← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 36147

الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين

عبد القادر المحمدي

Полный текст (402 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

اتفق أن يكون المتن منكراً يغلب على ظن الناقد بطلانه فقد يحقق وجود الخلل، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة فالظاهر أنها هي السبب، وإن هذا من ذلك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها، وبهذا يتبين أن ما وقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنهم قد صححوا ما لا يحصى من الأحاديث مع وجودها فيها إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يثبت المتعقب أن الخبر غير منكر ". ثم ختم ذلك بنتيجة هي أنّ: "القواعد المقررة في مصطلح الحديث منها ما يذكر فيه خلاف، ولا يحقق الحق فيه تحقيقا واضحاً، وكثيراً ما يختلف الترجيح باختلاف العوارض التي تختلف في الجزئيات كثيرا، وإدراك الحق في ذلك يحتاج إلى ممارسة طويلة لكتب الحديث والرجال والعلل مع حسن الفهم وصلاح النية " (١). ثالثاً: التفرد: يعد التفرد من أهم الموضوعات التي أولاها النقاد اهتمامهم، إذ هو من أهم الوسائل لكشف الأوهام والأخطاء التي قد يقع فيها الرواة. والتفرد: هو ما يقول فيه المحدثون النقاد:" حديث غريب "، أو " تفرد به فلان "، أو " هذا حديث لا يعرف إلاّ من هذا الوجه" أو"لا نعلمه يروى عن فلان إلاّ من حديث فلان" (٢). قال الحافظ ابن منده: " الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريباً فإذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة واشتركوا في حديث سمي عزيزاً فإذا روى الجماعة عنهم حديثاً سمى مشهوراً " (٣). وإطلاق الغريب على ما تفرد به الراوي ولم يشاركه فيه غيره مذهب جمهور المحدثين ومنهم من غاير بينهما ورجح الحافظ ابن حجر ترادفهما لغة واصطلاحاً (٤). والفرد قسمان: فرد مطلق: وهو ما كانت الغرابة في أصل السند أي: في الموضع

стр. 37

الذي يدور الإسناد عليه ويرجع ولو تعددت الطرق إليه وهو طرفه الذي فيه الصحابي" (١). والفرد النسبي: سمي نسبياً لكون التفرد منه حصل بالنسبة إلى شخص معين وإن كان الحديث في نفسه مشهوراً (٢). والتفرد النسبي: كما قسمه علماء المصطلح: إما أنْ يكون تفرد شخص عن شخص، أو تفرد شخص عن أهل بلد، أو تفرد أهل بلد عن شخص، أو تفرد أهل بلد عن أهل بلد، وقد مثل العلماء لكل واحدة فيها (٣). وتعرف الأفراد بجمع الطرق وضم النظير إلى نظيره والشبه إلى شبهه، وحينئذٍ تعرف الأفراد. وهذا ما يسميه علماء المصطلح بالاعتبار وهو: " أنْ يأتي إلى حديث بعض الرواة فيعتبره بروايات غيره من الرواة ويسبر طرق الحديث ليعرف هل شاركه في ذلك الحديث راوٍ غيره فرواه عن شيخه أو لا؟ فإن لم يكن فينظر هل تابع أحد شيخ شيخه فرواه عمن روى عنه؟ وهكذا إلى آخر الإسناد وذلك المتابعة. فإن لم يكن فينظر هل أتى بمعناه حديث آخر وهو الشاهد فإن لم يكن فالحديث فرد فليس الاعتبار قسيماً للمتابع والشاهد بل هو: هيئة التوصل إليهما " (٤). وعقب الحافظ ابن حجر على قول الحافظ ابن الصلاح: " معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد " (٥) بقوله:" قد يوهم أنَّ الاعتبار قسيم لهما وليس كذلك، بل هو هيئة التوصل إليهما " (٦). والذي استقر عليه المتأخرون في مفهوم التفرد وشاع عندهم أنَّ التفرد يقبل إذا كان من ثقة، ويرد إذا كان من ضعيف، وما كان بينهما يتحسن وقد وضحه ابن الصلاح بقوله:" إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان ما انفرد به مخالفاً لما رواه من هو أولى

стр. 38

منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذاً مردوداً، وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد فإن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه كما فيما سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارماً له مزحزحاً له عن حيز الصحيح، ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر " (١). ومن يتتبع صنيع الأئمة المتقدمين في تعليلهم لأحاديث الثقات يرى أنهم يصرحون بذلك فيقولون لك مثلاً: انفرد به مالك ولم يتابع؟ أو أخطأ فيه شعبة إذ رواه موصولاً والجماعة رووه ولم يتابع على وصله، من يتتبع كل ذلك يجد أنَّ الإمام ابن الصلاح ومن نحا نحوه في مفهوم التفرد قد ضيقوا واسعاً، وتحدث عن جزئية من جزئيات التفرد، فمقاييس القبول أو الرد في الأفراد ليست أحوال الرواة كونهم ثقات أو ضعفاء، بل هناك قرائن تدلل علىكون أفراد الثقات تقبل هنا، وترد هناك، وإلا لأصبح قيد انتفاء الشذوذ والنكارة في حد الحديث الصحيح من قبيل اللغو!، والذي حدا بالحافظ ابن الصلاح أن يقول ذلك هو: أنَّ المتأخرين يتعاملون مع الأسانيد مجردة عن المتون - غالباً - إذ فصلوا الأسانيد عن المتون، وأصبح تصحيحهم الحديث يعتمد على صحة السند، وهذا خلاف منهج الأئمة المتقدمين (٢). يقول الحافظ ابن رجب في توضيح هذه المسألة:" وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإنْ لم يرو الثقات خلافه: (إنه لا يتابع عليه) ويجعلون ذلك علة فيه اللهم إلاّ أنْ يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه " (٣).

стр. 39

فالمتقدمون يعلون الأحاديث التي ينفرد بها الراوي ولو كان ثقة، إذا كان هذا الحديث ليس معروفاً عندهم. يقول الإمام أبو داود السجستاني: " والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث إلاّ أنَّ تمييزها لا يقدر عليه كل الناس والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريباً شاذاً " (١). وهكذا ندرك أنَّ الأئمة المتقدمين يكرهون الأفراد ولو كان من ثقة خاصة إذا كانت تلك الأفراد لا يعرفها المعرفون: قال عبد الله بن المبارك:"العلم هو الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا - يعني المشهور -" (٢). وروى الإمام الزهري عن علي بن الحسين القول: " ليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن " (٣). وقال الإمام مالك: "شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس " (٤). ،وقال الإمام أحمد:"لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء " (٥). والتفرد إما أنْ يكون في الطبقات المتقدمة كطبقة الصحابة الكرام أو كبار التابعين وهذا لا يضر لقرب الراوي من مصدر الحديث، وعدم تشعب الطرق إليه من ناحية، ولعدالة وضبط الصحابة الكرام وكبار التابعين لقربهم من أنفاس النبوة من ناحية أخرى، اللهم إلاّ إذا ثبتت مخالفة فيفزع حينئذٍ إلى القرائن. وأما إذا كان التفرد في الطبقات المتأخرة - من بعد التابعي - فإن التفرد هنا يضر وخاصة إذا لم يعرفه المعرفون، ولم يحفظه في مدونات الرواية.

стр. 40

كما مر من قول أبي داود، وكما قال أبو حاتم الرازي: "فأين هو في روايات سفيان " (١)؟ وهذا التفرد الأخير قسمه علماء المصطلح إلى: تفرد مطلق: وهو كما قال الحاكم النيسابوري: " أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من الأئمة، ومثال ذلك: ما حدثناه أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن نافع عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ بعث سرية إلى نجد فبلغت سهمانهم اثنى عشر بعيراً فنفلنا النبي ﷺ بعيراً بعيراً "، قال الحاكم تفرد به سفيان بن عيينة عن الزهري وعنه أحمد بن شيبان الرملي " (٢). وإلى تفرد نسبي: كأن يتفرد به أهل مدينة واحدة عن الصحابي، قال الحاكم: ومثال ذلك ما حدثناه أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارى قال: حدثنا صالح بن محمد بن حبيب الحافظ قال: حدثنا علي بن حكيم قال: حدثنا شريك عن أبي الحسناء عن الحكم بن عتيبة عن حنش قال:" كان علي ﵁ يضحي بكبشين، بكبش عن النبي ﷺ ، وبكبش عن نفسه، وقال: كان أمرني رسول الله ﷺ أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه أبداً ". قال الحاكم: تفرد به أهل الكوفة من أول الإسناد إلى آخره لم يشركهم فيه أحد " (٣). أو أنْ يتفرد بها أهل بلد عن أهل بلد آخر. قال الحاكم:"وهذا نوع يعز وجوده وفهمه، ومثال ذلك: ما حدثناه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي قال: حدثنا موسى بن سهل بن كثير قال: حدثنا إسماعيل بن علية عن خالد الحذاء عن ابن أشوع عن الشعبي عن وراد قال:"كتب معاوية بن أبي سفيان إلى المغيرة اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله ﷺ فكتب إليه:" أنه كان ينهى عن قيل وقال وكثره السؤال وإضاعة المال ". قال الحاكم: سعيد بن عمرو بن أشوع شيخ من ثقات الكوفيين يجمع حديثه ويعز وجوده وليس هذا الحديث عند الكوفيين عنه إنما ينفرد به أبو المنازل خالد بن مهران الحذاء البصري عنه" (٤).

