← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 36147

الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين

عبد القادر المحمدي

Полный текст (402 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

- علماً وحفظاً- يفوته حديث أخرجه " شيخه " البخاري وكذا مسلم.؟! فقد تابع مالكاً عمرُ بن نافع -مولى ابن عمر- عند البخاري (١) والضحاك عن نافع -عند مسلم في صحيحه (٢). قال ابن حجر: " وفي هذا رد على من زعم أن مالكاً تفرد بها " (٣). وإنما أراد أن يقول: إنّ أحسن الطرق وأصحها في هذا طريق مالك عن نافع عن ابن عمر به، لذا فإنه أشار إلى الذين تابعوا مالكاً بها ولكنه وصفهم بعدم الحفظ. وقد ذكر ابن حجر في الفتح المتابعات الكثيرة لزيادة مالك " من المسلمين "، فقال: " وقد وقع لنا من رواية جماعة غيرهما منهم كثير بن فرقد عند الطحاوي والدارقطني والحاكم، ويونس بن يزيد عند الطحاوي والمعلى بن إسماعيل عند ابن حبان في صحيحه، وابن أبي ليلى عند الدارقطني " (٤). ثم أردف:" وفي الجملة ليس فيمن روى هذه الزيادة أحدٌ مثل مالك، لأنه لم يتفق على أيوب وعبيد الله في زيادتها (٥) " (٦). والأهم من هذا كله أن الترمذي قد أعلّ كثيراً من الأحاديث المتصلة بالأحاديث المرسلة رغم أنّ الذي وصله ثقات، والمطلع على كتابه العلل يجده واضحاً، بل حتى كتابه السنن فإنّ فيه الأمثلة الكثيرة التي تؤيد هذا الكلام، وسيأتي بيانه في الفصل التطبيقي إن شاء الله تعالى. والذي نريد أن نقوله: أن نسبة القول إلى الإمام الترمذي أنه يقول بقبول الزيادة مطلقاً، أو على مفهوم المتأخرين هو أمرٌ غير صحيح، وغاية الذي يزعم هذا قول الترمذي الذي سبق وقد بينا أنه في غير محله، وإنما هو يقبلها على مفهوم المتقدمين، والله أعلم.

стр. 212

وقد تناول الشيخ عداب الحمش موضوع الزيادة عند الترمذي في أطروحته وخرج بنتيجة وهي: " مذهب الترمذي هو قبول زيادة الثقة غالباً كما هو صريح قوله " (١). وقد مثل بأمثلة، وختمها بقوله:" قلت: في هذا القدر من الأمثلة كفاية للوقوف على صنيع الحافظ الترمذي في قبول زيادة الثقة مطلقاً، كما هو مذهب شيخه البخاري " (٢). وبين غالباً ومطلقاً فرق كبير، ناهيك عن أن هذه النتيجة لا تسلم من نقد عريض! كما بيناه، وسنناقش هاتيك الأمثلة في الفصل التطبيقي، إن شاء الله تعالى. المطلب السابع: مذهب الحافظ ابن خزيمة . قال البيهقي:" قال ابن خزيمة في صحيحه:" لسنا ندفع أن تكون الزيادة في الأخبار مقبولة من الحفاظ، ولكنا إنما نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان والمعرفة بالأخبار فزاد حافظ متقن عالم بالأخبار كلمة قبلت زيادته. لا أن الأخبار إذا تواترت بنقل أهل العدالة والحفظ والإتقان زيادة إن تك تلك الزيادة تكون مقبولة " (٣). قال السخاوي في سياق الحديث عن قبول زيادة الثقة: " وقيده ابن خزيمة باستواء الطرفين في الحفظ والإتقان، فلو كان الساكت عدداً، أو واحداً أحفظ منه، أو لم يكن هو حافظاً، ولو كان صدوقاً فلا " (٤). قلت: وهذا نص صريح من إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀ إذ صرح أن المقصود في الزيادة المقبولة هي تلك التي يزيدها حافظ على حافظ، لا أن يشذ حافظ على جماعة الحفاظ، إذ قد صرح بعدم قبولها، وهو صنيع المتقدمين أجمعين. ولخص لنا الحافظ ابن حجر العسقلاني منهج الأئمة المتقدمين في قبول الزيادة فقال:" المنقول عن أئمة الحديث المتقدمين: كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة الرازي،

стр. 213

وأبي حاتم، النسائي، والدارقطني، وغيرهم: اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة " (١). ثم بين لنا المرجحات فقال:" فحاصل كلام هؤلاء الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظاً، متقناً، حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عدداً منه، أو كان فيهم من هو أحفظ منه، أو كان غير حافظ، ولو كان في الأصل صدوقاً فإن زيادته لا تقبل، وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة وأطلق " (٢). المبحث الرابع: قرائن قبول زيادة الثقة عند المتقدمين: وخلاصة ما تقدم من أقوال الأئمة المتقدمين نقول: صرح أئمة الحديث من المتقدمين أن الزيادة من الثقة مقبولة، ولكن مفهوم الزيادة عندهم يختلف عما يُعرّفه المتأخرون، فصورة الزيادة المقبولة عندهم هي: أن يروي ثقة حديثاً بصورة ما، ثم يأتي ثقة آخر فيزيد عليه زيادة وصل أو رفع أو لفظة أو جملة، وكذا إذا رواها اثنان بشكل وزاد عليهم ثقتان ... أي شريطة التكافؤ. ومن خلال الأمثلة التي صرّحوا فيها بقبول الزيادة، أو ضدها يمكننا تلخيص بعض القرائن التي اعتمدوها من خلال الآتي: - (١) - زيادة صحابي على صحابي آخر: وهو أن يروي صحابي حديثاً عن رسول الله ﷺ ثم يأتي صحابي آخر فيزيد على ذلك الصحابي لفظة ما، وهذه الزيادة مقبولة بالاتفاق، إذا صح السند. ومن أمثلتها:_ أ- زيادة أبي سعيد على أبي هريرة ﵁ في حديث " آخر أهل النار خروجاً " إذ جاء في رواية أبي هريرة ﵁: " لك ذلك ومثله معه "وزاد أبو سعيد على أبي هريرة فقال: " قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله ... والحديث كما أخرجه البخاري (٧٤٣٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: " أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله قال:" فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعْ ... " الحديث ... ومنه: " ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد،

стр. 214

ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة، مقبل بوجهه قبل النار، فيقول: يا رب، اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها واحرقني ذكاؤها، فيقول: هل عسيت أن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك، فيعطي الله ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا اقبل الله ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب قدمني عند باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أُعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب. لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيت أن أُعطيت ذلك أن لا تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسال غيره ذلك، فيعطي ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب أدخلني الجنة فيقول الله: ويحك يا ابن آدم، ما اغدرك، اليس قد أُعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي اعطيت؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تمنَّ فيتمنى حتى انقطعت أُمنيته، قال الله من كذا وكذا اقبل يذكره ربه، حتى إذا انتهت به الأماني قال الله تعالى: لك ذلك مثله معه". قال أبو سعيدٍ الخدري لأبي هريرة، ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: قال الله لك ذلك وعشرة أمثاله، قال أبو هريرة: لم احفظ من رسول الله إلا قوله: لك ذلك ومثله معه، قال أبو سعيد إني سمعته يقول ذلك وعشرة أمثاله. " (١). قال الحافظ ابن حجر: " الزيادة الحاصلة بين الصحابي، على صحابي آخر، إذا صح السند إليه فلا يختلفون في قبولها، كحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الصحيحين، في قصة آخر من يخرج من النار ... وكحديث ابن عمر، ﵄: الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء (٢)، وفي حديث ابن عباس ﵄ عند البخاري (٣): فأبردوها بماء زمزم " (٤). ب- ونقل الحافظ ابن حجر عن الإمام البخاري القول: " ما زاده بن عمر وعلى

стр. 215

وأبو حميد في عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيه وإنما زاد بعضهم على بعض والزيادة مقبولة من أهل العلم " (١). جـ- قال ابن أبي حاتم ١/ ١٠٠ (٢٧٢): " سالت أبي عن حديث رواه منصور عن مجاهد عن أبي عياش الزرقى عن النبي ﷺ في صلاة الخوف، يزيد فيها جرير فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر هذه الزيادة محفوظة قال نعم هو صحيح ". قلت: قبل أبو حاتم زيادة الصحابي (جرير) على الآخر (الزرقي). (٢) زيادة الراوي إذا كان ثقة على جماعة غير ثقات: وهذا أمر لا خلاف عليه، فالثقة الحافظ حجة على غيره غير الحفاظ، ولو كثر عددهم. (٣) زيادة الراوي الضعيف على الضعفاء أو على الثقة أو الثقات مردودة أيضاً. (٤) زيادة الراوي الثقة على الثقة أو زيادة الثقات - جماعة - على الثقات. وفي مثل هذا يلاحظ المتقدمون القرائن كالأحفظ، والأضبط، وغيرها من المرجحات، وفي مثل هذه الحالة، أعني: " التكافؤ "، أطلق الأئمة مصطلح القول أنّ: " زيادة الثقة مقبولة ". وشرع المتأخرون يبنون على هذه القاعدة قبول الأحاديث معلولة بحجة أنّ المتقدمين يقولون بالقبول المطلق أو المشروط لزيادة الثقة. وسأوضح ذلك بالأمثلة: ا- حديث " لا نكاح إلاّ بولي " (٢). التعليق: أطلق البخاري هنا مصطلح الزيادة من الثقة مقبولة لزيادة جماعة أمام جماعة. ب- قال ابن أبي حاتم (١٣٩٧): " سألت أبي وأبو زرعة عن حديث رواه مخالد بن سعيد عن الشعبي عن الحارث عن على عن النبي ﷺ أنه قال:" المعدن جبار ".؟ وذكرت لهما الحديث فقالا: هذا خطأ إنما هو عن الشعبي عن جابر عن النبي ﷺ ،وهو الصحيح. وسألتهما عن حديث رواه أبو إسحاق عن الحارث بن مضرب في قصة ابن النواحة

