← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36130

شرح ألفية ابن مالك للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (2 939 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

قال ابن عقيل: أو لام القسم نحو: علمت ليقومن زيد، ولم يعدها أحد من النحويين من المعلِّقات، قال أبو حيان: ولم يذكرها أكثر أصحابنا، لا تعرف إلا عن ابن مالك، وإن أثبت السيوطي أنه قد قال بها بعضهم. إذا: ابن مالك هنا عَّد شيئاً جديداً، وهو قوله: (أَوْ قَسَمْ)، عد لام القسم من المعلِّقات. قال ابن عقيل: ولم يذكرها أحد من النحويين من المعلِّقات، قال أبو حيان: ولم يذكرها أكثر أصحابنا، زاد بعضهم (لعلَّ) من المعلِّقات، نحو: ((وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ)) [الأنبياء:١١١]، درى هنا بمعنى علم، و (لو) الشرطية، ومنه قول القائل: وقدْ علِمَ الأَقوامُ لَو أنَّ حاتماً ... أَرادَ ثراءَ المالِ كَانَ لهُ وفرُ لو أنَّ حاتماً علِمَ الأقوامُ، علِمَ: فعل، والأقوامُ: فاعل لو أنَّ حاتماً أرادَ، لو أن حاتماً أراد، أين المفعول الأول؟ (أنَّ) وما دخلت عليه سدت مسد المفعولين، لكن الاستشهاد بهذا بكون (لو) معلِّق هذا فيه إشكال. إذاً: قوله: ولم يعدها أحد من النحويين من المعلقات هذا فيه خلاف، أو الاستفهام قال: وله صور ثلاث: أن يكون أحد المفعولين اسم استفهام مبتدأ أو خبر، نحو: علمتُ أيهم أبوك، وقع مبتدأ، علمت من أبوك، وقع خبراً. ثانياً: أن يكون مضافاً إلى اسم استفهام، علمتُ غلامُ أيِّهِم أبوك، عملتُ غلامَ من عندك. ثالثاً: أن تدخل عليه أداة استفهام، -حرف أو اسم-، أزيدٌ عندك أم عمروٌ؟ علمتُ هل زيدٌ قائمٌ أم عمروٌ، للاستفهام أو الاسم المستفهم به والمضاف إليه مما بعدهما ما لهما دون الأفعال المذكورة، يعني: ينظر في الاستفهام من حيث هو استفهام، وما قبله حينئذٍ لا يؤثر فيما بعده من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فله تأثير، إذاً: تختص هذه الأفعال بالتعليق والإلغاء على ما ذكره الناظم رحمه الله تعالى. يزاد نوع ثالث من الاختصاص، وهذا أشرنا إليه فيما قبل عند قوله: خِلْتُنِي لِيَ اسْمٌ؛ أن المتصرف من الأفعال القلبية يجوز إعماله في ضميرين متصلين لمسمى واحد، أحدهما فاعل والآخر مفعولاً، ظننتُني خارجاً، خِلْتُنِي لِيَ اسْمٌ، التاء هنا فاعل، والياء مفعول أول، ومصدقهما واحد وهو المتكلم. لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنّ تُهَمَهْ ... تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ أراد أن يبين ما ذكرناه سابقاً أن هذه الأفعال إنما تعمل إذا دلت على اليقين أو الرجحان، وقد تخرج بعضها إلى معانٍ أخرى، مما يخرج: علم عن معنى اليقين، تأتي بمعنى عرف، وظن تأتي بمعنى اتهم، عرفتُ زيداً، علمتُ زيداً .. عرفت زيداً.

стр. 807

إذاً: عرفتُ زيداً يتعدى إلى واحد، إذا جاءت علم بمعنى عرف حينئذٍ يتعدى إلى واحد، هل تكون من هذا الباب؟ الجواب: لا، لا تكون من هذا الباب، علمتُ زيداً، نقول: هذا يتعدى إلى واحد فقط، (ظنَّ) تتعدى إلى اثنين، وقد تأتي بمعنى اتهم، اللفظ هنا لا يراعى فحسب، إنما ينظر إلى معناه أيضاً، ظننت زيداً، قد يظن الظان ظننت زيداً قائماً، فحذف المفعول الثاني، لكن ظننتُ إذا كانت بمعنى اتهم، حينئذٍ تتعدى إلى واحد: اتهمتُ زيداً، ظننتُ زيداً. ذكرها من باب الاستطراد فحسب؛ لبين أنه إذا دخلت عليها همزة الاستفهام وتعدت إلى اثنين ليس للمفعولين حكم المفعولين الأصليين. لِعِلْمِ عِرْفَانٍ: مضاف ومضاف إليه، هذا خبر مقدم. وَظَنِّ تُهَمَه: أيضاً: مضاف ومضاف إليه، عِرْفَانٍ هذا مصدر عرف، وَظَنِّ تُهَمَه: تُهَمَه مصدر اتهم. عِلْمِ عِرْفَانٍ، عِلْمِ يدل على العرفان، فهو من إضافة الدال إلى المدلول. (ظَنِّ) تُهَمَه، (ظنَّ) يدل على التهمة، هذا من إضافة الدال إلى المدلول، والمراد: لعلم عرفان أي: لهذه المادة الدالة على العرفان بأي صيغة كانت، وكذا يقال فيما بعده. لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَهْ ... تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ يعني: يجب أن يتعدى إلى واحد، تَعْدِيةٌ هذا مبتدأ مؤخر؛ لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَه: متعلق به، لِوَاحِدٍ: هذا متعلق بقوله: تَعْدِيةٌ، ومُلْتَزَمَهْ: هذا صفة لتعدية. تَعْدِيةٌ مُلْتَزَمَهْ، يعني: واجبة متحتمة. لِوَاحِدٍ: لمفعول واحد لا لاثنين، فليس كلما رأيت (علم وظن) فهو يتعدى لاثنين، لا، قد يتعدى إلى واحد، وإن لم يكن بمعنى السابق. لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَه: نقول: نبه على أنهما لا يتعديان إلى مفعولين أحياناً، إذا كانت علم بمعنى عرف، وظن بمعنى اتهم، مع أن الحكم عام في سائر الأفعال، أفعال القلوب، كما ذكرناه سابقاً، (خال) قد تتعدى إلى واحد وكذلك (درى ووجد) قد تتعدى إلى واحد كل الأفعال، قد تكون لازمة لا تتعدى، وقد تتعدى إلى واحد، لماذا نص على هذين الفعلين وترك البقية، مع أن الحكم عام في سائر الأفعال؟ لأن (علم وظن) الأصل -هي الأصل-، وما عداهما فهو محمول عليه، ولذلك نقول: وجد تأتي بمعنى علم، وحسب تأتي بمعنى ظن، هي أصل، حينئذٍ لها مراعاة من حيث الذكر وعدمه، وغيرهما ينصبان إذا كانا في معناهما، وأيضاً غيرهما عند عدم النصب يخرج عن القلبية غالباً، إذا لم تنصب: (درى وحسب) ونحو ذلك إذا لم تنصب حينئذٍ خرجت عن معنى القلب، هذا في الغالب، بخلاف (علم) إذا خرجت إلى المعرفة، المعرفة قلبية أيضاً ما زالت، والتهمة كذلك ما زلت قلبية، إذاً: كونها تتعدى إلى واحد لن يخرج عن معناها الأصل، وهو أنه فعل قلبي، ولذلك نص الناظم عليهما. الفرق بين العلم والمعرفة: قيل: بأن المعرفة هنا تتعلق بالذات -شخص واحد-، وأما العلم فيتعلق بالصفات المعاني، العلم يتعلق بصفات الذوات وأقسامها، والمعرفة تتعلق بالذوات.

стр. 808

قال الرضي: لا فرق بينهما في المعنى، يعني: بين العلم والمعرفة في المعنى، إذا كانت علم بمعنى عرف تعدت إلى مفعول واحد، كقوله: علمتُ زيداً عرفته عرفت زيداً، ومنه قوله تعالى: ((وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا)) [النحل:٧٨]، يعني: لا تعرفون شيئاً، فالعلم هنا بمعنى المعرفة. وكذلك إذا كانت (ظنَّ) بمعنى اتهم تعدت إلى مفعول واحد، ظننتُ زيداً اتهمته، ((وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ)) [التكوير:٢٤]، ضَنِينٍ أي: بمتهم هو، وتقول لمن سرق ماله: وظننتُ زيداً، يعني: اتهمته، إذا سرق المال، ظننتُ زيداً، يعني: هو السارق اتهمته بالسرقة، ((وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ)) أي: بمتهم، واسم المفعول منه: مظنون الظنين، وحينئذٍ إذا قيل: بأن علم بمعنى عرف تتعدى إلى مفعول واحد، وظن بمعنى اتهم تتعدى إلى مفعول واحد، هل هما من هذا الباب؟ ليس من هذا الباب، إذاً: ليست من التي تنصب مفعولين. وَلِرَأَى الرُّؤْيَا انْمِ مَا لِعَلِمَا ... طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبْلُ انْتَمَى وَلِرَأى الرُّؤيا: رأى التي مصدرها الرؤيا، احترازاً من رأى التي مصدرها رؤية بالتاء؛ لأنها تكون بصرية، وأما رأى التي مصدرها الرؤية فهي رأى الحُلُمية، -منام-، رأى شيئاً في المنام، هذه رأى تتعدى إلى مفعولين، مثل: علم ونحوه، وهذا سبق التنبيه عليه في أوله. وَلِرَأى الرُّؤيا يعني: التي مصدرها الرؤية، أضاف رأى للرؤية ليُعلم أنها الحلمية؛ لأن مصدرها الرؤية، في المشهور، وإلا ابن هشام يخالف في هذا. وَلِرَأى الرُّؤيا انْمِ: انْمِ يعني: انسب لِرَأى الرُّؤيا، مَا لِعَلِمَا: يعني: ما انتمى لعلم حال كونه: طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبْلُ: علم لها قبل وله بعد الآن في كلام الناظم، ذكرها أولاً تنصب مفعولين، وذكرها ثانياً: تنصب مفعولاً واحد، الذي هو: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ، فلها إطلاقان: إطلاق تنصب مفعولين، وإطلاق تنصب مفعولاً واحداً، قال هنا:

стр. 809

انْمِ انسب، لِرَأى: التي مصدرها الرؤيا وهي حلمية، الذي انْتَمَى: انتسب لِعَلِمَا حال كونه: طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبْلُ، أي: قبل ذكر علم العرفانية، قبل: يعني: قبل ذكر علم العرفانية، وهي السابقة، لِعَلِمَا: نقول: هذا جار ومجرور متعلق بقوله: انْتَمَى، طَالِبَ بالنصب حال من فاعل علم، طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ مِنْ قَبْلُ: أي: قبل ذكر علم العرفانية، وانْتَمَى، بمعنى: انتسب، أي -معنى البيت-: انسب لرأى التي مصدرها الرؤيا الذي انتسب لعلِم متعدية إلى مفعولين من الأحكام؛ ولذلك لأنها مثلها من حيث الإدراك بالحس الباطني، رأى الرؤيا حسٌ باطني، وعلم الاعتقادية اليقينية كذلك حسٌ باطني، هذا وجه المشابهة فحملت عليه، إذا كانت رأى حلمية بإسكان اللام ويتحرك بالضم، حُلُمية وحُلْمية التي للرؤيا في المنام تعدت إلى مفعولين كما تتعدى إليهما علِم، مذكورة مِنْ قَبْلُ، يعني: قبل علم العرفانية، ولذلك قال: طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ، هذا قيد به؛ لئلا يعتقد أنه أحال على علم العرفانية، ولهذا أشار بقوله: وَلِرَأى الرُّؤيا انْمِ: أي: انسب لرأى التي مصدرها الرؤيا، وليس مطلقاً، وإنما هو في المشهور الأكثر، احترازاً من رأى رؤية، حينئذٍ هذه بصرية لا تتعدى إلا إلى واحد. قال ابن هشام: ولا تختص الرؤيا بمصدر الحلمية، بل تقع مصدراً للبصرية، خلافاً للحريري وابن مالك؛ بدليل: ((وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ)) [الإسراء:٦٠]، قال ابن عباس: هي رؤيا عين، لكن الأكثر والأشهر أن رأى حلمية، مصدرها يطلق رؤيا، وأما الأشهر والأكثر في رأى البصرية فهو (رؤية) بالتاء، وتلك بالألف، ولا مانع من أن يأتي هذا مقام ذاك. انسب لرأى التي مصدرها الرؤيا ما نسب لعلم المتعدية إلى اثنين، فعبر عن الحلمية بما ذكر؛ لأن الرؤيا وإن كانت تقع مصدراً لغير رأى الحلمية، وهذا كلام جيد، فالمشهور كونها مصدراً لها، ومثال استعمال رأى الحلمية المتعدية لاثنين قوله تعالى: ((إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا)) [يوسف:٣٦]، أَرَانِي: الرؤيا هذه حلمية، والياء هذه مفعول أول، وأَعْصِرُ خَمْرًا، الجملة هذه في مفعول ثاني. إذاً: تعدت إلى مفعولين، حملت على علم التي تتعدى إلى مفعولين، بجامع أن كلاً منهما إدراك باطني بحس الباطن. وَلاَ تُجِزْ هُنَا بِلاَ دَلِيلِ ... سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ لما كان الأصل في دخول هذه الأفعال على المبتدأ والخبر، والمبتدأ والخبر لهما أحكامٌ من حيث الحذف وعدمه، ومن حيث وجوب الحذف وعدم جواز الذكر .. إلى آخره، كان الأصل في هذا الباب أن يكون محمولاً على ما سبق، هذا هو الأصل، لكنه خالف في بعض المسائل. ولاَ تُجِزْ: لا ناهية، تُجِزْ، هذا مجزوم بها، هُنَا: يعني: في هذا الموضع في هذا المكان، بخلاف غيره، وإذا قيد ابن مالك في الباب حينئذٍ حمل عليه، وإذا أطلقه الأصل الإطلاق، كما قال: وَشَاعَ فِي ذَا البَابِ إسْقَاطُ الخَبَرْ هنا قال: ولاَ تُجِزْ هُنَا، أي: في هذا الباب.

стр. 810

إذاً: ثم مسألة هنا تخالف ما سبق، ولاَ تُجِزْ هُنَا، يعني: في هذا الباب بِلاَ دَلِيلِ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ: لا تجز سقوط مفعولين، لا تقل: ظننتُ وتسكت، متى هذا؟ إذا لم يكن بلا دليل، مفهومه: إذا كان ثم دليل يعني: قرينة، حينئذٍ، هل زيدٌ قائمٌ؟ تقول: ظننتُ، يعني: ظننتُ زيداً قائماً، وقع في جواب السؤال، فجاز حينئذٍ حذف المبتدأ أو حذف المفعول الأول وخبره، بِلاَ دَلِيلِ: وهذا يسمى -الحذف إذا كان بلا دليل- يسمى اقتصاراً، وإذا كان بدليل يسمى اختصاراً، ففرق بين الاختصار والاقتصار، الاقتصار حذف بلا دليل، والاختصار حذف بدليل، ولاَ تُجِزْ هُنَا بِلاَ دَلِيلِ، يسمى اقتصاراً، يعني: الحذف بلا دليل يسمى اقتصاراً، بالاقتصار على نسبة الفعل إلى الفاعل بتنزيله منزلة اللازم في صورة حذف المفعولين، إذا حذفنا المفعولين ولم يجز- في الاقتصار الكلام في الاقتصا، إذا حذفنا المفعولين، تقول: ظننت، هنا نزلته مُنَزّلَة الفعل اللازم الذي لا يتعدى، وعلى أحد المفعولين، يعني: في صورة حذف أحد المفعولين، لتنزيله المتعدي إلى واحد، بصورة حذف أحدهما، إذا قلت: ظننتُ زيداً، شبهته بـ (ضربت زيداً) هذا فيه نوع اقتصار. وَلاَ تُجِزْ هُنَا بِلاَ دَلِيلِ ... سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ أَوْ مَفْعُولِ أما الثاني فبالإجماع: لاَ تُجِزْ بِلاَ دَلِيلِ سُقُوطَ مَفْعُولِ: الثاني هذا بالإجماع، يعني: بالاقتصار في حال الاقتصار؛ لأنه فرق بين الحالين، أما الثاني فبالإجماع لا يجوز، وفي الأول الذي هو سقوط المفعولين وهو حذفهما معاً اقتصاراً خلافٌ. إذاً: عندنا حالان: سقوط مفعولين أو مفعول، سواء كان الأول أو الثاني عندنا حالان. القسم الثاني: الذي هو سقوط المفعول هذا بالإجماع لا يجوز اقتصاراً، وفي الأول: سقوط المفعولين وحذفهما معاً اقتصاراً خلاف، فعن سيبويه والأخفش المنع مطلقاً كما هو ظاهر إطلاق الناظم، عن سيبويه والأخفش المنع مطلقاً، يعني: سقوط المفعولين فيه خلاف، اقتصاراً بلا دليل، والناظم هنا قال: وَلاَ تُجِزْ سُقُوطَ مَفْعُولَيْنِ بِلاَ دَلِيلِ، إذاً: وافق سيبويه والأخفش، وعن الأكثرين الجواز مطلقاً. الجمهور أنه يجوز بلا دليل سقوط المفعولين، وعن الأكثرين الجواز ملطقاً، لقوله: ((أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى)) [النجم:٣٥]، أي: يعلم، رأى علمية هنا، ما ذكر المفعول ولا المفعول الثاني، لا الأول ولا الثاني سقط المفعولان. وليس في التركيب ما يدل على تقدير هذين المفعولين، فدل على أنه يجوز حذف المفعولين اقتصاراً بلا دليل، ((وَظَنَنْتُمْ (ظنَّ) السَّوْءِ)) [الفتح:١٢]، أين المفعولان؟ محذوفان، ((ظَنَّ السَّوْءِ)) هذا مفعول مطلق، أين المفعولان؟ لا وجود لهما، هذا اختصار. إذاً: حذف مفعول واحد منهما اقتصاراً لا يجوز بالإجماع، وأما حذف المفعولين اقتصاراً ففيه خلاف، منعه سيبويه والأخفش، وظاهر كلام الناظم عليه، والجمهور على الجواز للآيتين المذكورتين.

