← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36130

شرح ألفية ابن مالك للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (2 939 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

أجيب: بأنه يشمل المبتدأ وغيره، يعني: هذا غير جامع، أجيب: بأن قوله: فإن ظهر في المعنى أنه فاعل باعتبار الشروط السابقة ليس مطلقاً، وحينئذٍ لا بد من التأويل لئلا يتحد جواب الشرط مع فعل الشرط، ولذلك لما هناك في الحديث: ﴿فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ من كانت هجرته إلى الله ورسوله قصداً وعملاً، فهجرته إلى الله ورسوله ثواباً وأجراً، إذاً: اختلفا، لا بد من التقدير؛ لأن جواب الشرط لا يكون عين فعل الشرط، لأن الشيء يكون معلقاً على شيء مغاير لا على نفسه، إن جاء زيد جاء زيد، إن جاء زيد أكرمته، أما: إن جاء زيد جاء زيد، إن جاء عمرو جاء عمرو، نقول: هذا متحد، وحينئذٍ لا بد من المغايرة. فَإنْ ظَهَرْ: يعني وجد في اللفظ ونطق به فهو ذاك، أي: الفاعل الاصطلاحي، مثل قام زيد، نقول: هذا ظهر في اللفظ، قام: فعل ماضي، وزيد: اسم صريح -نُطِق به-، وقام الزيدان، قام الزيدون، قامت هند، قمتُ، نقول: هذا ظهر في اللفظ. وَإلاّ وإن لم يظهر في اللفظ لا بد أن يقدر، لأنه لا ينفك الفعل عن الفاعل، لأن الدلالة عقلية، وهنا اشترك النقل مع العقل، فنقول: الدلالة عقلية لا يمكن أن ينفك الفعل عن فاعل. إن لم يظهر في اللفظ، فََضَمِيرٌ، فهو ضمير مستتر، وَإلاّ وإن لم يظهر في اللفظ، فََضَمِيرٌ، ضمير هذا خبر مبتدأ محذوف، يعني: فهو ضمير. اسْتَتَرْ: هذا صفة له، نحو: قم، نقول: لم يظهر عندنا فاعل، لم ننطق بفاعل، أين الفاعل؟ نقول: هنا أسند الفعل إلى ضمير مستتر، وسبق معنا في أول الكتاب كَلاَمُنَا لَفْظٌ، قلنا: اللفظ هو الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية، قلنا هنا: لا بد أن ندخل الضمائر المستترة من أجل أن نحكم عليها أنها فاعل، نحن لا نحكم على فاعل إلا إذا كان اسماً صريحاً أو مؤول بالصريح، وهذه ليست باسم، فحينئذٍ لا بد من التأويل والتكلف والتعسف حتى ندخل هذه الألفاظ. فـ قم نقول فيه: ضمير مستتر؛ لأنه وإن لم يكن لفظاً منطوقاً به إلا أنه في قوة اللفظ، فهو صَوْتٌ مُصَوَتٌ بالقوة وليس بالفعل، إذ اللفظ منه ما هو أفراد محققة وأفراد مقدرة، هكذا قيل. قم وزيد قام، قام هو، وهند قامت، يعني هي، وحينئذٍ إذا لم يوجد لفظ يصح أن يكون فاعلاً اصطلاحياً لا بد من التقدير، لكن لا بد من التقدير على المواضع السابقة، متى نقول واجب الاستتار ومتى نقول جائز الاستتار ومتى نحكم عليه بأنه ضمير بارز ومتى نحكم عليه بأنه ضمير مستتر! إذاً: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ وَإِلاّ فََضَمِيرٌ اسْتَتَرْ قال الشارح: حكم الفاعل التأخر عن رافعه، وهو الفعل أو شبهه نحو: قام الزيدان، وزيد قائم غلاماه، غلاماه هنا فاعل لقائم، وقام زيد، ولا يجوز تقديمه على رافعه، الزيدان قام لا يصح، ولا الزيدون قام لا يصح، بل لا بد أن تقول: الزيدان قاما بالألف، والزيدون قاموا بالواو، ولا زيد قام على أن يكون زيد فاعلاً مقدماً، بل على أن يكون مبتدأً، التركيب صحيح، لكن من جهة كونه مبتدأً لا فاعلاً. والفعل بعده رافع لضمير مستتر، زيد قام هو، هذا مذهب البصريين.

стр. 842

وأما مذهب الكوفيين فجوزوا تقديم الفاعل على المفعول: مَا لِلجمالِ مَشْيُهَا وَئِيدَاً ... أَجَنْدَلاً يحْمِلْنَ أمْ حَدِيدَا قالوا: هنا قدم الفاعل على عامله: مَشْيُهَا وَئِيدَاً. مَا لِلجمالِ، مَا: اسم استفهام مبتدأ، لِلجمالِ: هذا خبر، مَشْيُهَا: بالرفع، وَئِيداً: هذا حال من الجمال، ما للجمال حالة كونها وئيداً مشيها، فمشيها فاعل لوئيد فعيل، حينئذٍ تقدم على عامله، قالوا: يجوز مطلقاً في جميع التراكيب أن يكون الفاعل مقدماً على عامله، فحينئذٍ قام زيد فعل وفاعل، زيد قام، زيد إما أن يكون فاعلاً، إما أن يكون مبتدأ وخبره ما بعده، فيجوز عندهم وجهان في زيد قام، زيد فاعل مقدم، وقام هذا فعل مؤخر وليس فيه ضمير، وزيد: مبتدأ، وقام: هذا جملة خبر، لأنه مسند إلى ضمير مستتر، فحينئذٍ نقول: الصحيح الذي لا ينبغي التعويل على غيره أنه لا يجوز أن يتقدم الفاعل على عامله، لأنه يؤدي إلى اللبس، هل هذا مبتدأ أو فاعل! لأن ثَمَّ فرقاً عند النحاة وغيرهم بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية، الجملة الفعلية تدل على التجدد والحدوث، وأما الجملة الاسمية فتدل على الثبوت والاستمرار. إذاً: لا يمكن أن يجوَّز الأمران ثم نقول اعرب ما شئت أو اعتقد ما شئت، هذا مبتدأ أو فاعل. وأما ما استدلوا به: مَشْيُهَا وَئِيدَاً هذا سهل تأويله: ما للجمال وئيداً مشيها، ما للجمال نقول: وئيداً مشيها، مشيها هذا مبتدأ، ما دام أنه مرفوع نجوز أنه مبتدأ، وئيداً هذا حال من الخبر المحذوف، مشيها ثابت أو ثبت وئيداً أو يكون أو يوجد، قدر له ما شئت، فوئيداً حال من الفاعل المستتر في الخبر المحذوف. مَشْيُهَا: كائن أو ثابت وئيداً، أو وجد وئيداً، لا إشكال، وحينئذٍ هو حال من فاعل الخبر المحذوف، التقدير: مشيها يكون أو يثبت وئيداً، إذاً جاز تأويله، هذا المراد، جاز تأويله على وجه صحيح، وحينئذٍ لا يتعين أن يكون فاعلاً مقدماً، نعم لو جيء بأمثلة لا يجوز فيها إلا أن يكون فاعلاً له شأن آخر، وأما إذا أمكن التأويل فحينئذٍ نرجع إلى التأويل، لأنه لا يمكن أن ننظر في القرآن من أوله إلى آخره والسنة وما ورد في أشعار العرب كلها العامل مقدم والفاعل مؤخر، ثم العقل والنظر يقتضي ذلك، ونأتي بمثل هذا البيت والبيتين والثلاثة ثم ننسف هذه القاعدة من أصلها. إذاً نقول: الصواب أنه لا يجوز تقدم الفاعل على عامله. واستدل البصريون على أنه لا يجوز تقديم الفاعل على فعله بوجهين: أحدهما: أن الفعل وفاعله كجزئي الكلمة الواحدة كما ذكرناه سابقاً. وثانيهما: أن تقديم الفاعل يوقع في اللبس بينه وبين المبتدأ، إذ فرق بين الجملة الاسمية ودلالتها والجملة الفعلية ودلالتها. وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ وَإِلاَّ فََضَمِيرٌ اسْتَتَرْ

стр. 843

هل ثَمَّ قسم ثالث من أنواع الفاعل؟ بعضهم رأى أن ثَمَّ قسماً ثالثاً وهو الفاعل المحذوف، بعض التراكيب قلنا: يحذف منها الفاعل وجوباً، لا يجوز ذكر الفاعل معها البتة، وحينئذٍ هل هو قسم ثالث أم لا؟ من نظر إلى لسان العرب من حيث الوضع: الأصل في كل فعل أن يكون له فاعل حينئذٍ يصير هذا الحذف عرضاً، والتأصيل والتقعيد إنما يكون بالأصول لا بالفروع. هذا أولاً. ثانياً: ينظر إلى أن الفاعل الذي حذف لعلة والمحذوف لعلة كالثابت بأنه موجود، وحينئذٍ يدخل في قوله: بَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ، يعني ما حذف لعلة تصريفية كالواو من: "لَتُبْلَوُنَّ" أو "تَرَيِنَّ" الياء، وحينئذٍ نقول: هذا داخل في قوله: بَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ، وهذا لا إشكال فيه. وأما: (أَتَاَكَ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ)، حينئذٍ نقول: أتاكِ لا فاعل له، هل هو بأصل الوضع أم بطروء عليه؟ الثاني. لو قلت: أتاكَ لا بد من فاعل: أتاك زيد، نقول: هذا فعل اقتضى فاعلاً، إذاً: في هذا التركيب على جهة الخصوص لكونه مؤكداً، والفعل المؤكد لم يقصد فيه الإسناد أصالة، ما قصد فيه الإسناد، وإنما قصد فيه تأكيد المعنى الذي دل عليه الفعل السابق، وحينئذٍ نقول: القسمة ثنائية: فعل ظاهر وفعل مستتر. لم يذكر الناظم القسم الثالث وهو الفاعل المحذوف لندرته ولا حكم له، وكلها قابلة للنقاش، يعني ما قيل فيها أنها محذوفة، وسيأتي شيء منها. وتظهر فائدة الخلاف في غير الصورة الأخيرة وهي صورة الإفراد، نحو: زيد قام، فتقول على مذهب الكوفيين: الزيدان قام بالإفراد، ما تقول: قاما بالألف، وعلى مذهب البصريين: الزيدان قاما بالألف، والزيدون قاموا، وأما مذهب الكوفيين لا، الزيدان قام، والزيدون قام، -حتى أنها ركيكة-. الزيدون هذا فاعل مقدم، وقام: هذا فعل مؤخر، وهذا ما يتحد. وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا ... لاِثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَفَازَ الشُّهَدَا وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا ... وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ أشرنا إلى هذه المسألة في كلامنا على المبتدأ الذي هو النوع الثاني، أن الأصل في الفعل أن يجرد عن علامة تدل على تثنية الفاعل أو جمعه، فتقول: قام زيد، زيد هذا فاعل وهو مفرد، وإذا ثني الفاعل بقي الفعل على إفراده كما هو، لأن الحدث واحد، الجنس واحد، قام الزيدان، فالزيدان قد اشتركا في إحداث قيام وهو شيء واحد دل عليه لفظ قام، وليس هما قيامين حتى نحتاج إلى تثنية قاما وإنما هو شيء واحد، فيلزم الإفراد مع الفاعل المثنى، فتقول: قام –بالإفراد- الزيدان كما تقول: قام زيد.

стр. 844

وكذلك إذا أسند الفعل إلى فاعل جمعاً وهو: قام الزيدون، الزيدون هذا فاعل وهو جمع، لا تقل: قاموا الزيدون إشارة إلى أن الفاعل جمع، لا، وإنما يلزم الإفراد، هذا هو اللغة السائدة في لسان العرب: أنه إذا أسند الفعل إلى فاعل مثنىً أو جمعاً وجب تجريد الفعل من علامة تدل على التثنية أو على الجمع، وهذا يفارق ما إذا أسند الفعل إلى فاعل مؤنث، وحينئذٍ يلزمه وجوباً أو جوازاً -كما سيأتي- أن يتصل بالفعل علامة تدل على تأنيث الفاعل، قامت هند، هند: فاعل وهو مؤنث، حينئذٍ اتصل بالفعل علامة تدل على تأنيث الفاعل، هل مثله إذا كان الفاعل مثنى يتصل بالفعل علامة تدل على أنه مثنى مثل التاء، وإذا كان الفعل جمعاً اتصل بالفعل علامة تدل على أنه جمع؟ لا، ليس هما سيان. أولاً: لأن إلحاق التاء بالفعل لغة عامة سائدة في لسان العرب، فليست هي لغة خاصة بفرد أو قبيلة أو نحو ذلك. ثم أن الزيدان والزيدون يدل على التثنية بذاته، فلا لبس، أما هند فهذا قدر مشترك بين المذكر والمؤنث، يعني علم لمذكر وهو علم لمؤنث، وحينئذٍ إذا قيل: قام هند وأردت به المؤنث حصل لبس، وكلما حصل لبس لا بد من دفعه في لسان العرب، فثمَّ فرق بين إلحاق الفعل تاءً تدل على تأنيث الفاعل فيما إذا كان الفاعل مؤنثاً، وبين أن يلحق الفعل علامة تثنية تدل على تثنية الفاعل أو جمع تدل على جمع الفاعل، ففرق بين هذا وذاك. ثم أمر ثالث: وهو أن تأنيث الفعل قد يكون واجباً -في بعض الصور-، قد يكون التأنيث واجباً وذلك إذا كان الفاعل مؤنثاً تأنيثاً حقيقياً ولم يفصل بينه وبين عامله بفاصل، حضرت هند، قامت هند، هذا واجب ليس بجائز. وأما لغةُ من ألحق علامة التثنية فهو جائز، يجوز عندهم: قاما الزيدان وقام الزيدان، ويجوز عندهم: قاموا الزيدون وقاما الزيدون، وحينئذٍ فرق بين ما وجب وبين ما جاز، هذه المسألة أشار إليها بقوله: وَجَرِّدِ الْفِعْلَ، جَرِّدِيعني: عرِّه ولا تلحقه علامة تثنية ولا علامة جمع. وَجَرِّدِ الْفِعْلَ: الذي هو عامل في الفاعل، وهل الوصف مثله؟ هل الوصف مثله إذا رفع فاعلاً، أقائم الزيدان، مثله؟ نعم. إذاً خص الفعل لماذا؟ لكونه أصلاً، ومثله الوصف الرافع لفاعل، ولذلك سبق معنا: وَالثَّانِ مُبْتَدَاً وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ ... إِنْ فِي سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقَاً اسْتَقَرّْ احترازاً من هذه المسألة: أقائمان الزيدان، الثاني مبتدأ والأول خبر، لماذا؟ لئلا يلحق بالوصف وهو عامل في الفاعل علامة تدل على التثنية، ومثله: أقائمون الزيدون. وَجَرِّدِ الْفِعْلَ: عرِّه الْفِعْلَ وما عمل عمله أو ما جرى مجراه، جرده من ماذا؟ من علامة التثنية والجمع، لا تلحقه علامة وهي حرف يدل على التثنية، أو حرف يدل على الجمع، متى؟ إذَا مَا أُسْنِدَا لاِثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ: إذَا أُسْنِدَا، مَا: هذه زائدة. يا طالبا خذ فائدة ** بعد إذا (ما) زائدة إذَا مَا أُسْنِدَا: الألف للإطلاق. لاِثْنَيْنِ: يعني لفاعل مثنى يدل على اثنين. أَوْ جَمْعٍ: أو فاعل يدل على جمع.

стр. 845

كَفَازَ الشُّهَدَا: فاز الشهداء، نقول: فاز هذا مفرد، فاز زيد وفاز الشهيدان وفاز الشهداء، الفعل واحد مفرد في الجميع سواء كان مفرداً الفاعل أو مثنىً أو جمعاً ((قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ)) [المائدة:٢٣]، ((وَقَالَ الظَّالِمُونَ)) [الفرقان:٨]، ((وَقَالَ نِسْوَةٌ)) [يوسف:٣٠] كلها في القرآن، فدل على أن إفراد الفعل مع كون الفاعل متعدد سواء كان مثنىً أو جمعاً، هذا هو اللغة الفصحى وعليه التعويل. وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا ... وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ وَقَدْ: للتقليل، قليل، سمع في طي وغيرها أنهم يلحقون الفعل علامة تثنية إذا كان الفاعل مثنى وعلامة جمع إذا كان الفاعل جمعاً، فيقولون: قاما الزيدان، قام: فعل ماض، والألف حرف تثنية مبني على السكون لا محل له من الإعراب، لا تعربه فاعل، والزيدان: فاعل. قاموا الزيدون، قاموا، قام: فعل ماضي مبني على الفتح المقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة، مناسبة الضمير أو حرف الجمع؟ حرف الجمع، هذا تزيده هناك في الفعل الماضي. والواو هذا حرف دال على الجمع مبني على السكون لا محل له من الإعراب، ليس هو الفاعل، وإنما هو مثل: قامت –التاء-. قاموا الزيدون، فالزيدون هذا فاعل يعتبر عند من نطق بهذا التركيب. وَقَدْ يُقَالُ: وهي لغة قليلة، سَعِدَا هذا نائب فاعل لـ: يقال، بناه للمجهول، لأنها لغة قليلة، ولذلك دل عليها بقوله: قد. وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا ... وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ قَدْ يُقَالُ: سَعِدَا الشهيدان، ووَسَعِدوا الشهداء مع الجمع ومع التثنية، يلحق علامة تثنية وعلامة جمع، لكن ليس مطلقاً وإنما قيده: وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ. يعني: هذه اللغة القليلة لها صورتان: في اللفظ واحدة، وفي التقدير مختلفتان، إذا قلت: قاما الزيدان، ثَمَّ صورة مشتهرة شهيرة، وثَمَّ صورة هي لغة قليلة رديئة، بالنظر إلى الألف هذه: قاما الزيدان، إن جعلتها حرفاً ليست بضمير فحينئذٍ أسندتَ قاما إلى الزيدان، هذا هو الذي أشار إليه الناظم بأنه لغة قليلة، وأنه مخالف للفصيح المشتهر في لسان العرب، متى؟ إذا أسندت الفعل إلى الاسم الظاهر الزيدان، وحينئذٍ لا يكون للفعل فاعلان، إذا قلت بأن الفاعل هو الزيدان امتنع أن يكون الألف فاعل قطعاً، الفاعل له واحد، فحينئذٍ قاما الزيدان إذا أسند الفعل للاسم الظاهر امتنع جعل الألف -ألف التثنية- فاعلاً، ولك صورة أخرى أن تقول: قاما الزيدان، قاما قام: فعل أسند إلى الألف وحينئذٍ صارت ضميراً اسماً فاعلاً، والزيدان صار مبتدأً مؤخراً ليس هو الفاعل، ففَصلتَ بين قام والزيدان، جعلتَ قام مسنداً إلى الألف، تقول: الزيدان قاما هذه الألف فاعل ضمير، لك في مثل هذا التركيب قاما الزيدان أن تجعل الألف هذه ضميراً، فإذا جعلتها ضميراً أعربتها فاعل، وحينئذٍ استوفى قاما فاعله وبقي الزيدان منفصل، وإذا انفصل حينئذٍ له توجيهان في الإعراب: إما أن يكون بدلاً من الألف من الضمير، وإما أن يكون مبتدأً مؤخراً، وجملة قاما في محل رفع خبر مقدم، ولذلك اللغة الرديئة ليست بإسناد قاما إلى الألف، وإنما قيدها بقوله:

