الكريمتين، ويصلي عليه، لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال: إن غيره صلى فيه أو نام عليه؟
وإذا كان هذا ليس بمشروع في موضع قدميه للصلاة، فكيف بالنعل الذي هو موضع قدميه للمشي وغيره؟ هذا إذا كان النعل صحيحاً، فكيف بما لا يُعلم صحته، أو بما يُعلم أنه مكذوب: كحجارة كثيرة يأخذها الكذابون وينحتون فيها موضع قدم، ويزعمون عند الجُهّال أن هذا الموضع قدم النبي ﷺ ، وإذا كان هذا غير مشروع في موضع قدميه، وقدمَي إبراهيم الخليل، الذي لا شك فيه، ونحن مع هذا قد أُمرنا أن نتخذه مصلى، فكيف بما يقال إنه موضع قدميه، كذباً وافتراءً عليه كالموضع الذي بصخرة بيت المقدس، وغير ذلك من المقامات.
شبهة والرد عليها: إن قيل: قد أمر الله أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فيقاس عليه غيره. قيل له: هذا الحكم خاص بمقام إبراهيم الذي بمكة، سواء أُريد به المقام الذي عند الكعبة موضع قيام إبراهيم، أو أريد به المشاعر: عرفة ومزدلفة ومنى، فلا نزاع بين المسلمين أن المشاعر خصت من العبادات بما لا يشركها فيه سائر
стр. 247
البقاع، كما خص البيت بالطواف. فما خصت به تلك البقاع لا يقاس به غيرها. وما لم يشرع فيها فأولى أن لا يشرع في غيرها ونحن استدلَلْنا على أن ما لم يشرع هناك من التقبيل، والاستلام أولى أن لا يشرع في غيرها، ولا يلزم أن يشرع في غير تلك البقاع مثل ما شرع فيها.
ومن ذلك القبة التي عند باب عرفات، التي يقال: إنها قبة آدم، فإن هذا لا يُشرع قصدها للصلاة والدعاء، باتفاق العلماء، بل نفس رُقِيّ الجبل الذي بعرفات الذي يقال له: جبل الرحمة، ليس مشروعا باتفاقهم، وإنما السنة الوقوف بعرفات. إما عند الصخرات حيث وقف النبي ﷺ ، وإما بسائر عرفات.
وكذلك سائر المساجد المبنية هناك. كالمساجد المبنية عند الجمرات، وبجنب مسجد الخيف مسجد يقال له: غار المرسلات فيه نزلت سورة المرسلات، وفوق الجبل مسجد يقال له مسجد الكبش، ونحو ذلك. لم يشرع النبي ﷺ قصد شيء من هذه البقاع لصلاة ولا دعاء ولا غير ذلك. وأما تقبيل شيء من ذلك والتمسح به فالأمر فيه أظهر، إذ قد علم العلماء بالاضطرار من دين
стр. 248
الإسلام، أن هذا ليس من شريعة رسول الله ﷺ .
خطأ أصحاب المناسك في ذكرهم للمزارات المبتدعة
وقد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وكنت قد كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج، في أول عمري لبعض الشيوخ، جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لنا أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، لم يفعلوا شيئا من ذلك، وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك، وأن المسجد الحرام، هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف، وغير ذلك من العبادات، ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه، ولا يصلح أن يجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأحكام، وما يفعله الرجل في مسجد من تلك المساجد، من دعاء وصلاة وغير ذلك، إذا فعله في المسجد الحرام كان خيراً له. بل هذا سنة مشروعة، وأما قصد مسجد غيره هناك تحرياً لفضله، فبدعة غير مشروعة.
стр. 249
المساجد التي تشد إليها الرحال هي المساجد الثلاثة فقط
المساجد التي تشد إليها الرحال، هي المساجد الثلاثة، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» [البخاري١١٨٩، مسلم١٣٩٧] فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها والدعاء، والذكر والقراءة والاعتكاف، من الأعمال الصالحة. وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتى مسجد قباء يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة ولا يشرع شد الرحال إليه فإن في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً»، وفي لفظ لمسلم: «فيصلي فيه ركعتين» وكان ابن عمر يفعله. [البخاري١١٩٣، مسلم١٣٩٩]
المشاهد وغيرها هي في معنى مسجد الضرار:
وذلك أن الله تعالى نهاه عن القيام في مسجد الضرار فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ
стр. 250
أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة١٠٧ - ١١٠] وكان مسجد الضرار قد بُني لأبي عامر الفاسق، الذي كان يقال له: أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان المشركون يعظمونه فلما جاء الإسلام حصل له من الحسد ما أوجب مخالفته للنبي ﷺ فقام طائفة من المنافقين يبنون هذا المسجد، وقصدوا أن يبنوه لأبي عامر هذا، والقصة مشهورة في ذلك، فلم يبنوه لأجل فِعل ما أمر الله به ورسوله ﷺ ، بل لغير ذلك.