стр. 41

الفصل الأول الحديث المنكر عند أهل المصطلح المبحث الأول: تعريف الحديث المنكر: المنكر: لغة: اسم مفعول، وفعله: أنكره بمعنى جحده أو لم يعرفه وأنه يقابل المعروف (١).، قال ابن فارس: "ونكر الشيء وأنكره لم يقبله قلبه، ولم يعترف به لسانه ... " (٢).وقال الراغب: " المنكر كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقباحه أو استحسانه العقول، فتحكم بقبحه الشريعة ... " (٣). ويطلق المنكر في اللغة على عدة معانٍ منها: الدهاء والفطنة، والصعوبة، والأمر الشديد، وخلاف الاعتراف، والتغيير، والجهل .. " (٤). وفي الاصطلاح: لم أجد تعريفاً صريحاً، أو باباً مستقلاً في كتب المصطلح الأولى ككتاب "المحدث الفاصل " للإمام الرامهرمزي (٣٦٠)، ولا في كتاب "معرفة علوم الحديث "لأبي عبد الله الحاكم (ت٤٠٥) وأما عن الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣) فقد بوّب باباً سماه: "باب ترك الاحتجاج بمن غلب على حديثه الشواذ ورواية المناكير والغرائب من الأحاديث" (٥) ولم يصرح بتعريف مستقل، وإنما اكتفى بإيراد الأحاديث الشاذة المستنكرة، وحتى أنّ أبا حفص الميانشي (ت ٥٨١) لم يفرده بتعريف. وأول من عرفه من علماء المصطلح، وأفرده قسماً من علوم الحديث - بحدود اطلاعي - الحافظ ابن الصلاح ت (٦٤٣) فقال:" المنكر ينقسم قسمين على ما

стр. 42

ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه مثال الأول، وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات: رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله ﷺ قال:"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" (١) فخالف مالك غيره من الثقات في قوله عمر بن عثمان، بضم العين، وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب " التمييز " (٢): أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه: عمرو بن عثمان يعني بفتح العين، وذكر أن مالكاً كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان كأنه علم أنهم يخالفونه، وعمرو وعمر جميعاً ولدا عثمان غير أن هذا الحديث إنما هو عن عمرو بفتح العين وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه والله أعلم. ومثال الثاني، وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يتحمل معه تفرده: ما رويناه من حديث أبي زكريا يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال:"كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه ويقول عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق" (٣). تفرد به أبو زكريا وهو شيخ صالح، أخرج عنه مسلم في كتابه غير أنه لم يبلغ مبلغ من يتحمل تفرده والله أعلم " (٤). وقال النووي ت (٦٧٦): " قال الحافظ البرديجي: هو الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه، وكذا أطلقه كثيرون، والصواب فيه التفصيل الذي تقدم في الشاذ " (٥). وقال ابن دقيق العيد ت (٧٠٢): " وهو كالشاذ، وقيل هو ما انفرد به الراوي وهو قول منقوض بالأفراد الصحيحة " (٦). وقال الذهبي ت (٧٤٨):"المنكر ما تفرد الراوي الضعيف به، وقد يعد مفرد

стр. 43

الصدوق منكراً " (١). وقال ابن جماعة ت (٧٧٣):" هو ما تفرد به من ليس بثقة ولا ضابط فهو المنكر " (٢). وقال ابن كثير الدمشقي ت (٧٧٤):" المنكر: وهو كالشاذ إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلاً ضابطاً وإن لم يخالف فمنكر مردود " (٣). وقال الحافظ العراقي ت (٨٠٦): والمنكر الفرد كذا البرديجي ... أطلق والصواب في التخريج إجراء تفصيل لدى الشذوذ مر ... فهو بمعناه كذا الشيخ ذكر (٤) وقال الحافظ ابن حجر (٨٥٢): " وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيء لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث " (٥). وقال: "إن وقعت المخالفة مع الضعف فالراجح يقال له المعروف ومقابله يقال له المنكر، وعرف بهذا أنّ بين الشاذ والمنكر عموماً وخصوصاً من وجه لأن بينهما اجتماعاً في اشتراط المخالفة وافترافاً في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق والمنكر راويه ضعيف وقد غفل من سوى بينهما" (٦). وقال: " وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشئ لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث، وإن خولف بهذا فصل المنكر من الشاذ وأن كلاً منهما يجمعهما مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة " (٧).

стр. 44

وقال السخاوي ت (٩٠٢) هو: " ما رواه الضعيف مخالفاً " (١). وقال السيوطي ت (٩١١) في ألفيته (٢): المنكر الذي روى غير الثقة مخالفاً في نخبة قد حققه قابله المعروف والذي رأى ترادف المنكر والشاذ نأى. المبحث الثاني: مفهوم الحديث المنكر عند المتأخرين: من خلال التعريفات التي مرت يتضح اختلاف علماء المصطلح، وكذا علماء الحديث الآخرين من غير أهل المصطلح في مفهوم الحديث المنكر على مذاهب عدة يمكن إجمالها بالآتي: المطلب الأول: المنكر: هو الحديث الذي يتفرد به الراوي مطلقاً: أي:"مطلق التفرد": نسب جمهور المتأخرين إلى الحافظ البرديجي ت (٣٠١ هـ) هذا القول مستدلين على ذلك من قوله في معنى المنكر:" أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف متنه من غير روايته لا من الوجه الذي رواه عنه ولا من وجه آخر" (٣). هكذا فهم ابن الصلاح كلام البرديجي هذا، فقال بعد أن نقل النص:"وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث " (٤). وقال الحافظ العراقي: والمنكر الفرد كذا البرديجي ... أطلق والصواب في التخريج (٥) وقال أيضا:"كثيراً ما يطلقون المنكر على الراوي لكونه روى حديثاً واحداً " (٦). وقال السخاوي: في تعريف المنكر عند البرديجي:"وهو الذي لا يعرف متنه من

стр. 45

غير وجه راويه فلا متابع له فيه ولا شاهد" (١). وقال السيوطي: "وَصفَ الذهبي في"الميزان"عدة أحاديث في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما من الكتب المعتمدة بأنها منكرة، بل وفي الصحيحين أيضاً، وما ذاك إلا لمعنى يعرفه الحفاظ وهو أن النكارة ترجع إلى الفردية ولا يلزم من الفردية ضعف متن الحديث فضلاً عن بطلانه" (٢). أقول هذا كلام غير دقيق فليس مراد البرديجي- ﵀ أن مطلق التفرد مردود، بل هو ينهج نهج الأوائل حيث إنّ الحكم على الرجل عندهم يكون على أساس المتون التي يأتي بها فمراده هنا ألا يكون متن الحديث غير معروف من طرق أخرى. وقد نص هو على هذا فقال:"إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من ... أصحاب النبي ﷺ حديثاً لا يصاب إلا الرجل الواحد لم يضره أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفاً ولا يكون منكراً ولا معلولاً " (٣). فتفرد الثقة بحديث -متن- لا يضره إلا إذا كان فيه أمر لا يعرفه من لا يفوتهم معرفته أو جاء بأمر يستنكر وهاك الدليل: قال البرديجي في حديث:"رواه عمرو بن عاصم عن همام عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس أن رجلاً قال للنبي ﷺ :"إني أصبت حداً فأقمه عليَّ " (٤) الحديث: هذا عندي حديث منكر وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم " (٥). وتمام الحديث كما جاء في لفظ البخاري:" إني أصبتُ حداً فأقمه في كتاب الله، قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإنَّ الله قد غفر لك ذنبك أو قال حدّك". ولما كان هذا الحديث عنده معلولاً كان لا بد أن يكون له علة: وقد أعله بأخف رواة السند ضبطاً:"عمرو بن عاصم الكلابي"، فقال: وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم،

