ثم هذا الحديث ـ سواء كان محكَماً في قعود الإمام، أو منسوخاً ـ فإن الحجة منه قائمة، لأن نسخ القعود لا يدل على فساد تلك العلة وإنما يقتضي أنه قد عارضها ما ترجع عليها، مثل كون القيام فرضاً في الصلاة، فلا يسقط الفرض بمجرد المشابهة الصورية، وهذا محل اجتهاد، والصحيح أن هذا الحديث محكم، قد عمل به غير واحد من الصحابة بعد وفاة رسول الله ﷺ ، مع كونهم علموا صلاته في مرضه.
وقد استفاض عنه ﷺ الأمر به استفاضة صحيحة صريحة يمتنع معها أن يكون حديث المرض ناسخاً له، على ما هو مقرر في غير هذا الموضع: إما بجواز الأمرين، إذ فعل القيام لا ينافي فعل القعود وإما بالفرق بين المبتدئ للصلاة قاعداً، والصلاة التي ابتدأها الإمام قائماً، لعدم دخول هذه الصلاة في قوله: «وإذا صلى قاعداً» ولعدم المفسدة التي علل بها، ولأن بناء فعل آخر الصلاة على أولها أولى من بنائها على صلاة الإمام، ونحو ذلك من الأمور المذكورة في غير هذا الموضع.
١٣ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا
стр. 37
اتبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد، فعرض له حَبْر فقال: هكذا نصنع يا محمد، قال: فجلس رسول الله ﷺ وقال: «خالفوهم» [ابن ماجة ١٥٤٥وحسنه الألباني]
قلت: قد اختلف العلماء في القيام للجنازة إذا مرت، ومعها إذا شيعت.
١٤ - قال رسول الله ﷺ : «اللحد لنا والشق لغيرنا» [أبو داود١٥٥٤ وصححه الألباني]، وفي رواية لأحمد: «والشق لأهل الكتاب». [المسند١٩١١١وصححه الألباني]
وفيه التنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب، حتى في وضع الميت في أسفل القبر.
١٥ - عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» متفق عليه. [البخاري١٢٩٤، مسلم١٠٣]
ودعوى الجاهلية: ندب الميت، وتكون دعوى الجاهلية في العصبية.
١٦ - عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أربعٌ في
стр. 38
أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونَهُن: الفخرُ بالأحساب، والطعنُ في الأنساب، والاستسقاءُ بالنجوم، والنياحة» [مسلم٩٣٤]
ذم في الحديث، من دعا بدعوى الجاهلية، وأخبر أن بعض أمر الجاهلية، لا يتركه الناس كلهم، ذماً لمن لم يتركه، وهذا كله يقتضي: أن ما كان من أمر الجاهلية وفِعْلهم، فهو مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية، خرج مخرج الذم، وهذا كقوله : ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] فإن في ذلك ذماً للتبرج، وذماً لحال الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة.
ومنه قوله ﷺ لأبي ذر ﵁ لما عَيَّر رجلاً بأمه: «إنك امرؤٌ فيك جاهلية» [البخاري٣٠، مسلم١٦٦١]، فإنه ذمٌ لذلك الخلُق، ولأخلاق الجاهلية التي لم يجئ بها الإسلام.
ومنه - قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٦] فإن إضافة الحمية إلى الجاهلية: اقتضى ذمها،
стр. 39
فما كان من أخلاقهم وأفعالهم فهو كذلك.
فقد دلت هذه الأحاديث: على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمه، والنهي عنه، وذلك يقتضي المنع من أمور الجاهلية مطلقاً وهو المطلوب في هذا الكتاب.
والسنة الجاهلية: كل عادة كانوا عليها، فإن السنة هي العادة، وهي الطريق التي تتكرر لنوع الناس، مما يعدونه عبادة، أو لا يعدونه عبادة، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٣٧] وقال النبي ﷺ : «لتَتَّبِعُنَّ سننَ مَنْ كان قبلَكم» [البخاري٧٣٢٠، مسلم٢٦٦٩]- والاتباع هو الاقتفاء والاستنان، فمن عمل بشيء من سننهم، فقد اتبع سنة جاهلية، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية: في أعيادهم وغير أعيادهم.
ولفظ: (الجاهلية) قد يكون:
أ- اسماً للحال ـ وهو الغالب في الكتاب والسنة ـ كقول النبي ﷺ لأبي ذر: «إنك امرؤٌ فيك جاهلية» [البخاري٣٠، مسلم١٦٦١]، وقول عمر: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة [البخاري٢٠٤٢،
стр. 40
مسلم١٦٥٦] وقول عائشة: كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء، [البخاري٥١٢٧] وقولهم: يا رسول الله كنا في جاهلية وشر [البخاري٧٠٨٤، مسلم١٨٤٧] أي في حال جاهلية أو طريقة جاهلية، أو عادة جاهلية ونحو ذلك.
