بتامة، وهذا هو اختيار الناظم في غير الكتاب وظاهر كلامه هنا على هذا، وإن جعله البعض أنه محتمل لهما كالصبان وغيره، وحينئذ: هل مراد الناظم بقوله:
قَدْ يَرِدْ ... ... غِنىً بِأَنْ يَفْعَلَ عَنْ ثَانٍ فُقِدْ
هل المراد أن هذه الأفعال خرجت عن النقصان إلى التمام؟ أم أنها باقية على النقصان و (أن) يفعل سد مسد المعمولين؟
كقوله: ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا)) [العنكبوت:٢] حَسِبَ: هذه تتعدى إلى مفعولين، النَّاسُ: فاعل.
(أَنْ يُتْرَكُوا) سد مسد المعمولين، هل معنى ذلك أن حسب خرجت عن أصلها؟ لا، بل هي باقية على إعمالها، هذه مثلها -هذا الظاهر من كلام الناظم-.
بَعْدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ أَوْشَكْ قَدْ يَرِدْ ... غِنىً بِأَنْ يَفْعَلَ عَنْ ثَانٍ فُقِدْ
مذهب الجمهور أنها في هذه الحالة أفعال تامة، اكتفت بمرفوعها وهو أن يفعل، عن ماذا؟ عن طلبها للخبر، و (أن يفعل) فاعلها ولا خبر لها.
عسى أن يفعل: عسى فعل ماض.
أن يفعل: (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل عسى، فعل وفاعل مثل: قام زيد، مثل: ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ)) [البقرة:٢٨٠]، ((فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ)) [الروم:١٧] مثلها، هذا مذهب جمهور النحاة، ولا خبر لها، ومذهب الناظم أنها ناقصة على أصلها.
стр. 669
وأن يفعل: سد مسد معموليها، كما في قوله تعالى: ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا)) [العنكبوت:٢].
الصبان يقول: كلام الناظم محتمل للمذهبين، لكنه صرح في غير هذا الكتاب أنه اختار أنها ناقصة مطلقاً، ولا يكون في هذا الباب تمام البتة، وإنما كلها ناقصة، ولكن استثني أن (أن) ويفعل تسد مسد المعمولين في ثلاثة أفعال فحسب هي التي نص عليها، لذلك: بَعْدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ أَوْشَكْ قَدْ يَرِدْ .. لا بعد غيرها، قدمه للحصر. قد يرد بعد عسى، فقدم (بعد) هذا متعلق بقوله: يَرِدْ، إذاً لا بعد غير هذه الثلاثة، وحينئذٍ لا يكون من باب التمام وإنما هو من باب النقصان، واكتفي بـ (أن) يفعل عن المعمولين، وتأمل قوله: ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا)) [العنكبوت:٢] تدرك المسألة من أصلها.
ومعناه على مذهب الجمهور: غنىً بأن يفعل عن أن يكون لها ثان لتمامها، وعلى مذهب غنىً بأن يفعل عن أول وثان لكن لم يذكر الأول لظهور إغناء (أن) يفعل عنه لوقوعه في محله بخلاف الثاني، وهذا تأويل لأن الصبان يعني أراد أن يحمل البيت على المذهبين.
بَعْدَ عَسَى: أي لا بعد غير هذه الثلاثة وكأنه لعدم السماع.
قَدْ يَرِدْ ... غِنىً بِأَنْ يَفْعَلَ عَنْ ثَانٍ فُقِدْ.
قال الشارح: اختصت عسى واخلولق وأوشك بأن تستعمل ناقصة وتامة. فأما الناقصة فقد سبق ذكرها، وأما التامة فهي المسندة إلى (أن) والفعل، أن يفعل، عسى أن يفعل، نحو: عسى أن يقوم، واخلولق أن يأتي، وأوشك أن فعل، فـ (أن) والفعل في موضع رفع فاعل عسى واخْلَوْلَقَ وأَوْشَكْ، واستغنت به عن المنصوب الذي هو خبرها. هذا على القول بأنها تامة.
وهذا متى -الإعراب هذا التفسير هذا-؟ إذا لم يل الفعل الذي بعد (أن) اسم ظاهر يصح رفعه به، فإن وليه: عسى أن يقوم زيد، حينئذٍ زيد إذا جاء في مثل هذا التركيب: عسى أن يقوم زيد، زيد يحتمل أنه فاعل ليقوم، ويمكن أن نجعله اسماً لعسى، يحتمل هذا ويحتمل ذاك.
فذهب الأستاذ أبو علي الشلوبين إلى أنه يجب أن يكون الظاهر مرفوعاً بالفعل الذي بعد (أن)، فـ (أن) وما بعدها فاعل لعسى وهي تامة ولا خبر لها، ليس فيه جديد.
وذهب المبرد والسيرافي والفارسي إلى تجويز ما ذكره الشلوبين، وتجويز وجه آخر: وهو أن يكون ما بعد الفعل الذي بعد (أن) مرفوعاً بعسى اسماً لها، وأن والفعل في موضع نصب بعسى، وتقدم عن الاسم والفعل الذي بعد (أن) فاعله ضمير يعود على فاعل عسى، وجاز عوده عليه وإن تأخر لأنه مقدم بالنية.
إذا قلت: عسى أن يقوم زيد، فزيد هذا يحتمل أنه فاعل ليقوم، والمسألة هي المسألة: عسى أن يقوم، عسى أن يقوم زيد لا إشكال فيه، حينئذٍ اكتفي بـ (أن) وما دخلت عليه بكونه فاعلاً لعسى، فهي تامة.
وجوَّز المبرد وغيره ما ذهب إليه الشلوبين، ووجهاً آخر: وهو أن يكون زيد –الظاهر- اسم عسى، وأن يقوم هو الخبر تقدم -توسط بين الفعل والاسم-. عسى أن يقوم زيد، عسى أن يقوم، أن يقوم: هذا خبر مقدم، وزيد هذا اسم عسى، وسبق: هل يجوز توسط الخبر إذا كان مقترناً بـ (أل)؟ قلنا: إذا اقترن بـ (أل) ففيه وجهان: الجواز والمنع، وإذا خلا من (أل) فالجواز مطلقاً، وحينئذٍ نحتاج إلى التخريج في مثل هذا.
стр. 670
تظهر الفائدة بين القولين، إذا جعلنا (زيد) بأنه فاعل ليقوم أو أنه اسم لعسى، ما الفرق بينهما؟ إذا جعلناه اسماً لعسى حينئذٍ نحتاج إلى ضمير يعود على الاسم كما اشترطناه سابقاً، لا بد من ضمير يعود من الفعل على اسم عسى، وحينئذٍ إذا ثني: عسى أن يقوم الزيدان، عسى أن يقوم الزيدون، يصح أو لا يصح؟
على مذهب الشلوبين لا إشكال، وعلى مذهب المبرد وغيره فيه إشكال، لا بد من أن نضمر في الفعل ما يناسب ذلك الاسم لأننا جعلناه اسماً: عسى أن يقوما الزيدان، عسى أن يقوموا الزيدون، عسى أن تقوم هند، لماذا؟ لأن الذي تلا الفعل ليس فاعلاً له بل هو اسم عسى، كأنه قال: عسى زيد أن يقوم بالإفراد، عسى الزيدان أن يقوما، عسى الزيدون أن يقوموا، أخِّر الاسم فيبقى الفعل كما هو. إذاً: يظهر في ماذا الخلاف بين القولين؟ في التثنية والجمع والتأنيث، عسى أن تقوم هند، وحينئذٍ هند نقول: هذا اسم عسى، وتقوم هذا فيه ضمير مستتر وهو فاعل يعود على هند، عسى أن يقوما الزيدان، عسى أن يقوموا الزيدون.
وتظهر فائدة هذا الخلاف في التثنية والجمع والتأنيث، فتقول على مذهب غير الشلوبين:
عسى أن يقوما الزيدان، كما ذكرناه.
وَجَرِّدَنْ عَسَى أَوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا ... بِهَا إِذَا اسْمٌ قَبْلَهَا قَدْ ذُكِرَا
هذا لو تقدَّم اسم على عسى، قلت: زيد عسى أن يقوم، هي تراكيب مسائل، زيد عسى أن يقوم.
قالوا: وَجَرِّدَنْ عَسَى، يعني من ضمير، أَوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا بِهَا، يعني انو ضمير الشأن، متى؟ بِهَا إِذَا اسْمٌ قَبْلَهَا قَدْ ذُكِرَا.
وَجَرِّدَنْ هذا ما إعرابه؟ فعل أمر مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة.
وَجَرِّدَنْ عَسَى يعني جردها من الضمير، واجعلها مسندة إلى أن يفعل كما مر، زيد عسى أن يقوم، إذاً عسى هل فيها ضمير يعود على زيد؟ على القول الأول -وهو التجريد- وهو لغة الحجاز- حينئذٍ لا فرق بين عسى أن يقوم، وزيد عسى أن يقوم، لا فرق بين المسألتين. لماذا؟ لأننا قلنا: زيد مبتدأ وعسى أن يقوم فعل وفاعل، لأنها تامة أو أن يقوم أقيمت مقام المعمولين سدت مسد المعمولين، حينئذٍ لا إشكال على لغة الحجاز لا إشكال، أوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا، هذا لغة تميم، أوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا بِهَا يكون اسمها وأن يفعل خبرها، فهي ناقصة.
أوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا بِهَا: يعني ضميراً هو ضمير الشأن، بِهَا: أي بعسى، يكون اسمها، وأن يفعل خبرها، فهي ناقصة، حينئذٍ كيف نُعرب: زيد عسى أن يقوم؟ زيد مبتدأ، عسى فعل ماضي، واسمها ضمير مستتر يعود على زيد، وأن يقوما خبر -ناقصة-.
стр. 671
حينئذٍ على لغة الحجاز هي تامة، وعلى لغة تميم هي ناقصة، ولغة الحجازيين أفصح، لماذا؟ جاء القرآن بها: ((لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ)) [الحجرات:١١] عَسَى أَنْ يَكُونُوا، ما قال: عَسَوا، لو رفعت ضميراً حينئذٍ الضمير يوافق المرجع، إن كان مفرداً فمفرد، إن كان مثنىً فمثنى، لو قال: عسى زيد أن يقوم، ورفعنا ضميراً، حينئذٍ إذا قيل هند، ماذا نقول: هند عست أن تقوم، الزيدان عَسَيا -لا بد من إظهار- عَسَيَا أن يقوما، الزيدون عسَوا هذا إذا رفعنا ضميراً مستتراً يبرز مع التثنية والجمع، هذا على لغة تميم، على لغة الحجاز لا، زيد عسى أن يقوم، هند عسى أن تقوم، الزيدان عسى أن يقوما، الزيدون عسى، يلازم حالة واحدة ((لا يَسْخَرْ قَومٌ))، قَومٌ جمع، مِنْ قَوْمٍ عَسَى –أفرده-، لو كان فيه ضمير لقال: عسوا أن يكونوا، ((وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى)) ما قال عسينا، لو كان رافعاً لضمير حينئذٍ جاءت النون.
وَجَرِّدَنْ عَسَى هنا خص عسى أما غير عسى فيجب الإضمار، وألحَق بها غير واحد اخْلَوْلَقَ وأَوْشَكْ، هذه الثلاثة الأفعال يجوز فيها التجريد ويجوز فيها الإضمار.
إذا اسم ما إعراب اسم؟ نائب فاعل، ولا يكون مبتدأً هذا مذهب ابو علي الفارسي لكنه ضعيف، ((إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)) مثلها، نائب فاعل لفعل محذوف، إذا ذُكر اسم، لأن إذا ذكر - قَدْ ذُكِرَا- هذا مفسر والجملة لا محل لها من الإعراب، دائماً إذا جاءت (إذا وإن) لا يمكن أن يكون الاسم بعدها تالياً لها، إذا أردت أن تقدر وتعرف هل هو فاعل أو نائب فاعل حينئذٍ تنظر إلى الفعل الذي بعدها، هل هو مبني للمعلوم أو مغير الصيغة.
((وَإِنْ أَحَدٌ)) [التوبة:٦] هذا نائب فاعل مبتدأ؟ لا أكمل الآية: ((وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ)) إذن استجارك أحد إذاً هو فاعل، ((إِذَا الشَّمْسُ)) –يحتمل-، كُوِّرَتْ: كُوِّر مغير الصيغة، إذن الشمس هذا نائب فاعل، إذَا اسْمٌ قَبْلَهَا ذُكِرَ، ذكر: هذا مغيَّر الصيغة، إذن اسم هذا نائب فاعل، إذَا: هذا يضمن للشرط لأنها ظرفيه، اسْمٌ: هو اسمها في المعنى، لكنه لا يُعرب اسماً لها لأنه متقدم بل هو مبتدأ، قَبْلَهَا قَدْ ذُكِرَا، قَدْ: للتحقيق وذُكِرَا: هذا مغير الصيغة، والألف للإطلاق، والضمير يعود إلى اسْمٌ، وقَبْلَ هذا متعلق به.
إذاً: إذا جاء في الترتيب بهذه الصورة: زيد عسى أن يقوم، فلك وجهان، لغة الحجاز تجريدها من الضمير وتبقى تامة كما سبق، ولغة تميم -وهو الزائد عندنا- وهو أنها تُعمل في ضمير ثم هذا الضمير يختلف باختلاف مرجعه إن كان مفرداً مذكراً ذُكِّر مؤنثاً مثنىً جمعاً إلى آخرة.
стр. 672
قال الشارح: اختصت عسى من بين سائر أفعال هذا الباب بأنها إذا تقدم عليها اسم جاز جعل الفعل مسنداً إلى (أن يفعل) وجعله مسنداً إلى ضمير السابق، و (أن يفعل) الخبر، فعلى الأول يُجرد الفعل من علامة التثنية والجمع والتأنيث وعلى الثاني يُلحق بها والتجرد أجودُ -لما ذكرناه سابقاً-. من بين سائر أفعال هذا الباب بأنها إذا تقدم عليها اسمٌ جاز أن يضمر فيها ضمير يعود على الاسم السابق وهذه لغة تميم، يعني إعمالها في الضمير لغة تميم، وجاز تجريدها عن الضمير وهذه لغة الحجاز وذكرنا أنها أفصح لوجودها أو ورود القرآن بها.
وذلك نحو: زيد عسى أن يقوم، زيد مبتدأ، عسى فعل، أن يقوم نقول هذا فاعل، فعلى لغة تميم يكون في عسى ضمير مستتر يعود على زيد، وأن يقوم في موضع نصب بعسى، وعلى لغة الحجاز لا ضمير في عسى، وأن يقوم في موضع رفع بعسى، تظهر الفائدة أين؟ إذا قلت: هند عست أن تقوم، إذا جردتها من الضمير، هند عسى أن تقوم، وإذا أعملتها في الضمير تقول: هند عست، لأنه يجب التأنيث هنا، أسند إلى ضمير يعود إلى مؤنث بقطع النظر عن كونه حقيقياً أو مجازياً -فهو واجب التأنيث-، والزيدان عَسَيَا أن يقوما، والزيدون عَسَوا أن يقوموا، والهندان عَسَتَا أن تقوما، والهندات عَسَيْن أن يقمن، هذا على لغة تميم وهي قوله: أوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا بِهَا.
وأما على لغة الحجاز، فحينئذٍ تُجرد من الضمير، هند عسى أن تقوم، زيد عسى أن يقوم، الزيدان عسى أن يقوما، الزيدون عسى أن يقوموا إلى آخره، أما غير عسى فالناظم ظاهر كلامه أنه لا تعمل في ضمير البتة، وإنما يكون حكمها كحكم السابق.
وَالفَتْحَ وَالكَسْرَ أَجِزْ فِي السِّينِ مِنْ ... نَحْوِ عَسَيْتُ وَانْتِقَا الْفَتْحِ زُكِنْ
وَالفَتْحَ: هنا قدَّمه لماذا لاختياره له، وهو أولى.
وَالفَتْحَ وَالكَسْرَ أجِزْ: أجِزْ الفَتْحَ، الفَتْحَ هذا مفعول به مقدَّم، وأجز الفتح فِي السِّينِ نَحْوِ عَسَيْتُ، مِنْ جار ومجرور هذا حال من السين لأنه معرفة، والجار والمجرور إذا وقع بعد المعرفة أعربناه حال، فِي السِّينِ حالة كونه مِنْ نَحْوِ، يعني كما في نحو عَسَيْتُ عسى إذا اتصل بها ضمير، إما أن يكون ضمير رفع، وإما أن يكون ضمير نصب، إذا اتصل بها ضمير نصب هي التي وقع فيها النزاع: هل هي أخت إنَّ أم لا، وسيأتينا بحثها إن شاء الله.
وأما إذا اتصل بها ضمير رفع، حينئذٍ التاء والنون -نون الإناث- و (نا)، إذا اتصلت بها حينئذٍ نقول: جاز في سينها الوجهان، الفتح والكسر، عَسَيت وعَسِيت، عَسِينا وعَسَينا، يجوز فيه الوجهان، الفتح والكسر، هذا من باب الضبط فقط.
стр. 673
وَالفَتْحَ وَالكَسْرَ أجِزْ فِي السِّينِ مِنْ نَحْوِ: عَسَيْت وعَسِينا وعَسَيْنا إناث، وَانْتِقَا الْفَتْحِ زُكِنْ، انْتِقَا الْفَتْحِ زُكِنْ: علِم، علِم لماذا؟ لأنه قدَّمه أولاً، هذا وجه ولا بأس به، علم زُكِنْ انتقاء الفتح على الكسر علم، لماذا؟ لكونه قدمه أولاً، وابن مالك إذا قدم الشيء دل على اختياره، أو لأنه الأصل وعليه أكثر القراء، لقوله: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ)) و ((هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ)) هذه القراء قرؤوها بالفتح وقرأ نافع في الموضعين بالكسر، فدل على أنه أكثر، هذا لغة وهذا لغة لا نطعن، وإنما نقول الأكثر والأفصح ما كان عليه أكثر القراء، والثاني جائز ولا ننكر، نقول هو لغة ثابتة فصيحة ولا إشكال فيها.