стр. 46

وقال أبو حاتم في العلل: " الحديث باطل بهذا الإسناد " (١). إذن فالمنكر عند البرديجي لا يعني مجرد التفرد بل الخطأ الذي يقع في الحديث. ومع أننا نتحفظ على قوله هذا، بل وعلى قول أبي حاتم الرازي ببطلان إسناده، لكون الحديث مخرج بهذا الإسناد في الصحيحين، لكن هذا لا يمنع أن يكون عالم مثل أبي حاتم الرازي يعتقد ببطلان إسناده، ومتابعة البرديجي له والحكم عليه بالنكارة. أما قول الحافظ ابن حجر:" هذا مما ينبغي التيقظ له فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرد التفرد لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده" (٢)، فإني أفهم من كلام الحافظ: أن الأوائل كانوا يطلقون النكارة على ما تفرد به الضعيف المعتبر، ولا يطلقونها على تفرد الثقة أو الصدوق؟! وهذا كلام متعقب بما يلي: إن نسبة هذا إلى أحمد والنسائي وغيرهما نسبة خاطئة فالإمام أحمد والنسائي وابن القطان وغيرهم كانوا يعلون تفرد الثقة وغيره إذا كان متن الحديث فيه مخالفة للأصول أو تقرير حكمٍ تعم به البلوى ولم ينقل إلا من طريق واحد، وقد بيناه فيما سبق، ونذكر بعضا هنا: أعل الإمام أحمد حديث مالك بن أنس لأنه تفرد فيه وخالف متنه المحفوظ عنده، فمثلاً الحديث الذي أخرجه البخاري من طريق مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵁:" أن الذين جمعوا الحج والعمرة طافوا حين قدموا لعمرتهم وطافوا لحجهم حين رجعوا من منى .. " (٣). قال:"لم يقل هذا أحد إلا مالك. وقال: لا أظن مالكاً إلا غلط فيه ولم يجئ به أحد غيره. وقال مرة: لم يروه إلا مالك ومالك ثقة " (٤). قال ابن رجب:"ولعل أحمد إنما استنكره لمخالفته للأحاديث في أن القارن يطوف طوافاً واحداً " (٥).

стр. 47

قلت: وهو الذي أراده الإمام أحمد والله أعلم. وفي هذا أبلغ الرد على الحافظ ابن حجر في قوله الذي مر، وكذا ما رواه إسحاق بن هانئ قال: " قال لي أبو عبد الله-يعني أحمد- قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد الله يعني ابن عمر، أخطأ إلا في حديث واحد لنافع عن أبن عمر أن النبي ﷺ قال: لا تسافر امرأةٌ فوق ثلاثة أيام ... (١) الحديث قال أبو عبد الله: فأنكر يحيى بن سعيد عليه. قال أبو عبد الله: قال لي يحيى بن سعيد: فوجدته قد حدث به العمري الصغير عن ابن عمر مثله قال أبو عبد الله: لم يسمعه إلا من عبيد الله فلما بلغه عن العمري صححه " (٢). قال ابن رجب:"وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر وكلام الإمام أحمد قريب من ذلك" (٣). قلت: فكيف إذن صرح الحافظ ابن حجر في أكثر من موضع: أن المتقدمين يقبلون تفرد الثقة؟ وهو القائل:" المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على الحديث الفرد الذي لا متابع له "، بل وحتى على رأيه هو في كون الصدوق يقبل تفرده-كما مر-فقد ناقض نفسه إذ قال:"فالصدوق إذا تفرد بشيءٍ لا متابع له ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن فهذا أحد قسمي الشاذ ... ". (٤) وهكذا تحصل أن قول من يقول إنّ المتقدمين يطلقون النكارة على مجرد التفرد، هو قول ضعيف والصواب هو ما قدمناه من كونهم يلحظون سلامة الحديث أولاً، وهل هو محفوظ أو لا؟. ويؤيد هذا أنّ الخطيب البغدادي بوّب باباً سماه: "باب ترك الاحتجاج بمن غلب على حديثه الشواذ ورواية المناكير والغرائب من الأحاديث" (٥) فالقول إن المنكر هو:"ما انفرد به الراوي هو قول منقوض بالأفراد الصحيحة" (٦)،

стр. 48

كما صرح بذلك الحافظ ابن الصلاح وغيره من علماء المصطلح (١). وقد حكم الأئمة على أحاديث انفرد بها رواة صدوقون بإنها صحيحة وعلى أحاديث أنفرد بها ثقات بإنها منكرة أو شاذة تبعاً لمتن الحديث أو إسناده، وتبعاً لما يقع فيها من المخالفة. المطلب الثاني: المنكر: التفرد مع المخالفة (مطلقاً) - مرادف للشاذ -: قال ابن الصلاح:"المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه مثال الأول، وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات: رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر ابن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله ﷺ قال:"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" (٢) فخالف مالك غيره من الثقات في قوله: عمر بن عثمان بضم العين وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب التمييز (٣): أن كل من رَواه من أصحاب الزهري قال فيه عمر بن عثمان يعني بفتح العين وذكر أن مالكاً كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان كأنه علم أنهم يخالفونه وعمرو وعمر جميعاً ولدا عثمان غير أن هذا الحديث إنما هو عن عمرو بفتح العين وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه والله أعلم. ومثال الثاني، وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يتحمل معه تفرده: ما رويناه من حديث أبي زكريا يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال:"كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه ويقول عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق " (٤)،تفرد به أبو زكريا وهو شيخ صالح، أخرج عنه مسلم في كتابه غير أنه لم يبلغ مبلغ من يتحمل تفرده والله أعلم" (٥). قلت: فلم يميز ابن الصلاح بين المنكر والشاذ كما هو واضح، وتعقبه الحافظ ابن

стр. 49

حجر في النكت فقال:" ليس بعبارته ما يفصل أحد النوعين عن الآخر، نعم هما مشتركان في كون كل منهما على قسمين وإنما اختلافهما في مراتب الرواة" (١). وقال ابن دقيق العيد:"هو كالشاذ، وقيل هو ما انفرد به الراوي وهو قول منقوض بالأفراد الصحيحة " (٢)،فهو أيضاً يسوي بين المنكر والشاذ. وقال الحافظ العراقي في ألفيته (٣): والمنكر الفرد كذا البرديجي ... أطلق والصواب في التخريج إجراء تفصيل لدى الشذوذ مر ... فهو بمعناه كذا الشيخ ذكر فهو على مذهب ابن الصلاح في اعتبار الشاذ والمنكر واحداً. ويبدو أن الذهبي يسوي بينهما (٤)، لكن السخاوي علل ذلك بقوله: "وأما جمع الذهبي بينهما في حكمه على بعض الأحاديث فيحتمل أن يكون تقدم الفرق بينهما ويحتمل غيره " (٥). وقد مَثَّلَ الحافظ العراقي على ذلك فقال:"ولنذكر مثالاً للمنكر" ثم أورد حديث همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس ﵁:" أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه" (٦)،أخرجه أبو داود وقال عَقبهُ: "هذا حديث منكر وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس:"أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه" (٧)،والوهم فيه من همام ولم يروه إلا همام" (٨)،قال الحافظ العراقي: وهمام ثقة احتج به أهل الصحيح ولكنه خالف الناس (٩)، أي: خالفهم في الإسناد والمتن.

стр. 50

قال الحافظ ابنُ حجر:"وقد نوزع أبو داود في حكمه عليه بالنكارة مع أن رجاله من رجال الصحيح" (١)،ثم قال:"لا يصلح مثالاً للمنكر فلنذكر مثالاً للمنكر غيره" (٢)،وقال السخاوي:"ولم يوفق أبو داود على الحكم عليه بالنكارة ... " (٣)،ولسنا هنا بصدد ذكر تصحيح الحديث أو عدمه، بل الذي يعنينا أن الحديث المنكر عند الكثير من المتقدمين يعني المخالفة مطلقاً سواء كان المخالف ثقة أم غير ثقة، وقد استنكره أبو داود لأن هماماًخالف"في متن الحديث"المحفوظ عن الزهري، إذ المحفوظ ما أخرجه الشيخان من حديث الزهري الذي رواه عنه الجم الغفير من أصحابه عن أنس:" أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه" (٤). وقد خَطّأ بعضُ المتأخرين التسويةَ بينهما، أي: المنكر والشاذ، كالحافظ ابن حجر وغيره فقال:"قد غفل من سوى بينهما" (٥) وقال السيوطي في ألفيته: . . . . . . والذي رأى ... ترادف المنكر والشاذ نأى. (٦) المطلب الثالث: المنكر: تفرد الضعيف: قال ابن الصلاح: و"مثال الثاني: وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده .. " (٧)، وقال ابن جماعة:"هو ما تفرد به من ليس بثقة ولا ضابط فهو المنكر" (٨). وقال ابن كثير:"المنكر: وهو كالشاذ إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلاً ضابطاً وإن لم يخالف فمنكر مردود، وأما إن كان الذي تفرد به عدلاً