стр. 846

وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ لا زال مسنداً مع إلحاق الفعل علامة التثنية، وإلحاق الفعل علامة جمع، وحينئذٍ القلة هنا ومخالفة الفصيح ليس بالتركيب نفسه، وإنما بإسناد قام إلى الاسم الظاهر مع كونه ملحقاً بألف التثنية. وَجَرِّدِ الْفِعْلَ: من علامة التثنية. إذَا مَا أُسْنِدَا: الألف للإطلاق. لاِثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَفَازَ الشُّهَدَا فَازَ الشهيدان وفَازَ الشُّهَدَا، وقد يقال في لغة قليلة: سعدا الزيدان أو الشهيدان بالألف، يعني لم يجرد من ألف التثنية مع كونه مسنداً إلى الاسم الظاهر، وكذلك: سعدوا الزيدون أو الشهداء مع كون الفعل مسنداً إلى الاسم الظاهر، وبين هذا بقوله: وَالْفِعْلُ الواو هذه واو الحال وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ مُسْنَدُ: وَالْفِعْلُ مُسْنَدٌ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ يعني: لا زال، بَعْدُ، ما إعرابها؟ متعلق بماذا؟ بَعْدُ متعلق بـ: مُسْنَدُ، مُسْنَدُ بعد، يعني لا زال أنه مسند للاسم الظاهر، هذا الذي يعتبر لغة قليلة. مذهب جمهور العرب أنه إذا أسند الفعل إلى ظاهر مثنى أو مجموع وجب تجريده من علامة تدل على التثنية أو الجمع، فيكون كحاله إذا أسند إلى مفرد، فتقول: قام الزيدان وقام الزيدون وقامت الهندات كما تقول: قام الزيدون، لا فرق بين الإسناد إلى المفرد وإلى المثنى وإلى الجمع باعتبار الفعل نفسه. ولا تقول -على مذهب هؤلاء-: قاما الزيدان ولا قاموا الزيدون ولا قمن الهندات، فتأتي بعلامة في الفعل الرافع للظاهر على أن يكون ما بعد الفعل مرفوعاً به، وما اتصل بالفعل من الألف والواو والنون حروف تدل على تثنية الفاعل أو جمعه بل على أن يكون الاسم الظاهر مبتدأً مؤخراً والفعل متقدم، وما اتصل به اسماً في موضع رفع به، والجملة في موضع رفع خبراً عن الاسم المتأخر. ويحتمل وجهاً آخر: هو أن يكون ما اتصل بالفعل مرفوعاً به فاعل يعني، وما بعده بدل الذي هو الزيدان، هذا وجه ولا بأس به. ومذهب طائفة من العرب وهم بنو الحارث بن كعب ونسب إلى طيء كذلك: أن الفعل إذا أسند إلى الظاهر مثنى أو مجموع أتي فيه بعلامة تدل على التثنية أو الجمع، فتقول: قاما الزيدان وقاموا الزيدون وقمن الهندات، فتكون الألف والواو والنون حروف تدل على التثنية والجمع، كما كانت التاء في: قامت هند، حرف تدل على التأنيث عند جميع العرب. والاسم الذي بعد الفعل المذكور مرفوع به كما ارتفعت هند بقامت، ومن ذلك قوله: تَوَلّى قِتَالَ المَارِقِينَ بِنَفْسِهِ ... وَقَدْ أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ: الألف هذه ألف التثنية حرف، ومُبْعَدٌ وَحَمِيمُ، مُبْعَدٌ: هذا فاعل. والأصل أن يقول القياس: وقد أسلمه مبعد، فهذه اللغة لا تمنع مع المفردين أو المفردات المخاطبة.

стр. 847

هنا إشكال في الاستدلال بهذا البيت، نحن نقول: إذا أسند الفعل إلى مثنى، وحينئذٍ: قَدْ أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ، وحميم هذا ليس فاعلاً اصطلاحاً، أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ كأنه قال: قام زيد، حينئذٍ أسند إلى مفرد، والنحاة إنما يذكرون إذا أسند الفعل إلى مثنىً، هل مرادهم المثنى الاصطلاحي أو ما هو أعم من ذلك؟ لا، مرادهم الاصطلاحي، مراد النحاة المثنى الاصطلاحي، لكن إذا استدلوا على هذه اللغة أتوا بهذا البيت: أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ، وهذا فيه إشكال من حيث إن الفعل مسند إلى مفرد. وأما من حيث المعنى فحينئذٍ المعطوف والمعطوف عليه في قوة الاثنين، ولذلك قلنا: أصل المثنى الزيدان جاء زيد وزيد، هذا الأصل، فاختصاراً قيل الزيدان؛ لما ذكرناه سابقاً. أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ، وحينئذٍ ألحق بالفعل علامة تدل على التثنية، والفاعل مركب من جهة المعنى لا من جهة الاصطلاح، وحينئذٍ إذا أسند الفعل إلى مثنىً اصطلاحاً أو معنىً ألحقت هذه اللغة بالفعل علامة تثنية، ليس خاصاً بالمثنى فقط، لاِثْنَيْنِ قال: لاِثْنَيْنِ، المراد المثنى هذا الذي عليه أكثر الشراح وكتب النحو، ولذلك يمثلون: قام الزيدان، وأما أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ فليس مطابقاً لما ذكر. تَوَلَّى قِتَالَ المَارِقِينَ بِنَفْسِهِ ... وَقَدْ أَسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ (يَلُومُونَنيِ فيِ اشْتِراءِ النَّخِيلِ أَهْلىِ ... ) يلومونني: الواو هذه علامة جمع، وأَهْلىِ هو الفاعل، حرف يدل على الجمع. (رَأَيْنَ الْغَوَانِي ... )، رَأَيْنَ النون هذه نون الإناث، والْغَوَانِي: هذا فاعل، حرف يدل على جمع الإناث. قال: فـ: مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ مرفوعان بقوله: أَسْلَمَاهُ، وهذا يدل على ما ذكرناه، وإن كان أكثر النحاة على غير ذلك. مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ: مرفوعان بقوله: أَسْلَمَاهُ، ليس هو فاعل اصطلاحاً، وإنما الأول مرفوع بـ: أسلما، والثاني معطوف عليه، وفي المعنى هو فاعل، كما قلنا في باب ضارب، قلنا: أحدهما فاعل اصطلاحاً والثاني فاعل معنىً لغةً، ضارب زيد عمراً، هذه تدل على المفاعلة مشاركة، ضارب زيد عمراً، المشاركة تقتضي أن كلاً من زيد وعمرو ضارب ومضروب، ما تقع المضاربة إلا هكذا، ضارب زيد فزيد هذا فاعل اصطلاحاً، وهو مفعول لأنه وقع عليه شيء من الضرب، وعمراً هذا مفعول وقع عليه وهو ضارب أيضاً، إذاً كلاً منهما إما فاعل اصطلاحاً وهو مفعول به في المعنى، وكذلك قد يكون مفعولاً به في الاصطلاح وهو فاعل في المعنى، هذا مثله: مُبْعَدٌ وَحَمِيمُ كلاهما فاعل، لكن لغة ليس اصطلاحاً، وأما الاصطلاح فهو خاص بالأول. وإنما قال: وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ لينبه على أن مثل هذا التركيب إنما يكون قليلاً إذا جعلت الفعل مسنداً إلى الظاهر الذي بعده، وأما إذا جعلته مسنداً إلى المتصل به من الألف والواو والنون وجعلت الظاهر مبتدأ أو بدل من الضمير فلا يكون ذلك قليلاً بل هو مشهور. وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا ... كَمِثْلِ: زَيْدٌ فِي جَوَابِ: مَنْ قَرَا

стр. 848

قلنا: يحذف الفاعل كما سبق وكذلك يحذف الفعل، وهل يحذفان معاً؟ لا يمكن أن يحذفان معاً أبداً، وإنما يحذف الفاعل فقط، والأصل ذكره، ولذلك تُعَدُّ المواضع التي يحذف فيها الفاعل، وذكرها بعضهم أنها خمسة. أولاً: لا يجوز حذف الفاعل بل يجب ذكره، وعليه البصريون، وذهب الكسائي إلى جواز حذف الفاعل لدليل كالمبتدأ والخبر، ويستثنى مواضع يجوز فيها حذف الفاعل، ... أولاً: مع رافعه تبعاً له، من باب التبعية. إذاً: قد يحذفان معاً. إذا قيل: من ضربت؟ زيداً، زيداً مفعول به لفعل محذوف، تقديره: ضربتُ، إذاً حذفت الفعل مع فاعله، إذاً قد يحذف أو لا؟ نقول: قد يحذف مع رافعه تبعاً له، زيداً لمن قال: من ضربت؟ ثانياً: فاعل المصدر: ((أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ)) [البلد:١٤] ((يَتِيمًا)) إطعامه يحذف هذا. الثالث: المؤكد بالنون كما ذكرناه: "لَتُبْلَوُنَّ" فاعل فعل اثنين مؤنث أو الجماعة. ((فَإِمَّا تَرَيْنَ)) [مريم:٢٦] الفاعل محذوف هنا، أو إذا حذف للتخلص من التقاء الساكنين. كذلك نقول أيضاً: الاستثناء المفرغ، ما قام أحد إلا زيد، وهذا من المواضع التي يحذف فيها الفاعل. كذلك التعجب في نحو: ((أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ)) [مريم:٣٨] أَبْصِرْ بهم حذف الثاني لدلالة الأول عليه، الذي على صورة الأمر إذا كان معطوفاً على مثله. كذلك فاعل الأفعال المكفوفة بـ (ما)، طالما، قلما، كثر ما، المشهور عند النحاة أنها ليس لها فاعل، كفت بـ (ما) لا تطلب فاعلاً، وذهب بعضهم -وهو أقيس- أن (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر. إذاً: يحذف متى؟ مع رافعه -تبعاً لرافعه-. ثانياً: فاعل المصدر. ثالثاً: المؤكد أو التخلص من التقاء الساكنين. رابعاً: الاستثناء. خامساً: التعجب. سادساً: فاعل الأفعال المكفوفة. قال: وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا بمعنى: أن الفاعل قد يلفظ دون عامله، وهذا قد يكون جائزاً وقد يكون واجباً، وأشار إليه بقوله: أُضْمِرَا، فـ أُضْمِرَا هنا استعمله بمعنى المحذوف، وهذا كما سبق في قوله: اسْتَكَنْ: وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ اسْتَكَنْ هناك مجاز عن الحذف، هنا أُضْمِرَا الأصل فيه أنه يكون مستتراً، هذا الاستتار هو الإضمار، وحينئذٍ نقول: أراد بالإضمار هنا الحذف، ثم قد يكون هذا الحذف جائزاً وقد يكون واجباً. وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا أي: حذف إما جوازاً وإما وجوباً، ومثل للجواز بقوله: كَمِثْلِ: زَيْدٌ فِي جَوَابِ مَنْ قَرَا؟ مَنْ قَرَأ؟ زيد، من صلى اليوم؟ محمد، فنقول: محمد هذا فاعل لفعل محذوف تقديره: صلى محمد.

стр. 849

من قرأ؟ زيد، زيد قرأ. ومراد المصنف هنا المثال فقط، يعني يجوز أن يعرب زيد في هذا المثال فِي جَوَابِ مَنْ قَرَا فاعلاً، مع كونه مرجوحاً، والأرجح أن يعرب مبتدأً؛ لأن الأصل في الجواب أن يكون مطابقاً للسؤال، فإذا قدرت اسماً من عندك مثلاً (زيد) يحتمل أنه مبتدأ وفاعل، انظر في السؤال هل هو جملة فعلية أو جملة اسمية! لا بد أن يكون الجواب مطابقاً له، إن كان جملة فعلية قدرت فعلاً صار فاعلاً، وإن كان جملة اسمية قدرته مبتدأً حذف خبره، وحينئذٍ: من قرأ؟ قرأ من؟ من قرأ؟ من: مبتدأ اسم استفهام، وقرأ: خبر، زيد قرأ، هذا التقدير، هذا أفصح، زيد قرأ، فزيد مبتدأ، هذا أرجح. وَالشَّأنُ لاَ يُعتَرَضُ المِثَالُ ... إِذْ قَدْ كَفَى الفَرضُ والاِحتِمَالُ والشَّأنُ والحال عند أرباب التصنيف والعلم لاَ يُعتَرَضُ المِثَالُ، إذ قد يكفي الفرض والاحتمال، إِذْ قَدْ كَفَى الفَرضُ والاحتِمَالُ، ما دام أنه محتمل لأن يعرب فاعلاً فلا بأس، لكن نبين فقط. وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا ... كَمِثْلِ: زَيْدٌ فِي جَوَابِ سائلٍ مَنْ قَرَا؟ وكذلك في جواب نفي: ما حضر أحد، بلى زيد، ما حضر أحد اليوم، بلى محمد، فمحمد هنا فاعل وهو وقع في جواب نفي، وكذلك في جواب استفهام محقق، مثل: هل قام زيد؟ قام زيد نعم، من الذي قام؟ زيد، زيد ماذا يكون هنا مبتدأ أو فاعل؟ من الذي قام؟ هذا مثل من قرأ. وأيضاً في الاستفهام المقدر: ((رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ)) [النور:٣٧] رِجَالٌ، قالوا: هذا الأفصح فيه أن يعرب فاعلاً لفعل محذوف. ((يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ)) [النور: ٣٦، ٣٧] يُسَبَّحُ على قراءة البناء للمفعول، ((يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ)) كأنه قال: من المسبِّح؟ قال: رِجَالٌ، على ما ذهب إليه الناظم، فلا يصح جعل رجال نائب فاعل لأنهم مسبِّحون لا مسبَّحون، يُسبَّح له، رجال، رجال لا يصلح أن يكون نائب فاعل؛ لأنهم مسبِّحون، هم الفاعلون، وأما مسبَّحون هذا ليس هو شأن الرجال. إذاً: رجال فاعل لفعل محذوف دل عليه استفهام مقدر، دل عليه: ((يُسَبَّحُ لَهُ)) فقال قائل: من يسبح له؟ فقال: رجال، أي: يسبح رجال. إذا دل دليل على الفعل جاز حذفه، وهذه قاعدة عامة كما ذكرناه ولا نحتاج أن نعيدها دائماً، ما لا يدل عليه دليل الأصل لا يجوز حذفه إلا ما يستثنى.

стр. 850

إذا دل دليل على الفعل جاز حذفه وإبقاء فاعله، كما إذا قيل لك: من قرأ؟ تقول: زيد، التقدير: قرأ زيد، وقد يحذف الفعل وجوباً إذا فسر بـ (ما) بعد الفاعل من فعل مسند إلى ضميره أو ملابسه، إذا فسر بما بعد الفاعل من فعل مسند إلى ضميره، مثل ماذا؟ ((وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ)) [التوبة:٦]، ((إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)) [الانشقاق:١]. إذا وقع الاسم بعد (إن) الشرطية أو (إذا) الشرطية فحينئذٍ يتعين أن يكون ما بعدها فاعل، والذي دل على ذلك المفسِّر بعده مع أن (إن) الشرطية و (إذا) الشرطية لا يليهما الجملة الاسمية البتة، وإنما لا يليهما إلا الفعل، فإذا وجد في التركيب ما قد تبع أو جاء تالياً لـ (إن) الشرطية أو (إذا) حينئذٍ لزم أن نعرب الاسم مبتدأ وما بعده خبر، وعلى مذهب الكوفيين من جواز تقدم الفاعل على فعله يجوز عندهم أن يعرب مبتدأً، ويجوز أن يعرب فاعل، وهو مرجح. ((وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ)) اسْتَجَارَكَ أَحَدٌ، حينئذٍ أَحَدٌ هذا يصلح أن يكون فاعلاً لقوله: ((اسْتَجَارَكَ))، وعلى القاعدة: يجوز تقديم الفاعل على عامله، إذاً: إِنْ أَحَدٌ، أَحَدٌ هذا فاعل بناءً على القاعدة السابقة: مَشْيُهَا وَئِيدَاً، وحينئذٍ نقول: أَحَدٌ هذا فاعل، وإذا أعرب فاعل حينئذٍ لم يتلو (إن) اسم، وإنما تلاه فعل، هذا هو الأصل، إذاً: وافق الكوفيون البصريين في أن (إن) لا يليها إلا الفعل، ولكن لجواز أن يقدم الفاعل على الفعل أعربوا أَحَدٌ أنه فاعل. إذاً النتيجة: أن (إن) هنا لا يليها إلا الفعل، وخالفناهم في صحة القاعدة والاستدلال، لما امتنع أن يكون أَحَدٌ فاعلاً عند البصريين، إذاً لا بد من تقدير فعل محذوف، هذا الفعل ما حكمه، جائز الحذف أم واجب الحذف؟ واجب الحذف، لماذا؟ لأن الذي دل عليه الملفوظ، ولذلك قلنا في الضابط: إذا فسر بما بعد الفاعل من فعل مسند إلى ضميره أو ملابسه، هذا هو الذي دلنا على الفعل المحذوف، هو الذي فسره، فإذا قدرناه امتنع أن يجمع بين المفسِّر والمفسَّر فصار واجب الحذف. وَإِنْ أَحَدٌ، (وإن استجارك أحد من المشركين استجارك)، هذا التركيب، لكن لا يفصح به إلا في مقام التعليم، وأما عند الإعراب فلا، غلط، فلا تقل: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك لا، لأنه لا يجمع بين الجملتين، استجارك واستجارك لا يجمع بينهما إلا في مقام التعليم، وحينئذٍ: استجارك الملفوظ به الموجود في الآية دل على استجارك المحذوف، ولما امتنع الجمع بينهما حينئذٍ صار حذفه واجباً. ((إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)) [الانشقاق:١] السَّمَاءُ على مذهب الكوفيين فاعل للفعل المتأخر انشَقَّتْ ولا إشكال. إذاً: ((إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)) أصلها: إذا انشقت السماء، إذاً لم يتل إذا إلا فعل، عند البصريين لا، إذا انشقت السماء انشقت، صار واجب الحذف لماذا؟ لأنه لا يجمع بين المفسِّر والمفسَّر، هذان قولان متقابلان.

