← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 36147

الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين

عبد القادر المحمدي

Полный текст (402 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المدني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ نحواً من هذا. قال أبو عيسى: وهذا حديث ضعيف أيضاً وأبو بكر ضعيف عند أهل الحديث، وأبو بكر المدني الذي روى عن جابر بن عبد الله اسمه الفضل بن مبشر وهو أوثق من هذا وأقدم " (١).قلت: أطلقه على تفرد المتروك، فأيوب بن واقد الكوفي: متروك الحديث (٢). ومنه أيضا، قال:"حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا زيد بن حباب، قال حدثنا إبراهيم بن عثمان عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي ﷺ : " قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب ". قال: وفي الباب عن أم شريك، قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث ليس إسناده بذلك القوي إبراهيم بن عثمان هو أبو شيبة الواسطي منكر الحديث والصحيح عن ابن عباس قوله:" من السنة القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب " (٣). قلت: إبراهيم بن عثمان " متروك " (٤). وأطلقه على تفرد الضعيف، ومنه: قال:" حدثنا حميد بن مسعدة قال: حدثنا محمد بن حمران عن أبي سعيد وهو عبد الله بن بسر قال: سمعت أبا كبشة الأنماري يقول:" كانت كمام أصحاب رسول الله ﷺ بطحاً ". قال أبو عيسى: هذا حديث منكر وعبد الله بن بسر بصري هو ضعيف عند أهل الحديث ضعفه يحيى بن سعيد وغيره، وبطح يعني واسعة " (٥). وأطلقه على مخالفة الضعيف، ومنه: قال:" حدثنا محمد بن عمرو السواق، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن صالح بن محمد بن زائدة عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " من وجدتموه غل في سبيل الله فاحرقوا متاعه ".قال صالح: فدخلت على مسلمة ومعه سالم بن عبد الله فوجد رجلاً قد غل فحدث سالم بهذا الحديث، فأمر به فأحرق متاعه، فوجد في متاعه مصحف فقال سالم: بع هذا وتصدق بثمنه. قال أبو عيسى: هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، قال: وسألت محمداً عن هذا الحديث فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة وهو أبو

стр. 72

واقد الليثي وهو منكر الحديث، قال محمد: وقد روي في غير حديث عن النبي ﷺ في الغال فلم يأمر فيه بحرق متاعه، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب " (١). قلت: صالح بن محمد بن زائدة: ضعيف (٢). المطلب التاسع: مذهب الإمام أبي بكر البرديجي: قال: " إنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف متنه من غير روايته لا من الوجه الذي رواه عنه ولا من وجه آخر " (٣).وسنناقشه لاحقاً. المطلب العاشر: مذهب الإمام النسائي: أطلق الإمام النسائي مصطلح "منكر " على مخالفة الثقة، ومثاله: قال: " أخبرنا هناد ابن السري عن أبي الأحوص عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله ﷺ :"اشربوا في الظروف ولا تسكروا". قال أبو عبد الرحمن: وهذا حديث منكر غلط فيه أبو الأحوص سلام بن سليم، لا نعلم أن أحدا تابعه عليه من أصحاب سماك بن حرب وسماك ليس بالقوي وكان يقبل التلقين، قال أحمد بن حنبل: كان أبو الأحوص يخطئ في هذا الحديث، خالفه شريك في إسناده وفي لفظه" (٤). قلت: وأبو الأحوص: ثقة (٥)، قد خالف شريكاً فأخطأ (٦). وأطلقه على تفرد الصدوق، ومنه: قال: " أخبرنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :" تسحروا فإن في السحور بركة ". قال أبو عبد الرحمن:

стр. 73

حديث يحيى بن سعيد هذا إسناده حسن وهو منكر، وأخاف أن يكون الغلط من محمد بن فضيل " (١). قلت: ومحمد بن فضيل: صدوق (٢) وقد تفرد ولم يتابع. وأطلقه أيضا على مخالفة الصدوق، ومنه: قال: " أخبرنا أحمد بن نصر، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا عثام بن علي، قال: حدثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:"كان النبي ﷺ يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما". قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث منكر " (٣). قلت: وعثام بن علي بن هجير العامري: قال الحافظ ابن حجر: "صدوق " (٤)؛ وقد خالفه محمد بن فضيل عن الأعمش: فرواه عن الأعمش عن حبيب، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس (٥). وأطلقه على مخالفة الضعيف، ومنه: قال النسائي:" أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر، عن أبيه، قال: سمعت طلقاً يذكر عشرة من الفطرة: السواك وقص الشارب وتقليم الأظفار وغسل البراجم وحلق العانة والاستنشاق وأنا شككت في المضمضة. أخبرنا قتيبة قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن طلق بن حبيب، قال: عشرة من السنة السواك وقص الشارب والمضمضة والاستنشاق وتوفير اللحية وقص الأظفار ونتف الإبط والختان وحلق العانة وغسل الدبر. قال أبو عبد الرحمن: وحديث سليمان التيمي وجعفر بن إياس أشبه بالصواب من حديث مصعب بن شيبة ومصعب منكر الحديث " (٦).

стр. 74

قلت: ومصعب بن شيبة: ضعيف (١). وأطلقه على تفرد الضعيف، ومنه: قال النسائي: " أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا مصعب بن ثابت، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: جيء بسارق إلى رسول الله ﷺ فقال: اقتلوه، فقالوا يا رسول الله: إنما سرق؟ قال: اقطعوه، فقطع، ثم جيء به الثانية، فقال: اقتلوه، فقالوا يا رسول الله: إنما سرق؟ قال: اقطعوه فقطع، فأتي به الثالثة فقال: اقتلوه؟ قالوا يا رسول الله: إنما سرق؟ فقال: اقطعوه، ثم أتي به الرابعة فقال: اقتلوه، قالوا يا رسول الله: إنما سرق؟ قال: اقطعوه، فأتي به الخامسة، قال: اقتلوه، قال جابر: فانطلقنا به إلى مربد النعم وحملناه فاستلقى على ظهره ثم كشر بيديه ورجليه فانصدعت الإبل ثم حملوا عليه الثانية، ففعل مثل ذلك، ثم حملوا عليه الثالثة فرميناه بالحجارة فقتلناه، ثم ألقيناه في بئر ثم رمينا عليه بالحجارة. قال أبو عبد الرحمن: وهذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث والله تعالى أعلم " (٢). وأطلقه أيضا على سند فيه مجهول، ومنه: قال: "أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا عبيد الله، قال: حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن سالم، عن رجل حدثه، عن البراء بن عازب: " أن رجلاً كان جالساً عند النبي ﷺ وعليه خاتم من ذهب وفي يد رسول الله ﷺ مخصرة أو جريدة فضرب بها النبي ﷺ إصبعه، فقال الرجل: مالي يا رسول الله؟ قال ألا تطرح هذا الذي في إصبعك فأخذه الرجل فرمى به فرآه النبي ﷺ بعد ذلك فقال: ما فعل الخاتم؟ قال: رميت به قال: ما بهذا أمرتك إنما أمرتك أن تبيعه فتستعين بثمنه "، وهذا حديث منكر " (٣). وخلاصة القول: من خلال الاستقراء لمنهج الأئمة المتقدمين يظهر بجلاء أن الأحاديث المنكرة هي الأحاديث التي يخطئ فيها الراوي؛ في إسنادها أو متنها، سواء أكان هذا الراوي ثقة أم صدوقاً، أم ضعيفاً، أم متروكاً؛ وأنّ النكارة تطلق على تفرد الضعيف، أوعلى ما يرويه

стр. 75

المتروك مطلقاً. فالرواة ثقاتٍ كانوا أم غير ثقاتٍ لا يحكم على أحدهم أنه منكر الحديث أو على روايته أنها منكرة إلا إذا عرضت روايته على روايات الثقات فإن وافقتها فهي مقبولة وراويها ثقة لا يخالف، وإن لم تكد توافق فهي غرائب منكرة بيد أن راويها يكون من رواة الاختبار- ممن يختبر حديثه- فإن كثر عليه ذلك حتى يغلب على روايته الغرائب عندئذ يكون منكر الحديث، فإن كان صاحب المناكير ثقة فرواياته الموافقة لروايات الثقات تقبل، أما ما يخالف فتترك، وأما إن كان راوي المناكير ضعيفاً فإنه تترك روايته وافقه أحد أم لا، لأنه منكر الحديث (متروك). قال الحافظ عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة: " قيل له: من الذي يترك حديثه؟ قال: الذي إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فأكثر طرح حديثه " (١). ويفهم أيضا من كلام الإمام مسلم: "وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها، فإن كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله" (٢). ومن خلال ما مر من أقوال الأئمة، وصنيعهم تبين لنا بطلان القول الشائع عند بعض المتأخرين، أن المتقدمين يطلقون المنكر على تفرد الثقات فقط، وينسبون ذلك إلى الإمام أحمد، أو غيره من الأئمة، وبان أن من منهج المتقدمين إطلاق مصطلح منكر، أو مناكير، أو أغلاط، أو أخطاء، أو ما شاكلها على تفرد الرواة مطلقاً بشيء غير محفوظ عندهم، وأنهم لا يفرقون بين هذه الألفاظ الدالة على الخطأ، وهذا ما يسميه الحافظ ابن حجر شاذا إذا كان من ثقة، ومنكراً إذا كان من ضعيف، أي: لا يفرقون بينهما.