стр. 216

الزيادة التى يزيد أبو عوانة أنه قال: "وكفلهم عشائرهم ". هو الصحيح؟ فقالا: رواه الثورى ولم يذكر هذه الزيادة إلا أن أبا عوانة ثقة وزيادة الثقة مقبولة ". التعليق: صرحا أن الزيادة من الثقة مقبولة، وأرادا بها زيادة ثقة واحد أمام ثقة واحد - متكافئين في العدد -. ج- قال ابن أبي حاتم (١٤٤٢): " وسألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن اسحق بن عبد الله بن الحرث: " أن النبي ﷺ اشترى حلة يمانية ببضع وعشرين دينارا ". ورواه همام عن قتادة عن علي بن زيد أن النبي ﷺ .؟ قال أبي: قصر همام، وزاد حماد وهي زيادة صحيحة." التعليق: قبل زيادة حماد بن سلمة لما زاد على همام، لأنها متكافئة، وهو ثقة (١). د- وقال الترمذي في العلل حديث (١٣٠): حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال:" إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ". قال أبو عيسى: وهكذا روى حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ولم يرفعه، وقال أيوب السختياني وزياد بن سعد وزكريا بن إسحاق ومحمد بن جحادة وورقاء بن عمر وإسماعيل بن مسلم رووا عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وروى عبد الله بن عياش بن عباس القتباني عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ومرفوع أصح ". التعليق: صحح الترمذي زيادة رفع الحديث لما رواه: " سفيان بن عيينة وحماد بن زيد " وهما ثقتان موقوفاً، ورواه: " أيوب السختياني، وزيادة بن سعد، وزكريا بن إسحاق، ومحمد بن حمادة، وورقاء بن عمر، وإسماعيل بن مسلم " مرفوعاً. هـ- أخرج البخاري حديث (١٠٢٠) فقال: حدثنا محمد بن كثير عن سفيان حدثنا منصور والأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال أتيت بن مسعود فقال: إنّ قريشا أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي ﷺ فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، فجاءه أبو سفيان فقال: "يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك هلكوا فادع الله. فقرأ: " فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ". ثم

стр. 217

عادوا إلى كفرهم فذلك قوله تعالى: يوم نبطش البطشة الكبرى " يوم بدر. قال أبو عبد الله: وزاد أسباط عن منصور: " فدعا رسول الله ﷺ فسقوا الغيث فأطبقت عليهم سبعا، وشكا الناس كثرة المطر. قال: اللهم حوالينا ولا علينا فانحدرت السحابة عن رأسه فسقوا الناس حولهم ". قلت: الإمام البخاري هنا أورد زيادة ثقة: "أسباط بن نصر ".لما كانت متكافئة، ثقة واحد أمام آخر (١). ٦ - زيادة جماعة الثقات على ثقة واحد أو دونه في الضبط والحفظ تقبل عندهم. ٧ - إذا روى ثقة أو جماعة من الثقات حديثاً متصلاً سنده ثم جاء راوٍ آخر فزاد في إسناده رجلاً لم يذكره الباقون فإن كان من ثقة حافظ قبل وهذا ما يسميه علماء المصطلح " المزيد في متصل الأسانيد " وإن لم يكن ثقة عد ذلك من الوهم. وسأذكر أمثلة من صنيع المتقدمين: ١ - أخرج الترمذي في جامعه (٣٠٣) فقال: " حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر أخبرني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد ﵇ فقال: " ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع الرجل فصلى كما كان صلى. ثم جاء إلى النبي ﷺ فسلم عليه فرد ﵇، فقال له رسول الله ﷺ : " ارجع فصل فإنك لم تصل، حتى فعل ذلك ثلاث مرار، فقال له الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني؟ فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن

стр. 218

ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا وافعل ذلك في صلاتك كلها ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قال: وقد روى ابن نمير هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ولم يذكر فيه عن أبيه عن أبي هريرة، ورواية يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر أصح، وسعيد المقبري قد سمع من أبي هريرة وروى عن أبيه عن أبي هريرة وأبو سعيد المقبري اسمه كيسان وسعيد المقبري يكنى أبا سعد وكيسان عبد كان مكاتبا لبعضهم ". قلت: فهنا الإمام الترمذي صرح بقبول الزيادة لماّ كانت من المزيد في متصل الأسانيد، إذ تحقق سماع سعيد المقبري من أبيه، ومن أبي هريرة، كما قال الترمذي:" وسعيد المقبري قد سمع من أبي هريرة وروى عن أبيه عن أبي هريرة ". فهذه بعض الوجوه التي قبل فيها المتقدمون زيادة الثقة وصرحوا بقبولها وفق القرائن المرجحة لديهم. وقد أحسن الحافظ ابن حجر بقوله:"ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص لا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق " (١).

стр. 219

الباب الثاني: التطبيق العملي في كتب الأئمة المتقدمين

стр. 220

تمهيد أولاً: في الإسناد: إن مما هو مقرر أولاً أنّ القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله تعالى له ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (١)، فهيأ الله تعالى حَفَظَةَ الصدور والكتاب، لحفظ هذا القرآن العظيم، ومثلما حُفظ القرآن، حُفظت السنة، وإن كان الفرق واضحاً، ولكن هيأ الله تعالى حُمّالاً وحفاظاً، أتقياء حملوا لواء السنة المطهرة نفوا عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ويمكن تقسيمهم على طبقات، وأول هذه الطبقات: طبقة الصحابة الكرام .. كان الصحابة الكرام ﵃ حريصين كل الحرص على حفظ حديث رسول الله ﷺ ، فكانوا يتناوبون المرات في حضور الجلسة النبوية، إذا ما عرض لهم عمل أو شغلهم شاغل، فعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال:: " كنت أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد - وهي من عوالي المدينة -وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك " (٢). ومثلما حرصوا على سماع الحديث، حرصوا على أدائه، وتبليغه للناس، تطبيقاً لقول رسول الله ﷺ : " نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، ثم بلغها عني " (٣). وكذلك قول النبي ﷺ لوفد عبد القيس:" .... احفظوه وأخبروه من وراءكم " (٤). ثم انتشر الصحابة الكرام في الأمصار فتوزعوا فيها، ونشروا السنة النبوية، وعقدت الحلقات والجلسات، فكان بعض الصحابة يعقد مجلساً للتفسير وآخر للفقه. وكان من أبرزهم ابن عباس، وأبو هريرة، وأم المؤمنين عائشة، وابن عمر وغيرهم كثير.

стр. 221

ثم تأتي طبقة التابعين وتميزت هذه الطبقة بكتابة الحديث الشريف وتدوينه، فكانوا همزة الوصل بين الصحابة في القرن الأول والمصنفين في بداية القرن الثاني وكان من أبرزهم سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، وبشير بن نهيك، وهمام بن منبه، وسعيد بن جبير، وقتادة السدوسي، ومحمد بن الحنفية وغيرهم (١). فاختلطت أنفاسهم بأنفاس الصحابة الكرام ونهموا العلم نهماً، وحفظوا وكتبوا آلاف الأحاديث النبوية، فجمعوا أقوال الصحابة الكرام وفتاويهم، فكانوا حصناً حصيناً للسنة النبوية من كيد المنتحلين، الذين دخلوا الإسلام للطعن فيه، وخاصة بعد الفتوحات الإسلامية الواسعة، وبعد وقوع الفتن والقلاقل بين المسلمين، فظهر الكذابون، والوضاعون، الذين دسوا في السنة ما ليس منها، فسلط الله عليهم حملة الحديث، وعلماء السنة المشرفة يذودون عنها، ويغربلونها. طبقة المصنفين: وفي مطلع القرن الثاني الهجري توفي الصحابة الكرام ويوشك التابعون أن يتوفون، وهم الذين تلقوا عنهم، فكان محدثو هذه الطبقة أمام تراث كبير من السنة النبوية، مضافاً إليهم حديث الوضّاعين والكذابين وخاصة بعد تعمق الخلافات السياسية، وبزوغ رؤوس للفتن، فما برح هؤلاء المغرضون يضعون الأحاديث، ويكذبون على رسول الله ﷺ فدسوا الأباطيل بما يوافق أهواءهم وأغراضهم فهذا الإمام مالك يقول في فرقة من تلك الفرق: " لا تكلمهم ولا ترد عنهم فإنهم يكذبون " (٢) - يعني الرافضة -، ويقول الإمام الشافعي: " ما رأيت في أهل الأهواء قوماً أشهد بالزور من الرافضة " (٣). وقال شريك القاضي في الرافضة: " يضعون الحديث ويتخذونه ديناً " (٤). وفي مقابل هذا وضع بعض جهلة أهل السنة الأحاديث التي ترفع من شأن الصحابة - وهم معدلون برضى الله تعالى عنهم - الذين وضع فيهم الرافضة أحاديث تنتقص منهم، وخاصة في معاوية والأمويين من منطلقات سياسية، وكذا الحال بالنسبة

стр. 222

للعباسيين (١). ومن ذلك ما قاله حماد بن زيد قال:" وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث منهم عبد الكريم بن ابي العوجاء الذي قتل وصلب في زمن المهدي، ولما أخذ ليضرب عنقه قال وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل الحرام " (٢). بل فشا الكذب، حتى بلغ الأمر بضعاف الدين والنفوس أنهم يضعون الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ من أجل مكسب مادي، أو التزلف إلى السلطان! ومن ذلك: أن المهدي كان يحب الحمام ويشتهيها فأدخل عليه غياث بن إبراهيم فقيل له:" حدث أمير المؤمنين؟ فحدث بحديث أبى هريرة:" لا سبق إلا في حافر أو نصل أو جناح ". فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم. فلما قام قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله ﷺ ، وإنما استجلبت ذلك أنا. فأمر بالحمام فذبحت، وقال: من أجلها هذا كذب على رسول الله ﷺ فما ذكر غياثاً بعد ذلك " (٣). وكذا الخلافات المذهبية الفقهية والكلامية، وأحاديث أهل الترغيب والترهيب، التي شاعت آنذاك لمواجهة ضعف التدين والعبادة. وأحاديث القصاصين الذين يستثيرون عاطفة عامة الناس لابتزاز أموالهم، أو لموافقة رغبات الحكام آنذاك، حتى قال أحدهم للخليفة المهدي: إن شئت وضعت لك أحاديث في فضل العباس! (٤).فهذه الأمثلة توضح مدى الصعوبة التي واجهها علماء المسلمين، وخاصة علماء الحديث، الذين رزقوا الفهم مع العلم، والبصيرة مع الحفظ، فلم يقفوا مكتوفي الأيدي بل دققوا المتون وفتشوا الأسانيد، وعروا الكذابين والمنتحلين، فكان أحدهم يعرف الحديث مثلما يعرف أبناءه!،ومن ذلك ما نقله الخطيب في كفايته قال:" قال الربيع بن خثيم: إن من الحديث حديثاً له ضوء كضوء النهار نعرفه، وإن من الحديث حديثاً له ظلمة كظلمة الليل ننكره، كتب إلينا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان

стр. 223

الدمشقي وحدثناه محمد بن يوسف النيسابوري عنه قال: حدثنا أبو الميمون البجلي، قال: حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت الأوزاعي يقول: كنا نسمع الحديث ونعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزائف فما عرفوا منه أخذناه وما أنكروا منه تركناه، أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال: أخبرنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار قال: قال أبو غسان، يعني زنيجاً: قال جرير: كنت إذا سمعت الحديث جئت به إلى المغيرة فعرضته عليه فما قال لي القه ألقيته " (١). فكل هذا التراث الفكري والعقائدي غثّه وسمينه كان أمام علماء الحديث، حينما تصدوا لجمع الحديث النبوي الشريف، وغربلته. ثم فكّر علماء المئة الثانية بتصنيف الحديث، وتبويبه على أنحاء شتى، وصيغ مختلفة، فظهرت المصنفات والأبواب، والمسانيد والجوامع، وغير ذلك. وإذا استثنينا الكتب التي نص مؤلفوها على صحتها، مثل صحيحي البخاري ومسلم ونحوهما، فإن مؤلفي الكتب الأخرى مثل أصحاب المصنفات، والمسانيد، والسنن، وإن لم يشترطوا الصحة في الأحاديث التي أخرجوها في مصنفاتهم ولكنهم لم يُورِدُوها عبثاً، بل اختاروها من ذلك التراث الضخم الذي جاءهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم. فالإمام أحمد مثلاً اختار مسنده والذي هو بزهاء الثلاثين ألف حديث من مجموع سبعمائة ألف حديث!! (٢)، والإمام البخاري أخرج صحيحه من زهاء ستمائة ألف حديث (٣)، وأحاديثه بالمكرر بحدود السبعة آلاف وخمسمائة حديث فقط، وانتقى الإمام مسلم أحاديث صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة (٤)، وقال أبو داود: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب يعنى كتاب السنن، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه " (٥). وهكذا مع بقية المصنفات الأخرى التي أخرجت الأحاديث النبوية في تلك الحقبة.

стр. 224

وهذه الأحاديث التي أثبتوها لم يثبتوها عشوائياً أو على سبيل الموافقة، وإنما كان ذلك بعد أن " رحلوا من أجلها إلى البلدان النائية، وطوفوا في البلدان شرقاً وغرباً ليصدروا عن خبرة وعيان وسألوا عن الرواة واطَّلعوا على مروياتهم ومدوناتهم ومحفوظاتهم " (١). فالأحاديث التي دونوها إنما دونوها بناءً على قواعد هي في أذهانهم نابعة من سعة حافظتهم واطِّلاعهم، وسبرهم للمرويات الكثيرة التي وقفوا عليها فعلموا أنَّ هذا الحديث يصح عن فلان ولا يصح عن فلان، وأنَّه من رواية فلان وليس من رواية غيره. فحينما يقول أبو حاتم - مثلاً -: هذا الحديث لا يصح من رواية أنس مع أن طريقه ثقات فإن ذلك يعني سبر كل طرق الحديث ومظانه، بحيث أدرك يقيناً أنه ليس من رواية أنس - قطعاً -. وقد كتب الأئمة بعض الأحاديث عن الضعفاء والكذابين فوجدوا أحاديثهم مما لا يجوز تدوينها في كتبهم إما لأنها ليست من كلام النبي ﷺ ، أو لأن فيها من الغلط الفاحش في الإسناد أو المتن مما يتعين تركها ورميها، فتغربلت الروايات الكثيرة غربلة دقيقة وهذا ما نص عليه الأئمة، يقول الإمام يحيى بن معين: " كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزاً نضيجاً " (٢). فالمتقدمون قلما فاتهم حديث، وقلما تركوا حديثاً صحيحاً أو حسناً أو ضعيفاً ضعفاً مقبولاً إلاّ ودونوه في مصنفاتهم، بل وحتى الذين اشترطوا الصحة في حديثهم فإنه قلما يفوتهم الحديث الصحيح، يقول محمد بن يعقوب الأخرم: " قلما يفوت البخاري ومسلماً مما يثبت من الحديث " (٣). فإذا ترك البخاري أو مسلم حديثاً ما عليك إلا أن تتبع لماذا تركاه؟! وغالباً ما يكون معلولاً، وخاصة إذا لم يكن في الباب غيره، أو كان مشهوراً عندنا اليوم. وبعبارة أخرى: المتقدمون سبروا المرويات، ودرسوا الأسانيد والمتون دراسة وافية شافية فعرفوا المقبول من المتروك، والصحيح من المكذوب، فدونوا مصنفاتهم بعد السبر والتحرير فكتبوا ما صح وتركوا ما لم يصح، إلا ما شاء الله تعالى، ولا يعني من الصحة

стр. 225

ترك الحسن والضعيف المقبول، بل مفهوم الصحة عندهم أوسع مما عندنا، فالصحيح عندهم ما كان مقبولاً للعمل به. وقد أخرجوا عن بعض الضعفاء ممن نسميهم اليوم ضعفاء أو قالوا هم فيهم ضعفاء ولكنهم أخرجوا لهم، وإخراجهم لهم لا يعني قبول حديثهم على إطلاقه، بل أخرجوا لهم انتقاءً مثلما أخرج البخاري لإسماعيل بن أبي أويس، وحسان بن حسان، والحسن بن بشر، والحسن بن ذكوان، وخالد بن مخلد القطواني، وسليم بن زرير، وعبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة وغيرهم. ومثلما أخرج مسلم لبعض هؤلاء فشارك شيخه وانفرد ببعض، كانتقائه من حديث إبراهيم بن المهاجر البجلي، وشريك القاضي، وعلي بن زيد بن جدعان، وعبد الله بن لهيعة، وغيرهم كثير (١). ورغم ذلك انتقى الأئمة لهم ما صح من حديثهم وما قرنت منها بأحاديث الثقات. وتخريج الشيخين لهؤلاء الضعفاء يعني استيعابها للطرق والمظان ولو صحت عندهم روايات غير هذه لما أثقلوا مصنفاتهم بتخريج طرق هؤلاء. وهكذا نجد أن المتقدمين استوعبوا وغربلوا الطرق حتى صنفوا مصنفاتهم بناءاً على ذلك السبر وتلك المرويات، وتركوا آلافاً، بل مئات الآلاف من الطرق مما لم يصح أو لا يصلح لأن تسود به الصفحات. يقول الشيخ العوني: " بل ما انقضى هذا القرن إلا والسنة جميعها مدونة، ولم يبق من الروايات الشفهية غير المدونة في المصنفات - بعد هذا العصر - شيء يذكر، إلا روايات الأفاكين، وأحاديث المختلقين، أو أخبار الواهمين المخلّطين " (٢).إلا ما شاء الله تعالى. فاستقرت الروايات وعُرفت التخريجات والمتون وجمعت السنة النبوية بشكلها الكامل في مصنفات الأئمة بشكل نهائي - تقريباً - انتهاءً بالإمام ابن خزيمة ت (٣١١) هـ رحمه الله تعالى، أي في نهاية القرن الثالث، ولهذا عد الإمام الذهبي هذا القرن هو الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين -كما أسلفنا-. ومما يدلل على هذا قول أبي عبد الله الحاكم:" فقد نبغ في عصرنا هذا جماعة

стр. 226

يشترون الكتب فيحدثون بها وجماعة يكتبون سماعاتهم بخطوطهم في كتب عتيقة في الوقت فيحدثون بها فمن يسمع منهم من غير أهل الصنعة فمعذور بجهله فأما أهل الصنعة إذا سمعوا من أمثال هؤلاء بعد الخبرة ففيه جرحهم وإسقاطهم إلى أن تظهر توبتهم على أن الجاهل بالصنعة لا يعذر فإنه يلزمه السؤال عما لا يعرفه وعلى ذلك كان السلف ﵃ أجمعين " (١). هذا أحد أئمة القرن الرابع، وهو الإمام الحاكم النيسابوري ت ٤٠٥ هـ نص على تخفف شروط العدالة والضبط لأهل زمانه، فلم يذكر في الضبط إلا ما يتعلق بضبط الكتاب، وقد أشار إلى هذه المسألة الإمام الرامهرمزي، في كتابه المحدث الفاصل (٢). ونبه الحافظ ابن الصلاح إلى هذه المسألة فقال:" وقد سبق إلى نحو ما ذكرناه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي ﵀ فإنه ذكر في ما روينا عنه توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، ووجه ذلك: بأن الأحاديث التي قد صحت أو وقفت بين الصحة والسقم قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن يذهب على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها، قال - يريد البيهقي -: فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته والحجة قائمة بحديثه برواية غيره والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلاً بحدثنا وأخبرنا وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفاً لنبينا المصطفى ﷺ " (٣). وقال الخطيب البغدادي: " وقد استفرغت طائفة من أهل زماننا وسعها في كتب الأحاديث والمثابرة على جمعها من غير أن يسلكوا مسلك المتقدمين وينظروا نظر السلف الماضين في حال الراوي والمروي، وتمييز سبيل المرذول والمرضى، واستنباط ما في السنن من الأحكام وإثارة المستودع فيها من الفقه بالحلال والحرام، بل قنعوا من الحديث باسمه،

стр. 227

واقتصروا على كتبه في الصحف ورسمه فهم أقمار وحملة أسفار، قد تحملوا المشاق الشديدة وسافروا إلى البلدان البعيدة وهان عليهم الدأب والكلال، واستوطؤوا مركب الحل والارتحال وبذلوا الأنفس والأموال وركبوا المخاوف والأهوال شعث الرؤوس شحب الألوان، خمص البطون، نواحل الابدان يقطعون أوقاتهم بالسير في البلاد طلباً لما علا من الإسناد لا يريدون شيئاً سواه ولا يبتغون إلا إياه يحملون عمن لا تثبت عدالته ويأخذون ممن لا تجوز أمانته ويروون عمن لا يعرفون صحة حديثه ولا يتيقن ثبوت مسموعه ويحتجون بمن لا يحسن قراءة صحيفته، ولا يقوم بشيء من شرائط الرواية ولا يفرق بين السماع والإجازة ولا يميز بين المسند والمرسل والمقطوع والمتصل ولا يحفظ اسم شيخه الذي حدثه حتى يستثبته من غيره ويكتبون عن الفاسق في فعله المذموم في مذهبه وعن المبتدع في دينه المقطوع على فساد اعتقاده ويرون ذلك جائزاً والعمل بروايته واجباً إذا كان السماع ثابتاً والإسناد متقدماً عالياً فجر هذا الفعل منهم الوقيعة في سلف العلماء وسهل طريق الطعن عليهم لأهل البدع والأهواء حتى ذم الحديث وأهله بعض من ارتسم بالفتوى في الدين ورأى عند إعجابه بنفسه انه أحد الأئمة المجتهدين بصدوفه عن الآثار إلى الرأي المرذول، وتحكمه في الدين برأيه المعلول وذلك منه غاية الجهل ونهاية التقصير عن مرتبة الفضل ينتسب إلى قوم تهيبوا كد الطلب ومعاناة ما فيه من المشقة والنصب، وأعيتهم الأحاديث أن يحفظوها واختلفت عليهم الأسانيد فلم يضبطوها فجانبوا ما استثقلوا وعادوا ما جهلوا وآثروا الدعة واستلذوا الراحة ثم تصدروا في المجالس قبل الحين الذي يستحقونه وأخذوا أنفسهم بالطعن على العلم الذي لا يحسنونه أن تعاطى أحدهم رواية حديث فمن صحف ابتاعها كفي مؤونة جمعها من غير سماع لها ولا معرفة بحال ناقلها وإن حفظ شيئاً منها خلط الغث بالسمين وألحق الصحيح بالسقيم وإن قلب عليه إسناد خبر أو سئل عن علة تتعلق بأثر تحير واختلط، وعبث بلحيته وامتخط تورية عن مستور جهالته فهو كالحمار في طاحونته ثم رأى ممن يحفظ الحديث ويعانيه ما ليس في وسعه الجريان فيه فلجأ إلى الازدراء بفرسانه واعتصم بالطعن على الراكضين في ميدانه، كما أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن جعفر الخرقي قال: أنبأنا أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم الختلي قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن علي الآبار قال: رأيت بالأهواز رجلاً حف شاربه وأظنه قد اشترى كتباً وتعبأ للفتيا فذكروا أصحاب

