مكتوم: أنه سأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى (١). وعلى ما كان يفعله ابن عمر، يتتبع مواضع النبي ﷺ وأثره ـ فليس بذلك بأس، أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جداً، وأكثروا فيه وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم: أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة، وغيرها، يذهب إليها؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم: أنه سأل النبي ﷺ أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجداً وعلى ما كان يفعل ابن عمر ﵁: كان يتبع مواضع سير النبي ﷺ ، حتى رؤي أنه يصب في موضع ماء، فيسئل عن ذلك. فقال: رأيت النبي ﷺ يصب ههنا ماء» [رواه ابن بطة الحنبلي في (الإبانة) (٧٣) بإسناد صحيح]، قال: أما على هذا فلا بأس. قال: ورخص فيه، ثم قال: ولكن قد أفرط الناس جداً، وأكثروا في هذا المعنى، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. رواهما الخلال في كتاب الأدب.
فقد فصل أبو عبد الله ﵀ في المشاهد ـ وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين، من غير أن تكون مساجد لهم،
стр. 212
كمواضع بالمدينة ـ بين القليل الذي لا يتخذونه عيداً، والكثير الذي يتخذونه عيداً، كما تقدم. وهذا التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال الصحابة، فإنه قد روى البخاري في صحيحه، عن موسى بن عقبة قال: «رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق، ويصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي ﷺ يصلي في تلك الأمكنة» قال موسى: «وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة» [البخاري٤٨٣] فهذا كما رخص فيه أحمد ﵁.
وأما ما كرهه فروى سعيد بن منصور في سننه عن معرور بن سويد، عن عمر ﵁ قال: خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر بـ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ في الثانية، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد فقال: ما هذا؟ قالوا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم: اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعَاً، من عرضت له منكم فيه الصلاة فلْيُصَلِّ، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض» [أشار ابن حجر في (فتح الباري) أن ذلك ثابت عن عمر] فقد كره عمر ﵁ اتخاذ مصلى النبي
стр. 213
- ﷺ عيداً، وبيَّن أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا.
وفي رواية عنه: أنه رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه النبي ﷺ ، فهم يصلون فيه فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعاً، فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها. [صحح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في (التوسل والوسيلة)]
وروى محمد بن وضاح وغيره: أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ لأن الناس كانوا يذهبون تحتها. فخاف عمر الفتنة عليهم. [صحح إسناده الحافظ ابن حجر]
وقد اختلف العلماء ﵃ في إتيان المشاهد: فقال محمد بن وضاح: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة، ما عدا قباء وأُحُداً. ودخل سفيان الثوري بيت المقدس وصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة فيها. فهؤلاء كرهوها مطلقاً، لحديث عمر ﵁ هذا، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعياداً، وإلى التشبه بأهل
стр. 214
الكتاب، ولأن ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا غيرهم، من المهاجرين والأنصار، أنه كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي ﷺ .
والصواب مع جمهور الصحابة، لأن متابعة النبي ﷺ تكون بطاعة أمره، وتكون في فعله، بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قصَدَ العبادة في مكان كان قصْد العبادة فيه متابعةً له، كقصد المشاعر والمساجد. وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول، أو غير ذلك، مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان، فإذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات.
فأما الأمكنة التي كان النبي ﷺ يقصد الصلاة أو الدعاء عندها، فقصد الصلاة فيها أو الدعاء سنة، اقتداء برسول الله ﷺ واتباعًا له، كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات فإن قصد الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته، وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب ومثل هذا: ما خرجاه في الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد قال: «كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عند الاسطوانة التي عند المصحف. فقلت له: يا أبا
стр. 215
مسلم، أراك تتحرى الصلاة عند هذه الاسطوانة: قال: رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها» [البخاري٥٠٢، مسلم٥٠٩] وفي رواية لمسلم عن سلمة بن الأكوع: أنه كان يتحرى الصلاة موضع المصحف، يسبح فيه، وذكر أن رسول الله ﷺ كان يتحرى ذلك المكان، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة. [مسلم٥٠٩]
وأما قصْد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها اتفاقا، فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسائر السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، يذهبون من المدينة إلى مكة حُجَّاجًا وعُمارًا ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ . ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحباً لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم. وقد قال ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة﴾ [أبو داود ٤٦٠٧، ابن ماجه٤٢، المسند١٧٠٧٦وصححه الألباني، ولفظة ﴿(كل بدعة ضلالة) رواها مسلم٨٦٧].وتحري هذا ليس من
стр. 216
سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما ابتدع، وقول الصحابي إذا خالفه نظيره، ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟
أيضاً: فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد والتشبه بأهل الكتاب مما (١) نهينا عن التشبه بهم فيه، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع قد حسم هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وبالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، فإذا كان قد نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا الزمان، سداً للذريعة. فكيف يستحب قصد الصلاة والدعاء في مكان اتفق قيامهم فيه، أو صلاتهم فيه، من غير أن يكونوا قد قصدوه للصلاة فيه والدعاء فيه؟ ولو ساغ هذا لاستُحِبّ قَصْدُ جبل حراء والصلاة فيه، وقصد جبل ثور والصلاة فيه.
ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنه يقال: إن هذا مقام نبي، أو قبر نبي، أو وَلي، بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته، ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجداً، فيصير وثناً يُعبد من دون الله تعالى. شركٌ مبنيٌّ على إفك! والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب، كما يقرن بين الصدق والإخلاص. قال
стр. 217
تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص:٧٤ - ٧٥] وقال تعالى عن الخليل: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات:٨٥ - ٨٦] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤] وقال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ * أَلَا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:١ - ٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف:١٥٢] قال أبو قلابة: «هي لكل مبتدع من هذه الأمة إلى يوم القيامة». وهو كما قال؛ فإن أهل الكذب والفرية عليهم من الغضب والذلة ما أوعدهم الله به.
стр. 218
والشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء، ولهذا: كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب: كالرافضة (١) الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركاً، فلا يوجد في أهل الأهواء أَكْذَب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم، حتى إنهم يخربون مساجد الله التي يذكر فيها اسمه فيعطلونها عن الجماعات والجُمُعات، ويعمرون المشاهد التي على القبور، التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها، والله سبحانه في كتابه إنما أمر بعمارة المساجد لا المشاهد، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة:١١٤] ولم يقل مشاهد الله وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف٢٩] ولم يقل عند كل مشهد.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨] ولم يقل مشاهد الله. بل المشاهِد إنما يعمرها من يخشى غير الله ويرجو غير الله لا يعمرها إلا من فيه نوع من
стр. 219
الشرك. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] ولم يقل: وأن المشاهد لله. وهذا مما علم بالتواتر والضرورة من دين الرسول ﷺ ، فإنه أمر بعمارة المساجد والصلاة فيها، ولم يأمر ببناء مشهد، لا على قبر نبي، ولا غير قبر نبي، ولا على مقام نبي، ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم في بلاد الإسلام، لا الحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا العراق ولا خراسان ولا مصر ولا المغرب مسجد مبني على قبر، ولا مشهد يقصد للزيارة أصلا.
ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي، لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ ، ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي ﷺ وعلى صاحبيه.
واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ لا يستقبل قبره، وتنازعوا عند السلام عليه فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره ويسلم عليه، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وأظنه منصوصاً عنه، وقال أبو حنيفة: بل
стр. 220
يستقبل القبلة ويسلم عليه، هكذا في كتب أصحابه. وقال مالك (فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في المبسوط، والقاضي عياض وغيرهما): «لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ويدعو، ولكن يسلم ويمضي». وقال أيضاً في المبسوط: «لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج، أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه، ويدعو لأبي بكر وعمر ﵄». فقيل له: فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدُمون من سفر ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر عند القبر، فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: «لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، ولا يُصلِح آخرَ هذه الأمة إلا ما أصلحَ أولَها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك. ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده».
وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة، ما يوافق هذا ويؤيده من أنهم كانوا إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء له والتحية: كالصلاة والسلام. ويكرهون قصده للدعاء، والوقوف عنده للدعاء. وليس في أئمة المسلمين من استحب للمرء أن يستقبل قبر النبي ﷺ ، ويدعو عنده.
стр. 221
وقد علم أن مالكاً من أعلم الناس بمثل هذه الأمور، فإنه مقيم بالمدينة، يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم، ويسمع ما ينقلونه عن الصحابة وأكابر التابعين، وهو ينهى عن الوقوف عند القبر للدعاء، ويذكر أنه لم يفعله السلف.
وقد أجدب الناس على عهد عمر ﵁ فاستسقى بالعباس ﵁. ففي صحيح البخاري عن أنس أن عمر استسقى بالعباس، وقال: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا»، فيُسْقَوْن. [البخاري١٠١٠] فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته، وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم، فيدعو لهم ويدعون معه، كالإمام والمأمومين، من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق، ولما مات ﷺ توسلوا بدعاء العباس واستسقوا به.
ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر النبي ﷺ ولا غيره يستسقى عنده ولا به. والعلماء استحبوا السلام على النبي ﷺ للحديث الذي في سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من أحد
стр. 222
يسلم عليّ إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇» [أبو داود٢٠٤١وحسنه الألباني] هذا مع ما في النسائي وغيره، عنه ﷺ أنه قال: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يُبَلَّغوني عن أمتي السلام» [النسائي١٢٨١وصححه الألباني] وفي سنن أبي داود وغيره عنه، أنه قال: «أكثروا علي الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي»، فقالوا يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ـ أي بليت ـ فقال: «إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء». [أبو داود١٠٤٧وصححه الألباني]
فالصلاة عليه ـ بأبي هو وأمي ـ والسلام عليه مما أمر الله به ورسوله. وقد ثبت في الصحيح أنه قال: «من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً». [مسلم٤٠٨]
والمشروع لنا عند زيارة قبور الأنبياء والصالحين وسائر المؤمنين، هو من جنس المشروع عند جنائزهم، فكما أن المقصود بالصلاة على الميت الدعاء له، فالمقصود بزيارة قبره الدعاء له، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور، أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم
стр. 223
لاحقون. ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم» [مسلم٩٤٧، ٩٧٥] فهذا دعاء خاص للميت.
