قال أبو داود: لم يسمع قتادة من عروة شيئاً.
وزاد ابن عيينة في حديث الزهري عن عمرة عن عائشة أن أم حبيبة كانت تستحاض فسألت النبي ﷺ :"فأمرها أن تدع الصلاة أيام إقرائها ". قال أبو داود: وهذا وهم من ابن عيينة ليس هذا في حديث الحفاظ عن الزهري، إلا ما ذكر سهيل ابن أبي صالح، وقد روى الحميدي هذا الحديث عن ابن عيينة لم يذكر فيه " تدع الصلاة أيام إقرائها ".
أقول: دار الحديث على الزهري رواه عنه:
- الليث بن سعد: أخرجه أحمد ٦/ ٨٢.
- وابن أبي ذئب: أخرجه أحمد ٦/ ١٤١ والبخاري (٣٢٧) وأبو داود (٢٩١).
- والأوزاعي: أخرجه الدارمي (٧٧٤)،وابن ماجه (٦٢٦)، والنسائي ١/ ١١٧و١/ ١١٩،وفي الكبرى (٢٠٧).
- وعمرو بن الحارث: أخرجه مسلم ١/ ٢٦٣ (٣٣٤)،وأبو داود (٢٨٥و٢٨٨)،والنسائي في الكبرى (٢٠٩).
- وحفص بن غيلان: أخرجه النسائي في الكبرى (٢٠٨).
- والنعمان بن راشد، والأوزاعي، وحفص بن غياث - جميعاً -: أخرجه النسائي ١/ ١١٧و١١٨و١١٩.
- وإبراهيم بن سعد: أخرجه أحمد ٦/ ١٨٧، والدارمي ١/ ٢٢١ (٧٨٢)، ومسلم ١/ ٢٦٤ (٣٣٤)، وأبو عوانة ١/ ٢٦٧ (٩٣٠)، وأبو يعلى ٧/ ٣٨١ (٤٤١٠) وابن حبان ٤/ ١٨٤ (١٣٥١)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٩٩.
- ومعمر بن راشد: أخرجه مسلم ذكر ذلك المزي في التحفة (١٧٩٢٢) ولم أقف عليه في المطبوع من الصحيح.
كلهم عن الزهري بلفظ متقارب (١).
ورواه سفيان بن عيينة فزاد في الحديث"تدع الصلاة أيام أقرائها".أخرجه النسائي ١/ ١٢١ و ١/ ١٨٣، وفي الكبرى ١/ ١١١ (٢١٥)، وذكره أبو داود (٢٨١ و ٢٨٥) تعليقاً.
وجاء مرة عن سفيان دون الزيادة أخرجه الحميدي ١/ ٨٧ (١٦٠)، ومسلم ١/ ٢٦٤
стр. 317
(٣٣٤)(١).
أقول: فلو قال أبو داود بالزيادة من الثقة لأوردها هنا ولم يعلّها ويوهم سفيان بن عيينة بها على حفظه وإتقانه؟
وكذا الإمام مسلم إذ أوردها في صحيحه عن سفيان نفسه دون الزيادة؟ فتأمل!
٢ - وأخرج في (١٦١٨) فقال: حدثنا حامد بن يحيى قال: أخبرنا سفيان (ح) وحدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن ابن عجلان أنه سمع عياضاً قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: " لا أخرج أبداً إلاّ صاعاً، إنا كنا نخرج على عهد رسول الله ﷺ صاع تمر أو شعير أو أقط أو زبيب " هذا حديث يحيى، زاد سفيان: أو صاعاً من دقيق. قال حامد: فأنكروا عليه فتركه سفيان.
قال أبو داود: فهذه الزيادة وهم من ابن عيينة.
أقول: مدار الحديث على ابن عجلان رواه عنه:
- حاتم بن إسماعيل: أخرجه مسلم ٢/ ٦٧٩ (٩٨٥).
-ويحيى بن سعيد القطان: أخرجه أبو داود (١٦١٨)،والبيهقي ٤/ ١٧٢.
-وحماد بن مسعدة: أخرجه ابن خزيمة ٤/ ٨٧ (٢٤١٣).
كلهم عن ابن عجلان بلفظ مُتقارب (٢).
ورواه سفيان بن عيينة عن ابن عجلان فزاد في متنه " أو صاعاً من دقيق ". أخرجه أبو داود (١٦١٨)، والنسائي ٥/ ٥٢،وفي الكبرى ٢/ ٢٨ (٢٢٩٣)، وابن خزيمة ٤/ ٨٨ (٢٤١٤)، والدارقطني ٢/ ١٤٦، والبيهقي ٤/ ١٧٢ من طرق عن سفيان به (٣).
وذكر أبو داود أن سفيان لما ذكر له استنكار الناس لزيادته تركها، وفي هذا إشارة مهمة وهي أن الناس وأعني الحفّاظ المتقدمين يستنكرون تفرد الراوي بزيادة ينفرد بها عن بقية الرواة وإن كانت من مثل سفيان! وأن سفيان تركها لأنه علم أنه لم يتابع عليها فخشي الوهم وإلاّ فلماذا تركها؟
стр. 318
وقد أخرجه عن سفيان - بدونها - الحميدي ٢/ ٣٢٧ (٧٤٢). (١)
وأقول: لو كان أبو داود يقول بالزيادة لِما وَهَّم سفيان بن عيينة في زيادته.
٣ - وأخرج (١٦١٢) فقال: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، قال: حدثنا محمد بن جهضم قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمر بن نافع، عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال:"فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً، فذكر بمعنى مالك (٢) زاد: والصغير والكبير، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، قال أبو داود: رواه عبد الله العمري عن نافع بإسناده، قال: على كل مسلم، ورواه سعيد الجمحي عن عبيد الله عن نافع قال فيه: من المسلمين، والمشهور عن عبيد الله ليس فيه (من المسلمين) ".
أقول: حديث عبد الله بن عمر العمري الذي أشار إليه أبو داود أختُلفَ فيه، فروي عنه وفيه "من المسلمين"،وروي عنه من غيرها، فممن رواه من غيرها:
١ - يحيى بن سعيد القطان: أخرجه البخاري (١٥١٢)،وأبو داود (١٦١٣) وأحمد ٢/ ٥٥ وابن خزيمة ٤/ ٨٤ (٢٤٠٣).
٢ - وعبد الله بن نمير وحماد بن سلمة: أخرجه مسلم ٢/ ٦٧٧ (٩٨٤)
٣ - ومحمد بن عبيد: أخرجه أحمد ٢/ ١٠٢
٤ - وبشر بن المفضل وأبان بن يزيد: أخرجه أبو داود (١٦١٣)
٥ - وعيسى بن يونس: أخرجه النسائي ٥/ ٤٩ وفي الكبرى ٥/ ٢٥ (٢٢٨٤).
٦ - وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، والمعتمر بن سليمان: أخرجه ابن خزيمة٤/ ٨٤ (٢٤٠٣)
٧ - وسفيان الثوري: أخرجه الدارمي١/ ٤٨١ (١٦٦٢)،وابن خزيمة ٤/ ٨٦ (٢٤٠٩)(٣).
وخالفهم سعيد بن عبد الرحمن الجمحي - وهو صدوق (٤) -
فزاد فيها (من المسلمين) أخرجه أحمد ٢/ ٦٦ و ٢/ ١٣٧، وأبو داود (١٦١٢).
стр. 319
أقول: ردّ أبو داود زيادة سعيد مع كونها من صدوق ولها شواهد صحيحة؟!
٤ - أخرج في (٢٠٩٣) فقال: حدثنا أبو كامل قال: حدثنا يزيد يعني ابن زريع (ح)، وحدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد المَعْني قال: حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :"تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها "والإخبار في حديث يزيد قال أبو داود: وكذلك رواه أبو خالد سليمان بن حيان ومعاذ بن معاذ عن محمد بن عمرو ".
وقال أبو داود في (٢٠٩٤):حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا ابن إدريس عن محمد بن عمرو بهذا الحديث بإسناده، زاد فيه:" قال فإن بكت أو سكتت زاد: "بكت". قال أبو داود: وليس "بكت"بمحفوظ وهو وهم في الحديث، الوهم من ابن إدريس أو من محمد بن العلاء. قال أبو داود: ورواه أبو عمر وذكوان عن عائشة قالت:"يا رسول الله إن البكر تستحي أن تتكلم قال: سكاتها إقرارها".
أقول: مدار الحديث على محمد بن عمرو بن علقمة رواه عنه:
- يزيد بن زريع: أخرجه أبو داود (٢٠٩٣)، والبيهقي ٧/ ١٢٢.
- وحماد بن سلمة: أخرجه أحمد ٢/ ٣٨٤،وأبو داود (٢٠٩٣)،والبيهقي ٧/ ١٢٢.
-وعبد الواحد بن واصل الحداد: أخرجه أحمد ٢/ ٢٥٩.
-ويحيى بن سعيد القطان: أخرجه النسائي ٦/ ٨٧،وفي الكبرى ٣/ ٢٨٢ (٥٣٧٨).
-وسفيان الثوري: أخرجه أبو يعلى ١٠/ ٤١٢ (٦٠١٩).
-وعبد العزيز بن محمد الدراوردي: أخرجه الترمذي (١١٠٩).
-وزائدة بن قدامة: أخرجه ابن حبان ٩/ ٣٩٢ (٤٠٧٩).
كلهم رووه عن محمد بن عمرو بن علقمة بلفظ متقارب (١).
ورواه محمد بن العلاء بن كريب عن عبد الله بن إدريس الأودي عن محمد بن عمرو به، فزاد في متنه (بكت)، أخرجه أبو داود (٢٠٩٤)، والبيهقي ٧/ ١٢٢.
وقد عدّه أبو داود وهماً وردد الوهم بين محمد بن العلاء (٢)، وبين عبد الله
стр. 320
بن إدريس (١) وهما ثقتان؟ فلو كانت الزيادة مقبولة عنده لما عدل عنها؟ بل ووَهَّم صاحبها!
٥ - أخرج في (٩٧٢) فقال: حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا أبو عوانة عن قتادة (ح) وحدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا هشام عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال:"صلى بنا أبو موسى الأشعري فلما جلس في آخر صلاته قال رجل من القوم: أقرت الصلاة بالبر والزكاة فلما انفتل أبو موسى أقبل على القوم فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟،قال: فأرم القوم، فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرم القوم، قال: فلعلك يا حطان أنت قلتها؟،قال: ما قلتها، ولقد رهبت أن تبكعني بها، قال: فقال رجلٌ من القوم: أنا قلتها، وما أردت بها إلا الخير، فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم، إن رسول الله ﷺ خطبنا فعلمنا وبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا فقال:"إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ"غير المغضوب عليهم ولا الضالين"فقولوا: آمين يحبكم الله، وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، قال رسول الله ﷺ :" فتلك بتلك"وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم، فإنَّ الله تعالى قال على لسان نبيه ﷺ :"سمع الله لمن حمده"وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، قال رسول الله ﷺ :" فتلك بتلك"فإذا كان عنده القعدة فليكن من أول قول أحدكم أن يقول التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ".
