Полный текст (2 939 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وَشَاعَ أي كثر فِي ذَا البَابِ لا غيره لأن الأصل في الخبر أن يكون عمدة والأصل في العمدة أنه لا يجوز حذفه، هذا الأصل فيه، لكن كثر في هذا الباب على جهة الخصوص وهو باب (لا) النافية للجنس، ولذلك لم يطلق، فحينئذٍ لما قيد هنا: فِي ذَا البَابِ قد يستفاد بأن قوله: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ، قلنا (ما) هذه يحتمل أنها عامة تشمل الباب الذي ذكر فيه وغيره.
وذكر بعضهم أنها خاصة، التقييد هنا فِي ذَا البَابِ قد يستفاد منه أن قوله هناك أراد به العموم إذ لو كان مراداً به الخصوص لقيد كما قيد هنا.
وَشَاعَ أي كثر وذاع فِي ذَا البَابِ: باب "لاَ" النَّافِيَةِ لِلْجِنْسِ لا غيره إسْقَاطُ الخَبَرْ بمعنى حذف، جوازاً عند الحجازيين ولزوماً عند التميميين والطائيين إسْقَاطُ الخَبَرْ إما على جهة الجواز وإما على جهة الإيجاب، جوازاً عند الحجازيين ووجوباً عند التميميين، قال: الخَبَرْ أطلق هنا فدل على العموم يعني: سواء كان مفرداً أو كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً أو غيرهما، حينئذٍ إسْقَاطُ الخَبَرْ: لا رجل قائم هذا الأصل لو قال: هل من رجل في الدار قال: لا رجل، فأسقط الخبر للعلم به، نقول جائز مع كونه ليس ظرفاً ولا جاراً ومجروراً.
إذَا الْمُرَادُ مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَرْ، يعني هذا قيد إسقاط الخبر ليس على إطلاقه، لأن ما لا يُعلم لا يجوز حذفه، حينئذٍ إذا علم الخبر وجب إسقاطه عند التميميين وجاز عند الحجازيين، وأما إذا لم يعلم فالمنع مطلقاًَ عند الطائفتين لا يجوز حذف الخبر.
إذَا الْمُرَادُ: الْمُرَادُ هذا فاعل، إذا ظهر المراد لأن ذا جاءت بعد إذا فهي شرط.
إذَا الْمُرَادُ يعني إذا ظهر المراد مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَرْ بقرينة (قالوا لا ضير)، (فلا فوت)، لا إله إلا الله، لا حول ولا قوة إلا بالله -لا حولَ- من الأول.
حينئذٍ خلاصة هذا الباب أنه يجوز حذف الخبر إذا علم عند الحجازيين ويجب عند التميميين. إذا دل دليل على خبر لا النافية للجنس وجب حذفه عند التميميين والطائيين وكثر حذفه عند الحجازيين، ومثاله أن يقال هل من رجل قائم فتقول لا رجل تحذف الخبر وهو قائم وجوباً عند التميميين والطائيين وجوازاً عند الحجازيين، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر غير ظرف ولا جار ومجرور كما مُثِّل، أو ظرفاً أو جاراً ومجروراً نحو أن يقال: هل عندك رجل أو هل في الدار رجل فتقول لا رجل فإن لم يدل على الخبر دليل لم يجز حذفه عند الجميع.
قوله ﷺ (لاَ أَحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللهِ) أغير هذا خبر لا يجوز حذفه ولاَ كَرِيمَ مِنَ الوِلْدَان مَصْبُوحُ، مَصْبُوحُ لا يجوز حذفه لأنه لا يعلم.
إذاً حذف خبر هذا الباب إن علم غالبٌ في لغة الحجاز ملتزم في لغة تميم وطي فلم يلفظوا به أصلاً ومنه (لا ضَيْرَ) (فَلا فَوْتَ) "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" "لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ " "لاَ بَأْسَ، لاَ بَأْسَ"، يعني لا بأس عليك، نقول هذا بأس حذف خبره وهو عليك.
стр. 772
وإذا ما كثر أو وجب لأن لا وما دخلت عليه جواب استفهام عام والأجوبة يقع فيها الحذف والاختصار كثيراً ولهذا يكتفون عنها بلا ونعم هل جاء زيد؟ لا. هل جاء عمرو؟ نعم. حينئذٍ يحذفون الجملة اكتفاءً بحرفي الجواب.
ويحذفون الجملة بعدهما رأساً وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع (إلا) نحو ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه﴾ و (لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّة الاّ باللهِ) وإن لم يعلم بقرينة حالية ولا قالية لم يجز حذفه عند أحد فضلاً عن أن يجب.
وربما حذف الاسم وبقي الخبر قالوا لا عليك، أي لا بأس عليك هذا محكي ولكنه يحفظ ولا يقاس عليه.
وإلى هذا أشار بقوله إذَا الْمُرَادُ مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَرْ واحترز بهذا مما لا يظهر المراد مع سقوطه فإنه لا يجوز حينئذٍ حذفه كما تقدم، ظن وأخواتها ..
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ... !!!
стр. 773
عناصر الدرس
* شرح الترجمة (ظن وأخواتها) ـ
* عمل هذه الأفعال واقسامها ن حيث المعنى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى: ظَنَّ وَأَخَوَاتُهَا.
هذا هو القسم الثالث مما يعد من النواسخ، وسبق أن الناسخ: هو ما يرفع حكم المبتدأ والخبر، وقلنا: هذا الذي يرفع حكم المبتدأ والخبر، إما أن يرفع المبتدأ والخبر إلى الرفع والنصب وهو (كان) -رفع الأول ونصب الثاني-، وإما العكس؛ نصب الأول ورفع الثاني، وهو باب (إن وأخواتها)، وإما أن ينصب الجزأين وهو المبتدأ والخبر، وهذا هو النوع الثالث، ثم بعض هذه الأبواب له ملحقات أو له مُشَبَّهَات يلحق بها كأفعال المقاربة و (ما) و (لا) و (ليس) و (لا) التي لنفي للجنس هذه بـ (إن)، هذه ملحقات تعتبر هي فروع عن الأصول. أما الذي معنا (ظَنَّ وَأَخَوَاتُهَا) فهو باب أصل بنفسه ينصب المبتدأ على أنه مفعول أول له، والخبر على أنه مفعول ثانٍ له بعد استيفاء فاعلها؛ لأنها أفعال، وكل حدث -كل فعل- لا بد له من محدث، هذا دليله عقلي وهو دلالة لزوم.
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ فَإِنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ وَإلاَّ فََضَمِيرٌ اسْتَتَرْ
ظَنَّ وَأَخَوَاتُهَا، وَأَخَوَاتُهَا أي: نظائرها في العمل، وخص (ظَنَّ) لأن لها أحكاماً تتميز بها عن سائر أفعال الباب، وهذه قاعدة عندهم: أن الشيء إذا امتاز عن أخواته ونظائره بأحكام ينفرد بها عنها حينئذٍ جعل أماً، يعني أصلاً، وما عداه يعتبر فرعاً كأنها حملت عليه، ولذلك لما لم تكن (كاد) -لم يدل الدليل على أنها أصل- حينئذٍ قال: أفعال المقاربة، وأما (كان) قال: (كَانَ وَأَخَوَاتُهَا، إنَّ وأَخَواتِها، ظَنَّ وَأَخَوَاتُهَا) إذاً: هذه أُمَّهات أو أمَّات، وحينئذٍ نقول: هذه ثبتت بالأدلة أن لها أحكاماً تتميز بها عن أخواتها، وأخواتها المراد بها نظائرها في العمل، هذه الأفعال تدخل على الجملة الاسمية -المبتدأ والخبر-، فكل ما دخلت عليه (كان) تدخل عليه هذه الأفعال، وما لا فلا، كل ما دخلت عليه (كان) من المبتدأ فحينئذٍ تدخل عليه هذه الأفعال، وما امتنع هناك يمتنع هنا، وكذلك في باب (إنَّ وأَخَواتِها).
إذاً: قدر مشترك بين هذه الأبواب الثلاثة وهي من نواسخ المبتدأ والخبر أنه ليس كل مبتدأ تدخل عليه هذه النواسخ، بل ثَمَّ شروط وقيود.
إذاً: ما دخلت عليه (كان) تدخل عليه هذه الأفعال وما لا فلا، إلا المبتدأ الذي هو اسم استفهام أو مضاف إليه، قلنا هناك: لا تدخل (كان) على مبتدأ هو اسم استفهام، وهنا يستثنى لماذا؟ لأن الاستفهام له الصدارة، فإذا دخلت (كان) على اسم الاستفهام وجب أن يتقدم على (كان)، و (كان) لا يتقدم عليها اسمها، وأما باب (ظَنَّ وَأَخَوَاتُهَا) تدخل على مبتدأ هو اسم استفهام أو مضاف لاسم الاستفهام، ولا يمنع أن يتقدم المفعول الأول عليها، فلزوال العلة التي في باب (كان) في هذا الباب حينئذٍ جاز أن يدخل (ظن وأخواتها) على الاستفهام المبتدأ.
إذاً: كل ما دخلت عليه (كان) جاز هنا، وما لا فلا، إلا إذا كان المبتدأ اسم استفهام أو مضاف إلى اسم الاستفهام.
стр. 774
فإن هذه الأفعال تدخل عليه، ويقدم عليها، ولا مانع، نحو إذا قلت: ظننتُ أيَّهم أفضلَ، أيَّهم ظننتُ أفضلَ: تقدم عليه ولا إشكال؛ لأنه لا يلتبس، بخلاف باب (كان) فإن اسمها لا يتقدم؛ لأنه مرفوع، وإذا تقدم حينئذٍ التبس بالمبتدأ، وحينئذٍ يمتنع، وأما هنا فحينئذٍ لما كان منصوباً وهو مفعول به، فضلات من حيث الظاهر يجوز تقدمها على عواملها، حينئذٍ جاز أن يدخل ظَنَّ وَأَخَوَاتُهَا على اسم الاستفهام إذا كان مبتدأ، بخلاف (كان) فلا تدخل عليه لعدم تقدم اسمه عليها.
وأما الخبر فيجوز في البابين: أن يكون استفهاماً في باب (كَانَ وَأَخَوَاتُهَا) أو مضافاً إليه، إذ لا مانع من تقديمه في البابين: أين كنت؟ كنت أين؟ أين كنت؟ أين؛ نقول: هذا في محل نصب هو اسم استفهام، لماذا تقدم على (كان)؟ نقول: لأنه خبر، وإذا كان خبراً حينئذٍ له حق الصدارة، وأين ظننت عمراً؟ ظننت عمراً أين؛ هذا الأصل، فتقدم المفعول الثاني وهو الخبر في الأصل على (ظن).
إذاً: إذا كان خبراً -اسم الاستفهام أو المضاف إليه- إذا كان خبراً في البابين باب (كان وظن) يجوز أن يتقدم على (كان وظن).
وأما إذا كان مبتدأً يجوز في باب (ظن) ويمتنع في باب (كان) للعلة التي ذكرناها.
هذا الباب قلنا: يدخل على المبتدأ والخبر، فينصب المبتدأ على أنه مفعول أول، وينصب الثاني على أنه مفعول ثاني. وهل هي خاصة بالمبتدأ والخبر؟ جماهير النحاة على ذلك، وخالف السهيلي وقال: لا، ليس الأمر كذلك؛ لأنه يقال: ظننتُ زيداً عمْراً، وحينئذٍ لا يقال: عمروٌ زيدٌ، إذا كان أصل الجملة مبتدأ وخبر: ظننتُ زيداً عمْراً هل يقال: زيدٌ عمروٌ؟ ظننت زيداً قائماً ماذا نقول؟ زيد قائم، إذاً: دخلت على ما أصله المبتدأ والخبر، زيد قائم، ظننت زيد قائم لا إشكال فيه، لكن في بعض المُثُل قد يكون التقديم فيه نوع صعوبة، مثل: ظننت زيداً عمْراً، زيدٌ عمرو لا يصح إلا على معنى التشبيه قال: وهذه الأفعال لم تدخل على معنى التشبيه، زيد عمرو أي: زيد كعمروٍ صح التركيب، إذاً مبتدأ وخبر، هو ينفي أن تكون هذه الأفعال دخلت على معنى التشبيه، والجواب: أولاً نمنع دخول هذه الأفعال (ظن وأخواتها) على غير المبتدأ والخبر.
ثانياً: نسلم بأن دخول (ظن) على زيداً عمْراً هنا على معنى التشبيه، ولذلك لو قال: ظننتُ زيداً عمْراً ثم أخطأ، الكلام صحيح أو لا؟ صحيح، فيبقى على الأصل، فحينئذٍ أصل التركيب: زيدٌ عمرو، زيدٌ كعمروٍ على معنى التشبيه وهو باق بعد دخول (ظن) فيجاب على ما ذكره السهيلي بهذا.
إذاً: الأصل في دخول هذه الأفعال أن تدخل على المبتدأ والخبر، هل تدخل على غيرهما؟ الجواب: لا، خلافاً للسهيلي.
стр. 775
يُنصب الأول الذي هو المبتدأ على أنه مفعول أول، وهذا محل وفاق، والثاني عند الجماهير على أنه مفعول ثاني، وخالف الفراء؛ فقال: بل ينصب على التشبيه بالحال، فعنده: ظننت زيداً قائماً، ظننت: فعل وفاعل، وزيداً: مفعول به، وقائماً: حال من زيد، أو على التشبيه بالحال، أشبه الحال، لماذا؟ قال: لأنه يقع جملة، فتقول: ظننتُ زيداً يصلي، وقع جملة، ويقع ظرفاً: ظننت زيداً عندك، ويقع جاراً ومجروراً: ظننت زيداً في الدار، وهذا شأن الحال أو شأن المشبه بالحال، رُدَّ بأنه يقع ضميراً: زيد ظننتك هو، والحال لا تقع ضمير؛ رُدَّ بأنه يقع معرفة؛ ظننت زيداً أخاك، والحال لا تقع معرفة، وحينئذٍ لكون الثاني يقع ضميراً يمتنع أن يعرب حالاً ولا على التشبيه بالحال؛ لأن الضمير لا يقع حالاً، هو معرفة لا يخرج عن أصله –التعريف-، والحال لا تكون إلا نكرة، وإذا جاءت معرفة لا بد من تأويلها بالنكرة.
إذاً: الصواب أن الأول -منصوب الأول- مفعول أول، وأن الثاني يعتبر مفعول الثاني، يعني منصوب الثاني يعرب مفعول الثاني خلافاً للفراء في كونه يعرب على التشبيه بالحال والأدلة التي استدل بها فيها ضعف.
(ظَنَّ وَأَخَوَاتُهَا) هذه الأفعال تدخل على المبتدأ والخبر فتنصبهما مفعولين، بعد استيفاء فاعلها، لا بد من هذا، ليست مثل (كان)، (كان) لا تفتقر إلى فاعل، وإنما تفتقر إلى اسم وخبر، ولذلك قيل: إنها ناقصة، وحينئذٍ تفتقر إلى منصوب يكملها، وأما (ظن) فهي فعل ماضي، والأصل فيه التمام وليس كـ (كان)، وكذلك: خالَ وحسِبَ ونحو ذلك، فحينئذٍ لا بد من فاعل ثم بعد ذلك يأتي المبتدأ على أنه مفعول أول والخبر على أنه مفعول ثاني.
إذاً: يشترط في هذه أنها لا تتعدى إلى المبتدأ والخبر فتنصبهما على أنهما مفعولان إلا بعد استيفاء فاعلها، لماذا؟ لأنها أفعال، وكل فاعل لا بد له من محدث كما سيأتي.
وهي نوعان: أفعال القلوب وأفعال تصيير وتحويل، (ظن وأخواتها) نوعان، الذي ينصب مفعولين على نوعين: أفعال قلوب، وسميت أفعال قلوب؛ لأن معانيها قائمة بالقلب، فالظن يقوم بالقلب، والعلم والاعتقاد كل هذه تقوم بالقلب؛ لأن مردها إما العلم وإما الظن، إما ما يدل على اليقين وإما ما يدل على الرجحان.
إذاً: هذه الأفعال كلها مردها إلى هذين النوعين، وهذه قائمة بالقلب، وحينئذٍ سميت أفعال قلوب. وأفعال التصيير هو النوع الثاني.
قال ﵀:
انْصِبْ بِفِعْلِ الْقَلْبِ جُزْأَيِ ابْتِداَ ... أَعْنِي رَأَى خَالَ عَلِمْتُ وَجَدَا
ظَنَّ حَسِبْتُ وَزَعَمتُ مَعَ عَدْ ... حَجَا دَرَى وَجَعَلَ اللَّذْ كَاْعْتَقَدْ
وَهَبْ تَعَلَّمْ وَالَّتِي كَصَيَّرَا ... أَيْضَاً بِهَا انْصِبْ مُبْتَدَاً وَخَبَرَا
انْصِبْ: هذا فعل أمر، والأمر يقتضي الوجوب، حينئذٍ إذا وجدت هذه الأفعال بشرطها يتعين نصبها، لكن هل هذا محمول على جميع أحوال (ظن وأخواتها) أم أنه في بعض أحوالها؟ في بعض أحوالها، لماذا؟ لأن أحوال وأحكام (ظن وأخواتها) ثلاثة: الإعمال والإلغاء والتعليق.
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا
стр. 776
حينئذٍ الإعمال هو الأصل، وهذا مشروط في الوجوب -بوجوب الإعمال- إذا تقدم الفعل على معموليه، ظننت زيداً قائماً، عند البصريين يجب النصب هنا، هذا واجب، لا يجوز الإهمال إلا على مذهب الكوفيين. ظننت زيداً قائماً، ظننت: فعل وفاعل، وزيداً: مفعول أول، وقائم: مفعول ثاني. ما حكم الإعمال هنا؟ واجب، وسيأتي:
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الاِبْتِدَا ...
جَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا: في ابتداء الكلمة لا، في ابتداء الجملة لا، إذا جاء العامل في أول الجملة تعين النصب.
وأما إذا توسط أو تأخر فحينئذٍ الإعمال جائز والنصب جائز، زيداً ظننت قائماً، زيداً قائماً ظننت؛ النصب هنا واجب أم جائز؟ جائز ليس بواجب.
إذاً قوله: انْصِبْ؛ يحمل على الوجوب فيما إذا تقدمت الأفعال، وعلى الجواز فيما إذا توسطت أو تأخرت، وحينئذٍ استعمل (افعل) في معنيين: الوجوب والجواز، الإباحة يعني، مع الاختلاف في الترجيح فيما إذا توسطت أو تأخرت، كما سيأتي؛ المراد أن قوله: انْصِبْ؛ ليس مطلقاً، بل لا بد من تقييده أو التفصيل، إما أن يقال بأنه يجب النصب إذا تقدم وهذا خاص بها، وإما أن يقال: بأن (انْصِبْ) ليس على ظاهره وهو وجوب النصب، بل يشمل ما وجب النصب وذلك إذا تقدمت الأفعال على معموليها، وأما إذا توسطت أو تأخرت فيجوز، -فالنصب جائز-، زيداً ظننت قائماً جائز وليس بواجب.
انْصِبْ وجوباً وجوازاً -هكذا نقدره- انْصِبْ وجوباً وجوازاً بِفِعْلِ الْقَلْبِ: يعني: بالفعل الذي هو حدث وقائم بالقلب.
انْصِبْ بِفِعْلِ الْقَلْبِ، فالعامل هو عين الفعل.