стр. 76

الفصل الثاني الحديث الشاذ المبحث الأول: تعريف الحديث الشاذ: الشاذ في اللغة: مأخوذ من "شذّ، يشذّ شذاً أو شذوذاً: ندر عن الجمهور وشذّه هو كمدّه لا غير. وشذّ وأشذه والشذاذ: القلال والذين لم يكونوا في حيهم ومنازلهم" (١). قال ابن حزم: " إنّ كل من خالف أحداً فقد شذ عنه وكل قول خالف الحق فهو شاذ عن الحق فوجب أن كل خطأ فهو شذوذ عن الحق وكل شذوذ عن الحق فهو خطأ" (٢). وفي الاصطلاح: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: الشاذ: " ما رواه "المقبول" مخالفاً لمن هو أولى منه" (٣). فالشاذ إذن من أقسام الحديث الضعيف كما هو مقرر. (٤) هنا أسأل: ما مراد الحافظ ابن حجر بـ "المقبول": هل هو الضعيف المعتبر كما قرره في التقريب (٥)؟ أم الضعيف غير المعتبر؟ أم الثقة؟. فإن قيل: أراد به الضعيف أو الضعيف المعتبر، قلنا: لازمه أن الشاذ والمنكر واحد، وقد فرق بينهما الحافظ ابن حجر بل عد ذلك غفلة بقوله:" وقد غفل من سوى بينهما" (٦)، وإن قيل أراد به الثقة، قيل له: فلماذا لم يصرح بذلك؟

стр. 77

أقول: إنما قال ذلك لأنه رأى التصريح بالثقة يخالف صنيع الأئمة والضعيف كذلك، فأراد التوفيق بينهما فقال: المقبول وأراد به الذي يحتج به مطلقاً منفرداً أو متابعاً، يعني -صحيح الحديث وحسنه- فقط (١)،والله أعلم. ومع كل ذلك فعلى تعريفه: - ما خالف المقبول- يكون قد عارض نفسه فقد نقل عنه السيوطي في التدريب عند تعريف الحديث الصحيح قوله: "مجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق أو أكثر عدداً لا يستلزم الضعف، بل يكون من باب صحيح وأصح ... " (٢)؟ فتأمل! وتأمل قوله في حد الصحيح: " إن شرط الصحيح أن لا يكون الحديث شاذاً" (٣)، فهل الشاذ صحيح؟ أو حسن؟ أو ضعيف؟ والأمثلة كثيرة لمن يتتبع. وفي الحقيقة لم أقف على قولٍ "لمتأخر"، يعطي الشاذ حقيقة مفهومه لأنه لم يُستقرأ بشكل صحيح، بل استُنتج فقط، والأعم الأغلب منهم يكرر عبارة سابقه، مع إجلالنا لهم، والاعتراف بفضلهم. من أجل ذلك يقول السيوطي:" الحديث الشاذ عسير ولعسره لم يفرده أحدٌ بالتصنيف". (٤) وإن هذا المصطلح نادر الاستعمال لدى المتقدمين، فإذا تتبعت أقوالهم في كتب العلل فإنك لا تكاد تجد فيها كلمة " الشاذ "،، ولا يعني هذا أنهم لا يعتبرون الشذوذ علة، وإنما أوردوا ما يقال فيه الشاذ بعبارات أخرى واضحة مثل قولهم: هذا خطأ، هذا غير محفوظ، هذا وهم، ونحوها، وسأعرض الأقوال التي استطعت أن أقف عليها في كتب المصطلح، حتى نحدد مفهوم الحديث الشاذ عندهم. أقوال علماء المصطلح في تعريف الحديث الشاذ: قال الحاكم النيسابوري ت (٤٠٥): " الشاذ هو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته أنه دخل حديث في حديث أو وهم فيه راو أو أرسله واحد فوصله واهم

стр. 78

فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة." (١). وهو أول تعريف للشاذ في كتب المصطلح كنوع من أنواع علوم الحديث، إذ لم أقف على تعريفه في أول كتاب في مصطلح الحديث وهو كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي " للحافظ الرامهرمزي ت (٣٦٠هـ). وقال أبو يعلى الخليلي ت (٤٤٦): " الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة فما كان من غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به" (٢). أما الخطيب البغدادي ت (٤٦٣): فإنه لم يصرح لنا بتعريف للشاذ في الكفاية أو غيرها من كتبه -والله أعلم- وإنما بوب باباً سماه " ترك الاحتجاج بمن غلب على حديثه الشواذ ورواية المناكير والغرائب من الأحاديث" (٣)،ونقل كلام أئمة الشأن في ترك الاحتجاج بالحديث الشاذ. وقال الميانشي ت (٥٧١): " فهو أن يرويه راو معروف لكنه لا يوافقه على روايته المعروفون " (٤) وقال الحافظ ابن الصلاح ت (٦٤٣):" الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان ما انفرد به مخالفاً لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط، كان ما انفرد به شاذاً مردوداً وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد فإن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه كما فيما سبق من الأمثلة وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارماً له مزحزحا له عن حيز الصحيح ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم

стр. 79

نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيداً من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر، فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: أحدهما الحديث الفرد المخالف، والثاني الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف، والله أعلم (١). وتعقبه الحافظ ابن جماعة ت (٧٧٣) فقال: " وهذا التفصيل حسن ولكنه مخل لمخالفة الثقة من هو مثله في الضبط وبيان حكمه" (٢). وقال الإمام النووي ت (٦٧٦):" فالصحيح التفصيل: فإن كان بتفرده مخالفاً أحفظ منه وأضبط كان شاذاً مردوداً، وإن لم يخالف الراوي فإن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بضبطه كان تفرده صحيحاً، وإن لم يوثق بضبطه ولم يبعد عن درجة الضابط كان حسناً، وإن بعد كان شاذاً منكراً مردوداً والحاصل أن الشاذ المردود: هو الفرد المخالف والفرد الذي ليس في رواته من الثقة والضبط ما يجبر به تفرده" (٣). وقال ابن دقيق العيد ت (٧٠٢): " هو ما خالف راويه الثقات أو ما انفرد به من لا يحتمل حاله أن يقبل ما تفرد به" (٤). ورجح الحافظ ابن كثير ت (٧٧٤): مذهب الشافعي وهو أنه إذا كان المنفرد عدلاً ضابطاً حافظاً فحديثه صحيح، وأما إن كان المنفرد غير حافظ وهو عدل ضابط فحديثه حسن وإن فقد الشروط فإنه مردود. ثم قال: فإن هذا لو رد لردت أحاديث كثيرة من هذا النمط وتعطلت كثير من المسائل عن الدلائل. (٥) ورجح الشيخ أحمد شاكر مذهب ابن كثير في تعليقه - الباعث الحثيث-. (٦) وقال الحافظ العراقي ت (٨٠٦): وذو الشذوذ ما يخالف الثقة فيه الملا فالشافعي حققه

стр. 80

والحكم الخلاف فيه ما اشترط وللخليلي مفرد الراوي فقط ورد ما قالا بمفرد الثقة كالنهي عن بيع الولا والهبة وبقول مسلم روى الزهري تسعين فرداً كلها قوي (١) وقال لحافظ ابن حجر العسقلاني ت (٨٥٢):"وفي الجملة فالأليق في حد الشاذ ما عرف به الشافعي " (٢). وقال في النزهة: " الشاذ ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه. وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح " (٣). وهو الذي رجحه السخاوي ت (٩٠٢) فقال: "فالأليق في حد الشاذ ما عرفه الشافعي، ولذا اقتصر عليه شيخنا في شرح النخبة عليه ". (٤) وكذا السيوطي ت (٩١١) في التدريب (٥) والصنعاني (٦) ت (١١٨٢). المبحث الثاني: مفهوم الحديث الشاذ عند المتأخرين: بعد أن ذكرنا أقوال أهل المصطلح في الحديث الشاذ، سنشرع في ذكر مذاهب الأئمة المتأخرين - بصورة عامة - في مفهوم الحديث:" الشاذ " ثم نناقش آراءهم. ويمكن أن نقسم مفهوم الحديث الشاذ حسب أقوالهم إلى مذاهب: المذهب الأول: الشاذ هو تفرد الثقة مطلقاً . وهو ظاهر قول الحاكم النيسابوري، قال: " الشاذ هو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته أنه دخل حديث في حديث أو وهم فيه راو أو أرسله واحد فوصله واهم فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة." (٧). قال الحافظ ابن حجر: " والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد

стр. 81

المطلق فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح فكلامه أعم، وأخص منه كلام الحاكم لأنه يقول: إنه تفرد الثقة فيخرج تفرد غير الثقة فيلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ، وأخص منه كلام الشافعي لأنه يقول: إنه تفرد الثقة بمخالفة من هو أرجح منه" (١). وقال السخاوي: الشاذ عند الحاكم هو: " ما انفرد به ثقة من الثقات وليس له أصل متابع لذلك الثقة فاقتصر على قيد الثقة وحده وبين ما يؤخذ منه أنه يغاير المعلل، من حيث إن ذلك وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، من إدخال حديث في حديث أو وصل مرسل أو نحو ذلك" (٢). وقال ابن الوزير: " ففي رواية الخليلي هذه عن حفاظ الحديث: أنهم لم يشترطوا في الشاذ مخالفة الناس" (٣)، قال الصنعاني: " كما لم يشترطها الحاكم" (٤). قال ابن الصلاح: " أما ما حكم الشافعي عليه بالشذوذ فلا إشكال في أنه شاذ غير مقبول، وأما ما حكيناه عن غيره -يريد الحاكم وأبا يعلى- فيشكل بما ينفرد به العدل الحافظ الضابط كحديث: " إنما الأعمال بالنيات" فإنه حديث فرد" (٥). وتعقبه الحافظ ابن حجر بأمرين: " أحدهما: أن الخليلي والحاكم ذكرا تفرد الثقة فلا يرد عليهما تفرد الحافظ، لما بينهما من الفرق، والثاني أن حديث النية لم يتفرد به عمر بل قد رواه أبو سعيد وغيره عن النبي ﷺ " (٦).وكذا السيوطي إذ قال: " وأجيب بأنهما أطلقا الثقة فتشمل الحافظ وغيره، والثاني أنّ حديث النية لم ينفرد به عمر، بل رواه عن النبي ﷺ أبو سعيد الخدري ... .. " (٧). قلت: إما عن قولهم: إن أبا سعيد الخدري وغيره من الصحابة ﵃ تابعوا عمر بن الخطاب -