ب- قد يكون اسماً لذي الحال، فتقول: طائفة جاهلية، وشاعر جاهلي، وذلك نسبة إلى الجهل الذي هو عدم العلم، أو عدم إتباع العلم، فإن من لم يعلم الحق، فهو جاهل جهلاً بسيطاً، فإن اعتقد خلافه: فهو جاهل جهلاً مركباً، فإن قال خلاف الحق عالماً بالحق، أو غير عالم: فهو جاهل أيضاً، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾ [الفرقان:٦٣]
فالناس قبل مبعث الرسول ﷺ ، كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل، وإنما يفعله جاهل.
وكذلك كل ما يخالف ما جاءت به المرسلون: من يهودية، ونصرانية، فهي جاهلية، وتلك الجاهلية العامة، فأما بعد مبعث الرسول ﷺ قد تكون في مَصْر دون مَصر، كما هي في دار الكفار،
стр. 41
وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يُسْلِم، فإنه في جاهلية، وإن كان في دار الإسلام.
فأما في زمان مطلق: فلا جاهلية بعد مبعث محمد ﷺ ، فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة. [البخاري ٣٦٤١، ٣٦٤٠، مسلم١٩٢٠، ١٩٢١]
والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من الأشخاص المسلمين، كما قال ﷺ : «أربع في أمتي من أمر الجاهلية» [مسلم٩٣٤] وقال لأبي ذر ﵁: «إنك امرؤ فيك جاهلية» [البخاري٣٠، مسلم١٦٦١] ونحو ذلك.
١٧ - عن ابن عمر ﵄، أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحِجْر - أرض ثمود - فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ ، أن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تَرِدُها الناقة». [مسلم٢٩٨١]
وفي حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال - لما مر بالحِجْر -: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكِين، فإن لم تكونوا باكِين، فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبَكم ما أصابهم»،
стр. 42
[البخاري٣٣٨٠،مسلم٢٩٨٠] فنهى رسول الله ﷺ عن الدخول إلى أماكن المعذبين إلا مع البكاء، خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم، ونهى عن الانتفاع بمياههم، حتى أمرهم ... ـ مع حاجتهم في تلك الغزوة، وهي أشد غزوة كانت على المسلمين ـ أن يعلفوا النواضح، بعجين مائهم.
فإذا كانت الشريعة، قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفار، في المكان الذي حلَّ بهم فيه العذاب، فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونها؟
فإنه إذا قيل: هذا العمل الذي يعملونه، لو تجرد عن مشابهتهم لم يكن محرماً، ونحن لا نقصد التشبه بهم فيه، فنفس الدخول إلى المكان ليس بمعصية، لو تجرد عن كونه أثرهم، ونحن لا نقصد التشبه بهم، بل المشاركة في العمل أقرب إلى اقتضاء العذاب من الدخول إلى الديار، فإن جميع ما يعملونه، مما ليس من أعمال المسلمين السابقين إما كفر، وإما معصية، وإما شعار كفر، أو معصية، وإما مظنة للكفر والمعصية، وإما أن يخاف أن يجر إلى معصية، وما أحسب أحداً ينازع في جميع هذا، ولئن نازع فيه، فلا
стр. 43
يمكنه أن ينازع في أن المخالفة فيه أقرب إلى المخالفة في الكفر والمعصية، وأن حصول هذه المصلحة في الأعمال أقرب من حصولها في المكان. ألا ترى: أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، في أعمالهم، أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم؟
١٨ - قال رسول الله ﷺ : «من تشبه بقومٍ فهو منهم». [أبو داود٤٠٣١وقال الألباني: حسن صحيح]
وهذا الحديث أقل أحواله: أن يقتضى تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] فقد يُحمَل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم، في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفراً، أو معصية، أو شعاراً لها كان حكمه كذلك.
وبكل حال: يقتضي تحريم التشبه، بعلة كونه تشبهاً، والتشبه: يعم مَنْ فَعَل الشيء لأجل أنهم فعلوه، وهو نادر، ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك، إذا كان أصل الفعل مأخوذاً عن ذلك
стр. 44
الغير، فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضاً، ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه، ففي كون هذا تشبهاً نظر، لكن قد ينهى عن هذا؛ لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة، كما أمر بصبغ اللحى وإحفاء الشوارب، مع أن قوله ﷺ : «غيِّروا الشَّيْب ولا تشَبَّهوا باليهود» [الترمذي١٨٢١، وصححه الألباني] دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا ولا فعل، بل بمجرد ترْك تغيير ما خُلِق فينا، وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية، الاتفاقية. وبهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زيّ غير المسلمين.