جُزْأَي ابْتِداَ أي: جزأي جملة ذات ابتداء، يعني: كأن الجزأين مبتدآن، نقول: ليس هذا المراد، جُزْأَي ابْتِداَ على تقدير ماذا؟ أي: جزأي جملة ذات ابتداء، والجملة التي تكون ذات ابتداء هي الجملة الاسمية.
إذاً: انْصِبْ بِفِعْلِ الْقَلْبِ: بفعل: جار ومجرور متعلق بقوله: انْصِبْ.
جُزْأَي: هذا مفعول به، وهو مضاف وابتدا مضاف إليه. ما المراد بجزأي الابتداء؟ جزأي جملة ذات ابتداء يعني: ذات مبتدأ، وحينئذٍ يرى الناظم خلافاً للسهيلي أن هذه الأفعال خاصة بالمبتدأ والخبر، وأن ما كان ظاهره أنه ليس مبتدأ وخبراً نحو: ظننت زيداً عمْراً حينئذٍ يؤول على ما ذكرناه سابقاً.
جُزْأَي ابْتِداَ قال: أعْنِي: أتى بالعناية، والعناية إنما يؤتى بها إذا كان ثَمَّ إيهام أو إبهام أو عموم أو إطلاق، وليس الأمر كذلك على إطلاقه، أو ليس الأمر على عمومه، وحينئذٍ نحتاج إلى التفصيل، لو قال: أعْنِي؛ لأن قوله: فِعْلِ الْقَلْبِ نقول: أفعال القلوب ليست كلها تنصب مفعولين، بل بعضها ما هو لازم، حزن زيد، حزن، الحزن مقامه في القلب، معنىً قائم بالقلب، وبعضها يتعدى إلى مفعول واحد؛ عرفت زيداً –معرفة-، فهمت المسألة، فهم هذا محله القلب وهو فعل قلبي، هل يتعدى إلى مفعولين؟ الجواب: لا، وكذلك: عرف، وكذلك بعضها لازم ولا يتعدى، نحو: حزن وجبن، فلذلك قال: أعْنِي.
стр. 777
إذاً: يريد أن يخرج بعض الأفعال التي لا تنصب المفعولين، أو أراد أن يخصص قوله: بِفِعْلِ الْقَلْبِ وهو لفظ عام أراد أن يخصصه بما ينصب المفعولين، وأما ما لا ينصب إلا مفعولاً واحداً كعرف وفهم فليس داخلاً في الباب، وما كان لازماً كجبن وحزن ليس داخلاً في الباب، ولذلك قال: أعْنِي.
رَأَى خَالَ عَلِمْتُ وَجَدَا
رأَى؛ وما بعدها كلها معطوفات عليها بحذف الواو، وهذا جائز قلنا في الشعر اتفاقاً، يعني: يسقط حرف العطف.
رأَى خَالَ عَلِمْتُ: (رأى وخال وعلمت ووجد وظن وحسبت وزعمت)، هذه كلها معطوفات على رأى، ورأى ما إعرابها؟ مفعول به قصد لفظه، هي فعل كيف وقعت مفعولاً به والمفعول به من علامات الأسماء؟ نقول: (رأى) قصد لفظه وصار علماً، وحينئذٍ تسلط عليه العامل وهو (أعني).
و (خال وعلمت ووجد وظن وحسبت وزعمت) كلها معطوفات في محل نصب على رأى.
مَعَ عَدْ: هذا حال من فاعل أعني، مَعَ: ظرفاً متعلقاً بمحذوف منصوب على أنه حال من فاعل أعني.
مَعَ عَدْ: عدَّ، وحجا ودرى وجعل، حجا ودرى وجعل هل هي معطوفات على رأى؟ لا، مَعَ عَدْ، (عد وحجا ومع حج ومع درى ومع .. إذاً معطوف على الأخير، لو لم يأت بـ (مع) حينئذٍ صار العطف على (رأى)، وأما لما فصل الكلام حينئذٍ نقول: معطوف على المتأخر، وحينئذٍ: (خَالَ عَلِمْتُ) في محل نصب، و (حَجَا ودَرَى وَجَعَلَ وَهَبْ وتَعَلَّمْ) في محل جر، قصد لفظه فهو في محل جر.
قال:
وَجَعَلَ اللَّذْ كَاْعْتَقَدْ
وَجَعَلَ اللَّذْ: اللَّذْ ما هذا؟
حذف الياء ضرورة للوزن.
نقول: لغة ولا نقول: حذف الياء للضرورة.
وَجَعَلَ اللَّذْ: قلنا: فيها لغات، منها هذا اللفظ اللَّذْ بإسكان الذال وحذف الياء.
وَجَعَلَ اللَّذْ كَاْعْتَقَدْ
كَاْعْتَقَدْ: جار ومجرور متعلق بمحذوف استقر؛ لأن اللَّذْ اسم موصول يحتاج إلى صلة، وصلة الموصول فعل، وحينئذٍ استقر كَاْعْتَقَدْ.
احترز بهذا -قيد هذا اللفظ- لأنَّ (جعل) تأتي بمعنى الشروع، فعل الشروع الذي سبق معنا في باب أفعال المقاربة، وتلك ماذا تعمل؟ ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وهنا تنصب المبتدأ والخبر؛ لأنها بمعنى اعتقد، والاعتقاد هذا فعل قلبي.
وَهَبْ: هذا معطوف على عَدْ وتَعَلَّمْ بإسقاط حرف العطف.
ثم:
...... وَالَّتِي كَصَيَّرا ... أَيْضَاً بِهَا انْصِبْ مُبْتَدَاً وَخَبَرَا
وَالَّتِي: هذا مبتدأ.
كَصَيَّرا: ماذا يعني صَيَّرا؟ وَالَّتِي كَصَيَّرا؛ أين جملة الصلة؟ - عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ مُشْتَمِلَهْ -، التي استقرت، استقرت بالتاء، لماذا؟ لأنه يشترط في الضمير أن يكون مطابقاً لما سبق –للموصول-.
وَالَّتِي كَصَيَّرا: بِهَا، انصب بها.
انْصِبْ: هذه الجملة وقعت خبر، وهي جملة طلبية، وحينئذٍ يرد أن الناظم يرى جواز وقوع الجملة الطلبية خبراً عن المبتدأ، وهو الصحيح كما عليه الجمهور.
وَالَّتِي كَصَيَّرا: يعني تدل على التحويل، انْصِبْ بِهَا: بها جار ومجرور متعلق بقوله: انْصِبْ، وهو خبر والمبتدأ الجملة، أيْضاً: آض يئيض أيضاً مفعول مطلق، والعامل فيه محذوف وجوباً.
انْصِبْ مُبْتَداً: مفعول به.
وَخَبَرَا: معطوف عليه.
انْصِبْ مُبْتَداً وَخَبَرَا: بعد استيفاء فاعلها ..
стр. 778
إذاً: قسَّم لنا الناظم رحمه الله تعالى باب (ظَنَّ وَأَخَوَاتُهَا) إلى نوعين اثنين رئيسين وهما: أفعال القلوب وأشار إليها بقوله: أعْنِي رَأَى وما بعده، وأفعال التصيير وأشار إليها بقوله: وَالَّتِي كَصَيَّرا .. إلى آخره، ولكنه عدد بعض أفعال القلوب وأجمل أفعال التصيير؛ لأن الأول أكثر من الثاني.
إذاً: ينقسم باب (ظَنَّ وَأَخَوَاتُهَا) إلى قسمين، أحدهما: أفعال القلوب، والثاني: أفعال التحويل.
فأما أفعال القلوب فتنقسم إلى قسمين –جملة-، وسيأتي أنها أربعة أقسام.
ما يدل على اليقين، وذكر المصنف منها خمسة وهو: (رأى وعلم ووجد ودرى وتعلم)، هذه تدل على اليقين، وهو أمر اعتقادي، يعني: لا يقبل الشك.
والثاني منهما: ما يدل على الرجحان، يعني: جواز أمرين أحدهما أظهر من الآخر، فيستعمل في الراجح دون المرجوح مع جواز المرجوح.
إذاً: الاعتقاد ليس فيه رجحان، وأما الرجحان ففيه جواز أمرين أحدهما أرجح من الثاني، وهو شأن الظن لكن بالمعنى الفقهي لا بالمعنى الأصولي، ما الفرق بينهما؟ الظن عند الأصوليين مغاير للظن عند الفقهاء ما الفرق؟ أيهما أعم؟ عند الفقهاء أعم يشمل الشك عند الأصوليين.
إذاً: عند الفقهاء الشك المراد به الظن، "فإن شك في طهارة ماء أو نجاسته" هذا يشمل الظن والشك، فهما سيان؛ وأما عند الأصوليين فلا، الظن ترجيح أحد الأمرين، وأما الشك فهو التجويز مع المساواة، فهما متغايران، فثَمَّ فرق بين الاصطلاحين.
وذكر منها ما يدل على الرجحان ثمانية: "خال وظن وحسب وزعم وعدَّ وحجا وجعل وهب"، نذكرها على ما ذكرها ابن عقيل رحمه الله تعالى مع الأمثلة، تابعوا معنا.
فمثال رأى قول الشاعر: -رأى تأتي بمعنى علم وهو الكثير، هذا هو الأصل فيها أنها تأتي بمعنى علم، فهي دالة على اليقين، اعتقاد جازم في القلب، قال تعالى: ((إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا)) [المعارج: ٦،٧] نَرَاهُ قَرِيبًا يعني: نعلمه قريباً، فحينئذٍ جاء ترأى بمعنى علم، قال الشاعر:
رَأَيْتُ اللهَ أَكْبَرَ كُلِّ شَيْءٍ ... مُحَاوَلَةً وَأَكْثَرَهُمْ جُنُودَا
رَأَيْتُ أي: اعتقدت الله، اعتقدت: فعل وفاعل، لفظ الجلالة منصوب على أنه مفعول أول، أَكْبَرَ: مفعول ثاني وهو مضاف، وكُلِّ شَيْءٍ: مضاف إليه، حينئذٍ نقول: رأى هنا جاءت بمعنى علم وهو يقين، واستوفت فاعلها وهو التاء، ونصبت المبتدأ على أنه مفعول أول لها وهو لفظ الجلالة، ونصبت الخبر وهو أكبر على أنه مفعول ثاني لها، وهي دلت على اليقين.
إذاً: استعمل رأى فيه لليقين، وقد تأتي بمعنى الظن. إذاً: صارت مشتركة بين النوعين، نحن نقول: أفعال اليقين وأفعال الرجحان، (رَأَى) مشتركة إلا أن الغالب فيها أنها لليقين، وغير الغالب أن تكون بمعنى الظن. ((إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا)) [المعارج:٦] يعني: يظنونه بعيداً، و (نَرَاهُ) التي بعدها تكون بمعنى اليقين.
((إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا)) أي: يظنونه، وقال بعضهم: يعتقدونه، لكن الشاهد فيه في القول الأول.
стр. 779
إذاً: (رأى) تأتي بمعنى الظن وتأتي بمعنى اليقين، وسيأتي: وَلِرَأى الرُّؤيا انْمِ مَا لِعَلِمَا، رأى الحُلْمية أو الحُلُمية هذه أيضاً تتعدى إلى مفعولين، وحينئذٍ رأى تتعدى إلى مفعولين إذا كانت علمية بمعنى الاعتقاد، وإذا كانت ظنية، وإذا كانت حلْمية أو حلُمية يجوز الوجهان، حينئذٍ تتعدى إلى مفعولين واللفظ واحد بهذه المعاني.
وأما إذا جاءت بمعنى أبصر، رأيت زيداً تتعدى إلى واحد، رأيت زيداً؛ هذه بصرية، فإذا قلت: رأيت زيداً فعل وفاعل، وزيداً: مفعول به، رأيت زيداً في الدار وهي بصرية، رأيت زيداً قائماً، يصح أو لا يصح؟ بصرية، رأيت زيداً قائماً، قائماً ما إعرابه؟ حال من زيد، أو أنا، رأيته قائماً حال لي أنا من التاء يجوز، هذا محتمل، وحينئذٍ رأى البصرية تتعدى إلى واحد، فإن وجد بعدها منصوب فهو على الحال، إما من المفعول وإما من الفاعل.
وتأتي بمعنى اعتقد: رأى أبو حنيفة حِلَّ كذا، رأى أبو حنيفة حِلَّ النبيذ مثلاً، رأى أبو حنيفة: هذا فاعل، حل النبيذ: هذا مفعول –واحد-، إذاً: تعدت إلى مفعول واحد، وهذه رأى بمعنى اعتقد، يعني: اعتقد أبو حنيفة حل النبيذ، هذه رأى بهذا المعنى قد تتعدى إلى اثنين وقد تتعدى إلى واحد، واحد بالمثال الذي ذكرناه، وقد يتعدى إلى اثنين كما إذا قلت: رأى أبو حنيفة النبيذ حلالاً، النبيذ: مفعول أول، وحلالاً: مفعول ثاني.
يظهر من هذا والله أعلم أن الأولى فرع الثانية؛ لأن حل كذا هذا هو مصدر المفعول الثاني مضاف إلى الأول، صحيح -حل كذا-؟ إذا قيل: رأى أبو حنيفة حل النبيذ قلنا: هذه تعدت إلى مفعول، حل: هو المفعول –مضاف-، والنبيذ: مضاف إليه، لو نظرت إليها وهي متعدية: رأى أبو حنيفة النبيذ حلالاً؛ ما خرجت الجملة عنها، فحينئذٍ صارت تركيب أو اختصار في الجملة التي تعدت إلى واحد بالإتيان بمصدر الثاني المفعول الثاني وإضافته إلى المفعول الأول، رأى أبو حنيفة حل النبيذ ولا إشكال فيه، وحينئذٍ هذه تتعدى إلى مفعول واحد وتتعدى إلى مفعولين، ولو قيل: بأن الأصل أنها تتعدى إلى مفعولين ثم قد يختصر هذا لا إشكال فيه.
وتأتي بمعنى: أصبت رئته، رأيت زيداً إذا ضربته على رئته، رأيت زيداً هذا توري بها، رأيت زيد؟ لا، ما رأيت زيد، ما رأيت زيداً، هو يظن أنك ما رأيته بالبصر وأنت تعني به ماذا؟ ما رأيته يعني: ما ضربته، إذاً: هذا معنىً كذلك يضاف إلى ما سبق، وهذه تتعدى إلى مفعول واحد رأيت زيداً.
هذه معاني رَأَى، منها ما يتعدى إلى مفعولين، ومنها ما يتعدى إلى مفعول واحد، وما يتعدى إلى مفعولين بعضه يدل على اليقين، وبعضه يدل على الرجحان، وبعضه ما هو خارج عنهما.
عَلِمَ؛ الأصل فيها أنها بمعنى اليقين، علمت زيداً أخاك، يعني: تيقنت أن زيداً أخاك. ((عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ)) [البقرة:١٨٧] عَلِمَ اللَّهُ: هذا يقين.
عَلِمْتُكَ الْبَاذِلَ الْمَعْرُوفَِ فَانْبَعَثَتْ ... إِلَيْكَ بِي وَاجِفَاتُ الشَّوْقِ وَالأَ مَلِ
عَلِمْتُكَ الْبَاذِلَ، عَلِمْتُكَ: فعل وفاعل ومفعول أول، عَلِمْتُكَ بمعنى: تيقنتك، الْبَاذِلَ: هذا مفعول ثاني.
стр. 780
وتأتي علم بمعنى ظن وهو قليل، ويمثل له النحاة بقوله تعالى: ((فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ)) [الممتحنة:١٠] لأن اليقين هنا بالحكم بالإيمان على الشخص -يقيناً- هذا ليس إليه، وإنما هو بالظاهر؛ لأن الإيمان مركب -اعتقاد وقول وعمل-، كلها أركان، العمل الظاهر ركن والقول ركن والاعتقاد ركن، إذا ظهر ركن أو ركنان وبقي الثالث قد يوجد وقد لا يوجد، فإذا ظهر الإيمان حينئذٍ يكون الشيء الظاهر مع عدم العلم بالباطن يكون رجحاناً وليس بيقين، وحينئذٍ: ((فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ)) [الممتحنة:١٠] فعبر هنا بالعلم؛ لأن الشأن في الإنسان بالحكم على الناس في الظاهر، إن أظهروا الإيمان حكمنا عليهم بالإيمان، وإن أظهروا ما يناقض الإيمان دل على أن الباطل منتف حينئذٍ حكمنا عليه، إن لم يظهر شيء ينافي الظاهر حينئذٍ صار كأنه علم نجزم به، ولذلك انتقي الفعل علم في هذا الموضع للدلالة على ما ذكرنا.
((فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ)) [الممتحنة:١٠] وإلا الأصل أنه رجحان؛ لأنه لا يقطع بإيمان الشخص.
فإن كانت من قولهم: علم الرجل إذا انشقت شفته العليا فهو أعلم؛ فهي لازمة. وسيأتي معنا: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ، علم تأتي بمعنى عرف.
إذاً: علم تأتي بمعنى اليقين، وتأتي بمعنى الظن، وتأتي بمعنى أعلم، يعني: إذا شقت شفته العليا، وتأتي بمعنى عرف.
وَجَدْ: ((وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)) [الأعراف:١٠٢] وجد تأتي بمعنى علم، بمعنى اليقين. ((وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)) [الأعراف:١٠٢] إن ما إعرابها؟ مخففة من الثقيلة، أين اسمها؟ محذوف ضمير الشأن.
وَخُفِّفَتْ إِنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ ... وَتَلْزَمُ اللاَّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَجَدْنَا: هذا فعل ناسخ.
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً فَلاَ ... تُلْفِيهِ غَالِبَاً بِإِنْ ذِي مُوصَلاَ
وهذا مثلها.
((وَإِنْ وَجَدْنَا)) إن: مخففة، لا.
وَخُفِّفَتْ إِنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ ... وَتَلْزَمُ اللاَّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
((وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)) هذه عاملة أو مهملة؟ مهملة.
ما الدليل على أنها مهملة؟
وَتَلْزَمُ الَّلامُ إذَا مَا تُهْمَلُ ((وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ)) الـ (نا) هنا فاعل، والفعل في وجدنا هذا ما إعرابه؟ فعل ماضي مبني على السكون، أَكْثَرَهُمْ: هذا مفعول أول، لَفَاسِقِينَ: هذا مفعول ثاني.
وجد هذه الأصل تأتي بمعنى علم، وتأتي بمعنى أصاب: وجدت الضالة أصبتها، حينئذٍ تتعدى إلى واحد، ومصدرهما قيل: الوجود والوجدان، يعني الاثنين هكذا قيل، وقيل: مصدر وجدنا بمعنى: علم الوجود، فإن كانت بمعنى أصاب هذه تعدت إلى واحد ومصدرها الوجدان، وقيل: الوجود، كما قيل: الوجدان مع الوجود، إذاً: فيه خلاف.
دَرَى تأتي بمعنى عَلِمَ.
دُرِيتَ الوَفِيَّ العَهْدُ يا عُرْوَ فَاغْتَبِطْ ... فإنَّ اغْتِبَاطَاً بالوَفَاءِ حَمِيدُ
دُرِيتَ الوَفِيَّ، دريت دَرَى دُرِي، حينئذٍ بني وغيرت صيغته، فارتفع المفعول الأول على أنه نائب فاعل وهو التاء، فالتاء هذه نائب فاعل والأصل فيها أنها مفعول أول، هي مفعول درى الأول، والوَفِيَّ: هذا منصوب على أنه مفعول ثاني.