стр. 82

صلى الله عليه وسلم - فهذا الاستدلال مردود لأن حديث أبي سعيد لا يصح البتة، وقد أجمع أهل العلم على أن الحديث لم يصح إلا من طريق عمر وبالإسناد المعروف: يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله ﷺ . وقال الحافظ العراقي: وذو الشذوذ ما يخالف الثقة فيه الملا فالشافعي حققه والحاكم الخلاف فيه ما اشترط وللخليلي مفرد الراوي فقط ورد ما قالا بمفرد الثقة كالنهي عن بيع الولا والهبة وبقول مسلم روى الزهري تسعين فرداً كلها قوي (١) فالحافظ العراقي قد اعترض على الحاكم والخليلي بما تفرد به الثقة؟ فإنه مقبول، ومثل له بحديث "النهي عن بيع الولاء وهبته" (٢)، فإنه لم يصح إلا من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر حتى قال مسلم عقبه: " الناس كلهم في هذا الحديث عيال عليه" (٣)، وكذا بما قاله الإمام مسلم: " وللزهري نحو من تسعين حديثاً يرويه عن النبي ﷺ لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد" (٤) أقول: إن أبا عبد الله الحاكم أول من تكلم من كتّاب المصطلح في الشاذ وكلامه في كتابه " معرفة علوم الحديث " واضح بين، وهو أن الشاذ ما انفرد به الثقة وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة في المتن أو الإسناد، وقد مثل بثلاثة أمثلة، منها ما ذكره بقوله: "حدثنا أبو بكر محمد بن احمد بن بالويه قال: حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل:" أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً، ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب ".

стр. 83

قال أبو عبد الله: هذا حديث رواته أئمة ثقات وهو شاذ الإسناد والمتن، لا نعرف له علة نعلله بها، ولو كان الحديث عند الليث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعللنا به الحديث، ولو كان عند يزيد ابن أبي حبيب عن أبي الزبير لعللنا به، فلما لم نجد له العلتين خرج عن أن يكون معلولاً ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل ولا عند أحد ممن رواه عن معاذ بن جبل عن أبي الطفيل فقلنا الحديث شاذ. وقد حدثونا عن أبي العباس الثقفي قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا: على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي خيثمة حتى عد قتيبة أسامي سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث وقد أخبرناه أحمد بن جعفر القطيعي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال حدثنا قتيبة فذكره. قال أبو عبد الله: فأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجباً من إسناده ومتنه ثم لم يبلغنا عن أحد منهم انه ذكر للحديث علة، وقد قرأ علينا أبو علي الحافظ هذا الباب وحدثنا به عن أبي عبد الرحمن النسائي وهو إمام عصره عن قتيبة بن سعيد ولم يذكر أبو عبد الرحمن ولا أبو علي للحديث علة، فنظرنا فإذا الحديث موضوع وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون. حدثني أبو الحسن محمد بن موسى بن عمران الفقيه قال: حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال: سمعت صالح بن حفصويه النيسابوري - قال أبو بكر: وهو صاحب حديث- يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدائني، قال البخاري: وكان خالد المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ " (١). أقول: لي مع أبي عبد الله الحاكم في هذا الحديث وقفات: ١ - لا يعني من عدم تكلمهم في علة الحديث عند إيراده أنهم لم يتكلموا فيه أصلاً. ٢ - الإمام النسائي لم يخرج هذا الحديث من طريق قتيبة أصلاً، وإنما أخرجه من

стр. 84

طريق مالك بن أنس عن أبي الزبير عن أبي الطفيل به، على الوجه الصحيح (١). ٣ - قد تكلم فيه الأئمة وأعلوه، فممن أعله: أبو حاتم الرازي في العلل (٢)،وقال أبو داود: "لم يروه إلا قتيبة وحده " (٣)،وهو إعلال واضح، وقال الترمذي بعد أن ساق الحديث:" حديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة، لا نعرف أحداً رواه عن الليث غيره وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ حديث غريب، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ أن النبي ﷺ جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء. رواه قرة بن خالد وسفيان الثوري ومالك وغير واحد عن أبي الزبير المكي وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد وإسحاق يقولان: لا بأس أن يجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما " (٤). ونقل هو إعلال الإمام البخاري الحديث بخالد المدائني. ثم قال -أعني الحاكم-:" ومن هذا الجنس: حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمرو الثقة المأمون من أصل كتابه قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن سيار قال: حدثنا محمد بن كثير العبدي، قال: حدثنا سفيان الثوري قال: حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال:" رأيت رسول الله ﷺ في صلاة الظهر يرفع يديه إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع ". قال أبو عبد الله: وهذا الحديث شاذ الإسناد والمتن إذ لم نقف له على علة وليس عند الثوري عن أبي الزبير هذا الحديث ولا ذكر أحد في حديث رفع اليدين أنه في صلاة الظهر أو غيرها ولا نعلم أحداً رواه عن أبي الزبير غير إبراهيم بن طهمان وحده تفرد به إلا حديث يحدث به سليمان بن أحمد الملطي من حديث زياد بن سوقة وسليمان متروك يضع الحديث، وقد رأيت جماعة من أصحابنا يذكرون أن علته أن يكون عن محمد بن كثير عن إبراهيم ين طهمان وهذا خطأ فاحش وليس عند محمد بن كثير عن إبراهيم بن طهمان حرف فيتوهمون قياساً أن محمد بن كثير يروي عن إبراهيم بن طهمان كما روى أبو حذيفة لأنهما جميعاً رويا عن الثوري وليس

стр. 85

كذلك فإن أبا حذيفة قد روى عن جماعة لم يسمع منهم محمد بن كثير منهم إبراهيم بن طهمان وشبل بن عباد وعكرمة بن عمار وغيرهم من أكابر الشيوخ. حدثنا أبو الحسين عبد الرحمن بن نصر المصري الأصم ببغداد قال: حدثنا أبو عمرو بن خزيمة البصري بمصر قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا أبي عن ثمامة عن أنس قال: كان قيس بن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير، يعني ينظر في أموره، وحدثنا جماعة من مشايخنا عن أبي بكر محمد بن إسحاق قال: حدثني أبو عمرو محمد بن خزيمة البصري بمصر وكان ثقة فذكر الحديث بنحوه. قال أبو عبد الله: وهذا الحديث شاذ بمرة فإن رواته ثقات وليس له أصل عن أنس ولا عن غيره من الصحابة بإسناد آخر" (١). قلت: ويظهر بجلاء منهج الحاكم في عد تفرد الثقة شذوذاً، إذ عد حديث أنس: " كان منزلة قيس بن سعد ... "، شاذاً وهو مخرج في صحيح البخاري (٢)، قال الحافظ ابن حجر: "والحاكم موافق على صحته إلا أنه يسميه شاذاً، ولا مشاحة في الاصطلاح " (٣) أقول: ويؤيد ما استنتجه منه علماء المصطلح من أنه أراد به تفرد الثقة مطلقاً؛ صنيعه في أمكنة أخرى، منها ما ذكره في كتابه المدخل إلى الإكليل، والأمثلة التي مثل بها، وكذلك بعض الأحاديث التي أعلها في المستدرك. ففي كتابه المدخل إلى الإكليل ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليه، وفي (القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه) قال: " هذه الأحاديث الأفراد والغرائب التي يرويها الثقات العدول تفرد بها ثقة من الثقات، وليس لها طرق مخرجة في الكتب ... " (٤). ثم ضرب لهذا القسم أمثلة منها: حديث اتفق على إخراجه الشيخان وهو حديث عائشة ﵂ في سحر النبي ﷺ (٥)، ثم قال الحاكم عقبه: " هذا الحديث مخرج في

стр. 86

الصحيح وهو شاذ بمرّة ".فالحاكم هنا موافق على أنه صحيح حجة لكنه يصفه بالشذوذ باعتبار التفرد فقط. ومن أمثلة ذلك:- ما أخرجه الحاكم في المستدرك فقال:" حدثني علي بن حمشاذ العدل قال: حدثنا عبيد بن عبد الواحد وأخبرني أحمد بن محمد العنزي حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي قالا: حدنا محمد بن أبي السري العسقلاني، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:" إن للإسلام ضوءاً ومناراً كمنار الطريق ".هذا حديث صحيح على شرط البخاري فقد روي عن محمد بن خلف العسقلاني واحتج بثور بن يزيد الشامي فأما سماع خالد بن معدان عن أبي هريرة فغير مستبعد فقد حكى الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عنه أنه قال لقيت سبعة عشر رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ . ولعل متوهماًيتوهم أن هذا متن شاذ فلينظر في الكتابين ليجد من المتون الشاذة التي ليس لها إلا إسناد واحد ما يتعجب منه ثم ليقس هذا عليها " (١). ومثل أيضاً بحديث ابن عمر في المسح، قال الحاكم:" حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني، قال: حدثنا بشر بن بكر حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر الجهني قال: خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة فدخلت المدينة يوم الجمعة فدخلت على عمر بن الخطاب فقال لي: "متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، قال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا، فقال أصبت السنة ". هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وله شاهد آخر عن عقبة بن عامر؛ حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن إسحاق الاسفرائيني قال: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثنا

стр. 87

المفضل بن فضالة قال: سألت يزيد بن أبي حبيب عن المسح على الخفين فقال: أخبرني عبد الله بن الحكم البلوي عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر أنه أخبره أنه وفد إلى عمر بن الخطاب ﵁ عاما قال عقبة: وعليّ خفاف من تلك الخفاف الغلظ فقال لي عمر:" متى عهدك بلباسهما؟ فقلت: لبستهما يوم الجمعة وهذا يوم الجمعة فقال لي: أصبت السنة ". وقد صحت الرواية عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يوقت في المسح على الخفين وقتا وقد روي هذا الحديث عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ بإسناد صحيح رواته عن آخرهم ثقات إلا أنه شاذ بمرة " (١). وهكذا لا يبقى شك في أن الشذوذ عند الحاكم ليس وصفاً مناقضاً للصحة، بل هو عبارة عن وصف الحديث بالتفرد بأصل لا متابع له فيه بغض النظر عن قبوله أو رده (٢). والدليل على اضطراب الحاكم في إطلاق الشاذ أنه لم يقصر إطلاقه على ما تفرد به الثقة كما عرفه (٣)، بل أطلقه على حديث الضعيف. ومنه: قال في المستدرك: " حدثنا أحمد بن كامل القاضي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرقي، قال: حدثنا إسحاق بن بشر الكاهلي، قال: حدثنا محمد بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة عن جميع بن عمير الليثي قال: أتيت عبد الله بن عمر ﵁ فسألته عن علي ﵁ فانتهرني ثم قال: ألا أحدثك عن علي؟ هذا بيت رسول الله ﷺ في المسجد وهذا بيت علي ﵁، إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر وعمر ﵄ ببراءة إلى أهل مكة، فانطلقا فإذا هما براكب فقالا: من هذا؟ قال: أنا علي يا أبا بكر هات الكتاب الذي معك، قال: وما لي! قال: والله ما علمت إلا خيراً، فأخذ علي الكتاب فذهب به ورجع أبو بكر وعمر ﵄ إلى المدينة، فقالا: ما لنا يا رسول الله؟ قال: مالكما إلا خير، ولكن قيل لي: إنه لا يبلغ عنك إلا أنت أو رجل منك ". هذا حديث شاذ والحمل فيه على جميع بن عمير وبعده على إسحاق بن بشر " (٤). قلت: أما جميع بن عمير فهو التيمي الكوفي:"صدوق يخطئ ويتشيع " (٥)، وأما

стр. 88

إسحاق بن بشر فهو الكاهلي الكوفي: " كذاب " (١)، وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: " فَلِمَ يورد الموضوع هنا؟! ". المذهب الثاني: الشاذ هو تفرد الراوي مطلقاً: وهو ظاهر قول أبي يعلى الخليلي، إذ قال: " الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة فما كان من غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به" (٢). قال الحافظ ابن حجر: " والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح فكلامه أعم، وأخص منه كلام الحاكم لأنه يقول: إنه تفرد الثقة فيخرج تفرد غير الثقة فيلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ، وأخص منه كلام الشافعي لأنه يقول: إنه تفرد الثقة بمخالفة من هو أرجح منه" (٣). وقال الحافظ العراقي:"الخليلي يجعل تفرد الثقة شاذاً صحيحاً " (٤)، وردّ عليه الحافظ ابن حجر بقوله: "فيه نظر فإن الخليلي لم يحكم له بالصحة، بل صرح بأنه يتوقف فيه ولا يحتج به " (٥). وقال السخاوي عقب كلام الخليلي: " لأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد وهو مشعر بأن مخالفته للواحد الأحفظ كافية في الشذوذ" (٦). وقال ابن الوزير: " ففي رواية الخليلي هذه عن حفاظ الحديث: أنهم لم يشترطوا في الشاذ مخالفة الناس" (٧)، قال الصنعاني: " كما لم يشترطها الحاكم" (٨). وعلى كل حال فهو سواء حكم بصحته أم لا فإنه أطلقه على تفرد الثقة كما مر

стр. 89

من قول الحافظ ابن حجر وغيره، وهو صريح قوله (١). وأجاب ابن رجب الحنبلي عن قول الخليلي:" وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به "، قال: " لكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم: عبارة عمن دون الأئمة الحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره ... وفرّق الخليلي بين ما تفرد به إمام حافظ: قبل واحتج به بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ، وحكى ذلك عن حفاظ الحديث " (٢). أقول: صحيح أن الشيخ هو الراوي مطلقاً، ثقة كان أو ضعيفاً لكنّ الخليلي هنا خصصه: شيخ ثقة. والذي تجدر الإشارة إليه أن أبا يعلى الخليلي قد تبع شيخه الحاكم في مفهوم الشاذ، حتى عد تعريف الإمام الشافعي للشاذ مذهباً خاصاً به وبأهل الحجاز، وأن مفهوم الحاكم للشاذ هو مفهوم حفاظ الحديث؟ فقال:" قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز: الشاذ عندنا ما يرويه الثقات على لفظ واحد ويرويه ثقة خلافه زائداً أو ناقصاً، والذي عليه حفاظ الحديث الشاذ ما ليس له الا اسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به" (٣). قال العوني: " إن ظاهر كلام الخليلي في هذا الموطن: أن الفرد سواء كان من رواية ثقة أو غير ثقة فهو حديث لا يحتج به، لكن هذا الظاهر لا يتبادر إلى ذهن أحد ممّن له أدنى علم بعلم الحديث، لأن رد الغرائب والافراد كلها لا يقول به أحد من أهل الحديث، وإذا كان هذا الظاهر على هذه الدرجة من الظهور ردّه ووضوح بطلانه فلا يمكن أن نظن بأحد حفاظ الحديث ونقاده أنه يقول به. وعلى هذا فلا بد من تفسير كلام الخليلي بما لا يخالف البديهيات، وتأويله بما لا يناقض الإجماع!! وهذا الذي (لا بد منه) لمخالفته البديهيات ومناقضته الإجماع، هو الذي أباح للخليلي التعبير بمثل هذا التعبير كافٍ بإفهامه والإجماع كفيل بتقييده " (٤).

стр. 90

قلت: وهذا كلام جيد، لكنهّ بعيد عن الواقع فالخليلي بين أنه يخالف مذهب الشافعي والذي هو في حقيقته مذهب الجمهور، ورجح مذهب شيخه الحاكم النيسابوري ومن هنا انتقده علماء المصطلح. وأما عن كلامه في قبول الأفراد فإنه سلك مسلك الأئمة المتقدمين لأنه لم يقيد نفسه بمذهب شيخه ففي مبحث الأفراد: قسّم الأفراد إلى أقسام: القسم الأول: أن ينفرد به ثقة لم يخالف، وقد حكم بصحته، قال الخليلي: " وأما الأفراد فما يتفرد به حافظ مشهور ثقة او إمام عن الحفاظ والأئمة فهو صحيح متفق عليه كحديث حدثناه عمر بن إبراهيم بن كثير المقرئ ببغداد وأنا سألته حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم وخلف بن هشام البزار ومحمد بن سليمان قالوا حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن أنس ﵁: " أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه المغفر، فقيل هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة؟ فقال: اقتلوه ". قال مالك: قال ابن شهاب: لم يكن رسول الله ﷺ يومئذ محرماً. وهذا ينفرد به مالك عن ابن شهاب عن انس رواه عنه من مات قبله كابن جريج والاوزاعي وابي حنيفة وغيرهم ممن بعدهم كالشافعي وغيره ورواه البخاري في الصحيح عن أربعة عن مالك وكذلك مسلم عن نفر فهذا وأشابهه من الأسانيد متفق عليها" (١). القسم الثاني: أن يتفرد ثقة يخالف فيه الحفاظ فيحكم عليه بالرد. قال: "وعبد المجيد صالح محدث ابن محدث لا يعمد على مثله لكنه يخطئ ولم يخرج في الصحيح وقد اخطأ في الحديث الذي يرويه مالك والخلق عن يحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ " الأعمال بالنية "،وهذا أصل من أصول الدين ومداره على يحيى بن سعيد فقال عبد المجيد وأخطأ فيه، اخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ "الأعمال بالنية "،رواه عنه نوح بن أبي حبيب وإبراهيم بن عتيق وهو غير محفوظ من حديث زيد بن أسلم بوجه فهذا مما أخطأ فيه الثقة عن الثقة بينت هذا ليستدل به على أشكاله " (٢). و " حديث مالك عن زيد بن أسلم" (٣).