وَالفَتْحَ وَالكَسْرَ أَجِزْ فِي السِّينِ مِنْ ... نَحْوِ عَسَيْتُ وَانْتِقَا الْفَتْحِ زُكِنْ
انْتِقَا هذا مبتدأ وهو مضاف والمراد به اختيار، وَالفَتْحَ مضاف إليه، وزُكِنْ، هذا مغير الصيغة ونائب الفاعل يعود إلى الفتح، -عُلِم-.
قال الشارح: إذا اتصل بعسى ضمير موضوع للرفع، وهو لمتكلم عَسَيْتُ أو لمخاطب عَسَيتَ وعَسَيتِ وعَسَيْتُما وعَسَيْتُم وعَسَيتُنَّ أو لغائبات عَسَينَ جاز كسر سينها وفتحها والفتح أشهر، وقرأ نافع ((فَهَلْ عَسِيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ)) بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها.
حق عسى إذا اتصل بها ضمير أن لا يكون إلا بصورة المرفوع، هذا الأصل فيها، إذا اتصل بها ضمير بارز ألا يكون إلا بصورة المرفوع، وهو الثلاث المذكورة (التاء ونون الإناث ونا)، هذا هو المشهور في كلام العرب وبه نزل القرآن ومن العرب من يأتي به بصورة المنصوب المتصل، يعني هو مرفوع لكنه جاء بصورة المتصل، من باب الفكاك أن عسى تعمل عمل إن وهذا سيأتي فيقال: عساني وعساك وعساه.
يَا أَبَتَا عَلَّكَ أَو عَسَاكَ
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ... !!!
стр. 674
عناصر الدرس
* شرح الترجمة (إن واخواتها) وبعض المهمات
* معان هذه الحروف وعملها
* حكم خبرها من حيث التقديم والتأخير
* ضابطالمعرفة حكم همزة (إن) من حيث الفتح والكسر
* مواضع فتح همزة (إن) مواضع كسرهمزة (إن) ـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
(إِنَّ) وَأَخَوَاتِهَا: أي باب (إن) وأخواتها، وهذا الباب هو الباب الثالث أو إن شئت قل الثاني، كان الثاني باعتبار النواسخ؛ لأن النواسخ كما ذكرنا تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم منها ما يرفع المبتدأ وينصب الخبر، وهذا باب كان وأخواتها، وما عقد له الفصل في (ما) و (لا) و (إن) ... المشبهات بـ (ليس)، ثم (كاد) وأخواتها.
كل هذه تعمل عملاً واحداً، ثم أتى باب إن وأخواتها وهو القسم الثاني من النواسخ، وهو ما ينصب المبتدأ على أنه اسم لها ويرفع الخبر وهو باب (إن) وأخواتها، وألحق به باب (لا) النافية للجنس، إن نظرنا إلى الأبواب فهذا هو الباب الثالث وقيل الرابع، لكن (فَصْلٌ فِي مَا) نقول: هذا ليس بباب مستقل وإنما هو داخل في ليس، وحينئذٍ إذا نظرنا إلى الأبواب فهذا هو الباب الثالث، وإن نظرنا إلى النواسخ فهذا هو الناسخ الثاني.
(إنَّ) وأخواتها وهي الحروف المشبهة بالفعل، والأصل في الحرف أنه لا يعمل، هذا هو الأصل، والأصل فيما اختص أن يعمل، الأصل في الحرف ألا يعمل لكن لما اختصت بعض الحروف ببعض مدخولاتها كالفعل مثلاً لم ولن، حينئذٍ لا بد من شيء يظهر هذا الاختصاص، حينئذٍ جعل له عمل، وإلا الأصل في الحروف أنها لا تعمل حتى حروف الجر والنواصب والجوازم .. الأصل فيها أنها لا تعمل، لكن لما اختصت بالأسماء بعضها وبعضها اختص بالأفعال ما الذي دلنا على أنها مختصة بها؟ لا بد من أثر يبين لنا هذا الاختصاص، حينئذٍ أعملت من هذه الحيثية، وأما ما كان مشتركاً فهو باق على أصله؛ لأنه غير مختص بفعل أو باسم، حينئذٍ (هل) مثلاً نقول: هذه ليست مختصة والأصل في (ما) النافية ليست مختصة وحينئذٍ إذا أعملت يرد السؤال لماذا أعملت -الحروف كلها-؟ وإذا أعملت العمل الخاص الذي اختص به مدخولها كالجزم مثلاً في (لم) و (إن) و (لما) حينئذٍ لا يسأل عنها، وإذا عملت غير الجزم حينئذٍ يسأل عنها، وحروف الجر اختصت بالأسماء فعملت الجر، حينئذٍ كل ما اختص بالأسماء فالأصل فيه أنه يعمل الجر، هذا هو الأصل، ولكن هنا عندنا في باب (إن) وأخواتها هذه اختصت بالأسماء، ولكنها لم تعمل الجر، إذاً خرجت عن أصلها وهو أن الأصل في المختص أن يعمل الأثر الذي اختص به مدخوله وهو الخفض في باب الأسماء.
وعلى القول الآخر أن المراد بالاختصاص أنه مطلق العمل، حينئذٍ لا إشكال، هذا لا يرد عليه تعليل، وأما على الأول فحينئذٍ لا بد من التعليل.
стр. 675
إذاً نقول هنا: اختصت (إن) وأخواتها بالأسماء، وهذه أعملت في المبتدأ فنصبته والخبر فرفعته تشبيهاً لها بالفعل؛ لأن الأصل أنه يعمل في مدخوله فحسب، يعني باء الجر تعمل في الاسم المفرد فحسب، وأما الدخول على الجملة فهذا الأصل فيه أنه شأن الأفعال يدخل الفعل فيرفع الفاعل، وإذا احتاج إلى مفعول نصبه، وأما ما اختص بالأسماء فالأصل أنه يعمل في المفردات، ولكن هنا (إنَّ) عملت في الجملة الاسمية وهي المبتدأ والخبر، لأنها أشبهت الفعل، فهي مشبهة بالفعل، مشبهة بالفعل في المعنى واللفظ معاً، يعني قوي شبهها فحينئذٍ ألحقت بالفعل، والفعل لا شك أنه يتعدى إلى -الأصل فيه الكمال- أن يتعدى إلى فاعل فيرفعه عن أنه فاعل له، ثم بعد ذلك يتعدى إلى مفعول فينصبه على أنه مفعول له.
هنا (إن) وأخواتها نقول: هي الحروف المشبهة بالفعل في كونها رافعة وناصبة، كما أن الفعل يرفع وينصب، وحينئذٍ هذه رافعة وناصبة.
وفي اختصاصها بالأسماء كذلك الفعل يختص بالاسم؛ لأنه يطلب فاعلاً، وفي دخولها على المبتدأ والخبر كما هو الشأن في كان وأفعال المقاربة.
وفي بنائها على الفتح، هذه الحروف مبنية على الفتح (إن) و (أن) و (ليت) و (لكن) و (لعل) و (كأن) كما أن الفعل الماضي مبني على الفتح، وفي كونها ثلاثية ورباعية وخماسية، وهذا هو تعداد الأفعال، (إن وأن وليت) ثلاثية، و (لعل وكأن) هذه رباعية، و (لكنَّ) هذه خماسية، إذاً الفعل يكون ثلاثياً ويكون رباعياً ويكون خماسياً.
لهذه المشابهة القوية بين (إن) وأخواتها بالفعل حينئذٍ أعملت (إن) وأخواتها -أعملت النصب- في المبتدأ والرفع في الخبر.
إذاً نقول هذه ما العلة في كونها تَنصب وتَرفع؟ نقول: شبهها القوي بالفعل، ما وجه الشبه؟ حينئذٍ نقول: من خمسة أوجه وهو شبه لفظي ومعنوي:
أولاً: أنها كلها على ثلاثة أحرف هجائية أو أكثر، فـ (إن) و (أن) وليت على ثلاثة أحرف، و (لعل وكأن) على أربعة أحرف، و (لكن) على خمسة أحرف.
ثانياً: اختصاصها بالأسماء كالفعل، الفعل يختص بالأسماء، بمعنى أنه يرفع فاعلاً، ثم إذا تعدى حينئذٍ ينصب مفعولاً.
ثالثاً: أنها كلها مبنية على الفتح كالفعل الماضي.
رابعاً: تلحقها نون الوقاية عند اتصالها بياء المتكلم كالفعل إنني وأنني وكأنني .. كما سبق معنا، حينئذٍ إذا اتصلت بها ياء المتكلم لحقتها نون الوقاية، والأصل في نون الوقاية أنها تلحق الفعل، حينئذٍ أشبهت هذه الأسماء الأفعال في اتصالها بنون الوقاية واتصال نون الوقاية بها.
خامساً: أنها تدل على معنى الفعل، هذا من حيث المعنى، تدل على معنى الفعل؛ فـ (إن) و (أن) تدل على معنى أكدت، و (ليت) تمنيت، و (لعل) رجوت، و (كأن) شبهت، لأنها للتشبيه المؤكد، هذا هو المشهور عند البصريين.
стр. 676
فحينئذٍ أعملت هذه الأحرف لهذه المشابهة القوية بالفعل أعملت في الجزأين رفعاً ونصباً، لكن عكسوا العمل، الأصل في الفعل أنه يرفع أولاً وينصب ثانياً، وهذه الأحرف نصبت أولاً ورفعت ثانياً، إذاً عكسوا، ما دام أنها أشبهت الفعل فالأصل فيها أنها ترفع ثم تنصب، كما أن الفعل يرفع ثم ينصب، لماذا؟ قالوا: عكسوا عملها لئلا تلتبس بالفعل، لأنه إذا ظن ظان أنها رفعت أولاً ثم نصبت قد يظن الظان أنها أفعال حقيقية، وليس الأمر كذلك، ثانياً تنبيههم على الفرعية؛ لأن هذه جاءت بالفرع وليست بالأصل، حينئذٍ رفع الفعل للمرفوع الذي طلبه إما فاعل وإما نائب فاعل وهذا عمدة.
والأصل في نصب اسم (إن) أنه للمبتدئ، حينئذٍ هو عمدة من جهة الأصل، فحينئذٍ عملت عملها معكوساً ليكون معهن كمفعول قدم وفاعل أخر تنبيهاً على الفرعية، ولأن معانيها في الأخبار فكانت كالعمد والأسماء كالفضلات فأعطي إعرابيهما، فحينئذٍ نقول: هذه أعربت أو عملت عمل الفعل تشبيهاً لها.
قال ﵀:
لإِنَّ أَنَّ لَيْتَ لَكِنَّ لَعْلّ ... كَأَنَّ عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ
كَإِنَّ زَيْدَاً عَالِمٌ بِأَنِّي ... كُفْءٌ وَلَكِنَّ ابْنَهُ ذُو ضِغْنِ
ِلإِنَّ أَنَّ لَيْتَ لَكِنَّ لَعْلْ بإسقاط حرف العطف، والأصل (لإِنَّ وأَنَّ ولَيْتَ ولَكِنَّ ولَعْلْ وكَأَنَّ) وقلنا هذا جائز متفق على جوازه في الشعر مختلف على جوازه في النثر، وابن مالك يجوزه.
عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ ما هو عمل كان؟ ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، (إن) عكسها بمعنى أنها تنصب الاسم وترفع الخبر.
عَكْسُ المراد بالعكس هنا العكس اللغوي، يعني المخالفة وليس المراد به العكس الاصطلاحي.
عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ عكس مبتدأ مؤخر وقوله: لإِنَّ وما عطف عليه خبر مقدم.
عَكْسُ مَا الذي لِكَانَ الناقصة ليست للتامة، لأن التامة لا تنصب، وإنما هي ترفع فحسب، فحينئذٍ الذي يرفع وينصب هو كان الناقصة.
عَكْسُ الذي لكَان جار ومجرور متعلق بمحذور، صلة الذي، يعني الذي استقر لكان.
مِنْ عَمَلْ هذا متعلق بالاستقرار المحذوف، من عملٍ إذاً المشابهة بكان هنا من جهتين في كون كان تدخل على المبتدئ والخبر، فحينئذٍ (إن) تدخل على المبتدأ والخبر، وكان تعمل في جزأين رفعاً في الأول والثاني نصباً، و (إن) تعمل عكس عمل كان، وهو نصباً للأول ورفعاً للثاني، مع اتفاقهما في كونهما يدخلان على المبتدئ والخبر، وكل ما اشترط في المبتدئ الذي يجوز الدخول عليه في باب كان مشترط في هذا الباب، فقلنا هناك: يشترط في كان أنها لا تدخل على مبتدئ له لزوم الصدر كأسماء الاستفهام، وكذلك المبتدأ الذي هو واجب الحذف كالنعت المقطوع والمبتدئ الذي هو لازم للابتداء لا يتصرف كطوبى للمؤمن، فحينئذٍ نقول: فكل ما اشترط في المبتدئ هناك يشترط فيه هنا في باب (إن) وأخواتها.
стр. 677
فهذه الحروف لا تدخل على جملة يجب فيه حذف المبتدأ كما لا تدخل على مبتدئ لا يخرج عن الابتدائية مثل ما التعجبية، كما لا تدخل على مبتدئ يجب له التصدير، أي الوقوع في صدر الجملة كاسم الاستفهام، ويستثنى من هذا ضمير الشأن، فإنه له الصدارة وحينئذٍ تدخل عليه كان الشأنية، كان الناس صنفان، كان هو، أو كانهُ .. إذاً صح دخول كان على ضمير الشأن مع كون ضمير الشأن له الصدارة في الكلام.
كذلك هنا في باب (إن) يجوز دخولها على ضمير الشأن، وسيأتي هناك وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ الذي هو ضمير الشأن، فحينئذٍ نقول: دخولها على ضمير الشأن مستثنى من منع دخولها على ما له الصدارة في الكلام.
ويستثنى من هذا الأخير ضمير الشأن فإنه مما يجب تصديره وقد دخلت عليه (إن) إنَّ مَنْ يَدْخُلِ الكنِيسَةَ يَوْماً (إن) من، من هذه بمعنى الذي من يدخل الكنيسة يوماً، (من) شرطية فدخلت عليها (إن)، فحينئذٍ نقول: لا بد من التقدير فنجعل اسم (إن) ضمير الشأن، وليس اسم الاستفهام؛ لأن اسم الاستفهام لا تدخل عليه (إن) البتة، فحينئذٍ يصير لنا ضمير الشأن كالوسيلة والمفر الذي نلجأ إليه إذا وجد شيء مما يمتنع دخول كان عليه أو (إن) عليه، فنقول مباشرة اسمها ضمير الشأن محذوف، وما امتنع دخول (إن) أو (كان) عليه نقول: هذا هو جملة الخبر.
إِنَّ مَنْ يَدْخُلِ الكنِيسَةَ يَوْماً ... يَلْقَ فِيهَا جَآذِراً وظِبَاءَ
حينئذٍ نقول: كل ما صح دخول (كان) عليه يلزم ذلك الحكم في (إن) وأخواتها، فلا تدخل على ما امتنع دخول (كان) عليه، لماذا؟ لأنه قال: كَأَنَّ عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ، والعمل هذا فرع صحة ما دخلت عليه (كان)؛ لأن (كان) لا تدخل على أي مبتدئ، إذا صح دخولها صح عملها، وإذا لم يصح دخولها (لم) يصح العمل، فحينئذٍ كَأَنَّ عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ، لا بد أن يكون مقيداً بماذا؟ بما صح دخول (إن) عليه، ويستثنى من المبتدءات تلك التي ذكرناها.
وكذلك من جهة الخبر، فالخبر لا يقع هناك جملة طلبية زيد اضربه، قلنا: زيد هذا لا مانع من دخول (كان) عليه، لكن يمتنع في هذا التركيب أن تدخل (كان)، لماذا؟ لكون الخبر جملة طلبية، كذلك الحكم هنا إن زيداً اضربه، نقول هذا ممتنع، وكذلك الجملة الإنشائية نعم وبئس، لا تدخل عليهما إن، ولو كان خبراً، لماذا؟ لأن الإنشاء شيء لم يقع .. شيء غير واقع، و (إن) الأصل فيها أنها للتقوية تقوية النسبة يعني التأكيد كما سيأتي، فحينئذٍ يمتنع أن يؤكد شيء لم يقع.
ولا تدخل هذه الحروف على جملة يكون فيها الخبر طلبياً أو إنشائياً حينئذٍ يرد قوله تعالى: ((إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [التوبة:٩] سَاءَ هذا مثل بئس تعمل عملها ملحقة بها، إنهم (إن) هذا حرف توكيد نصب، والهاء اسمها وساء الجملة خبر، وكذلك قوله: ((إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ)) [النساء:٥٨] وحينئذٍ نعم نقول هذه إنشاء أم خبر؟ إنشاء، وقع الإنشاء خبراً لـ (إن) ما جوابه؟ نحن نمنع هذا وقد وقع في القرآن، نقول: الخبر محذوف هنا، وإنما هو قول ويصير ما ذكر من ساء ونعم معمولان لذلك القول المحذوف.
стр. 678
فإنها على تقدير قول محذوف يقع خبراً لـ (إن) وتقع هذه الجمل الإنشائية معمولة له، فيكون الكلام من باب حذف العامل وإبقاء المعمول، ولذلك قال قائل:
إِنَّ الَّذِينَ قَتَلْتُمْ أَمْسِ سَيِّدَهُمْ ... لاَ تَحْسَبُوا لَيْلَهُمْ عَنْ لَيْلِكُمْ نَامَا
إن الذين: الذين هذا اسم (إن)، لا تحسبوا: طلبية لا تحسبوا طلب، وقع خبره.
إِنَّ الَّذِينَ قَتَلْتُمْ أَمْسِ سَيِّدَهُمْ: مقول في شأنهم لاَ تَحْسَبُوا لَيْلَهُمْ لا بد من التأويل، إذاً كل ما وقع خبراً وهو جملة طلبية أو إنشائية، حينئذٍ نقول: هو معمول لعامل محذوف، وذلك العامل هو الخبر.
عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ بمعنى أنها تنصب المبتدأ على أنه اسم لها، وترفع الخبر على أنه خبر لها.
سمع نصب الجزأين في لغة، فهل هو لغة معتبرة، أم أنه شاذ يحفظ ولا يقاس عليه؟ لا شك أنه الثاني.
إِذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيلِ فَلْتَأْتِ ولَتَكَنْ ... خُطَاكَ خِفَافاً إِنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدَا
إِنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدَا: (إن) حرف توكيد ونصب، حراسنا اسم (إن) منصوب، أسداً هذا منصوب، والأصل أنه يقول: أسد بالرفع على أنه خبر (إن).
هل نقول يجوز الوجهان الرفع والنصب لخبر (إن)، أم نقول المطرد الأصل هو الرفع وما جاء كذلك حينئذٍ يؤول؟ لا شك أنه الثاني.
إن حراسنا يشبهون أسداً: فأسداً هذا مفعول به لفعل محذوف، والفعل المحذوف هو خبر (إن)، فإذا جاء مثل هذا التراكيب حينئذٍ لا بد من التأويل، إذاً كل ما جاء مما نسب إلى بعض العرب أنه ينصب الجزأين نقول: هذا يحفظ ولا يقاس عليه، بل يعتبر شاذاً ولا يخرج عليه، ولذلك نقول: إذا قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسولَ الله، نقول: لا يصح، أشهد أن محمداً رسولَ .. أين الخبر؟ لم يأت الخبر، فالكلام هنا ليس مركباً بل هو كلمة واحدة أشهد أن محمداً رسولَ الله، لا بد أن يقول رسولُ، تخريجه على هذه اللغة لا، ليس بجيد.
إذاً نقول:
لإِنَّ أَنَّ لَيْتَ لَكِنَّ لَعْلّ ... كَأَنَّ عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ
عكس الذي استقر لكان الناقصة من عمل، وهو أنها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، العكس هو نصب المبتدأ ورفع الخبر.
لإِنَّ بالكسر هنا (إِنَّ) وهي أصلية ثلاثية.
وأَنَّ هذه فرعي عنها، ولذلك عدها بعضهم خمسة لا ستة، لم يعدها سيبويه، لأنها فرع (إِنَّ)، (أَنَّ) بالفتح فرع (إِنَّ).
وقيل: (أَنَّ) أصل، وإن فرع، وقيل كل منهما أصل، أقوال ثلاثة، لكن المشهور عند جماهير النحاة أن (أَنَّ) فرع (إِنَّ)، إذاً عدها سيبويه خمساً بإسقاط (أَنَّ) المفتوحة؛ نظراً إلى كونها فرع المكسورة، قد يقال بأن كَأَنَّ هي (أَنَّ)، إذاً نعدها أربعة، (إِنَّ) أصل فرعها (أَنَّ) فرعها (كَأَنَّ) لأن (أَنَّ) هي الأصل، وزيدت عليها الكاف فقيل: (كَأَنَّ) إذاً كأن فرع (أَنَّ).
стр. 679
وذكرت كَأَنَّ مع (أَنَّ) أصلها (إِنَّ) المكسورة أدخلت عليها الكاف التشبيهية ففتحت الهمزة للحرف، (إِنَّ) إذا سبقها حرف لا بد من فتحها، إذاً (إِنَّ) الأصل التي هي أصل (أَنَّ) دخلت عليها الكاف ففتحت صار كَأَنَّ، أدخلت عليها الكاف التشبيهية ففتحت الهزة لانتساخ هذا الأصل بإدخال الكاف، وجعل المجموع كلمة واحدة، يعني لماذا لم نسقط كَأَنَّ مع أنها فرع مركبة من (إِنَّ) أو (أَنَّ)، لماذا لم نسقطها كما أسقطنا (أَنَّ)؟ قالوا: لأن الكاف صارت كالجزء من الكلمة غير معتبرة، بدليل أنها لو كانت أصلية معتبرة لاحتجنا إلى متعلق تتعلق به، لو لم تجعل جزءاً من الكلمة قيل: كَأَنَّ هذا مثل بزيد، يحتاج إلى جار ومجرور، فلما لم يلتفت إلى المتعلق لكَأَنَّ علمنا أن الكاف هذه ليست أصلية، بل هي زائدة نزلت منزلة الجزء من الكلمة، إذاً صار التركيب منسوخاً –الأول- ولم يلتفت إليه، فصار كالكلمة الواحدة، لانتساخ هذا الأصل بإدخال الكاف وجعل المجموع كلمة واحدة بدليل عدم احتياج الكاف إلى متعلق، وعدم كون مدخولها في موضع جر عند الجمهور، لو قال: كأن زيداً عالم، هذا دليل آخر على أن الكاف هنا صارت نسياً منسياً، كأن زيداً عالم، (أن) وما دخلت عليه تأويل مصدر، لو كانت الكاف معتبرة لصار المصدر مجروراً بالكاف، لكن هذا لم يقل به أحد من النحاة، وعلى الأقل أنه لم يقل به الجماهير، فدل على أن هذه الكاف لا تجر المصدر الذي بعدها؛ لأنها صارت كجزء من الكلمة من مدخولها.
ثم هذه الكاف ليس لها متعلق؛ إذ لو كان لها معنى مستقل حينئذٍ لوجب أن يكون لها متعلق.
لاَ بُدَّ لِلجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ ... بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي
وعدم كون مدخولها في موضع جر عند الجمهور بخلاف (أن) المفتوحة، فليس أصلها منسوخاً بدليل جواز العطف بعدها على معنى الابتداء كما يعطف بعد المكسورة، إذاً سيبويه والجمهور على أن (أن) فرع (إن)، وحينئذٍ تعد خمسة.
وابن هشام في التوضيح عدها ثمانية أبقى (أن) على أصلها -الستة المذكورة هذه-، وزاد عليها (عسى) في لغية، عسى سبق معنا أنها يتصل بها الضمير المرفوع، هذا المشهور في لسان العرب، وعلى قلة يتصل بها الضمير المنصوب، ولذلك قال: عسى في لغية، تصغير لغة، يعني شيء قليل نادر، فإذا اتصل بها الضمير المنصوب اختلف النحاة فيها: جماهير البصريين على أنها باقية على أصلها، وأنها فعل، وأنها من أفعال المقاربة، ولا بد من التأويل ويختلفون في كل شاهد بطريقة معينة.
ابن هشام تبع سيبويه قال: لا، قد تكون عسى فعلاً وتكون من أفعال المقاربة ترفع وتنصب، وإذا اتصل بها الضمير المنتصب خرجت عن الفعلية، وصارت حرفاً من حروف (إن) وأخواتها.
إذاً لها اعتباران –تفصيل-: إن رفعت اسماً ظاهراً أو ضميراً متصلاً مرفوعاً فهي فعل، وإن دخلت على ضمير نصب كما في قول القائل (فَقُلْتُ: عَسَاهَا نَارُ كَأْسٍ وَعَلَّهَا ... )، عَسَاهَا نَارُ كَأْسٍ: نَارُ هذا اسم عسى –بالرفع-، و (ها) عَسَاهَا هذا في محل نصب.
стр. 680
فقالوا: إذا اتصل بها ضمير النصب –منتصب- حكمنا عليها بأنها حرف، وهذا يمنعه جماهير البصريين، بل يقولون: الأصل في عسى أنها فعل وإذا ثبتت فعليتها لا تخرج عنها البتة، وخاصة إذا كان الذي يستدل به على خروجها عن الفعلية شيء يسير قليل نادر، يدل على ذلك أن ابن هشام قال: في لغية، حينئذٍ يكون الأصل أنها فعل بدليل قبولها لآثار الفعلية، ولذلك لم يرد حرف واحد منها في القرآن أنها نصبت، وإنما هي في بعض الأقاويل المنقولة عن العرب.
إذاً هذه سبعة، بقي الثامن وهو عند ابن هشام (لا) النافية للجنس عَمَلَ (إِنَّ) اجْعَلْ لـ (لاَ) فِي نَكِرَهْ، هذا سيأتي باب مستقل صارت ثمانية عندهم، والمشهور أنها ستة.
لإِنَّ أَنَّ لَيْتَ قلنا: هذان إما أنهما أصلان أو الثاني فرع عن الأول.
لَيْتَ يقال فيها لَتَّ لغة، لَتَّ زيداً قائم، هذا إذا أردت أن تضحك على أحد قل: لَتَّ زيداً قائم بإبدال الياء تاء وإدغامها في التاء، قلبت ليت -الياء قلبت تاء-، ثم اجتمع عندنا مثلان أدغم الأول في الثاني لت زيداً قائم.
ولَكِنَّ هذه اختلف فيها هل هي مركبة أم بسيطة؟ هل هي مركبة .. بمعنى أنها لم توضع أصالة هكذا لَكِنَّ، وإنما هي مؤلفة من جزأين؟ الأصح أنها ليست مركبة، وعند الفراء مركبة أصلها لَكِنْ أَنْ، إذاً هي مؤلفة من كلمتين (لَكِنْ) وكلمة (أَنْ) فحذفت الهمزة للتخفيف، ثم التقى ساكنان النون والنون، نون لكن ونون أن، حذفت الهمزة صار عندنا نونان، الأولى ساكنة والثانية كذلك ساكنة، فحذفت النون الأولى لالتقاء الساكنين.
وقال الكوفيون: مركبة من (لا وإن) المكسورة والكاف الزائدة لا التشبيهية، وحذفت الهمزة تخفيفاً.
إذاً قيل مركبة واختلف في تركيبها وقيل: هي بسيطة بمعنى أنها هكذا لفظ بها أصالة، وهذا هو الأولى.
لَعْلَّ ليست مركبة على الأصح، وفيها عشر لغات مشهورة، وأشهرها أربعة: لعلَّ، لعلِّ، علَّ، علِّ .. بإثبات اللام مع كسر اللام وفتحها، لعلِّ لعلَّ احذف اللام مع الكسر والفتح علِّ وعلَّ هذا أربع لغات مشهورة.
كَأَنَّ وهي مركبة على الصحيح وقيل: بإجماع أنها مركبة وليست بسيطة، مركبة من ماذا؟ قيل من كاف التشبيه و (إن) فأصل كأن زيداً أسد إن زيداً كأسد. هذا الأصل .. إن زيداً كأسد، فقدم حرف التشبيه اهتماماً به ففتحت همزة (إن) لدخول الجار أو تخفيفاً لثقل الكلمة بالتركيب.
كَأَنَّ أصلها إن زيداً كأسد، قدمت الكاف على (إن) من باب الاهتمام ففتحت همزة (إن) لأنها إذا سبقها حرف حينئذٍ تفتح.
لإِنَّ أَنَّ لَيْتَ لَكِنَّ لَعْلّ ... كَأَنَّ عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ
ثم مثَّل لنا بمثال قال:
كَإِنَّ زَيْدَاً عَالِمٌ بِأَنِّي ... كُفْءٌ وَلَكِنَّ ابْنَهُ ذُو ضِغْنِ
كم مثال؟
كَإِنَّ يعني كقولك: (إن) فالكاف داخلة على قول محذوف.
إِنَّ زَيْدَاً عَالِمٌ (إن) حرف توكيد ونصب ينصب المبتدأ على أنه اسم له، والخبر على أنه خبر له، -خبر لـ (إن) اسم لـ (إن) -، اسم (إن) لا إشكال فيه، خبر (إن) هل هو خبر لـ (إن) أو خبر لاسم (إن)؟
стр. 681
إذا قلت: إن زيداً عالم (إن) هذا عامل نصب زيداً فهو اسمها، (عالم) -أخبرت بالعلم إثبات العلم- لـ (إن) أو لمدخولها؟ الثاني، كيف نقول خبر (إن)؟ من باب التوسع وإلا هو خبر اسم (إن)، وإلا هذا ليس بالصحيح أن يقال: خبر (إن)؛ لأن (إن) حرف ولا يخبر عن الحروف وإنما يخبر عن الأسماء.
كَإِنَّ نقول هذا حرف توكيد ونصب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.
زَيْدَاً اسم (إن) منصوب بها.
عَالِمٌ خبر (إن) مرفوع بها على الصحيح، نَصْبُ اسمِ (إن) بـ (إن) متفق عليه بين البصريين والكوفيين، وأما (عالم) فالصحيح أنه مرفوع بـ (إن)، وذهب الكوفيون إلى أنه مرفوع بما رفع به قبل دخول (إن) كما قالوا في اسم (كان)، والصواب أنه مرفوع بـ (إن).
بِأَنِّي كُفْءٌ أي مثلٌ، الباء هذه حرف جر، وأني (أن) هذه فرع (إن) والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب اسم أن، وكفءٌ هذا خبرها وكلاهما معمولان لـ (أَنِّي).
وَلَكِنَّ ابْنَهُ ذُو ضِغْنِ يعني حقد وعداوة.
وَلَكِنَّ: لَكِنَّ حرف تشبيه ونصب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.
ابْنَهُ ابْنَ هذا اسم لَكِنَّ، منصوب بها ونصبه فتحة ظاهرة على آخره وهو مضاف والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل جر مضاف إليه.
ذُو ضِغْنِ: ذُو يعني صاحب، إذاً هو من الأسماء الستة فهو خبر (لَكِنَّ) مرفوع بها ورفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الستة.
وَلَكِنَّ ابْنَهُ ذُو ضِغْنِ (ذو) مضاف و (ضغن) مضاف إليه.
إذاً أشار بهذه الأمثلة الثلاثة إلى أن هذه العوامل تدخل على زيد وهو اسم ظاهر وأني هذا ضمير، وابنه هذا مضاف ومضاف إليه وهو في الأصل نكرة.
ثم عملت الرفع على الأصل في عالم وهو بالضمة، وعملت الرفع في ذو على الفرعية وهو الواو.
وقس على هذه الأمثلة ما يقال في (لعل) و (ليت) و (كأن) وقس الباقي على ما ذكر، وهذه كما ذكرنا اللغة المشهورة وهناك من ينصب الجزأين لكنه محفوظ.
قال ابن عقيل: هذا هو القسم الثاني من الحروف الناسخة للابتداء وهي ستة أحرف.
إن وأن وكأن ولكن وليت ولعل وعدها سيبويه خمسة بإسقاط أن المفتوحة؛ لأن أصلها إن المكسورة كما سيأتي.
ومعنى إن وأن التوكيد، ولذلك قلنا: هي أشبهت الفعل من جهة المعنى، إن زيداً عالم، معناه: أؤكد علم زيد، ولذلك قيل، هذه الكلمة أقيمت مقام جملتين أو ثلاث، الأصل: زيد عالم .. زيد عالم .. زيد عالم التأكيد إنما يكون بالتكرار فحذفت الجملتان الثانية والثالثة من باب الاختصار، وأُكِّدَ النسبة التي بين زيد وعالم بقولنا: (إن)، فـ (إن) هذه للتوكيد أي تقوية النسبة وتقريبها في ذهن السامع إيجابية كانت أو سلبية على الصحيح، وتوكيد النسبة تارة يكون لدفع الشك فيها، وتارة يكون لدفع إنكارها، وتارة يكون لا ولا، يعني لا لهذا ولا لذاك .. يعني متى تؤكد؟ إما لخال الذهن، هذا الأصل فيه أنه لا يؤكد له، وإما لمتردد وهذا يؤكد له استحساناً، وإما لمنكر وهذا يؤكد له وجوباً، ومر معنا هذا بحثه فيه في البلاغة.
стр. 682
فالأول مستحسن والثاني واجب والثالث لا ولا، ولا ينافي كون المفتوحة للتوكيد أنها بمعنى المصدر؛ لأنه إذا قلنا أن زيداً عالم، هذا في قوة المفرد؛ لأنها مما يؤول بمصدر، وسبق معنا من الموصولات الحرفية التي تؤول مع ما بعدها بمصدر وهي متفق عليها (أنْ وأنَّ وكي) قلنا: هذا متفق عليه، و (مَا) الظرفية الزمانية، و (لو) هذا مختلف فيه، فحينئذٍ أنَّ إذا قلنا: هي للتوكيد -لتوكيد النسبة يعني الجملة-، هي لا تؤكد مفرداً حينئذٍ نقول: هي للتوكيد التقوية تقوية النسبة ثم هي في نفس الأمر تؤول بمصدر، هذان متعارضان.
أن زيداً عالم، هذا مفرد كلمة واحدة، ولذلك صح أن تأتي في محل الفاعل ((أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا)) [العنكبوت:٥١] إنزالنا، فدل على أن (أنَّ) في قوة المفرد فهو كلمة واحدة، فكيف نقول: هي لتقوية النسبة؟ ولا ينافي كون المفتوحة للتوكيد أنها بمعنى المصدر، وهو لا يفيد التوكيد؛ لأن كون الشيء بمعنى الشيء لا يلزم أن يساويه في كل ما يفيده فاندفع ما لأبي حيان، حينئذٍ إذا قيل بأن الشيء شابه الشيء لا يلزم منه المساواة من كل وجه، بمعنى أن الجهة منفكة، فحينئذٍ باعتبار كون مدخول (أن) كما سبق أنها توصل بالجملة الاسمية، بهذا الاعتبار هي مؤكدة، وباعتبار كونها بعد الدخول والتأكيد هي مؤولة بمصدر، فالجهة حينئذٍ تكون منفكة، فلا اعتراض بين هذا وذاك، لا يقال بأنها في قوة المفرد ثم بعد ذلك هي مؤكدة، نقول: اشترطنا فيما سبق أن الذي توصل به (أن) أن يكون جملة اسمية، والجملة الاسمية مركبة من فعل وفاعل، حينئذٍ هذه الجملة بعد دخول (أن) تئول إلى المفرد، ونحن نؤكد قبل التأويل، فحينئذٍ انفكت الجهة.
(إِنَّ وأَنَّ) التوكيد، ومعنى (كَأَنَّ) للتشبيه، -التشبيه المؤكد-؛ لأنها مركبة، ولا تخرج كَأَنَّ عن التشبيه عند البصريين، وزعم الكوفيون أن كَأَنَّ كما تأتي للتشبيه تأتي للتحقيق، وقيل للظن، إذا كان خبرها فعلاً أو ظرفاً أو صفة من صفات أسمائها، وقيل: تأتي للتقريب وقيل: للنفي، والمشهور أنها تأتي للتشبيه، والتشبيه قيل: مشروط بأن كان خبرها جامداً، فإن كان مشتقاً وصفاً أو فعلاً، فالظاهر أنها للظن ليست للتشبيه، ولا بد من التفصيل، ولا بأس أن يكون للحرف الواحد عدة معاني كما سيأتي في حروف الجر.
