مرة واحدة، فكيف إذا كرر ذلك مرتين مرة للفرح ومرة للحزن، فتزيد به البدع ويكثر اللوم عليه من جهة الشرع؟!» (١).
الوجه الرابع عشر:
اشتمال هذه الموالد على كثير من كبائر وعظائم الأمور والتي يرتع فيها أصحاب الشهوات ويجدون فيها بغيتهم مثل: الطرب والغناء واختلاط الرجال بالنساء، ويصل الأمر في بعض البلدان التي يكثر فيها الجهل أن يشرب فيها الخمر، وكذلك إظهار ألوان من الشعوذة والسحر، ومن يحضر هذه الأماكن بغير نية القربة فهو آثم مأزور غير مأجور، فكيف إذا انضم إليه فعل هذه المنكرات على أنها قربة إلى الله ، فأي تحريف لشعائر الدين أعظم من هذا التحريف.
الوجه الخامس عشر:
اشتماله على أنواع عظيمة من البذخ والتبذير وإضاعة الأموال وإنفاقها على غير اهلها.
الوجه السادس عشر:
أن في هذه الموالد استنفاد الطاقات والجهود والأموال
стр. 37
وإشغال الأوقات وصرف للناس عن ما يُكادُ لهم من قِبَلِ أعدائهم فتصبح كل أيامهم رقص وطرب وموالد، فمتى يتفرغون لتعلم دينهم ومعرفة ما يخطط لهم من قبل أعدائهم.
ولهذا لما جاء المستعمرون للبلاد الإسلامية حاولوا القضاء على كل معالم الإسلام وصرف الناس عن دينهم ومحاولة إشاعة الرذيلة بينهم، وما كان من تصرفات المسلمين فيه مصلحة لهم وفَتٌّ في عضد المسلمين وإضعاف لشأنهم فإنهم باركوه وشجعوه مثل الملاهي والمحرمات ونحوها، ومن ذلك البدع المحدثة التي تصرف الناس عن معالم الإسلام الحقيقية مثل بدعة المولد وغيرها من الموالد.
نابليون بونابرت يُحْيِي المولد ويدعمه:
ذكر المؤرخ المصري الجبرتي أن المستعمرين الفرنسيين عندما احتلوا مصر بقيادة نابليون بونابرت انكمش الصوفية وأصحاب الموالد فقام نابليون وأمرهم بإحيائها ودعمها، فقد ذكر الجبرتي أن نابليون أمر الشيخ البكري بإقامة الاحتفال بالمولد وأعطاه ثلاثمائة ريال فرنسي، وأمره بتعليق الزينات، بل وحضر الحفل
стр. 38
بنفسه من أوله إلى آخره (١).
ما هدفهم من تأييد ودعم مثل هذه البدع وهذه الموالد؟
يقول المؤرخ الجبرتي المعاصر لهم: «ورخص الفرنساوية ذلك للناس لِمَا رأوا فيه من الخروج عن الشرائع واجتماع النساء واتباع الشهوات والتلاهي وفعل المحرمات» (٢).
ويعلق عبد الرحمن الرافعي قائلًا: «فنابليون قد استعمل سياسة الحفلات ليجذب إليه قلوب المصريين من جهة، وليعلن عن نفسه في العالم الإسلامي بأنه صديق الإسلام والمسلمين» (٣).
الأمريكيون يحتفلون بالموالد:
حضر توماس رايلي السفير الأمريكي في المغرب يوم ١٤ أبريل ٢٠٠٦ عيد المولد النبوي الشريف الذي أحيته الطريقة القادرية.
وشارك السفير الأمريكي في مصر فرانسيس ريتشارد دوني
стр. 39
أهالي مدينة طنطا احتفالاتهم بمولد السيد البدوي، اتباعًا لعادة استَنَّها منذ وصوله إلي مصر، بل إنه حرص علي لقاء شيخ مشايخ الطرق الصوفية الشيخ حسن الشناوي في أحد سرادقات الطرق الصوفية، قبل أن يذهب برفقة محافظ الغربية مترجِّلًا وسط الجموع، إلي سرادق مشيخة عموم السادة الجازولية الحسينية، حيث حضر إحدي حلقات الذكر ليشارك الحضور أذكارهم علي نغمات الدف ومع التهليل وهو جالس علي الأرض. ولاحظ المراقبون إصرار السفير علي حضور معظم احتفالات المولد (١).
من المفاسد المترتبة على الاحتفال بالمولد:
القيام عند ذكر ولادته ﵌ وخروجه إلى الدنيا: حيث حثت القصص التي تقرأ بمناسبة الاحتفال باليوم الذي يقال: بأنه يوافق يوم المولد النبوي على القيام عند ذكر ولادة النبي ﵌ وخروجه إلى الدنيا.
وقد ذكر المؤيدون للاحتفال بالمولد في توجيه ذلك القيام ثلاثة أشياء:
стр. 40
أحدها: أنه للترحيب بالنبي ﵌ الذي يعتقد أولئك القائمون أنه يحضر بجسده الشريف مجلس الاحتفال بذلك اليوم الذي يقال: بأنه يوافق يوم المولد النبوي، وقد يوضع له البخور والطيب في ذلك المجلس على أساس أنه يتطيب ويتبخر، كما يوضع له الماء على أساس أنه يشرب منه.
الثاني: أن القيام الذي يقع عند ذكر وضعه ﵌ وخروجه إلى الدنيا كان لحضور روح النبي ﵌ في تلك اللحظة.
الثالث: أن ذلك القيام لتشخيص ذات النبي ﵌.