стр. 228

الحديث فقال: ليسوا بشيء، وليس يسوون شيئاً، فقلت له: أنت لا تحسن تصلي؟ قال: أنا؟! قلت: نعم، قلت: أيش تحفظ عن رسول الله ﷺ إذا افتتحت الصلاة ورفعت يديك؟ فسكت!، فقلت: وأيش تحفظ عن رسول الله ﷺ إذا وضعت يديك على ركبتيك؟ فسكت!، قلت: أيش تحفظ عن رسول الله ﷺ إذا سجدت؟ فسكت!، قلت: مالك لا تكلم؟ ألم أقل لك إنك لا تحسن تصلى!، أنت إنما قيل لك تصلي الغداة ركعتين والظهر أربعاً فالزم ذا خير لك من أن تذكر أصحاب الحديث فلست بشيء، ولا تحسن شيئاً. فهذا المذكور مثله في الفقهاء كمثل من تقدم ذكرنا له ممن انتسب إلى الحديث ولم يعلق به منه غير سماعه وكتبه دون نظره في أنواع عمله. وأما المحققون فيه المتخصصون به فهم الأئمة العلماء والسادة الفهماء أهل الفضل والفضيلة والمرتبة الرفيعة حفظوا على الأمة أحكام الرسول وأخبروا على أنباء التنزيل وأثبتوا ناسخه ومنسوخه وميزوا محكمه ومتشابهه ودونوا أقوال النبي ﷺ وأفعاله وضبطوا على اختلاف الأمور أحواله، في يقظته ومنامه وقعوده وقيامه وملبسه ومركبه ومأكله ومشربه، حتى القلامة من ظفره ما كان يصنع بها والنخاعة من فيه كيف كان يلفظها وقوله عند كل فعل يحدثه ولدى كل موقف يشهده تعظيماً لقدره ﷺ ، ومعرفة بشرف ما ذكر عنه وُعزي إليه، وحفظوا مناقب صحابته ومآثر عشيرته، وجاؤوا بسير الأنبياء ومقامات الأولياء واختلاف الفقهاء ولولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها واستنباطها من معادنها والنظر في طرقها لبطلت الشريعة وتعطلت أحكامها إذ كانت مستخرجة من الآثار المحفوظة ومستفادة من السنن المنقولة " (١). طبقة المتأخرين: وبعد أن استقرت الروايات وصنفت المصنفات والصحاح، جاء المتأخرون، وأعني من بعد ابن خزيمة ت ٣١١هـ ﵀، فإنهم توسعوا بعد هذا الاستقرار وحاولوا مواكبة المتقدمين فحدثوا بكثير من الأحاديث وإن كان هذا مما تركه المتقدمون الأولون الجهابذة أو مما وضعه الواضعون الذي جاؤوا من بعد هذا الجيل المتين، ودونوه في مشيخاتهم ومعجماتهم المصنفة (٢).

стр. 229

وقد نبّه إليها الإمام ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي فقال: " الطبقة الرابعة: كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم يوجد في الطبقتين الأوليين، وكانت هي المجاميع، والمسانيد المختفية، فنوهوا بأمرها، وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدثون، ككثير من الوعاظ والمتشدقين، وأهل الأهواء، والضعفاء، أو كانت من آثار الصحابة والتابعين، أو من أخبار بني إسرائيل، أو من كلام الحكماء، والوعاظ خلطها الرواة بحديث النبي ﷺ سهواً، أو عمداً، أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح، فرواها بالمعنى قوم صالحون، لا يعرفون غوامض الرواية، فجعلوا المعاني أحاديث مرفوعة، أو كانت معاني مفهومة من إشارات الكتاب والسنة، جعلوها أحاديث مستبدة برأسها عمداً، أو كانت جملاً شتى في أحاديث مختلفة، جعلوها حديثا واحداً بنسق واحد، ومظنة هذه الأحاديث كتاب: الضعفاء لابن حبان، وكامل ابن عدي، وكتب الخطيب، وأبى نعيم، والجورقاني، وابن عساكر، وابن النجار، والديلمي، وكاد مسند الخوارزمي يكون من هذه الطبقة، وأصلح هذه الطبقة ما كان ضعيفاً محتملاً، وأسوؤها ما كان موضوعاً أو مقلوباً، شديد النكارة، وهذه الطبقة، مادة كتاب: الموضوعات لابن الجوزي " (١). وعقب عليه ولده العلامة عبد العزيز الدهلوي المتوفى سنه ١٢٣٩ هـ بقوله: " وأحاديث هذه الطبقة التي لم يعلم في القرون الأولى اسمها ولا رسمها، وتصدى المتأخرون لروايتها، فهي لا تخلو عن أمرين: إما أن السلف تفحصوا عنها ولم يجدوا لها أصلاً، حتى يشتغلوا بروايتها، أو وجدوا لها أصلاً ولكن صادفوا فيها قدحاً، أو علة موجبة لترك روايتها فتركوها، ... . وقد أضل هذا القسم من الأحاديث كثيراً من المحدثين عن نهج الصواب حيث اغتروا بكثرة طرقها الموجودة في هذه الكتب، وحكموا بتواترها، وتمسكوا بها في مقام القطع واليقين، وأحدثوا مذاهب تخالف أحاديث الطبقتين الأوليين على ثقتها. والكتب المصنفة في أحاديث هذا القسم كثيرة منها: ما ذُكر، ومنها كتاب الضعفاء للعقيلي، وتصانيف الحاكم، وتصانيف ابن مردويه، وتصانيف ابن شاهين، وتفسير ابن جرير، وفردوس الديلمي، بل سائر تصانيفه ،وتصانيف أبي الشيخ ... فالاشتغال بجمعها والاستنباط منها نوع تعمق من المتأخرين، وإن شئت الحق فطوائف

стр. 230

المبتدعين من الروافض والمعتزلة وغيرهم يتمكنون بأدنى عناية أن يلخصوا منها شواهد مذاهبهم، فالانتصار بها غير صحيح في معارك العلماء بالحديث " (١). فالأحاديث التي صنفت بعد عصر المتقدمين لا تبرح أن تدور في أمور خمسة (٢):- أولاً: أحاديث معروفة عند المتقدمين أوردوها في دواوينهم ساقها المتأخرون بأسانيدهم إلى المصنفين من غير تبديل. " وهذه لا قيمة حقيقية لها لوجودها في مرويات ثبتت عن مؤلفيها كالمصنفين والمسند الأحمدي والكتب الستة، ومؤلفات أصحابها الأخرى وما جرى مجراها " (٣). فما قيمة حديث أخرجه الحاكم في مستدركه بسنده إلى الإمام أحمد والحديث بعينه في مسند أحمد والمسند مطبوع، ومشهور أكثر من المستدرك؟ اللهم إلاّ الاستئناس. ٢ - أحاديث معروفة في دواوين الإسلام الأولى كونها مرسلة أو موقوفة أو منقطعة أوردها المتأخرون موصولة أو مرفوعة - وهذا من أصل بحثنا هنا - والأغلب الأعم منها هي من أخطاء الرواة أو مما تركه المتقدمون مع اطلاعهم على هذه الطرق. ولا يُظن خطأً أن قول القائل: أخرجه البخاري في صحيحه معلقاً، ووصله ابن حجر العسقلاني في التغليق من طريق فلان أو فلان، أن الإمام البخاري لم يطلع على هذا الطريق! فكل حديث علقه البخاري يعني أنه لم يصح عنده، ولو صح ذلك عند غيره- مثلاً - فلا ينسب إلى الإمام البخاري أولاً، ثم يقال وقد علقه البخاري لأن تعليقه للحديث هو علة أصلاً، والله أعلم. ثالثاً- أحاديث أوردها المصنفون الأوائل بأسانيد معينة ومن مخارج لا تعرف إلاّ بها كأن يصرح بذلك فيقول: وهذا الحديث لا يعرف إلاّ من رواية فلان عن فلان أو يكون معروفاً عندهم أنه لا يصح إلاّ من طريق فلان أو لا يعرف إلاّ به. ثم يأتيك مصنف من بعدهم فيوردها بأسانيد توهم كأنها أسانيد جديدة فاتت المتقدمين أو خفيت عليهم، وهذه إنما هي إما مما تركه المتقدمون عمداً لوهائها أو مما

стр. 231

أخطأ فيها الرواة، أو مما اختلقه الواضعون. رابعاً:- أحاديث أخرجها المتقدمون بمتون معلومة محفوظة ثم يرويها المتأخرون بزيادة أو تغيير في متونها يغير معانيها ومما يخرجها عن المحفوظ منها. وهذا مما كثر واشتهر بشكل واضح بعد القرن الثالث، ثم ابتكر بعض المتأخرين قاعدة (زيادة الثقة مقبولة مطلقاً)، فقبلوا على أساسها أحاديث كاملة ومتوناً غريبة ومخالفات واضحة تحت هذا العنوان. خامساً:- أحاديث بألفاظ أو بأسانيد لم يذكرها المتقدمون في دواوينهم، ظهرت لأول مرة في القرن الرابع، وهي أما مما تركه المتقدمون لوهائه أو مما ابتدعه الكاذبون الواضعون المتأخرون. وإلاّ لوجدناه في الموطأ، أو المسند الأحمدي أو المصنفات الأخرى؟. وهكذا صنف المتأخرون مصنفاتهم فأوردوا أحاديث هي أضعاف مضاعفة لما سطره المتقدمون في مصنفاتهم أو مما لم يعرفه المتقدمون. ومن هنا نفهم خطأ الحاكم النيسابوري ﵀ في استدراكه على أعظم كتابين بعد كتاب الله تعالى، أعني: صحيحي البخاري ومسلم، فقد استدرك عليها أحاديث موضوعة، وباطلة!!. يقول الإمام الذهبي: " في المستدرك شيء كثير على شرطهما وشيء كثير على شرط أحدهما ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة. وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب وفي غضون ذلك أحاديث نحو المائة يشهد القلب ببطلانها كنت قد أفردت منها جزءاً، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء وبكل حال فهو كتاب مفيد قد اختصرته ويعوز عملاً وتحريراً " (١). وقد مر كلامه في كيفية دخول الخلل على مستدرك الحاكم (٢). فهذه العلل الباطنة التي اطلع عليها الذهبي، وتلك التي لم يطلع عليها، هي التي منعت الإمامين من إيرادها في كتابيهما.