إذاً كأن للتشبيه مشروط بأن (كان) خبرها جامداً، كأن زيداً أسد، نقول: هنا للتشبيه، كأن زيداً عالم، ليس عندنا تشبيه وإنما هو ظن، نظن ظناً علم زيد، فلا إشكال من التفصيل.
(لَكِنَّ) للاستدراك وهو تعقيب الكلام بنفي ما يتوهم منه ثبوت، أو إثبات ما يتوهم منه نفي، وقيل رفع التوهم ليس لازماً للكن بل هو أغلبي؛ لأنه قد يأتي بعض التراكيب ليس فيه استدراك.
بل هو أغلبي فقط؛ لأنها قد لا تكون لرفع التوهم، زيد قائم لكنه ضاحك، ليس عندنا استدراك هنا، إذاً هو أغلبي.
стр. 683
فالتعريف أغلبي، و (لَيْتَ) للتمني وهو طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عسر –أمران-: طلب ما لا طمع فيه، وهذا يكون مستحيلاً عادة: *أَلا لَيْتَ الشَّبابَ يَعُودُ يَوماً *، نقول: لَيْتَ هنا طمع ماذا -يمكن أو لا يمكن يعود الشباب-؟ عادة لا، والله قادر أن يعيد الشباب، لكن في العادة التي جرت عليها السنن الإلهية نقول: لا يعود، *أَلا لَيْتَ الشَّبابَ يَعُودُ يَوماً*، إذاً طلب مالا طمع فيه، فالأول ما كان مستحيلاً في مجرى العادة، أو ما فيه عسر -يمكن أن يقع وليس بمستحيل في مجرى العادة إلا أنه بعيد فيه عسر-، الفقير ماذا يقول؟ ليت لي مالاً، أو ليت لي جبلاً من ذهب فأتصدق به، نقول: هذا ممكن يكون له جبل مثل الذهب، لكن أين هو؟
ولَعْلَّ للترجي والإشفاق، الإشفاق: هو توقع المخوف، والترجي: هذا يكون في المحبوب، للترجي والإشفاق، الترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه وهو توقع المخوف.
وزاد في التسهيل أن لَعْلَّ تكون للتعليل، نحو قوله: ((لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ)) [طه:٤٤] هذا للتعليل والاستفهام نحو: ((وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى)) [عبس:٣] وتختص لَعْلَّ بالممكن، ولذلك جاء: ((لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)) [الطلاق:١] هنا لماذا؟ ((لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)) رجاء وليس للتعليل ((فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ)) [الكهف:٦] هذا للإشفاق.
والفرق بين الترجي والتمني أن التمني يكون في الممكن نحو: ليت زيداً قائم وفي غير الممكن لَيْتَ الشَّبابَ يَعُودُ يَوماً، وأن الترجي لا يكون إلا في الممكن فلا تقول: لعل الشباب يعود، هذا بعيد، والفرق بين الترجي والإشفاق أن الترجي يكون في المحبوب "لعل الله يرحمنا"، والإشفاق في المكروه "لعل العدو يقدم". هذا في المكروه.
وهذه الحروف تعمل عكس عمل كان فتنصب الاسم وترفع الخبر نحو: إن زيداً قائم، فهي عاملة في الجزأين وهذا مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أنها لا عمل لها في الخبر، وهذا ضعيف؛ لأنه سيكون عندنا عامل ينصب ولا يرفع، وهذا لا نظير له، وإنما هو باق على رفعه الذي كان له قبل دخول (إن) وهو خبر المبتدئ.
هو لم يكن مبتدأ صار اسم (إن)، وحينئذٍ زال العامل من حيث الوصف لا من حيث الحقيقة، وكذلك في شأن: كان قائماً.
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلاَّ فِي الَّذِي ... كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ الْبَذِي
هذه الحروف لما كانت فرعاً عن الفعل فحينئذٍ صار العمل فيها ضعيف؛ لأنها إنما أعملت بالحمل، يعني الحمل على غيرها -مشابهتها للفعل لفظاً ومعنى-، حينئذٍ ما كان شأنه كذلك يبقى على أصل الترتيب فلا يتقدم خبره على اسمه، لماذا؟ لضعفها؛ لأنها ضعيفة، وهي لا تتصرف، وكل ما لا يَتَصَرَف الأصل فيه ألا يُتَصَرَف في معمولاته، هذا الأصل، وهذا في باب الحروف.
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ -هذا وجوباً-، راعاه: لاحظه، إذاً مأخوذ من الملاحظة لاحظه والتزمه؛ لأنه ذكر لنا الأمثلة بالترتيب كَإِنَّ زَيْدَاً عَالِمٌ، قدم الاسم على الخبر إذاً راع هذا الترتيب، فلا يجوز لك أن تقدم الخبر على الاسم، فلا تقل: إن عالم زيداً، هذا باطل لا يصح.
стр. 684
وَرَاعِ ذَا: (ذَا) اسم إشارة مفعول به، (التَّرْتِيبَ) بدل أو عطف بيان، التَّرْتِيبَ الرتبة والمرتبة: المنزلة، فمنزلة الاسم مقدمة على منزلة الخبر، ولذلك يعبر النحاة: عاد عليه لفظاً ورتبة، رتبة يعني: منزلة.
ورتب الشيء ثبت وبابه دخل، وأمر راتب أي: دائم ثابت.
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ يعني: الترتيب السابق، الزمه والتزمه، فقدم الاسم على الخبر كما هو الأصل، فلا تقدم الخبر على الاسم.
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ أي: المعلوم من الأمثلة السابقة لضعف العمل بالحرفية، وأيضاً قصدوا أن يدلوا على أنها فروع في العمل، وعلى أنها ليست أفعالاً على الحقيقة، فلا يتقدم خبرهن مطلقاً بل ولا يتوسط إلا الظروف والجار.
لا يتقدم الخبر عليها، هذا مقطوع به، ولا يتوسط، فلا يقال: عالم إن زيداً، لا يصح، ولا يصح أن يتوسط، فإذا منع التوسط فالتقدم من بابٍ أولى وأحرى.
إذاً: لا يتقدم خبرهن مطلقاً عليهن، ولا يتوسط إلا ما استثناه الناظم هنا وهو الظرف والجار والمجرور، فحينئذٍ له أن يتوسط بين (إنَّ) واسمها، ((إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا)) [المزمل:١٢] إن أنكالاً لدينا .. هذا الأصل، ففصل بين (إنَّ) واسمها بالخبر وهو: لَدَيْنَا وهو ظرفه.
((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً)) [آل عمران:١٣] عِبْرَةً اسم (إن)، ((فِي ذَلِكُ)) جار ومجرور متعلق محذوف خبر (إنَّ) مقدم على خبرها.
إذاً يستثنى الظرف والجار ولمجرور، لماذا؟ يتوسع فيهما ما لا يتوسع في غيرهما.
إذا توسع فيهما لماذا لم يتقدما على (إن) نفسها؟ نقول: لأنها حروف، والحروف غير متصرفة، فلا تعامل معاملة الفعل المتصرف، فحينئذٍ إذا سمع ((إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا)) [المزمل:١٢] نقول: الفصل جائز، ولعدم سماع تقدم الظرف والجار والمجرور على (إن) نقول: لعدم سماعه لا يجوز، إذاً يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها -ليست على إطلاقها-، وإنما هي مقيدة بالسماع بما سمع.
وَرَاعِ أي وجوباً، ذَا التَّرْتِيبَ؛ لأنها غير متصرفة، وهو تقديم اسمها وتأخير خبرها وجوباً راعه، وحكم معمول خبرها حكم خبرها، معمول الخبر ما حكمه هنا؟ سبق أنه لا يلي (كان)، وَلاَ يَلِى الْعَامِلَ مَعْمُولُ الْخَبَرْ، أليس كذلك؟ فحينئذٍ هل يلي هنا معمول الخبر (إن)؟ لو قال: إن زيداً قائم عندك، هل يصح أن يقال: إن عندك زيداً قائم؟ الجواب: لا، وإنما يستثنى الخبر نفسه فقط، إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، وما عداه فلا على الأصل.
وحكم معمول خبرها حكم خبرها، فلا يجوز تقديمه، وبعضهم استثنى أنه إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً جاز تقديمه قياساً على الخبر، فصحَّح وجوز إن عندك زيداً مقيم، وإن فيك عمرواً راغب.
وأما تقديم معمول الخبر على الخبر دون الاسم فجائز، يعني: إن زيداً عندك قائم، جائز؛ لأنه لم يتقدم على الاسم، وإنما تقدم على الخبر، تقديم معمول الخبر على الخبر لا إشكال فيه دون الاسم.
стр. 685
وأما إذا تقدم على الاسم معمول الخبر فالأصل المنع، لماذا؟ لأن الخبر منع وهو عامل وهو أصل، فمعموله من بابٍ أولى وأحرى، ولأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل وعلمنا أن تقديم العامل ممتنع، فمعموله كذلك مثله، لكن جوز بعضهم حملاً على الظرف -إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً-.
إِلاَّ: استثنى الناظم إِلاَّ فِي الَّذِي، يعني إلا الخبر في الموضع الذي يكون الخبر فيه ظرفاً أو جاراً ومجروراً للتوسع في الظروف والمجرورات كَلَيْتَ فِيهَا غَيْرَ الْبَذِي .. كَلَيْتَ هُنَا غَيْرَ الْبَذِي.
لَيْتَ نقول: هذه تعمل عمل (إن)، فِيهَا: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
غَيْرَ الْبَذِي: بذي يعني فاحش اللسان قذر، وهو اسم ليت.
إذاً توسط هنا وهو ظرف بين ليت واسمها غَيْرَ الْبَذِي.
كذلك فِيهَا أو هنا للتنويع -تنويع المثال- أو كَلَيْتَ فِيهَا غَيْرَ الْبَذِي: توسط هنا الجار والمجرور وهو فِيهَا بين العامل ومعموله.
هذا في حالة الجواز فيما إذا لم يكن ثم مانع، وقلنا هذا الباب لما قال: عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ، حينئذٍ الأصل ما اشترط هناك يشترط هنا، فما منع هناك في باب (كان) وفي باب المبتدئ والخبر من جهة أن يتصل بالجار والمجرور أو الظرف ضمير يعود على الخبر - كَذَا إِذَا عَادَ عَلَيْهِ مُضْمَرُ- إذا اتصل بالاسم ضمير يعود على الخبر، في الدار صاحبها، إن في الدار صاحبها، هل يصح أن نقول: إن صاحبها في الدار؟ إذاً ما حكم تقديم الخبر هنا؟ إن في الدار صاحبها، تقديم الخبر على الاسم نقول: هذا واجب.
إذاً قوله: كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا: ليس فيه ما يوجب توسط الخبر بين ليت واسمها.
فحينئذٍ نقول: لم يرد الناظم إلا المسألة التي يجوز فيها التوسط بين العامل والمعمول، وهو الاسم، وأما ما عداه فيؤخذ من الشرح، فنقول: هناك ما يجب أن يتوسط فيه الخبر بين العامل والاسم وهو ظرف أو جار ومجرور، ليت في الدار صاحبها، نقول: هذا مثال لما وجب فيه التوسط.
إن عند زيد أخاه، إن عند زيد ما إعرابه؟
(إن) حرف توكيد ونصب، و (عند) اسم إن، إن عند هذا متعلق بمحذوف خبر (إن)، منصوب أو مرفوع؟ منصوب، وعندَ فيها النّصبُ يَستمرُّ.
منصوب على الظرفية إن عند زيد أخاه.
أخاه؟
اسم (إن).
وعند زيد هذا خبره، تقدم الخبر على اسم (إن)، ما حكم تقدم الخبر والتوسط هنا جائز أم واجب؟
واجب.
واجب، لماذا؟ لأن الاسم وهو أخاه اتصل به ضمير يعود على جزء من الخبر.
قال: فلا يجوز تأخير: في الدار لئلا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، وكذلك إذا اقترن الاسم بلام الابتداء ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً)) [آل عمران:١٣] سيأتي أن الذي يدخل عليه لام الابتداء الأصل فيه خبر كما سيأتي.
وإذا دخلت لام الابتداء على الاسم حينئذٍ لا يجوز أن يلي ذلك الاسم العامل (إن)، (الأصل إن لعبرة)، لكن لا يتوالى مؤكدان في جملة واحدة؛ لأن (إن) مؤكدة، واللام مؤكدة، فحينئذٍ لا بد من زحلقة الاسم مع لامه.
((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً)) [آل عمران:١٣] هذا مما يجب فيه التوسط، ماذا بقي؟ بقي وجوب تأخير الخبر، إذا كان ظرفاً؛ -الكلام في الظرف والجار والمجرور-.
стр. 686
وذلك فيما إذا اقترن بهذا الخبر لام الابتداء ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم:٤]، وَإِنَّكَ الكاف اسم (إن)، لَعَلى .. على خلق، هذا جار ومجرور وهو خبر، دخلت عليه لام الابتداء، واجب التأخير كما سيأتي في آخر الباب .. واجب التأخير، حينئذٍ تقدم وتوسط الخبر على اسم (إن) وأخواتها ممنوع، يستثنى الجار والمجرور، وهذا له ثلاثة أحوال: ما يجوز فيه التوسط والتأخير، وهو الذي ذكره الناظم ﵀.
بقي حالتان وهما: وجوب التوسط، وذلك إذا اشتمل اسم (إن) على ضمير يعود على خبر مثل: إن في الدار صاحبها، إن عند زيد أخاه.
أو الحالة الثالثة: أنه يجب تأخير الجار والمجرور أو الظرف، وذلك إذا دخل على الخبر لام الابتداء ((إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم:٤].
قال ابن عقيل: أي ويلزم تقديم الاسم في هذا الباب وتأخير الخبر إلا إذا كان الخبر ظرفاً أو جاراً ومجروراً فإنه لا يلزم تأخيره وتحت هذا قسمان:
أحدهما: أنه يجوز تقديمه وتأخيره، وهذا الذي ذكره الناظم رحمه الله تعالى.
والثاني: أنه يجب تقديمه: ليت في الدار صاحبَها، فلا يجوز تأخير في الدار لئلا يعود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، وكذلك إذا اقترن الاسم بلام الابتداء نحو ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً)) [آل عمران:١٣].
والحالة الثالثة -ما ذكرها ابن عقيل نزيدها- وهي: وجوب تأخير الخبر الظرف والجار، وذلك فيما إذا اقترنت بهذا الخبر لام الابتداء ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم:٤].
ولا يجوز تقديم معمول الخبر على الاسم إذا كان غير ظرف ولا مجرور، استثنى الظرف والمجرور –رأي-، إن زيداً آكل طعامك، فلا يجوز: إن طعامك زيداً آكل، لا يتوسط بين (إن) ومعمولها، لماذا؟ لأنه مفعول به ليس بظرف.
وكذا إن كان المعمول ظرفاً أو جاراً ومجروراً: إن زيداً واثق بك، أو جالس عندك، فلا يجوز تقديم المعمول على الاسم، فلا تقل: إن بك زيداً واثق، أو: إن عندك زيداً جالس، فهذا أولى، المنع أولى، معمول الخبر إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً لا يقاس على الخبر إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، بل جوز في الخبر لأنه عمدة في نفسه، وأما متعلق الخبر ليس بعمدة، إن زيداً قائم عندك، عندك ليس بعمدة، وأما إذا كان ظرفاً هو في نفسه خبر فالأصل فيه أنه من العمد.
ثم قال:
وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ
هذا شروع منه في بيان مواضع كسر همزة (إنَّ) أو فتح همزة (إنَّ)، متى نقول: (إنَّ)، ومتى نقول: (أنَّ)، وجوباً في الحالتين ومتى يجوز الوجهان؟
أراد أن يبين لنا المواضع، وهذه كلها سماعية، بمعنى أنه يُسمع في لسان العرب ما كسرت فيه (إنَّ) أو ما فتحت فيه (أنَّ)، أو ما يجوز فيه الوجهان.
فالأحوال كم؟ ثلاثة، وجوب الفتح، وجوب الكسر، جواز الأمرين.
وكل من هذه الأحوال الثلاثة ينظمها ضابط إذا فهمه الطالب وعرف حينئذٍ لا يحتاج أن يعرف هذه المواضع،: كل موضع يحتاج فيه ما قبل (إنَّ) إلى مفرد، ولا يجوز صناعةً أن يكون جملة فإن همزة (إنَّ) تكون مفتوحة.
стр. 687
يعني إذا جاءت (إنَّ) ولا تدري هل هي (إنَّ) أو (أن) تنظر في هذه الجملة، هل يمكن أن تكون في مقام مفرد؟ بحيث يحتاجها ما قبلها أن يكون فاعل، أو مبتدأ، أو حال .. أو نحو ذلك، إن صح أن تعرب هذه الجملة في محل مفرد فيتسلط عليها العامل، فوجب حينئذٍ فتح (أن) مثل ماذا؟ ((أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا)) [العنكبوت:٥١] ننظر في: أَنَّا أَنْزَلْنَا أو إِنَّا أَنْزَلْنَا -القراءة ثابتة-؟ لكن نقول هنا: إذا تردد هل هي بالكسر أو بالفتح؟ نقول: انظر ما قبلها ((أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ)) [العنكبوت:٥١] يكفي هذا فعل، فحينئذٍ ننظر في هذه الجملة، ذاك الفعل لم يستوف فاعله، هل يمكن أن نجعل هذه الجملة تقوم مقام الفاعل وهو مفرد في المعنى؛ لأن (أن) تؤول بمفرد مصدر إن أمكن وصح صناعة، يعني في الإعراب حينئذٍ وجب فتح أن، فإن لم يمكن وجب كسر (إن).
إن جاز الوجهان يعني يمكن أن تكون جملة مستقلة، ويمكن أن يوجد مفرد فتكون الجملة في قوة المفرد تسلط عليها العامل السابق، ويمكن أن يتخلى عن هذا المفرد من جهة الإعراب .. حينئذٍ نقول: جاز الوجهان.