ومن الواضح أن تعظيم النبي ﵌ إنما يكون بما شرع تعظيمه به وهذا القيام غير مشروع.
ودعوى حضور النبي ﵌ الاحتفال بالمولد بجسده الشريف أساسها دعوى خاطئة لجماعة من المتصوفة زعموا فيها جواز رؤية النبي ﵌ يقظةً، واستنكرها المحققون من أهل العلم منهم القاضي أبو بكر بن العربي والقرطبي شارح صحيح مسلم والحافظ العسقلاني في فتح الباري وشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية والحافظ الذهبي والحافظ الإمام عماد الدين بن كثير والحافظ السخاوي والسيد رشيد رضا.
стр. 41
والخلاصة: أن دعوى حضور النبي ﵌ الاحتفال باليوم الذي يقال: إنه يوافق يوم المولد النبوي بجسده غير صحيحة وأنها تستلزم خروج النبي ﵌ من قبره ومشيه في الأسواق ومخاطبته للناس ومخاطبتهم له وخلو قبره عن جسده الشريف بحيث يزار مجرد القبر ويسلم على غائب، وأن يراه رائيان في آن واحد في مكانين مختلفين، وأن يكون ذلك الرائي صحابيًا وأن يجب العمل بما سمعه منه ذلك المدعي لرؤيته، وأن يحظى المدعي لرؤيته ﵌ في اليقظة بما لم تحظ به ابنته فاطمة التي اشتد حزنها عليه حتى ماتت كمدًا بعده بستة أشهر على الصحيح، ولم تنقل عنها دعوى رؤيته، كما لم يحظ به غيرها من أصحاب النبي ﵌، وكل ذلك جهالات يدرك فسادها بأوائل العقول.
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
стр. 42
أحاديث
لا تصح
مذكورة في
كتب المولد النبويّ
قال أحد دعاة الصوفية ـ عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري (١) المتوفَّى سنة ١٤١٣هـ، والذي يصفه الصوفية بمحدث الديار المغربية والبلاد الأفريقيّة ـ في رسالته المسمّاة (مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر): «ما يوجد في كتب المولد النبويّ من أحاديث لا خطام لها ولا زمام هي من الغلو الذي نهى الله ورسوله عنه، فتحرم قراءة تلك الكتب. والنبيّ ﵌ يقول: «من حدّث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (رواه مسلم) يُرَى بضم الياء: معناه يُظَنّ.
وفضل النبي ﵌ ثابت في القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، وهو في غِنًى عما يقال فيه من الكذب والغلو، وقال ﵌: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا
стр. 43
عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ». (رواه البخاري) اهـ كلامه.
ومن هذه الأحاديث التي لا تصح:
١ - ما جاء عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء، قال: يا جابر، إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر، ولا جني ولا إنسي، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء: فخلق من الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السموات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار.
ثم قسم الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله، ومن الثالث نور أنسهم وهو: التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله».
стр. 44
قال الغماري: «الحديث منكر موضوع لا أصل له في شىء من كتب السُّنّة».
٢ - قال الغماري: ومثله في النكارة ما رُوي عن علي بن الحسين، عن أبيه ﵄، عن جدّه أن النبيّ ﵌ قال: «كنت نورًا بين يدي ربي قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام».
٣ - قال الغماري: ومن الكذب السخيف ما يقال إن إحدى أمهات المؤمنين أرادت أن تلف إزارًا على جسد النبيّ ﵌ فسقط الإزار أي لأنه نور، وهذا لا أصل له. وقد كان النبيّ ﵌ يستعمل الإزار ولم يسقط عنه. وكونه ﵌ نورًا أمر معنوي، مثل تسمية القرآن نورًا ونحو ذلك، لأنه نوَّر العقول والقلوب.
٤ - قال الغماري: «ومن الكذب المكشوف قولهم: «لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك».
٥ - قال الغماري: «وكذلك ما روي عن علي ﵁، عن النبيّ ﵌ قال: هبط عليّ جبريل فقال: إن الله يقرؤك السلام ويقول: «إني حرمْتُ النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كَفَلَك» وهو حديث موضوع.
стр. 45
٦ - قال الغماري: وروي في بعض كتب المولد النبوي عن أبي هريرة قال: سأل النبيّ ﵌ جبريل ﵇ فقال: يا جبريل كم عمّرتَ من السنين؟ فقال: يا رسول الله، لست أعلم غير أن في الحجاب الرابع نجمًا يطلع في كل سبعين ألف سنة مرة، رأيتُه اثنتين وسبعين ألف مرة، فقال النبيّ: وعزة ربي أنا ذلك الكوكب».وهذا كذب قبيح، قبّح الله من وضعه وافتراه.
٧ - قال الغماري: وذكر بعض غلاة المتصوّفة أن جبريل ﵇ كان يتلقّى الوحي من وراء حجاب وكُشف له الحجاب مرة فوجد النبيّ ﵌ يوحِي إليه، فقال جبريل: «منك وإليك».
قال الغماري: «لعن الله من افترى هذا الهراء المخالف للقرآن فإن الله تعالى يقول لنبيّه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ (الشورى:٥٢).
٨ - ما رُوِيَ أن النبي ﵌: «كُنْت أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الْخَلْقِ وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ».
٩ - حديث: «لما أراد الله أن يخلق محمدًا أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرقيع الأعلى، فقبض قبضة رسول
стр. 46
الله ﵌ من موضع قبره الشريف وهي بيضاء منيرة فعجنت بماء التسنيم في معين أنهار الجنة حتى صارت كالدرة البيضاء، لها شعاع عظيم ثم طافت بها الملائكة حول العرش والكرسي وفي السموات والأرض والجبال والبحار فعرفت الملائكة وجميع الخلق سيدنا محمدًا ﵌ وفضله قبل أن تعرف آدم».