١٩ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: «ليس مِنَّا مَنْ تشبَّه بغيرِنا، لا تَشَبَّهوا باليهودِ ولا بالنصارَى، فإنَّ تسليمَ اليهود: الإشارةُ بالأصابعِ، وتسليمَ النصارى: الإشارةُ بالأكفِّ» [الترمذي٢٨٤٨، وحسنه الألباني]
٢٠ - عن أبي غطفان المري قال: «سمعت عبد الله بن عباس ﵄ يقول: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، قال رسول الله ﷺ : «إذا كان العام المقبل ـ إن شاء الله ـ صمنا اليوم التاسع»،
стр. 45
قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ ». [مسلم١١٣٣]
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا يوم عاشوراء، خالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً» [المسند٢١٥٤، وحسنه أحمد شاكر، وضعفه الألباني]
فتدبر: هذا يوم عاشوراء، يوم فاضل يكفر سنة ماضية، صامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه ورغب فيه، ثم لما قيل له قبيل وفاته: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، أمر بمخالفتهم بضم يوم آخر إليه، وعزم على ذلك.
٢١ - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «إنا أمَّة أمِّية: لا نَكتب ولا نحسب، الشهر: هكذا هكذا، يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين». [البخاري١٩١٣، مسلم١٠٨٠] فوصف هذه الأمة، بترك الكتاب والحساب، الذي يفعله غيرها من الأمم في أوقات عباداتهم وأعيادهم، وأحالها على الرؤية، حيث قال ـ في غير حديث ـ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» [البخاري١٩٠٩، مسلم١٠٨٠]
وهذا دليل على ما أجمع عليه المسلمون ـ إلا من شذ من بعض
стр. 46
المتأخرين المخالفين، المسبوقين بالإجماع ـ من أن مواقيت الصوم والفطر والنسك: إنما تقام بالرؤية عند إمكانها، لا بالكتاب والحساب، الذي تسلكه الأعاجم: من الروم، والفرس، والقبط والهند، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. وقد يستدل بهذا الحديث، على خصوص النهي عن أعيادهم، فإن أعيادهم معلومة بالكتاب والحساب، والحديث فيه عموم.
أو يقال: إذا نهينا عن ذلك في عيد الله ورسوله، ففي غيرها من الأعياد والمواسم أولى وأحرى، ولما في ذلك من مضارعة (١) الأمة الأمية، سائر الأمم.
وبالجملة ـ فالحديث يقتضي: اختصاص هذه الأمة بالوصف الذي فارقت به غيرها، وذلك يقتضي أن ترك المشابهة للأمم أقرب إلى حصول الوفاء بالاختصاص.
٢٢ - عن حمد بن عبد الرحمن بن عوف: أنه سمع معاوية ﵁، عام حج، على المنبر، وتناول قُصَّة من شعر، كانت في يد حَرَسٍيّ (٢)،
стр. 47
فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه ويقول: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم» [البخاري٥٩٣٢، مسلم٢١٢٧] وفي رواية سعيد بن المسيب أن معاوية قال ذات يوم: إنكم أحدثتم زِيَّ سوء، وإن نبي الله ﷺ نهى عن الزور، قال: وجاء رجل بعصى على رأسها خرقة قال معاوية: ألا وهذا الزور.
قال قتادة: يعني ما يكثر به النساء أشعارهن، من الخِرَق. [مسلم٢١٢٧]
وفي رواية عن ابن المسيب، قال: قدم معاوية المدينة فخطبنا، وأخرج كبة من شعر، فقال: ما كنت أرى أن أحداً يفعله، إلا اليهود، إن رسول الله ﷺ بلغه، فسماه الزور. [مسلم٢١٢٧]
فقد أخبر النبي ﷺ عن وصل الشعر: أن بني إسرائيل هلكوا حين أحدثه نساؤهم، يحذر أمته مثل ذلك، ولهذا: قال معاوية: ما كنت أرى أن أحداً يفعله إلا اليهود. فما كان من زي اليهود، أي لم يكن عليه المسلمون: إما أن يكون مما يعذبون عليه، أو مظنة لذلك، أو يكون تركه حسماً لمادة ما عذبوا عليه، لاسيما إذا لم يتميز
стр. 48
ما هو الذي عذبوا عليه من غيره، فإنه يكون قد اشتبه المحظور بغيره، فيترك الجميع، كما أن ما يُخْبِرونا به لمَّا اشتبه صدقه بكذبه: تُرك الجميع.
٢٣ - روى نافع عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ـ أو قال: قال عمر: إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن إلا ثوب فليتَّزِر به، ولا يشتمل اشتمال اليهود» [أبو داود٦٣٥وصححه الألباني]
فإن إضافة المنهي عنه إلى اليهود، دليل على أن لهذه الإضافة تأثيراً في النهي.