فدخل في معنى ذلك: من بَني أبنية يضاهي بها مساجد المسلمين لغير العبادات المشروعة، من المشاهد وغيرها. ـ لا سيما إذا كان فيها من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، والإرصاد لأهل النفاق والبدع المحادين لله ورسوله ـ ما يقوى بها شبهها كمسجد الضرار، فلما قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ وكان مسجد قباء أسس على
стр. 251
التقوى، ومسجده أعظم في تأسيسه على التقوى من مسجد قباء، كما ثبت في الصحيح عنه: أنه سئل عن المسجد أسس عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: «مسجدي هذا» [مسلم١٣٩٨] فكلا المسجدين أُسس على التقوى ولكن اختُص مسجده بأنه أكمل في هذا الوصف من غيره فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويأتي مسجد قباء يوم السبت.
وفي السنن عن أسيد بن ظهير الأنصاري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» [ابن ماجه١٤١١وصححه الألباني] وقال رسول الله ﷺ : «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة، كان له كأجر عمرة» [ابن ماجه١٤١٢وصححه الألباني] قال بعض العلماء: قوله: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء» تنبيه على أنه لا يشرع قصْده بشد الرحال، بل إنما يأتيه الرجل من بيته الذي يصلح أن يتطهر فيه ثم يأتيه فيقصده كما يقصد الرجل مسجد مصره دون المساجد التي يسافر إليها.
وأما المساجد الثلاثة: فاتفق العلماء على استحباب إتيانها للصلاة ونحوها، ولكن لو نذر ذلك هل يجب النذر؟ فيه قولان
стр. 252
للعلماء: أحدهما: أنه لا يجب بالنذر إلا إتيان المسجد الحرام خاصة، وهذا أحد قولي الشافعي، وهو مذهب أبي حنيفة، وبناه على أصله في أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع.
والقول الثاني: وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما: أنه يجب إتيان المساجد الثلاثة بالنذر. لكن إن أتى الفاضل أغناه عن إتيان المفضول فإذا نذر إتيان مسجد المدينة، ومسجد إيلياء (١)، أغناه إتيان المسجد الحرام. وإن نذر إتيان مسجد إيلياء أغناه إتيان أحد مسجدي الحرمين.
وذلك أنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» [البخاري٦٧٠٠] وهذا يعم كل طاعة، سواء كان جنسها واجبا، أو لم يكن. وإتيان الأفضل إجْراءً للحديث الوارد في ذلك. (٢) والمقصود أنه لا يشرع السفر إلى مسجد غير الثلاثة، ولو نذر ذلك لم يجب عليه فعله بالنذر
стр. 253
باتفاق الأئمة.
وهل عليه كفارة يمين؟ على قولين مشهورين.
وليس بالمدينة مسجد يشرع إتيانه إلا مسجد قباء، وأما سائر المساجد فلها حكم المساجد، ولم يخصها النبي ﷺ بإتيان، ولهذا كان الفقهاء من أهل المدينة لا يقصدون شيئا من تلك الأماكن، إلا قباء خاصة.
فإذا كان هذا في المساجد التي صلى فيها النبي ﷺ ، وُبنيت بإذنه، ليس فيها ما يشرع قصده بخصوصه من غير سفر إليه، إلا مسجد قباء، فكيف بما سواها.
وأما المسجد الأقصى: فهو أحد المساجد الثلاثة، التي تشد إليها الرحال، وكان المسلمون لما فتحوا بيت المقدس على عهد عمر بن الخطاب ﵁ ـ حين جاء عمر إليهم، فسلم النصارى إليه البلد ـ دخل إليه فوجد على الصخرة زبالة عظيمة جداً، كانت النصارى قد ألقتها عليها، معاندة لليهود الذين يعظمون الصخرة، ويصلون إليها، فأخذ عمر في ثوبه منها، واتبعه المسلمون في ذلك. وهو الذي يسميه كثير من العامة اليوم: الأقصى. والأقصى اسم للمسجد كله،
стр. 254
ولا يسمى هو ولا غيره حرماً، وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة.