١٠ - حديث: «كنت نورًا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق آدم جعل ذلك النور في صلبه فلم يزل ينقله من صلب إلى صلب حتى استقر في صلب عبد المطلب».
١١ - حديث: «كنت نورًا بين يدي الله عزوجل قبل أن يخلق آدم بألفي عام، يسبح الله ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه، فلما خلق الله آدم أودع ذلك النور في طينته، فأهبطني الله إلى الأرض في ظهر آدم وجعلني في السفينة في صلب نوح، وجعلني في صلب الخليل إبراهيم حين قذف به في النار، ولم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية الفاخرة حتى أخرجني الله من بين أبوي وهما لم يلتقيا على سفاح قط».
стр. 47
١٢ - حديث أن آدم ﵇ لما رام القرب من حواء طلبت المهر منه، فقال: يا رب، وماذا أعطيها؟ قال: يا آدم، صل على حبيبي محمد عشرين مرة ففعل.
١٣ - ما رُوِيَ عن ابن عباس ﵄: «كان زمن السجود لآدم يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر ثم خلق الله تعالى له حواء زوجته من ضلع من أضلاعه اليسرى وهو نائم، وسميت حواء، لأنها خلقت من حي، فلما استيقظ ورآها سكن إليها ومد يده لها، فقالت الملائكة: مه يا آدم! قال: ولم وقد خلقها لي؟! فقال: حتى تؤدي مهرها، قال: وما مهرها؟ قالوا: تصلي على محمد ثلاث مرات.
١٤ - حديث: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فقال الله تعالى: يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب؛ لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله تعالى: صدقت يا آدم؛ لأنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك».
стр. 48
١٥ - ما رُوِيَ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «أوحى الله إلى عيسى ﵇: يا عيسى، آمِنْ بمحمد وأْمُرْ مَن أدركه مِن أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن».
١٦ - حديث «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرها، فأخرجت من بين أبوين فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي، فأنا خيركم نَفْسًا وخيركم أبًا».
١٧ - حديث: «أنا ابن الذبيحين».
يعني بهما: جده إسماعيل ﵇ وأباه عبد الله.
١٨ - حديث وَضَعَتْ الحوامل الذكور في السنة التي ولد فيها النبي ﵌ كرامة له».
١٩ - حديث: أن كل دابة لقريش نطقت ليلة الحمل
стр. 49
بمحمد ﵌ وقالت: حُمِلَ برسول الله ﵌، وتباشرت وحوش المشارق والمغارب ودوابها البحرية»، وفي بعض ألفاظه ما ينص على أن آسية ومريم ونساء من الحور العين حضرن ولادة النبي ﵌.
٢٠ - حديث: «من كرامتي على ربي أني ولدت مختونًا، ولم ير أحد سوأتي».
٢١ - حديث أن رسول الله ﵌ ولد مختونًا مسرورًا -أي: مقطوع السرة- ففرح به جده، وقال: ليكونن لابني هذا شأن».
٢٢ - حديث مناغاة النبي ﵌ القمر في المهد.
رُوِيَ عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: قلت: ﴿يا رسول الله، دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك، رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بأصبعك، فحيث أشرت إليه مال، قال: إني كنت أحدثه ويحدثني، ويلهيني عن البكاء، وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش».
٢٣ - ما رُوِيَ عن بريدة ﵁ قال: «رأت آمنة وهي حامل برسول الله ﵌ فقيل لها: إنك حبلى بخير البرية وسيد العالمين فإذا ولدتيه فسميه أحمد أو محمدًا، وعلقي عليه هذه، فانتبهت
стр. 50
وعند رأسها صحيفة من ذهب مكتوب عليها:
أعيذه بالواحد من شر كل حاسد وكل خَلْق رائد من قائم وقاعد عن السبيل حائد على الفساد جاهد من نافث أو عاقد وكل خلق مارد يأخذ بالمراصد في طرق الموارد أنهاهم عنه بالله الأعلى، وأحوطه منهم باليد العليا، والكنف الذي لا يرى، يد الله فوق أيديهم، وحجاب الله دون عاديهم، لا يطردونه ولا يضرونه في مقعد ولا منام، ولا سير ولا مقام، أول الليل وآخر الأيام».
٢٤ - ما رُوِيَ عن سلمان ﵁ قال: «هبط جبريل على النبي ﵌ فقال: إن ربك يقول: إن كنتُ اتخذت إبراهيم خليلًا فقد اتخذتك حبيبًا، وما خلقت خلقًا أكرم علي منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك ما خلقت الدنيا».
٢٥ - ما رُوِيَ في خبر وفاة النبي ﵌: أن جبريل ﵇ قال له: «يا رسول الله، هذا آخر موطئي من الأرض كنت حاجتي من الدنيا».
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
стр. 51
كشف شبهات
من قال بمشروعية
الاحتفال بالمولد النبوي
الشبهة الأولى:
قال بعض العلماء أن الاحتفال بالمولد بدعة حسنة، وجرى به العمل في كل البلاد.
الجواب:
١ - من المعلوم أن رسول الله ﵌ قضى وقرر بأن كل بدعة ضلالة، ولم يرِدْ نَصّ من كتاب أو سنة يمكن أن يُستَنَد إليه في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة.