стр. 51

ضابطاً حافظاً (١) قبل شرعا، ولا يقال له منكر " (٢). قال العلامة أحمد شاكر تعليقاً عليه: أي "إنّ ما انفرد به الراوي الذي ليس معدلاً ولا ضابطاً فهو منكر مردود مع أنه لم يخالف غيره في روايته لأنه انفرد بها، ومثله لا يقبل تفرده " (٣). قال الحافظ ابن حجر:"وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيءٍ لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث " (٤). قلت: كما أسلفنا القول: إن مفهوم الحديث المنكر عند المتقدمين أوسع مما ينسب إليهم من كونه:"مخالفة الضعيف للثقات "،فهو قد يشمل تفرد الثقة وقد يشمل كما قال بعض علماء المصطلح تفرد المتروك، الذي لا تحل الرواية عنه، وكما بيناه قبل قليل. وقال الإمام مسلم:"علامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم ولم تكد توافقها فإن كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله " (٥). قال النووي عقب كلام الإمام مسلم:"يعني به المنكر المردود فإنهم قد يطلقون المنكر على انفراد الثقة بحديث، وهذا ليس بمنكر مردود إذا كان الثقة ضابطاً متقناً " (٦). وهذا كلام يحتاج إلى دليل فما عرفنا عالماً من المتقدمين يصحح حديثا ثم يطلق عليه لفظ النكارة؟ وإنما أراد الإمام النووي في هذا - والله أعلم - الدفاع عن نظريته في قبول زيادة ثقة مطلقاً، كما سيأتي بيانه. وأما الحافظ ابن حجر فقال عقبه:"فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون فعلى

стр. 52

هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة وهذا هو المختار" (١). أقول:-إن عبارة الإمام مسلم واضحة وهو مذهب المتقدمين، وهو أن المحدث إذا خولف بمن هو أحفظ أو أكثر أو نحو ذلك من مقاييسهم حكم على روايته بالنكارة أو الخطأ أو أي عبارة تدل على ذلك دون النظر إلى مرتبته، فإذا كثرت المناكير في حديثه خرج عن كونه ثقة، وتتناسب زيادة النكارة في الحديث تناسباً طردياً مع درجة ضعفه. فليس كل من جاء بمنكر هو ضعيف، قال ابن القطان: لا يضر الراوي ألا يتابع إلا إذا كثرت منه رواية المناكير ومخالفة الثقات (٢). وقال ابن دقيق العيد:" قولهم: روى المناكير لا يقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي إلى أن يقال فيه: منكر الحديث، لأن منكر الحديث وصف في الرجل يستحق به الترك لحديثه والعبارة الأخرى لا تقتضي الديمومة .. " (٣) وقال الذهبي: " ما كل من روى المناكير يضعف " (٤)، وقال اللكنوي:" لا تظن من قولهم هذا حديث منكر أن راويه غير ثقة، فكثيراً ما يطلقون النكارة على مجرد التفرد، ... .. وكذا لا تظن من قولهم: فلان يروي المناكير، أو حديثه هذا منكر، ونحو ذلك أنه ضعيف " (٥) ومثال هذا القسم: ما أخرجه الترمذي بسنده قال: حدثنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال حدثنا المغيرة بن قرة السدوسي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رجل: يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال:" اعقلها وتوكل" قال عمرو بن علي قال يحيى: وهذا عندي حديث منكر (٦). قال أبو عيسى: وهذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه من حديث أنس بن مالك

стр. 53

إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عمرو بن أمية عن النبي ﷺ نحو هذا (١). قال يحيى القطان:"هو عندي منكر" (٢). وقال ابن رجب الحنبلي:"وحديث أنس قد رواه غير واحد عن المغيرة بن أبي قرة عن أنس وقد تفرد به المغيرة عنه، ولهذا غرّبه الترمذي من حديث أنس فهذا الحديث من الغرائب المنكرة " (٣). وكذا ما أخرجه النسائي في الكبرىقال: أخبرنا محمد بن عمرو بن علي بن عطاء بن مقدم قال: حدثني يحيى بن محمد بن قيس قال سمعت هشام بن عروة يذكر عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ :"كلوا البلح بالتمر فإنَّ ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان وقال عاش أبن آدم حتى أكل الخلق بالحديد" (٣). قال النسائي: منكر (٤). قلت: علة الحديث هو يحيى بن محمد بن قيس البصري ومدار الحديث عليه: وهو ضعيف وقد تفرد هنا، قال العقيلي: لا يتابع عليه وقال الساجي: إنه صدوق يَهمُ، وفي حديثه لين، وقال ابن حبان: إنه يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل من غير تعمد فلا يحتج به (٥). وقال الذهبي: إنه حديث منكر (٦). وقد مثل به للمنكر: ابن الصلاح، وغيره من علماء المصطلح (٧). المطلب الرابع: المنكر: مخالفة الضعيف للثقة أو الثقات: وهذا هو التعريف المعروف بين عامة طلبة الحديث اليوم، وهو المراد إذا أطلقت اللفظة في عرف المتأخرين.

стр. 54

قال الحافظ ابن كثير:"إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود وكذا إن لم يكن عدلاً ضابطاً وإن لم يخالف فمنكر مردود" (١). وقد يفهم كلام ابن كثير أن مخالفة الثقة والضعيف سيان عنده. وقال ابن حجر:"وعرف بهذا أنّ بين الشاذ والمنكر عموماً وخصوصاً من وجه لأن بينهما اجتماعاً في اشتراط المخالفة وافتراقاً في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق والمنكر راويه ضعيف وقد غفل من سوى بينهما" (٢)،ثم قال:"وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيء لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث، وإن خولف بهذا فصل المنكر من الشاذ وإن كلاً منهما يجمعهما مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة" (٣). وقال السخاوي في تعريفه: "ما رواه الضعيف مخالفا " (٤). وقال السيوطي في ألفيته (٥): المنكر الذي روى غير الثقة ... مخالفاً في نخبة قد حققهْ قابله المعروف والذي رأى ترادف المنكر والشاذ نأى قلتُ: فعلى هذا فالحديث المنكر هو:"الذي يرويه الضعيف مخالفاً رواية الثقة "،وقد عدّ بعض المتأخرين هذا التعريف أدق التعاريف (٦)،وعلى هذا فالمنكر عندهم منكرُ سندٍ، ومنكرُ متنٍ، ويمثل علماء المصطلح لهذا النوع من المخالفة بأمثلة كثيرة فمنكر السند مثله الحافظ ابن حجر: بما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن حبيب-وهو أخو حمزة الزيات

стр. 55

المقرئ- عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:"من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج البيت وصام رمضان وقرى الضيف دخل الجنة " (١). قال أبو حاتم:" هو منكر، لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفاً، وهو المعروف .. وقال أبو زرعة: هذا حديث منكر، إنما هو عن ابن عباس موقوف" (٢). ومن أمثلة منكر المتن: أخرج أبو داود بسنده قال: حدثنا جعفر بن مسافر، قال: حدثنا ابن أبي فديك، قال: حدثنا هشام ابن سعد عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ أفطر في رمضان، بهذا الحديث (٣) قال: فأتى بعرقٍ فيه تمر قدر خمسة عشر صاعاً، وقال فيه:" كله أنت وأهل بيتك وصم يوماً واستغفر الله " (٤). قلت: هذا الحديث منكر، تفرد به هشام بن سعد عن الزهري وخالف فيه عامة أصحاب الزهري الكبار الحفاظ فإنه عندهم عنه عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة (٥)، لا عن أبي سلمة، وليست عندهم هذه الزيادة "صم يوماً واستغفر الله ". قال الحافظ ابن حجر:"ذكر أبو عوانة في صحيحه حديث هشام بن سعد هذا وقال: غلط هشام بن سعد (٦)، وأورده ابن أبي عدي في ترجمة هشام بن سعد، وعدّه من مناكيره (٧)، وقال أبو يعلى الخليلي:" وهذا أنكره الحفاظ قاطبة من حديث الزهري عن أبي سلمة لان أصحاب الزهري كلهم اتفقوا عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخي أبي سلمة وليس هو من حديث أبي سلمة " (٨)

стр. 56

المبحث الثالث: مفهوم الحديث المنكر عند المتقدمين المطلب الأول: مذهب الإمام يحيى بن معين (٢٣٣): قال الدوري: " سمعت يحيى وسألته عن حديث حكيم بن جبير حديث بن مسعود: " لا تحل الصدقة لمن كان عنده خمسون درهماً "، يرويه أحد غير حكيم؟ فقال يحيى بن معين: نعم يرويه يحيى بن آدم عن سفيان عن زبيد، ولا نعلم أحداً يرويه إلا يحيى بن آدم وهذا وهم لو كان هذا هكذا لحدث به الناس جميعا عن سفيان ولكنه حديث منكر " (١). وقد وثق يحيى بن آدم الكوفي: الأئمة ومنهم ابن معين نفسه (٢).وقال الحافظ ابن حجر: " ثقة حافظ فاضل " (٣). ومنه: ما نقله ابن عدي عن ابن أبي مريم أنه قال:" سمعت يحيى بن معين يقول: عبد الرزاق ثقة لا بأس به، قال يحيى: في حديث عبد الرزاق: " أن النبي ﷺ رأى على عمر قميصاً " قال: هو حديث منكر، ليس يرويه أحد غير عبد الرزاق، قيل له: إن عبد الرزاق كان يحدث بأحاديث عبيد الله عن عبد الله بن عمر ثم حدث بها عن عبيد الله بن عمر فقال يحيى لم يزل عبد الرزاق يحدث بها عن عبيد الله ولكنها كانت منكرة " (٤). وأطلقه على مخالفة الضعيف، ومنه: قال أبو داود: "حدثنا النفيلي، قال: حدثنا علي بن ثابت، قال: حدثني عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ : " أنه أمر بالأثمد المروح عند النوم وقال ليتقه الصائم ". قال أبو داود: قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر، يعنى حديث الكحل " (٥). قلت: عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة: ضعّفه ابن معين نفسه (٦).

