← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 36147

الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين

عبد القادر المحمدي

Полный текст (402 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

خصلة أخرى قوله:"وجعلت تربتها لنا طهوراً ":زيادة لم يروها فيما أعلم - غير سعد بن طارق عن ربعي بن حراش فكل الأحاديث لفظها وجعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً " (١). أقول: هذا الحديث لا يصح التمثيل به، إذ تفرد أبو مالك الأشجعي بجملة الحديث عن شيخه: ربعي بن حراش، فلم يروه عنه إلا أبو مالك. قال ابن حجر:"وهذا التمثيل ليس بمستقيم - أيضاً - لأن أبا مالك قد تفرد بجملة الحديث عن ربعي بن حراش ﵁ كما تفرد برواية جملة ربعي عن حذيفة ﵁ " (٢). وقد رواه عن أبي مالك: محمد بن فضيل، أخرجه مسلم ١/ ٣٧١ (٥٢٢)،وابن خزيمة ١/ ١٣٣ (٢٦٤). ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة: عند مسلم أيضا المساجد ١/ ٣٧١ (٥٢٢)،وأبو معاوية الضرير: عند أحمد ٥/ ٣٨٨. وقد وقع الخطيب البغدادي في وهم كبير إذ قال في تأريخ بغداد ١٠/ ١٢١: "تفرد به أبو عوانة وأخرجه مسلم بن الحجاج في صحيحه ". والإمام مسلم لم يخرجه من طريق أبي عوانة أصلاً، ولم يتفرد به أبو عوانة كما سلف! (٣). المثال الثاني: وقال:" أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال: أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: حدثنا الحسن بن مكرم بن حسان، قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: حدثنا مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة في أول وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين".قوله: في أول وقتها زيادة لا نعلم رواها في حديث ابن مسعود إلا عثمان بن عمر عن مالك بن مغول وكل الرواة قالوا عن مالك

стр. 177

الصلاة لوقتها، وأما فصل من فصل بين أن تكون الزيادة في الخبر من رواية راويه بغير زيادة، وبين أن تكون من رواية غيره، فإنه لا وجه له، لأنه قد يسمع الحديث متكرراً تارة بزيادة وتارة بغير زيادة كما يسمعه على الوجهين من راويين وقد ينسى الزيادة تارة فيرويه بحذفها مع النسيان لها والشك فيها ويذكرها فيرويها مع الذكر واليقين وكما أنه لو روى الحديث ونسيه فقال: لا أذكر أني رويته! وقد حفظ عنه ثقة وجب قبوله برواية الثقة عنه، فكذلك هذا وكما لو روى حديثاً مثبتاً لحكم وحديثاً ناسخاً له وجب قبولهما، فكذلك حكم خبره إذا رواه تارة زائداً وتارة ناقصاً وهذه جملة كافية" (١). أقول: وقد توبع مالك بن مغول بروايته عن الوليد بن العيزار تابعه شعبة بن الحجاج عند الدارقطني ١/ ٢٤٦، والحاكم ١/ ٣٠٠، والبيهقي ١/ ٤٣٤.فلا يصح التمثيل به. المثال الثالث: قال: عند موضوع تعارض الوصل الإرسال: " مثال ذلك ما أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يوسف الصياد قال: حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد قال: حدثنا الحارث بن محمد التميمي قال: حدثنا الحسن بن قتيبة، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ :"لا نكاح إلا بولي". أخبرناه أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال: حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قال: حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: حدثنا إسرائيل (ح)،وأخبرنا أبو سعيد أيضا وأبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عثمان الطرازي قالا: حدثنا أبو العباس الأصم قال: حدثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي قال: حدثنا طلق بن غنام قال: حدثنا إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ :" لا نكاح إلا بولي". وقال طلق: حدثنا قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ مثله. أخبرنا أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن عبد الله البزاني بأصبهان قال: أنبأنا عبد الله بن الحسن بن بندار المديني قال: حدثنا أسيد بن عاصم قال: حدثنا الحسين بن حفص

стр. 178

قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة قال: قال رسول الله ﷺ :"لا نكاح إلا بولي". أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق قال: أخبرنا أحمد بن سلمان النجاد قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ قال:"لا نكاح إلا بولي". وكان: (يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وابنه إسرائيل، وقيس بن الربيع) يروون هذا الحديث عن أبي إسحاق مسنداً متصلاً وكان: (سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج) يرويانه عن أبي إسحاق مرسلاً ... .. أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب قال: أخبرنا محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى يقول: سمعت محمد بن هارون المكي يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري وسئل عن حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ قال:" لا نكاح إلا بولي" فقال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة وان كان شعبة والثوري أرسلاه فإن ذلك لا يضر الحديث ". أقول: يبدو من خلال هذا المثال اضطراب المتأخرين في فهم منهج المتقدمين بشكل واضح فالحديث ليس فيه زيادة ثقة. إسرائيل لم ينفرد بوصله فقد تابعه جماعة من الأثبات كما ذكره كل من تحدث عن هذا الحديث حتى الخطيب نفسه، فالذين وصلوه، هم:"أبو عوانة، وزهير بن معاوية، وشريك النخعي، وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق " (١) والذين أرسلوه"شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري". فهذا من قبيل مختلف الحديث لذا قال الترمذي:"وحديث أبي موسى حديث فيه اختلاف: رواه إسرائيل وشريك بن عبد الله وأبو عوانة وزهير بن معاوية وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ ،وروى أسباط بن محمد وزيد بن حباب عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ ،وروى أبو عبيدة الحداد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ نحوه ولم يذكر فيه عن أبي إسحاق وقد روى عن يونس بن أبي

стр. 179

إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ أيضاً، وروى شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ :"لا نكاح إلا بولي" وقد ذكر بعض أصحاب سفيان عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى ولا يصح. ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ لا نكاح إلا بولي عندي أصح لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث فإن رواية هؤلاء عندي أشبه لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد ومما يدل على ذلك ما حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا أبو داود قال: أنبأنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله ﷺ :"لا نكاح إلا بولي"؟ فقال: نعم، فدل هذا الحديث على أن سماع شعبة والثوري عن مكحول هذا الحديث في وقت واحد، وإسرائيل هو ثقة ثبت في أبي إسحاق سمعت محمد بن المثنى يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول ما فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق الذي فاتني إلا لما اتكلت به على إسرائيل لأنه كان يأتي به أتم" (١). ثم أقول: زيادة الثقة: هو أن يزيد ثقة واحد على غيره " جماعة ". أما هذا الحديث فقد زاد جماعة على اثنين فهل يسمى هذا زيادة ثقة؟ - بمفهوم المتأخرين - حتى نستدل به على صحة القول؟ ثالثاً: مناقشة أمثلة الحافظ ابن الصلاح: المثال الأول: مثل أولاً بحديث:"تربتها طهوراً " (٢)،ومر بيان ذلك في أمثلة الخطيب. المثال الثاني: قال:"مثاله ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر ﵁:" أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين "،فذكر أبو عيسى الترمذي أن مالكاً تفرد من بين الثقات بزيادة قوله من المسلمين وروى عبيد الله بن عمر وأيوب وغيرهما هذا الحديث عن نافع عن بن عمر دون هذه الزيادة فأخذ بها

стр. 180

غير واحد من الأئمة واحتجوا بها منهم الشافعي وأحمد ﵃ والله أعلم" (١). أقول: لم يتفرد الإمام مالك بهذه الزيادة أصلاً فقد تابعه جمع من الثقات، وهم: ١ - عمر بن نافع مولى ابن عمر: أخرجه البخاري في الصحيح (١٥٠٣)،والنسائي ٥/ ٤٨، وفي الكبرى ٢/ ٢٥ برقم (٢٢٨٧)،وابن حبان ٨/ ٩٦،والدارقطني ٢/ ١٣٩،والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٢. ٢ - الضحاك بن عثمان: أخرجه مسلم في ٢/ ٦٧٨ (٩٨٤)،وابن خزيمة في الصحيح ٤/ ٨٣، وابن حبان في صحيحه ٨/ ٩٥،والدارقطني ٢/ ١٣٩،والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٢. ٣ - عبد الله بن عمر العمري: أبو داود (١٦١٢)،والدارقطني ٢/ ١٤٠ و ١٤٤،والحاكم في المستدرك ١/ ٥٦٩. ٤ - عبيد الله بن عمر العمري: أخرجه أبو داود (١٦١٢)،وأحمد ٢/ ٦٦ و ١٣٧،والدارقطني ٢/ ١٣٩، والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٦. ٥ - أيوب السختياني: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٣٩. ٦ - يونس بن يزيد: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٣٩. ٧ - كثير بن فرقد: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٤٠،والبيهقي ٤/ ١٦٢. ٨ - عبد الله بن عمر ومالك-كلاهما-أخرجه ابن الجارود، في المنتقى ٢/ ٩٧،والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٣. ٩ - ابن أبي ليلى: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٤٠. ١٠ - المعلى بن إسماعيل: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٤٠. فهؤلاء جميعاً تابعوا مالكاً في حديثه، بل الصواب أنّ مالكاً قد تابعهم كما صنع البخاري إذ قدم رواية عبيد الله بن نافع على رواية مالك بن أنس. وحري بي أن أنبه إلى أنّ الحافظ ابن رجب الحنبلي وهو من الذين يشترطون القرائن لقبول الزيادة -كما سيأتي- لما رد على من يزعم أن الإمام أحمد بن حنبل يقبل الزيادة مطلقاً، لم يتكلم على خطأ المثال أصلاً، وإنما إكتفى بنفي ذلك، أو بتأويله، فأردت إتمام الفائة ههنا، فمثلاً:

стр. 181

١ - قال في شرحه لعلل الترمذي ٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣:"وقال أحمد أيضاً: في حديث ابن فضيل عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي عطية عن عائشة ﵁ في تلبية النبي ﷺ وذكر فيها:"والملك لا شريك لك ".قال أحمد: وهم ابن فضيل في هذه الزيادة، ولا تعرف هذه عن عائشة إنما تعرف عن ابن عمر".أقول: ذكر ابن رجب هذا المثال في معرض الاستدلال على أنّ الإمام أحمد لا يقبل الزيادة؟ أقول: هذا المثال ليس من قبيل زيادة الثقة لأنّ محمد بن فضيل لم يتفرد به بل قد توبع، تابعه ابن نمير وغيرهُ كما قال ابن رجب نفسه نقلاً عن الخلال:"إنّ هذه الزيادة رواها ابن نمير وغيره أيضاً عن الأعمش" (١). وقال الزيلعي:" ليس ما ذكره من التلبية منقولاً باتفاق الرواة فقد روى حديث التلبية عائشة وعبد الله بن مسعود وليس فيه:"والملك لك لا شريك لك" (٢). ٢ - أورد ابن رجب حديث الإستسعاء في معرض كلامه عن منهج الإمام أحمد في زيادة الثقة فنقل عنه القول: " حديث أبي هريرة في الاستسعاء يرويه ابن أبي عروبة، أما شعبة وهمام فلم يذكراه ولا أذهب إلى الإستسعاء " (٣). قال ابن رجب:"فالذي يدل عليه كلام أحمد في هذا الباب: أنّ زيادة الثقة للفظة في حديث من بين الثقات إن لم يكن مبرزاً في الحفظ والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة ولم يتابع عليها فلا يقبل تفرده، وإن كان ثقة مبرزاً في الحفظ على من لم يذكرها ففيه عنه روايتان " (٤). أقول: النص الذي ذكره عن الإمام أحمد لا يفهم منه ما قاله ابن رجب، فالإمام أحمد إنما أعل حديث سعيد بن أبي عروبة فحسب!. وأما الحديث فقد روي: عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من أعتق شقيصاً من مملوكه فعليه خلاصه في ماله فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ثم استسعى غير مشقوق عليه " (٥). رواه عن قتادة (سعيد بن أبي عروبة وجرير بن حازم، وحجاج بن حجاج،

стр. 182

وأبان بن موسى بن خلف). فرواية سعيد بن أبي عروبة - بذكر الزيادة -أخرجها البخاري في صحيحه (٥٤٩٢ و ٢٥٢٧) وكذا مسلم في الإيمان ١/ ١٢٨٧ - ١٢٨٨ (١٥٠٣)، وأبو داود (٣٩٣٨)، والترمذي (١٣٤٨). وأخرجه البخاري من طريق جرير بن حازم (٢٥٠٤ و ٢٥٢٦). وقال عقب حديث سعيد: " تابعه حجاج بن حجاج، وأبان بن موسى بن خلف عن قتادة ... اختصره شعبة " (١). وجاء الحديث بدون الزيادة: أخرجه أبو داود (٣٩٣٩) من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، وفي (٣٩٣٤) من طريق همام عنه به. وأخرجه مسلم: الإيمان ٣/ ١٢٨٧ (١٥٠٢و١٥٠٣)،وأبو داود (٣٩٣٥) من طريق شعبة عن قتادة به. وأخرجه أبو داود (٣٩٣٦) من طريق هشام بن عبد الله عن قتادة به. وأخرجه الترمذي (١٣٤٨) من طريق أبان العطاردي عن قتادة به، وقال: حسن صحيح، وفي (٢٠٨١٥) من طريق همام -مرسلاً-. وأخرجه أحمد ٢/ ٧٤ و ٧٥ من طريق سعيد عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه -مرسلاً-. أقول: لا يصح هذا المثال من وجهين: الأول: أن سعيد بن أبي عروبة لم ينفرد به بل تابعه جمهرة من العلماء الثقات. كما قاله البخاري في صحيحه (٢٥٢٧)، فلا يصح المثال أن يمثل به في هذا الموضع. الثاني: لأن الحديثين أحدهما مستقل عن الآخر: الأول: يقول بالاستسعاء. والآخر: يقول بخلافه وهو:"حديث همام وشعبة "،ونصه: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ :"قال في المملوك بين الرجلين فيعتق أحدهما قال يضمن ".فهذا من مختلف الحديث وليس من باب الزيادة.

стр. 183

٣ - مثال آخر: أورد الحافظ ابن رجب حديث:" ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه "، في معرض كلامه عن منهج الإمام أحمد في قبول زيادة الثقة (١). وأقول: أخرج أحمد ٢/ ١٥،وأبو داود (٣٢٦١)،و (٣٢٦٢)، والترمذي (١٥٣١)، والنسائي ٧/ ١٢ وابن ماجة (٢١٠٦) من طرق عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه". قال الترمذي عقبه: "وفي الباب عن أبي هريرة قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن وقد رواه عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر موقوفاً وهكذا روي عن سالم عن ابن عمر ﵄ موقوفاً، ولا نعلم أحداً رفعه غير أيوب السختياني، وقال إسماعيل بن إبراهيم: وكان أيوب أحياناً يرفعه وأحياناً لا يرفعه، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أن الاستثناء إذا كان موصولاً باليمين فلا حنث عليه، وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ". أقول: أولاً: قول الإمام الترمذي"حسن"، يعني أن الحديث معلولاً عنده - كما سيأتي -. ثانياً: لم ينفرد به أيوب السختياني بل تابعه: كثير بن فرقد أخرجه النسائي ٧/ ٢٥،والحاكم ٤/ ٣٣٦، وأيوب بن موسى أخرجه ابن حبان ١٠/ ١٨٢ (٤٣٤٠)، وعبيد الله بن عمر العمري أخرجه الأصبهاني ٢/ ١٤٠، وحسان بن عطية أخرجه الخطيب، في تأريخه ٥/ ٨٨. وأما عن شك أيوب السختياني في رفعه: فقال البيهقي:"أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه قال: حدثنا أبو محمد بن حيان قال: حدثنا عبدان قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد قال: قال حماد بن زيد: كان أيوب يرفع هذا الحديث ثم تركه، قال الشيخ: لعله إنما تركه لشك اعتراه في رفعه" (٢).

стр. 184

المطلب الثاني: الرد مطلقاً: (وفق مفهوم أهل المصطلح). وهو مذهب أبي بكر الأبهري (١)،وعلل ذلك بقوله: " لان ترك الحفاظ لنقلها، وذهابهم عن معرفتها يوهنها، ويضعف أمرها ويكون معارضاً لها، وليست كالحديث المستقل إذ غير ممتنع في العادة سماع واحد فقط للحديث من الراوي وانفراده به، ويمتنع فيها سماع الجماعة لحديث واحد، وذهاب زيادة فيه عليهم ونسيانها إلا الواحد" (٢). وهذا الكلام غاية في الجودة، وهو فهم صائب لمنهج المتقدمين. المطلب الثالث: القبول وفق القرائن: قبل بعض العلماء من المتأخرين زيادة الثقة وفق قرائن معينة، يضعها الواحد منهم من خلال فهمه الشخصي للأسباب التي قبل بها المتقدمون زيادة الثقة، وهذه القرائن تختلف من واحد إلى آخر، وهذا الاختلاف يدلنا على كون المسألة لم تأخذ نصيبها الوافر من الاستقراء. وتختلف تلك القرائن باختلاف أصل تعريف زيادة الثقة، وسيتضح الأمر أكثر من خلال عرض أقوال الأئمة الآتية: ١ - ابن حبان البستي ت (٣٥٤) إذ قال:"وأما قبول الرفع في الأخبار: فإنا نقبل ذلك عن كل شيخ اجتمع فيه الخصال الخمس التي ذكرتها فإن أرسل عدل خبراً وأسنده عدل آخر قبلنا خبر من أسند لأنه أتى بزيادة حفظها ما لم يحفظ غيره ممن هو مثله في الإتقان فإن أرسله عدلان وأسنده عدلان قبلت رواية العدلين اللذين أسنداه على الشرط الأول وهكذا الحكم فيه كثر العدد فيه أو قل فإن أرسله خمسة من العدول وأسنده عدلان نظرت حينئذ إلى من فوقه بالاعتبار وحكمت لمن يجب كأنا جئنا إلى خبر رواة نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ اتفق مالك وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد وعبد الله بن عون وأيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر ورفعوه وأرسله أيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية

стр. 185

وهؤلاء كلهم ثقات. أو أسند هذان وأرسل أولئك اعتبرت فوق نافع هل روى هذا الخبر عن ابن عمر أحد من الثقات غير نافع مرفوعاً أو من فوقه على حسب ما وصفنا فإذا وجد قبلنا خبر من أتى بالزيادة في روايته على حسب ما وصفنا وفي الجملة يجب أن يعتبر العدالة في نقلة الأخبار فإذا صحت العدالة في واحد منهم قبل منه ما روى من المسند وإن أوقفه غيره والمرفوع وإن أرسله غيره من الثقات إذ العدالة لا توجب غيره فيكون الإرسال والرفع عن ثقتين مقبولين والمسند والموقوف عن عدلين يقبلان على الشرط الذي وصفناه وأما زيادة الألفاظ في الروايات فإنا لا نقبل شيئاً منها إلا عن من كان الغالب عليه الفقه حتى يعلم أنه كان يروي الشيء ويعلمه حتى لا يشك فيه أنه أزاله عن سننه أو غيره عن معناه أم لا، لأن أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين فإذا رفع محدث خبراً وكان الغالب عليه الفقه لم أقبل رفعه إلا من كتابه لأنه لا يعلم المسند من المرسل ولا الموقوف من المنقطع وإنما همته إحكام المتن فقط وكذلك لا أقبل عن صاحب حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في الخبر لأن الغالب عليه إحكام الإسناد وحفظ الأسامي والإغضاء عن المتون وما فيها من الألفاظ إلا من كتابه هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ " (١). فهذا نص منه على مراعاة التكافؤ في قبول الزيادات، وشرط في الزيادة المقبولة عنده، فقال:"فإن أرسله عدلان وأسنده عدلان قبلت رواية العدلين اللذين أسنداه على الشرط الأول وهكذا الحكم فيه كثر العدد فيه أو قل ". وفي حالة التعارض تراعى القرائن، وهو معنى قوله:"فإن أرسله خمسة من العدول وأسنده عدلان نظرت حينئذ إلى من فوقه بالاعتبار وحكمت لمن يجب "،ثم مثل له. ٢ - الإمام الدارقطني (٣٨٥): قال الحافظ ابن حجر:"وفي سؤالات السهمي للدارقطني: سئل عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات؟ قال: ينظر ما اجتمع عليه ثقتان فيحكم بصحته، أو ما جاء بلفظ زائد فتقبل تلك الزيادة من متقن، ويحكم لأكثرهم حفظاً وثبتاً على من دونه" (٢).