стр. 811

وأما حذفهما لدليل ويسمى اختصاراً، فجائز إجماعاً -حذف المفعولين-، ولا تجز بلا دليل سقوط مفعولين، سقوط المفعولين بدليل جائز، مفهوم مخالفة، بلا دليل مفهومه أنه إذا كان بدليل، وسقط المفعولان جائز، وهذا محل إجماع: بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بأَيَّةِ سُنَّةٍ ... تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَىَّ وَتَحْسِبُ وَتَحْسِبُ، أين المفعولان؟ محذوفان، التقدير وتحسب حبهم عاراً علي. إذاً: حذف المفعولين بدلالة ما سبق عليه: ((أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ)) [القصص:٦٢]، تزعمون ماذا أين هو؟ أين المفعولان؟ محذوفان، تزعمونهم شركائي. إذاً: حذف المفعولين اختصاراً جائز بالإجماع، وفي حذف أحدهما اختصاراً خلاف، هذا من أغرب الخلاف عند النحاة، وفي حذف أحدهما اختصاراً خلاف، فأجازه الجمهور ومنعه البعض. إذاً: الخلاصة نقول: يجوز بالإجماع حذف المفعولين اختصاراً، وأما حذفهما اقتصاراً فالأكثرون على الجواز، ومنعه سيبويه وظاهر النظم على ذلك. ويمتنع حذف أحدهما اقتصاراً بالإجماع، وأما اختصاراً ففيه خلاف أجازه الجمهور ومنعه البعض. قال: لا يجوز في هذا الباب سقوط المفعولين ولا سقوط أحدهما إلا إذا دل عليه دليل. مثال حذف المفعولين: هل ظننتَ زيداً قائماً، إذا وقع في سؤال، تقول: ظننتُ يعني: ظننتُ زيداً قائماً، والبيت الذي ذكرناه سابقاً والآية. ومثال حذف أحدهما للدلالة أن يقال: هل ظننتَ أحداً قائماً؟ ظننتُ زيداً، حذفت الثاني؛ لدلالة السؤال، أي: ظننتُ زيداً قائماً، تحذف الثاني للدلالة عليه: وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلاَ تَظُنِّي غَيْرَهُ ... ... مِنِّي: تَظُنِّي غَيْرَهُ واقعاً مني، حذف الثاني لدلالة المقام عليه. وهذا الذي ذكره المصنف هو الصحيح من مذاهب النحاة، فإن لم يدل دليل على الحذف لم يجز لا فيهما ولا في أحدهما، فلا تقل: ظننتُ، ظننتُ ماذا؟! ولا ظننتُ زيداً، ولا ظننتُ قائماً، تريد ظننتُ زيداً قائماً. وَكَتَظُنُّ اجْعَلْ تَقُولُ إِنْ وَلِي ... مُسْتَفْهَمَاً بِهِ وَلَمْ يَنْفَصِلِ القول -كما سبق معنا مراراً- هو وما اشتُق منه: (قال، يقول، قل)، يتعدى إلى مفعول وينصب مفعول، والأصل أن يكون جملة محكية: ((قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ)) [مريم:٣٠]، قَالَ: فعل ماض، ذكرناه عند قوله: قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ، قلنا يتعدى إلى مفعول واحد، والغالب فيه أن يكون محكياً، -جملة محكية-: ((قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ))، وحينئذٍ نقول: الأصل فيه أن الجملة تحكى كما هي، يعني: لا ننصبها؛ لأنه قال: قال محمدٌ عمروٌ منطلقٌ لا نقول: قال محمدٌ عمراً منطلقاً، فننصبهما على تسليط قال، لا، بل تحكى كما هي، وإن جوز بعضهم النصب، لكن المشهور أنها تحكى كما هي، إن كانت مبنية مبنية فعلية، وإن كانت اسمية فهي على الرفع.

стр. 812

ومفعوله إما مفرد وهو على نوعين: مفرد في معنى الجملة، قلتُ قصيدةً، قلتُ خطبةً، قلتُ كلمةً، يعني: محاضرةً مثلاً، فنقول: هذه كلها ألفاظ مفردات في اللفظ إلا أنها في المعنى جمل، هذا يُنصب مباشرة ليس كالجملة، الجملة تحكى: ((قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ))، وأما قلتُ قصيدةً، بالنصب مفعول به، مثل: ضربتُ زيداً، نقول: قصيدةً مفعول به العامل فيه قال، لماذا؟ لأنه يتعدى إلى مفعول، ينصب مفعول، إما جملة وإما مفرد، والمفرد هذا ليس كل مفرد، لا تقل: قال زيداً، وإنما يكون في معنى الجملة، قلتُ قصيدةً. ومفرداً يراد به مجرد اللفظ: ((يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)) [الأنبياء:٦٠]، إِبْرَاهِيمُ نقول: هذا يراد به اللفظ، يعني: الاسم يطلق عليه هذا الاسم، وزيد ثالث -وهذا أشبه ما يكون بالاصطلاح-: المفرد الذي مدلوله لفظ: قلتُ كلمةً، إذا كنت تلفظت بلفظ زيد مثلاً، ليس المراد كلمة محاضرة موعظة لا، قلتُ كلمةً، تلك هي في المعنى جُمل، وهذه لا المراد بها قلتُ كلمةً يعني: اسماً لفظ زيد واحد كلمة، زيد قال كلمة: يعني: نطق بكلمة واحدة، نقول: هذا شيء ثالث. إذاً: مفرد يراد به مجرد اللفظ، ومفرد في المعنى -في معنى الجملة-: قلتُ شعراً، خطبة إلى آخره، وزيد: مفردٌ مدلوله لفظ كما ذكرناه. إذاً: الجملة تحكى به فتكون في موضع مفعولٍ له، سواء لفظ بالجملة بأجزائها كلها أم لا؟ ((قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ)) [هود:٦٩]، سَلامًا: هل نقول هذا كلمة واحدة منصوبة بـ (قال)، أم أنها جملة؟ جملة، لكنها لم تذكر كل الأجزاء، حينئذٍ الجملة كلها نقول في محل نصب، وليست سَلامًا فحسب، أسلم سلاماً كلها - ((قَالَ سَلامٌ): سَلامٌ عَلَيْكُمْ، الجملة كلها في محل نصب لقال، وقد يكون اللفظ (قال) يعامل معاملة ظن، يعني: يضمن معنى الظن، وإذا ضمن معنى الظن حينئذٍ تعدى إلى مفعولين، هذا يكون مثل: ظن، ظننتُ زيداً قائماً، أتقول زيداً قائماً؟ تعدى إلى مفعولين، لكن ليس له شروط ليس على إطلاقه. وَكتَظُنُّ اجْعلْ تَقُولُ: إذاً: خرج عن أصله، الأصل في لسان العرب المشهور: أن الجمل بعده تحكى، وأن المفردات على التفصيل السابق، فيقتضي مفعولا واحداً، -ينصب مفعول واحد-، وإذا جعل طالباً لمفعولين نقول: خرج عن الأصل. اجْعلْ تَقُولُ كتَظُنُّ: كتظن متعلق بقوله: اجْعلْ، واجعل هذا فعل أمر وتَقُولُ: هذا قصد لفظه فهو في محل نصب، اجعل تقول كتظن عملاً ومعنى، معنى من حيث تضمين، تقول معنى الظن، أتقول زيداً عالماً، يعني: أتظن من جهة المعنى، أو من جهة العمل أن تعمله مثلما تعمل ظن، فظن يتعدى إلى مفعولين إذا كان فعل مضارع كذلك تقول.

стр. 813

وَكتَظُنُّ عملاً، ومعنى اجْعلْ تَقُولُ: اجعل صيغته صيغة الأمر، لكن المراد به الجوار، ليس واجب، يعني: ما سيذكر من الشروط شروط للجواز لا للوجوب، إذاً: اجْعلْ هذا ليس على ظاهره، بل هو مصروفٌ، اجْعلْ تَقُولُ، تقول هذا فعل مضارع، -هذا أول شرط-، ابن مالك يذكر الأمثلة ونأخذ منها الشرط، تَقُولُ: هذا فعل مضارع، مبدوء بتاء الخطاب،- هذان شرطان-، إنْ وَلِي مُسْتَفْهَماً: -شرط ثالث-، وَلَمْ يَنْفَصِلِ بِغَيرِ ظرفٍ: -شرط رابع-، أربعة شروط، إن وجدت جاز أن ينصب هذا اللفظ مفعولين كتظن، إن انتفت كلها أو بعضها، لا يجوز أن ينصب به مفعولان إلا في لغة سليم كما سيأتي. إذاً: تَقُولُ، نقول: هذا مضارع مبدوء بتاء الخطاب، فإن قال: أيقول زيدٌ عالمٌ، وجب الرفع ولا يجوز النصب؛ لأن شرطه أن يكون بتاء الخطاب، تقول: زيداً منطلقاً، نقول: هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه لم يسبقه استفهام. وَكتَظُنُّ اجْعلْ تَقُولُ: سوَّى به السِّيرافي قلتَ بالخطاب، وهو ضعيف، وسوَّى به الكوفي قل، وهو أمر، تقول: هذا كذلك ضعيف. إنْ وَلِي تَقُولُ مُسْتَفْهَماً بِهِ من حرف أو اسم كما سيأتي. وَلَمْ يَنْفَصِلِ عنه بِغَيرِ ظرفٍ، فإن فُصل بظرف لا إشكال، أوْ كَظَرْفٍ وهو الجار والمجرور، أوْ عَمَلْ، يعني: معمول لتقول، إن انفصل بين الاستفهام وبين تقول بواحد من هذه الثلاثة، حينئذٍ نقول: هو باق على أصله من كونه ينصب مفعولين، إن انفصل بغير هذه الثلاث، حينئذٍ نقول: خرج عن الإعمال. بِغَيرِ ظرفٍ: أَبَعْدَ بُعْدٍ تَقُولُ الدَّارَ جَامِعَةً: أبعد بعدٍ، بعد بعدٍ هذا ظرف، تَقُولُ الدَّارَ جَامِعَةً، أتقول الدار جامعة؟ تقول هنا نصب لأنه فعل مضارع، وبتاء الخطاب، وسبقه استفهام ولم يفصله شيء بينه وبين الاستفهام وهو بمعنى ظن، فتعدى إلى مفعولين، تقول: تقولُ زيداً عالماً، مفعول أول ومفعول ثاني، إذا قلت: أبعدَ بعدٍ تقولُ زيداً عالماً، فصل بين الاستفهام وتقول ظرف، هل يمنعه؟ لا؛ لأنه يتوسع في الظروف والمجرورات ما لا يتوسع في غيرهما. أعندكَ تقولُ عمراً مقيماً؟ فصل بالظرف الصريح، أفي الدار تقول زيداً جالساً، جار ومجرور جائز. (أَجُهَّالاً تَقُولُ بَنِي لُؤَىٍّ)؟ - أَوْ عَمَلْ- المراد بالعمل هنا المعمول لتقوم، يعني: بالمفعول الأول أو بالثاني لا بأس، (أَجُهَّالاً تَقُولُ بَنِي لُؤَىٍّ)؟ أَتَقُولُ: بَنِي لُؤَىٍّ جُهَّالاً؟ فصل بالمعمول الثاني هذا جائز لا يمنعه. إذاً: وَلَمْ يَنْفَصِلِ .. بِغَيْرِ هذه المذكورات، فإن فصل بغير هذه المذكورات نقول: لا يعمل، ولذلك قال: وَلَمْ يَنْفَصِلِ عنه، يعني: عن الاستفهام بِغَيْرِ ظَرْفٍ، فإن فصل بالظرف فهو باق على أصله، أوْ كَظَرْفٍ وهو الجار والمجرور، أفي الدار تقول زيداً جالساً، أوْ عَمَلْ، يعني: معمول والمراد به ما يعم المفعولين معاً، أي: عمل أحد المفعولين؛ لأنه بمعنى معمول وفي تذكير عمل إشعار بأنه لا يفصل إلا بأحد المفعولين لا بهما معاً؛ لأن التنكير يشعر بالتقليل.

стр. 814

وَإنْ بِبعْضٍ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ: هذا قال المكودي: تصريح بما فهم من الشطر الذي قبله، يعني: هل في فائدة في قوله: وَإنْ بِبعْضٍ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ؟ لأنه قال: .... وَلَمْ يَنْفَصِلِ ...... بِغَيْرِ ظَرْفٍ أوْ كَظَرْفٍ أوْ عَمَلْ: مفهومه أنه لو فصل بواحد من هذه الثلاث يمنع، إذاً: ما الفائدة من قوله: وَإنْ بِبعْضٍ ذِي فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ؟ تصريح بالمفهوم السابق، حينئذٍ لا وجه لهذا الشطر؛ لأنه مأخوذ من قوله: .... وَلَمْ يَنْفَصِلِ ...... بِغَيْرِ ظَرْفٍ ...... : وهنا مفهوم مخالفة، فإن فصل بواحدة من هذه، حينئذٍ نقول: لا يعمل، قد يقال فيه فائدة، وهذا هو الظاهر. ..... وَلَمْ يَنْفَصِلِ ........ بِغَيْرِ ظَرْفٍ أوْ كَظَرْفٍ أوْ عَمَلْ: يحتمل أنه لو فصل بها كلها جاز، وليس الأمر كذلك، يعني: لو قيل مثلاً: أعندك في الدار عمراً؟ تقول: جالساً، فصل بالجميع، يجوز أو لا يجوز؟ عند الناظم لا يجوز، لذلك في البيت الشطر الثاني فيه فائدة: تنصيص على أنه الفصل يكون بالبعض لا بالكل. وَإنْ بِبعْضٍ ذِي: لا بكلها، فإن فصل بكلها فالمنع عند سيبويه وظاهر كلام الناظم عليه، إذاً: فيه فائدة خلافاً لما ذكره المكودي. وَإنْ بِبعْضٍ: يعني: لا بالكل، أعندك؟ هذا ظرف، في الدار ظرف، جار ومجرور .. عمراً هذا مفعول أول، تقول: جالساً، نقول هنا على كلام الناظم: ما يصح النصب، بل تقول: أعندك في الدار عمروٌ تقولُ جالسٌ، لا يصح النصب، نصب وسيبويه على المنع. وَإنْ بِبعْضٍ ذِي -المذكورات الثلاث المتقدمة- فَصَلْتَ يُحْتَمَلْ، بمعنى يغتفر، يعني: اغتفر، يحتمل بمعنى يغتفر وزناً ومعنى. قال ابن عقيل: القول شأنه إذا وقعت بعده جملة أن تحكى هذا هو الأصل فيه، تحكى كما هي، إن كانت مرفوعة فهي مرفوعة: ((قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ)) [مريم:٣٠] كما هي، قال زيدٌ. قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ قال زيدٌ عمروٌ منطلق، أين المحكي هنا؟ عمروٌ منطلق، أما زيد هذا فاعل، وتقول زيدٌ منطلقٌ، لكن الجملة بعده في موضع نصب على المفعولية، وقد ينصب مفرداً كما ذكرناه سابقاً. ويجوز إجراؤه مجرى الظن، فينصب المبتدأ والخبر مفعولين كما تنصبهما ظن. والمشهور أن للعرب في ذلك مذهبين: أحدهما: وهو مذهب عامة العرب أنه لا يجرى القول مجرى الظن إلا بشروط أربعة ذكرها الناظم فيما سبق. فمثال ما اجتمعت فيه الشروط قولك: أتقول عمراً منطلقاً، الهمزة للاستفهام، وتقول: هذا بمعنى ظن، وسبقه استفهام، وهو فعل مضارع وذو خطاب ولم ينفصل بشيء بينه وبين الاستفهام، فـ (عمراً) مفعول أول، ومنطلقاً مفعول ثاني، وهذه شروط للجواز لا للوجوب -تنبه-، فيصح أن تقول: أتقول عمروٌ منطلق -مع استيفاء الشروط-، فإن فقد شرط من هذه الشروط تعين رفع الجزأين على الحكاية، نحو: قال زيدٌ عمروٌ منطلقٌ، ويقول: زيدٌ عمروٌ منطلقٌ وأنت تقولُ زيدٌ منطلقٌ، وأأنت تقولُ زيدٌ منطلقٌ، أأنت تقول: زيدٌ منطلقٌ، هذا فصل بأجنبي .. أأنت تقولُ زيدٌ منطلقٌ جاء بعد همزة استفهام، فهو مبتدأ والجملة خبر، تقول: زيدٌ منطلقٌ إذاً فصل بغير المعمول.