стр. 57

المطلب الثاني: مذهب الإمام علي بن المديني (٢٣٤): قال في حديث " ثابت عن النبي ﷺ :" يسأل أحدكم ربه تعالى حتى يسأله شسع نعله والملح ": وفي أحاديث معمر عن ثابت أحاديث غرائب، ومنكرة، جعل ثابت عن أنس أن النبي ﷺ كان كذا شيء ذكره، وإنما هذا حديث أبان بن أبي عياش عن أنس وعن ثابت في قصة حبيب قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر لم يروه عن ثابت غيره " (١). فأطلق ابن المديني لفظة "منكر" على مخالفة الثقة. وأطلقه على حديث فيه ضعيف: فقال في علله: " عن عمران قال سمعت النبي ﷺ يقول من قرأ القرآن فسأل به ":حديث أوله كوفي وآخره بصري رواه الأعمش عن خيثمة بن أبي خيثمة ورواه منصور عن خيثمة، هذا أصله بصري، وإنما يروي عنه أهل الكوفة وإسناده ضعيف وهو حديث منكر وإنما أوتي من طريق خيثمة عن الحسن " (٢). وقال في عبد الرحمن بن زياد:" كان أصحابنا يضعفونه، أنكر أصحابنا أحاديث كان يحدث بها لا تعرف " (٣). وأطلقه على مخالفة الضعيف، ومن ذلك: " حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ :" إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه " فقال رواه نعمان بن راشد عن ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة ورواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه، ورواه ابن عيينة وصالح بن كيسان عن الزهري عن أبي بكر بن عبيد الله عن ابن عمر، ورواه عبد الرحمن بن إسحاق كما رواه ابن عيينة، ورواه جويرية عن مالك عن الزهري عن أبي بكر بن عبيد الله عن ابن عمر فما رواه معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبيد الله مرسل. وحديث النعمان "منكر" لم يتابعه عليه أحد، وحديث مالك كحديث جويرية قديم وكان يسنده " (٤).

стр. 58

فـ (نعمان بن راشد الجزري): ضعيف (١)، وخالف الثقات فرواه من حديث الزهري عن أبي هريرة ﵁. وأطلقها على حديث تفرد به مجهول، فقال: " في حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قطع رجلاً من الأنصار فهذا حديث رواه يحيى بن عبد الله الجابري وهو معروف عن رجل يكنى ابا ماجد الحنفي، ولا نعلم أحدا روى عن أبي ماجد هذا إلا يحيى الجابري فسمعت سفيان بن عيينة قال قلت ليحيى الجابري وامتحنته: من أبو ماجد هذا؟ فقال شيخ طرأ علينا من البصرة. وقد روى أبو ماجد غير حديث منكر " (٢). المطلب الثالث: مذهب الإمام أحمد بن حنبل: أطلق الإمام أحمد لفظة منكر على حديث الثقة، ومن أمثلة ذلك: قال العقيلي عند ترجمة الحسن بن سوار البغوي:" حدثنا أحمد بن داود السجزي قال: حدثنا الحسن بن سوار البغوي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن ضمضم بن جوس، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال:" رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت على ناقة لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك ". ولا يتابع الحسن بن سوار على هذا الحديث، وقد حدث أحمد بن منيع وغيره عن الحسن بن سوار هذا عن الليث بن سعد وغيره أحاديث مستقيمة، وأما هذا الحديث فهو منكر، وحدثني محمد بن موسى النهرتيري قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال: حدثنا الحسن بن سوار بهذا الحديث فذكر مثل ما حدثنا أحمد بن داود، قال أبو إسماعيل: ألقيت على أبي عبد الله أحمد ابن حنبل: فقال أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر " (٣). قلت: أطلق الإمام أحمد على حديث راوٍ ثقة: منكر. ومنه: قال عبد الله: " سمعت أبي يقول: حدثنا بحديث الشفعة، حديث عبد الملك عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ وقال: هذا حديث منكر " (٤).

стр. 59

وقال في موضع آخر عن الحديث ذاته: " ذكر أبي حديث وكيع عن شعبة عن عبد الملك ابن أبي سليمان عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ في الشفعة قال ليس هو في كتاب غندر! " (١). قلت: أعل الإمام أحمد هذا الحديث باحتمال وهم وكيع في هذا الحديث - وهو ثقة جبل - لأنه لم يجده عند من هو أوثق منه في شعبة، وهو محمد بن جعفر " غندر " (٢). وسئل عن: " حديث معمر عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ نهى عن الشغار؟ فقال: هذا حديث منكر من حديث ثابت " (٣). قلت: أطلقه على تفرد معمر وهو ثقة عنده (٤)،ولا يعني مجرد التفرد، وإنما التفرد مع الوهم، إذ ليس محفوظاً من حديث ثابت، وأصرح منه ما جاء: قال عبد الله:"حدثت أبي بحديث حدثناه عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن ثور بن يزيد عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ تسليم الرجل بإصبع واحدة يشير بها فعل اليهود فقال أبي هذا حديث منكر أنكره جدا. وحدثت أبي بحديث حدثناه عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن محمد بن سالم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي ﷺ فيما سقت السماء العشر وما سقي بالغرب والدالية فنصف العشر "، قال أبي: هذا حديث أراه موضوعا أنكره من حديث محمد بن سالم.

стр. 60

وعرضت على أبي حديثاً حدثناه عثمان عن جرير، عن شيبة بن نعامة عن فاطمة بنت حسين، عن فاطمة الكبرى عن النبي ﷺ في العصبة وحديث جرير عن الثوري عن ابن عقيل عن جابر أنّ النبي ﷺ شهد عيداً للمشركين، فأنكرهما جدا وعدة أحاديث من هذا النحو فأنكرها جدا وقال: هذه أحاديث موضوعة أو كأنها موضوعة وقال: ما كان أخوه يعني عبد الله بن أبي شيبة تطنّف نفسه لشيء من هذه الأحاديث ثم قال: نسأل الله السلامة في الدين والدنيا وقال: نراه يتوهم هذه الأحاديث نسأل الله السلامة اللهم سلّم سلّم " (١). قلت: أستنكر أحاديث عثمان بن أبي شيبة وعدها موضوعة وهو ثقة عنده، فقال فيه: ما علمت إلا خيراً، وأثنى عليه (٢)، وقد أخرج الشيخان حديثه. ومنه: قال عبد الله:" قلت له: فتعرف عن الوليد عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : " متى كنت نبيا ".؟ قال: هذا منكر، هذا من خطأ الأوزاعي، هو كثيراً ما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير، كان يقول: عن أبي المهاجر وإنما هو أبو المهلب " (٣). وأطلقه على تفرد الصدوق: قال في رحيل بن معاوية أخي زهير:" قال هو رجل قديم روى عنه زهير وليس لي بحديث حديج علم. فقيل له: إنه حدث عن أبي إسحاق عن البراء: أن النبي ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره؟ فقال: هذا منكر " (٤). ورحيل: صدوق (٥). وأطلقه على ما تفرد به الضعيف، ومنه: قال عبد الله: " وسئل عن خارجة بن مصعب فضعفه وقال: ما روى عنه ابن المبارك شيئاً في كتبه، فقال له ابن أبي رزمة: بلى حديث واحد؟ وقال: قد قالوا لابن

стр. 61

المبارك فيه، فقال: كيف أحدث عن رجل حدث بكذا! لحديث منكر " (١). وقد أطلقه على ما تفرد به المجهول عنده، ومنه: قال عبد الله: " وألقيت على أبي عبد الله حديثاً رواه الفضل بن موسى عن أبراهيم بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، قال: عارض رسول الله ﷺ جنازة أبي طالب، فقال: هذا منكر، هذا رجل مجهول " (٢). ومن هنا يتبين أن الإمام أحمد أطلق النكارة على ما أخطأ فيه الراوي سواء أكان ثقة، أم صدوقاً أم ضعيفاً أم مجهولاً. المطلب الرابع: مذهب الإمامين أبي حاتم وأبي زرعة الرازيين: أطلقاه على تفرد الثقة بما لم يتابع، ومنه: قال عبد الرحمن:" سألت أبي عن حديث رواه عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس:" أن النبي ﷺ أخذ على النساء حين بايعهن أن لا َينُحنَ فقلن: إن نساءً أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال النبي ﷺ :لا إسعاد في الإسلام ولا شعار في الإسلام ولا عقر في الإسلام ولا جلب ولا جنب ومن انتهب فليس منا ". قال أبي: هذا حديث منكر جداً " (٣). قلت: تفرد به معمر بن راشد عن عبد الرزاق، ولم يقبله منه، وعده من مناكيره. ومنه أيضا: قال عبد الرحمن:" سألت أبي عن حديث رواه محمد بن حرب الأبرش عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :" ليس من البر الصيام في السفر ". قال أبي هذا حديث منكر " (٤). قلت: ومحمد بن حرب ثقة (٥). ومنه أيضا: قال عبد الرحمن: " سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه يوسف بن عدي عن غنام عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة:" أن النبي ﷺ كان إذا تعار من الليل قال لا اله إلا الله الواحد القهار رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار".