٢ - المبتدع يتخذ من زلات العلماء حجة لبدعته على الشرع، قال الإمام الشاطبي ﵀: « ... الإنسان لا ينبغي له أن يعتمد على عمل أحد البتة، حتى يتثبت ويسأل عن حكمه؛ إذ لعل المعتمَد على عمله يعمل على خلاف السُنّة، ولذلك قيل: لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سَلْه يصْدُقْك، وقالوا: ضعف الروية أن
стр. 52
يكون رأي فلانًا يعمل فيعمل مثله، ولعله فعله ساهيًا» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: « ... عادة بعض البلاد أو أكثرها، وقول كثير من العلماء، أو العبّاد، أو أكثرهم، ونحو ذلك ليس مما يصلح أن يكون معارضًا لكلام الرسول ﵌ حتى يعارض به» (٢).
٣ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه على المواسم المبتدعة من موالد وغيرها: «إذا فعلها قوم ذوو فضل فقد تركها قوم في زمان هؤلاء معتقدين لكراهتها، وأنكرها قوم كذلك، وهؤلاء التاركون والمنكرون إن لم يكونوا أفضل ممن فعلوها فليسوا دونهم في الفضل، ولو فرضوا دونهم في الفضل، فتكون حينئذٍ قد تنازع فيها أولو الأمر، فترد إذن إلى الله والرسول.
وكتاب الله وسنة رسوله مع من كرهها لا مع من رخَّصَ فيها، ثم عامة المتقدمين الذين هم أفضل من المتأخرين مع هؤلاء التاركين المنكرين» (٣).
стр. 53
الشبهة الثانية:
قالوا: إن النبي ﵌ كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكرها وتعظيم يومها لاجلها ولأنه ظرف لها، واستدلوا بتخريج الحافظ ابن حجر العسقلانى الاحتفال بالمولد على صيام الرسول ﵌ يوم عاشوراء حيث إن الرسول ﵌ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ «مَا هَذَا؟». قَالُوا: «هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللهُ بَنِى إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ». فَصَامَهُ ﵌ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. (رواه البخاري ومسلم).
فقال الحافظ ابن حجر: «أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، وإلا فلا، وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ... » وذكر حديث صيام النبي ﵌ يوم عاشوراء ...
ثم قال: «فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم
стр. 54
معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة.
والشكر لله يحصل بأنواع العبادة، كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأيُّ نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينة حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه، فهذا ما يتعلق بأصل عمله.
وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير وعمل الآخرة، وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن يقال: ما كان من ذلك مباحًا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به، وما كان حرامًا أو مكروهًا فيمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى» (١).
الجواب:
١ - تخريج الحافظ ابن حجر عمل المولد على صيام عاشوراء لا يمكن الجمع بينه وبين جزمه بأن ذلك بدعة لم تُنقل عن أحد من السلف من القرون الثلاثة؛ فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه مَنْ بعدهم، يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحًا، إذ لو كان صحيحًا لم يعزب عن فهم السلف الصالح ويفهمه من بعدهم، كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلًا عليه إذ لو كان دليلًا لعمل به السلف الصالح.
فاستنباط الحافظ ابن حجر الاحتفال بالمولد النبوي ـ ما دام الأمر كذلك ـ من حديث صوم يوم عاشوراء أو من أي نص آخر، مخالف لما أجمع عليه السلف الصالح من ناحية فهمه ومن ناحية العمل به، وما خالف إجماعهم فهو خطأ، لأنهم لا يجتمعون إلا على هدى.
وقد بسط الإمام الشاطبي الكلام على تقرير هذه القاعدة في كتابه (الموافقات) وأتى في كلامه بما لا شك في أن الحافظ ابن حجر العسقلانى لو تنبه له لما خرّج عمل المولد على حديث صوم
стр. 55
يوم عاشوراء ما دام السلف لم يفهموا تخريجه عليه منه ولم يعملوا به على ذلك الوجه الذي فهمه منه (١).
٢ - حديث صوم يوم عاشوراء لنجاة موسى ﵇ فيه وإغراق فرعون فيه ليس فيه سوى أن النبي ﵌ صامه وأمر بصيامه (٢).
٣ - الشرط الذي شرطه الحافظ ابن حجر للاحتفال بالمولد النبوى ـ وهو تحري ذلك اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى ﵇ ـ لا سبيل إليه (٣)، حيث إن يوم عاشوراء يوم محدد معروف أما يوم ميلاد الرسول ﵌ فغير محدد حيث اختلف العلماء في تعيينه على أقوال كثيرة.
٤ - من أجاز الاحتفال بالمولد النبوي يقرّ أن النبي ﵌ لم يزِدْ فيه على غيره من الشهور شيئًا من العبادات، فهل نحن أعلم وأحرص على الدين من رسول الله ﵌ وأصحابه؟ وخير الهدي
стр. 56
هدي محمد ﵌.
والرسول ﵌ قد صام يوم عاشوراء وحث على صيامه فكان صيامه سنة، وسكت عن يوم ولادته الذي هو الثاني عشر من ربيع الأول كما يقول به أكثر المحتفلين، فلم يشرع فيه شيئًا فوجب أن نسكت كذلك، ولا نحاول أن نشرع فيه صيامًا ولا قيامًا ولا احتفالًا.
٥ - أما بالنسبة لقولهم إن النبي ﵌ كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت وانقضت فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكرها وتعظيم يومها لاجلها ولأنه ظرف لها.
