← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36130

شرح ألفية ابن مالك للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (2 939 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

اضْمُمَنْ: مطلقاً سواء كان ماضياً أو مضارعاً، فأطلق قوله: الْفِعْلِ ليشمل الماضي والمضارع؛ لأن الحكم عام. فكل فعل مغير الصيغة في هذا الباب أوله مضموم قطعاً، ثم الضم قد يكون ملفوظاً به وقد يكون مقدراً، فاضْمُمَنْ ولو تقديراً، كما في قيل وبيع كما سيأتي؛ لأن قيل أصله مضموم الأول، وبيع أصله مضموم الأول، فحينئذٍ ضُم لكنه مقدر، وبيع ضُم لكنه مقدر، إذاً اضْمُمَنْ مطلقاً، سواء كان الفعل ماضياً أو مضارعاً فالحكم عام، حينئذٍ تقول: ضرب، ضُ .. ضممت الأول، يُضرب، يُـ .. تضم حرف المضارعة، وهذا الحكم قلنا عام يشمل فيما إذا كان الأول مكسور فيما هو الثلاثي المعل العين كما سيأتي في قيل وبيع، فحينئذٍ يكون الضم مقدراً، أو كان ملفوظاً به وهو الأصل، إذاً عمم القاعدة في الأول فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ: يعني سواء كان الفعل ماضياً أو مضارعاً اضْمُمَنْ، ولو تقديراً، ولو مثل بنيِلَ خَيْرُ نَائِلِ جيد. وَالمُتَّصِلْ بِالآخِرِ اكْسِرْ: أما ما قبل الآخر ففيه تفصيل بين النوعين الماضي والمضارع؛ لأن الأمر هنا لا يتصور أن يدخل معنا، لماذا؟ لأن فاعله لا يحذف، لا يمكن أن يحذف بل هو ضمير مستتر واجب الاستتار، فحينئذٍ بقي الأمر متردداً بين الماضي والمضارع، فإذا قيل: بأن الماضي والمضارع يضم أولهما بقي التفريق بينهما فيما قبل الآخر، أما الآخر فهذا يكون محلاً للإعراب والبناء، بقي حكم الصرف معلقاً بما قبل الآخر، فإن كان ماضياً قال: اكْسِرْ، واكسر المتصل بالآخر في مضيٍ، متصل بالآخر ما هو؟ الذي قبل الآخر، المتصل يعني: الحرف المتصل بالآخر الذي هو قبل الآخر، ضَرَب الراء هذه متصلة بالآخر وهي الباء، في الماضي تقول: ضُرِب فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ، ثم اكسر ما قبل آخره ضُرِب، وأما الباء فهي حركته حركة بناء. واكْسِرْ الحرف المُتَّصِلْ هذا مفعول به وقف بالإسكان للروي مفعول مقدم لقوله: اكْسِرْ، اكْسِرْ المُتَّصِلْ، يعني الحرف المتصل. بِالآخِرِ: هذا متعلق بالمتصل، متصل بالآخر يعني الذي يكون آخر الكلمة وهو محل إعراب أو بناء، المتصل به الذي قبله. فِي مُضِيٍّ: هذا تخصيص –تقييد-، ليس الحكم كالأول فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ! لا، هنا تفصيل، أوَّل عمم وأطلق وهنا فصل، وهذا تستدل به على أنه أراد بقوله: الفعل، فَأَوَّلَ الْفِعْلِ العموم؛ لأنه إذا أطلق -هذا حتى في الفقهيات- إذا أطلق الحكم في مسألة، ثم جاء في المسألة التي تليها فصّل بين ما يمكن إدخاله في المسألة الأولى، تعمم الأولى وتخصص الثانية، هنا قال: فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ، قد يقول قائل: هذا ليس نصاً في أن المضارع داخل فيه، أو أن الحكم خاص بالماضي، نقول: لا، كونه فصل قال: فِي مُضِيٍّ، ثم قال: وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ، في المتصل بالآخر، علمنا أن قوله: فَأَوَّلَ الْفِعْلِ، أنه عام، وهذا كثير في الفقه هناك. وَالمُتَّصِلْ بِالآخِرِ -منه- اكْسِرْ، هذا أمر وجوباً ولو تقديراً، كـ (رُدَّ) فيما هو ثلاثي مُضَعَّف، رُدَّ فِي مُضِيٍّ، هذا قيد أفاد أن قوله: أَوَّلَ الْفِعْلِ عام، وأن هذا الحكم خاص بالماضي دون المضارع.

стр. 877

اكْسِرْ: نقول: ضُرِب، أصلها ضَرَب مفتوحة الراء، فجعلت الفتحة كسرة، تقول: ضُرِب، إذاً تغيرت صيغة الفعل الماضي. ضَرَب، صار ضُرِب ضُمَّ أوله وكسر ما قبل آخره، وهذا واضح فيما إذا كان مفتوحاً .. ضرَب، فعَل العين مفتوحة الراء مفتوحة، إذا كان مثل علِم اللام مكسورة في أصلها، فحينئذٍ إذا قيل اللام مكسورة في أصلها، إذا قلت: عُ ضممت أوله، لِ كسرت ما قبل الآخر أو نبقيه كما هو؟ قولان للنحاة، والظاهر أنها ما كان مكسور قبل الآخر يبقى على كسرته، لا نحتاج أن نقول هذه الكسرة محدثة وأسقط الكسر السابق، هو محتمل، لكن نقول: المراد هنا التمييز تمييز الفعل من أجل الحكم على أن ما بعده نائب فاعل، فحينئذٍ حصل بوجود الكسر فأغنت هذه الكسرة عن إحداث كسرة أخرى، فإذا قيل: عُلِم قد يرد السؤال: هذه الكسرة هل هي الكسرة الأصلية في عُلِم أم أنها كسرة محدثة مثل ضُرِب، نقول: الظاهر أنها هي الأصل، وليست محدثة. اكْسِرْ: نقول هذا ظاهره فيما إذا لم يكن مكسوراً في الأصل كضَرَب، فإن كان مكسوراً في الأصل كعلِم، فإما أن يقال: يُقدر زوال الكسر الأصلي وأتي بكسر بدله، هذا فيه تكلف، بمعنى أنه يقال هذه الكسرة ليست هي كسرة علِم، بل كسرة محدثة جديدة، وتلك قد سقطت، أو يقال المراد الكسر إذا لم يكن مكسوراً في الأصل، واكْسِرْ إذا لم يكن مكسوراً في الأصل، وهذا جيد وأحسن، ومناسب للقواعد التي تكون منطقية، ويقبلها العقل، حينئذٍ نقول: واكْسِرْ إذا لم يكن مكسوراً، فإن كان مكسوراً بقي على كسره ولا نحتاج إلى التكلف. والكسر هو الكثير في لسان العرب، ومنهم من يسكنه لغة، ضُرِبَ يقول: ضُرْبَ زيد بإسكان الثاني، والكثير المشهور هو كسره، ويجوز تسكينه فيقال: ضُرْبَ، عُلْمَ زيد، يعني عُلِم، ومنهم من يفتحه في معتل العين، ويقلب الياء ألفاً، رُئِيَ زيد، يفتح ما قبل الآخر وهو الهمزة، فحينئذٍ نقول: تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً فصار رُؤى، رؤى زيد. إذاً: الصحيح يكون فيه لغتان: نحو ضُرِب فيه لغتان: كسر ما قبل الآخر وهو الأفصح والأكثر، وتسكينه. وأما إذا كان معتل اللام مثل رأى رؤي، ففيه ثلاث لغات، الأولى الكسر رئي، ثم رؤى الذي هو الإسكان، ثم فتح ما قبل الآخر فتقلب الياء ألفاً رأي، تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فحينئذٍ قلبت ألفاً وصار رؤى، رؤى زيد، ففيه ثلاث لغات، لكن المشهور ما ذكره الناظم هنا رحمه الله تعالى. فِي مُضِيٍّ: قلنا هذا متعلق بقوله: اكْسِرْ، كَوُصِلْ، وصل زيد وصلت الشيء، الأصل وصلت، وصل مثل ضرب .. وصلت الشيء ووصل الشيء ضُم أوله وكسر ما قبل آخره حقيقة، فحذف الفاعل وأقيم المفعول به مقامه، فتغير فَعَل بفتح أوله فُعِل، هذا إذا كان ماضياً. إن كان مضارعاً أشار إليه بقوله: وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحَا ... كَيَنْتَحِي الْمَقُولِ فِيهِ يُنْتَحَى وهذا كما ذكرنا لا خلاف فيه بين النحاة، كل هذه المسائل متفق عليها، وهي المسائل المأخوذة من فن الصرف؛ لأنه لا علاقة للنحاة بأول الفعل ولا أوسطه، وإنما يتعرضون لهذه الأبحاث وإن لم تكن من فنهم من أجل إتقان الباب فحسب؛ لأنه لا يتم معرفة نائب الفاعل إلا بذكر هذه المسائل.

стр. 878

وَاجْعَلْهُ: يعني المتصل بالآخر. مِنْ مُضَارِعٍ: عرفنا حكم الماضي، إذاً ليس للاحتراز، وإنما هو لبيان الواقع. مُنْفَتِحَا: يعني مفتوحاً، وهذا مفعول ثاني لقوله: اجْعَلْ، والهاء هذه مفعول أول. وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحَا: ولو تقديراً كـ (يُقال)، قال يقالُ يقولُ .. ضُمَّ أوله وفُتِح ما قبل آخره، صار يُقْوَلُ يُفْعَلُ مثل: يُضربُ، يُقتلُ، هذه مغير الصيغة، فيقال: يُقْوَلُ، أريد قلب الواو ياء، فنقلت حركة الواو إلى ما قبلها، من أجل أن ندعي أن الواو تحركت وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، أو نقول: اكتفاء بجزء العلة؛ لأن العلة مركبة هنا، لا بد من تحرك الواو وانفتاح ما قبلها، فإذا قيل: يُضرَب، يُقْوَلُ تحركت الواو ولم يفتح ما قبلها، ماذا نفعل؟ تكلف الصرفيون لهذا القلب علة أخرى وهي: أن الواو قد نقلت إلى ما قبلها، حينئذٍ صار النظر إلى فعلين: يُقْوَلُ واو مفتوحة، ثم لما نقلوا الفتحة إلى ما قبلها صار (يَق) تحركت الواو ثم سكنت الواو، بالنظرين قبل النقل وبعد النقل قالوا: تحركت الواو في يُقْوَلُ، وانفتح ما قبلها في يَقْوَلُ، وحينئذٍ قلبت ألفاً، وهذا فيه تكلف، والأصح أن يقال: اكتفاء بجزء العلة، لماذا؟ لأنه سمع كذا، يُقَالُ لا يوجد يُقْوَلُ أبداً، وإنما هذه فلسفة من أجل معرفة أن هذه الألف منقلبة عن واو، وهو صحيح متفق على أن هذه الألف منقلبة عن واو، كيف انقلبت؟ نقول: نحن عندنا قاعدة أن الواو لا تقلب ألفاً إلا إذا تحركت وانفتح ما قبلها، قال: قوَل، تقول: تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألف، باع بيَع تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً. هنا ليس عندنا تحرك الواو وانفتح ما قبله، فقالوا: إذاً نتكلف علة من أجل تمكين هذه الواو من قلبها ألفاً، إذاً إذا قيل: يقال، ما قبل الأخير هو الواو المنقلبة ألفاً. قال: وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحَا أين الانفتاح هنا؟ ليس فيه فتحة، وإنما نقول: هنا مقدر؛ لأنه قبل قلب الألف واواً. وَاجْعَلْهُ: يعني اجعل المتصل بالآخر يعني ما قبل الآخر مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحَا ولو تقديراً كـ (يُقال)، اجْعَلْهُ الضمير هنا مفعول أول مُنْفَتِحَا مفعول ثاني، مِنْ مُضَارِعٍ متعلق باجْعَلْهُ. كَيَنْتَحِي: يعني كقولك في مثال ذلك ينتحي، هذا من الانتحاء وهو الاعتماد، المبني للمعلوم.

стр. 879

يَنْتَحِي بإثبات الياء، يَنْتَحِي أصلها ينتحيا، حينئذٍ تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً فصار يَنْتَحِي، هذه ألف ويَنْتَحِي هذه ياء، نقول: تحركت الياء وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفاً، حينئذٍ يَنْتَحِي هذا مضارع مبني للمعلوم، يَنْتَحِي هذا مضارع مغير الصيغة، والأولى أن يعبر في مثل هذا التركيب بمغير الصيغة وإن انتشر عند الكثير بأنه مبني للمجهول لسببين: أولاً: المبني للمجهول هذا فيه تخصيص لغرض واحد من أغراض حذف الفاعل؛ لأنه كما سبق حذف الفاعل ليس خاصاً بالمجهول، هل كلما حذف الفاعل معناه للجهل به؟ قلنا: قد يخاف من ذكره، قد يكون معلوماً ((خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)) معلوم هذا؟ مقطوع العلم هذا، لا خالق إلا الله، حينئذٍ ليس إذا قيل: مبني للمجهول فيه حصر لغرض حذف الفاعل في الجهل به، وهذا غلط ليس بصحيح، بل قد يحذف للعلم به، قد يحذف للخوف منه، قد يحذف لمصلحة ألا يصرح به، قد يحذف للتعظيم، للتحقير .. إلى آخره، ليس للجهل به. ثم إذا جئنا في حكم شرعي وإذا جئنا نطبق مثل هذا الإعراب في بعض الآيات التي يكون فيها الرب جل وعلا هو الفاعل الذي حذف، هذا لا يجوز نقول: ((خُلِقَ الإِنسَانُ)) خُلِقَ مبني للمجهول! هذا لا يجوز، ولو اصطلح النحاة على هذا، لماذا؟ لأنه لا يدَّعى أن الله مجهول، ((خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)) خُلِقَ، نقول: هذا فعل مبني للمجهول، أين المجهول؟ ليس عندنا مجهول، فلا يلتبس؛ لأنه كثير ما يقول النحاة مبني للمجهول! لا، نقول: مغير الصيغة، فعل ماضي مغير الصيغة، فعل مضارع مغير الصيغة، ومبني للمجهول هذه إن استعملت فرآها إنسان لا يستعملها في مثل هذه المواضع. إذا كان المحذوف النبي ﷺ أو أحد من الصحابة مثلاً والقول منسوب إليه، أو الملائكة .. حينئذٍ نقول: لا، لا ينبغي بل لا يجوز أن يقول: مبني للمجهول؛ لأن التجهيل هذا صعب. وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحَا ... كَيَنْتَحِي الْمَقُولِ فِيهِ: الْمَقُولِ يجوز فيه وجهان: مَقُولِ على أنه نعت ليَنْتَحِي؛ لأنه قصد لفظه، كَيَنْتَحِي الأولى أن يجعل الكاف هنا داخلة على اسم، يَنْتَحِي هذا قصد لفظه، وإنما نقدر القول فيما إذا كان جملة، يعني لو قال: كَيَنْتَحِي زيد عمرو كقولك، أما إذا جاء بالفعل نفسه نقول: هذا قصد لفظه فصار علماً، فالكاف هنا داخلة على اسم، فلا نحتاج إلى التقدير. كَيَنْتَحِي الْمَقُولِ: نعت له. الْمَقُولِ فِيهِ: (فِيهِ) هذا نائب فاعل المقول، يعني اسم مفعول، يَنْتَحِي هذا محكي بالقول؛ لأن المقول والقول وما تصرف منه قلنا هذا يتعدى، هذا الأصل، حينئذٍ يكون نائب فاعل ليس فيه، وإنما ينتحى هو المحكي بالمقول. ويجوز الْمَقُولِ فِيهِ يَنْتَحِي، الْمَقُولِ مبتدأ، ويَنْتَحِي هذا خبر، يجوز هذا ويجوز ذاك. الْمَقُولِ فِيهِ يَنْتَحِي، لكن إذا قيل: الْمَقُولُ بالرفع يكون الترتيب للبيت هكذا: وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ كَيَنْتَحِي ... مُنْفَتِحَا الْمَقُولِ فِيهِ يُنْتَحَى

стр. 880

هذا أولى، إذا جُعِل مرفوعاً يكون تقدير البيت: وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ كَيَنْتَحِي .. حينئذٍ كَيَنْتَحِي هذا متعلق بقوله: مُضَارِعٍ، مُنْفَتِحَا هذا مفعول ثاني، وإذا قيل: الْمَقُولِ فيبقى على ما ذكره الناظم رحمه الله تعالى. إذاً: الماضي والمضارع إذا أريد صوغهما لنائب الفاعل حينئذٍ يضم الأول (فَ)، ثم ننظر إلى ما قبل الآخر فالماضي نكسره لفظاً أو تقديراً ويجوز لغةً تسكينه، وإذا كان معتل اللام جاز فتحه، فصار فيه ثلاث لغات، وما قبل المضارع يفتح ولو تقدير، وهذا محل وفاق والحمد لله. وَالثَّانِيَ التَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ ... كَالأَوَّلِ اجْعَلْهُ بِلاَ مُنَازَعَهُ وهذا أيضاً محل وفاق. وَالثَّانِيَ: يعني الحرف الثاني، هذا منصوب على الاشتغال، وهذا سيأتينا: إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ سَابِقٍ فِعْلاً شَغَلْ، اجْعَلْهُ الضمير هنا راجع إلى الثاني، لكنه نصبه حينئذٍ تعين أن يكون الأول من باب الاشتغال. وَالثَّانِيَ: يعني اجعل الثاني، والمراد بالثاني هنا الحرف -الحرف الثان-ي. التَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ: تَا الْمُطَاوَعَهْ المراد بها حصول الأثر من الأول للثاني، قد تتصل بالفعل الماضي تاء تسمى تَا الْمُطَاوَعَهْ، والمراد بها قبول الأثر، أو حصول الأثر من الأول للثاني، يعبر بالحصول والقبول لا شك، هذا وذاك، يقال: حصول الأثر من الأول للثاني، أو قبول الأثر من فعل سابق وحصوله نتيجة لتأثيره، علَّمتُه فتعلم، علمته: حصل تعليم مني، فقبل العلم فتعلم، أما إذا لم يقبل لا يصح أن يقال: فتعلم؛ لأنه لم يقبله، كسَّرته فتكسَّر، إذاً تكسر حينئذٍ قلنا قبل الأثر، إذا لم يتكسر لا يقال: تكسر، إذا كسرت الزجاج كسرته كسرته تقول: كسّرته فتكسَّر، إذا لم يتكسَّر لا يصح أن يقال: تكسَّر، التاء هذه تدل على أن ثم تأثير من خارج لهذا المحل، فقبله ذلك المحل، إذا قبل وجاءت التاء، قلنا هذه تَا الْمُطَاوَعَهْ. قال: وَالثَّانِيَ التَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ: وتا المطاوعة هذه لا تتصل إلا بالفعل الماضي، وإذا كان كذلك خصصنا هذا البيت بالفعل الماضي لأنه لا تأتي في الفعل المضارع. هذا في الماضي لا في المضارع؛ لأن تَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ لا يكون ثانياً في المضارع بل ثالثاً فيه؛ لزيادة حرف المضارعة قبلها؛ لأنه قال: وَالثَّانِيَ، هذا لا يتصور في المضارع وإنما يتصور في الماضي فحسب. وَالثَّانِيَ التَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ: الذي يتلو تَا الْمُطَاوَعَهْ: حينئذٍ تَا الْمُطَاوَعَهْ تكون أولاً، وحكمها معلوم مما سبق فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ، الكلام الآن ليس في تَا الْمُطَاوَعَهْ، تَا الْمُطَاوَعَهْ داخل في قوله: فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ، حينئذٍ حكمها الضم؛ لأنها أول الفعل فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ مطلقاً، أي فعل ماضي سواء كان مجرداً كضرب، أو دخلت عليه تاء المطاوعة أو همزة الوصل كانفعل، أو استفعل .. كل فعل ماضي أوله مضموم، وتعلَّم وتكسَّر أوله التاء وهي تاء المطاوعة؛ إذاً ليس الحكم المراد به هنا تاء المطاوعة، وإنما المراد به الثاني الذي يتلوه.