٢٤ - ما رواه ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ـ غداة العقبة وهو على ناقته: «القُطْ لي حصى»، فلقطتُ له سبع حصَيات، من حصى الخَذْف، فجعل ينفضهن في كفِّه ويقول: «أمثال هؤلاء فارْمُوا، ثم قال: أيها الناس إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين». [ابن ماجه٣٠٢٩ وصححه الألباني] وقوله: «إياكم والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو، في الاعتقادات والأعمال. والغلو: مجاوزة الحد بأن يُزادَ الشيءُ، في حمده، أو ذمِّه ما
стр. 49
يستحق، ونحو ذلك.
والنصارى أكثر غلواً في الاعتقادات والأعمال، من سائر الطوائف وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن، في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١]
وسبب هذا اللفظ العام: رمي الجمار، وهو داخل فيه، فالغلو فيه مثل الرمي بالحجارة الكبار، ونحو ذلك، بناء على أنه أبلغ من الحصى الصغار ثم علل ذلك: بأن ما أهلك من قبلنا إلا الغلو في الدين، كما تراه في النصارى، وذلك يقتضي: أن مجانبة هديهم مطلقاً أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا وأن المشارك لهم في بعض هديهم، يخاف أن يكون هالكاً.
٢٥ - أنه ﷺ حذرنا من مشابهة مَن قَبلَنا، في أنهم كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأمر أن يسوي بين الناس في ذلك، وإن كان كثير من ذوي الرأي والسياسة قد يظن أن إعفاء الرؤساء أجود في السياسة.
ففي الصحيحين عن عائشة ﵄ ـ في شأن المحزومية التي سرقت، لما كلم أسامة فيها رسول الله ﷺ ـ قال: «يا أسامة أتشْفَعُ
стр. 50
في حد من حدود الله؟! إنما هلك بنوا إسرائيل أنهم كانوا: إذا سرق فيهم الشريفُ تركُوه، وإذا سرقَ الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، والذي نفْسي بيدِه لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمد سرقَتْ لقطعتُ يدها». [البخاري٣٤٧٥، مسلم١٦٨٨]
وكان بنو مخزوم من أشرف بطون قريش، واشتد عليهم أن تقطع يد امرأة منهم، فبين ﷺ أن هلاك بني إسرائيل، إنما كان في تخصيص رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر: أن فاطمة ابنته ـ التي هي أشرف النساء ـ لو سرقت ـ وقد أعاذها الله من ذلك ـ لَقَطَع يدها؛ لِيُبَيِّن: أن وجوب العدل والتعميم في الحدود، لا يستثنى منه بنتُ الرسول ﷺ ، فضلاً عن بنت غيره.
٢٦ - عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأُ إلى الله أنْ يكونَ لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك». [مسلم٥٣٢]
стр. 51
وصف ﷺ أن الذين كانوا قبلنا كانوا يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وعقب هذا الوصف بالأمر بحرف الفاء، أن لا يتخذوا القبور مساجد، وقال إنه ﷺ ينهانا عن ذلك. ففيه دلالة على أن اتخاذ من قبلنا سبب لنهينا، إما مظهر للنهي، وإما موجب للنهي، وذلك يقتضي: أن أعمالهم دلالة وعلامة على أن الله ينهانا عنها، أو أنها علة مقتضية للنهي.
وعلى التقديرَيْن: يُعلَم أنَّ مخالفتَهم أمر مطلوب للشارع في الجملة، والنهي عن هذا العمل ـ بلعنة اليهود والنصارى ـ مستفيض عنه ﷺ ، ففي الصحيحين، عن عائشة الله وابن عباس ﵄ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال ـ وهو كذلك ـ: «لعنةُ اللهِ على اليهودِ والنصارى: اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا. [البخاري٤٣٥،٤٣٦،مسلم ٥٣١]
وفي الصحيحين ـ أيضاً ـ عن عائشة ﵄: أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة، رأَيْنَها بأرض الحبشة، يقال لها: مارية، وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فقال رسول الله ﷺ : «
стр. 52
أولئك قومٌ إذا مات فيهم العبدُ الصالح، أو الرجل الصالح، بنَوْا على قبرِه مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرارُ الخلقِ عند الله .» [البخاري ٤٢٦،مسلم٥٢٨] فهذا التحذير منه واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المسجد، على قبر الرجل الصالح ـ صريح في النهي عن المشابهة في هذا ودليل على الحذر من جنس أعمالهم، حيث لا يُؤْمَن في سائر أعمالهم أن تكون من هذا الجنس.
ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة، من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرمٌ ملعون ٌفاعله بالمستفيض من السنة، وتحريم ذلك ذكره غير واحد من علماء الطوائف، من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ولهذا كان السلف من الصحابة والتابعين يبالغون في المنع مما يجر إلى مثل هذا.
٢٧ - عن رافع بن خديج قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غداً، وليس معنا مُدَى، أفنذبح بالقَصَب (١)؟ فقال: «ما أنْهَرَ الدمَ، وذُكِر اسمُ الله عليه، فكُلْ، ليس السن والظفر،
стр. 53
وسأحدثكم عن ذلك، أما السِّنّ: فعظم، وأما الظفر: فمُدَى (١) الحبشة». [البخاري٢٤٨٨، مسلم١٩٦٨]
نهى النبي ﷺ عن الذبح بالظفر، معللاً بأنها مُدَى الحبشة، كما علل السِّن: بأنه عظم، فقوله ﷺ : «وأما الظفر فمدى الحبشة»، بعد قوله: «وسأحدثكم عن ذلك»، يقتضي أن هذا الوصف ـ وهو كونه مُدَى الحبشة ـ له تأثير في المنع: إما أن يكون علة، أو دليلاً على العلة، أو وصفاً من أوصاف العلة، أو دليلها، والحبشة في أظفارهم طول، فيُذَكّون بها دون سائر الأمم، فيجوز أن يكون نَهى عن ذلك: لما فيه من مشابهتهم فيما يختصون به.
٢٨ - في الصحيحين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: البَحِيرة: التي يمنع دَرُّها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيِّبُونها لآلهتهم، لا يحمل عليها شيء وقال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : «رأيتُ عمرو بن عامر الخزاعي، يجرّ قُصْبَه في النار، كان أول من سيَّب السوائب» [البخاري٣٥٢١، مسلم٢٨٥٦]
стр. 54
من العلم المشهور: أن عمرو بن لحي هو أول من نصب الأنصاب حول البيت، ويقال: إنه جلبها من البلقاء، من أرض الشام، متشبهاً بأهل البلقاء، وهو أول من سيَّبَ السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، فأخبر النبي ﷺ أنه رآه: (يجر قُصْبَه في النار)، وهي الأمعاء؛ لأنها تشبه القصب، ومعلوم أن العرب قبله كانوا على ملة أبيهم إبراهيم، على شريعة التوحيد، والحنيفية السمحة، دين أبيهم إبراهيم، فتشبه عمرو بن لحي، وكان عظيم أهل مكة يومئذ، لأن خزاعة كانوا ولاة البيت قبل قريش، وكان سائر العرب متشبهين بأهل مكة؛ لأن فيها بيت الله، وإليها الحج، ما زالوا معظمين من زمن إبراهيم ﵇، فتشبه عمرو بمن رآه في الشام، واستحسن بعقله ما كانوا عليه، ورأى أن في تحريم ما حرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، تعظيماً لله وديناً، فكان ما فعله أصل الشرك في العرب، أهل دين إبراهيم، وأصل تحريم الحلال، وإنما فعله متشبهاً فيه بغيره من أهل الأرض، فلم يزَل الأمر يتزايد، ويتفاقم حتى غلب على أفضل الأرض الشرك بالله ، وتغيير دينه إلى أن بعث الله رسوله ﷺ الله فأحيا ملة
стр. 55
إبراهيم ﵇ وأقام التوحيد، وحلل ما كانوا يحرمونه.
٢٩ - عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، قال: اهتم النبي ﷺ للصلاة، كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصُب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكروا له القنع، شبور اليهود، فلم يعجبه ذلك، وقال: هو من أمر اليهود، قال فذكروا له الناقوس، قال: هو من فعل النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه، وهو مهتم لِهَمّ النبي ﷺ ، فأُرِيَ الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله ﷺ ، فأخبره، فقال: يا رسول الله: إني لَبَيْنَ نائمٍ ويقظان، إذا أتاني آتٍ، فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوماً، قال: ثم أخبر النبي ﷺ ، فقال له: «ما منعك أن تخبرنا»؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد، فاستحييت، فقال رسول الله ﷺ : «يا بلال قُمْ فانظر ما يأمُرُك به عبد الله بن زيد فافْعَلْهُ»، فأذن بلال. [أبو داود٤٩٨وصححه الألباني]
* لما كره النبي ﷺ بوق اليهود المنفوخ بالفم، وناقوس النصارى المضروب باليد، علل هذا بأنه من أمر اليهود، وعلل هذا
стр. 56
بأنه من أمر النصارى، لأن ذكر الوصف عقيب الحكم، يدل على أنه علة له، وهذا يقتضي نهيه عن ما هو من أمر اليهود والنصارى.
