تهذيب كتاب
اقتضاء الصراط المستقيم
لمخالفة أصحاب الجحيم
تأليف
شيخ الإسلام ابن تيمية
هذَّبه وخرَّج أحاديثه
شحاتة صقر
الناشر: مكتبة دار العلوم
البحيرة ـ أبو حمص ـ حي الزهور
ت ٠٤٥٢٥٦٩٨٢٦ـ٠١٢٩٧٣٢١٣١
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الناشر: مكتبة دار العلوم
البحيرة ـ أبو حمص ـ حي الزهور
ت ٠٤٥٢٥٦٩٨٢٦ـ ٠١٢٩٧٣٢١٣١
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التهذيب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، ودعا إلى دينه إلى يوم الدين.
وبعد
فهذا تهذيب لكتاب (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ تيسيراً للاستفادة من هذا الكتاب القيّم الذي قال عنه الشيخ ابن عثيمين ﵀ إنه «أفْيَد ما يكون ولا سيما في الوقت الحاضر» (١)
الموضوع الرئيس للكتاب:
التنبيه على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وأصوله، وهي: النهي عن التشبه بالكفار، والأمر بمجانبة هدْيهم على
стр. 4
العموم، وأعيادهم على الخصوص، وبيان حكمة ذلك، وما جاءت به الشريعة من مخالفة أهل الكتاب والمشركين والأعاجم غير المسلمين ونحوهم، وأصل هذه المسألة في كتاب الله وسنة رسوله ﵌ وهدي السلف الصالح، واستقراء الآثار في ذلك. (١)
منهج تهذيب الكتاب:
١ - اختصاره وعرضه بطريقة منظمة.
٢ - حذف ما جاء في الكتاب من الاستطرادات الفقهية التي ليس لها علاقة بموضوع الكتاب، وكذلك الاستطرادات اللغوية.
٣ - تخريج الآيات القرآنية، وكتابة هذا التخريج بخط صغير ووضعه بعد الآيات مباشرةً، وليس في الهامش، تسهيلاً على القارىء.
٤ - عمل تخريج مختصر للأحاديث والآثار الواردة في هذا التهذيب وذلك بالاستفادة من كتب الشيخ الألباني، وتعليقات الشيخ أحمد شاكر على (المسند) و (تفسير ابن كثير)، وكذلك
стр. 5
الاستفادة من تعليقات الأستاذ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل الذي حقق كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) من خمس نسخ خطية ونسخة مطبوعة أخرجها الشيخ محمد حامد الفقي، وكذلك الاستفادة من الطبعة التي أشرف على تحقيقها الشيخ مصطفى العدوي.
٥ - كتابة هذا التخريج المختصر بخط أصغر من خط الكتاب، ووضعه بعد الأحاديث أو الآثار مباشرةً، وليس في الهامش، تسهيلاً على القارىء.
٦ - وضع بعض العناوين الجانبية من نسخة الأستاذ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل.
٧ - تفسير بعض الكلمات بذكر معناها في الهامش.
وأسأل الله العظيم ـ ربَّ العرش العظيم ـ أن ينفع به المسلمين، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.
شحاتة محمد صقر
saqrmhm@gawab.com
стр. 6
تهذيب كتاب
اقتضاء الصراط المستقيم
لمخالفة أصحاب الجحيم
تأليف
شيخ الإسلام ابن تيمية
الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينا، وأمرنا أن نستهديه صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم: اليهود، ولا الضالين: النصارى.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالدين القيم، والملة الحنيفية، وجعله على شريعة من الأمر، أمر باتباعها، وأمره بأن يقول: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم تسليماً.
- قال رسول الله ﷺ : «إن اليهودَ مغضوبٌ عليهم، وإن النصارى ضُلَّال» [رواه الترمذي٣١٤١وحسنه الألباني] وقد دل كتاب الله
стр. 7
على معنى هذا الحديث، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة:٦٠] والضمير عائد إلى اليهود، والخطاب معهم كما دل عليه سياق الكلام، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ ولاَ مِنْهُمْ﴾ [المجادلة:١٤] وهم المنافقون الذين تولوا اليهود، باتفاق أهل التفسير، وسياق الآية يدل عليه.
* وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ﴾ [آل عمران:١١٢] وهذا بيان أن اليهود مغضوب عليهم.