стр. 186

ولم أقف على هذا النص في الموضع الذي أشار إليه ابن حجر (١). وهنا أخذ باعتبار أمرين:- الأول: يشترط المتابعة لأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد. الثاني: ويشترط مع العدد الحفظ والإتقان. قال الحافظ ابن حجر:" وقد استعمل الدارقطني ذلك في العلل والسنن كثيراً " (٢). أقول: ويفهم من كلام الدارقطني هذا، ومن صنيعه في العلل، أنه يأخذ بزيادة الثقة، وفق قرائن المتقدمين، وسيأتي بيان ذلك في فصل الدراسة التطبيقية. ٣ - ابن دقيق العيد ت (٧٠٢) قال:"من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مرسل ومسند، أو رافع وواقف، أو ناقص وزائد أن الحكم للزائد فلم يصب، في هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانوناً مطرداً، وبمراجعة أحكامهم الجزئية يعرف صواب ما نقول" (٣). ٤ - الحافظ العلائي ت (٧٦١) قال:"أئمة الحديث المتقدمون منهم: كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومن بعدهم كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وهذه الطبقة، وكذلك من بعدهم: كالبخاري، وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين، ومسلم، والنسائي، والترمذي وأمثالهم، ثم الدارقطني، والخليلي، كل هؤلاء يقتضي تصرفهم من الزيادة قبولاً ورداً الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند الواحد منهم في كل حديث، ولا يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جميع الأحاديث وهذا هو الحق والصواب " (٤). وقال: " إنّ الجماعة إذا اختلفوا في إسناد حديث كان القول فيهم للأكثر عدداً أو للأحفظ والأتقن ... ،فإن تفارقوا واستوى العدد فإلى قول الأحفظ والأكثر اتقاناً، وهذه

стр. 187

قاعدة متفق على العمل بها عند أهل الحديث " (١). ٥ - قال الحافظ الذهبي ت (٧٤٨) قال في الموقظة:"وإن كان الحديث قد رواه الثّبت بإسناد، أو وقفه، أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات، فإنّ الواحد قد يغلط. وهنا قد ترجّح ظهور غلطه فلا تعليل، والعبرة بالجماعة. وإن تساوى العدد، واختلف الحافظان، ولم يترجح الحكم لأحدهما على الآخر، فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين منه في كتابيهما " (٢). ٦ - ابن رجب الحنبلي ت (٧٩٥): للحافظ ابن رجب الحنبلي منهجية خاصة في قبول زيادة الثقة، فهو لا يقبلها مطلقاً ولا يردها مطلقاً بل بحسب القرائن - كما يراها هو - وقد اعترض على المتقدمين كالحاكم والخطيب وابن الصلاح مجموعة اعتراضات " يبدو في هذه الاعتراضات مصنفاً بارعاً ومحققاً ناقداً، ولم أجد من تعرض لهذه الأمور كما تعرض لها ابن رجب" (٣).والذي يبدو واضحاً من سياق كلام ابن رجب أنه يرجح المذهب القائل: لا تقبل الزيادة إلاّ من الثقة المبرز في الحفظ، وهذا القول أنصف بكثير ممن قبلها مطلقاً، ثم ينسب ذلك إلى الأئمة المتقدمين!. ولم يصرح ابن رجب برأيه بوضوح في هذه القضية، بل نلمسه عملياً من خلال مناقشته للأقوال المنسوبة إلى المتقدمين القائلة بالقبول لزيادة الثقة على إطلاقها، إذ نفى ذلك عن الأئمة: أبي حنيفة (٤) وأحمد (٥) والبخاري (٦) وغيرهم، وناقش الخطيب والحاكم وفند دعواهم في إطلاق القبول (٧). وحتى في الأمثلة التي ذُكرت عن المتقدمين كونهم قبلوا الزيادة قال:"إن مرادهم:

стр. 188

زيادة الثقة في مثل تلك المواضع الخاصة، وهي إذا كان الثقة مبرزاً في الحفظ" (١). فالأصل عنده: أن الزيادة مردودة ولو كانت من ثقة حافظ، إلاّ في بعض المواضع الخاصة التي قد يرى العالم المبرز بعلمه من خلال القرائن أن الزيادة هنا تصح، فهي -عنده - أمر اعتباري يختلف من راوٍ إلى آخر. ٧ - ابن الوزير ت (٨٤٠) قال:" فإن غلب على الظن وهم الثقة في الرفع والوصل بمخالفة الأكثرين من الحفاظ الذين سمعوا الحديث معه من شيخه في موقف واحد، ونحو ذلك من القرائن فإن الرفع والوصل حينئذٍ مرجوحان، والحكم بهما حكم بالمرجوح، وهو خلاف المعقول والمنقول، أما المعقول فظاهر، وأما المنقول فلأن جماعة من الصحابة وقفوا عن قبول خبر الواحد عند الريبة، وشاع ذلك، ولم ينكر كما فعله عمر في حديث فاطمة بنت قيس في أنه:" لا نفقة ولا سكنى للمطلقة المبتوتة " (٢)، وحديث أبي موسى في الأمر بالاستئذان ... .بل كما فعله رسول الله ﷺ عند ما أخبره ذو اليدين أنه قصر صلاته، فإنه أنكر ذلك لأجل سكوت الجماعة واختصاص ذي اليدين بالخبر، ولهذا قال ﷺ : أحق ما يقول ذو اليدين؟.وأما إذا رواه ثقتان على سواء أو قريب من السواء فالحكم لمن زاد كذلك إذا كان أحدهما مثبتاً، وآخر نافياً مع تساويهما أو تقاربهما فالحكم للمثبت، وبين ذلك مراتب في القوة والضعف لا يمكن حصرها، بل ينظر الناظر في كل ما وقع فيه هذا التعارض، ويعمل بحسب قوة ظنه " (٣). فالقرائن التي قررها ابن الوزير: (أ) عدم مخالفة الأكثر أو الأحفظ. (ب) إذا زاد ثقتان على السواء أو قريب من السواء فالحكم لمن زاد، أي شرط التكافؤ. (ج) إذا تعارض ثقتان فكان أحدهما مثبتاً والآخر نافياً مع تساويهما أو تقاربهما فالحكم للمثبت. (د) يجب مراعاة القرائن الأخرى، ولكل حديث قرائن خاصة به استقلالاً.

стр. 189

٨ - الحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢): قال بعد عرض كلام الأئمة المتقدمين:"فحاصل كلام هؤلاء الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظاً، متقناً، حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عدداً منه، أو كان فيهم من هو أحفظ منه، أو كان غير حافظ، ولو كان في الأصل صدوقاً فإن زيادته لا تقبل، وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة وأطلق، والله أعلم. واحتج من قبل الزيادة من الثقة مطلقاً بأن الراوي إذا كان ثقة وانفرد بالحديث من أصله كان مقبولاً، فكذلك انفراده بالزيادة، وهو احتجاج مردود، لأنه ليس كل حديث تفرد به أي ثقة كان .. يكون مقبولاً، كما سبق بيانه في نوع الشاذ. ثم إنّ الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر، لأن تفرده بالحديث لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة إلى غيره من الثقات، إذ لا مخالفة في روايته لهم، بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظاً وأكثر عدداً، فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته، ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن" (١). وقال: " إنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر ﵁ إذا روى الحديث جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ، وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة، فإنها لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من رواتها عنه، فتفرد واحد عنه بها دونهم مع توافر دواعيهم على الأخذ عنه، وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التوقف عنها " (٢). وقال معقباً على الخطيب وابن الصلاح في إطلاق قبول الزيادة:"وهنا شيء يتعين التنبيه عليه وهو: أنهم شرطوا في الصحيح أن لا يكون شاذاً، وفسروا الشاذ بأنه ما رواه الثقة فخالفه من هو أضبط منه أو أكثر عدداً ثم قالوا: تقبل الزيادة من الثقة مطلقاً. وبنوا على ذلك أن من وصل معه زيادة فينبغي تقديم خبره على من أرسل مطلقاً. فلو اتفق أن يكون من أرسل أكثر عدداً أو أضبط حفظاً أو كتاباً على من وصل أيقبلونه أم لا؟ أم هل يسمونه شاذاً أم لا؟ لابد من الإتيان بالفرق أو الاعتراف

стр. 190

بالتناقض ". (١) وقال أيضاً:"واشتهر عن جمع العلماء القول بقبول الزيادة مطلقاً من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريقة المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذاً، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه والعجب ممن أغفل ذلك منهم ... ". (٢) ومن هذا الكلام يتبين أن من شرط القبول وفق القرائن سار على منهج المتقدمين، بخلاف وقد أبعد النجعة كل من ردها مطلقاً، أو قبلها مطلقاً، وقد أوجز الإمامين المحقيقين الذهبي وابن حجر قرائن المتقدمين، فشرطا: ١ - التكافؤ في العدد. ٢ - الحفظ والإتقان. ٣ - عدم المنافاة. ٤ - ثم بيّنا أن زيادة الواحد المنفرد على أقرانه في الشيخ نفسه، ولو كان ثقة فهو من قبيل الخطأ، إذ:"لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من روايتها عنه، فتفرد واحد عنه بها دونهم مع توافر دواعيهم على الأخذ عنه، وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التوقف عنها ".وهذه الصورة هي ما يسميها أهل المصطلح:"زيادة الثقة". وبين الذهبي أنّ الإمامين البخاري ومسلم إنما قبلا الزيادة إذا تحققت فيها هذه القرائن التي ذكراها -كما مر -. وأضاف ابن حجر في نزهة النظر:"وزيادة راويهما أي الصحيح والحسن مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافي بينها، وبين رواته ممن لم يذكرها فهذه تقبل مطلقاً لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره. وأما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها فيقبل الراجح ويرد المرجوح. واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقاً من غير تفصيل، ولا يتأتى