стр. 815

زاد السهيلي شرطاً آخر خامساً: وهو أن لا يتعدى باللام، فإن تعدى باللام حينئذٍ بطل عمله، نحو: أتقول لزيدٍ عمروٌ منطلقٌ، وزاد في التسهيل أن يكون حاضراً لا مستقبلاً، أن يكون الزمن فيه حاضراً، أما إذا كان في زمن المستقبل لا يمنع، وفي شرحه أن يكون مقصوداً به الحال، وهذا كله في غير لغة سُليم. فإن كان الفعل غير مضارع، وهذا ذكر فيه الاحترازات. وَأُجْرِيَ القَوْلُ كَظَنٍّ مُطْلَقَا ... عِنْدَ سُلَيْمٍ نَحْوُ قُلْ ذَا مُشْفِقَا سُلَيْمٍ في لغتهم أُجْرِيَ القَوْلُ كَظَنٍّ مُطْلَقَا بلا شرط ولا قيد، يعني: ينصب مفعولين بمعنى (ظنَّ) بدون أن يشترط فيه واحد من الشروط الأربعة السابقة، وهذا سهل، تقول: زيداً منطلقاً، قل: زيداً منطلقاً، أنت تقول هو يقول: زيداً منطلقاً، قل ما شئت، فينصب مفعولين اثنين. وَأُجْرِيَ القَوْلُ: القَوْلُ هذا نائب فاعل، كَظَنٍّ: هذا حال من القول، مُطْلَقَا: حال ثانية، حالٌ بعد حال، يعني: بدون شرط، مطلقاً هنا مقابل لما سبق. (وَكتَظُنُّ اجْعلْ تَقُولُ إنْ وَلِي ... مُسْتَفْهَماً): هذا مقيد، ودائماً إذا جاء لفظ (مطلقاً) تبحث عما قبله وعما بعده، هل ثم قيد، لأن وحده ما يكفي، إذا قيل: مطلقاً، ما مطلقاً هذا! لابد من شيء مفسِّر، يعني: مطلقاً عن القيد والشرط، لابد أن يكون شيءٌ ذكر فيه شرط سابق أو لاحق، فإذا لم يكن لم يصح اللفظ من أصله. وَأُجْرِيَ القَوْلُ كَظَنٍّ: أجري القول وما تصرف منه، كَظَنٍّ: يعني: من جهة المعنى والعمل، مُطْلَقَا: بدون شرط أو قيد، عِنْدَ سُلَيْمٍ: هذا متعلق بأُجْرِيَ، نَحْوُ قُلْ ذَا مُشْفِقَا: ذَا مُشْفِقَ ما إعرابه؟ ذَا مفعول أول مبني لأنه اسم إشارة، ومُشْفِقَا، هذا مفعول ثاني، لو لم يرد مشفقاً يحتمل أنه منصوب الاثنين أو لا، وهذا على جهة الجواز؛ لأن الرفع على الحكاية عندهم جائز. قَالَتْ وَكُنْتُ رَجُلاً فَطِينَا ... هَذَا لَعَمْرُ اللهِ إِسْرَائِينَا هَذَا مفعول أول لـ: قالت، وإِسْرَائِينَا مفعول ثاني. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 816

عناصر الدرس * شرح الترجمة (أعلم وأرى) ـ * تعدي (رأى وعلم) إلى ثلاثة مفاعيل وحكم المفاعيل * تعدي (راى وعلم) إلى مفعولين وحكمهما * تعداد بقية الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل * شرح الترجمة (الفاعل) وحده وحكمه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: أعْلَمَ وَأَرَى: إِلَى ثَلاَثَةٍ رَأَى وَعَلِمَا ... عَدَّوْا إِذَا صَارَا أَرَى وَأَعْلَمَا لازال الحديث فيما يتعلق بعلم وما تفرع عنها، نص فيما سبق أن علم تأتي متعدية لمفعولين؛ وذلك إذا كانت اعتقادية أو استعملت بمعنى الظن، وقد تأتي بمعنى العرفان، حينئذٍ تتعدى إلى مفعول واحد. في هذا الباب أراد أن يبين أن علم التي تتعدى إلى مفعولين قد تدخل عليها همزة النقل، وحينئذٍ تصيرها ناصبة لثلاثة مفاعيل، وهذا شأن همزة النقل؛ همزة النقل يعني: تنقل الفعل من كونه لازماً إلى كونه متعدياً، يكون الفعل لازم: خرج زيد هذا لا يتعدى بنفسه، يعني: لا ينصب مفعولاً بنفسه مباشرة، حينئذٍ إذا قلت: أخرجت زيداً أدخلت همزة النقل: أخرجت، الهمزة هذه زائدة، خرج وأخرج فرق بينهما، خرج هذا لازم وأخرج هذا متعدي، ولكن تعديه بهمزة النقل، وليست منحصرة فيها؛ لأنه قد يُضعَّف، تقول: خرَّجتُ زيداً، إذاً تعدى بالهمزة وتعدى بالتضعيف، والمراد هنا التعدي بالهمزة، حينئذٍ همزة النقل تجعل اللازم متعدياً إلى واحد؛ تنقله من كونه لازماً إلى متعدٍ لواحد. ثم إذا كان متعدياً إلى واحد تجعله متعدياً إلى اثنين: لبس زيد جبة، لبس: فعل ماض، وزيد: فاعل، وجبة: هذا مفعول به، إذاً: تعدى هذا إلى واحد، إذا دخلت عليه الهمزة: ألبست زيداً جبة، ما الذي صير الفعل ونقله من كونه متعدياً إلى واحد إلى أن صار ناصباً لمفعولين؟ هو همزة النقل، ثم ما كان متعدياً إلى اثنين ودخلت عليه همزة النقل صيرته ناصباً لثلاثة مفاعيل، وهو أعلم وأرى، حينئذٍ أعلم وأرى -أرى الحُلُمية هنا- تنصب مفعولين إذا دخلت عليها الهمزة، حينئذٍ صيرتها ناصبة لثلاثة مفاعيل، وكذلك علم العرفانية سيأتي أنها تتعدى إلى اثنين. أعْلَمَ وَأَرَى أي: هذا باب ذكر ما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل وهو أعلم وأرى، الأصل علم ورأى، ومن الصيغة تعلم أن التعدي هنا حصل بالهمز؛ لأنه هناك ذكر علم، وذكر رأى: وَلِرَأَى الرُّؤْيَا، إذاً: هي مجردة عن الهمزة، وهنا عنون بما هو مشتمل على الهمزة، فتعلم أن التعدي إنما حصل بهمزة النقل، هذا واضح من الترجمة والعنوان. إِلَى ثَلاَثَةٍ رَأَى وَعَلِمَا: رأى أو أرى، أرى أصلها (أَرْأَيَا) تحركت الياء يعني: بالفتحة أرأيا، حينئذٍ نقول: فتح ما قبلها فوجب قلبها ألفاً، ثم أريد التخفيف بحذف الهمزة وألقيت حركتها لما قبل فحذفت فصار أرى، فأرى أصلها: أرأيا، قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم حذفت الهمزة بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها، وأما أعلم فهي كما هي.

стр. 817

إِلَى ثَلاَثَةٍ رَأَى وَعَلِمَا: قال في الترجمة: أعْلَمَ وَأَرَى، ولما ذكر: إِلَى ثَلاَثَةٍ، قال: (رَأَى وَعَلِمَا)، قدم رأى على علم، هل هذا مقصود أم أنه هكذا اتفاقاً؟ في بعض النسخ الترجمة: (أَرَى وَأعْلَمَ)، حينئذٍ لا خلاف، رجحها بعضهم بناءً على ما ذكره في البيت: (إِلَى ثَلاَثَةٍ رَأَى وَعَلِمَا)، إذاً: النسخة التي فيها الترجمة: تقديم أرى على أعلم لا إشكال فيها، وأما هذه: (أعلم وأرى) ثم قال: (إِلَى ثَلاَثَةٍ رَأَى وَعَلِمَا)، حينئذٍ نقول: لعله من باب الاتفاق فحسب، يعني: ليس مقصوداً، إلا إذا جُعل أن الأصل في الترجمة أعلم وحملت عليها رأى كما سبق، وهي: وَلِرَأَى الرُّؤْيَا انْمِ مَا لِعَلِمَا ... طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ. إذاً: ألحقت رأى الحلمية بعلم لجامع أن كلاً منهما إدراك أو حسن باطن، إذاً: حملت رأى التي بمعنى الرؤيا على علِم بجامع، حينئذٍ أيهما أصل وأيهما فرع؟ أعلم -صارت علم بدون همز- علم نقول: هذه أصل، ورأى الحلمية هذه فرع، حينئذٍ قدم الأصل على الفرع. ثم قال: إِلَى ثَلاَثَةٍ رَأَى وَعَلِمَا: لم يجعل ثم فارقاً بين اللفظين. عَدّوْا إِذَا صَارَا أَرَى وَأَعْلَمَا: عَدّوْا إِلَى ثَلاَثَةٍ، إِلَى ثَلاَثَةٍ: هذا جار ومجرور متعلق بقوله: عَدّوْا، من الذي عدَّى؟ العرب، نطقت بها متعدية بهذا اللفظ إلى ثلاثة مفاعيل، أو النحاة حكموا بصحة تعدية هذه الأفعال إلى ثلاثة مفاعيل، فيجوز في مثل هذه التراكيب أن يفسر الضمير بالنحاة أو بالعرب، إلا إذا لم يصلح أن يفسر به النحاة حينئذٍ يحمل على العرب، كما سبق: وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لأَوْشَكَا، ليس النحاة هم الذين استعملوا؛ لأن الاستعمال صفة للناطق الأصلي، حينئذٍ يتعين أن يقال: اسْتَعْمَلُوا يعني العرب ولا يفسر بالنحاة، أما حكموا ورفعوا ونحو ذلك، فيجوز فيه الوجهان. عَدّوْا: أي العرب أو النحاة، عَدّوْا رَأَى وَعَلِمَا، هذا مفعول مقدم، المتعديين إلى مفعولين؛ وذلك علم إذا كانت بمعنى اليقين أو الظن لا علم العرفانية، وهذا هو الأصل فيها، ورأى إذا كانت حلمية، العرب عدت هذه المفاعيل إلى ثلاثة، متى؟ إِذَا صَارَا -إذا دخلت عليهما همزة النقل وصارا- أَرَى وَأَعْلَمَا، إذاً: رأى وعلم هما الأصل، تدخل عليهما همزة النقل، حينئذٍ تصير الفعلين يتعديان إلى ثلاثة مفاعيل، حينئذٍ المفعول الأول هو الفاعل، والمفعول الثاني والثالث هما مفعولا علم الأصل -هذا الأصل-، علمت زيداً قائماً، زيداً قائماً مفعولا علم، إذا أدخلت عليه همزة، قلت: أعلمتُ-مثلاً- محمداً زيداً قائماً، أعلمتُ هذا لابد أن تسندها إلى فاعل وهو المتكلم، الفاعل الذي هو: علم زيدٌ بكراً قائماً، علم: فعل ماضي وزيدٌ: فاعله، وبكراً: مفعول أول، وقائماً: مفعول ثاني، إذا قلت: أعلمت زيداً بكراً قائماً، حينئذٍ علم زيد –الفاعل- نصب على أنه مفعول أول، وبكراً المفعول الأول في علم صار مفعولاً ثانياً في باب أعلم، وقائماً صار هو المفعول الثالث.

стр. 818

إذاً: تعدى إلى ثلاثة أصل الأول هو الفاعل، والثاني والثالث هما مفعولا علم، حينئذٍ كل ما تعلق بباب علم ومفعوليه يكون للثاني والثالث دون الأول، يعني: الإلغاء السابق والتعليق ونحو ذلك من حيث الحذف -جوازه اختصاراً واقتصاراً حذف أحد المفعولين أو هما معاً- كل تلك الأحكام تتعلق بالثاني والثالث دون الأول، لماذا؟ لأن الثاني والثالث هما مفعولا علم في الأصل، هما المبتدأ والخبر، وهذه الجملة كأصلها أعلم تدخل على جملة المبتدأ والخبر، فحينئذٍ يبقى الحكم مستصحباً حتى بعد دخول الهمزة، وأما الأول فهذا لا، هذا صار عمدة، صار مفعولاً أول، قبل دخول همزة النقل هو فاعل، فحينئذٍ لا يتعلق به لا إلغاء ولا تعليق ولا حذف -لا حذف اقتصاراً ولا اختصاراً- ولا غير ذلك، وإنما الحكم يكون منصباً على المفعول الثاني والثالث. إِلَى ثَلاَثَةٍ رَأَى وَعَلِمَا ... عَدَّوْا إِذَا صَارَا أَرَى وَأَعْلَمَا أشار بهذا الفصل إلى ما يتعدى من أفعال إلى ثلاثة مفاعيل، فذكر سبعة أفعال، الأصل فيها (أعلم وأرى)، وأما ما عداها فهي محمولة عليها، وإلا الأصل هو فعلان، بعضهم اختصر أو اقتصر على هذين الفعلين، وما عداهما محمولة بالقياس؛ لأنه سيأتي أنها ما عديت إلا باستعمالها بصيغة المبني للمجهول. أعْلَمَ وَأَرَى فذكر أن أصلهما علم ورأى، وأنهما بالهمزة يتعديان إلى ثلاثة مفاعيل؛ لأنهما قبل دخول الهمزة عليهما كانا يتعديان إلى مفعولين: علم زيدٌ عمراً منطلقاً، ورأى خالدٌ بكراً أخاك، فلما دخلت عليهما همزة النقل زادتهما مفعولاً ثالثاً، هذا المفعول الأول هو الفاعل، هو الذي كان فاعلاً بهما قبل دخول الهمزة, والثاني والثالث هما اللذان كانا منصوبين بهما وهما المبتدأ والخبر، فإذا دخلت عليهما الهمزة، قلت: أعلمتُ زيداً عمرواً منطلقاً، وأريت خالداً بكراً أخاك، وهذا هو شأن الهمزة؛ أنها تصير ما كان فاعلاً مفعولا، وما كان لازماً متعدياً، وما كان متعدياً إلى واحد متعدياً لاثنين، وما كان متعدياً إلى اثنين صار متعدياً إلى ثلاثة. وَمَا لِمَفْعُولَيْ عَلِمْتُ مُطْلَقَا ... لِلثَّانِ وَالثَّالِثِ أَيْضاً حُقِّقَا

стр. 819

يعني: إذا صارت أمامك ثلاثة مفاعيل قد يلتبس، أيي المفاعيل هذه التي يتعلق بها التعليق والإلغاء والحذف ونحو ذلك، كل ما سبق من أحكام علم؟ نقول: الثاني والثالث، لماذا؟ لأن الأول أصله فاعل؛ لدخول همزة النقل نصب على أنه المفعول الأول، والمفعول الأول في باب علم هو الثاني في باب أعلم، والمفعول الثاني في باب علم هو المفعول الثالث في باب أعلم، حينئذٍ يتعلق الحكم بالثاني والثالث دون الأول، ولذلك قال: (ومَا)، يعني والذي -هذا مبتدأ،- (حُقِّقَا) هذا خبره، وما ثبت أو حقق لمفعولي -هذا صلة متعلق بمحذوف-، والذي لمفعولي، والذي ثبت لمفعولي علمتُ بدون همزة نقل، مُطْلَقَا: بدون استثناء الأحكام السابقة، لِلثَّانِ وَالثَّالِثِ من مفاعيل أعلمَ وأرى أيْضاً حُقِّقَا، فيجوز حينئذٍ حذفهما معاً اختصاراً إجماعاً، هذا في الثاني والثالث، يجوز حذفهما معاً اختصاراً إجماعاً، وفي حذف أحدهما اختصاراً ما سبق من الخلاف، ويمتنع حذف أحدهما اقتصاراً إجماعاً، وفي حذفهما معاً اقتصاراً الخلف السابق، ويجوز إلغاء العامل بالنسبة إليهما فقط دون الأول، ولذلك تقول: عمروٌ أعلمتُ زيداً قائمٌ، ما حكمه هنا؟ عمروٌ أعلمتُ زيداً قائمٌ، هذا ماذا نسميه؟ إلغاء، ما الدليل؟ الرفع؛ لأنه لو بقي كما هو لقلت: عمراً أعلمتُ زيداً قائماً، لكن لما رفعت الأول (عمروٌ) لتوسط العامل، و (قائمٌ) خبره تعين أعلمتُ أن يكون متعدياً لواحد، فنُصب الأول على أصله، ثم الثاني والثالث ارتفع رجع إلى ما كان عليه، ولذلك لم يرفع زيداً، أعلمتُ زيداً؛ لأنه ليس مفعول أول ولا ثاني، والتعليق والإلغاء إنما يكون للثاني والثالث، أما الأول زيداً بقي كما هو منصوب: عمروٌ أعلمتُ زيداً قائمٌ، حصل إلغاء هنا بالتوسط، لماذا نصب زيداً والأصل ألا تعمل أعلمت في اللفظ؟ نقول: لأن زيداً هذا ليس هو المفعول الثاني، ولا الثالث، وإنما هو مفعولٌ زِيدَ بدخول همزة النقل على علِم، عمروٌ أعلمتُ زيداً قائمٌ. ويجوز التعليق عنهما فتقول: أعلمت زيداً لعمروٌ قائم، يعني: الذي سبق معنا من المواضع الستة التي تكون معلِّقة للفعل، إنما توجد فاصلة بين (أعلم) وبين المفعول الثاني، أعلمت زيداً لعمروٌ قائمٌ، دخلت لام الابتداء، وهي مما له الصدر، وحينئذٍ وجب التعليق، وكان التعليق هنا حاصلاً للمبتدأ والأول. إذاً: وَمَا لِمَفْعُولَيْ عَلِمْتُ مُطْلَقَا ... لِلثَّانِ وَالثَّالِثِ أَيْضَاً حُقِّقَا ومَا يعني: والذي ثبت. لِمَفْعُولَيْ عَلِمْتُ مُطْلَقَا: مُطْلَقَا هذا حال من الضمير المستتر في المجرور العائد على (مَا) لِمَفْعُولَيْ.

стр. 820

لِلثَّانِ وَالثَّالِثِ من مفاعيل أعلم ورأى، وأما المفعول الأول فلا يجوز فيه تعليق الفعل عنه، لا يعلق عنه، فلا يقال: أعلمت لزيدٌ عمروٌ منطلقٌ، هذا لا يصح، لماذا؟ لأنك علقت المفعول الأول والتعليق إنما هو خاص بالمفعول الثاني والثالث، فيبقى المفعول الأول على حاله، وإذا أردت التعليق تدخل الحرف أو الاسم المعلِّق بعد المفعول الأول، حينئذٍ يختص بالمفعول الثاني والثالث، وأما الأول فيبقى على حاله منصوباً، ولذلك في المثال السابق ما ذكره الشارح أنه أدخل لام الابتداء على المفعول الثاني، أعلمت زيداً لعمروٌ منطلقٌ، أما أعلمتُ لزيدٌ عمروٌ منطلقٌ نقول: هذا لا يصح، بل يبقى الأول على حاله، أعملتُ زيداً لعمروٌ قائمٌ، ومثال حذفهما للدلالة أن يقال: هل أعلمتَ أحداً عمراً قائماً؟ تقول: أعلمتُ زيداً، هذا وقع في جواب سؤال، وحذف المفعول الثاني والثالث معاً. ومثال حذف أحدهما للدلالة أن تقول في هذه الصورة: أعلمتُ زيداً عمراً أي: قائماً، حذفت الثالث، أو: أعلمتُ زيداً، قائماً أي عمراً قائماً، فحذفت الثاني. إذاً: كل الأحكام السابقة تتعلق بالثاني والثالث، وأما الأول وإن كان منصوباً لأعلم إلا أنه ليس أصله المبتدأ والخبر، والأحكام السابقة كلها متعلقة بما أصله المبتدأ والخبر. والذي لِمَفْعُولَيْ: ثبت لِمَفْعُولَيْ عَلِمْتُ بدون همزٍ ورأيت كذلك مُطْلَقَا بدون تفصيلٍ وبدون استثناء لِلثَّانِ وَالثَّالِثِ يعني: ثابت حُقِّقَا لِلثَّانِي، لِلثَّانِ هذا متعلق بقوله: حُقِّقَا، وحُقِّقَا هذا فعل ماضي مغير الصيغة والألف هذه للإطلاق، حقق للثاني والثالث، يعني: ثبت، التحقيق هنا بمعنى الثبوت، فثبت بالثاني والثالث من الإلغاء والتعليق ومنع الحذف من غير دليل وجوازه لدليل ثابت للثاني والثالث من؟؟؟ أعلم وأرى. وَإِنْ تَعَدَّيَا لِوَاحِدٍ بِلاَ ... هَمْزٍ فَلاِثْنَيْنِ بِِهِ تَوَصَّلاَ هذا استطراد من الناظم، وهو أنه قد سبق أن بيَّن (علِم) العرفانية ولم يذكر (رأى) البصرية. إِنْ تَعَدَّيَا لِوَاحِدٍ: عَلِمَ إما أن تتعدى لواحد، وإما أن تتعدى لاثنين، إن تعدت لاثنين عرفنا الحكم أنها بهمزة النقل تصير متعدية إلى ثلاثة، بقي علم بمعنى عرف: ((لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا)) [النحل:٧٨]، علمت زيداً يعني: عرفت زيداً، رأيت زيداً، رأيت (رأى) البصرية، إذا تعدت لواحد حينئذٍ تصيره همزة النقل متعدياً إلى اثنين. وَإنْ تَعَدَّيَا لِوَاحدٍ: الضمير هنا تَعَدَّيَا يعود إلى (علم ورأى)، ومتى يتعديان لواحد؟ إذا كانت علم بمعنى عرف –عرفانية-: لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَهْ ... ... تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ. وَإنْ تَعَدَّيَا لِوَاحدٍ: هو لم يذكر رأى التي تتعدى إلى واحد، وإنما ذكر علم العرفانية وذكر ظن التي بمعنى اتهم، حينئذٍ الضمير راجع إلى شيء مذكور، وإلى شيء معلوم في الذهن. وَإنْ تَعَدَّيَا: يعني: علم ورأى.