* وقال في النصارى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ
стр. 8
ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٣ - ٧٧] وهذا خطاب للنصارى كما دل عليه السياق، ولهذا نهاهم عن الغلو، وهو مجاوزة الحد. واليهود مقصرون عن الحق، والنصارى غالُون فيه.
كفر اليهود أصله عدم العمل بالعلم، وكفر النصارى أصله عملهم بلا علم
وجماع ذلك: أن كفر اليهود أصله من جهة عدم العمل بعلمهم، فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه عملاً، أو لا قولاًً ولا عملاً. وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون.
إخبار الرسول ﷺ أن أمته ستتبع سنن الأمم قبلها
* ومع أن الله قد حذرنا سبيلهم، فقضاؤُه نافذٌ بما أخبر به رسوله، مما سبق في علمه، حيث قال رسول الله ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سننَ من كان قبلكم حذو القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جُحر ضَب
стр. 9
لَدَخَلْتُموه»، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى، قال: فمن؟» [البخاري٧٣٢٠، مسلم٢٦٦٩،المسند١٧٠٧٠]
* وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقومُ الساعةُ حتى تأخذَ أمّتي مأخذ القرون، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع»، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: «ومن الناس إلا أولئك؟» [البخاري٧٣١٩]
فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم، وهم الأعاجم.
* وقد كان ﷺ ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، وليس هذا إخباراً عن جميع الأمة، بل قد تواتر عنه أنه: «لا تزال طائفةٌ من أمته ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة». [البخاري٣٦٤٠، مسلم١٩٢٠] وأخبر ﷺ : «أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة» [الترمذي ٢٢٦٩وصححه الألباني]، و «أن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته». [ابن ماجه ٨ وحسنه الألباني].
- فعُلِم بخبره الصِّدق أنه في أمته قومٌ مستمسكون بهَدْيه، الذي هو دين الإسلام محضاً، وقوم منحرفون إلى شُعبة من شُعَب
стр. 10
اليهود، أو إلى شعبة من شعب النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكل انحراف، بل وقد لا يفسق أيضاً، بل قد يكون الانحراف كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ. وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان، فلذلك أُمِر العبدُ بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلاً.
بعض أمور أهل الكتاب والأعاجم، التي ابتُلِيَتْ بها هذه الأمة؛ ليجتنب المسلم الحنيف الانحراف عن الصراط المستقيم، إلى صراط المغضوب عليهم، أو الضالين:
١ - قال الله سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] فذمَّ اليهودَ على ما حسدوا المؤمنين على الهدى والعلم.
* وقد يُبْتَلَى بعضُ المنتسبين إلى العلم وغيرُهم بنوعٍ من الحسد لمن هداه الله بعلم نافع أو عمل صالح، وهو خُلُق مذموم مطلقا، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم.
стр. 11
٢ - وقال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِه ِ﴾ [النساء٣٦، ٣٧] فوصفهم بالبخل الذي هو البخل بالعلم والبخل بالمال، وإن كان السياق يدل على أن البخل بالعلم هو المقصود الأكبر، فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم: تارةً بُخْلاً به، وتارة اعتياضاً عن إظهاره بالدنيا، وتارة خوفاً أن يُحْتَجَّ عليهم بما أظهروه منه.
* وهذا قد يُبتَلَى به طوائف من المنتسبين للعلم، فإنهم تارة يكتمون العلم بُخْلاً به، وكراهة لأن ينال غيرهم من الفضل ما نالوه، وتارة اعتياضاً عنه برئاسة أو مال، فيخاف من إظهاره انتقاص رئاسته أو نقص ماله، وتارة يكون قد خالف غيره في مسألة، أو اعتزى إلى طائفة قد خُولِفت في مسألة، فيكتم من العلم ما فيه حجة لمخالفه وإن لم يتيقن أن مخالفه مُبطِل.
ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: «أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم».
٣ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا
стр. 12
أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:٩١] بعد أن قال: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩] فوصف اليهود أنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور الناطق به، والداعي إليه، فلما جاءهم الناطق به من غير طائفة يهوونها لم ينقادوا له، وأنهم لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها، مع أنهم لا يتبعون ما لزمهم في اعتقادهم.