فبنى عمر المصلَّى الذي في القبلة. ويقال: إن تحته درجاً كان يصعد منها إلى ما أمام الأقصى، فبناه على الدرج، حيث لم يُصَلّ أهل الكتاب، ولم يُصَلّ عمر ولا المسلمون عند الصخرة، ولا تمسحوا بها، ولا قبّلوها.
وقد ثبت أن عبد الله بن عمر ﵄: كان إذا أتى بيت المقدس دخل إليه، وصلى فيه، ولا يقرب الصخرة ولا يأتيها، ولا يقرب شيئا من تلك البقاع، وكذلك نقل عن غير واحد من السلف المعتبرين: كعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وغيرهم. وذلك أن سائر بقاع المسجد لا مزية لبعضها على بعض، إلا ما بناه عمر ﵁ لمصلَّى المسلمين.
وإذا كان المسجد الحرام، ومسجد المدينة، اللذان هما أفضل من المسجد الأقصى بالإجماع، فأحدهما قد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» [البخاري١١٩٠] والآخر هو المسجد الذي أوجب الله حجه والطواف فيه، وجعله قبلة لعباده المؤمنين، ومع هذا، فليس
стр. 255
فيهما ما يقبل بالفم ولا يستلم باليد، إلا ما جعله الله في الأرض بمنزلة اليمين (١)، وهو الحجر الأسود، فكيف يكون في المسجد الأقصى ما يستلم أو يقبل؟
بناء القبة عند الصخرة حدث في عهد عبد الملك بن مروان
وكانت الصخرة مكشوفة، ولم يكن أحد من الصحابة، لا ولاتهم ولا علماؤهم يخصها بعبادة، وكانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان ﵄، مع حكمهما على الشام. وكذلك في خلافة علي ﵁، وإن كان لم يحكم عليها، ثم كذلك في إمارة معاوية، وابنه، وابن ابنه. فلما كان في زمن عبد الملك وجرى بينه وبين ابن الزبير من الفتنة ما جرى، كان هو الذي بنى القبة على الصخرة.
الصلاة عند الصخرة بدعة: ولا ريب أن الخلفاء الراشدين لم يبنوا هذه القبة، ولا كان الصحابة يعظمون الصخرة، ويتحرون الصلاة عندها، حتى ابن عمر ﵄ مع كونه كان يأتي من الحجاز إلى المسجد الأقصى، كان لا يأتي الصخرة. وذلك أنها كانت قبلة، ثم
стр. 256
نسخت. وهي قبلة اليهود. فلم يبق في شريعتنا ما يوجب تخصيصها بحكم، كما ليس في شريعتنا ما يوجب تخصيص يوم السبت. وفي تخصيصها بالتعظيم مشابهة لليهود.
اليمن لا تغلظ بالحلف عند المشاهد
وقد ذكر طائفة من متأخري الفقهاء، من أصحابنا وغيرهم: أن اليمين تُغَلَّظ ببيت المقدس، بالتحليف عند الصخرة، كما تغلظ في المسجد الحرام، بالتحليف بين الركن والمقام، وكما تغلظ في مسجده ﷺ بالتحليف عند قبره ولكن ليس لهذا أصل في كلام أحمد ونحوه من الأئمة، بل السنة أن تغلظ اليمين فيها كما تغلظ في سائر المساجد عند المنبر، ولا تغلظ اليمين بالتحليف عند ما لم يشرع للمسلمين تعظيمه، كما لا تغلظ بالتحليف عند المشاهد ومقامات الأنبياء، ونحو ذلك. ومن فعل ذلك فهو مبتدع ضال، مخالف للشريعة.