стр. 881

وَالثَّانِيَ: يعني الحرف الثاني التَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ: قصره للضرورة. كَالأَوَّلِ اجْعَلْهُ: بدل من أن يقول: كتاء المطاوعة قال: كالأول من باب التفنن، وإلا الأصل أن يقول مثلها، يعني فيأخذ الحكم الثاني التالي تا المطاوعة الذي يتلوها، أن يأخذ حكمها، قال: كَالأَوَّلِ اجْعَلْهُ، قد يظن الظان بأن قوله: كَالأَوَّلِ أن ثم فرقاً بين تاء المطاوعة والأول! لا، هي عينها؛ كأنك تقول: تَعلَّم، تُعلمِّ، ماذا صنعت؟ ضممت الأول على الأصل، الأصل تعلَّم، ما القاعدة؟ فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ، وما قبل الآخر وَالمُتَّصِلْ بِالآخِرِ اكْسِرْ فِي مُضِيٍّ كَوُصِلْ. إذاً: تعُلِّم كسرت ما قبل الميم وهو اللام. الفائدة في هذا البيت أن ماكان مفتتحاً بتاء المطاوعة وهو فعل ماضي الثاني يتبع الأول، فتقول: تُعُلِّم .. ضممت العين كما ضممت التاء، تدحرج تُدُحرج، تكسر تُكُسر، إذاً ضممت الثاني مع الأول. تغافل تُغُوفِل كسرت الفاء على الأصل، وَالمُتَّصِلْ بِالآخِرِ .. ، تَقَاَتلَ تُقُوتِلَ، تضاربا تضوربا .. إذاً ما كان مفتتحاً بالتاء وهو وزنان: تَفَعَّّل وتَفَاعَلَ، يتبع الثاني الأول، فتقول: تُفُعِّل وتُفُوعِل. وَالثَّانِيَ التَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ كَالأَوَّلِ اجْعَلْهُ بِلاَ مُنَازَعَهُ بِلاَ مُنَازَعَهُ: يعني بلا خلاف في هذه المسألة وفي غيرها، ولذلك قال المكودي أن هذا تتمة للبيت، يعني ليس فيه قائدة. إذاً: وَالثَّانِيَ: هذا منصوب على الاشتغال. والتَّالِيَ: هذا نعت له. تَا الْمُطَاوَعَهْ: التَّالِيَ هذا اسم فاعل دخلت عليه أل فينصب، يعني الذي تلا، والفاعل فيه ضمير مستتر يعود على الثاني، الحرف الثاني، الذي تلا .. تلا ماذا؟ تلا تاء المطاوعة، فتاء هذا مفعول به للتالي. كَالأَوَّلِ اجْعَلْهُ: اجعله كالأول، الهاء مفعول أول وكَالأَوَّلِ هذا متعلق بمحذوف، مفعول ثاني مقدم على اجْعَلْهُ، يعني مفعول ثاني لاجعله، بِلاَ مُنَازَعَهُ. وَالثَّانِيَ التَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ: قلنا المراد هنا في الماضي، هذا الحكم متعلق بالماضي لا في المضارع، لماذا؟ لأن التالي لتا المطاوعة لا يكون ثانياً في المضارع البتة، بل ثالثاً فيه لزيادة حرف المضارعة قبلها، إذا قلت: تعلَّم، تعلَّم فعل ماضي، أَدخل عليه حرف المضارعة يتعلم، هنا قال: وَالثَّانِيَ التَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ: الذي يتلو تا المطاوعة يكون ثانياً، الذي يأتي بعده. يَتَعَلّـ .. التالي لتاء المطاوعة جاء ثالثاً وهو العين ولم يكن ثانياً، (يَتَ) حرفان، (عَ) جاء ثالثاً، إذاً الذي تلا حرف المطاوعة جاء ثالثاً ولم يأت ثانياً، فالحكم حينئذٍ لا يتصور في المضارع، يعني ضم الثاني الذي يتلو تا المطاوعة لا يتصور في الفعل المضارع ولو دخلت عليه تا المطاوعة، لماذا؟ لأنها لا تكون ثانياً، بل يكون ثالثاً، يعني الذي يتلو تا المطاوعة يكون ثالثاً.

стр. 882

لزيادة حرف المضارعة قبلها فالتالي لتاء المطاوعة في المضارع باقٍ على ما كان عليه في المبني للفاعل، تقول: يَتعلم، يُتعلم بقي كما هو، يَتعلم زيد المسألة، تُتَعَ .. بقيت العين كما هي، يَتعَ، يُتعَ بقيت العين كما هي مفتوحة، والحكم حينئذٍ يكون خاصاً بالماضي. وَالثَّانِيَ التَّالِيَ: والثاني من الفعل الماضي المفتتح بتاء المطاوعة، قيل: وشبهها من كل تاء مزيدة، فالحكم حينئذٍ -ولذلك اعترض على الناظم هنا أن الحكم ليس خاصاً بتاء المطاوعة فحسب، بل كل فعل ماضي على وزن تفعَّل أو تفاعَل، وهذا ضبطه أحسن؛ لأن تكبَّر على وزن تفعَّل، لكن التاء ليست للمطاوعة، ومع ذلك نقول: تُكُبِّر على زيد، فحينئذٍ نقول: الكاف هنا ضمت تابعة للتاء، طيب ليست تاء المطاوعة هي شبيهة بها؛ لأنه على وزن تفعّل، ويقال: تخيّر تُخيّر، الحكم عام-. إذاً قوله: تا المطاوعة جرى على الغالب، ولو قيل من باب أن التاء هنا الثاني يضم تابعاً للأول إذا كان من باب تعلم، تفعّل وتفاعل .. إذاً ضبطه بباب تفعّل وتفاعل أجود من أن يقال بأن أوله تاء المطاوعة؛ لأنه قد يكون أوله تاء من باب تفعل وليس التاء فيه تاء المطاوعة مثل تكبّر وتخير. وَالثَّانِيَ التَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ ... كَالأَوَّلِ اجْعَلْهُ بِلاَ مُنَازَعَهُ قيل: لئلا يلتبس بالمضارع الذي للفاعل، يعني المبني للفاعل، هكذا عُلل، لكن السماع هو الذي يقدم. كَالأَوَّلِ اجْعَلْهُ: فيقال: تُدحرج الحجر، وتغوفل عن الأمر بإتباع الثاني الأول في الضم. بِلاَ مُنَازَعَهُ: قلنا هذا جار ومجرور متعلق بقوله: اجعله. إذاً هذا ما كان في أوله تاء المطاوعة على ما ذكره الناظم، وقلنا نعمم البيت ونقول: ما كان على وزن تفعّل وتفاعَل. انتقل إلى ما كان أوله همز الوصل، وهذا أيضاً خاص بالماضي؛ لأن المضارع لا يكون في أوله همز الوصل، المضارع لا يفتتح بهمز الوصل البتة. وَثَالِثَ الَّذِي بِهَمْزِ الْوَصْلِ ... كَالأَوَّلِ اجْعَلَنَّهُ كَاسْتُحْلِي وَثَالِثَ: هذا أيضاً منصوب بالاشتغال؛ لأنه قال: اجْعَلَنَّهُ، وهذا مؤكد والهاء هنا ضمير وهو مفعول أول والمفعول الثاني كَالأَوَّلِ، مثل السابق .. كَالأَوَّلِ اجْعَلَنَّهُ، كَالأَوَّلِ اجْعَلَنَّهُ، الفرق بينهما أن الثاني مؤكد والتوكيد هنا لا وجه له، يعتبر حشواً، إلا إذا كان ثم خلاف الله أعلم، لا أعرف الخلاف في هذه المسائل. وَثَالِثَ: يعني وثالث الفعل، أي: الماضي، الزائد على أربعة أحرف؛ لأنه لا يكون كذلك إلا إذا كان زائداً على أربعة أحرف؛ لأن همزة الوصل لا تلحق المضارع والماضي الثلاثي والرباعي. الرباعي همزته همزة قطع، أكرم وأخرج، همزته أفعل همزة قطع، والثلاثي ضرب ليس فيه همزة أصلاً، والمضارع ليست فيه همزة وصل. إذاً قوله: وَثَالِثَ الفعل الَّذِي أي: في الماضي الزائد على أربعة أحرف، أما الثلاثي لا يتصور فيه همزة؛ لأنها زائدة، إذا كان ثلاثياً حينئذٍ اقتضى أن يكون كل الحروف أصلية: ضرب، وعلم وظرف .. إلى آخره، كلها حروف أصلية لا يتصور فيها زيادة، لما ذكرناه سابقاً أن أقل ما يوضع عليه الفعل هو ثلاثة أحرف وكذلك الأسماء.

стр. 883

أي الماضي الزائد على أربعة أحرف؛ لأن همزة الوصل لا تلحق المضارع البتة كله، ولا الماضي الثلاثي ولا الرباعي. فاختص بثلاثة أبواب من باب الفعل المضارع: انفعل انطلق، افتعل اجتمع، استفعل استخرج .. ثلاثة أبواب. انفعل انطلق، افتعل اجتمع من باب اجتمع، استفعل استخرج. حينئذٍ انفعل إذا أردت الفعل المغير الصيغة ماذا تصنع، ما هو الأول هنا؟ همزة الوصل. ما حكمها؟ الضم، فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ. (انفَ) .. ضممنا الأول. وَثَالِثَ الَّذِي بِهَمْزِ الْوَصْلِ ... كَالأَوَّلِ: ما هو الثالث هنا؟ انفَ، الفاء -فاء الكلمة-، اتبع ثالث انفعل لأوله، وهو الهمز، فقيل: انطُلق، ما قبل الآخر كما هو، اللام قبل الآخر كما هي، انطُلق لزيد، اجتُمع، استُخرج، استُغفر .. نقول: هذه كلها مغير الصيغة وهي مما على وزن انفعل وافتعل واستفعل، حينئذٍ الثالث يأخذ حكم الأول. وَثَالِثَ الَّذِي بِهَمْزِ الْوَصْلِ: ثالث الفعل الذي بهمز الوصل، يعني الذي بدأ وافتتح بهمز الوصل. فهم منه أن ذلك لا يكون إلا ماضياً لأن المضارع لا يفتتح بهمزة الوصل كما سبق. كَالأَوَّلِ اجْعَلَنَّهُ كَاسْتُحْلِي: كَالأَوَّلِ يعني مضموماً، اجْعَلَنَّهُ لئلا يلتبس بالأمر في بعض أحواله. كَاسْتُحْلِي: اسْتُحْلِي الأصل استحلى، حينئذٍ ضم أوله (الهمزة)، و (استُ) التاء ثَالِثَ الَّذِي بِهَمْزِ الْوَصْلِ يتبع كالأول بالضم فقيل: استُحلي .. حينئذٍ كسر ما قبل آخره كما هو الأصل. إذاً القاعدة في هذا الباب نقول: كالسابق: يضم أوله ويكسر ما قبل آخره، لا فرق بين ضرب وبين استفعل، وانطلق، وتفعَّل، وتفاعل .. كلها مشتركة في حكم واحد وهو: ضم أوله وكسر ما قبل الأخر، هذا حكم عام ليس خاص بما هو سوى تفعل وغيرها! لا، بل الحكم عام من أول الباب إلى آخره يضم أوله ويكسر ما قبل آخره، هذا فيما إذا كان ماضياً، والمضارع يفتح ما قبل آخره، الماضي يزاد على ذلك إن كان أوله تاء المطاوعة كما قال الناظم، وقلنا من باب تفعّل أو تفاعل، نزيد على ضم الأول وكسر ما قبل الآخر حكماً وهو إلحاق الثاني بالأول، فصار فيه ثلاثة أحكام ضرب فيه حكمان: ضم الأول وكسر ما قبل الآخر. نزيد عليه حكماً في باب تفعّل وهو إتباع الثاني للأول، نزيد عليه حكماً ثالث في باب استخرج وانطلق وهو إتباع الثالث للأول. وَثَالِثَ الَّذِي: ثَالِثَ قلنا: هذه منصوب على الاشتغال، الذي: يعني ثالث الفعل الذي بدأ بهمز الوصل. كَالأَوَّلِ: يعني كالحرف الأول. اجْعَلَنَّهُ كَاسْتُحْلِي: وهذا يجعلنا نرجع هناك فنقول: قوله: فأول الفعل، الأولى ألا نقيده بفاء الكلمة، بل نقول: أول الفعل مطلقاً، يعني أول ما ينطق بالفعل، لماذا؟ لأن انطلق، قلنا الطاء هنا هي فاء الكلمة، والهمزة هذه زائدة، جعلناها أول الفعل، لذلك قال هنا: وَثَالِثَ الَّذِي بِهَمْزِ الْوَصْلِ ... كَالأَوَّلِ: التي هي همزة الوصل.

стр. 884

فحينئذٍ الثالث هو فاء الكلمة، انطًُلق انفُع .. إذاً صارت هي فاء الكلمة، هذا يجعلنا نصحح المعلومة هناك، فنقول: قوله: فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ، لا نعممه بل نقول: أول الفعل الشامل لفاء الكلمة وغيرها فيما إذا كان مزيداً بهمزة الوصل أو حرف المطاوعة فهو عام، إذاً أَوَّلَ الْفِعْلِ المراد به أول ما ينطق به سواء كان فاء الكلمة أو حرفاً زائداً كتاء المطاوعة أو همزة الوصل. وَاكْسِرْ أَوَ اشْمِمْ فَا ثُلاَثِيٍّ أُعِلّ ... عَيْنَاً وَضَمٌّ جَا كَبُوعَ فَاحْتُمِلْ وَاكْسِرْ أَوَ اشْمِمْ، وَضَمٌّ جَا، هذه ثلاث لغات في الفعل الماضي المبني للمفعول ثلاثي معل اللام خاص بباب قال وباع، هذا ثلاثي معل العين؛ لأن قال أصله قَوَلَ، وباع أصله بَيَعَ .. قَوَلَ، هذا معتل، وقال مُعل، فرق بين التسميتين، وإن كان ابن عقيل يقول: ثلاثي معتل العين، فيه نظر هذا، بل يقال: معل العين، ولا يقال معتلاً، لماذا؟ لأن معتل العين ما كانت عينه واواً أو ياءً، ولا تقلب مثل عَوِرَ، وصَيِدَ .. نقول: عور عينه معتل، هذا معتل، لكن قال، نقول: معل، لماذا؟ لأن حرف العلة قلب ألفاً، إذا حصل الإعلال -إعلال بالقلب- سمي معلاً، دخله الإعلال. وإذا لم يحصل فيه إعلال حينئذٍ يسمى معتلاً، إذاً قَوَلَ نقول معتل، فأعلت عينه هكذا نقول: قول معتل العين، فأعلت عينه، يعني قلبت ألفاً. هذا النوع مثله: باع بَيَعَ .. هذا معتل العين بالياء، فأعلت عينه فقلبت ألفاً لتحركها في الموضعين وانفتاح ما قبلها: قَوَلَ تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فوجب قلبها ألفاً، وكذلك بَيَعَ تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فوجب قلبها ألفاً. هذا النوع الذي قال فيه: وَاكْسِرْ أَوَ اشْمِمْ: هاتان لغتان فصيحتان قرئ بهما في المتواتر. فَا ثُلاَثِيٍّ أُعِلّ: اكْسِرْ فَا، اشْمِمْ فَا، ثُلاَثِيٍّ إذاً لا رباعي ولا خماسي ولا سداسي، أُعِلّ لا معتلاً وإنما هو مما قلبت عينه ألفاً، إذاً خرج: عَوِرَ وصَيِدَ واعْتَوَرَ .. حينئذٍ نقول: هذه ليست داخلة؛ لأنها معتلة والناظم قد قل: أُعِلّ. حينئذٍ قال: اكْسِرْ الفاء، فتقول: قيل وبيع. واشْمِمْ وهو أن تأتي بحركة بين الكسرة والضمة كما سيأتي، وهذا يعرف باللفظ لا بالكتابة. وَضَمٌّ جَا قُولَ وبُوعَ، فيه ثلاث لغات: إخلاص الكسر، وإخلاص الضم، والإشمام وهو لغة مركبة بين اللغتين. لغة الضم قُولَ وبُوعَ هذه قليلة جداً، ولذلك لم ترد في القرآن، وأما قيل بإخلاص الكسر وبالإشمام هذه متواترة. وَاكْسِرْ فَا ثُلاَثِيٍّ أُعِلّ: فقل: قيل، قلنا أصل قيل وبيع هذا الباب لم يخرج عن الأصل، وإنما اكسر واشمم وضم، هذا باعتبار النهاية، وأما باعتبار الأصل فهو من باب ضُرب على الأصل، يعني ليس استثناء بل هو: فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ وَالمُتَّصِلْ ... بِالآخِرِ اكْسِرْ فِي مُضِيٍّ، قاعدة عامة حتى في باب قال وباع، لكن هنا حصل إعلال تركيب، فلما حصل إعلال في النطق في النهاية حصل اختلاف لغات، فالخلاف هنا ليس خلافاً في تطبيق قواعد، وإنما هذه لغة لفلان وهذه لغة من بني فقعس، وهذه لغة مشهورة عند الحجازيين، وهلم جرَّا.