فأما أن يقصد بالزيارة سؤال الميت، أو الإقسام به على الله أو استجابة الدعاء عند تلك البقعة، فهذا لم يكن من فعل أحد من سلف الأمة، لا الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، وإنما حدث ذلك بعد ذلك.
ولم يثبت عن النبي ﷺ حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى أحد في ذلك شيئاً، لا أهل الصحيح ولا السنن، ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد وغيره، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره. كقوله: «من زارني وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة» و «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي» و «من حج ولم يزرني فقد جفاني» ونحو هذه الأحاديث، كلها مكذوبة موضوعة لكن النبي ﷺ رخص في زيارة القبور مطلقاً، بعد أن كان قد نهى عنها، كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». [مسلم٩٧٧] وفي
стр. 224
الصحيح عنه أنه قال: «استأذنتُ ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت». [مسلم٩٧٦] فهذه زيارة لأجل تذكرة الآخرة. ولهذا يجوز زيارة قبر الكافر لأجل ذلك.
وقد استفاض عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».يحذر ما فعلوا. [البخاري٤٣٦، ٤٣٥، مسلم٥٣١] قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجداً. [البخاري١٣٣٠، مسلم٥٢٩] وفي الصحيح أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة، وذكر من حسنها وتصاوير فيها، فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» [البخاري٤٢٦،مسلم٥٢٨] وعن جندب بن عبد الله قال: «سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأُ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم
стр. 225
مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» [مسلم٥٣٢]
وعنه أنه قال: «لا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» [أبو داود٢٠٤٢وصححه الألباني] وعنه ﷺ أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [المسند٧٣٥٢وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح] وفي المسند عن ابن مسعود عنه ﷺ أنه قال: «إن مِن شرار الناس مَنْ تدركهم الساعة وهم أحياء، ومَنْ يتخذ القبور مساجد» [المسند٤١٤٣وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح]
ومعنى هذه الأحاديث متواتر عنه ﷺ ـ بأبي هو وأمي ـ وكذلك عن أصحابه.
فهذا الذي ينهى عنه: من اتخاذ القبور مساجد، مفارق لما أمر به وشرعه من السلام على الموتى، والدعاء لهم، فالزيارة المشروعة من جنس الثاني. والزيارة المبتدعة من جنس الأول، فإن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها، وعن قصد الصلاة عندها، وكلاهما منهي عنه، باتفاق العلماء. فإنهم قد
стр. 226
نهوا عن بناء المساجد على القبور، بل صرحوا بتحريم ذلك، كما دل عليه النص.
واتفقوا أيضاً على أنه لا يشرع قصد الصلاة والدعاء عند القبور، ولم يقل أحد من أئمة المسلمين أن الصلاة عنده والدعاء عنده أفضل منه في المساجد الخالية عن القبور. بل اتفق علماء المسلمين على أن الصلاة والدعاء في المساجد التي لم تُبْنَ على القبور، أفضل من الصلاة والدعاء في المساجد التي بُنِيَت على القبور، بل الصلاة والدعاء في هذه منهي عنه مكروه باتفاقهم. وقد صرح كثير منهم بتحريم ذلك، بل وبإبطال الصلاة فيها، وإن كان في هذا نزاع.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح:٢٣] ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن هذه أسماء قوم صالحين، كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، وصوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. [البخاري٤٩٢٠]
فإذا كان ﷺ : نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء لله وحده
стр. 227
خالصاً عند القبور لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم، فكيف إذا وجد ما هو نوع الشرك من الرغبة إليهم، سواء طلب منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله تعالى؟ بل لو أقسم على الله ببعض خلقه، من الأنبياء والملائكة وغيرهم لنهى عن ذلك ولو لم يكن عند قبره، كما لا يقسم بمخلوق مطلقاً، وهذا القسم منهي عنه، غير منعقد باتفاق الأئمة. وهل هو نهي تحريم أو تنزيه؟ على قولين، أصحهما: أنه نهي تحريم. والقول الذي عليه جمهور الأئمة، كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم: أنه لا ينعقد اليمين بمخلوق البتة، ولا يقسم بمخلوق البتة. وهذا هو الصواب.
بل قد صرح العلماء بالنهي عن ذلك، واتفقوا على أن الله يسأل، ويقسم عليه بأسمائه وصفاته، كما يقسم على غيره بذلك، كالأدعية المعروفة في السنن «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام». [ابن ماجه٣٨٥٨وقال الألباني: حسن صحيح] وفي الحديث الآخر «اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن
стр. 228
له كفوا أحد» [ابن ماجه٣٨٥٧وصححه الألباني] وفي الحديث الآخر: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» [المسند٣٧١٢وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح] فهذه الأدعية ونحوها مشروعة باتفاق العلماء. قالوا جميعاً: المسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا يجوز أن يسأل بما ليس مستحقاً.