الآثار المنقولة عن بني إسرائيل في فضائل بيت المقدس
وقد صنف طائفة من الناس، مصنفات في فضائل بيت المقدس، وغيره من البقاع التي بالشام، وذكروا فيها من الآثار
стр. 257
المنقولة عن أهل الكتاب ـ وعمن أخذ عنهم ـ ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تصدِّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» [البخاري٤٤٨٥]، ومن العجب أن هذه الشريعة المحفوظة المحروسة مع هذه الأمة المعصومة التي لا تجتمع على ضلالة: إذا حدَّث بعض أعيان التابعين عن النبي ﷺ بحديث ـ كعطاء بن أبي رباح والحسن البصري، وأبي العالية ونحوهم، وهم من خيار علماء المسلمين وأكابر أئمة الدين ـ توقف أهل العلم في مراسيلهم، فمنهم من يرد المراسيل مطلقا، ومنهم من يقبلها بشروط، ومنهم من يميز بين مَن عادته لا يرسل إلا عن ثقة، كسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين، وبين من عُرف عنه أنه قد يرسل عن غير ثقة: كأبي العالية والحسن وهؤلاء ليس بين أحدهم وبين النبي ﷺ إلا رجل أو رجلان، أو ثلاثة مثلاً، وأما ما يوجد في كتب المسلمين في هذه الأوقات من الأحاديث التي يذكرها صاحب الكتاب مرسلة، فلا يجوز الحكم بصحتها، باتفاق أهل العلم، إلا أن يعرف أن ذلك من نقل أهل
стр. 258
العلم بالحديث، الذين لا يحدثون إلا بما صح، كالبخاري في المعلقات التي يجزم فيها بأنها صحيحة عنده، وما وقفه كقوله: وقد ذكر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ونحو ذلك، فإنه حسن عنده. هذا وليس تحت أديم السماء بعد القرآن كتاب أصح من البخاري، فكيف بما ينقله كعب الأحبار وأمثاله عن الأنبياء؟ وبين كعب، وبين النبي الذي ينقل عنه ألف سنة، وأكثر وأقل، وهو لم يسند ذلك عن ثقة بعد ثقة، بل غايته أن ينقل عن بعض الكتب التي كتبها شيوخ اليهود، وقد أخبر الله بتبديلهم وتحريفهم فكيف يحل للمسلم أن يصدق شيئاً من ذلك، بمجرد هذا النقل؟ بل الواجب أن لا يصدق ذلك ولا يكذبه أيضاً إلا بدليل يدل على كذبه، وهكذا أمرنا النبي ﷺ .وفي هذه الإسرائيليات، مما هو كذب على الأنبياء، أو ما هو منسوخ في شريعتنا، ما لا يعلمه إلا الله.
ومعلوم أن أصحاب رسول الله ﷺ من السابقين الأولين، والتابعين لهم بإحسان، قد فتحوا البلاد بعد موت النبي ﷺ ، وسكنوا بالشام والعراق ومصر، وغير هذه الأمصار وهم كانوا أعلم بالدين، وأتبع له ممن بعدهم فليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا
стр. 259
عليه.
فما كان من هذه البقاع لم يعظموه، أو لم يقصدوا تخصيصه بصلاة أو دعاء، أو نحو ذلك ـ لم يكن لنا أن نخالفهم في ذلك، وإن كان بعض من جاء بعدهم من أهل الفضل والدين فعل ذلك؛ لأن اتباع سبيلهم أولَى من اتباع سبيل من خالف سبيلهم، وما من أحد نقل عنه ما يخالف سبيلهم إلا وقد نقل عن غيره، ممن هو أعلم وأفضل منه، أنه خالف سبيل هذا المخالف وهذه جملة جامعة لا يتسع هذا الموضع لتفصيلها.
وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما أتى بيت المقدس ليلة الإسراء صلى فيه ركعتين [مسلم١٦٢] ولم يُصَلّ بمكان غيره ولا زاره. وحديث المعراج فيه ما هو في الصحيح، وفيه ما هو في السنن والمسانيد، وفيه ما هو ضعيف، وفيه ما هو من الموضوعات المختلقات، مثل ما يرويه بعضهم فيه: أن النبي ﷺ قال له جبريل: هذا قبر أبيك إبراهيم، انزل فصَلّ فيه، وهذا بيت لحم مولد أخيك عيسى انزل فصل فيه.