стр. 821

لِوَاحدٍ: يعني: لمفعول واحد، وهذا إنما ذكره في الباب السابق أن علم العرفانية تتعدى لواحد، لِعِلْمِ عِرْفَانٍ، ثم قال: تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ، فحينئذٍ رأى البصرية لم يذكرها هو، حينئذٍ يقول: وَإنْ تَعَدَّيَا، أي: علم ورأى البصرية، فأشار بالضمير إلى شيء مذكور فيما سبق وإلى شيء معلوم يوجبه الموقِّف الشارح. لِوَاحدٍ: وذلك فيما إذا كانت (علم) عرفانية و (رأى) بصرية. بِلا هَمْزٍ: كانت التعدية بلا همز؛ لأن الهمزة قد تجعل اللازم يتعدى لواحد، ولكن هنا تعدى بنفسه إلى واحد. فَلاِثْنَيْنِ بِِهِ تَوَصَّلا: فَلاِثْنَيْنِ الفاء واقعة في جواب الشرط، فَلاِثْنَيْنِ بِِهِ، يعني: بالهمز توصلا، توصلا علم ورأى إلى اثنين وهما متعديان لواحد بالهمز هذا مراده، فَلاِثْنَيْنِ بِِهِ يعني: لمفعولين اثنين تَوَصَّلا الضمير هنا يعود إلى رأى وعلم، تَوَصَّلا بِِهِ، يعني بالهمز، فلما كان دون الهمز متعدياً لواحد، فحينئذٍ تعدى بالهمزة إلى اثنين. وَإنْ تَعَدَّيَا -رَأَى وَعَلِمَا- لِوَاحدٍ بِلا: هذا متعلق بقوله: تَعَدَّيَا بِلا هَمْزٍ، يعني: بغير همز .. لاَ هنا بمعنى غير ليست حرفية، بل هي اسم، وإعرابها يظهر على ما بعدها. هَمْزٍ: الكسرة هذه كسرة عارية، وكسرةُ همزٍ هذه مقدرة، ولا هذه الإعراب فيها مقدر وظهر على ما بعدها. بِلا هَمْزٍ: بأن كانت رأى بصرية وعلم عرفانية، فَلاِثْنَيْنِ بِِهِ -هذا جواب الشرط- تَوَصَّلا بِِهِ، بِهِ: متعلق بتَوَصَّلا، والاِثْنَيْنِ متعلق بتَوَصَّلا، توصلا بالهمز لاثنين لمفعولين اثنين، توصلا لما علمت، فتقول: أريت زيداً الهلال، رأيت الهلال فعل وفاعل ومفعول به، أريت زيداً الهلالَ، تعدى إلى اثنين، زيداً هذا مفعول أول، والذي جاء به هو همزة النقل، والهلالَ هذا مفعول ثاني، فصيرت المفعول لرأى مفعولاً ثانياً وزادته مفعولاً أولاً، وهو الفاعل، وأعلمته الخبر، أعلمتُ زيداً الخبر، تعدى إلى اثنين، أعلمتُ يعني: أعلمتُ زيداً الخبرَ، علمَ زيدٌ الخبرَ، علمَ فعل ماضي، وزيدٌ فاعله والخبرَ هذا مفعول به، بمعنى عرف، إذا دخلت همزة النقل صيرت الفاعل مفعولاً أول، أعلمت زيداً الخبرَ، إذاً: تعديا لاثنين بواسطة همزة النقل، والأصل فيهما: (علم) العرفانية و (رأى) البصرية إنْ تَعَدَّيَا لِوَاحدٍ، وليستا حينئذٍ من هذا الباب، ولو تعديا لاثنين: أعلمت زيداً الخبرَ، لا يقال: بأن أعلم من باب علِمَ مما يتعدى لمفعولين، نقول: لا، ليست من هذا الباب، وكذلك رأى البصرية ليست من هذا الباب. وليستا حينئذٍ من هذا الباب، ولا من الباب الذي قبله؛ لأن المفعول الثاني غير الأول. ويشترط في المفعولين اللذين تدخل عليهما علم ورأى أن يكونا مبتدأً وخبراً في الأصل، وهذا ليس مما أصلهما المبتدأ والخبر، حينئذٍ يكون من باب: (كسا وأعطى). وليستا حينئذٍ من هذا الباب ولا من الباب الذي قبله؛ لأن المفعول الثاني غير الأول، فهو من باب (كسا وأعطى)، وهذا ما أشار إليه بقوله: وَالثَّانِ مِنْهُمَا كَثَانِ اثْنَيْ كَسَا ... فَهْوَ بِهِ فِي كُلِّ حُكْم ٍذُوْ ائْتِسَا

стр. 822

باب: كسا وأعطى فعل يتعدى إلى مفعولين في أصله دون همزة نقل، ولكن ليس أصل، المفعولين المبتدأ والخبر، ولذلك ما يتعدى إلى مفعولين في الجملة قسمان: قسم يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر وهذا باب ظن وأخواتها، وقسم يتعدى إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر. بُابُ كَسَا وَأَعْطَى: أعطيت زيداً درهماً، نقول: هذا من باب كسا، أعطيت زيداً درهماً، ليس أصل المفعولين مبتدأ وخبر، لا يصح أن يقال: زيد درهمٌ، ما يصح التركيب هذا، حينئذٍ أعطيت زيداً درهماً، زيداً آخذ، والدرهم هذا مأخوذ، ففرق بينهما. وَالثَّانِ: الثاني هذا مبتدأ، مِنْهُمَا: من هذين المفعولين السابقين -باب عرف ورأى-، كَثَانِ، هذا خبر، وَالثَّانِ مِنْهُمَا كَثَانِ اثْنَيْ كَسَا، يعني: كثاني اثنين مفعولي كسا، أي: المفعول الثاني من هذين المفعولين كالمفعول الثاني من باب كسا، المفعول الثاني من باب علم التي هي بمعنى عرف، ورأى التي بمعنى أبصر، الثَّانِ مِنْهُمَا كَثَانِ اثْنَيْ كَسَا، يعني: كالثاني من مفعولي كسا، فحينئذٍ ما الذي يترتب عليه؟ يجوز فيه الحذف اختصاراً واقتصاراً، يعني: يحذف بدليل وبدون دليل، لا يشترط فيه، بخلاف الثاني من باب علم. إذاً: هذا الثاني من باب علم يعني عرف، نقول: هو من باب كسا، يجوز فيه الحذف اختصاراً واقتصاراً بدليل وبدون دليل. ثانياً: يمتنع فيه ما جاز في مفعولي علمت المتعدية إلى اثنين من إلغاء وتعليق وغير ذلك من الأحكام الجائزة فيه، إذاً: يجوز حذفه اختصاراً واقتصاراً، بدليل وبدون دليل، ثانياً: يمتنع فيه كل الأحكام السابقة من التعليق والإلغاء ونحوهما. إذاً: فرق بين هذا الباب وبين باب علم، (فَهْوَ) أي: الثاني من هذين المفعولين (بِهِ) يعني: بالثاني من مفعولي باب كسا، (فِي كُلِّ حُكْم ٍذُوْ ائْتِسَا) في كل حكم له ثابت له، (ٍذُوْ ائْتِسَا) يعني: يقتدي به، صاحب ائتساء صاحب اقتداء.

стр. 823

إذاً: الثَّانِ من باب علم بمعنى عرف ورأى البصرية الثَّانِ مِنْهُمَا لا يأخذ حكم الثاني من باب علم، وإنما يأخذ حكم الثاني من باب كسا وأعطى، والفرق بين البابين واضح، أن الثاني في باب علم هذا عمدة أصله خبر، وأما الثاني من باب كسا وأعطى لا، أصله فضلة، فرق بين النوعين، فذاك عمدة، وهذا مثل: ضربت زيداً، زيداً هذا يجوز حذفه، حينئذٍ فرَّق الناظم بينهما، (وَالثَّانِ مِنْهُمَا) أي: من هذين المفعولين، (وَالثَّانِ) أي: المفعول الثاني، (مِنْهُمَا) من هذين المفعولين، من باب علم بمعنى عرف ورأى بمعنى أبصر، (كَثَانِ) هذا خبر، (كَثَانِ اثْنَيْ مفعولي كَسَا)، وبابه من كل فعل يتعدى إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر كما ذكرناه، (فَهْوَ) أي: الثاني هذا (بِهِ)، بالثاني من مفعولي باب كسا فِي كُلِّ حُكْم ٍذُوْ ائْتِسَا، يعني: ذو اقتداء، فيمتنع أن يُخبَر به عن الأول، لا تنحل الجملة فيخبر به عن الأول، ويجوز الاقتصار عليه وعلى الأول، ويمتنع الإلغاء، وجوز بعضهم الإلغاء في مسألة استثناها، قيل: إلا في التعليق، فقد يعلق المفعول الثاني من باب علم العرفانية، ورأى البصرية: ((رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى)) [البقرة:٢٦٠]، (رَبِّ أَرِنِي)، رأى هنا بصرية، (أَرِنِي) يريد الرؤيا، ((وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)) [البقرة:٢٦٠]، ((رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى))، ((أَرِنِي)) الياء هذه مفعول أول، ((تُحْيِ الْمَوْتَى)) [البقرة:٢٦٠] تُحْيِ، هذه مفعول ثاني، أين وقعت الجملة كيف؟ وقعت بين الفعلين، قال بعضهم: إن هذا تعليق، وهذا محل إشكال، ولذلك الناظم أطلق ولم يستثن شيئاً، بمعنى أن بعضهم يرى أن التعليق قد يدخل الثاني في باب رأى وعلم إذا تعدت إلى اثنين وكانت رأى بصرية وعلم عرفانية، على كلٍ أذكره من باب ذكر الشيء: ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ)) [الفيل:١]، والناظم رحمه الله تعالى أطلق ذلك.

стр. 824

قال وأشار في هذين البيتين إلى أنه إنما يثبت لهما هذا الحكم إذا كانا قبل الهمزة يتعديان إلى مفعولين، وأما إذا كانا قبل الهمزة يتعديان إلى واحد، كما إذا كانت رأى بمعنى أبصر، رأى زيدٌ عمراً، وعلم بمعنى عرف، علم زيدٌ الحقَّ، حينئذٍ يتعديان بعد الهمزة إلى مفعولين، فيصير الفاعل مفعولاً أول، أرَيْتُ زيداً عمرواً، وأعلمت زيداً الحق، لا يقال زيدٌ عمروٌ، ولا زيدٌ الحقُّ، لذلك ليس أصلهما المبتدأ والخبر، حينئذٍ لا يكونان من هذا الباب، والثاني من هذين المفعولين كالمفعول الثاني من مفعولي كسا وأعطى، كسوت زيداً جبة، الصحيح أن يقال: كسوت زيداً، وكسوت جبة، وأعطيت زيداً درهماً؛ لكونه لا يصح الإخبار به عن الأول؛ لأنه ليس بخبر في الأصل، فيمتنع حينئذٍ أن يخبر به عن الأول؛ لأن هذه لا تدخل على الجملة الاسمية التي أصلها مبتدأ وخبر، فلا تقل: زيدٌ الحقُّ، ولا زيدٌ درهمُ، وفي كونه يجوز حذفه مع الأول، وحذف الثاني وإبقاء الأول، وحذف الأول وإبقاء الثاني، وإن لم يدل على ذلك دليل، يعني: ولو كان اقتصاراً، فمثال حذفه: أعلمتُ وأعطيتُ، إذا أراد أن يخبر بأنه مجرد عِلْم معرفة، أعلمت وأعطيت، هذا يجوز لا بأس به، ((فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى)) [الليل:٥]، (أَعْطَى)، حذف المفعولين، لماذا؟ لأن المراد هنا الإخبار بمجرد الإعطاء، بقطع النظر عن المعطى أو المعطي: ((فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى)) أعطى ماذا؟ حذف المفعولين؛ لأنه لا حاجة لذكر المفعولين، ولذلك إذا أريد العموم حينئذٍ يحذف المتعلِّق، وحذف المتعلِّق -ومنه هذا مفاعيل متعلقة-، حذف المتعلق يفيد العموم. ومثال حذف الثاني وإبقاء الأول: أعلمتُ زيداً، وأعطيتُ زيداً: ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ)) [الضحى:٥]، رَبُّكَ فاعل، ويُعْطِيكَ مثل أعطيت زيداً درهماً، المحذوف هنا المفعول الثاني وليس الأول، والكاف هذا في محل نصب مفعول أول؛ لأنه لم يتعلق به بفائدة. ومثال حذف الأول وإبقاء الثاني: ((حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ)) [التوبة:٢٩]، يعني: يعطوكم: ((حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ)) [التوبة:٢٩]، حتى يعطوكم الجزية، حذف الكاف، وهذا كثير. وَكَأَرَى السَّابِقِ نَبَّا أَخْبَرَا ... حَدَّثَ، أَنْبَأَ، كَذَاكَ، خَبَّرَا هذا من باب القياس، وإلا الأصل بعضهم حصر أرى وأعلم فحسب، ولذلك سائر الأفعال السابقة وهي ثلاثة عشر فعلاً لم يأت فيها الكلام من أنها تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، مع أن بعضها يتعدى إلى مفعول، ويتعدى إلى مفعولين، ومع ذلك لا يقال فيها لإجراء الأحكام المتعلقة هنا في همزة النقل. وَكَأَرَى السَّابِقِ نَبَّا: نَبَّا هذا مبتدأ، وَكَأَرَى خبر مقدم، السَّابِقِ، نعت له، السابق المراد به المتعدي إلى ثلاثة مفاعيل، فيما عرفت من الأحكام، لا كأرى المتأخرة، وهي المتعدية إلى اثنين، السَّابِقِ، عندنا رأى هنا ثنتان، رأى سابقة ورأى متأخرة، رأى السابقة هي التي أشار إليها بقوله: وَلِرَأَى الرُّؤْيَا انْمِ مَا لِعَلِمَا ... طَالِبَ مَفْعُولَيْنِ ...... ورأى الثانية أشار إليها بقوله:

стр. 825

وَإنْ تَعَدَّيَا لِوَاحدٍ بِلا هَمْزٍ: الأولى تتعدى إلى مفعولين أصالة، والثانية: تتعدى إلى مفعولين بالتبع. وَكَأرَى السَّابِقِ: يعني: لا المتأخرة، وهي المتعدية إلى اثنين، نَبَّا وأَخْبَرَا وحَدَّثَ، وأَنْبَأَ، وكَذَاكَ، خَبَّرَا، خبر كذاك، خبر: هذا مبتدأ متأخر وكَذَاكَ هذا خبر متقدم. وهذه ألحقت بِرَأَى؛ لأنها تضمنت معناها، تضمنت معناها، وهذه الأفعال الخمسة الأصل فيها أن تصل إلى الثاني بحرف الجر، هذا الأصل فيها قياس اللسان العربي؛ أن تصل إلى الثاني بحرف الجر، وقد يحذف حرف الجر، حينئذٍ ينتصب على نزع الخافض إن قيل به، ولم يسمع أنهم عدوها إلى ثلاثة، إلا وهي مبنية للمجهول كما سيأتي في الأبيات، لم يسمع، مع أن الناظم هنا ذكرها مبنية للمعلوم، حدث، أخبر، نبأ، أنبأ، خبر، كلها ذكرها بصيغة المبني للمعلوم، مع أنه لم يسمع فيها، وإنما سمع فيها كونها ناصبةً للمفاعيل إذا كانت مغيرة الصيغة، فمن باب القياس إذا بنيت للمفعول حينئذٍ الأصل فيما بني للمفعول أن يكون له معلوم، ضُرِبَ الأصل فيه ضَرَبَ، عُلِمَ الأصل فيه عَلِمَ .. إلى آخره، فما دام أنه سُمِع بناؤها للمجهول دل على أن لها أصل، وهو المعلوم، وإن لم يُنقَل حينئذٍ نستدل بالبناء للمجهول على المعلوم، لكن هذا من باب القياس؛ لأن بعضها (زُكِمَ) مثلاً هذا مبني للمجهول وليس له معلوم، زُكِمَ من الزكام، نقول: هذا مبني للمجهول، هل له معلوم؟ ليس له معلوم، فلا يلزم إذا سمع نَبَّا وأَخْبَرَا أنه مبني مجهول أن يكون له معلوم، لكن أكثرهم على هذا فنمشي معه. ويجوز أن تتعدى إلى ثلاثة وأن تبنى للفاعل ولو لم يسمع؛ لأنه أمر مقيس. نُبِّئْتُ زُرْعَةَ والسفاهَةُ كاسمِها ... يُهدِي إِلى غَرائبَ الأَشعار (نُبِّئْتُ زُرْعَةَ) نبئ هو قال: نَبَّأَ-ابن مالك-، مع كون الشاهد نُبِّئْتُ، التاء هذه مفعول أول وهي نائب الفاعل وزُرْعَةَ هذا مفعول ثاني: وَمَا عَلَيْكِ إِذَا أُخْبِرْتِنِي دَنِفَاً: (أُخْبِرْتِنِي) التاء هذه مكسورة، الياء هذه هي المفعول الأول، ودَنِفَاً هي المفعول الثاني، وأين الثالث! هو قال: (وَكَأرَى السَّابِقِ)، يعني: التي تتعدى إلى ثلاثة، (نُبِّئْتُ زُرْعَةَ)، زُرْعَةَ هذا الثاني، (والسفاهَةُ كاسمِها يُهدِي)، يُهدِي الجملة هذه في محل نصب مفعول ثالث. وَمَا عَلَيْكِ إِذَا أُخْبِرْتِنِي دَنِفَاً التاء نائب فاعل، والياء مفعول ثاني، والثالث دَنِفَاً، وأُخْبِرْتِنِي هذا مغير الصيغة. أوْ مَنَعْتُم مَا تُسْأَلُونَ، فَمَن ... حُدِّثْتُمُوهُ لَهُ عَلَينَا الوَلاَءُ حُدِّثْتُمُوهُ، الواو هذه نائب فاعل، والهاء، في محل نصب مفعول ثاني، له علينا الولاء الجملة اسمية في محل نصب مفعول ثالث. وَأُنْبِئْتُ قَيْساً وَلَمْ أَبْلُهُ –اختبره- ... ... كَمَا زَعَمُوا خَيْرَ أَهْلِ الْيَمَنْ وَأُنْبِئْتُ هذا مغير الصيغة والتاء نائب فاعل، قَيْساً مفعول ثاني، خَيْرَ أَهْلِ هذا مفعول ثالث.

