← Акыда

Акыда · id 36153

المولد النبوي هل نحتفل

شحاتة صقر

Полный текст (138 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المولد النبوي هل نحتفل؟ جمع وترتيب

стр. 2

مقدمة إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (آل عمران:١٠٢). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (النساء:١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾. (الأحزاب:٧٠). أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﵌، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِى النَّارِ.

стр. 3

اعلم أخي المسلم أنه لم تأت بدعة محدثة من البدع إلا وهُجِرَتْ أو أمِيتَتْ سُنَّةٌ من السُنن، وقد قال التابعي الجليل حسان بن عطية المحاربي ﵀: «ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سُنَّتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة» (رواه الدرامي، وقال الألباني: إسناده صحيح). وقد استفاض العلم بأنه لا يجوز إحداث عيد يحتفل به المسلمون غير عيدي الأضحى والفطر، لأن الأعياد من جملة الشرع والمنهاج والمناسك، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾ (الحج:٦٧). قال الشيخ ابن باز ﵀: «لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول ﵌ ولا غيره؛ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين؛ لأن الرسول ﵌ لم يفعله, ولا خلفاؤه الراشدون, ولا غيرهم من الصحابة ـ رضوان الله على الجميع ـ ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة, وهم أعلم الناس بالسنة, وأكمل حُبًّا لرسول الله ﵌ ومتابعةً لشرعه ممن بعدهم، وقد قال في كتابه المبين: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

стр. 4

(الحشر:٧) وقال تعالى: قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة:٣). وإحداث مثل هذه الموالد يُفهَم منه أن الله ـ سبحانه ـ لم يُكْمِل الدين لهذه الأمة , وأن الرسول ﵊ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به , حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به , زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله , وهذا بلا شك فيه خطر عظيم, واعتراض على الله ـ سبحانه ـ وعلى رسوله ﵌ , والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين, وأتم عليهم النعمة. والرسول ﵌ قد بلغ البلاغ المبين, ولم يترك طريقًا يوصل إلى الجنة, ويباعد من النار إلا بَيَّنَهُ للأمة , كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِىٌّ قَبْلِى إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ» (رواه مسلم في صحيحه). ومعلوم أن نبينا ﵌ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم , وأكملهم بلاغًا ونُصحًا , فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين

стр. 5

الذي يرضاه الله سبحانه لَبَيَّنَهُ الرسول ﵌ للأمة , أو فَعَله في حياته , أو فعله أصحابه ﵃ , فلما لم يقع شيء من ذلك عُلِمَ أنه ليس من الإسلام في شيء , بل هو من المحدثات التي حذر الرسول ﵌ منها أمته. ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار , فإن الحق لا يعرف بكثرة الفاعلين , وإنما يعرف بالأدلة الشرعية. ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالموالد ـ مع كونها بدعة ـ لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى كاختلاط النساء بالرجال , واستعمال الأغاني والمعازف , وشرب المسكرات والمخدرات , وغير ذلك من الشرور , وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك , وهو الشرك الأكبر , وذلك بالغلو في رسول الله ﵌ أو غيره من الأولياء ودعائه والاستغاثة به , وطلبه المدد , واعتقاد أنه يعلم الغيب , ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس, حين احتفالهم بمولد النبي ﵌ وغيره ممن يسمونهم بالأولياء.

стр. 6

ومن العجائب والغرائب أن الكثير من الناس ينشط ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة , ويدافع عنها , ويتخلف عما أوجب الله عليه من حضور الجُمَع والجماعات , ولا يرفع بذلك رأسًا , ولا يرى أنه أتى منكرًا عظيمًا , ولا شك أن ذلك من ضعف الإيمان وقلة البصيرة , وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي , نسأل الله العافية لنا ولسائر المسلمين. ومن ذلك: أن بعضهم يظن أن رسول الله ﵌ يحضر المولد, ولهذا يقومون له محيّين ومرحبين , وهذا من أعظم الباطل , وأقبح الجهل , فإن الرسول ﵌ لا يخرج من قبره، قبل يوم القيامة , ولا يتصل بأحد من الناس , ولا يحضر اجتماعهم , بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة , وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ (المؤمنون: ١٥ - ١٦).وقال النبي ﵌: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ

стр. 7

عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» (١). عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام, فهذه الآية الكريمة , والحديث الشريف , وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث , كلها تدل على أن النبي ﵌ وغيره من الأموات , إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة , وهذا أمر مُجْمَعٌ عليه بين علماء المسلمين ليس فيه نزاع بينهم , فينبغي لكل مسلم التنبه لهذه الأمور, والحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان» (٢). وأسأل الله أن ينفعني والمسلمين بهذه الورقات وأن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ـ سيدنا محمد ـ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. شحاتة محمد صقر saqrmhm@gawab.com

стр. 8

كل بدعة ضلالة * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (النساء: ٥٩). * وقال رسول الله ﵌: « ... إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ» (١). «وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»: كناية عن شدة التمسك بها، و «النواجذ»: الأضراس. الأصل في العبادات المنع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى

стр. 9

عبادات يتخذونها دينًا ينتفعون بها في الآخرة أو في الدنيا والآخرة، وإلى عادات ينتفعون بها في معايشهم. فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله. والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله» (١). وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ (الأحقاف: ١١)، قال الحافظ ابن كثير ﵀: «أي قالوا عن المؤمنين بالقرآن لو كان القرآن خيرًا ما سبقنا هؤلاء إليه، يعنون بلالًا وعمارًا وصهيبًا وخبابًا ﵃ وأشباهم من المستضعفين والعبيد والإماء ... وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فِعْلٍ وقوْل لم يثبت عن الصحابة ﵃ هو بدعة، لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه؛ لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها» (٢). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفِيتُم» (٣).