لم يقل أحمد: وبركاته، ولا قال: وأشهد، قال: وأن محمداً. حدثنا عاصم بن النضر قال: حدثنا المعتمر قال سمعت أبي يقول: حدثنا قتادة عن أبي غلاب يحدثه عن حطان بن عبد الله الرقاشي بهذا الحديث زاد:"فإذا قرأ فأنصتوا وقال في التشهد بعد أشهد أن لا إله إلا الله زاد وحده لا شريك له".
قال أبو داود: وقوله فأنصتوا ليس بمحفوظ لم يجئ به إلا سليمان التيمي في هذا الحديث " (٢).
أقول: هكذا ردَّ أبو داود زيادة سليمان بن جرير وهو ثقة وعدها غير محفوظة.
стр. 321
ولو قال بالزيادة لما أعلّها، وأمّا عن تخريج الإمام مسلم لها فقد أجبنا عنه (١).
٦ - وأخرج في (٣٥٢٠) فقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله ﷺ قال:" أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئاً فوجد متاعه بعينه فهو أحق به وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء ".
وفي (٣٥٢١) قال: حدثنا سليمان بن داود قال: حدثنا عبد الله يعني ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله ﷺ فذكر معنى حديث مالك زاد:"وإن قضى من ثمنها شيئاً فهو أسوة الغرماء فيها".
وقال في (٣٥٢٢): حدثنا محمد بن عوف الطائي قال: حدثنا عبد الله بن عبد الجبار يعني الخبائري، حدثنا إسماعيل يعني ابن عياش، عن الزبيدي، قال أبو داود: وهو محمد بن الوليد أبو الهذيل الحِمْصي عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه:"قال فإن كان قضاه من ثمنها شيئاً فما بقي فهو أسوة الغرماء وأيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه اقتضى منه شيئا أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء". قال أبو داود:" حديث مالك أصح ".
أقول: مدار الحديث على الزهري رواه عنه:
- مالك بن أنس: أخرجه مالك في الموطأ (١٩٧٩) وأبو داود (٣٥٢٠).
- يونس بن يزيد: أخرجه أبو داود (٣٥٢١)،وفي المراسيل ص١٦٣ برقم (١٧٣).
كلاهما (مالك ويونس) عن الزهري به مرسلاً.
ورواه الزبيدي عن الزهري متصلاً بذكر أبي هريرة
أخرجه أبو داود (٣٥٢٢)، وابن الجارود في المنتقى ص١٦٠ برقم (٦٣٢)، والدارقطني في السنن ٣/ ٣٠، والبيهقي ٦/ ٤٧.
وقد أعلَّ أبو داود المتصل بالمرسل رغم أنَّ الزبيدي ثقة (٢).
فلو قال بقبول الزيادة لقبلها هنا؟ وكذا الحال مع مالك إذ أوردها مرسلة في الموطأ؟
стр. 322
وقد جاء طريق آخر متابع للزبيدي وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن الزهري،
أخرجه ابن ماجه (٢٣٥٩)، وابن الجارود ص١٦٠ برقم (٦٣١ و ٦٣٣)،والبيهقي ٦/ ٤٧،والدارقطني ٣/ ٣٠،وهو الصواب (١).
وهذا طريق ضعيف لأن إسماعيل (حمصي) رواه عن موسى وهو (مدني)، وإسماعيل يخلط في روايته عن غير أهل بلده (٢).
وقد رجح المرسل أبو حاتم في العلل ١/ ٣٨٣ (١١٤٣)، وابن الجارود ص١٦٠، والبيهقي ٦/ ٤٧، والدارقطني ٣/ ٣٠.
٧ - حديث (٢٦١١): قال: حدثنا زهير بن حرب أبو خثيمة قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي قال: سمعت يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يُغلب اثنا عشر ألفاً من قلة)،قال أبو داود: والصحيح أنه مرسل.
أقول: مدار الحديث على الزهري رواه عنه:
معمر بن راشد: أخرجه عبد الرزاق ٥/ ٣٠٦ (٩٦٩٩).
عقيل بن خالد الأيلي: أخرجه سعيد بن منصور (٢٣٨٧)،وأبو داود في المراسيل (٣١٣).
كلاهما عن الزهري به مرسلاً.
ورواه جرير بن حازم - وهو ثقة (٣) - عن الزهري -موصولاً (٤) -
أخرجه أحمد ١/ ٢٩٤ و٢٩٩،وعبد بن حميد ١/ ٢١٨ (٦٥٢)،وأبو داود (٢٦١١)،والترمذي (١٥٥٥)،وابن خزيمة (٢٥٣٨)،وأبو يعلى ٤/ ٤٥٩ (٢٥٨٧)،وابن حبان ١١/ ١٧
стр. 323
(٤٧١٧)،والحاكم ١/ ٤٤٣ و ٢/ ١٠١،والبيهقي ٩/ ١٥٦.
أقول: وقد رجح أبو داود المرسل مع كون الذي وصله ثقة؟
ولا عبرة بمن صححه من المتأخرين (١).
وللمزيد انظر السنن: (١٥ و ٣٣٨ و ٧٨٧ و ٣٣٠ و ٤٦٢ و ٤٦٣ و ٥٣٢ و ٥٣٣ و ١٠٩١ و ١١٥٥و ١٢١٤و ١٦٢٤ و ١٨٩٧ و٢٠٩٦ و ٢٠٩٧ و ٢٢١٨ و ٢٢٢٩ و ٣٥٢٠ و ٣٥٢١ و ٣٥٢٢ و ٣٨١٥ و ٣٩٤٩ و ٣٩٥٠ و ٤٠٠٠ و ٤٥٧٩ و ٤٨٤٠و ٥١٨٥).
المبحث الخامس: عند الإمام الترمذي:
ينسب الكثير من المتأخرين إلى الإمام الترمذي القول بأنه يقبل زيادة الثقة إذا كانت من حافظ ضابط، وعمدتهم في ذلك كلامه في علله الصغير آخر الجامع، الذي بين فيه منهجيته في إيراد الأحاديث في الجامع، وقد ناقشنا هذا القول فيما سلف (٢).
إن دراسة صنيع الترمذي في الجامع الكبير، وطريقته في سياقة الأحاديث، وأقواله في إعلال بعض الأحاديث تبين بكل وضوح أن مفهومه لزيادة الثقة هو المفهوم نفسه الذي بيناه عند كلامنا على مفهوم زيادة الثقة عند المتقدمين عموماً، وليس كما يتصوره البعض أنه زيادة ثقة واحد على مجموعة ثقات من أقرانه، فهو يرد كثيراً من الأحاديث، لأن راويها قد تفرد بها عن أقرانه فزاد
أمّا أن ننسب إلى الترمذي كونه يقبل الزيادة مطلقاً من خلال فهم غير دقيق لكلامه في العلل وننسى صنيعه في الجامع، أو العلل الكبير فهذا قصور في البحث.
ولم أقف على مثال واحدٍ صرح الترمذي بقبول الزيادة بالمفهوم الذي نحن بصدده، وحكم عليها بالصحة؟ وإنما أقصى ما حكم به على الزيادة هو قوله: (حسن) أو (حسن غريب) أو (غريب)، وهي أحكام تدل على أنه معلول عنده، وهو أمر يقتضي منا دراسة مفهوم الحديث الحسن عنده.
المطلب الأول: مصطلح (حسن) عند الترمذي:
اختلف العلماء من أهل المصطلح من المتأخرين في مفهوم الحسن عند المتقدمين
стр. 324
من المحدّثين، وطولوا فيه وقصروا، وناقشوا فأسهبوا، ولسنا في مجال مناقشة هذه الآراء، لكن يهمنا هنا أن نفهم مفهوم الحسن عند الترمذي في جامعه لأهمية ذلك في بحثنا، وعلينا أن نشير بادئ ذي بدئ
أن لفظة (حسن) استعملت من قبل علماء الحديث وعرفت قديماً، فممّن استعملها: الإمام الشافعي، وعلي بن المديني، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، والترمذي، وغيرهم (١).
وقد استعملوها على المعنى اللغوي، لا الاصطلاحي، فقد أطلقوا على الصحيح حسناً، وعلى كل حديث مقبول غير مردود حسناً، ومرادهم: الحسن الذي يقابله المنكر، أو الباطل، أو الموضوع (٢).
يقول الذهبي رحمه الله تعالى:"ويلزم على ذلك أن يكون كل صحيح حسن وعليه عبارات المتقدمين فإنهم قد يقولون فيما صح: هذا حديث حسن (٣) ".
ويقول الحافظ ابن حجر: " وقد وجد التعبير بالحسن في كلام من هو أقدم من الشافعي، لكن منهم من يريد بإطلاق ذلك المعنى الاصطلاحي، ومنهم من لا يريده.
فأما ما وجد من ذلك في عبارة الشافعي ومن قبله بل وفي عبارة أحمد بن حنبل فلم يتبين لي منهم إرادة المعنى الاصطلاحي، بل ظاهر عبارتهم خلاف ذلك، فإن حكم الشافعي على حديث ابن عمر في استقبال بيت المقدس ... بكونه حسناً خلاف الاصطلاح (٤)، بل هو صحيح متفق على صحته .... وأما أحمد فإنه سُئل فيما حكاه الخلال عن أحاديث نقض الوضوء بمس الذكر فقال: " أصح ما فيها حديث أم حبيبة ".وسُئل عن حديث بسرة فقال صحيح، قال الخلال: إن أحمد بن أصرم سأل أحمد عن حديث أم حبيبة في مس الذكر فقال: هو حديث حسن. فظاهر هذا أنه لم يقصد المعنى الاصطلاحي لأن الحسن لا يكون أصح من الصحيح" (٥).
أما عند الإمام الترمذي - وهو الذي يهمنا هنا - فإنه عرفه في علله آخر الجامع
стр. 325
فقال: " وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا به حُسْنَ إسناده عندنا: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يهتم بالكذب ولا يكون الحديث شاذاً، ويروى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن" (١).
فوضع شروطاً ثلاثة للحسن عنده (٢):-
١ - براءة السند من الكذابين.
٢ - انتفاء الشذوذ - يعني المخالفة -.
٣ - عدم تفرد الراوي به - دون الصحابي -.
فالإمام الترمذي عرف الحسن في جامعه وأراد به معنى اصطلاحياً؛ أراد به درجة معينة من الحديث، وهو غير الصحيح بلا شك، وهو واضح من تعريفه الذي مر.
قال الإمام الذهبي معقباً على تعريف الترمذي للحسن: "وتحسين الترمذي لا يكفي في الاحتجاج بالحديث " (٣).
وقال الحافظ ابن حجر في ذلك:"إنَّ الترمذي لم يعرف الصحيح ولا الضعيف ولا الحسن المتفق على كونه حسناً -يعني عند المتقدمين كالشافعي والبخاري وأحمد - بل عرف حديث المستور، ومن يشترك معه بسبب ضعفه أو اختلاطه أو تدليسه أو ما في
стр. 326
سنده انقطاع خفيف فكل ذلك من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة" (١).