وأعجب من ذلك، أنه روي فيه: قيل له في المدينة: انزل فصَلّ
стр. 260
هنا قبل أن يبني مسجده، وإنما كان المكان مقبرة للمشركين، والنبي ﷺ بعد الهجرة إنما نزل هناك لما بركت ناقته هناك ـ فهذا ونحوه من الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة. وبيت لحم كنيسة من كنائس النصارى ليس في إتيانها فضيلة عند المسلمين، سواء كان مولد عيسى أو لم يكن، بل قبر إبراهيم الخليل لم يكن في الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان من يأتيه للصلاة عنده، ولا الدعاء، ولا كانوا يقصدونه للزيارة أصلاً.
وقد قدم المسلمون إلى الشام غير مرة مع عمر بن الخطاب ﵁، واستوطن الشام خلائق من الصحابة، وليس فيهم من فعل شيئاً من هذا، ولم يبن المسلمون عليه مسجداً أصلاً، لكن لما استولى النصارى على هذه الأمكنة في أواخر المائة الرابعة، لما أخذوا البيت المقدس، بسبب استيلاء الرافضة (١) على الشام، لما كانوا ملوك مصرـ والرافضة أمة مخذولة، ليس لها عقل صريح، ولا نقل صحيح ولا دين مقبول، ولا دنيا منصورة ـ قويت النصارى، وأخذت السواحل وغيرها من الرافضة، وحينئذ نقبت النصارى
стр. 261
حجرة الخليل صلوات الله عليه، وجعلت لها بابا، وأثر النقب ظاهر في الباب. فكان اتخاذ ذلك معبدا، مما أحدثته النصارى، ليس من عمل سلف الأمة وخيارها.
أصل دين المسلم: أنه لا تخص بقعة بقصد العبادة إلا المساجد
وأصل دين المسلمين، أنه لا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصة، وما عليه المشركون وأهل الكتاب، من تعظيم للعبادة غير المساجد ـ كما كانوا في الجاهلية يعظمون حراء، ونحوه من البقاع ـ فهو مما جاء الإسلام بمَحوه وإزالته ونسخه.
ثم المساجد جميعها تشترك في العبادات، فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر المساجد، إلا ما خص به المسجد الحرام، من الطواف ونحوه، فإن خصائص المسجد الحرام لا يشاركه فيها شيء من المساجد. كما أنه لا يُصلى إلى غيره.
وأما مسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى، فكل ما يشرع فيهما من العبادات، يشرع في سائر المساجد: كالصلاة والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف، ولا يشرع فيهما جنس لا يشرع في غيرهما لا تقبيل شيء ولا استلامه، ولا الطواف به، ونحو ذلك. لكنهما
стр. 262
أفضل من غيرهما، فالصلاة فيهما تضاعف على الصلاة في غيرهما.
ولهذا جاءت الشريعة بالاعتكاف الشرعي في المساجد، بدل ما كان يفعل قبل الإسلام من المجاورة بغار حراء، ونحوه، فكان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى قبضه الله.
والاعتكاف من العبادات المشروعة بالمساجد باتفاق الأئمة، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أي: في حال عكوفكم في المساجد لا تباشروهن، وإن كانت المباشرة خارج المسجد. ولهذا قال الفقهاء: إن ركن الاعتكاف، لزوم المسجد لعبادة الله. ومحظوره الذي يبطله، مباشرة النساء.
فأما العكوف والمجاورة عند شجرة أو حجر، تمثال أو غير تمثال، أو العكوف والمجاورة عند قبر نبي، أو غير نبي، أو مقام نبي أو غير نبي، فليس هذا من دين المسلمين. بل هو من جنس دين المشركين، الذين أخبر الله عنهم بما ذكره في كتابه، حيث قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [البقرة:٥١ - ٥٤]
стр. 263
وقال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف١٣٨ - ١٤٠] فهذا عكوف المشركين، وذاك عكوف المسلمين فعكوف المؤمنين في المساجد لعبادة الله وحده لا شريك له، وعكوف المشركين على ما يرجونه، ويخافونه من دون الله، وما يتخذونهم شركاء وشفعاء، فإن المشركين لم يكن أحد منهم يقول: إن العالم له خالقان ولا أن الله له شريك يساويه في صفاته. هذا لم يقله أحد من المشركين، بل كانوا يُقِرُّون بأن خالق السماوات والأرض واحد كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله﴾ [لقمان:٢٥]
وكانوا يتخذون آلهتهم وسائط تقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ* قُل لِلهِ الشَّفَاعَةُ
стр. 264
جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤]
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:١٨]
وقال تعالى عن صاحب يس: ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٢ - ٢٥]
أقوال الناس في الشفاعة: وهذا الموضع افترق الناس فيه ثلاث فرق: طرفان، ووسط.
فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب، كالنصارى، ومبتدعة هذه الأمة: أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن.
والخوارج والمعتزلة: أنكروا شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر من أمته. بل أنكر طائفة من أهل البدع انتفاع الإنسان بشفاعة غيره ودعائه كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه عنه.
وأنكروه الشفاعة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا
стр. 265
رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] وبقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] ونحو ذلك.
وأما سلف الأمة وأئمتها، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، فأثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي ﷺ ، من شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وغير ذلك من أنواع شفاعاته، وشفاعة غيره من النبيين والملائكة.
وقالوا: إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، وأقروا بما جاءت به السنة من انتفاع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، والصدقة عنه، بل والصوم عنه في أصح قولي العلماء. كما ثبتت به السنة الصحيحة الصريحة، وما كان في معنى الصوم. وقالوا: إن الشفيع يطلب من الله ويسأل، ولا تنفع الشفاعة إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]
وقد ثبت في الصحيح، أن سيد الشفعاء ﷺ إذا طلبت الشفاعة
стр. 266
منه بعد أن تطلب من آدم وأولي العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، فيردونها إلى محمد ﷺ ، العبد الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- قال: «فأذهبُ إلى ربي، فإذا رأيتُه خررتُ له ساجداً، فأحمد ربي بمحامد يفتحها عليّ، لا أُحسنُها الآن فيقول لي: أي محمد، ارفع رأسك، وقل يُسمَع وسَلْ تعطَهْ، واشفع تُشفع، قال: فأقول: رب أمتي أمتي، فيحدّ لي حداً فأدخلهم الجنة» [البخاري٧٤١٠، مسلم١٩٣]
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧] قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون العزير والمسيح والملائكة فأنزل الله هذه الآية، وقد أخبر فيها أن هؤلاء المسؤلين يتقربون إلى الله ويردون رحمته، ويخافون عذابه. وقد ثبت في الصحيح أن أبا هريرة ﵁ قال: يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة قال: «يا أبا هريرة، لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أَوْلى منك،
стр. 267
لما رأيتُه من حرصِك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة. من قال لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله» [البخاري٩٩]
فكلما كان الرجل أتم إخلاصا لله، كان أحق بالشفاعة، وأما من علق قلبه بأحد من المخلوقين، يرجوه ويخافه، فهذا من أبعد الناس عن الشفاعة. فشفاعة المخلوق عند المخلوق تكون بإعانة الشافع للمشفوع له، بغير إذن المشفوع عنده، بل يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه، وإما لخوفه منه، فيحتاج إلى أن يقبل شفاعته. والله تعالى غنِيّ عن العالمين وهو وحده سبحانه يدير العالمين كلهم، فما من شفيع إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشفيع في الشفاعة. وهو يقبل شفاعته، كما يلهم الداعي الدعاء، ثم يجيب دعاءه فالأمر كله له.
فإذا كان العبد يرجو شفيعاً من المخلوقين، فقد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع له، وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة، ولا يقبل شفاعته.
وأفضل الخلق: محمد ﷺ ، ثم إبراهيم صلى الله عليهما وسلم. وقد امتنع النبي ﷺ ، أن يستغفر لعمه أبي طالب، بعد أن قال: «
стр. 268
لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك» [البخاري٣٨٨٣، مسلم٢٤] وقد صلى على المنافقين ودعا لهم فقيل له: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] وقيل له أولاً: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ فقال: «لو أعلم أني لو زدتُ على السبعين يغفر لهم لزدت» فأنزل الله: ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ (المنافقون:٦) [البخاري١٣٦٦]
ولما استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه، بعد وعده بقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١] قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة] وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤] والله سبحانه له حقوق لا يشركه فيها غيره، وللرسل حقوق
стр. 269
لا يشركهم فيها غيرهم، وللمؤمنين بعضهم على بعض حقوق مشتركة.
ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت ردف النبي ﷺ فقال لي: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده»؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقه عليهم: أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا، يا معاذ، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقهم عليه أن لا يعذبهم» [البخاري٢٨٥٦، مسلم٣٠]
فالله تعالى مستحق أن نعبده ولا نشرك به شيئا. وهذا أصل التوحيد الذي بعثت به الرسل، وأنزلت به الكتب. قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]
ويدخل في ذلك: أن لا نخاف إلا إياه، ولا نتقي إلا إياه، كما
стр. 270
قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢] فجعل الطاعة لله وللرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده، وكذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]
فجعل الإيتاء لله وللرسول، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر:٧] فالحلال ما حلله الرسول، والحرام ما حرمه الرسول، والدين ما شرعه الرسول.
وجعل التحسب بالله وحده، فقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ﴾ ولم يقل ورسوله. كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أي حسبك وحسب من اتبعك: الله، فهو وحده كافيكم ومن ظن أن معناها: حسبك الله والمؤمنون، فقد غلط غلطاً عظيماً من وجوه كثيرة مبسوطة في غير هذا الموضع.
стр. 271
ثم قال: ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩] فجعل الفضل لله، وذكر الرسول في الإيتاء، لأنه لا يباح إلا ما أباحه الرسول، فليس لأحد أن يأخذ ما تيسر له إن لم يكن مباحا في الشريعة. ثم قال: ﴿إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩] فجعل الرغبة إلى الله وحده، دون ما سواه.
كما قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح:٧، ٨] فأمر بالرغبة إليه. ولم يأمر الله قط مخلوقاً أن يسأل مخلوقاً، وإن كان قد أباح في موضع من المواضع ذلك، لكنه لم يأمر به، بل الأفضل للعبد أن لا يسأل قط إلا الله.
كما ثبت في الصحيح في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» [البخاري٥٧٠٥، مسلم٢١٨] فجعل من صفاتهم أنهم لا يسترقون: أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم.
وقد قال ﷺ لابن عباس ﵁: «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله» [الترمذي٢٦٤٨وصححه الألباني] فهو الذي يُتَوكل عليه، ويُستعان به، ويُستغاث به، ويُخاف ويُرجى،
стр. 272
ويُعبد، وتنيب القلوب إليه، لا حول ولا قوة إلا به، ولا ملجأ منه إلا إليه، والقرآن كله يحقق هذا الأصل.
والرسول ﷺ يُطاع ويُحَب ويُرضى، ويُسلَّم إليه حكمه ويُعزَّر (١) ويُوَقَّر ويُتَّبَع، ويُؤمَن به وبما جاء به، قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء:٨٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء:٦٤] وقال تعالى: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]
وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «ثلاث من كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله. ومن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» [البخاري١٦، مسلم٤٣] وقال ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده
стр. 273
ووالده والناس أجمعين». [البخاري١٤، مسلم٦٩] وقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، قال: فلَأَنت أحب إلي من نفسي. قال: «الآن يا عمر». [البخاري٦٦٣٢]
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهَ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي الرسول خاصة ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفتح: ٨، ٩] أي تسبحوا الله تعالى. فالإيمان بالله والرسول، والتعزير والتوقير للرسول، والتسبيح لله وحده.
وقد بعث الله محمداً ﷺ بتحقيق التوحيد وتجريده ونفْي الشرك بكل وجه، حتى في الألفاظ. كقوله ﷺ : «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» [أبو داود٤٩٨٠وصححه الألباني] وقال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: «أجعَلْتَني لله عَدْلاً؟ بل ما شاء الله وحده» [المسند٢٥٦١وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح]
стр. 274
والعبادات التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين كله لله، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] فالصلاة لله وحده، والصدقة لله وحده، والصيام لله وحده، والحج لله وحده، وإلى بيت الله وحده.
وقال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.
وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] قال: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا عليّ، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة.
تحقيق الشهادتين وما يتضمنه
وهذان الأصلان هما تحقيق الشهادتين اللتين هما رأس
стр. 275
الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله. فإن الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو، تتضمن إخلاص الإلهية له، فلا يجوز أن يتأله القلب غيره، لا بحب ولا خوف ولا رجاء، ولا إجلال، ولا إكرام ولا رغبة، ولا رهبة، بل لا بد أن يكون الدين كله لله، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ [الأنفال:٣٩]
فإذا كان بعض الدين لله، وبعضه لغير الله: كان في ذلك من الشرك بحسب ذلك. وكمال الدين كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: «من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» [أبو داود٤٦٨١وصححه الألباني] فالمؤمنون يحبون لله، والمشركون يحبون مع الله. كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للهِ﴾ [البقرة:١٦٥]
والشهادة بأن محمداً رسول الله، تتضمن تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر. فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، كما يجب على الخلق أن يثبتوا لله ما أثبته من الأسماء
стр. 276
والصفات، وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات، فيخلصوا من التعطيل والتمثيل، ويكونوا في إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل. وعليهم أن يفعلوا ما أمر به وأن ينتهوا عما نهى عنه، ويحللوا ما حلله، ويحرموا ما حرمه، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله.