стр. 10

وقال حذيفة ﵁: «كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تتعبدوا بها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالًا» (١). يستدل كثير من الناس بالنصوص العامة لتسويغ بدعهم ، والتدليل على واقعهم! وهذا خطأ كبير. ومن الأمثلة على ذلك: ما رواه نَافِعٌ أَنَّ رَجُلًا عطَسَ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلهِ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ». قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «وَأَنَا أَقُولُ الْحَمْدُ لِلهِ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَلَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌، عَلَّمَنَا أَنْ نَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (٢). فقد أنكر ابن عمر ﵄ على هذا الرجل مع أن عموم قولِ الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ (الأحزاب: ٥٦) تدخل فيه تلك الصلاة، ولكن ما هكذا فهمها الصحابة فمَن بعدهم وما هكذا طبقها السلف الصالح ﵃، وفهمُهم أوْلى،

стр. 11

ومرتبتهم أعلى. هل في الدين بدعة حسنة ؟ من قسم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة فهو مخطىء ومخالف لقوله ﵌: «كُلّ بِدْعَةٍ ضَلَالَة» (١)؛ لأن رسول الله ﵌ حكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة (٢). وقال الإمام مالك ﵀: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﵌ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة:٣)، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا» (٣). يلزم من القول بالبدع الحسنة لوازم سيئة جدًا: أحدها: أن تكون هذه البدع المستحبة ـ حسب زعمهم ـ من الدين الذي أكمله الله لعباده ورضيه لهم.

стр. 12

وهذا معلوم البطلان بالضرورة؛ لأن الله تعالى لم يأمر عباده بتلك البدع، ولم يأمر بها رسول الله ﵌، ولم يفعلها ولا فعلها أحد من الخلفاء الراشدين ولا غيرهم من الصحابة ﵃ والتابعين وتابعيهم بإحسان، وعلى هذا فمن زعم أنه توجد بدع حسنة في الدين فقد قال على الله وعلى كتابه وعلى رسوله ﵌ بغير علم. الثاني: أن يكون النبي ﵌ وأصحابه ﵃ قد تركوا العمل بسنن حسنة مباركة محمودة، وهذا مما يُنَزَّه عنه رسول الله ﵌، وأصحابه ﵃. الثالث: أن يكون القائمون بالبدع الحسنة المزعومة قد حصل لهم العمل بسنة حسنة مباركة محمودة لم تحصل للنبي ﵌ ولا لأصحابه ﵃. قواعد عامة لمعرفة البدعة: ١ - كل عبادة ليس لها مستندٌ إلاَّ حديث مكذوب على رسول الله ﵌ فهي بدعة مثل صلاة الرغائب. ٢ - إذا ترك الرسول ﵌ فعل عبادة من العبادات مع كون موجبها وسببها المقتضي لها قائمًا ثابتًا، والمانع منتفيًا؛ فإنّ فِعْلَها

стр. 13

بدعة، مثل التلفظ بالنية عند الدخول في الصلاة، والأذان لغير الصلوات الخمس، والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة. ٣ - كل تقرب إلى الله بفعل شيء من العادات أو المعاملات من وجه لم يعتبره الشارع فهو بدعة، مثل اتخاذ لبس الصوف عبادة وطريقة إلى الله، والتقرب إلى الله بالصمت الدائم، أو بالامتناع عن الخبز واللحم وشرب الماء البارد، أو بالقيام في الشمس وترك الاستظلال. ٤ - كل تقرب إلى الله بفعل ما نَهى عنه ـ سبحانه ـ فهو بدعة، مثل التقرب إلى الله تعالى بالغناء. ٥ - قال الشيخ ابن عثيمين: الاتباع لا يتحقق إلا إذا كان العمل موافقًا للشرع في ستة أمور ، هي: ١ - السبب: فإذا تعبد الإنسان لله ـ تعالى ـ بعبادة مقرونة بسبب ليس شرعيًا فهي بدعة مردودة على صاحبها، مثل إحياء ليلة السابع والعشرين من رجب بالتهجد يدّعون أنها ليلة الإسراء والمعراج، فالتهجد في أصله عبادة، لكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة، لكونه بُنِيَ على سبب لم يثبت شرعًا. ٢ - الجنس: فإذا تعبد الإنسان لله ـ تعالى ـ بعبادة لم يُشرع