ومما مر نفهم أن الحسن عند الإمام الترمذي ليس من جنس الصحيح (٢)،وقد دراسنا باسهاب مفهوم الحديث الحسن عند الترمذي، في بحث منفرد، واستوعبنا فيه جميع الأحاديث التي
اقتصر الترمذي على تحسينها في الجامع وتوصل إلى أن هذا التعبير إنما يستعمله الترمذي للحديث المعلول عنده (٣).
والذي أريد أن أتسائل عنه: هو لماذا عرف الإمام الترمذي الحسن والغريب فحسب؟ وقد استعمل مصطلحات أخرى كثيرة؟!.
ولو كان المراد - عنده - من الحسن هو ما أراده البخاري وغيره فلماذا لم يطلقه في جامعه دون أنْ يصرح بحده؟ كما فعل في العلل الكبير.
والجواب: هو أن الإمام الترمذي حينما قال:"وما ذكرناه في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب .... "فإنه أراد أن مصطلح " حسن " المستعمل في هذا الجامع مصطلح خاص به، يخالف المعنى الشائع في زمانه، ولو كان المعنى الذي عرف به شائعاً عندهم لمَا احتاج إلى هذا البيان، ولهذا ترك تعريف الحديث الصحيح، لذا فإنه قال " وما ذكرناه في هذا الكتاب "، " عندنا ": ثم عرفه.
стр. 327
وهكذا فإن استعمال الترمذي لمصطلح"حسن"في الجامع يختلف عما يستعمله ويطلقه في علله الكبير، لأنه في العلل ينقل عن الأئمة وخاصة البخاري شيخه العبقري الذي أكثر من إطلاقه:"حسن" بالمعنى الذي شاع عندهم ومراده الحديث الصحيح (١).
وهكذا نخلص إلى أن إطلاق مصطلح"حسن"عند الإمام الترمذي في علله الكبير يختلف عما هو في جامعه، ففي العلل استعمله "على المعنى اللغوي " أي على ما هو معروف عند العلماء، وأما في جامعه فإنه خصه لنفسه، فهو يطلقه ويريد به الحديث
стр. 328
الضعيف، وأنَّ راويه هو من دون مرتبة الصدوق-كما شرطه على نفسه في علله-.
المطلب الثاني: مصطلح " غريب " عند الترمذي:
سبقني إلى بحث هذه المفردة وتطبيقاتها في جامع الترمذي، زميلنا الأخ عمار العبيدي في رسالته"الحديث الغريب، مفهومه وتطبيقاته في جامع الترمذي".
ومن خلال الاستقراء التام لجميع الأحاديث التي حكم عليها الإمام الترمذي بأنها غريبة (١) تبين للطالب أن عددها مائة وستة وأربعون حديثاً، منها أربعون سكت عنها دون تعليل والبقية الباقية قد بين عللها، وقد ناقش الطالب المسكوت عن عللها وبان له أن جميعها ضعيف (٢).
وهذه ما يسميه علماء المصطلح: الغريب المردود، هذا في حالة اقتصاره على لفظة غريب أما إذا ألحقها بالصحيح (٣)،أو الحسن فإن الغرابة لا تنافي الحكم الذي أطلقه، وهذا من مصطلحاته، رحمه الله تعالى.
والذي يخص مبحثنا هنا هو القسم الأول: وهو ما أطلق عليه الترمذي:"غريب، أو غريب من هذا الوجه، أو لا يعرفه إلاّ من رواية فلان " ... وما شاكلها.
فإن أحاديثنا التي وقفنا على إيراد الإمام الترمذي لزيادة الثقة - بمعناها عند المتأخرين -فيها قد حكم عليها بهذه الألفاظ كما لاحظناه آنفاً (٤).
ولم أقف على مواضع قبل فيها الإمام الترمذي زيادة الثقة بمفهوم المتأخرين، وهي: تفرد راو واحد عن أقرانه في نفس الشيخ بزيادة ما سنداً أو متناً، بل وجدناه يقبلها
стр. 329
على مفهوم المتقدمين لها.
وقد وجدناه يعّل هذه الزيادات على أنها مخالفة في مواضع عدة، كما بيناه، وحكم على البعض بأنه حديث "حسن "، وآخر "غريب "، وقد اتضح لنا مما سلف أنه يريد بالحديث إذا حسنه في جامعه خاصة أنه"معلول"،كما بينه في علله الملحق بالجامع.
فالخلاصة:
بعد أن اتضح لنا أن الإمام الترمذي أورد زيادة الثقة - بمفهوم المتأخرين - وأعلها، إذ حكم عليها بأنها حديث"حسن"أو"حسن غريب" أو"غريب"،وعرفنا مراده من قوله: حسن أو غريب كما أسلفناه: أنه يريد به الحديث المعلول.
ولو صحت الزيادة عنده فلماذا لم يحكم عليها بأنها حديث"صحيح" أو"صحيح غريب" وما شاكلها من الألفاظ التي استعملها في جامعه للحديث المقبول.
المطلب الثالث: زيادات أعرض عنها الإمام الترمذي:
وسأذكر بعض الأمثلة التي أعلّ فيها الإمام الترمذي الزيادة من الثقة لما تفرد بها الراوي عن أقرانه سواء كانت في السند أو المتن، فأطلق عليها عبارات أصرح من عبارات:"حسن أو غريب"إذ يرجح المرسل على المتصل، والموقوف على المرفوع، ويعل زيادة لفظة في حديث زادها ثقة؟ فمنها:-
١ - أخرج الترمذي (٢٧٧) فقال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: أخبرنا معلى بن أسد قال: حدثنا وهيب، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه:"أن النبي ﷺ أمر بوضع اليدين ونصب القدمين".
وأخرج (٢٧٨) فقال:
قال عبد الله: وقال المعلى: حدثنا حماد بن مسعدة، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد: أن النبي ﷺ أمر بوضع اليدين، فذكر نحوه ولم يذكر فيه"عن أبيه".
قال أبو عيسى: وروى يحيى بن سعيد القطان وغير واحد عن محمد بن عجلان عن محمد ابن إبراهيم عن عامر بن سعد: أن النبي ﷺ أمر بوضع اليدين ونصب القدمين. مرسلٌ، وهذا أصح من حديث وهيب، وهو الذي أجمع عليه أهل العلم واختاروه.
أقول: دار الحديث على محمد بن عجلان، رواه عنه:
стр. 330
-حماد بن مسعدة: أخرجه الترمذي (٢٧٨).
-وسفيان الثوري: أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٧٤ (٢٩٤٤).
-ويحيى بن سعيد القطان: أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٤ (٢٦٧٧).
-وأبو خالد الأحمر: أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٤ (٢٦٧٧).
كلهم عن محمد بن عجلان عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن النبي مرسلاً.
ورواه وهيب بن خالد الباهلي - وهو ثقة (١) - عن ابن عجلان بالسند نفسه وزاد فيه عن سعد ابن أبي وقاص - فوصله -.
أخرجه الترمذي (٢٧٧)،والحاكم ١/ ٤٠٤ وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبزار ٣/ ٣١٦ (١١١١)،والبيهقي ٢/ ١٠٧،والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ٣/ ١٨١ كلهم من طرقٍ عن وهيب به (٢).
أقول: فهذه زيادة ثقة زادها على أقرانه، فلماذا أعلها الترمذي؟ فلو كان يقول بقبول الزيادة كما ينسب إليه فلماذا لم يقبلها؟
الجواب على ذلك: لأن منهج المتقدمين أنهم يردون مثل هذه الزيادة لأنهم يعدونها مخالفة، وقد سبقه في إعلاله أبو حاتم في علله ١/ ١١٧ (٣١٨):فقال: " لا أعلم أحداً وصله سوى وهيب، رواه الثوري، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد وغير واحد عن ابن عجلان عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن النبي ﷺ مرسلاً وهو الصحيح ".
وأعله أيضاً: البزار في المسند ٣/ ٣١٦ (١١١١)،والإمام الدارقطني في العلل ٤/ ٣٤٤ (٦١٦) فقال:"والمرسل أشبه"،والضياء في الأحاديث المختارة ٣/ ١٨١.
وقد عدها بعض العلماء المتأخرين زيادة ثقة، كالحاكم النيسابوري ١/ ٤٠٤، ومن المعاصرين: أحمد شاكر ﵀ إذ قال في تعليقه على الترمذي ٢/ ٦٧:"فهذا الثقة الحافظ الحجة إذا وصل حديثاً أرسله غيره كان وصله زيادة من ثقة يجب قبولها، فالحديث صحيح موصول ". فالفرق واضح بين كلا المنهجين: منهج المتقدمين الذين أعلوها، ومنهج المتأخرين الذين قبلوها ثم بعد ذلك يقولون: إن المتقدمين يقبلون زيادة الثقة؟
стр. 331
٢ - وأخرج في (٣٩٥) فقال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: أخبرني أشعث عن ابن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب عن عمران بن حصين: " أن النبي ﷺ صلّى بهم فسها، فسجد سجدتين ثم تشهد، ثم سلّم ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (١).وروى محمد بن سيرين عن أبي المهلب، وهو عم أبي قلابة غير هذا الحديث.
وروى محمد هذا الحديث عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب، وأبو المُهلّب اسمه"عبد الرحمن بن عمرو"،ويقال أيضاً معاوية بن عمرو.
وقد روى عبد الوهاب الثقفي وهشيم وغير واحد هذا الحديث عن خالد الحذاء عن أبي قلابة بطوله وهو حديث عمران بن حصين:" أن النبي ﷺ سلّم (٢) في ثلاث ركعات من العصر فقام رجل يقال له الخرباق".
أقول: دار الحديث على خالد الحذاء رواه عنه:
-إسماعيل بن علية: أخرجه أحمد ٤/ ٤٢٧، ومسلم ١/ ٤٠٤ (٥٧٤)،وابن أبي شيبة ١/ ٣٩٣ (٤٥١٣)،وابن خزيمة ٢/ ١٣٣ (١٠٦٠).
-وعبد الوهاب الثقفي: أخرجه مسلم ١/ ٤٠٥ (٥٧٤)، وابن ماجه (١٢١٥)،وابن خزيمة ٢/ ١٣٠ (١٠٥٤).
-ويزيد بن زريع: أخرجه النسائي ٣/ ٢٦، وفي الكبرى ١/ ٣٠٦٧ (١١٦٠).
-وحماد بن زيد: أخرجه النسائي في الكبرى ١/ ٢١٠ (٦٠٧)،وابن خزيمة ١/ ١٣٠ (١٤٠٥).
-والمعتمر بن سليمان: أخرجه أحمد ٤/ ٤٣١، وابن خزيمة ٢/ ١٣٠ (١٠٥٤)، وابن حبان ٦/ ٣٩٤ (٢٦٧٣).
-ومسلمة بن محمد: أخرجه أبو داود (١٠١٨).