стр. 885

حينئذٍ نقول: قال أصله قُوِلَ، وباع أصله بُوِعَ، قيل أصل قُوِلَ؛ لأنه من قوَل ضرب، ماذا تصنع؟ اعتمد الأصل قَوَلَ، ضم الأول القاف واكسر ما قبل الآخر، تقول: قُوِلَ كضُرب، هنا نظران: استثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى القاف بعد سلب القاف حركتها، لماذا؟ عندنا الآن إعلال بالنقل، نقل حركات تنقل حركة إلى موضع آخر، عندنا الواو مكسورة، ومعلوم أن الواو إذا كسرت استثقلت الواو، أردنا نقلها إلى القاف، القاف مشغولة بالضم، لا يمكن أن ننقل كسرة الواو إلى القاف إلا بعد أن نزحلق حركة القاف، زحلقناها حذفناها، فنقلنا الكسرة إلى القاف، فقيل: قِو .. يعني سكنت الواو وكسر ما قبل الآخر، والقاعدة: أنه إذا سكنت الواو وكسر ما قبل آخرها وجب قلبها ياء فقيل: قِيلَ، إذاً قيل هذا أصله من باب فُعِل ضُرِب، أصله قُوِلَ كضُرِب استثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى ما قبلها، هذا نسميه إعلال بالنقل، الإعلال بالنقل لا يتم إلا إذا كان الحرف الذي قبل المنقول إليه منقول عنه ساكن، لا بد أن نحذف حركة القاف، فنقلنا الحركة صار قِوْل سكنت الواو وانكسر ما قبلها فوجب قلبها ياء، هذا إعلال بالقلب، فدخله إعلالان: إعلال بالنقل، وإعلال بالقلب. باع: بِيِعَ، الأصل بُيِعَ، استثقلت الكسرة على الياء –ثقيلة- لأن الكسرة عبارة عن ياء، والياء عبارة عن كسرتين، هذا فيه ثقل، حصل إعلال بالنقل، حينئذٍ نقلنا بعد إسقاط حركة الباء، أصلها بُيِعَ صار بِيعَ، سكنت الياء وكسر ما قبلها، صحت الياء ليس عندنا إعلال بالقلب كما هو الشأن هناك، هناك سكنت الواو وكسر ما قبلها، والقاعدة أنه يجب قلب الواو ياء، لا تبقى الواو هكذا يجب قلبها، أما بِيعَ بعد نقل كسرة الياء إلى ما قبلها صحت الياء، لا تقلب، تقلب إلى أي شيء؟! هي ياء، الياء يناسبها ما قبلها كسرة، وأما هنا قِوْلَ ما يناسب الواو أن يكون ما قبلها مكسورة، وإنما يناسب الياء، حينئذٍ حصل هنا في بِيعَ حصل فيه إعلال بالنقل فحسب، هذه اللغة التي هي الأشهر، ولذلك قدمها الناظم: وَاكْسِرْ هي أعلى اللغات في هذا الباب، ثُلاَثِيّ، معلل عين، كسر فائه هذا هو الأفصح والأشهر. وَاكْسِرْ، فَا ثُلاَثِيٍّ أُعِلّ عَيْناً وَضَمٌّ جَا: هو نفس اللغة السابقة، وإن كان نسبت إلى بني دبير من بني فقعس وهما من فصحاء بني أسد، أصلها قُوِلَ وبُوِعَ، نفسها، قُوِل قلنا استثقلت الكسرة على الواو، حذفت مباشرة لم تنقل، فصار قُوْلَ، بُوْعَ مثله، فصحت الواو؛ لأن ما قبلها مضموم وليس بمكسور، لو كان ما قبلها مكسور لما صحت الواو، صحت بمعنى: بقيت على حالها لم تقلب، تسمى واواً صحيحة. بيع أصلها بُيِعَ، احذف الكسرة، بُيْعَ سكنت الياء وضم ما قبلها، لا يناسبها، وجب قلب الياء واواً عكس اللغة السابقة، القلب هناك في قِيل ليس في بِيعَ، وهنا القلب في بوع لا في قُوْلَ، فسكنت الياء وضم ما قبله فوجب قلب الياء واواً فقيل: بُوْعَ. إذاً قُوْلَ وبُوْعَ بصحة الياء في قُوْلَ وبقلب الياء واواً في بُوْعَ، هذه لغة ثانية، والإشمام بينهما. وَاكْسِرْ فَا ثُلاَثِيٍّ أُعِلّ: يعني اكسر كسراً خالصاً قيل، ليس مشوباً بضمة.

стр. 886

وَاكْسِرْ كسراً خالصاً فَا ثُلاَثِيٍّ، هذا شمل مفتوح العين نحو: باع ومكسور العين نحو خاف؛ لأنه أطلق: فَا ثُلاَثِيٍّ، والثلاثي قد يكون من باب فعَل أو فعِل أو فعُل، وهنا عام الحكم في باب فعَل وفعِل. فَا ثُلاَثِيٍّ أُعِلّ: (أُعِلّ) صفة لثلاثي، عَيْناً هذا تمييز، واوياً كان الثلاثي أو يائياً، واوياً مثل قال، ويائياً مثل باع وغِيض. وَضَمٌّ جَا: وَضَمٌّ هذا مبتدأ، وإن كان نكرة سوغ الابتداء به كونه في معرض التفصيل، وَضَمٌّ للفاء -فاء الثلاثي المعل العين-، جَا بدون همز، لغة جا يجي، جاء هذا لغة فصيحة، وجَا بالقصر لغة أيضاً، لا نقول ضرورة، جَا يجي. جَا كَبُوعَ: جا في بعض اللغات كبوع، مثل بوع. فَاحْتُمِلْ: يعني قبل واغتفر. وفيه إشارة إلى ضعف هذه اللغة بالنسبة للغتين الأوليين؛ لأن الكسر والإشمام لغتان فصيحتان وقرئ بهما في المتواتر، وأما الإشمام هنا فالمراد به عند النحاة الإتيان على الفاء بحركة بين الضم والكسر، بأن يؤتى بجزء من الضمة قليل سابق وجزء من الكسرة كثير لاحق، ومن ثم تمحضت الياء، يعني لم تقلب، لو قيل: قُيِلَ يعني صحت الياء، لو كانت الضمة هذه خالصة لوجب قلب الياء واواً كما قلبت هناك بالضمة الخاصة قلبت الواو ياءً. تمحضت الياء وقيل: كسرة مشوبة بشيء من صوت الضمة، وَاكْسِرْ إذاً: إخلاص الكسر، فيقال: قِيل وبِيع، ومنه قوله: حِيكَت عَلَى نِيرَين إِذ تُحَاكُ ... تَختَبِطُ الشَّوكَ ولاَ تُشَاكُ هذا حِيكت، وورد أيضاً في وراية حِوْكَت باللغتين: حيكت، حِوْكَت أصلها حُوِكَت، استثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى ما قبلها بعد إسقاط حركة الحاء، وصار حِوْ سكنت الواو وانكسر ما قبلها فوجب قلبها ياءً فقيل: حيكت، إذاً الياء هذه منقلبة عن واو، وليست ياءً أصلية بذاتها وإنما منقلبة عن أصلها، وحِوْكَت على الرواية الثانية أصلها حُوِكَت، فعل مثل ضرب، استثقلت الكسرة على الواو فحذفت، ليس عندنا إعلال فبقيت كما هي، لماذا لم تقلب ياء؟ لأنها لا تقلب ياء إلا إذا كسر ما قبلها، وهنا ضم ما قبلها فصحت، قيل: حُوكَت. ابن عقيل لم يرتب الأشهر، الأولى أن يقدم الإشمام على إخلاص الضم، ولذلك الناظم أراد عيناً أن يقدم الكسر، ثم الإشمام، ثم الضم .. كأن الأول والثاني لغتان فصيحتان، ولذلك قرئ بهما في المتواتر، وأما ضم هذا ما ورد في القرآن، وإخلاص الضم قُول وبُوع. لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئاً لَيْتُ؟ ... لَيْتَ شَبَاباً بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ بُوع الأصل بُوِعَ، استثقلت الكسرة على الواو فحذفت وبقيت الضمة وبقيت الواو ليس عندنا إعلال بالقلب. ثم قال: والإشمام هو الثالث: الإتيان بالفاء بحركة بين الضم والكسر ولا يظهر ذلك إلا في اللفظ ولا يظهر في الخط، قريء في السبعة.

стр. 887

إذاً وَاكْسِرِ هذا فعل أمر، أَوَ اشْ .. أصلها أَشْمِمْ، هنا الهمزة أين ذهبت؟ نقول: بنقل حركة الهمزة إلى الواو أَوَ .. أصل الواو هنا ساكنة، أَوَ حرف مبني على السكون، هنا حركت أَوَ اشْ .. من أين جاءت نقول: حركة الواو هذه؟ أصلها أو أشمم، أشمم من أشمَّ، حينئذٍ نقول: أريد التخفيف بحذف الهمزة، لكن عندنا همزة حرف وهي حرف حلقي ثقيل، ومحرك، قالوا: إذاً لا بد من التدرج، لا نحذفها هكذا بحركتها، وإنما نلقي حركتها إلى ما قبلها إذا كان ساكناً، فقال: أَوَ اشْ .. تحركت الواو بالفتحة، هذه الفتحة من أين جاءت؟ هي حركة الهمزة المحذوفة تخفيفاً. إذاً أَوَ اشْمِمْ نقول: بنقل حركة الهمزة إلى الواو، أَوَ اشْمِمْ (فا) هذا تنازع فيه اكسر واشمم، سيأتينا التنازع عاملان سلطا على معمول واحد، فَا ثُلاَثِيٍّ، يعني فاء ثلاثي، فا مضاف، وثلاثي مضاف إليه وهو مفعول به، وقلنا هذا يشمل الثلاثي هنا مفتوح العين كبَاعَ فَعَل، ومكسور العين خاف، خِيف أصلها خُوِفَ فُعل ضُرب، استثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى ما قبلها، فقيل: خِوْ .. سكنت الواو وكسر ما قبلها فوجب قلبها ياء. خُوف مثل بُوع، خُوِف استثقلت الكسرة على الواو فحذفت، فبقيت كما هي. فَا ثُلاَثِيٍّ أُعِلّ: أُعِلّ هو يعني الثلاثي، بمعنى أن عينه معتلة فقلبت، يعني غيرت عينه، حصل إعلال بالقلب، تنبه إلى الفرق بين معتل ومعل، هذا الصحيح. أُعِلّ بمعنى غيرت عينه، فخرج المعتل الذي لم تغير عينه نحو: عَوِر، وصَيِد، واعتور .. فإنه إذا بني للمفعول سلك به مسلك الصحيح، وستبقى كما هي صيد وعور كما هو، لا يرد فيه اللغات الثلاث، وإنما ذاك خاص بالمعل. وَضَمٌّ جَا -في بعض اللغات- كَبُوعَ فَاحْتُمِلْ: فدل على أنه مغتفر في هذا المحل، وهو ضعيف في نفسه، وهذا يدل على أن القرآن محمول على أفصح اللغات، هذه دائماً إذا مر معنا أفصح تجد أن القرآن يأتي دائماً بالأفصح، هنا الكسر والإشمام وارد في القرآن، وأما بُوع مع أنها موجودة لغة، ولذلك قال ابن عقيل: وهي لغة بني دَبِير، والصبان دُبَير يقول بالتصغير، وبني فقعس وهما من فصحاء بني أسد، ومع ذلك لم يرد حرف واحد بصحة الواو أو الياء، والإشمام كما ذكرنا. وَإِنْ بِشَكْلٍ خِيفَ لَبْسٌ يُجْتَنَبْ ... وَمَا لِبَاعَ قَدْ يُرَى لِنَحْوِ حَبّ وَإِنْ بِشَكْلٍ خِيفَ لَبْسٌ يُجْتَنَبْ: يعني في اللغات الثلاث السابقة: قِيل، وقُول، والإشمام. إذاً يضم أوله ضماً خالصاً: قُولَ، ويكسر كسراً خالصاً، وثم ما هو بين المنزلتين، لغة مركبة بين الثنتين. قد يلتبس الفعل الماضي إذا أسند -وهو مبني للمعلوم- إذا أسند للمتكلم أو المخاطب، قد يكون في أوله مضموماً، أو مكسوراً، فحينئذٍ إذا جيء به وهو مبني للمعلوم مكسوراً، وقد جاز في المبني للمجهول أو مغير الصيغة الكسر يحصل لبس بين الموضعين.

стр. 888

باع قلنا مبني للمجهول، ماذا نقول فيه؟ كيف نغير الصيغة؟ نقول: بِيعَ، بيع العبد، العبد هذا نائب فاعل، طيب، ائت بباع وهو مسند إلى تاء المتكلم ماذا تقول؟ بِعتُ، بِيعَ، أول الحرف الفاء هذا مكسور، في المسند إلى المتكلم وهو مبني للمعلوم وفي المغير الصيغة، حينئذٍ لا يدرى إذا قيل: بِعتَ يا عبد، هذا للمخاطب، قد يأتي مثل صُمتُ مثال آخر، بعت يا عبد، هل هذا مبني للمعلوم أو مبني للمجهول؟ لأنك تقول: بِعتَ الثوب وبِعتَ يا زيد الثوب، بِعتَ هذا مسند إلى تاء المخاطب وهي فاعل، وقد يقال: بِعتَ يا عبد، بمعنى أنه مَبِيع وقع عليه البيع، ما الذي يميز هذا عن ذاك؟ قالوا: هنا وقع لبس، فحينئذٍ وجب تغييره إلى الضم أو الإشمام، فلا تقل: بِعتَ يا عبد، وإنما تقل: بُعتَ، فالسامع حينئذٍ إن كان يفهم يعلم أن هذا الفعل مسند إلى نائب الفاعل وليس إلى الفاعل، فتقول: بُعتَ يا عبد ولا تقل: بِعت يا عبد. وَإِنْ بِشَكْلٍ: من هذه الأشكال الثلاثة: إخلاص الكسر، وإخلاص الضم، والإشمام الأصل فيه لا يرد، لا يرد هنا الإشمام؛ لأنه واضح، لأنه لا يكون في المبني للمعلوم، وإنما الضمة والكسرة هي المحتملة. المراد بالشكل هنا الكيفية الحاصلة للفظ، ولا مانع من إطلاقه على الإشمام، هو كيفية لا شك، مثل إخلاص الضم وإخلاص الكسر، والكسرة المشوبة بالضمة، نقول: هذا لا بأس أن يطلق عليه بأنه شكل، هذا شكل وهذا شكل وهذا شكل؛ لأنه نطق بحرف بصيغة معينة، لكن الإشمام لا يخاف به اللبس، فالأحسن أن نفسره هنا بشكلي الضم والكسر. وَإِنْ بِشَكْلٍ خِيفَ: المراد به إخلاص الضم وإخلاص الكسر؛ لأن الإشمام وإن سمي شكلاً إلا أنه لا يخاف منه اللبس أبداً؛ لأنه منذ أن يشم الكسرة ضمة، حينئذٍ علمنا أنه مبني لما لا يسمى فاعل. وَإِنْ بِشَكْلٍ -من هذه الأشكال- خِيفَ لَبْسٌ: خِيفَ أصله خُوِفَ، هذا مبني للمجهول، لَبْسٌ هذا نائب فاعل، أي بين الفعل المبني للفاعل والفعل المبني للمفعول، فيلتبس النائب عن الفاعل بالفاعل، بسبب شكل، حينئذٍ قال: يُجْتَنَبْ، يعني وجب تركه، الذي يحصل به اللبس وجب تركه، يعني ما كان في المغير الصيغة موافقاً للمبني للمعلوم وجب تركه في المغير الصيغة؛ لأن عندنا ثلاثة أشياء: كسر، وضم، وإشمام، إذا حصل اللبس بالكسر وجب اجتناب الكسر، فيبقى عندنا الضم والإشمام، وإذا حصل اللبس بالضم وجب الكسر والإشمام كما سيأتي في كلام الشارح. وَإِنْ بِشَكْلٍ خِيفَ لَبْسٌ: حينئذٍ بسبب شكل تُرك ذلك الشكل الموقع في اللبس واستُعمل الشكل الذي لا لبس فيه، ولذلك قال: يُجْتَنَبْ، قال في الصبان: حيث لا قرينة. مثاله: بيع العبد، إذا أسندته إلى ضمير المخاطب فقلت: بِعتَ يا عبد بإخلاص الكسر لم يعلم، هل هو فاعل أو نائب فاعل، بِعت يا عبد، ما يُدرَى هل هو فاعل أو نائب فاعل، فيُترك الكسر ويُرجع إلى الضم أو الإشمام فيقال: بُعتَ يا عبد، وكذلك خاف إذا أسند إلى تاء الضمير تقول: خِفت، أنا يعني، أفاد: أنه إذا بني للمفعول، إن كسرت حصل اللبس، خِفتُ أنا، خِفتَ هذا يحتمل أنه للمخاطب فاعل، فحينئذٍ تقول: خُفتَ، إذا خُفتَ عند الناس هذه صيحة، إلا اللهم إذا كان المراد بها البناء للمعلوم.

стр. 889

خُفتَ الفعل هنا مغير الصيغة، يتعين عند الناظم أن نأتي بالضمة أو الإشمام، ولا يجوز خِفت؛ لأن خِفت هذا مسند إلى الفاعل، فإذا قلت: خِفت على الأصل في اللغة، أنه يجوز إخلاص الكسر في مغير الصيغة، حينئذٍ التبس ومعلوم أن القاعدة الكبرى عند العرب دفع الإلباس، وهذه قعد بها حتى في الأشباه والنظائر السيوطي وفرع عليها مسائل -دفع الاجتناب والإلباس هذا من أغراض القواعد العامة في لسان العرب-، حينئذٍ وجب العدول عن خِفت إلى خُفتَ دفعاً للإلباس. وطُلتُ: أي غلبته في المطاولة يجتنب فيه الضم لئلا يلتبس بطُلت المسند الفاعل من الطُول ضد القصر، إذاً كل ما احتمل أنه إما مسند إلى الفاعل أو نائب الفاعل وجب العدول إلى غيره. وَإِنْ بِشَكْلٍ خِيفَ لَبْسٌ يُجْتَنَبْ: يُجْتَنَبْ ظاهر كلامه وجوب اجتناب الشكل الملبس، يعني يجب ولا يجوز استعماله، هذا رأي الناظم وهو الظاهر، وقد صرح به في شرح الكافية، وظاهر كلام سيبويه: جواز الأوجه الثلاثة، -ولو وقع لبس، هذا مذهب سيبويه،- وظاهر كلام سيبويه جواز الأوجه الثلاثة مطلقاً، ولم يلتفت لالتباس لحصوله في نحو: مختار وتضار ((غَيْرُ مُضَارِ)) -هذا يجوز، فهذا من المجمل عند الأصوليين-في الاسم والفعل والاجتناب أولى وأرجح، عند سيبويه لا يجب وإنما هو أولى وأرجح، وهذا مذهب الكثير من النحاة، الجمهور على هذا تبعاً لسيبويه، إذَا قَالَتْ: حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا، هذه حجتهم. وابن مالك رحمه الله تعالى يرى أنه إذا وقع اللبس حينئذٍ قاعدة العرب المطردة أنه يجب دفع اللبس، وهذا من حيث التأصيل قياسه هو السليم، أنه يجب ترك ما يلبس بغيره، ورأي سيبويه أنه موجود في مضار، وتضار، لكن هناك ضرورة لا بد منه. وَإِنْ بِشَكْلٍ خِيفَ لَبْسٌ يُجْتَنَبْ. قال ابن عقيل: إذا أسند الفعل الثلاثي المعتل العين بعد بنائه للمفعول -أيضاً المعل- العين-؛ لأن القاعدة ما زالت فيما سبق: وَاكْسِرْ أَوَ اشْمِمْ فَا ثُلاَثِيٍّ أُعِلّ جوَّز لك ثلاث لغات، ثم قد يقع اللبس في بعضها، قال: وَإِنْ بِشَكْلٍ من الأشكال الثلاثة السابقة فالحكم ما زال بفاء الثلاثي المعلّ. بعد بنائه للمفعول إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو غائب فإما أن يكون واوياً أو يائياً. قال أو باع إما هذا وإما ذاك. فإن كان واوياً نحو: سام من السَوم وجب عند المصنف كسر الفاء أو الإشمام، إذاً وجب اجتناب الضم، إذا كان واوياً وجب اجتناب الضم؛ لأنه إذا أسند في الفاعل بقي على أصله وهو الضم. وعُدِل إلى الكسر أو الإشمام، فتقول: سِمت ولا يجوز الضم فلا تقول: سُمت؛ لأن سُمت هذا مبني للفاعل، وإذا أردت البناء للمجهول أو مغير الصيغة تقول: سِمتُ؛ لئلا يلتبس بفعل الفاعل فإنه بالضم ليس إلا: سُمتُ العبد، وإن كان يائياً نحو باع من البيع وجب عند المصنف اجتناب الكسر؛ اليائي وجب اجتناب الكسر؛ لأنه هو الذي يقع اللبس مع الفاعل، والواوي وجب اجتناب الضم؛ لأنه الذي يقع الالتباس مع الفاعل. وجب عند المصنف ضمه أو الإشمام فتقول: بُعت ولا يجوز الكسر فلا تقول: بِعت لئلا يلتبس الفعل بالفاعل فإنه بالكسر فقط نحو: بِعت الثوب. لكن لو وجد قرينة ما المانع! بِعتَ يا عبد.