стр. 191

ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذاً ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه. والعجب ممن غفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح وكذا الحسن. والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني والبخاري وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني وغيرهم - اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحدٍ منهم إطلاق قبول الزيادة" (١). فالقرائن التي ذكرها العلماء هنا تشترك بـ: ١ - عدم المخالفة، وفسروا المخالفة بتفرد الثقة عن الثقات في الشيخ نفسه، بزيادة لفظة في المتن، أو رجل في الإسناد. ٢ - التكافؤ في الضبط، والعدد. وأهل هذا المذهب حينما اشترطوا هذه القرائن لم يعنوا بها زيادة الثقة بمفهوم عامة أهل المصطلح والتي هي: تفرد الثقة عن جماعة الثقات في الشيخ نفسه. وإنما عنوا بها زيادة الثقة على مفهوم المتقدمين. المطلب الرابع: قرائن قبول زيادة الثقة عند المتأخرين: سبق أن قدمنا عند عرض مذاهب المتأخرين شروطاً ذكرها علماء المصطلح من المتأخرين، حاولوا من خلالها الجمع بين أقوال الأئمة فقهاء ومحدثين، وسنجمل تلك القرائن التي شرطوها لقبول الزيادة. ١ - قرينة الحفظ والضبط: تقبل الزيادة إذا كان راويها أحفظ وأضبط ممن قصر عنها، سواء تكافأ العدد أم لا (٢) وذهب قسم منهم إلى اشتراط التكافؤ في العدد، أمّا إذا زاد فالقول قول الأكثر إذا كانوا حفاظاً أثباتاً. ٢ - قرينة العدد: إذا تعارض وصل مع إرسال أو وقف مع رفع فالمرجح هو العدد وهذا ما يعبر عنه

стр. 192

ابن حجر: "والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد " (١) شريطة الحفظ والضبط. وذهب قسم منهم إلى ترجيح الوصل والرفع مطلقاً وإليه ذهب النووي وغيره كما مر. ٣ - قرينة اتحاد المجلس: إذا اختلف في حديث بزيادة في المتن أو السند يلاحظ مجلس التحديث فإن كان واحداً ردت الزيادة لقرينة العدد والضبط، وإن كان متعدداً قبلت لاحتمال رواية الحديث مرتين على الوجهين. وممن قال به ابن نصر الصباغ كما نقله عنه الحافظ ابن حجر (٢). ٤ - قرينة الرواة: فإذا زاد الثقة على أقرانه الثقات في حديث ما فإن سكت الباقون قبلت منه وإلاّ فإنها ترد، وإليه ذهب إمام الحرمين في البرهان (٣). فإذا رواه الثقة على الوجهين مرة بالزيادة ومرة دونها لم تقبل منه، واشترط بعضهم أن يصرح كونه سمعها على الوجهين حتى تقبل. ٥ - وذهب بعضهم إلى قبولها إذا كانت الزيادة ممن لم يروها ناقصة (٤). ٦ - وذهب بعضهم إلى قبولها إذا لم يكن راويها مشتهراً برواية الزيادة في الوقائع (٥). ٧ - وذهب بعضهم إلى قبولها إذا لم تشتمل على حكم شرعي، ويفصل فيما إذا اشملته (٦). ٨ - وذهب بعضهم إلى قبولها إذا لم تغير الإعراب (٧). فهذه بعض القرائن التي اشترطها المتأخرون في قبول زيادة الراوي إذا كان ثقة (٨)،

стр. 193

وهي في عمومها قد تشكل قرائن عند المتقدمين، ولما لم يصرحوا بها فإنها تبقى محاولة ظنية لفهم منهج المتقدمين، وإن كنّا قد بينّا أن المتقدمين يطلقون زيادة الثقة على مفهوم هو خلاف ما يطلقه جمهور المتأخرين من أهل المصطلح. وهذه القرائن قد لا تجد لها واقعاً ملموساً حقيقياً إلاّ على مسودات الأوراق، أمّا في القبول والتطبيق العملي فإن المتأخرين أسرفوا في قبول الأحاديث والزيادات تحت قاعدة: " زيادة الثقة مقبولة ". وكم من أحاديث شاذة ومعللة، عللها المتقدمون، ثم خطأهم بعض المتأخرين وقبلوا تلك الأحاديث تحت هذا المسمى (١). ثم أين هذه القرائن في قول الإمام النووي:" الرابع: إذا روى بعض الثقات الضابطين الحديث مرسلاً، وبعضهم متصلاً أو بعضهم موقوفاً، وبعضهم مرفوعاً، أو وصله هو أو رفعه سواء كان المخالف له مثله أو أكثر، لأن ذلك زيادة ثقة وهي مقبولة " (٢).؟ المطلب الخامس: التوقف في قبول الزيادة، أو ردها . ومن أبرز هؤلاء الحافظ ابن كثير الدمشقي (٣) فإنه اكتفى بإيراد الأقوال، فقال:"إذا تفرد الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة عن شيخ لهم وهذا الذي يعبر عنه بزيادة الثقة فهل هي مقبولة أو لا؟ فيه خلاف مشهور فحكى الخطيب عن أكثر الفقهاء قبولها وردها أكثر المحدثين " (٤).قلت: لم يحكم ابن كثير عليه بشيء، وان كان كلامه يحتمل ترجيح الرد. وكذا فعل السيوطي (٥)، والصنعاني (٦).

стр. 194

المطلب السادس: مفهوم زيادة الثقة عند الأصوليين: تكلم الأصوليون عن زيادة الثقات في معظم مصنفاتهم، لما لها من أهمية في المسائل التي يبحثونها، وتوسع الأصوليون كثيراً في قبول الزيادة، حتى غدا مذهبهم هو المعتمد في كثير من كتب المحدثين المتأخرين، لذا تجد أراء هم قد ملأت كتب أهل المصطلح من المتأخرين (١)،فرأيت من تمام البحث أن أورد أهم الأقوال التي تحدثت عن مفهوم زيادة الثقة دون أن أناقشها، لكون بحثنا هو بحث في كتب مصطلح الحديث، فكانت على ما يأتي: أولاً: عند الإمام أبي حنيفة ﵀: نقل عنه الحافظ ابن رجب ":" إنها لا تقبل " (٢). ثانياً: عند الإمام أبي الحسين البصري (٤٣٦) هـ قال: " اعلم أنه إذا روى الراوي زيادة فإما أن يكون لم يروها غيره أو لم يروها هو مرة أخرى والأول ضربان: أحدهما: أن يكون من لم يروها لا يقبل حديثه والآخر أن يقبل حديثه فالأول لا يمنع من قبول الزيادة، لأن راويها ممن تقبل روايته ولم يعارضها رواية مثلها، يبين ذلك أن الذي لا يقبل روايته لو روى نفي تلك الزيادة لم يمنع ذلك من قبول الزيادة فبأن لا يمنع تركه لذكرها أولى وإن كان الذي لم يروها تقبل روايته، فإما أن يعلم انهما أسندا الخبرين إلى مجلسين أو إلى مجلس واحد أو لا يعلم ذلك من حالهما فان علمنا أنهما أسنداه إلى مجلسين قبلت الزيادة لأنه لا معارض لها لجواز أن يقيد النبي ﵇ كلامه في بعض الحالات دون بعض ثم هل تلك الزيادة نسخ أو تخصيص قد بين فيما سلف وإن علمنا أنهما أسنداه إلى مجلس واحد، فإما أن يكون الذي لم يرو الزيادة عدداً لا يجوز أن يغفلوا عن تلك الزيادة التي رواها الواحد وإما أن يكون الراوي لها عدداً لا يجوز عليهم توهم ما لم يكن وإما أن يجوز على كلا الفريقين ذلك ويجوز خلافه، فالأول يمنع من قبول الزيادة، لأن من لم يروها إنما لم يروها لأنها لم تكن ويكون الراوي

стр. 195

لها قد سمعها من غير النبي ﷺ فظن أنه سمعها منه ﵇ وإن كان الراوي للزيادة عدداً كثيراً لا يجوز عليهم توهم ما لم يكن قبلت الزيادة لأنهم ما رووها إلا لأنها كانت وإن لم يكن الراوي لها ولا التارك لها عدداً كثيراً، فإما أن تكون الزيادة مغيرة الإعراب وبناء الكلام أو غير مغيرة لذلك بل منفصلة فالأول " ... فصارت الزيادة إنما تقبل على شروط منها أن لا يكثر عدد من لم يروها ومنها أن لا تكون مؤثرة في لفظ المزيد عليه وإعرابه أو أثرت وكان راويها أضبط ... فأما إذا خالف في لفظ الحديث حفاظ أهل النقل فقد ذكر ذلك في جملة ما يرد له الحديث وهو داخل في الزيادة وقد ذكرناه الآن لأن الخلاف ليس يقع بينهم إلا بأن يزيد أحدهم في الحديث ما لا يرويه الآخر أو يروي أحدهما اللفظ على إعراب يروي الآخر خلافه وقد تقدم بيان ذلك كله " (١). ثالثاً: عند أبي نصر ابن الصباغ ت (٤٧٧) هـ (٢): نقل الحافظ ابن حجر عنه أنه قال:"إن يتعدد المجلس فيعمل بهما، لأنهما كالخبرين، أو يتحد فإن كان الذي نقل الزيادة واحداً والباقون جماعة لا يجوز عليهم الوهم سقطت الزيادة، وإن كان بالعكس وكان كل من الفريقين جماعة فالقبول. وكذا إن كان كل منهما واحداً حيث يستويان، وإلاّ فرواية الضابط منهما أولى بالقبول" (٣). رابعاً: عند إمام الحرمين أبي المعالي الجويني ت (٤٧٨) هـ: قال:"الزيادة من الراوي الموثوق به مقبولة عند الشافعي وكافة المحققين ومنع أبو حنيفة التعلق بها، واستدل الشافعي بأن انفراد بعض الناقلين بالاطلاع على مزيد ليس بدعاً والناقل قاطع بالنقل فلا يعارض قطعه ذهول غيره وإذا ظهرت عدالة الراوي ولم يعارض نقله نقل يعارضه فلا يسوغ اتهام مثبت في نقله لعدم نقل غيره والدليل عليه أنه لو شهد جمع مجلس الرسول ﵇ فنقل بعضهم حديثاً ولم ينقل غيره من الحاضرين شيئاً منه فهو مقبول ولا يسوغ تقدير الخلاف فيه فإن معظم الأحاديث التي نقلها الآحاد والأفراد عزوها إلى مشاهد لرسول الله ﷺ ومجالسه بين أصحابه كان كذلك ولو شرط