هذا ـ مع أن قرن اليهود يقال: أن أصله مأخوذ عن موسى ﵇، وأنه كان يضرب بالبوق في عهده، وأما ناقوس النصارى فمبتدَع، إذ عامة شرائع النصارى، أحدثها أحبارهم ورهبانهم. وهذا يقتضي كراهة هذا النوع من الأصوات مطلقاً في غير الصلاة أيضاً، لأنه من أمر اليهود والنصارى، فإن النصارى يضربون بالنواقيس في أوقات متعددة، غير أوقات عباداتهم. وإنما شعار الدين الحنيف الأذان المتضمن للإعلان بذكر الله، الذي به تفتح أبواب السماء، فتهرب الشياطين، وتنزل الرحمة.
٣٠ - قال رسول الله ﷺ : «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» [البخاري٥٦٣٢، مسلم٢٠٦٧] وعن عبد الله بن عمرو قال: رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفَريْن فقال: «إن هذه ثياب الكفار، فلا تلبسها» [مسلم ٢٠٧٧] علل النهي عن لبسها بأنها: من ثياب الكفار، وسواء أراد أنها مما يستحله الكفار، بأنهم يستمتعون
стр. 57
بخلاقهم في الدنيا، أو مما يعتاده الكفار لذلك.
كما أنه في الحديث قال: يستمتعون بآنية الذهب والفضة في الدنيا، وهي للمؤمنين في الآخرة، ولهذا كان العلماء، يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة، تشبهاً بالكفار.
ثالثاً: ذكر إجماع الصحابة والسلف على شرعية المخالفة للكفار
والإجماع من وجوه:
الوجه الأول: أن أمير المؤمنين، عمر في الصحابة ﵃، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء ـ جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم: أن نوَقِّر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء، من لباسهم: قلنسوة، أو عمامة أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كان، وأن نشد الزنانير (١)، وأن
стр. 58
لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليباً، ولا كتباً (١)، في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفياً، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين. رواه حرب (٢) بإسناد جيد.
وفي رواية أخرى رواها الخلال: وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضرباً خفياً، في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليباً، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في كنائسنا، فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليباً، ولا كتاباً في سوق المسلمين، وأن لا نخرج باعوثاً ـ والباعوث: يخرجون يجتمعون كما يخرج يوم الأضحى والفطر ـ ولا شعانينا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور ـ إلى أن قال: وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فَرْق شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم، وأن نجز
стр. 59
مقادم رؤوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنانير على أوساطنا.
وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمَع عليها ـ في الجملة ـ بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها، وهي أصناف: ١ - ما مقصوده التمييز عن المسلمين، في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام، ونحوها، ليتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه أحدهما بالآخر في الظاهر، ولم يرض عمر ﵁ والمسلمون بأصل التمييز، بل بالتمييز في عامة الهدي، على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع. وذلك يقتضي: إجماع المسلمين على التمييز عن الكفار ظاهراً، وترك التشبه بهم.
كذلك الشروط التي شرطها عمر بن عبد العزيز تقتضي منعهم من التشبه بالمسلمين. وكذلك فعل جعفر بن محمد بن هارون المتوكل بأهل الذمة في خلافته، واستشار في ذلك الإمام أحمد بن حنبل، وغيره، وعهوده في ذلك، وجوابات أحمد بن حنبل له معروفة.
стр. 60
٢ - ما يعود بإخفاء منكرات دينهم، وترك إظهارها، كمنعهم من إظهار الخمر والناقوس، والنيران والأعياد، ونحو ذلك.
٣ - ما يعود بإخفاء شعار دينهم، كأصواتهم بكتابهم.
فاتفق عمر ﵁ ـ والمسلمون معه، وسائر العلماء بعدهم ومن وفقه الله تعالى من ولاة الأمور ـ على منعهم من أن يُظهِروا في دار الإسلام شيئاً مما يختصون به، مبالغة في أن لا يظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين، فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروها؟.
٤ - ما يعود بترك إكرامهم، وإلزامهم الصغار الذي شرعه الله تعالى.
ومن المعلوم: أن تعظيم أعيادهم، ونحوها ـ بالموافقة فيها ـ نوعٌ من إكرامهم، فإنهم يفرحون بذلك، ويُسَرّون به، كما يغتمّون بإهمال أمر دينهم الباطل.
الوجه الثاني من دلائل الإجماع: أن هذه القاعدة، قد أمر بها غير واحد، من الصحابة والتابعين، في أوقات متفرقة، وقضايا متعددة، وانتشرت ولم ينكرها منكر:
١ - عن قيس بن أبي حازم قال: «دخل أبو بكر الصديق ﵁،
стр. 61
على امرأة من أحمس، يقال لها زينب فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، فقال لها تكلمي، فإن هذا لا يحِلّ، هذا عمل الجاهلية، فتكلمت» [البخاري٣٨٣٤] فأخبر أبو بكر: أن الصمت المطلق لا يحل، وعقَّب ذلك بقوله: هذا من عمل الجاهلية، قاصداً بذلك عيب هذا العمل، وذمه.