стр. 14

جنسها فهي غير مقبولة، كالتضحية بفرس، لأن الأضاحي لا تكون إلا من جنس بهيمة الأنعام وهي الإبل ـ البقر ـ الغنم. ٣ - القَدْر: فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة أو ركعة في فريضة، فعمله ذلك بدعة مردودة، لأنها مخالفة للشرع في المقدار أو العدد. ٤ - الكيفية: فلو نكس إنسان الصلاة لما صحت صلاته؛ لأن عمله مخالف للشرع في الكيفية. ٥ - الزمان: فلو ضحى إنسان في رجب، أو صام رمضان في شوال، أو وقف بعرفات في التاسع من ذي القعدة لما صح ذلك منه، لمخالفته للشرع في الزمان. ٦ - المكان: فلو اعتكف إنسان في منزله لا في المسجد أو وقف يوم التاسع من ذي الحجة بمزدلفة لما صح ذلك منه لمخالفته للشرع في المكان (١).

стр. 15

متى وُلِدَ رسول الله ﵌ -؟ يقام الاحتفال بالمولد النبوي في الثاني عشر من ربيع الثاني باعتبار أنه يوم ولادة النبي ﵌، ونحن إذا ما بحثنا عن حقيقة هذا التاريخ نجد أنه لا يوجد نَصٌّ نبوي يدل على هذا التاريخ، فلم يتكلم النبي ﵌ البتة عن تاريخ ميلاده بل الذي ورد أنه ولد في يوم اثنين، أما ما وراء ذلك من التحديدات فلا تصح. ثم إذا ما فتشنا كتب السيرة النبوية محاولين معرفة تاريخ مولده سنجد أن أهل التاريخ والسِّيَر يختلفون حوله إلى أقول: أولًا: اختلفوا في سنة ولادته ﵌: الأكثرون على أن ولادته ﵌ كانت في عام الفيل، قيل بعد حادثة الفيل بخمسين يومًا، وقيل بخمس وخمسين يومًا، وقيل بشهر، وقيل بأربعين يومًا، وقيل بعد الفيل بعشر سنين، وقيل: قبل الفيل بخمس عشرة سنة، وقيل: غيره. ثانيًا: اختلفوا في الشهر الذي ولد فيه ﵌: فقيل: في شهر صفر، وقيل: في ربيع الآخر، وقيل: في رجب، وقيل: في رمضان.

стр. 16

ثالثًا: اختلفوا في يوم ولادته ﵌: فقيل: غير معين، وقيل: في ربيع الأول، من غير تعيين اليوم، وقيل: لِلَيْلتين مضتا من ربيع الأول، وقيل: لثماني ليال مضَيْنَ منه، وقيل لتسع خلَوْن منه، وقيل: لعشر مضين منه، وقيل لاثنتي عشرة مضت منه، وقيل: لسبع عشرة مضت منه، وقيل: لثماني عشرة مضين منه، وقيل: لثمان بقين منه. يظهر لنا مما سبق: ١ - أن هذا الخلاف بين علماء السيرة يدل على عدم وجود دليل صحيح صريح في هذه المسألة بحيث يتفقون على يوم محدد. ٢ - لم يثبت نص في تحديد تاريخ مولده ﵌. ٣ - أن الصحابة ﵃ لم يسألوا النبي ﵌ مما يدل أن معرفة تاريخ مولده ﵌ لم يكن يعني لهم شيئًا كبيرًا. ٤ - أن الاحتفال ليس من الشرع إذ لو كان كذلك لَذُكِر التاريخ فما مِن أمر فيه خير إلا ودلنا عليه.

стр. 17

علام يدل ذلك؟ إنه يدل على أنَّ المسلم ليس مطلوبًا منه الاهتمام بتاريخ المولد، ولا العناية بضبطه، إنَّما الواجب عليه أن ينظر كيف هو في حبه لرسول الله ﵌ ومتابعته في شريعته، واقتدائه بسنته واهتدائه بهديه، وحرصه على التخلق بِخُلُقِهِ. فأين نحن مما فرض الله علينا تجاه نبينا محمد ﵌؟ هذا هو الذي ينبغي على كل مسلم أن ينظر كيف هو فيه مع رسول الله ﵌. إن ليلة المولد لم يكن السلف الصالح ـ وهم أصحاب رسول الله ﵌ والتابعون لهم بإحسان ـ يجتمعون فيها للعبادة ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة؛ لأن النبي ﵌ لا يُعَظَّم إلا بالوجه الذي شرع به تعظيمه، وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله لكن يتقرب إلى الله بما شرع. وإن يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس، وأفضل ما يُفعل في اليوم الفاضل صومه، وقد نهى النبي ﵌ عن إفراد يوم الجمعة بالصيام مع عظيم فضله، فدل هذا على أنه لا تحدث عبادة في زمان ولا في مكان إلا إن شرعت، وما لم يشرع لا يفعل، إذ لا