ولفظ الإسلام: يتضمن الاستسلام والانقياد، ويتضمن الإخلاص، فلابد في الإسلام من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما سواه، وهذا حقيقة قولنا: لا إله إلا الله؛ فمن استسلم لله ولغيره فهو مشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته، وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]
وقد زين الشيطان لكثير من الناس سوء عملهم، واستزّلهم عن إخلاص الدين لله إلى أنواع من الشرك، فيقصدون بالسفر والزيارة الرجاء لغير الله، والرغبة إليه ويشدون الرحال: إما إلى قبر نبي أو صاحب أو صالح. أو من يظن أنه نبي، أو صاحب أو
стр. 277
صالح، داعين له راغبين إليه.
ومنهم من يظن أن المقصود من الحج هو هذا، فلا يستشعر إلا قصد المخلوق المقبور. ومنهم من يرى أن ذلك أنفع له من حج البيت.
ومن شيوخهم من يحج فإذا دخل المدينة رجع وظن أن هذا أبلغ. ومن جُهّالهم من يتوهم أن زيارة القبر واجبة. ومنهم من يسأل المقبور الميت، كما يسأل الحي الذي لا يموت! يقول: يا سيدي فلان، اغفر لي وارحمني وتب علي، أو يقول: اقض عني الدين، وانصرني على فلان، وأنا في حسبك أو جوارك.
وقد ينذرون أولادهم للمقبور، ويسيبون له السوائب، من البقر وغيرها، كما كان المشركون يسيبون السوائب لطواغيتهم. ومن السدنة من يضل الجهال، فيقول: أنا أذكر حاجتك لصاحب الضريح وهو يذكرها للنبي، والنبي يذكرها لله.
ومنهم من يعلق على القبر المكذوب أو غير المكذوب، من الستور والثياب، ويضع عنده من مصوغ الذهب والفضة، ما قد أجمع المسلمون على أنه ليس من دين الإسلام، هذا والمسجد الجامع
стр. 278
معطل خراب صورة ومعنى!
وما أكثر من يرى من هؤلاء، أن صلاته عند هذا القبر المضاف إلى بعض المعظمين ـ مع أنه كذب في نفس الأمر ـ أعظم من صلاته في المساجد، بيوت الله، فيزدحمون للصلاة في مواضع الإشراك المبتدعة التي نهى النبي ﷺ عن اتخاذها مساجد، وإن كانت على قبور الأنبياء، ويهجرون الصلاة في البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، التي قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨]
ومن أكابرهم من يقول: الكعبة في الصلاة قبلة العامة، والصلاة إلى قبر الشيخ فلان ـ مع استدبار الكعبة ـ قبلة الخاصة!. وهذا وأمثاله من الكفر الصريح باتفاق علماء المسلمين.
والمؤمن يؤمن بالله، وما له من الأسماء الحسنى، ويدعوه بها، ويجتنب الإلحاد في أسمائه وآياته، وهو يدعو الله وحده، ويعبده وحده، لا يشرك بعبادة ربه أحداً. ويجتنب طريق المشركين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ
стр. 279
كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء:٥٧، ٥٦]
فليجتهد المؤمن في تحقيق العلم والإيمان وليتخذ الله هادياً ونصيراً، وحاكماً وولياً، فإنه نعم المولى ونعم النصير وكفى بربك هادياً ونصيراً.
وإن أحب دعا بالدعاء الذي رواه مسلم وأبو داود وغيرهما، عن عائشة ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا قام يصلي من الليل يقول: «اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السماوات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» [مسلم٧٧٠] وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
стр. 280
[البقرة:٢١٣] ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾:أي فاختلفوا، كما في سورة يونس [١٩]: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ﴾.
تم بحمد الله