وتعقيب الحكم بالوصف: دليل على أن الوصف علة، ولم يشرع في الإسلام؛ فيدخل في هذا: كل ما اتخذ من عبادة، مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام، وإن لم ينوِّهْ عنه بعينه، كالمكاء والتصدية، فإن الله تعالى قال عن الكافرين: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] والمكاء: الصفير ونحوه. والتصدية: التصفيق. فاتخاذ هذا قربة وطاعة من عمل الجاهلية، الذي لم يشرع في الإسلام.
وكذلك: بروز المُحرِم وغيرُه للشمس، حتى لا يستظل بظل، أو ترك الطواف بالثياب المتقدمة، أو ترك كل ما عمل في غير الحرم، ونحو ذلك من أمور الجاهلية التي كانوا يتخذونها عبادات، وإن كان قد جاء نهي خاص في عامة هذه الأمور، بخلاف السعي
стр. 62
بين الصفا والمروة، وغيره من شعائر الحج، فإن ذلك من شعائر الله، وإن كان أهل الجاهلية قد كانوا يفعلون ذلك في الجملة.
٢ - روى مسلم في صحيحه، عن عمر بن الخطاب: أنه كتب إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس: إياكم وزيّ أهل الشرك. [مسلم٢٠٦٩]
٣ - روى ابن أبي عاصم أن معاوية قال: إن تسوية القبور من السنة، وقد رفعت اليهود والنصارى، فلا تشبهوا بهم. [قال الألباني: إسناده صحيح]
يشير معاوية إلى ما رواه مسلم في صحيحه، عن فضالة بن عبيد: أنه أمر بقبر فسُوّي، ثم قال: «سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها» [مسلم ٩٦٨]
٤ - روى البخاري عن مسروق عن عائشة ﵄:أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته، وتقول: «إن اليهود تفعله». [البخاري٣٤٥٨] وهذا الباب فيه كثرة عن الصحابة.
وهذه القضايا التي ذكرناه: بعضها في مظنة الاشتهار، وما علمنا أحداً خالف ما ذكرناه عن الصحابة ﵃ من كراهة التشبه بالكفار والأعاجم في الجملة.
стр. 63
الوجه الثالث في تقرير الإجماع: ما ذكره عامة علماء الإسلام من المتقدمين، والأئمة المتبوعين وأصحابهم في تعليل النهي عن أشياء بمخالفة الكفار، أو مخالفة النصارى، أو مخالفة الأعاجم، وهو أكثر من أن يمكن استقصاؤه، وما من أحد له أدنى نظر في الفقه إلا وقد بلغه من ذلك طائفة، وهذا بعد التأمل والنظر، يورث علماً ضرورياً، باتفاق الأئمة، على النهي عن موافقة الكفار والأعاجم، والأمر بمخالفتهم.
الأمر بمخالفة الشياطين:
ومما يشبه الأمر بمخالفة الكفار: الأمر بمخالفة الشياطين كما روى مسلم عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لا يأكُلَنَّ أحدُكم بشمالِه، ولا يشربَنَّ بها، فإن الشيطان يأكلُ بشماله ويشربُ بها». [مسلم٢٠١٩] فإنه علل النهي عن الأكل والشرب بالشمال: بأن الشيطان يفعل ذلك، فعلم أن مخالفة الشيطان أمر مقصود مأمور به، ونظائره كثيرة.
أعمال الكفار والأعاجم ونحوهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قد ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار:
стр. 64
ما دل على أن التشبه بهم في الجملة مَنهيٌّ عنه، وأن مخالفتهم في هديهم مشروع: إما إيجاباً وإما استحباباً، بحسب المواضع، وقد تقدم بيان أن ما أُمر به من مخالفتهم مشروع، سواء كان ذلك الفعل مما قصد فاعله التشبه بهم أو لم يقصد، وكذلك ما نهى عنه من مشابهتهم يعم إذا قصدت مشابهتهم أو لم تقصد، فإن عامة هذه الأعمال لم يكن المسلمون يقصدون المشابهة فيها، وفيها ما لا يتصور قصد المشابهة فيه، كبياض الشعر، وطول الشارب، ونحو ذلك.
ثم اعلم أن أعمالهم ثلاثة أقسام: ١ - قسم مشروع في ديننا، مع كونه كان مشروعاً لهم، أو لا يعلم أنه كان مشروعاً لهم لكنهم يفعلونه الآن.