стр. 91

القسم الثالث: أن يتفرد به ضعيف متهم "وضاع": قال فيه " فأما من الأفراد الذي يتفرد به ضعيف وضعه على الأئمة والحفاظ، فهو كما حدثنا به علي بن أحمد بن صالح ومحمد بن إسحاق قالا: حدثنا الحسن بن علي الطوسي قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن غزوان ببغداد قال: حدثنا مالك بن انس وإبراهيم بن سعد كلاهما عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ :" أهل القرآن أهل الله وخاصته "، وهذا منكر بهذا الإسناد ما له أصل من حديث ابن شهاب ولا من حديث مالك والحمل فيه على ابن غزوان وإنما رواه أبو داود الطيالسي عن شيخ من أهل البصرة عن أبيه عن انس " (١). القسم الرابع: أن يتفرد به ضعيف غير حافظ قال: " وما تفرد به غير حافظ يضعف من أجله وإن لم يتهم بالكذب فمثاله: ما حدثنا به جدي وابن علقمة قالا: حدثنا ابن أبي حاتم حدثنا سليمان بن داود القزاز قال: حدثنا محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي المدني قال: حدثنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ :" افتتحت البلاد بالسيف وافتتحت المدينة بالقرآن "،لم يروه عن مالك إلا محمد بن الحسن بن زبالة وليس بالقوي لكن أئمة الحديث قد رووا عنه هذا وقالوا هذا من كلام مالك بن أنس نفسه فعساه قرئ على مالك حديث آخر عن هشام بن عروة فظن هذا أن ذلك من كلام النبي ﷺ فحمله على ذلك ومثل هذا قد يقع لمن لا معرفة له بهذا الشأن ولا إتقان " (٢). القسم الخامس: ما يتفرد به شيخ لا يعرف ضعفه ولا توثيقه فإنه لا يحكم عليه بشيء فلا يصححه ولا يضعفه فقال: " فيه نوع آخر من الأفراد لا يحكم بصحته ولا بضعفه ويتفرد به شيخ لا يعرف ضعفه ولا توثيقه فمثاله: حديث حدثناه الحسين بن حلبس قال: حدثنا عثمان بن جعفر اللبان قال: حدثنا حفص بن عمر الزبالي قال: حدثنا أبو زكير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ :"كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق ". وهذا فرد شاذ لم يروه عن هشام غير أبي زكير وهو شيخ صالح ولا يحكم بصحته ولا بضعفه ويستدل بهذا على

стр. 92

نظائره من هذا النوع " (١). وقال عند ترجمة نافع مولى ابن عمر: " فما رواه الثقات من حديثه كمالك والثوري وشعبة وابن جريج وسليمان بن بلال ومن بعدهم كيحيى بن سعيد القطان وابن المبارك وعبد الوهاب الثقفي وأبي أسامة وسلام بن سليم ويزيد بن هارون، وحماد بن زيد وعبد السلام بن حرب فهو صحيح متفق عليه بلا مدافع " (٢). فالخلاصة: أن الشاذ عند الحاكم والخليلي معناه واحد:- هو ما تفرد به الثقة مطلقاً، وهو منقوض بالأفراد الصحيحة كما نص على ذلك علماء المصطلح - والله أعلم -. المذهب الثالث: الشاذ: مخالفة الثقة لمن هو أوثق أو أكثر . وهو في حقيقته مذهب الحافظ ابن حجر العسقلاني، فهو أول من قال به، وتبعه عليه من جاء بعده كالسخاوي (٣)،والسيوطي (٤)،والصنعاني (٥)، وغيرهم. قال " وفي الجملة فالأليق في حد الشاذ ما عرف به الشافعي " (٦). وفسر ذلك في النزهة إذ قال: " الشاذ ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه. وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح " (٧). وقال:" فإن خولف - أي الراوي - بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات فالراجح يقال له المحفوظ ومقابله هو المرجوح يقال له الشاذ " (٨). قال اللكنوي: " والذي حققه الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها وارتضاه كثير ممن جاء بعده هو أنّ المنكر والشاذ يعتبر فيهما المخالفة، ويفترقان في كون الراوي مجروحاً وغير مجروح" (٩).

стр. 93

فالحافظ ابن حجر أول من فرق اصطلاحياً بين مخالفة الثقة فأطلق عليها "الشاذ "، ومخالفة الضعيف وأطلق عليها " المنكر " وعد من سوى بينهما أنه غفل؟!، ولم أقف على من سبقه؟! ثم أصبح هذا التفريق قاعدة لمن جاء بعده، وإلى يومنا هذا؟ وهو بذلك غفّل المتقدمين والمتأخرين ممن سبقه؟ ثم إنه لم يقل أحد من المتقدمين أو المتأخرين قبل الحافظ ابن حجر أنّ الإمام الشافعي قصد هذا، وسيأتي بيانه. وإذا أردنا تتبع الأمثلة التي ذكرها أهل هذا المذهب في الشاذ،، فإنها في الأغلب لا تسلم من نقد، ذلك لأنهم تكلفوا في تعريف الشاذ، ثم تفريقه عن المنكر، والحق إن الشاذ والمنكر بمعنى واحد، وهو في حقيقته: الحديث الخطأ، كما قرره المتقدمون وتبعهم عليه علماء المصطلح الأوائل، كما مر في فصل المنكر، فمثلًا: مثل الحافظ ابن حجر في النزهة لشذوذ الإسناد بمثال فقال: " مثال ذلك ما رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس: أن رجلاً توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثاً إلا مولى هو أعتقه .. " (١) الحديث. وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره (٢)، وخالف حماد بن زيد فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة، ولم يذكر ابن عباس. قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة (٣). انتهى كلامه فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عدداً منه. وعرف من هذا التقرير أن الشاذ: ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه " (٤). وتابعه في التمثيل به السيوطي والسخاوي (٥).

стр. 94

أقول: فات الحافظ ابن حجر، ومن تبعه من علماء المصطلح أن حماد بن زيد لم ينفرد بإرسال هذا الحديث، إذ تابعه روح بن عبادة عند البيهقي (١)،وأصل الحديث عند أبي حاتم، قال عبد الرحمن: " سألت أبي عن حديث رواه حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عوسجة مولى ابن عباس أن رجلاً توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثاً إلا مولى هو أعتقه الحديث فقلت له: فإن ابن عيينة ومحمد بن مسلم الطائفي يقولان: عن عوسجة عن ابن عباس عن النبي ﷺ فقلت له: اللذان يقولان ابن عباس محفوظ؟ فقال: نعم قصر حماد بن زيد، قلت لأبي: يصح هذا الحديث؟ قال: عوسجة ليس بالمشهور" (٢). فلعل الحافظ فهم من قول أبي حاتم الرازي عن الحديث الموصول أنه محفوظ، وأن حماد بن زيد قصر به أنه انفرد به فهو شاذ، إذ الحافظ يجعل الشاذ مقابل غير المحفوظ (٣)، ثم أخذه عنه السيوطي، والسخاوي. وعلى هذا فلا يصلح هذا الحديث أن يكون مثلاً للشاذ، إذ الشاذ هوماخالف المقبول، كما قرروه هم، وهنا لم يتفرد الثقة، بل توبع كما في سنن البيهقي، فهو من قبيل المختلف. ومثل السخاوي للشاذ في المتن فقال: " ومثاله في المتن زيادة يوم عرفة في حديث: أيام التشريق أيام أكل وشرب، فإن الحديث من جميع طرقه بدونها وإنما جاء بها موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، كما أشار إليه ابن عبد البر " (٤). أقول: أصل الحديث في جامع الترمذي (٧٧٣) قال: حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن علي عن، أبيه، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب ". قال وفي الباب عن علي وسعد وأبي هريرة وجابر ونبيشة وبشر بن سحيم وعبد الله بن حذافة وأنس وحمزة بن عمرو الأسلمي وكعب بن مالك وعائشة وعمرو بن العاصي وعبد الله بن عمرو قال أبو عيسى: وحديث عقبة بن عامر حديث حسن صحيح ".

стр. 95

وقد تتبعت كل تلك الأحاديث عن الصحابة الكرام فلم أجد هذه الزيادة "يوم عرفة " إلا من رواية عقبه بن عامر ﵁، تفرد به عنه موسى بن علي بن رباح عن أبيه به (١). وهذا لا يعتبر شذوذاً على رأي أهل المصطلح أنفسهم، إذ حديث كل صحابي مستقل عن حديث الصحابي الآخر، ولو كان في المتن نفسه، كما هو مقرر (٢). ثم إن موسى لم يخالف فيه أحداً، بل أنفرد به أصلاً، ولو جعل الاختلاف بين متون الأحاديث التي ينفرد بزيادتها الصحابي، عن الآخر في المتن الواحد شذوذا، لجرنا ذلك إلى إشكال عريض، ويكفي في صحة الحديث تصحيح الإمام الترمذي. والراجح، بل الصواب أن حديث كل صحابي هو حديث مستقل عن الصحابي الآخر زاد أو قصر، كما قرره الحافظ ابن حجر وغيره. وإذا أردنا التمثيل للحديث الشاذ فإن كل حديث مر تمثيله في المنكر يصح التمثيل به هنا ذلك لأننا نرجح مذهب الذي يسوي بينهما، وهو منهج أئمة الحديث من المتقدمين، والمتأخرين إلى أن فرق بينهما الحافظ ابن حجر ﵀، كما مر. المذهب الرابع: الشاذ هو المخالفة، مرادفاً للمنكر " وهو الحديث الخطأ ": قال به جمهور أهل المصطلح: الخطيب البغدادي، والميانشي، وابن الصلاح وابن دقيق العيد، والحافظ ابن كثير، والإمام النووي ومن جاء بعدهم ممن كتب في المصطلح إلى الحافظ ابن حجر الذي فرق بينهما. ولنأخذ أول من تكلم منهم في الشاذ كمصطلح مستقل لنوع من أنواع علوم الحديث، قال الحافظ ابن الصلاح:" الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان ما انفرد به مخالفاً لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك

стр. 96

وأضبط، كان ما انفرد به شاذاً مردوداً وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد فإن كان عدلاً حافظاً موثوقاً بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه كما فيما سبق من الأمثلة وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارماً له مزحزحاً له عن حيز الصحيح ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر، فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: أحدهما الحديث الفرد المخالف، والثاني الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف، والله أعلم (١). وتعقبه ابن جماعة: " وهذا التفصيل حسن ولكنه مخل لمخالفة الثقة من هو مثله في الضبط وبيان حكمه" (٢). أقول: فحاصل كلام ابن الصلاح هو: ١ - إن انفراد الراوي -ثقة أم غير ثقة- يضره. ٢ - إن كان المنفرد ثقة ضابطاً كان ذلك خارماً له مزحزحاً له عن درجة الخبر الصحيح وهو دائر بين مرتبة الحسن والضعيف. ٣ - إن كان المنفرد ضعيفاً فإن حديثه من قبيل الشاذ المنكر، وإن كان مخالفاً فمن باب أولى. ٤ - إن كان المنفرد ثقة مخالفاً لمن هو أحفظ وأضبط فحديثه شاذ مردود. أقول: نحا ابن الصلاح في هذا منحى الأئمة المتقدمين من اعتبار الشاذ والمنكر بمعنى واحد وأن التفرد علة حتى ولو من ثقة. والذي أراه هو أنّ ابن الصلاح استعمل الشاذ لغة وهو " التفرد " فقسمه إلى قسمين: شاذ مردود (تفرد مردود) ثم تحدث عنه وهو على أقسام تفرد الضعيف، وتفرد الثقة الذي لا يحتمل تفرده. وقد نتسائل: أين صرح ابن الصلاح بمراده من (الشاذ المقبول)؟ والجواب أنه

стр. 97

تحدث عنه بقوله: " فينظر في حال المروي فإن كان عدلاً .. قبل ما انفرد به". وهذا يوضح أنَّ مراده من الشاذ - هنا - الشاذ اللغوي. لذا فإنه اعترض على تعريف الحاكم والخليلي بالأفراد الصحاح (١)، ولو قال إنَّ من الشاذ ما هو مقبول وأنّه يعبر عن تفرد الثقة بالشاذ لما اعترض على الحاكم والخليلي لما فهم من كلامهما هذا؟ ومن هنا ندرك خطأ العوني لما هجم على ابن الصلاح واتهمه أنه يميل إلى مذهبه وإلى نصرة أقوال إمام مذهبه، أعني الإمام الشافعي، حينما اعترض ابن الصلاح على تعريف الحاكم والخليلي للشاذ، ذلك لأن العوني حاكم ابن الصلاح على فهمه هو لمعنى الشاذ (٢)!! والذي يدلل على صحة كلامنا أنَّ الأئمة من بعد ابن الصلاح لم يفهموا أن مراده من الشاذ المردود وجود شاذ مقبول، وإلاّ لاعترضوا عليه كما اعترضوا على غيره لما فهموا ذلك من كلامهم؟! بل الإمام النووي نقل كلام ابن الصلاح دون أن ينسبه إليه وهذا اعتراف بصحة كلامه وباعتناقه للمذهب ذاته (٣). وهكذا نخلص إلى أنّ ابن الصلاح يسوي بين الشاذ والمنكر في اصطلاح المحدثين. وخلاصة ما ذكره ابن الصلاح في مبحث الشاذ يرتبط بما ذكره في مبحث العلة إذ قال: " إنّ العلّة هي ما دلَّ على الخطأ والوهم وإنها تتطرق كثيراً إلى روايات الثقات، وإنها لم تدرك بتفردهم - وهم ثقات - أو بمخالفتهم للغير إذا انضمت إليه القرائن التي تنبه الناقد على أن هذا التفرد والمخالفة ناتجان عن الخطأ والوهم، وهذا في الواقع مانع لإطلاق القبول فيما يتفرد به الثقة أو فيما زاده، كما هو مانع لإطلاق الرد فيما خالف الثقة لغيره، وإنما مدار القبول والرد على القرائن العلمية التي لا يحصيها العدد، والتي لا يقف عليها إلا الناقد المتمرس الفطن، إذ لكل حديث قرينة خاصة كما صرح بذلك المحققون، مثلاً: كون الراوي أوثق أو أحفظ قرينة اعتمد عليها النقاد لكنهم لم يعتبروها في

стр. 98

كافة الروايات، وجميع الأحاديث وهكذا ... وإدراك القرينة المرجحة لا يتم إلا للناقد صاحب الذوق الحديثي، ولهذا قال الحاكم وغيره: " الحجة فيه - أي في معرفة خطأ الراوي - عندنا الحفظ والمعرفة لا غير " (١). وهذا هو الذي سار عليه الحافظ ابن رجب الحنبلي، إذ قال: " ومن جملة الغرائب المنكرة الأحاديث الشاذة المطرحة وهي نوعان - ما هو شاذ الإسناد ... وما هو شاذ المتن كالأحاديث التي صحت الأحاديث بخلافها أو أجمعت أئمة العلماء على القول بغيرها وهذا كما قاله أحمد في حديث أسماء بنت عميس " تسلبي ثلاثاً ثم أصغي ما بدا لك "، أنه من الشاذ المطرح " (٢). وذهب ابن حزم الظاهري إلى استعمال الشاذ بالمعنى اللغوي فقال: " هذه اللفظة في الشريعة موضوعة باتفاق على معنى ما واختلف الناس في ذلك المعنى ... فقالت طائفة الشذوذ هو مفارقة الواحد من العلماء سائرهم، وهذا قول قد بينا بطلانه في باب الكلام في الإجماع من كتابنا هذا والحمد لله رب العالمين، وذلك أن الواحد إذا خالف الجمهور إلى حق فهو محمود ممدوح والشذوذ مذموم بإجماع فمحال أن يكون المرء محموداً مذموماً من وجه واحد في وقت واحد وممتنع أن يوجب في شيء واحد الحمد والذم معاً في وقت واحد من وجه واحد، وهذا برهان ضروري وقد خالف جميع الصحابة ﵃ أبا بكر في حرب أهل الردة فكانوا في حين خلافهم مخطئين كلهم فكان هو وحده المصيب فبطل القول المذكور، وقال طائفة: الشذوذ هو أن يجمع العلماء على أمر ما ثم يخرج رجل منهم عن ذلك القول الذي جامعهم عليه وهذا قول أبي سليمان وجمهور أصحابنا وهذا المعنى لو وجد نوع من أنواع الشذوذ وليس حداً للشذوذ ولا رسماً له وهذا الذي ذكروا لو وجد شذوذ وكفر معاً لما قد بينا في باب الكلام في الإجماع أن من فارق الإجماع وهو يوقن أنه إجماع فقد كفر مع دخول ما ذكر في الامتناع والمحال وليت شعري متى تيقنا إجماع جميع العلماء كلهم في مجلس واحد فيتفقون ثم يخالفهم واحد منهم والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق أن حد الشذوذ: هو مخالفة الحق فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ وسواء كانوا أهل الأرض كلهم بأسرهم أو

стр. 99

بعضهم والجماعة والجملة هم أهل الحق ولو لم يكن في الأرض منهم إلا واحد فهو الجماعة وهو الجملة " (١). ومما تقدم يظهر لنا أن استعمال علماء المصطلح لهذا الاصطلاح لم يبن على أقوال أو اصطلاحات قالها المتقدمون، الذين يفترض أن يكون أهل المصطلح قد استقرؤوا كتبهم وأقوالهم. وسيتبين لنا من الأمثلة التي سنسوقها بعد، أنّ المتقدمين لم يستعملوا هذه اللفظة اصطلاحياً، بل استعملوها لغوياً مع غيرها من الألفاظ لتدل على الخطأ، أو الشذوذ، أو النكارة في الحديث إسناداً أو متناً، بدلالة اختلاف ألفاظهم في تقييم الحديث الواحد. هذه هي أهم أقوال أهل العلم في تعريف الحديث الشاذ، ويظهر بوضوح الفرق بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين، فالأوائل لا يفرّقون بين الشاذ والمنكر، فلا عبرة عندهم من خالف؟ وممن كانت؟ المهم انه إذا أتى المحدث بما لا يعرفه أهل الحفظ والإتقان فهو مردود. وقد أطلق بعضهم مصطلح: (منكر) على مخالفة الثقة، والبعض الآخر على مخالفة الضعيف، ومنهم من أطلقها على مخالفة الثقة والضعيف، وكذا الحال بالنسبة لمصطلح (شاذ)، فهم لا يفرقون بينهما -كما مر- والله اعلم. المبحث الثالث: مفهوم الحديث الشاذ عند المتقدمين: المطلب الأول: عند الإمام الشافعي: أقدم من عرَّف الشاذ - بحدود علمي- هو الإمام الشافعي ﵀ فقال: " ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ، إنما الشاذ ... أن يروي الثقة حديثاً يخالف فيه الناس هذا الشاذ من الحديث." (٢). وقال:" الشاذ من الحديث لا يؤخذ به" (٣).وجاء بلفظ آخر عنه: " ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثاً لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يروي الثقات

стр. 100

حديثاً على نص ثم يرويه ثقة خلافاً لروايتهم، فهذا الذي يقال شذ عنهم " (١). وفسر الحافظ الخليلي كلام الإمام الشافعي فقال: " أما الشواذ فقد قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز: الشاذ عندنا ما يرويه الثقات على لفظ واحد، ويرويه ثقة خلافه زائداً أو ناقصاً " (٢). مما مر من كلام الإمام الشافعي وتفسير الخليلي له أنه عنى به مخالفة الثقة لغيره من الثقات في متن حديث، زيادة أو نقصاً، ولكنّ بعض العلماء فهموا منه أنّه مخالفة الثقة لغيره في المتن والإسناد، وليس لدينا من الأدلة التي تبين مراد الإمام الشافعي الدقيق من ذلك، لأننا لم نقف على أي حديث حكم عليه بالشذوذ نصاً، والفهم الذي فهمه بعض العلماء هو لمخالفة الثقة سنداً، أو متناً، ونحن لا نشك بأن هذا التعبير لغوي، وليس اصطلاحياً، فحمله على الاصطلاح فيه كثير من تحميل النص ما لا يحتمل، وإلا فكان الأولى بنا أن نأخذ من هو أقدم، وأعلم في الحديث من الشافعي، وهو الإمام شعبة بن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث إذ قال: "لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ " (٣). وهذا لو أخذناه على طريقة أهل الاصطلاح لأصبح الشاذ هو مخالفة الضعيف حسب، وليس الأمر كذلك. المطلب الثاني: عند الإمام الترمذي: قال عند تعريفه الحديث الحسن: " وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذاً، ويروى من غير وجه فهو عندنا حديث حسن" (٤). قال ابن رجب: " والظاهر أنه أراد بالشاذ ما قاله الشافعي وهو أن يروي الثقات عن النبي ﷺ خلافه" (٥).