стр. 18

يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما أتى به أولها، ولو فتح هذا الباب لجاء قوم فقالوا: يوم هجرته إلى المدينة يوم أعز الله فيه الإسلام فيجتمع فيه ويتعبد، ويقول آخرون: الليلة التي أسري به فيها حصل له فيها من الشرف ما لا يقدر قدره فتحدث فيها عبادة فلا يقف ذلك عند حد. والخير كله في اتباع السلف الصالح الذين اختارهم الله له فما فعلوا فعلناه وما تركوا تركناه (١). اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)

стр. 19

حكم الاحتفال بالمولد النبوي لا يجوز الاحتفال بمولد النبي ﵌ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين كما جاء في فتاوى اللجنة الدائمة (١)، ويرجع ذلك ـ كما يقول الشيخ رشيد رضا ـ إلى ذلك الاجتماع المخصوص بتلك الهيئة المخصوصة في الوقت المخصوص وإلى اعتبار ذلك العمل من شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص شرعي بحيث يظن العوام والجاهلون بالسنة أن عمل المولد من أعمال القرب المطلوبة شرعًا، وعمل المولد بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله تعالى وزيادة فيه تُعَد مِن شرْع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم (٢). وبدعة المولد النبوي إنما حدثت بعد القرون الثلاثة المفضلة كما قال الحافظ ابن حجر، والحافظ السخاوي وغيرهما.

стр. 20

وأول من احتفل بالموالد هم بنو عبيد القداح المتسمون بالفاطميين، ومعلوم ما يُكِنّه العبيديون لأهل الإسلام من كراهية وحقد، وما يبطنونه من عقائد فاسدة يسترونها بإظهار محبة آل البيت والولاء لهم (١). والاحتفال بالمولد مخالف لأمر الله بطاعة رسوله ﵌، ومخالف لأمر الرسول ﵌ بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وفيه وقوع في المحدثات التي حذر منها النبي ﵌ وبيّنَ أنها طريق إلى النار. والاحتفال بالمولد فيه مشابهة للنصارى في احتفالهم بميلاد المسيح ﵇.

стр. 21

يمكن أن نقسم الموالد إلى قسمين: ١ - مولد صاحبته الخرافات والمخالفات كالاختلاط بين الرجال والنساء وسماع الموسيقى، والغلو في النبي ﵌. ٢ - مولد يكون مقتصرًا على سماع درس أو محاضرة مثلا. فالنوع الأول لا شك في تحريمه لما يصاحبه من الضلالات والمخالفات. وأما النوع الثاني فإذا جعلناه من باب العبادات فهو بلا شك لا يجوز لأن إحداث عمل تعبدي زائد لا يجوز. وإذا جعلناه من باب العادات والتي نجد فيه فرصة لتعليم سيرة النبي ونحوها فلا يمكن أن يقال بالجواز للأسباب التالية: ١ - أن تاريخ مولده ﵌ ليس متفقا عليه. ٢ - أنه قد يفتح بابًا لما لا يجوز شرعًا كأن تدخله بعض البدع. ٣ - قد يعتقد الناس مندوبيته واستحبابه الشرعي في حين أن الأمر ليس كذلك. ٤ - سيفتح هذا بابًا لأن يقال إن هناك أيامًا مهمة في حياة النبي ﵌ كالبعثة والتي فيها بُشِّرَ النبي ﵌ بالنبوة وأُمِرَ

стр. 22

بالإنذار فهي كذلك تستحق الاحتفال، والهجرة والانتصارات في حياته وأيام نجاته من المؤامرات وغيرها مما لن ينتهي. ٥ - أن فيه مشابهة للنصارى، وقد علم من نصوص الشرع طلب مخالفتهم، إلا ما نَصّ الشارع على مشروعيته فنحن نتبع الشرع سواء وافق النصارى أو غيرهم أم لا، أما ما لم يرد به الشرع وفيه المشابهة فالمطلوب فيه المخالفة. وبناء على ما سبق فيحرم الاحتفال سواء كان بدون مخالفات أو معها، وكلما زادت البدع كلما قوي التحريم. وبناء عليه يحرم: ١ - إقامة المولد والتعاون على ذلك. ٢ - الإنفاق عليه وفيه، لأنه ليس من أوجه البر التي يؤجر عليها المسلم. ٣ - كل ما من شأنه إحياؤه واستمراره ودوامه كالوقف عليه وغيره.

стр. 23

الاحتفال بالمولد النبوي من البدع التي لم يفعلها السلف الصالح: اتفق أهل العلم من لا يرى منهم عمل المولد ومن يراه على أن الاحتفال بالمولد النبوي لم يفعله السلف الصالح (١)، فلم يحتفلوا بمولد النبي ﵌، بل تركوه، وما تركوه لا يمكن أن يكون ترْكُهُم إياه إلا لكَوْنه لا خير فيه؛ فإن ما حدث بعد السلف ﵃ لا يخلو: - إما أن يكونوا عَلِمُوه وعَلِمُوا أنه موافق للشريعة ولم يعملوا به، ومعاذ الله أن يكون ذلك؛ إذ أنه يلزم منه تنقيصهم وتفضيل من بعدهم عليهم، ومعلوم أنهم