стр. 196

نقل كل من شهد لرد معظم الأحاديث والذي يعضد ما ذكرناه أن الشهادات تبر في وجوه من التعبدات على الروايات وهي تضاهيها في أصل اعتبار الثقة ثم لو شهد جمع من العدول رجلاً وشهدوا على إقراره لإنسان وانفرد عدلان من الشهود الحضور بمزيد في شهادتهما فهي مقبولة ولا يقدح فيها سكوت الباقين عنها فإذا كان ذلك لا يقدح في الشهادات مع أنها قد ترد بالتهم فالروايات بذلك أولى ولما ذكرناه من فن القياس ولكنا أوردنا ما أوردناه استشهاداً في تحقيق الثقة. قال الشافعي: من متناقض القول الجمع بين قبول رواية القراءة الشاذة في القرآن وبين رد الزيادة التي ينفرد بها بعض الرواة الثقات مع العلم بأن سبيل إثبات القران أن ينقل استفاضة وتواتراً فما كان أصله كذلك إذا قبلت الزيادة فيه شاذة نادرة فلأن تقبل فيما سبيل نقله الآحاد كان أولى. وهذه المسألة عندي بينة إذا سكت الحاضرون عن نقل ما تفرد به بعضهم فأما إذا صرحوا بنفي ما نقله عند إمكان اطلاعهم على نقله فهذا يعارض قول المثبت ويوهيه وقد أرى قبول الشهادة على النفي إن فرض الاطلاع عليه تحقيقاً" (١). خامساً: عند الإمام الغزالي (٥٠٥) هـ: قال: "انفراد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النقلة مقبول عند الجماهير، سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ أو من حيث المعنى لأنه لو انفرد بنقل حديث عن جميع الحفاظ لقبل، فكذلك إذا انفرد بزيادة لأن العدل لا يتهم بما أمكن فإن قيل: يبعد انفراده بالحفظ مع إصغاء الجميع قلنا: تصديق الجميع أولى إذا كان ممكناً وهو قاطع بالسماع والآخرون ما قطعوا بالنفي فلعل الرسول ﷺ ذكره في مجلسين فحيث ذكر الزيادة لم يحضر إلا الواحد أو كرر في مجلس واحد وذكر الزيادة في إحدى الكرتين ولم يحضر إلا الواحد ويحتمل أن يكون راوي النقص دخل في أثناء المجلس فلم يسمع التمام أو اشتركوا في الحضور ونسوا الزيادة إلا واحداً أو طرأ في أثناء الحديث سبب شاغل مدهش فغفل به البعض عن الإصغاء فيختص بحفظ الزيادة المقبل على الإصغاء أو عرض لبعض السامعين خاطر شاغل عن الزيادة أو عرض له مزعج يوجب قيامه قبل التمام فإذا احتمل ذلك فلا

стр. 197

يكذب العدل ما أمكن " (١). سادساً: عند ابن قدامة المقدسي ت (٦٢٠) هـ: قال في روضة الناظر:"انفراد الثقة في الحديث بزيادة مقبول سواء كانت لفظاً أو معنى لأنه لو انفرد بحديث لقبل فكذلك إذا انفرد بزيادة وغير ممتنع أن ينفرد بحفظ الزيادة إذ أن المحتمل أن يكون النبي ﷺ ذكر ذلك في مجلسين وذكر الزيادة في أحدهما ولم يحضرها الناقص ويحتمل أن راوي الناقص دخل أثناء المجلس أو عرض له في أثنائه ما يزعجه أو ما يدهشه عن الإصغاء أو ما يوجب له القيام قبل التمام أو سمع الكل ونسي الزيادة والراوي للتمام عدل جازم بالرواية فلا نكذبه مع إمكان تصديقه فإن علم أن السماع كان في مجلس واحد فقال أبو الخطاب: يقدم قول الأكثرين وذوي الضبط فإن تساووا في الحفظ والضبط قدم قول المثبت وقال القاضي: إذا تساووا فعلى روايتين " (٢). سابعاً: عند الآمدي (٦٣١) هـ: "إذا روى جماعة من الثقات حديثاً وانفرد واحد منهم بزيادة في الحديث لا تخالف المزيد عليه، كما لو روى جماعة أن النبي ﷺ دخل البيت وانفرد واحد منهم بزيادة فقال دخل البيت وصلى فلا يخلو إما أن يكون مجلس الرواية مختلفاً بأن يكون المنفرد بالزيادة روايته عن مجلس غير مجلس الباقين أو أن مجلس الرواية متحد أو يجهل الأمران: فإن كان المجلس مختلفاً فلا نعرف خلافاً في قبول الزيادة لاحتمال أن يكون النبي ﷺ قد فعل الزيادة في أحد المجلسين دون الآخر والراوي عدل ثقة ولم يوجد ما يقدح في روايته فكانت روايته مقبولة ولهذا فإنه لو روى حديثاً لم ينقله غيره مع عدم حضوره لم يقدح ذلك في روايته وكذلك لو شهد اثنان على شخص بألفي درهم لزيد في مجلس وشهدت بينة أخرى عليه في مجلس آخر بألف لا يكون ذلك قادحاً في الألف الزائدة مع أن باب الشهادة أضيق من باب الرواية كما قررنا وأما إن اتحد المجلس فإن كان من لم يرو الزيادة قد انتهوا إلى عدد لا يتصور في

стр. 198

العادة غفلة مثلهم عن سماع تلك الزيادة وفهمها فلا يخفى أن تطرق الغلط والسهو إلى الواحد فيما نقله من الزيادة يكون أولى من تطرق ذلك إلى العدد المفروض فيجب ردها وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد فقد اتفق جماعة الفقهاء والمتكلمين على وجوب قبول الزيادة خلافاً لجماعة من المحدثين ولأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، ودليل ذلك أن الراوي عدل ثقة وقد جزم بالرواية وعدم نقل الغير لها فلاحتمال أن يكون من لم ينقل الزيادة قد دخل في أثناء المجلس وسمع بعض الحديث أو خرج في أثناء المجلس لطارىء أوجب له الخروج قبل سماع الزيادة، وبتقدير أن يكون حاضراً من أول المجلس إلى آخره فلاحتمال أن يكون قد طرأ ما شغله عن سماع الزيادة وفهمها من سهو أو ألم أو جوع أو عطش مفرط أو فكرة في أمر مهم أو اشتغال بحديث مع غيره والتفات إليه أو أنه نسيها بعد ما سمعها ومع تطرق هذه الاحتمالات وجزم العدل بالرواية لا يكون عدم نقل غيره للزيادة قادحاً في روايته " (١). ثامناً: عند كمال الدين بن الزملكاني (٢): نقل عنه الحافظ العلائي أنه قال:" الوصل في السند زيادة من الثقة فتقبل وأنّ الرفع زيادة في المتن فتكون علة وتقرير ذلك أن المتن إنما هو قول النبي ﷺ فإذا كان قول صحابي فليس بمرفوع فصار منافياً له لأن دونه من قول الصحابي فليس بمرفوع فصار كلام النبي ﷺ وأما الموصول والمرسل فكل منهما موافق للآخر في كونه من كلام النبي ﷺ . قال الحافظ العلائي:"وهذه التفرقة قد تقوى في بعض الصور أكثر من بعض فأما إذا كان الخلاف في الوقف والرفع على الصحابي بأن يرويه عنه تابعي مرفوعاً، ويوقفه عليه تابعي آخر لم يتجه هذا البحث لاحتمال أن يكون حين وقفه أفتى بذلك الحكم وحين رفعه رواه إلا أن يتبين أنهما مما سمعاه منه في مجلس واحد فيفزع حينئذٍ إلى الترجيح" (٣). تاسعاً: عند الإمام السبكي ت (٧٥٦) هـ: قال:" إذ زاد أحد الرواة وتعدد المجلس قبلت وكذا إذا اتحد وجاز الذهول عن الباقين ولم يغير إعراب الباقي وإن لم يجر الذهول لم يقبل وإن غير الإعراب مثل في أربعين شاة شاة أو نصف شاة طلب الترجيح فإن زاد مرة وحذف أخرى فالاعتبار بكثرة

стр. 199

المرات، والروايتان فصاعداً إذا اتفقا على رواية خبر وانفرد أحدهما بزيادة فإما أن يكون المجلس متعدداً أو متحداً، فإن كان متغايراً قبلت الزيادة إذ لا امتناع في ذكره ﷺ الكلام في أحد المجلسين بدون زيادة وفي الآخر بها والراوي مقبول القول وإن كان المجلس متحدا فالذين لم يرووا الزيادة، إما أن يكونوا عدداً لا يجوز أن يذهلوا عما يضبطه الواحد أو ليسوا كذلك فإن كان الأول لم يقبل الزيادة ". (١) عاشراً: عند الشنقيطي: قال: " واعلم أن التحقيق في هذه المسألة أن فيها تفصيلاً لأنها واسطة وطرفان، طرف لا تقبل فيه الزيادة على التحقيق وهو ما إذا كانت الزيادة مخالفة لرواية الثقات الضابطين لأنها يحكم عليها حينئذ بالشذوذ فترد وطرف تقبل فيه الزيادة بلا خوف وهو إذا تفرد ثقة بجملة حديث لا تعرض فيه لما رواه بمخالفة أصلاً. حكى الإجماع على قبول هذا الطرف الخطيب، وواسطة هي محل الخلاف وهو زيادة لفظة في حديث لم يذكرها غير من زاد من رواة ذلك الحديث كحديث حذيفة: ((وجعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً)) ... فالظاهر بثبوت هذه الزيادة وإن لم تكن في جميع طرقها" (٢). وقال:"التحقيق أن الرفع والوصل من نوع الزيادة فلو روى بعض الرواة حديثاً موقوفاً ورواه ثقة آخر مرفوعاً أو رواه بعض الرواة مرسلاً ورواه آخر موصولاً فذلك الرفع وذلك الوصل يقبل لأنه من زيادة الثقات وهي مقبولة، ولا تكون الطريق الموقوفة أو المرسلة علة في الطريق المرفوعة أو الموصولة خلافاً لمن زعم ذلك " (٣). فالخلاصة أن جمهور الأصوليين من المتأخرين قبلوا الزيادة، وقدموها على من تركها، وهذا وفق القاعدة الأصولية:"من حفظ حجة على من لم يحفظ"،وهو الذي نص عليه ابن الصلاح (٤).