стр. 332
-وشعبة بن الحجاج: أخرجه أحمد ٤/ ٤٤٠.
كلهم عن خالد الحذاء به بلفظ متقارب (١).
ورواه محمد بن سيرين عن خالد الحذاء بالسند نفسه إلاّ أنه زاد في حديثه" ثم تشهد".
أخرجه أبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥)،والنسائي ٣/ ٢٦،وفي الكبرى١/ ٢١٠ (٦٠٦) و ١/ ٣٦٧ (١١٥٩).
وابن خزيمة ٢/ ١٣٤ (١٠٦٢)، وأبو عوانة ١/ ٥١٥ (١٩٢٦)،وابن الجارود في المنتقى ص٧٢ (٢٤٧)، وابن حبان ٦/ ٣٩٢ (٢٦٧٠) و ٦/ ٣٩٤ (٢٦٧٢)، والحاكم ١/ ٤٧٠ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي ٢/ ٣٥٤.
كلهم من طرقٍ عن أشعث بن عبد الملك الحمراني عن محمد بن سيرين به (٢).
أقول: وأشعث، وابن سيرين هما ثقتان فلماذا لم يقبله الترمذي، ولا مسلم؟ وقد أعلّه أيضاً البيهقي فقال:" تفرد به أشعث الحمراني، وقد رواه شعبة، ووهيب، وابن علية، والثقفي، وهشيم، وحماد بن يزيد، ويزيد بن زريع، وغيرهم عن خالد الحذاء لم يذكر أحد منهم ما ذكر أشعث عن محمد عنه، ورواه أيوب عن محمد قال: ُأخبرت عن عمران فذكر السلام دون التشهد، وفي رواية هشيم: ذكر التشهد قبل السجدتين وذلك يدل على خطأ أشعث فيما رواه " (٣)، وحكم الحافظ ابن حجر عليها بالشذوذ (٤)، وقال الدكتور بشار عواد في تعليقه على الترمذي ١/ ٤٢١:" وإنما حسنه الترمذي لوجود شذوذ في متن الحديث، وهي زيادة ذكر التشهد، فالمتن معروف من غيرها، ولذلك فإن الحفاظ قد وهموا أشعث بن عبد الملك الحمراني، لمخالفته الثقات في رواية هذا الحديث، فالحديث ضعيف ".
٣ - وأخرج في (٥٨٧) فقال: حدثنا محمود بن غيلان وغير واحد، قالوا: حدثنا الفضل بن موسى، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس:" أن رسول الله ﷺ كان يلحظ في الصلاة يميناً وشمالاً، ويلوي عنقه خلف ظهره ".قال
стр. 333
أبو عيسى: هذا حديث غريب، وقد خالف وكيع الفضل بن موسى في روايته.
- ثم عقبه بحديث (٥٨٨) فقال: حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا وكيع عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن بعض أصحاب عكرمة: أن النبي ﷺ كان يلحظ في الصلاة فذكر نحوه".
أقول: دار الحديث على عبد الله بن سعيد بن أبي هند رواه عنه:-
- الفضل بن موسى السيناني - وهو ثقة ثبت (١) - متصلاً (٢): أخرجه أحمد ١/ ٢٧٥ و ١/ ٣٦٠، وأبو داود كما في تحفة الأشراف ٤/ ٥٤٧ (٦٠١٤)، والترمذي (٥٨٧)، والنسائي ٣/ ٩ وفي الكبرى ١/ ١٩١ (٥٢٩)، وابن خزيمة ١/ ٢٤٥ (٤٥٨)،والطبراني في الكبير ١١/ ٢٢٣ (١١٥٥٩)، والبيهقي ٢/ ٨٣،والدارقطني ٢/ ٨٣.
ورواه وكيع بن الجراح فرواه عن عبد الله بن سعيد عن بعض أصحاب عكرمة أنَّ النبي ... - مرسلاً - (٣).
أخرجه أحمد ١/ ٢٧٥، وأبو داود -كما في تحفة الأشراف٤/ ٥٤٧ (٦٠١٤) وهي من رواية أبي الطيب بن الأشناني ونقل المزي عقبه القول: قال أبو داود: " وهذا أصح " يعني المرسل، والترمذي (٥٨٨)،وابن أبي شيبة ١/ ٣٩٦ (٤٥٤٨)، وابن حبان ٦/ ٦٦ (٢٢٨٨)،والحاكم ١/ ٣٦٢،والدارقطني ٢/ ٨٣،والبيهقي ٢/ ١٤.
ورواه سليمان التيمي عن عكرمة موقوفاً عليه، أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٦ (٤٥٤٩).
أقول: تعقب محقق الترمذي الشيخ أحمد شاكر على قول الترمذي " غريب " فقال:
"يريد الترمذي بهذه الرواية تعليل الرواية المتصلة، وليست هذه علة، بل إسناد الحديث صحيح، والرواية المتصلة زيادة من ثقة فهي مقبولة، والفضل بن موسى ثقة ثبت" (٤).
стр. 334
أقول: وقد أعلّه الترمذي في علله الكبير أيضاً برقم (١٦٩) فقال:"ولا أعلم أحداً روى هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند مثل ما رواه الفضل بن موسى".
ثم إنَّ أبا داود أعله أيضاً كما نقلناه آنفاً من التحفة، وقال الدكتور بشار عواد في تعليقه على الترمذي١/ ٥٨٤:"وقد صحح العلامتان الألباني وشعيب الرواية المتصلة، ولم يلتفتا إلى إعلال الترمذي وأبي داود كذلك، بل يفهم من علامات التعجب التي وضعها الشيخ شعيب عقب استغراب الترمذي لهذا الحديث وتصحيح أبي داود للرواية المرسلة استعجابه من هذا الصنيع! والقواعد الحديثية ترجح الرواية المرسلة، فعند الموازنة بين وكيع والفضل بن موسى السيناني لا يشك أحد من أهل العلم بأن وكيع أتقن، وأحفظ، فضلاً عما عرف به في بعض حديث الفضل بن موسى من المناكير كما قرره علامة الدنيا علي بن المديني (الميزان: ٣/الترجمة ٦٧٥٤)، فضلاً عن أقوال العلماء الفهماء من الجهابذة المتقدمين: الترمذي، وأبي داود، الذي قال بعد أن ساق المرسل:" وهذا أصح -يعني من حديث عكرمة، عن ابن عباس ... ".
٤ - حديث (١٨٩٩): قال الترمذي: حدثنا أبو حفص عمرو بن علي، قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال:"رضى الرب في رضى الوالد وسخط الرب في سخط الوالد".
ثم قال (١٨٩٩م): حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو نحوه ولم يرفعه وهذا أصح. وهكذا روى أصحاب شعبة عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو موقوفاً، ولا نعلم أحداً رفعه غير خالد بن الحارث عن شعبة، وخالد بن الحارث ثقة مأمون. سمعت محمد بن المثنى يقول: ما رأيت بالبصرة مثل خالد بن الحارث ولا بالكوفة مثل عبد الله بن إدريس. وفي الباب عن عبد الله بن مسعود.
أقول: دار الحديث على شعبة رواه عنه:
١ - محمد بن جعفر - غندر-:أخرجه الترمذي (١٨٩٩).
٢ - آدم بن إياس: أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢)،والبغوي في شرح السنة (٣٤٢٣).
стр. 335
كلاهما رواه عن شعبة -موقوفاً (١) -.
ورواه خالد بن الحارث الهجمي -وهو ثقة ثبت (٢) - مرفوعاً (٣):
أخرجه الترمذي (١٨٩٩)، وابن حبان ٢/ ١٧٢ (٤٢٩)، والبغوي (٣٤٢٤).
وهكذا يتبين أن منهجية الإمام الترمذي هي رد الزيادة إذا انفرد بها راوٍ واحد عن بقية الرواة ولو كان ثقة ثبتاً، وقد صرح الترمذي أن المنفرد بالزيادة هو ثقة مأمون، ونقل كلام محمد بن المثنى في توثيقه، فنبه أن العلة في مخالفته، إذ وصل ما أرسلوه (٤)
٥ - حديث (٢٠١٨) قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش البغدادي قال: حدثنا حبان ابن هلال قال: حدثنا مبارك بن فضالة قال: حدثني عبد ربّه بن سعيد، عن محمد بن المنكدر عن جابر أن الرسول ﷺ قال:"إنّ من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإنّ أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة: الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون"قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون".
قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي هريرة، وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وروى بعضهم هذا الحديث عن المبارك بن فضالة عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ ولم يذكر فيه: عن عبد ربه بن سعيد وهذا أصح.
والثرثار: هو كثير الكلام، والمتشدق: الذي يتطاول على الناس في الكلام ويبذو عليهم.
أقول: دار الحديث على المبارك بن فضالة رواه عنه متصلاً:
حبان بن هلال -وهو ثقة ثبت (٥) - أخرجه الترمذي (٢٠١٨)،والخطيب في
стр. 336
تأريخه ٥/ ١٠١ (١).
ورواه عنه جماعة مرسلاً، كما نص على ذلك الترمذي، ولم أقف عليه.
وهنا أعل الترمذي زيادة ثقة، لأنه وصل ما أرسله غيره وهؤلاء بالتأكيد ثقات وإلا لما رجح المرسل عليه. وقد صحح المتصل الألباني في سلسلته الصحيحة برقم (٧٩١) على قاعدة المتأخرين.
٦ - حديث (١٥١):قال: حدثنا هناد، قال: حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :" إن للصلاة أولاً وآخراً، وإن أول وقت صلاة الظهر حين
تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت صلاة العصر حين يدخل وقتها وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس ... "الحديث.
قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو.
قال أبو عيسى: سمعت محمداً يقول: حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت: أصح من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش وحديث محمد بن فضيل خطأ، أخطأ فيه محمد بن فضيل.
وقال الترمذي (١٥١م): حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو أسامة، عن أبي إسحاق الفزاري، عن الأعمش، عن مجاهد قال: كان يقال: إن للصلاة أولاً وآخراً. فذكر نحو حديث محمد بن فضيل عن الأعمش نحوه بمعناه.
أقول: مدار الحديث عن الأعمش رواه عنه مرسلاً (٢):
١ - أبو إسحاق الفزاري: أخرجه الترمذي (١٥١).
٢ - زائدة بن قدامة: أخرجه البيهقي ١/ ٣٧٦،وقال:"وكذلك رواه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري، وأبو زبيد عبثر بن القاسم عن الأعمش عن مجاهد "فهؤلاء كلهم رووه عن الأعمش مرسلاً.
ورواه محمد بن فضيل عن الأعمش فزاد في الإسناد: عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ متصلاً (٣) -.
стр. 337
وقد أعلّه من المتقدمين إضافة للترمذي: البخاري، وأبو حاتم، وابن معين، وأيدهم العقيلي وأمير المؤمنين في العلل الدارقطني، والبيهقي،:وقال عباس الدوري، عن ابن معين:"سمعت يحيى يضعف حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - أحسب يحيى يريد:"إن للصلاة أولاً وآخراً "،وقال إنما يروى عن الأعمش عن مجاهد" (١).