стр. 781
إذاً: درى تأتي بمعنى علم، والقليل في درى أن تنصب مفعولين، هذا قليل فيها، والأكثر فيها أن يتعدى إلى واحد بالباء، دريت بكذا، علمت بكذا، دريت بكذا. فإن دخلت عليه همزة النقل تعدى بها إلى واحد بنفسه والآخر بالباء. ((وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ)) [يونس:١٦] أَدْرَاكُمْ الكاف هذا مفعول أول، وبِهِ الهاء: مفعول ثاني، إذا دخلت الهمزة -همزة النقل التعدية- على درى عدته إلى اثنين: الأول بنفسه والأول بحرف الجر وهو الباء، وتكون بمعنى: ختل، أي: خدع، وحينئذٍ تعد إلى واحد، "دَرَيْتُ الصيْدَ" أي: ختلته، إذاً: درى من أفعال اليقين وهي بمعنى علم وقد تخرج عنه.
تَعَلّمْ؛ هكذا ملازم للأمر، بمعنى: اعلم.
تَعَلّمْ شِفَاءَ النَّفْسِ قَهْرَ عَدُوِّهَا ... فَبَالِغْ بِلُطْفٍ فِي التَّحَيُّلِ وَالْمَكْرِ
تَعَلّمْ أنت يعني فعل أمر بمعنى اعلم، كأنه قال: اعلم، تعلم والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت.
شِفَاءَ النَّفْسِ، شِفَاءَ: هذا مفعول أول، وقهر عدوها: هذا مفعول ثاني.
والكثير في تعلم -التي بمعنى اعلم- الكثير استعمالها بـ (أنَّ) وصلتها، يعني يكون بعدها (أنَّ) المشددة مع صلتها وهو الجملة الاسمية.
تَعَلّمْ رَسُول اللهِ أنَّكَ مُدْرِكي
وما ذكره: - تَعَلّمْ شِفَاءَ النَّفْسِ قَهْرَ عَدُوِّهَا - هذا قليل، يعني القليل أن تتعدى بنفسها دون (أن) وصلتها، وهنا نصبت مفردين: شفاء وقهراً، وهذا قليل، والأكثر إذا تعدت إلى مفعولين أنها تتعدى بـ (أن) وما وراءها.
تعَلَّمْ أَنهُ لاَ طيْرَ إِلاَّ ... عَلَى متَطيِّر وَهو الثّبورُ
تعلَّمْ أنّ خَيرَ الناسِ طُرّاً ... قَتِيلٌ بين أَحجارِ الكُلاَبِ
تعلَّمْ أنّ، إذاً تتعدى بـ (أن)، والمراد بـ: تعلَّمْ هنا: اعلم، فحينئذٍ إذا كانت بمعنى تعلم الحساب تعدت إلى واحد، ما الفرق بين تَعَلّمْ شِفَاءَ النَّفْسِ قَهْرَ عَدُوِّهَا وبين: تَعَلَّم الحساب وتَعَلَّم الفقه وتَعَلَّم النحو ونحو ذلك؟ فرق من جهتين:
أولاً: تلك تتعدى إلى مفعولين، وهذه تتعدى إلى واحد؛ ثم المراد بالعلم في تَعَلَّم النحو والفقه المراد به تحصيله، فهو شيء يوجد بعد وجود أسبابه، فهو خارج عن اللفظ، وأما: تَعَلّمْ شِفَاءَ النَّفْسِ قَهْرَ عَدُوِّهَا فالمعلوم المأمور به هو ما عُلِّقَ عليه في الجملة، تعلم أنك ناجح، اعلم أنك ناجح، فحينئذٍ هل يحتاج إلى تحصيل؟ تعلم اعلم أنك ناجح، نقول: المراد علمه المأمور به هو ما عُلِّقَ عليه في الجملة فحسب، ليس شيئاً خارجاً عن الجملة بخلاف تَعَلَّم الفقه هذا يحتاج إلى سنين، أما تَعَلَّم أنك ناجح منذ أن تسمعه تعرف المعلوم المأمور به فلا إشكال.
وهذه الأفعال الدالة على اليقين -كما سبق-.
وأما الدالة على الرجحان فأشهرها: خلت زيداً أخاك، فالأصل أن نقدم (ظن) لكنه قدم خال، خَالَ هذه تستعمل في الدلالة على الظن، بمعنى ظن، خلت زيداً أخاك، خلت: فعل وفاعل، وزيداً: مفعول أول، وأخاك: مفعول ثاني، وقد تأتي لليقين، يعني: تدل على اليقين، الأشهر فيها أنها بمعنى (ظن)، وقد تستعمل على قلة بمعنى اليقين.
دَعَانِي الْغَوَانِي عَمَّهُنَّ وَخِلْتُنِي ... لِيَ اسْمٌ
стр. 782
خِلْتُنِي لِيَ اسْمٌ يقين أو ظن؟ يقين، لماذا؟ لأنه يعرف اسمه هو، فتعرف أنك خالد،
هذا علم اليقين هذا يسمى، بخلاف العلم الحضوري.
دَعَانِي الْغَوَانِي عَمَّهُنَّ وَخِلْتُنِي
خِلْتُنِي: فعل وفاعل ومفعول، الفعل خِل، تُ: فاعل، نِي: نون الوقاية، والياء: مفعول به -لا ينطق به هكذا لكن للتوضيح-.
وخِلْتُنِي: هنا فيه من خصائص أفعال القلوب أن ضميرين اتصلا –متصلين- بفعل واحد والمرجع واحد، خلت يصدق على المتكلم. ني: من؟ هو نفسه. إذاً: ضميران مرجعهما واحد، هذا لا يجوز أصلاً، لكن يستثنى أفعال القلوب فيجوز اتحاد المعنى والضميرين، هما متصلان، ضميران متصلان، هذا جائز يستثنى.
إذاً: فعل وفاعل والنون للوقاية والياء مفعول أول، وفيه اتحاد الفاعل والمفعول، ضرب زيد عمْراً، لو قلت: ضرب زيداً زيداً لا يصح هذا، الفاعل والمفعول واحد لا يصح، وإنما هنا: خلتني؛ الفاعل والمفعول واحد وهما ضميران متصلان لمسمىً واحد وهو المتكلم، وهذا من خصائص أفعال القلوب.
إذاً: (خَالَ) تأتي بمعنى اليقين، والأصل فيها أنها بمعنى الظن.
وتأتي بمعنى علم وهو قليل، فإن كانت بمعنى تكبر أو ضلع فهي لازمة.
و (ظن) وهذه هي الأصل وهي أم الباب، (ظن) بمعنى الرجحان، ظننت زيداً صاحبك يعني: ترجح عندي صحبة زيد لك، وهو إدراك الراجح.
وقد تستعمل لليقين وهو قليل، ((وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ)) [التوبة:١١٨] اعتقدوا يقين هذا (أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ)، (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ)، ظَنُّوا بمعنى اليقين؛ لأن هذه الأمور لا يكفي فيها الظن، لا يجزي، لا بد من اليقين.
إذاً: (ظن) الأصل فيها أنها للرجحان، وتأتي بمعنى اليقين. وسيأتي معنا:
لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَهْ ظننت زيداً يعني: اتهمته.
وحَسِبَ والأصل فيها للرجحان، حسبت زيداً صاحبك، حسبت: فعل وفاعل، وزيداً: مفعول به، وصاحبك: مفعول ثاني، وحسب يحسَب يحسِب -فيه وجهان-، وَجْهَانِ فِيهِ مِنِ (احْسَِبْ)، -كذا قال ابن مالك-.
حسِب يحسِب يحسَب، القياس: يحسَب، وحسِب بمعنى: ظننت ((يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ)) [البقرة:٢٧٣]، ((وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ)) [الكهف:١٨] وفي مضارعها لغتان: فتح السين وهو القياس؛ لأن الأصل المخالفة بين حركة العينين: الماضي والمضارع. فعِل القياس، فعَل فعُل، فعِل القياس، فعَل، يفعَل، يفعِل، فعَل القياس يفعُل يفعِل هذا القياس، هذا الأصل.
وكسرها وهو الأكثر في الاستعمال ومصدرها الحسبان بكسر الحاء والمحسبة.
وقد تستعمل لليقين، حسب بمعنى اليقين:
حَسِبْتُ التُّقى والجُودَ خَيْرَ تِجَارَةٍ ... رِباحاً إذا ما المَرْءُ أصْبَحَ ثَاقِلاً
حَسِبْتُ التُّقى والجُودَ، حَسِبْتُ: فعل وفاعل، والتُّقى: هذا مفعول أول، والجُودَ: معطوف عليه، خَيْرَ تِجَارَةٍ -هذا يقين أو لا-؟ التجارة الزاد للدار الآخرة ما هو اليقين أو الأسهم؟ اليقين، التقوى أم الأسهم؟ التقوى. وحينئذٍ نقول: هذه خير تجارة، ولا مانع إذا كانت الأسهم مباحة ما في بأس، تعين.
стр. 783
ومثال زَعَمَ: فَإِنْ تَزْعُمِينِي، إذاً: زعم تأتي للرجحان مثل: ظن، ومصدرها الزعم بتثليث الزاي، زعْم زِعْم زُعْم، هكذا في القاموس بتثليث الزاي. ومعناه قال السيرافي: هو قول مقرون باعتقاد صح أم لا. إذاً: هو قول، ثم يكون مصاحباً لاعتقاد، والاعتقاد قسمان: صحيح وفاسد، كلاهما يطلق عليه الزعم، زعم رسولك كذا، هذا حق.
وقال الجرحاني: هو قول مع علم.
وقال ابن الأنباري: إنه يستعمل في القول من غير صحته، وهذا الأكثر والأشهر، إذا كان القول ليس بصحيح أو ضعيف أو يدعى صحته وليس الأمر كذلك يعبر عنه بالزعم، زعم فلان كذا وزعم كذا، ويؤيده أو يقويه قولهم: زَعَمُوا مَطِيَّةٌ الْكذِبِ، أي: هذه اللفظة مركب الكذب.
قال الشاعر:
فَإِنْ تَزْعُمِينِي كُنْتُ أَجْهلُ فِيكُمُ ... فَإِنِّي شَرَيْتُ الْحِلْمَ بَعْدَكِ بِا الْجَهْلِ
فَإِنْ تَزْعُمِينِي: هذا فعل مضارع من زعم، فيه أن هذه الأفعال تعمل سواء كانت بصيغة الماضي أو بصيغة المضارع.
وَلِغَيْرِ الْمَاضِ مِنْ ... سِوَاهُمَا اجْعَلْ كُلَّ مَالَهُ زُكِنْ
إذاً: العمل ليس خاصاً بالماضي، وهذا دليل عليه كما سيأتي.
فَإِنْ تَزْعُمِينِي: أين المفعول الأول؟ الياء تَزْعُمِينِي أنا.
كُنْتُ أَجْهلُ: الجملة في محل نصب مفعول ثاني، وزعم الأكثر فيها أنها تتعدى بـ (أن) مخففة أو مثقلة، قال الشاعر:
وَقَدْ زَعَمْت أَنِّي تَغَيَّرْتُ بَعْدَهَا ... وَمَنْ ذَا الَّذِي يَاعَزَّ لا يَتَغَيَّرُ
وَقَدْ زَعَمْت أَنِّي: (أنَّ) هنا واجبة الفتح أم جائز؟ واجب، لماذا؟
لأنها سدت مسد مفعولي زعم. ((زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا)) [التغابن:٧] (أن) هذه مخففة من الثقيلة؛ لأنه باطراد أن (زعم) يليها (أن) مثقلة أو مخففة، هذا هو الكثير، وقليل أن يليها المفرد مثل ما ذكره زَعَمَتْنِى شَيْخاً، زَعَمَتْنِى الياء هذا مفعول أول، وشَيْخاً: مفعول ثاني.
زَعَمَتْني شَيْخاً وَلَسْتُ بِشَيْخٍ ... إِنَّمَا الشَّيْخُ مَنْ يَدبُّ دَبِيْبا
والمثال الذي ذكره هنا: فَإِنْ تَزْعُمِينِي كُنْتُ أَجْهلُ؛ جاء الأول بدون (أن).
إذاً: الأكثر في (زعم) أن تتعدى إلى مفعوليها بواسطة (أنًَّ) المؤكدة سواء كانت مخففة من الثقيلة أم كانت مشددة كما ذكرنا، وقليل جداً أن يأتي الاسم المفرد بعدها.
عَدْ: مَعَ عَدْ كما قال الناظم. عَدْ بمعنى: ظن.
فَلاَ تَعْدُدِ الْمَوْلَى شَرِيكَكَ فِي الْغِنَى ... وَلكِنَّمَا الْمَوْلَى شَرِيكُكَ فِي الْعُدْمِ
فَلاَ تَعْدُدِ: تعدد هذا فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، تَعْدُدِ حرك للتخلص من التقاء الساكنين، والفاعل: أنت، والْمَوْلَى المراد به الصديق، لا تعدد الصديق شريكك في الغنى، ولكن الذي يكون شريكك في العدم هو الصديق.
شَرِيكَكَ نقول: هذا مفعول ثاني.
إذاً: تَعْدُدِ هذا جاء به فعلاً مضارعاً، مع أنه نص على الفعل الماضي، مَعْ عَدْ، عَدْ هنا قال: فَلاَ تَعْدُدِ وحينئذٍ يعمل مضارعاً كما يعمل ماضياً، وهنا بمعنى ظن، فَلاَ تَعْدُدِ يعني: لا تظن، والْمَوْلَى: مفعول أول، وشَرِيكَكَ: مفعول ثاني.
"حَجَا" أيضاً بمعنى ظن.
стр. 784
قَدْ كُنْتُ أَحْجُو أَبَا عَمْرٍو أَخَا ثِقَةٍ ... حَتَّى أَلَمَّتْ بِنَا يَوْماً مُلِمَّاتُ
قَدْ كُنْتُ أَحْجُو: هذا فعل مضارع، إذاً عمل وهو فعل مضارع.
أَحْجُو يعني: أظن، والفاعل أنا ضمير مستتر وجوباً.
أَبَا عَمْرٍو: هذا مفعول أول.
أَخَا ثِقَةٍ: بالإضافة، أو بالتنوين: أخاً ثقة، يجوز هذا وذاك.
فإن كانت بمعنى غلب في المحاجَّة أو قصد أو ردَّ، تعدت إلى واحد، إذاً: قد تخرج عن معنى الظن فتكون بمعنى المغالبة، أو قصد أو بمعنى ردَّ حينئذٍ تتعدى إلى واحد، وإن كانت بمعنى أقام أو بخل فهي لازمة، ولذلك قال قائلهم:
حَجَونْا بني النّعْمانِ إذْ عَضَّ مُلكُهم ... وقَبْلَ بني النّعْمانِ حارَبَنا عَمرُو
حَجَونْا بمعنى: قصدنا، حَجَونْا بني النّعْمانِ ليست بمعنى ظن هنا، ليست بمعنى الظن، وحينئذٍ بمعنى القصد.
وجَعَلْ، قال الناظم:
وَجَعَلَ اللَّذْ كَاْعْتَقَدْ
إذاً: جَعَلَ الاعتقادية التي تدل على الاعتقاد.
قوله تعالى: ((وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا)) [الزخرف:١٩] جعلوا الملائكة إناثاً، جَعَلُوا: فعل وفاعل، والْمَلائِكَةَ: مفعول أول، وإِنَاثًا: هذا مفعول ثاني؛ وقيد المصنف (جَعَلَ) بكونها بمعنى اعتقد احترازاً من (جعل) التي بمعنى صير؛ فإنها من أفعال التحويل لا من أفعال القلوب.
وجعل إن كانت بمعنى أوجد، أو وجب تعدت إلى واحد، نحو: وجعل ((وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)) [الأنعام:١] بمعنى: أوجد، وفسرها بعضهم بمعنى خلق، وليست مطردة كما يستدل المعتزلة.
وتقول: جعلت للعامل كذا، يعني: أوجبت، وتأتي بمعنى أنشأ من أفعال الشروع.
إذاً: تأتي بمعنى اعتقد، وتأتي بمعنى أوجد ووجب، وتأتي بمعنى الشروع.
هَبْ: هذا فعل أمر ملازم لصيغة الأمر، كما سيأتي.
هَبْ بمعنى: ظُنَّ كذا، هب كذا، هب أن الأمر كذا.
فَقُلْتُ أَجِرْنِي أَبَا مَالِكِ ... وَإِلاَّ فَهَبْنِي امْرَأً هَالِكاً
أَجِرْنِي أَبَا مَالِكِ، وفي الأشموني: أبا خالد.
وَإِلاَّ فَهَبْنِي، هبني هذا ما إعرابه؟؟؟؟ هب والفاعل ضمير مستتر، نِي: النون هذه نون الوقاية، والياء: مفعول أول، امْرَأً؟؟؟ هَالِكاً: صفة.
وهنا هَبْ هذا نصب مفعولين صريحين، وقد يدخل على (أن) المؤكدة، - هَبْ أَنَّ أَبَانَا كَانَ حِمَارَاً، هذه مسألة فرضية، حمارية تسمى، عمرية- هَبْ أَنَّ أَبَانَا، أن: دخلت على؟؟؟ فسدت مسد مفعولين. وهَبْ بهذا المعنى فعل جامد يعني: بمعنى ظُنَّ، فعل جامد لا يتصرف، لا يجيء منه ماض ولا مضارع، بل هو ملازم لصيغة الأمر، فإن كان من الهبة وهي التفضل بما ينفع الموهوب له كان متصرفاً تام التصرف.
стр. 785
إذاً: هَبْ التي لا تتصرف وهي ملازمة لفعل الأمر، هب التي بمعنى ظُنَّ وهي من أفعال القلوب، وأما الهبة نقول: هب زيداً مالاً، ((وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ)) [الأنعام:٨٤] تعدت إلى واحد ((وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ))، ((يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا)) [الشورى:٤٩] يَهَبْ: هذا فعل مضارع، كيف نقول: لا تتصرف؟ نقول: هذه يهب من الهبة وليس من الظن. ((هَبْ لِي حُكْمًا)) إذاً: هب نقول: تأتي بمعنى ظَن وحينئذٍ يفسر بـ (ظُنَّ) ليس ظَنَّ، هب؛ لأنه ملازم لفعل الأمر حينئذٍ تقول: ظُن. ونبه المصنف بقوله: أَعْنِى رَأَى؛ على أن أفعال القلوب منها ما ينصب مفعولين وهو رأى، وما بعده مما ذكره المصنف في هذا الباب، ومنها ما ليس كذلك وهو قسمان: لازم ومتعد إلى واحد، وفصلناه فيما سبق أشهر المعاني التي وردت فيها، هذا هو النوع الأول من أنواع أفعال القلوب، أو من نوعي (ظن وأخواتها)، وحينئذٍ أفعال القلوب وأفعال التصيير، وأفعال القلوب قسمان: منها ما يدل على اليقين، ومنها ما يدل على الرجحان، هذا من جهة العموم وإلا عند التفصيل فهي أربعة:
النوع الأول: ما يفيد في الخبر يقيناً، -يعني أفعال اليقين ولا يحتمل غيره- ما يفيد في الخبر يقيناً وهو ثلاثة: وجد وتعلم ودرى.
ثانياً: ما يفيد فيه رجحاناً وهو خمسة: جعل وحجا وعد وزعم وهب.
ثالثاً: ما يرد للأمرين: اليقين والرجحان، والغالب كونه لليقين، يرد للأمرين والغالب فيه أنه لليقين وهو اثنان: رأى وعلم.