стр. 890

وَمَا لِبَاعَ قَدْ يُرَى لِنَحْوِ حَبّ: حَبّ ما نوع هذا فعل ثلاثي مضعَّف، مدغم، أصله حبَبَ مثل مدَّ وشدَّ. وَمَا لِبَاعَ قَدْ يُرَى لِنَحْوِ حَبّ، وردّ من كل فعل ثلاثي مضاعف مدغم، شدّ نقول: هذا مضاعف، بمعنى أن عينه ولامه من جنس وأدغمت العين في اللام فقيل: شدّ .. شدد، كذلك مدّ وحبَّ وردَّ، نقول: هذه كلها فعل ثلاثي مضعَّف. اللغات الثلاث التي في: (قِيل وبِيع) في (حبَّ وردَّ)، حبَّ حِبَّ .. حبَّ هذا ماضي مسند إلى الفاعل، إذا أردت صيغته لنائب الفاعل مغير الصيغة، حُبَّ مثل قُولَ، أصلها حُبِبِ، حِبَّ بالكسر، بقي الإشمام حبَّ يعني تأتي بالكسرة مع حركة الفم بالضم، حبَّ. الثلاث اللغات السابقة موجودة في هذا الفعل. وَمَا لِبَاعَ: يعني والذي، هذا مبتدأ، والذي لباع، والذي استقر لفاء باع، بَاعَ هذا من اللفظ تأخذ أنه ثلاثي أعلت عينه، معل العين من الثلاثي باب باع، يُعنون هكذا، مثلما يقال: باب نصر، وباب فتح إلى آخره، وحسب، نقول: باب باع، هنا في هذا المقام المراد به الثلاثي معل عين، يجوز فيه ثلاث لغات، هذه اللغات الذي استقر لباع لفاء باع، قَدْ يُرَى (قَدْ) للتقليل، قَدْ يُرَى فيه قلة، قَدْ يُرَى لِنَحْوِ حَبّ بإسكان الباء، حب للوزن، وردَّ من كل فعل ثلاثي مضاعف مدغم، ولكن الجمهور على أنه يجب الضم فحسب، والناظم هنا سوغ الكسر مع الإشمام لوروده في القرآن، وإلا الجمهور على أنه يجب فيه الضم فحسب، جمهور النحاة ليس عندهم إلا حُبَّ ورُدَّ وشُدَّ ومُدَّ .. هذا مغير الصيغة، بالضم على القاعدة: فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ. وحينئذٍ ما قبل الآخر مكسور أو لا؟ أنت تقول: مُدَّ أصله مُدِدَ، شُدَّ أصله شُدِدَ، لكن الكسرة من أجل الإدغام حذفت، يسكن ما يمكن الإدغام إلا بإسكان الأول، وحذفت الكسرة وأدغمت الدال في الدال، قيل: شُدَّ ومُدَّ. فوجب فيه لغة واحدة عند النحاة وهي الأصلية شُدَّ ومُدَّ وحُبَّ .. إلى آخره. وعند ابن مالك ﵀ وقلة من النحاة أنه من باب باع، فيجوز فيه ثلاث لغات. لكن الأفصح هنا الضم، هناك في باب باع قلنا: ثلاث لغات، الأفصح إخلاص الكسر، ثم الإشمام، ثم إخلاص الضم، هنا العكس: الأفصح الضم، ثم الإشمام، ثم الكسر. لكن الأفصح هنا الضم حتى أوجبه بعضهم وهو الجمهور، أوجب الضم لا غير، والصحيح الجواز فقد قرأ علقمة: ((رُدَّتْ إِلَيْنَا))، ((وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا)) رِدوا بالكسر، ثبت، إذا ثبت انتهينا، ثبتت قراءة حينئذٍ نقول: جاز لغةً أن يكسر أول المضاعف في مغير الصيغة، ((وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا)) فحينئذٍ نقول: رِدَّ هذا فعل ماضي مغير الصيغة، والواو هذا نائب فاعل ((بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا)) نقول: هذا مغير الصيغة، وكسر أوله لغة، حينئذٍ هذا من باب إخلاص الكسر ((وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا)) نقول: هذا فعل ماضي مغير الصيغة والواو فاعل، ((رُدَّتْ إِلَيْنَا)) نقول: هذا فعل ماضي مغير الصيغة. إذاً قوله: وَمَا لِبَاعَ: يعني والذي استقر لباع.

стр. 891

قَدْ يُرَى لِنَحْوِ حَبّ: يعني يجوز في فاء الفعل الثلاثي المضاعف ما جاز في فاء باع من كسر وإشمام وضم، وقوله: قَدْ يُرَى هذا مفهومه أن ذلك قليل، ومَا هذا مبتدأ، وَقَدْ يُرَى الجملة خبر والمفعول الأول ونائب الفاعل ضمير مستتر ولِنَحْوِ هذا مفعول ثاني. حَبّ نحو: فاء حب، قد بالمضاف، إذاً: قَدْ يُرَى لِنَحْوِ حَبّ، يعني لمثل، لِنَحْوِ بمعنى: مثل، حبّ ليس لكله وإنما فاء حَبّ، فيقال: حَبَّ وحُبَّ وحِبَّ، بالكسر مع الإخلاص. قال ابن عقيل: وقوله: وَمَا لِبَاعَ قَدْ يُرَى لِنَحْوِ حَبّ معناه أن الذي ثبت لفاء باع من جواز الضم والكسر والإشمام يثبت لفاء المضاعف نحو: حِب فتقول: حُب وحِب وإن شئت أشممت، هذا عند ابن مالك رحمه الله تعالى، ومن اعتبر قراءة علقمة، ومن لم يعتبرها أوجب الضم وهم الجمهور، لا يجوز إلا حُب في المضاعف، والصواب ما ذكره الناظم. وَمَا لِفَا بَاعَ لِمَا الْعَيْنُ تَلِي ... فِي اخْتَارَ وَانْقَادَ وَشِبْهٍ يَنْجَلِي ما كان من الفعل المعتل العين على وزن افتعل أو انفعل، سبق الحكم هناك في انطُلِق، اجتُمع، هذاك الصحيح، وهنا المعتل معتل العين إن شئت قل: معل العين، إذا كانت عينه معلة، اختار أصله انفعل اختِور، فالألف هذه منقلبة عن واو، والواو هي العين؛ لأن اختار وزنه انفعل، انفَ .. اختَ، انفعل، حينئذٍ نقول: الألف هذه هي عين الكلمة، انفعل اختَوَر، فالواو تحركت وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفاً فهو معل، كذلك انقاد، قاد يقود، حينئذٍ نقول أصل انقاد انقَوَد، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفاً. إذاً العين هنا معلة، قال الناظم: حكم هذا الفعل كالفعل الثلاثي معل العين، يجوز فيه ثلاثة أوجه: وَمَا لِفَا بَاعَ: (وَمَا) مبتدأ، (لِفَا بَاعَ) يعني: والذي استقر لِفَا جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول، والذي استقر لِفَا بَاعَ ونحوه مما سبق من جواز الأوجه الثلاثة، ثابت لِمَا الْعَيْنُ تَلِي، ثابت للذي العين تلي، الْعَيْنُ مبتدأ، وجملة تَلِي خبر.

стр. 892

ما الذي تليه العين في باب اختار، الذي تليه العين وليس هو الذي يتلو العين، أين العين؟ عرفنا العين اختار هي الألف، ما الذي تليه؟ تلت التاء، إذاً الأوجه الثلاثة تكون في تاء اختار، وَانْقَادَ القاف، فحينئذٍ تقول في اختار إذا بنيته للمجهول اختِير تي تُو .. اختار أصله اختَوَر، افتعل، فالعين مفتوحة التي هي واو، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفاً، إذا أردت إسناده إلى نائب الفاعل فحينئذٍ تقول: اختار إذا كسرت التاء اختِير .. لماذا؟ لأنه يجوز في ما كان على وزن افتعل، معل العين يجوز في تاء ثلاثة أوجه، فحينئذٍ إذا كسرت التاء الواو التي هي عين لا يناسبها إلا أن تقلب ياءً، فوجب قلب الواو ياءً لمناسبة الكسرة التي قبلها، كما قلنا هناك في قِول، الواو لا يمكن أن توجد واو بعد كسرة، وإنما يناسبها ما قبلها الضمة، فحينئذٍ قُول قلنا: قِو لا يجوز، بل يجب قلب الواو ياءً، هنا اختِو يجب قلب الواو ياء، فقيل: اختِير، اختُور .. صحت الواو لماذا؟ لأن الضمة التي على التاء قبل الواو وهي مناسبة للواو، فيقال: اختِير بقلب الواو ياء لمناسبة الكسرة التي قبلها، فيقال: اختُور. انقِيد، انقِو كسرة ثم واو، وجب قلب الواو ياء، انقُود: صحت الواو لأن ما قبلها ضمة. وَمَا لِفَا بَاعَ لِمَا الْعَيْنُ تَلِي: لِمَا أي: للحرف الذي تليه العين. فِي اخْتَارَ: أي في كل فعل على وزن افتعل. وَانْقَادَ: أو انفعل، ولو المضاعفين كاشتدَّ وانهلَّ، فإن اللغات الثلاث تجري في ذلك، وإن أوهم كلام المصنف خلافه؛ حيث اقتصر على التمثيل بالمعل فحسب، الحكم عام، لكن الكثير هو هذا: اخْتَارَ وَانْقَادَ. وَشِبْهٍ يَنْجَلِي: هذا معطوف على اخْتَارَ وَانْقَادَ، لو قيل: وَشِبْهٍ يَنْجَلِي مبتدأ وخبر كان أفيد، وَشِبْهٍ لذين اخْتَارَ وَانْقَادَ، يَنْجَلِي: يعني ينكشف ويتضح أمره. إذاً القاعدة، المراد هنا: ما كان من الفعل المعتل العين على وزن افتعل أو على وزن انفعل يجوز في الحرف الذي تليه العين ما جاز في فاء باع من الأوجه الثلاثة السابقة. قال ابن عقيل: أي يثبت عند البناء للمفعول لما تليه العين من كل فعل يكون على وزن: افتعل أو انفعل وهو معتل العين، معل العين يعني، ما يثبت لفاء باع من جواز الكسر والضم وذلك نحو: اخْتَارَ وَانْقَادَ، انظر اختار الحرف الأول ما حكمه؟ إذا قلت: اختِير، هذا مبني لما لم يسمَ فاعله، أو قل: مغير الصيغة. فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ، هنا قال: اختِير، هذا استثناء لما سبق، وكان الأولى أن الناظم ينبه عليها؛ لئلا يدخل في القاعدة السابقة. ما يثبت لفاء باع من جواز الكسر والضم نحو: اخْتَارَ وَانْقَادَ، وشبههما فيجوز في التاء والقاف ثلاثة أوجه: الضم: اُختور بضم الهمزة، واُنقود بضم الهمزة كذلك، والكسر: اِختير بكسر الهمزة، واِنقيد والإشمام وتحرك الهمزة بمثل حركة التاء والقاف، فتكون مثلها. وإن أوهم كلام المصنف لزوم الضم مطلقاً؛ لأنه أطلق أولاً أن الفعل يضم أوله واقتصر هنا على جريان الأوجه الثلاثة فيما قبل العين.

стр. 893

قد يقال أن الأصل الضم، لكن لمناسبة التاء كسرت في انقِيد واختِير، وهناك قيل: اختُور وانقُود على الأصل، وإنما يعلل ما جاء على خلاف الأصل، فيقال: انقِيد لمناسبة الياء؛ لأن الانتقال من ضم إلى كسر هذا فيه ثقل. هذا ما يتعلق بتغيير صيغة الفعل، وهو بحث صرفي بحت، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 894

عناصر الدرس * ما ينوب عن الفاعل (الظرف والمصدر والجار والمجرور) وشروط الكل * ما يقدم عند اجتماع هذه الأنواع * هل يجوز إنابة المفعول الثاني مناب الفاعل * إذا رفع النائب فحكم بقية المتعلقات النصب. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السؤال: آخر الفاعل، الأخ يقول: كأنك مررت عليها مختصر جداً، وَالأَصْلُ فِي الْفَاعِلِ أََنْ يَتَّصِلاَ وَقَدْ يُجَاءُ بِخِلاَفِ الأَصْلِ ... وَالأَصْلُ فِي المَفْعُولِ أنْ يَنْفَصِلاَ ..................................... الجواب: إن وجدنا فرصة مررنا عليها إن شاء الله. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: لا زال الحديث في النائب عن الفاعل، وذكر الناظم في مقدمة الباب الأحوال التي تعتري الفعل من أجل تغييره ليكون ما بعده نائب فاعل، وهذا قلنا: من أجل التمييز، حكم واجب يتميز به نائب الفاعل عن غيره، لذلك الفعل قسمان: مبني للمعلوم، ومبني للفاعل، مبني للمعلوم، يعني: الذي يكون بعده فاعل، والمبني لما لم يسم فاعله، هذا يكون بعده نائب فاعل، فقدم هنا الفعل وما يتعلق به على أحكام النائب من حيث ما يجوز نيابته وما لا يجوز، وابن هشام ﵀ في التوضيح عكس، قدم الأبيات التي ستأتي معنا: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أوْ مِنْ مَصْدَرِ ... أَوْ حَرْفِ جَرٍّ: تكلم عن هذه، ثم بعد ذلك ختم بالكلام على الصيغ، يعني: كأنه ينكت على الناظم أن هذه المسألة تتقدم على مسألة تغير الفعل، وهذا قد يقال: بأن النظر في الفعل هذا مهم جداً، وهو يميز ما بعده، حينئذٍ قد يكون داخلاً في مفهوم نائب الفاعل؛ لأنه إذا قال: يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ عَنْ فَاعِلِ، بين الأصل الذي هو المفعول به، وما بعده فهو محمول عليه، الظرف والمصدر والجار والمجرور هذا محمول على المفعول به، ولذلك إذا وُجد المفعول به، حينئذٍ لا تنوب هذه الأشياء، لا ينوب واحد منها، لأن ابن مالك رحمه الله تعالى بين، أن النائب -نائب الفاعل- يكون الأصل فيه أنه مفعول به، قال: (فِيمَا لَهُ) يعني: من الأحكام، ومثَّل له، ثم بين الصيغة التي تعتريه، حينئذٍ إلى هنا يكاد أن يكون الباب قد انتهى، ولم يبق إلا مسألة واحدة وهي مهمة، وهي: ما الذي ينوب عن الفاعل إذا لم يكن في الكلام مفعول به! فقط، وهذه فرعية ليست بأصلية، حينئذٍ ما جرى عليه الناظم أولى من تقديم الكلام على الصيغ من الكلام على ما ينوب عن الفاعل، وهو أربعة أشياء: المفعول، والمصدر، والظرف، والجار والمجرور، وهذا واضح بين ولا تنكيت على الناظم. قال رحمه الله تعالى: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أَوْ مِنْ مَصْدَرِ ... أَوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنِيَابَةٍ حَرِي أشار في هذا البيت إلى أن الذي ينوب عن الفاعل واحدٌ من أربعة أشياء، قدم في أول الباب المفعول به، -وهذا هو الأصل-، والثاني: ما أشار إليه بقوله: مِنْ ظَرْفٍ، والثالث: ما أشار إليه بقوله: مِنْ مَصْدَرِ، والرابع: ما أشار إليه بقوله: أَوْ حَرْفِ جَرٍّ، فهذه الأربعة الأشياء هي التي تنوب عن الفاعل: يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ عَنْ فَاعِلِ فاكتفى به، ثم بين إذا لم يوجد المفعول به حينئذٍ يكون واحداً من هذه الثلاثة الأشياء. وَقَابِلٌ: هذا مبتدأ. مِنْ ظَرْفٍ: متعلق به. أوْ مِنْ مَصْدَرِ أَوْ حَرْفِ جَرٍّ: معطوفات على الأوائل.

стр. 895

بِنَيِابَةٍ حَرِي: بِنِيَابَةٍ جار ومجرور متعلق بقوله: حَرِي، وحَرِي بمعنى حقيق أو جدير، وحَرِي هذا خبر المبتدأ. وَقَابِلٌ مما ذكر حَرِيٌّ بِنِيَابَةٍ عن الفاعل، بعد تغير الصيغة. قوله: وَقَابِلٌ فيه إشارة إلى أن ما ذكره من هذه الأشياء الثلاثة، منها ما هو قابل، ومنها ما ليس بقابل، وهو الأمر وهو كذلك، يعني: ليس كل مصدر، وليس كل حرف جر، وليس كل ظرف ينوب عن أن الفاعل، بل منه ما هو صالح للنيابة، ومنه ما ليس بصالح للنايبة. إذاً: قَابِلٌ نقول: هذا له مفهوم؛ لأنه صفة، قابل من ظرف غير القابل لا ينوب، قابل من مصدر، غير القابل لا ينوب، قابل من حرف جر، غير القابل لا ينوب، حينئذٍ ما الذي يقبل ويصلح أن يكون نائباً عن الفاعل، وما الذي لا يصلح؟ القول هنا كالقول في النكرة إذا أريد أن يبتدأ بها، فما أفاد جاز الابتداء بِهِ وَلاَ يَجُوزُ الاِبْتِدَا بِالنَّكِرَهْ مَا لَمْ تُفِدْ، فإن حصلت الفائدة بأي وجه من الوجوه، نقول: حصل أو صح الابتداء بالنكرة، وهنا: ما كان مبهماً من الظروف أو من المصادر، أو من المجرورات، حينئذٍ نقول: هذا لا يفيد فائدة، وإذا انتفت الفائدة حينئذٍ لا يصلح أن يكون نائباً عن الفاعل، وإذا حصلت الفائدة حينئذٍ نقول: قد وجدت الفائدة، فمتى يكون الظرف مفيداً، ومتى يكون المصدر مفيداً؟ نقول: القابل للنيابة من الظروف والمصادر هو المتصرف المختص؛ لأن الظرف ينقسم كما سيأتي: وَمَا يُرَى ظَرْفَاً وَغَيْرَ ظَرْفِ ... فَذَاكَ ذُو تَصَرُّفٍ فِي الْعُرْفِ وَغَيْرُ ذِي التَّصَرُّفِ الَّذِي لَزِمْ ... ظَرْفِيَّةً أَوْ شِبْهَهَا مِنَ الْكَلِمِ الظرف ينقسم إلى متصرف وغير متصرف، والمقصود به هنا بالتصرف، ليس هو التصرف في نوعي الفعل، هناك تصرف ما يأتي منه الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل وغيره، وأما هنا فالمراد بالمتصرف وغير المتصرف، هو أن النظر في الظرف الأصل فيه أنه ملازم للنصب على الظرفية، فما لزم النصب على الظرفية، حينئذٍ نقول: هذا غير متصرف؛ لأنه لا يجوز أن يخرج إلى الرفع، حينئذٍ التزمت العرب نصبه، وما كان كذلك حينئذٍ لا يجوز رفعه، لا يجوز أن يكون نائباً عن الفاعل فيكون له حكم الرفع، هذا الذي يلزم النصب على الظرفية، مثل: (عند) وعِندَ فِيهَا النَّصبُ يَستَمِرُّ. و (عِندَ) تمتاز من جهة إمكان إخراجها عن النصب على الظرفية إلى حالة واحدة، وهي الجر بـ (من)، فإذا كان كذلك حينئذٍ لا يسلب عنها وصف عدم التصرف، بل هي غير متصرفة، فيشمل غير المتصرف نوعين: متصرف محض لا يمكن أن يخرج عن النصب على الظرفية، وهذا مثل: عوْضُ، وقطُّ، وإذا .. ونحوها، ومتصرف قد يخرج عن النصب على الظرفية، لكن إلى حالة واحدة، وهي الجر بـ (من) مثل: عند وعِندَ فِيهَا النَّصبُ يَستَمِرُّ ... ... لكِنَّهَا بِمِنْ فَقَطْ تُجَرُّ هذا سماه ابن مالك شبه المتصرف، وهو داخل فيه، حينئذٍ عند ومثلها: (ثَمَّ)، نقول: هذه غير متصرفة، وإن خرجت عن النصب على الظرفية إلى الجر بـ (من)، لكن نقول: هذا لا يسلب عنها الوصف.