قال الشيخ أحمد شاكر:" وأراد الترمذي برواية أثر مجاهد أن يذكر إسناده ليدلل على الرواية التي رآها البخاري صواباً، وهي أن هذا الحديث موقوف من كلام مجاهد.
وقال أبو حاتم:"هذا خطأ، وهم فيه ابن فضيل يرويه أصحاب الأعمش عن الأعمش عن مجاهد قوله " (٢). ونقل البيهقي عن العباس بن محمد الدوري قال:" سمعت يحيى بن معين يضعف حديث
محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أحسب يريد إن للصلاة أولاً وآخراً، وقال: إنما يروى عن الأعمش عن مجاهد "، وقال العقيلي في ترجمة محمد بن فضيل من الضعفاء، بعد أن ساق حديثه المرفوع، ثم حديث زائدة عن الأعمش الموقوف:" وهذا أولى (٣)،وقال الدارقطني في السنن بعد أن ساقه من طريق ابن فضيل مرفوعاً: هذا لا يصح مسنداً، وهم في إسناده ابن فضيل، وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلاً (٤)،وهذا التعليل منهم خطأ، لأن محمد بن فضيل ثقة حافظ ... ورد ابن حزم هذا التعليل في المحلى ٣/ ١٦٨ وقال: وما يضر إسناد من أسند إيقاف من أوقف. ونقل الزيلعي عن ابن الجوزي أنه قال في التحقيق: ابن فضيل ثقة، يجوز أن يكون الأعمش سمعه من مجاهد مرسلاً ومن أبي صالح مسنداً ونقل مثل ذلك عن ابن القطان .... والذي أختاره أن الرواية المرسلة أو الموقوفة تؤيد الرواية المتصلة المرفوعة ولا تكون لها تعليلاً أصلاً " (٥).انتهىكلام الشيخ أحمد شاكر.
وقد صحح الألباني الرواية المتصلة وعدها زيادة ثقة في سلسلته الصحيحة (٦).
وتعقبهما الدكتور بشار عواد فقال:" وفي ذلك نظر، فالموقوف علّة للمرفوع إن ثبت برواية الثقات الراجحة، فالمرفوع هنا شذوذ، وهذا هو مبدأ العلماء المحققين الأوائل " (٧).
стр. 338
وهنا يظهر بوضوح منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين، فالمتقدمون يعلون الزيادة إذا كانت من راوٍ دون بقية الرواة الثقات ولو كان ثقة حافظاً، أما المتأخرون فإنهم على خلاف هذا ويعدونها زيادة حفظ.
فإذا أعلّ البخاري، وأبو حاتم، والترمذي، ويحيى بن معين، والعقيلي، والدارقطني، حديثاً فمن الناس بعدهم؟! ولا أدري كيف قال الشيخ أحمد شاكر بتخطئتهم جميعاً؟!
ومن هنا يظهر خطأ الشيخ عداب الحمش في موضوع الزيادة عند الترمذي حينما تناوله في أطروحته وخرج بنتيجة مضطربة فقال مرة:"مذهب الترمذي هو قبول زيادة الثقة غالباً كما هو صريح قوله " (١).
وقال مرة ثانية:" قلت: في هذا القدر من الأمثلة كفاية للوقوف على صنيع الحافظ الترمذي في قبول زيادة الثقة مطلقاً كما هو مذهب شيخه البخاري" (٢).وبين غالباً، ومطلقاً فرق كبير؟!!، ناهيك عن خطأ النتيجة الني توصل إليها.
والحق أن الباحث حينما يستقرئ الجامع الكبير للإمام الترمذي يجد عشرات الأمثلة الناصعة الدالة على إعلال هذا الإمام الجهبذ لمثل هذه الزيادات، وهو الذي يمثل، ويكمّل خط الإمام الكبير علي بن المديني، والبخاري، رحمهم الله تعالى.
وللمزيد انظر الأحاديث في جامعه بالأرقام:
(٦١و٣٩٥و٤٤٧و٦٢٠و٥٩٤و٥٩٥و٦٢١و٦٣٩و٦٨٣و٦٩٢و٧١٨و٧٣٠و ٨٤٥و٨٦٦ ... و٨٧٨و٨٩٣و٩٢٤و٩٤٨و٩٦٩و٩٨٣و١٠١٢و١٠٢٨و١٠٧٣و١١٧٨و١١٨٢و١٢٢٨و١٣٧١و١٣٩٥و١٥٥٥و١٦٠٤و١٦٠٥و١٦٥٢و١٦٦٥وو١٧٧٠و ١٧٧٧و٢٠٣٦و٢٥٨٦ و٢٥٩١و٢٨٣٥و٢٨٣٨و٢٨٤٤و٢٩٠٨و٣٠٣٦و٣٠٤٧و ٣٠٥٤و٣٠٧١و ٣٠٨٨ و٣٠٨٩ و٣٠٩٢ و٣١١٩ و٣١٨٦و ٣٢٦٢ و٣٢٦٥ و ٣٢٦٦ و٣٣٠٣ و ٣٣١٦)
المبحث السادس: عند الإمام النسائي:
يعد الإمام النسائي من الأئمة المبرزين في الحديث وفنونه، بل من أشهر أقرانه،
стр. 339
ومن يقرأ سننه، وأقواله في العلل يعرف ذلك.
وقد استقرأت سننه (الكبرى، والمجتبى) لأعرف منهجه في قبول الزيادة أو ردها فوجدته يسلك مسلك الأئمة المتقدمين في ذلك، فهو يقبل زيادة الثقة بشروطها التي بيناها، ويردّها بمفهوم المتأخرين إذا ما تفرد بها -راوٍ واحد- عن جماعة الرواة في الشيخ نفسه، سنداً أو متناً.
وعمدتي في ذلك أقواله التي يعل بها الأحاديث، أما ما سكت عنه فإنني لا أتعرض له لأنني لا أدري لعله يقبلها أو يردها؟
ولكن من خلال الأحاديث التي صرح بها قبولاً أو رداً وجدته على منهجية واضحة ثابتة وهي رد الزيادة إذا خالف راويها بقية الرواة -كما أسلفنا-.
وقد سبقني إلى هذا زميلنا الطالب محمد محمود سليمان في رسالته: " علل الحديث وتطبيقاتها في كتاب المجتبى للإمام النسائي "؛ إلى دراسة منهجية النسائي في قبول الزيادة أو ردها في فصل مستقل ولكنني لم أقف على تصريح منه يبين فيما إذا كان يقبل الزيادة أم لا؟ سوى الأمثلة التطبيقية، وقد ناقشها مناقشة جيدة، بان من خلالها أن الإمام النسائي لم يقبلها، بل يعل الرواية المتصلة بالمرسلة، والمرفوعة بالموقوفة إذا كان راويها واحداً انفرد عن أقرانه الثقات بها.
وكل الأمثلة التي مثل بها الباحث كانت تقضي بهذا الأمر، ولم يذكر مثلاً واحداً قبل فيه الإمام النسائي الزيادة، على منهجية المتأخرين (١)،وهذا هو الذي وقفنا عليه من خلال استقرائنا لمنهجه في كتابه السنن، وسأذكر بعض الأمثلة التي تبين ذلك:
١ - أخرج النسائي في الكبرى ٢/ ٢٥٤ (٣٣٢٠): فقال:
أنبأنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن عمها سلمان بن عامر يبلغ به النبي ﷺ قال: " إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، وإن لم يجد تمراً فالماء فإنه طهور ". قال أبو عبد الرحمن: هذا الحرف (فإنه بركة)،لا نعلم أن أحداً ذكره غير ابن عيينة، ولا أحسبه محفوظاً.
أقول: دار الحديث على عاصم الأحول رواه عنه:
- الثوري: أخرجه أحمد ٤/ ١٧، والترمذي (٦٩٥)، والنسائي في الكبرى ٢/ ٢٥٤
стр. 340
(٣٣٢٠)، وابن خزيمة ٣/ ٣٧٨ (٢٠٦٧).
- وأبو معاوية: أخرجه أحمد ٤/ ١٨، والترمذي (٦٩٥).
- وثابت بن يزيد: أخرجه الدارمي ٢/ ١٣ (١٧٠١).
- وعبد الواحد بن زياد: أخرجه أبو داود (٢٣٥٥).
- ومحمد بن فضيل: أخرجه ابن ماجه (١٦٩٩)،وابن خزيمة ٣/ ٣٧٨ (٢٠٦٧).
- وحماد بن زيد: أخرجه ابن خزيمة ٣/ ٣٧٨ (٢٠٦٧).
- وشعبة: أخرجه الطيالسي (١١٨١) و (١٢٦١)،والبيهقي ٤/ ٢٣٩.
كلهم عن عاصم بلفظ متقارب (١).
ورواه سفيان بن عيينة عن عاصم بالسند نفسه فزاد في متنه (فإنه بركة): أخرجه الحميدي ٢/ ٣٦٢ (٨٢٣)، وأحمد ٤/ ١٧، والترمذي (٦٥٨)، والنسائي في الكبرى ٢/ ٢٥٤ (٣٣٢٠)، وابن خزيمة ٣/ ٣٧٨ (٢٠٦٧).
وهذه الزيادة انفرد بها سفيان وهو ثقة جبل ولكن النسائي قال:"ولا أحسبه محفوظاً ".
٢ - قال النسائي ٥/ ١٣٠: أخبرنا نوح بن حبيب القومسي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا ابن جريج قال حدثنا عطاء عن صفوان بن يعلى بن امية عن أبيه أنه قال: ليتني أرى رسول الله ﷺ وهو ينزل عليه ... فقال أين الرجل الذي سألني آنفاً فأتي بالرجل فقال: أما الجبة فاخلعها، وأما الطيب فاغسله ثم أحدث إحراماً)، فقال أبو عبد الرحمن: (ثم أحدث إحراماً) ما أعلم أحداً قاله غير نوح بن حبيب ولا أحسبه محفوظاً.
أقول: دار الحديث على يحيى بن سعيد القطان رواه عنه:
- أحمد بن حنبل: أخرجه أحمد ٤/ ٢٢٢.
- ومسدد بن مسرهد: أخرجه البخاري (٤٩٨٥) تعليقاً.
- ومحمد بن بشار: أخرجه ابن خزيمة ٤/ ١٩١ (٢٦٧٠).
- وعيسى بن يونس: أخرجه ابن الجارود في المنتقى ص١١٧ (٤٤٧و٤٤٨).
كلهم عن يحيى بن سعيد القطان به بلفظ متقارب (٢).
стр. 341
ورواه نوح بن حبيب القومسي -وهو ثقة (١) - عن يحيى بالسند نفسه وزاد: (ثم أحدث إحراماً):أخرجه النسائي ٥/ ١٣٠ وفي الكبرى ٢/ ٣٣٢ (٣٦٨٤)، والدارقطني في السنن ٢/ ٢٣١.
فهذه الزيادة زادها ثقة ولكن النسائي أعلها.