فالجواب:
إن من أعظم الأمور التي وقعت في زمن النبي ﵌، مجيء الملك إليه بالنبوة وهو في غار حراء وتعليمه أول سورة العلق، ومن أعظم الأمور أيضًا الإسراء به ﵌ إلى بيت المقدس والعروج به إلى السموات السبع وما فوقها وتكليم الرب له وفرْضه الصلوات الخمس، ومن أعظم الأمور أيضًا هجرته ﵌ إلى المدينة، ومن أعظم الأمور أيضًا وقعة بدر
стр. 57
وفتح مكة، ولم يرد عنه ﵌ أنه كان يعمل الاجتماع لتذكر شيء من هذه الأمور العظيمة وتعظيم أيامها.
ولو كانت قاعدتهم التي توهموها وابتكروها صحيحة لكان النبي ﵌ يهتم بأوقات هذه الأمور العظيمة ويعقد الاجتماعات لتذكرها وتعظيم أيامها.
وفي تركه ﵌ ذلك أبلغ رد على مزاعمهم وتقوُّلهم على النبي ﵌.
الشبهة الثالثة:
قول السيوطى إن الاحتفال بالمولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدْر النبي ﵌ وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
الجواب:
١ - ما الدليل على أن الاحتفال بالمولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها؟ وما هو مقدار هذا الثواب؟ وهل نحن أحرص من الصحابة والتابعين على هذا الثواب؟ وهل نحن أكثر تعظيمًا لقدر النبي ﵌ منهم؟ فهم لم يحتفلوا، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
٢ - تعظيم قدْر النبي ﵌ يكون باتباع هديه وليس
стр. 58
باختراع عبادات لم يشرعها فإن ذلك فيه اتهام له بأنه قصَّر في تبليغ الرسالة أو أن الرسالة لم تكتمل، وإذا كان الصحابة لم يفعلوا المولد فهل معنى ذلك أنهم كانوا لا يعظمون قدر النبي ﵌؟
٣ - الشهر الذي يحتفلون فيه بمولد نبينا محمد ﵌ هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه، نبَّهَ على ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم ابن الحاج والفاكهاني.
الشبهة الرابعة:
عندما سُئل النبي ﵌ عن صوم يوم الاثنين قال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ» (رواه مسلم)، فتشريف هذا اليوم متضمن تشريف هذا الشهر الذي ولد فيه، ألا ترى أن صوم هذا اليوم فيه فضل عظيم؛ لأنه ﵌ ولد فيه؟
وإقامة المولد شكر لله تعالى على نعمة ولادة الرسول ﵌.
وصيام النبي ﵌ بمعنى الاحتفال به، إلا أن الصورة مختلفة، ولكن المعنى موجود.
الجواب:
١ - صوم النبي ﵌ يوم الاثنين ليس دليلًا على بدعة الاحتفال بالمولد فقد سُئِل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذَاكَ
стр. 59
يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، ويوم بُعِثْتُ، أو أُنزِلَ عليَّ فيه» (رواه مسلم)، فالرسول ﵌ لم يصم يوم ولادته وهو اليوم الثاني عشر من ربيع الأول إن صح أنه ذلك، فقد كان ﵌ يصوم ذلك اليوم (يوم الاثنين) من كل أسبوع وعلى طول الشهر، وعلى مدى العام كله، ولم يكن ذلك مرة واحدة في العام، فأين هذا مما يفعله المسلمون اليوم؟
ولو كان احتفالًا كما يزعم الزاعمون لاختلفت الكيفية، كأن يجتمع الصحابة مع رسول الله ﵌، ويتسابقون في إلقاء الخطب والأناشيد كما هو حال الكثير من المسلمين اليوم، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
٢ - هل النبي ﵌ لما صام يوم الاثنين شكرًا على نعمة الإيجاد والإمداد ـ وهو تكريمه ببعثته إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا ـ أضاف إلى الصيام احتفالًا كاحتفال أرباب الموالد من تجمعات ومدائح؟
والجواب: لا، وإنما اكتفى بالصيام فقط، إذًا ألا يكفي الأمة ما كفى نبيها، ويسعها ما وسعه؟ وهل يقدر عاقل أن يقول: لا؟
стр. 60
وإذًا فلم الافتيات على الشارع والتقدم بالزيادة عليه، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر:٧)، ويقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ (الحجرات:١)، وحال من قال بجواز إقامة المولد زيادة على صيام يوم الاثنين الثابت في السنة يشبه حال من صلى سنة المغرب مثلًا ثلاث أو أربع ركعات بحجة أنه أتى بالركعتين التي ثبتت بالسنة ثم أضاف إليها ركعتين زيادة في الخير!!.
٣ - من أراد اتباع النبي ﵌ فلْيَصُم يوم الاثنين كما صامه النبي ﵌، فإذا كان المراد من إقامة المولد هو شكر الله تعالى على نعمة ولادة الرسول ﵌ فيه فإن المعقول والمنقول يحتم أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول ﵌ ربه وهو الصوم؛ لأن الرسول ﵌ لا يختار إلا ما هو أفضل، وعليه فلنصم كما صام.
٤ - النبي ﵌ لم يكن يخص اليوم الثاني عشر من ربيع الأول ـ إن صح أن ذلك هو يوم مولده ﵌ ـ بالصيام ولا بشيء من الأعمال دون سائر الأيام، ولو كان يعظم يوم مولده، كما يزعمون لكان يتخذ ذلك اليوم عيدًا في كل سنة، أو كان يخصه
стр. 61
بالصيام أو بشيء من الأعمال دون سائر الأيام.
وفي عدم تخصيصه بشيء من الأعمال دون سائر الأيام دليل على أنه لم يكن يفضله على غيره وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ... (الأحزاب:٢١).