* وهذا يُبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم، أو الدين، من المتفقهة، أو المتصوفة، أو غيرهم، أو إلى رئيس معظم عندهم في الدين ـ غير النبي ﷺ ـ فإنهم لا يقبلون من الدين رأياً ورواية إلا ما جاءت به طائفتهم، ثم إنهم لا يعلمون ما توجبه طائفتهم، مع أن دين الإسلام يوجب إتباع الحق مطلقاً ـ روايةً ورأياً ـ من غير تعيين شخص أو طائفة، غير الرسول ﷺ .
٤ - قال تعالى في صفة المغضوب عليهم: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء:٤٦] والتحريف قد فُسِّر بتحريف التنزيل، وبتحريف التأويل.
стр. 13
* فأما تحريف التأويل فكثير جداً، وقد ابتليت به طوائف من هذه الأمة.
* وأما تحريف التنزيل فقد وقع في كثير من الناس، يحرفون ألفاظ الرسول، ويروون الحديث بروايات منكرة. وإن كان الجهابذة يدفعون ذلك.
٥ - وقال سبحانه عن النصارى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء:١٧١] وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧،٧٢] إلى غير ذلك من المواضع.
* ثم إن الغلو في الأنبياء والصالحين قد وقع في طوائف من ضلال المتعبِّدة والمتصوفة، حتى خالط كثيراً منهم من مذهب الحلول والإتحاد ما هو أقبح من قول النصارى أو مثله أو دونه.
٦ - قال تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] وفسره النبي ﷺ لعدي بن حاتم ﵁ بأنهم: أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال
стр. 14
فأتبعوهم.» [الترمذي٣٣٠٦وحسنه الألباني]
* وكثير من أتباع المتعبدة يطيع بعض المعظَّمين عنده في كل ما يأمر به وإن تضمن تحليل حرام أو تحريم حلال.
٧ - وقال سبحانه عن الضالين: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللهِ﴾ [الحديد:٢٧]
* وقد ابتُلى طوائف من المسلمين، من الرهبانية المبتدعة بما الله به عليم.
٨ - قال سبحانه: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً﴾ [الكهف:٢١] فكان الضالون ـ بل والمغضوب عليهم ـ يبنون المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، وقد نهى رسول الله ﷺ أمته عن ذلك في غير موطن حتى في وقت مفارقته الدنيا ـ بأبي هو وأمي.
* ثم إن هذا قد ابتُلِي به كثير من هذه الأمة.
٩ - إن الضالين تجد عامة دينهم إنما يقوم بالأصوات المطربة، والصور الجميلة، فلا يهتمون بأمر دينهم بأكثر من تلحين الأصوات.
стр. 15
* ثم تجد قد ابتليت هذه الأمة من اتخاذ السماع المطرب، بسماع القصائد، وإصلاح القلوب والأحوال به، ما فيه مضاهاة لبعض حال الضالين.
١٠ - وقال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣] فأخبر أن كل واحدة من الأمتين تجحد كل ما الأخرى عليه.
* وأنت تجد كثيراً من المتفقهة، إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئاً ولا يعدهم إلا جُهَّالاً ضُلَّالاً، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئاً، وترى كثيراً من المتصوفة والمتفقرة لا يرى الشريعة ولا العلم شيئاً، بل يرى المتمسك بها منقطعاً عن الله وأنه ليس عند أهلها مما ينفع عند الله شيئاً.
وإنما الصواب: أن ما جاء به الكتاب والسنة، من هذا وهذا: حق، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا: باطل.
١١ - أما مشابهة فارس والروم، فقد دخل في هذه الأمة من الآثار الرومية، قولاً وعملاً، والآثار الفارسية، قولاً وعملاً، ما لا خفاء به على مؤمن عليم بدين الإسلام، وبما حدث فيه.
стр. 16
وليس الغرض هنا تفصيل الأمور التي وقعت في الأمة، مما تضارع (١) طريق المغضوب عليهم أو الضالين، وإن كان بعض ذلك قد يقع مغفوراً لصاحبه: إما لاجتهاد أخطأ فيه، أو لحسنات محت السيئات، أو غير ذلك. وإنما الغرض أن نبين ضرورة العبد وفاقته إلى هداية الصراط المستقيم، وأن ينفتح باب إلى معرفة الانحراف.
الصراط المستقيم أمور باطنة في القلب، وأمور ظاهرة
إن الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب: من اعتقادات، وإرادات، وغير ذلك، وأمور ظاهرة: من أقوال، أو أفعال قد تكون عبادات، وقد تكون أيضاً عادات في الطعام واللباس، والنكاح والمسكن، والاجتماع والافتراق، والسفر والإقامة، والركوب وغير ذلك.
وهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينهما ارتباط ومناسبة، فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أموراً ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال، يوجب للقلب شعوراً وأحوالاً.
стр. 17
لماذا الأمر بمخالفة اليهود والنصارى في الهدي الظاهر ؟
قد بعث الله محمداً ﷺ بالحكمة التي هي سنته، وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم، والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر، وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة لأمور منها: ١ - أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسباً وتشاكلاً بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة ـ مثلاً ـ يجد من نفسه نوع تخلُّق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضياً لذلك، إلا أن يمنعه مانع.
٢ - أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب، وأسباب الضلال والانعطاف على أهل الهدى، والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.
* وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام كان إحساسه
стр. 18
بمفارقة اليهود والنصارى باطناً وظاهراً أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين، أشد.
٣ - أن مشاركتهم في الهدي الظاهر، توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميز ظاهراً، بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين.
* هذا، إذا لم يكن ذلك الهدى الظاهر إلا مباحاً محضاً لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم كان شُعبة من شُعَب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم. فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له.
ذِكْر بعض ما دل، من الكتاب، والسنة، والإجماع، على الأمر بمخالفة الكفار، والنهي عن مشابهتهم في الجملة
أولاً: الاستدلال بالقرآن على النهي عن التشبه بالكافرين:
١ - قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ
стр. 19
رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللهِ شَيئاً وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية:١٦ - ١٩]
* أخبر سبحانه، أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغياً من بعضهم على بعض. ثم جعل محمداً ﷺ على شريعة شرعها له، وأمره بإتباعها، ونهاه عن إتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته.
* وأهواؤهم: هو ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه؛ ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويسرون به، ويودون أن لو بذلوا مالاً عظيماً ليحصل ذلك.
٢ - قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا
стр. 20
أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ * وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ﴾ [الجاثية:٣٦، ٣٧] فالضمير في أهوائهم، يعود ـ والله أعلم ـ إلى ما تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين ينكرون بعضه، فدخل في ذلك كل من أنكر شيئاً من القرآن: من يهودي، ونصراني، وغيرهما. وقد قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم، اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك.
٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٢٠] فانظر كيف قال في الخبر: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ وقال في النهي: ﴿أَهْوَاءهُم﴾؛ لأن القوم لا يرضون إلا بإتباع الملة مطلقاً، والزجر وقع عن إتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين، نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه.
стр. 21
٤ - قوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٤٥ - ١٥٠]
* قال غير واحد من السلف: «معناه: لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، إذ الحجة: اسم لكل ما يحتج به من حق وباطل ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
стр. 22
مِنْهُمْ﴾ وهم قريش، فإنهم يقولون: عادوا إلى قبلتنا، فيوشك أن يعودوا إلى ديننا».
* فبًيَّن سبحانه أن من حكمة نسخ القبلة وتغييرها، مخالفة الناس الكافرين في قبلتهم، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل، ومعلوم أن هذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة، فإن الكافر إذ اتُّبِعَ في شيء من أمره، كان له في الحجة مثل ما كان أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة.
٥ - قال سبحانه: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥] وهم: اليهود والنصارى، الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، ولهذا نهى النبي ﷺ عن متابعتهم في نفس التفرق والاختلاف، مع أنه ﷺ قد أخبر «أن أمته: ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة». [أبو داود ٤٥٩٦وقال الألباني: حسن صحيح]
٦ - قال سبحانه لموسى وهارون: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٩] وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ
стр. 23
الْمُفْسِدِينَ﴾ [الاعراف:١٤٢] وقال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] إلى غير ذلك من الآيات.
* وما هم عليه من الهدي والعمل، هو من سبيل غير المؤمنين، بل ومن سبيل المفسدين، والذين لا يعلمون.
٧ - قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٤٩، ٤٨] ومتابعتهم في هديهم، هي من إتباع ما يهوونه، أو مظنة لإتباع ما يهوونه وتركها معونة على ترك ذلك، وحسم لمادة متابعتهم فيما يهوونه.
٨ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٠٤] قال قتادة
стр. 24
وغيره: «كانت اليهود تقوله استهزاء فكره الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم» وقال أيضاً: «كانت اليهود تقول للنبي ﷺ : راعنا سمعك يستهزؤن بذلك، وكانت في اليهود قبيحة».