стр. 826

وَخُبِّرْتُ سَوْدَاءَ الْغَمِيمِ مَرِيضَةً: خُبِّرْتُ سَوْدَاءَ، هنا على معنى الباء، خبرت بأن سوداء. خُبِّرْتُ سَوْدَاءَ الْغَمِيمِ مَرِيضَةً، خُبِّرْتُ نائب فاعل للتاء، وسَوْدَاءَ هذا مفعول ثاني ومَرِيضَةً مفعول ثالث. وإنما قال المصنف: ووَكَأرَى السَّابِقِ؛ لأنه تقدم في هذا الباب أن أرى تارة تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، وتارة تتعدى إلى اثنين، وكان قد ذكر أولاً أرى المتعدية إلى ثلاثة فنبه على أن هذه الأفعال الخمسة مثل: أرى السابقة وهي المتعدية إلى ثلاثة لا مثل أرى المتأخرة وهي المتعدية إلى اثنين. اَلْفَاعِلُ لما أنهى المبتدأ وما يتعلق به من النواسخ، شرع في ذكر الأصل الثاني في باب المرفوعات، هو عمدة، كما أن الشأن في المبتدأ أنه عمدة وهو مرفوع، ولذلك سبق الخلاف أي: النوعين يقدم؟ منهم من قدم المبتدأ؛ لأنه أصل للفاعل، ومنهم من عكس؛ لأن الفاعل أصل للمبتدأ: ((وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا)) [البقرة:١٤٨]. اَلْفَاعِلُ: يعني: هذا باب بيان الفاعل، الفاعل في اللغة هو من أوجد الفعل، فهو أعم من الفاعل اصطلاحاً عند النحاة؛ لأن العلاقة دائماً بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي العموم والخصوص المطلق، فكل فاعل اصطلاحي هو فاعل لغوي ولا عكس؛ لأن كل من أوجد الحدث فهو فاعل: زيدٌ قائمٌ، قائمٌ هذا حدث اسم فاعل، من الذي أوجده؟ زيد، إذاً: هو فاعل، فاعل في المعنى وهو صحيح، لكنه لا يسمى عند النحاة فاعلاً؛ لأن لهم شروطاً لابد من اعتبارها، واصطلاحاً خاص ولا مشاحة في الاصطلاح، حينئذٍ نقول: ما الفاعل عند النحاة وماذا أراد المصنف هنا بالفاعل، هل كل من أوجد الفعل –الحدث-؟ لا، إنما أراد نوعاً أخص من مطلق الفاعل عند اللغويين. والمراد به عنده أن الفاعل: هو اسم صريح أو مؤول بالصريح، أسند إليه فعل أو مؤول به، مقدم عليه بالأصالة؛ واقعاً منه أو قائماً به، هذه كلها قيود، اسم صريح أو مؤول بالصريح، أسند إليه فعل، بعضهم يزيد: فعل تام، أو مؤول به مقدم عليه بالأصالة واقعاً منه أو قائماً بهه. قوله: اسم، إذاً: الفاعل لا يكون إلا اسماً، ولذلك سبق معنا أن من علامات الأسماء كونها فاعلة، فإذا حكمت على الشيء بأنه فاعل، فاحكم عليه بأنه اسم، إذاً: كل فاعل اسم ولا عكس، فأخرج بقوله (اسم) الحرفَ، فلا يكون فاعلاً إذا قُصد معناه، وأما إذا قصد لفظه فيجوز أن يكون فاعلاً، فلذلك تقول: دخلت (قد) على الفعل، (قد) هنا فاعل هي حرف في الأصل، نعربها فاعل، دخلت السين، دخلت الباء، الباء هي اسم والسين اسم، دخلت سوف، نقول: هذا حرف في الأصل، لكنه صار علماً، حينئذٍ صار فاعلاً. إذاً: دخلت قد: وَالفِعلُ مَا يَدخُلُ قَدْ والسّينُ ... عَليهِ مِثلُ بَانَ أَو يَبِينُ هكذا قال الحريري.

стр. 827

والفِعلُ مَا يَدخُلُ قَدْ: قَدْ هنا فاعل، إذاً (اسم) أخرج الحرف، وهذا إذا قَصد معناه، وأما إذا قصد لفظه فيقع فاعلاً ولا إشكال، كذلك أخرج الفعل، فلا يكون الفعل فاعلاً البتة، لا يكون الفعل فاعلاً البتة؛ لأنه لا يسند بين فعلين كما سبق، الإسناد إنما يكون بين اسمين أو اسم وفعل، وأما فعل إلى فعل هذا لا وجود، وهذا محل وفاق، لماذا؟ لأن الأفعال أوصاف في المعنى، فإذا كان كذلك حينئذٍ كل صفة تقتضي وتستلزم موصوفاً، فإذا قلت: جاء ضرب على أن ضرب فاعل، معناه مثل قام زيدٌ، زيدٌ محل للقيام، فإذا قلت: جاء ضربَ، بمعنى (ضرب) أنه فاعل أنه محل للمجيء، وهو صفة، والضرب صفة، والصفة كما يقال: عرضٌ لا يقوم بالعرض. إذاً: يمتنع إسناد فعل إلى فعل، إلا إذا قصد لفظه حينئذٍ يصير علماً، فتقول: دخل ضرب على الاسم فرفعه ونصبه، فضرب حينئذٍ صار فاعل، دخل ضربٌ، دخل ضربَ، يجوز فيه الوجهان كما سبق. اسم إذاً: أخرج الحرف والفعل إذا قصد معناهما، أما إذا قصد لفظهما حينئذٍ صارا علمين معرفتين، فيجوز حينئذٍ أن يأتي فاعله. وخرج كذلك الجملة الفاعل لا يكون جملة، وهو كذلك على مذهب البصريين، وهذه المسألة محل نزاع، الصحيح هو مذهب البصريين؛ أن الجملة لا تقع فاعلاً البتة، وقيل: تقع فاعلاً مطلقاً، نحو يعجبني يقوم زيدٌ -التركيب فيه رِكَّة قليلاً-، حينئذٍ نقول: لابد من تقدير، إما على من يُجَوَّز السبك بدون سابك كقوله: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ)) [البقرة:٦]، إذا لم يقل بأن همزة التسوية سابك، إن جُوِّزَ حينئذٍ يكون: يعجبني قيام زيد، وهذا المعنى الذي يقتضيه التركيب، حينئذٍ إما أن يقال: بأن سابك ثم محذوف والتقدير: يعجبني قيام زيد، وإما أن يقال: التركيب ليس له أصل. وقيل: تقع إن علِّق عنها فعل قلبي بمعلِّق، والصواب هو الأول أنه لا تقع الجملة. إذاً (اسم) أخرج هذه الثلاثة الأشياء، فلا يقع فاعلاً البتة في اصطلاح النحاة.

стр. 828

قال: صريح أو مؤول بالصريح، هذا تقسيم للاسم، والصريح المراد به ما لا نحتاج في جعله فاعلاً إلى تأويل –مباشرة-، ما لا نحتاج إلى جعله فاعلاً بتأويل، أو (أن) وما دخلت عليه المؤولات التي أخذناها –السوابك-، حينئذٍ نقول: قام زيدٌ، زيدٌ اسم صريح، قام الزيدان، الزيدان اسم صريح، قام الزيدون، الزيدون اسم صريح، قامت هند، هند اسم صريح .. وهَلُمَّ جرًّا، فحينئذٍ ما نطق به ولفظ نقول: هذا اسم صريح، لما قابله بالمؤول، والمؤول هذا خاص بنوع معين حينئذٍ لزم أن نجعل في الاسم الصريح الضمير بنوعيه، البارز والمستتر؛ لأنه يكون فاعلاً، قم، هذا فعل أمر وفاعله ضمير مستتر، إذا قلنا الفاعل هو اسم صريح أو مؤول بالصريح، فهو لا هذا ولا ذاك، ليس باسم ينطق به، وليس بمؤول حينئذٍ ماذا نصنع؟ يخرج عن الحد، والحد لابد أن يكون جامعاً مانعاً، حينئذٍ لابد من إدخاله، نقول: لما قابل الاسم الصريح بالمؤول علمنا أن الاسم الصريح يدخل فيه الاسم الظاهر والضمير المستتر بنوعيه وجوباً وجوازاً وكذلك الضمير البارز: ما فهم المسألة إلا أنا، أنا هذا فاعل، ما فهم المسألة إلا أنا، أنا فاعل، هل هو اسم صريح، هم يَعنُون الاسم الصريح الذي يظهر إعرابه عليه، كزيد والزيدان وهند ونحوها، حينئذٍ نقول: لما قابل الصريح بالمؤول علمنا أن الصريح يشمل ثلاثة أشياء: الاسم الظاهر والضمير المستتر جوازاً، والضمير المستتر وجوباً، والضمير البارز، -أربعة أشياء-: ما فهم المسألة إلا أنا، هذا مثلها. اسم صريح أو مؤول بالصريح، مؤول بالصريح يعني: شيء يؤول ويرجع إلى الاسم الصريح، وهذا إنما يكون إذا دخل على اللفظ فعل أو نحوه، جملة اسمية ونحوها؛ إذا دخل عليها موصولٌ حرفي، وسبق أن الموصولات التي تسبك مع ما بعدها بمصدر خمسة: (أنَّ)، و (أنْ)، و (ما)، و (كي)، و (لو)، هذه خمسة، يجوز أن يأتي فاعل هنا مسبوكاً بواحد من هذه الخمسة ثلاثة فحسب، وهي: (أنَّ)، و (أنْ)، و (ما)، وأما (كي)، و (لو) فيمتنعان في هذا الموضع: ((أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا)) [العنكبوت:٥١]، يكفي إنزالنا، إذاً: ((أَنَّا أَنْزَلْنَا)) (أنْ) حرف مصدري، أُوِّلَت مع ما بعدها بمصدر وقع فاعلاً، وسبق أن من مواضع وجوب فتح همزة (أنَّ) أن تقع فاعلاً، وذكرنا هذا المثال. الثاني: (أنْ) المصدرية: يعجبني أن تذهب، يعجبني: فعل ومفعول به، أن تذهب: جملة، أين الفاعل؟ لابد من فاعل، نقول: أن المصدرية وما دخلت عليه في تأويل فاعل: يعجبني ذهابك. الثالث: (ما) المصدرية، سرني ما صنعت، سرني صنعك، إذاً: هذه ثلاثة سوابك.

стр. 829

الأول: (أنَّ)، و (أنْ) التي تدخل على الفعل المضارع، وكذلك الثالث (ما) المصدرية، وأما (كي) و (لو) فيمتنعان، أما امتناع كي؛ لأنها لا تكون مصدرية إلا إذا سبقت بـ (لا) لفظاً أو تقديراً، فحينئذٍ إذا سبكت مع ما بعدها بمصدر وجب أن يكون هذا المصدر مجروراً، جئت لكي أكرمك، نقول: هذا يؤول بمصدر، لكن لا يمكن أن يكون فاعلاً؛ لأنك لو أولته بمصدر، قلت: جئت لإكرامك، جررته باللام الملفوظ بها أو المقدرة، إذاً: صار مجروراً، فكل (كي) المصدر بعدها يكون مجروراً، والفاعل لا يكون مجروراً البتة، إذاً: امتنع أن تكون (كي) في محل فاعل. وأما لو فالغالب المطرد أنها تأتي بعد وَدَّ أو يَوَدُّ، وود أو يود يطلب مفعولاً به ((وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ)) [آل عمران: ٦٩]، ودوا إضلالكم، وقع مفعولاً به منصوب. إذاً: المصدر المنسبك من (لو) وما بعدها لا يقع إلا منصوباً هذا في الغالب المطرد؛ لأنه يقع بعد ود ويود، وهذان يطلبان مفعولاً به لا فاعلاً، إذاً: يمتنع أن يكون الفاعل منسبكاً من كي وما بعدها ولو وما بعدها، فاقتصرنا على الثلاث الأُوَل وهي المتفق عليها، وهي: أ (نَّ)، و (أنْ)، و (ما) المصدرية. اسم صريح أو مؤول بالصريح، مؤول بالصريح، آل الشيء يؤول بمعنى أنه رجع، فإذا قلت: ((أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا)) [العنكبوت:٥١]، نقول: هذا ليس هو عينه فاعل، وإنما كونه يرجع إلى اسم صريح والاسم الصريح هو الفاعل، وإلا الذي تلفظ به -أَنَّا أَنْزَلْنَا- ليس هو الفاعل، بل هو جملة، لكن مآل هذه الجملة أن ترجع إلى اسم صريح، فإذا عرفت حينئذٍ الاسم الصريح المصدر المنسبك من (أنَّ) وما دخلت عليه حينئذٍ نقول: هذا هو الفاعل، أما اللفظ نفسه لا تقل فاعل، وإلا لو كان كذلك لقلنا: اسم يشمل الجملة، فإذا صح قصدها لفظاً أنها فاعل لصح وقوع الجملة فاعلاً، ونحن نمنع نقول: بل لابد أن يكون اسماً، فإذا جاء يعجبني أن تذهب، أن تذهب ليست هي الفاعل، تنفي، تقول: ليست بفاعل، هي عينها لفظها ليست بفاعل، لكن تؤول إلى كونها فاعلاً، والشيء إذا آل إلى الشيء كان غيره ليس هو عينه. أسند إليه فعل: بمعنى أنه مسنداً إليه، والفعل مسند، هذا أخرج المبتدأ؛ لأن المبتدأ لا يسند إليه فعل؛ لأن المبتدأ: زيدٌ قائمٌ، زيدٌ اسم صريحٌ ((وَأَنْ تَصُومُوا)) [البقرة:١٨٤]، اسم مؤول بالصريح، إذاً: دخل معنا المبتدأ. أسند إليه فعل، أخرج المبتدأ؛ لأن المبتدأ لا يسند إليه فعل، وإنما يسند إليه اسم مفرد أو جملة، اسم مفرد: زيدٌ قائم، زيدٌ أخوك، فصار زيد مسنداً إليه، والفاعل كذلك مسندٌ إليه، قام زيدٌ، زيدٌ مسند إليه، والمبتدأ مسند إليه، إذاً: اشتركا في كون كل منهما مسنداً إليه، إلا أنهما افترقا: أن الفاعل أسند إليه مسند يكون فعلاً، وأما المبتدأ فيسند إليه ما ليس بفعل، إما مفرد وإما جملة.

стр. 830

أسند إليه فعل، بعضهم قيده بكونه تاماً احترازاً من: كان زيدٌ، احترازاً من اسم كان؛ لأن كان ترفع المبتدأ، حينئذٍ زيدٌ بعد كان هذا اسم صريح أسند إليه فعل، لكنه ليس بتام، بل هو ناقص، هكذا قال الكثير؛ وفيه نظر لأن كان لا تدخل على المفرد، وإنما تدخل على الجملة، فحينئذٍ كان أسندت إلى مضمون الجملة لا إلى زيد، ليست مسندة إلى زيد، فحينئذٍ لا نحتاج إلى الاحتراز عن اسم كان؛ لأنه ليس داخلاً معنا أصلاً، لم يدخل في الحد؛ لأن كان ما بعدها -الاسم المرفوع- هو جزء من مدخولها، وليس هو كل المدخول، حينئذٍ تقول: زيدٌ قائمٌ أردت تقييد الخبر للموصوف وهو المبتدأ المخبر عنه كونه في الزمن الماضي، فقلت: كان زيدٌ قائماً: وَنَحْو كُنْتُ قَائِمَاً كَانَ الَّذِيْ ... قَيَّدَتْ الْمَنْصُوْبَ لاَ الْعَكْسُ احْتُذِيَ (كان) قيدت القيام بكونه وقع في الزمن الماضي، وليس العكس بكون قائماً هو الذي قيد (كان)، وهذا بحث بياني يأتي في محله، كُنْتُ قَائِمَاً كَانَ الَّذِيْ ... قَيَّدَتْ الْمَنْصُوْبَ، (كان) هي التي قيدت المنصوب لاَ الْعَكْسُ احْتُذِيَ فيه خلاف، لكن الصواب ما ذكره السيوطي في عقود الجمان. إذاً: أسند إليه فعل تام، قال بعضهم تام، نقول: لا حاجة إلى وصف الفعل بالتمام؛ لأن كان وأخواتها لم تسند إلى الاسم حقيقة، وإنما أسندت إلى مضمون الجملة، فالاسم أسند إليه باعتبار اتصافه بالخبر، الاسم في باب كان أسند إليه باعتبار اتصافه بالخبر، وهذا معنى مضمون الجملة؛ لأن مضمون الجملة هو أن يأتي بالخبر مشتقاً ونضيفه إلى الاسم، على ما ذكرناه في الاشتقاق. أسند إليه فعل: نقول: مطلقاً، الإسناد هنا مطلقاً، سواء كان على وجه الإثبات، أو على وجه النفي أو على وجه التعليق أو الإنشاء؛ لأن الأصل في الفاعل أن يصدق عليه إحداث، حدث يوجد شيء، فإذا قلت: لم يضرب زيدٌ أسند إليه فعل من حيث الإيجاد؟ الإثبات؟ ليس فيه إثبات ليس عندنا ضرب، ضرب زيدٌ ضرب، وقع منه الضرب، حينئذٍ أسند إليه على جهة الإثبات، هذا واضح ودخوله لا إشكال فيه، لكن لم يضرب زيدٌ عمراً، لم يحصل ضرب أصلاً، فكيف نقول: فاعل ومفعول؟! اصطلاح، هذا من قبيل الاصطلاح، وإلا ليس عندنا فاعل ولا مفعول، لم يضرب زيدٌ عمراً، ما حصل ضرب والحمد لله، ليس عندنا ضارب ولا مضروب، حينئذٍ الإسناد هنا إسناد بالنفي، وله توجيه يأتينا في باب المفعول به. إذاً: دخل معنا الإسناد إذا كان على وجه النفي، أو التعليق: إنْ ضرب زيدٌ عمراً عاقبته، هنا حصل فعل من الفاعل، لكنه على جهة التعليق فهو قريب من الإثبات والنفي. أو الإنشاء: هل قام زيدٌ؟ استفهام، هل قام زيدٌ نقول: هذا استفهام لم يقع لم يحصل، هذا الأصل فيه أنه يقع في المستقبل.