٥ - أما قولهم عن صيام الرسول ﵌ يوم الاثنين إن هذا في معنى الاحتفال به، إلا أن الصورة مختلفة، ولكن المعنى موجود، فالجواب عنه يفهم من الجواب عن السؤال التالي:
هل يجوز لنا أن نقول: أن مشروعية الصلاة في الأوقات الخمسة تعني مشروعية الصلاة في الجملة، وأنه يجوز لنا أن نحدث وقتا أو وقتين زيادة على الصلوات الخمس المكتوبة؟
وأنه يجوز لنا أن نقول: أن مشروعية صيام رمضان، تعني مشروعية الصيام في الجملة! وأنه يجوز لنا أن نحدث صيام شهر آخر غير رمضان على سبيل الوجوب؟
هل يجوز لنا أن نقول: إن مشروعية الحج في زمان مخصوص، تعني مشروعيته في الجملة، وأنه يجوز لنا أن نقول: بتوسعة وقت الحج طوال العام كالعمرة تخفيفا على الأمة وتوسعة عليها؟
стр. 62
إننا حينما نقول بذلك لا نقول بأن الصورة مختلفة، بل الصلاة هي الصلاة، والصوم هو الصوم، والحج هو الحج، إلا أن الجديد في ذلك الزيادة على المشروع فقط.
يلزم المجوزون للاحتفال بالمولد أن يقول: بجواز ذلك كما قالوا: بأن صيام رسول الله ﵌ يوم مولده، يدل على جواز إقامة الاحتفال بذكرى المولد.
٦ - النبي ﵌ علل صيامه يوم الاثنين بسببين:
أ- أنه ولد يوم الاثنين.
ب- يوم الاثنين بعث فيه إلى النبي ﵌.
فلماذا يحتفلون بواحدة ويتركون الأخرى؟
الشبهة الخامسة:
أن النبي ﵌ عقّ عن نفسه بعد النبوة، مع أنه ورد أن جده عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن هذا فعله ﵌ إظهارًا للشكر على إيجاد الله تعالى إياه رحمة للعالمين، فيستحب لنا أيضًا إظهار الشكر بمولده ﵌ بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات.
الجواب:
١ - ما رُوى أن النبي ﵌ عق عن نفسه غير صحيح ولم
стр. 63
يثبت، فقد ضعفه الأئمة مالك، وأحمد بن حنبل، والبزار، والبيهقي، والنووي، والحافظ المزي والحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر (١).
٢ - لو ثبت هذا عن النبي ﵌ لما كان هذا الحكم يخصه بل لاستُحِبَّ لكل مسلم أن يعق عن نفسه شكرًا لله على نعمة الخلق والإيجاد، حتى ولو لم يكن المخلوق نبيًا.
٣ - على فرض صحة الحديث ـ رغم وضوح ضعفه ـ فإنه لا يزيد أن يكون مثل حديث صيام يوم الاثنين وقد سبق الرد عليه.
٤ - هل ثبت أن العقيقة كانت مشروعة لأهل الجاهلية وهم يعملون بها حتى نقول إن عبد المطلب قد عق عن ابن ولده؟
وهل أعمال أهل الجاهلية يعتد بها في الإسلام؟ حتى نقول إذا عق النبي ﵌ عن نفسه شكرًا لا قيامًا بسنة العقيقة، إذا قد عق عنه؟
سبحان الله ما أعجب هذا الاستدلال وما أغربه، وهل إذا ثبت أن النبي ﵌ ذبح شاة شكرًا لله تعالى على نعمة إيجاده وإمداده يلزم من ذلك اتخاذ يوم ولادته ﵌ عيدًا للناس؟
стр. 64
ولما لم يدعُ إلى ذلك رسول الله ﵌ ويبين للناس ماذا يجب عليهم فيه من أقوال وأعمال كما بين ذلك في عيدي الفطر والأضحى؟ أنسي ذلك أم كتمه، وهو المأمور بالبلاغ؟ سبحانك اللهم إن رسولك ﵌ ما نسي ولا كتم ولكن الإنسان كان أكثر شيء جدلًا.
الشبهة السادسة:
وجود الرسول ﵌ سبب النجاة لمن اتبعه، وتقليل حظ جهنم لمن أُعدّ لها، لفرحه بولادته ﵌، فمن المناسب إظهار السرور.
قَالَ عُرْوَةُ بن الزبير: «وَثُوَيْبَةُ مَوْلاَةٌ لأَبِى لَهَبٍ كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتِ النَّبِىَّ ﵌ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ (١)، قَالَ لَهُ: «مَاذَا لَقِيتَ؟»، قَالَ أَبُو لَهَبٍ: «لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّى سُقِيتُ فِى هَذِهِ بِعَتَاقَتِى ثُوَيْبَةَ» (رواه البخاري).
الجواب:
١ - اتباع النبي ﵌ سبب النجاة وليس ابتداع أعياد ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 65
٢ - هذا الخبر لا يصح؛ لأنه مرسل، رواه البخاري، قال الحافظ ابن حجر: «الْخَبَرَ مُرْسَلٌ أَرْسَلَهُ عُرْوَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَوْصُولًا فَالَّذِي فِي الْخَبَرِ رُؤْيَا مَنَامٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَلَعَلَّ الَّذِي رَآهَا لَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ أَسْلَمَ بَعْدُ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ» (١). (والمقصود الجزء الذي ذكرناه، أما المنسوب إلى النبي ﵌ والذي لم نذكره فلا).