٣ - قال النسائي ٦/ ٦٧: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا حماد بن سلمة وغيره عن هارون بن رئاب عن عبد الله بن عبيد بن عمير (ح) وعبد الكريم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس، عبد الكريم يرفعه إلى ابن عباس وهارون
لا يرفعه قالا: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ قال: إن عندي امرأة هي من أحب الناس إلي وهي لا تمنع يد لامس؟ قال: " طلقها، قال: لا أصبر عنها ، قال: استمتع بها ".
قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي وهارون أثبت منه، أرسل الحديث، وهارون ثقة وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم.
وقال في ٦/ ١٧٠: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا النضر بن شميل قال: حدثنا حماد ابن سلمة قال: أنبأنا هارون بن رئاب عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله إن تحتي امرأة لا ترد يد لامس، قال: طلقها، قال: "إني لا أصبر عنها، قال فأمسكها "،قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ والصواب مرسل ".
أقول: أما طريق عبد الكريم بن أبي المخارق فلا نتشاغل به لأنه ضعيف وقد خالف الثقة.
وأما حديث هارون: فقد دار الحديث على حماد بن سلمة رواه عنه يزيد بن هارون -وغيره كما قال النسائي- مرسلاً: أخرجه النسائي ٦/ ١٧٠، وفي الكبرى ٣/ ٣٧٠ (٥٦٥٩)، من طريق يزيد بن هارون به (٢).
ولم أقف على بقية الطرق ولكن كلام النسائي يدلل على ذلك.
ورواه النضر بن شميل عن حماد بن سلمة فزاد في إسناده ابن عباس (٣). أخرجه النسائي ٦/ ١٧٠، وفي الكبرى ٣/ ٣٧٠ (٥٦٥٩).
стр. 342
وهنا أعل النسائي زيادة النضر بن شميل رغم كونه ثقة ثبت (١)، لأنه زاد على باقي الرواة.
وقد رواه معمر بن راشد مثل رواية حماد -المرسلة-: أخرجه عبد الرزاق ٧/ ٩٨ (١٢٣٦٥).
٤ - أخرج النسائي ٢/ ٦٤ فقال: أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثني شعبة وهشام عن قتادة قال: قلت لجابر بن يزيد ما يقطع الصلاة؟ قال: كان ابن عباس يقول المرأة الحائض والكلب. قال يحيى: رفعه شعبة.
قلت: دار الحديث على قتادة، رواه عنه - مرفوعاً -:
شعبة بن الحجاج: أخرجه أحمد ٥/ ٨٣، وأبو داود (٧٠٣)،والنسائي ٢/ ٦٤ وفي الكبرى١/ ٢٧٢ (٨٢٧)،وابن ماجه (٩٤٩)،وابن خزيمة ٢/ ٢٢ (٨٣٢)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٥٨، والطبراني في الكبير ١٢/ ١٤٠ (١٢٨٢٤)، وابن حبان ٦/ ١٤٨ (٢٣٨٧)،والبيهقي٢/ ٢٧٤ (٢).
ورواه (هشام وسعيد بن أبي عروبة وهمام بن منبه) موقوفاً: أخرج طريق هشام: النسائي ٢/ ٦٤ وفي الكبرى ١/ ٢٧٢ (٨٢٧)(٣)، وقال أبو داود عقب (٧٠٣): وقفه سعيد وهشام وهمام.
وقال البيهقي ٢/ ٢٧٤: قال يحيى بن القطان: (لم يرفع هذا الحديث أحد عن قتادة غير شعبة، قال يحيى: وأنا أفرقه، قال: ورواه ابن أبي عروبة وهشام عن قتادة يعني موقوفاً).
أقول: هذا يعني أن شعبة زاد عليهم فرفعه، وأوقفوه، وهم أكثر عدداً وكلهم ثقات.
والنسائي هنا لم يورد الرواية المرفوعة، وإنما أورد الموقوفة، وأشار إلى المرفوعة إشارة، فهو يعلها، وكذا أبو داود وغيرهما.
وعدَّ الشيخ أحمد شاكر هذه زيادة ثقة فقال:"ورفع شعبة زيادة ثقة فهي مقبولة
стр. 343
ولا تعل الرواية المرفوعة بالموقوفة " (١) فتأمل!
٥ - وأخرج النسائي ٢/ ٦٠ فقال: أخبرنا محمد بن منصور، قال: حدثنا إسماعيل بن عمر قال: حدثنا داود بن قيس، عن محمد بن عجلان، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك:" أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو راكب إلى خيبر، والقبلة خلفه ".
قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحداً تابع عمرو بن يحيى على قوله يصلي على حمار وحديث يحيى بن سعيد عن أنس الصواب موقوف والله أعلم
قال النسائي في الكبرى ١/ ٢٦٩ (٨٢٠): أنبأ محمد بن منصور، قال: حدثنا إسماعيل بن عمر قال حدثنا داود بن قيس عن محمد بن عجلان عن يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك أنه رأى النبي ﷺ يصلي على حمار وهو راكب إلى خيبر، والقبلة خلفه ". قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب موقوف ".
أقول: دار الحديث على يحيى بن سعيد الأنصاري، روي عنه مرفوعاً وموقوفاً، إذ رواه عنه موقوفاً:
- الإمام مالك بن أنس: أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٥٧٦ (٤٥٢٣).
-وسفيان بن عيينة: أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٥٧٦ (٤٥٢٤).
ورواه محمد بن عجلان فرفعه: أخرجه النسائي ٢/ ٦، وفي الكبرى١/ ٢٦٩ (٨٢٠)، وقد أعلّ النسائي المرفوع بالموقوف، فلو كان يقبل الزيادة لقبلها من ابن عجلان وهو صدوق كما قال الحافظ ابن حجر، (٢) خاصة وأنه ليس من أحاديثه عن أبي هريرة ﵁.
وللمزيد انظر: السنن الكبرى برقم: (٣٥٩٣ و ٦٠٠٤ و ٦٤٥٢ و ٦٧٥٦ و ٦٨٣٦ و ٧٣٩١ و ٧٣٩٢ و ٧٤٠٩ و ٧٤١١ و ٧٤١٣ و ٧٤١٤ و ٨٩٠٢ و ٩٩٧١)، والصغرى: (١/ ١٩٧ و ٢/ ٦٠ و ٢/ ٢٥١ و ٣/ ٢٠٦ و ٣/ ٢٥٨ و ٤/ ٥٦ و ٤/ ١٣٨ و ٧/ ٦٩ و ٧/ ٩١ و ٨/ ٧٧ و ٨/ ٧٩).
المبحث السابع: عند الحافظ ابن خزيمة:
الحافظ ابن خزيمة إمام جبل حافظ، من الرعيل الأول في حفظ السنن ومعرفة
стр. 344
الطرق، شارك الأئمة الستة في كثير من شيوخهم، وذكر الحاكم النيسابوري أن الإمام البخاري ومسلم قد رويا عنه - خارج الصحيحين- وهذا إن ثبت فهو من رواية الأكابر عن الأصاغر من باب الإكرام، والاعتراف بعلمه وفضله (١).
وينسب بعض طلبة العلم إلى ابن خزيمة أنه يقبل زيادة الثقة مطلقاً اعتماداً على صنيعه في"صحيحه "،ولعلهم فهموا هذا من كلام تلميذه ابن حبان إذ قال:"ولم أرَ على أديم الأرض من كان يحسن صناعة السنن، ويحفظ الصحاح بألفاظها، ويقوم بزيادة كل لفظة تزداد في الخبر، زادها ثقة، حتى كأن السنن كلها نصب عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة فقط (٢) ".
فأقول: إنَّ الإمام ابن حبان هنا لم يعنِ بزيادة الثقة المعنى الذي يعرفه بها المتأخرون، وإنما يتحدث عن موضوع تفرد الثقة بالحديث أصلاً، لذا رده ابن رجب فقال: "وفيما ذكره نظر، وما أظنه سبق إليه، ولو فتح هذا الباب لم يحتج بحديث انفرد به عامة حفاظ المحدثين .. " (٣).
وقال في مواضع كثيرة: " إن صح الخبر " (٤)، وأطلق مصطلح:" في القلب من هذا الحديث، أو في هذا الخبر، أو من هذه اللفظة " (٥).
وهو في الغالب الأعم يصدر أبوابه بهذه العلل.
ونخلص من هذا أن الأحاديث في كتاب المختصر ليست كلها صحيحة، ولا يعني من إيراده للحديث أنه يقول بصحته، بل قد يورد حديثاً لبيان علته، أو لأنه يشهد لحديث الباب، أو لينبه على خطأ لفظه فيه، أو إدراج أو قلب في المتون وهكذا ...
فالأحاديث التي تهمنا هنا أقسام: قسم صرح ابن خزيمة بعلته فهذا ينفعنا في كونه يرد العلل، وقسم صرح بقبولها وهذا مثل الأول في صحة نسبته إلى الإمام ومذهبه، وقسم سكت عنه، وهذا لا يعني قبوله لأن الإمام ابن خزيمة بيّن منهجه في تصحيح الأحاديث إذ قال:
" فكل ما لم أقل إلى آخر هذا الباب: أن هذا صحيح فليس من شرطنا في هذا
стр. 345
الكتاب " (١).
ومن هنا ندرك خطأ من خطّأ ابن خزيمة في إيراده لأحاديث ضعيفة ومعلولة في " صحيحه " - كما يسمونه -، لأن ابن خزيمة لم يكتب كتاباً في الصحيح فقط، وإنما ضمن كتابه بعض الأحاديث المعلولة التي بين علتها.
وإنما يعرف مذهب ابن خزيمة في قبول زيادة الثقة أو ردها من دراسة الأحاديث التي ساقها في صحيحه فقد وجدناه يسير على منهجية أقرانه من المتقدمين فهو يقبلها على شروطهم (٢) ويعلل تفرد الثقة بزيادة متن أو إسناد ينفرد بها عن الجماهير الثقات، في الشيخ نفسه، ويردها.
وسأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك:
١ - قال في (٢٣١٩) و (٢٤١٩):"حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا ابن علية عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح قال: قال أبو سعيد، وذكروا عنده صدقة رمضان فقال:"لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ صاع تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع إقط، فقال له رجل من القوم: أو مدين من قمح؟ فقال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها، ولا أعمل بها.
قال أبو بكر: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ، ولا أدري ممن الوهم ".
أقول: دار الحديث على محمد بن إسحاق رواه عنه جماعة:" عبدة وغيره "دون زيادة- صاع حنطة - كما قاله أبو داود (١٦١٦)، وعدها غير محفوظة.
ورواه إسماعيل بن علية عن ابن إسحاق بالسند نفسه فزادها: أخرجه ابن خزيمة (٢٣١٩) - وعدها غير محفوظة -، وابن حبان ٨/ ٩٨ (٣٣٠٦)، والحاكم ١/ ٥٧٠ وصححها، والدارقطني ٢/ ١٤٥، والبيهقي ٤/ ١٦٥.