стр. 851

وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أنه يجوز أن يكون التالي لـ (إن) و (إذا) مبتدأً، جوز أن يكون السَّمَاءُ وأَحَدٌ مبتدأ، وما بعده خبره له، وإِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ، إِذَا السَّمَاءُ: مبتدأ، وانشَقَّتْ: الجملة في محل رفع خبر، وهذا ليس بجيد، ولذلك اتفق البصريون والكوفيون على أنه لا يلي هذين الشرطيين (إن وإذا) إلا الفعل. إذاً قوله: وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا ... كَمِثْلِ: زَيْدٌ فِي جَوَابِ: مَنْ قَرَا؟ أراد أن الرافع للفاعل قد يكون محذوفاً جوازاً إذ دل عليه دليل، وكذلك وجوباً. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 852

عناصر الدرس * تأنيث عامله وحكم التأنيث * إتصال الفاعل بعامله. وصور وجوب الإتصال * متى يجب تقديم المفعول على الفاعل. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: لا زال الحديث في باب الفاعل، وقد عنون له الناظم رحمه الله تعالى بقوله: الفاعل. وقد ذكر رحمه الله تعالى الحدَّ بالمثال كما ذكرناه سابقاً في قوله: الْفَاعِلُ الَّذِي كَمَرْفُوعَيْ أَتَى ... زَيْدٌ مُنِيراً وَجْهُهُ نِعْمَ الْفَتَى وحقيقة الفاعل أُخذت من المثال، وهذه طريقة الناظم رحمه الله تعالى؛ يعرِّف بالمثال، وهو مُعْتَبَر عند المتقدمين أنهم يعرِّفون الشيء بالمثال، ولذلك قال سيبويه: الاسم كـ: زيد والفعل كـ: قام والحرف كـ (إذا)، عرَّفه بالمثال، وهذا لا بأس. وهنا قال: أَتَى ... زَيْدٌ مُنِيراً وَجْهُهُ نِعْمَ الْفَتَى عدد الأمثلة لما ذكرناه بالنظر إلى عامل الفاعل، وقد يكون فعلاً -وهو الأصل-، وقد يكون وصفاً وهو فرع مُنِيراً وَجْهُهُ، ثم الفعل قد يكون متصرفاً وقد يكون جامداً. ذكر في هذا الباب سبعة أحكام للفاعل، أشار إلى الأول -وهو الرفع- بقوله: كَمَرْفُوعَيْ، وهذا يشمل: الرفع الظاهر والرفع المقدر والرفع المحلي، ويشمل الرفع إذا كان بحركة أو بحرف. الرفع الظاهر واضح، والرفع المقدر كذلك إذا كان مقصوراً أو منقوصاً أو مضافاً إلى ياء المتكلم: جاء غلامي نقول: هذا مقدر الحركة فيه، جاء الفتى مثل ما ذكر الناظم: نِعْمَ الْفَتَى، وقد يكون محلياً وذاك فيما إذا كان الفاعل مبنياً أو كان مؤولاً بالصريح، أو إذا كان محلياً أو .. المحلي إذا كان مؤولاً بالصريح أو كان مبنياً، فقط في هذين البابين. وأما إذا كان مجروراً بحرف الجر الزائد كـ (الباء ومن) وحينئذٍ يكون من المقدر أو المحلي؟ قلنا: فيه نزاع، والصواب أنه من المقدر. هذا الحكم الأول وهو الرفع. والثاني: وجوب تأخيره عن عامله، وأشار إليه بقوله: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ. الثالث: لا بد منه في الظاهر وإلا مستتر، وأشار إليه بقوله: فَإنْ ظَهَرْ ... ... فَهْوَ وَإلاّ فََضَمِيرٌ اسْتَتَرْ والرابع: تجريد الفعل إذا أسند لمثنىً أو جمع، ومثله الوصف، إنما يذكر الفعل دائماً لأنه أصل في العمل، وأشار إليه بقوله: وَجَرِّدِ الْفِعْلَ .. البيتين. وقلنا: هذا هو الأصل في لسان العرب أنه يجرد، وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدوا قلنا: هذه لغة بني الحارث أو نسبت إلى طي، ولكنها ليست بالمشهورة، فلا يحمل عليها فصيح الكلام، يعني: إذا جاء في القرآن ما ظاهره أنها لغة طي أو لغة أَكَلُوني الْبَرَاغِيثُ أو ﴿يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ﴾، سمها بما شئت؛ إذا جاء ظاهر القرآن على هذه اللغة لا ينبغي إعرابه؛ لأن الألف أو الواو حرف وما بعده فاعل، ولذلك جاء قوله: ((وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)) وَأَسَرُّوا: -بالواو- النَّجْوَى: مفعول به، الَّذِينَ ظَلَمُوا، وهذا ظاهره مثل: قاموا الزيدون -ظاهره مثله-؛ لكن نقول: ينبغي -هنا- أن يجعل (الَّذِينَ) بدل أو جملة: أَسَرُّوا النَّجْوَى خبر مقدم، ولا ينبغي حمله على هذه اللغة.

стр. 853

وكذلك: ((ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ)) كَثِيرٌ: هذا مبتدأ مؤخر، وعَمُوا: بالواو، وظاهره أنه على لغة: أَكَلُوني الْبَرَاغِيثُ، وحينئذٍ ينبغي حمله على ما ذكرناه، ومثله: ﴿يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ﴾ يَتَعَاقَبُونَ –بالواو-، مَلاَئِكَةٌ، نقول: هذا يجب حمله على ما ذكرناه. إذاً: الرابع: تجريد الفعل إذا أسند لمثنى أو جمع. الخامس: أنه يحذف الرفع جوازاً إذا دل عليه دليل، وأشار إليه بقوله: وَيَرْفَعُ الْفَاعِلَ ... البيت -هذا الخامس-. والسادس -وهو ما وقفنا عليه- وأشار إليه بقوله: وَتَاءُ تَأنِيثٍ، والمراد به: أن الفعل إذا كان الفاعل مؤنث حينئذٍ يؤنَّث الفعل باعتبار فاعله –مطلقاً- سواء كان مؤنثاً تأنيثاً حقيقياً أو كان تأنيثاً مجازياً، وحينئذٍ نقول: يلحق بالفعل علامة تدل على تأنيث الفاعل، قلنا: ثَمَّ فرق بين أن نلحقه علامة تدل على تأنيث الفاعل، وبين أن نلحقه علامة تدل على أنه مثنى أو جمع، إذ الأول -علامة تأنيث الفاعل- هذه مجمع عليه في سائر لغات العرب، ليست خاصة بلغة دون لغة. كذلك قد يلتبس الفاعل: قام هند، هند هذا علم لمذكر وقد يقال لمؤنث، يسمى به ذاك وذاك، كذلك زيد قد يسمى به مذكر ومؤنث، حينئذٍ إذا لم نأت بعلامة تدل على أنه مؤنث وقعنا في لبس وحينئذٍ لا بد من التأنيث. ثالثاً: أن التأنيث قد يكون واجباً في بعض الأحوال كما سيأتي: وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ... الخ، وحينئذٍ نقول: هذا واجب في بعض أحواله، وأما في لغة من ألحق بالفعل علامة تثنية أو جمع لا يوجبونه، وإنما هو جائز أن نقول: قاما الزيدان وقام الزيدان على الأصل، فدل على أنهم يعرفون هذه اللغة الأصل، وإنما ألحقوا العلامة -علامة التثنية أو الجمع- بالفرعية. إذاً: يؤنَّث الفعل له إذا كان مؤنثاً بتاء ساكنة في آخر الماضي، وبتاء المضارع في أول المضارع، فيقال: قامت هند فيؤنث، ويقال: هند تقوم، تقوم هند؛ التاء هذه للتأنيث اكتفاءً بحرف المضارعة، ولا تتصل به تاء التأنيث الساكنة. قال ﵀: وَتَاءُ تَأْنِيثٍ تَليِ المَاضِي إِذَا ... كَانَ لأُِنْثَى كَأَبَتْ هِنْدُ الأَذَى وَتَاءُ تَأنِيثٍ تَلِي المَاضِي: تاء تأنيث ساكنة أصالة، وهي علامة من علامات الماضي: وَمَاضِيَ الأفْعَالِ بِالتَّا مِزْ -كما سبق-. تَلِي المَاضِي: التَّاءُ مبتدأ، وهو مضاف وتَأنِيثٍ مضاف إليه وتَليِ - هي- التاء جملة في محل رفع خبر، والماضي هذا مفعول به سُكِّن للوزن، مَاضِيَ أصله الماضيا، يجب تسكينه من أجل الوزن، وحينئذٍ نقول: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الضرورة. إذَا كَانَ لأُِنْثَى: إذا كان الماضي مسنداً لأنثى.

стр. 854

كَأَبَتً هِنْدُ الأَذَى: أَبَتْ أبى امتنع، أَبَتْ هِنْدُ، هند هذا فاعل وهو مؤنث، وحينئذٍ نقول: تلحقه تاء تدل على أنه مؤنث، هذه التاء هي ميزة وعلامة للفعل الماضي، وهي خاصة بالفعل الماضي لا تدخل على الفعل المضارع، ولا تدخل على فعل الأمر، لا تلحق الفعل المضارع لاستغنائه بتاء المضارعة، وكذلك لا تدخل الأمر لاستغنائه بالياء في المفرد والنون في الجمع، قومي: الياء هذه للمؤنث، كذلك: قمن؛ النون هذه للمؤنث، فاكتفينا بالياء والنون عن إلحاقه بتاء التأنيث الساكنة، فهي خاصة بالفعل الماضي. وَتَاءُ تَأنِيثٍ: قلنا: من إضافة الدال للمدلول، يعني: تدل على تأنيث مدخولها، والمراد هنا: تدل على تأنيث الفاعل، ولسنا في مقام ذكر الفعل بجعلها علامة، هنا تَاءُ تَأنِيثٍ أخص، المراد به: تاء تأنيث تدل على تأنيث الفاعل، وسبق في مقام العلامات قلنا: تاء تأنيث تدل على تأنيث المسند إليه، هناك نعمم وهنا نخصص، والأولى أن نخصص هنا، نقول: تاء تأنيث ساكنة أصالة فلا يضر تحريكها لعارض تدل على تأنيث الفاعل، وحينئذٍ هي خاصة به. تَلِي المَاضِي: يعني تتصل بالماضي، -الفعل الماضي-، ومثله الوصف، لكن اللاحقة له حركتها حركة إعراب؛ لأنها ليست ساكنة بل هي متحركة، أقائمة هند، نقول: أقائمة هذا مبتدأ، وهو معتمِد على استفهام، وحينئذٍ ما بعده فاعل، فهند فاعل رفعه قائمة، ما حكم التأنيث هنا؟ نقول: لا بد من التأنيث، بماذا يؤنث؟ بتاء التأنيث الساكنة؟ لا، وإنما يؤنث بالتاء المتحركة المربوطة، نقول: أقائمة؛ التاء هذه تاء تأنيث، دلت على تأنيث الفاعل. إذاً: تَلِي المَاضِي كذلك الوصف إذا رفع الفاعل، وحينئذٍ إذا تلت الماضي، تكون متأخرة عنه: قامت هند. وهل يؤنث الفعل المضارع؟ نقول: نعم يؤنث، ولكن التاء تكون فيه تاء المخاطبة التي هي تقوم -تاء الخطاب-، هذه الحرف -حرف المضارعة- أغنى عن استجلاب تاء زائدة على مجرد هذه التاء، لماذا؟ لأنك لو قلت: قومت تقومت هند يعني: جمع فيه علامتا تأنيث، وهذا ممتنع: أن يكون في اللفظ الواحد علامتان على مدلول واحد، فحينئذٍ إذا وجدت علامة متقدمة اكتفينا بها عن علامة مستجلبة. وَتَاءُ تَأنِيثٍ: ساكنة. تَلِي المَاضِي: وكان حقها ألا تلحقه؛ لأن معناها في الفاعل، إلا أن الفاعل لما كان كجزء من الفعل جاز أن يدل بالفعل على معنىً في الفاعل، كما جاز أن يتصل بالفاعل علامة رفع الفعل في الأمثلة الخمسة -هذا مثل ما ذكرناه يضاف إلى ما سبق-. لماذا اتصلت تاء التأنيث بالفعل؟ هي لتأنيث الفاعل، حينئذٍ الأصل تتصل بالفاعل لا تتصل بالفعل، إذا قيل: قامت هند؛ هند هو الفاعل، والتاء هذه جاءت لتدل على أن الفاعل مؤنث، إذاً: الأصل تلحق المعمول، هذا الأصل، لماذا ألحقت بالعامل؟ لأن الفاعل كجزء من الفعل، كما ذكرناه، وهذا دليل ثالث يضاف إلى ما سبق. كالنون التي تكون علامة للرفع في الأمثلة الخمسة، وهذا يدل على أن الفاعل كجزء من الفعل، وكأن الفاعل مع فاعله كلمة واحدة، ولذلك إذا أنث الفاعل جيء بعلامة اتصلت بالفعل، وهذا دليل على أنهما امتزجا.

стр. 855

وَتَاءُ تَأنِيثٍ تَلِي المَاضِي إِذَا كَانَ -الماضي- لأُِنْثَى: يعني مسنداً لفاعل هو أنثى؛ لتدل على تأنيث الفاعل، كقولك: أَبَتْ، أبى: فعل ماض، وهند: هذا فاعل، هندُ بمنع الصرف، يجوز فيه وجهان، والمنعُ أحَقْ كما سيأتي: والمنعُ أولى، وإلا يجوز أن يقول: هندٌ وهندُ بالمنع للصرف وبصرفه، والمنعُ أحَقْ. أَبَتْ هِنْدُ الأَذَى: أَبَتْ أبى: فعل ماضي، والتاء: هذه حرف دال على تأنيث الفاعل مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وهند: فاعل، نقول: هند فاعل مؤنث، ما الذي دلنا؟ وجود التاء السابقة المتصلة بالفعل، وانظر التاء هنا اتصلت بالفعل ولم تتصل بالفاعل. الأَذَى: نقول: هذا مفعول به. وكذلك إذا كان الفاعل مجازياً -مجازي التأنيث-، طلعت الشمس، كما تقول: أبت هندُ، وهذا فيه مثال يتعلق بالفاعل إذا كان مؤنث تأنيثاً حقيقياً، والمؤنث الحقيقي: هو ما له فرج أو يبيض كما سبق، وأما ما ليس له فرج فحينئذٍ نقول: هذا تأنيث مجازي وليس بتأنيث حقيقي، مثل: الشمس، ((وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا))، ((وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)) أعاد الضمير عليها مؤنثاً فدل على أنها مؤنثة، وحينئذٍ تقول: طلعت الشمس. إذاً: إذا كان الفاعل مؤنثاً سواء كان تأنيثاً حقيقياً أو مجازياً حينئذٍ اتصلت بالفعل الماضي علامة تدل على أنه مؤنث، أخبرنا بهذا البيت بالاتصال فحسب من حيث هو، ولكن هذه التاء قد تكون لازمة وقد تكون جائزة، يعني: التأنيث قد يكون واجباً وقد يكون جائزاً، بهذا البيت لم يشر إلى هذا، وإنما مراده مجرد أصل المسألة وهي: أنه تلحق الفعل علامة تدل على تأنيث الفاعل وهو ما ذكرناه. إذا أسند الفعل الماضي إلى مؤنث لحقته تاء ساكنة تدل على كون الفاعل مؤنثاً، ولا فرق في ذلك بين الحقيقي والمجازي، قامت هند وطلعت الشمس، لكن لها حالتان: حالة لزوم وحالة جواز, متى يجب التأنيث ومتى يجوز؟ يجب في موضعين اثنين وما عداهما فهو جائز، إذا حفظ الموضعان الواجبان حينئذٍ عرفت الجائز، يجب في موضعين ويجوز في أربعة مسائل. وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ... مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ شرع باللزوم وهو ما يجب تأنيثه من الفعل، متى يجب التأنيث؟ قال: وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ... مُتَّصِلٍ -هذه المسألة الأولى-. أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ: -هذه المسألة الثانية- وحصرها في الموضعين بقوله: إِنَّمَا تَلْزَمُ، يعني: يجب اتصال هذه التاء بالفعل إذا كان من المسألتين المذكورتين، وحينئذٍ قوله: (إِنَّمَا) أفاد الحصر، ولذلك غير هذين الموضعين لا يجب فيها التأنيث، وإنما يجب في هذين الموضعين فحسب. إِنَّمَا؛ قلنا: حصر فلا تلزم التاء في غير هذين الموضعين. وَإِنَّمَا تَلْزَمُ هذه التاء من الأفعال.

стр. 856

فِعْلَ مُضْمَرِ: فعل فاعل مضمر، يعني: النظر هنا إلى الفاعل؛ لأننا نحكم بوجوب اتصال التأنيث أو بجوازها بالنظر إلى الفاعل، ننطلق من الفاعل، هل هو مؤنث أو لا؟ إن كان مذكر لا نحتاج، وإن كان مؤنث حينئذٍ هل هو مؤنث تأنيث حقيقي أو لا؟ وننطلق من الفاعل، هنا قال: وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ: يعني فعل فاعل مضمر –ضمير-، سواء كان ضميراً مستتراً أو ضميراً بارزاً. مُتَّصِلٍ: لا منفصل، متصل به يعني: بالفعل، وإنما يكون كذلك إذا عاد الضمير إلى متقدم، لأن الفاعل إذا كان متأخراً عن الفعل لا يمكن أن يكون في الفعل ضمير مستتر أو بارز إلا على لغة أَكَلُوني الْبَرَاغِيث، وحينئذٍ نقول: إذا قال: تلزم التاء فعل فاعل مضمر؛ حينئذٍ تعين أن يكون الفعل قد أسند إلى ضمير مستتر أو بارز، وهذا إنما يكون إذا تقدم عليه المؤنث، فتقول: هند قامت –بالتأنيث-، لماذا؟ لأن الفعل هنا (قام) أسند إلى فاعل ضمير يرجع إلى مؤنث، بقطع النظر عن كونه مؤنثاً حقيقياً أو مجازياً، (الشمس طلعت) –بالتأنيث-، واجب التأنيث هنا، لأن الفعل أسند إلى فاعل ضمير يعود إلى مؤنث بقطع النظر عن كونه مجازي أو حقيقي، وحينئذٍ إذا أسند الفعل إلى ضمير يرجع إلى مؤنث وجب تأنيث الفعل مطلقاً بدون نظر إلى نوع هذا التأنيث. وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمرِ: يعني فعل فاعل مضمر، فعلاً مسنداً إلى ضمير، سواء كان الضمير مستتراً أو بارزاً، الزيدان قاما، الهندان قامتا، أين التأنيث؟ قامتا أُنِّث، ما حكم التأنيث هنا؟ واجب، لماذا؟ لأن الفعل أسند إلى فاعل ضمير، أين هو الضمير؟ الألف، الألف هذه فاعل ترجع إلى مؤنث حقيقي التأنيث، وحينئذٍ نقول: الهندان قامتا فالتأنيث واجب. مُتَّصِلٍ به، يعني: بالفاعل لا منفصل، وهل يتصور الانفصال؟ نقول: نعم، يتصور الانفصال، لو قال: هند ما قام إلا هي، ما نقول: هند ما قامت إلا هي، لا يصح هذا، لماذا؟ لأن الفاعل الحقيقي هنا مذكر محذوف، وهو: ما قام أحد إلا هي، وحينئذٍ هنا رجع الضمير وهو (هي) إلى متقدم وقد أسند الفاعل إليه، ما قام إلا هي، هي: هذا هو الفاعل، لكن في المعنى يعني تحليل معنى تقدير معنى نقول: الأصل أن الفاعل هنا مذكر وهو لفظ أحد، كما سيأتي هناك في: ما استثني بـ (إلا): كَمَا زَكَا إِلاَّ فَتَاةُ ابْنِ الْعَلاَ. أن يسند الفعل إلى ضمير مؤنث متصل، ولا فرق في ذلك بين المؤنث الحقيقي والمجازي، فتقول: هند قامت، وهند تقوم (هي)، تقوم هذا التأنيث واجب، التاء هنا واجبة، والشمس طلعت، والشمس تطلع، نقول: التأنيث هنا واجب، والفعل المضارع واجب. ولا تقل: قام ولا طلع، هند قام، الشمس طلع لا يصح، بخلاف طلعت الشمس إذا تأخر وقامت هند، نقول: هذا واجب التأنيث، ومثله إذا تقدم، وأما الشمس نقول: هذا مجازي التأنيث إذا تأخر عن عامله جاز فيه الوجهان، وأما إذا تقدم صار من النوع الواجب. إذاً: النوع الأول مما يجب فيه التأنيث: أن يسند الفعل إلى ضمير مستتر أو بارز متصل به يعود إلى مؤنث بقطع النظر عن كونه مجازياً أو حقيقياً.