شبهات والرد عليها:
١ - حديث أبي سعيد الذي رواه ابن ماجة عن النبي ﷺ في الدعاء الذي يقوله الخارج إلى الصلاة: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك. وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا رياءً، ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي» [ابن ماجه٧٧٨وضعفه الألباني]
٢ - قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ﴾ [النساء:١] على قراءة حمزة وغيره ممن خفض الأرحام.
٣ - قد ثبت في الصحيح أن عمر قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا
стр. 229
نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون. [البخاري١٠١٠]
٤ - حديث الأعمى الذي جاء إلى النبي ﷺ فسأله أن يدعو الله أن يرد بصره عليه، فأمره أن يتوضأ فيصلي ركعتين ويقول: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، يا نبي الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي فتقضى لي، اللهم فشفعه في، وشفعني فيه، فدعا الله، فرد الله عليه بصره.» [المسند١٧١٧٥، ١٧١٧٤، ابن ماجه١٣٨٥، الترمذي٣٨٣١وصححه الألباني]
والجواب عن هذا أن يقال:
أولاً: لا ريب أن الله جعل على نفسه حقاً لعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] وكما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة﴾ [الأنعام:٥٤] وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جبل وهو رديفه: «يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقهم عليه أن لا
стр. 230
يعذبهم» [البخاري٦٧، مسلم٣٠] فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق.
وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق، وتنازعوا: هل يوجب بنفسه على نفسه؟ على قولين. ومن جوز ذلك احتج بقوله سبحانه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] وبقوله في الحديث الصحيح: «إني حرمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً» [مسلم٢٥٧٧]
وأما الإيجاب عليه ، والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية، وهو قول مُبتدَع مخالفٌ لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء ومليكه، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئا، ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب، قال: إنه كتب على نفسه، وحرم على نفسه لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئا، كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعِم على العباد بكل خير، فهو الخالق لهم، وهو المُرْسِل إليهم الرسل، وهو المُيَسِّر لهم الإيمان، والعمل الصالح ومن توهم من القدرية،
стр. 231
والمعتزلة ونحوهم أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحقه الأجير على من استأجره فهو جاهل في ذلك.
وإذا كان كذلك لم تكن الوسيلة إليه إلا بما مَنَّ به من فضله وإحسانه، والحق الذي لعباده هو من فضله وإحسانه، ليس من باب المعاوضة، ولا من باب ما أوجبه غيره عليه، فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك.
وإذا سُئِل بما جعله هو سببا للمطلوب من الأعمال الصالحة التي وعَد أصحابها بكرامته، وأنه يجعل لهم مخرجا، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، فيستجيب دعاءهم، ومن أدعية عباده الصالحين، وشفاعة ذوي الوجاهة عنده فهذا سؤال وتسبب بما جعله هو سببا.
وأما إذا سئل بشيء ليس سبباً للمطلوب: فإما أن يكون إقساما عليه به، فلا يقسم على الله بمخلوق، وإما أن يكون سؤالاً بما لا يقتضي المطلوب فيكون عديم الفائدة، فالأنبياء والمؤمنون لهم حق على الله بوعده الصادق لهم وبكلماته التامة، ورحمته لهم أن ينعمهم ولا يعذبهم، وهم وجهاء عنده، يقبل من شفاعتهم ودعائهم، ما
стр. 232
لا يقبله من دعاء غيرهم.
فإذا قال الداعي: أسألك بحق فلان، وفلان لم يَدْعُ له، وهو لم يسأله باتباعه لذلك الشخص ومحبته وطاعته، بل بنفس ذاته، وما جعله له ربه من الكرامة لم يكن قد سأله بسبب يوجب المطلوب.
وحينئذ فيقال: أما التوسل والتوجه إلى الله وسؤاله بالأعمال الصالحة التي أمر بها كدعاء الثلاثة الذين آووا إلى الغار بأعمالهم الصالحة، وبدعاء الأنبياء والصالحين (١) وشفاعتهم، فهذا مما لا نزاع فيه، بل هذا من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] وقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧] فإن ابتغاء الوسيلة إليه، هو طلب من يتوسل به، أي يتوصل ويتقرب به إليه سبحانه، سواء كان على وجه العبادة والطاعة وامتثال الأمر، أو كان على وجه السؤال له، والاستعاذة به رغبة إليه في جلب المنافع ودفع المضار.
стр. 233
فالوسيلة التي أمر الله بابتغائها إليه تعم الوسيلة في عبادته وفي مسألته، فالتوسل إليه بالأعمال الصالحة التي أمر بها، وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم ليس هو من باب الإقسام عليه بمخلوقاته.