٣ - ذلك الخبر لا حجة فيه لو كان موصولًا لأنه رؤيا منام وقد يكون من رآها من الكفار، قال الحافظ ابن حجر: «الَّذِي فِي الْخَبَرِ رُؤْيَا مَنَامٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَلَعَلَّ الَّذِي رَآهَا لَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ أَسْلَمَ بَعْدُ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ» (٢).
٤ - ما في مرسل عروة هذا من أن إعتاق أبي لهب ثويبة كان قبل إرضاعها النبي ﵌ يخالف ما عند أهل السير من أن إعتاق أبى لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (٣).
стр. 66
٥ - الفرح الذي فرحه أبو لهب ـ إن صح ـ فإنما هو فرح طبيعي لا تعبدي بمولود لأخيه؛ إذ كل إنسان يفرح بالمولود يولد له، أو لأحد إخوانه أو أقاربه، والفرح إن لم يكن لله لا يثاب عليه فاعله، وهذا يضعف استدلالهم بالرواية إن صحت.
٦ - لم يجيء في هذه الرواية مع ضعفها أنه يخفف عن أبي لهب العذاب كل إثنين ولا أن أبا لهب أعتق ثويبة من أجل بشارتها إياه بولادة المصطفى ﵌، فكل هذا لا يصح.
٧ - لم يثبت من طريق صحيح أن أبا لهب فرح بولادة النبي ﵌، ولا أن ثويبة بشرته بولادته، فكل هذا لم يثبت، ومن ادعى ثبوت شيء من ذلك فعليه إقامة الدليل على ما ادعاه، ولن يجد إلى الدليل الصحيح سبيلًا.
الشبهة السابعة:
قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ (يونس ٥٨).
فالله طلب منا أن نفرح بالرحمة، والنبيُّّ ﵌ رحمة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء ١٠٧).
стр. 67
الجواب:
١ - إن المقصود بالفضل والرحمة المفروح بهما ما عنته الآية السابقة لهذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس:٥٧).
وقد قال ابن القيم ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ (يونس ٥٨): «وقد دارت أقوال السلف على أن فضل الله ورحمته ـ أي في هذه الآية ـ الإسلام والسنة» (١).
وكتب التفسير المشهورة كتفسير ابن جرير ومختصره لابن كثير وتفاسير القرطبي والبغوي والبيضاوي والنسفي وابن الجوزي ليس فيها أي إشارة إلى العلاقة بين معنى هذه الآية والاحتفال بمولد النبي ﵌، ويكفي في توضيح معنى الآية ذِكْرُ كلام الإمام الطبري شيخ المفسرين إذ لو نُقِل كلام الجميع لطال المقام.
стр. 68
قال ابن جرير: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﵌: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بك، وبما أنزل إليك من عند ربك: بفضل الله أيها الناس الذي تفضل به عليكم وهو الإسلام، فبيَّنَه لكم ودعاكم إليه، وبرحمته التي رحمكم بها فأنزلها إليكم، فعلَّمكم ما لم تكونوا تعلمون من كتابه، فبصَّركم بها معالم دينكم؛ وذلك القرآن.
﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ يقول: فإن الإسلام الذي دعاهم إليه والقرآن الذي أنزله عليهم، خير مما يجمعون من حطام الدنيا وأموالها وكنوزها، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل». اهـ.
يظهر من هذا أن الآية تتحدث عن شيء آخر ولا يدخل فيها نصًّا أو دلالة ما ذكروه أن النبي ﵌ هو المراد بالرحمة هنا، كما أن في هذا إغفال تام لسياق الآية.
٢ - إن الرحمة للناس لم تكن بولادة النبي ﵌، وإنما كانت ببعثه وإرساله إليهم، وعلى هذا تدل النصوص من الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء ١٠٧).فنص على أن الرحمة للعالمين إنما كانت
стр. 69
في إرساله ﵌، ولم يتعرض لذكر ولادته.
وأما السنة ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً».
٣ - إن الاستدلال بالآية على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي من قبيل حمل كلام الله على ما لم يحمله عليه السلف الصالح والدعاء إلى العمل به على غير الوجه الذي مضوا عليه في العمل به، وهو أمر لا يليق؛ لأن الوجه الذي لم يثبت عن السلف الصالح العمل بالنص عليه لا يُقبَل ممن بعدهم دعوى دلالة النص الشرعي عليه، إذ لو كان دليلًا عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين، ثم يفهمه من بعدهم.
فعمل الأولين كيف كان مصادم لمقتضى هذا المفهوم ومعارض له، ولو كان ترك العمل، قال: فما عمل به المتأخرون من هذا القسم مخالف لإجماع الأولين، وكل من خالف الإجماع فهو مخطىء، وأمة محمد ﵌ لا تجتمع على ضلالة.
فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر وهو الهدى، وليس ثم إلا صواب أو خطأ فكل من خالف السلف
стр. 70
الأولين فهو على خطأ وهذا كاف (١).
٤ - إن سلَّمْنا بأن المراد بالرحمة هو النبي ﵌ فما دخل المولد بالفرح به، إن المولد يعني الاحتفال في يوم معين من السنة أو بصورة مستمرة بأسلوب مخصوص، والآية تأمر بالفرحة دون توقيت، كما أنها فرحة كذلك بما أنزل على النبي ﵌ من تشريع والذي هو كذلك رحمة للناس ولا علاقة للمولد بهذا كله.
٥ - هل الصحابة ﵃ احتفلوا بمولد النبي ﵌؟
بالطبع لا.