стр. 857

الموضع الثاني أشار إليه بقوله: أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ: بمعنى أنه مؤنث تأنيث حقيقي، إذا أسند الفعل إلى اسم ظاهر وهذا الاسم مؤنث تأنيثاً حقيقياً بمعنى أن له فرج، كما قال هنا: مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ: يعني صاحبة فرج، وهذا هو المؤنث الحقيقي، نحو: قامت هند وقامت الهندان وقامت الهندات، قامت هند وقامت الهندان هذا متفق عليه، وأما قامت الهندات؛ هذا محل نزاع، وسيأتي في موضعه. إذاً: أَوْ: هذه (أَوْ) للتنويع. مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ: أو فعل أسند إلى فاعل ظاهر متصل، أو فعلاً مسنداً إلى ظاهر، فحينئذٍ نقول: يجب تأنيث الفاعل، وهذا مقيد بالبيت الذي يليه. وَقَدْ يُبِيْحُ الْفَصْلُ تَرْكَ التَّاءِ فِي ... نَحْوِ أَتَى الْقَاضِيَ بِنْتُ الْوَاقِفِ يعني: ولم يفصل بين عامله مطلقاً، لم يفصل بينه وبين عامله، ولم يكن العامل نِعْم وبئس، ليس كل مؤنث حقيقي التأنيث أسند إليه فعل صار واجباً لا، بل لا بد أن يكون متصلاً به، فتقول: قامت هند؛ متصل بالعامل، أما إذا قلت: حضرت اليوم هند؛ هذا يجوز فيه الوجهان للانفصال. أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ: يعني أن يسند الفعل إلى اسم ظاهر. ذَاتَ حِرِ: يعني مؤنث تأنيث حقيقي، والحِرِ: المراد به الفرج، يعني: صاحبة فرج، يعني تلد، سواء كان من العقلاء أو من غيرهم، وحينئذٍ نقول: هذا مما يجب فيه التأنيث وهو المؤنث الحقيقي، بشرط الاتصال، وأُخذ هذا الشرط من البيت الذي بعده، وبشرط: أن يكون العامل غير نِعْم وبئسِ: وَالْحَذْفَ فِي نِعْمَ الْفَتاةُ اسْتَحْسَنُوا .. سيأتي مستثنى. إذاً: بهذين القيدين، حينئذٍ يجب التأنيث، وهذه كلها محل وفاق لا خلاف فيها. الثاني: أن يكون الفاعل ظاهراً متصلاً. حقيقي التأنيث، نحو: قامت هند، وهو المراد بقوله: أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ، وأصل حِرِ: حِرِحٌ، فحذفت لام الكلمة، وفهم من كلامه أن التاء لا تلزم في غير هذين الموضعين، فلا تلزم في المؤنث المجازي الظاهر فتقول: طلع الشمس وطلعت الشمس، ولا في الجمع على ما سيأتي تفصيله. إذاً: يجب تأنيث الفاعل في موضعين اثنين لا ثالث لهما، وأشار إلى الحصر بقوله: وَإِنَّمَا، وحينئذٍ نقول: هذه شروط له، لكن ينبغي تقييد الثاني: أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ بشرطين: الاتصال، وهذا مفهوم من البيت الذي يليه، وكذلك: أن يكون الفاعل نِعمْ وبئس، وحينئذٍ نقول: جاز نعمت المرأة هند ونعم المرأة هند، مع أن المرأة هذه ذَاتَ حِرِ صاحبة فرج، ومع ذلك جاز فيه الوجهان، هذا مستثنى لما سيأتي في محله. وَقَدْ يُبِيْحُ الْفَصْلُ تَرْكَ التَّاءِ فِي ... نَحْوِ أَتَى الْقَاضِيَ بِنْتُ الْوَاقِفِ قلنا: السابق: أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ بشرط الاتصال، فإن انفصل؟ قلنا: مسألتان موضعان يجب فيهما التأنيث، انتهينا منهما، الآن سيشرع في جائز التأنيث. وَقَدْ يُبِيْحُ الْفَصْلُ: فصل ماذا؟ العامل عن المؤنث الحقيقي، أما المؤنث المجازي وإن كان داخلاً في كلامه إلا أنه سواء فصل أو لم يفصل حينئذٍ يجوز فيه الوجهان: طلعت الشمس وطلع الشمس، وإن لم يفصل، حتى لو فصل نقول: طلعت الشمس وطلع الشمس؛ يجوز فيه الوجهان.

стр. 858

أما الحقيقي التأنيث إذا اتصل بعامله ولم يكن نِعْم وبئس وجب التأنيث، إذا فصل بينهما قلنا: جاز التأنيث وجاز تركه، والإثبات أجود، يعني: التأنيث أجود، لذا قال: أَتَى الْقَاضِيَ بِنْتُ الْوَاقِفِ. بِنْتُ: هذا ذَاتَ حِرِ، فالأصل فيه وجوب التأنيث، أتى ما قال: أتت، لو أنث لقلنا: أتت، ويجوز ترك التأنيث فتقول: أتى القاضي بنت الواقف، فصل بين العامل والفاعل وهو بنت الواقف بالمفعول به، فلو تأخر تقول: أتى بنت الواقف القاضي وجب التأنيث، وجب التأنيث لاتصال هذا بعامله، وأما إذا فصل بينهما حينئذٍ نقول: جائز التأنيث، وهذا محل وفاق أيضاً. وَقَدْ يُبِيْحُ: قد هنا للتقليل. يُبِيْحُ: هنا جمع بين الإباحة وقد التي تفيد التقليل، دل على أن الإثبات أجود وأولى من الحذف، فأتت القاضي بنت الواقف أفصح من قولنا: أَتَى الْقَاضِيَ بِنْتُ الْوَاقِفِ، لماذا؟ لكون الأصل في المؤنث الفاعل المؤنث الحقيقي أنه يؤنث، هذا الأصل فيه، فإذا فصل بينهما جوَّز الترك ولم يكن هو الأفصح والأشهر، وإنما بقاؤه على ما هو عليه هو الأولى، لأنه لا زال فاعلاً، بالفصل لم ينفك عنه وصف الفاعل، فبقاؤه فاعل وهو مؤنث والعامل فعل فحينئذٍ الأصل بقاء ما كان على ما كان. بالفصل جوز ترك التأنيث، وحينئذٍ نقول: قوله: وَقَدْ يُبِيْحُ: قد للتقليل، يُبِيْحُ: هذا أفاد منه الإباحة، للتعبير بـ (قَدْ) والإباحة إشعار بأن الإثبات أجود. وَقَدْ يُبِيْحُ الْفَصْلُ: هذا فاعل يبيح. الْفَصْلُ: هذا أيضاً يقيد بالبيت الذي يليه، بأن يكون الفصل بغير (إلا)، إن كان الفصل بـ (إلا) فله حكم آخر. إذاً: كلها مرتبطة ببعضها البعض. قَدْ يُبِيْحُ الْفَصْلُ بغير (إلا) بين الفعل وعامله الظاهر الحقيقي التأنيث ترك التاء، أي تاء؟ تاء التأنيث السابقة، فـ (أل) هنا للعهد الذكري. قد يبيح الفصل بغير (إلا) بين الفعل وعامله الظاهر الحقيقي التأنيث ترك التاء، فلا يؤنث، كما في فعل مسند إلى ظاهر مؤنث حقيقي نحو قولك: أَتَى الْقَاضِيَ بِنْتُ الْوَاقِفِ، فبنت الواقف: هذا مؤنث حقيقي التأنيث، وأتى: فعله، وجرد عن التأنيث للفصل بينه وبين معموله الفاعل بالمفعول. بِنْتُ الْوَاقِفِ الواقف يعني صاحب الوقف. إذا فصل بين الفعل وفاعله مؤنث حقيقي بغير (إلا) جاز إثبات التاء وحذفها، والأجود الإثبات كما أشار إليه بـ (وَقَدْ يُبِيْحُ)، فتقول: أتى القاضي بنت الواقف، والأجود: أتت، وتقول: قام اليوم هند، والأجود: قامت. إذاً: هذا البيت يعتبر استثناء وتخصيص لقوله: أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ؛ لأن قوله: أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ؛ يُفهِم أنه متى ما كان المؤنث حقيقي التأنيث وهو فاعل وجب التأنيث مطلقاً فصل أو لا، وسواء فصل بـ (إلا) أو بغير (إلا)، جاء بهذا البيت ليقيد المطلق الذي سبق. وَالْحَذْفُ مَعْ فَصْلٍ بِإِلاَّ فُضِّلاَ ... كَمَا زَكَا إِلاَّ فَتَاةُ ابْنِ الْعَلاَ وَالْحَذْفُ: يعني للتاء من فعل مسند إلى ظاهر مؤنث حقيقي التأنيث مَعْ فَصْلٍ بين الفعل والفاعل بِ (إِلاَّ) فُضِّلاَ، الحذف فضلا على الإثبات، عكس الفصل السابق، الإثبات فضل على الحذف.

стр. 859

إذاً: لا بد من تقييد البيت السابق، وقد يبيح الفصل بغير (إلا)؛ لأن الحكم مختلف، لا بد من تقييده بالبيت الذي بعده، وقد يبيح الفصل بغير (إلا). وَالْحَذْفُ مَعْ فَصْلٍ: يعني بين الفعل والفاعل بِإلاَّ، فُضِّلاَ: على الإثبات، وهذا خلاف ما عليه الجمهور، جمهور النحاة على أنه إذا كان الفاصل هو (إلا) وجب التذكير، التذكير واجب، لا يجوز فيه الوجهان، يجب تجريد الفعل من علامة تدل على تأنيث الفاعل، فإذا قيل: ما قام إلا هند، هذا المثال: ما قام إلا هند، قام: فعل، وهند: فاعل، وفصل بينهما بـ (إلا) ما قام إلا هند، الجمهور يعللون وجوب التذكير بأن (هند) ليست بفاعل في الحقيقة؛ لأن الأصل: ما قام أحد إلا هند، وحينئذٍ كان من باب الاستثناء المفرَّغ، وحينئذٍ وجب تذكير الفعل لكون الفاعل مذكراً، وهند هذا يعتبر بدلاً مما قبله، ولذلك الجمهور على خلاف ما ذهب إليه ابن مالك رحمه الله تعالى. وَالْحَذْفُ مَعْ فَصْلٍ بِإلاَّ فُضِّلاَ على الإثبات. كَمَا: كقولك: مَا زَكَا إِلاَّ فَتَاةُ ابْنِ الْعَلاَ - فَتَاةُ ذَاتَ حِرِ -، إذاً: مؤنث تأنيث حقيقي، فصل بينه وبين عامله بـ (إلا)، وحينئذٍ فيه قولان: جماهير النحاة على وجوب تجريده من علامة التأنيث، وذهب ابن مالك في قلة من النحاة إلى أنه لا بأس أن يؤنث، بل التأنيث جائز لكن الحذف أجود، ولذلك قال: وَالْحَذْفُ فُضِّلاَ، الألف هذه للإطلاق. كَمَا زَكَا إِلاَّ فَتَاةُ ابْنِ الْعَلاَ معناه: ما زكا أحد إلا فتاة ابن العلا، ويجوز: ما زكت إلا فتاة ابن العلا، ما قامت إلا هند بالتأنيث، بالوجهين عند ابن مالك رحمه الله تعالى والحذف أجود، وخصه الجمهور بالشعر، أما في النثر فهو ممنوع. قال: وإذا فصل بين الفعل والفاعل المؤنث بـ (إلا) لم يجز إثبات التاء عند الجمهور أياً كان الفاعل، لم يجز إثبات التاء عند الجمهور، فتقول: ما قام إلا هند وما طلع إلا الشمس، ولا يجوز: ما قامت إلا هند ولا: ما طلعت إلا الشمس، وقد جاء في الشعر كقوله: فَمَا بَقِيَتْ إلاَّ الصُّدُورُ الجَرَاشِعُ فقول المصنف: إن الحذف مفضل على الإثبات يشعر بأن الإثبات أيضاً جائز وليس كذلك، ومذهب ابن مالك رحمه الله تعالى له أصل في لسان العرب، بل له أصل في القرآن، قال تعالى: ((فَأَصْبَحُوا لا تُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ)) -في قراءةٍ- ((لا تُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ)) مساكن هذا جمع، فحينئذٍ يؤنث ويترك، وقد أنث مع وجود الفصل هنا بـ (إلا). كذلك قوله تعالى: ((إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةٌ وَاحِدَةً)) صَيْحَةٌ: هذا مؤنث تأنيث مجازي، ومراد المصنف هنا: وَالْحَذْفُ مَعْ فَصْلٍ بِإلاَّ فُضِّلاَ؛ ما يشمل النوعين، سواء كان المؤنث مؤنثاً حقيقياً أو مؤنثاً تأنيثاً مجازياً، ولذلك ابن عقيل مثل بمثالين للنوعين: ما قام إلا هند وما طلع إلى الشمس، حينئذٍ دل على أن مراده عام، حينئذٍ الاستدلال بهذه الآية: ((فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ)) استدلال صحيح، فلا يقال بأنه مؤنث مجاز. وكذلك في قوله: ((إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةٌ وَاحِدَةً)) نقول: مؤنث مجازي لكنه مراد، فصل بينه وبين عامله بـ (إلا).

стр. 860

مَا بَرِئَتْ مِنْ رِيبَةٍ وَذَمِّ ... فيِ حَرْبِنَا إلاَّ بَنَات العَمِّ مَا بَرِئَتْ مِنْ رِيبَةٍ وَذَمٍّ، جاء في الشعر تأنيثه مع الفصل بـ (إلا) وهذا مؤنث تأنيثاً حقيقياً. إذاً: قول ابن مالك له أصل، ولذلك هو معتبر لكنه في قلة، نقول: نعم يجوز التأنيث مع الفصل بـ (إلا) ولو كان المؤنث تأنيثاً حقيقياً لكنه على قلة والحذف أجود من الإثبات، وخصه الجمهور بالشعر خاصة؛ لأنه سمع في الشعر فحسب، لكن قراءتان ثابتتان. إذاً: وَالْحَذْفُ: يعني التأنيث إذا كان الفاصل (إلا) خاص بالشعر، نص عليه الأخفش، وجوزه ابن مالك رحمه الله تعالى في النثر والشعر، كما هنا. وَالْحَذْفُ: هذا مبتدأ. مَعْ فَصْلٍ: هذا متعلق بقوله: َالْحَذْفُ بِإلاَّ: هذا جار ومجرور متعلق بفُضِّلاَ. فُضِّلاَ: الجملة خبر المبتدأ والألف للإطلاق، يعني: فضل على الإثبات. ثم قال: والْحَذْفُ قَدْ يَأْتِي بِلاَ فَصْلٍ وَمَعْ ... ضَميرِ ذِي المْجَازِ فِي شِعْرٍ وَقَعْ وهذا مخصوص بالشعر، يعني: لا يجوز على إطلاقه، حكى سيبويه: قال فلانة، هنا قال: أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ؛ هذا كله تخصيص لما سبق. أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ هل يقال: قام هند؟ لا يصح، حَكى سيبويه: قال فلانة، إذاً: أسقطت التاء مع المؤنث تأنيث حقيقي والفاعل ليس نِعْم وبئس وليس ثَمَّ فاصل لا (إلا) ولا غيرها، والأصل في مثل هذا التركيب وجوب التأنيث، هذا الأصل فيه، وحينئذٍ لو قيل بأنه سائغ ما وجب التأنيث، لو قلنا: قال فلانة؛ هذا قياسي، وحينئذٍ: أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ؛ نقول: نسقطه من أصله، نجعله في الجائز ولن نجعله في الواجب، ولكن نقول: هذا يسمع ولا يقاس عليه، فهو محفوظ. أشار إليه بقوله: والْحَذْفُ، يعني حذف التاء من فعل مسند إلى ظاهر مؤنث حقيقي قَدْ يَأْتِي: قَدْ للتقليل، يَأْتِي مع الظاهر الحقيقي التأنيث بلا فَصْلٍ شذوذاً، قد يأتي شذوذاً لا بد من التقدير: والْحَذْفُ وَمَعْ ضميرِ ذِي المْجَازِ فِي شِعْرٍ وَقَعْ وَمَعْ: يعني والحذف مع الإسناد إلى الضمير ذي التأنيث المجازي في شعر وقع، بمعنى: أنه إذا أسند الفعل إلى ضمير عائد إلى مؤنث مجازي قلنا: هذا يجب التأنيث، لكنه وقع في الشعر بدون تأنيث، قال الشاعر: فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها ... وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقَالَهَا وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ؛ الأصل أن يقول: أبقلت بالتاء، مثل: الشمس طلعت، لكن نقول: هذا شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه، بل يجب أنه إذا عاد الضمير إلى مؤنث مطلقاً وجب التأنيث. وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ: هذا أمكن تأويله بأن الضمير هنا عائد على محذوف، أي: ولا مكان أرض أبقل، إذاً: أمكن تأويله، فإذا أمكن تأويله حينئذٍ لا نأتي للقاعدة فنخدشها. والضمير في إبْقَالَهَا يكون للأرض، فأمكن تأويله. إذاً: وَالْحَذْفُ قَدْ يَأْتِي بِلاَ فَصْلٍ؛ وذلك فيما إذا أسند الفعل إلى اسم ظاهر حقيقي التأنيث، مثل: قام هند، نقول: هذا قد يأتي في الشعر وهو شاذ، وما حكاه سيبويه: قال فلانة؛ شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.

стр. 861

وكذلك: جاء إسناد الفعل إلى ضمير عائد لمؤنث مجازي، والأصل وجوب التأنيث، ولم يؤنث، وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ، وحينئذٍ نقول: هذا خاص بالشعر ولا يقاس عليه، وهذه كلها مسائل متفق عليها. والْحَذْفُ قلنا: هذا مبتدأ. قَدْ يَأْتِي الجملة خبر. بِلاَ فَصْلٍ متعلق به. وَمَعْ ... ضَمِيرِ ذِي المْجَازِ فِي شِعْرٍ وَقَعْ ووَقَعْ: يعني الحذف ضَمِيرِ ذِي المْجَازِ فِي شِعْرٍ وَقَعْ َمَعْ: هذا متعلق بوَقَعْ، وفِي شِعْرٍ: متعلق بِوَقَعْ، وَمَعْ: مضاف، وضَمِيرِ: مضاف إليه، وضَمِيرِ: مضاف، وذِي: بمعنى صاحب مضاف إليه، وَالمْجَازِ: يعني التأنيث المجازي وهو ما ليس له فرج، وفِي شِعْرٍ هذا متعلق بوَقَعْ أيضاً. قال: قد تحذف التاء من الفعل المسند إلى مؤنث حقيقي من غير فصل، وهو قليل جداً، حكى سيبويه: قال فلانة، وقد تحذف التاء من الفعل المسند إلى ضمير المؤنث المجازي وهو مخصوص بالشعر، مثال ما ذكرناه. وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِمِ مِنْ ... مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ وَالتَّاءُ: أي: تاء التأنيث السابقة. مَعْ جَمْعٍ: هذه حال من التاء، يعني: متعلق بمحذوف حال، حال كونه مع جمع. كيف مع جمع؟ يعني: دالة على تأنيث فاعل وقع جمعاً، هذا المراد به، إذا كان الفاعل جمعاً حينئذٍ المصنف هنا يرى أنه مما يجوز فيه الوجهان: التأنيث وعدم التأنيث، واستثنى جمع المذكر السالم فحسب فيجب فيه التذكير، تقول: قام الزيدون، ولا يصح أن يقال: قامت الزيدون. قوله: وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ: يعني مع فعل مسند إلى جمع؛ لأن الإسناد هنا -إسناد التاء إلى الفاعل- نقول: هذا ليس هو الأصل، وإنما الاتصال يكون بالفعل. وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ: قلنا: َالتَّاءُ مبتدأ، وَمَعْ: هذا متعلق بمحذوف حال، وهو مضاف، وجَمْعٍ: مضاف إليه. مع فعل مسند إلى جَمْعٍ، وحينئذٍ نقول: الجمع في اللغة: ما دل على جماعة أو دل على متعدد، وهنا أطلق الجمع، حينئذٍ: كل ما دل على جمع فهو داخل هنا، داخل في هذا الحكم، فيشمل الجموع الاصطلاحية والجموع اللغوية، الجموع الاصطلاحية هي جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم وجمع التكسير المذكر وجمع التكسير المؤنث، هذه أربعة، ويزاد عليه ما دل على متعدد وجمع وجماعة وهو اسم الجمع واسم الجنس الجمعي، هذه ستة مما يدل على الجمع لا يكاد يخرج عنها البتة. وحينئذٍ نقول: ما يدل على الجمع محصور في هذه الستة: اسم الجنس الجمعي، مثل: كلِم وكلمة، تمر وتمرة، اسم الجنس الجمعي قلنا: الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء أو بالياء، وحينئذٍ نقول: تمر وتمرة، تمر هذا اسم جنس جمعي، شجر وشجرة، بقر وبقرة، نبق ونبقة، سدر وسدرة، روم ورمي، كمإٍ وكمأة، لبن ولبنة نقول: هذا اسم جنس جمعي. اسم الجمع وهو ما دل على جمع ولا واحد له من لفظه مثل: قوم، نسوة، نساء، رهط، إلى آخره. جمع التكسير لمذكر كرجال وغلمان ونحو ذلك. جمع تكسير لمؤنث كزيود وهنود. جمع مذكر سالم واضح. جمع المؤنث السالم واضح.