стр. 200

المبحث الثالث: مفهوم زيادة الثقة عند المتقدمين: المطلب الأول: مذهب الإمام يحيى بن معين: لم أقف على قول صريح يقبل فيه الإمام يحيى بن معين زيادة الثقة، أو يردها كما عرّفها أهل المصطلح، بل يدلل صنيعه على عدم قبولها إلا بشروطها المعتبرة، كما سنبينها، وهو مذهب الأئمة المتقدمين، فمثلا: رد زيادة يحيى بن آدم وهو ثقة (١) في زيادة رفع في حديث" إذا أجمرتم الميت فأوتروا " (٢)، فقال: " لم يرفعه إلا يحيى بن آدم .. ولا أظن هذا الحديث إلا غلطا " (٣). قال النووي: " وكأن ابن معين بناه على قول بعض المحدثين أن الحديث إذا روي مرفوعاً، وموقوفاً فالحكم للوقف، والصحيح أن الحكم للرفع، لأنه زيادة ثقة، ولا شك في ثقة يحيى بن آدم " (٤). قلت: لم يقل أحد من المحدثين أن الحديث إذا جاء موقوفاً ومرفوعاً فالحكم للوقف، بل درسوا ذلك واصدروا الأحكام. المطلب الثاني: مذهب الإمام الشافعي: قال الشافعي ﵀: " إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه أو بأن يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ وهم عدد " (٥). وقد ذكر الشافعي-هذا في مواضع، وكثيرا ما قال: العدد أولى بالحفظ من الواحد" (٦). ونقل البيهقي مناظرة بين الإمام الشافعي وغيره في قضية تعارض الرفع والوقف، فقال: " أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع قال:

стр. 201

قال الشافعي لبعض من يناظره، وللمناظرة موضع مع ثبوت سنة رسول الله ﷺ بطرح الإستسعاء في حديث نافع عن ابن عمر أنه قال، وأنا نقول: إن أيوب قال، وربما قال نافع: فقد عتق منه ما عتق، وربما لم يقله، قال: وأكبر ظني أنه شيء كان يقوله نافع برأيه، قال الشافعي ﵀: فقلت له: لا أحسب عالما بالحديث ورواته يشك في أن مالكا أحفظ لحديث نافع من أيوب لأنه كان ألزم له من أيوب ولمالك فضل حفظ الحديث أصحابه خاصة ولو استويا في الحفظ فشك أحدهما في شيء لم يشك فيه صاحبه لم يكن في هذا موضع لأن يغلط به الذي لم يشك، إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه أو يأتي بشيء في الحديث يشركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ منه هم عدد وهو منفرد وقد وافق مالكا في زيادة وإلا فقد عتق منه ما عتق يعني غيره قال وزاد فيه بعضهم ورق منه ما رق قال الشيخ ﵀ أما حديث أيوب فقد ذكرناه فيما مضى ... . - قال البيهقي -: وأخبرنا أبو عمرو الأديب قال: أنبأ أبو بكر الإسماعيلي قال: أخبرني أبو يعلى قال: حدثنا أبو الربيع قال: حدثنا حماد قال: حدثنا أيوب عن نافع عن بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ... " من أعتق نصيبا من عبد أو شركا كان له في عبد فكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل فهو عتيق قال فلا أدري أهو في الحديث عن النبي ﷺ أو شيء قاله نافع وإلا فقد عتق منه ما عتق أخرجاه في الصحيح هكذا وفي دلالة ظاهرة على أنه كان يشك فيه ومالك بن أنس ﵀ أثبته عن الحديث عن النبي ﷺ فالحكم له دونه وأما فضل حفظ مالك فهو عند جماعة أهل الحديث كما قال الشافعي ﵀ " (١). ففي هذا النص فوائد عدة: إذ بين الإمام الشافعي منهجيته في قبول الزيادة، أو ردها، فإذا كانت الزيادة بين راويين ثقتين أحدهما يزيدها، والآخر يتركها قبلت، لأنه: لم يكن في هذا موضع لأن يغلط به الذي لم يشك، وكذا إذا توبع صاحب الزيادة، وأما إذا روى جماعة حديثاًعلى وجه ثم زاد عليهم ثقة واحد منفرد لم يقبل منه لأنه يكون قد أخطأ فيه، وهذا النوع الثاني المردود هو الذي يسميه عامة أهل المصطلح: زيادة ثقة! قال الحافظ ابن حجر: "فأشار إلى أنّ الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ أو الأكثر

стр. 202

عددا أنها تكون مردودة" (١). ثم قال: "ونقل الماوردي عن مذهب الشافعي في مسألة الوقف والرفع؟ الوقف يحمل على أنه رأي الراوي، والمسند على أنه روايته. قلت -ابن حجر-: ويختص هذا بأحاديث الأحكام أما ما لا مجال للرأي فيه فيحتاج إلى نظر. وما نقله الماوردي عن مذهب الشافعي قد جزم به أبو الفرج بن الجوزي وأبو الحسن ابن القطان وزاد: أن الرفع يترجح بأمر آخر وهو تجويز أن يكون الواقف قد قصر في حفظه أو شك في رفعه قلت-ابن حجر-:وهذا غير ما فرضناه في أصل المسألة-والله أعلم- ثم إنه يقابل بمثله فيترجح الوقف بتجويز أن يكون الرافع تبع العادة وسلك الجادة " (٢). قلت: قد بان بطلان هذه النسبة إلى الإمام الشافعي مما مر من قوله الصريح، أما عن توجيه الحافظ ابن حجر كونه يختص بأحاديث الأحكام لا يسلم له، إذ لا وجه لهذا التخصيص. وأما عن قوله "ثم انه يقابل بمثله فيترجح الوقف: بتجويز أن يكون الرافع تبع العادة وسالك الجادة " فمراده: أن القائلين بترجيح الوصل على الإرسال يحتجون بأن المرسل قد يكون سها أو غفل عن وصله فأجابهم الحافظ ابن حجر: وهذا يقابل بمثله في المتصل فقد يكون وهم فيه الراوي المتصل فاعتقد أنه موصول على العادة والجادة المسلوكة من قبل الراوي فيعتقد مثلاً أنه مادام في العادة عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ فانه يصل رواية عكرمة المرسلة باعتبار العادة، وحينئذ تترجح المرسلة؟ وهو جواب عظيم. ثم قال الحافظ ابن حجر: " وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة، مع أن نص الشافعي يدل على غير ذلك؛ فإنه قال في أثناء كلامه على ما يعتبر به حال الراوي في الضبط ما نصه: " ويكون إذا أشرك أحدا من الحفاظ لم يخالفه، فإن خالفه فوجد حديثه أنقص كان في ذلك دليل على صحة مخرج حديثه، ومتى خالف ما وصفت أضر ذلك بحديثه! " (٣)،- ثم عقّب بقوله - : " ومقتضاه إنه إذا خالف فوجد حديثه أزيد أضر ذلك بحديثه، فدل على أن زيادة العدل عنده لا يلزم قبولها مطلقاً، وإنما

стр. 203

تقبل من الحافظ، فإنه اعتبر أن يكون حديثه هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه من الحفاظ، وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليلاً على صحته؛ لأنه يدل على تحريه، وجعل ما عدا ذلك مضرا بحديثه، فدخلت فيه الزيادة، فلو كانت مقبولة مطلقا لم تكن مضرة بحديث صاحبها " (١). وبين الحافظ العراقي مذهب الإمام الشافعي بقوله: "وقد أعل الشافعي رواية قد خالف مالكاً فيها سبعة أو ثمانية لقيهم هو، يعني منهم سفيان بن عيينة والدراوردي والثقفي قال: والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد " (٢). وقد وقفت على كلام نفيس للحافظ ابن رجب إذ قال:" وفي حكاية ذلك عن الشافعي نظر فانه قال في الشاذ: هو أن يروي ما يخالف الثقات. وهذا يدل على أن الثقة إذا انفرد عن الثقات بشيء انه يكون ما انفرد به شاذا غير مقبول " (٣). وهذا يعني أن التفرد عند الشافعي إذا كان يخالف أقرانه في زيادة لفظة أو رجل فأن ذلك يعني أنّ حديثه شاذ، خطأً، كما صرح هو بذلك. فالخلاصة: أنّ الإمام الشافعي يقبل زيادة الثقة إذا كانت متكافئة، راوٍ واحد أمام واحد، أو جماعة أمام جماعة، أما إذا انفرد راوٍ واحد عن جماعة الثقات فهذا يعد شاذاً خطأً. المطلب الثالث: مذهب الإمام أحمد بن حنبل: جاءت الروايات متناقضة في مذهب الإمام أحمد ﵀ في قبول الزيادة أو ردها، ولم ينقل نص صريح عن الإمام في قبول الزيادة إلا ما جاء استنتاجاً يستنتجه المتتبع لصنيعه في الأحاديث وأحكامه على الأسانيد. يقول الحافظ ابن رجب: " وأما أصحابنا الفقهاء: فذكروا في كتب أصول الفقه في هذه المسألة روايتين عن أحمد: بالقبول مطلقاً، وعدمه مطلقاً، ولم يذكروا نصاً له بالقبول مطلقاً مع انهم رجحوا هذا القول، ولم يذكروا به نصاً عن أحمد، وإنما اعتمدوا على كلام له، لا يدل على ذلك مثل قوله في فوات الحج: جاء فيه روايتان أحدهما: فيه زيادة دم،

стр. 204

قال: والزائد أولى أن يؤخذ، وهذا ليس مما نحن فيه فإن مراده أن الصحابة روى بعضهم فيمن يفوته الحج عليه القضاء مع الدم، فأخذ بقبول من زاد الدم فإذا روي حديثان مستقلان في حادثه وفي أحدهما زيادة فإنها تقبل من الثقة كما لو تفرد الثقة بأصل الحديث وليس هذا من باب زيادة الثقة، ولا سيما إذا كان الحديثان موقوفين عن صحابيين وإنما قد يكون أحياناً من باب المطلق والمقيد. وأما مسألة زيادة الثقة التي نتكلم فيها ههنا فصورتها: أن يروي جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة " (١). أقول: توقف الإمام أحمد في زيادة الإمام مالك: " من المسلمين"، لما ظن أن الإمام مالك قد تفرد بها ولم يتابع حيث قال: " كنت أتهيب حديث مالك " من المسلمين "، يعني حتى وجده من حديث (العمريين) (٢) قيل له: أمحفوظ هو عندك من المسلمين؟ قال: نعم " (٣). قال إبن رجب: " وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة واحد من الثقات ولو كان مثل مالك حتى يتابع على تلك الزيادة وتدل على أن متابعة مثل العمري لمالك مما يقوي رواية مالك ويزيل عن حديثه الشذوذ والإنكار " (٤). وهذا أوضح مثال كون الإمام أحمد لا يقبل الزيادة ولو كانت من مثل مالك حتى يتابع!. المطلب الرابع: مذهب الإمام البخاري: لم يصرح الإمام البخاري في مصنفاته (٥) حول قضية قبول الزيادة أو عدمه، خلا ما نقل عنه بعض المتأخرين من القول بقبولها؟ قال الخطيب البغدادي في الكفاية: " أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب قال: أنبأنا