رابعاً: ما يرد لهما، والغالب كونه للرجحان وهو ثلاثة: ظن وخال وحسب.
وأما أفعال التحويل والتي عناها المصنف بقوله:
وَالَّتِي كَصَيَّرا
يعني: مثل صَيَّرا، مثل صار، صار تدل على تحويل الشيء من حال إلى حال، إما تحويل ذاتي وإما تحويل صفة، التحويل من شيء إلى شيء إما أن يكون تحويل من ذات إلى ذات، تقول: صيرت الخشب باباً، تحويل من ذات إلى ذات، صار زيد عالماً وصيرت الجاهل عالماً؛ تحويل صفة، إذاً: يعم الأمرين.
وَالَّتِي كَصَيَّرا: المراد بها أفعال التصيير، هذه تتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، حينئذٍ إذا قيل: أفعال التصيير هل تدخل تحت باب (ظن وأخواتها) نقول: هذا شأنه كشأن أفعال المقاربة، إذا قيل: إنه من تسمية الكل باسم البعض، وهنا كذلك لأنها ليست أفعال قلوب.
وعدها بعضهم سبعة وإن تركها الناظم إحالة على الموقِف لقلتها، ليست كالنوع الأول.
صَيَّرا: صيرت الطين خزفاً، الطين خزفٌ، هكذا؟ مبتدأ وخبر، هذا باعتبار ما يؤول إليه، وحينئذٍ لا بد من التأويل، وإلا بعض التراكيب قد نقول: ليس مبتدأ ولا خبر، لكن لا بد من التأويل من أجل طرد الباب لنجعل هذه الأفعال خاصة بالمبتدأ والخبر وإلا لو وقفنا مع كل لفظ وجلسنا نفحص فيه هل هو مبتدأ أو خبر قد نتعب، وحينئذٍ لا بد من التأويل وطرد الباب.
صيرت الطين خزفاً، صيرت: فعل وفاعل، والطين: هذا مفعول به أول، وخزفاً: هذا مفعول ثان.
فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأكُولْ
فَصُيِّرُوا: الواو هذه نائب فاعل، وصُيِّرُوا: هو صيرا لكنه مغير الصيغة.
стр. 786
مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأكُولْ: مِثْلَ: هذا مفعول ثاني، أي: حولوا من حالة إلى حالة، فنصبت مفعولين: الأول الواو وهو نائب الفاعل، والثاني: مثل.
وجَعَلْ، نحو قوله تعالى: ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)) [الفرقان:٢٣] فَجَعَلْنَاهُ: هذا المفعول الأول وهَبَاءً: مفعول ثاني، ومَنْثُورًا: صفة الهباء.
وهبَ هذا ملازم للمضي وهبَ، (وَهَبَنِى اللهُ فِدَاكَ)، يعني: صيرني.
وتَخِذَ: لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً.
(تَخِذْتُ غُرَازَ إثْرَهُمُ دَليِلاً)
لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً، المفعول الأول أجراً، المفعول الثاني:؟؟؟
تقديم وتأخير، قد يتقدم الثاني ويتأخر الأول؛ لأن أجراً عليه هذا لا يصح أن يكون مبتدأ وخبر؛ لأن هذه الجملة أصلها مبتدأ وخبر، وإذا كانت مبتدأ وخبر حينئذٍ أجراً هذا نكرة، ولا يجوز الابتداء به، والذي: خبر عليه.
إذاً: عَلَيْهِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر قبل دخول تخذ، ثم هو مفعول ثاني، لكن نقدره با استقر أو كائناً؟ الظاهر الثاني: كائناً وهو أنسب.
واتَّخَذَ بالتشديد، ((وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)) [النساء:١٢٥] هذا فيها معنى التصيير، صيره الله تعالى خليلاً، اتَّخَذَ اللَّهُ: فاعل، إِبْرَاهِيمَ: مفعول أول، خَلِيلًا: مفعول ثاني.
وتَرَكَ: ((وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ)) [الكهف:٩٩] تَرَكْنَا: فعل وفاعل. بَعْضَهُمْ: مفعول أول، يَوْمَئِذٍ: مفعول ثاني، أو في بعض، يموج: الجملة في محل نصب مفعول ثاني (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ).
وَرَبَّيْتُهُ حَتَّى إِذَا مَا تَرَكْتُهُ ... أخَا الْقَوْمِ وَاسْتَغْنَى عَنِ الْمَسْحِ شَارِبُهْ
تَرَكْتُهُ أخَا الْقَوْمِ، تَرَكْتُهُ: فعل وفاعل، والهاء: ضمير في محل نصب مفعول أول، وأخَا الْقَوْمِ: مفعول ثاني.
رَدَّ -وهو آخرها- ((لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا)) [البقرة:١٠٩] يعني: يصيرونكم. ((لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا)) أين مفعول الأول؟ الكاف، والمفعول الثاني: كُفَّارًا.
فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضاً ... ورَدَّ وجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودَا
فَرَدَّ: صير، شُعُورَهُنَّ: هذا مفعول أول، السُّودَ: صفة هذا، وبِيضاً: هذا المفعول الثاني.
ورَدَّ وجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودَا: القول فيه كسابقه.
إذاً: قول الناظم هنا:
انْصِبْ بِفِعْلِ الْقَلْبِ جُزْأَيِ ابْتِداَ
انصب وجوباً وجوازاً بفعل القلب، وليس مطلقاً كل فعل قلب ينصب به مفعولين، لا لأن بعضها لازم لا يتعدى، وبعضها يتعدى إلى مفعول واحد والمراد هنا: ألفاظ بأعيانها تحفظ ولا يقاس عليها غيرها، بل هي موقوفة على السماع وعد منها ثلاثة عشر فعلاً كلها.
ثم قال:
وَالَّتِي كَصَيَّرا
هذا النوع الثاني.
أيْضاً بِهَا انْصِبْ مُبْتَداً وَخَبَرَا
стр. 787
من أحكام هذه الأفعال -أفعال القلوب -قلنا ثلاثة: الإعمال، والتعليق، والإلغاء. والمراد بالتعليق: إبطال العمل لفظاً لا محلاً، قلنا: هي تنصب، والأصل في الإعمال أن يكون ملفوظاً به، التعليق: إبطال عملها، لكن لا مطلقاً، وإنما إبطال عملها في اللفظ فحسب، وأما في المحل فهي عاملة فيها؛ لأن الشيء قد يكون في اللفظ له اعتبار وفي المحل له اعتبار آخر كما ذكرناه في باب (لا) النافية للجنس، لا رجل باعتبار اللفظ مبني وباعتبار المحل منصوب، وحينئذٍ هنا التعليق نقول: إبطال العمل لفظاً لا محلاً وحينئذٍ في المحل لها تأثير، وفي اللفظ ليس لها تأثير، وأما الإلغاء فهو كاسمه: إبطال العمل مطلقاً لا لفظاً ولا محلاً، كأن العامل غير موجود، كأنه لم يدخل على الجملة أصلاً.
مثال التعليق كأن تقول: ظننت لزيد قائم، ظننت: فعل وفاعل، و (ظن) الأصل أنها تعمل، تدخل على المبتدأ والخبر فتنصبه على أنه مفعول أول ومفعول ثاني، الأصل: ظننتُ زيداً قائماً، علق الفعل بمعنى: أنه أبطل عمله في اللفظ بإدخال نوع من المعلقات، فقيل: ظننتُ لزيد قائم، لزيد اللام هذه لام الابتداء دخلت بعد الفعل، دخلت على المبتدأ، وهي لها صدارة الكلام، فيمتنع أن يكون ما قبلها معمول لما بعدها والعكس، فحينئذٍ أبطل فعل ظن في لفظ زيد وقائم، فرجع على أصله: ظننت لزيد قائم، زيد كان منصوباً، لماذا رفع؟ وقائماً كان منصوباً لماذا رفع؟ نقول: أبطل يعني: أحيل بين العامل من أن يؤثر في اللفظ، فرجع إلى أصله فقيل: لزيد قائم، زيد: مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، وقائم: خبر المبتدأ مرفوع به.
وما تأثير العامل؟ وُجِّه العامل من التأثير في اللفظ إلى التأثير في المحل، ولذلك نقول: الجملة من المبتدأ والخبر سدت مسد مفعولي ظن، إذاً: اعتبر أو لا؟ اعتبر، يظهر هذا الأثر لو قلت: ظننت لزيد قائم وعمْراً منطلقاً، من أين جاء النصب؟ باعتبار المحل، هذا يسمى تعليقاً، ظننت لزيد قائم وعمْراً منطلقاً، نقول: باعتبار اللفظ هو معلق، وباعتبار المحل هو؟؟؟ ولذلك سمي تعليقاً، لماذا؟ قال: لأنه عامل لا عامل، قالوا: كالمرأة المعلقة لا مزوجة ولا مطلقة، هذا مثلها، تشبيه هم نصوا على هذا، المرأة المعلقة لا مزوجة ولا مطلقة، قالوا: هذا لا عامل ولا ليس بعامل؛ لأن له جهتين، هذا معنى التعليق.
وأما الإلغاء فالمراد به: أن يبطل عملها أصالة، يعني: لا ترفع، لا تنصب لا في اللفظ ولا في المحل، وهذا له حالان فقط: وهما إذا توسط الفعل أو تأخر، لأن الأحوال ثلاثة: ظننت زيداً قائماً، زيداً ظننت قائماً، زيداً قائماً ظننت، هذه ثلاث صور.
الأول:- الإعمال- هذا واجب، ظننت زيداً قائماً، وزيداً ظننت قائماً يجوز الوجهان والإعمال أرجح، زيداً قائماً ظننت؛ يجوز الإعمال والإهمال أرجح.
إذاً: إذا قيل: زيد ظننت قائم على الإهمال حينئذٍ زيد: مبتدأ، وقائم: خبر، وظننت: الجملة فعل وفاعل لا محل لها من الإعراب، معترضة، هل لها تأثير في المحل في اللفظ؟ لا، ليس لها شيء, وجودها وعدمها سواء، حينئذٍ هذا يسمى إلغاءً، إبطال العمل في اللفظ والمحل.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 788
عناصر الدرس
* أقسام (ظن وأخواتها) من حيث الإلغاء والتعليق وتصرفها
* أحكام الإلغاء والتعليق ومسائلها
* بعص الأفعال المستخدمة في غير المعاني المتقدة
* مفعولي (ظن) وأحكامهما من حيث الحذف والأمتناع
* يستعمل القول بمعنى الظن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
ما زال الحديث في باب (ظنَّ) وأخواتها، حيث قسَّم الناظم رحمه الله تعالى هذا الباب إلى قسمين: أفعال قلوب، وأفعال تحويل.
أفعال القلوب: قلنا: سميت أفعال قلوب؛ لأن معانيها تقوم بالقلب، وأما أفعال التحويل فالمراد بها التصيير، تصيير الشيء وتحويله من صفة إلى صفة، أو من ذات إلى ذات أخرى، كلاهما داخل في معنى التفصيل، وعَدَّ ثلاثة عشر فعلاً من أفعال القلوب، ثم أحال أو أجمل في أفعال التصيير، وهذه أفعال القلوب قلنا: تنقسم في الجملة إلى قسمين ما يدل على اليقين وما يدل على الرجحان، ثم ذكرنا أنها من جهة التفصيل تنقسم إلى أربعة أقسام: منها ما يفيد في الخبر يقيناً، وهو ثلاثة: وجد وتعلم ودرى، ومنها ما يفيد فيه رجحاناً وهو خمسة: جعل وحجى وعد وزعم وهب.
ثالثاً: ما يرد للأمرين يعني اليقين والرجحان تأتي لهذا وذاك، والغالب كونه لليقين وهما اثنان: رأى وعلم، بل هما أم الباب.
رابعاً: ما يرد لهما -اليقين الرجحان- والغالب كونه للرجحان وهو ثلاثة: (ظنَّ) وخال وحسب.
هذه الأفعال كلها تدخل على الجملة الاسمية -المبتدأ والخبر-، قلنا: كل ما دخل عليه (كان) جاز دخول (ظنَّ) عليه، والعكس بالعكس إلا في الاستفهام، يعني: كل ما ما امتنع دخول كان عليه يمتنع دخول (ظنَّ) وأخواتها عليه إلا الاستفهام، لماذا؟ لأن الاستفهام له حق الصدارة، حينئذٍ إذا دخلت عليه (ظنَّ) ونصبته على أنه مفعول أول تقدم ولا إشكال فيه؛ لأنه لا يلتبس في المبتدأ لأنه منصوب، وأما كان لو دخلت على الاستفهام -اسم الاستفهام- حينئذٍ لو تقدم لالتبس بالجملة الاسمية، كونه مبتدأ أو اسم كان، ثم اسم كان أصلاً لا يتقدم عليه، لا يجوز أن يتقدم عليه، وأما كونه خبراً في الموضعين، فهذا جائز كما ذكرناه سابقاً.
بقي أن نقول: تسد عن المفعولين في هذا الباب (أنّ) المشددة، وسبق التنبيه عليه عند ذكر الموصولات الحرفية: (أنّ) وما دخلت عليه تقع في موقع المفعولين: ظننت أن زيداً قائمٌ، حينئذٍ ظننت أن زيداً قائمٌ، نقول: ظننت فعل وفاعل، (أنّ) تعربها تفصيلاً، ثم تقول: (أنّ) وما دخلت عليه -معموليها-: سدت مسد مفعولي ظن، لماذا؟ لأن (أنّ) هذه إنما هي في قوة المفرد؛ لأنها مصدر، إذا كان كذلك حينئذٍ كيف تقوم مقام المبتدأ والخبر؟ إنما نقول: هي سدت مسد معمولي ظن.
стр. 789
وإن كانت بتقدير اسم مفرد، -اسم مفرد للطول-، ولجيران الخبر والمخبر عنه بالذكر في الصلة، يعني: الذي جعل وسوغ أن تقوم (أنْ) وتسد مسد مفعولي (ظنَّ) هو وجود اسمها وخبرها: أن زيداً قائماً، ظننت زيداً قائماً، كأنه موجود، الخبر والمخبر عنه يعني: في باب (أنّ) من جهة المعنى هذا موجود في: ظننت زيداً قائماً، والذي سوغ أن تقوم (أنّ) وتسد مسد المفعولين ذكر المخبر والمخبر عنه في معموليها في الصلة نفسها، ما الفرق بين ظننت زيداً قائماً، وظننت أن زيداً قائماً، زيد موجود في الذكر، وكذلك قائمٌ موجود في الذكر، هذا الذي سوغ مجيء (أنّ) وسدها مسد مفعولي ظن، ثم لا حذف فيه عند سيبويه، ظننت أن زيداً قائماً ليس فيه حذف، وهذا الذي عليه الجمهور، وذهب الأخفش والمبرِّد إلى أن الخبر محذوف، يعني: في قولنا: ظننت أن زيداً قائمٌ، عند الأخفش والمبرِّد ثم محذوف، ظننت أن زيداً قائمٌ ثابتٌ أو مستقر، هذا فيه تكلُّف، لماذا؟ لأننا لا نحتاج إلى هذا التركيب، المعنى حاصل، والإفادة تامة بوجود أنَّ زيداً قائمٌ، وإذا حصلت حينئذٍ لا نحتاج إلى التقدير، ولا ندعي أن ثم محذوفاً حذف ثم بعد ذلك أقيمت (أنّ) مقامه، وكذا يسد عنها (أنْ) وصلتها نحو: ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا)) [العنكبوت:٢]، حسب قلنا: هذه تتعدى إلى مفعولين: ((أَحَسِبَ النَّاسُ)) هذا فاعلها، ((أَنْ يُتْرَكُوا))؛ أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، فنقول: سدت مسد معمولي حسب، إذاً: يقوم مقام المفعولين (أنّ) المشددة ومعمولها، وكذلك (أنْ) المصدرية والفعل المضارع، وقلنا فيما سبق أن هذه تعتبر من الموصولات الحرفية، فقط هذان النوعان، وما عداهما لا، والذي سوغ سد (أنّ) المثقلة و (أنْ) وجود المخبر عنه في نفس الصلة، هذا الذي سوغ ذلك، فـ ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا))، لتضمن مسند أو مسند إليه مصرح بهما في الصلة: ((أَنْ يُتْرَكُوا)) فيه مسند ومسند إليه، إذاً: هو في قوة المفعول الأول والمفعول الثاني لحسب، حكم هذين المفعولين بالتقديم والتأخير كما لو كانا قبل دخول هذه الأفعال، بمعنى أن الحكم للأصل مبتدأ وخبر، كل ما جاز هناك جاز هنا، وكل ما امتنع هناك امتنع هنا، حينئذٍ تقول: ظننت في الدار صاحبها، أين المفعول الأول؟ صاحبها، المفعول الثاني؟ في الدار، ما حكم تقدم المفعول الثاني على المفعول الأول؟ واجب، الأحكام نفسها، كل ما كان هناك جائز فهو جائز هنا، إذاً: حكم هذين المفعولين بالتقديم والتأخير كما لو كانا قبل دخول هذه الأفعال، والأصل تقديم المفعول الأول وتأخير الثاني، ويجوز عكسه، وقد يجب الأصل، نحو ظننت زيداً صديقك هذا واجب على رأي ابن مالك:
فَامْنَعْهُ حِيْنَ يَسْتَوِى الْجُزْءَانِ ... عُرْفَاً .. الشاهد هنا عُرْفَاً، إذا استويا معرفة امتنع تقديم الثاني على الأول، ظننت زيداً صديقك كل منهما معرفة، لو قلت: زيدٌ صديقك امتنع تقديم الثاني على الأول -التزم الأول يكون مقدم والثاني متأخر-، وقد يجب خلافه في نحو: ما ظننت زيداً إلا بخيلاً، أين الأول؟ فكُّ الجملة: ما زيدٌ إلا بخيلٌ أين الخبر؟
стр. 790
بخيل، واجب التأخير؟ واجب التأخير، إذاً: الأول زيداً والثاني بخيلاً، ما ظننت زيداً إلا بخيلاً، ثم قال ﵀:
وَخُصَّ بِالتَّعْلِيقِ وَالإِلْغَاءِ مَا ... مِنْ قَبْلِ هَبْ وَالأَمْرَ هَبْ قَدْ أُلْزِمَا
كَذَا تَعَلَّمْ وَلِغَيْرِ الْمَاضِ مِنْ ... سِوَاهُمَا اجْعَلْ كُلَّ مَالَهُ زُكِنْ
هذه الأفعال -أفعال القلوب- قلنا: تعتريها ثلاثة أحكام: الأول: الإعمال وهذا هو الأصل فيها، ظننت زيداً قائماً واجب الإعمال خلافاً للكوفيين.
الثاني: التعليق، وهو إبطال أو ترك العمل لفظاً لا محلاً، بمعنى أن هذه الأفعال تسلط على المحل دون اللفظ، فيترك العمل لفظاً وهو النصب، ثم يسلط العامل على المحل، وهذا له نظائر كثيرة في لسان العرب؛ أن يكون العامل مسلطاً على المحل دون اللفظ، وهذا في إضافة المصدر كثير، المصدر قد يضاف إلى الفاعل وقد يضاف إلى المفعول، وكلاهما إذا أضيف إلى الفاعل حينئذٍ يكون في المحل فاعلاً والمفعول يكون مفعولاً، مثل ماذا؟
ظننت لزيدٌ قائمٌ، هذا يسمى تعليق، ونحن نُعرِّف التعليق.