وروى أحمد عن عطية قال: «كان يأتي ناس من اليهود فيقولون: راعنا سمعك، حتى قالها ناس من المسلمين، فكره الله لهم ما قالت اليهود».
وقال عطاء: «كانت لغة في الأنصار في الجاهلية».
* فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نهى المسلمون عن قولها، لأن اليهود كانوا يقولونها ـ وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة ـ لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار، وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم. (١)
٩ - قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩] ومعلوم أن الكفار فرقوا دينهم، وكانوا شيعا، كما قال سبحانه: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن
стр. 25
بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥] وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:٤] وقال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:١٤] وقال عن اليهود: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:٦٤] وقد قال تعالى لنبيه ﵊: ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩] وذلك يقتضي تبرؤه منهم في جميع الأشياء.
* ومن تابع غيره في بعض أموره، فهو منه في ذلك الأمر؛ لأن قول القائل: أنا من هذا، وهذا مني، أي أنا من نوعه وهو من نوعي؛ لأن الشخصين لا يتحدان إلا بالنوع، كما في قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فقول القائل: لستُ من هذا في شيء، أي لستُ مشاركاً له في شيء، بل أنا متبرئٌ من جميع أموره.
* وإذا كان الله قد برأ رسوله ﷺ من جميع أمورهم، فمن كان متبعاً للرسول ﷺ حقيقة كان متبرئاً كتبرئه، ومن كان موافقاً لهم كان مخالفاً للرسول بقدر موافقته لهم، فإن الشخصين المختلفَين من
стр. 26
كل وجه في دينهما، كلما شابهتَ أحدَهما خالفْتَ الآخر.
١٠ - قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] وقال سبحانه: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ﴾ [المجادلة:٢٢] وقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦،٥٥] ونظائر هذا في غير موضع من القرآن: يأمر سبحانه بموالاة المؤمنين حقاً ـ الذين هم حزبه وجنده ـ ويخبر أن هؤلاء لا يوالون الكافرين، ولا يوادُّونهم.
* والموالاة والموادة: وإن كانت متعلقة بالقلب، لكن المخالفة في الظاهر أعون على مقاطعة الكافرين ومبايَنَتِهم.
* ومشاركتهم في الظاهر: إن لم تكن ذريعة أو سبباً قريباً، أو
стр. 27
بعيداً إلى نوع ما من الموالاة والموادة، فليس فيها مصلحة المقاطعة المباينة، مع أنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة ـ كما توجبه الطبيعة، وتدل عليه العادة ـ ولهذا كان السلف ﵃ يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم في الولايات.
* فعن أبي موسى ﵁ قال: قلت لعمر ﵁: «إن لي كاتباً نصرانياً»، قال: «مالك؟ قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١] ألا اتخذت حنيفاً؟» قال: قلت: «يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه»، قال: «لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أُدْنِيهم إذ أقصاهم الله». [رواه ابن أبي شيبة والبيهقي بسند حسن]
١١ - قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]
* فقوله: ولا يكونوا مثلهم، نهي مطلق عن مشابهتهم، هو خاص ـ أيضاً ـ في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم، وقسوة
стр. 28
القلوب من ثمرات المعاصي.
* لما نهى الله عن التشبه بهؤلاء الذين قست قلوبهم، وذكر أيضاً في آخر السورة حال الذين ابتدعوا الرهبانية، فما رعوها حق رعايتها، فعقبها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢٨ - ٢٩]؛ فإن الإيمان بالرسول ﷺ تصديقه وطاعته وإتباع شريعته، وفي ذلك مخالفة للرهبانية؛ لأنه لم يبعث بها، بل نهى عنها، وأخبر أن من اتبعه (١) كان له أجران. [البخاري ٥٧، مسلم٢٤١]
ثانياً: الاستدلال بالسنة على النهي عن التشبه بالكافرين:
- جاءت سنة رسول الله ﷺ ، وسنة خلفائه الراشدين، التي أجمع الفقهاء عليها، بمخالفتهم وترك التشبه بهم: ١ - قال رسول الله ﷺ : «إن اليهودَ والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» [البخاري٣٤٦٢، مسلم١١٠٣] فأمر بمخالفتهم، وذلك يقتضي أن
стр. 29
يكون جنس مخالفتهم أمراً مقصوداً للشارع.