وكل ما اختلف فيه مرده إلى هذه المواضع الثلاثة، ثلاثة ضوابط لكل هذه الأبواب:
كل موضع يحتاج فيه ما قبل (إن) إلى مفرد، ولا يجوز صناعة أن يكون جملة فإن همزة (إن) تكون مفتوحة.
الثاني: كل موضع يحتاج فيه ما قبل (إن) إلى جملة ولا يجوز صناعة أن يكون مفرداً تكون همزة (إن) مكسورة.
ثالثاً: كل موضع يجوز فيه الوجهان صح فيه فتح الهمزة وكسرها، حينئذٍ من عنده ملكة في الإعراب يستطيع أن يعرف هذا الموضع هل هو بالكسر أو بالفتح.
قال ﵀: وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا
وَهَمْزَ إِنَّ هذا بالنصب هَمْزَ مفعول به لقوله: افْتَحْ، افتح همز إن، متى؟ لِسَدِّ مَصْدَرِ مَسَدَّهَا
إذا صح أن يسد المصدر مسد الجملة حينئذٍ وجب فتح (إن) فيقال: أن.
وما سِوَى ذَاكَ إذا لم يصح أن تؤول الجملة بمصدر اكسر. افتح قال: اكسر، كم موضع؟ وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ، وما سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ كم موضع؟ موضعان، ونحن نريد أن ندخل الموضع الثالث، لا بد من إدخاله، فحينئذٍ إما أن نجعل افْتَحْ ليس على الوجوب –الأول-، وإما أن نجعل اكسر –الثاني- ليس على الوجوب، لا بد من التأويل في واحد منهما.
وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ وجوباً، وجوباً بمعنى: أنه لا يجوز الكسر، هذه حالة واحدة.
وما سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ وجوباً وجوازاً، فشمل حالتين.
وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ وجوباً وجوازاً، وما سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ وجوباً، إما أن يكون التأويل في الأول وإما أن يكون التأويل في الثاني، فيحمل صيغة افعل على الحقيقة والمجاز، افتح وجوباً وجوازاً، فيشمل ما تعين فيه الفتح، وهو المواضع التي يجب فيها فتح همزة (إن)، والمواضع التي يجوز فيها الوجهان ويفتح فيها في أحد الوجهين همزة (إن)، ويختص قوله: وما سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ بالوجوب، أو بالعكس: هَمْزَ إِنَّ افْتَحْ يعني وجوباً لا يجوز إلا الفتح، وما سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ وجوباً فيما لا يجوز فيه إلا الوجوب وجوازاً فيما جاز فيه الفتح، فيكون مرجحاً من هذه الحيثية.
стр. 688
وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ فهم منه أن الأصل المكسورة الهمز؛ لأنه قال: وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ الأصل ماذا؟ (إن) و (أن) فرع عنها، وهذا هو المشهور عند النحاة، أن الأصل هي المكسورة الهمزة وقيل المفتوحة، وقيل هما معاً أصل، يعني لا أصالة لأحدهما على الآخر.
لِسَدِّ مَصْدَرِ هو مصدر خبرها إن كان مشتقاً، والكون إن كان جامداً، يعني كيف نقول: افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ؟
نقول: إما أن يكون الخبر مشتقاً، وإما أن يكون جامداً -بأن يكون جامداً أو ظرفاً وجاراً ومجروراً-، على ما ذكرناه سابقاً في الموصولات الحرفية أنك تنظر في الخبر وتأتي بمصدر المشتق فتضيفه إلى اسم أن، علمت أن زيداً قائم، كيف سدت مسد المصدر هنا؟
نقول: علمت قيام زيد، علمت أن زيداً في الدار، علمت كون زيد في الدار، علمت أن زيداً أسد، علمت كون زيد أسداً، فتأتي بالكون تضيفه إلى علمت كون زيد الاسم ثم تنصب الخبر على أنه خبر للكون، وبعضهم يأت بالمصدر المولد، علمت أسدية زيد مضاف للياء والتاء، نقول: هذا مصدر مولد.
علمت أسدية زيد، وهذا جائز وذاك جائز.
وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ قال: لِسَدِّ مَصْدَرِ ولم يقل: لسد مفرد؛ لأنه قد يسد المفرد مسدها ويجب الكسر، المصدر أخص من المفرد، أيهما أعم؟ المفرد أعم من المصدر؛ لأن المفرد هذا يشمل زيد، وليس بمصدر، يشمل رجل وليس بمصدر، لكن المصدر يكون أخص، فقوله: لِسَدِّ مَصْدَرِ هذا مقصود، ولم يقل: لسد مفرد؛ لأنه قد يسد المفرد ويجب كسر (إن)، وذلك في باب ظن، أنه يقع المفعول الثاني جملة، فإذا كان مصدرة بـ (إن) وجب كسرها.
ظننت زيداً إنه قائم، جملة إنه قائم هذه في مقام المفرد؛ لأن ظن هذه داخلة على المبتدئ والخبر، فالأصل فيه -المفعول الثاني- أن يكون مفرداً، فإذا وقعت جملة إنه قائم حينئذٍ نقول: تفسر بالمفرد -في قوة المفرد- ومع ذلك لا نقول بأنه يجب فتح همزة أن.
وإنما قال: لسد مصدر، ولم يقل: لسد مفرد؛ لأنه قد يسد المفرد مسدها ويجب الكسر كالمثال الذي ذكرناه.
وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ
مَسَدَّهَا هذا ما إعرابه؟
لِسَدِّ مَصْدَرِ مَسَدَّهَا، ضربت زيداً ضرباً؟
مفعول مطلق.
لِسَدِّ مَصْدَرِ مَسَدَّهَا مع معموليها لزوماً بأن وقعت في محل فاعل كما في قوله تعالى: ((أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا)) [العنكبوت:٥١] أي: يَكْفِهِمْ إنزالنا، أو وقعت موقع نائب الفاعل ((قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ)) [الجن:١] أُوحِيَ هذا مغير الصيغة ((أَنَّهُ اسْتَمَعَ)) [الجن:١] انظر هنا وقعت ((أَنَّهُ اسْتَمَعَ)) الجملة، حينئذٍ إذا تردد هل هي بالكسر أو بالفتح تنظر ما قبلها ((أَوْحَيْ)) هذا يفتقر إلى نائب فاعل، إذاً هو مفرد، هل استوفى نائب فاعله؟ لم يستوف، لو أَوَّلْتَ هذه الجملة بمفرد حينئذٍ هل يتسلط عليه العامل فيرفعه على أنه نائب فاعل؟ نعم.
стр. 689
إذاً تقول هذه يجب أن تكون بالفتح ((أَنَّهُ اسْتَمَعَ)) أوحي استماع نفر من الجن، إذاً تقع أّنَّ في مقام الفاعل وفي مقام نائب الفاعل، وتأتي كذلك في مقام الاسم المجرور بحرف الجر، وتأتي في مقام المفعول به ((وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ)) [الأنعام:٨١] ولا تخافون إشراككم، هنا وقعت في موقع المفرد وهي جملة اسمية مصدرة بـ (إن) نقول: وجب الفتح، لماذا؟ لوقوعها مقام المفعول به، أو في موضع مجرور بحرف ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ)) [الحج:٦] إذا جرت بحرف، -حرف جر- مباشرة تحكم عليها بأنها بفتح الهمزة وجوباً ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ)).
كذلك تأتي في مقام المبتدئ ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ)) [فصلت:٣٩] ومن آياته رؤيتك الأرض، (رؤيتك) هذا مبتدأ مؤخر، إذاً وقعت في مقام المفرد، سدت مسد المصدر.
كذلك في موضع خبر مبتدئ بشرط أن يكون ذلك المبتدأ غير قول، وبشرط ألا يكون خبر أن صادقاً على ذلك المبتدئ: ظني أنك مقيم معنا اليوم، يعني ظني إقامتك، ظني أنك مقيم معنا اليوم .. ظني إقامتك، وعبر ابن هشام عن هذه الحالة بقوله: أو خبراً عن اسم معنىً غير قول ولا صادق عليه خبرها: اعتقادي أنه فاضل، حينئذٍ نقول: أنه فاضل هذا في قوة المصدر، ويعرب ماذا؟ اعتقادي هذا مبتدأ وأنه فاضل: خبر المبتدأ.
إذاً الحاصل أن قوله: لِسَدِّ مَصْدَرِ مَسَدَّهَا يعني مع معموليها لزوماً؛ بأن وقعت في محل فاعل كالآية التي ذكرناها، ولو كان الفعل مقدراً نحو: ((وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا)) [الحجرات:٥] ولو ثبت أنهم صبروا، يعني ولو ثبت صبرهم، على قول الكوفيين أن المرفوع بعد لولا فاعل ثبت مقدراً، وقال أكثر البصريين: هي مبتدأ محذوف الخبر وجوباً ((وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا)) [الحجرات:٥] لو هذه هل يلزم أن يكون ما بعدها فعل؟
على قول الكوفيين: أن المرفوع بعد لو فاعل ثبت مقدراً.
وقال أكثر البصريين: هي مبتدأ محذوف الخبر وجوباً.
من هذين القولين تأخذ أن عند الكوفيين أنه لا يلي لو إلا الفعل، وعند البصريين لا يشترط، ليست كـ (إن) و (إذا) وإنما يستثنون (إن) و (إذا) لما سيأتي في باب الاشتغال.
أو مفعول غير محكي بالقول نحو: ((وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ)) [الأنعام:٨١] أو خبر عن اسم معنىً غير قولٍ ولا صادق عليه خبرها: اعتقادي أنك فاضل، بخلاف قولي: إنك فاضل، أو مجرور بالحرف كما ذكرناه سابقاً.
هذه المواضع قرابة التسع كلها تكون محلاً لـ (أن) فاعل، ومفعول به، ونائب فاعل، ومبتدأ، وموضع المضاف إليه ((إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ)) [الذاريات:٢٣]، وكذلك إذا عطفت على شيء وجب فيه فتح أن، أو أبدلت من شيء وجب فيه فتح أن حينئذٍ نقول: هذه المواضع كلها يجب فيها الفتح، وتؤول بمصدر.
والضابط: هو أنه كل موضع صح أن يحل فيه المفرد ويتسلط عليه العامل، ويصح صناعة إعرابية .. حينئذٍ تعين أن يكون بالفتح.
ثم قال:
فَاكْسِرْ فِي الاِبْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ ... وَحَيْثُ إِنَّ لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
هذه الأحوال وجوب كسر همزة (إن)، فَاكْسِرْ وجوباً في ستة مواضع سيذكرها الناظم
стр. 690
فِي الابْتِدَا: يعني في ابتداء الجملة إما حقيقة وإما حكماً.
حقيقة متى؟ إذا لم يتقدمها شيء، لم يسبقها قطعاً ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)) [الكوثر:١] نقول: هذا واجب، لماذا؟ لأنها وقعت في ابتداء الكلام حقيقة، لم يسبقها شيء البتة ((إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)) [القدر:١] نقول: هذه وجب فيها كسر همزة إن.
أو حكماً بأن يسبقها شيء ولكن لا يخرجها عن كونها جملة ابتداءً، يعني لا يخرجها عن ابتدائيتها مثل: ألا ((أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)) [يونس:٦٢] (إن) هنا نقول: واجبة الكسر، لأنها وقعت في ابتداء الكلام، كيف وقعت في ابتداء الكلام و (ألا) قبلها؟ نقول: أل الافتتاحية لا تؤثر في الجملة التي بعدها في كونها مبتدأً بها، فهي ابتدئ بها حقيقةً لكن باعتبار اللفظ (ألا) نقول: حكماً وإلا في نفسها فهي مبتدأ بها؛ لأنه لو نفي عنها الابتداء لما صح كسر همزة (إن).
فالثاني الواقعة بعد أل الاستفتاحية كالآية التي ذكرناها.
مثلها الواقعة بعد حَيْثُ، حيث هذه ملازمة للإضافة إلى الجمل، حينئذٍ إذا صدرت الجملة بـ (إن) وجب كسرها؛ لأنها في هذا التركيب هي مبتدأ بها (اجلس حيث إن زيداً جالس) بالكسر وجوباً، فحينئذٍ دخل هذا الموضع في قوله: (فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا) ومنه حيث؛ لأنها ملازمة للإضافة إلى الجمل، فإذا جاءت (إن) بعدها وجب كسرها.
والواقعة خبراً عن اسم ذات نحو: زيد إنه قائم، زيد مبتدأ، إنه قائم، نقول: وجب الكسر هنا، لأن الجملة وقعت خبراً عن اسم ذات، فحينئذٍ هي مبتدأٌ بها حكماً.
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا إذاً قوله: فِي الابْتِدَا يشمل الابتداء حقيقة والابتداء حكماً، والابتداء حكماً يدخل تحته المستفتح بألا الاستفتاحية.
وَحَيْثُ: وإذا وقعت جملة خبراً عن اسم ذات، ولو زدنا عليه إذ؛ لأنها ملحقة بحيث لكان جيد.
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ: يعني في صدر الصلة، إذا وقعت (إن) في صدر الصلة وجب كسرها، جاء الذي إنه قائم، وجب الكسر؛ لأنها وقعت في صدر الصلة، لماذا كسرت إذا وقعت في صدر الصلة؟ نقول: سماعاً، هكذا العرب إذا أوردوا هذا الموضع كسروا وجوباً.
وَفِي بَدْءِ صِلَهْ: يعني ابتداء الصلة، سواء كان حرفاً أو اسماً، ومثل الصلة الصفة (مررت برجل إنه فاضل)، وأما الصلة فنحو: ((إِنَّ مَفَاتِحَهُ)) [القصص:٧٦] الذي إن مفاتحه، بخلاف حشو الصلة نحو: جاء الذي عندي أنه فاضل، لا يشترط فيه حشو الصلة، جاء الذي عندي أنه فاضل، لا يشترط فيه أن تكسر همزة (إن) هنا، بل تفتح؛ لأنها لم تقع في صدر الصلة، والذي وقع في صدر الصلة هو الظرف، وإن (لم) لم تأت، ومثله: لا أفعله ما أن في السماء نجماً، هنا بالفتح لا بالكسر، أي: ما ثبت أن في السماء نجماً.
وَحَيْثُ إِنَّ لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ، هذا الموضع الثالث الذي يجب فيه كسر همزة (إن).
حَيْثُ إِنَّ هذا مبتدأ.
لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ .. مكملة ليمين، يعني وقعت جواباً له، ومكملة هذا ما إعرابه؟
стр. 691
حَيْثُ إِنَّ: قلنا: (إن) مبتدأ، لِيَمِينٍ متعلق بقوله: مُكْمِلَهْ، مُكْمِلَهْ هذا خبر (إن)، أي وقعت جواباً له سواء مع اللام أو دونها، ولا فرق معها بين وجود فعل القسم أو لا ((وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ)) [العصر:١، ٢].
حَيْثُ إِنَّ لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ، يعني وقعت جواباً للقسم، حينئذٍ يجب كسر همزة (إن)، وهذا يدخل تحته ثلاث صور، يعني مواضع كسر همزة (إن) في جواب القسم له ثلاثة أحوال؛ لأن الصور أربعة: واحدة يجوز فيها الوجهان، وثلاثة يجب فيه كسر همزة (إن).
الصورة الأولى: أن يذكر فعل القسم وتقع اللام في خبر (إن)، هنا يتعين مثل ((وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ)) [التوبة:٥٦] (يَحْلِفُونَ) ذُكر القسم الفعل، ثم قال: ((إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ)) جُمع بين الفعل واللام، وجب كسر همزة (إن).
الصورة الثانية: أن يحذف فعل القسم وتقع اللام في خبر (إن): ((وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي)) [العصر:١، ٢]. وقعت اللام في في خبر (إن)، أين الفعل؟ محذوف ((وَالْعَصْرِ)).
في هذين الموضعين باتفاق إجماع أنه يجب كسر همزة (إن)، وانظر الضابط فيهما وجود اللام في خبر (إن)، وجدت اللام سواء ذكر الفعل أم حذف وجب كسر همزة (إن).
إذاً الضابط ليس هو في ذكر فعل القسم، بل ذُكِر في الأولى وحُذِف في الثانية ((وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ)) هنا جَمَعَ بين الأمرين: ذُكِرَ الفعل، ووجدت اللام في خبر (إن).
الثاني: ((وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي)) وُجِدت اللام وحُذف الفعل.
إذاً الضابط ما هو القدر المشترك؟: وجود لام الابتداء واقعة في خبر (إن) سواء حذف الفعل أم ذكر، في هاتين الصورتين بالإجماع أنه يجب كسر همزة (إن).
الثالث: أن يحذف فعل القسم ولا تقترن اللام بخبر (إن)، يحذف الأمران الاثنان: الفعل، واللام، هذه محل نزاع، والنزاع صوري مثل ماذا؟ ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ (٣)﴾ [الدخان: ١ - ٢ - ٣] ((إِنَّا أَنزَلْنَاهُ)) هذه جواب قسم، أين فعل القسم؟ محذوف، أين اللام؟ لا لام، إذاً انتفيا -الفعل واللام-، هنا يجب على مذهب البصريين كسر همزة (إن)، هذه الصورة اختلفوا فيها:
فالكوفيون أجازوا فيها الوجهين: الكسر والفتح، ((إِنَّا أَنزَلْنَاهُ)) ((أَنَّا أَنزَلْنَاهُ)) يجوز فيها الصورتان، والبصريون منع الفتح وأوجبوا الكسر، وقد غُلِّطَ الكوفيون في هذه المسألة، وحكي الإجماع السابق على أنه يجب فيها الكسر؛ لعدم السماع، لم يأتوا بسماع لفظ واحد أنه فيما إذا حذف فعل القسم مع اللام أنه يجوز فيها فتح همزة أن، لا يحفظ أبداً في لسان العرب، ولذلك نص السيوطي في جمع الجوامع على أن الكوفيين غَلِطُوا في هذه المسألة، مذهبهم غلط من أصله، فحينئذٍ تكون هذه المسائل كلها الثلاث مجمع عليها، وإن كان الإجماع في الصورة الأولى والثانية متحقق، وفي الثالثة على النزاع المذكور.
وَحَيْثُ إِنَّ لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ يدخل تحته هذه الصور الثلاثة، بقي صورة واحدة يجوز فيها الوجهان يأتي هناك إن شاء الله.