إذاً: ظننتُ لزيدٌ قائمٌ، زيدٌ قائمٌ الأصل فيه النصب، ظننت زيداً قائماً، زيداً مفعول أول، وقائم مفعول ثاني، قد يُترك تسلط على العامل (ظنَّ) على اللفظ ثم يتوجه إلى المحل، وذلك إذا وجد أو أحال بينهما -بين العامل والمعمول- ما له صدارة الكلام، منها لام الابتداء، فإذا قلت: ظننت لزيدٌ قائمٌ، زيدٌ رُفع بعد أن كان منصوباً، وقائمٌ رُفع بعد أن كان منصوباً، رفع زيد على أنه مبتدأ، وقائمٌ على أنه خبر، إذاً: رجعت الجملة إلى أصلها، لكن باعتبار اللفظ لا باعتبار المحل؛ لأن اللام هذه لام الابتداء ولها حق الصدارة، وحينئذٍ توسطت بين العامل والمعمول، فعلق الفعل، بمعنى أنه لم يستطع أن يصل إلى اللفظ؛ لأن لام الابتداء لا يعمل ما قبلها فيما بعدها، فلما مُنِع الفعل من أن ينصب (زيد) لفظاً و (قائماً) لفظاً حينئذٍ لابد له من محل يظهر له أثره، فوُجِّه إلى المحل، فتقول: ظننتُ لزيدٌ، ظننتُ: فعل وفاعل، اللام لام الابتداء، زيدٌ قائمٌ مبتدأ وخبر في محل نصب مفعولي ظن، وهذا المراد بأنها في اللفظ جملة اسمية، وفي المحل مفعولا ظن، هذا التعليق، وأما الإلغاء فهو إبطال العمل لفظاً ومحلاً، مطلقاً يلغى العامل كأنه غير موجود، كأنه لم يدخل، زيدٌ قائمٌ، ظننتُ زيداً قائماً، إذا توسط أو تأخر جاز الإلغاء، زيداً ظننتُ قائماً بالنصب، زيدٌ ظننتُ قائمٌ بالرفع، جاز الوجهان، إذا نصبت على الإعمال هذا هو الأصل، وإذا رفعت وهو الشاهد، إبطال عمل (ظنَّ) في اللفظ والمحل، تقول: زيدٌ مبتدأ قائمٌ خبره، وظننتُ فعل وفاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب معترضة بين المبتدأ والخبر، حينئذٍ أين عمل ظن؟ ليس لها عمل لا في اللفظ ولا في المحل، وهذا له ضابط سيأتي.
وَخُصّ بِالتَّعْلِيقِ والإلْغَاءِ: إذاً: هذان حكمان، التعليق وعرفنا أنه ترك العمل في اللفظ لا في المحل، أو إلغاء وإبطال عملها في اللفظ لا في المحل، وأما الإلغاء فهو ترك العمل لفظاً ومحلاً.
стр. 791
مَا مِنْ قَبْلِ هَبْ: وَخُصّ، هذا أمر أو ماضٍ؟ يحتمل هذا ويحتمل ذاك، يحتمل أنه أمر، حينئذٍ: مَا مِنْ قَبْلِ هَبْ، ما: اسم موصول بمعنى الذي في محل نصب مفعول به، ويحتمل أن: وَخُصّ، فعل ماضي مغير الصيغة، و (ما) حينئذٍ تكون نائب فاعل، والأظهر أنه فعل أمر، المناسب لقوله: وَالَّتِي كَصَيَّرَا ... انْصِبْ، أن يكون خص فعل أمر، وباعتبار ما بعده:
والأَمْرَ هَبْ قَدْ أُلْزِمَا ... ... كَذَا تَعَلَّمْ ......
ثم قال: اجْعَلْ.
والأَمْرَ هَبْ قَدْ أُلْزِمَا: أن يكون خُصّ ماضياً مبني للمجهول، يعني: مثلما سبق، باعتبار السابق وباعتبار اللاحق، ما سبق ما هو؟ انْصِبْ، ثم قال هنا: أُلْزِمَا، وقع بين نوعين، أحدهما فعل أمر والثاني مغير الصغية، لكن الأكثر في هذا المقام أنه يأتي بفعل الأمر؛ لأنه قال: وَلِغَيْرِ الْمَاضِ مِنْ ... سِوَاهُمَا اجْعَلْ ... وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ .. وَالْتَزِمِ التَّعْلِيقَ .. كلها أفعال أمر، فدل على أن المراد به الأمر، والأمر سهل.
وَخُصَّ بِالتَّعْلِيقِ وَالإِلْغَاءِ مَا ... مِنْ قَبْلِ هَبْ .....
كل ما ذكره في الأبيات الثلاثة الأول قبل هب، حينئذٍ يكون محلاً لهذين الحكمين، يعني: يجوز فيهما الإلغاء ويجوز فيهما التعليق، حينئذٍ ليس كل أفعال القلوب التي تنصب مفعولين يجوز فيها الإلغاء والتعليق، بل فيه تفصيل، ما كان من قبل هب الذي ذكره فيما سبق يجوز فيه الإلغاء والتعليق، وأما هب وتعلم فلا يجوز فيهما لا إلغاء ولا تعليق.
وَخُصّ بِالتَّعْلِيقِ والإلْغَاءِ مَا ... مِنْ قَبْلِ هَبْ: من أفعال القلوب وهو أحد عشر فعلاً ذكرها قبل هَبْ، ولماذا التفصيل هذا، لماذا فصلنا بين أفعال القلوب، بعضها يعلق ويلغى وبعضها الآخر لا يعلق ولا يلغى؟ وذلك لأن هذه الأفعال لا تؤثر فيما دخلت عليه تأثير الفعل في المفعول، وإن كانت أفعال تنصب إلا أنها ليست كضربت وقتلت ومشيت، تلك لها تأثير في الذوات، وأما هذه لا، التأثير يختلف، تأثيرها في مفاعليها ليس كتأثير الأفعال الحقيقة في مفاعيلها، فثم فرق بين النوعين، وإن قيل: بأن هذا الباب أعمل حملاً على باب أعطيت، إلا أن ثم فرقاً من حيث تعلق المفعول بعامله، ثم فرق بين التعلُّقين؛ لأن هذه الأفعال لا تؤثر فيما دخلت عليه تأثير الفعل في المفعول؛ لأن متعلقها في الحقيقة ليس هو الأشخاص، وإنما متعلقها الأحداث التي تدل عليها أسامي الفاعلين والمفعولين، حينئذٍ صارت ضعيفة، تقول: ضربت زيداً، زيداً هذا مفعول به، تعلق الضرب بشخص –بذات-، وأما ظننت زيداً قائماً تعلق هنا ظننت بقيام زيد ليس بزيد نفسه، إذاً علاقة ضربت زيداً ليست كعلاقة ظننت زيداً قائماً، لماذا؟ لأن ضربت زيداً تعلق الضرب بذات بشخص فهو أقوى في العمل، وأما ظننت زيداً قائماً، فهنا تعلق بصفات الذوات لا بالأشخاص والذوات أنفسهم، وهذا تأثير يختلف بين النوعين.
стр. 792
بخلاف أفعال التصيير، فإنها متناولةٌ للذات فهي قوية في العمل. أفعال التصيير في هذا الباب أقوى من أفعال القلوب: صيرت الطين خزفاً، تعلق بالذات، مثل: ضربتُ زيداً، وأما الظن والاعتقاد والرجحان هذه متعلقة بالصفات لا تتعلق بالذوات، وإنما لم يدخل التعليق والإلغاء هب وتعلم وإن كانا قلبيين؛ لضعف شبهها بأفعال القلوب من حيث لزوم صيغة الأمر كما أشار إلى ذلك الناظم.
إذاً: لكون هذه الصيغة (هب تعلم) التُزِمت في هذين الفعلين ضعف؛ لأن الجامد أضعف من المتصرف، حينئذٍ لما كان هذان الفعلان جامدين لازمين لصيغة الأمر فحسب، لا يأتي منهما الماضي ولا المضارع، حينئذٍ لم يدخل فيهما التعليق ولا الإلغاء.
الحاصل: أن الأفعال التي يدخل فيها التعلق والإلغاء هي أحد عشر فعلاً من غير هب وتعلم، هب وتعلم كلاهما مع المجموع تصير ثلاثة عشر فعلاً، وأما أفعال التصيير فلا يدخلها لا تعليق ولا إلغاء، فهو خاص بما ذكره الناظم ... مِنْ قَبْلِ هَبْ.
وَخُصّ بِالتَّعْلِيقِ والإلْغَاءِ-بالمفهومين السابقين- مَا مِنْ قَبْلِ هَبْ، يعني: ما ذكر من قبل هب، وهو أحد عشر فعلاً، وأما هب وتعلم فلا يشملهما الحكم، كذلك أفعال التصيير ليست داخلة؛ لأنه ذكرها بعد هب وتعلم، فكل ما ذكر: هب وتعلم والتي كصيرا لا يدخلها تعليق ولا إلغاء، وما كان قبل هب حينئذٍ داخل في التعليق والإلغاء.
ثم قال كأنه معللاً لانتفاء دخول هب وتعلم لحيز التعليق والإلغاء، قال:
...... والأَمْرَ هَبْ قَدْ أُلْزِمَا
كَذَا تَعَلَّمْ ............ : إذاً: تعلم هب ألزما صيغة الأمر، فلا يأتي منهما ماضٍ ولا مضارع، هَبْ فهبني.
والأَمْرَ هَبْ قَدْ أُلْزِمَا: هَبْ هذا مبتدأ قَدْ أُلْزِمَا الأمرَ، الألف هذه للإطلاق، والضمير المستتر هذا يعود إلى هب، وهو نائب فاعل، والأمر هذا مفعول ثاني مقدم، قَدْ أُلْزِمَا الأمرَ، هب ألزم الأمر، إذاً: الأمر هذا مفعول ثاني، والمفعول الأول اكتفى على أنه نائب فاعل؛ لأن ألزم هذا مغير الصيغة.
والأَمْرَ بالنصب مفعول ثاني مقدم على عامله وهو أُلْزِمَا، هَبْ: هذا مبتدأ وقَدْ للتحقيق، وأُلْزِمَا: هذا فعل ماضٍ مغير الصيغة، والمفعول الأول هو النائب، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ هَبْ.
كذا تعلم: تعلم كذا أي: مثل هب؛ في كونه ألزم صيغة الأمر فلا يأتي منه ماضٍ ولا مضارع.
كَذَا تَعَلَّمْ، أي: مثل هب في لزوم الأمر، حينئذٍ لا يأتي منهما ماضٍ ولا مضارع، فقصد الناظم رحمه الله تعالى أن هذين فعلين يلزمان صيغة الأمر فلا يستعملان ماضيين ولا مضارعين.
. وَلِغَيْرِ الْمَاضِ مِنْ ... سِوَاهُمَا اجْعَلْ كُلَّ مَالَهُ زُكِنْ
لما ذكر الأفعال عدها بصيغة الماضي، حينئذٍ دفعاً لإيهام أن العمل مخصوص بهذا اللفظ ولا يتعداه إذا كان مضارعاً أو اسم فاعل أو اسم مفعول أو مصدر أو نحو ذلك أزال هذا اللبس كما سبق في باب كان:
وَغَيْرُ مَاضٍ مِثْلَهُ قَدْ عَمِلاَ ... إِنْ كانَ غَيْرُ الْمَاضِ مِنْهُ اسْتُعْمِلاَ
стр. 793
فالحكم ليس خاصاً بصيغة الماضي، بل هو عام، ولذلك قال: وَلِغَيْرِ الْمَاضِ مِنْ سِوَاهُمَا اجْعَلْ، سوى: هب وتعلم؛ لأنهما لا يأتي منهما إلا الأمر، اجعل لغير الماضي من سواهما كُلَّ مَالَهُ–للماضي- زُكِنْ: علم، من التعليق والإلغاء والدخول على الجملة الاسمية، وكون الأصل أن يتقدم مفعول أول ومفعول ثاني واستيفاء الفاعل ونحو ذلك، كل الأحكام السابقة ليست خاصة بالفعل الماضي، بل يكون في الفعل المضارع والأمر إن وجد منه، وكذلك اسم الفاعل اسم المفعول والمصدر.
وَلِغَيْرِ الْمَاضِ مِنْ ... سِوَاهُمَا اجْعَلْ: اجعل لغير الماضي، لغير الماضي هذا مفعول ثاني، يعني: هو متعلق بقوله اجعل، لكنه مفعول ثاني لاجعل.
ومِنْ سِوَاهُمَا -سوى هب وتعلم- هذا يحتمل أنه نعت لغير، ويحتمل أنه حال لبيان الواقع، حال لازمة أتى به لبيان الواقع، أي: اجعل كل الأحكام التي علمت للماضي ثابتة لغير الماضي حالة كونه جائياً من سوى هب وتعلق، حينئذٍ تقول: يظن زيدٌ عمراً قائماً، أنا ظانٌّ زيداً عمراً قائماً، وهَلُمَّ جَرّاً.
وَلِغَيْرِ الْمَاضِ، ما هو غير الماضي؟ هو المضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول والمصدر، ولا يشمل الصفة المشبهة وأفعل التفضيل وفعل التعجب ليست داخلة هذه، أما الصفة المشبهة لأنها لا تصاغ إلا من لازم فلا تنصب، (وَصَوغُهَا مِنْ لاَزِمٍ لِحَاضِرِ)، فلا تنصب، حينئذٍ كيف تتعدى -هي لازمة-؟ حينئذٍ لابد من أن يكون هذا الفعل متعد إلى مفعولين، ينصب مفعولاً أول ومفعول ثاني، وهذه لازمة ليست بمتعدية، وما بعدها الذي هو أفعل التفضيل هذا لا ينصب مفعولاً، بل المشهور أنه لا يرفع فاعلاً ظاهراً إلا في مسألة واحدة، وإنما يرفع ضميراً مستتراً فحسب فلا ينصب، حينئذٍ كيف يكون ناصباً لمفعولين، وكذلك فعل التعجب لا يتعدى إلا إلى واحد، ما أحسن زيداً، إذاً: لِغَيْرِ الْمَاضِي مراده به المضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول والمصدر، وما عداه فلا.
стр. 794
قال الشارح: تقدم أن هذه الأفعال قسمان أفعال قلوب وأفعال تحويل، أفعال القلوب: هذه منقسمة إلى قسمين: متصرفة وغير متصرفة، متصرف: بمعنى أنه يأتي منه ماضٍ وأمر ومضارع، يتصرف فيه، وأما غير المتصرف فهذا الذي يلزم حالة واحدة: ماضي لا يأتي منه مضارع، مثل نِعمْ، نِعْم لا يأتي منه مضارع ولا أمر إلى آخره فهو لازم للماضي، أو مضارع لم يسمع له ماضٍ ولا أمر ولا آخره، مثل: يذر، أو أمر لم يسمع له ماضي ولا مضارع، مثل: هب تعلم، هذه ملازمة، قد يلازم، ليس دائماً يكون ملازماً للماضي، غير متصرف الجامد، قد لا يكون ماضياً فحسب، قد يكون أمراً مثل هب، هذا جامد نقول فيه، ليس الأمر والشأن خاصاً بنعم وبئس وعسى وليس أنها جامدة لا تتصرف؛ لأنها أفعال ماضية، لا، قد يكون فعل مضارع، مثل: يذر، وقد يكون فعل أمر، مثل: هب وتعلم، ومتصرف هذا قد يكون متصرفاً تصرفاً تاماً، بمعنى أنه يؤتى منه بالماضي والمضارع والأمر، واسم الفاعل واسم المفعول، وقد يكون تصرفه ناقصاً فيما إذا سمع له شيئٌ واحد فحسب، قد يكون له مثلاً اسم فاعل، وليس له مضارع، أو يكون له مضارع ولا يصاغ منه اسم الفاعل ولا اسم المفعول، نقول: هذا متصرف، لكن تصرفه ناقص وليس بتام.
فالمتصرفة ما عدى هب وتعلم، كما قال الناظم: والأَمْرَ هَبْ قَدْ أُلْزِمَا ... كَذَا تَعَلَّمْ.
فيستعمل منها المتصرف الماضي: ظننت زيداً قائماً، هذا هو الأصل فيها، وغير الماضي كالمضارع: أظن زيداً قائماً، يعمل عمله، زيداً، هذا مفعول أول لـ (أظن) وقائماً مفعوله الثاني، والأمر كذلك: (ظُنَّ) زيداً قائماً، (ظُنَّ) هذا فاعله ضمير مستتر، استوفى فاعله وزيداً مفعول أول وقائماً مفعول ثاني.
إذاً: نصب كما أن (ظنَّ) الماضي ينصب، و (يظن) كذلك نصب مفعولين كما أن (ظنَّ) الماضي ينصب، واسم الفاعل: أنا ظانٌّ زيداً قائماً، أنا مبتدأ، وظانّ خبر، وفيه ضمير مستتر فاعل، وزيداً مفعول أول لظانّ وهو اسم، وقائماً مفعول ثاني، حينئذٍ تأخذ من هذا أن بعض الأسماء يتعدى إلى مفعولين، اسم الفاعل قد يتعدى إلى مفعولين، قد يظن الظانّ أنه خاص بالفعل أنه يتعدى إلى مفعولين، إذا اشتق من (ظنَّ) اسم فاعل حينئذٍ نقول: يتعدى إلى مفعولين، أنا ظانٌّ زيداً قائماً، دائماً نمثل: أنا ضارب زيداً، مفعول واحد، لأن ضرب يتعدى إلى واحد، فإذا كان الأصل الماضي يتعدى إلى واحد تعدى اسم الفاعل إلى واحد، وإذا كان الأصل يتعدى إلى اثنين حينئذٍ تعدى إلى اثنين، أنا ظانٌّ زيداً قائماً.
стр. 795
إذاً: الاسم قد يتعدى إلى مفعولين، كذلك اسم المفعول: زيدٌ مظنونٌ أبوه قائماً، زيدٌ: مبتدأ، مظنونٌ هذا خبر المبتدأ، مظنون اسم مفعول يرفع نائب فاعل ولا يرفع فاعلاً، أبوه: اكتفى على أنه نائب فاعل، هو المفعول الأول، قائماً: هذا مفعول ثاني، إذاً: المفعول الأول هو مفعول قبل تسلط العامل عليه، فلما تسلط العامل عليه وهو مظنون حينئذٍ اقتضاه وطلبه على أن يكون نائب فاعل فرفعه على النيابة، فلا تقل: أبوه مفعول أول، وإنما تقول: نائب فاعل وهو المفعول الأول؛ لأن الذي يكون محلاً للحركة هو المقدم، وهنا أبوه مرفوع، ولو كان مفعولاً أول –لفظاً- حينئذٍ لوجب أن يكون منصوباً، إذ لو كان مفعولاً أول لفظاً لوجب أن يكون منصوباً؛ لأن المفعول الأول منصوب، لكن لما كان مظنون: يقتضي نائب فاعل حينئذٍ رفعه، فتقول: أبوه نائب فاعل، وهو المفعول الأول، تشير إلى ذلك من جهة المعنى لا من جهة الإعراب، يعني: ليس له محلان باعتبار الإعراب، وإنما باعتبار المعنى، وسبق أن الحل، حل الجملة التركيب بيت أو غيره، قد يكون باعتبار المعنى فنقدر، وقد يكون باعتبار الإعراب، هنا باعتبار المعنى، أما الإعراب لا، أبوه لفظاً ومعنىً نقول الأصل فيه أنه نائب فاعل، هذا الأصل، ولكونه قبل تسلط مظنون عليه مفعولٌ أول، وأن مظنون يقتضي مفعولين، حينئذٍ نقول: هو نائب فاعل، وهو المفعول الأول.