ومن هذا الباب: استشفاع الناس بالنبي ﷺ يوم القيامة، فإنهم يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله، [البخاري٣٣٤٠، مسلم١٩٣] كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم، في الاستسقاء وغيره. وقول عمر ﵁: إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. [البخاري١٠١٠] معناه: نتوسل إليك بدعائه وشفاعته، وسؤاله، ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وسؤاله وشفاعته، ليس المراد به: إنا نقسم عليك به، أو ما يجري هذا المجرى مما يفعله بعد موته وفي مغيبه. كما يقول بعض الناس: أسألك بجاه فلان عندك، ويقولون: إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه وأوليائه، ويروون حديثا موضوعا: «إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عريض»، فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه، كما ذكر عمر ﵁ لَفَعلوا ذلك بعد موته، ولم يعدلوا عنه
стр. 234
إلى العباس مع علمهم بأن السؤال به، والإقسام به أعظم من العباس، فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكروه هو مما يفعله الأحياء، دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، فإن الحي يطلب منه ذلك، والميت لا يطلب منه شيء، لا دعاء ولا غيره.
- وكذلك حديث الأعمى، فإنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له ليرد الله عليه بصره، فعلمه النبي ﷺ دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فهذا يدل على أن النبي ﷺ شفع فيه، وأمره أن يسأل الله قبول الشفاعة وأن قوله: «أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة» أي: بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: «كنا نتوسل إليك بنبينا» فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد، ثم قال: «يا محمد، يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم فشفّعه فيّ» فطلب من الله أن يشفّع فيه نبيه، وقوله: «يا محمد يا نبي الله» هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادي في القلب، فيخاطب الشهود بالقلب: كما يقول المصلي: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا، يخاطب من يتصور في نفسه، وإن لم يكن في الخارج من يسمع
стр. 235
الخطاب.
ثانيًا: قوله في حديث أبي سعيد: «أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا»
هذا الحديث رواه عطية العوفي، وفيه ضعف. لكن بتقدير ثبوته، فإن حق السائلين عليه سبحانه، أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له، والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابته فهو من التوسل به، والتوجه به، والتسبب به، ولو قُدِّر َأنه قسم لكان قسماً بما هو من صفاته؛ لأن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله. فصار هذا كقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». [مسلم٤٦٨] والاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وذلك مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، ولأنه قد ثبت في الصحيح وغيره، عن النبي ﷺ : أنه كان يقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» [مسلم٢٧٠٨] قالوا: والاستعاذة لا تكون بمخلوق، واستعاذة النبي ﷺ بعفوه ومعافاته من عقوبته، مع أنه
стр. 236
لا يُستَعاذ بمخلوق، كسؤال الله بإجابته وإثابته وإن كان لايُسْأَل بمخلوق، ومن قال من العلماء: «لا يُسأل إلا به»، لا ينافي السؤال بصفاته، كما أن الحلف لا يشرع إلا بالله كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» [البخاري٦٦٤٦، مسلم١٦٤٦] وفي لفظ للترمذي: «من حلف بغير الله فقد أشرك» [الترمذي١٥٩٠وصححه الألباني] ومع هذا، فالحلف بعزة الله، ولعمر الله ونحو ذلك ـ مما ثبت عن النبي ﷺ الحلف به ـ لم يدخل في الحلف بغير الله.
ثالثًا: قول الناس: أسألك بالله وبالرحم، وقراءة من قرأ: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ﴾ [النساء:١] هو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة، وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره، يتوسل إليه بما يوجب صلته: من القرابة التي بينهما، ليس هو من باب الإقسام، ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب، كالتوسل بدعاء الأنبياء، وبطاعتهم، والصلاة عليهم.
ومن هذا الباب: ما يُرْوَى عن عبد الله بن جعفر أنه قال: «
стр. 237
كنت إذا سألت عليا ﵁ شيئاً فلم يعطنيه قلت له: «بحق جعفر إلا ما أعطيتَنيه فيعطينيه» أو كما قال. فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الإقسام عليه بجعفر، أو من باب قولهم: أسألك بحق أنبيائك، ونحو ذلك. وليس كذلك، بل جعفر هو أخو علي، وعبد الله هو ابنه، وله عليه حق الصلة، فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر، كما في الحديث: «إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يُوَلِّي» [مسلم٢٥٥٢] ولو كان هذا من الباب الذي ظنوه لكان سؤاله لعليّ بحق النبي وإبراهيم الخليل ونحوهما، أولى من سؤاله بحق جعفر، فكان عليٌّ ﵁ إلى تعظيم رسول الله ﷺ ومحبته وإجابة السائل به أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره، لكن بين المعنيين فرق. فإن السائل بالنبي، طالب به متسبب به، فإن لم يكن في ذلك السبب ما يقتضي حصول مطلوبه، ولا كان مما يُقسَم به، لكان باطلاً.
وإقسام الإنسان على غيره بشيء يكون من باب تعظيم المُقسِم للمُقسَم به، وهذا هو الذي جاء به الحديث من الأمر بإبرار القسم، وفي مثل هذا قيل: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه» [البخاري٢٧٠٣،مسلم١٦٧٥] وقد يكون من باب تعظيم
стр. 238
المسؤول به. فالأول يشبه ما ذكره الفقهاء في الحلف الذي يقصد به الحض والمنع. والثاني: سؤال للمسؤول بما عنده من محبة المسؤول به وتعظيمه ورعاية حقه.