стр. 692
أَوْ حُكِيَتْ باِلْقَوْلِ: الباء هذه باء الآلة حكيت ما هو الذي حكي؟ (إن) ومعمولاها ((قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ)) [مريم:٣٠] قال إني، يقول إني، قل إني .. كل ما تصرف من مادة قال، فإذا جاءت بعده (إن) فبالكسر فلا تلحن.
أَوْ حُكِيَتْ بِالْقَوْلِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلّ ... حَالٍ: جاءت بموضع حال، جملة سواء تقدمتها الواو أم لا، أن تقع في جملة في موضع الحال كما مثل الناظم: كَزُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ
زُرْتُهُ فعل وفاعل ومفعول به، وإني الواو هذه واو الحال، إني وقعت (إن) بعد الواو، هل هو خاص بالواو أم أنه عام؟ عام ((إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ)) [الفرقان:٢٠] هذه الجملة حالية وجاءت مكسورة وهي بدون واو، إذاً لا يشترط فيها الواو كما هو ظاهر كلام الناظم.
أوْ حَلَّتْ مَحَلّ ... حَالٍ (إن) ومعمولاها (محل) هذا مفعول فيه، حَالٍ إما مع الواو كما ذكره الناظم أو بدونها.
ولم تفتح هنا (إن) لماذا؟ لأن وقوع المصدر حالاً وإن كثر سماعي، قد يقول قائل: لماذا -الحال الأصل فيها أنها مفردة كما سيأتي- لماذا منعنا في هذه الصورة الفتح وأوجبنا الكسر؟ لأننا إذا أولنا أولناه بمصدر، وحينئذٍ المصدر هل يقع حالاً قياساً؟ الجواب: لا، وإنما هو مع كثرته سماعي، وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ حَالاً يَقَعْ ... بِكَثْرَةٍ، كثير لكنه قياسياً، وإنما هو سماعي، وقوع المصدر حالاً وإن كثر سماعي على أن السماعي إنما ورد في المصدر الصريح لا المؤول، ولأن المصدر المنسبك مع أن المفتوح الناصبة لمعرفة معرفة والحال نكرة.
يعني: قد يرد أن المصدر يكون معرفة، مصدر أن المفتوحة الناصبة لمعرفة يكون معرفة، إذا نصبت أنّ معرفة صار المصدر معرفة، وإذا نصبت لنكرة ولو كانت مخصصة، حينئذٍ صار نكرة، ولا يقع المصدر المعرفة حالاً البتة.
إذاً لا تكون الجملة الحالية سواء سبقت بواو أو لا، لا تكون مفتوحة الهمزة بل يجب فيها الكسر.
وَكَسَرُوا مِنْ بَعْدِ فِعْلٍ عُلِّقَا: هذا الموضع السادس.
وَكَسَرُوا: أيضاً أي العرب نطقوا بها مكسورة.
مِنْ بَعْدِ فِعْلٍ –قلبي- عُلِّقَا، سيأتينا في باب ظن وأخواتها ما يسمى بالتعليق، فإذا علق الفعل حينئذٍ وجب كسر همزة (إن)
مِنْ بَعْدِ فِعْلٍ –قلبي- عُلِّقَا أي الفعل، والألف للإطلاق بِالَّلاَمِ لام الابتداء فقط، من المعلقات لام الابتداء مثل ماذا؟ كما مثل الناظم: كَاعْلَمْ إِنَّهُ لَذُو تُقَى.
اعْلَمْ إِنَّهُ لَذُو تُقَى، هنا دخلت اللام على خبر (إن)، اعْلَمْ إِنَّهُ لَذُو تُقَى، الأصل في دخول اللام هنا يكون على (إن) هذا الأصل؛ لأن التعليق إنما يكون بين الفعل وبين معموليه (ظننت لزيد قائم) هذا مثال واضح، (ظننت زيداً قائماً) ظننت زيداً: زيداً مفعول أول، وقائماً مفعول ثاني، قد يعلق العمل في اللفظ فَيَنْصَبُّ على المحل، يعلق: يعني لا يُنصب في اللفظ وإنما يكون العمل في المحل كما سيأتي.
стр. 693
من المُعَلِقَات اللام، فإذا قلت: ظننت زيداً قائماً، ظن نصبت لفظاً، ظننت لزيد قائم، اللام لام الابتداء، زيد مبتدأ وقائم خبر، والجملة من المبتدئ والخبر في محل نصب مفعولي ظننت، لماذا وجه النصب إلى المحل دون اللفظ؟ لوجود اللام -لام الابتداء-.
إذاً اللام تكون داخلة على الاسم الأول.
اعْلَمْ (لَإِنَّهُ) هذا الأصل، لكن لا يجتمع مؤكدان، فزحلقت اللام.
لَذُو تُقَى: أصل اللام هذه مزحلقة ليست اللام داخلة على الخبر، فحينئذٍ صارت هذه اللام معلِّقة، فإذا علقت جملة كانت مصدرة بـ (إن) وجب كسرها، وَكَسَرُوا أيضاً مِنْ بَعْدِ فِعْلٍ عُلِّقَا بِالَّلاَمِ -لام الابتداء فقط لا غيرها- كَاعْلَمْ إِنَّهُ لَذُو تُقَى.
قال أن تقع بعد فعل من أفعال القلوب وقد علق عنها باللام نحو: (علمت إن زيداً لقائمٌ) وسنبين هذا في باب ظن، فإن لم يكن في خبرها اللام فتحت نحو: علمت أن زيداً قائم.
إذاً هذه المواضع الستة يجب فيها كسر همزة (إن)، زاد المصنف: إذا وقعت بعد (ألا) الاستفتاحية، أُوُرِدَ على المصنف، -وهل هذا يرد عليه-؟ لا، لماذا؟ لأنها داخلة في قوله: فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا.
كذلك أورد عليه: إذا وقعت بعد حيث، هل يرد عليه؟ لا يرد عليه، وإنما هي داخلة في قوله: فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا.
إذا وقعت في جملة هي خبر عن اسم عين (زيد إنه قائم) يرد عليه؟ لا يرد عليه؛ لأنها داخلة في قوله: فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا.
فقوله: فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا يشمل الابتداء الحقيقي والابتداء الحكمي، ولذلك قال: ولا يرد عليه شيء من هذه المواضع لدخولها تحت قوله: فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا؛ لأن هذه إنما كسرت لكونها أول جملة مبتدئٍ بها.
كذلك الصفة: مررت برجل إنه فاضل، يجب كسر همزة (إن) في هذا الموضع، أو لـ (إذ)، جئتك إذ إن زيداً أمير).
ثم قال من بعد: بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ أوْ قَسَمِ.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 694
عناصر الدرس
* تتمة للحالة الثالثة لهمزة (إن) جوازالوجهين
* أحكام لام الإبتداءومدخولاتها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ
عرفنا أنه شرع في بيان المواضع الثلاث أو الأحوال الثلاث لـ (إنَّ) من حيث وجوب الفتح ووجوب الكسر وجواز الأمرين.
وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ
قلنا: لا بد من التأويل هنا إما في الأول، وإما في الثاني، افتح وجوباً، وحينئذٍ اكسر وجوباً أو جوازاً.
افْتَحْ: نقول: هذا عام المراد به الإباحة، فيشمل الواجب والجائز.
وقوله: اكْسِرِ: وحينئذٍ يكون للواجب فتشمل الأحوال الثلاثة، وهذا أولى من أن يجعل البيت خاصاً بما وجب في الحالتين: الفتح والكسر.
وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ
لِسَدِّ: أي لأجل، فكأنه تعليم متعلق بـ (افتح)، وحينئذٍ جعل الناظم الضابط هنا في باب فتح همزة (إنَّ) وجوباً إذا سد مسد (أن) ومدخوليها المصدر، فكل موضع صح أن يحل المصدر محل (إنَّ) ومعموليها حينئذٍ قلنا: هذه بالفتح؛ لأن الأصل أن نقول: هذه هل هي (إنَّ) أو (أن)؟ يشتبه، فإذا جاز أن يحل المصدر محل (إنَّ) ومدخوليها ومعموليها وصح تسليط العامل من جهة الصناعة الإعرابية عليها -على المحل- حينئذٍ وجب فتح همزة (أن)، وهذا يكون في تسع مواضع، بالاستقراء، قد يزيد بعضها لكنه قليل، لكن المشهور هو تسع مواضع:
الأول: أن يكون فاعلاً.
الثاني: أن يكون نائب فاعل.
الثالث: أن يكون مفعولاً به لغير قول محكي.
ورابعاً: أن يكون في موضع جر بحرف الجر.
والخامس: أن يكون في موضع مبتدئ مؤخر.
والسادس: أن يكون في موضع خبر مبتدئ.
والسابع: أن يكون في موضع المضاف إليه.
والثامن: أن يقع معطوفاً على شيء من ذلك، إذا عطف على (أن) مفتوحة بـ (إنَّ) نقول: هنا يفتح؛ لأن الأصل اتحاد المعطوف والمعطوف عليه، وحينئذٍ إذا عطف (إنَّ) على (أن) نقول: الأصل فيه أن يكون الثاني الذي بعد حرف العطف أن يكون بالفتح من باب عطف المفرد على المفرد.
والتاسع والأخير: أن تكون مبدلة من شيء من ذلك، أيضاً البدل يكون حكمه حكم المبدل منه.
فهذه مواضع تسعة يكون فيها وجوب فتح همزة (إنَّ) وحينئذٍ تكون بـ (أن)، ويؤول (أن) وما دخلت عليه بمصدر.
وعبر الناظم بمصدر لماذا؟ لأنه قد تحل (أن) موضع المفرد ويجب كسر همزة (إنَّ). ظننت زيداً إنه قائم، ظننت: فعل وفاعل. وزيداً: مفعول به. وإنه قائم نقول: الجملة هذه حلت محل المفعول الثاني، والأصل في المفعول الثاني أن يكون مفرداً، إذاً: حلت محل المفرد. قالوا: هنا يمتنع فتح همزة (إنَّ) فلا يقال: أنه فاضل، ظننت زيداً أنه فاضل، لماذا؟ قالوا: لأنه إذا فتحت همزة (إنَّ) صار أنه فاضل أُولت بمصدر، والمصدر لا يقع خبراً عن اسم العين. ظننت زيداً قياماً هذا قلنا: لا يقع إلا على التأويل، والأصل عدم التأويل، ولذلك امتنع ما ذكرناه.
стр. 695
إذاً: أن تكون في موضع فاعل، كقوله تعالى: ((أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا)) [العنكبوت:٥١] يَكْفِي: هذا فعل مضارع فاعله غير مذكور، وصح أن نجعل - ((أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا)) أننا هذا الأصل- صح جعل (أَنَّ) ومعموليها فاعلاً تسلط عليه العامل، والصناعة الإعرابية لا ينافيها ما ذكرناه حينئذٍ وجب فتح همزة (أن) -أولم يكفهم إنزالنا- هذا الموضع الأول.
((قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ)) [الجن:١] أُوحِيَ: هذا مغير الصيغة. استماع، أوحي أنه استمع، أين نائب الفاعل لأوحي؟ نقول: أَنَّهُ اسْتَمَعَ، (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر وهذا المصدر في محل رفع نائب فاعل، ولذلك الإعراب كما سبق في المصدر المنسبك من (أن) وما دخلت عليه يكون محلياً على الصحيح، ولا يكون تقديرياً وإن قال به بعض النحاة.
الثالث: أن يكون في موضع مفعول به غير محكي بالقول، غير محكي بالقول لماذا؟ لأن القول وما تصرف منه ينصب مفعولاً به، هذا الأصل، ((قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ)) [مريم:٣٠] هذه واجبة الكسر أو حكيت بالقول، إذاً: هو مفعول به لكنه واجب الكسر، وحينئذٍ لا بد من استثنائه في هذا الموضع، نقول: أن تقع في محل مفعول به غير محكي بالقول، ((وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ)) [الأنعام:٨١] لاَ تَخَافُونَ إشراككم، حينئذٍ: أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ نقول: هذه واجبة الفتح، لماذا؟ لأن (تَخَافُونَ) يطلب مفعولاً به، وإذا طلب مفعولاً به حينئذٍ لا بد من أن يتسلط العامل على (إنَّ) فيجب فتحها؛ لأنها هي التي تؤول بمصدر، ((وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ)) أي: لا تخافون إشراككم.
الموضع الرابع: أن تكون في موضع حرف جر؛ ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ)) [لقمان:٣٠] ذَلِكَ: هذا مبتدأ، أين خبره؟ ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ)) هنا الشاهد ليس في كونه مبتدأً أو؟؟؟، الشاهد في دخول الباء على (أن)، الأصل بـ (إِنَّ)، لكن إذا سبق (إنَّ) بحرف الجر وجب فتحها وحينئذٍ صار مدخول (إنَّ) في محل جر، وهذا لا يناسبه إلا أن يكون مفرداً، فتعين أن يكون مفرداً، وإنما يكون ذلك بفتح همزة (أن) وإلا الأصل هو (إنَّ)، بإن. تقول: بإن، الباء حرف جر لا تدخل على الجملة؛ لأن (إنَّ) هذه جملة مستقلة. إن زيداً قائم الأصل هو زيد قائم، ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ)) نقول: الأصل: بـ (إن الله)، لكن الباء لا تدخل إلا على مفرد وهو اسم، وإن: جملة، حينئذٍ نقول: لا بد من أن نأتي في هذا الموضع بما يصح تأويله بمصدر، ولا يكون كذلك إلا بوجوب فتح همز (إنَّ) فصارت: أن. ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ)).
الخامس: أن تقع في موضع مبتدأ، وهذا المبتدأ مؤخر، ((فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ)) [الصافات:١٤٣] أين المبتدأ؟
لولا ما سبق أنها من علامات الأسماء وأنه يقع بعدها المبتدأ.
وَبَعْدَ لَوْلاَ غَالِباً حَذْفُ الْخَبَرْ ... حَتْمٌ
إذاً: ((فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ)) فَلَوْلا كونه مِنَ الْمُسَبِّحِينَ.
إذاً: كون نقول: هذا مبتدأ، تقع في موضع مبتدئ مؤخر.
стр. 696
((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ)) [فصلت:٣٩] وَمِنْ آيَاتِهِ رؤيتك.
((وَمِنْ آيَاتِهِ)) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
((أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ)) رؤيتك الأرض، صار في موضع مبتدئ.
أن تقع في موضع خبر، وذلك بشرط: أن يكون المبتدأ غير قول، يعني: ليس قولاً، ليس شيئاً يلفظ، بل هو أشبه ما يكون بالعين اسم ذات.
وبشرط ألا يكون خبر (أن) صادقاً على ذلك المبتدأ.
بشرطين: ألا يكون المبتدأ قول، ثم أن يكون هذا المبتدأ لا يصدق عليه خبر (إنَّ)، لا يصدق عليه يعني: لا يكون فرداً من أفراد خبر (إنَّ)، فإن كان كذلك حينئذٍ انتقض الشرط.
ظني أنك مقيم معنا، ظني: هذا ليس بقول وإنما هو عمل، الظن عمل بالقلب، ظني. إذاً: ليس بقول.
أنك مقيم معنا اليوم: هذا ليس صادقاً؛ لأن الظن قائم بي أنا، ومقيم معنا هذا قائم بغير المتكلم بغير الظانّ، وحينئذٍ: ليس المبتدأ فرداً من أفراد خبر (أن) وحينئذٍ يجب فتح همزة (أن).
أن تقع في موضع المضاف إليه وهو السابع؛ ((إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)) [الذاريات:٢٣] التقدير: مثل نطقكم؛ لأن (مثل) هذه تلازم الإضافة، سيأتي معنا أنها من الملازمة للإضافة.
الثامن: أن تكون معطوفة على شيء تعين فيه أن يكون (أن) بالفتح، ((اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ)) [البقرة:٤٧] يعني: اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم، يعني: عطفت على مفرد، هذا المراد.
التاسع: أن تقع في موضع البدل، يعني مبدلة من شيء سابق وهو مفرد، ((وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ)) [الأنفال:٧] إِحْدَى: هذا مفعول به، وكونها لكم، نقول: أنها لكم، كونها لكم، هذا بدل اشتمال من إحدى.
هذه المواضع التسع نقول: يجب فيها فتح همز (إنَّ) فتقول: (أن) فتؤول بمصدر، وعرفنا كيف نأتي بالمصدر، ننظر إلى خبر (أن) إن كان مشتقاً حينئذٍ جئنا بالمصدر مضافاً إلى اسم (أن)، وإذا كان جامداً حينئذٍ جئنا بالكون أو بالمصدر الصناعي والمشهور الكون. ظننت أن زيداً أسدٌ، ظننت كون زيد أسداً، فتأتي بالجامد تنصبه على أنه خبر للكون. أو ظننت أسدية زيد، هذا يسمى مصدراً صناعياً، مولد ليس قياسي.
وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ: يعني واكسر في سوى ذاك، ذاك ما هو؟ الذي لا يحل المصدر محله، الذي لا يؤول بمصدر حينئذٍ وجب فيه الكسر على الأصل، أي: أدم الكسر؛ لأنه الأصل. إذا قيل: اكْسِرِ فهي مكسورة في الأصل، إذا جعلنا (إنَّ) هي الأصل و (أن) هي الفرع، حينئذٍ لا نقول: اكسرِ بمعنى جدد له الكسر، وإنما أدم الكسر، هذا المراد، هذا من باب: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)) [النساء:١٣٦] آمَنُوا يعني: المأمور به هنا المداومة.
((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ)) [الأحزاب:١] اتَّقِ قالوا: الأمر الأصل فيه طلب ما لا حصول له، يعني الذي لم يحصل، هذا الأصل فيه، كيف نوجه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا)) [النساء:١٣٦] الحاصل لا يؤمر به.
стр. 697
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) لازموا الإيمان، أو اثبتوا على الإيمان، أو دوموا على الإيمان، وحينئذٍ المداومة هي المأمور بها وهي شيء غير موجود.
((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ)) [الأحزاب:١] هذا فعل أمر، كيف نقول هو تحصيل شيء لم يقع؟ نقول: والمراد به: دم على التقوى، وهذا معدوم، وحينئذٍ لا بأس بكونه مأموراً به.
وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ: هي مكسورة في الأصل، نقول: أدم الكسر، فالمأمور به حينئذٍ يكون المداومة، والمواضع التي يجب فيها كسرة همزة (إنَّ) عد الناظم منها ستة في الجملة، وهي عشرة عند التفصيل.
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا، وقلنا: المراد بالابتداء هنا ابتداء جملتها إما حقيقة وإما حكماً، حقيقة أو حكماً، يعني: أن تقع (إنَّ) في أول الكلام، وليس المراد أول الكلام أول النطق لا، المراد أول الجملة، سواء كانت في أثناء الكلام أو في أول الكلام، يعني أول ما ينطق به إن، أول ما تكلم: ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)) [الكوثر:١] هذا لم يسبقه شيء، أو سبقه شيء ثم هذه (إنَّ) في أول جملة، نقول: هذا يجب فيها كسر الهمزة وهي في أول الكلام -في أول الكلام بحسبه-.
إذاً نقول: أول الكلام المراد به ولو في الأثناء، وحينئذٍ المراد ابتداء الجملة التي هي فيها، وهذا ذكرنا أنه يدخل تحته ما سُبِق بـ (ألا) الاستفتاحية، ((أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ)) [يونس:٦٢].
كذلك ما سبق بحيث: حيث إن زيداً جالس، لأنها في أول الجملة.
وإذ كذلك في أول الجملة.
وإذا اخبر عن اسم ذات: زيد إنه فاضل، نقول: هنا وجب الكسر؛ لأنه لا يخبر بالمصدر الذي هو اسم معنى عن العين، وحينئذٍ لا بد من كسر همزة (إنَّ). هذه أربعة مواضع.
وَفِي بَدْءِ صِلَهْ: يعني في أول جملة الصلة سواء كانت موصولاً حرفياً أو اسمياً، مررت برجل إنه فاضل نقول: هذا جملة، مررت بالذي إنه فاضل، ((مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ)) [القصص:٧٦] وجب كسر همزة (إنَّ).
وَحَيْثُ إِنَّ لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
هذا الموضع الثالث في الجملة: المراد أنها تقع مكملة لليمين، وذلك إذا وقعت جواب القسم.
وقلنا: يدخل تحت هذه الصورة ثلاث صور:
ما ذكر فعل القسم مع اللام، ما حذف فعل القسم مع اللام -يعني دخول اللام على خبر (إنَّ) -، ما حذف فعل القسم مع عدم اللام.
إذاً: الصور ثلاثة، لو نظرنا إلى القسم مع اللام الصور أربع من حيث هي. إذا دخلت اللام على خبر (إنَّ) وجود اللام نقول: وجب كسر همزة (إنَّ) بقطع النظر عن كون الفعل ملفوظاً به أو محذوفاً، إذا العبرة بماذا؟ وجود اللام.
قد لا توجد اللام ثم قد يوجد الفعل أو يحذف، إن حذف الفعل كذلك وجب كسر همزة (إنَّ)، إن ذكر الفعل مع عدم دخول اللام هذه يجوز فيها الوجهان بالإجماع كما سيأتي.
إذاً الصور ثلاثة، النظر فيها إذا أردت حفظها تنظر إلى اللام، إن دخلت اللام على خبر (إنَّ) وجب الكسر سواء ذكر الفعل أم حذف، إن حذفت اللام -لم تدخل في خبر (إنَّ) - حينئذٍ إما أن يذكر الفعل أو يحذف، إن حذف الفعل وجب الكسر على مذهب البصريين وخطئوا الكوفيين في ذلك -جواز الفتح-، وإذا ذكر الفعل مع عدم اللام جاز فيه الوجهان كما سيأتي.
стр. 698
((وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ)) [التوبة:٥٦] نقول: (إنَّ) هنا واجبة الكسر، لماذا؟ لأن اللام دخلت وذكر الفعل.
((وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)) [العصر:٢،١] ((إِنَّ الإِنسَانَ)) يجب كسر همزة (إنَّ)، لماذا؟ لأن اللام دخلت في خبر (إنَّ)، لم يذكر الفعل هنا ((وَالْعَصْرِ)) هذا نائب وليس فعلاً، وحينئذٍ وجب الكسر بالإجماع -إجماع الكوفيين والبصريين- في هاتين الحالتين.
بقي حالة واحدة وهي فيما إذا حذف الفعل واللام، حينئذٍ وجب الكسر على الصحيح، ((حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (٣))) [الدخان:١، ٢،٣] إِنَّا أَنزَلْنَاهُ نقول: واجبة الكسر؛ لأنها مكملة لليمين، يعني: جواب القسم. أين القسم؟ الفعل محذوف. أين اللام؟ لم توجد عندنا لام، هذه الثلاث الصور نقول: واجبة الكسر وهي داخلة في قوله: وَحَيْثُ إِنَّ هذا مبتدأ مُكْمِلَةٌ لِيَمِينٍ، يعني: واقعة جواب القسم.
قال ابن هشام: ولو أضمر الفعل أو ذكرت اللام تعين الكسر إجماعاً. ضبط لنا الثلاث صور في هذه الكلمات.
لو أُضمر الفعل أو ذكرت اللام وجب الكسر إجماعاً.
أُضمر الفعل -هذا لا إشكال فيه- أو ذكرت اللام تعين الكسر، أضمر الفعل وذكرت اللام أو حذفت؟ حذفت، أضمر الفعل أو ذكرت اللام حينئذٍ تعين الكسر إجماعاً، لو أضمر الفعل يعني لم يذكر حذف أو ذكرت اللام تعين الكسر إجماعاً، بقي حالة واحدة هي التي ستأتي في موضعها.
أو حكيت بالقول: ((قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ)) [مريم:٣٠] كل (إنَّ) بعد قول ومادته -قول وما تصرف منه- حينئذٍ نقول: واجب الكسر وهو مفعول به ومستثنى من: ((وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ)) [الأنعام:٨١] هناك مفعول به ليس للقول وهنا مفعول به للقول.
أوْ حَلَّتْ مَحَلّ حَالٍ: سواء كانت بعد الواو أو لا، حينئذٍ يجب كسر همزة (إنَّ) لأننا لو فتحناها لكان مصدراً، والمصدر لا يقع حالاً قياساً، وإنما هو سماعي ولا يقاس عليه مع كثرته.
كَزُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ: يعني: والحال إني ذو أمل، ولكن لا تؤول هنا بمصدر وإنما هو جملة في محل نصب.
وَكَسَرُوا -أيضاً- مِنْ بَعْدِ فِعْلٍ علِّقَا بِاللاَّمِ: وهذا سيأتي في باب ظن وأخواتها، باب التعليق.
إذا علقت باللام على جهة الخصوص حينئذٍ حكمنا على (إنَّ) بالكسر، لماذا؟ لأنك تقول: كَاعْلَمْ إِنَّهُ لَذُو تُقَى، ((وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ)) [المنافقون:١] التعليق يكون العمل في المحل لا في اللفظ، وحينئذٍ تكون اللام من المعلقات، وسيأتي هذا في محله.
هذه ست مواضع على جهة الإجمال، وعشرة على جهة التفصيل؛ لأن قوله: فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا هذا يدخل تحته كم؟ قلنا: إما حقيقة: ((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ)) [الفتح:١]، وإما أن يسبقها –الجملة- (ألا) الاستفتاحية: ((أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ)) [يونس:٦٢]، والواقعة بعد حيث، والواقعة خبراً عن اسم الذات، نحو: زيد إنه قائم، والواقعة بعد (إذا)، وهذه بعضهم لا يذكرها الواقعة بعد (إذا).
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ أَوْ قَسَمِ ... لاَ لاَمَ بَعْدَهُ بِوَجْهَيْنِ نُمِي
стр. 699
هذا هو الحال الثالثة وهي ما جاز فيه الوجهان، يعني: يجوز فيه الكسر -كسر همزة (إنَّ) - وفتح همزة (إنَّ) لكن لا في محل واحد باعتبار واحد، لأنهما متناقضان هذا جملة وهذا مفرد، لكن باعتبار معنىً يجوز كسر همزة (إنَّ) وباعتبار معنىً آخر .. ، فليس المراد أنه معنىً واحد ويجوز فيه الكسر والفتح لا، ليس هذا مرادهم، وإنما مرادهم: يجوز أن يحُل المفرد محل (إنَّ)، ويجوز أن يكون جملة، فباعتبار كونه جملة المعنى يختلف عن كونه مفرداً، إذاً: ليس المراد هنا كون هذه الحالة يجوز فيها الوجهان أنه في معنىً واحد وفي جملة واحدة باعتبار واحد لا، وإنما باعتبارين مختلفين، إن نظرت إلى جهة جاز لك الفتح، وإن نظرت إلى جهة أخرى باعتبار آخر جاز لك الكسر، والمراد: أنه لا يتعين واحد من النوعين، فيرجح الكسر مع جواز الفتح، ويرجح الفتح مع جواز الكسر، ولا يلزم أحد بأحد الطريقين.
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ أَوْ قَسَمِ ... لاَ لاَمَ بَعْدَهُ بِوَجْهَيْنِ نُمِي
بِوَجْهَيْنِ نُمِي: بَعْدَ هذا منصوب على الظرفية متعلق بقوله: نُمِي.
نُمِي: هذا مغير الصيغة، يعني: نسب، والضمير هنا يعود إلى الهمز -هو الهمز الذي نسب- نسب أي: همز (إنَّ) بقطع النظر عن كونه مفتوحاً أو مكسوراً، نسب ماذا؟ بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ، نسب وجهين، ما هما الوجهان؟ الفتح والكسر، نظراً لموجب كل منهما لصلاحية المقام لها على سبيل البدل لا على سبيل الاجتماع معاً، بل على سبيل البدل، إن جاز ورجحنا الفتح امتنع الكسر في نفس الوقت، وإن رجحنا الفتح حينئذٍ امتنع الكسر، فلا يجتمعان في موضع واحد باعتبار واحد لا، وإنما الجهة منفكة.
نظراً لموجب كل منهما لصلاحية المقام لها على سبيل البدل، فموجب الكسر مع (إذا) مثلاً -مع (إذا) الفجائية- اعتبار (إنَّ) ومعموليها جملة، -اعتبرناها جملة- بلا احتياج إلى تقدير خبر، ومع فعل القسم اعتبار ذلك جعله جواب القسم، وموجب الفتح مع (إذا) الفجائية اعتبار ذلك مفرداً، فرق. موجب الكسر مع (إذا) الفجائية كونها جملة، وموجب الفتح يعني الذي يقتضي الفتح كونه مفرداً، وفرق بين الجملة والمفرد، إذاً: لا يجتمعان في موضع واحد، وإنما نقول: يجوز الفتح والكسر بعد (إذا) الفجائية على سبيل البدل، يعني لا على سبيل الاجتماع معاً في وقت واحد.
وموجب الفتح مع (إذا) اعتبار ذلك مفرداً مبتدأً مع تقدير الخبر ومع فعل القسم اعتبار تقدير الخافض، وسيأتي هذا.
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ: إذاً إذا وقعت (إنَّ) بعد إذا فُجَاءَةٍ يقصد بها الفجائية التي يدل على أن ما بعدها وقع بغتة؛ حضرت فإذا الأسد، يعني: باغتني الأسد، هذه (إذا) تسمى إِذَا الفجائية، يعني ما بعدها وقع فجأة.
فإذا وقعت (إنَّ) بعد (إذا) الفجائية جاز فيها الوجهان: الكسر على اعتبار، والفتح على اعتبار آخر.
خرجت فإذا إن زيداً قائم، خرجت فإذا يعني: بعد خروجي تفاجأت، بماذا؟ إن زيداً قائم، يجوز الكسر على ماذا؟ على اعتبار أن (إنَّ) جملة مستقلة، يعني كأنه قال: خرجت فإذا زيد قائم، فيه إشكال؟ ليس فيه إشكال، وإنما أدخل (إنَّ) على زيد قائم من باب؟ - (إن وأن) للتوكيد- من باب التوكيد فقط، ليس فيه شيء جديد.
стр. 700
خرجت فإذا إن زيداً قائم، نقول: إذا كسرنا جعلنا ما بعد (إذا) الفجائية جملة، ما معنى جملة، بمعنى أنها جملة مستأنفة مركبة من مبتدئ وخبر. خرجت فإذا زيد قائم، لماذا جئنا بـ (إنَّ)؟ من باب التأكيد، يعني تقوية النسبة -نسبة الخبر إلى الاسم-، والتقدير: خرجت فإذا زيد قائم. إذاً لا إشكال في من كسرها.
ومن فتحها: خرجت فإذا أن زيداً قائم، و (أن) هذه قلنا: في قوة المصدر، كأنه قال: خرجت فإذا قيام زيد، إذاً ليس بجملة وإنما هو مفرد، وحينئذٍ كيف نفعل؟ فنقول: قيام زيد هذا ينظر إليه باعتبار (إذا) الفجائية، هل هي اسم أم حرف؟ فيه خلاف بين النحاة، والصحيح أنها حرف، وإذا كانت حرفاً حينئذٍ لا يصلح أن يكون خبراً عن قيام زيد، يصلح أو لا يصلح؟ هل يصح أن نقول: خرجت فإذا قيام زيد؛ قيام: مبتدأ، وإذا: خبر مقدم؟ لا يصح، لماذا؟ لأن (إذا) الفجائية حرف.
إذاً: ماذا نصنع؟ إما أن نجعل قيام زيد مبتدأ لخبر محذوف، أو نجعله خبراً لمبتدئ محذوف، قدر هذا أو ذاك، إما أن تجعله خبراً لمبتدئ محذوف، وإما أن يكون مبتدأً لخبر محذوف، وعلى القول بأن (إذا) اسم فحينئذٍ صارت ظرفاً، وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يصلح أن يكون مبتدأً، بل يتعين أن يكون خبراً مقدماً، وقيام زيد: مبتدأً مؤخراً، على الوجهين. فيصير حينئذٍ: أن زيداً قائم في قوة المفرد وهو قيام زيد، إن جعلت (إذا) ظرفية فهو مبتدأ خبره ما قبله، فإذا قيام زيد أي: ففي الحضرة قيام زيد، ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً: خرجت فإذا قيام زيد موجود، فجعلت القيام مبتدأ والخبر محذوف. ولو قلت: فإذا الشأن والأمر قيام زيد جعلت القيام خبراً لمبتدئٍ محذوف، يجوز فيه الوجهان. والصحيح أن يقال بأنه لا يجعل (إذا) خبراً مقدماً؛ لأنها حرف والحرف لا يسند إليه ولا يكون مسنداً، وإنما قيام زيد إما أن يكون خبراً لمبتدئٍ محذوف، أو مبتدأً لخبر محذوف، إما أن يكون خبراً لمبتدئٍ محذوف، أو يكون مبتدأً والخبر حينئذٍ يكون محذوف، ولذلك قال ابن عقيل هنا: يجوز فتح (إنَّ) وكسرها إذا وقعت بعد (إذا) الفجائية، لكنه لم يرشد إلى أن الخلاف مبني على (إذا) من حيث الحرفية والاسمية، تنبه لهذا.
خرجت فإذا إن زيداً قائم؛ عرفنا إذا كسرها أنها جملة ولا إشكال فيها، ومن فتحها جعلها مع صلتها مصدراً، قطعاً هذا؛ لأنه مؤولة بمصدر ولا إشكال، وهو مبتدأ خبره (إذا) الفجائية، هذا بناءً على ماذا؟ على أنها اسم ظرف زمان أو مكان، قيد على الشرح. والتقدير: فإذا قيام زيد، أي: ففي الحضرة قيام زيد، وهذا التقدير مرجوح؛ لأنه مبني على أن (إذا) اسم وليست بحرف، مبني على أن (إذا) اسم. فإذا قيام زيد؛ إذا: خبر، وقيام زيد: مبتدأ مؤخر، ونقول: هذا ضعيف.
ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً، والتقدير: خرجت فإذا قيام زيد موجود، وهذا أرجح، لماذا؟ لأننا جعلنا (إذا) حرفاً، ويجوز أن يكون العكس: فإذا الشأن والحال قيام زيد، فقيام: هذا خبر لمبتدأ محذوف.
ومما جاء بالوجهين قول الشاعر:
وكُنْتُ أرى زَيْداً كَما قِيلَ سَيِّداً ... إِذَا أَنَّهُ عَبْدُ القَفَا واللِّهازمِ
стр. 701
إِذَا أَنَّه إذا إنه، إذا إنه هذا لا إشكال فيه –بالكسر- فجعلها جملة مستأنفة، إِذَا هو عَبْدُ القَفَا واللِّهازمِ لا إشكال فيه، وعند الفتح حينئذٍ نقول: في المصدر الوجهان المذكوران، إما أن يكون مبتدأً خبره محذوف أو بالعكس، ولا نجعل (إذا) أنها خبر مقدم وما بعده المصدر مبتدأ مؤخر؛ لأن هذا مبني على قول مرجوح.
والتقدير على الأول: فإذا عبوديته، أي: ففي الحضرة عبوديته، عبوديته: هذا مبتدأ مؤخر، وإذا: خبر مقدم. هذا على القول الآخر.
وعلى الثاني: فإذا عبوديته موجودة، عبوديته صار مبتدأً خبره محذوف وهو موجودة، وإذا عكست قلت: فإذا الشأن والحال عبوديته جعلت عبودية خبراً لمبتدئٍ محذوف.
إذاً: تفتح همزة (إنَّ) وتكسر بعد (إذا) الفجائية، إذا كسرناها جعلناها جملة مستأنفة ولا إشكال، وإذا فتحناها حينئذٍ تؤول بمصدر يكون خبراً لمبتدئٍ محذوف أو مبتدأً لخبر محذوف، إما أن يكون مبتدأً لخبر محذوف، أو يكون خبراً والمبتدأ محذوفاً، وأما جعل (إذا) خبراً مقدماً نقول: هذا فيه ضعف. هذا هو الموضع الأول.
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ
إِذَا: تدل على الفجائية، هذا من إضافة الدال إلى المدلول.
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ أوْ: للتنويع والتقسيم.
أوْ قَسَمِ ... لاَ لاَمَ بَعْدَهُ: يعني يجوز فتح (إنَّ) وكسرها إذا وقعت جواب قسم، ظاهر كلام الناظم هنا -لو جعلناه على ظاهره- قال: لاَلاَمَ بَعْدَهُ أو قسم.