стр. 896

النوع الثاني: الذي هو المتصرف هو ما يقبل تأثير العوامل فيه، فتارة يرفع على أنه مبتدأ ويأتي فاعل ويأتي خبر، ويأتي اسم إن، ويأتي خبر إن، مثل كلمة: يوم، وحين، وساعة، ووقت، وزمن، ودهر، وبرهة، هذه أسماء زمان –ظروف-، وكذلك من جهة الأماكن نقول: الشام، ومسجد، وأرض، نقول: هذه كلها قابلة لأن تكون تارة مبتدأً وتارة خبراً، وتارة اسم إن، وخبر إن واسم كان وخبر كان، هذا يوم مبارك، إن يومنا يوم مبارك، وقع اسم إن ونحوها، نقول: هذا التقلب لتأثير العوامل، وتغيراتها، نقول: هذا هو المتصرف في الظروف، حينئذٍ ما لم يكن متصرفاً لا يصلح أن يكون نائباً عن الفاعل، فالمتصرف كدهر وزمن وساعة وبرهة ووقت .. نقول: هذا يصلح أن يكون نائباً عن الفاعل، وأما ما لزم النصب على الظرفية، نقول: هذا يمتنع وقوعه نائب فاعل. المختص وغير المختص؛ لأنه قال: هو المتصرف المختص، عرفنا المتصرف من الظروف. المختص من الظروف هو المعين، وهذا إما أن يكون بعلمية أو بإضافة أو بـ (أل) أو وصف، أو نحو ذلك كما سيأتي في محله. حينئذٍ إذا قيل: صِيم رمضانُ، نقول: رمضان هذا ظرف زمان، وهو مختص، حينئذٍ نقول: اختصاصه حصل بالعلمية؛ لأنه اسم مسماه الشهر المعلوم، كذلك: صِيم يوم الاثنين مثلا، نقول: يوم هذا مضاف حصل الاختصاص له بالإضافة. أو تقول صيم هذا اليوم، اليوم هذا بدل مما سبق، وحينئذٍ صارت (أل) عهدية، وكذلك الوصف: صيم يوم شديد، أو يوم مبارك، نقول: حصل له اختصاص، ما لم يكن كذلك حينئذٍ لا يصلح أن يكون نائباً عن الفاعل، فلا يقال: صيم زمن، ولا صيم دهر، نقول: هذا لا يصلح لماذا؟ لكونه غير مفيد، فلابد أن يكون مختصاً، ولابد أن يكون متصرفاً، وأما المتصرف من المصادر، فالمراد به كذلك ما يلزم النصب على المصدرية، مثل: معاذ الله، وسبحان الله، نقول: هذه كلمات مما تلزم النصب على المصدرية، وحينئذٍ لا يصح رفعها؛ لأن العرب التزمت نصبها على المصدرية، هذا غير المتصرف: سبحان الله ومعاذ الله، وأما المتصرف فهذا شأنه شأن الظرف، مثل: ضَرْب وقتْل، نقول: هذا مصدر (ضرب، قتل، خروج، جلوس)، نقول: هذا غير لازم لحالة واحدة، تارة يأتي فاعل، وتارة يأتي مفعول به .. إلى آخره، حينئذٍ نقول: هذا يقبل العوامل وتأثير العوامل، فإن دخل عليه عامل يقتضي رفْعَه رفَعَه، وإن دخل عليه عامل يقتضي نصْبَه نصَبه .. وهَلُمَّ جَرّاً، نقول: هذا متصرف. وأما المختص من المصادر، فالمراد به ما دل على عدد ونحو ذلك، المختص من المصادر ما كان دالاً على العدد أو على النوع، ضُرِب ضربتان، أو ضُرِبَ ضربٌ شديدٌ، ضربتان نقول: هذا مختص، لأنه دال على اثنين، على ضربتين، فهو مختص بالعدد، كذلك النوع: ضُرِبَ ضربٌ شديد، هذا نوع، أو ضُرِب الضَّربُ، هذا بـ (أل) العهدية. إذاً: قَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أَوْ مِنْ مَصْدَرِ: نقول: القابل للنيابة من الظروف والمصادر هو المتصرف المختص، والمتصرف من الظروف ما يفارق النصب على الظريفة والجر بـ (مِنْ)، فهما قسمان لا ثلاثة، متصرف وغير متصرف، والذي يتصرف فقط بالجر إلى الجر بـ (من) نقول: هذا غير متصرف، ولو كانت (عند) أو (ثَمَّ).

стр. 897

ومن المصادر ما يفارق النصب على المصدرية، والمختص من الظروف ما خصص بشيء من أنواع الاختصاص كالإضافة يوم الخميس مثلاً، والصفة: يوم حارٌ أو يومٌ بارد، وكذلك العلمية: رمضان مثلاً وشعبان ونحو ذلك، ومن المصادر ما يكون لغير مجرد التوكيد، كأن يكون دالاً للعدد أو النوع؛ لأن المفعول المطلق سيأتينا ثلاثة أنواع: ما يدل على العدد، ما يدل على النوع، كذلك المؤكِّد، ما لم يكن مؤكِّداً حينئذٍ صح أن يكون نائباً عن الفاعل. إذاً: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ: ليس كل ظرف، بل الظرف المختص المتصرف، والظرف غير المختص لا يصح أن يكون نائباً عن فاعل. وكذلك مِنْ مَصْدَرِ: وكذلك مختص متصرف، فما لم يكن متصرفاً من النوعين لا يصلح أن يكون نائب فاعل: جُلِسَ عند الأمير، يصلح أو لا يصلح؟ لا يصلح، ((وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ)) [الأعراف:١٤٩] يصلح، سير بزيد، بزيد هذا جار ومجرور سيأتينا أيضاً: ((فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ)) [الحاقة:١٣]، نَفْخَةٌ، نقول: هذا على قول البعض: نائب فاعل، وهو مصدر، ((نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ)) [الحاقة:١٣]، وَاحِدَةٌ تأكيد؛ لأن النفخ هذا فعل يدل على الواحدة، وأؤكد بقوله: وَاحِدَةٌ، من باب التوكيد. وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أوْ مِنْ مَصْدَرِ ... أَوْ حَرْفِ جَرٍّ: بعضهم قدر: أو مجرور حرف جر، لماذا؟ لأنه إذا قيل: مُرَّ بزيد، بزيد جار ومجرور الباء حرف جر، وزيد اسم مجرور بالباء، ما الذي ناب عن الفاعل؟ هنا ثلاثة احتمالات: إما الباء وحده وإما زيد وحده، وإما هما معاً، عند جماهير البصريين أن النائب هو زيد فقط ليس الباء، وعند الفراء: الباء فقط، وعند بعضهم -وهم قلة-: المجموع -الباء ومدخوله- وهو الصحيح، أنه الجار والمجرور معاً هو الذي ناب عن المفعول، وهذا فيما لم يكن الحرف زائد، فإن كان زائداً فمحل وفاق أن المجرور هو الذي يكون نائباً عن الفاعل. إذاً: أَوْ حَرْفِ جَرٍّ قدر الأشموني هناك: أو مجرور حرف جر، ليوافق مذهب البصريين: أن المجرور هو الذي ينوب عن الفاعل؛ لأنه قال: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أوْ مِنْ مَصْدَرِ، أو مجرور حرف جر، حينئذٍ المجرور هو الذي ناب عن الفاعل. كذلك يكون حرف الجر قابل للنايبة وقد لا يكون قابلاً، مثل الظرف والمصدر، متى يكون قابلاً ومتى لا يكون؟ القابل للنايبة من المجرورات: هو الذي لم يلزم الجار له طريقة واحدة، يعني: لا يلزم طريقة واحدة كما سيأتينا في باب حروف الجر، القابل للنايبة من المجرورات: هو الذي لم يلزم الجار له طريقة واحدة، حرف الجر بعضه لا يدخل إلا على اسم الزمان، وبعضه لا يدخل إلا على الاسم الظاهر، وبعضه لا يدخل إلا على المقسم به، وبعضه على الاستثناء .. هذا خاص، نقول: هذا لزم طريقة واحدة، مثل النصب على الظرفية في (عند) و (ثَمَّ)، نقول: هذا غير قابل للنايبة، وأما لا يختص حينئذٍ نقول: هذا يجوز أن يكون نائباً عن الفاعل. الذي لم يلزم الجار له طريقة واحدة في الاستعمال كـ: (مذ ومنذ ورب وحروف القسم والاستثناء وحتى .. ) ونحو ذلك، هذا أولاً.

стр. 898

ولا دل على تعليل كاللام والباء، اللام والباء قد تأتي للتعليل؛ لأنه مبني على سؤال مقدر، ولذلك امتنع أن ينوب المفعول لأجله، وكذلك الحال والتمييز عن نائب الفاعل؛ لأن هذه إنما تقع في جواب سؤال مقدر، وإذا وقعت في جواب سؤال مقدر، حينئذٍ صار في قوة الجملة المنفصلة، وإذا كان كذلك حينئذٍ لم يكن متصلاً بالجملة التي يكون فيها الفاعل محذوفاً فينوب عنه، فهو في قوة جملة منفصلة، يعني: كأنك إذا أنبت الحال أو المفعول لأجله كأنك أتيت بهذا اللفظ من جملة منفكة عن الجملة التي حذف فيها الفاعل، لماذا؟ لأنه في الغالب -وهذا ضابط له-، أنه يكون جواباً لسؤال مقدر: جاء زيد راكباً، جاء زيدٌ كيف؟ راكباً، وما وقع في جواب سؤال الأصل فيه أنه في جملة منفصلة، فلذلك امتنع. ولا دل على تعليل كاللام والباء؛ لأنه مبني على سؤال مقدر فكأنه من جملة أخرى، وبهذا يعلل منع نيابة المفعول لأجله والحال والتمييز، فيبقى على أصله. إذاً: أَوْ حَرْفِ جَرٍّ، القابل منه ما لا يختص بحالة واحدة، لا يلزم طريقة واحدة، مثل رب أو القسم ونحو ذلك. أَوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنَيِابَةٍ حَرِى: قلنا: مذهب البصريين أن نائب الفاعل هو المجرور فقط، ولذلك حاول الشراح أن يجعلوا كلام الناظم موافقاً لمذهب البصريين، ولو ترك على ظاهره قد يقال بأنه موافق لمذهب الفراء، وهو أنه حرف الجر، وهو من أغربها، غريب جداً أن يقال بأن حرف الجر وحده هو النائب، لماذا؟ لأن نائب الفاعل أنيب مناب الفاعل، والحرف ليس فيه معنى في نفسه، فكيف يقال: بأن الباء هي نائب الفاعل هذا غريب! فالحرف عندهم يكاد يكون متفق عليه أنه لا يدل على معنى في نفسه، وإذا كان الأمر كذلك، حينئذٍ لا يمكن أن ينوب عن الفاعل، حينئذٍ المحتمل من القولين: إما أن يقال: بأنه الجار والمجرور -وهذا أولى-؛ لأنهما كالجزء الواحد كالكلمة الواحدة، وإما أن يقال بمذهب البصريين وهو المجرور فقط. إذاً: أَوْ حَرْفِ جَرٍّ: نقول: تقدير مجرور حرف جر، إما ليكون موافقاً لمذهب البصريين، وإما أن يكون موافقاً للمذهب الذي اختاره الناظم في غير هذا الكتاب، وهو أن الجار والمجرور معاً هما نائب الفاعل، وهذا أولى، أولى بالتقعيد والتفصيل. إذاً: نقول –كقاعدة-: المجرور بحرف جر زائد لا خلاف بين النحاة في إنابته، لا خلاف أنه ينوب عن الفاعل إذا جر بحرف جر زائد، مثل ماذا؟ ما ضرب من أحدٍ، نقول: من هذه زائدة، مثل: ((هَلْ مِنْ خَالِقٍ)) [فاطر:٣]، و ((مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ)) [المائدة:١٩]، مثلها، حينئذٍ نقول: ما ضرب، وهذا مغير الصيغة، مِنْ حرف جر زائد، هكذا نقول في إعرابه، أحدٌ نائب فاعل.

стр. 899

إذاً: نعرب المجرور فقط، فنقول: نائب فاعل مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، مثلما نقول: ((مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ)) [المائدة:١٩] إذاً: لا نقول: الجار والمجرور هنا .. أو الجار لوحده، أو .. لا، باتفاق أن المجرور الذي دخل عليه حرف الجر الزائد أنه نائب الفاعل، وأما الحرف هنا فوجوده وعدمه سواء من حيث الإفادة، وإنما جيء به من حيث التأكيد، إذاً: حرف الجر الزائد لا دخل له في هذا الباب، فقوله: حَرْفِ جَرٍّ، المراد به الأصلي، حرف الجر الأصلي، وأما الزائد: فالمجرور قولاً واحداً هو نائب الفاعل، فإن جر بغير زائد -حرف جر أصلي- وهو الذي عناه الناظم، ففيه أربعة مذاهب: الأول وعليه الجمهور: أن المجرور هو النائب في محل رفع، أن المجرور لوحده دون حرف الجر هو النائب، فإذا قيل: مُرَّ بزيدٍ زيدٍ هو نائب الفاعل، حينئذٍ الباء دخلت على أي شيء وماذا أفادت، وهل أثرت أو لا؟! أسئلة لا أجوبة عليها، هذا القول به عسير، وعليه الجمهور أن المجرور هو النائب في محل رفع. الثاني: أن النائب ضمير مبهم مستتر في الفعل، وجعل مبهماً ليحتمل ما يدل عليه الفعل من مصدر أو زمان أو مكان، إذ لا دليل على تعيين أحدها وعليه ابن هشام، وهذا فيه تكلف واضح بين. الثالث: أن النائب حرف الجر وحده في محل رفع -وهذا غريب- في محل رفع كما أنه وحده بعد الفعل المبني للفاعل في محل نصب، نحو: مررت بزيد، وهذا مذهب الفراء، وهو أغربها، إذ الحرف لا معنى له، القياس هنا فاسد، القياس مُرَّ بزيد، كقولك: مررت بزيدٍ، بزيد النحاة يقولون: هذا في المعنى مفعول به، لكن لا يعرب مفعول به، يعني: سبق معنا تعيين أو التكرار على أن حلَّ المعنى قد يكون باعتبار الإعراب، وقد يكون باعتبار المعنى فحسب، يعني: ترك النظر إلى الكلام –التركيب-، قد يؤخذ أشياء ومقدَّرات ومحذوفات .. إلى آخره، من جهة تصحيح المعنى، وفهم المعنى العام للفظ سواء كان آية أو حديث أو بيت شعر أو نحو ذلك، وقد يكون لا، ثم تقديرات تصحيح الإعراب نفسه، لا يصح الإعراب إلا بهذا المقدر، نقول: على حذف مضاف، وهذا سبق فيه: باب شرح كلام، هذا باب شرح الكلام وشرح ما يتألف منه الكلام. فإذا قيل: مُرَّ بزيدٍ، زيدٍ هذا مفعول به؛ لأن الأصل مررتُ زيداً، هذا صحيح، مررت زيداً، في المعنى هو مفعول به؛ لأن المفعول به هو ما يقع عليه فعل الفاعل، وهنا قد وقع عليه المرور، ولكن لما كان الفعل قاصراً لازماً غير متعدٍ بنفسه تعدى بحرف جر، فإذا قيل: مررت بزيدٍ، مررت فعل وفاعل، بزيدٍ هذا جار ومجرور متعلق بقوله: مر، حينئذٍ لا نتعرض لكونه مفعولاً به أو لا، لكن نائب الفاعل .. لا، نائب الفاعل حكمٌ على اللفظ قبل المعنى؛ لأننا نحذف الفاعل لفظاً، وأما المعنى هذا لا دخل لنا فيه، ونقول: ضرب زيدٌ عمراً، حذفنا زيد، إذاً: عمروٌ صار نائب فاعل، إذاً لابد أن يكون لفظ وله أحكام تعتري اللفظ والمعنى، المعنى يكون تابعاً له، فحينئذٍ إذا قيل: مُرَّ بزيد الباء هي حرف جر، هي التي نابت عن الفاعل، وما المعنى الذي أدته الباء مثلما أدت غيره، تقول: هذا فاسد ليس بصحيح، إذاً: هذا مذهب الفراء.

стр. 900

الرابع: النائب ضمير عائد على المصدر المفهوم من الفعل وبه قال السهيلي، وهذا ضعيف أيضاً، الصواب: أنه الجار والمجرور معاً. مذهب البصريين أن نائب الفاعل هو المجرور فقط، ومذهب المصنف -ابن مالك رحمه الله تعالى- كما في التسهيل والكافية أنه مجموع الجار والمجرور، ذكره في التسهيل وفي الكافية أنه مجموع الجار والمجرور، وهذا أصح. وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أوْ مِنْ مَصْدَرِ ... أَوْ حَرْفِ إذاً: أَوْ حَرْفِ جَرٍّ لابد من التقدير، لكن لا لنجعل كلام الناظم موافقاً لمذهب البصريين، وإنما من أجل أن يوافق كلامه في التسهيل وفي شرح الكافية، أو الكافية نفسها، حينئذٍ نقول: أَوْ حَرْفِ جَرٍّ، ظاهره أنه موافق لمذهب الفراء وهو باطل، حينئذٍ نقول: لابد من التقدير: أو مجرور حرف جر، حينئذٍ وافق مذهبه هو بأن النائب عن الفاعل الجار والمجرور معاً: بِنَيِابَةٍ حَرِى. وَلاَ يَنُوبُ بَعْضُ هَذِي إِنْ وُجِدْ ... فِي اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ وَقَدْ يَرِدْ قال الشارح: أشار في هذا البيت إلى أنه إذا لم يوجد المفعول به أقيم الظرف أو المصدر أو الجار والمجرور مقامه، وشرط في كل واحد منها أن يكون قابلاً للنيابة، لكن ما ذكر أنه إذا لم يوجد المفعول، وهذا سينص عليه في البيت الذي سيأتي، إنما هذه تبرع بها في هذا المقام؛ لأنه سيأتي فقول ابن عقيل: أشار في هذا البيت إلى أنه إذا لم يوجد المفعول به أقيم الظرف، نقول: هذا ليس من هذا البيت، إنما هذه حشوة أو تبرع بها، إنما بالبيت الذي يليه، وإنما أشار أن الظرف ينوب عن الفاعل إذا حذف، والمصدر كذلك ينوب والجار والمجرور كذلك ينوب عن الفاعل إذا حذف، ويشترط فيها –الثلاثة- أن تكون قابلة للنيابة، يعني: صالحة للنيابة، وما عدا ذلك لم يفد البيت شيئاً آخر. وشرط في كل واحد منها أن يكون قابلاً للنيابة؛ لأنه علقه على وصف، والشيء المعلق على الوصف يأخذ حكمه طرداً وعكساً، حينئذٍ نثبت له قابلية بشرطه ونفيه عنها إذا لم توجد، فمتى ما كان صالحاً الظرف صحت نيابته، ومتى لم يكن نفينا عنه النيابة.