فإن كان ذلك مما يقتضي حصول مقصود السائل حَسُنَ السؤال، كسؤال الإنسان بالرحم. وفي هذا سؤال الله بالأعمال الصالحة، وبدعاء أنبيائه وشفاعتهم.
وأما بمجرد ذوات الأنبياء والصالحين، ومحبة الله لهم وتعظيمه لهم، ورعايته لحقوقهم التي أنعم الله بها، فليس فيها ما يوجب حصول مقصود السائل إلا بسبب بين الناس وبينهم، إما محبتهم وطاعتهم فيثاب على ذلك، وإما دعاؤهم له فيستجيب الله شفاعتهم فيه.
فالتوسل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين: إما بطاعتهم واتباعهم، وإما بدعائهم وشفاعتهم. فمجرد دعائه بهم من غير طاعة منه لهم ولا شفاعة منهم له، فلا ينفعه وإن عظم جاه أحدهم عند الله تعالى.
والمقصود هنا: أنه إذا كان السلف والأئمة قالوا في سؤاله
стр. 239
بالمخلوق ما قد ذكر فكيف بسؤال المخلوق الميت؟ سواء سُئِل أن يسأل الله أو سُئِل قضاء الحاجة ونحو ذلك، مما يفعله بعض الناس، إما عند قبر الميت، وإما مع غيبته، وصاحب الشريعة ﷺ حسَم المادة وسدَّ الذريعة، بلعْنِه من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وأن لا يصلَّى عندها لله، ولا يُسأل إلا الله، وحذر أمته ذلك. فكيف إذا وقع نفس المحذور من الشرك، وأسباب الشرك.
وقد تبين أن أحداً من السلف لم يكن يفعل ذلك، إلا ما نقل عن ابن عمر: أنه كان يتحرى النزول في المواضع التي نزل فيها النبي ﷺ والصلاة في المواضع التي صلى فيها، حتى أن النبي ﷺ توضأ وصب فضل وضوئه في أصل شجرة. ففعل ابن عمر ذلك وهذا من ابن عمر تحرٍّ لمثل فعله. فإنه قصد أن يفعل مثل فعله، في نزوله وصلاته، وصبه للماء وغير ذلك، لم يقصد ابن عمر الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها.
والكلام هنا في ثلاث مسائل:
إحداها: أن التأسي به في صورة الفعل الذي فعله، من غير أن يعلم قصده فيه، أو مع عدم السبب الذي فعله، فهذا فيه نزاع
стр. 240
مشهور، وابن عمر مع طائفة يقولون بأحد القولين، وغيرهم يخالفهم في ذلك، والغالب والمعروف عن المهاجرين والأنصار أنهم لم يكونوا يفعلون كفعل ابن عمر ﵃ وليس هذا مما نحن فيه الآن.
ومن هذا الباب أنه لو تحرى رجل في سفره أن يصلي في مكان نزل فيه النبي ﷺ ، وصلى فيه، إذا جاء وقت الصلاة، فهذا من هذا القبيل.
المسألة الثانية: أن يتحرى تلك البقعة للصلاة عندها من غير أن يكون ذلك وقتاً للصلاة، بل أراد أن ينشئ الصلاة والدعاء لأجل البقعة، فهذا لم ينقل عن ابن عمر ولا غيره، وإن ادعى بعض الناس أن ابن عمر فعله، فقد ثبت عن أبيه عمر أنه نهى عن ذلك، وتواتر عن المهاجرين والأنصار: أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك، فيمتنع أن يكون فعل ابن عمرـ لو فعل ذلك ـ حجة على أبيه، وعلى المهاجرين والأنصار.
المسألة الثالثة: أن لا تكون تلك البقعة في طريقه، بل يَعْدِل عن طريقه إليها، أو يسافر إليها سفراً قصيراً أو طويلاً مثل من يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو، أو يذهب إلى الطور الذي كلم
стр. 241
الله عليه موسى ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغير الجبال، التي يقال فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، أو مشهد مَبْني على أثر نبي من الأنبياء فهذا مما يعلم كل من كان عالماً بحال رسول الله ﷺ ، وحال أصحابه من بعده، أنهم لم يكونوا يقصدون شيئاً من هذه الأمكنة.
فإن جبل حراء الذي هو أطول جبل بمكة، كانت قريش تنتابه قبل الإسلام وتتعبد هناك، وقد ثبت في الصحيح عن عائشة ﵄ أنها قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي غار حراء، فيتحنث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد، ثم يرجع فيتزود لذلك، حتى فجَأَه الوحي، وهو بغار حراء، فأتاه المَلَك، فقال له: اقرأ. فقال: «لست بقارئ» قال: «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني»، ثم قال: اقرأ. فقال: «لست بقارئ» قال: مرتين أو ثلاثا ـ ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥] فرجع بها
стр. 242
رسول الله ﷺ ترجف بوادره» [البخاري ٣] الحديث بطوله.