стр. 62

قالا: هذا خطأ، إنما هو هشام بن عروة عن أبيه: أنه كان يقول هذا. رواه جرير هكذا وقال أبو زرعة: حدثنا يوسف بن عدي هذا الحديث وهو منكر " (١). قلت: يوسف بن عدي هو ابن زريق الكوفي: ثقة (٢).، وهنا رد أبو حاتم وأبو زرعة زيادة رفع زادها ثقة وهو ما يسميه المتأخرون: زيادة ثقة. وأطلقاه على مخالفة الثقة، ومنه: قال: " سألت أبي عن حديث رواه أبو أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ في قصة ذي اليدين؟ قال أبي: هذا حديث منكر، أخاف أن يكون أخطأ فيه أبو أسامة ". قلت: أبو أسامة: هو حماد بن أسامة: ثقة (٣).فأطلق أبو حاتم مصطلح منكر على مخالفة الثقة، أو ما أخطأ فيه. ومنه أيضا: قال: " حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى النيسابوري عن مسدد عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس أن النبي ... ﷺ صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد وذلك عند أبي زرعة بعد رجوعه من الحج "؟. فقال أبو زرعة - الرازي -: هذا خطأ، ليس هذا هكذا حديثاً! حدثنا مسدد عن المعتمر عن حميد عن أنس عن النبي ﷺ ليس فيه سليمان التيمي، فقال: يحيى؟ اضربوا عليه، قال أبو محمد: ثم ذكرته لأبي فقال: حدثنا ابن أبي شيبة وغيره عن معتمر عن حميد عن أنس عن النبي ﷺ . ولو كان على التيمي لكان منكراً " (٤). قلت: ردا ما رواه يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري، وهو: ثقة حافظ (٥)،لما خالف غيره، إذ رووه عن معتمر عن حميد عن أنس، وخالفهم هو فرواه عن مسدد عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن انس. وعداه منكرا. وأطلقاه على تفرد الضعيف، ومنه: قال أبو محمد: " قرأ علينا أبو زرعة كتاب الأطعمة ... .، وانتهى أبو زرعة إلى حديث آخر عن إسماعيل بن أبان عن كثير بن سليم

стр. 63

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " من أحب أن يكثر بركة بيته فليتوضأ إذا حضر غداه وإذا رفع ". قال أبو زرعة: هذا حديث منكر وامتنع من قراءته فلم يسمع منه " (١). قلت: قال ابن عدي بعد أن ساق الرواية: " وعامة ما يروى عن كثير بن سليم عن أنس هو هذا الذي ذكرت ولم يبق له إلا الشيء اليسير وهذه الروايات عن أنس عامتها غير محفوظة " (٢).فبين أن العلة في تفرد كثير بن سليم الضبي، وهو ضعيف (٣). وأطلقاه على مخالفة الضعيف، ومنه: قال: " سألت أبي عن حديث رواه الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر". قال أبي: هذا حديث منكر والحارث ضعيف الحديث " (٤). قلت: أنكر أبو حاتم هذا الحديث لمخالفة الحارث بن وجيه وهو ضعيف (٥)، كما نص عليه، فوصل ما أرسله غيره، ولا يصح مسنداً (٦). وأطلقاه على تفرد المجاهيل ومنه: قال:"سألت أبي عن حديث: حدثنا أبو سعيد الأشج عن المغيرة بن جميل بن أثير الكندي عن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ :" الولاء ليس بمتحول ولا منتقل ". قال أبي: هذا حديث منكر، ومغيرة مجهول" (٧). ومنه: قال: " سألت أبي عن حديث رواه خالد بن خداش عن أبي عون بن أبي ركبة وقال خالد مرة: عون بن أبي ركبة عن غيلان بن جرير عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ :" السلطان ظل الله في الأرض ". قال أبي: هذا حديث منكر وابن أبي ركبة

стр. 64

مجهول " (١). وأطلقاه على تفرد المتروكين، ومنه: قال: " سألت أبي عن حديث رواه عبد الرحيم بن زيد العمى عن أبيه وسعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ :"قال من أدركه شهر رمضان بمكة فصامه وقام منه ما تيسر كتب الله له صيام مائة ألف شهر رمضان في غير مكة، وكان له كل يوم حملا فرس في سبيل الله، وكل ليلة حملا فرس في سبيل الله، وكل يوم له حسنة وكل ليلة له حسنة وكل يوم له عتق رقبة، وكل ليلة له عتق رقبة "، قال أبي: هذا حديث منكر، وعبد الرحيم بن زيد متروك الحديث " (٢). المطلب الخامس: مذهب الإمام البخاري: أطلق البخاري مصطلح منكر على أحاديث تفرد بها ثقة. ومثاله: قال الترمذي في حديث: "حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا الأحوص بن جواب، عن سعير بن الخمس، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء. سألت محمداً عن هذا الحديث؟ فقال: هذا منكر وسعير بن الخمس كان قليل الحديث ويروون عنه مناكير " (٣). قلت: سعير بن الخمس التميمي:" ثقة "، وإن قال الحافظ ابن حجر:"صدوق " (٤)،فقد وثقه ابن معين، والترمذي، ويعقوب بن سفيان، والدارقطني (٥)،ولعل ابن حجر أنزله عن مرتبة الصحة لهذه المناكير. وأطلقه على تفرد الصدوق: قال الترمذي: " حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا ابن مهدي حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن الحارث عن سليمان بن موسى عن مكحول عن أبي سلام عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ كان ينفل في البدأة الربع وفي القفول الثلث. سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: لا يصح هذا الحديث، إنما روى

стр. 65

هذا الحديث داود بن عمرو عن أبي سلام عن النبي ﷺ مرسلاً، قال محمد: وسليمان بن موسى: منكر الحديث، أنا لا أروي عنه شيئا روى سليمان بن موسى أحاديث عامتها مناكير" (١). قلت: سليمان بن موسى، هو: الأشدق، قال الحافظ ابن حجر: " صدوق، فقيه، في حديثه بعض اللين، وخولط قبل موته بقليل " (٢)،فأعل الإمام البخاري هذا الحديث بالمخالفة، فالمحفوظ عنده ما رواه داود بن عمرو الأودي - وهو صدوق (٣) - مرسلاً، فالمرسل عنده أصح. وأطلقها على تفرد الضعيف، ومن ذلك: قال: " أبو حمزة المدني عن عروة روى عنه العقدي وطلحة بن يحيى الزرقي منكر الحديث، يروى عن عروة عن عائشة مرفوعاً: الغسل يوم الجمعة واجب. والمعروف عن عروة عن عمرة عن عائشة: كان الناس عمال أنفسهم فقيل لهم لو اغتسلتم " (٤). قلت: أبو حمزة المدني هو: عبد الواحد بن ميمون العقدي: ضعفه الدارقطني وغيره (٥)، فأعل البخاري بالمخالفة سنداً ومتناً كما هو ظاهر من النص. ومنه أيضا: قال الترمذي: " قال محمد: أهل الكوفة يروون عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أحاديث مناكير وإنما أرادوا عندي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو منكر الحديث، وهو بأحاديثه أشبه منه بأحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر " (٦). وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم: ضعيف (٧).