والمصدر كذلك: عجبتُ من ظنك زيداً قائماً، عجبتُ من ظنك، من ظنك، (ظنَّ) هذا جار ومجرور متعلق بعجبت، وظنك: نقول هذا مصدر (ظنَّ) وهو يتعدى مثله، ظنك زيداً قائماً، ظنك الكاف هنا مضاف إليه من إضافة المصدر إلى الفاعل، زيداً قائماً مفعول أول ومفعول ثاني، إذاً: ثبت لها من العمل ما يثبت لظن.
. وَلِغَيْرِ الْمَاضِ مِنْ ... سِوَاهُمَا اجْعَلْ كُلَّ مَالَهُ زُكِنْ
اجْعَلْ كُلَّ مَالَهُ: اجعل كل الأحكام التي له –للماضي-، زكن التي علمت، ما زكن له: يعني: ما علم من الأحكام السابقة من التعليق والإلغاء وكونها تنصب مفعولين مفعول أول وثاني وما اشترط للماضي اجْعَلْهُ لِغَيْرِ الْمَاضِي، مِنْ سِوَاهُمَا: من سوى هب وتعلم، وأما غير المتصرف فهو اثنان: هب وتعلم بمعنى اعلم، كذلك في الإلغاء، يعني: هذه كما أننا أعملناها تبعاً للماضي لغير الماضي كذلك في الإلغاء، تقول: ظننت لزيدٌ قائمٌ ألغي، وتقول: أنا ظانٌّ لزيدٌ قائمٌ، دخلها الإلغاء، فتقول: أنا زيدٌ ظانٌّ قائمٌ بالإلغاء؛ لأنه توسط بين المفعولين، إذاً: إذا توسط أو تأخر أو تسلط ما له حق الصدارة بين العامل والمعمول علق كما هو الشأن في الماضي، وفي الإلغاء كذلك: زيدٌ أظنُ قائمٌ، وزيدٌ قائمٌ أظنُ، وزيدٌ أنا ظانٌ قائمٌ، وفي التعليق: أظنُّ ما زيدٌ قائمٌ وأنا ظانٌّ ما زيدٌ قائمٌ هذه كلها الحكم فيها واحد بين الماضي وغير الماضي.
واختصت القلبية المتصرفة بالتعليق والإلغاء، والتعليق هو ترك العمل لفظاً دون معنى لمانع.
стр. 796
إذاً: لا يدخل التعليق ولا الإلغاء في شيء من أفعال التصيير، قال: اختصت القلبية دون أفعال التصيير، المتصرفة دون الجامدة غير المتصرفة، حينئذٍ لا يدخل التعليق ولا الإلغاء في شيء من أفعال التصيير، ولا في قلبي جامد وهو اثنان: هب وتعلم، وإنهما يلزمان الأمر كما سبق.
ثم عرَّف الإلغاء والتعليق كما ذكرناه، ولكن الإلغاء هذا جائز كما سيأتي: وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ، وأما التعليق فهو واجب، وسمي التعليق تعليقاً كما ذكرناه؛ لأن العامل ملغى ليس بعامل؛ ملغى من حيث اللفظ ليس بعامل، فهو عامل لا عامل، من حيث المعنى عامل، ومن حيث اللفظ ليس بعامل، ولذلك قيل: شُبِّه بالمرأة المعلقة التي لا مزوجة ولا مطلقة.
قال ﵀:
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الاِبْتِدَا ... وَانْوِ ضَمِيرَ الشَّانِ أَوْ لاَمَ ابْتِدَا
فِي مُوهِمٍ إِلْغَاءَ مَا تَقَدَّمَا ... وَالْتَزِمِ التَّعلِيقَ قَبْلَ نَفْيِ مَا
وَإِنْ وَلاَ لاَمُ ابْتِدَاءٍ أَوْ قَسَمْ ... كَذَا وَالاِسْتِفْهَامُ ذَا لَهُ انْحَتَمْ
هذا شروع في بيان حقيقة الإلغاء وحقيقة التعليق؛ لأنه أجمل أولاً، بين لنا الأفعال التي يدخلها تعليق وإلغاء، وعرفنا معنى التعليق ومعنى الإلغاء، متى نقول: هذا ملغى ومتى نقول: هذا معلق؟
قال: وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ: جَوِّزِ، إذاً: هو جائز ليس بواجب، إذاً: ليس كقوله والْتَزِمِ التَّعلِيقَ، فالتعليق واجب، لوجود سببه الموجب، وأما الإلغاء فهو جائز، ففرق بينهما، الإلغاء عند وجود سببه جائز، والتعليق عند وجود سببه الموجب واجب، وأن الملغى لا عمله له البتة، والمعلق عامل في المعنى يعني: في المحل كما سيأتي.
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ إذاً: لا واجب خلافاً للأخفش، حيث أوجب الإلغاء كالتعليق، والصحيح ما عليه الجماهير أنه جائز وليس بواجب.
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ يعني: ترك العمل في اللفظ والمحل معاً، وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ: يعني: جوز ترك العمل لهذه الأفعال أو ما اشتق منها أو ما تصرف منها في اللفظ والمحل معاً لا في الابتداءز
стр. 797
لاَ فِي الابْتِدَا، لاَ هذا معطوف على محذوف، يعني: جوز الإلغاء في حالتي التوسط والتأخر هذا على المشهور؛ لأن الصور ثنتان، لاَ فِي الابْتِدَا، يعني: لا في حال الابتداء، الابتداء بماذا؟ بالفعل نفسه، إذ الصور ثلاثة على أكثر ما ذكره النحاة، إما أن يتقدم وإما أن يتوسط وإما أن يتأخر، ظننت زيداً قائماً، تقدم العامل على المعمولين، توسط: زيداً ظننتُ قائماً الحالة الثانية، الثالثة: زيداً قائماً ظننتُ تأخر على المفعولين، قال: جَوِّزِ الإِلْغَاءَ الذي هو ترك العمل في اللفظ والمحل لاَ فِي الابْتِدَا، يعني: في أي الصور؟ في المتوسط والمتأخر، إذاً: تقول: زيدٌ ظننتُ قائمٌ، وزيدٌ قائمٌ ظننتُ واجب أو جائز؟ جائز، إذاً: يجوز أن تقول: زيداً ظننت قائماً، وزيدٌ ظننت قائمٌ، ويجوز أن تقول: زيداً قائماً ظننت، وزيدٌ قائمٌ ظننتُ هاتان حالتان، ولا يجوز عند جميع البصريين أن تقول: ظننتُ زيدٌ قائمٌ، بل يجب الإعمال، ولذلك قال: لاَ فِي الابْتِدَا، هذه الصورة مستثناة، فيجب الإعمال إذا تقدم العامل على المفعولين، ظننت زيداً قائماً واجب الإعمال خلافاً للكوفيين، وأما زيداً ظننتُ قائماً فيجوز فيه الوجهان، وأيهما أرجح؟ قيل: هما سواء الرفع والنصب، وقيل: الإعمال أرجح، وهو أظهر أن الإعمال أرجح من الإلغاء، لماذا؟ لأنك إذا أعملت ظن، أعملت فعلاً، وإذا ألغيتها أعملت الابتداء وهو عامل معنوي، أنت مخير بين اثنين، إما أن تقدم العامل اللفظي وهو فعل وهو الأصل في العمل، وإما أنك تلغيه، وهذا أمر أنت مخير فيه أن تلغيه وتجعل الجملة ابتدائية: زيدٌ ظننتُ زيدٌ رفع بماذا؟ بالابتداء وهو عامل معنوي وهو ضعيف، حينئذٍ قدمت الضعيف على القوي، وهذا فيه نوع مرجوحية، ولذلك الراجح أن تنصب، فتقول: زيداً ظننتُ قائماً، هذا أرجح من قولك: زيدٌ ظننتُ قائمٌ، لماذا؟ لأنك إذا نصبت أعملت الفعل، وهو الأصل في العمل، وإذا رفعت أعملت الابتداء وهو أمر معنوي، ولا شك أن العامل اللفظي أقوى من العامل المعنوي.
وأما إذا تأخرَت: زيداً قائماً ظننتُ، وزيدٌ قائمٌ ظننتُ فالأكثر على أن -بل حكي إجماع- على أن الإلغاء هنا أرجح من الإعمال، فزيدٌ ظننتُ، فزيدٌ قائمٌ ظننتُ أرجح من (زيداً قائماً ظننتُ)، لماذا؟ لأن العامل إذا تأخر ضعف، (ظنَّ) الأصل فيها أنها لا تعمل، الأصل في الفعل أن لا يدخل على الجملة، إذا قيل: الفعل أنه عامل، أو العامل عموماً العامل من حيث هو سواء كان يرفع أو ينصب، الأصل فيه أن يتعلق بالمفردات، ولا يتعلق بالجمل، لا يعني لا دخل على الجمل، فكل عامل دخل على جملة فالأصل فيه أنه لا يعمل، فـ (إنّ) وأخواتها الأصل فيها أنها لا تعمل، و (كان) وأخواتها الأصل فيها أنها لا تعمل، و (ظنَّ) وأخواتها الأصل فيها أنها لا تعمل.
إذاً: باب النواسخ كله الأصل فيه أنه لا يعمل، لماذا؟ لأنه تسلط على جملة -مبتدأ وخبر-، ولم يتسلط على مفرد، وهذا خلاف ما جعل العامل له في الأصل، حينئذٍ إذا أعمل لابد أن يكون محمولاً على شيئاً آخر، وإذا حمل صار فرعاً والفرع ضعيف، كما سبق.
стр. 798
حينئذٍ: إذا قلت: زيداً ظننت قائماً، قلنا: جاز الإعمال والإهمال والإعمال أرجح، الإعمال أرجح من الإهمال، إذا تأخر رتبة -متأخر-ضعف جاز إعماله استصحاباً للأصل، ولأنه في رائحة الفعل، إلا أنه لما تأخر ضعف ضعفاً شديداً فصار الإهمال أولى من الإعمال، ولذلك لما تقدم هو متسلسل متدحدر، لما تقدم: ظننتُ زيداً قائماً وجب، ثم لما انتقل إلى الثاني: زيداً ظننتُ قائماً جاز –ألغي-، لكن الإعمال أرجح، لما جاء المرتبة الأخيرة حينئذٍ صار الإهمال أرجح، وهذا ليس في (ظنَّ) فحسب، حتى في الأفعال الصحيحة التامة، ولذلك: ضربت زيداً، زيداً مفعولاً به، وقوة العامل -من قواعد العوامل-؛ قوة العامل إنما تتوجه لطلب ما بعده، وتضعف في طلب شيء قبله، هذا الأصل في العامل: أن يعمل فيما بعده ولا يعمل فيما قبله، فإذا عمل فيما بعده حينئذٍ إذا تقدم هذا المعمول ضعف تسلط العامل عليه، وذلك جاز إذا تقدم المفعول على عامله ولو في ضرب أن يتصل به حرف زائد للتقوية، ولذلك ضربت زيداً، زيداً مفعول به، زيداً ضربتُ، هل قوة العامل واحدة؟ قالوا: لا، ليست قوة العامل واحدة، العامل في الثاني زيداً ضربتُ أضعف، مع كونه لو تأخر صار قوياً على الأصل، ما الدليل؟ الدليل تسويغ دخول اللام الزائدة المؤكدة على المفعول به إذا تقدم دون إذا ما تأخر، فتقول: زيداً ضربتُ، يجوز لك أن تقول: لِزيدٍ ضربتُ؛ لأن الأفعال إنما تتعدى وتتقوى إلى المعمولات بحروف الجر، قلنا: حروف الجر سميت حروف جر لكونها تدور معاني الأفعال إلى الأسماء، فإذا كانت تالية لها لا إشكال، فلما نصب (ضربَ زيداً) قوي ولا يحتاج إلى حرف، لما تقدم عليه ضعف، وحينئذٍ احتاج إلى مقوي، وقيل: لِزيدٍ ضربتُ -هذا قياس-، وأما ضربتُ لِزيدٍ هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه: ((إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)) [يوسف:٤٣]، للرؤيا ما إعرابه؟ مفعول به، تعبرون الرؤيا، هذا الأصل مفعول به، لما تقدم احتاج إلى واسطة إلى مقوي إلى ما يعيد إليه قوته، فجيء باللام الزائدة مؤكدة، ولذلك تقول: لِزيدٍ ما تقول: جار ومجرور متعلق بضرب لا، تقول: اللام حرف جر زائد مقوي مؤكد، وزيدٍ مفعول به منصوب، ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وضربتُ فعل وافعل، إذاً: هو مفعول به، إذاً: زيداً ظننتُ قائماً نقول: هذا أرجح من الإهمال: زيدٌ ظننتُ قائمٌ لضعف العامل؛ لأنه ضعف، وزيداً قائماً ظننتُ نقول: الإهمال أرجح؛ لأنه ازداد ضعفاً لبعده عن معموليه.
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا: يعني: لا في حال الابتداء بالفعل، يعني: بل في حال توسطه أو تأخره.
стр. 799
بقي حالة واحدة وهي محل نزاع بين النحاة، هل هي من قبيل الابتداء أو لا؛ فيما إذا تقدم على الفعل شيء ولا يبتدأ به، وإنما يتقدم عليه شيء من متعلقات الفعل: متى ظننتَ زيداً قائماً؟ هل يشترط في الابتداء أن لا يتقدم عليه شيءٌ البتة ولا حرف ولا حرفان، أم المراد أنه قد يتقدم عليه شيء وقد لا يكون له علاقة بما بعده؟ هذا محل نزاع، ما المراد بالابتداء هنا؟ قيل: الابتداء المراد به أن لا يتقدم عليه شيء البتة، فإن تقدم عليه أي لفظ حينئذٍ صار من باب جواز الإلغاء، لم يكن مبتدأً به، أو يراد بالابتداء: ابتداء الجملة في نفسها، فحينئذٍ: متى ظننتَ زيداً قائماً؟ زيداً قائماً نقول: الأصل أنه لم يتعلق به شيء، ولكن لما تقدم عليه اسم الاستفهام (متى) هل أخرجها عن كونها مبتدأً بها أو لا؟ هذا محل نزاع والأكثرون على أنه ليس مما يجوز فيه الإلغاء، بل يجب فيه الإعمال، ولكن ابن هشام رحمه الله تعالى يرى أنه داخل في الإلغاء، يعني: يجوز فيه الإلغاء، ويجوز فيه الإعمال والإعمال أرجح، لأنه باقٍ على أصله، ولكن تقدم عليه شيء، فمتى ظننتَ زيداً قائماً، هل هو مبتدأٌ به أو لا؟ نقول: هنا في اللفظ ليس مبتدأ به، لكن في الجملة نعم، هو مبتدأ لم يتقدم عليه لا مفعول أول، ولم يتأخر عن المفعولين، وأما زيدٌ ظننتُ قائمٌ لا شك أنه لم يبتدأ به الجملة نفسها، وزيدٌ قائمٌ ظننتُ لا شك أنه لم يبتدأ به الجملة نفسها، لكن ظننتُ زيداً قائماً، لم يتقدم عليه شيء من متعلقات ظن، فهل تقدم لفظ آخر ليس متعلقاً بظن من حيث العمل -مفعول أول ومفعول ثاني-، هل يخرجه عن كونه مبتدأ به أو لا؟ محل نزاع.
إذاً: قوله: وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا، لاَ فِي الابْتِدَا بأن لم يسبقه شيء البتة، فحينئذٍ يصدق على هذه الصور الثلاثة: زيدٌ ظننتُ قائمٌ، وزيدٌ قائمٌ ظننتُ ومتى ظننتَ زيدٌ قائمٌ، هذا ظاهر كلام ابن مالك رحمه الله تعالى، ولذلك حمله على هذا في التوضيح ابن هشام أنه أدخل الصورة الثالثة بهذا، وبأن مراده بالابتداء أن لا يسبقه شيء البتة ولا حرف، فإن سبقه شيء حينئذٍ خرج عن كونه مبتدأً به وجاز فيه الإلغاء والإهمال، إلا أن الصورة الأخيرة هذه الإعمال أرجح من الإهمال.
إذاً: وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا، يعني: لا في حال الابتداء، ولم يتعرض الناظم هنا للأرجح منها وقد ذكرناه، فإن جاء في لسان العرب ما ظاهره أنه يجب فيه الإعمال، وذلك فيما إذا ابتدئ بالفعل: ظننتُ زيداً قائماً، لو جاء في لسان العرب ما ظاهره الإهمال، حينئذٍ وجب التأويل، ولا نقول: ظننتُ زيدٌ قائمٌ يجوز فيه الوجهان الإلغاء وعدمه، نقول: لا، لابد من التأويل، خلافاً لمذهب الكوفيين المجوزين أنه يجوز عند التقدم يعني: الابتداء بالفعل الإلغاء والإعمال.
......................... ... وَانْوِ ضَمِيرَ الشَّأَنِ أَوْ لاَمَ ابْتِدَا
..........................
فِي مُوهِمٍ إِلْغَاءَ مَا تَقَدَّمَا
стр. 800
وَانْوِ: يعني: قدر، فِي مُوهِمٍ: في لفظ أوهم، إلْغَاءَ مَا تَقَدَّمَا: من الأفعال ظننت زيداً قائماً، انْوِ ماذا؟ ضَمِيرَ الشَّأَنِ، فإذا جاء: ظننتُ زيدٌ قائمٌ، قُل: ظننتهُ زيدٌ قائمٌ، انو ضمير الشأن، حينئذٍ يكون ضمير الشأن هو المفعول الأول، وزيدٌ قائمٌ مبتدأ وخبر في محل نصب مفعول ثاني، إذاً: أُعمل أو لا؟ أُعمل، وما تُوهم أنه ليس بعامل هذا ملغي، لماذا؟ لأن العامل هنا تسلط على ضمير الشأن فنصبه على أنه مفعول أول، وما ظاهره الإلغاء زيدٌ قائمٌ، نقول: هذا الجملة في محل نصب مفعول ثاني لـ (ظنَّ).
وَانْوِ ضَمِيرَ الشَّأَنِ أَوْ لاَمَ ابْتِدَا: يعني: قدر اللام لام الابتداء، ظننتُ زيدٌ قائمٌ، قل: هذا ليس بملغى؛ لأنه واجب الإعمال، تقدم العامل هنا، حينئذٍ إذا لم ننوِ ضمير الشأن نقول: ظننتُ لزيدٌ قائمٌ -هذا التقدير-، فلام الابتداء محذوفة، زيدٌ قائمٌ هذا جملة اسمية في محل نصب مفعولي ظن، إذاً: إذا جاء في لسان العرب ما ظاهره الإلغاء وقد تقدم العامل وجب التأويل.
لنا صورتان: إما أن يكون المفعول الأول ضمير الشأن والجملة المذكورة المرفوعة الطرفين الجزأين في محل نصب مفعول ثاني، وإما أن نقدر لام الابتداء.
وَانْوِ ضَمِيرَ الشَّأَنِ: ليكون هو المفعول الأول، فحينئذٍ الجزءان جملة في موضع المفعول الثاني، الجزءان في موضع نصب المفعول الثاني.
أو انْوِ لاَمَ الابْتِدَاءِ، لاَمَ ابْتِدَا قصره للضرورة لتكون من باب التعليق، كما سيأتي في محله.