فتحنُّثُه وتعبده بغار حراء كان قبل المبعث. ثم إنه لما أكرمه الله بنبوته ورسالته، وفرض على الخلق الإيمان به وطاعته واتباعه، وأقام بمكة بضع عشرة سنة هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين الذين هم أفضل الخلق، ولا يذهب هو ولا أحد من أصحابه إلى حراء. ثم هاجر إلى المدينة واعتمر أربع عُمَر: عمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت ثم إنه اعتمر من العام القابل عمرة القضية، ودخل مكة هو وكثير من أصحابه، وأقاموا بها ثلاثاً. ثم لما فتح مكة وذهب إلى ناحية حنين والطائف شرقي مكة، فقاتل هوازن بوادي حنين، ثم حاصر أهل الطائف وقسم غنائم حنين بالجعرانة، فأتى بعمرة من الجعرانة إلى مكة، ثم إنه اعتمر عمرته الرابعة مع حجة الوداع، وحج معه جماهير المسلمين، لم يتخلف عن الحج معه إلا من شاء الله وهو في ذلك كله، لا هو ولا أحد من أصحابه يأتي غار حراء، ولا يزوره، ولا شيئاً من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك عبادة إلا بالمسجد الحرام، وبين الصفا والمروة، وبمنى والمزدلفة وعرفات، وصلى الظهر والعصر ببطن
стр. 243
عرنة، وضربت له القبة يوم عرفة بنَمِرَة، المجاورة لعرفة. ثم بعده خلفاؤه الراشدون وغيرهم، من السابقين الأولين، لم يكونوا يسيرون إلى غار حراء ونحوه للصلاة فيه والدعاء.
وكذلك الغار المذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] وهو غار بجبل ثور، لم يشرع لأمته السفر إليه وزيارته والصلاة فيه والدعاء، ولا بنى رسول الله ﷺ بمكة مسجداً، غير المسجد الحرام، بل تلك المساجد كلها محدثة، مسجد المولد وغيره، ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد ولا زيارة موضع بيعة العقبة الذي خلف مِنَى، وقد بني هناك له مسجد.
ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعا مستحبا يثيب الله عليه، لكان النبي ﷺ أعلم الناس بذلك، ولكان يُعَلِّم أصحابه ذلك، وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك عُلِم أنه من البدع المحدثة، التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة، فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله.
وإذا كان حكم مقام نبينا ﷺ في مثل غار حراء الذي ابتُدي فيه
стр. 244
بالإنباء والإرسال، وأُنزل عليه فيه القرآن، مع أنه كان قبل الإسلام يتعبد فيه. وفي مثل الغار المذكور في القرآن الذي أنزل الله فيه سكينته عليه، فمن المعلوم أن مقامات غيره من الأنبياء أبعد عن أن يُشرع قصدها، والسفر إليها لصلاة أو دعاء أو نحو ذلك، إذا كانت صحيحة ثابتة. فكيف إذا علم أنها كذب، أو لم يعلم صحتها.
وهذا كما أنه قد ثبت باتفاق أهل العلم أن النبي ﷺ لما حج البيت لم يستلم من الأركان إلا الركنين اليمانيين، فلم يستلم الركنين الشاميين ولا غيرهما من جوانب البيت ولا مقام إبراهيم ولا غيره من المشاعر، وأما التقبيل فلم يُقَبّل إلا الحجر الأسود.
وقد اختلف في الركن اليماني: فقيل يُقَبِّله. وقيل: يستلمه ويقبل يده، وقيل: لا يقبله ولا يقبل يده. والأقوال الثلاثة مشهورة في مذهب أحمد وغيره.
والصواب: أنه لا يقبله ولا يقبل يده، فإن النبي ﷺ لم يفعل لا هذا ولا هذا، كما تنطق به الأحاديث الصحيحة، ثم هذه مسألة نزاع، وأما مسائل الإجماع فلا نزاع بين الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة العلم، أنه لا يقبل الركنين الشاميين، ولا شيئاً من جوانب
стр. 245
البيت، فإن النبي ﷺ لم يستلم إلا الركنين اليمانيين. وعلى هذا عامة السلف، وقد رُوى أن ابن عباس ومعاوية ﵄ طافا بالبيت، فاستلم معاوية الأركان الأربعة. فقال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال معاوية: ليس شيءٌ من البيت مهجوراً. [البخاري١٦٠٨] فقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. فرجع إليه معاوية». [المسند١٨٧٧وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح]
وقد اتفق العلماء على ما مضت به السنة، من أنه لا يشرع الاستلام والتقبيل لمقام إبراهيم الذي ذكره الله تعالى في القرآن وقال: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] فإذا كان هذا بالسنة المتواترة، وباتفاق الأئمة، لا يشرع تقبيلها بالفم، ولا مسحه باليد، فغيره من مقامات الأنبياء أولى أن لا يشرع تقبيلها بالفم، ولا مسحها باليد.