стр. 66

وقد أطلقه أيضا على أحاديث المتروكين والكذابين ومنه: قال الترمذي: " سالت محمداً فقال كوثر بن حكيم له مناكير كان أحمد يرميه بالكذب " (١). ومنه أيضا، قال الترمذي:" حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا سعيد بن محمد الوراق وأبو يحيى الحماني قالا: أخبرنا صالح بن حسان عن عروة عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : " إن أردت اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب وإياك ومجالسة الأغنياء ولا تستخلقي ثوباً حتى ترقعيه ". سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: صالح بن حسان منكر الحديث، وصالح بن أبي حسان الذي يروي عنه ابن أبي ذئب ثقة " (٢). قلت: وصالح هذا متروك (٣). إذن فالإمام البخاري يطلق المنكر على تفرد من لا يحتمل تفرده، أو فيما لا يحتمل تفرده من الأحاديث. أما زعم أنه يطلقه على ما تفرد به الضعيف، أو المتروك فقط، فلا يصح كما رأيت، فهو على منهجية أقرانه من المتقدمين. المطلب السادس: مذهب الإمام مسلم: قال في التمييز:" ذكر خبر واه يدفعه الأخبار الصحاح، قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة: أنبأنا سلمة بن وردان عن أنس: أن النبي ﷺ رأى رجلاً من أصحابه فقال: يا فلان هل تزوجت؟ قال: لا. وساقه، قال مسلم: هذا الخبر الذي ذكرناه عن سلمة عن أنس أنه خبر يخالف الخبر الثابت المشهور، فنقل عوام أهل العدالة ذلك عن رسول الله ﷺ وهو الشائع من قوله: "قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن". فقال ابن وردان في روايته:" إنها ربع القرآن ". ثم ذكر في خبره من القرآن خمس سور، يقول في كل واحد منها ربع القرآن، وهو مستنكر غير مفهوم صحة معناه. ولو أن هذا الكتاب قصدنا فيه الإخبار عن سنن الأخيار بما يصح وبما يستقيم لما استجزنا ذكر هذا الخبر عن سلمة بلفظه باللسان عن رسول الله ﷺ فضلاً عن روايته، وكذلك ما أخرجه من الأخبار المنكرة، ولكننا سوغنا روايته لعزمنا على اخبارنا فيه من العلة التي وصفنا" (٤).

стр. 67

قلت: استنكر الإمام مسلم تفرد سلمة بن وردان، وهو ضعيف الحديث (١)، قال أبو حاتم: ليس بالقوي، عامة ما عنده عن أنس منكر، وقال الإمام أحمد: منكر الحديث (٢). واستنكر تفرد " صدوق "، فقال: " ذكر خبر ليس بمحفوظ المتن: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة: ... " أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين. " - ثم ساق الإمام مسلم الروايات الصحيحة عن المغيرة، بما يبين خطأ أبي قيس -، ثم قال: " قد بينا من ذكر أسانيد المغيرة في المسح بخلاف ما روى أبو قيس عن هزيل عن المغيرة ما قد اقتصصناه وهم من التابعين وأجلتهم مثل مسروق وذكر من قد تقدم ذكرهم، فكل هؤلاء قد اتفقوا على خلاف رواية أبي قيس عن هزيل ومن خالف خلاف بعض هؤلاء بين لأهل الفهم من الحفظ في نقل هذا الخبر، وتحمل ذلك والحمل فيه على أبي قيس أشبه وبه أولى منه بهزيل لان أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخباراً غير هذا الخبر " (٣). قلت: وأبو قيس: هو عبد الرحمن بن ثروان الأودي، قال الحافظ ابن حجر:"صدوق ربما خالف " (٤)، وتعقب بأنه أطلق توثيقه يحيى بن معين، والعجلي، وابن نمير، وقال النسائي: لا بأس به، فهو صدوق حسن الحديث (٥). المطلب السابع: مذهب الإمام أبي داود: أطلق الإمام أبو داود مصطلح "منكر " على تفرد الراوي بما لا يتابع عليه، وكان هذا الفرد مما لا يحفظه أئمة الحديث. فقد أطلقه على تفرد الثقة، ومنه ما رواه في السنن فقال:" حدثنا نصر بن علي عن أبي علي الحنفي عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال:" كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه". قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج

стр. 68

عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: " أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه ". والوهم فيه من همام ولم يروه إلا همام " (١). قلت: وهمام ثقة معروف، لكنه انفرد بمتن غير محفوظ عند الأئمة فاستنكروه (٢). وأطلقه على تفرد صدوق، ومنه: قال: " حدثنا يحيى بن معين وهناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب وهذا لفظ حديث يحيى عن أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس:" أن رسول الله ﷺ كان يسجد وينام وينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، قال: فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعا ". زاد عثمان وهناد: " فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله ". قال أبو داود: قوله: الوضوء على من نام مضطجعاً، هو حديث منكر لم يروه إلا يزيد، أبو خالد الدالاني عن قتادة، وروى أوله جماعة عن ابن عباس، ولم يذكروا شيئاً من هذا، وقال: كان النبي ﷺ محفوظا، وقالت عائشة ﵂: قال النبي ﷺ :" تنام عيناي ولا ينام قلبي ". وقال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث حديث يونس بن متى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس: حدثني رجال مرضيون منهم عمر، وأرضاهم عندي عمر. قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فانتهرني استعظاماً له، وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؟ ولم يعبأ بالحديث " (٣). قلت: وأبو خالد الدالاني: قال الحافظ: " صدوق، يخطئ كثيراً، وكان يدلس " (٤). وأطلقه على تفرد الضعيف، ومنه: قال: " حدثنا نصر بن علي، قال: حدثني الحارث بن وجيه، قال: حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :" إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر ". قال أبو داود:

стр. 69

الحارث بن وجيه حديثه منكر وهو ضعيف " (١). قلت: الحارث بن وجيه، هو الراسبي: ضعيف (٢). وقد استنكر أبو داود أحاديث كثراً لا لعلة يراها في السند، إلا لكون متنه غير محفوظ، أو يخالف المحفوظ، أو تفرد به ثقة فوصل المرسل، أو رفع الموقوف، ومن ذلك: قال: " حدثنا عثمان بن أبي شيبة أن محمد بن جعفر حدثهم عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال:" هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده هدي فليحل الحل كله وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". قال أبو داود: هذا منكر إنما هو قول ابن عباس " (٣). قلت: عثمان بن أبي شيبة: ثقة حافظ (٤)، وهو كأي حافظ يخطئ في بعض الأحاديث وكذا استنكر عليه الإمام أحمد بعض أحاديثه (٥)، مع أنه وثقه هو نفسه (٦). ومنه: قال " حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة وعثمان بن أبي شيبة المعنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن الحكم عن عمارة بن عمير عن أمه عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال:" ولد الرجل من كسبه من أطيب كسبه فكلوا من أموالهم ". قال أبو داود: حماد بن أبي سليمان زاد فيه: إذا احتجتم وهو منكر " (٧). قلت: قال ابن حجر في حماد بن أبي سليمان:"فقيه صدوق له أوهام " (٨)، وقال الإمام الذهبي: " ثقة إمام مجتهد " (٩)، وجاء في تحرير التقريب: " فقيه صدوق حسن الحديث، وإنما أنزل إلى هذه المرتبة بسبب أوهام كانت تقع له، وثقه يحيى بن معين

стр. 70

والنسائي والعجلي، وفضله يحيى بن سعيد على مغيرة بن مقسم - وهو ثقة - .. ،قال أبو حاتم: صدوق لا يحتج به، وهو مستقيم في الفقه ... " (١). وأطلقه على تفرد المتروك، ومنه: قال:"حدثنا سلمة بن شبيب، قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم، قال: حدثني إسحاق بن محمد الأنصاري، عن ربيح بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس أحتبي بيده ". قال أبو داود: عبد الله بن إبراهيم شيخ منكر الحديث " (٢). قلت: عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري: متروك الحديث (٣). وأطلقه على حديث منقطع الإسناد ومنه: قال: " حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال:" نهى رسول الله ﷺ عن مطعمين عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر وأن يأكل الرجل وهو منبطح على بطنه ". قال أبو داود: هذا الحديث لم يسمعه جعفر من الزهري وهو منكر " (٤). وهكذا نجد الإمام أبا داود قد توسع في مصطلح " منكر " ليشمل أنواع المخالفات من الثقات وغيرهم، وأحاديث الضعفاء، والمتروكين، وغيرهم. المطلب الثامن: مذهب الإمام الترمذي: إنّ الأحاديث التي ذكرناها في مذهب الإمام البخاري قد تنطبق هنا تماماً، مضافاً إليها هذه الأمثلة مما ذكره في الجامع: فمنها: قال " حدثنا بشر بن معاذ العقدي البصري، قال: حدثنا أيوب بن واقد الكوفي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ :" من نزل على قوم فلا يصومن تطوعاً إلا بإذنهم ". قال أبو عيسى: هذا حديث منكر، لا نعرف أحداً من الثقات روى هذا الحديث عن هشام بن عروة وقد روى موسى بن داود عن أبي بكر