стр. 101

وقد استعمل بعض أئمة الحديث من المتقدمين كلمة " شاذ " وأرادوا به الحديث المنكر الذي لا يعرف، قال الحافظ صالح بن محمد الأسدي المعروف بجزرة ت (٢٩٤): " الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يعرف" (١). المبحث الرابع: مصطلح " غير محفوظ ": مر معنا أقوال الأئمة المتقدمين الذين صرحوا بلفظ " شاذ " وأطلقوه. أما الألفاظ الأخرى المرادفة له كـ"غير محفوظ " أو ما جاء بمعناه فقد وجدتهم استعملوها بتوسع، وسأذكر الأئمة الذين أطلقوها وأمثل لهم بأمثلة، فأقول: إن الأعم الأغلب من الأئمة المتقدمين كابن المديني والبخاري وأبي حاتم والنسائي والترمذي وغيرهم، أطلقوا مصطلح:" غير محفوظ "على أحاديث أعلت بعلل مختلفة وحتى نكون مقاربين للصواب يتوجب دراسة نماذج من أقوالهم أو دراسة الأحاديث التي أطلقوا عليها مصطلح " غير محفوظ أو ليس بمحفوظ ... .". وهذا يتطلب جهداً كبيراً جداً، والبحث لا يتسع لذلك، ولكني سأحاول جهدي أن أستوعب أكثر الأمثلة، أو الأمثلة التي تعطي تصوراً واضحاً عن منهج كل إمام من الأئمة. وسنرى من خلال عرض الأمثلة هل المتقدمون يعنون بـ " غير محفوظ ": الشاذ؟ وهل الشاذ أو " غير المحفوظ " هو مخالفة الثقة للثقات؟ المعروف عندنا أن المتأخرين يعدون " الشاذ " مرادفاً لـ "غير المحفوظ "، يقول ابن حجر: " فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ ومقابله الشاذ " (٢). ونحن وإن كنا لا نتفق مع الحافظ في كون هذه اللفظة ترادف الشاذ مستقلا، إذ المتتبع لصنيع المتقدمين يجدهم لا يفرِّقون بين المنكر والشاذ، كما سبق بيانه في مباحث المنكر، ولكن لما كنا نبحث في ماهية هذا المصطلح فلا ضير أن نقتصر على هذه المفردة " غير محفوظ "، وإلا فالمتقدمون يطلقون على الشاذ والمنكر: غير محفوظ، وهم، خطأ، غير معروف، وغيرها من المصطلحات التي تبين مخالفة الراوي، ولم أقف على من سبق الحافظ العسقلاني ممن يقصر مصطلح "غير محفوظ " على مخالفة الثقة، أي مرادفا للشاذ عنده.

стр. 102

أقول: وقد استعمل هذه اللفظة " غير محفوظ ... " البخاري في صحيحه مرة واحدة (١)،واستعملها أبو حاتم ما يقارب خمساً وعشرين مرة (٢)، وأطلقها الترمذي ما يقارب ثلاث عشرة مرة في علله (٣)،وما يقارب تسعاً وعشرين مرة في جامعه (٤)،وأطلقها النسائي حوالي ثلاث مرات فقط (٥)،وأطلقها الإمام مسلم في التمييز خمس مرات (٦). المطلب الأول: مذهب الإمام البخاري: نقل تلميذه النجيب " الترمذي " عنه في سننه، وعلله في مواضع عدة أقوال شيخه البخاري فأطلق لفظ "محفوظ"،"غير محفوظ"،"ليس بمحفوظ"،"لا أعلمه محفوظا" ... .. وهلم جرا. وسأذكر هنا بعض الأمثلة عسى أن نقف على غاية البخاري من إطلاقاته تلك. ١ - حديث أخرجه الترمذي في الجامع (١١٢٨) " باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة " قال: حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة عن سعيد بن أبي عروبة عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر:"أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي ﷺ أن يتخير أربعاً منهن". قال أبو عيسى: هكذا رواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه. قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري وحمزة قال: حدثت عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة. قال محمد: وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال. قال أبو عيسى: والعمل على حديث غيلان بن سلمة عند أصحابنا منهم الشافعي وأحمد وإسحاق".

стр. 103

التعليق: قول البخاري " غير محفوظ " يريد به حديث معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر:" أن غيلان بن سلمة أسلم وله عشر نسوة ... . فأمره النبي ... ." وإنما المحفوظ:" ما رواه شعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري وحمزة قال: حدثت عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة أسلم .. " يعني أنه منقطع " حُدثت " وليس هو من حديث ابن عمر بل من حديث محمد بن سويد وهذا ليس من حديث ابن عمر وإنما هو ملفق وصوابه، كما ذكر البخاري، أنه من"حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلاً من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر لتراجعنّ نساءك ... " الاستنتاج: الإمام البخاري لم يقبل هذا الحديث ولم يعده زيادة من ثقة " ومعمر بن راشد " هو المتفرد به. بل أعله بالمحفوظ عند الحفاظ:- حديث محمد بن سويد - وهذا يعني أنه يعد الفرد غير المعروف عند أهل الصنعة غير محفوظ. ٢ - حديث أخرجه الترمذي (١٧٠٥) قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسؤولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وأبي موسى وحديث أبي موسى غير محفوظ وحديث أنس: غير محفوظ، وحديث ابن عمر حديث حسن صحيح. رواه إبراهيم بن بشار الرمادي عن سفيان بن عيينة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ . (١٧٠٥م) أخبرني بذلك محمد بن إسماعيل، عن إبراهيم بن بشار، قال: وروى غير واحد، عن سفيان، عن بريد عن أبي بردة، عن النبي ﷺ مرسلاً وهذا أصح. قال محمد: وروى إسحاق بن إبراهيم عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ :" إن الله سائل كل راع عما استرعاه". قال: سمعت محمداً يقول: هذا غير محفوظ، وإنما

стр. 104

الصحيح عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلاً ". التعليق: أطلق البخاري لفظة " غير محفوظ " على حديث مرفوع وهو حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أنس عن النبي- متصلاً-. وقد أعله بحديث معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلاً-. ولم يعده من قبيل المزيد في متصل الأسانيد أو زيادة الثقة؟ ! بل أعله لأنه غير محفوظ عند أهل الحفظ والإتقان بهذا الإسناد. الاستنتاج: أطلق البخاري لفظة " غير محفوظ " على حديث تفرد به ثقة! ٣ - حديث أخرجه الترمذي (٧٢٠) قال: حدثنا علي بن حجر قال: حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:"من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمداً فليقض ".وفي الباب عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال محمد: لا أراه محفوظاً. قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ولا يصح إسناده، وقد روي عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد أن النبي ﷺ قاء فافطر وإنما معنى هذا:" أن النبي ﷺ كان صائما متطوعا فقاء فضعف فأفطر لذلك ".هكذا روي في بعض الحديث مفسراً والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أن الصائم إذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه وإذا استقاء عمداً فليقض وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ". التعليق: تفرد بهذا الحديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال ... الحديث.

стр. 105

الاستنتاج: أطلق البخاري على حديث غريب لفظ - لا أراه محفوظاً - مع أنه لم يخالف فيه أحداً؟ ٤ - حديث أخرجه الترمذي (٨١٥) قال: حدثنا عبد الله بن أبي زياد الكوفي قال حدثنا زيد بن حباب عن سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: " أن النبي ﷺ حج ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر ومعها عمرة فساق ثلاثاً وستين بدنة وجاء علي من اليمن ببقيتها فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من فضة فنحرها رسول الله ﷺ وأمر رسول الله ﷺ من كل بدنة ببضعة فطبخت وشرب من مرقها ". قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد بن حباب ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن روى هذا الحديث في كتبه عن عبد الله بن أبي زياد. قال: وسألت محمداً عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ ورأيته لم يعد هذا الحديث محفوظاً، وقال: إنما يروى عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد مرسلاً ". التعليق: جاء الطريق الأول من رواية زيد بن الحباب عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ .. الحديث. هذا الطريق متصل، وقد خطأه البخاري وعده غير محفوظ، لأنه يخالف المحفوظ وهو من رواية الثوري عن أبي إسحاق (السبيعي) عن مجاهد به"مرسلاً"،فأعل المتصل بالمرسل، وإنما أعله لأنه لا يعرفه من هذا الطريق وبهذا اللفظ. والخطأ فيه يحمل على زيد بن الحباب العكلي فإنه: " صدوق يخطئ في حديث الثوري ". (١) الاستنتاج: أطلق البخاري لفظة "لا أراه محفوظاً"على تفرد الضعيف ومخالفته وهو ما يسمى اليوم"منكراً "؟!