وأيضا ـ فإن المكان الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه بالمدينة النبوية دائماً، لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا المواضع التي صلى فيها بمكة وغيرها. فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه بقدميه
стр. 246
الكريمتين، ويصلي عليه، لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال: إن غيره صلى فيه أو نام عليه؟
وإذا كان هذا ليس بمشروع في موضع قدميه للصلاة، فكيف بالنعل الذي هو موضع قدميه للمشي وغيره؟ هذا إذا كان النعل صحيحاً، فكيف بما لا يُعلم صحته، أو بما يُعلم أنه مكذوب: كحجارة كثيرة يأخذها الكذابون وينحتون فيها موضع قدم، ويزعمون عند الجُهّال أن هذا الموضع قدم النبي ﷺ ، وإذا كان هذا غير مشروع في موضع قدميه، وقدمَي إبراهيم الخليل، الذي لا شك فيه، ونحن مع هذا قد أُمرنا أن نتخذه مصلى، فكيف بما يقال إنه موضع قدميه، كذباً وافتراءً عليه كالموضع الذي بصخرة بيت المقدس، وغير ذلك من المقامات.
شبهة والرد عليها: إن قيل: قد أمر الله أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فيقاس عليه غيره. قيل له: هذا الحكم خاص بمقام إبراهيم الذي بمكة، سواء أُريد به المقام الذي عند الكعبة موضع قيام إبراهيم، أو أريد به المشاعر: عرفة ومزدلفة ومنى، فلا نزاع بين المسلمين أن المشاعر خصت من العبادات بما لا يشركها فيه سائر
стр. 247
البقاع، كما خص البيت بالطواف. فما خصت به تلك البقاع لا يقاس به غيرها. وما لم يشرع فيها فأولى أن لا يشرع في غيرها ونحن استدلَلْنا على أن ما لم يشرع هناك من التقبيل، والاستلام أولى أن لا يشرع في غيرها، ولا يلزم أن يشرع في غير تلك البقاع مثل ما شرع فيها.
ومن ذلك القبة التي عند باب عرفات، التي يقال: إنها قبة آدم، فإن هذا لا يُشرع قصدها للصلاة والدعاء، باتفاق العلماء، بل نفس رُقِيّ الجبل الذي بعرفات الذي يقال له: جبل الرحمة، ليس مشروعا باتفاقهم، وإنما السنة الوقوف بعرفات. إما عند الصخرات حيث وقف النبي ﷺ ، وإما بسائر عرفات.
وكذلك سائر المساجد المبنية هناك. كالمساجد المبنية عند الجمرات، وبجنب مسجد الخيف مسجد يقال له: غار المرسلات فيه نزلت سورة المرسلات، وفوق الجبل مسجد يقال له مسجد الكبش، ونحو ذلك. لم يشرع النبي ﷺ قصد شيء من هذه البقاع لصلاة ولا دعاء ولا غير ذلك. وأما تقبيل شيء من ذلك والتمسح به فالأمر فيه أظهر، إذ قد علم العلماء بالاضطرار من دين
стр. 248
الإسلام، أن هذا ليس من شريعة رسول الله ﷺ .
خطأ أصحاب المناسك في ذكرهم للمزارات المبتدعة
وقد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وكنت قد كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج، في أول عمري لبعض الشيوخ، جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لنا أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، لم يفعلوا شيئا من ذلك، وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك، وأن المسجد الحرام، هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف، وغير ذلك من العبادات، ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه، ولا يصلح أن يجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأحكام، وما يفعله الرجل في مسجد من تلك المساجد، من دعاء وصلاة وغير ذلك، إذا فعله في المسجد الحرام كان خيراً له. بل هذا سنة مشروعة، وأما قصد مسجد غيره هناك تحرياً لفضله، فبدعة غير مشروعة.
стр. 249
المساجد التي تشد إليها الرحال هي المساجد الثلاثة فقط
المساجد التي تشد إليها الرحال، هي المساجد الثلاثة، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» [البخاري١١٨٩، مسلم١٣٩٧] فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها والدعاء، والذكر والقراءة والاعتكاف، من الأعمال الصالحة. وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتى مسجد قباء يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة ولا يشرع شد الرحال إليه فإن في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً»، وفي لفظ لمسلم: «فيصلي فيه ركعتين» وكان ابن عمر يفعله. [البخاري١١٩٣، مسلم١٣٩٩]
المشاهد وغيرها هي في معنى مسجد الضرار:
وذلك أن الله تعالى نهاه عن القيام في مسجد الضرار فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ
стр. 250
أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة١٠٧ - ١١٠] وكان مسجد الضرار قد بُني لأبي عامر الفاسق، الذي كان يقال له: أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان المشركون يعظمونه فلما جاء الإسلام حصل له من الحسد ما أوجب مخالفته للنبي ﷺ فقام طائفة من المنافقين يبنون هذا المسجد، وقصدوا أن يبنوه لأبي عامر هذا، والقصة مشهورة في ذلك، فلم يبنوه لأجل فِعل ما أمر الله به ورسوله ﷺ ، بل لغير ذلك.
فدخل في معنى ذلك: من بَني أبنية يضاهي بها مساجد المسلمين لغير العبادات المشروعة، من المشاهد وغيرها. ـ لا سيما إذا كان فيها من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، والإرصاد لأهل النفاق والبدع المحادين لله ورسوله ـ ما يقوى بها شبهها كمسجد الضرار، فلما قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ وكان مسجد قباء أسس على