стр. 232

وقد حدا هذا التوسع بالطرق والروايات ببعض المتأخرين إلى تخطئة أئمة الحديث المتقدمين، ومخالفتهم، اعتماداً على تلك المرويات والطرق، كتصحيح ما أعلوه اعتماداً على طرق واهية، غريبة، وقد أجاد الحافظ ابن رجب الحنبلي بقوله:" ونجد كثيراً ممن ينتسب إلى الحديث، لا يعتني بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزار، ومعاجم الطبراني، وأفراد الدارقطني، وهي مجمع الغرائب والمناكير " (١). ثانياً: في المتن: الصحابة الكرام باعتبارهم بشراً يتفاوتون في قابلية الحفظ، فأحدهم سريع الحافظة قويها، والآخر دون ذلك، كانوا يؤدون ما سمعوا من رسول الله ﷺ . وكان بعضهم مكثرين من الرواية كأبي هريرة وأنس وجابر وعائشة، وبعضهم مقلين كبلال، وخالد بن الوليد، وغيرهما، ﵃ أجمعين. وإنما أقلوا في روايتهم عن رسول الله ﷺ إما لانشغالهم في أمور ذات بالٍ تتعلق بقيام الإسلام كالجهاد والفتوحات، أو لخوفهم من الوقوع في الخطأ على رسول الله ﷺ إذا ما حدثوا الحديث. أو لاكتفائهم بالحفظة الضابطين الذين يحدثون الأحاديث. وكان قسم منهم يقولون بعد تحديثه الحديث:" أو كما قال رسول ﷺ " (٢)، أو بعبارة مقاربة، كأن يقول: "أو قال .. "، على شك منه. وهذا التحوط كله مندفع من عمق دينهم وتقواهم، لئلا يقعوا في الخطأ، فيقولوا على رسول الله ما لم يقل. وهكذا كانت روايات التابعين لهم بإحسان، وتابعيهم، وهلمّ جراً من الثقات المتقنين الذين لا يشك في ثقتهم وضبطهم. وهكذا كانت الرواية الواحدة في المجلس الواحد تأخذ أكثر من لفظ، فكل صحابي يؤديها على حسب حفظه، فبعضهم يؤديها بلفظ هو اللفظ النبوي عينه، وبعضهم يرويها بالمعنى، لذا تجدك في بعض الأحيان تقف أمام حديث واحد في حادثة واحدة تروى بأكثر

стр. 233

من خمسة أو ستة وجوه، أو أكثر من ذلك، فأحدهم يزيد لفظة والآخر ينقصها ... وهكذا. وهذا كله يدور في فلك الرواية بالمعنى، وهذا الاختلاف لا يقدح في أصل الحديث، وكونه من المعصوم، لأن الاختلاف إنما يكون في معنى الكلمة لا في حكم الحديث، أي فيما لا يترتب عليه آثار من حلة أو حرمة، أو ثواب أو عقاب فمثلاً قوله " يلج النار "، " دخل النار "، " هو في النار "، " مآله النار "، فإنها كلها تؤدي المعنى نفسه ولكن اللفظ متباين وسنذكر لذلك مثالاً توضيحياً:- " جاء رجل من الأعراب فدخل مسجد النبي ﷺ والرسول ﷺ جالس مع أصحابه فدخل ثم رفع ثوبه في طرف المسجد فبال في طرف المسجد فغضب الصحابة فهون عليهم رسول الله ﷺ الأمر ثم قال لا تزرموه: يعني لا تقطعوا عليه بوله ثم أريقوا عليه دلواً من الماء فأريق عليه ". هذه رواية واحدة في ساعة، واحدة لرجل واحد، رواها أكثر من صحابي فلو حاولنا جمع طرقها من بعض المواضع في مصنفات السنة لوجدنا اختلافاً في ألفاظها، فقد جاءت مثلا:- عن أنس بن مالك ﵁ أخرجه البخاري (٦٠٢٥) قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه ". وعنه في صحيح البخاري (٦١٣٨) قال: قال رسول الله ﷺ : " دعوه وأهريقوا على بوله ذنوباً من ماء، أو سجلاً من ماء ". وعنه في صحيح مسلم ... ١/ ٢٣٦ (٢٨٤): قال: " دعوه لا تزرموه. قال فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبه عليه ". وعنه في صحيح مسلم أيضاً ١/ ٢٣٦ (٢٨٤): قال: " فصاح به الناس فقال رسول الله: دعوه فلما فرغ أمر رسول الله ﷺ بذنوب فصب على بوله ". وعنه في صحيح مسلم أيضاً ١/ ٢٣٦ (٢٨٥): قال: " لا تزرموه دعوه فتركوه، حتى بال ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له:" إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله ﷺ قال فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه ". وفي البخاري (٣٦٣٣) عن أبي هريرة قال:" قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي ﷺ : دعوه وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".

стр. 234

وفي البخاري (٦١٢٨) عنه قال:" أن أعرابياً بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله ﷺ : دعوه وأهريقوا على بوله ذنوباً من ماء أو سجلاً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". وفي سنن أبي داود (٣٨٠) عن أبي هريرة:" أن أعرابياً دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس فصلى قال ابن عبدة ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً فقال النبي ﷺ : لقد تحجرت واسعاً "، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم النبي ﷺ وقال:" إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه سجلاً من ماء - أو قال - ذنوباً من ماء ". وفي جامع الترمذي (١٤٧) عن أبي هريرة قال: " دخل أعرابي المسجد والنبي ﷺ جالس فصلى فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً فالتفت إليه النبي ﷺ فقال: " لقد تحجرت واسعاً ". فلم يلبث أن بال في المسجد فأسرع إليه الناس فقال النبي ﷺ : " أهريقوا عليه سجلاً من ماء أو دلواً من ماء ثم قال إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ". هذه بعض الطرق ولو تتبعنا الطرق الأخرى لوجدناها بنحو هذه الصورة. ففي هذا الحديث "نجد أن الرواة نقلوا ما قاله رسول الله ﷺ بالمعنى ولم ينقلوا ألفاظه كما نطق بها، فهذه الروايات تذكر أنه قال: " دعوه لا تزرموه، أو: اتركوه أو: لا تزرموه، فقط، أو: دعوه، فقط، أو: لا تزرموه دعوه، فقط، ومعلوم أن الرسول لم ينطق بجميع هذه الكلمات التي وردت في الروايات في ذات اللحظة لكنه نطق بأحدها، ونقلها الرواة بالمعنى لا بلفظ الرسول ﷺ كما نطق به ". (١)!! وهكذا نعلم أن الرواية في عهد الصحابة ومن بعدهم كانت في الأغلب الأعم بالمعنى، وهذا القول لا ينفي أن تشمل الروايات المتعددة على كثير من الألفاظ المتفق عليها فإن وجود الألفاظ المتفق عليها أمر طبيعي، بل كان من الصحابة من يتشدد في الرواية باللفظ حتى أنه كان لا يقبل الرواية بالمعنى فقد جاء عن عبيد بن عمير قال: قال رسول الله ﷺ :" مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين ". فقال ابن عمر: " ويلكم لا تكذبوا على رسول الله إنما قال رسول الله ﷺ : " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين

стр. 235

الغنمين"،فاعتبر تغير لفظة (العائرة) إلى (الرابضة) كذباً (١). فقال عبد الله بن عبيد بن عمير لابن عمر: " هي واحدة إذا لم تجعل الحرام حلالاً والحلال حراماً فلا يضرّك إن قدمت شيئاً أو أخرته فهو واحد ". (٢) أقول: إننا لا نعني من قولنا:" يروون بالمعنى "، أن الصحابة ﵃ كانوا يعدلون عن اللفظة النبوية إلى لفظة أخرى؟ لا وإنما كانوا يحدثون بالألفاظ التي كانوا يعتقدون أن النبي قال بها ثم هم يتسامحون ويتساهلون في الألفاظ التي لا تغير المعنى، أما إذا حفظوا اللفظ النبوي فإنهم لا يعدلون عنه. قيل لإبراهيم- النخعي-:" إنّا نسمع منك الحديث فلا نستطيع أن نجيء به كما سمعناه؟ قال: أرأيتك إذا سمعت تعلم انه حلال من حرام؟ قال: نعم قال فهكذا كل ما نحدث ". (٣) قال الإمام الشافعي: " وقد قال بعض التابعين لقيت أناساً من أصحاب رسول الله فاجتمعوا في المعنى واختلفوا علي في اللفظ فقلت لبعضهم ذلك فقال: لا بأس ما لم يحل المعنى، قال الشافعي: فقال ما في التشهد إلا تعظيم الله وأني لأرجو أن يكون كل هذا فيه واسعاً وأن لا يكون الاختلاف فيه إلا من حيث ذكرت ومثل هذا كما قلت يمكن في صلاة الخوف فيكون إذا جاء بكمال الصلاة على أي الوجوه روي عن النبي أجزأه إذ خالف الله بينها وبين ما سواها من الصلوات ولكن كيف صرت إلى اختيار حديث ابن عباس عن النبي في التشهد دون غيره " (٤). وقال الإمام الترمذي في معرض الحديث عن الرواية بالمعنى:" فأما من أقام الإسناد وحفظه وغير اللفظ، فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير المعنى، حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، قال: إذا حدثناكم على المعنى فحسبكم. حدثنا يحيى بن موسى قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن

стр. 236

محمد بن سيرين قال: كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف، والمعنى واحد. حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن ابن عون، قال: كان إبراهيم النخعي، والحسن، والشعبي يأتون بالحديث على المعاني، وكان القاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين ورجاء بن حيوة يعيدون الحديث على حروفه. حدثنا علي بن خشرم قال: أخبرنا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، قال: قلت لأبي عثمان النهدي: إنك تحدثنا بالحديث ثم تحدثنا به على غير ما حدثتنا؟ قال: عليك بالسماع الأول. حدثنا الجارود قال: حدثنا وكيع، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، قال: إذا أصبت المعنى أجزأ. حدثنا علي بن حجر قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سيف -هو ابن سليمان - قال: سمعت مجاهداً يقول: أنقص من الحديث إن شئت، ولا تزد فيه. حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث قال: أخبرنا زيد ابن حباب عن رجل قال: خرج إلينا سفيان الثوري فقال: إن قلت لكم أنا أحدثكم كل ما سمعت فلا تصدقوني، إنما هو المعنى. أخبرنا الحسن بن حريث قال: سمعت وكيعاً يقول: إن لم يكن المعنى واسعا، فقد هلك الناس. قال أبو عيسى: وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم " (١). وقال السيوطي: " وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف منهم الأئمة الأربعة: يجوز بالمعنى في جميعه، إذا قطع بأداء المعنى لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف، ويدل عليه روايتهم القصة الواحدة بألفاظ مختلفة وقد ورد في المسألة حديث مرفوع رواه ابن مندة في معرفة الصحابة والطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن سليمان بن أكثمة الليثي، قال: قلت: يا رسول الله إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمع منك، يزيد حرفاً أو ينقص حرفاً، فقال: " إذا لم تحلوا حراماً، ولم تحرموا حلالاً، وأصبتم المعنى فلا بأس ". فذكر ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدثنا. واستدل لذلك الشافعي بحديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه". قال: وإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف علمنا منه بأن الكتاب قد نزل لتحل لهم قراءته، وإن اختلف لفظهم فيه مالم يكن اختلافهم إحالة معنى كان ما سوى كتاب الله سبحانه أولى أن يجوز

стр. 237

فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه، وروى البيهقي عن مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع فقلنا له: يا أبا الأسقع حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه وهم ولا مزيد ولا نسيان فقال: هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئاً؟ فقلنا: نعم، وما نحن له بحافظين جداً إنا لنزيد الواو والألف وننقص قال: فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم، لا تألونه حفظاً، وأنتم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله ﷺ عسى أن لا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة، حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى ". (١) وقال الحافظ ابن حجر:" فالمقطوع به أن النبي ﷺ لم يقل هذه الألفاظ كلها في مرة واحدة تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يقال: أن النبي ﷺ قال لفظاً منها، وعبّر عنه بقية الرواة بالمعنى " (٢). ومثلما قبل العلماء رواية الحديث بالمعنى من الصحابة قبلوه من التابعين فمن دونهم ما دام اللفظ يعطي المعنى ذاته ولا يؤثر على حكم شرعي في الحديث. وبالتأكيد إذا قبلت رواية الحديث بالمعنى فإن مباني المعاني قد تتغير في الصورة وعدد الكلمات زيادة ونقصاً، فإذا قلنا مثلاً: " دخلت " هي أقل مما أقول: " دخلت أنا وزيد "، فحينما يروى مثلاً:" جاء رسول الله فدخل المسجد وصلى "، وأخر يرويه:" بينا رسول الله يصلي في المسجد "، هي أقل بعدد الحروف أو الكلمات، ولكنها لا تعطي حكماً جديداً، أو تحل حراماً أو تحرم حلالاً؟ فالرواية بالمعنى مقبولة، شريطة أن تكون اللفظة لا تؤثر على الحكم فإن أثرت فهذا الذي نتوقف فيه ونختبره، وبصورة عامة: اختلاف ألفاظ الحديث وزيادة الرواة بعضهم على بعض تدور في أمور: أولاً - الرواية بالمعنى: كما فصلنا القول فيها سلفاً. ثانياً - الإدراج: وهو أن يدخل الراوي كلامه على أصل كلام المروي عنه، متصلاً به غير منفصل بذكر قائله، بحيث يلتبس على من لم يعرف الحال، فيتوهم أن

стр. 238

الجميع من ذلك الأصل المروي (١). فالتحديث عادة يكون في مجلس علم فيه شيخ وتلميذ أو تلاميذ، فيحدث الراوي (الشيخ) الحديث على طلابه فيحاول أن يفهمهم لفظه فيفسرها لهم أثناء الحديث فيقول مثلاً في معرض كلامه عن (الأقط): وهو اللبن المجفف (٢)، فيظن السامع أن عبارة "وهو اللبن المجفف" من كلام النبوة، فيكتبه الطلاب نحو ما سمعوا ويحفظونه بهذا الإدراج. ثم يرويها السامعون، والتلامذة نحو ما سمعوها أمانة، وينتقل الأدراج من طبقة إلى طبقة، وقد يروي الشيخ حديثاً لطلابه، وفي معرض كلامه يقول: فقال رسول الله، ثم يدخل رجل فيقول له الشيخ: اجلس، فيظن الطلاب أنه من كلام النبوة فيكتبون: اجلس وينتقل الوهم هكذا. ومثّله الحاكم فقال: " ومثال ذلك ما حدثناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه قال: انبأنا عمر بن حفص السدوسي قال: حدثنا عاصم بن علي قال: حدثنا زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة بيدي، وحدثني أن عبد الله أخذ بيده وأن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله فعلمه التشهد في الصلاة وقال: " قل التحيات لله والصلوات فذكر التشهد. قال: فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد ". قال الحاكم هكذا رواه جماعة عن زهير وغيره عن الحسن بن الحر وقوله: " إذا قلت ": هذا مدرج في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود فإن سنده عن رسول الله ﷺ ينقضي بانقضاء التشهد. والدليل عليه ما حدثناه علي بن حمشاذ العدل قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن غزير قال: حدثنا غسان بن الربيع قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي وأخذ عبد الله بيد علقمة وأخذ النبي ﷺ بيد عبد الله فعلمه التشهد في الصلاة وقال: " قل التحيات لله فذكر الحديث إلى آخر التشهد". فقال: قال عبد الله بن مسعود:" إذا فرغت من هذا فقد قضيت

стр. 239

صلاتك فإن شئت فاقعد وإن شئت فقم" (١). ومثل الخطيب البغدادي لمدرج الصحابي بمثال آخر فقال: " أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد ابن غالب الفقيه الخوارزمي المعروف بالبرقاني قال: قرأت على أبي القاسم ابن النخاس: أخبركم محمد بن إسماعيل بن علي قال: أخبرنا بندار قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال:" نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وكان إذا سئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهتها ". المسؤول عن صلاح الثمرة والمجيب بقوله: حتى تذهب عاهتها ليس هو النبي ﷺ ، وإنما هو عبد الله بن عمر بين ذلك مسلم بن إبراهيم الأزدي ومحمد بن جعفر غندر في روايتهما هذا الحديث عن شعبة .. " (٢). ومن صور الإدراج: اللحن، وهو أن يروي الشيخ لفظة فيلحن بها ثم يؤديها التلميذ بلحنها كما سمعها. فعن أشعث قال: " كنت أحفظ عن الحسن وابن سيرين والشعبي، فأما الحسن والشعبي فكانا يأتيان بالمعنى، وأما ابن سيرين فكان يحكي صاحبه حتى يلحن كما يلحن ". (٣) وربما نبه الراوي على خطأ اللفظة ولكنه يثبتها كما جاءت مثلما أخرج الإمام أحمد في مسنده ٢/ ٧٥ بسنده عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " خيرت بين الشفاعة أو أن يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين؟ لا ولكنها للمتلوثين الخطاؤون ". قال زياد - أحد الرواة -: أما إنها لحن ولكنها هكذا حدثنا الذي حدثنا. (٤) فإذا وجدت هكذا لفظة مدرجة فلا تعد زيادة ثقة ولو انفرد بها راوٍ عن بقية الرواة ... وقد تساهل علماؤنا سلفاً وخلفاً بهذه الزيادة، وقبلوها ما دامت لا تختلط على

стр. 240

السامعين فإذا حصل مثل ذلك وجب التنبيه عليها وفصلها عن المتن ومثاله: ما أخرجه البخاري (٦٦٩٨) فقال: "حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أن عبد الله بن عباس أخبره أن سعد بن عبادة الأنصاري استفتى النبي ﷺ في نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فأفتاه أن يقضيه عنها فكانت سنة بعد". قال الحافظ العسقلاني: " قوله في آخر الحديث في قصة سعد بن عبادة فكانت سنة بعد أي صار قضاء الوارث ما على المورث طريقة شرعية أعم من أن يكون وجوباً أو ندباً ولم أر هذه الزيادة في غير رواية شعيب عن الزهري فقد أخرج الحديث الشيخان من رواية مالك والليث، وأخرجه مسلم أيضا من رواية ابن عيينة ويونس ومعمر وبكر بن وائل والنسائي من رواية الأوزاعي والإسماعيلي من رواية موسى بن عقبة وابن أبي عتيق وصالح بن كيسان كلهم عن الزهري بدونها وأظنها من كلام الزهري ويحتمل من شيخه وفيها تعقب على ما نقل عن مالك لا يحج أحد عن أحد واحتج بأنه لم يبلغه عن أحد من أهل دار الهجرة منذ زمن رسول الله ﷺ أنه حج عن أحد ولا أمر به ولا أذن فيه، فيقال لمن قلد قد بلغ ذلك غيره وهذا الزهري معدود في فقهاء أهل المدينة وكان شيخه في هذا الحديث وقد استدل بهذه الزيادة ابن حزم للظاهرية ومن وافقهم في أن الوارث يلزمه قضاء النذر عن مورثه في جميع الحالات ". (١) قلت: روى الحديث عن الزهري جماعة من الحفاظ لم يرووا هذه الزيادة - كما قال الحافظ ابن حجر فقد رواه: - سفيان بن عيينة: أخرجه الطيالسي ١/ ٣٥٥ (٢٧١٨)، والحميدي ١/ ٢٤١ وأحمد ١/ ٢١٩، ومسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)، وأبو عوانة ٤/ ٥ (٥٨٢٦)، والنسائي ٦/ ٢٥٤، وفي الكبرى ٣/ ١٣٧ (٤٧٥٩)، و٤/ ١١١ (٦٤٨٧ و ٦٤٨٨)،،وابن ابي شيبة ٧/ ٢٨٤ (٣٦١٢٠)، وأبو يعلى ٤/ ٢٧١ (٢٣٨٣). - والليث بن سعد: أخرجه البخاري (٦٩٥٩) ومسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)، وأبو عوانة ٤/ ٥ (٥٨٢٧)، والترمذي (١٥٤٦)، والنسائي ٦/ ٢٥٤ و ٧/ ٢١، وفي الكبرى ٣/ ١٣٧ (٤٧٦٠)، و٤/ ١١١ (٦٤٨٩)، وابن ماجه (٢١٣٢)،، و٤/ ٦ (٥٨٣٢)،