لاَ لاَمَ بَعْدَهُ: قلنا: هذا يحتمل وجهين: إما مع ذكر الفعل أن يكون ملفوظاً به، وإما أن يكون محذوفاً، ظاهر كلام الناظم العموم يشمل النوعين، لكن لا بد من تقييده ليصير موافقاً لما ذكرناه من الصور الأربعة: وهو أنه يعني صورة واحدة، وهي إذا ذكر -تلفظ بالفعل- وعدمت اللام، هذه الحالة بالإجماع يجوز فيها الوجهان، إذا لفظ بالفعل -نطق به تلفظ به وجد ذكر-، واللام محذوفة، لا لام بعده، فحينئذٍ بالإجماع يجوز فيه الوجهان: فتح همزة (إنَّ) وكسرها.
أوْ قَسَمِ: إذاً أو بعد فعل قسم ظاهر من أجل أن يوافق، ولا نعمم، لو قلنا: بعد قسم هذا عام يشمل القسم المذكور والقسم المحذوف. ولك أن تقول: قسم هذا نكرة، والنكرة في سياق الإثبات لا يعم، وحينئذٍ نحتاج إلى مقيد خارج، فنقول: قَسَمِ ظاهر كأنه وصف بصفة محذوفة للعلم به؛ لأنه مجمع عليه فحينئذٍ حذف النعت، وسيأتي المعنى أن النعت إذا علم جاز حذفه.
أوْ قَسَمِ: يعني: أو بعد فعل قسم ظاهر لاَ لاَمَ بَعْدَهُ.
لاَ: هذه نافية للجنس.
ولاَمَ: اسمها.
وبَعْدَهُ: هذا خبرها.
إذاً لو قيل: حلفت أن زيداً قائم -بالفتح والكسر- هكذا قال ابن عقيل، مثَّل لما أراده الناظم على ظاهره، بمعنى: أنه يشمل أو قَسَمِ الفعل الملفوظ والفعل المحذوف، وسبق أن ثَمَّ خلافاً سابق وهو: أنه إذا حذف الفعل ولم تذكر اللام قلنا: مذهب الكوفيين الفتح، ومذهب البصريين وجوب الكسر، وحكوا الإجماع عليه، وخطأهم السيوطي في جمع الجوامع قال: غلط، خطأ. لو اعتبرنا الخلاف سار عليه ابن عقيل على عدم التخطئة، وإذا قلنا بالتخطئة حينئذٍ: أو قَسَمِ لا بد من التقييد بأنه ظاهر لنخرج الحال التي قلنا أخطأ فيها الكوفيون.
стр. 702
قال ابن عقيل: يجوز فتح (إنَّ) وكسرها إذا وقعت جواب قسم، وليس في خبرها اللام، نحو: حلفت أن زيداً قائم، حلفت ذُكر الفعل هنا، أو قسم ظاهر، أن زيداً قائم، إن زيداً قائم، يجوز فيه الوجهان، على الكسر نقول: جعلنا الجملة جواب القسم، لأن الحلف يحتاج إلى جواب القسم، ما هي جملة جواب القسم؟ إذا كسرنا: إن زيداً قائم هي جملة الجواب، وإذا فتحنا حينئذٍ صار مفرداً، وإذا صار مفرداً لا يصلح أن يكون جواباً للقسم، وحينئذٍ يقال فيه: أنه منصوب بنزع الخافض، يعني على تقدير حرف الجر، وجملة القسم قد دل عليه المذكور.
قال: وقد روي بالفتح والكسر، الكسر على (أن) اسمها، وخبرها جواب القسم، والفتح على أساس أن المصدر على نزع الخافض؛ أقسم بالله على أن زيداً قائم، ويكون مغنياً عن جواب القسم، هذه الجملة تكون مغنية عن جواب القسم لأن جواب القسم كالخبر، إذا دل عليه شيء ملفوظ به موجود حينئذٍ يستغنى به عنه، يجوز حذفه، إذا علم جاز حذفه.
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ ومنه جواب القسم.
وروي بالفتح والكسر قوله:
أَوْ تَحْلِفِى بِرَبِّكِ الْعَلِّىِ ... أَنِّي أَبو ذَيَّالِكِ الصَّبِي
أَوْ تَحْلِفِى: هنا لُفِظ بالفعل.
أَنِّي: وقعت (أن) بعد فعل القسم وهو ملفوظ به، يجوز فيه الوجهان، روي بالوجهين: أني وإني. (إني) على أنه جواب القسم، أليس، وبالفتح على أنه مصدر مجرور بحرف الجر.
أَوْ تَحْلِفِى على أني كذا، يعني: على أني أبو ذيالك الصبي؛ على كوني أبي ذيالك الصبي، فحينئذٍ نقول: كوني هذا اسم مجرور بـ على، وهذا بعضهم لا يرتضيه؛ لأن (على) حرف جر ويكون ما بعده مجرور، والأصل في حرف الجر أنه لا يعمل محذوفاً، وحينئذٍ يجعله مفعولاً به منصوباً بلا واسطة، بلا واسطة حرف الجر. فيه وجهان.
على كوني كذا، وحينئذٍ صار مجروراً بحرف الجر محذوفاً، وإذا قلنا: حرف الجر ضعيف فلا يعمل محذوفاً حينئذٍ جعلناه مفعولاً به بدون واسطة.
أَوْ تَحْلِفي بِرَبِّكِ العَلِيِّ ... أَنِّي: يروى بالكسر على جعلها جواباً للقسم، وبالفتح على جعلها مفعولاً لا بواسطة نزع الخافض، أي: على أني، هذا قول. وبعضهم يرى أنها على نزع الخافض، يعني: حرف جر محذوف، وهذا فيه كلام.
قال ابن عقيل: ومقتضى كلام المصنف: أنه يجوز فتح (إنَّ) وكسرها بعد القسم إذا لم يكن في خبرها اللام. وهذا ظاهر عبارته، سواء كانت الجملة المقسم بها فعلية والفعل فيها ملفوظ به نحو: حلفت إن زيداً قائم أو غير ملفوظ، هذا عام، لكن قلنا غير ملفوظ هذه يجب كسر همزة (إنَّ) فيها وحكي الإجماع عليها، وحينئذٍ لا بد من تقييد كلام الناظم بما ذكرناه سابقاً.
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ: الموضع الثاني: أو بعد فعل قسم ظاهر.
لاَ لاَمَ بَعْدَهُ بِوَجْهَيْنِ نُمِي: جاز فيه الوجهان الفتح والكسر.
مَعْ تِلْوِفَا الْجَزَا:
ومَعْ: معطوف على بعد، بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ.
стр. 703
ومَعْ تِلْوِفَا الْجَزَا: (فَا الْجَزَا) كلاهما مقصوران للضرورة، مع تلو فاء الجزاء، بمعنى: أنه إذا وقعت (إنَّ) بعد فاء الجزاء جاز فيها الوجهان، وهل هو كل فاء جزاء ولو كانت في جواب اسم شرط أو حرف شرط؟ الجواب: لا، ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بما كان الشرط اسماً، وأما إذا كان حرفاً فلا، يتعين فيه الكسر.
جواز الوجهين بعد فاء الجزاء مقيد بما إذا كان الشرط بالاسم، وأما إذا كان بالحرف فليس إلا الكسر، نحو: ((وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [التغابن:١٤].
فَإِنَّ: نقول: وقعت بعد فاء الجزاء، هل يجوز فيه الوجهان؟ لا؛ لأنها وقعت بعد شرط وهو حرف (إنَّ)، وأما إذا وقعت بعد اسم شرط حينئذٍ يجوز فيها الوجهان، نحو: من يأتني فإنه مكرم، من يأتني، من: اسم شرط، يأتني: فعلها، فإنه مكرم: وقعت (إنَّ) بعد فاء الجزاء، وحينئذٍ نقول: يجوز فيه وجهان؛ على الكسر -إذا كسرنا- جعلناه جملة؛ فإنه مكرم، إذاً جعلنا جملة الجواب جملة ولا إشكال فيه واضح بين، كأنه قال: فهو مكرم، وأكدنا الخبر من أجل تقوية النسبة -للتأكيد-، وإذا فتحنا: من يأتني فأنه مكرم؛ إذاً صار مفرداً، وإذا صار مفرداً حينئذٍ لا يصح أن يقع جملة جواب الشرط، لا يصلح أن يقع جواب الشرط، كأنه قال: من يأتني فالإكرام، فالإكرام: هذا مفرد، ولا يصح أن يقع جواباً للشرط.
إذاً: لا بد من خبر محذوف، ويجعل الملفوظ مبتدأ، أو بالعكس نجعل الموجود مبتدأ والخبر محذوف، أو بالعكس.
إذاً: من يأتني فإنه مكرم، من يأتني فإكرامه موجود، جعلناه مبتدأً حذف خبره. من يأتني فجزاؤه الإكرام، جعلناه خبر مبتدئٍ محذوف، إذاً: يجوز الوجهان فيما إذا وقعت (إنَّ) بعد فالجزاء بشرط: أن يكون اسم الشرط هو الذي وقعت الجملة في جوابه. فيجوز الكسر على جعلها جواب الشرط، ويجوز الفتح .. ثم تؤول بمصدر، فإما أن يكون المصدر خبراً لمبتدئٍ محذوف، وإما أن يكون مبتدأً خبره محذوف كما ذكره في الحاشية.
منه: ((كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [الأنعام:٥٤] فَإِنََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قرئ بالوجهين.
فَإِنََّهُ بالكسر، يعني: فهو غفور رحيم، لا إشكال فيه، وإنما جيء بـ (إنَّ) من أجل التأكيد، وعلى الفتح: فأنه غفور رحيم، فأنه فالغفران كائن له، أو فجزاؤه الغفران، فإما أن يكون خبر مبتدئٍ محذوف، أو يكون مبتدأً لخبر محذوف.
فالكسر على جعلها جملةً جواباً لـ (من)، والفتح على جعل (أن) وصلتها مصدراً مبتدأً خبره محذوف: فالغفران جزاؤه، أو على جعلها خبراً لمبتدئٍ محذوف والتقدير: فجزاؤه الغفران، هذا التقدير أجود.
مَعْ تِلْوِفَا الْجَزَا وَذَا يَطَّرِدُ ... فِي نَحْوِ خَيْرُ الْقَوْلِ إِنِّي أَحْمَدُ
هذا الموضع الرابع الذي يجوز فيه الوجهان.
وَذَا: المشار إليه الحكم وهو جواز الوجهين: الفتح والكسر.
وَذَا يَطَّرِدُ: مطرد، يعني يوجد كلما وجد المذكور، الشروط المذكورة.
وَذَا يَطَّرِدُ: يعني الوجهان، جواز الوجهين.
стр. 704
فِي نَحْوِ خَيْرُ الْقَوْلِ إِنِّي أَحْمَدُ: خَيْرُ الْقَوْلِ إِنِّي أَحْمَدُ، هذه ضبطوها بماذا؟ قالوا: كل موضع وقعت (إنَّ) فيه خبر قول وكان خبرها قولاً والقائل هو واحد.
(إنَّ) وقعت خبر قول، والمراد بالقول ليس لفظ القول وإنما الكلام وما يكون من مادتها، قول، لفظ، كلام، جملة، نحو ذلك، ليس المراد مادة القول وإنما المراد به ما يدل على الكلام.
وخبر (إنَّ) كذلك قول، والقائل واحد، ثلاثة شروط: مبتدأ، قول، خبر (إنَّ) قول، والناطق المتكلم واحد حينئذٍ يجوز الوجهان.
خبر قول: أي ما بمعنى القول، سواء كان من مادة القول أو الكلام أو أحدهما، نحو، خير القول إني أحمد الله.
خَيْرُ الْقَوْلِ: خَيْرُ: هذا أفعل التفضيل، الْقَوْلِ: مضاف إليه، خَيْرُ مبتدأ، والقول: مضاف إليه، ونحن نقول: يشترط في أن يكون المبتدأ قولاً. وأفعل التفضيل بعض المضاف إليه، بعض المضاف إليه بمعنى: أن القول هو الذي يكون خير، فحينئذٍ اكتسبت المادة من جهة المعنى بإضافتها إلى القول، وإلا فالأصل أن خير هذا مباين للقول، لأنه أعم يشمل القول وغيره، وحينئذٍ نقول: أفعل التفضيل إذا أضيفت إلى شيء فهي بعضه، إن أضيفت إلى معنى فهي معنى، إن أضيفت إلى جثة فهي جثة، إن أضيفت إلى عمل فهي عمل، إن أضيفت إلى قول فهي قول، هذا المراد هنا.
إذاً: خَيْرُ الْقَوْلِ نقول: اسم التفضيل إذا أضيف، فاسم التفضيل بعض ما يضاف إليه.
خَيْرُ الْقَوْلِ: إذاً المبتدأ قول.
إني أحمد الله.
إِنِّي: (إنَّ) واسمها.
أَحْمَدُ الله: هذا قول يقع باللسان، إذاً: وجد فيه الشرطان.
خَيْرُ الْقَوْلِ -قولي أنا-: إني أحمد الله، حينئذٍ نقول: الفاعل واحد: إني أنا أحمد الله، وحينئذٍ نقول: بهذه الشروط الثلاثة يجوز فيه الوجهان في (إنَّ)، إني أحمد الله وأني أحمد الله. إذا قلت: إني أحمد الله على الجملة لا إشكال فيه، جعلتها خبراً عن القول؛ خير القول إني أحمد الله، فكأنك أكدت الجملة وهي مؤلفة من مبتدئٍ وخبر بـ (إنَّ) والجملة تكون استئنافية. ومن فتح جعل (أنَّ) وصلتها مصدراً خبراً عن خير، والتقدير: خير القول حمد الله، فحمد الله هذا وقع خبراً عن المبتدئٍ؛ لأنه في قوة المصدر خير القول أني أحمد الله، مثل لو قال: زيد أني فاضل على قول من جوزه، والجمهور على المنع زيد أني فاضل أو أنه فاضل، فـ (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر عن المبتدئٍ، هذا مثله، وحينئذٍ نقول: خير القول أني أحمد الله، خير القول حمد الله، فجعله خبراً للمبتدئٍ المذكور. والتقدير: خير القول حمد الله. فخير: مبتدأ، وحمد الله: خبر.
ومن كسرها جعلها جملة خبراً عن خير، كما تقول: أول قراءة (سبح اسم ربك الأعلى)، وحينئذٍ يكون الإخبار بالجملة لقصد الحكاية، كأنك تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله كنز، أي: هذا اللفظ وهذا صار مثلها، خير القول إني أحمد الله، فكأنه قال: هذا اللفظ هو خير القول، فأول: مبتدأ، وسبح اسم ربك الأعلى: جملة خبر عن أول، وكذلك خير القول: مبتدأ، وإني أحمد الله: خبر.
стр. 705
إذاً: بهذه الشروط الثلاثة نقول: يجوز فيها الوجهان: إما الكسر وإما الفتح، إن جعلناها مكسورة فهي جملة خبر عن المبتدئٍ، وإن فتحناها حينئذٍ صار الإخبار بالمفرد عن الجملة.
إذا انتفى القول الأول حينئذٍ انتفى الشرط، لو قال: عملي إني أو أني، ولم يقل: خير القول أو قولي. إذا انتفى القول الأول فالفتح متعين: عملي أني أحمد الله، هذا متعين، عملي أني أحمد الله، لا يجوز فيه الوجهان، لماذا؟ لانتفاء الشرط الأول وهو كون المبتدئ قولاً مع كون الشرط الثاني متوفر، أو القول الثاني أو لم يتحد القائل فالكسر، تعين الكسر، نحو قولي إني مؤمن، هكذا مثَّل النحاة وفي النفس منه شيء.
قولي إني مؤمن، هنا قالوا: انتفى القول من الثاني، إني مؤمن ليس فيه قول، وحينئذٍ وجب فيه كسر همزة (إنَّ).
وقولي إن زيداً يحمد الله، القائل واحد؟ ليس بواحد، إذاً انتفى الشرط الثالث. عملي أني أحمد الله؛ يتعين النصب ولا يجوز الكسر، مع تخلف الشرط الأول وهو كون المبتدأ قولاً.
إذا تخلف الشرط الثاني كون الخبر (إنَّ) قولاً تعين كسر: قولي إني مؤمن، -الإيمان مشتمل على القول، لكن كمثال-.
الثالث: إذا انتفيا: قولي إن زيداً يحمد الله، حينئذٍ نقول: يجب فيه الكسر.
وَذَا يَطَّرِدُ: يعني ذا الحكم وهو جواز الوجهين في نحو: خير القول إني أحمد الله تعالى، إني أحمد. هذه أربعة مواضع يجوز فيها فتح همزة (إنَّ) وكسرها، إذا كسرت فهي جملة ولا إشكال فيها -المعنى واضح- كأن الجملة مركبة من مبتدئٍ وخبر وجئت بـ (إنَّ) مؤكدة فحسب، إذا فتحت حينئذٍ صار مفرداً فلا بد من تقديم خبر من أجل تصحيح التركيب، إما أن يكون -إذا صح الإخبار به- جعله خبراً لمبتدئ مذكور مثل: خير القول؛ لا إشكال فيه. وأما إذا اشترط أن يكون جملة حينئذٍ لا بد من تقدير خبر أو مبتدأ، إما أن تجعل هذا المصدر خبراً، وإما أن تجعله مبتدأً، والأمر واضح.
الموضع الخامس: أن تقع في موضع التعليل، أن تقع (إنَّ) في موضع التعليل، فيجوز فيها الوجهان، لماذا؟ لأن التعليل قد يكون بالمفرد، تعليل الشيء إذا عللته قد يكون بالمفرد، قمت إجلالاً، إجلالاً هذا مفعول لأجله، إذاً وقع التعليل بالمفرد. وقد يقع التعليل بالجملة، وهذا كثير جداً في خواتيم الآيات. ((إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)) [الطور:٢٨]، ((إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) [القصص:١٦] لأنه الغفور الرحيم، لأنه البر الرحيم، وحينئذٍ نقول هنا: التعليل وقع بالجملة.
следующие страницы →