стр. 831

إذاً: قوله: أسند إليه فعل، نقول: مطلقاً على وجه الإثبات أو النفي أو التعليق أو الإنشاء، فدخل الفاعل في نحو: لم يضرب زيدٌ وإنْ ضرب زيدٌ .. إلى آخره، وهل قام زيدٌ، والمتبادر من الإسناد، الإسناد أصالة، فخرج من التوابع البدل والمعطوف بالحرف، هذا إذا كان على نية تكرار العامل، قلنا: البدل على نية تكرار العامل، جاء زيدٌ أخوك، إذا أعربنا أخوك بدل، ما العامل فيه؟ ليس هو العامل الأول، لا، عامل آخر، حينئذٍ نقول: أخوك أسند إليه فعل، لكن لا نعربه فاعل، هل هو داخل معنا أو لا؟ نقول: المراد بالإسناد هنا أصالة؛ لأن الإسناد إلى أخوك هذا جاء تبعاً، جاء تبعاً لكونه وقع بدلاً، ولكن لو كان مجرداً عن البدلية لجاء على الأصل، فالإسناد قد يكون إسناداً أصلياً وقد يكون تبعياً، والذي يكون فاعلاً هو الإسناد الأصلي، احترزنا عن التبعي وهذا الذي معنا يدخل بابين: البدل والعطف بالحرف؛ لأننا إذا قلنا: العطف بالحرف على قول من يرى أن العامل فيه ليس الأول، جاء زيدٌ وعمروٌ، عمروٌ الثاني مرفوعٌ بماذا؟ على القول بأنه بـ (جاء) جديد ليس هو الأول، جاء زيد وجاء عمروٌ إذاً: أسند فعل إلى اسم صريح، فالأصل أن يكون فاعلاً، لكن نقول: هنا الإسناد عرضي تبعي؛ لكونه معطوفاً بالواو على ما سبق، وكذلك: جاء زيد أخوك، أخوك هذا بدل، نقول: البدل على نية تكرار العامل، ما هو العامل؟ جاء، إذاً جاء أخوك، صار مسند ومسند إليه، وأخوك صار فاعل، وهو بدل، نقول: لا، هنا الإسناد عرضي، وليس بأصالة، ولذلك نقيد: أسند إليه فعل على جهة الأصالة. فخرج من التوابع البدل والمعطوف بالحرف؛ لأن الإسناد فيهما تبعي، وأما بقية التوابع فلا إسناد فيها، والمراد بالإسناد هنا ولو غير تام، ليدخل فاعل المصدر وفاعل اسم الفاعل، إذا قلت: ((وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ)) [البقرة:٢٥١]، لفظ الجلالة قلنا في المعنى فاعل، هنا هل عندنا إسناد -دَفْعُ اللَّهِ-؟ ليس عندنا إسناد في اللفظ، هل يمكن إدخاله هنا؟ نقول: إذا كان المراد الإسناد التام فنعم، وإن كان المراد مطلق الإسناد ليشمل الإسناد الناقص، حينئذٍ دخل معنا: ((وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ)) [البقرة:٢٥١]، وكذلك: زيدٌ قائمٌ، قائمٌ قلنا: هذا اسم الفاعل يرفع ضميراً مستتراً، إذاً ضمير مستتر، مثل: قامَ زيدٌ قامَ، قامَ هذا فيه ضمير مستتر فاعل ولا إشكال، زيدٌ قائم، قائمٌ هذا اسم فاعل يرفع ضميراً مستتراً، هل فيه إسناد بين فعل أو ما جرى مجرى الفعل، واسم؟ نقول: نعم فيه إسناد، لكنه ليس تاماً.

стр. 832

إذا اشترطنا التمام في قولنا: أسند إليه فعل، خرج فاعل المصدر وفاعل اسم الفاعل، ولو قلنا مطلق الإسناد دخل معنا فاعل المصدر وفاعل اسم الفاعل، والثاني هو المراد، إذاً: قوله: أسند إليه فعل، ولو غير تام، لماذا؟ ليدخل فاعل المصدر وفاعل اسم الفاعل؛ لأن فاعل المصدر: ((وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ)) [البقرة:٢٥١] ليس فيه كـ (قام زيدٌ)، هذا في الظاهر ليس فيه إسناد، لكنه هو في الأصل يؤول إلى الإسناد: لولا أن يدفع الله، هو في قوة هذا، لولا أن يدفع الله، إذاً صار فاعلاً، وكذلك قائم فيه ضمير مستتر، ولا نعربه أنه فاعل، نقول: زيدٌ قائم مبتدأ وخبر، ولا نقول: قائم خبر والفاعل ضمير مستتر .. هذا خطأ ليس بصحيح كما ذكرناه سابقاً، حينئذٍ الفاعل الموجود هذا نقول: فيه فاعل، لكن الإسناد هنا ناقص ليس بإسناد تام، فهو فاعل اصطلاحاً أيضاً. أو مؤول به، أي مؤول بماذا؟ أسند إليه فعل، يعني: الذي يرفع الفاعل إما أن يكون فعلاً أو مؤولاً بالفعل، والأصل في العمل للأفعال هذا هو الأصل، فيرفع الفاعل فعل، ثم قد يرفعه ما فيه رائحة الفعل، كما مثل الناظم هنا: مُنِيراً وَجْهُهُ، ((مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ)) [النحل:٦٩] أَلْوَانُهُ هذا فاعل، والرافع له مُخْتَلِفٌ، ليس هو فعل، وإنما هو مؤول بالفعل، والذي يرفع الفاعل ثمانية أشياء: الفعل، وهذا هو الأصل، الثاني: اسم الفاعل، الثالث: الصفة المشبهة، الرابع: صيغة المبالغة، الخامس: المصدر، السادس: اسم المصدر، السابع: اسم التفضيل، -هذا قلة-، الثامن: اسم الفعل: هَيْهَاتَ الْعَقِيقُ، وبعضهم يعد الجار والمجرور والظرف: أفي الدار زيدٌ؟ ((أَفِي اللَّهِ شَكٌّ)) [إبراهيم:١٠]، أعندك عمروٌ؟ حينئذٍ عمروٌ وزيدٌ نقول: هذا فاعل؛ لأن الجار والمجرور متعلق بمحذوف هو استقر، وكذلك الجار. إذاً: اسم صريح أو مؤول بالصريح أسند إليه فعل أو مؤول به، عرفنا المؤول بالفعل؛ يعني: كل ما يعمل عمل الفعل ويطلب فاعل، وليس هو بالفعل، مثلما ذكرناه سابقاً.

стр. 833

مقدم عليه بالأصالة، مقدم عليه بالأصالة، مقدم عليه يعني: على العامل، -على ما أسند إليه من الفعل أو المؤول بالفعل-، مقدم عليه بالأصالة، يعني: الذي يقدم هو العامل، قام زيدٌ، لو قلت: زيدٌ قام، خرج عن كونه فاعلاً، وإنما هو مبتدأ والجملة تكون خبراً عنه، مقدم عليه بالأصالة، خرج نحو: قائمٌ زيدٌ، زيدٌ قام، قام زيدٌ، نقول: هذا مقدم عليه بالأصالة من جهة الفعل، قام فعلٌ وزيدٌ هذا فاعل، اسم صريح أسند إليه فعل مقدم عليه، وهذا لا إشكال فيه، فلو تقدم زيد على قام خرج عن كونه فاعلاً: ((مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ)) [النحل:٦٩]، أَلْوَانُهُ، هذا فاعل، مُخْتَلِفٌ هذا عامل ليس بفعل، قائمٌ زيداً ما إعرابه؟ قائمٌ خبر، وزيدٌ مبتدأ، إذاً: قدم هنا المؤول بالفعل على اسم صريح، وليس بفاعل له، لماذا؟ لأنه قُدم هنا عرضاً؛ لأن مرتبته التأخير، وليس هو مبتدأ، عندما تقول: قائم زيدٌ ليس كل واحد منهما في مرتبته التي جعل له في لسان العرب، وإلا أصل التركيب: زيدٌ قائمٌ، زيدٌ هو المقدم، وقائمٌ هو المتأخر، حينئذٍ لو قدمت وأخرت قائمٌ زيدٌ لا نقول بأن قائم هنا متقدم على المبتدأ؛ لأن التقدم هنا طارئ عارض ليس بأصلي، حينئذٍ قوله: مقدم عليه، يعني: الفعل مقدم على الفاعل، قام زيدٌ؛ ليكون فاعلاً. وإما إن قُدم الوصف على الاسم الصريح لا بالأصالة وإنما بالعرض، كقائم زيد حينئذٍ لا يجعله فاعلاً، بخلاف أقائمٌ الزيدان، فرق بين أقائم الزيدان، وقائم زيدٌ، أقائم الزيدان، قائم هذا مبتدأ والزيدان فاعل، لماذا لا نجعله مثل قائم زيدٌ؟ لأن قائم هناك مبتدأ جاء في مرتبته جاء في وضعه اللغوي، وأما الزيدان فهذا جاء كذلك في وضعه لأنه فاعل وقد تلاه، وأما قائم زيدٌ ليس في محله، ففرق بين الجملتين. مقدم عليه بالأصالة، واقعاً منه، أخرج نحو: ضُرِبَ زيدٌ، زيدٌ هذا اسم صريح أسند إليه فعل مقدم عليه بالأصالة، لكنه ليس واقعاً منه، بل واقعاً عليه. أو قائماً به: هذا لإدخال بعض الأفعال التي لا يتكون واقعة من فاعليها: مات عمروٌ، إذا قلت: ضربَ زيدٌ وقام عمروٌ واضح أن الحدث القيام والجلوس والضرب وقع منهم، تكلم، لا إشكال، سكت لا إشكال، لكن مات هو لم يحدث شيء، حينئذٍ نقول: هذا الحدث هل ينسب إلى عمرو؟ نقول: نعم ينسب إليه، لكن من جهة الاصطلاح، ولذلك ليُدخل في الاصطلاح الفاعل الاصطلاحي، قالوا: قائماً به، وقام به الحدث، ولم يقم منه، فحينئذٍ نقول: هو فاعل اصطلاحاً، إذا وجدت هذه القيود حكمنا عليه بكونه فاعلاً. قال الناظم: اَلْفَاعِلُ الَّذِي كَمَرْفُوعَيْ أَتَى ... زَيْدٌ مُنِيراً وَجْهُهُ نِعْمَ الْفَتَى لم يذكر الحد، وإنما ذكر التعريف، فحينئذٍ زيدٌ من قولك: أتى زيدٌ، زيدٌ اسم صريح، أسند إليه فعل، وهو أتى، مقدم عليه -أتى مقدم على زيد- بالأصالة، وواقعاً منه، كذلك مُنِيراً وَجْهُهُ، وَجْهُهُ نقول: هذا اسم صريح أسند إليه ما في معنى الفعل مؤول بالفعل وهو مُنِيراً صفة مشبهة مقدم عليه بالأصالة واقعاً منه، يعني: إن كان الإنارة هذه لها حدث، أو قائماً به، إذا كانت الإنارة ليست من فعله.

стр. 834

اَلْفَاعِلُ الَّذِي كَمَرْفُوعَيْ أَتَى -مَرْفُوعَيْ أَتَى زَيْدٌ- مُنِيراً وَجْهُهُ نِعْمَ الْفَتَى هو ذكر ثلاثة أمثلة، وقال: كَمَرْفُوعَيْ أَتَى، مَرْفُوعَيْ مثنى، مَرْفُوعَيْ أَتَى زَيْدٌ، وعندنا مرفوعات، (زيد ووجهه والفتى)، لماذا قال: كَمَرْفُوعَيْ؟ لأنه أراد المرفوع بالفعل وشبه الفعل فحسب، وزاد نعم الفتى من باب التتميم والإفادة أيضاً، وإلا الأصل مَرْفُوعَيْ أَتَى زَيْدٌ مُنِيراً وَجْهُهُ، فزيد فاعل والعامل فيه أَتَى، فهو فعلٌ متصرف، ووَجْهُهُ مُنِيراً، مُنِيراً هذا عامل فيه فهو صفة مشبهة، نِعْمَ الْفَتَى: هو عين أَتَى زَيْدٌ، إلا أن أَتَى هذا متصرف، ونِعْمَ هذا جامدٌ، كذلك الفاعل زَيْدٌ والْفَتَى ليسا مضافين، ووَجْهُهُ مضاف إلى الهاء، وزَيْدٌ كذلك معرب بالحركات الظاهرة، والْفَتَى معرب بالحركات المقدرة. إذاً: عامل الفاعل قد يكون فعلاً جامداً كنِعْمَ الْفَتَى، وقد يكون الفعل متصرفاً كـ (أتى زيدٌ)، وقد يكون الفاعل معرباً بحركات مقدرة، وقد يكون معرباً بحركات ظاهرة وهو الأصل فيه. اَلْفَاعِلُ الَّذِي كَمَرْفُوعَيْ الفعل والصفة من قولك: أَتَى زَيْدٌ، عدَّ فاعلي أتى ونعم واحداً؛ لأن الرافع في كلٍ فعل، إذاً: أدمج نِعْمَ الْفَتَى مع أَتَى زَيْدٌ؛ لأن الرافع هنا فعل، وأما مُنِيراً فهو صفة مشبهة أو ما جرى مجرى الفعل. اَلْفَاعِلُ الَّذِي كَمَرْفُوعَيْ الفعل والصفة من قولك: أَتَى زَيْدٌ. مُنِيراً وَجْهُهُ، هذا وصف جاري مجرى الفعل مؤول بالفعل. نِعْمَ الْفَتَى جامد، وقال المكودي: نِعْمَ الْفَتَى تتميم للبيت. لكن فيه فائدة، وهي: أنه أشار إلى أن العامل قد يكون فعلاً جامداً، وفيه تنبيه على أن فعل الفاعل قد يكون غير متصرف، وأن إعراب الفاعل قد يكون مقدراً. اَلْفَاعِلُ الَّذِي كَمَرْفُوعَيْ أَتَى: قال الشارح: لما فرغ من الكلام على نواسخ الابتداء شرع في ذكر ما يطلبه الفعل التام من المرفوع، وهو الفاعل أو نائبه. وسيأتي. فأما الفاعل فعرفه ثم قال: وحكمه الرفع؛ لأن الناظم قال: اَلْفَاعِلُ الَّذِي كَمَرْفُوعَيْ: إذاً هو مرفوع، إذاً: عرفنا حقيقة الفاعل –تعريفه-، ثم يرد السؤال: ما حكمه؟ نقول: الرفع، فهو مرفوع، ويكون مرفوعاً بحركة أو بحرف، والحركة قد تكون ظاهرة وقد تكون مقدرة، تكون ظاهرة كما في: أَتَى زَيْدٌ، وقد تكون مقدرة كما في: نِعْمَ الْفَتَى، هذا هو الأصل في الفاعل أنه مرفوع، كما أن المفعول يكون منصوباً، سمع في كلام العرب: "خَرَقَ الثَّوبُ المِسْمَارَ"، و "كَسَرَ الزُّجَاجُ الحَجَرَ"، خرقَ الثوبُ المسمارَ: الثوبُ فاعل، والمسمارَ مفعول به-في اللفظ إذا نظرنا إلى حركات الإعراب-، خرق الثوبُ بالرفع، على أن خرق أسند إليه، والمسمارَ مفعول به، وكسر الزجاجُ بالرفع على أنه فاعل، الحجرَ على أنه مفعول به.

стр. 835

إذاً: رفع الفاعل ونصب المفعول، لو أخذناه بظاهره فسد المعنى، ولكن حينئذٍ نقول: المراد هنا إبدال الحركات، يعني: أبدلت حركة الفاعل من الرفع إلى النصب، والعكس في المفعول، ولا نعرب: خرق الثوب بأنه فاعل، لا، وإنما نقول هنا: مفعول أعطي الرفع، والمسمارَ هو الفاعل، إذاً: نصب الفاعل، ورفع المفعول، وكسر الزجاجُ الحجرَ، الحجرَ هذا فاعل، فأعطي ماذا أعطي النصب؛ لوضوح المعنى حصل هذا الخلط وحصل هذا الإبدال، لكن هل هو قياس؟ نقول: لا، هذا يسمع ولا يقاس عليه، كما أنهم نصبوا الفاعل والمفعول جمعياً، ورفعوا الفاعل والمفعول جميعاً، نقول: هذا التبديل وهذا التحريف ليس بقاعدة مطردة، وإنما الأصل في الفاعل أن يكون مطرداً، ثم هذا الفاعل إذا عرفنا حكمه وأنه يرفع على الأصل قد يُجَر بالإضافة، والمضاف إما أن يكون مصدراً وإما أن يكون اسم مصدر، قد يجر بالإضافة، ثم المضاف قد يكون مصدراً وقد يكون اسم مصدر، مصدراً مثل ماذا؟ كالمثال السابق: ((وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ)) [البقرة:٢٥١]، لَوْلا حرف امتناع لوجود، ((دَفْعُ اللَّهِ)) نقول: هذا مبتدأ، دَفْعُ مضاف ولفظ الجلالة مضاف إليه، ((النَّاسَ)) مفعول به، لأي شيء؟ لدفع لأنه مصدر، والمصدر هنا أضيف إلى فاعله، هل نسميه فاعلاً وهو مضاف إليه؟ المشهور في اصطلاح النحاة: نعم، لكن من حيث المعنى لا من حيث الإعراب، وبعضهم يتجوز أيضاً، يقول له محلان: محلٌ جر، وهو بالإضافة، ومحل رفع، وهو كونه فاعلاً، هذا جائز وهذا جائز، إذاً: تسميته فاعلاً مع كونه مجروراً هو المشهور عند النحاة، وقيل: لا يسمى فاعلاً اصطلاحاً، ومثله المجرور بحرف جر زائد، وأما إضافته لاسم المصدر هذا جاء في حديث: (مِنْ قُبْلَهِ الرَّجُلِ امْرأَتَهُ الْوُضُوء) -إن صح-، (مِنْ قُبْلَهِ الرَّجُلِ امْرأَتَهُ الْوُضُوء)، قُبْلَهِ، هذا اسم المصدر أضيف إلى الرَّجُلِ، امْرأَتَهُ، مثل الناس هناك فهو مفعول به، حينئذٍ نقول: هذا من إضافة اسم المصدر إلى الفاعل، الرَّجُلِ هذا فاعل في المعنى، بل هو فاعل أيضاً في الاصطلاح عند الكثير، إذاً: يجر الفاعل لفظه بإضافة إما إضافة مصدر أو إضافة اسم المصدر، وقد يجر بالباء الزائدة أو من، وهذا ما يعبر عنه بزيادة لازمة وزيادة غير لازمة، يعني: قد يدخل الحرف على الفاعل، حينئذٍ نقول: زيد حرف على الفاعل، ثم هذه الزيادة قد تكون لازمة لا تنفك في حال من الأحوال، وقد تكون غير لازمة؛ وذلك واجب في أفعِل الذي على صورة فعل الأمر، يعني: في باب التعجب: ((أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ)) [مريم:٣٨]، أحسن بزيدٍ، زيدٍ هذا مجرور في اللفظ، لكنه فاعل، والباء هذه زائدة، وهذه الزيادة لازمة، لا يوجد أحسِن في باب أفعل التفضيل إلا وفاعله مجرور بالباء، إذاً: نقول: هذه الزيادة لازمة، أحسِن بزيدٍ، الباء حرف جر، وزيدٌ فاعل مرفوع ورفعه ضمه مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، إذاً نقول: هو فاعل، وهو مجرور في اللفظ إلا أنه في التقدير مرفوع، لماذا؟ لكون أَسْمِعْ لا يكون فاعلها إلا مجروراً بالباء، وهذه الزيادة نقول: زيادة لازمة، بمعنى أنها لا تنفك عنه في حال من الأحوال:

стр. 836

أَخْلِقْ بِذي الصَّبْرِ أَنْ يَحْظى بِحاجتِهِ ... ومُدْمِنِ الْقَرْعِ لِلأَبوابِ أَنْ يَلِجا أَخْلِقْ بِذي الصَّبْرِ: مثلها، وكذلك الغالب في فاعل كَفَى: ((وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)) [النساء:٧٩]، ((وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا)) [النساء:٤٥]، كَفَى فاعلها في الغالب، وهذه زيادة ليست بلازمة؛ لأنه سمع انفكاكها عنه، كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، كَفَى بِاللَّهِ، الباء حرف جر زائد، ولفظ الجلالة فاعل كَفَى مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، هل الزيادة هذه لازمة؟ نقول: لا لأنه سمع تجريده من الباء: كَفَى الشَّيْبُ وَالإسْلاَمُ لِلمرْءِ نَاهِيَاً: كَفَى الشَّيْبُ: بالاسم الظاهر دون باء، دل على أنه يجوز تجريد فاعل كفى عن الباء، وشذَّ جر الفاعل بالباء فيما عدا أفعِل في التعجب وفاعل كفى: (أَلَمْ يَأْتِيْكَ والأَنباءُ تَنمِي ... ... ... بَمَا لاقَتْ لَبُونُ بني زِيَادِ) والأَنباءُ تَنمِي، بما (ما) فاعل دخلت عليه الباء، لكن هذا شاذ، يعني: يحفظ ولا يقاس عليه، بخلاف فاعل كَفَى، وفاعل أَسْمِعْ. ومن الزيادة غير اللازمة، زيادة (مِن): ((مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ)) [المائدة:١٩]، بَشِيرٍ هذا فاعل لجاء، وجر بـ (من) الزائد، صلة توكيد، حينئذٍ نعرب بَشِيرٍ فاعل مرفوع ورفعه ضمه مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. إذاً: يجر الفاعل بـ (مِن) الزائدة، وهذه (مِن) التي هي لبيان الجنس يشترط فيها أن لا تكون إلا بعد نفي أو شبه نفي، وهذا سيأتي في باب حروف الجر، لكن نستفيد هنا: إذا عطف على الفاعل المجرور بهذا الحرف، حينئذٍ يراعى فيه محلان: محل الرفع ومحل الجر، مثلما ذكرناه في قولهم: لا رجلا، حينئذٍ يجوز الرفع على محله، حتى يجوز في تابعه الجر حملاً على اللفظ، والرفع حملاً على المحل: ما جاءني من رجل كريمٍ، وكريمٌ، ما جاءني من رجلٍ كريمٍ بالجر، تبعاً للفظ، وكريمٌ باعتبار المحل، مثل: لا رجلَ ظريفاً، وظريفٌ. فإن كان المعطوف معرفة تعين رفعه، ما جاءني من عبدٍ ولا زيدٌ، لا يصح ولا زيدٍ، لماذا؟ لأن العطف على مجرور (من)، ومجرور (من) الزائدة هنا لا يكون إلا نكرة، وحينئذٍ يتعين أن ينظر فيه إلى اللفظ. إذاً: الأصل في الفاعل أنه مرفوع، ثم قد يخرج عن الرفع لسبب من الأسباب المذكورة، منها ما هو قياس، ومنها ما هو ليس بقياس، وما ليس بقياس قد يكون شاذاً، كما في نصبه، أو أن يزاد عليه حرف وليس في المواضع التي حفظت في لسان العرب، وذلك كما في أفعِل التعجب، وكفى، وكذلك زيادة من، ذاك في الباء، وهذا في زيادة (مِن).

стр. 837

قال: والمراد بشبه الفعل المذكور اسم الفاعل نحو: أقائم الزيدان، والصفة المشبهة: زيد حسنٌ وجهه، والمصدر: عجبت من ضرب زيد بدون تنوين، واسم الفعل: هيهات العقيق، هيهات اسم ورفع لكنه اسم فعل، والظرف والجار والمجرور: زيدٌ عندك أبوه، هذا يرفع عند كثير من النحاة، بل نسبه ابن هشام إلى المحققين؛ أنه إذا قيل: عند زيدٌ، زيدٌ لا تعربه مبتدأ، وإنما تعربه فاعل لفعل محذوف: عندك استقر زيدٌ، أو استقر عندك زيدٌ، فزيدٌ عندك أبوه، أبوه هذا فاعل وفي الدار غلاماه، ولذلك قوله تعالى: ((أَفِي اللَّهِ شَكٌّ)) [إبراهيم:١٠]، هذا فاعل لفعل محذوف. وأفعل التفضيل كذلك: مررت بالأفضل أبوه، فأبوه مرفوع بالأفضل. إذاً: قوله: اَلْفَاعِلُ الَّذِي كَمَرْفُوعَيْ أَتَى ... زَيْدٌ مُنِيراً وَجْهُهُ نِعْمَ الْفَتَى دل بهذين المثالين على حقيقة الفاعل، وأن حكمه الرفع. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 838

عناصر الدرس * وجوب ذكره بعد الفعل * تجريد عامله من علامة تدل على التثنية والجمع * إلحاق بعض العرب العامل علامة تثنية أوجمع * حذف عامله إذا دل عليه دليل. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ وَإِلاَّ فََضَمِيرٌ اسْتَتَرْ ما سبق في البيت السابق بيَّن فيه حدَّ الفاعل لكن بالمثال كما جرى عليه في سائر الأبواب، أكثرها يبين الحدَّ بالمثال وحينئذٍ تأخذ من المثال الأحكام المتعلقة من حيث إثبات الحقيقة. قوله: اَلْفَاعِلُ الَّذِي، اَلْفَاعِلُ: مبتدأ، الَّذِي: خبره، كَمَرْفُوعَيْ هذا صلة الموصول، وأَتَى زَيْدٌ ومُنِيراً وَجْهُهُ ونِعْمَ الْفَتَى هذه متعاطفات على قوله: أَتَى زَيْدٌ، وأَتَى زَيْدٌ هذه في محل نصب لقولٍ محذوف، يعني: كقولك أتى زيد. كَمَرْفُوعَيْ أَتَى، أشار بهذا إلى أن العامل في الفاعل هو الفعل، وهذا هو الصحيح من قول جمهور النحاة، إذ في المسألة أربعة أقوال والصواب: أن الفعل أو ما كان في معنى الفعل هو العامل في الفاعل وليس الفاعلية كما ظنه البعض، وليس هو والمفعول ترافعا -كل منهما طلب رفع الآخر أو نصب الآخر-. وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ وَإِلاّ فََضَمِيرٌ اسْتَتَرْ بين في هذا البيت مسألتين وحكمين يتعلقان بالفاعل. أما المسألة الأولى: فهي وجوب تأخير الفاعل عن عامله، يجب أن يتأخر، لا يجوز أن يتقدم، وأشار إليها بقوله: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ. المسألة الثانية: وهي يجب ذكر الفاعل ولا يجوز حذفه، أشار إليها بقوله: فَإِنْ ظَهَرْ ... ... ... فَهْوَ وَإلاَّ فََضَمِيرٌ اسْتَتَرْ. وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ: فَاعِلٌ هذا مبتدأ مؤخر. وَبَعْدَ: متعلق بمحذوف خبر مقدم. بَعْدَ فِعْلٍ وشبهه -شبه الفعل-، لأن الفاعل ليس خاصاً بالفعل، وإنما ذكر أو خص الفعل لأنه الأصل. وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ: أي يجب أن يكون الفاعل بعد الفعل، لأن الفعل وفاعله كجزئي كلمة، ولا يجوز تقديم عجز الكلمة على صدرها، قام زيد، قالوا: هاتان الكلمتان في منزلة كلمة واحدة -كجزئي كلمة-، مثل: غلام زيد، وزيد لا يجوز أن يتقدم على غلام، مثله زيد في: قام زيد لا يجوز أن يتقدم على قام، ما الدليل على أنه كجزئي كلمة؟ نقول: أولاً: دلالة الفعل على الفاعل دلالة التزامية، بمعنى: أن الفعل يدل على الحدث، وهذا يستلزم محدث فاعل، إذ لا يمكن -وهو ممتنع عقلاً- أن يوجد حدث بدون فاعل، هذا ممتنع، وحينئذٍ نقول: قام زيد، زيد هذا فاعل لقام، اقتضاه وطلبه واستلزمه لماذا؟ لأن القيام لا يتصور هكذا بدون محدث، قام يدل على قيام فحسب لا يدل على ذات، فحينئذٍ نقول: دلالة الفعل على الفاعل دلالة التزامية، وهي دلالة لفظ على خارج عن مسماه لازم له، وحينئذٍ ليس من مسمى قام أو يقوم أو قم الفاعل، ليس من مسماه، وإنما هو لازم له، وإذا لزمه حينئذٍ لا ينفك عنه البتة، لا بد أن يوجد.

стр. 839

ثانياً: أن الفعل يسكَّن مع تاء الفاعل، (ضربْتُ)، وسبق تعليله عند الجمهور بأن التسكين هنا لدفع كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، هما كلمتان، العرب تكره أربع متحركات في كلمة واحدة، لا بد أن يكون فيها ساكن، لا بد أن يكون الثاني أو الثالث ساكن، وحينئذٍ إذا قيل: قمت وضربت، ضرَبْتُ الأصل ضَرَبَتُ، كيف العرب تكره أربع متحركات في كلمة واحدة وليس عندنا كلمة واحدة أربع متحركات؟، ضرب هذه كلمة، والتاء كلمة مستقلة، لما اتصلت بها وكانت لازمة لها من جهة المعنى اعتبرت التاء كأنها حرف من ضرب فكأنها أربعة أحرف، والعرب تكره توالي المتحركات فيما هو أربعة أحرف، هذا دليل على أنهم نزلوا الفاعل كجزء من الكلمة فاعتبر حرفاً وهو التاء هنا ومثله الاسم الظاهر، هذا دليل ثاني على أن الفاعل كجزء من الفعل، أنه يسكن له آخر الماضي لاتصاله به، وإنما سكن لدفع توالي أربع متحركات فيما هو كلمة واحدة في الأصل، وفيما هو كالكلمة الواحدة، وهو الفعل مع فاعله، هذا تعليل وله وزنه عندهم. ثالثاً: في الأمثلة الخمسة وهذا أوضح، الأمثلة الخمسة نقول: يفعلان، تفعلان، يفعلون، تفعلون، تفعلين. هذه تعرب بثبوت النون، الزيدان يضربان، يضربان: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، أين النون؟ بعد الألف، ما حقيقة الإعراب؟ أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة، قلنا: هذا بيان لمحل الإعراب. يضربان، أين ظهر الإعراب؟ بعد الألف، وهذه الألف فاعل، إذاً: نُزِّلَ الفاعل مُنَزَّلةَ الكلمة فظهر بعده ثبوت النون، هذا يدل على أن (يضربا) هي كلمتان في الحقيقة، لكن جعلت الثانية مُنَزَّلةً من الأولى مُنَزَّلةَ الجزء من كله، ولذلك ظهر الإعراب بعد الألف، (يضربان)، وهذا واضح بين أن الفاعل كالجزء من فعله، بهذه الأدلة الثلاثة قال: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ، والتعليل: أن الفعل وفاعله كجزئي كلمة، ولا يجوز تقديم عجز الكلمة على صدرها، هذا مذهب جماهير النحاة من البصريين ومن وافقهم من الكوفيين، وحينئذٍ تقول: قام زيد، قام الزيدان، قام الزيدون، لا بد أن يكون بعده، وأشار إلى ذلك بقوله: وَبَعْدَ فِعْلٍ، فإن تقدم حينئذٍ خرج عن كونه فاعلاً، لا نقول: التركيب لا يصح، لا. يصح، لكن لا يصح على كونه فاعلاً، وأما على جعله مبتدأً وما بعده خبر فلا بأس، زيد قام، قام زيد، لو قال قائل: قام زيد، قام: فعل ماضي وزيد فاعل، أنا أريد أن أقدم، أقول: زيد قام، زيد: فاعل مقدم على عامله، وقام: فعل مؤخر، يجوز أو لا يجوز؟ لماذا؟ لأن شرط الفعل والفاعل أن يكون العامل متقدماً على الفاعل، فإن تقدم المعمول –الفاعل- على عامله خرج عن كونه فاعلاً، صار مبتدأً. وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ: إذاً وجوب تأخير الفاعل عن عامله، لماذا؟ لأن الفاعل كجزء من الكلمة، حينئذٍ نُزِّلَ مُنَزَّلةَ الجزء فصار كالصدر والعجز، والعجز لا يتقدم على صدره.

стр. 840

وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ: إذاً فهم منه أن الفعل لا بد له من فاعل، وفُهم من قوله: بَعْدَ، الترتيب -أن الفاعل لا يكون إلا بعد الفعل-، وسيأتي أن بعض الأفعال قد لا تحتاج إلى فاعل، استثناء، بعض الأفعال قد لا تحتاج إلى فاعل من الفعل المؤكِّد، لو قلت: قام قام زيد، يجوز هذا، (أَتَاَكَ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ احْبِسِ احْبِسِ)، أَتَاَكَ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ، قام قام زيد، قام: فعل ماض، وقام الثاني مؤكِّد، وزيد فاعل للأول، الثاني قام هل له فاعل؟ ليس له فاعل. كذلك بعض الأفعال التي اتصلت بها ما الكافة "قَلَّ" و "طالَ" و "كثُر" .. قَلَّمَا وكَثُرَ مَا وطَالَمَا هذه أفعال ليس لها فاعل على المشهور عند النحاة، لأن (ما) هذه كافة كفتها عن طلب الفاعل، وقيل: بل (ما) هذه مصدرية، وحينئذٍ تؤول مع ما بعدها فيكون فاعل، وهذا أقيس. وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ: وكذلك المحذوف، -الفاعل المحذوف- للتخلص من التقاء الساكنين، نقول: الفعل ليس له فاعل باعتبار النطق، وإن كان المحذوف لعلة كالثابت عند النحاة، لكن من حيث الشيء المحسوس .. وقد سبق أن الجملة قد ينظر إليها من جهة الحس، يعني ما يلفظ به، وحينئذٍ قد يحذف بعض أنواع الفاعل، ومنها: ((لَتُبْلَوُنَّ)) [آل عمران:١٨٦] مثلاً، الواو حذفت، إذا أُكِّد الفعل المسند إلى ألف الاثنين أو واو الجماعة أو ياء المؤنثة المخاطبة، وحينئذٍ يحصل التقاء ساكنين ويحذف الفاعل، ولذلك يقال: اتَّقُوا اللَّهَ، اتقوا أنتم الله، هذا نقول: ضمير مستتر. نريد أن نأتي بواو ساكنة بعدها ساكن حتى يحذف من أجل التخلص من التقاء الساكنين، مثل: أبو العباس، أبو العباس قلنا: الواو هذه محذوفة، سمعوا القول، الناس سمعوا القول، سمعوا: الواو هذه فاعل، وحينئذٍ التقى الساكنان وحذفت في النطق، والمحذوف للتخلص من التقاء الساكنين هذا محذوف لعلة وحينئذٍ يكون كالثابت، لكن هذا يذكر في مثل هذه المواضع، ما حذف –الفاعل- للتخلص من التقاء الساكنين سواء كان لوجود النون، نون التوكيد الثقيلة كما في: "تَرَيِنَّ"، "لَتُبْلَوُنَّ"، أو: الناس سمعوا كذا، حينئذٍ نقول: التقى الساكنان. وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ فَإنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ فَإنْ ظَهَرْ فَهْوَ: هنا حصل اتحاد في الظاهر اللفظي بين الشرط ومشروطه، والأصل التخالف. فَإنْ ظَهَرْ: الفاعل فهو الفاعل، إذاً: جواب الشرط ما الذي فيه جديد؟ فَإنْ ظَهَرْ: يعني بدأ ونطق به الفاعل فهو الفاعل، إذا ظهر الفاعل فهو الفاعل قطعاً، لا بد من تخالف جواب الشرط مع الشرط، فذهب الشراح إلى مسلكين، إما أن نقول: فإن ظهر أي: وجد في اللفظ فهو ذاك، وهذا تقدير الأشموني وهو جيد. والمكودي ذهب إلى قوله: فإن ظهر ما هو فاعل في المعنى فهو الفاعل في الاصطلاح. فَإنْ ظَهَرْ يعني: في التركيب، ما هو فاعل في المعنى فهو فاعل في الاصطلاح.