стр. 205

محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت أبا إسحاق: إبراهيم بن محمد بن يحيى يقول: سمعت محمد بن هارون المكي يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري، وسئل عن حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه عن ﷺ قال: لا نكاح إلا بولي؟ فقال: الزيادة من الثقة مقبولة وإسرائيل بن يونس ثقة، وأن كان شعبة والثوري أرسلاه فانّ ذلك لا يضر الحديث " (١). فهذا الحديث جاء مرة متصلاً ومرة مرسلاً، قال الترمذي: " ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ :" لا نكاح لا بولي "، عندي أصح لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة، وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث فإن رواية هؤلاء عندي أشبه لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد، ومما يدل على ذلك ما حدثنا محمود بن غيلان قال حدثنا أبو داود، قال: أنبأنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا نكاح لا بولي؟ فقال: نعم "، فدل هذا الحديث على أن سماع شعبة والثوري عن مكحول هذا الحديث في وقت واحد " (٢). وهذا يعني: أن شعبة رواه بالسماع على أبي إسحاق بقراءة سفيان (٣). وأما من رواه متصلاً فهم: (شريك بن عبد الله، وأبو عوانة وزيد بن الحباب عن يونس عن أبي إسحاق وإسرائيل بن يونس، وقيس بن الربيع) (٤). والظاهر انهم سمعوه في مجالس متعددة (٥). فتبين مما تقدم أن هذه ليست زيادة ثقة كالتي في كتب المصطلح، موضوع

стр. 206

دراستنا، بل هذه من باب مختلف الحديث. قال الحافظ ابن حجر: " الاستدلال بأن الحكم للواصل دائماً على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى رجحت عنده حكم الموصول، منها: أن يونس بن أبي إسحاق وابنيه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولاً، ولا شك أن آل الرجل أخص من غيرهم. ووافقهم على ذلك أبو عوانة وشريك النخعي وزهير بن معاوية وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم في الأخذ عنه وسماعهم إياه من لفظه. وأما رواية من أرسله وهما شعبة وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد ... . فشعبة وسفيان إنما أخذاه معاً في مجلس عرضاً-كما ترى- ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجالس متعددة على ما أخذ عنه عرضاً في محل واحد. هذا إذا قلنا: حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين مع أن الشافعي ﵁ يقول: " العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد ". فتبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل بل بما يظهر من قرائن الترجيح ويزيد ذلك ظهوراً تقديمه الإرسال في مواضع أخر ". (١) والذي يبدو لي والله أعلم أن هذا المثال لا يصح للتمثيل به في قضية زيادة الثقة لأن الذين وصلوه أكثر عدداً، وأن شعبة وسفيان لم يخطئا به وكذا من وصله فكلهم سمعوه من أبي إسحاق، فقد يكون أبو إسحاق رواه مرة مرسلاً ومرة مرفوعاً أو يكون سمعه هكذا من أبي بردة فانه متكلم في سماع أبي بردة من أبيه؟ والذي يهمنا هنا أن هذا حتى ولو ثبتت نسبته إلى البخاري فانه لا يعني في كل تعارض بين الأحاديث ناهيك عن صنيعه في تاريخه ومصنفاته الأخرى من إعلال الموصول بالمرسل (٢). قال إبن رجب:" وهذه الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث.

стр. 207

وإلا فمن تأمل كتاب تأريخ البخاري تبين له قطعا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة " (١). وقال الحافظ ابن حجر: " إن البخاري ليس له عمل مطرد في قبول الزيادة أو ردها بل يصوب الإرسال أحياناً لقرينة تظهر له، ويصوب الاتصال أحياناً أخرى حسب القرينة " (٢). قلت: وهذا كلام جيد صحيح، وسيتبين لنا الأمر في الفصل التطبيقي لاحقا إن شاء الله تعالى. المطلب الخامس: مذهب الإمام مسلم . قال في صحيحه: "حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئاً ليس عند أصحابه قبلت زيادته، فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره أو لمثل هشام بن عروة وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك قد نقل أصحابها عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس والله أعلم " (٣). وقال في التمييز: " والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يكثر عليهم الوهم في حفظهم " (٤). ووضع أول باب في التمييز يتعلق بحيثية مهمة في الزيادة، وهي التفرد والمخالفة فقال:" السمة التي تعرف بها خطأ المخطئ في الحديث وصواب غيره إذا أصاب ". ثم ذكر لنا وجهتين: إحداهما: أن ينقل الناقل حديثاً بإسناد فينسب رجلاً مشهوراً ينسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته .... إلى أنْ قال: " والجهة الأخرى:

стр. 208

أن يروي نفر من حفاظ الناس: حدثنا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمّن حدّث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكي مَنْ وصفنا من الحفاظ فيعلم حينئذٍ أن الصحيح من الروايتين ما حدّث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد وإن كان حافظاً، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث مثل شعبة وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم، وسنذكر من مذاهبهم وأقوالهم في حفظ الحفاظ وخطأ المحدثين في الروايات ما يستدل به على تحقيق ما فسرت لك " (١). وهذا هو مذهب المتقدمين كما قال الإمام مسلم فهم يقضون برواية الجماعة على الواحد وعندهم: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، إذ في العدد الكثير تقل احتمالية نسبة الخطأ إليهم، بخلاف الواحد وإنْ كان حافظاً فاحتمالية الخطأ والوهم واردة منه. ولعل أحدهم يورد شبهة أنْ كلام الإمام مسلم هنا لا يعني الزيادة والتي مرادها تفرد راوٍ واحد عن الجماعة - إذا كانوا ثقات - في نفس الشيخ بزيادة في السند أو المتن. فأقول: قد يشمل النص السابق للإمام مفهوم كل مخالفة ولكنّ الزيادة تدخل في معنى كلامه جزماً، إذ قد انطبق ذلك في أمثلة، وعَدَ الإمام مسلم بإيرادها في تتمة النص: " وسنذكر من مذاهبهم وأقوالهم ... ". ثم أورد تلكم الأمثلة فمنها:- ردَّ زيادة الإمام مالك - على جلالة قدره وحفظه - في حديث (١٠٥)، بوبه فقال:" ذكر حديث وهم مالك بن أنس في إسناده ". -ثم قال-: " حدثنا مسلم قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا مالك عن هشام عن أبيه أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول:" صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح فقرأ سورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة، فقلت: إذن والله كان يقوم حين يطلع الفجر، قال أجل". سمعت مسلماً يقول: فخالف أصحاب هشام هلم جرا مالكاً في هذا الإسناد، في هذا الحديث. (١٠٦) أبو أسامة عن هشام قال: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة قال:" صليت خلف عمر فقرأ سورة الحج وسورة

стр. 209

يوسف قراءة بطيئة ". وكيع عن هشام أخبرني عبد الله بن عامر، وحاتم عن هشام عن عبد الله بن عامر قال:" صلى بنا عمر ". سمعت مسلماً يقول: فهؤلاء عدة من أصحاب هشام كلهم قد أجمعوا في هذا الإسناد على خلاف مالك، والصواب ما قالوا دون ما قال مالك يتلوه مالك بإسناده " (١). أقول: زاد الإمام مالك بن أنس: كلمة " الصبح "، فانفرد بها عن بقية الرواة فصوب الإمام مسلم رواية الجماعة ووهمه. فلو كان الإمام مسلم يقول بالزيادة فلماذا ردها من الإمام مالك، وسيأتي مزيد كلام عليه في الفصل التطبيقي. المطلب السادس: مذهب الإمام الترمذي . قال: " ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه مثل ما روى مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين صاعا من تمر أو صاعا من شعير". قال وزاد مالك في هذا الحديث من المسلمين وروى أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر ولم يذكروا فيه من المسلمين وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به منهم الشافعي وأحمد بن حنبل قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين لم يؤد عنهم صدقة الفطر واحتجا بحديث مالك فإذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه ورب حديث يروى من أوجه كثيرة وإنما يستغرب لحال الإسناد " (٢). أقول: رغم أن الكثير من بعض أهل المصطلح فهموا من سياق كلام الترمذي -آنفاً- أنه يتحدث عن زيادة الثقة بالمفهوم الذي نعنيه اليوم بيد أني أرى أن الترمذي لا يتحدث عن هذه الزيادة والله أعلم-، وهي: " أن يروي جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة " (٣).

стр. 210

وهذا يعني أنه لو زاد ثلاثة رواة زيادة على مجموعة أخرى فهذه ليست زيادة وإنما الزيادة هي أن يروي جماعة حديثاً واحداً بسند واحدٍ ثم يأتي آخر فيرويه بنفس السند ولكنه يزيد عليهم رجلاً آخر أو يصل ما أرسلوه أو يرفع ما وقفوه أو يزيد كلمة أو جملة في المتن لم يذكروها. وليس الأمر هكذا عند الترمذي في المثال الذي مثل به، وإنما أراد أن يضرب مثلاً على معنى الغريب الذي ذكره في مصنفه هذا (الجامع). فقال: " وما ذكرنا في هذا الكتاب: -حديث غريب- فإن أهل الحديث يستغربون الحديث لمعان: -رب حديث يكون غريباً لا يروى إلا من وجه واحد مثل ما روى حماد بن سلمة ... . ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث ... ". (١). وإلا فهذا الحديث ليس فيه زيادة ثقة البتة، قال النووي: " لا يصح التمثيل به فقد وافق مالكاً عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان " (٢). وقال الحافظ العراقي: وعلى تقدير عدم الورود من هذه الحيثية، فيرد عليه -أي ابن الصلاح- من جهة تعبيره لعبارة الترمذي، لأن الترمذي لم يطلق تفرد مالك به (٣). وهنا إشكال: هو أن ابن الصلاح قوّل الترمذي بالزيادة ونسبها إليه، فرد عليه النووي: لا يصح التمثيل به، ثم رد الحافظ العراقي كون هذا مراد الترمذي. وقد وجه هذا الخلاف الحافظ ابن حجر فقال: " ثم راجعت كتاب الترمذي فوجدته في كتاب الزكاة قد أطلق كما حكاه عنه المصنف -أي ابن الصلاح- ولفظه: " حديث ابن عمر ﵀ رواة مالك عن نافع عن ابن عمر- ﵄ نحو حديث أيوب وزاد فيه من المسلمين " (٤). ورواه غير واحد عن نافع، ولم يذكر فيه من المسلمين وفي كتاب " العلل المفرد " قد قيد كما حكاه عنه شيخنا -أي العراقي- فكان ابن الصلاح نقل كلامه من كتاب الزكاة ولم يراجع كلامه في العلل -والله أعلم-" (٥). وهكذا يتضح أن الترمذي لم يرد المعنى الذي نريده من الزيادة فليس مثل الترمذي