стр. 862

هذه الستة فيها خلاف بين البصريين والكوفيين، البصريون يرون أن الجموع الأربعة: اسم الجمع واسم الجمع الجنسي وجمع التكسير بنوعيه، هذه أربعة يجوز فيها الوجهان: التأنيث وتركه، وما عداهما وهو جمع المذكر السالم فيجب فيه التذكير قولاً واحداً عندهم، وجمع المؤنث السالم يجب فيه التأنيث قولاً واحداً عندهم مراعاة لمفرده، قالوا: الزيدون هذا جمع واحده سلِم في الجمع، بالنظر إلى سلامة واحده في الجمع إذاً يعامل من حيث التذكير والتأنيث وإسناد الفعل إليه معاملة المفرد، فكما أننا نقول: قام زيد ولا يصح أن نقول: قامت زيد؛ كذلك في الجمع نقول: قام الزيدون ولا يصح أن نقول: قامت الزيدون. وكذلك في جمع المؤنث السالم قالوا: هو سالم في الجملة سلم مفرده واحده في الجمع، فكما تقول: قامت هند ولا يصح أن تقول: قام هند؛ كذلك يجب أن يقال: قام الهندات، ولا يجوز أن يقال: قام الهندات بترك التاء. إذاً: هذان النوعان مستثنيان. مذهب الكوفيين الجواز في الجميع بدون استثناء، الستة الأنواع يجوز فيها الوجهان، فيصح عندهم فيما انفرد به المذهب الكوفي عن البصري أن يقال: قامت الزيدون وقام الزيدون، وقام الهندات وقامت الهندات بالوجهين. إن أُنِّثَ على المذهبين فمراعاة لمعنى الجماعة، وإن ذُكِّر فمراعاة لمعنى الجمع، يعني: بالتأويل، قال الصحابة قالت الصحابة، بعضهم يستشكل: لماذا نقول أحياناً قالت الصحابة! نقول: قالت جماعة الصحابة بالتأويل، قال الصحابة بترك التاء، قال جمع الصحابة، وحينئذٍ الصحابة هذا اسم جمع أو جمع تكسير؟ مختلف فيه، وحينئذٍ نقول: هذا أو ذاك يجوز فيه الوجهان. ((قَالَتْ الأَعْرَابُ))، ((إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ)) بترك التاء، هذا من حجج الكوفيين. مذهب أبي علي الفارسي استثنى جمع المذكر السالم فحسب من الجموع السابقة الستة، فأوجب فيه التذكير وجوز الوجهين في جمع المؤنث السالم وفاقاً للكوفيين دون البصريين، وحينئذٍ المذاهب ثلاثة، الناظم رحمه الله تعالى ماذا اختار من هذه المذاهب؟ الظاهر أنه مذهب أبي علي الفارسي، ولكن الأشموني وغيره أبوا إلا حمل كلامه على مذهب البصريين. فقوله: وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ؛ أطلق الجمع هنا كل جمع. كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ: إحدى اللبن لبنة، يعني: مؤنث تأنيث مجازي، مثل الشمس، تقول: سقط اللبنة وسقطت اللبنة، مثل: طلع الشمس وطلعت الشمس، يجوز فيها الوجهان. وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ كالتاء مع إحدى اللبن، أطلق الناظم في كل الجموع، فشمل جمع المؤنث السالم وجمع المذكر واسم الجمع واسم الجنس وجمع التكسير بنوعيه. قال: سِوَى السَّالِمِ مِنْ مُذَكَّرٍ: استثنى جمع المذكر السالم.

стр. 863

إذاً: جمع المؤنث السالم عند الناظم يجوز فيه الوجهان، فتقول: قامت الهندات وقام الهندات، وهذا مذهب أبي علي الفارسي، ولكن لما لم يكن هذا مشهوراً إلا عن الكوفيين وأرادوا حمل ابن مالك على مذهب البصريين قدروا محذوفاً: سوى السالم من مذكر والسالم من مؤنث على أنه حذف للواو مع ما عطفت، وهذا ضعيف؛ لأن المذهب موجود مستقر، وهو مذهب أبي علي الفارسي، وله أدلته، وهو موافق لمذهب الكوفيين، وإنما خالفهم في مسألة واحدة فحسب، فهو داخل في مذهب الكوفيين إلا أنه في مسألة واحدة خالفوه. وحينئذٍ نقول: الناظم هنا يرى أن جمع المؤنث السالم يجوز فيه الوجهان، وأما تحميله ما لم يحتمل نقول: هذا فيه بعد. وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ: نقول: حق كل جمع أن يجوز فيه الوجهان وهو التأنيث والترك، هذا الأصل فيه. حق كل جمع أن يجوز فيه الوجهان، إلا أن سلامة نظم الواحد في جمعي التصحيح الذي هو المؤنث والمذكر أوجبت التذكير في نحو: قام الزيدون، والتأنيث في نحو: قامت الهندات، وخالف الكوفيون فيهما، يعني: في الوجهين، ووافقهم في الثاني أبو علي الفارسي، واحتجوا بقوله تعالى: ((آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ)) بَنُو هذا هم احتجوا به على أنه جمع مذكر سالم، وحينئذٍ أنث مع وجود الفصل، فيدل على أنه جمع مذكر سالم وقد ألحقت به التاء، لكن جواب هذا نقول: بأن (بني) هذا ليس بجمع مذكر سالم، هذا ملحق بجمع المذكر السالم. كذلك: ((إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ)) جَاءَكَ ما قال: جاءتك، فُصِل بينهما، هم احتجوا بهذا على أنه يجوز ترك التاء مع المؤنث إذا كان حقيقي التأنيث وهو جمع مؤنث سالم. وقال: جَاءَكَ ولم يقل: جاءتك، فدل على جواز الترك، وأجيب: بأنه تُرك التأنيث للفاصل هنا. وقوله: فَبَكَى بَنَاتِي، كما قال الشاعر: فَبَكَى بَنَاتِي شَجْوَهُنَّ وَزَوْجَتِي ... والظَّاعِنُونَ إِلَيَّ ثُمَّ تَصَدَّعُوا بَكَى بَنَاتِي، بَنَاتِ قالوا: هذا جمع مؤنث سالم، أو جمع تكسير، وهم يريدونه على أنه جمع مؤنث سالم، وفيه إشكال، فحينئذٍ قال: بَكَى ولم يقل: بكت، فدل على أنه يجوز ترك التأنيث مع جمع المؤنث السالم. وأجيب: بأن البنين والبنات لم يسلم فيهما نظم الواحد. إذاً لو قيل: بأن بعضه جمع مذكر إلا أنه ليس بحقيقي. إذاً: أجيب بأن البنين والبنات لم يسلم فيهما نظم الواحد، وبأن التذكير في: ((جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ)) بالفصل، أو لأن الأصل: النساء المؤمنات، والنساء هذا مما يجوز فيه الوجهان؛ لأنه اسم جمع، أو لأن (أل) مقدرة باللاتي وهو اسم جمع. ((إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ)) (أل) هذه مقدرة باللاتي، وحينئذٍ جاز فيه الوجهان: الترك وعدمه وهو التأنيث. وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِمِ مِنْ ... مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ

стр. 864

إذا أسند الفعل إلى جمع فإما أن يكون جمع سلامة لمذكر أو لا، فإن كان جمع سلامة لمذكر لم يجز اقتران الفعل بالتاء فنقول: قام الزيدون ولا يجوز: قامت الزيدون، إلا على مذهب الكوفيين فيجوزون الأمرين، وما عداه من الجمع فيجوز فيه الأمران، ولذلك جاء في القرآن: ((كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ)) قَوْمُ هذا اسم جمع. ((وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ)) كَذَّبَ بدون التاء. ((قَالَتْ الأَعْرَابُ)) ويقال: أورقت الشجر وأورق الشجر. ((وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ)) و ((غُلِبَتْ الرُّومُ)) نقول: هذه كلها يدل على جواز الفعل التأنيثي والتركي. وإن لم يكن جمع سلامة لمذكر بأن كان جمع تكسير لمذكر كالرجال أو لمؤنث كالهنود أو جمع سلامة لمؤنث كالهندات؛ جاز إثبات التاء وحذفها، جاز إثبات التاء على التأويل بالجماعة، وحذفها على التأويل بالجمع، فتقول: قام الرجال وقامت الرجال، قام الرجال أي: قام جمع الرجال، وقامت الرجال أي: قام جماعة الرجال، وقام الهنود وقامت الهنود وقام الهندات وقامت الهندات، فإثبات التاء لتأوله بالجماعة وحذفه لتأوله بالجمع. إذاً: الناظم هنا يرى العموم، واستثنى جمع المذكر السالم، وهذا مذهب أبو علي الفارسي. وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى مَعْ جَمْعٍ: قلنا مضاف ومضاف إليه وهو حال. سِوَى: هذا نعت لجمع. سِوَى السَّالِمِ مِنْ مُذَكَّرٍ: لما قال: سِوَى السَّالِمِ؛ يحتمل أن يدخل معه جمع المؤنث؛ لأنه قد يوصف بكونه سالماً. مِنْ مُذَكَّرٍ: هذا متعلق بالسالم احترازاً من المؤنث. كَالتَّاءِ: والتاء مبتدأ. كَالتَّاءِ: هذا خبر. مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ قوله: كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ، قد يقال: بأن (إِحْدَى اللَّبِنْ) يجوز فيه الوجهان، وأيهما أرجح؟ إذا قيل: طلع الشمس وطلعت الشمس؟ التأنيث أرجح، وهنا عدم التأنيث أرجح في الجمع مطلقاً، عدم التأنيث أرجح جمع التكسير وغيره، وحينئذٍ نقول: ((كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ)) أو (كَذَّبَتْ قَوْمُ) نقول: هذا يجوز فيه الوجهان، وترك التأنيث أرجح من التأنيث. هنا قال: كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ: سوَّى بينهما في كونه يجوز التذكير والتأنيث دون نظر إلى الأرجحية؛ لأن اللبن هذه يجوز فيها الوجهان والتأنيث أرجح. وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ والترك نقول: يجوز فيه الوجهان والترك أرجح، إذاً: فرق بينهما. قوله: كَالتَّاءِ: أي في أصل الجواز، فلا يرد اختلافهما في الرجحان حيث تقدم رجحان الإثبات في المجاز، وهنا العكس، فجمع التكسير مطلقاً والجمع بألف وتاء لمذكر واسم الجمع واسم الجنس الجمع حذف التاء أجود معها، وللسيوطي في الأربعة استواء الأمرين، استواء الأمرين عند السيوطي، على كلٍ؛ خلاف. وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِمِ مِنْ ... مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ وَالْحَذْفَ فِي نِعْمَ الْفَتَاةُ اسْتَحْسَنُوا ... لأَنَّ قَصْدَ الْجِنْسِ فِيهِ بَيِّنُ

стр. 865

هذا أيضاً تخصيص لقوله: أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ، قلنا هناك: نقيد العامل بأن لا يكون نِعْم وبئس، لأن فاعل نِعم وبئس يقصد به الجنس، والجنس في أصله مذكر، ولما كان في معنى الاستغراق للأفراد صار في معنى الجمع فجاز تأويله بالمذكر وتأويله بالمؤنث، يعني: جمع أو جماعة. وَالْحَذْفَ فِي نِعْمَ الْفَتاةُ اسْتَحْسَنُوا الْحَذْفَ: هذا مفعول به، لقوله: اسْتَحْسَنُوا، يعني: رأوه حسناً، هو مستحسن وإن كان الإثبات أحسن منه، وحينئذٍ اسْتَحْسَنُوا: ليس المراد أنه مرجح لا، وإنما هو حسن في نفسه، ولا يلزم منه أن يكون هو أحسن من حيث الترك. وَالْحَذْفَ فِي نِعْمَ الْفَتاةُ: يعني في قولك: نِعْمَ الْفَتاةُ، وهو ما كان الفاعل فيه مؤنثاً حقيقي التأنيث وأسند إلى نِعْمَ وأخواتها، وهو كل فاعل مسند إلى جنس المؤنث الحقيقي. اسْتَحْسَنُوا: رأوه حسناً. لأَنَّ قَصْدَ الْجِنْسِ فِيهِ بَيِّنُ: هذا بيان للعلة، لفظ الجنس مذكر، ويجوز التأنيث على مقتضى الظاهر؛ لأنه في ظاهره امرأة، نعم المرأة نعم الفتاة في اللفظ هو مؤنث حقيقي، ولكن في المعنى نقول: (أل) هذه للجنس، وإذا كان كذلك حينئذٍ فيه معنى الجماعة، وإذا كان كذلك صار ملحقاً بالجمع في المعنى. نَعْم الفتاة، نعمت الفتاة، نعمت الفتاة هذا باعتبار اللفظ، نِعْم الفتاة باعتبار المعنى؛ لأن (أل) هذه للجنس، فتفيد استغراق الأفراد وحينئذٍ صار مذكراً. لأَنَّ قَصْدَ الْجِنْسِ فِيهِ فِيهِ: في ماذا؟ في الفاعل الْفَتاةُ، في فاعل نِعْم وبئس لأَنَّ قَصْدَ الْجِنْسِ فِيهِ بَيِّنُ -ظاهر-، فالمسند إليه الجنس، و (أل) في الفتاة جنسية، خلافاً لمن زعم أنها عهدية. إذاً: هذا النوع نقول: يجوز فيه الوجهان، وليس بواجب، فهو استثناء من قوله: أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ؛ بأنه إذا كان العامل نِعْم وبئس جاز الوجهان والإثبات أولى وأرجح. وَالْحَذْفَ: قلنا: هذا مفعول به للتاء. فِي نِعْمَ الْفَتاةُ: في فعل مسند إلى جنس مؤنث حقيقي. اسْتَحْسَنُوا: يعني رأوه حسناً، وهو مستحسنٌ في نفسه وإن كان الإثبات أحسن منه؛ لأَنَّ قَصْدَ الْجِنْسِ فِيهِ بَيِّنُ، ظاهر واضح، بين لكل سامع أن المراد جنس المرأة وجنس الفتاة. إذاً: الحاصل: أن الفعل ومثله الوصف إذا أسند إلى فاعل وهذا الفاعل مؤنث؛ حينئذٍ تلحق أو يلحق الفعل علامة تدل على تأنيثه، ثم هذه العلامة قد تكون لازمة واجبة وقد تكون جائزة. واللازم يكون في موضعين: أولاً: المؤنث الحقيقي الذي ليس مفصولاً بينه وبين عامله، وليس عامله نِعْم وبئس. إذاً: المؤنث الحقيقي الذي ليس مفصولاً وليس عامله نِعْم وبئس. ثانياً: أن يكون ضميراً مستتراً عائد إلى مؤنث مطلقاً، يعني: سواء كان حقيقي أو مجازي. والجائز يكون في أربعة مسائل: الأول: أن يكون المؤنث اسماً ظاهرياً مجازي التأنيث، طلع شمس وطلعت الشمس، وجاء في القرآن: ((قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ))، ((جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ)) هذا وذاك، والتأنيث أرجح في هذه. الثاني: أن يكون المؤنث اسماً ظاهرياً حقيقي التأنيث فصل من عامله بغير (إلا)، "حضرت الْقَاضِيَ بِنْتُ الْوَاقِفِ"، والتأنيث أرجح. الثالث: أن يكون العامل نِعْم وبئس.

стр. 866

الرابع: أن يكون الفاعل جمعاً على التفصيل السابق. ثم قال: وَالأَصْلُ فِي الْفَاعِلِ أَنْ يَتَّصِلاَ ... وَالأَصْلُ فِي الْمَفْعُولِ أَنْ يَنْفَصِلاَ وَقَدْ يُجَاءُ بِخِلاَفِ الأَصْلِ ... وَقَدْ يَجِي الْمَفْعُولُ قَبْلَ الْفِعْلِ هذا أراد أن يبين علاقة المفعول بفاعله من حيث التقديم والتأخير. الأصل في الفاعل أن يتصل بعامله؛ لأنه جزء منه كما سبق، إذا قلت: ضرب زيد. والأصل في المفعول أن ينفصل عن العامل بالفاعل، هذا الترتيب المنطقي العقلي، تأتي بالعامل أولاً والحدث ثم الذي فعل الحدث ثم الذي وقع عليه الحدث، هذا الذي جاء في لسان العرب وهو الذي يوافقه المنطق السليم، ولذلك قال: وَالأَصْلُ فِي الْفَاعِل أَنْ يَتَّصِلاَ يتصل بالفعل، ليس المراد أن يتصل كالضمير البارز لا، المراد ألا يفصل بينهما فاصل، ألا يقع المفعول بينه وبين عامله، فلا يقال: ضرب عمْراً زيد. وَالأَصْلُ: هذا مبتدأ. فِي الْفَاعِل: متعلق أََنْ يَتَّصِلاَ في محل رفع خبر المبتدأ، والمراد بالأصل هنا الغالب الراجح، أي: الكثير، وإن سمع غيره لكن هذا هو الذي يبين المراتب، فرتبة العامل أولاً ثم رتبة الفاعل ثم رتبة المفعول. وَالأَصْلُ فِي الْفَاعِلِ أََنْ يَتَّصِلاَ بالفعل؛ لأنه كجزء منه، ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ)) هذا الأصل. وَالأَصْلُ فِي المَفْعُولِ أَنْ يَنْفَصِلاَ، هذا مفهوم من الشطر السابق؛ لأنه إذا قال: وَالأَصْلُ فِي الْفَاعِلِ أََنْ يَتَّصِلاَ اتصل بعامله، إذاً: لن يقع المفعول فاصلاً بينهما، سيقع المفعول منفصل، هذا قطعاً، إذاً ماذا زادنا بقوله: وَالأَصْلُ فِي الْمَفْعُولِ أَنْ يَنْفَصِلاَ؟ ليس فيه شيء جديد. وَالأَصْلُ: هذا مبتدأ، يعني: الغالب الراجح. فِي الْمَفْعُولِ: المفعول به. أَنْ يَنْفَصِلاَ: يَنْفَصِلاَ عنه عن العامل بالفاعل لأنه فضلة، وشأن الفضلات تكون في الأطراف، تقول: ضرب زيد عمْراً. وَقَدْ يُجَاءُ بِخِلاَفِ الأَصْلِ: خلاف الأصل ما هو؟ تقدم المفعول وتأخر الفاعل. وَقَدْ يُجَاءُ بِخِلاَفِ الأَصْلِ قَدْ: هنا للتقليل أو للتحقيق؟ يحتمل هذا وذاك، منهم من حملها على التقليل، ومنهم من حملها على التحقيق، فيقدم المفعول على الفاعل إما جوازاً وإما وجوباً، وقد يمتنع ذلك. قَدْ يُجَاءُ: هنا أضمر نائب فاعل؛ لأنه يختلف باختلاف المتكلم. بِخِلاَفِ الأَصْلِ: ما هو الأصل؟ فِي الْفَاعِلِ أََنْ يَتَّصِلاَ، وَالأَصْلُ فِي الْمَفْعُولِ أَنْ يَنْفَصِلاَ، ((وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ)) النُّذُرُ هذا فاعل، وآلَ: مفعول به تقدم، فصل بين العامل وفاعله بالمفعول به، ثم هذا قد يكون واجباً وقد يكون جائزاً، الأصل فيه الجواز. إذاً: يمتنع في ماذا؟ نقول: يمتنع في ثلاث مسائل: الأول: ما ذكره الشارح: إذا كان المفعول اسم شرط، أو اسم استفهام، بمعنى: أنه إذا كان له الصدارة في الكلام. وَقَدْ يَجِي الْمَفْعُولُ قَبْلَ الْفِعْلِ ويمتنع تقدم الفاعل على المفعول لما تقرر سابقاً: وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعلٌ.