* نفس المخالفة لهم في الهدي الظاهر مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين، لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنوَّر قلبه، حتى رأى ما اتصف به المغضوب عليهم والضالون ـ من المرض الذي ضرره أشد من ضرر أمراض الأبدان.
* نفس ما هم عليه من الهدي، والخُلُق، قد يكون مُضِراً، أو مُنْقِصاً فيُنهى عنه، ويُؤمر بضده، لما فيه من المنفعة والكمال.
وليس شيء من أمورهم، إلا وهو: إما مضر، أو ناقص؛ لأن ما بأيديهم من الأعمال المبتدعة والمنسوخة، ونحوها، مضرة، وما بأيديهم ـ مما لم ينسخ أصله ـ فهو يقبل الزيادة والنقص.
* الكفر بمنزلة مرض القلب، وأشد، ومتى كان القلب مريضاً لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة، وإنما الصلاح: أن لا تُشْبِه مريض القلب في شيء من أموره وإن خفي عليك مرض ذلك العضو، لكن يكفيك أن فساد الأصل لابد أن يؤثر في الفرع.
٢ - قال رسول الله ﷺ : «خالِفوا المشركين: أحْفوا الشوارب
стр. 30
وأوْفُوا اللحَى». [مسلم ٢٥٩، ٢٦٠] فأمر بمخالفة المشركين مطلقاً، ثم قال: «أحْفوا الشوارب وأوْفُوا اللحَى.» وهذه الجملة الثانية بدل من الأولى، لكن الأمر بها أولاً بلفظ مخالفة المشركين دليل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع.
٣ - قال رسول الله ﷺ : «جزّوا الشوارب وأرْخوا اللحى، خالفوا المجوس». [مسلم٢٦٠] فعقب الأمر بالوصف المشتق المناسب، وذلك دليل على أن مخالفة المجوس أمر مقصود للشارع.
٤ - قال رسول الله ﷺ : «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا خفافهم» [أبو داود ٦٥٢وصححه الألباني]
٥ - قال رسول الله ﷺ : «فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكْلةُ السَّحَر» [مسلم ١٠٩٦]
٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «لا يزالُ الدينُ ظاهراً ما عجَّل الناسُ الفطرَ؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون» [أبو داود٢٣٥٣وحسنه الألباني] وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى.
* وإذا كانت مخالفتهم سبباً لظهور الدين، فإنما المقصود
стр. 31
بإرسال الرسل أن يَظهر دينُ الله على الدين كله، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة.
٧ - عن ليلى ـ امرأة بشير بن الخصاصية ـ قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فنهاني عنه بشير، وقال: إن رسول الله ﷺ نهاني عن ذلك، وقال: يفعل ذلك النصارى، صوموا كما أمركم الله، وأتموا الصوم كما أمركم الله، وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا» [رواه أحمد في المسند ٢١٨٥٢وإسناده صحيح] فعلل النهي عن الوصال: بأنه صوم النصارى، ويشبه أن يكون من رهبانيتهم التي ابتدعوها.
٨ - عن أنس ﵁: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ ، النبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] فقال رسول الله ﷺ : «اصنعوا كلَّ شيءٍ إلا النكاح»، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالَفَنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا
стр. 32
وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ ، حتى ظننا أن قد وجد (١) عليهما فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن، إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفنا أنه لم يجِدْ عليهما. [مسلم٣٠٢]
* فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود، بل: على أنه خالفهم في عامة أمورهم، حتى قالوا: ما يريد أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه.
٩ - عن عمرو بن عبسة، قال: كنت ـ وأنا في الجاهلية ـ أظن أن الناس على ضلالة، فإنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، قال: فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ ، مستخفياً، جُرَآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي، فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلَني الله، فقلت: بأي شيء أرسلك؟، قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحَّدَ الله لا يُشرَكُ به شيء، فقلت له: من معك على هذا؟ قال: حُرٌ وعبدٌ ـ قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ـ فقلت: إني متبعُك، قال: إنك لا
стр. 33
تستطيعُ ذلك يومَك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعتَ بي قد ظهرت: فأْتِني، قال: فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار، وأسأل الناس، حين قدم المدينة، حتى قدم نفر من أهل يثرب ـ من أهل المدينة ـ فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتْله فلم يستطيعوا ذلك، فقدمتُ المدينة، فدخلتُ عليه، فقلت: يا رسول الله: أتعرفني؟ قال: نعم، أنت الذي لقيتَني بمكة، قال: فقلت: يا نبي الله، أخبرني عما علمك الله وأجهله ـ أخبرني عن الصلاة؟ قال: صلّ صلاة الصبح، ثم أقصِر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع، فإنها تطلع ـ حين تطلع ـ بين قرنَيْ شيطان، وحينئذ يسجدُ لها الكفار، ثم صلّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى يستقل الظلُ بالرمح، ثم أَقْصِر عن الصلاة، فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تصلي العصر ثم أقصر عن الصلاة، حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ: يسجد لها الكفار» [مسلم ٨٣٢].