стр. 24

من أكمل الناس في كل شيء وأشدهم اتباعًا. - وإما أن يكونوا عَلِمُوه وتركوا العمل به، ولم يتركوه إلا لموجب أوجب تركه فكيف يمكن فعله؟! - وإما أن يكونوا لم يعْلَموه فيكون من ادعى علمه بعدهم أعلم منهم وأفضل وأعرف بوجوه البر وأحرص عليها ولو كان ذلك خيرًا لعلموه ولظهر لهم، ومعلوم أنهم أعقل الناس وأعلمهم (١). فما تركه السلف الصالح لا بد أن يكون النبي ﵌ قد ترَكَه، وتَرْكُه سُنّة، كما أن فِعْلَه سنة، فمن استحب فعل ما تركه النبي ﵌ كان كمن استحب ترك ما فعله ولا فرق (٢). ومما يدل على أن السلف الصالح لم يحتفلوا بيوم المولد النبوي اختلافهم في تحديد اليوم الذي ولد فيه النبي ﵌ كما سبق بيانه.

стр. 25

يظهر فساد القول بجوازه ومشرعية من خلال الأوجه التالية (١): الوجه الأول: أن هذا الفعل لم يفعله النبي ﵌ ولا أمَر به ولا فعله صحابته ﵃ ولا أحد من التابعين ولا تابعيهم، ولا فَعَله أحد من أهل الإسلام خلال القرون المفضلة الأولى، وإنما ظهر ـ كما تقدم ـ على ايدي أناس هم أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان وهم الباطنيون. إذا تقرر هذا فالذي يفعل هذا الأمر داخل ضمن الوعيد الذي توعد الله صاحبه وفاعله بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (النساء: ١١٥)، والذي يفعل ما يسمى بالمولد لا شك أنه مُتَّبِعٌ لغير سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين وتابعيهم ﵃. الوجه الثاني: أن الذي يمارس هذا الفعل واقع فيما حذر منه النبي ﵌

стр. 26

من إحداث البدع. الوجه الثالث: أن فاعل هذه البدعة غير مأجور على فعله بل مردود على صاحبه لقول النبي ﵌: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» وفي رواية «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم). «فَهُوَ رَدٌّ» أي: مردود على صاحبه. ولا يكفي حسن النية بل لابد من متابعة النبي ﵌. الوجه الرابع: قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة:٣). والذي يقول إن المولد عبادة نتعبد لله تعالى بها ما موقفه من هذه الآية؟ إن قال إنه مصدق بها لزمه: - إما أن يقول إن المولد ليس بعبادة ويكون أقرب إلى العبث واللعب منه إلى ما يقرب الى الله . - أو أنه مستدرك على الله وعلى رسوله ﵌ بأنهم لم يدُلّونا على هذه العبادة التي تقرب إلى الله.

стр. 27

فإن قال: أنا لا أقول أنها عبادة ولا أستدرك على الله ورسوله ﵌ ومؤمن بهذه الآية لزمه الرجوع إلى القول الحق وأنها بدعة محدثة. الوجه الخامس: أن الممارس لهذا الأمر ـ أي بدعة المولد ـ كأنه يتهم للرسول ﵌ بالخيانة وعدم الأمانة ـ والعياذ بالله ـ؛ لأنه كتم على الأمة ولم يدلها على هذه العبادة العظيمة التي تقربها إلى الله. وقد قال الإمام مالك ﵀: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﵌ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة:٣)، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا» (١). الوجه السادس: أن فاعل المولد معاند للشرع ومشاق له لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه وكيفيات خاصة وقصر الخلق عليها بالأوامر والنواهي وأخبر أن الخير فيها والشر في

стр. 28

مجاوزتها وتركها؛ لأن الله أعلم بما يصلح عباده وما أرسل الرسل ولا أنزل الكتب إلا ليعبدوه وفق ما يريد سبحانه. والذي يبتدع هذه البدعة رادٌّ لهذا كلِّه زاعمٌ أن هناك طرقًا أخرى للعبادة وأن ما حصره الشارع أو قصره على أمور معينة ليس بلازم له، فكأنه يقول بلسان حاله إن الشارع يعلم وهو أيضًا يعلم، بل ربما يفهم أن يعلم أمرًا لم يعلمه الشارع، سبحانك هذا بهتان عظيم وجرم خطير وإثم مبين وضلال كبير. الوجه السابع: أن في إقامة هذه البدعة تحريف لأصل من أصول الشريعة وهي محبة النبي ﵌ واتباعه ظاهرًا وباطنًا واختزالها في هذا المفهوم البِدْعِيّ الضيق الذي لايتفق مع مقاصد الشرع المطهر إلى دروشة ورقص وطرب وهَزّ للرؤوس؛ لأن الذين يمارسون هذه البدعة يقولون إن هذا من الدلائل الظاهرة على محبته ومن لم يفعلها فهو مبغض للنبي ﵌ وهذا لاشك تحريف لمعنى محبة الله ومحبة رسوله ﵌؛ لأن محبة الله والرسول تكون باتباع سنته ظاهرًا وباطنًا كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ

стр. 29

وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (آل عمران:٣١). الوجه الثامن: أن هذا المولد فيه مشابهة واضحة لدين النصارى الذين يحتفلون بعيد ميلاد المسيح وقد نهينا عن التشبه بهم كما قال ﵌: «مَنْ َتَشَّبَه بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ». (رواه الإمام أحمد وغيره، وصححه الألباني). الوجه التاسع: أن فيه قدحا في من سبقنا من الصحابة ومن أتى بعدهم بأننا أكثر محبة للنبي ﵌ منهم، وأنهم لم يوفوه حقه من المحبة والاحترام لأن فاعلي المولد يقولون عن الذين لا يشاركونهم إنهم لا يحبون النبي ﵌، وهذه التهمة منصرفة إلى أصحابه الأطهار الذين فدَوْه بأرواحهم وبآبآءهم وأمهاتهم ﵃. الوجه العاشر: أن فاعل هذا المولد واقع فيما نهى النبي ﵌ أمته صراحة فقد قال ﵌: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ». (رواه البخاري). فقد نهى عن تجاوز الحد في إطرائه ومدحه وذكر أن هذا مما

стр. 30

وقع فيه النصارى وكان سبب انحرافهم. وما يفعل الآن من الموالد من أبرز مظاهر الإطراء وإذا لم يكن في الموالد ـ التي تنفق فيها الأموال الطائلة وتنشد فيها المدائح النبوية التي تشتمل على أعظم أنواع الغلو فيه ﵌ من إعطائه خصائص الربوبية ـ إطراء ففي ماذا يكون الإطراء؟ الوجه الحادي عشر: بدعة المولد النبوي مجاوزة في الحد المشروع في ما أمِرْنَا به مِن محبة النبي ﵌، ومجاوزة للحد المشروع في إقامة الأعياد ففي شرع المسلمين عيدان فقط، ومن أتى بثالث فهو متجاوز للحد المشروع، بل إنهم قد فضلوا الاحتفال المبتدع على عيدَي الفطر والأضحى كما نسمع طوال شهر ربيع الأول في إذاعة القرآن الكريم المصرية من تواشيح طه الفشني التي يقول فيها: ميلاد طه أكرم الأعياد ... وبشير كل الخير والإسعاد ومن ذلك تواشيح النقشبندي التي يقول فيها: وأتى ربيع فمرحبًا بهلاله ... قد أقبل الإسعاد في إقباله شهر به سَعِدَ الزمانُ فحقُّه ... أنْ يزدهي شرفًا على أقرانِه ما ازدانَت الأعيادُ إلا أنها ... جمعتْ لزينتِها بديعَ جمالِه

стр. 31

الوجه الثاني عشر: أن فعل المولد غلُوٌّ مذموم في شخص النبي ﵌ ومن أعظم الذرائع المؤدية للشرك الأكبر وهو الكفر المخرج من الملة لأن الغلو في الصالحين كان سبب وقوع الأمم السابقة في الشرك وعبادة غير الله . وقد جاءت الشريعة بسد الذرائع الموصلة للشرك. وقد حذر النبي ﵌ أمته من ذلك فقال ﵌: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِى الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِى الدِّينِ». (رواه ابن ماجه، ن وصححه الألباني)، وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال. ومعلوم أن سبب الشرك الذي وقع في بني آدم هو مجاوزة الحد والغلو في تعظيم الصالحين؛ فقد قال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (نوح: ٢٣): «صَارَتِ الأَوْثَانُ الَّتِى كَانَتْ فِى قَوْمِ نُوحٍ فِى الْعَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وُدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِى غُطَيْفٍ بِالْجُرُفِ عِنْدَ سَبَا، وَأَمَّا

стр. 32

يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ، لآلِ ذِى الْكَلاَعِ. أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِى كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ». (رواه البخاري). وقارن بما حصل عند قوم نوح مع أنهم لم يصرفوا شيئًا من العبادة في أول الأمر حتى وقعوا في الشرك والسبب هذه التماثيل وهي مظهر من مظاهر الغلو وانظر ما حصل ويحصل في الموالد فهو ليس من ذرائع الشرك فحسب؛ بل يحصل الشرك بعينه من دعاءٍ لغير الله وإعطائه ﵌ بعض خصائص الرب كالتصرف في الكون وعلم الغيب ففي هذه الموالد يترنمون بالمدائح النبوية وعلى رأسها بردة البوصيري الذي يقول: يا أكرمَ الخلقِ مَا لي مَن ألوذُ بِه سواكَ عندَ حُلولِ الحادثِ العممِ فإنّ مِن جودِكَ الدُنيا وضُرتُها ومِن علومِك عِلْمُ اللوحِ والقلمِ فماذا بقي لرب العباد ؛ إن هذا ليس شركًا في