стр. 867

وأما المفعول فحينئذٍ يجوز لعدم التباسه بالمبتدأ أن يتقدم على العامل، ((فَرِيقاً هَدَى)) هدى فريقاً، فريقاً هدى، عمْراً ضرب زيد، وحينئذٍ نقول: جاز تقدم المفعول على الفاعل، وحينئذٍ أيضاً مثل السابق يجوز ويجب. قال الشارح: الأصل أن يلي الفاعل الفعل من غير أن يفصل بينه وبين الفعل فاصل؛ لأنه كالجزء منه، ولذلك يُسَكَّنُ له آخر الفعل، إن كان ضمير متكلم أو مخاطب نحو: ضربتُ وضربتَ، وإنما سكنوه كراهة توالي أربع متحركات، وهم إنما يكرهون ذلك في الكلمة الواحدة، فدل ذلك على أن الفاعل مع فعله كالكلمة الواحدة. وَالأَصْلُ فِي الْمَفْعُولِ أَنْ يَنْفَصِلَ من الفعل بأن يتأخر عن الفاعل، ويجوز تقديمه على الفاعل إن خلا مما سيذكره، فتقول: ضرب زيداً عمرو، زيداً: هذا مفعول به تقدم على الفاعل، وهذا معنى قوله: وَقَدْ يُجَاءُ بِخِلاَفِ الأَصْلِ. وأشار بقوله: وَقَدْ يَجِي الْمَفْعُولُ قَبْلَ الْفِعْلِ؛ إلى أن المفعول قد يتقدم على الفعل، وهذا نوعان كما أن الأول نوعان، يعني كل منهما قد يكون جائزاً وقد يكون واجباً. وَقَدْ يُجَاءُ بِخِلاَفِ الأَصْلِ ... وَقَدْ يَجِي الْمَفْعُولُ قَبْلَ الْفِعْلِ يجب تقديمه إذا كان المفعول مما له صدر الكلام كاسم الشرط واسم الاستفهام، مثل ماذا؟ أي رجل ضربتَ؟ ضربت أي رجل، ضربت التاء هذا فاعل، وأي رجل تقدم على العامل، ما حكمه؟ نقول: يجب تقديمه، لماذا؟ لأنه له صدر الكلام، وهذا محل وفاق. أياً تضرب أضرب، ((أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)) نقول: هذا شرط وهو مفعول به وجب تقديمه على عامله. الثاني: أن يكون المفعول ضميراً منفصلاً ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ)) أصلها: نعبدك، تقدم هنا المفعول على الفاعل -على العامل- وجوباً، لماذا؟ لأنه لو تأخر لاتصل، وقد أريد بهذا التركيب القصر والحصر، وهذا لا يوجد مع الاتصال، فوجب الانفصال، ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ)) فلو أخر المفعول للزم الاتصال وكأنه يقال: نعبدك، فيجب التقديم لإرادة الحصر، بخلاف قولك: الدرهم إياه أعطيتك؛ فإنه لا يجب تقديم (إياه)؛ لأنك لو أخرته لجاز اتصاله وانفصاله على ما تقدم في باب المضمرات، وهو باب سلنيه وسلتنيه. الموضع الثالث: أن يكون العامل في المفعول واقعاً في جواب (أما)، ((فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ)) -هذا التركيب- ((فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ)) نقول: الْيَتِيمَ هنا واجب التقديم؛ لأنه تلا (أمَّا)، وهذا سيأتي في موضعه. إذاً: في هذه الثلاث المواضع يجب تقديم المفعول على العامل. ((وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)) هذا تقديراً، وهذا سيأتي في محله. والثاني: ما يجوز تقديمه وتأخيره نحو: ضرب زيد عمْراً. ثم قال رحمه الله تعالى: وَأَخِّرِ الْمَفْعُولَ إِنْ لَبْسٌ حُذِرْ ... أَوْ أُضْمِرَ الْفَاعِلُ غَيْرَ مُنْحَصِرْ أَخِّرِ الْمَفْعُولَ أَخِّرِ: هذا أمر، والفاعل أنت.

стр. 868

الْمَفْعُولَ: مفعول به، الْمَفْعُولَ هنا إعرابه: مفعول به، أخره عن ماذا؟ عن الفاعل، وحينئذٍ يجب البقاء على الأصل، هذا ما فيه التزام الأصل، فيجب أن يكون الفاعل متقدماً والمفعول متأخراً على محله، متى؟ إِنْ لَبْسٌ حُذِرْ، إِنْ حُذِرْ لَبْسٌ، إِنْ لَبْسٌ حُذِرْ، لَبْسٌ: هذا نائب فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور، بسبب خفاء الإعراب وعدم القرينة وسبق أنه إذا كانا معرفتين أو مبنيين أو موصولين أو مقصورين حينئذٍ يتعين أن يكون الأول مبتدأ والثاني خبر، لماذا؟ لأنه لو قدم الخبر على المبتدأ التبس، وهنا كذلك، لو قال: ضرب موسى عيسى؟ ما يُعرَف لو قَدَّمَ وأَخَّرَ من الفاعل ومن المفعول، لكن لو التزم أن يقدم الفاعل على المفعول: ضرب موسى عيسى؛ عرفت أن موسى هو الفاعل وعيسى هو المفعول. إِنْ لَبْسٌ حُذِرْ: حينئذٍ نقول: هذا فيه لبس، لماذا؟ لعدم التمَيُّز، أما إذا وجدت قرينة معنوية أو لفظية حينئذٍ نقول: جاز التقديم، لفظية مثل لو وصفته: ضرب موسى العاقلُ عيسى، ضرب عيسى العاقلَ موسى، لما وصفت العاقلَ بالنصب عرفت أنه مفعول به، هذا جائز، وكذلك إذا كانت قرينة معنوية، مثل ماذا؟ أرضعت الصغرى الكبرى، أيهما مفعول؟ الصغرى مفعول، لماذا؟ لأن الأصل الكبرى هي التي ترضع الصغرى، أرضعت الصغرى الكبرى؛ تعلم أن الأول هو مفعول به وليس بفاعل. إذاً: بسبب خفاء الإعراب وعدم القرينة، إذ لا يعلم الفاعل من المفعول والحالة هذه إلا بالرتبة كما في: ضرب موسى عيسى، وأكرم ابني أخي، ابني أخي: إعراب مقدر لا يعرف إلا إذا جعلت الفاعل في مرتبته والمفعول في مرتبته. فإن أمن اللبس لوجود قرينة جاز التقديم نحو: ضربت موسى سلمى، هذا يحتمل الضارب والمضروب، وأما إذا قلت: ضربت بالتاء عرفت أن هذا الفاعل مسند إلى سلمى، كما قال هنا. أَوْ أُضْمِرَ الْفَاعِلُ غَيْرَ مُنْحَصِرْ إذاً: يجب تأخير المفعول به، متى؟ إن خشي التباسه بالفاعل، فيجب حينئذٍ أن نلتزم كل مرتبة في مرتبتها، ولا يجوز التقديم ولا التأخير إلا بقرينة. أَوْ أُضْمِرَ الْفَاعِلُ غَيْرَ مُنْحَصِرْ: بمعنى أن الفاعل يكون ضميراً، ضربت زيداً، ما حكم تأخير المفعول هنا؟ واجب؛ لأنه لا يمكن أن يفصل بين ضرب والتاء، متى ما أمكن الاتصال لا يجوز الانفصال. وَفِي اخْتِيَارٍ لاَ يَجِيءُ المنُْْفَصِلْ ... إِذَا تَأَتَّى أَنْ يَجِيءَ المُتَّصِلْ وحينئذٍ نقول: يجب هنا أن يكون الفاعل متصلاً؛ لأنه ضمير، ولذلك قال: أَوْ أُضْمِرَ يعني: جيء به ضميراً إذا كان الفاعل ضميراً غير محصور، أي: وأخر المفعول عن الفاعل أيضاً وجوباً إن وقع الفاعل ضميراً غير منحصر، نحو: أكرمتك وأهنت زيداً، أهنت التاء، أكرمتك الكاف هنا مفعول به، والتاء: فاعل، لا يمكن التقديم والتأخير. غَيْرَ مُنْحَصِرْ: يعني إذا لم يكن ثَمَّ حصر، كما في قولك: ما ضرب زيداً إلا أنا، انفصل لإرادة الحصر صار فاعلاً، فهو متأخر بعد (إلا). أَوْ أُضْمِرَ الْفَاعِلُ غَيْرَ مُنْحَصِرْ؛ لأن الفصل يؤدي إلى انفصال الضمير مع إمكان اتصاله. وَمَا بِإلاَّ أَوْ بِإِنَّمَا انْحَصَرْ ... أَخِّرْ

стр. 869

هذا النوع الثالث، وهذا يشمل الفاعل والمفعول به، يجب تأخير الفاعل إذا كان محصوراً، ويجب تأخير المفعول به إذا كان محصوراً. وَمَا بِإلاَّ أَوْ بِإِنَّمَا انْحَصَرْ أَخِّرْ يعني: أَخِّرْ مَا انْحَصَرْ بِ (إِلاَّ) أو بِ (إِنَّمَا)، مَا: هذه مفعول به في محل نصب، وبـ (إِلاَّ) إو بـ (إِنَّمَا) هذا متعلق بقوله: انْحَصَرْ، انحصر بـ (إلا) أو بـ (إن) وسبق معنا أن المحصور سواء كان مبتدأ أو خبر أو فاعل أو مفعول إذا كان بـ (إلا) يكون ما بعد (إلا)، وإذا كان بـ (إنما) يكون متأخراً. المحصور منهما من الفاعل أو المفعول وجب تأخيره مطلقاً هنا لم يفصل الناظم، وفيه ثلاثة مذاهب. وَمَا بِإِلاَّ أَوْ بِإِنَّمَا انْحَصَرْ ... أَخِّرْ وَقَدْ يَسْبِقُ إِنْ قَصْدٌ ظَهَرْ قد يتقدم إذا دلت قرينة عليه، وهذا إنما يكون إذا كان الحصر بـ (إِلاَّ)، أما بـ (إِنَّمَا) فلا، بـ (إِنَّمَا) لا يكون متميزاً، إذا قلت: إنما ضرب زيدٌ عمْراً؛ أيهما المحصور فيه؟ عمْراً، لو قدمته؟ ما يتبين فيحصل لبس، لكن: ما ضرب زيد إلا عمْراً؛ معلوم أن عمْراً هذا محصور فيه، لو قلت: ما ضرب إلا عمْراً زيد بتقديم (إلا عمْراً) هذا واضح أنه مع (إلا) أنه هو المحصور. إذاً: وقد يسبق المحصور فاعلاً كان أو مفعولاً غير المحصور. إِنْ قَصْدٌ ظَهَرْ: وهذا يكون مع (إلا). قال الشارح: إذا انحصر الفاعل أو المفعول بـ (إِلاَّ) أو بـ (إِنَّمَا) وجب تأخيره، وقد يتقدم المحصور من الفاعل أو المفعول على غير المحصور إذا ظهر المحصور من غيره، يعني: إذا قصد حصر المفعول وجب تأخيره، ووجب تقديم الفاعل، إذا قصد حصر المفعول وجب تأخيره وتقديم الفاعل، فتقول: ما ضرب زيد إلا عمْراً، فعمْراً هذا محصور فيه في كونه مضروباً، وقد يكون لزيد مضروب آخر، أما عمرو هو المضروب فقط دون غيره، وأما زيد قد يكون له مضروب آخر. ما ضرب زيد إلا عمْراً، وإنما ضرب زيد عمْراً، عمْراً هذا مفعول به وهو محصور؛ لأنه جاء بـ (إنما) والذي يكون محصوراً بـ (إنما) يكون متأخراً -هو الثاني-، وأما بـ (إلا) فهذا يكون بعد (إلا). وإذا قصد حصر الفاعل وجب تأخيره وتقديم المفعول: ما ضرب عمْراً إلا زيد، فزيد: هذا متأخر وهو مرفوع بعد (إلا) وهو فاعل وهو محصور فيه. وإنما ضرب عمْراً زيد، فزيد هذا متأخر بعد (إنما) وحينئذٍ يكون محصوراً. وقوله: وَقَدْ يَسْبِقُ إِنْ قَصْدٌ ظَهَرْ قد يسبق منهما من المحصور بـ (إلا) أو بـ (إنما) إذا ظهر القصد، وهذا لا يتصور إلا في المحصور بـ (إلا)، وأما المحصور بـ (إنما) فلا، يبقى على الأصل. ولا يظهر القصد إلا في المحصور بـ (إلا)، وأما المحصور بـ (إنما) فقد لا يعلم حصره إلا بتأخيره. قال الشارح: فمثال المحصور بـ (إنما) قولك: إنما ضرب عمْراً زيد، أي: لا ضارب له غيره، وقد يكون لزيد مضروب آخر. ومثال المفعول المحصور بـ (إنما): إنما ضرب زيد عمْراً، أي: لا مضروب له غيره، وقد يكون لعمرو ضارب آخر. ومثال الفاعل المحصور بـ (إلا): ما ضرب عمْراً إلا زيد. ومثال المفعول المحصور بـ (إلا): ما ضرب زيد إلا عمْراً.

стр. 870

ومثال تقدم الفاعل المحصور بـ (إلا) قولك: ما ضرب إلا عمرو زيداً، هذا واضح. الأصل فيه التأخير: ما ضرب زيداً إلا عمرو؛ لأنه يجب تأخيره، ولكن لما علم فحينئذٍ نقول: جاز تقديمه. إذاً: نقول: المحصور بـ (إنما) لا خلاف في أنه لا يجوز تقديمه، وأما المحصور بـ (إلا) ففيه ثلاثة مذاهب: مذهب أكثر البصريين والفراء وابن الأنباري أنه لا يخلو، إما أن يكون المحصور بها فاعلاً أو مفعولاً، فإن كان فاعلاً امتنع تقديمه، وإن كان المحصور مفعولاً جاز تقديمه على التفصيل، مع كون الناظم أطلق. والثاني: مذهب الكسائي أنه يجوز تقديم المحصور بـ (إلا) فاعلاً كان أو مفعولاً لأمن اللبس فيه بخلاف (إنما)، وهذا واضح بين وهو الظاهر، وعليه كلام الناظم رحمه الله تعالى. المذهب الثالث -مذهب بعض البصريين-: أنه لا يجوز تقديم المحصور فيه بـ (إلا) فاعلاً كان أو مفعولاً، والصواب ما ذهب إليه الكسائي رحمه الله تعالى. وَشَاعَ نَحْوُ خَافَ رَبَّهُ عُمَرْ ... وَشَذَّ نَحْوُ زَانَ نَوْرُهُ الشَّجَرْ أشار بهذا البيت أنه قد يجب تقديم المفعول به على الفاعل إذا اتصل بالفاعل ضمير يعود على المفعول به؛ لأن الأصل والقاعدة في الضمير أنه يعود إلى متقدم، إما مذكور وإما دال عليه بقرينة، إما أن يكون مذكور: زيد قام؛ هذا عاد إلى مذكور، أو دل عليه الحال مثلاً: ((اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ)) هُوَ عاد إلى -الضمير لا يرجع إلى الأسماء-، هنا (اعْدِلُوا) جملة أي: العدل المفهوم من الفعل، ﴿وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وهو أي: الشارب ولا يشرب الخمر، هو؛ نقول: مرجع الضمير الشارب المفهوم من السياق. وكذلك قد يكون بالحال: ((كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي)) بَلَغَتْ يعني: الروح. إذاً: الحاصل: أن الضمير لا بد أن يكون مرجعه متقدماً، ولا يجوز أن يكون مرجعه متأخراً، لماذا؟ لأن وقع الضمير في لسان العرب هو ما ذكرناه، وهذا بالاستقراء التام لما ورد في النصوص، حينئذٍ إذا رجع إلى متأخر فإما أن يرجع إلى متأخر لفظاً ورتبة أو رتبة فحسب. الثاني: جائز، إذا رجع إلى متأخر في الرتبة دون اللفظ هذا جائز، وإذا رجع إلى متأخر لفظاً ورتبة هذا ممنوع إلا في ست مواضع. وَشَاعَ نَحْوُ خَافَ رَبَّهُ عُمَرْ شَاعَ: هذا كثير أو قليل؟ هنا اتصل بالمفعول به ضمير يعود على الفاعل، الأصل: خَافَ عُمَرُ رَبَّهُ، لا إشكال فيه، خَافَ عُمَرُ رَبَّهُ، رَبَّهُ: اتصل به ضمير مفعول به يعود إلى متقدم في الرتبة واللفظ، هل يجوز تقديم المفعول به المتصل بضمير يعود على الفاعل أن يتقدم على الفاعل؟ نقول: نعم يجوز، لماذا؟ لأنه وإن عاد إلى متأخر في اللفظ إلا أنه متأخر في الرتبة. خَافَ رَبَّهُ عُمَرْ رَبَّهُ: هذا متأخر في اللفظ دون الرتبة، فمرجع الضمير إلى متأخر في اللفظ دون الرتبة هذا جائز. خَافَ رَبَّهُ عُمَرْ عُمَرْ: فاعل، تقدم المفعول به هنا فعاد الضمير على متأخر في اللفظ، أما في الرتبة فلا؛ لأن رتبة الفاعل التقدم، وحينئذٍ هذا لا بأس به وهو شائع في كلام العرب. ((وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ)) هذا مثله، هذا جائز وجاء في فصيح الكلام.