стр. 841

أجيب: بأنه يشمل المبتدأ وغيره، يعني: هذا غير جامع، أجيب: بأن قوله: فإن ظهر في المعنى أنه فاعل باعتبار الشروط السابقة ليس مطلقاً، وحينئذٍ لا بد من التأويل لئلا يتحد جواب الشرط مع فعل الشرط، ولذلك لما هناك في الحديث: ﴿فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ من كانت هجرته إلى الله ورسوله قصداً وعملاً، فهجرته إلى الله ورسوله ثواباً وأجراً، إذاً: اختلفا، لا بد من التقدير؛ لأن جواب الشرط لا يكون عين فعل الشرط، لأن الشيء يكون معلقاً على شيء مغاير لا على نفسه، إن جاء زيد جاء زيد، إن جاء زيد أكرمته، أما: إن جاء زيد جاء زيد، إن جاء عمرو جاء عمرو، نقول: هذا متحد، وحينئذٍ لا بد من المغايرة. فَإنْ ظَهَرْ: يعني وجد في اللفظ ونطق به فهو ذاك، أي: الفاعل الاصطلاحي، مثل قام زيد، نقول: هذا ظهر في اللفظ، قام: فعل ماضي، وزيد: اسم صريح -نُطِق به-، وقام الزيدان، قام الزيدون، قامت هند، قمتُ، نقول: هذا ظهر في اللفظ. وَإلاّ وإن لم يظهر في اللفظ لا بد أن يقدر، لأنه لا ينفك الفعل عن الفاعل، لأن الدلالة عقلية، وهنا اشترك النقل مع العقل، فنقول: الدلالة عقلية لا يمكن أن ينفك الفعل عن فاعل. إن لم يظهر في اللفظ، فََضَمِيرٌ، فهو ضمير مستتر، وَإلاّ وإن لم يظهر في اللفظ، فََضَمِيرٌ، ضمير هذا خبر مبتدأ محذوف، يعني: فهو ضمير. اسْتَتَرْ: هذا صفة له، نحو: قم، نقول: لم يظهر عندنا فاعل، لم ننطق بفاعل، أين الفاعل؟ نقول: هنا أسند الفعل إلى ضمير مستتر، وسبق معنا في أول الكتاب كَلاَمُنَا لَفْظٌ، قلنا: اللفظ هو الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية، قلنا هنا: لا بد أن ندخل الضمائر المستترة من أجل أن نحكم عليها أنها فاعل، نحن لا نحكم على فاعل إلا إذا كان اسماً صريحاً أو مؤول بالصريح، وهذه ليست باسم، فحينئذٍ لا بد من التأويل والتكلف والتعسف حتى ندخل هذه الألفاظ. فـ قم نقول فيه: ضمير مستتر؛ لأنه وإن لم يكن لفظاً منطوقاً به إلا أنه في قوة اللفظ، فهو صَوْتٌ مُصَوَتٌ بالقوة وليس بالفعل، إذ اللفظ منه ما هو أفراد محققة وأفراد مقدرة، هكذا قيل. قم وزيد قام، قام هو، وهند قامت، يعني هي، وحينئذٍ إذا لم يوجد لفظ يصح أن يكون فاعلاً اصطلاحياً لا بد من التقدير، لكن لا بد من التقدير على المواضع السابقة، متى نقول واجب الاستتار ومتى نقول جائز الاستتار ومتى نحكم عليه بأنه ضمير بارز ومتى نحكم عليه بأنه ضمير مستتر! إذاً: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ وَإِلاّ فََضَمِيرٌ اسْتَتَرْ قال الشارح: حكم الفاعل التأخر عن رافعه، وهو الفعل أو شبهه نحو: قام الزيدان، وزيد قائم غلاماه، غلاماه هنا فاعل لقائم، وقام زيد، ولا يجوز تقديمه على رافعه، الزيدان قام لا يصح، ولا الزيدون قام لا يصح، بل لا بد أن تقول: الزيدان قاما بالألف، والزيدون قاموا بالواو، ولا زيد قام على أن يكون زيد فاعلاً مقدماً، بل على أن يكون مبتدأً، التركيب صحيح، لكن من جهة كونه مبتدأً لا فاعلاً. والفعل بعده رافع لضمير مستتر، زيد قام هو، هذا مذهب البصريين.

стр. 842

وأما مذهب الكوفيين فجوزوا تقديم الفاعل على المفعول: مَا لِلجمالِ مَشْيُهَا وَئِيدَاً ... أَجَنْدَلاً يحْمِلْنَ أمْ حَدِيدَا قالوا: هنا قدم الفاعل على عامله: مَشْيُهَا وَئِيدَاً. مَا لِلجمالِ، مَا: اسم استفهام مبتدأ، لِلجمالِ: هذا خبر، مَشْيُهَا: بالرفع، وَئِيداً: هذا حال من الجمال، ما للجمال حالة كونها وئيداً مشيها، فمشيها فاعل لوئيد فعيل، حينئذٍ تقدم على عامله، قالوا: يجوز مطلقاً في جميع التراكيب أن يكون الفاعل مقدماً على عامله، فحينئذٍ قام زيد فعل وفاعل، زيد قام، زيد إما أن يكون فاعلاً، إما أن يكون مبتدأ وخبره ما بعده، فيجوز عندهم وجهان في زيد قام، زيد فاعل مقدم، وقام هذا فعل مؤخر وليس فيه ضمير، وزيد: مبتدأ، وقام: هذا جملة خبر، لأنه مسند إلى ضمير مستتر، فحينئذٍ نقول: الصحيح الذي لا ينبغي التعويل على غيره أنه لا يجوز أن يتقدم الفاعل على عامله، لأنه يؤدي إلى اللبس، هل هذا مبتدأ أو فاعل! لأن ثَمَّ فرقاً عند النحاة وغيرهم بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية، الجملة الفعلية تدل على التجدد والحدوث، وأما الجملة الاسمية فتدل على الثبوت والاستمرار. إذاً: لا يمكن أن يجوَّز الأمران ثم نقول اعرب ما شئت أو اعتقد ما شئت، هذا مبتدأ أو فاعل. وأما ما استدلوا به: مَشْيُهَا وَئِيدَاً هذا سهل تأويله: ما للجمال وئيداً مشيها، ما للجمال نقول: وئيداً مشيها، مشيها هذا مبتدأ، ما دام أنه مرفوع نجوز أنه مبتدأ، وئيداً هذا حال من الخبر المحذوف، مشيها ثابت أو ثبت وئيداً أو يكون أو يوجد، قدر له ما شئت، فوئيداً حال من الفاعل المستتر في الخبر المحذوف. مَشْيُهَا: كائن أو ثابت وئيداً، أو وجد وئيداً، لا إشكال، وحينئذٍ هو حال من فاعل الخبر المحذوف، التقدير: مشيها يكون أو يثبت وئيداً، إذاً جاز تأويله، هذا المراد، جاز تأويله على وجه صحيح، وحينئذٍ لا يتعين أن يكون فاعلاً مقدماً، نعم لو جيء بأمثلة لا يجوز فيها إلا أن يكون فاعلاً له شأن آخر، وأما إذا أمكن التأويل فحينئذٍ نرجع إلى التأويل، لأنه لا يمكن أن ننظر في القرآن من أوله إلى آخره والسنة وما ورد في أشعار العرب كلها العامل مقدم والفاعل مؤخر، ثم العقل والنظر يقتضي ذلك، ونأتي بمثل هذا البيت والبيتين والثلاثة ثم ننسف هذه القاعدة من أصلها. إذاً نقول: الصواب أنه لا يجوز تقدم الفاعل على عامله. واستدل البصريون على أنه لا يجوز تقديم الفاعل على فعله بوجهين: أحدهما: أن الفعل وفاعله كجزئي الكلمة الواحدة كما ذكرناه سابقاً. وثانيهما: أن تقديم الفاعل يوقع في اللبس بينه وبين المبتدأ، إذ فرق بين الجملة الاسمية ودلالتها والجملة الفعلية ودلالتها. وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ وَإِلاَّ فََضَمِيرٌ اسْتَتَرْ

стр. 843

هل ثَمَّ قسم ثالث من أنواع الفاعل؟ بعضهم رأى أن ثَمَّ قسماً ثالثاً وهو الفاعل المحذوف، بعض التراكيب قلنا: يحذف منها الفاعل وجوباً، لا يجوز ذكر الفاعل معها البتة، وحينئذٍ هل هو قسم ثالث أم لا؟ من نظر إلى لسان العرب من حيث الوضع: الأصل في كل فعل أن يكون له فاعل حينئذٍ يصير هذا الحذف عرضاً، والتأصيل والتقعيد إنما يكون بالأصول لا بالفروع. هذا أولاً. ثانياً: ينظر إلى أن الفاعل الذي حذف لعلة والمحذوف لعلة كالثابت بأنه موجود، وحينئذٍ يدخل في قوله: بَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ، يعني ما حذف لعلة تصريفية كالواو من: "لَتُبْلَوُنَّ" أو "تَرَيِنَّ" الياء، وحينئذٍ نقول: هذا داخل في قوله: بَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ، وهذا لا إشكال فيه. وأما: (أَتَاَكَ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ)، حينئذٍ نقول: أتاكِ لا فاعل له، هل هو بأصل الوضع أم بطروء عليه؟ الثاني. لو قلت: أتاكَ لا بد من فاعل: أتاك زيد، نقول: هذا فعل اقتضى فاعلاً، إذاً: في هذا التركيب على جهة الخصوص لكونه مؤكداً، والفعل المؤكد لم يقصد فيه الإسناد أصالة، ما قصد فيه الإسناد، وإنما قصد فيه تأكيد المعنى الذي دل عليه الفعل السابق، وحينئذٍ نقول: القسمة ثنائية: فعل ظاهر وفعل مستتر. لم يذكر الناظم القسم الثالث وهو الفاعل المحذوف لندرته ولا حكم له، وكلها قابلة للنقاش، يعني ما قيل فيها أنها محذوفة، وسيأتي شيء منها. وتظهر فائدة الخلاف في غير الصورة الأخيرة وهي صورة الإفراد، نحو: زيد قام، فتقول على مذهب الكوفيين: الزيدان قام بالإفراد، ما تقول: قاما بالألف، وعلى مذهب البصريين: الزيدان قاما بالألف، والزيدون قاموا، وأما مذهب الكوفيين لا، الزيدان قام، والزيدون قام، -حتى أنها ركيكة-. الزيدون هذا فاعل مقدم، وقام: هذا فعل مؤخر، وهذا ما يتحد. وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا ... لاِثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَفَازَ الشُّهَدَا وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا ... وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ أشرنا إلى هذه المسألة في كلامنا على المبتدأ الذي هو النوع الثاني، أن الأصل في الفعل أن يجرد عن علامة تدل على تثنية الفاعل أو جمعه، فتقول: قام زيد، زيد هذا فاعل وهو مفرد، وإذا ثني الفاعل بقي الفعل على إفراده كما هو، لأن الحدث واحد، الجنس واحد، قام الزيدان، فالزيدان قد اشتركا في إحداث قيام وهو شيء واحد دل عليه لفظ قام، وليس هما قيامين حتى نحتاج إلى تثنية قاما وإنما هو شيء واحد، فيلزم الإفراد مع الفاعل المثنى، فتقول: قام –بالإفراد- الزيدان كما تقول: قام زيد.

стр. 844

وكذلك إذا أسند الفعل إلى فاعل جمعاً وهو: قام الزيدون، الزيدون هذا فاعل وهو جمع، لا تقل: قاموا الزيدون إشارة إلى أن الفاعل جمع، لا، وإنما يلزم الإفراد، هذا هو اللغة السائدة في لسان العرب: أنه إذا أسند الفعل إلى فاعل مثنىً أو جمعاً وجب تجريد الفعل من علامة تدل على التثنية أو على الجمع، وهذا يفارق ما إذا أسند الفعل إلى فاعل مؤنث، وحينئذٍ يلزمه وجوباً أو جوازاً -كما سيأتي- أن يتصل بالفعل علامة تدل على تأنيث الفاعل، قامت هند، هند: فاعل وهو مؤنث، حينئذٍ اتصل بالفعل علامة تدل على تأنيث الفاعل، هل مثله إذا كان الفاعل مثنى يتصل بالفعل علامة تدل على أنه مثنى مثل التاء، وإذا كان الفعل جمعاً اتصل بالفعل علامة تدل على أنه جمع؟ لا، ليس هما سيان. أولاً: لأن إلحاق التاء بالفعل لغة عامة سائدة في لسان العرب، فليست هي لغة خاصة بفرد أو قبيلة أو نحو ذلك. ثم أن الزيدان والزيدون يدل على التثنية بذاته، فلا لبس، أما هند فهذا قدر مشترك بين المذكر والمؤنث، يعني علم لمذكر وهو علم لمؤنث، وحينئذٍ إذا قيل: قام هند وأردت به المؤنث حصل لبس، وكلما حصل لبس لا بد من دفعه في لسان العرب، فثمَّ فرق بين إلحاق الفعل تاءً تدل على تأنيث الفاعل فيما إذا كان الفاعل مؤنثاً، وبين أن يلحق الفعل علامة تثنية تدل على تثنية الفاعل أو جمع تدل على جمع الفاعل، ففرق بين هذا وذاك. ثم أمر ثالث: وهو أن تأنيث الفعل قد يكون واجباً -في بعض الصور-، قد يكون التأنيث واجباً وذلك إذا كان الفاعل مؤنثاً تأنيثاً حقيقياً ولم يفصل بينه وبين عامله بفاصل، حضرت هند، قامت هند، هذا واجب ليس بجائز. وأما لغةُ من ألحق علامة التثنية فهو جائز، يجوز عندهم: قاما الزيدان وقام الزيدان، ويجوز عندهم: قاموا الزيدون وقاما الزيدون، وحينئذٍ فرق بين ما وجب وبين ما جاز، هذه المسألة أشار إليها بقوله: وَجَرِّدِ الْفِعْلَ، جَرِّدِيعني: عرِّه ولا تلحقه علامة تثنية ولا علامة جمع. وَجَرِّدِ الْفِعْلَ: الذي هو عامل في الفاعل، وهل الوصف مثله؟ هل الوصف مثله إذا رفع فاعلاً، أقائم الزيدان، مثله؟ نعم. إذاً خص الفعل لماذا؟ لكونه أصلاً، ومثله الوصف الرافع لفاعل، ولذلك سبق معنا: وَالثَّانِ مُبْتَدَاً وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ ... إِنْ فِي سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقَاً اسْتَقَرّْ احترازاً من هذه المسألة: أقائمان الزيدان، الثاني مبتدأ والأول خبر، لماذا؟ لئلا يلحق بالوصف وهو عامل في الفاعل علامة تدل على التثنية، ومثله: أقائمون الزيدون. وَجَرِّدِ الْفِعْلَ: عرِّه الْفِعْلَ وما عمل عمله أو ما جرى مجراه، جرده من ماذا؟ من علامة التثنية والجمع، لا تلحقه علامة وهي حرف يدل على التثنية، أو حرف يدل على الجمع، متى؟ إذَا مَا أُسْنِدَا لاِثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ: إذَا أُسْنِدَا، مَا: هذه زائدة. يا طالبا خذ فائدة ** بعد إذا (ما) زائدة إذَا مَا أُسْنِدَا: الألف للإطلاق. لاِثْنَيْنِ: يعني لفاعل مثنى يدل على اثنين. أَوْ جَمْعٍ: أو فاعل يدل على جمع.

стр. 845

كَفَازَ الشُّهَدَا: فاز الشهداء، نقول: فاز هذا مفرد، فاز زيد وفاز الشهيدان وفاز الشهداء، الفعل واحد مفرد في الجميع سواء كان مفرداً الفاعل أو مثنىً أو جمعاً ((قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ)) [المائدة:٢٣]، ((وَقَالَ الظَّالِمُونَ)) [الفرقان:٨]، ((وَقَالَ نِسْوَةٌ)) [يوسف:٣٠] كلها في القرآن، فدل على أن إفراد الفعل مع كون الفاعل متعدد سواء كان مثنىً أو جمعاً، هذا هو اللغة الفصحى وعليه التعويل. وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا ... وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ وَقَدْ: للتقليل، قليل، سمع في طي وغيرها أنهم يلحقون الفعل علامة تثنية إذا كان الفاعل مثنى وعلامة جمع إذا كان الفاعل جمعاً، فيقولون: قاما الزيدان، قام: فعل ماض، والألف حرف تثنية مبني على السكون لا محل له من الإعراب، لا تعربه فاعل، والزيدان: فاعل. قاموا الزيدون، قاموا، قام: فعل ماضي مبني على الفتح المقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة، مناسبة الضمير أو حرف الجمع؟ حرف الجمع، هذا تزيده هناك في الفعل الماضي. والواو هذا حرف دال على الجمع مبني على السكون لا محل له من الإعراب، ليس هو الفاعل، وإنما هو مثل: قامت –التاء-. قاموا الزيدون، فالزيدون هذا فاعل يعتبر عند من نطق بهذا التركيب. وَقَدْ يُقَالُ: وهي لغة قليلة، سَعِدَا هذا نائب فاعل لـ: يقال، بناه للمجهول، لأنها لغة قليلة، ولذلك دل عليها بقوله: قد. وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا ... وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ قَدْ يُقَالُ: سَعِدَا الشهيدان، ووَسَعِدوا الشهداء مع الجمع ومع التثنية، يلحق علامة تثنية وعلامة جمع، لكن ليس مطلقاً وإنما قيده: وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ. يعني: هذه اللغة القليلة لها صورتان: في اللفظ واحدة، وفي التقدير مختلفتان، إذا قلت: قاما الزيدان، ثَمَّ صورة مشتهرة شهيرة، وثَمَّ صورة هي لغة قليلة رديئة، بالنظر إلى الألف هذه: قاما الزيدان، إن جعلتها حرفاً ليست بضمير فحينئذٍ أسندتَ قاما إلى الزيدان، هذا هو الذي أشار إليه الناظم بأنه لغة قليلة، وأنه مخالف للفصيح المشتهر في لسان العرب، متى؟ إذا أسندت الفعل إلى الاسم الظاهر الزيدان، وحينئذٍ لا يكون للفعل فاعلان، إذا قلت بأن الفاعل هو الزيدان امتنع أن يكون الألف فاعل قطعاً، الفاعل له واحد، فحينئذٍ قاما الزيدان إذا أسند الفعل للاسم الظاهر امتنع جعل الألف -ألف التثنية- فاعلاً، ولك صورة أخرى أن تقول: قاما الزيدان، قاما قام: فعل أسند إلى الألف وحينئذٍ صارت ضميراً اسماً فاعلاً، والزيدان صار مبتدأً مؤخراً ليس هو الفاعل، ففَصلتَ بين قام والزيدان، جعلتَ قام مسنداً إلى الألف، تقول: الزيدان قاما هذه الألف فاعل ضمير، لك في مثل هذا التركيب قاما الزيدان أن تجعل الألف هذه ضميراً، فإذا جعلتها ضميراً أعربتها فاعل، وحينئذٍ استوفى قاما فاعله وبقي الزيدان منفصل، وإذا انفصل حينئذٍ له توجيهان في الإعراب: إما أن يكون بدلاً من الألف من الضمير، وإما أن يكون مبتدأً مؤخراً، وجملة قاما في محل رفع خبر مقدم، ولذلك اللغة الرديئة ليست بإسناد قاما إلى الألف، وإنما قيدها بقوله:
следующие страницы →