стр. 241

والبيهقي ٦/ ٢٧٨ والطبراني في الكبير ٦/ ١٧ (٥٣٦٦). - مالك بن أنس: أخرجه البخاري (٢٧٦١)، ومسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)،وأبو عوانة ٤/ ٥ (٥٨٢٧) والطبراني في الكبير ٦/ ١٧ (٥٣٦٥). - والأوزاعي: أخرجه أحمد ١/ ٣٢٩،والنسائي ٦/ ٢٥٣،وفي الكبرى ٤/ ١١٠ (٦٤٨٤) و ٤/ ١١١ (٦٤٨٥و ٦٤٨٦). - وبكر بن وائل: أخرجه مسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)، وأبو عوانة ٤/ ٦ (٥٨٢٩)،والنسائي ٦/ ٢٥٤ و ٧/ ٢١، وفي الكبرى ٤/ ١١٢ (٦٤٩٠). - معمر بن راشد: أخرجه مسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)،وابو عوانة ٤/ ٦ (٥٨٢٨)، والطبراني في الكبير ٦/ ١٧ (٥٣٦٤). - عبدة بن سليمان: أخرجه النسائي ٧/ ٢٠. - يونس بن يزيد الأيلي: أخرجه مسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨). وأخرجه البخاري (٦٦٩٨) بزيادة - فكانت سنة بعد - من طريق شعيب عن الزهري، والبيهقي ٦/ ٢٧٨ بها، وقد عدها البعض أدراجاً. أقول: لم ينفرد شعيب بها _ كما قيل - بل تابعه عبيد الله بن أبي زياد الرصافي، وهو صدوق، كما قاله ابن حجر في التقريب (٤٢٩١) أخرجه الطبراني في الكبير ٦/ ١٨ (٥٣٦٧)، وقال محمد بن يحيى الذهلي في ترجمة عبيد الله بن أبي زياد الرصافي: " لم أعلم له رواية غير ابن ابنه يقال له الحجاج بن أبي منيع، أخرج إلي جزءاً من أحاديث الزهري فنظرت فيها، فوجدتها صحاحاً فلم أكتب منها إلا قليلاً " (١). على أننا نذهب إلى ما ذهب إليه الحافظ إبن حجر في قوله: إن هذه العبارة هي من المدرج إما من كلام الزهري، أو من كلام شيخه، وللبخاري إدراجات معروفة، لأنه يعنى بالحكم منفصلا عن الرواية (٢). وقد يدرج لفظ في متن الحديث لتفسير معنى ما ومثاله: قال البخاري (١٩٠٩): حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ أو قال: قال أبو القاسم ﷺ :" صوموا

стр. 242

لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ". قال ابن حجر: " وقد وقع الاختلاف في حديث أبي هريرة في هذه الزيادة أيضاً فرواها البخاري كما ترى بلفظ: فأكملوا عدة شعبان ثلاثين. وهذا أصرح ما ورد في ذلك وقد قيل: إن آدم شيخه انفرد بذلك فإن أكثر الرواة عن شعبة قالوا فيه فعدوا ثلاثين أشار إلى ذلك الإسماعيلي ". (١) وقال ابن الجوزي: " وهذا يجوز أن يكون من آدم رواه على التفقه من عنده للخبر وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا من بين من رواه عنه ومن بين سائر من ذكرنا ممن يرويه عن شعبة وجه" (٢). ومن ذلك أيضا ما أخرجه البخاري (٦٥٠٥) فقال:" حدثني يحيى بن يوسف قال: أخبرنا أبو بكر عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:" بعثت أنا والساعة كهاتين. يعني إصبعين تابعه إسرائيل عن أبي حصين". فهنا أدرجت لفظة: "يعني إصبعين "، وهي ليست من قول النبي ﷺ ومن ذلك: ما أخرجه الإمام مسلم (١٦٧) فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليث (ح)، وحدثنا محمد بن رمح قال: أخبرنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: " عرض علي الأنبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم ﵇ فإذا أقرب من رأيت به شبهاً عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه فإذا أقرب من رأيت به شبهاً صاحبكم، يعني نفسه، ورأيت جبريل ﵇ فإذا أقرب من رأيت به شبهاً دحية ". وفي رواية ابن رمح دحية بن خليفة ". وفي (٣١٧) قال:" وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن إدريس عن الأعمش عن سالم عن كريب عن ابن عباس عن ميمونة:" أن النبي ﷺ أتي بمنديل فلم يمسه وجعل يقول بالماء هكذا يعني ينفضه". فهتان اللفظتان (يعني نفسه، يعني ينفضه) ليستا من قول النبي، وإنما أدرجتا في الحديث. فلا تعد مثل هذه الزيادات بين الأحاديث زيادة ثقة؟ ولو قلنا بذلك لفتحنا باباً

стр. 243

لا يُغلق، إلا ما شاء الله تعالى. ثالثاً - الاقتصاص: وهو أن يروي حديثاً بلفظ ثم يأتي راوٍ آخر فيرويه بأطول من الأول أو أتم بزيادة حدث ما، أو واقعة معينة قصر عن ذكرها بقية الرواة. فأحدهم يرويه دون ذكر القصة، والآخر يرويه ببعضها والثالث دونها. كل واحد من الرواة يرويه حسب ما يراه مناسباً لحادثة أو لسبب ما. لذا فإنك تجدك أمام نفس الراوي يزيد بروايته عند البخاري فيسرد قصة طويلة فيها حكاية ثم تجده عند مسلم يروي الرواية دونها أو دون بعضها. وهذه كلها لا علاقة لها بزيادة الثقة التي نحن بصددها ذلك لأنها لا تتعلق بحكم شرعي أو بإثبات أمر أو نفيه، كأن يورد لنا مصنف حديث أنس عن النبي ﷺ أنه قال: " ... . "، ثم يأتي آخر ويورد لنا نفس الحديث عن أنس بزيادة قصة: كأن يقول: دخلت على النبي في المسجد، فقال: " ... " الحديث، فهذه ليست من باب الزيادة لأن الراوي (أنس) أو من دونه ربما حدّث به هنا لسبب ما، وتركه هناك لعدم وجود السبب. ومثاله: ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (١٩٨) باب الطهارة، مختصراً فاقتطع منه القدر الذي يناسب الطهارة، فقال: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة قالت:" لما ثقل النبي ﷺ واشتد به وجعه استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج النبي ﷺ بين رجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس ورجل آخر قال عبيد الله: فأخبرت عبد الله بن عباس فقال: أتدري من الرجل الآخر؟ ... قلت: لا، قال: هو علي. وكانت عائشة ﵂ تحدث أن النبي ﷺ قال بعد ما دخل بيته واشتد وجعه: " هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس وأجلس في مخضب لحفصة زوج النبي ﷺ ثم طفقنا نصب عليه تلك القرب حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن ثم خرج إلى الناس ". ثم أورده في باب الأذان (٦٦٥) بما يناسب الاستئذان. فقال: حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله قال: قالت عائشة: " لما ثقل النبي ﷺ واشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج بين رجلين تخط رجلاه الأرض، وكان بين العباس ورجل آخر. قال عبيد الله: فذكرت ذلك لابن عباس ما قالت عائشة، فقال لي: وهل تدري من الرجل

стр. 244

الذي لم تسم عائشة؟ قلت: لا قال: هو علي بن أبي طالب ". ثم في كتاب فرض الخمس (٣٠٩٩) مختصراً جداً مناسباً للباب فقال: حدثنا حبان بن موسى ومحمد قالا: أخبرنا عبد الله: أخبرنا معمر ويونس عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت:" لما ثقل رسول الله ﷺ استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له ". وفي المغازي (٤٤٤٢) مطولاً، فقال: حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج وهو بين الرجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر، قال عبيد الله: فأخبرت عبد الله بالذي قالت عائشة، فقال لي عبد الله بن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قال: قلت: لا، قال ابن عباس: هو علي بن أبي طالب، وكانت عائشة زوج النبي ﷺ تحدث: أن رسول الله ﷺ لما دخل بيتي واشتد به وجعه قال: ... " هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي ﷺ ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن قالت ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم". وفي الطب (٥٧١٤) بما يناسبه، فقال: حدثنا بشر بن محمد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر ويونس، قالا: قال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ ، واشتد وجعه استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج بين رجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس وآخر". فأخبرت ابن عباس قال: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قلت: لا، قال: هو علي. قالت عائشة فقال النبي ﷺ بعد ما دخل بيتها واشتد به وجعه:" هريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلّي أعهد إلى الناس "، قالت: فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي ﷺ ، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى جعل يشير إلينا أن قد فعلتنّ، قالت: وخرج إلى الناس فصلى لهم وخطبهم". ٢ - ومن أمثلته أيضا ما أخرجه مسلم ١/ ٣٦٨ (٥١٧) قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه أن عمر بن أبي سلمة أخبره قال:

стр. 245

رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد مشتملاً به في بيت أم سلمة، واضعاً طرفيه على عاتقيه ". وفي (٥١٧): حدثناه أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم عن وكيع قال حدثنا هشام بن عروة بهذا الإسناد غير أنه قال:" متوشحا ولم يقل مشتملا ". وفي (٥١٧) قال: وحدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة قال:" رأيت رسول الله ﷺ يصلي في بيت أم سلمة في ثوب قد خالف بين طرفيه". وأخرجه في ١/ ٣٦٩ (٥١٧) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد وعيسى بن حماد قالا: حدثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمر بن أبي سلمة قال: " رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد ملتحفاً مخالفاً بين طرفيه ". زاد عيسى بن حماد في روايته قال على منكبيه. رابعاً - التقطيع - التبويب -: وأعني به تقطيع الحديث الواحد حسب ما يراه المصنف مناسباً فيرويه تارة تاماً في باب من أبواب مصنفه يحتاج إلى إيراده بهذه الصورة، ثم يأخذ منه قطعة في باب آخر لا يحتاج إلى إيراده بتمامه، ولمعرفة أصل الحديث الصحيح أمامنا طريقان: الأول: أن نرجع إلى سياقة هذا الحديث في الكتب المرتبة على المسانيد، ومن أفضلها، مسند الإمام المبجل أحمد بن حنبل، على أن يكون هذا الإسناد موافقاً للإسناد الذي جاء في الكتب الأخرى أو صحيحاً مثل صحتها. الثاني: هو العودة إلى صحيح الإمام مسلم لأن مسلماً يجمع الطرق، ويقص الحديث مفصلاً، ومن هنا فضل المغاربة مسلماً على البخاري، ونحن لا نوافقهم على ذلك قطعاً. ومن أمثلة التقطيع البينة حديث جابر ﵁ في الحج، فنحن نعلم جيداً أن هذا الحديث الطويل مما تفرد به جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي بن الحسين، المعروف بالباقر، عن جابر ابن عبد الله الأنصاري، ولا نعرف له طريقاً صحيحاً من غير هذا الطريق، وقد ساقه الإمام أحمد بتمامه في مسنده ٣/ ٣٢٠، وكذا الإمام مسلم ٤/ ٣٨ - ٤٣ (١٢١٨)، أما الإمام مالك فقد قطّعه إلى أربع قطع في الموطأ، فظهر وكأنه أربعة