стр. 871

وَشَاعَ: أي كثر وظهر تقديم المفعول على الفاعل إذا اتصل به ضمير يعود على الفاعل ولم يبالغ بعود الضمير على متأخر؛ لأنه متقدم في الرتبة. وَشَذَّ نَحْوُ: شَذَّ تقديم الفاعل إذا اتصل به ضمير يعود على المفعول لعوده على متأخر لفظاً ورتبة. زَانَ نَوْرُهُ الشَّجَرْ، نقول: نَوْرُهُ؛ هذا فاعل، اتصل به ضمير يعود إلى الشجر وهو مفعول به، إذاً: عاد على متأخر في اللفظ والرتبة، وهذا مختلف فيه، قيل: يجوز في الشعر والنثر مطلقاً، وقيل: يجوز في الشعر لا في النثر، وهذا ظاهر كلام ابن مالك رحمه الله تعالى. وقيل: يمتنع في الشعر والنثر. إذاً: قيل: يجوز مطلقاً ويمتنع مطلقاً، وقيل: يجوز في الشعر لا في النثر. إذاً: وَشَاعَ نَحْوُ خَافَ رَبَّهُ عُمَرْ؛ هذا جائز وموجود في لسان العرب، بل موجود في فصيح الكلام وهو القرآن. وَشَذَّ نَحْوُ زَانَ نَوْرُهُ زَانَ نَوْرُهُ: المراد النور إزهار الشجرة، يقال: نورت الشجرة تنويراً وأنارت أي: أخرجت نورها. نَوْرُ: هذا فاعل اتصل به ضمير يعود إلى متأخر في اللفظ والرتبة، وهذا ممتنع إلا في ست مسائل: الأولى: أن يكون الضمير مرفوعاً بـ (نِعْمَ وبابه) نِعْم رجلاً زيد، باب (نِعْمَ) أن يكون الضمير مرفوعاً بنعم وبابه، نعم رجلاً زيد، أين الفاعل؟ مستتر، أين مرجعه؟ زيد، متأخر، وظرف رجلاً زيد؛ مثله. الثاني: أن يكون مرفوعاً بأول المتنازعين المعمول ثانيهما، (جَفَوْنيِ وَلَمْ أَجْفُ الأخِلاّءَ إنَّنِي)، وهذا سيأتينا. الثالث: أن يكون مخبراً عنه بخبر يفسره، ((إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا)) هِيَ: مبتدأ، وحَيَاتُنَا الدُّنْيَا: هذا خبر، هي؛ الضمير يرجع إلى الحياة، إذاً: رجع إلى متأخر. رابعاً: ضمير الشأن والقصة، وهذا سبق معنا مراراً ((هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)). خامساً: أن يجر برُبَّ، رُبَّهُ فَتَى، رُبَّه: مرجع رُبَّ يكون متأخراً وسيأتي في حروف الجر. سادساً: أن يبدل منه المفسر، نحو: ضربته زيداً، زيداً بدل من ضربته، ضربته زيداً، مرجع الضمير (ضربته) المتأخر وهو مفسر للضمير. إذاً: هذه ست مواضع يجوز فيها لغة وهو فصيح مرجع الضمير أن يكون متأخراً، وما عداها يعتبر شاذاً، وهو الذي أشار إليه بقوله: وَشَذَّ نَحْوُ زَانَ نَوْرُهُ الشَّجَرْ. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 872

عناصر الدرس * شرح الترجمة (النائب عن الفاعل) ـ * أحكام ما ينوب عن الفاعل (المفعول به) ـ * صورة بناء فعل النائب عن الفاعل. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: قال الناظم رحمه الله تعالى: النَّائِبُ عَنِ الفَاعِلِ. بعدما بين لنا أحكام الفاعل ذكر ما ينوب عنه وعنون بهذا العنوان المختصر وهو النَّائِبُ عَنِ الفَاعِلِ، وهذه العبارة أولى مما يعبر به عند بعضهم بِالْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، من جهتين: أولاً: أن تلك العبارة فيها طول: الْمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فهي ست كلمات، وأما النَّائِبُ عَنِ الفَاعِلِ هذه ثلاث كلمات في الجملة. كذلك الْمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ يصدق على ديناراً من نحو: أعطي زيد ديناراً أعطي هذا فعل ماضي مغير الصيغة وزيد هذا نائب فاعل، وديناراً هذا مفعول لم يسم فاعله، فحينئذٍ دخل فيه ما الأصل خروجه، وعدم صدقه على الظرف وغيره مما ينوب عن الفاعل، النائب عن الفاعل هذا أعم، وأما المفعول الذي لم يسم فاعله فحينئذٍ نحتاج إلى الظرف الذي لم يسم فاعله، والمصدر الذي لم يسم فاعله، والجار والمجرور الذي لم يسم فاعله؛ لأننا خصصنا الحكم بالمفعول به، وحينئذٍ خرج الظرف والجار والمجرور والمصدر، ولذا قلنا: النائب عن الفاعل أعمل، وأجيب بأنه صار علماً بالغلبة، المفعول الذي يسم فاعله صار علماً بالغلبة، مثل جمع المؤنث السالم، حينئذٍ المفعول سمي مفعولاً باعتبار الأصل؛ لأنه لا ينوب المصدر والجار والمجرور ولا الظرف إذا وجد المفعول؛ فهو سيدهم، وحينئذٍ إذا وجد المفعول به امتنع إقامة غيره كما هو مذهب البصريين خلافاً للكوفيين. فإذا قيل: الْمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ عبر بالأصل فحينئذٍ صار علماً بالغلبة على ما ينوب عن الفاعل، ومع ذلك فالأولى أن يقال: النائب عن الفاعل لما ذكرناه، هي أخصر من حيث الكلمات وتصدق النائب عن الفاعل، ويدخل فيه المفعول ويدخل فيه الجار والمجرور والظرف بنوعيه المكاني والزماني، ويدخل فيه المصدر، وكذلك لا يصدق على ديناراً: أعطي زيد ديناراً بخلاف الجملة السابقةز النَّائِبُ عَنِ الفَاعِلِ. يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ عَنْ فَاعِلِ ... فِيمَا لَهُ كَنِيلَ خَيْرُ نَائِلِ يحذف الفاعل لغرض من الأغراض اللفظية أو المعنوية، وبحث هذه المسألة يعتني بها البيانيون، لماذا يحذف الفاعل ويناب عنه غيره! ولكن في الجملة نقول: يحذف الفاعل إما لغرض لفظي وإما لغرض معنوي، أما الأسباب اللفظية فهذه كثيرة منها: القصد للإيجاز في العبارة -الاختصار-، ((فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ)) لا شك أن الذي يعاقب به الإنسان قد لا يمكن حصره، فحينئذٍ حذف الفاعل هنا وأنيب المفعول به منابه من أجل الاختصار، ومنها المحافظة على السجع الكلام المنثور كما ذكر ابن هشام ذلك في شرح القطر، ومثل له بقوله: "مَنْ طَابَتْ سَرِيرَتُهُ حُمِدَتْ سِيرَتُهُ"، يعني حمد الناس سيرته؛ إذ لو ذُكر الفاعل لطالت الفاصلة، ولم تكن موافية لما سبق، كذلك المحافظة على الوزن في الشعر؛ إذ لو ذكر الفاعل قد ينكسر معه الوزن وقد يطول به الكلام، ويمثلون لذلك بقول الأعشى:

стр. 873

عُلِّقتُهَا عَرَضَاً وعُلِّقَتْ رَجُلاً ... غَيْرِى وَعُلِّقَ أُخْرَى غيرَها الرَّجُلُ ثلاثة أفعال كلها مبنية للفاعل، عُلِّقتُهَا: يعني أحبها، عَرَضَاً وعُلِّقَتْ رَجُلاً غَيْرِى وَعُلِّقَ أُخْرَى غيرَها الرَّجُلُ، حينئذٍ لو ذكر الفاعلِينَ هنا، حينئذٍ لما استقام له الوزن. وأما الأسباب المعنوية فكثيرة، منها كون الفاعل معلوماً للمخاطب ((خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)) معلوم أن الخالق هو الله ، فيحذف حينئذٍ الفاعل للعلم به بين المخاطب والمتكلم، كذلك كونه مجهولاً للمتكلم لا يعرفه: "سُرِقَ الَمَتَاعُ "، سرق السارق المتاع هذا الأصل، هنا لم يحذف لكونه لا يمكن أن يوجد الفعل، لا، يمكن أن يوجد باسم فاعل مشتق من مصدر الفعل، سُرق سَرق، السارق متاعي، لكن إذا قيل: سرق السارق متاعي، أو سرق اللص متاعي .. ليس فيه كبير فائدة، لن يسرق إلا اللص، ولن يسرق إلا السارق، ولذلك لما قيل: سرق متاعي علمنا أنه سارق، وعلمنا أنه لص؛ إذ ليس سارق وليس بلص، نقول: هذا معلوم من السياق. كذلك رغبة المتكلم في الإخفاء: تُصدق بألف دينار، أراد نفسه مثلاً ولم يرد أن يخبر بأنه الذي تصدق، تُصدق بألف دينار، ومنها رغبة المتكلم في إظهار تعظيم للفاعل لئلا يقترن به ما هو حقير، خلق الخنزير، خلق الحمار، خلق إبليس .. معلوم أن إبليس والخنزير والحمار هذه مما يستقذر منها. كذلك رغبة المتكلم في إظهار تحقير الفاعل بصون لسانه عن أن يجري بذكره: ادُّعِيَت النُّبُوَّةُ، يريد احتقار المدعي، فيحذف الفاعل حينئذٍ، ومنها خوف المتكلم من الفاعل فيعرض عن ذكره، لا يريد أن يبين، قيل: ارتُكب كذا، أو فُعل كذا، ويخشى من الفاعل هو يعلمه لكن يخفيه من أجل خوفه على نفسه. وغير ذلك من المعاني التي يتكلم عنها البيانيون وحذفُهُ للخَوفِ والإِبهَامِ ... والوَزنِ والتَّحقِيرِ والإِعظَامِ والعِلمِ والجَهَلِ والاقتِصَارِ ... والسَّجعِ والوِفَاقِ والإِنكَارِ وغير ذلك من الأغراض التي يتكلم عنها البيانيون، وإنما غرض النحاة هنا في بيان الأحكام، ما الذي ينبني على الكلمة إذا حذف الفاعل وأنيب المفعول أو غيره منابه! قال: يَنُوبُ مَفْعُولٌ، يَنُوبُ هذا فعل مضارع ومَفْعُولٌ فاعل-المفعول هنا فاعل-. مَفْعُولٌ بِهِ إن كان موجوداً، وإن لم يكن موجوداً حينئذٍ ينوب غيره، فليس كلامه هنا على إطلاقه وينوب مفعول به إن كان للفعل مفعولاً واحداً، وينوب عن الفاعل مفعول أول إن كان له أكثر من مفعول، وسيأتي خلاف في المفعول الثاني. إذاً قوله: يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ، نقول: إن وجد المفعول في الكلام، وإن لم يوجد حينئذٍ عدل إلى ما ينوب عنه، كذلك مَفْعُولٌ بِهِ: نقول: هذا قد يصدق على المفعول حقيقة وهو فيما إذا كان الفعل له مفعولاً واحداً ضرب زيد عمراً، لا شك أنه مفعول واحد، فتقول: ضُرب عمروٌ، وسيأتي البحث فيما إذا كان متعدياً إلى اثنين سواء كان من باب كسى، أو باب علم، أو متعدي إلى ثلاثة.

стр. 874

عَنْ فَاعِلِ حذف لغرض لفظي أو معنوي، فِيما لَهُ يعني: في الذي استقر له –للفاعل- من الأحكام السابقة؛ لأنه سبق أن الفاعل له الرفع، وسبق أن الفاعل يكون بعد الفعل ولا يتقدم عليه، سبق أن الفاعل لا بد من ذكره أو استتاره لا يحذف، سبق أن الفاعل لا بد من تجريد العامل من علامة تدل على تثنيته أو جمعه، فيما إذا كان مثنىً أو جمعاً، سبق أن الفاعل لا بد من تأنيث الفعل له إن كان مؤنثاً حقيقياً بالشرط السابق، وقد يجوز ذلك، سبق أن الفاعل قد لا يتقدم على فاعله، لا بد من تأخره .. وغير ذلك من الأحكام، وهذه بخلافها للمفعول، المفعول الأصل فيه أن يكون منفصلاً عن العامل، وهنا سيكون متصلاً به، الأصل في المفعول أنه منصوب، والأصل في المفعول أنه يجوز تقدمه على العامل، الأصل في المفعول ألا يراعى من جهة كونه مؤنثاً أو لا! ليس له علاقة، العامل لا علاقة له، ضرب زيد هنداً، بخلاف ضربت هند زيداً لا بد من التأنيث إذا كان الفاعل مؤنثاً، حينئذٍ نقول: الأحكام السابقة كلها التي ثبتت للفاعل تثبت للمفعول به، فكان فضلة صار عمدة، كان منصوباً صار مرفوعاً، كان جائز التقدم على العامل صار واجب التأخر، كان الأصل فيه أن ينفصل عن العامل صار الأصل فيه أو الاستحقاق أن يتصل بالعامل، كان الأصل ألا يراعى من جهة التأنيث، فحينئذٍ صار واجب المراعاة من جهة التأنيث: ضرب زيد هنداً، ضُربت هند وجب التأنيث من أجل المفعول به، إذاً كل الأحكام السابقة للفاعل تثبت للمفعول إذا أنيب مناب الفاعل. كالرفع، والعمدية، ووجوب التأخير، ووجوب ذكره، واستحقاقه الاتصال بالعامل، وكونه كالجزء منه -كان منفصلاً صار كالجزء بدليل أنه يسكن له آخر الفعل الماضي، تأنيث الفعل- لتأنيثه على التفصيل السابق، وإغنائه عن الخبر في نحو: أمضروب العبدان، أغنى هنا عن الخبر، وهو نائب فاعل. وتجريد العامل من علامة التثنية والجمع على اللغة الفصحى كما سبق. يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ عَنْ فَاعِلِ ... فِيما لَهُ: يعني في الذي استقر له من الأحكام فِيما لَهُ: استقر له، لَهُ هذا متعلق بمحذوف صلة الموصول فيما يعني في الذي استقر له من الأحكام؛ للفاعل من الأحكام السابقة التي بيناها. كَنِيلَ: كقولك نِيلَ خَيْرُ نَائِلِ: أصلها نال زيد خَيْرُ نَائِلِ، حذف الفاعل الذي هو زيد وأنيب خَيْرُ منابه، فارتفع، كان منصوباً فصار مرفوعاً، كان خيرَ بالنصب، صار خيرُ، كان منفصلاً عن العامل نَائِلِ صار متصلاً به، كان جائز التقدم، نال زيد خير نائل، خير نائل نال زيد، هذا جائز، لكن لما ارتفع على أنه نائب فاعل امتنع. إذاً كل الأحكام قد ثبتت لنائب الفاعل. كَنِيلَ خَيْرُ نَائِلِ: يقال نلته المعروف وأنلته ونولته، أي: أعطيته، والاسم النوْل والنوَال، وليس خيرَ نائل، الظاهر أنها ليست أفعل التفضيل ولا مصدراً وإنما هو بمعنى المال، ((إِن تَرَكَ خَيْرَاً)) يعني مالاً، ونائل اسم فاعل، فالمعنى أُعطي مال شخص نائل، أي معطٍ، إذاً نِيلَ، نقول: هذا مغير الصيغة كما سيأتي، وخَيْرً هذا نائب عن الفاعل المحذوف؛ إذ الأصل نال زيد خير نائل.

стр. 875

فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ وَالمُتَّصِلْ: بعد أن بين لنا أن المفعول ينوب مناب الفاعل في الأحكام السابقة كلها، حينئذٍ إذا ناب فالأصل بقاء الفعل على ما كان عليه، إذا قيل: ضرب زيد عمراً، حذفت الفاعل وهو زيد وأعطيت الأحكام كلها السابقة لعمرو، فقلت: ضرب عمرو، رفعت عمراً بعد أن كان منصوباً واتصل بالعامل بعد أن كان منفصلاً، حينئذٍ التبس بالفاعل، ضرب زيد ضرب عمرو، ما الذي أدرانا أن هذا نائب وهذا فاعل! فأوجب النحاة على ما استعمل في لسان العرب من تغيير الصيغة للدلالة على أن ما بعده نائب فاعل وليس بفاعل، فمنذ أن ينطق بالفعل في أول الكلام تعلم أن الذي سيذكر بعده نائب فاعل وليس بفاعل، منذ أن تقرأ أو تسمع ضُرب تعلم أن زيد الذي يليه نائب فاعل، ما الذي أدرانا؟ تغيير الصيغة. إذاً: يجب تغيير الصيغة من أجل تمييز النائب -نائب الفاعل- عن الفاعل؛ لأنه لو لم تغير الصيغة لالتبس ذا بذاك، فقيل: ضرب زيد عمرو، ضرب عمرو، حينئذٍ ما حصل حذف وأين النائب؟ وما الذي دلنا على هذا؟ فلذلك وجب تغيير الصيغة، والأبيات التي ستأتي معنا كلها في بيان الأحكام المتعلقة بالفعل من أجل الحكم على أن ما بعده نائب فاعل وليس بفاعل، وهذه كلها في الجملة متفق عليها ليس فيها خلاف. فقال ﵀: فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ: إذاً للانتقال. يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ عَنْ فَاعِلِ ... فِيمَا لَهُ كَنِيلَ خَيْرُ نَائِلِ ثم ينتقل إلى الفعل، نقول: لماذا؟ لبيان أن الفعل يجب تغييره تغيير صيغته من أجل تأكيد الحكم على أن ما بعد الفعل نائب فاعل وليس بفاعل. فَأَوَّلَ: هذه الفاء للتفريع، يعني إذا ناب المفعول مناب الفاعل يتفرع على ذلك وجوب تغيير الصيغة، ولا تتركه هكذا ضرب زيد عمراً، ضرب عمرو؛ لأنك لو تركته دون أن تضم أوله لالتبس بالفاعل. فَأَوَّلَ -الفاء هذه للتفريع- الْفِعْلِ اضْمُمَنْ: اضْمُمَنْ: هذا فعل أمر اتصل به نون التوكيد الخفيفة، فهو مبني معها على الفتح. أَوَّلَ الْفِعْلِ: هذا مفعول به مقدم، والأصل في الفعل المؤكد ألا يتقدم معموله عليه، جماهير النحاة على ذلك إلا في مقام الضرورة كالبيت هنا، وإلا الأصل اضْمُمَنْ أَوَّلَ الْفِعْلِ، لا يجوز أن يتقدم، فإذا أعرب مثل هذا التركيب (أَوَّلَ) مفعول به لـ (اضْمُمَنْ) وهو مؤكد، سواء كان مؤكداً بالنون أو بقد أو باللام أو نحو ذلك، لا يجوز أن يتقدم معموله عليه إلا في مقام الضرورة كالوزن ونحو ذلك. هنا أَوَّلَ: نقول هذا مفعول به مقدم على اضْمُمَنْ وهو العامل فيه. فَأَوَّلَ الْفِعْلِ: المراد بأول الفعل (فاء الفعل)؛ لأن ضَرَبَ على وزن فَعَلَ، فاء الفعل هي الأول، وعين الفعل هي الثاني، ولام الفعل هي الثالث، وهذه اصطلاحات عند الصرفيين، يسمون الأول من الكلمة الأصلية الحرف الأصلي يسمى فاء الفعل؛ لأنه مقابل للفاء في الوزن، فيقال: ضرب على وزن فعل، ففعل ضرب، الضاد هي فاء الفعل، والراء هي عين الفعل، والباء هي لام الفعل. فاضْمُمَنْ أَوَّلَ الْفِعْلِ، يعني فاء الفعل الذي هو الحرف الأصلي، وهذا المراد به في الثلاثي كما سيأتي. فَأَوَّلَ الْفِعْلِ: أي فاء الكلمة -الفعل الذي تبنيه للمفعول-.