стр. 34
* فقد نهى النبي ﷺ ، عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب، معللاً: بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنه حينئذ يسجد لها الكفار. ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى، وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أن الكفار يسجدون لها، ثم إنه ﷺ نهى عن الصلاة في هذا الوقت حسماً لمادة المشابهة بكل طريق.
١٠ - عن ابن عمر ﵄: أنه رأى رجلاً يتكئ على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة فقال له: لا تجلسْ هكذا فإنَّ هكذا يجلس الذين يُعَذَّبُون» [أبو داود ٩٩٤ وحسنه الألباني] وفي رواية: «تلك صلاة المغضوب عليهم» [أبو داود٩٩٣وصححه الألباني] وفي رواية: «نهى رسول الله ﷺ : أن يجلسَ الرجلُ في الصلاةِ وهو معتمدٌ على يَدِه» [أبو داود٩٩٢ وصححه الألباني] ففي هذا الحديث: النَّهْي عن هذه الجلسة معللة بأنها جلسة المعذبين، وهذه مبالغة في مجانبة هدْيِهم.
١١ - عن مسروق عن عائشة ﵄: أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته، وتقول: «إن اليهود تفعله» [البخاري٣٤٥٨] ونهى رسول الله ﷺ أن يصلى الرجل مُخْتَصِراً [مسلم٥٤٥] وعن زياد بن
стр. 35
صبيح قال: «صلَّيْتُ إلى جنب ابن عمر فوضعتُ يدي على خاصرتي، فما صلى قال: هذا الصَّلْب في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ ينهى عنه. [أبو داود٩٠٣وصححه الألباني]
١٢ - عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره فالتفت إلينا فرآنا قياماً، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعوداً فلما سلم قال: «إن كِدْتُم آنفاً تفعلون فعل فارس والروم: يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائماً فصلوا قياماً وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً» [مسلم ٤١٣] ففي هذا الحديث: أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة، وعلل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم في قيامهم وهو قعود.
ومعلوم أن المأموم إنما نوى أن يقوم لله لا لإمامه وهذا تشديد عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد.
وفي هذا الحديث ـ أيضاً ـ نهى عما يشبه فعل فارس والروم وإن كانت نيتنا غير نيتهم، لقوله: «فلا تفعلوا».
стр. 36
ثم هذا الحديث ـ سواء كان محكَماً في قعود الإمام، أو منسوخاً ـ فإن الحجة منه قائمة، لأن نسخ القعود لا يدل على فساد تلك العلة وإنما يقتضي أنه قد عارضها ما ترجع عليها، مثل كون القيام فرضاً في الصلاة، فلا يسقط الفرض بمجرد المشابهة الصورية، وهذا محل اجتهاد، والصحيح أن هذا الحديث محكم، قد عمل به غير واحد من الصحابة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، مع كونهم علموا صلاته في مرضه.
وقد استفاض عنه ﷺ الأمر به استفاضة صحيحة صريحة يمتنع معها أن يكون حديث المرض ناسخاً له، على ما هو مقرر في غير هذا الموضع: إما بجواز الأمرين، إذ فعل القيام لا ينافي فعل القعود وإما بالفرق بين المبتدئ للصلاة قاعداً، والصلاة التي ابتدأها الإمام قائماً، لعدم دخول هذه الصلاة في قوله: «وإذا صلى قاعداً» ولعدم المفسدة التي علل بها، ولأن بناء فعل آخر الصلاة على أولها أولى من بنائها على صلاة الإمام، ونحو ذلك من الأمور المذكورة في غير هذا الموضع.