стр. 71

المدني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ نحواً من هذا. قال أبو عيسى: وهذا حديث ضعيف أيضاً وأبو بكر ضعيف عند أهل الحديث، وأبو بكر المدني الذي روى عن جابر بن عبد الله اسمه الفضل بن مبشر وهو أوثق من هذا وأقدم " (١).قلت: أطلقه على تفرد المتروك، فأيوب بن واقد الكوفي: متروك الحديث (٢). ومنه أيضا، قال:"حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا زيد بن حباب، قال حدثنا إبراهيم بن عثمان عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي ﷺ : " قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب ". قال: وفي الباب عن أم شريك، قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث ليس إسناده بذلك القوي إبراهيم بن عثمان هو أبو شيبة الواسطي منكر الحديث والصحيح عن ابن عباس قوله:" من السنة القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب " (٣). قلت: إبراهيم بن عثمان " متروك " (٤). وأطلقه على تفرد الضعيف، ومنه: قال:" حدثنا حميد بن مسعدة قال: حدثنا محمد بن حمران عن أبي سعيد وهو عبد الله بن بسر قال: سمعت أبا كبشة الأنماري يقول:" كانت كمام أصحاب رسول الله ﷺ بطحاً ". قال أبو عيسى: هذا حديث منكر وعبد الله بن بسر بصري هو ضعيف عند أهل الحديث ضعفه يحيى بن سعيد وغيره، وبطح يعني واسعة " (٥). وأطلقه على مخالفة الضعيف، ومنه: قال:" حدثنا محمد بن عمرو السواق، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن صالح بن محمد بن زائدة عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " من وجدتموه غل في سبيل الله فاحرقوا متاعه ".قال صالح: فدخلت على مسلمة ومعه سالم بن عبد الله فوجد رجلاً قد غل فحدث سالم بهذا الحديث، فأمر به فأحرق متاعه، فوجد في متاعه مصحف فقال سالم: بع هذا وتصدق بثمنه. قال أبو عيسى: هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، قال: وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة وهو أبو

стр. 72

واقد الليثي وهو منكر الحديث، قال محمد: وقد روي في غير حديث عن النبي ﷺ في الغال فلم يأمر فيه بحرق متاعه، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب " (١). قلت: صالح بن محمد بن زائدة: ضعيف (٢). المطلب التاسع: مذهب الإمام أبي بكر البرديجي: قال: " إنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف متنه من غير روايته لا من الوجه الذي رواه عنه ولا من وجه آخر " (٣).وسنناقشه لاحقاً. المطلب العاشر: مذهب الإمام النسائي: أطلق الإمام النسائي مصطلح "منكر " على مخالفة الثقة، ومثاله: قال: " أخبرنا هناد ابن السري عن أبي الأحوص عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله ﷺ :"اشربوا في الظروف ولا تسكروا". قال أبو عبد الرحمن: وهذا حديث منكر غلط فيه أبو الأحوص سلام بن سليم، لا نعلم أن أحدا تابعه عليه من أصحاب سماك بن حرب وسماك ليس بالقوي وكان يقبل التلقين، قال أحمد بن حنبل: كان أبو الأحوص يخطئ في هذا الحديث، خالفه شريك في إسناده وفي لفظه" (٤). قلت: وأبو الأحوص: ثقة (٥)، قد خالف شريكاً فأخطأ (٦). وأطلقه على تفرد الصدوق، ومنه: قال: " أخبرنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :" تسحروا فإن في السحور بركة ". قال أبو عبد الرحمن:

стр. 73

حديث يحيى بن سعيد هذا إسناده حسن وهو منكر، وأخاف أن يكون الغلط من محمد بن فضيل " (١). قلت: ومحمد بن فضيل: صدوق (٢) وقد تفرد ولم يتابع. وأطلقه أيضا على مخالفة الصدوق، ومنه: قال: " أخبرنا أحمد بن نصر، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا عثام بن علي، قال: حدثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:"كان النبي ﷺ يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما". قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث منكر " (٣). قلت: وعثام بن علي بن هجير العامري: قال الحافظ ابن حجر: "صدوق " (٤)؛ وقد خالفه محمد بن فضيل عن الأعمش: فرواه عن الأعمش عن حبيب، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس (٥). وأطلقه على مخالفة الضعيف، ومنه: قال النسائي:" أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر، عن أبيه، قال: سمعت طلقاً يذكر عشرة من الفطرة: السواك وقص الشارب وتقليم الأظفار وغسل البراجم وحلق العانة والاستنشاق وأنا شككت في المضمضة. أخبرنا قتيبة قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن طلق بن حبيب، قال: عشرة من السنة السواك وقص الشارب والمضمضة والاستنشاق وتوفير اللحية وقص الأظفار ونتف الإبط والختان وحلق العانة وغسل الدبر. قال أبو عبد الرحمن: وحديث سليمان التيمي وجعفر بن إياس أشبه بالصواب من حديث مصعب بن شيبة ومصعب منكر الحديث " (٦).

стр. 74

قلت: ومصعب بن شيبة: ضعيف (١). وأطلقه على تفرد الضعيف، ومنه: قال النسائي: " أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا مصعب بن ثابت، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: جيء بسارق إلى رسول الله ﷺ فقال: اقتلوه، فقالوا يا رسول الله: إنما سرق؟ قال: اقطعوه، فقطع، ثم جيء به الثانية، فقال: اقتلوه، فقالوا يا رسول الله: إنما سرق؟ قال: اقطعوه فقطع، فأتي به الثالثة فقال: اقتلوه؟ قالوا يا رسول الله: إنما سرق؟ فقال: اقطعوه، ثم أتي به الرابعة فقال: اقتلوه، قالوا يا رسول الله: إنما سرق؟ قال: اقطعوه، فأتي به الخامسة، قال: اقتلوه، قال جابر: فانطلقنا به إلى مربد النعم وحملناه فاستلقى على ظهره ثم كشر بيديه ورجليه فانصدعت الإبل ثم حملوا عليه الثانية، ففعل مثل ذلك، ثم حملوا عليه الثالثة فرميناه بالحجارة فقتلناه، ثم ألقيناه في بئر ثم رمينا عليه بالحجارة. قال أبو عبد الرحمن: وهذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث والله تعالى أعلم " (٢). وأطلقه أيضا على سند فيه مجهول، ومنه: قال: "أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا عبيد الله، قال: حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن سالم، عن رجل حدثه، عن البراء بن عازب: " أن رجلاً كان جالساً عند النبي ﷺ وعليه خاتم من ذهب وفي يد رسول الله ﷺ مخصرة أو جريدة فضرب بها النبي ﷺ إصبعه، فقال الرجل: مالي يا رسول الله؟ قال ألا تطرح هذا الذي في إصبعك فأخذه الرجل فرمى به فرآه النبي ﷺ بعد ذلك فقال: ما فعل الخاتم؟ قال: رميت به قال: ما بهذا أمرتك إنما أمرتك أن تبيعه فتستعين بثمنه "، وهذا حديث منكر " (٣). وخلاصة القول: من خلال الاستقراء لمنهج الأئمة المتقدمين يظهر بجلاء أن الأحاديث المنكرة هي الأحاديث التي يخطئ فيها الراوي؛ في إسنادها أو متنها، سواء أكان هذا الراوي ثقة أم صدوقاً، أم ضعيفاً، أم متروكاً؛ وأنّ النكارة تطلق على تفرد الضعيف، أوعلى ما يرويه

стр. 75

المتروك مطلقاً. فالرواة ثقاتٍ كانوا أم غير ثقاتٍ لا يحكم على أحدهم أنه منكر الحديث أو على روايته أنها منكرة إلا إذا عرضت روايته على روايات الثقات فإن وافقتها فهي مقبولة وراويها ثقة لا يخالف، وإن لم تكد توافق فهي غرائب منكرة بيد أن راويها يكون من رواة الاختبار- ممن يختبر حديثه- فإن كثر عليه ذلك حتى يغلب على روايته الغرائب عندئذ يكون منكر الحديث، فإن كان صاحب المناكير ثقة فرواياته الموافقة لروايات الثقات تقبل، أما ما يخالف فتترك، وأما إن كان راوي المناكير ضعيفاً فإنه تترك روايته وافقه أحد أم لا، لأنه منكر الحديث (متروك). قال الحافظ عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة: " قيل له: من الذي يترك حديثه؟ قال: الذي إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فأكثر طرح حديثه " (١). ويفهم أيضا من كلام الإمام مسلم: "وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها، فإن كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله" (٢). ومن خلال ما مر من أقوال الأئمة، وصنيعهم تبين لنا بطلان القول الشائع عند بعض المتأخرين، أن المتقدمين يطلقون المنكر على تفرد الثقات فقط، وينسبون ذلك إلى الإمام أحمد، أو غيره من الأئمة، وبان أن من منهج المتقدمين إطلاق مصطلح منكر، أو مناكير، أو أغلاط، أو أخطاء، أو ما شاكلها على تفرد الرواة مطلقاً بشيء غير محفوظ عندهم، وأنهم لا يفرقون بين هذه الألفاظ الدالة على الخطأ، وهذا ما يسميه الحافظ ابن حجر شاذا إذا كان من ثقة، ومنكراً إذا كان من ضعيف، أي: لا يفرقون بينهما.
следующие страницы →