стр. 106

٥ - حديث أخرجه الترمذي (٢٧٣٠) قال: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي قال: حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن سفيان عن منصور عن خيثمة عن رجل عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: " من تمام التحية الأخذ باليد ". قال أبو عيسى: هذا حديث غريب ولا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم، عن سفيان. سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فلم يعده محفوظاً، وقال: إنما أراد عندي حديث سفيان عن منصور، عن خيثمة عمن سمع ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: لا سمر إلا لمصل أو مسافر ". قال محمد: وإنما يروى عن منصور عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد أو غيره قال: من تمام التحية الأخذ باليد ". التعليق: الحديث جاء من طريق يحيى بن سليم الطائفي عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة عن رجل "مبهم" عن ابن مسعود عن النبي ﷺ به. وقد أعله البخاري بكونه "غير محفوظ" لأنه غير معروف بهذا السند وإنما هو من طريق "منصور عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي" به من قوله - موقوفاً -. وأما السند الأول فخطأ .. ويحمل الخطأ فيه على يحيى بن سليم الطائفي فهو: "صدوق سيئ الحفظ" (١). وإنما هذا السند مركب "ملفق" والصحيح أنه حديث " سفيان الثوري عن منصور عن خيثمة عمن سمع ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: " لا سمر إلا لمصلٍ أو مسافر ". الاستنتاج: قد يطلق البخاري حكمه على حديث " غير محفوظ " ويريد به القلب والتلفيق في الأسانيد. ومن هذا نستنتج أن " البخاري" يطلق مصطلح " غير محفوظ أو نحوه" ويريد به تفرد الثقة بحديث غير معروف، أو مخالفته، وكذا تفرد الضعيف أو مخالفته، وكذا على

стр. 107

الأحاديث ملفقة الأسانيد أو المتون. ٦ - حديث أخرجه الترمذي (١٧٢٦) قال: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري قال: حدثنا سيف بن هارون البرجمي عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء؟ فقال:" الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ". قال أبو عيسى: وفي الباب عن المغيرة وهذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قوله، وكأن الحديث الموقوف أصح وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظاً، روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان موقوفاً، قال البخاري: وسيف بن هارون مقارب الحديث، وسيف بن محمد عن عاصم ذاهب الحديث ". التعليق: قال البخاري في حديث إسماعيل بن موسى عن سيف بن هارون البرجمي عن سليمان عن أبي عثمان عن سلمان قال: سئل رسول الله .. الحديث. قال: " ما أراه محفوظاً "، وأعله بما رواه سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان " موقوفاً ". ثم قال: " وسيف بن هارون مقارب الحديث ... ." وهو علة الحديث. الإستنتاج: أطلق البخاري لفظة "غير محفوظ" على زيادة في السند زادها راوٍ مقارب الحديث، فرفع ما أوقفه غيره من الرواة. ٧ - قال الترمذي (٣١٧٩): حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا بن أبي عدي قال: حدثنا هشام بن حسان قال: حدثني عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن السحماء فقال رسول الله ﷺ :"البينة وإلا حد في ظهرك" قال: فقال هلال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلاً على امرأته أيلتمس البينة فجعل رسول الله ﷺ يقول:"البينة وإلا فحد في ظهرك"،قال: فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن في أمري ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل:"والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم"فقرأ حتى بلغ:"والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين "،قال: فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليهما فجاءا فقام هلال بن أمية فشهد والنبي ﷺ يقول:

стр. 108

"إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ "ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين قالوا لها: إنها موجبة؟ فقال ابن عباس: فتلكأت ونكست حتى ظننا أن سترجع فقالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فقال النبي ﷺ :"أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الإليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن السحماء "،فجاءت به كذلك فقال النبي ﷺ لولا ما مضى من كتاب الله لكان لنا ولها شأن ".قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث هشام بن حسان وهكذا روى عباد بن منصور هذا الحديث عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ ورواه أيوب عن عكرمة مرسلاً ولم يذكر فيه عن ابن عباس ". وقال في العلل (٣٠٧): فسألت محمدا عنه، وقلت: روى عباد بن منصور هذا الحديث عن عكرمة عن ابن عباس مثل حديث هشام وروى أيوب عن عكرمة أن هلال بن أمية مرسلاً، فأي الروايات أصح؟ فقال: حديث عكرمة عن ابن عباس هو محفوظ ورآه حديثا صحيحاً ". التعليق: خالف أيوب السختياني رواية عباد بن منصور في وصله. الاستنتاج: رجح الرواية " المحفوظة " وهي المتصلة، وعد المرسلة " غير محفوظة"،يعني أنه يطلق اللفظة ويريد بها " مخالفة الثقة ". نخلص مما مر إلى أن لفظة " غير محفوظ أو نحوها " أطلقها الإمام البخاري وأراد بها معنى أعم مما يقيده بها أهل المصطلح - من المتأخرين - إذ قالوا: " هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق .. ". بل الصواب: أنه أراد بها المعنى اللغوي، الذي يشمل مخالفة الثقة والضعيف وتفردهما أو أحدهما، وعدم شهرة الحديث ... وهكذا. المطلب الثاني: مذهب الإمام مسلم: ١ - قال في كتابه التمييز " ذكر خبر ليس بمحفوظ المتن: حدثنا يحيى بن يحيى قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين "،حدثنا أبو بكر قال: حدثنا أبو معاوية

стр. 109

عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن المغيرة قال: " كنت مع النبي ﷺ في سفر "،وساقه، والأسود بن هلال عن المغيرة، وعلي بن ربيعة قال: خطبنا المغيرة. وإياد بن لقيط عن قبيصة بن برمة عن المغيرة بن شعبة، وعن حمزة بن المغيرة عن أبيه، وعروة بن المغيرة عن أبيه، والزهري عن عباد عن عروة وبكر بن عبد الله عن ابن المغيرة عن المغيرة، وسليمان التيمي عن بكر عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة عن أبيه، وشريك عن أبي السائب عن المغيرة، ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن المغيرة، وعروة بن المغيرة عن أبيه وعامر وسعد بن عبيدة قالا سمعنا المغيرة وأبو العالية عن فضالة عن المغيرة، وعمرو بن وهب عن المغيرة وابن عون عن عامر عن عروة عن المغيرة، وقتادة عن الحسن وزرارة ابن أبي أوفى عن المغيرة، وحريز بن حية الثقفي عن المغيرة. سمعت مسلماً يقول: قد بينا من ذكر أسانيد المغيرة في المسح بخلاف ما روى أبو قيس عن هزيل عن المغيرة ما قد اقتصصناه، وهم من التابعين وأجلتهم، مثل مسروق، وذكر من قد تقدم ذكرهم، فكل هؤلاء قد اتفقوا على خلاف رواية أبي قيس عن هزيل، ومن خالف خلاف بعض هؤلاء بين لأهل الفهم من الحفظ في نقل هذا الخبروتحمل ذلك، والحمل فيه على أبي قيس أشبه وبه أولى منه بهزيل، لأن أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخباراً غير هذا الخبر، سنذكرها في مواضعها -إن شاء الله -. فأما في خبر المغيرة في المسح: حدثنا مسلم قال: فأخبرني محمد بن عبد الله بن قهزاد، عن علي بن الحسن بن شقيق، قال: قال عبد الله بن المبارك: عرضت هذا الحديث يعني حديث المغيرة من رواية أبي قيس على الثوري فقال: لم يجئ به غيره فعسى أن يكون وهماً" (١).ا. هـ قلت: ويلاحظ من هذا الحديث أن الإمام مسلماً قال في حديث خالف فيه أبو قيس - عبد الرحمن بن ثروان الأودي- عن هزيل بن شرحبيل الأودي عن المغيرة بن شعبة جميع رواة الحديث عن المغيرة وهم: (مسروق، والأسود بن هلال، وعلى بن ربيعة، وقبيصة بن برمة، وحمزة بن الغيرة، وعروة بن المغيرة، وأبو السائب، وأبو سلمة، وعامر بن سعد بن عبيدة، وفضالة، وعمرو بن وهب، والحسن، وزرارة بن أبي أوفى،

стр. 110

وحريز بن حية الثقفي) كلهم رووه بلفظ"مسح على خفيه " (١)،خالفهم أبو قيس فقال:"مسح على الجوربين والنعلين ".فهو متن ليس بمحفوظ كما قال الإمام مسلم. ويلاحظ أنه حكم عليه بأنه "غير محفوظ"والمخالف:"صدوق ربما خالف" (٢) وقد أعل به الحديث مسلم فقال: " والحمل فيه على أبي قيس ... " (٣). ٢ - قال مسلم:"قال ابن شهاب: وأخبرني ابن المسيب عن أبي هريرة وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله. سمعت مسلماً يقول: وخبر ابن شهاب هذا في قصة ذي اليدين وهم غير محفوظ لتظاهر الأخبار الصحاح عن رسول الله ﷺ في هذا " (٤). الحديث المحفوظ: انه ﷺ سجد سجدتين، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه قال: " حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي قال: حدثنا خالد وهو الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن الحصين قال: سلم رسول الله ﷺ في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل الحجرة فقام رجل بسيط اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضباً فصلى الركعة التي كان ترك ثم سلم ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم. " (٥). أما حديث الزهري فقد خالف فيه قال الحافظ ابن خزيمة: " خبر روي في قصة ذي اليدين أدرج لفظه الزهري في متن الحديث فتوهم من لم يتبحر في العلم ولم يكتب من الحديث إلا نتفاً أن أبا هريرة قال تلك اللفظة التي قالها الزهري في آخر الخبر وتوهم أيضا أن هذا الخبر الذي زاد فيه الزهري هذه اللفظة خلاف الأخبار الثابتة أن النبي ﷺ سجد يوم ذي اليدين بعدما أتم صلاته، أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال: سلم رسول الله ﷺ عن ركعتين فقال له ذو الشمالين من خزاعة حليف لبني زهرة: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: كلٌ لم يكن، فأقبل رسول الله ﷺ على
следующие страницы →