стр. 246

أحاديث، وذلك بحسب ما احتاج إليه في الموطأ من أبواب الحج، فذكر في باب " الرمل في الطواف " (١٠٥٧)، قول جابر:" رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف ". وذكر منه قطعتين صغيرتين في باب:" البدء بالصفا في السعي "، برقم (١٠٨٩و ١٠٩٠). وذكر القطعة الرابعة منه في باب:" جامع السعي "، برقم (١٠٩٧). وكذلك هو في الموطآت، مثل موطأ أبي مصعب الزهري حيث جاءت هذه القطع المذكورة في الأرقام (١٢٨١و١٣١١و١٣١٢و١٣١٤). وكذلك هي في موطأ سويد بن سعيد إذ جاءت في الأرقام (٥٤١و٥٤٣و٥٤٤)، وهي أربعة أحاديث في الموطأ، وإن أعطى المحقق لحديثين الرقم (٥٤٣). وحين تناول ابن عبد البر بيان أسانيد الموطأ في كتابه العظيم التمهيد عد ذلك أربعة أحاديث، لما رواه الإمام مالك عن جعفر بن محمد فقال: في ٢/ ٦٨ حديث أول لجعفر بن محمد، وقال في حديث ٢/ ٧٩حديث ثان لجعفر بن محمد مسند، وقال في ٢/ ٩١ حديث لجعفر بن محمد متصل، وقال في ٢/ ٩٣حديث رابع لجعفر بن محمد. وهو في أصله قطع صغيرة من حديث جابر الطويل المعروف في صحيح مسلم. وكذلك فعل أصحاب السنن المرتبة على أبواب الفقه، حيث قطعوا هذا الحديث حسب الأبواب التي احتاجوا إليها، فقد رواه (١): أبو داود: (١٨١٣و١٩٣٦و٣٩٦٩). الترمذي: (٨١٧ و ٨٥٧ و٨٦٢ و٨٦٩ و٢٩٦٧). ابن ماجه: (١٠٠٨و٢٩١٣و٢٩١٩و٢٩٥١و٢٩٦٠و٣١٥٨). النسائي: ١/ ١٢٢و١٩٥و١٥٤و٢٠٨و٢٩٠،و٢/ ١٥و١٦،و٥/ ١٤٣و١٥٥و١٥٧و١٦٤ و١٧٦و٢٣٠و٢٣٦و٢٣٩و٢٤٠و٢٤٣و٢٤٤و٢٣٥و٢٤٠و٢٥٥و٢٦٥و٢٦٧و٢٧٤. وابن خزيمة: (٢٦٠٣و٢٧٠٩و٢٧١٧و٢٧١٨و٢٧٥٦و٢٨١١و٢٨٥٣و٢٨٥٥و٢٨٥٨ و٢٨٩٠ و٢٨٩٢ و ٢٩٢٤).

стр. 247

ومن المبرزين في هذا الأمر الإمام البخاري رحمه الله تعالى، إذ نقل الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي القول: "وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة واقتصاره منه على بعضه أخرى فذلك لأنه إن كان المتن قصيراً أو مرتبطاً بعضه ببعض وقد اشتمل على حكمين فصاعداً فإنه يعيده بحسب ذلك " (١). ويوضح هذا الإمام النووي إذ يقول: " وأما تقطيع المصنفين الحديث الواحد في الأبواب فهو بالجواز أولى بل يبعد طرد الخلاف فيه وقد استمر عليه عمل الأئمة الحفاظ الجلة من المحدثين وغيرهم من أصناف العلماء، وهذا معنى قول مسلم ﵀: "أو أن يفصل ذلك المعنى " إلى آخره وقوله: " إذا أمكن " يعنى: إذا وجد الشرط الذي ذكرناه على مذهب الجمهور من التفصيل. وقوله:" ولكن تفصيله ربما عسر من جملته فإعادته بهيئة إذا ضاق ذلك أسلم " معناه: ما ذكرنا أنه لا يفصل إلا ما ليس مرتبطاً بالباقي، وقد يعسر هذا في بعض الأحاديث فيكون كله مرتبطا بالباقي أو يشك في ارتباطه ففي هذه الحالة يتعين ذكره بتمامه وهيئته ليكون أسلم مخافة من الخطأ والزلل والله أعلم " (٢). ومن أمثلة ذلك: ١ - حديث الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵃ في مرض النبي ﷺ ، إذ أخرجه البخاري من حديث الزهري نفسه، ولكنه قطعه على الأبواب بما يناسبها. فأخرجه في (٤٤٣٩) عند باب: " مرض النبي ووفاته "، وفي (٥٠١٦)، " باب فضل المعوذات "، من طريق يونس عن الزهري، فقال: "حدثني حبان قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة أن عائشة ﵂ أخبرته:" أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات، ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث، وأمسح بيد النبي ﷺ عنه ". ثم أخرجه في (٥٠١٧) من طريق عقيل، باب" فضل المعوذات " فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا المفضل بن فضالة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن

стр. 248

عائشة أن النبي ﷺ :"كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات ". قلت: ولم يذكر فيه مرض النبي ﷺ . وأخرجه في (٥٧٥١)، باب " المرأة ترقي الرجل "، وفي (٥٧٣٥) باب " الرقى بالقرآن والمعوذات"، من طريق معمر فقال: " حدثني عبد الله بن محمد الجعفي قال: حدثنا هشام قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂:" أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه بهن فأمسح بيد نفسه لبركتها ".فسألت ابن شهاب: كيف كان ينفث؟ قال: ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه". وهنا اقتطع البخاري من الحديث ما يناسب الباب، وهو شرعية الرقية بالقرآن، وشرعية رقية المرأة للرجل. ثم أخرجه (٦٣١٩)، باب " التعوذ والقراءة عند المنام "، من طريق عقيل فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا الليث قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب أخبرني عروة عن عائشة ﵂:" أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ بالمعوذات ومسح بهما جسده ". ثم أخرجه في (٧٥٤٨)، باب " النفث في الرقية "، من طريق يونس، فقال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثنا سليمان، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد وبالمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده، قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به ". قال يونس: كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أتى إلى فراشه ". وهنا اختار البخاري لفظة " يأمرني " لأنها تناسب عنوان الباب " النفث "، فأراد بيان سنة شرعية. ٢ - حديث محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن ابن عمر ﵃، إذ أخرجه البخاري (٤٤٠٢و ٤٤٠٣)، باب حجة الوداع من طريق ابنه عمر، فقال: حدثنا

стр. 249

يحيى بن سليمان قال: أخبرني ابن وهب، قال: حدثني عمر بن محمد أن أباه حدثه عن ابن عمر ﵄ قال: " كنا نتحدث بحجة الوداع والنبي ﷺ بين أظهرنا ولا ندري ما حجة الوداع فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره وقال: ما بعث الله من نبي إلا أنذره أمته أنذره نوح والنبيون من بعده وإنه يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس على ما يخفى عليكم، ثلاثاً، إن ربكم ليس بأعور وإنه أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، ثلاثاُ ويلكم أو ويحكم انظروا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " (١). وأخرجه البخاري في (٦٧٨٥)، " باب ظهر المؤمن حمى إلا في حدّ أو حق " من طريق ابنه الآخر واقد، فقال: " حدثني محمد بن عبد الله قال: حدثنا عاصم بن علي قال: حدثنا عاصم بن محمد عن واقد بن محمد سمعت أبي قال: عبد الله قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا شهرنا هذا، قال: ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا بلدنا هذا، قال: ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا يومنا هذا قال: فإن الله ﵎ قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا هل بلغت؟، ثلاثا، كل ذلك يجيبونه: ألا نعم، قال: ويحكم أو ويلكم لا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " (٢). وأخرجه البخاري في (٦١٦٦): "باب ما جاء في قول الرجل "ويلك " من طريق واقد نفسه، فقال:" حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا شعبة عن واقد بن محمد بن زيد قال: سمعت أبي عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال:" ويلكم أو ويحكم ".- قال شعبة شك هو-:" لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ". وقال النضر عن شعبة: ويحكم، وقال عمر بن محمد عن أبيه:

стр. 250

ويلكم أو ويحكم ". قلت: هنا اقتطع البخاري قطعة صغيرة من الحديث ما يناسب الباب الذي أورده تحته، ليثبت جواز قول: " ويلك ". ثم أورده في (٦٨٦٨)، " باب قول الله تعالى: ومن أحياها ... "، من رواية واقد أيضاً، فاقتطع من الحديث ما يناسب الباب، ترهيباً من قتل المسلم للمسلم، فقال:" حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة قال واقد بن عبد الله أخبرني عن أبيه سمع عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال:" لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض". وكذا حينما أورده في (٧٠٧٦)، "باب قول النبي ﷺ لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض "، فقال: " حدثنا حجاج بن منهال حدثنا شعبة أخبرني واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر أنه سمع النبي ﷺ يقول: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض". فما يظهر من اختلاف في متون الأحاديث واقتطاع لها، إنما يجيء بسبب حاجة الإمام البخاري إلى قطعة من الحديث ليستدل بها، فضلاً عن اختلاف بين الرواة في سياقة الحديث بألفاظ مختلفة، كما قدمنا، فهذا كله ليس فيه في حقيقة الأمر زيادات لأنه في أصله حديث واحد. ٣ - وكذا ما أخرجه البخاري (٢٨٩٢)،كتاب الجهاد، باب " باب فضل رباط يوم في سبيل الله وقول الله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون" (١)، فقال: حدثنا عبد الله بن نمير، سمع أبا النضر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ابن دينار، عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ عن النبي ﷺ قال: " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها ". وأخرجه في (٢٧٩٤) كتاب، " باب الغدوة والروحة في سبيل الله، وقاب قوس أحدكم من الجنة .. "فقال: حدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد
следующие страницы →