١٣ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا
стр. 37
اتبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد، فعرض له حَبْر فقال: هكذا نصنع يا محمد، قال: فجلس رسول الله ﷺ وقال: «خالفوهم» [ابن ماجة ١٥٤٥وحسنه الألباني]
قلت: قد اختلف العلماء في القيام للجنازة إذا مرت، ومعها إذا شيعت.
١٤ - قال رسول الله ﷺ : «اللحد لنا والشق لغيرنا» [أبو داود١٥٥٤ وصححه الألباني]، وفي رواية لأحمد: «والشق لأهل الكتاب». [المسند١٩١١١وصححه الألباني]
وفيه التنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب، حتى في وضع الميت في أسفل القبر.
١٥ - عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» متفق عليه. [البخاري١٢٩٤، مسلم١٠٣]
ودعوى الجاهلية: ندب الميت، وتكون دعوى الجاهلية في العصبية.
١٦ - عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أربعٌ في
стр. 38
أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونَهُن: الفخرُ بالأحساب، والطعنُ في الأنساب، والاستسقاءُ بالنجوم، والنياحة» [مسلم٩٣٤]
ذم في الحديث، من دعا بدعوى الجاهلية، وأخبر أن بعض أمر الجاهلية، لا يتركه الناس كلهم، ذماً لمن لم يتركه، وهذا كله يقتضي: أن ما كان من أمر الجاهلية وفِعْلهم، فهو مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية، خرج مخرج الذم، وهذا كقوله : ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] فإن في ذلك ذماً للتبرج، وذماً لحال الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة.
ومنه قوله ﷺ لأبي ذر ﵁ لما عَيَّر رجلاً بأمه: «إنك امرؤٌ فيك جاهلية» [البخاري٣٠، مسلم١٦٦١]، فإنه ذمٌ لذلك الخلُق، ولأخلاق الجاهلية التي لم يجئ بها الإسلام.
ومنه - قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٦] فإن إضافة الحمية إلى الجاهلية: اقتضى ذمها،
стр. 39
فما كان من أخلاقهم وأفعالهم فهو كذلك.
فقد دلت هذه الأحاديث: على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمه، والنهي عنه، وذلك يقتضي المنع من أمور الجاهلية مطلقاً وهو المطلوب في هذا الكتاب.
والسنة الجاهلية: كل عادة كانوا عليها، فإن السنة هي العادة، وهي الطريق التي تتكرر لنوع الناس، مما يعدونه عبادة، أو لا يعدونه عبادة، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٣٧] وقال النبي ﷺ : «لتَتَّبِعُنَّ سننَ مَنْ كان قبلَكم» [البخاري٧٣٢٠، مسلم٢٦٦٩]- والاتباع هو الاقتفاء والاستنان، فمن عمل بشيء من سننهم، فقد اتبع سنة جاهلية، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية: في أعيادهم وغير أعيادهم.
ولفظ: (الجاهلية) قد يكون:
أ- اسماً للحال ـ وهو الغالب في الكتاب والسنة ـ كقول النبي ﷺ لأبي ذر: «إنك امرؤٌ فيك جاهلية» [البخاري٣٠، مسلم١٦٦١]، وقول عمر: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة [البخاري٢٠٤٢،
стр. 40
مسلم١٦٥٦] وقول عائشة: كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء، [البخاري٥١٢٧] وقولهم: يا رسول الله كنا في جاهلية وشر [البخاري٧٠٨٤، مسلم١٨٤٧] أي في حال جاهلية أو طريقة جاهلية، أو عادة جاهلية ونحو ذلك.
ب- قد يكون اسماً لذي الحال، فتقول: طائفة جاهلية، وشاعر جاهلي، وذلك نسبة إلى الجهل الذي هو عدم العلم، أو عدم إتباع العلم، فإن من لم يعلم الحق، فهو جاهل جهلاً بسيطاً، فإن اعتقد خلافه: فهو جاهل جهلاً مركباً، فإن قال خلاف الحق عالماً بالحق، أو غير عالم: فهو جاهل أيضاً، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾ [الفرقان:٦٣]
فالناس قبل مبعث الرسول ﷺ ، كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل، وإنما يفعله جاهل.
وكذلك كل ما يخالف ما جاءت به المرسلون: من يهودية، ونصرانية، فهي جاهلية، وتلك الجاهلية العامة، فأما بعد مبعث الرسول ﷺ قد تكون في مَصْر دون مَصر، كما هي في دار الكفار،