стр. 211

- علماً وحفظاً- يفوته حديث أخرجه " شيخه " البخاري وكذا مسلم.؟! فقد تابع مالكاً عمرُ بن نافع -مولى ابن عمر- عند البخاري (١) والضحاك عن نافع -عند مسلم في صحيحه (٢). قال ابن حجر: " وفي هذا رد على من زعم أن مالكاً تفرد بها " (٣). وإنما أراد أن يقول: إنّ أحسن الطرق وأصحها في هذا طريق مالك عن نافع عن ابن عمر به، لذا فإنه أشار إلى الذين تابعوا مالكاً بها ولكنه وصفهم بعدم الحفظ. وقد ذكر ابن حجر في الفتح المتابعات الكثيرة لزيادة مالك " من المسلمين "، فقال: " وقد وقع لنا من رواية جماعة غيرهما منهم كثير بن فرقد عند الطحاوي والدارقطني والحاكم، ويونس بن يزيد عند الطحاوي والمعلى بن إسماعيل عند ابن حبان في صحيحه، وابن أبي ليلى عند الدارقطني " (٤). ثم أردف:" وفي الجملة ليس فيمن روى هذه الزيادة أحدٌ مثل مالك، لأنه لم يتفق على أيوب وعبيد الله في زيادتها (٥) " (٦). والأهم من هذا كله أن الترمذي قد أعلّ كثيراً من الأحاديث المتصلة بالأحاديث المرسلة رغم أنّ الذي وصله ثقات، والمطلع على كتابه العلل يجده واضحاً، بل حتى كتابه السنن فإنّ فيه الأمثلة الكثيرة التي تؤيد هذا الكلام، وسيأتي بيانه في الفصل التطبيقي إن شاء الله تعالى. والذي نريد أن نقوله: أن نسبة القول إلى الإمام الترمذي أنه يقول بقبول الزيادة مطلقاً، أو على مفهوم المتأخرين هو أمرٌ غير صحيح، وغاية الذي يزعم هذا قول الترمذي الذي سبق وقد بينا أنه في غير محله، وإنما هو يقبلها على مفهوم المتقدمين، والله أعلم.

стр. 212

وقد تناول الشيخ عداب الحمش موضوع الزيادة عند الترمذي في أطروحته وخرج بنتيجة وهي: " مذهب الترمذي هو قبول زيادة الثقة غالباً كما هو صريح قوله " (١). وقد مثل بأمثلة، وختمها بقوله:" قلت: في هذا القدر من الأمثلة كفاية للوقوف على صنيع الحافظ الترمذي في قبول زيادة الثقة مطلقاً، كما هو مذهب شيخه البخاري " (٢). وبين غالباً ومطلقاً فرق كبير، ناهيك عن أن هذه النتيجة لا تسلم من نقد عريض! كما بيناه، وسنناقش هاتيك الأمثلة في الفصل التطبيقي، إن شاء الله تعالى. المطلب السابع: مذهب الحافظ ابن خزيمة . قال البيهقي:" قال ابن خزيمة في صحيحه:" لسنا ندفع أن تكون الزيادة في الأخبار مقبولة من الحفاظ، ولكنا إنما نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان والمعرفة بالأخبار فزاد حافظ متقن عالم بالأخبار كلمة قبلت زيادته. لا أن الأخبار إذا تواترت بنقل أهل العدالة والحفظ والإتقان زيادة إن تك تلك الزيادة تكون مقبولة " (٣). قال السخاوي في سياق الحديث عن قبول زيادة الثقة: " وقيده ابن خزيمة باستواء الطرفين في الحفظ والإتقان، فلو كان الساكت عدداً، أو واحداً أحفظ منه، أو لم يكن هو حافظاً، ولو كان صدوقاً فلا " (٤). قلت: وهذا نص صريح من إمام الأئمة ابن خزيمة ﵀ إذ صرح أن المقصود في الزيادة المقبولة هي تلك التي يزيدها حافظ على حافظ، لا أن يشذ حافظ على جماعة الحفاظ، إذ قد صرح بعدم قبولها، وهو صنيع المتقدمين أجمعين. ولخص لنا الحافظ ابن حجر العسقلاني منهج الأئمة المتقدمين في قبول الزيادة فقال:" المنقول عن أئمة الحديث المتقدمين: كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة الرازي،

стр. 213

وأبي حاتم، النسائي، والدارقطني، وغيرهم: اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة " (١). ثم بين لنا المرجحات فقال:" فحاصل كلام هؤلاء الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظاً، متقناً، حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عدداً منه، أو كان فيهم من هو أحفظ منه، أو كان غير حافظ، ولو كان في الأصل صدوقاً فإن زيادته لا تقبل، وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة وأطلق " (٢). المبحث الرابع: قرائن قبول زيادة الثقة عند المتقدمين: وخلاصة ما تقدم من أقوال الأئمة المتقدمين نقول: صرح أئمة الحديث من المتقدمين أن الزيادة من الثقة مقبولة، ولكن مفهوم الزيادة عندهم يختلف عما يُعرّفه المتأخرون، فصورة الزيادة المقبولة عندهم هي: أن يروي ثقة حديثاً بصورة ما، ثم يأتي ثقة آخر فيزيد عليه زيادة وصل أو رفع أو لفظة أو جملة، وكذا إذا رواها اثنان بشكل وزاد عليهم ثقتان ... أي شريطة التكافؤ. ومن خلال الأمثلة التي صرّحوا فيها بقبول الزيادة، أو ضدها يمكننا تلخيص بعض القرائن التي اعتمدوها من خلال الآتي: - (١) - زيادة صحابي على صحابي آخر: وهو أن يروي صحابي حديثاً عن رسول الله ﷺ ثم يأتي صحابي آخر فيزيد على ذلك الصحابي لفظة ما، وهذه الزيادة مقبولة بالاتفاق، إذا صح السند. ومن أمثلتها:_ أ- زيادة أبي سعيد على أبي هريرة ﵁ في حديث " آخر أهل النار خروجاً " إذ جاء في رواية أبي هريرة ﵁: " لك ذلك ومثله معه "وزاد أبو سعيد على أبي هريرة فقال: " قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله ... والحديث كما أخرجه البخاري (٧٤٣٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: " أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله قال:" فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعْ ... " الحديث ... ومنه: " ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد،

стр. 214

ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة، مقبل بوجهه قبل النار، فيقول: يا رب، اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها واحرقني ذكاؤها، فيقول: هل عسيت أن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك، فيعطي الله ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا اقبل الله ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب قدمني عند باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أُعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب. لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيت أن أُعطيت ذلك أن لا تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسال غيره ذلك، فيعطي ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب أدخلني الجنة فيقول الله: ويحك يا ابن آدم، ما اغدرك، اليس قد أُعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي اعطيت؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تمنَّ فيتمنى حتى انقطعت أُمنيته، قال الله من كذا وكذا اقبل يذكره ربه، حتى إذا انتهت به الأماني قال الله تعالى: لك ذلك مثله معه". قال أبو سعيدٍ الخدري لأبي هريرة، ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: قال الله لك ذلك وعشرة أمثاله، قال أبو هريرة: لم احفظ من رسول الله إلا قوله: لك ذلك ومثله معه، قال أبو سعيد إني سمعته يقول ذلك وعشرة أمثاله. " (١). قال الحافظ ابن حجر: " الزيادة الحاصلة بين الصحابي، على صحابي آخر، إذا صح السند إليه فلا يختلفون في قبولها، كحديث أبي هريرة ﵁ الذي في الصحيحين، في قصة آخر من يخرج من النار ... وكحديث ابن عمر، ﵄: الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء (٢)، وفي حديث ابن عباس ﵄ عند البخاري (٣): فأبردوها بماء زمزم " (٤). ب- ونقل الحافظ ابن حجر عن الإمام البخاري القول: " ما زاده بن عمر وعلى

стр. 215

وأبو حميد في عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيه وإنما زاد بعضهم على بعض والزيادة مقبولة من أهل العلم " (١). جـ- قال ابن أبي حاتم ١/ ١٠٠ (٢٧٢): " سالت أبي عن حديث رواه منصور عن مجاهد عن أبي عياش الزرقى عن النبي ﷺ في صلاة الخوف، يزيد فيها جرير فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر هذه الزيادة محفوظة قال نعم هو صحيح ". قلت: قبل أبو حاتم زيادة الصحابي (جرير) على الآخر (الزرقي). (٢) زيادة الراوي إذا كان ثقة على جماعة غير ثقات: وهذا أمر لا خلاف عليه، فالثقة الحافظ حجة على غيره غير الحفاظ، ولو كثر عددهم. (٣) زيادة الراوي الضعيف على الضعفاء أو على الثقة أو الثقات مردودة أيضاً. (٤) زيادة الراوي الثقة على الثقة أو زيادة الثقات - جماعة - على الثقات. وفي مثل هذا يلاحظ المتقدمون القرائن كالأحفظ، والأضبط، وغيرها من المرجحات، وفي مثل هذه الحالة، أعني: " التكافؤ "، أطلق الأئمة مصطلح القول أنّ: " زيادة الثقة مقبولة ". وشرع المتأخرون يبنون على هذه القاعدة قبول الأحاديث معلولة بحجة أنّ المتقدمين يقولون بالقبول المطلق أو المشروط لزيادة الثقة. وسأوضح ذلك بالأمثلة: ا- حديث " لا نكاح إلاّ بولي " (٢). التعليق: أطلق البخاري هنا مصطلح الزيادة من الثقة مقبولة لزيادة جماعة أمام جماعة. ب- قال ابن أبي حاتم (١٣٩٧): " سألت أبي وأبو زرعة عن حديث رواه مخالد بن سعيد عن الشعبي عن الحارث عن على عن النبي ﷺ أنه قال:" المعدن جبار ".؟ وذكرت لهما الحديث فقالا: هذا خطأ إنما هو عن الشعبي عن جابر عن النبي ﷺ ،وهو الصحيح. وسألتهما عن حديث رواه أبو إسحاق عن الحارث بن مضرب في قصة ابن النواحة
следующие страницы →