стр. 33

الألوهية بل هو شرك في الربوبية وهو أعظم من شرك كفار قريش ـ والعياذ بالله ـ؛ لأن كفار قريش كانوا يعتقدون أن المتصرف في الكون هو الله لا أصنامُهم، وهؤلاء يزعمون أن المتصرف في الكون الذي بيده الدنيا والآخرة هو النبي ﵌. وانظر إلى قوله: «يا أكرمَ الخلقِ مَا لي مَن ألوذُ بِه» فهو يعتبر رسول الله هو الملاذ وهو الذي يستغاث به ويدعوه عند الملمات، وهذا هو عين شرك كفار قريش الذين كانوا يعبدون الأوثان بل هم أحسن حالا منه فهم عند الشدائد يخلصون الدعاء والعبادة والبوصيري عند الشدائد والملمات يدعو غير الله. والموالد لا يمكن أن تقوم بغير أبيات البردة فهي الشعيرة والركيزة الأساسية في هذه الموالد البدعية، ولو لم يكن فيها إلا هذه المفسدة لكفى بها مبررًا لتحريمها والتحذير منها. وإن زعم شخص أنه سوف يخليه مما تقدم قلنا له المولد بحد ذاته هو مظهر من مظاهر الغلو المذموم فضلًا عما يحتويه من طوام عظيمة وبدعة في الدين محدثة لم يشرعها ولم يأذن بها الله. الوجه الثالث عشر: أن الفرح بهذا اليوم والنفقه فيه وإظهار الفرح والسرور فيه

стр. 34

قَدْحٌ في محبة العبد لنبيه الكريم ﵌؛ إذ هذا اليوم ـ بالإجماع ـ هو اليوم الذي توفي فيه النبي ﵌ فكيف يفرح فيه؟ وأما يوم مولده فمختلف فيه، فكيف تكون عبادة عظيمة تقرب إلى الله واليوم الذي يحتفل فيه غير مجزوم به. وقد قال ابن الحاج في كلامه على عمل المولد: «العجب العجيب كيف يعملون المولد بالمغاني والفرح والسرور لأجل مولده ﵌، في هذا الشهر الكريم وهو ﵌ فيه انتقل إلى كرامة ربه وفجعت الأمة وأصيبت بمصاب عظيم لا يعدل ذلك غيرها من المصائب أبدًا، فعلى هذا كان يتعين البكاء والحزن الكثير وانفراد كل إنسان بنفسه لِمَا أصِيبَ به، لقوله ﵌: «لِيُعَزِّ الْمُسْلِمِينَ فِى مَصَائِبِهِمُ الْمُصِيبَةُ بِى» (١)، فلما ذكر ﵌ المصيبة به ذهبت كل المصائب التي تصيب المرء في جميع أحواله وبقيت لا خطر لها.

стр. 35

فانظر في هذا الشهر الكريم ـ والحالة هذه ـ كيف يلعبون فيه ويرقصون ولا يبكون ولا يحزنون، ولو فعلوا ذلك لكان أقرب إلى الحال، مع أنهم لو فعلوا ذلك والتزموه لكان أيضًا بدعة، وإن كان الحزن عليه ﵌ واجبًا على كل مسلم دائمًا لكن لا يكون على سبيل الاجتماع لذلك والتباكي وإظهار التحزن بل ذلك ـ أعني: الحزن ـ في القلوب، فإن دمعت العين فيا حبذا وإلا فلا حرج إذا كان القلب عامرًا بالحزن والتأسف، إذ هو المقصود بذلك كله، وإنما وقع الذكر لهذا الفصل؛ لكونهم فعلوا الطرب الذي للنفوس فيه راحة وهو اللعب والرقص والدف والشبابة وغير ذلك مما تقدم بخلاف البكاء والحزن إذ أنه ليس للنفس فيه راحة، بل الكمد وحبس النفوس عن شهواتها وملاذها. ولو قال قائل: أنا أعمل المولد للفرح والسرور لولادته ﵌ ثم أعمل يومًا آخر للمآتم والحزن والبكاء عليه. فالجواب: أنه قد تقدم أن من عمل طعامًا بنية المولد ليس إلا، وجمع له الإخوان، فإن ذلك بدعة، هذا وهو فعل واحد ظاهره البر والتقرب ليس إلا، فكيف بهذا الذي جمع بدعًا جملة في

стр. 36

مرة واحدة، فكيف إذا كرر ذلك مرتين مرة للفرح ومرة للحزن، فتزيد به البدع ويكثر اللوم عليه من جهة الشرع؟!» (١). الوجه الرابع عشر: اشتمال هذه الموالد على كثير من كبائر وعظائم الأمور والتي يرتع فيها أصحاب الشهوات ويجدون فيها بغيتهم مثل: الطرب والغناء واختلاط الرجال بالنساء، ويصل الأمر في بعض البلدان التي يكثر فيها الجهل أن يشرب فيها الخمر، وكذلك إظهار ألوان من الشعوذة والسحر، ومن يحضر هذه الأماكن بغير نية القربة فهو آثم مأزور غير مأجور، فكيف إذا انضم إليه فعل هذه المنكرات على أنها قربة إلى الله ، فأي تحريف لشعائر الدين أعظم من هذا التحريف. الوجه الخامس عشر: اشتماله على أنواع عظيمة من البذخ والتبذير وإضاعة الأموال وإنفاقها على غير اهلها. الوجه السادس عشر: أن في هذه الموالد استنفاد الطاقات والجهود والأموال