стр. 901

وإنما يشترط في الظرف أن لا يكونا مبهمين، -قوله مِنْ ظَرْفٍ هذا يشمل ظرف المكان وظرف الزمان فهو عام، ولذلك أطلقه-أن لا يكونا مبهمين أن يكونا متصرفين، كذلك المصدر أن لا يكون مؤكداً، وأن لا يكون غير متصرف، والجار والمجرور أن لا يلزم طريقة واحدة كحروف القسم وغيرها، واحترز بذلك من أن يكون قابلاً للنيابة أي: صالحاً لها، واحترز بذلك مما لا يصلح للنيابة، كالظرف الذي لا يتصرف، والمراد به ما لزم النصب على الظرفية: سحر، إذا أريد به سحر يوم بعينه، ونحو: عندك، فلا تقل: جُلس عندك، ولا رُكب سحر؛ لئلا تخرجهما عما استقر لهما في لسان العرب من لزوم النصب، وهذا كما سبق هناك في: كفى بهندٍ، وحبذا هندٌ، قلنا: التزمت العرب تذكيرها، حينئذٍ لا يجوز إدخال التاء عليها، تاء التأنيث، قلنا: لا تلتحق بأربعة أنواع من الفعل، منها أفعال الاستثناء، وكفى بهند وحبذا، حينئذٍ نقول: هذه لا يجوز، لماذا؟ لأن العرب التزمت تذكيرها، بمعنى: أننا وقفنا مع السماع، فمادام أن العرب التزمت تذكيرها، ولم ينقل إلينا أنها أنثت وقفنا معها، كذلك هنا، نفس العلة، نقول: مادام أن العرب التزمت نصب هذه الألفاظ ولم يسمع في حرف واحد أنها رفعت، حينئذٍ نقول: نلتزم ما التزمت به العرب، وهو الأصل، والتعديد يكون فرعاً، وأحياناً النحاة قد يعجز بعضهم عن التعليل أو البحث عن علة واستنباط ... لئلا تخرجهما عما استقر لهما في لسان العرب من لزوم النصب، وكالمصادر التي لا تتصرف نحو: معاذ الله، فلا يجوز رفع معاذُ، لا يقول: معاذُ الله، نقول: هذا لا يصح، لما تقدم في الظرف، وكذلك ما لا فائدة فيه من الظروف والمصادر، يعني: غير المختص؛ لأن المصدر والظرف قد يكون مختصاً وقد يكون غير مختص يعني: مبهم، فلا يقال: سِير وقتٌ نقول: هذا لا يصح، ولا ضُرِبَ ضربٌ، ولا جُلسَ في دار، هذا لا يفيد؛ لأنه لا فائدة في ذلك، ومثال القابل من كل منها قولك: سير يوم الجمعة، وضرب ضرب شديد ومُرَّ بزيدٍ، هنا حصل الاختصاص في الجار والمجرور بكونه معرفة، أو أن يكون نكرة صالحة للابتداء بها، ويشترط فيه ما ذكرناه سابقاً أن لا يكون ملازماً لطريقة واحدة، وأن لا يكون دالاً على التعليل كاللام والباء. ثم قال ﵀: وَلاَ يَنُوبُ بَعْضُ هَذِي إِنْ وُجِدْ ... فِي اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ وَقَدْ يَرِدْ هذا ما أشار إليه سابقاً ابن عقيل، وهو أن هذه ليست مطلقة هكذا، كأنه شرط زائد وقابل من ظرف، متى يقبل؟ بكونه متصرفاً مختصاً، مطلقاً ولو وجد المفعول به؟ نقول: لا، المفعول به سيد هذه الثلاثة، إذا وجد تعين أن يكون هو الرئيس هو نائب الفاعل، إذا تخلف لم يوجد في الكلام حينئذٍ جاء الخلاف: أي هذه الثلاثة أولى! وَلاَ يَنُوبُ بَعْضُ هذِي: وَلاَ يَنُوبُ فعل مضارع مرفوع، يَنُوبُ بَعْضُ هذِي: المشار إليه الظرف، والمصدر، والمجرورات. إِنْ وُجِدْ فِي اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ: بل تتعين إنابته، لا يجوز -على مذهب البصريين-، لا يجوز أن يقام الظرف مع وجود المفعول به، ولا يجوز أن يقام المصدر مع وجود المفعول به، ولا يجوز أن يقام الجار والمجرور مع وجود المفعول به، بل يتعين إقامة المفعول به، ولا يعدل عن ذلك.

стр. 902

وَلاَ يَنُوبُ بَعْضُ هذِي إِنْ وُجِدْ: بعض هذا الظروف والمصادر والمجرورات، إِنْ وُجِدْ فِي اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ: فِي اللَّفْظِ، لماذا عين في اللفظ؟ لما ذكرناه، قد يكون ثم مفعول به في المعنى، لكن لا نلتفت إليه، لماذا؟ لأننا إذا قيل مثلاً-كالمثال السابق الذي ذكره-: سير يوم الجمعة بزيدٍ، مثلاً، إذا قيل: يوم الجمعة هذا ظرف، وبزيدٍ، إذا نظرنا في الجملة من حيث المعنى قلنا: لا يجوز أن يقام يوم الجمعة مقام الفاعل، لأنه وجد مفعول به في المعنى وهو زيد، كما ذكرناه سابقاً، مررت زيداً، هذا الأصل، فزيد مفعول به في المعنى نعم، لكن ليس هذا المراد، المراد مفعول به في اللفظ، يعني: تعربه هذا مفعول به، وأما المعاني لا، لا التفات لها، وإلا لو كان الأمر كذلك لقيل: سير يوم الجمعة بزيد، بزيد هو نائب الفاعل، ولا يجوز أن يكون يوم الجمعة هو نائب فاعل؛ لأن زيد مفعول به في المعنى ليس هذا المراد لا، العبرة باللفظ هنا: وَلاَ يَنُوبُ بَعْضُ هذِي إِنْ وُجِدْ ... فِي اللَّفْظِ: احتراز عما لو وجد في المعنى، بأن كان الفعل يطلب المفعول به، لكن لم يذكر في اللفظ فلا يمتنع إنابة غيره، كذلك إذا حذف -هذا الذي أشار إليه-، إذا حذف حينئذٍ نقول: العبرة بالملفوظ. في اللفظ وَقَدْ يَرِدُ: قد للتقليل، وقد يرد إنابة واحد من هذه الأشياء الثلاثة: الظروف والمصادر، والجار والمجرور مع وجود المفعول به وهو مذهب الكوفيين، لكنهم محجوجين كما سيأتي. وَلاَ يَنُوبُ بَعْضُ هذِي إِنْ وُجِدْ ... ... ... فِي اللَّفْظِ: إذا فقد المفعول به، لم يوجد في الكلام، جاز نيابة كل واحد من المصدر أو المجرور أو الظرف، أنت مخير، وهذا ظاهر كلام الناظم؛ لأنه لم يفضل بعضها على بعض، ولم يقدم بعضها على بعض، بل سوى بينها في الحكم: وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أَوْ مِنْ مَصْدَرِ ... أَوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنِيَابَةٍ حَرِي –حكى-. ثم قال: وَلاَ يَنُوبُ بَعْضُ هذِي إِنْ وُجِدْ ... فِي اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ: حينئذٍ دل على أنه إذا لم يوجد في اللفظ مفعول به ناب أي واحد من هذه الثلاثة. فقيل: لا أولوية لواحد منها، يعني: لا نفضل بعضها على بعض، وإنما هي سواء. وقيل: المصدر أولى، إذا وجد في الكلام غير المفعول به -ظرف ومصدر وجار ومجرور-، أيها أولى؟ قالوا: المصدر أولى، لماذا؟ لأنه أشرف جزئي مدلول العامل، مدلول العامل ما هو؟ الزمان والحدث، والحدث هو المصدر، حينئذٍ صار المصدر أقرب إلى العامل؛ لأنه أحد جزئي مدلول العامل؛ لأن العامل يدل على شيئين مركب من حدثٍ، وهو مدلول المصدر وزمن. إذاً: إذا وجد مصدر وظرف وجار ومجرور الأولى أن يجعل المصدر، لأنه أحد جزئي مدلول العامل.

стр. 903

وقيل: المجرور، قيل: إذا وجد المصدر والمجرور والظرف فالأولى أن نقدم المجرور، لماذا؟ قال: لأنه مفعول به بواسطة الجار، -نظروا إلى المعنى،- قيل: المجرور؛ لأنه مفعول به بواسطة الجر، وقيل: ظرف المكان، إذا وجد ظرف المكان فهو أولى، لكونه أشبه بالمفعول به منهما، أقرب الأشياء الموجودة بالمفعول هو ظرف المكان لاشتراكهما في أن الفعل يدل عليهما بدلالة التزام، وهذا سبق معنا: أن ضربتُ زيداً، ضربتُ هذا يدل بدلالة التزام على مفعول؛ لأن الضرب حدث، حينئذٍ سبق معنا: أن دلالة الفعل على الفاعل التزامية، على المفعول من بابٍ أولى، إذا دل الفعل على الفاعل بدلالة التزام، على المفعول أولى؛ لأن الذي يحدث الحدث هذا مقدم على محله، فحينئذٍ نقول: محل الحدث هو المفعول به، إذاً: دل ضرب على المفعول به دلالة التزام، هذا الضرب أين يوجد؟ لابد له من ظرف زماني وظرف مكاني، ظرف الزمان دل عليه بالصيغة: فعل قام الزمن الماضي، يقوم مضارع -حال يعني-، قم هذا في المستقبل. إذاً: دل بهيئته بصيغته على الزمن، فهي دلالة وضعية، دلالته على المكان لابد من مكان، أين يوجد الظرف في الهواء؟! لابد من مكان يقع عليه الظرف، حينئذٍ نقول: دلالته على المكان دلالة التزامية، انظر الظرف نوعان: مكاني وزماني، الفعل يدل على الزمان بالوضع بالصيغة، كونه على وزن كذا، فَعَل وفَعُل .. كل الذي يدرس في الصرف دلالة زمانية، أما الدلالة المكانية خارجة عن اللفظ، حينئذٍ دل الفعل على المفعول به بدلالة التزام، ودل على ظرف المكان بدلالة التزام، إذاً: اشتبها، كل منهما أشبه الآخر، وهذا التعليل فيه نظر. لأن الفعل يدل على المفعول، والظرف المكاني بالالتزام، والصواب: أنه ما كان المعنى أتم به كان مقدماً، يعني: ينظر إلى المعنى؛ لأنه ليس ثم مرجح بين هذه الأمور، وكل الأقوال التي ذُكرت نعم في نفسها، نقول: تعليلات صحيحة، لكنها لا تقتضي أن يكون دائماً في كل تركيب أن يقدم المصدر؛ لأنه أحد مدلولي العامل، ولا أن يقدم الجار والمجرور لأنه مفعول به في المعنى، لا، نقول: ننظر إلى المعنى، إن استقام المعنى أكثر كان له مكانة بجعل الظرف نائب فاعل فهو مقدم، أو جار ومجرور فهو مقدم، أو مصدر فهو مقدم، دون أن نجعل قاعدة مطردة. وَلاَ يَنُوبُ بَعْضُ هذِي إِنْ وُجِدْ ... ... فِي اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ -بل يتعين إنابته- وَقَدْ يَرِدُ قال الشراح: ضرورة أو شذوذاً، يعني: لابد من تأويله كما نص الشارح، لابد أن يؤول، مع كونه جاء في قراءة.

стр. 904

مذهب البصريين إلا الأخفش -الأخفش هذا بصري يخالف كثير، لذلك دائماً يقال: الأخفش الأخفش؛ لأنه يخالف البصريين- أنه إذا وجد بعد الفعل المبني لما لم يسم فاعله مفعول به ومصدر وظرف وجار ومجرور، تعين إقامة المفعول به مقام الفاعل، ضُرِب زيدٌ ضرباً شديداً يوم الجمعة أمام الأمير في داره، مشوار! ضُرِب: هذا فعل ماضي مغير الصيغة، زيدٌ نائب فاعل، هو مفعول به، الأصل: ضربَ عمروٌ زيداً إلى آخره، فحذف عمرو، فأقيم المفعول به مقامه، حينئذٍ يبقى كل شيء في محله، لا يمكن أن يتعدى الظرف، والمفعول يتقدم عليه أبداً، رتبته أعلى لا يرفع رأسه، فيبقى المفعول به هو النائب؛ لأنه صار عمدة، كان فضلة فحينئذٍ صار عمدة، فكل منهما يتنافس، لكن لا يتقدم على المفعول به، فرُفِع المفعول به فصار زيدٌ، ضُرب زيدٌ انتهينا، ماذا بقي؟ ضرباً شديداً مصدر، يوم الجمعة ظرف زمان، أمام الأمير مكان، في داره جار ومجرور، هذه كلها تبقى كما هي، ولا يجوز أن يعرب واحدٌ منها مفعول به، فلا يقال: ضُرِبَ زيداً ضربٌ شديدٌ على إنابة المصدر، ولا يجوز أن يقال: ضُرِبَ زيداً ضرباً شديداً يومُ الجمعةِ، ولا يجوز أن يقال: ضُرِبَ زيداً ضرباً شديداً يوم الجمعة أمامُ الأمير، أو في داره على أنه هو نائب الفاعل؛ كل ذلك لا يجوز على مذهب البصريين، ومذهب الكوفيين أنه يجوز إقامة غيره، وهو موجود مطلقاً تقدم أو تأخر، اتصل بالعامل أو لا، مطلقاً يجوز، واحتجوا بقراءة أبي جعفر: (لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، يُجْزِيَ، هذا فعل مغير الصيغة، (قَوْماً) هذا بالنصب، ليس عندنا إلا مفعول وجار ومجرور، ويَجْزِيَ هذا مغير الصيغة، لابد من نائب فاعل، ولابد أن يكون إما قَوْماً وإما بِمَا، وبقي المفعول على حاله، قَوْماًً بالنصب، فدل على أنه لم يُنب عن الفاعل إذ لو أُنيب لرُفع.

стр. 905

قال: (لُيَجْزِيَ قَوْم) بالرفع، لكن ما قال: (قومٌ) قال: (قوماً)، فدل على أن النائب هنا الجار والمجرور، (بِمَا)، فأخذ الكوفيون قاعدة عامة مطردة: أنه يجوز في كل مفعول به وجد مع ظرف أو إلى آخره أن يناب غير المفعول مع وجوده، وهذه من المآخذ على مذهب الكوفيين، لماذا؟ الكوفيون ليسوا كالبصريين قطعاً، البصريون محققون إن صح التعبير، لأن البصريين يقعدون قاعدة في النظر العام المطرد الكثير في لسان العرب، ثم ما خرج إن أمكن تأويله أولوه ليوافق القاعدة المطردة، وما لم يمكن حكموا عليه بالشذوذ والضرورة، قاعدة مطردة المذهب من أوله إلى آخره على هذا، النظر والتقعيد والتأصيل على المطرد الغالب في لسان العرب، فما خرج من ذلك مخالف للقياس المطرد، -لذلك سموه قياساً-، وما خالف حكموا عليه بأنه شاذ، ثم ما أمكن تأويله حملوه على السابق، وإلا حكموا عليه بالشذوذ، الكوفيون لا، يكاد لو جاءت مائة بيت كلها مختلفة كل بيت، قالوا: يجوز .. يجوز يجوز، هذه مشكلة ما ينضبط النحو بهذه الصورة، حينئذٍ النظر في المفعول به، يعني: في القرآن وفي السنة وفي الأشعار .. إلى آخره، لا يكاد أن يخرج إذا وجد المفعول به أن يبقى المفعول منصوباً ويناب غيره، قليل جداً هذا، لا يمكن أن يجعل قاعدة، وإنما نقول: القاعدة المطردة الفصيحة التي ينبغي التعويل عليها، هي: أنه لا يناب إلا المفعول به إن وجد، وإن ورد قليلاً، حينئذٍ قد يقال بأنه إما شاذ إذا لم يصح في قراءة معينة، وإما أن نقول: هذا يصح لغة لكنه قليل ليس بالمطرد، يعني: يُلجأ إليه عند الحاجة إما من جهة المعنى أو من جهة أخرى، فينظر فيه نظر خاص، لكن لا يجعل قاعدة مضطردة بأنه مساوٍ لتلك القاعدة، هذا ليس بجيد. إذاً: مذهب الكوفيين مستدلين: (لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُوا). وقول الشاعر: لَمْ يُعْنَ بِالعَلْيَاءِ إلاّ سَيِّداً ... ولاَ شَفَى ذَا الغَيِّ إِلاَ ذُو هُدَى لَمْ يُعْنَ بِالعَلْيَاءِ: بالعلياء جار ومجرور نقول: هذا نائب فاعل. إلاّ سَيِّداً: إلا سيدٌ دل على أنه لم يُنِب سَيِّداً إذ لو أنابه لرفعه، ومذهب الأخفش التفصيل، الكوفيون: سواء تقدم أم تأخر يعني اتصل بالعامل أو انفصل يجوز، مذهب الأخفش: لا، إذا تقدم غير المفعول به عليه جاز إقامة كل واحد منهما، ضُرِبَ في الدار زيدٌ، ضُرِبَ في الدار زيداً؛ لأنه تأخر، فلما فصل بين العامل والمفعول به في الدار جاز أن يناب في الدار أو المفعول أنت مخير. وإن لم يتقدم تعين إقامة المفعول به: ضُرِبَ زيد في الدار، إذا تقدم اتصل بالعامل تعين أن يكون هو نائب الفاعل، وهذا أقرب من مذهب الكوفيين، لكن يرده الآية: (لِيَجْزِيَ قَوْماً)، المفعول به متصل هنا بالعامل. على كلٍ الأصل القاعدة المطردة: هو أنه لا يناب إلا المفعول به، وإن على جهة القلة أنيب غير المفعول به لا بأس به، ولذلك قال: وَقَدْ يَرِدُ. وَبِاتِّفَاقٍ قَدْ يَنُوبُ الثَّانِ مِنْ ... بَابِ كَسَا فِيمَا الْتِبَاسُهُ أُمِنْ فِي بَابِ ظَنَّ وَأَرَى الْمَنْعُ اشْتَهَرْ ... وَلاَ أَرَى مَنْعَاً إِذَا الْقَصْدُ ظَهَرْ