فِي مُوهِمٍ: يعني: في تركيب موهم، متعلق بقوله: انْوِ، انْوِ فِي مُوهِمٍ في تركيب نقل من لسان العرب، إلغاء: هذا مفعول لموهم، إلْغَاءَ (مَا) أي: فعل تَقَدَّمَا الذي تقدم، تَقَدَّمَا الألف هذه الإطلاق، الذي تقدم يعني جاء في صورة الابتداء، لأنه قال لك أولاً وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا فلا يجوز فيه الإلغاء، لا يجوز الإلغاء في الابتداء، ظننت زيداً قائماً، فإن جاء ما ظاهره الإلغاء حينئذٍ انْوِ ضَمِيرَ الشَّأَنِ أَوْ لاَمَ ابْتِدَا:
أَرْجُو وآمُلُ أنْ تَدْنو مَوَدَّتُها ... وما إخالُ لدَيْنا منْك تنويلُ
هذا حجة الكوفيين في كون الفعل المتقدم يجوز إلغاؤه، الكوفيين لا تفصيل عندهم بين المسائل المذكورة، كل فعل قلبي يجوز إلغاؤه تقدم أم توسط أم تأخر، حينئذٍ نحن نستثني صورة واحدة وهي فيما إذا تقدم هذا محل النزاع، وأما التوسط والتأخر فلا إشكال، فإن جاء ما ظاهره الإلغاء أُوِّل.
стр. 801
قال: (وَمَا إخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ): هذا ظاهره الإلغاء، لأنه قال: إخَالُ تَنْوِيلُ هذا بالرفع، لَدَيْنَا مِنْكِ، يحتمل أن أحدهما هو المفعول الثاني، وتنويل، هذا لو كان معمولاً لإخَالُ، لو كان معمولاً لها لنصبه، فلما رفعه علمنا أنه قد أهمله ألغاه، وهنا هذه الصورة هل هي من صورة الابتداء أم التوسط أم التأخر؟ الابتداء، هذا ظاهرها، فـ إخَالُ لم يتقدم عليه شيء من معموليه، إذاً: مثل: ظننت زيداً قائماً فألغي فدل على أنه لا يجب الإعمال فيما إذا تقدم العامل، بل يجوز الإلغاء، وهذه حجة الكوفيين، البصريون يمنعون، يقولون: لا ثم تقدير، وما إخاله لدينا منك تنويل، وما إخاله أعملنا إخال في ضمير الشأن، وهو المفعول الأول، وجملة: لدينا منك تنويل في محل نصب مفعول ثاني، أو: وما إخال لَلَدينا منك تنويل، يعني: بإدخال لام الابتداء، أو نقول: الصورة الثالثة: وهي ما يجوز فيها الإلغاء إذا تقدم إخال شيء من الكلام مطلقاً، وَمَا هذه نافية، مثل: متى ظننتَ زيداً قائماً، إذاً: هذه الصورة مما يجوز فيه الإلغاء، فإذا ألغيت حينئذٍ لا نسأل عنها، وهذا توجيه حسن أيضاً، إذاً: (وَمَا إخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ، نقول: ما نافية فحينئذٍ يباح الإلغاء كما هو الشأن في الصورة الثالثة.
إذاً: يُخَرَّج على واحد من هذه الأحوال الثلاثة، إما أن ننوي ضمير الشأن، وإما أن ننوي لام الابتداء، وإما إذا تقدمه شيء ولو نفي أو استفهام ونحو ذلك، قلنا: هذا مما يجوز فيه الإلغاء فهو ملغى.
كذلك قول الشاعر:
كَذَاكَ اُدِّبْتُ حَتَّى صَارَ مِنْ خُلُقِي ... أَنِّي وَجَدْتُ مِلاَكُ الشِّيْمَةِ الأَدَبُ
هذا أظهر من السابق؛ لأنه لفظ بهما، أَنِّي وَجَدْتُ، وجدت، وجد تعدى إلى مفعولين، مِلاَكُ الشِّيْمَةِ الأَدَبُ، مبتدأ وخبر، دخلت عليه وجدت أين النصب؟ لم ينصب في الظاهر، وهو متقدم واجب النصب واجب الإعمال، ولا يجوز فيه الإلغاء، وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا، الكوفيون احتجوا بهذا على أنه لا يجب الإعمال فيما إذا تقدم العامل، البصريون يمنعون يقولون: لابد من التأويل على واحد من الأمور الثلاثة السابقة، أَنِّي وجدته مِلاَكُ الشِّيْمَةِ الأَدَبُ، مِلاَكُ مبتدأ والأَدَبُ خبر، والجملة في محل نصب مفعول ثاني، والمفعول الأول محذوف هو ضمير الشأن، وَانْوِ ضَمِيرَ الشَّأَنِ أَوْ لاَمَ ابْتِدَا:
أني وجدت لملاك الشيمةِ الأدبُ، حينئذٍ نوينا لام الابتداء، وهي تمنع الفعل أن يعمل في اللفظ فيكون من باب التعليق، كذلك أَنِّي وَجَدْتُ هذا يدخل في الصورة الثالثة التي يباح فيها الإلغاء، إذاً: لا يحتج بهذا البيت على أنه يجوز الإلغاء فيما إذا تقدم العامل على المعمولين.
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لاَ فِي الابْتِدَا، فإن كان في الابتداء حينئذٍ وجب الإعمال.
......................... ... وَانْوِ ضَمِيرَ الشَّأَنِ أَوْ لاَمَ ابْتِدَا
..........................
فِي مُوهِمٍ إِلْغَاءَ مَا تَقَدَّمَا
هذا ما يتعلق بالإلغاء.
стр. 802
إذاً: خلاصة الإلغاء نقول: حقيقته ترك العمل لفظاً ومحلاً، وهذا إنما يكون جائزاً لا واجباً، يعني: إذا وجدت سببه حكمه الجواز لا الوجوب، خلافاً للأخفش، وما سببه؟ سببه نقول: إما أن يتوسط العامل وإما أن يتأخر، إذا توسط العامل بين معموليه المفعول الأول والثاني، حينئذٍ نقول: جاز الإلغاء، وإذا تأخر عن مفعوليه -معموليه- جاز الإلغاء وجاز الإعمال، وفي حالة التوسط الإعمال أرجح من الإهمال، وفي حالة التأخر الإهمال أرجح من الإعمال، فحينئذٍ نقول: بقي صورة واحدة: وهي فيما إذا تقدم: ظننتُ زيداً قائماً، عند البصريين يجب فيه الإعمال ولا يجوز الإلغاء، فإن جاء في لسان العرب ما ظاهره الإلغاء وجب التأويل بواحد من أمور ثلاثة، إما أن ندعي أن المفعول الأول هو ضمير الشأن، والجملة الظاهرة المرفوعة هذه في محل نصب مفعول ثاني، أو ندعي أنه من باب التعليق بتقدير لام الابتداء داخلة وهي محذوفة، أو إذا تقدمه شيء: أَنِّي وَجَدْتُ، متى ظننت، حينئذٍ نقول: هذا ليس من باب الابتداء، بل مما يجوز فيه الإلغاء، والعامل المُلغَى لا يعمل لا في اللفظ ولا في المحل فوجوده وعدمه سواء، ولذلك إذا ألغي حينئذٍ تعرب الجملة على أنها لا محل لها من الإعراب: زيدٌ ظننتُ قائمٌ، ظننتُ فعل وفاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب معترضة، لا اعتبار لها.
ثم قال:
.............................. ... والْتَزِمِ التَّعلِيقَ قَبْلَ نَفْيِ مَا
كَذَا وَالاِسْتِفْهَامُ ذَا لَهُ انْحَتَمْ
وَإِنْ وَلاَ لاَمُ ابْتِداءٍ أَوْ قَسَمْ
التَّعلِيقَ قلنا: حقيقته ترك العمل في اللفظ لا في المحل، وحقيقته: أنه يحول بين العامل والمعمولين ما له صدر الكلام، -هذا هو ضابطه- أن يقع بين العامل والمعمولين ما له صدر الكلام، ومنه مثلاً لام الابتداء، تقول: ظننتُ لزيدٌ قائمٌ، نقول: أصل التركيب، ظننتُ زيداً قائماً –بالنصب-، دخلت لام الابتداء، فقيل: لزيدٌ قائمٌ، أبطلت العمل، أحالت بين العامل والمعمول، لماذا؟ لأن لها حق الصدارة في الكلام، يعني: لا يسبقها شيء، وما كان له حق الصدارة في الكلام لا يعمل ما قبله فيما بعده، حينئذٍ لا يتسلط ظننت على زيد، أي: هو عامل في الأصل، وهذه دخيلة، فحينئذٍ قالوا: يتوجه العمل إلى المحل لا إلى اللفظ، فإذا عطفت عليه حينئذٍ جاز لك الأمران: الرفع، باعتبار اللغو، والنصب باعتبار المحل، مثل ما ذكرناه في قول: لا رجل ظريفٌ ظريفاً، يجوز فيه الوجهان إما باعتبار اللفظ: ظريفا -وهذا التركيب-، أو ظريفٌ باعتبار لا ومدخولها، أو ظريفاً باعتبار المحل، والشاهد: ظريفاً، حينئذٍ إذا قلت: ظننتُ لزيدٌ قائمٌ وعمروٌ منطلقٌ وعمرواً منطلقاً، يجوز فيه الوجهان، وعمروٌ منطلقٌ باعتبار اللفظ، المعطوف على المرفوع مرفوع، وعمراً من أين جاء النصب؟ لابد من سؤال ولابد من جواب، وعمراً ما العامل فيه؟ وعمراً منطلقاً، نقول: هذا معطوف على المنصوب؟ أين المنصوب؟ في المحل، إذاً: دل هذا على أن (ظنَّ) لم تلغ كلياً، وإنما ألغي إعمالها في اللفظ فحسب، وأما المحل فهذا باقٍ على أصله أو على ظاهره.
стр. 803
والْتَزِمِ التَّعلِيقَ، والتُزمَ التعليقُ، والتَزمِ التعليقَ يجوز فيه الوجهان: والْتَزِمِ التَّعلِيقَ أولى؛ لأنه هو ظاهر كلام الناظم دائماً يأتي بهذا: والْتَزِمِ إذاً: وهو واجب ليس كالإلغاء، فالتعليق واجب، إذا وجد سببه، والإلغاء جائز إذا وجد سببه.
والْتَزِمِ التَّعلِيقَ عن العمل في اللفظ: إذا وقع الفعل قبل شيء له الصدر، وما هو هذا الذي له الصدر؟ ذكر الناظم ستة أشياء فقط: (ما وإن ولا) النافيات، ثلاثة، و (لام الابتداء) أربعة، (لام القسم) خمسة، (الاستفهام)، هذه ستة أشياء إذا أحالت بين العامل والمعمول صار من باب التعليق، لمَ علق؟ لأن هذه لها صدر الكلام، لماذا؟ لأنه لا يعمل ما قبلها فيما بعدها، فلما أبطل عملها في اللفظ أرجع وأحيل إلى المحل.
والْتَزِمِ التَّعلِيقَ قَبْلَ نَفْيِ مَا: (ما) النافية، ظننتُ ما زيدٌ قائمٌ، ظننتُ: فعل وفاعل، و (ما) نافية، زيدٌ قائمٌ: هذا نقول: من باب التعليق وليس من باب الإلغاء، فهو مبتدأ وخبر، تعربه، تقول: زيدٌ مبتدأٌ وقائمٌ خبر، والجملة في محل نصب مفعولي ظننتُ.
((لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ)) [الأنبياء:٦٥]، ((هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ))، هَؤُلاءِ: مفعول أول في الأصل، ويَنطِقُونَ: الجملة في محل نصب مفعول ثاني، دخلت (ما) -وإن كان لا يظهر الإعراب؛ لأن هؤلاء مبني-، ((لَقَدْ عَلِمْتَ مَا)) مَا: هذه نافية، أحالت بين علِم والمفعولين، حينئذٍ نقول: ((عَلِمْتَ)) فعل وفاعل، مَا هذه نافية، ((هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ)) الجملة الاسمية في محل نصب مفعولي علم.
إذاً: إذا تلا (ظنَّ) (ما) النافية صار من باب التعليق، و (إن) النافية كذلك، سواء كانت عاملة أو مهملة: ظننتُ إن زيدٌ قائمٌ، يعني: ما زيدٌ قائمٌ، حينئذٍ الإعراب كالإعراب السابق.
وقدَّر بعضهم: أنها لا تكون معلِّقة إلا إذا كانت في جواب قسم: (إِنْ وَلاَ)، لكن الكثير على الإطلاق، قدرها ابن هشام هكذا في التوضيح، قال: (إِنْ وَلاَ) النافيتان، إنما تكونا معلِّقتين إذا كانتا في جواب قسم، لكن هذا الظاهر ليس بشديد.
و (إِنْ) يعني: سواء كانت عاملة أو مهملة، و (لاَ) كذلك سواء كانت عاملة عمل ليس أو عمل (إنَّ) أو كانت مهملة مطلقاً، كل (لاَ) النافية عملت أو لا، عملت عمل ليس أو عمل (إنّ)، فهي مما لها حق الصدارة، فإذا تلت حينئذٍ (ظنَّ) وأخواتها نقول: هذا يعتبر من التعليق، ومثله: (إِنْ)، ((وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا)) [الإسراء:٥٢]، (إِنْ) هذه نافية، بدليل الاستثناء بعدها: إلا، -كل (إِنْ) وقعت في مقابلها إلا فهي نافية-، حينئذٍ نقول: هذا من باب التعليق، لماذا؟ لإحالة (إِنْ) النافية بين العامل والمعمول.
(وَإِنْ وَلاَ) النافيتين، قال ابن هشام: في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر، لكن الكثير على أنه لا يشترط أن يكون في جواب قسم لا ملفوظاً ولا مقدم، تقول: ظننتُ إن زيدٌ قائمٌ ولا إشكال ليس فيه قسم، ظننتُ لا زيدٌ قائمٌ ولا عمروٌ، نقول: هذا ليس فيه قسم، علمت والله لا زيدٌ في الدار ولا عمروٌ هكذا قدرها لابد من قسم، وعلمتُ إن زيدٌ قائمٌ، الصواب: أنه لا يشترط أن يكون في جواب قسم.
стр. 804
لاَمُ ابْتِدَاءٍ أَوْ قَسَمْ أو لام قسم، لاَمُ بالرفع قَبْلَ نَفْيِ مَا، (مَا) هنا في محل جر مضاف إليه، إذاً: هي اسم.
قال: لاَمُ ابْتِدَاءٍ -بالرفع-، لاَمُ ابْتِدَاءٍ كَذَا، لاَمُ: مبتدأ، خبره: كَذَا، وقسم هذا معطوف على لام ابتداء.
أَوْ قَسَمْ يعني: أو لام قسم، لاَمُ ابْتِدَاءٍ: مبتدأ خبره: كذا، أي: كنفي (ما وإن ولا)، كَذَا أي: مثلُ نفي (ما وإن ولا) لام ابتداء، ظننتُ لزيدٌ قائمٌ، تقول: زيدٌ قائمٌ هذا عُلِّق عنه الفعل لدخول لام الابتداء عليه؛ لأن لام الابتداء لها حق الصدارة في الكلام، ((وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)) [البقرة:١٠٢]، (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ) اللام هذه لام الابتداء، أَوْ قَسَمْ: يعني: لام القسم:
(وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِى): نقول: اللام هذه لام القسم، لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِى: الجملة في محل نصب مفعولي ظن، أَوْ قَسَمْ كَذَا قلنا: هذا خبر ابتداء لاَمُ.
والاسْتِفْهَامُ ذَا لَهُ انْحَتَمْ: هذا هو السادس وهو الاستفهام، وهنا أطلق الاستفهام فيشمل الاستفهام بالحرف والاستفهام بالفعل، ويشمل الاستفهام فيما إذا كان فضلة أو كان عمدة مطلقاً -أطلق المصنف-.
والاسْتِفْهَامُ ذَا لَهُ انْحَتَمْ، والاسْتِفْهَامُ مبتدأ أول، ذَا مبتدأ ثاني، انْحَتَمْ له، انْحَتَمْ يعني تحتم، هذا خبر المبتدأ الثاني والجملة من ذا وحتم له خبر المبتدأ الأول وهو الاستفهام.
ذَا لَهُ انْحَتَمْ، بمعنى: لزم، سواء كان الاستفهام بالحرف نحو: ((وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ)) [الأنبياء:١٠٩]، (وَإِنْ أَدْرِي) درى عرفنا أنها من أفعال القلوب، ((وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ)) دخل حرف الاستفهام على قَرِيبٌ، ((أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ)) حينئذٍ نقول: الاستفهام هنا له حق الصدارة، فلا يعمل ما قبله فيما بعده، فوجب التعليق.
стр. 805
أم كان بالاسم: سواء كان الاسم مبتدأً، نحو: ((لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى)) [الكهف:١٢]، أَيُّ: مبتدأ وأَحْصَى: هذا خبر، قد يقول قائل: أين الاستفهام هذا مبتدأ وهذا خبر؟ نقول: قد يكون الاستفهام جزءاً عمدة هو الاسم نفسه، قد يكون زائداً على الجملة: ((وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ)) هذا دخيل داخل على الجملة حرف زائد، لا أقصد حرف زائد مثل (من) وكذا، وإنما دخيل على الجملة، وقد يكون هو جزءٌ من الجملة، يعني: عمدة مبتدأ أو خبر، فحينئذٍ: ((لِنَعْلَمَ أَيُّ)) أَيُّ: نقول: هذا مبتدأ: ((أَحْصَى)) خبر، التركيب هنا من التعليق، أين دخول الاستفهام لم يدخل أصلاً! نقول: كون الاستفهام مبتدأً يكفي في التعليق، ولا يشترط أن يكون خارجاً عن الجملة: ((لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى))، ((وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا)) [طه:٧١]، (أَيُّنَا أَشَدُّ) الكلام واحد، أم كان خبراً للاستفهام، نحو: علمتُ متى السفر، أين الخبر هنا؟ متى السفر: السفر متى، واجب التقديم أو جائز؟ واجب التقديم، إذاً: علمتُ متى السفرُ، نقول: هذه معلقة، لم نقل: متى السفرَ، معلقة لماذا؟ لكون الاستفهام أحال بين علِم ومعموليها، أين هو الاستفهام؟ وقع خبراً، ولذلك عمم النظام: (كَذَا والاسْتِفْهَامُ)، فيشمل ما إذا كان عمدة مبتدأً أو خبراً، وفيما إذا كان حرفاً أو اسماً، أم مضافاً إليه المبتدأ: علمتُ أبو مَنْ زيدٌ، (علمتُ أبو مَنْ)، عرفنا أن الاستفهام إذا أضيف إليه لفظ أخذ حكمه في وجوب الصدارة: (أبو مَنْ) أبو نقول: هنا واجب التصدير، فلا يجوز أن يعمل ما قبله فيه، لماذا وجب تصديره والأصل فيه أنه اسم صريح؟ نقول: لكونه أضيف إلى ما له حق الصدارة فاكتسب الحكم، إذاً: علمتُ أبو من؟ نقول: الاستفهام هنا وقع مضافاً إليه، أم فضلة: ((وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ)) [الشعراء:٢٢٧]، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ) أَيَّ هذا منصوب على المصدرية بما بعده، أي: ينقلبون منقلباً أيَّ انقلاب، فهو صفة لموصوف محذوف، وليس منصوباً بما قبله؛ لأن الاستفهام له الصدر، فلا يعمل فيه ما قبله.