стр. 37

وإشغال الأوقات وصرف للناس عن ما يُكادُ لهم من قِبَلِ أعدائهم فتصبح كل أيامهم رقص وطرب وموالد، فمتى يتفرغون لتعلم دينهم ومعرفة ما يخطط لهم من قبل أعدائهم. ولهذا لما جاء المستعمرون للبلاد الإسلامية حاولوا القضاء على كل معالم الإسلام وصرف الناس عن دينهم ومحاولة إشاعة الرذيلة بينهم، وما كان من تصرفات المسلمين فيه مصلحة لهم وفَتٌّ في عضد المسلمين وإضعاف لشأنهم فإنهم باركوه وشجعوه مثل الملاهي والمحرمات ونحوها، ومن ذلك البدع المحدثة التي تصرف الناس عن معالم الإسلام الحقيقية مثل بدعة المولد وغيرها من الموالد. نابليون بونابرت يُحْيِي المولد ويدعمه: ذكر المؤرخ المصري الجبرتي أن المستعمرين الفرنسيين عندما احتلوا مصر بقيادة نابليون بونابرت انكمش الصوفية وأصحاب الموالد فقام نابليون وأمرهم بإحيائها ودعمها، فقد ذكر الجبرتي أن نابليون أمر الشيخ البكري بإقامة الاحتفال بالمولد وأعطاه ثلاثمائة ريال فرنسي، وأمره بتعليق الزينات، بل وحضر الحفل

стр. 38

بنفسه من أوله إلى آخره (١). ما هدفهم من تأييد ودعم مثل هذه البدع وهذه الموالد؟ يقول المؤرخ الجبرتي المعاصر لهم: «ورخص الفرنساوية ذلك للناس لِمَا رأوا فيه من الخروج عن الشرائع واجتماع النساء واتباع الشهوات والتلاهي وفعل المحرمات» (٢). ويعلق عبد الرحمن الرافعي قائلًا: «فنابليون قد استعمل سياسة الحفلات ليجذب إليه قلوب المصريين من جهة، وليعلن عن نفسه في العالم الإسلامي بأنه صديق الإسلام والمسلمين» (٣). الأمريكيون يحتفلون بالموالد: حضر توماس رايلي السفير الأمريكي في المغرب يوم ١٤ أبريل ٢٠٠٦ عيد المولد النبوي الشريف الذي أحيته الطريقة القادرية. وشارك السفير الأمريكي في مصر فرانسيس ريتشارد دوني

стр. 39

أهالي مدينة طنطا احتفالاتهم بمولد السيد البدوي، اتباعًا لعادة استَنَّها منذ وصوله إلي مصر، بل إنه حرص علي لقاء شيخ مشايخ الطرق الصوفية الشيخ حسن الشناوي في أحد سرادقات الطرق الصوفية، قبل أن يذهب برفقة محافظ الغربية مترجِّلًا وسط الجموع، إلي سرادق مشيخة عموم السادة الجازولية الحسينية، حيث حضر إحدي حلقات الذكر ليشارك الحضور أذكارهم علي نغمات الدف ومع التهليل وهو جالس علي الأرض. ولاحظ المراقبون إصرار السفير علي حضور معظم احتفالات المولد (١). من المفاسد المترتبة على الاحتفال بالمولد: القيام عند ذكر ولادته ﵌ وخروجه إلى الدنيا: حيث حثت القصص التي تقرأ بمناسبة الاحتفال باليوم الذي يقال: بأنه يوافق يوم المولد النبوي على القيام عند ذكر ولادة النبي ﵌ وخروجه إلى الدنيا. وقد ذكر المؤيدون للاحتفال بالمولد في توجيه ذلك القيام ثلاثة أشياء:

стр. 40

أحدها: أنه للترحيب بالنبي ﵌ الذي يعتقد أولئك القائمون أنه يحضر بجسده الشريف مجلس الاحتفال بذلك اليوم الذي يقال: بأنه يوافق يوم المولد النبوي، وقد يوضع له البخور والطيب في ذلك المجلس على أساس أنه يتطيب ويتبخر، كما يوضع له الماء على أساس أنه يشرب منه. الثاني: أن القيام الذي يقع عند ذكر وضعه ﵌ وخروجه إلى الدنيا كان لحضور روح النبي ﵌ في تلك اللحظة. الثالث: أن ذلك القيام لتشخيص ذات النبي ﵌. ومن الواضح أن تعظيم النبي ﵌ إنما يكون بما شرع تعظيمه به وهذا القيام غير مشروع. ودعوى حضور النبي ﵌ الاحتفال بالمولد بجسده الشريف أساسها دعوى خاطئة لجماعة من المتصوفة زعموا فيها جواز رؤية النبي ﵌ يقظةً، واستنكرها المحققون من أهل العلم منهم القاضي أبو بكر بن العربي والقرطبي شارح صحيح مسلم والحافظ العسقلاني في فتح الباري وشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية والحافظ الذهبي والحافظ الإمام عماد الدين بن كثير والحافظ السخاوي والسيد رشيد رضا.
следующие страницы →