стр. 906

وَبِاتِّفَاقٍ: الآن انتقل إلى المفعول الثاني والثالث مما يتعدى، سبق أننا أشرنا في قوله: يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ عَنْ فَاعِلِ، قلنا: هذا مفعول واحد، وقد يكون ثم تفصيل يأتي في محله فيما إذا كان مفعولاً ثانياً أو ثالثاً إلى آخره. هنا شرع فيه، ما يتعدى إلى مفعولين، ذكرنا فيما سبق أنه على نوعين، منه ما ينصب المبتدأ والخبر، وهو باب ظن وأخواتها، ومنه ما لا ينصب المبتدأ والخبر، يعني: ما ليس أصل المفعولين المبتدأ الخبر، وهو باب كسا وأعطى، هذا هو المقصود، بقي نوع واحد مما يتعدى إلى مفعولين، لكنه ليس تعدياً أصلياً، وإنما هو بإسقاط حرف الجر، اخترت الرجال محمداً، هذا تعدى إلى واحدٍ بنفسه محمداً، والرجال بنزع الخافض، أصلها: اخترت من الرجال محمداً، هذا يتعدى إلى مفعولين اختار، حينئذٍ نقول: هذا لم يتعد بنفسه أصالة، وإنما جعل باعتبار النهاية، أي: أنه بعد ما أسقط، -وبعضهم يحمل قوله تعالى: ((وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ)) [الأعراف:١٥٥]، يعني: من قومه: ((وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ)) قَوْمَهُ مفعول به، ((وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا)) يعني: من قومه، قَوْمَ هذا مفعول به، لكن ليس مفعول أصالة، وإنما هو بنزع الخافض، ونزع الخافض هذا سيأتينا بحثه إن شاء الله هناك. وَبِاتِّفَاقٍ قَدْ يَنُوبُ الثَّانِ مِنْ ... بَابِ كَسَا فِيمَا الْتِبَاسُهُ أُمِنْ هذا أراد فيه ما تعدى إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، إذا أردنا أن ننيب، هل ننيب الأول أو ننيب الثاني، أو هما معاً، أو لا هذا ولا ذاك؟ يحتمل أربعة أوجه، لا هذا ولا ذاك هذا بعيد فاسد، هما معاً، هذا سيأتي أنه: وَمَا سِوَى النَّائِبِ ممَّا عُلِّقَا ... أن الفاعل لا يتعدد، كذلك ما ناب عنه، فلا يتعدد نائب الفاعل، فلا يمكن أن يناب المفعولان، بقي الاثنان، الأول: باتفاق أنه يجوز في باب كسا، والثاني: هو الذي محل خلاف. وَبِاتِّفَاقٍ قَدْ يَنُوبُ الثَّانِ مِنْ ... بَابِ كَسَا فِيمَا الْتِبَاسُهُ أُمِنْ مِنْ بَابِ كَسَا، وهو كل فعل نصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، ولم ينصب أحدهما بإسقاط الجر، وهذا ذكرناه في اخترت. فبالأول خرج باب ظن، ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وبالثاني: خرج نحو: اخترت الرجال زيداً، إذاً باب كسا وأعطى، كل فعل ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر ويتعدى إليهما بنفسه لا بواسطة حرف جر ثم يسقط. وَبِاتِّفَاقٍ قَدْ يَنُوبُ: المصنف هنا نقل الاتفاق وقيل هذا الاتفاق مخروق، نقل الإجماع دائماً هذا عسير. قال: وَبِاتِّفَاقٍ قَدْ يَنُوبُ الثَّانِ مِنْ ... ... بَابِ كَسَا: يعني: الثاني يجوز إنابته عن الفاعل إذا حذف، ويبقى الأول على نصبه، متى؟ قال: فِيمَا الْتِباسُهُ أُمِن: مفهومه: إذا لم يؤمن الالتباس لا يجوز أن يناب الثاني مناب الفاعل. وَبِاتِّفَاقٍ قَدْ يَنُوبُ الثَّانِ: قد ينوب المفعول الثاني، الثَّانِ ما إعرابه؟ فاعل مرفوع ورفعه ضمة المقدرة على الياء محذوفة، هذا تخفيف-الثَّانِ-، على الياء المحذوفة.

стр. 907

وَبِاتِّفَاقٍ: نقول: هذا متعلق بقوله: يَنُوبُ، قَدْ يَنُوبُ ِباتِّفَاقٍ، الثَّانِ: هذا فاعل، مِنْ بَابِ كَسَا، هذا حال من الفاعل من الثَّانِ، فِيمَا الْتِباسُهُ أُمِن، يعني: في الذي الْتِباسُهُ: مبتدأ، أُمِن: خبر المبتدأ والجملة لا محل لها صلة الموصول، يعني: في تركيب أمن فيه التباس، فإذا وجد لبس وجب إقامة الأول، هذا مفهوم ما ذكرناه. وَبِاتِّفَاقٍ قَدْ يَنُوبُ الثَّانِ مِنْ ... ... بَابِ كَسَا: يعني: أن النحاة اتفقوا على جواز نيابة المفعول الثاني من باب كسا، وذلك مع أمن اللبس، هذا مراده بالبيت؛ أن النحاة اتفقوا على جواز نيابة المفعول الثاني من باب كسا، فتقول: كسوت زيداً جبة، كُسي زيداً جبةٌ، جبةٌ هو المفعول الثاني، يجوز؟ قالوا: يجوز باتفاق، كُسي زيدٌ جبةً هذا إنابة الأول، محل وفاق هذا، كسي زيداً جبةٌ، هل فيه لبس؟ ليس فيه لبس، أعطي زيدٌ درهماً إنابة الأول، أعطي زيداً درهمٌ إنابة الثاني، فيه لبس؟ أعطي زيدٌ عمراً، أعطي زيداً عمروٌ، فيه لبس عمرو وزيد من الآخذ ومن المأخوذ، إذا قلت: أعطي زيدٌ عمراً، فزيد الآخذ، وعمراً مأخوذ، إذا عكست قلت: يجوز، قلت: أعطي زيداً عمروٌ صار عمرو هو الآخذ وزيداً هو المأخوذ التبس المعنى، حينئذٍ في مثل هذا التركيب: أعطي زيداً عمروٌ لا يجوز إقامة الثاني، بل يتعين إقامة الأول، لوجود اللبس، فيقال: أعطي زيدٌ عمراً واجب هذا، ولا يجوز أن يقال: أعطي زيداً عمروٌ، وأما أعطي زيدٌ درهماً والعكس نقول: هذا صحيح وجائز، لأمن اللبس، هذا ما أراده الناظم. يعني: أن النحاة اتفقوا على جواز نيابة المفعول الثاني من باب كسا، وذلك مع أمن اللبس، وفهم من سكوته عن الأول -ما تكلم عن الأول- وفهم من سكوته عن الأول أنه يجوز نيابته باتفاق لدخوله في عبارته السابقة: (يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ عَنْ فَاعِلِ)، حينئذٍ ترجع تقول: يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ هذا إذا كان له مفعول واحد، والمفعول الأول من باب كسا، وهذا محل وفاق. والثاني على رأي الناظم هنا فيما إذا أمن التباسه. وفهم من سكوته عن الأول أنه يجوز نيابته باتفاق لدخوله في عبارته السابقة: يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ عَنْ فَاعِلِ. إذاً: الحاصل نقول: إذا تعدى الفعل لأكثر من مفعولين، فنيابة الأول جائزة باتفاق، ونيابة الثالث قيل ممتنعة باتفاق والصواب أن فيها خلافاً، الثالث، هذا سيأتي إن شاء الله، ممتنعة باتفاق، والصواب: أن بعضهم أجاز نيابة الثالث إن لم يلبس سيأتي تفصيله، وفي باب كسا إن ألبس إقامة الثاني امتنع اتفاقاً، الثاني إن ألبس نيابته امتنع، مثل: أعطي زيدٌ عمراً، هذا واجب النصب، أعطي زيداً عمروٌ هذا باتفاق لا يجوز لوجود اللبس، لا تدري من الآخذ ومن المأخوذ التبست الأمور، وإن لم يلبس، الناظم حكى الاتفاق على الجواز، إن لم يلبس أمن اللبس، ابن مالك نقل الإجماع الاتفاق، وإن كان بعضهم يفصل بين الاتفاق والإجماع.

стр. 908

وإن لم يلبس جاز مطلقاً، وقيل: يمتنع مطلقاً، وقيل: إن لم يُعتَقَد القلبُ، وقيل: إن كان نكرة يعني: الثاني، والأول معرفة، هذه أربعة أقوال، ابن مالك يقول: بِاتِّفَاقٍ، والخلاف موجود، هذا مثل الفقهيات هناك، إجماع! وترى المسألة مبثوثة وفيها خلاف سابق. وعلى القول بالجواز، فقال البصريون: إقامة الأول أولى، إذا قيل بالجواز مع أمن اللبس، وهذا هو الظاهر، إذا أمن اللبس نقول: جائز، لكن إذا قيل بالجواز أيهما أولى؟ كسي زيدٌ جبةً، أو كُسي زيداً جبةٌ أيهما أولى أو ذاك؟ قيل: الأول أولى، إقامة الأول أولى، وقيل: إن كان الأول نكرة فإقامته قبيحة، وإن كان معرفتين استويا في الحسن. على كل في مثل هذا الصواب أن يقال: ينظر إلى المعنى، إذ لا ينفك النحو عن البيان، فإذا اقتضى المعنى البياني البلاغي إقامة الأول أقيم، وإن اقتضى المعنى إقامة الثاني أقيم الثاني، ولا نقول يرجح مطلقاً هكذا، لا، وإنما نقول: ينظر إلى المعنى وهذا أجود، لذلك لا انفكاك هذا عن ذاك. وَبِاتِّفَاقٍ قَدْ يَنُوبُ الثَّانِ مِنْ ... بَابِ كَسَا فِيمَا الْتِبَاسُهُ فِيمَا الْتِباسُهُ يعني: في تركيب أمن فيه التباس، فإن لم يؤمن رجعنا للأصل وهو المنع. قال ابن عقيل: إذا بني الفعل المتعدي إلى مفعولين لما لم يسم فاعله، فإما أن يكون من باب أعطى أو من باب ظن. فإن كان من باب أعطى، وهو المراد بهذا البيت، فذكر المصنف أنه يجوز إقامة الأول منهما وكذلك الثاني، يجوز الاثنان. قال: ذكر المصنف: يجوز إقامة الأول منهما، أين ذكره؟ هو يقول: الثَّانِي، وَبِاتِّفَاقٍ قَدْ يَنُوبُ الثَّانِي، ما قال الأول، لكن قلنا هذا بالمفهوم، بالمفهوم دل على أن الأول باتفاق يجوز إنابته، هذا لا خلاف فيه، وكذلك الثاني بالاتفاق، فتقول: كُسِي زيدٌ جبةً، كُسِي فعل ماضٍ مغير الصيغة، وزيدٌ نائب فاعل، وجبةً مفعول الثاني: وزيدٌ تقول: نائب فاعل، لكن في المعنى هو المفعول الأول، وجبة هو المفعول الثاني، فالنظر في المعنى مفعول -في زيد-، والنظر إلى اللفظ والإعراب هو نائب فاعل، مع كون المفعول له حكم المغاير للفاعل من حيث الإعراب، هذا منصوب وهذا مرفوع، هذا فضلة وهذا ليس بفضلة، وحينئذٍ المعنى شيء والإعراب شيء آخر، لا يلزم منهما كل منهما يلزم الآخر لا، قد يتمم المعنى الإعراب وقد يكون العكس. وأُعطي عمروٌ درهماً: أُعطي فعل ماضي مغير الصيغة، وعمروٌ نائب فاعل، ودرهماً مفعول ثاني، وإن شئت أقمت الثاني: أعطي عمراً درهمٌ وكسي زيداً جبةٌ لعدم اللبس، هذا إن لم يحصل لبس بإقامة الثاني، فإذا حصل لبس وجب إقامة الأول: أعطيت زيداً عمراً، هنا يجب أن تقول: أعطي زيدٌ عمراً، ولا يجوز العكس، لا يجوز إقامة الثاني؛ لئلا يحصل لبس؛ لأن كل واحد منهما يصلح أن يكون آخذاً بخلاف الأول. قال: ونقل المصنف الاتفاق (وَبِاتِّفَاقٍ) نقول: نقل الاتفاق هذا فيه نظر، فمذهب الكوفيين منع إقامة الثاني إذا كان نكرة والأول معرفة، وقيل: بالمنع مطلقاً، هذا في الجملة ثلاثة أقوال. فِي بَابِ ظَنَّ وَأَرَى الْمَنْعُ اشْتَهَرْ ... وَلاَ أَرَى مَنْعَاً إِذَا الْقَصْدُ ظَهَرْ

стр. 909

فِي بَابِ ظَنَّ: هذا الباب الثاني، وهو ما إذا تعدى إلى مفعولين، أصلهما المبتدأ والخبر، وكذلك أرى فيما إذا تعدى إلى مفعولين بهمزة النقل وأصلهما المبتدأ والخبر، فحينئذٍ الأول هذا مفعول به حقيقة، والثاني والثالث هما في الأصل مبتدأ وخبر، فالحكم هنا يتعلق ببابين، باب ظن وباب أعلم. الْمَنْعُ اشْتَهَرْ: يعني: المنع في إقامة الثاني اشتهر في البابين مطلقاً، اشتهر عن النحاة. وَلاَ أَرَى مَنْعاً إذَا الْقَصْدُ ظَهَرْ: إذَا الْقَصْدُ ظَهَرْ إذا بان المعنى واتضح، ولم يحصل لبس حينئذٍ لا داعي لأن يقال بالمنع إذ الأصل الجواز، الأصل في باب المفعول به جواز أن يكون نائباً عن الفاعل سواء كان الأول أو الثاني أو الثالث هذا الأصل، يحذف الفاعل فينوب عنه المفعول به، والمفعول به قد يتعدد، حينئذٍ الأصل الجواز، إقامة الأول أو الثاني دون الأول أو العكس أو الثالث، نقول: الأصل الجواز، متى يمنع؟ نقول: إن حصل لبس، إن لم يحصل لبس نرجع إلى الأصل، والأصل بقاء ما كان على ما كان. فِي بَابِ ظَنَّ .. الْمَنْعُ اشْتَهَرْ: الْمَنْعُ مبتدأ واشْتَهَرْ الجملة خبر، وفِي بَابِ ظَنَّ وَأَرَى متعلق به. الْمَنْعُ: من إقامة المفعول الثاني، لا زال الحديث في إقامة المفعول الثاني، وأما الأول هذا سبق بيانه، الأول قلنا: هذا متفق عليه. المنع من إقامة المفعول الثاني اشتهر عن النحاة مطلقاً، سواء أمن اللبس أو لا، قالوا: مطلقاً، لا يجوز إقامة المفعول الثاني في باب ظن، وإن أمن اللبس فلا يجوز عندهم ظُنَّ زيداً قائمٌ، ظننت زيداً قائماً، ظُنَّ زيدٌ قائماً، هذا واجب عندهم، ظُنَّ زيداً قائمٌ لا يجوز حرام -نحواً يعني-. حينئذٍ ظُنَّ زيداً قائمٌ هنا أقيم الثاني مع أمن اللبس، لو قيل: ظُنَّ زيداً عمروٌ قد يقال: بأنه وقع فيه لبس، من الظان ومن المظنون إلى آخره، حينئذٍ نقول: وقع اللبس فيمنع، أما إذا لم يقع لبسٌ ظُنَّ زيداً قائمٌ نقول: الأصل الجواز. فلا يجوز عندهم ظُنَّ زيداً قائمٌ، كذلك في باب أعلم، ولا أُعْلِمَ زيداً فرسك مسرجاً، أعلمتُ زيداً فرسك مسرجاً. إذاً: فِي بَابِ ظَنَّ وَأَرَى الْمَنْعُ اشْتَهَرْ قلنا: هذا اشتهر عن النحاة، وإن أمن اللبس، فلا يجوز عنده: ظُنَّ زيداً قائمٌ، هذا في باب ظن فيما أصله مبتدأ وخبر، وكذلك ولا أُعْلِمَ زيداً فرسك مسرجاً، هنا أقام المفعول الثاني، هذا لا يجوز عندهم، لماذا؟ لأنه مفعول ثاني سيأتي التعليل، وعلى كلام ابن مالك ﵀: وَلاَ أَرَى مَنْعاً إذَا الْقَصْدُ ظَهَرْ: هنا ليس فيه لبس، إذا ظهر المعنى ولم يحصل التباس، حينئذٍ الأصل الجواز، فيجوز إقامة الأول: أُعْلِمَ زيدٌ فرسك مسرجاً، ويجوز إقامة الثاني، ونقل الإجماع على منع الثالث وفيه خلاف. فِي بَابِ ظَنَّ وَأَرَى الْمَنْعُ اشْتَهَرْ: يعني: أن نيابة المفعول الثاني من باب ظن وهو ما هو خبر في الأصل، والمفعول الثاني من باب أرى، -قصد أعلم، لكن ما جاء، هو الأصل أن يعبر بأعلم، لكن ما جاء به الوزن، فجاء بأرى،- وأصله المبتدأ اشتهر منعه عند النحاة.

стр. 910

ووجهه -وجه المنع في باب ظن- أنه خبر في الأصل، والنائب عن الفاعل مخبر عنه فتنافيا، لأن المفعول الثاني خبر في الأصل، هذا في باب ظن: ظُنَّ زيدٌ قائماً، هذا الأصل، ظُنَّ زيداً قائمٌ هذا يمتنع قائمٌ بالرفع؛ لأنه خبر في الأصل، وإذا جعلته نائب فاعل صار مخبراً عنه، كيف الشيء يكون خبراً، وهو مخبر عنه؟ قالوا: هذا تنافٍ فيمنع، وهو اجتهاد. ووجه المنع في باب رأى أن المفعول الأول مفعول به حقيقة، الذي ذكرناه، المفعول الأول: أعلم زيدٌ عمراً فرسه مسرجاً، زيداً الأول هذا نقول: هو مفعول به؛ لأنه كان فاعلاً قبل دخول همزة النقل، الثاني والثالث أصلهما المبتدأ والخبر، حينئذٍ إذا وجد الأول صار الثاني والثالث كوجود الظرف والمصدر مع المفعول؛ لأن الأول مفعول حقيقة، والثاني ليس مفعولاً حقيقة ولا الثالث، فإذا وجدت هذه الثلاثة، حينئذٍ تعين أن يقام الأول، لأنه مفعول به حقيقة، والثاني والثالث منصوبان على أنهما مفعولان أيضاً، لكن الثاني والثالث كالمصدر والظرف مع المفعول، فلا يقام المصدر ولا الظرف مع وجود المفعول به حقيقة، هذه علة المنع عند الجمهور. في باب ظن وباب أرى الْمَنْعُ اشْتَهَرْ: الْمَنْعُ مبتدأ واشْتَهَرْ الجملة خبر، وعرفنا التعليل وجه المنع في باب رأى؛ أن المفعول الأول مفعول به حقيقة، فينزل المفعول الثاني والثالث مع الأول منزلة الظرف والمجرور مع وجود المفعول به فامتنع، كأنه عمم القاعدة: وَلاَ يَنُوبُ بَعْضُ هَذِي إِنْ وُجِدْ ... فِي اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ وَقَدْ يَرِدْ فالحكم يصير حينئذٍ عام. وَلاَ أَرَى مَنْعاً: هنا أطلق الناظم صحة وقوع الثاني نائب فاعل بعد حذفه: وَلاَ أَرَى مَنْعاً، منعاً من ماذا؟ من إقامة الثاني، ثم إقامة الثاني في باب ظن قد يكون جملة، فهل الحكم عام أم أنه خاص بما ليس جملة؟ سبق أن نائب الفاعل لا يكون جملة، كما أن الفاعل لا يكون جملة، ولذلك أُخذ على الناظم الإطلاق هنا قيل: أن إطلاقه يدخل فيه المفعول الثاني في باب ظن إذا كان جملة وليس الأمر كذلك، لابد من التخصيص. وَلاَ أَرَى مَنْعاً: من إقامة الثاني مقام الفاعل إذا حذف، هذا عام، يشمل ماإذا كان جملة وما إذا كان مفرداً، مع أنه يمتنع إقامة الجملة مقام الفاعل، -أخذ على الناظم ذلك-، يشترط لإنابة المفعول الثاني مع أمن اللبس أن لا يكون جملة، فإن كان جملة امتنعت إقامته أو إنابته اتفاقاً.