ورواه أبو داود (١٦١٧) من طريق مسدد عن ابن علية -دونها -.
وقد توبع ابن إسحاق تابعه يزيد بن الهاد عن عبد الله _ دون الزيادة -: أخرجه
стр. 346
النسائي ٥/ ٥٣.
ورواه ابن عجلان، وداود بن قيس الفراء عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي السرح دون زيادة. (١)
قال الزيلعي:"وأما ما رواه الحاكم فيه أو صاعاً من حنطة، فقد أشار أبو داود إلى هذه الرواية في سننه وضعفها، فقال: وذكر فيه رجل واحد عن ابن علية أو صاع حنطة وليس
بمحفوظ. انتهى، وقال ابن خزيمة فيه: وذكر الحنطة في هذا الخبر غير محفوظ ولا أدري ممن الوهم، وقول الرجل له أو مدين من قمح دال علي أن ذكر الحنطة في أول الخبر خطأ ووهم إذ لو كان صحيحاً لم يكن لقوله أو مدين من قمح معنى ". (٢)
أقول: ابن خزيمة أعل الزيادة، ولو قال بالقبول لما عدل عنها، ولصححها كما فعل ابن حبان والحاكم.
٢ - قال في ٤/ ٣٤٩ (٣٠٥٠):"حدثنا بندار، قال: حدثنا محمد بن المنهال، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:"إذا حج الصبي فهي له حجة حتى يعقل فإذا عقل فعليه حجة أخرى وإذا حج الأعرابي فهي له حجة فإذا هاجر فعليه حجة أخرى "،أخبرني بندار وأبو موسى قالا: ثنا بن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس بمثله، موقوفا، قال أبو بكر: هذا علمي هو الصحيح بلا شك".
قلت: دار الحديث على شعبة رواه عنه - موقوفاً - ابن أبي عدي أخرجه ابن خزيمة ... ٤/ ٣٤٩ (٣٠٥٠)، وعبد الوهاب بن عطاء أخرجه البيهقي ٤/ ٣٢٥.
ورواه محمد بن المنهال-ثقة حافظ-عن يزيد بن زريع-ثقة ثبت-عن شعبة - مرفوعا - أخرجه ابن خزيمة ٤/ ٣٤٩ (٣٠٥٠)، والحاكم ١/ ٦٥٥وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه!!،والبيهقي ٤/ ٣٢٥، و٥/ ١٧٩،وقال:"تفرد برفعه محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن شعبة ورواه غيره عن شعبة موقوفا، وكذلك رواه سفيان الثوري عن الأعمش موقوفا وهو الصواب".
стр. 347
وترجيح ابن خزيمة الموقوف إذ قال:" قال أبو بكر: هذا علمي هو الصحيح بلا شك"، يدلل على أنه لا يقول بالزيادة، وقد ردها وهي من ثقات جبال؟
٣ - وفي ٢/ ١٢٧ (١٠٥١): ردّ زيادة أبي صالح عن الليث لأن الثقات ... رووه دون الزيادة فقال:" حدثنا محمد وحدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي عن صالح قال: قال ابن شهاب وأخبرني هذا الخبر سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: وأخبرنيه أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله، سمعت محمد بن يحيى
يقول: وهذه الأسانيد عندنا محفوظة عن أبي هريرة، إلا حديث أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة فإنه يتخالج في النفس منه أن يكون مرسلا، لرواية مالك وشعيب وصالح بن كيسان، وقد عارضهم معمر، فذكر في الحديث أبا هريرة والله أعلم.
قال أبو بكر: فقوله في خبر محمد بن كثير عن الأوزاعي في آخر الخبر"ولم يسجد سجدتي السهو حين لقنه الناس"إنما هو من كلام الزهري لا من قول أبي هريرة، ألا ترى محمد بن يوسف لم يذكر هذه اللفظة في قصته ولا ذكره بن وهب عن يونس، ولا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن ابن عمرو ولا أحد ممن ذكرت حديثهم خلا أبي صالح عن الليث عن ابن شهاب فإنه سها في الخبر، وأوهم الخطأ في روايته فذكر آخر الكلام الذي هو من قول الزهري مجردا عن أبي هريرة إن رسول الله ﷺ :لم يسجد يوم ذي اليدين ولم يحفظ القصة بتمامها والليث في خبره عن يونس قد ذكر القصة بتمامها ".
أقول: خطأ أبا صالح في زيادته لأن الثقات لم يرووها، فجعل علامة الشذوذ تفرد الراوي عن بقية أقرانه في الحديث الواحد، وهذا ما يسميه المتأخرون: زيادة الثقة، ويلصقونها بابن خزيمة؟
٤ - وفي ٢/ ٢٢٨ (١٢٢٤) قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي ببغداد، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، وحدثني محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب، قال: وهي صلاة الأوابين ".
قال أبو بكر:"لم يتابع هذا الشيخ إسماعيل بن عبد الله على إيصال هذا الخبر، رواه الدراوردي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة-مرسلاً-ورواه حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة قوله".
стр. 348
رد زيادة إسماعيل بن عبد الله في وصل حديث أرسله الثقات وهو صدوق (١).
٥ - رد زيادة سفيان بن عيينة في رفع حديث أوقفه غيره:١/ ٣٣٨ (٦٧٨) قال:"أنبأنا أبو طاهر أخبرنا أبو بكر قال: أخبرنا أبو كريب وعبد الله بن سعيد الأشج، قالا: أنبأنا أبو خالد قال: حدثنا هارون بن إسحاق قال: حدثنا بن فضيل (ح)،وحدثنا سلم بن جنادة قال: انبأنا وكيع عن سفيان كلهم عن يحيى بن سعيد قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر قال: إن من السنة في الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى إذا جلست في الصلاة"،هذا حديث ابن فضيل وقال الآخرون: عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه.
- ثم قال - (٦٧٩):أخبرنا أبو طاهر، قال: أخبرنا أبو بكر، قال: أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال:"من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى، قال: وكان النبي إذا جلس في الصلاة أضجع اليسرى ونصب اليمنى".
قال أبو بكر: هذه الزيادة التي في خبر ابن عيينة لا أحسبها محفوظة أعني قوله:"وكان النبي ﷺ إذا جلس في الصلاة أضجع اليسرى ونصب اليمنى ".
٦ - وفي ٣/ ١٥٧ (١٨١٢) قال:" أخبرنا أبو طاهر، قال: أخبرنا أبو بكر، قال: أخبرنا محمد بن بشار، قال: أخبرنا يحيى- يعني ابن سعيد-،قال: حدثنا ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن عبد الله بن وديعة، عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال:"من اغتسل يوم الجمعة فأحسن الغسل أو تطهر فأحسن الطهور فلبس من خير ثيابه ومس ما كتب الله له طيباً أو دهن أهله ولم يفرق بين اثنين إلا غفر له إلى يوم الجمعة الأخرى"،قال بندار: أحفظه من فيه عن أبيه.
قال أبو بكر:"لا أعلمُ أحداً تابع بنداراً في هذا، والجواد قد يفتر في بعض الأوقات".
قلت: رد زيادة محمد بن بشار (بندار) على جلالة قدره لأنه لم يتابع في الوصل.
٧ - وفي٢/ ٢٠ (٨٢٨) قال:"باب مرور الهر بين يدي المصلي إن صح الخبر
стр. 349
مسنداً، فإن في القلب من رفعه: أنبأنا أبو طاهر، قال: أخبرنا أبو بكر، قال: أخبرنا بندار، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:"الهرة لا تقطع الصلاة إنها من متاع البيت ".
-ثم قال - (٨٢٩):أنبأنا أبو طاهر، قال: أنبأنا أبو بكر، قال: أخبرناه الربيع بن سليمان، قال: حدثنا ابن وهب، عن بن أبي الزناد بهذا الحديث موقوفاً، غير مرفوع.
قال أبو بكر:"ابن وهب أعلم بحديث أهل المدينة من عبيد الله بن عبد المجيد".
قلت: شكك في زيادة عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، وهو صدوق (١)،إذ رفع ما أوقفه غيره.
فلو كان ابن خزيمة يقول بقبول زيادة الثقة فلماذا ردها من هؤلاء الحفاظ الجبال؟ ولماذا أعلّ المتصل بالمرسل؟! والمرفوع بالموقوف؟! وبالتفرد وعدم المتابعة؟!
ولم أقف على مثال ينطبق على مفهوم المتأخرين للزيادة قبل فيه الإمام ابن خزيمة الرفع أو الوقف أو زيادة لفظة، لأنه كغيره من الأئمة المتقدمين يعلّون تفرد الراوي بشيء لا يتابعه الثقات عليه ويعدونه مخالفة (٢)،إلاّ ما كان من المعفو عنه وهو ما كان على سبيل الاقتصاص (٣) أو التقطيع، كما قدمناه (٤).
وللمزيد أنظر مثلاً الأحاديث في صحيحه:"٢/ ١٢٧ (١٠٥١) و٤/ ١٨٠ (٢٦٤٢) و٤/ ٣٢٢ (٢٩٨٤)،و.١/ ٣٥٤ (٧١٤).
стр. 350
الفصل الثاني
التطبيق العملي في كتب العلل
قبل أن أدخل إلى كتب العلل أرى من المهم أن أُبين مفهوم العلة عند المحدثين، فأقول: عرف علماء المصطلح الحديث المعلول تعريفات متعددة منها:
عرفه الحاكم النيسابوري:"وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن الحديث المجروح ساقط واهٍ، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات إن يحدثوا بحديث له علة فيخفى عليهم، فيصير الحديث معلولاً والحجة فيه عندنا: الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير" (١).
وعرفه ابن الصلاح بأنه:"هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة منها " (٢).
وعرفه الحافظ ابن حجر العسقلاني أنّه:"خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح " (٣).
وانتقد برهان الدين البقاعي تعريف شيخه -ابن حجر-فقال:
" ولا حاجة إلى ذكر التفتيش فإنه يفهم من العبارة والتقييد بظهور السلامة يخرج ما علته ظاهرة " (٤).
أقول: مما مر نخلص إلى أن المتأخرين يقيدون المعلول بالقدح والخفاء.
وهذا خلاف صنيع المتقدمين الذين وإن لم يصرحوا لنا بحد الحديث المعلول فإن صنيعهم واضح في كتبهم، وفي الأحاديث التي عللوها، فالعلة عندهم أوسع بكثير مما يحصرها به المتأخرون، فالعلة عندهم تشمل مع ما ذكروه من العلة الخفية العلة الظاهرة فكم من حديث أعله أبو حاتم في علله بسبب جرح رجل أو اختلاطه أو تدليسه؟ وكم من حديث أعله البخاري وابن المديني وابن معين بمثل ذلك!!