هل الصحابة ﵃ فرحوا برحمة الله، أي بالنبي ﵌ على قول المجوّزين للاحتفال؟
لو طبقنا كلامهم فسنقول:
بالطبع الصحابة ﵃ لم يفرحوا بالنبي ﵌. هذا هو لازم كلامهم، وحاشا الصحابة ﵃ من أن يكونوا كذلك، فإنهم بذلوا أموالهم وأنفسهم حبًّا لله ولرسوله ﵌.
стр. 71
الشبهة الثامنة:
قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (هود:١٢٠)، والمولد النبوي الشريف يشتمل على أنباء النبي ﵌ وفي ذكره تثبيت لأفئدة المؤمنين.
الجواب:
١ - لا علاقة لهذه الآية بالمولد كما هو ظاهر.
٢ - تثبيت الفؤاد إنما يكون بما ثبت في القرآن والسنة وليس بالخزعبلات من القصص التي تهز الإيمان بدلًا من تثبيته.
٣ - من المعلوم أن السيرة النبوية وذكر قصص الأنبياء كما هو وارد في القرآن وصحيح السنة مما هو مطلوب طوال العام وبدون طقوس ومظاهر خاصة.
الشبهة التاسعة:
قوله تعالى حكاية عن عيسى بن مريم سدد خطاكم: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾ (المائدة ١١٤).
وقوله تعالى على لسان سيدنا عيسى ﵇: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ
стр. 72
يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ (مريم:٣٣).
قالوا: هذه الآية والتي قبلها وغيرهما من الآيات، حافلة بالإشارات إلى ميلاد المسيح ﵇، ومدحه ومزاياه التي مَنَّ الله بها عليه، وهي بمجموعها شاهدة وداعية إلى الاحتفال بهذا الحدث العظيم.
وما كان ميلاد محمد ﵌ بأقل شأنًا من ميلاد عيسى ﵇، بل ميلاد الرسول ﵌ أعظم منه، لأنه ﵌ أكبر نعمة، فيكون ميلاده أيضًا أكبر وأعظم.
الجواب:
١ - إننا أمة الإسلام ليس لنا سوى عيدين لا غير، وما يدعو إليه هؤلاء فيه مشابهة للنصارى ومن المعلوم أن من مقاصد الشرع مخالفتهم في شعائرهم.
٢ - الآية الأولى لا تذكر الاحتفال ولا تدل عليه لا دلالة ولا اقتضاءً، وإنما تتحدث عن المائدة التي أنزلها الله من السماء لبني إسرائيل من أتباع عيسى ﵇.
والمائدة هي: الخوان عليه طعام.
ومعنى الآية كما جاء في تفسير السعدي: أي: يكون وقت
стр. 73
نزولها عيدًا وموسمًا، يتذكر به هذه الآية العظيمة، فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات وتكرر السنين، كما جعل الله تعالى أعياد المسلمين ومناسكهم مذكرا لآياته، ومنبها على سنن المرسلين وطرقهم القويمة، وفضله وإحسانه عليهم.
٣ - نسأل دعاة الاحتفال عن موعد يوم المائدة في شرع عيسى ﵇؟ فلن يجيبوا، وإن أجابوا نسألهم: متى احتفل به النبي ﵌؟ فلن يجيبوا، وإن أجابوا فسيقولون إنه لم يحتفل.
وعندئذٍ نقول لهم: خير الهدي هدي محمد ﵌، ونقول لهم: «أأنتم أعلم أم رسول الله ﵌؟».
٤ - نطالب المحتفلين بإثبات أن النبي ﵌ احتفل بميلاد عيسى ﵇ طبقًا لفهمهم للآية، وأنَّى لهم ذلك؟!!
وإن كان النبي ﵌ لم يحتفل بميلاد عيسى ﵇ فهل هم أعلم من رسول الله ﵌ بمعنى الآية؟
٥ - الآيات ـ على قولهم ـ حافلة أيضًا بالإشارات إلى موت المسيح ﵇، ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ (مريم:٣٣). فهل يستدل بها دعاة الاحتفال على جواز الاحتفال بموت النبي ﵌؟
стр. 74
الشبهة العاشرة:
قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفتح:٩).
الجواب:
ليس من توقيره ﵌ أن نبتدع في دينه غير ما شرعه وجاء به، بل التوقير الحق هو اتباع ما أمر به واجتناب ما نهى عنه وقد نهانا عن الابتداع، فوجب اتباعه إيمانًا وتوقيرًا.
الشبهة الحادية عشرة:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ (الأحزاب: ٥٦).
قالوا: والاحتفال بالمولد تطبيع النفس على كثرة الصلاة عليه ﵌ رجاء أن ينطبع حبه وحب آله في القلوب.
الجواب:
يُستحب الإكثار من الصلاة على النبي ﵌ في كل وقت لما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»، وقد حث النبي ﵌ على الإكثار من الصلاة عليه في أوقات معينه كيوم الجمعة وبعد الأذان وعند ذكره ﵌ إلى غير تلك الأوقات ومع ذلك لم
стр. 75
يأمر أو يحث على الصلاة عليه في ليلة مولده.
فيجب أن نعمل بما أمر به رسول الله ﵌، ونَرُدّ ما لم يأمر به لأن النبي ﵌ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» وفي رواية «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم). «فَهُوَ رَدٌّ» أي: مردود على صاحبه.
الشبهة الثانية عشرة:
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ (آل عمران:١٦٤).
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء: ١).
الجواب:
الآيتان السابقتان لا تدلان على مشروعية المولد، كما أن المراجع لكتب التفسير يجد لهما سياقات ودلالات أخرى لا تتفق وما أرادوا التدليل عليه، ومن الغريب وضعهم لهاتين الآيتين في