стр. 911

وَلاَ أَرَى مَنْعاً إذَا الْقَصْدُ ظَهَرْ: فهم من كلامه: أنه لا خلاف في جواز إنابة المفعول الأول في الأبواب الثلاثة كلها كما سبق، الأول في باب كسا، وفي باب ظن، وفي باب أرى، كلها جائزة أن يناب الأول مناب الفاعل، فيكون نائب فاعل ولا إشكال فيه، وقد صرح به في شرح الكافية كما سبق، يعني: أنه إذا كان الفعل متعدياً إلى مفعولين الثاني منهما خبرٌ في الأصل كظن وأخواتها، أو كان متعدياً إلى ثلاثة مفاعيل كأرى وأخواتها، فالأشهر عند النحويين أنه يجب إقامة الأول، سواء كان من باب ظن، أو من باب أعلم وأرى، أما أعلم وأرى واضح أنه مفعول به حقيقة، وأما باب ظن؛ لأنه مبتدأ والمبتدأ مخبر عنه في المعنى، ونائب الفاعل مخبر عنه في المعنى فاتفقا، بخلاف الثاني فهو خبر في الأصل، ونائب الفاعل مخبر عنه، فكيف يكون الشيء خبراً ويكون مخبرٌ عنه! هذا محل نظر. ويمتنع إقامة الثاني في باب ظن، والثاني والثالث في باب أعلم، فتقول: ظُنَّ زيدٌ قائماً، ظُنَّ هذا فعل أمر أو ماضي؟ ماضي، لم لا يكون أمر؟ لا يدخل معنا فعل أمر: فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ قلنا: هناك الفعل ماضي ومضارع فقط، الأمر لا وجود له، وظُنَّ في الصيغة في اللفظ موافق للأمر، موافق ظُنَّ يا زيدُ كذا، وظُنَّ زيدٌ قائمٌ نقول: هذا في اللفظ موافق مثل: خُصَّ. ظُنَّ زيدٌ قائماً، ظُنَّ هذا فعل ماضي مغير الصيغة مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، زيدٌ نائب فاعل وقائماً هذا مفعول ثاني لـ (ظُنَّ)، ولا يجوز أن تقول: ظُنَّ زيداً قائمٌ بإقامة الثاني ونصب الأول هذا غير جائز، لما ذكرناه من علة. أُعلِمَ زيدٌ فرسك مسرجاً هذا أقيم فيه الأول، أعلمت زيداً فرسك مسرجاً، أعلمت زيداً حذفت التاء، أُعلِمَ زيدٌ أقمنا الأول، فرسك مسرجاً: فرسك مفعول ثاني، بقي كما هو ومسرجاً مفعول ثالث بقي كما هو، هذا متعين عند الجمهور، ولا يجوز إقامة الثاني: أُعلِمَ زيداً فرسُك مسرجاً، برفع فرسُك، ونصب زيداً الذي هو المفعول الأول، ونصب مسرج الذي هو المفعول الثالث، هذا لا يجوز عندهم، ولا إقامة الثالث، فتقول: أُعلِمَ زيداً فرسَك مسرجٌ، برفع الثالث هذا غير جائز عند الجمهور، ونقل ابن أبي الربيع الاتفاق على منع إقامة الثالث، ونقل الاتفاق أيضاً ابن المصنف، لكن هذا كله فيه نظر، وذهب قوم منهم المصنف إلى أنه لا يتعين إقامة الأول لا في باب ظن ولا في باب أعلم، لكن يشترط أن لا يحصل لبس، وهذا أصح، في باب النيابة كما ذكرنا حتى في المفاعيل ينظر إلى المعنى، إن كان المفعول الأول إقامته أجود من حيث المعنى البياني البلاغي أقيم، وإن كان الثاني كذلك وإن كان الثالث، لا نكون ظاهريين هكذا، لابد من النظر إلى القاعدة مع المعنى البياني، فتقول: ظُنَّ زيداً قائمٌ وأُعلِمَ زيداً فرسُك مسرجاً، هذا كله جائز.

стр. 912

وأما إقامة الثالث من باب أعلم فنقل الاتفاق على منعه، وليس كما قيل، يعني: أجازه بعضهم حيث لا لبس، وهذا صحيح أيضاً، وأما كونه خبراً .. وإلى آخره، نقول: هذه التعليلات كلها قبل دخول أعلم، فلما دخلت أعلم حصل فيه نوع تغير، وإلا لو كان المعنى قبل دخول أعلم وبعده سيان مستويان من كل وجه لا فائدة من وجود أعلم لا بالهمزة ولا بالفعل نفسه، بل نقول: ثم تغير حصل بعد دخول أعلم وأرى غير المعنى ولو من جهة التمام عما كان عليه سابقاً. فلو حصل لبس تعين إقامة الأول في باب ظن وأعلم، نعم، لو حصل لبس تعين الأول، لابد من ضبطها، لو حصل لبس تعين إقامة الأول في باب ظن وأعلم، كما هو الشأن في باب كسا، فلا تقل: ظُنَّ زيداً عمروٌ، على أن عمروٌ هو المفعول الثاني، ولا أُعلِمَ زيداً خالدٌ منطلقاً، لو غيرت وبدلت: خالداً، وخالدٌ .. إلى آخره، قد يحصل نوع لبس، حينئذٍ إذا حصل اللبس تعين إقامة الأول. فِي بَابِ ظَنَّ وَأَرَى الْمَنْعُ اشْتَهَرْ ... وَلاَ أَرَى مَنْعَاً إِذَا الْقَصْدُ ظَهَرْ هذا النظم قالوا فيه أمور، أولاً: حكاية الإجماع، فالإجماع الاتفاق. الأصل أن الإجماع هو اتفاق، إذاً: أخذنا الاتفاق جنساً في حد الإجماع، كاصطلاح عند الأصوليين الاتفاق هو الإجماع والإجماع هو الاتفاق ولا خلاف بينهم، لكن قد يعبر بعض الفقهاء بكلمة اتفاق على ما اصطلحوا عليه، إما اتفاق أرباب المذهب، إما اتفاق الأصوليين فحسب، إما اتفاق النحاة .. إلى آخره، فيكون أخص من حيث الاصطلاح، أما الحجة الشرعية الذي هو قسيم للكتاب والسنة فالإجماع هو الاتفاق، فإذا قيل: اتفقوا –الفقهاء- بمعنى أجمعوا، وإذا قيل أجمعوا بمعنى اتفقوا فلا فرق بينهما. هنا حكى الاتفاق، وقلنا: المسألة فيها خلاف، قال: وَبِاتِّفَاقٍ، إذاً: نأخذ على النظم أنه حكى الإجماع. ثانياً: عدم اشترط كون الثاني من باب ظن ليس جملة، قال: وَلاَ أَرَى مَنْعاً، وهذا فيه خلل؛ لأنه ولا أرى منعاً من إقامة الثاني مطلقاً ولو كان جملة، وهذا ممنوع باتفاق. الثالث: إيهام أن إقامة الثالث غير جائزة باتفاق، هذه ثلاثة أمور ذكرها للتوضيح مما أخذ على الناظم. وَمَا سِوَى النَّائِبِ مِمَّا عُلِّقَا ... بِالرَّافِعِ النَّصْبُ لَهُ مُحَقَّقَا إذا عرفنا أن الفعل يتعدى إلى مفعولين أو أكثر وأنبنا واحداً من هذه المفاعيل، فما حكم المفاعيل الأخرى؟ قلنا: القاعدة: أن نائب الفاعل جرى مجرى الفاعل، والفاعل لا يتعدد، فكذلك نائب الفاعل لا يتعدد، فإذا قلنا: ظُنَّ زيدٌ، أقمنا الأول، الثاني حكمه واجب النصب، لا نقل: ظُنَّ زيدٌ قائمٌ فحينئذٍ زيدٌ هذا نائب فاعل أول، وقائمٌ نائب فاعل ثاني، لا، يبقى المنصوب على حاله، والعامل فيه ظُنَّ، وأُعْلِمَ، أُعْلِمَ زيدٌ أقمنا الأول، فرسك مسرجة، يبقى الثاني والثالث منصوب، وهذا ليس خاص بالمفاعيل، بل يشمل الظروف والمصادر والمفعول المطلق، كل ما يتعلق به الفعل إذا أقيم نائب الفاعل بقي الباقي على أصله. وَمَا سِوَى النَّائِبِ ممَّا عُلِّقَا ... بِالرَّافِعِ النَّصْبُ لَهُ مُحَقَّقَا

стр. 913

وَمَا هذا اسم موصول بمعنى الذي، والذي سِوَى النَّائِبِ، والذي استقر سِوَى النَّائِبِ، يعني: سوى ذلك النائب، ممَّا هذا متعلق بما تعلق به سِوَى، والذي استقر سوى ذلك النائب ممَّا عُلِّقَا بِالرَّافِعِ، بمعنى عمل فيه الرافع، علقناه بالرافع، ظُنَّ زيدٌ، زيدٌ هذا رفعناه وعلقناه بالعامل وهو ظُنَّ؛ لأن العلقة والارتباط والعمل كل هذه مترادفة، المراد أن هذا المعمول مرتبط بهذا العامل، فزيدٌ بالرفع نقول: هذا له علاقة، وله ارتباط وكونه معمولاً لـ (ظُنَّ)، معاني واحدة، بمعنى أنه قد أثر فيه الرفعَ على أنه نائب فاعل، علق بالعامل، نقول: علقناه بالعامل، بمعنى ماذا؟ أننا أعملنا العامل فيه الرفع، قائماً علقناه بالعامل، بمعنى أننا أحدثنا وأثرنا بالعامل فيه النصبَ، هذا المراد بالتعليق: وَعُلْقَةٌ حَاْصِلَةٌ بِتَابِعِ ... كَعُلْقَةٍ بِنَفْسِ الاِسْمِ الوَاقِعِ وَمَا سِوَى النَّائِبِ ممَّا عُلِّقَا: الألف هذه للإطلاق. عُلِّقَا بِالرَّافِعِ: يعني: علق على جهة كونه مرفوعاً، والعامل حينئذٍ يكون رافعاً وناصباً، ظُنَّ زيدٌ قائماً رفع ونصب، رفع زيد على أنه نائب فاعل، ونصب قائماً على أنه مفعول ثاني له، علقنا نائب الفاعل بـ (ظُنَّ). قال: النَّصْبُ لَهُ مُحَقَّقَا .. سِوَى النَّائِبِ .. النَّصْبُ لَهُ مُحَقَّقَا-: على أصلها، النَّصْبُ هذا مبتدأ، ولَهُ هذا خبره ومُحَقَّقَا الألف هذه بدل عن التنوين، مُحَقَّقَا هذا حال، إما لفظاً إن لم يكن جاراً ومجروراً أو محلاً إن يكن جاراً، كيف هذا؟ لو قلت: ضُرِبَ زيدٌ في داره، ضُرِبَ زيدٌ يوم الجمعةِ، ضُرِبَ زيدٌ، زيدٌ هذا نائب فاعل، يوم الجمعة بقي على أصله، النَّصْبُ لَهُ مُحَقَّقَا، لفظاً أو تقديراً أو محلاً؟ لفظاً، ضُرِبَ زيدٌ يوم الجمعة، علقنا زيد بضرب على أنه نائب فاعل وهو الرافع له -ضُرِبَ-، يومَ نقول: منصوب على الظرفية العامل فيه ضُرِبَ نفسه، إذاً: رفع ونصب، والنصب هنا لفظي، ضُرِبَ زيدٌ في بيته في داره، زيدٌ هذا الرافع له ضُرِبَ، في داره بقي على أصله، وهو كونه في المحل منصوباً؛ لأنه في المعنى مفعول به وقع عليه الفعل، فحينئذٍ نقول: في داره النَّصْبُ لَهُ مُحَقَّقَا لكنه محلاً لا لفظاً. وَمَا سِوَى: مَا هذا اسم موصول بمعنى الذي يعم جميع المنصوبات كالظروف، ظروف الزمان والمكان والحال والتمييز والمفعول معه وله والمصدر، فتقول: أعطي زيدٌ درهماً يوم الجمعة أمام زيدٍ إعطاءً، أعطي زيدٌ: أعطي هذا مغير الصيغة، زيدٌ نائب فاعل، درهماً: مفعول به، الأول أو الثاني؟ الثاني: بقي على أصله منصوب؟ بقي على أصله، يوم الجمعة ظرف زمان، أمام زيدٍ مكان، إعطاءً، هذا مفعول مطلق –مؤكِّد-، حينئذٍ بقي على أصله، و (ما) شمل كل المنصوبات التي تكون في الجملة، فليس خاصاً بالمفعولات. وَمَا سِوَى ذلك النَّائِبِ مرفوع على أنه نائب فاعل، ممَّا عُلِّقَا بِالرَّافِعِ، يعني: الذي جُعل ارتباطه بالرافع له وهو الفعل مغير الصيغة، إن أعطيناه ما يرفعه على أنه نائب فاعل، طلبه على أنه نائب فاعل، ما سواه النَّصْبُ لَهُ مُحَقَّقَا، النَّصْبُ مبتدأ، ومُحَقَّقَا هذا حال من الضمير لَهُ.

стр. 914

حكم المفعول القائم مقام الفاعل، حكم الفاعل، فكما أنه لا يرفع الفعلُ إلا فاعلاً واحداً، كذلك لا يرفع الفعلُ إلا مفعولاً واحداً، الفاعل لا يكون إلا واحداً فالفعل لا يطلب فاعلين، نائب الفاعل أقيم مقام الفاعل، حينئذٍ لا يطلب الفعل نائبين، لأن الأصل واحدٌ لا يتعدد، ولذلك امتنع أن يُرفع ثانٍ مع نائب الفاعل. قال في التوضيح: وغير النائب مما معناه متعلق بالرافع، -وعبارة ابن هشام دقيقة-، وغير النائب مما معناه متعلق بالرافع؛ لأنه قال: ممَّا عُلِّقَا -الإلف للإطلاق- بِالرَّافِعِ، يعني: معناه متعلق بالرافع، طلبه على أنه نائب فاعل. وغير النائب مما معناه متعلق بالرافع واجب نصبه لفظاً إن كان غير جار ومجرور، نحو: ضُرِبَ زيد يوم الخميس أمامك ضرباً شديداً، ومن ثم نصب المفعول الذي لم يُنب في نحو: أُعطِيَ زيد ديناراً، ديناراً بقي على النصب. وأعطي دينارٌ زيداً، أو محلاً إن كان جاراً ومجروراً؛ وعلة ذلك أن الفاعل لا يكون إلا واحداً، فكذلك نائبه. ونقف على هذا. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 915

عناصر الدرس * شرح الترجمة (اشتغال العامل عن المعمول) وحد الإشتغال وأركانه * العامل في الإسم المتقدم (الشغول عنه) ـ * متى يجب نصب الإسم المتقدم؟ * ماى يجب رفع الإسم المتقدم؟ * متى يترجح نصب الإسم المتقدم؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: اشْتِغَالُ العَامِلِ عَنِ المَعْمُولِ. أي: هذا باب بيان اشْتِغَالُ العَامِلِ عَنِ المَعْمُولِ, وهذا المسمى إذا أطلق عند النحاة: باب الاشتغال, والمراد به اشْتِغَالُ العَامِلِ عَنِ المَعْمُولِ. لما أنهى ما يتعلق بالمرفوعات -ذكر العُمد المبتدأ والخبر والنواسخ, وذكر الفاعل ونائب الفاعل-, الأصل فيه أن يشرع في المنصوبات, ثم إذا أنهى المنصوبات سيذكر المجرورات, وهذا الترتيب المعهود عند النحاة. هذا الباب وسط بين المرفوعات والمنصوبات, لذلك سيأتي بعده باب التنازع ثم المفعول المطلق ويسرد المفاعيل, وهذا الباب وسط, لأن فيه حالين: حال رفع وحال نصب. حينئذٍ لما كان مشتملاً على النوعين المرفوعات والمنصوبات ناسب أن يوسطه بين المرفوعات والمنصوبات, باب اشتغال العامل وسطه بين المرفوعات والمنصوبات؛ لأن بعضه من المرفوعات, لأنه سيأتي أنه قد يرفع في بعض الأحوال على أنه مبتدأ، إذاً: له علاقة بالمرفوعات فهو مبتدأ, وبعضه من المنصوبات: (زيداً ضربته) هذا مفعول به، إذاً: هو من المفاعيل. اشْتِغَالُ العَامِلِ عَنِ المَعْمُولِ: المراد بالاشتغال هنا الإعمال, هو أن يُعمَل فِعلٌ في ضمير, ولذلك قال: العَامِلِ والمراد به هنا -العَامِلِ- أي: المشغول, عَنِ المَعْمُولِ: العامل المفسر للعامل في الاسم السابق, (زيداً ضربته) هذا المراد هنا, هذا العامل مفسر للعامل في (زيداً) , زيداً هذا اسم متقدم تلاه فعل, هذا الفعل قد عمل في ضمير يعود على الاسم المتقدم, فيسمى هذا العامل ماذا؟ اشتغل عن المعمول الذي هو الاسم المتقدم, اشتغل بضمير عائد على ذلك الاسم المتقدم. إذاً: اشتغال العامل, عرفنا العامل ما المراد به؟ وهذا سبق معنا أنه ما أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص من رفع أو نصب أو خفض أو جزم, عن المعمول المقصود به هنا المشتغَل عنه, يعني: الاسم المتقدم. حقيقة هذا الباب -قبل أن ندخل في الأبيات- أن يتقدم اسم كما ذكره ابن عقيل: ويتأخر عنه فعل، مثل: (زيداً ضربته) , (زيداً) اسم متقدم, وتأخر عنه فعل وهو (ضرب) , هذا الفعل قد عمل في ضمير ذلك الاسم المتقدم ضربته, أين مرجع الضمير؟ زيد, زيدٌ هو الاسم المتقدم, زيداً ضربته، إذاً: تقدم اسم وتلاه فعل, هذا الفعل متعد ينصب, لابد أنه ينصب, لو كان لازماً لما دخل في الباب معنا, حينئذٍ قد عمل هذا الفعل في ضمير, هذا الضمير يرجع إلى الاسم المتقدم, مثل هذا التركيب: (زيداً ضربته) هو باب الاشتغال بالشروط الآتية, زيداً ضربته.
следующие страницы →