стр. 351
وقد أطلق الترمذي مصطلح "العلة " على النسخ أيضاً إذ قال:" جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين: حديث ابن عباس:" أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء، من غير خوف، ولا سفر،
ولا مطر". وحديث النبي ﷺ أنه قال: " إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه". وقد بينا علة الحديثين جميعاً في الكتاب" (١)، وقال عند تخريجه للحديث الثاني (١٤٤٤): "وإنما كان هذا أول الأمر ثم نسخ بعد "، فالترمذي سمى النسخ علة (٢).
فالمتقدمون أطلقوا العلة على كل حديث"لا يصح العمل به "،باختلاف طرق الإعلال، والمتأخرون قسموا العلة إلى أقسام متعددة واصطلحوا عليها بمصطلحات خاصة بهم تقترب حيناً، وتبتعد حيناً آخر عن مفهوم المتقدمين لها بل جعلوا علم العلل نوعاً من أنواع علوم الحديث ومن فنونه منحازاً عن بقية العلوم الأخرى التي في الحقيقة إنما هي نوع واحد عند المتقدمين!
وبعد هذا أقول: إن المتقدمين لسعة حفظهم، وقدرتهم على معرفة طرق كل حديث ومظانه، كانوا حريصين كل الحرص على تنقية السنة النبوية من الأحاديث التي ليست منها، بل وحتى من الأسانيد التي ظاهرها الصحة وتشهد لها أحاديث صحيحة، ولكنها غير معروفة في دواوين الإسلام الأولى فكان علماؤنا يردونها، ويعللونها بعلل مختلفة، فيقولون مثلاً: غير معروف من طريق سفيان عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، وإنما المعروف من طريق شعبة وإسرائيل عن أبي إسحاق به (٣).
وهذا يدلل على سعة علمهم، وحفظهم (٤) ومعرفة طرق كل حديث، فتراهم يصولون ويجولون في غربلة الأحاديث: هذا حديث باطل، هذا حديث منكر، هذا الحديث من رواية فلان صحيح وما عداه فباطل، وهلم جرا.
وتراهم يعلون كثيراً من الأحاديث ورجال أسانيدها ثقات لكنها غير معروفة
стр. 352
فيقولون لك: هذا إسناد مستقيم ورجاله ثقات والحديث غير محفوظ، أي: (المتن).
وتراهم يعلون أحاديث باب بعينه فيقولون مثلاً: ولا يصح في هذا الباب شيء.
ومع كل هذا فإنك إذا أردت أن ترجع إلى سند ومتن هذا الحديث الذي أُعل تجده نظيفاً؟! إذن لماذا أعلوه؟!
الجواب على ذلك: إنهم كانوا مصحفاً في الحفظ والضبط - إلا ما شاء الله- فلا تفوتهم شاردة أو واردة إلا وعرفوها.
ومن ذلك ما نقله الحافظ ابن حجر فقال: سأل مسلم بن الحجاج محمد بن إسماعيل - البخاري - فقال: " حدثك محمد بن سلام قال: حدثنا مخلد بن يزيد، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: حدثني موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:" كفارة المجلس أن يقول إذا قام من مجلسه سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ".؟ فقال محمد بن إسماعيل: وحدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين قالا: حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج، قال: حدثني موسى بن عقبة، عن سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:" كفارة المجلس أن يقول إذا قام من مجلسه سبحانك ربنا وبحمدك ". فقال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا حديثاً غير هذا إلا أنه معلول " (١).!!
هذا الذي دفع بعض العلماء من المتأخرين أن يقولوا:
" إنهم كانوا يعرفون الأحاديث بالفتح الرباني، أو الإلهام، أو ما إلى ذلك " (٢)، لأنهم رأوا عجباً في حفظهم وضبطهم.
لذا كان الأجدر بالمتأخرين أن يكونوا وقّافين عند الأحكام التي أطلقها الجهابذة الأوائل، وذلك لا يعدُ حَجْراً للعلم، ذلك لأن السنة النبوية - المرويات - ليست باباً اجتهادياً حتى أننا نقول: غُلق باب الاجتهاد؟ وإنما هي مرويات معلومة محفوظة - إلا ما شاء الله تعالى -.
وحرص الأئمة المتقدمون على معرفة علل الأحاديث، حتى يقول واحد من أبرزهم، وهو الإمام الجهبذ عبد الرحمن بن مهدي: " لأن أعرف (علة) حديث واحد،
стр. 353
أحب إلي من أن أستفيد عشرة أحاديث " (١).
لذلك كتب كثيرٌ من العلماء الجهابذة مصنفات في العلل، فهذه علل ابن المديني، وعلل ابن معين، وعلل أحمد، والتاريخ الكبير للبخاري، والتمييز لمسلم، والمراسيل لأبي داود، وعلل الترمذي، وعلل النسائي، وعلل ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة، وغيرهم، ناهيك عن تعليلهم المرويات ضمناً في مصنفاتهم، ففي الغالب يضمّن المحدث مصنفه عللاً، ينبه عليها، وهلمَّ جراً.
ولا ُيتصّور أن بإمكان كل أحد إعلال الأحاديث أو الكتابة فيها، فعلل الحديث من أصعب الفنون وأدقها، لأنها تحتاج إلى اطلاع واسع ومعرفة دقيقة وتشبع بهذا العلم الشريف، لا يتهيأ إلاَّ لمن صرف عمره ووقته له.
وقد هيأ الله تعالى لهذا العلم فحولاً أفذاذاً، كشعبة بن الحجاج، وأضرابه، يقول ابن رجب الحنبلي فيه:" هو أول من وسع الكلام في الجرح والتعديل واتصال الأسانيد وانقطاعها، فنقب عن دقائق علم العلل، وأئمة هذا الشأن بعده تبع له في هذا العلم " (٢).
ويقول الإمام أحمد في مدح ابن معين في علم العلل:"ههنا رجل خلقه الله لهذا الشأن " (٣).
ويمتدح الإمام مسلم شيخه البخاري فيقول له مخاطباً:"يا أستاذ الأستاذينَ وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله " (٤).
وقال أبو حاتم الرازي:"كان علي بن المديني علماً في الناس في معرفة الحديث والعلل" (٥).
أقول فإذا أعل هؤلاء الأئمة أو بعضهم حديثاً فلا يحقُ لمن يأتي بعدهم من المتأخرين مزاحمتهم في إعلالهم، لأنهم حفظوا الطرق وعرفوا المخارج، وتشبعوا بهذا العلم، أما المتأخرون فلربما وقعت لهم طرق لم تصح أوهمتهم بتصحيح بعض ما أعله
стр. 354
المتقدمون (١).
وفيما يخص بحثنا وهو لب علم العلل، فإن المتقدمين لهم منهج واضح في قبول الزيادة أو ردها.
ولمعرفة ذلك أو توضيحه أخذنا دراسة أقوالهم ومنهجهم في ذلك في مصنفاتهم وسنذكر بعض الأمثلة.
المبحث الأول: عند الإمام أبي حاتم الرازي:
من خلال استقراء صنيع الإمام أبي حاتم في كتابه العلل (٢) وجدت أن أبا حاتم يقبل الزيادة إذا كانت من ثقة بمفهوم المتقدمين للزيادة (٣)، بل صرح بأكثر من موضع على قبول الزيادة فقال: (والزيادة من الثقة مقبولة) (٤)، وكانت تلك الزيادة هي من باب واحد أمام واحد أو جماعة أمام جماعة، أو جماعة أمام واحد.
ولم أقف له على قبولٍ للزيادة بمفهوم المتأخرين وهي أن يزيد راو واحد ثقة على جماعة من الثقات في نفس الشيخ - سنداً أو متناً - لا تصريحاً ولا صنيعاً.
وسأذكر بعض الأمثلة من كتابه العلل:
١ - رد زيادة شعبة بن الحجاج فقال في١/ ٤٢٨ (١٢٨٨): قال عبد الرحمن: " سألت أبي عن حديث رواه غندر- محمد بن جعفر -، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد عن سلميان بن رزين، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في الذي تكون له المرأة فيطلقها، ثم يتزوجها رجل فطلقها قبل أن يدخل بها فترجع إلى زوجها الأول؟ قال: " لا حتى تذوق العسيلة ". قال أبي: قد زاد عندي في هذا الإسناد رجلا لم يذكره الثوري وليست هذه الزيادة بمحفوظة. قال أبو محمد: حدثنا أحمد بن سنان قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن علقمة، عن رزين الأحمري، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ،وسمعت أبا زرعة وسئل عن هذين الحديثين فقال: الثوري أحفظ، قال أبو محمد: واختلف عن الثوري، فروى ابن مهدي
стр. 355
كما حدثنا أحمد بن سنان وروى الفريابي فيما حدثنا الغزي عنه عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن رزين، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . وأخبرنا أبو محمد قال: حدثنا أبو زرعة، عن ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن علقمة ابن مرثد، عن سليمان وقال وكيع مرة: رزين بن سليمان، عن ابن عمر عن النبي ﷺ ،وروى أبو أحمد الزبيري وحسين بن حفص ومحمد بن كثير، عن الثوري كما رواه الفريابي يقول: عن سليمان بن رزين، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ،وحدثنا الأحمسي، عن وكيع، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ".
أقول: رد أبو حاتم زيادة شعبة ورجح حديث سفيان الثوري المرسل، وكذا فعل أبو زرعة.
٢ - ورد زيادة شعبة أيضاً ٢/ ٢٩٥ (٢٣٩٣): إذ روى عبد الرحمن فقال:" سألت أبي عن حديث رواه احمد بن أبي شعيب الحراني، عن مسكين بن بكير، عن شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن قال: سألت أنساً عن النشرة، فقال: ذكروا عن النبي ﷺ أنها من عمل الشيطان؟ فقال أبي: هذا خطأ إنما هو أبو رجاء، قال سألت الحسن عن النشرة، فقال: ذكروا عن النبي ﷺ فهذا من كلام الحسن وقيله".
أقول: قد خطأ أبو حاتم زيادة شعبة في وصل الحديث، ولم يعده زيادة ثقة؟
٣ - وقد خطأه أيضاً في ٢/ ٣٨٨ (٢٦٧٥)، قال عبد الرحمن: " سألت أبي، عن حديث رواه أبو سعيد الأشج، عن عقبة ابن خالد، عن شعبة، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال أبو بكر: ألست أحق الناس بهذا ألست أول من أسلم، ألست صاحب كذا، ألست صاحب كذا؟ قال أبي: الناس يروون هذا الحديث، عن أبي نضرة، عن أبي بكر مرسلاً، لا يقولون فيه عن أبي سعيد".
أقول: رد زيادة شعبة في وصل الحديث وعلله أن الناس يرسلونه؟
٤ - وفي ٢/ ٤٣٧ (٢٨١٦) قال عبد الرحمن:" سألت أبي عن حديث رواه أبو عبيدة السقطي، عن الأنصاري، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاووس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال:"من وهب هبة ثم عاد فيها فهو كالكلب يعود في قيئه"فسمعت أبي يقول: ليس هكذا يروى إنما يرويه عن طاووس أن النبي ﷺ مرسل ولا أعلم أحداً تابع هذه الرواية من حديث الحسن بن مسلم مرفوع موصل".