إذاً: قوله: والاستفهام أطلقه الناظم ليشمل كل المسائل التي ذكرناها، مطلق الاستفهام سواء كان حرفاً، كان اسماً كان عمدةً خبراً كان عمدةً مبتدأً، كان مضافاً إلى المبتدأ، كان فضلة، مادام أن الاستفهام موجود حينئذٍ يتعين التعليق.
إذاً: هذه ستة أشياء توجب التعليق، إذا وجدت بعد الفعل الذي يتعدى إلى مفعوليه، حينئذٍ نقول: يجب أن يمنع منه في اللفظ ويتوجه العمل إلى المحل.
والْتَزِمِ التَّعلِيقَ: عن العمل في اللفظ إذا وقع الفعل قبل شيء له الصدر، قَبْلَ نَفْيِ (مَا) النافية، و (إنْ) سواء كانت عاملة أو مهملة، و (لا) أيضاً مطلقاً لاَمُ ابْتِدَاءٍ أَوْ قَسَمْ: يعني: لام قسم، كَذَا أي: مثل، (إن وما ولا) في التعليق، والاسْتِفْهَامُ: هذا مبتدأ أول، ذَا: مبتدأ ثاني، يعني: الحكم، لَهُ للاستفهام انْحَتَمْ، هذا خبر الثاني.
стр. 806
قال ابن عقيل: أو لام القسم نحو: علمت ليقومن زيد، ولم يعدها أحد من النحويين من المعلِّقات، قال أبو حيان: ولم يذكرها أكثر أصحابنا، لا تعرف إلا عن ابن مالك، وإن أثبت السيوطي أنه قد قال بها بعضهم.
إذا: ابن مالك هنا عَّد شيئاً جديداً، وهو قوله: (أَوْ قَسَمْ)، عد لام القسم من المعلِّقات.
قال ابن عقيل: ولم يذكرها أحد من النحويين من المعلِّقات، قال أبو حيان: ولم يذكرها أكثر أصحابنا، زاد بعضهم (لعلَّ) من المعلِّقات، نحو: ((وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ)) [الأنبياء:١١١]، درى هنا بمعنى علم، و (لو) الشرطية، ومنه قول القائل:
وقدْ علِمَ الأَقوامُ لَو أنَّ حاتماً ... أَرادَ ثراءَ المالِ كَانَ لهُ وفرُ
لو أنَّ حاتماً علِمَ الأقوامُ، علِمَ: فعل، والأقوامُ: فاعل لو أنَّ حاتماً أرادَ، لو أن حاتماً أراد، أين المفعول الأول؟
(أنَّ) وما دخلت عليه سدت مسد المفعولين، لكن الاستشهاد بهذا بكون (لو) معلِّق هذا فيه إشكال.
إذاً: قوله: ولم يعدها أحد من النحويين من المعلقات هذا فيه خلاف، أو الاستفهام قال: وله صور ثلاث: أن يكون أحد المفعولين اسم استفهام مبتدأ أو خبر، نحو: علمتُ أيهم أبوك، وقع مبتدأ، علمت من أبوك، وقع خبراً.
ثانياً: أن يكون مضافاً إلى اسم استفهام، علمتُ غلامُ أيِّهِم أبوك، عملتُ غلامَ من عندك.
ثالثاً: أن تدخل عليه أداة استفهام، -حرف أو اسم-، أزيدٌ عندك أم عمروٌ؟ علمتُ هل زيدٌ قائمٌ أم عمروٌ، للاستفهام أو الاسم المستفهم به والمضاف إليه مما بعدهما ما لهما دون الأفعال المذكورة، يعني: ينظر في الاستفهام من حيث هو استفهام، وما قبله حينئذٍ لا يؤثر فيما بعده من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فله تأثير، إذاً: تختص هذه الأفعال بالتعليق والإلغاء على ما ذكره الناظم رحمه الله تعالى.
يزاد نوع ثالث من الاختصاص، وهذا أشرنا إليه فيما قبل عند قوله: خِلْتُنِي لِيَ اسْمٌ؛ أن المتصرف من الأفعال القلبية يجوز إعماله في ضميرين متصلين لمسمى واحد، أحدهما فاعل والآخر مفعولاً، ظننتُني خارجاً، خِلْتُنِي لِيَ اسْمٌ، التاء هنا فاعل، والياء مفعول أول، ومصدقهما واحد وهو المتكلم.
لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنّ تُهَمَهْ ... تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ
أراد أن يبين ما ذكرناه سابقاً أن هذه الأفعال إنما تعمل إذا دلت على اليقين أو الرجحان، وقد تخرج بعضها إلى معانٍ أخرى، مما يخرج: علم عن معنى اليقين، تأتي بمعنى عرف، وظن تأتي بمعنى اتهم، عرفتُ زيداً، علمتُ زيداً .. عرفت زيداً.
стр. 807
إذاً: عرفتُ زيداً يتعدى إلى واحد، إذا جاءت علم بمعنى عرف حينئذٍ يتعدى إلى واحد، هل تكون من هذا الباب؟ الجواب: لا، لا تكون من هذا الباب، علمتُ زيداً، نقول: هذا يتعدى إلى واحد فقط، (ظنَّ) تتعدى إلى اثنين، وقد تأتي بمعنى اتهم، اللفظ هنا لا يراعى فحسب، إنما ينظر إلى معناه أيضاً، ظننت زيداً، قد يظن الظان ظننت زيداً قائماً، فحذف المفعول الثاني، لكن ظننتُ إذا كانت بمعنى اتهم، حينئذٍ تتعدى إلى واحد: اتهمتُ زيداً، ظننتُ زيداً. ذكرها من باب الاستطراد فحسب؛ لبين أنه إذا دخلت عليها همزة الاستفهام وتعدت إلى اثنين ليس للمفعولين حكم المفعولين الأصليين.
لِعِلْمِ عِرْفَانٍ: مضاف ومضاف إليه، هذا خبر مقدم.
وَظَنِّ تُهَمَه: أيضاً: مضاف ومضاف إليه، عِرْفَانٍ هذا مصدر عرف، وَظَنِّ تُهَمَه: تُهَمَه مصدر اتهم.
عِلْمِ عِرْفَانٍ، عِلْمِ يدل على العرفان، فهو من إضافة الدال إلى المدلول.
(ظَنِّ) تُهَمَه، (ظنَّ) يدل على التهمة، هذا من إضافة الدال إلى المدلول، والمراد: لعلم عرفان أي: لهذه المادة الدالة على العرفان بأي صيغة كانت، وكذا يقال فيما بعده.
لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَهْ ... تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ
يعني: يجب أن يتعدى إلى واحد، تَعْدِيةٌ هذا مبتدأ مؤخر؛ لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَه: متعلق به، لِوَاحِدٍ: هذا متعلق بقوله: تَعْدِيةٌ، ومُلْتَزَمَهْ: هذا صفة لتعدية.
تَعْدِيةٌ مُلْتَزَمَهْ، يعني: واجبة متحتمة.
لِوَاحِدٍ: لمفعول واحد لا لاثنين، فليس كلما رأيت (علم وظن) فهو يتعدى لاثنين، لا، قد يتعدى إلى واحد، وإن لم يكن بمعنى السابق.
لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَه: نقول: نبه على أنهما لا يتعديان إلى مفعولين أحياناً، إذا كانت علم بمعنى عرف، وظن بمعنى اتهم، مع أن الحكم عام في سائر الأفعال، أفعال القلوب، كما ذكرناه سابقاً، (خال) قد تتعدى إلى واحد وكذلك (درى ووجد) قد تتعدى إلى واحد كل الأفعال، قد تكون لازمة لا تتعدى، وقد تتعدى إلى واحد، لماذا نص على هذين الفعلين وترك البقية، مع أن الحكم عام في سائر الأفعال؟ لأن (علم وظن) الأصل -هي الأصل-، وما عداهما فهو محمول عليه، ولذلك نقول: وجد تأتي بمعنى علم، وحسب تأتي بمعنى ظن، هي أصل، حينئذٍ لها مراعاة من حيث الذكر وعدمه، وغيرهما ينصبان إذا كانا في معناهما، وأيضاً غيرهما عند عدم النصب يخرج عن القلبية غالباً، إذا لم تنصب: (درى وحسب) ونحو ذلك إذا لم تنصب حينئذٍ خرجت عن معنى القلب، هذا في الغالب، بخلاف (علم) إذا خرجت إلى المعرفة، المعرفة قلبية أيضاً ما زالت، والتهمة كذلك ما زلت قلبية، إذاً: كونها تتعدى إلى واحد لن يخرج عن معناها الأصل، وهو أنه فعل قلبي، ولذلك نص الناظم عليهما.
الفرق بين العلم والمعرفة: قيل: بأن المعرفة هنا تتعلق بالذات -شخص واحد-، وأما العلم فيتعلق بالصفات المعاني، العلم يتعلق بصفات الذوات وأقسامها، والمعرفة تتعلق بالذوات.
стр. 808
قال الرضي: لا فرق بينهما في المعنى، يعني: بين العلم والمعرفة في المعنى، إذا كانت علم بمعنى عرف تعدت إلى مفعول واحد، كقوله: علمتُ زيداً عرفته عرفت زيداً، ومنه قوله تعالى: ((وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا)) [النحل:٧٨]، يعني: لا تعرفون شيئاً، فالعلم هنا بمعنى المعرفة.
وكذلك إذا كانت (ظنَّ) بمعنى اتهم تعدت إلى مفعول واحد، ظننتُ زيداً اتهمته، ((وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ)) [التكوير:٢٤]، ضَنِينٍ أي: بمتهم هو، وتقول لمن سرق ماله: وظننتُ زيداً، يعني: اتهمته، إذا سرق المال، ظننتُ زيداً، يعني: هو السارق اتهمته بالسرقة، ((وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ)) أي: بمتهم، واسم المفعول منه: مظنون الظنين، وحينئذٍ إذا قيل: بأن علم بمعنى عرف تتعدى إلى مفعول واحد، وظن بمعنى اتهم تتعدى إلى مفعول واحد، هل هما من هذا الباب؟ ليس من هذا الباب، إذاً: ليست من التي تنصب مفعولين.
وَلِرَأَى الرُّؤْيَا انْمِ مَا لِعَلِمَا ... طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبْلُ انْتَمَى
وَلِرَأى الرُّؤيا: رأى التي مصدرها الرؤيا، احترازاً من رأى التي مصدرها رؤية بالتاء؛ لأنها تكون بصرية، وأما رأى التي مصدرها الرؤية فهي رأى الحُلُمية، -منام-، رأى شيئاً في المنام، هذه رأى تتعدى إلى مفعولين، مثل: علم ونحوه، وهذا سبق التنبيه عليه في أوله. وَلِرَأى الرُّؤيا يعني: التي مصدرها الرؤية، أضاف رأى للرؤية ليُعلم أنها الحلمية؛ لأن مصدرها الرؤية، في المشهور، وإلا ابن هشام يخالف في هذا.
وَلِرَأى الرُّؤيا انْمِ: انْمِ يعني: انسب لِرَأى الرُّؤيا، مَا لِعَلِمَا: يعني: ما انتمى لعلم حال كونه: طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبْلُ: علم لها قبل وله بعد الآن في كلام الناظم، ذكرها أولاً تنصب مفعولين، وذكرها ثانياً: تنصب مفعولاً واحد، الذي هو: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ، فلها إطلاقان: إطلاق تنصب مفعولين، وإطلاق تنصب مفعولاً واحداً، قال هنا:
стр. 809
انْمِ انسب، لِرَأى: التي مصدرها الرؤيا وهي حلمية، الذي انْتَمَى: انتسب لِعَلِمَا حال كونه: طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبْلُ، أي: قبل ذكر علم العرفانية، قبل: يعني: قبل ذكر علم العرفانية، وهي السابقة، لِعَلِمَا: نقول: هذا جار ومجرور متعلق بقوله: انْتَمَى، طَالِبَ بالنصب حال من فاعل علم، طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبْلُ: أي: قبل ذكر علم العرفانية، وانْتَمَى، بمعنى: انتسب، أي -معنى البيت-: انسب لرأى التي مصدرها الرؤيا الذي انتسب لعلِم متعدية إلى مفعولين من الأحكام؛ ولذلك لأنها مثلها من حيث الإدراك بالحس الباطني، رأى الرؤيا حسٌ باطني، وعلم الاعتقادية اليقينية كذلك حسٌ باطني، هذا وجه المشابهة فحملت عليه، إذا كانت رأى حلمية بإسكان اللام ويتحرك بالضم، حُلُمية وحُلْمية التي للرؤيا في المنام تعدت إلى مفعولين كما تتعدى إليهما علِم، مذكورة مِنْ قَبْلُ، يعني: قبل علم العرفانية، ولذلك قال: طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ، هذا قيد به؛ لئلا يعتقد أنه أحال على علم العرفانية، ولهذا أشار بقوله: وَلِرَأى الرُّؤيا انْمِ: أي: انسب لرأى التي مصدرها الرؤيا، وليس مطلقاً، وإنما هو في المشهور الأكثر، احترازاً من رأى رؤية، حينئذٍ هذه بصرية لا تتعدى إلا إلى واحد.
قال ابن هشام: ولا تختص الرؤيا بمصدر الحلمية، بل تقع مصدراً للبصرية، خلافاً للحريري وابن مالك؛ بدليل: ((وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ)) [الإسراء:٦٠]، قال ابن عباس: هي رؤيا عين، لكن الأكثر والأشهر أن رأى حلمية، مصدرها يطلق رؤيا، وأما الأشهر والأكثر في رأى البصرية فهو (رؤية) بالتاء، وتلك بالألف، ولا مانع من أن يأتي هذا مقام ذاك.
انسب لرأى التي مصدرها الرؤيا ما نسب لعلم المتعدية إلى اثنين، فعبر عن الحلمية بما ذكر؛ لأن الرؤيا وإن كانت تقع مصدراً لغير رأى الحلمية، وهذا كلام جيد، فالمشهور كونها مصدراً لها، ومثال استعمال رأى الحلمية المتعدية لاثنين قوله تعالى: ((إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا)) [يوسف:٣٦]، أَرَانِي: الرؤيا هذه حلمية، والياء هذه مفعول أول، وأَعْصِرُ خَمْرًا، الجملة هذه في مفعول ثاني. إذاً: تعدت إلى مفعولين، حملت على علم التي تتعدى إلى مفعولين، بجامع أن كلاً منهما إدراك باطني بحس الباطن.
وَلاَ تُجِزْ هُنَا بِلاَ دَلِيلِ ... سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ
لما كان الأصل في دخول هذه الأفعال على المبتدأ والخبر، والمبتدأ والخبر لهما أحكامٌ من حيث الحذف وعدمه، ومن حيث وجوب الحذف وعدم جواز الذكر .. إلى آخره، كان الأصل في هذا الباب أن يكون محمولاً على ما سبق، هذا هو الأصل، لكنه خالف في بعض المسائل.
ولاَ تُجِزْ: لا ناهية، تُجِزْ، هذا مجزوم بها، هُنَا: يعني: في هذا الموضع في هذا المكان، بخلاف غيره، وإذا قيد ابن مالك في الباب حينئذٍ حمل عليه، وإذا أطلقه الأصل الإطلاق، كما قال: وَشَاعَ فِي ذَا البَابِ إسْقَاطُ الخَبَرْ هنا قال: ولاَ تُجِزْ هُنَا، أي: في هذا الباب.
стр. 810
إذاً: ثم مسألة هنا تخالف ما سبق، ولاَ تُجِزْ هُنَا، يعني: في هذا الباب بِلاَ دَلِيلِ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ: لا تجز سقوط مفعولين، لا تقل: ظننتُ وتسكت، متى هذا؟ إذا لم يكن بلا دليل، مفهومه: إذا كان ثم دليل يعني: قرينة، حينئذٍ، هل زيدٌ قائمٌ؟ تقول: ظننتُ، يعني: ظننتُ زيداً قائماً، وقع في جواب السؤال، فجاز حينئذٍ حذف المبتدأ أو حذف المفعول الأول وخبره، بِلاَ دَلِيلِ: وهذا يسمى -الحذف إذا كان بلا دليل- يسمى اقتصاراً، وإذا كان بدليل يسمى اختصاراً، ففرق بين الاختصار والاقتصار، الاقتصار حذف بلا دليل، والاختصار حذف بدليل، ولاَ تُجِزْ هُنَا بِلاَ دَلِيلِ، يسمى اقتصاراً، يعني: الحذف بلا دليل يسمى اقتصاراً، بالاقتصار على نسبة الفعل إلى الفاعل بتنزيله منزلة اللازم في صورة حذف المفعولين، إذا حذفنا المفعولين ولم يجز- في الاقتصار الكلام في الاقتصا، إذا حذفنا المفعولين، تقول: ظننت، هنا نزلته مُنَزّلَة الفعل اللازم الذي لا يتعدى، وعلى أحد المفعولين، يعني: في صورة حذف أحد المفعولين، لتنزيله المتعدي إلى واحد، بصورة حذف أحدهما، إذا قلت: ظننتُ زيداً، شبهته بـ (ضربت زيداً) هذا فيه نوع اقتصار.
وَلاَ تُجِزْ هُنَا بِلاَ دَلِيلِ ... سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ
أما الثاني فبالإجماع: لاَ تُجِزْ بِلاَ دَلِيلِ سُقُوطَ مَفْعُولِ: الثاني هذا بالإجماع، يعني: بالاقتصار في حال الاقتصار؛ لأنه فرق بين الحالين، أما الثاني فبالإجماع لا يجوز، وفي الأول الذي هو سقوط المفعولين وهو حذفهما معاً اقتصاراً خلافٌ.
إذاً: عندنا حالان: سقوط مفعولين أو مفعول، سواء كان الأول أو الثاني عندنا حالان.
القسم الثاني: الذي هو سقوط المفعول هذا بالإجماع لا يجوز اقتصاراً، وفي الأول: سقوط المفعولين وحذفهما معاً اقتصاراً خلاف، فعن سيبويه والأخفش المنع مطلقاً كما هو ظاهر إطلاق الناظم، عن سيبويه والأخفش المنع مطلقاً، يعني: سقوط المفعولين فيه خلاف، اقتصاراً بلا دليل، والناظم هنا قال: وَلاَ تُجِزْ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ بِلاَ دَلِيلِ، إذاً: وافق سيبويه والأخفش، وعن الأكثرين الجواز مطلقاً.
الجمهور أنه يجوز بلا دليل سقوط المفعولين، وعن الأكثرين الجواز ملطقاً، لقوله: ((أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى)) [النجم:٣٥]، أي: يعلم، رأى علمية هنا، ما ذكر المفعول ولا المفعول الثاني، لا الأول ولا الثاني سقط المفعولان.
وليس في التركيب ما يدل على تقدير هذين المفعولين، فدل على أنه يجوز حذف المفعولين اقتصاراً بلا دليل، ((وَظَنَنْتُمْ (ظنَّ) السَّوْءِ)) [الفتح:١٢]، أين المفعولان؟ محذوفان، ((ظَنَّ السَّوْءِ)) هذا مفعول مطلق، أين المفعولان؟ لا وجود لهما، هذا اختصار.
إذاً: حذف مفعول واحد منهما اقتصاراً لا يجوز بالإجماع، وأما حذف المفعولين اقتصاراً ففيه خلاف، منعه سيبويه والأخفش، وظاهر كلام الناظم عليه، والجمهور على الجواز للآيتين المذكورتين.
следующие страницы →