стр. 876

اضْمُمَنْ: مطلقاً سواء كان ماضياً أو مضارعاً، فأطلق قوله: الْفِعْلِ ليشمل الماضي والمضارع؛ لأن الحكم عام. فكل فعل مغير الصيغة في هذا الباب أوله مضموم قطعاً، ثم الضم قد يكون ملفوظاً به وقد يكون مقدراً، فاضْمُمَنْ ولو تقديراً، كما في قيل وبيع كما سيأتي؛ لأن قيل أصله مضموم الأول، وبيع أصله مضموم الأول، فحينئذٍ ضُم لكنه مقدر، وبيع ضُم لكنه مقدر، إذاً اضْمُمَنْ مطلقاً، سواء كان الفعل ماضياً أو مضارعاً فالحكم عام، حينئذٍ تقول: ضرب، ضُ .. ضممت الأول، يُضرب، يُـ .. تضم حرف المضارعة، وهذا الحكم قلنا عام يشمل فيما إذا كان الأول مكسور فيما هو الثلاثي المعل العين كما سيأتي في قيل وبيع، فحينئذٍ يكون الضم مقدراً، أو كان ملفوظاً به وهو الأصل، إذاً عمم القاعدة في الأول فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ: يعني سواء كان الفعل ماضياً أو مضارعاً اضْمُمَنْ، ولو تقديراً، ولو مثل بنيِلَ خَيْرُ نَائِلِ جيد. وَالمُتَّصِلْ بِالآخِرِ اكْسِرْ: أما ما قبل الآخر ففيه تفصيل بين النوعين الماضي والمضارع؛ لأن الأمر هنا لا يتصور أن يدخل معنا، لماذا؟ لأن فاعله لا يحذف، لا يمكن أن يحذف بل هو ضمير مستتر واجب الاستتار، فحينئذٍ بقي الأمر متردداً بين الماضي والمضارع، فإذا قيل: بأن الماضي والمضارع يضم أولهما بقي التفريق بينهما فيما قبل الآخر، أما الآخر فهذا يكون محلاً للإعراب والبناء، بقي حكم الصرف معلقاً بما قبل الآخر، فإن كان ماضياً قال: اكْسِرْ، واكسر المتصل بالآخر في مضيٍ، متصل بالآخر ما هو؟ الذي قبل الآخر، المتصل يعني: الحرف المتصل بالآخر الذي هو قبل الآخر، ضَرَب الراء هذه متصلة بالآخر وهي الباء، في الماضي تقول: ضُرِب فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ، ثم اكسر ما قبل آخره ضُرِب، وأما الباء فهي حركته حركة بناء. واكْسِرْ الحرف المُتَّصِلْ هذا مفعول به وقف بالإسكان للروي مفعول مقدم لقوله: اكْسِرْ، اكْسِرْ المُتَّصِلْ، يعني الحرف المتصل. بِالآخِرِ: هذا متعلق بالمتصل، متصل بالآخر يعني الذي يكون آخر الكلمة وهو محل إعراب أو بناء، المتصل به الذي قبله. فِي مُضِيٍّ: هذا تخصيص –تقييد-، ليس الحكم كالأول فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ! لا، هنا تفصيل، أوَّل عمم وأطلق وهنا فصل، وهذا تستدل به على أنه أراد بقوله: الفعل، فَأَوَّلَ الْفِعْلِ العموم؛ لأنه إذا أطلق -هذا حتى في الفقهيات- إذا أطلق الحكم في مسألة، ثم جاء في المسألة التي تليها فصّل بين ما يمكن إدخاله في المسألة الأولى، تعمم الأولى وتخصص الثانية، هنا قال: فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ، قد يقول قائل: هذا ليس نصاً في أن المضارع داخل فيه، أو أن الحكم خاص بالماضي، نقول: لا، كونه فصل قال: فِي مُضِيٍّ، ثم قال: وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ، في المتصل بالآخر، علمنا أن قوله: فَأَوَّلَ الْفِعْلِ، أنه عام، وهذا كثير في الفقه هناك. وَالمُتَّصِلْ بِالآخِرِ -منه- اكْسِرْ، هذا أمر وجوباً ولو تقديراً، كـ (رُدَّ) فيما هو ثلاثي مُضَعَّف، رُدَّ فِي مُضِيٍّ، هذا قيد أفاد أن قوله: أَوَّلَ الْفِعْلِ عام، وأن هذا الحكم خاص بالماضي دون المضارع.

стр. 877

اكْسِرْ: نقول: ضُرِب، أصلها ضَرَب مفتوحة الراء، فجعلت الفتحة كسرة، تقول: ضُرِب، إذاً تغيرت صيغة الفعل الماضي. ضَرَب، صار ضُرِب ضُمَّ أوله وكسر ما قبل آخره، وهذا واضح فيما إذا كان مفتوحاً .. ضرَب، فعَل العين مفتوحة الراء مفتوحة، إذا كان مثل علِم اللام مكسورة في أصلها، فحينئذٍ إذا قيل اللام مكسورة في أصلها، إذا قلت: عُ ضممت أوله، لِ كسرت ما قبل الآخر أو نبقيه كما هو؟ قولان للنحاة، والظاهر أنها ما كان مكسور قبل الآخر يبقى على كسرته، لا نحتاج أن نقول هذه الكسرة محدثة وأسقط الكسر السابق، هو محتمل، لكن نقول: المراد هنا التمييز تمييز الفعل من أجل الحكم على أن ما بعده نائب فاعل، فحينئذٍ حصل بوجود الكسر فأغنت هذه الكسرة عن إحداث كسرة أخرى، فإذا قيل: عُلِم قد يرد السؤال: هذه الكسرة هل هي الكسرة الأصلية في عُلِم أم أنها كسرة محدثة مثل ضُرِب، نقول: الظاهر أنها هي الأصل، وليست محدثة. اكْسِرْ: نقول هذا ظاهره فيما إذا لم يكن مكسوراً في الأصل كضَرَب، فإن كان مكسوراً في الأصل كعلِم، فإما أن يقال: يُقدر زوال الكسر الأصلي وأتي بكسر بدله، هذا فيه تكلف، بمعنى أنه يقال هذه الكسرة ليست هي كسرة علِم، بل كسرة محدثة جديدة، وتلك قد سقطت، أو يقال المراد الكسر إذا لم يكن مكسوراً في الأصل، واكْسِرْ إذا لم يكن مكسوراً في الأصل، وهذا جيد وأحسن، ومناسب للقواعد التي تكون منطقية، ويقبلها العقل، حينئذٍ نقول: واكْسِرْ إذا لم يكن مكسوراً، فإن كان مكسوراً بقي على كسره ولا نحتاج إلى التكلف. والكسر هو الكثير في لسان العرب، ومنهم من يسكنه لغة، ضُرِبَ يقول: ضُرْبَ زيد بإسكان الثاني، والكثير المشهور هو كسره، ويجوز تسكينه فيقال: ضُرْبَ، عُلْمَ زيد، يعني عُلِم، ومنهم من يفتحه في معتل العين، ويقلب الياء ألفاً، رُئِيَ زيد، يفتح ما قبل الآخر وهو الهمزة، فحينئذٍ نقول: تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً فصار رُؤى، رؤى زيد. إذاً: الصحيح يكون فيه لغتان: نحو ضُرِب فيه لغتان: كسر ما قبل الآخر وهو الأفصح والأكثر، وتسكينه. وأما إذا كان معتل اللام مثل رأى رؤي، ففيه ثلاث لغات، الأولى الكسر رئي، ثم رؤى الذي هو الإسكان، ثم فتح ما قبل الآخر فتقلب الياء ألفاً رأي، تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فحينئذٍ قلبت ألفاً وصار رؤى، رؤى زيد، ففيه ثلاث لغات، لكن المشهور ما ذكره الناظم هنا رحمه الله تعالى. فِي مُضِيٍّ: قلنا هذا متعلق بقوله: اكْسِرْ، كَوُصِلْ، وصل زيد وصلت الشيء، الأصل وصلت، وصل مثل ضرب .. وصلت الشيء ووصل الشيء ضُم أوله وكسر ما قبل آخره حقيقة، فحذف الفاعل وأقيم المفعول به مقامه، فتغير فَعَل بفتح أوله فُعِل، هذا إذا كان ماضياً. إن كان مضارعاً أشار إليه بقوله: وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحَا ... كَيَنْتَحِي الْمَقُولِ فِيهِ يُنْتَحَى وهذا كما ذكرنا لا خلاف فيه بين النحاة، كل هذه المسائل متفق عليها، وهي المسائل المأخوذة من فن الصرف؛ لأنه لا علاقة للنحاة بأول الفعل ولا أوسطه، وإنما يتعرضون لهذه الأبحاث وإن لم تكن من فنهم من أجل إتقان الباب فحسب؛ لأنه لا يتم معرفة نائب الفاعل إلا بذكر هذه المسائل.

стр. 878

وَاجْعَلْهُ: يعني المتصل بالآخر. مِنْ مُضَارِعٍ: عرفنا حكم الماضي، إذاً ليس للاحتراز، وإنما هو لبيان الواقع. مُنْفَتِحَا: يعني مفتوحاً، وهذا مفعول ثاني لقوله: اجْعَلْ، والهاء هذه مفعول أول. وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحَا: ولو تقديراً كـ (يُقال)، قال يقالُ يقولُ .. ضُمَّ أوله وفُتِح ما قبل آخره، صار يُقْوَلُ يُفْعَلُ مثل: يُضربُ، يُقتلُ، هذه مغير الصيغة، فيقال: يُقْوَلُ، أريد قلب الواو ياء، فنقلت حركة الواو إلى ما قبلها، من أجل أن ندعي أن الواو تحركت وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، أو نقول: اكتفاء بجزء العلة؛ لأن العلة مركبة هنا، لا بد من تحرك الواو وانفتاح ما قبلها، فإذا قيل: يُضرَب، يُقْوَلُ تحركت الواو ولم يفتح ما قبلها، ماذا نفعل؟ تكلف الصرفيون لهذا القلب علة أخرى وهي: أن الواو قد نقلت إلى ما قبلها، حينئذٍ صار النظر إلى فعلين: يُقْوَلُ واو مفتوحة، ثم لما نقلوا الفتحة إلى ما قبلها صار (يَق) تحركت الواو ثم سكنت الواو، بالنظرين قبل النقل وبعد النقل قالوا: تحركت الواو في يُقْوَلُ، وانفتح ما قبلها في يَقْوَلُ، وحينئذٍ قلبت ألفاً، وهذا فيه تكلف، والأصح أن يقال: اكتفاء بجزء العلة، لماذا؟ لأنه سمع كذا، يُقَالُ لا يوجد يُقْوَلُ أبداً، وإنما هذه فلسفة من أجل معرفة أن هذه الألف منقلبة عن واو، وهو صحيح متفق على أن هذه الألف منقلبة عن واو، كيف انقلبت؟ نقول: نحن عندنا قاعدة أن الواو لا تقلب ألفاً إلا إذا تحركت وانفتح ما قبلها، قال: قوَل، تقول: تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألف، باع بيَع تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً. هنا ليس عندنا تحرك الواو وانفتح ما قبله، فقالوا: إذاً نتكلف علة من أجل تمكين هذه الواو من قلبها ألفاً، إذاً إذا قيل: يقال، ما قبل الأخير هو الواو المنقلبة ألفاً. قال: وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحَا أين الانفتاح هنا؟ ليس فيه فتحة، وإنما نقول: هنا مقدر؛ لأنه قبل قلب الألف واواً. وَاجْعَلْهُ: يعني اجعل المتصل بالآخر يعني ما قبل الآخر مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحَا ولو تقديراً كـ (يُقال)، اجْعَلْهُ الضمير هنا مفعول أول مُنْفَتِحَا مفعول ثاني، مِنْ مُضَارِعٍ متعلق باجْعَلْهُ. كَيَنْتَحِي: يعني كقولك في مثال ذلك ينتحي، هذا من الانتحاء وهو الاعتماد، المبني للمعلوم.

стр. 879

يَنْتَحِي بإثبات الياء، يَنْتَحِي أصلها ينتحيا، حينئذٍ تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً فصار يَنْتَحِي، هذه ألف ويَنْتَحِي هذه ياء، نقول: تحركت الياء وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفاً، حينئذٍ يَنْتَحِي هذا مضارع مبني للمعلوم، يَنْتَحِي هذا مضارع مغير الصيغة، والأولى أن يعبر في مثل هذا التركيب بمغير الصيغة وإن انتشر عند الكثير بأنه مبني للمجهول لسببين: أولاً: المبني للمجهول هذا فيه تخصيص لغرض واحد من أغراض حذف الفاعل؛ لأنه كما سبق حذف الفاعل ليس خاصاً بالمجهول، هل كلما حذف الفاعل معناه للجهل به؟ قلنا: قد يخاف من ذكره، قد يكون معلوماً ((خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)) معلوم هذا؟ مقطوع العلم هذا، لا خالق إلا الله، حينئذٍ ليس إذا قيل: مبني للمجهول فيه حصر لغرض حذف الفاعل في الجهل به، وهذا غلط ليس بصحيح، بل قد يحذف للعلم به، قد يحذف للخوف منه، قد يحذف لمصلحة ألا يصرح به، قد يحذف للتعظيم، للتحقير .. إلى آخره، ليس للجهل به. ثم إذا جئنا في حكم شرعي وإذا جئنا نطبق مثل هذا الإعراب في بعض الآيات التي يكون فيها الرب جل وعلا هو الفاعل الذي حذف، هذا لا يجوز نقول: ((خُلِقَ الإِنسَانُ)) خُلِقَ مبني للمجهول! هذا لا يجوز، ولو اصطلح النحاة على هذا، لماذا؟ لأنه لا يدَّعى أن الله مجهول، ((خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)) خُلِقَ، نقول: هذا فعل مبني للمجهول، أين المجهول؟ ليس عندنا مجهول، فلا يلتبس؛ لأنه كثير ما يقول النحاة مبني للمجهول! لا، نقول: مغير الصيغة، فعل ماضي مغير الصيغة، فعل مضارع مغير الصيغة، ومبني للمجهول هذه إن استعملت فرآها إنسان لا يستعملها في مثل هذه المواضع. إذا كان المحذوف النبي ﷺ أو أحد من الصحابة مثلاً والقول منسوب إليه، أو الملائكة .. حينئذٍ نقول: لا، لا ينبغي بل لا يجوز أن يقول: مبني للمجهول؛ لأن التجهيل هذا صعب. وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحَا ... كَيَنْتَحِي الْمَقُولِ فِيهِ: الْمَقُولِ يجوز فيه وجهان: مَقُولِ على أنه نعت ليَنْتَحِي؛ لأنه قصد لفظه، كَيَنْتَحِي الأولى أن يجعل الكاف هنا داخلة على اسم، يَنْتَحِي هذا قصد لفظه، وإنما نقدر القول فيما إذا كان جملة، يعني لو قال: كَيَنْتَحِي زيد عمرو كقولك، أما إذا جاء بالفعل نفسه نقول: هذا قصد لفظه فصار علماً، فالكاف هنا داخلة على اسم، فلا نحتاج إلى التقدير. كَيَنْتَحِي الْمَقُولِ: نعت له. الْمَقُولِ فِيهِ: (فِيهِ) هذا نائب فاعل المقول، يعني اسم مفعول، يَنْتَحِي هذا محكي بالقول؛ لأن المقول والقول وما تصرف منه قلنا هذا يتعدى، هذا الأصل، حينئذٍ يكون نائب فاعل ليس فيه، وإنما ينتحى هو المحكي بالمقول. ويجوز الْمَقُولِ فِيهِ يَنْتَحِي، الْمَقُولِ مبتدأ، ويَنْتَحِي هذا خبر، يجوز هذا ويجوز ذاك. الْمَقُولِ فِيهِ يَنْتَحِي، لكن إذا قيل: الْمَقُولُ بالرفع يكون الترتيب للبيت هكذا: وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ كَيَنْتَحِي ... مُنْفَتِحَا الْمَقُولِ فِيهِ يُنْتَحَى

стр. 880

هذا أولى، إذا جُعِل مرفوعاً يكون تقدير البيت: وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ كَيَنْتَحِي .. حينئذٍ كَيَنْتَحِي هذا متعلق بقوله: مُضَارِعٍ، مُنْفَتِحَا هذا مفعول ثاني، وإذا قيل: الْمَقُولِ فيبقى على ما ذكره الناظم رحمه الله تعالى. إذاً: الماضي والمضارع إذا أريد صوغهما لنائب الفاعل حينئذٍ يضم الأول (فَ)، ثم ننظر إلى ما قبل الآخر فالماضي نكسره لفظاً أو تقديراً ويجوز لغةً تسكينه، وإذا كان معتل اللام جاز فتحه، فصار فيه ثلاث لغات، وما قبل المضارع يفتح ولو تقدير، وهذا محل وفاق والحمد لله. وَالثَّانِيَ التَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ ... كَالأَوَّلِ اجْعَلْهُ بِلاَ مُنَازَعَهُ وهذا أيضاً محل وفاق. وَالثَّانِيَ: يعني الحرف الثاني، هذا منصوب على الاشتغال، وهذا سيأتينا: إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ سَابِقٍ فِعْلاً شَغَلْ، اجْعَلْهُ الضمير هنا راجع إلى الثاني، لكنه نصبه حينئذٍ تعين أن يكون الأول من باب الاشتغال. وَالثَّانِيَ: يعني اجعل الثاني، والمراد بالثاني هنا الحرف -الحرف الثان-ي. التَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ: تَا الْمُطَاوَعَهْ المراد بها حصول الأثر من الأول للثاني، قد تتصل بالفعل الماضي تاء تسمى تَا الْمُطَاوَعَهْ، والمراد بها قبول الأثر، أو حصول الأثر من الأول للثاني، يعبر بالحصول والقبول لا شك، هذا وذاك، يقال: حصول الأثر من الأول للثاني، أو قبول الأثر من فعل سابق وحصوله نتيجة لتأثيره، علَّمتُه فتعلم، علمته: حصل تعليم مني، فقبل العلم فتعلم، أما إذا لم يقبل لا يصح أن يقال: فتعلم؛ لأنه لم يقبله، كسَّرته فتكسَّر، إذاً تكسر حينئذٍ قلنا قبل الأثر، إذا لم يتكسر لا يقال: تكسر، إذا كسرت الزجاج كسرته كسرته تقول: كسّرته فتكسَّر، إذا لم يتكسَّر لا يصح أن يقال: تكسَّر، التاء هذه تدل على أن ثم تأثير من خارج لهذا المحل، فقبله ذلك المحل، إذا قبل وجاءت التاء، قلنا هذه تَا الْمُطَاوَعَهْ. قال: وَالثَّانِيَ التَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ: وتا المطاوعة هذه لا تتصل إلا بالفعل الماضي، وإذا كان كذلك خصصنا هذا البيت بالفعل الماضي لأنه لا تأتي في الفعل المضارع. هذا في الماضي لا في المضارع؛ لأن تَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ لا يكون ثانياً في المضارع بل ثالثاً فيه؛ لزيادة حرف المضارعة قبلها؛ لأنه قال: وَالثَّانِيَ، هذا لا يتصور في المضارع وإنما يتصور في الماضي فحسب. وَالثَّانِيَ التَّالِيَ تَا الْمُطَاوَعَهْ: الذي يتلو تَا الْمُطَاوَعَهْ: حينئذٍ تَا الْمُطَاوَعَهْ تكون أولاً، وحكمها معلوم مما سبق فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ، الكلام الآن ليس في تَا الْمُطَاوَعَهْ، تَا الْمُطَاوَعَهْ داخل في قوله: فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ، حينئذٍ حكمها الضم؛ لأنها أول الفعل فَأَوَّلَ الْفِعْلِ اضْمُمَنْ مطلقاً، أي فعل ماضي سواء كان مجرداً كضرب، أو دخلت عليه تاء المطاوعة أو همزة الوصل كانفعل، أو استفعل .. كل فعل ماضي أوله مضموم، وتعلَّم وتكسَّر أوله التاء وهي تاء المطاوعة؛ إذاً ليس الحكم المراد به هنا تاء المطاوعة، وإنما المراد به الثاني الذي يتلوه.
следующие страницы →