٢ - قسم كان مشروعاً ثم نسخه شرع القرآن.
٣ - قسم لم يكن مشروعاً بحال، وإنما هم أحدثوه.
وهذه الأقسام الثلاثة: إما أن تكون في العبادات المحضة، وإما أن تكون في العادات المحضة، وهي الآداب، وإما أن تجمع العبادات والعادات، فهذه تسعة أقسام.
فأما القسم الأول: وهو ما كان مشروعاً في الشريعتين، أو ما
стр. 65
كان مشروعاً لنا وهم يفعلونه، فهذا كصوم عاشوراء، أو كأصل الصلاة والصيام، فهنا تقع المخالفة في صفة ذلك العمل، كما سُنَّ لنا صوم تاسوعاء وعاشوراء، وكما أُمِرنا بتعجيل الفطور والمغرب، مخالفة لأهل الكتاب، وبتأخير السحور، مخالفة لأهل الكتاب، وكما أمرنا بالصلاة في النعلين مخالفة لليهود، وهذا كثير في العبادات، وكذلك العادات، قال ﷺ : «اللحد لنا والشق لغيرنا». [أبو داود٣٢٠٨،وصححه الألباني] وسُنَّ توجيه قبور المسلمين إلى الكعبة، تمييزاً لها عن مقابر الكافرين، فإن أصل الدفن من الأمور المشروعة، في الأمور العادية، ثم قد اختلفت الشرائع في صفته، وهو أيضاً فيه عبادات، ولباس النعل في الصلاة فيه عبادة وعادة، ونزع النعل في الصلاة شريعة كانت لموسى ﵇، وكذلك اعتزال الحُيَّض، ونحو ذلك من الشرائع التي جامعناهم في أصلها، وخالفناهم في وصفها.
القسم الثاني: ما كان مشروعاً ثم نسخ بالكلية: كالسبت، أو إيجاب صلاة أو صوم، ولا يخفى النهي عن موافقتهم في هذا، سواء كان واجباً عليهم، فيكون عبادة، أو محرماً عليهم، فيتعلق
стр. 66
بالعادات، فليس للرجل أن يمتنع من أكل الشحوم وكل ذي ظفر على وجه التدين بذلك، وكذلك ما كان مركباً منهما، وهي الأعياد التي كانت مشروعة لهم، فإن العيد المشروع يجمع عبادة: وهو ما فيه من صلاة أو ذكر أو صدقة أو نسك، ويجمع عادة: وهو ما يفعل فيه من التوسع في الطعام واللباس، أو ما يتبع ذلك من ترك الأعمال الواظبة (١)، واللعب المأذون فيه في الأعياد لمن ينتفع باللعب، ونحو ذلك.
ولهذا قال ﷺ ـ لما زجر أبو بكر ﵁ الجويريتين عن الغناء في بيته ـ: «دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيداً، وإن هذا عيدنا» [البخاري٩٤٩، ٩٥٢، مسلم٨٩٢] وكان الحبشة يلعبون بالحراب يوم العيد، والنبي ﷺ ينظر إليهم. [البخاري٩٥٠]
فالأعياد المشروعة، يشرع فيها وجوباً أو استحباباً: من العبادات ما لا يشرع في غيرها، ويباح فيها أو يستحب أو يجب: من العادات التي للنفوس فيها حظ ما لا يكون في غيرها كذلك، ولهذا وجب فطر العيدين وقُرِن بالصلاة في أحدهما: الصدقة، وقُرِن بها
стр. 67
في الآخر الذبح، وكلاهما من أسباب الطعام، فموافقتهم في هذا القسم المنسوخ من العبادات، أو العادات، أو كلاهما أقبح من موافقتهم فيما هو مشروع الأصل؛ ولهذا كانت الموافقة في هذا محرمة، كما سنذكره، وفي الأول قد لا تكون إلا مكروهة.
القسم الثالث: ما أحدثوه من العبادات أو العادات، أو كليهما: فهو أقبح وأقبح، فإنه لو أحدثه المسلمون لقد كان يكون قبيحاً، فكيف إذا كان مما لم يشرعه نبي قط؟ بل أحدثه الكافرون، فالموافقة فيه ظاهرة القبح، فهذا أصل.
وأصل آخر وهو: أن كل ما يشابهون فيه ـ من عبادة، أو عادة، أو كليهما ـ هو من المحدثات في هذه الأمة ومن البدع، إذ الكلام في ما كان من خصائصهم، وأما ما كان مشروعاً لنا، وقد فعله سلفنا السابقون: فلا كلام فيه.
فجميع الأدلة الدالة من الكتاب والسنة والإجماع على قبح البدع، وكراهتها، تحريماً أو تنزيها، تندرج هذه المشابهات فيها، فيجتمع فيها: أنها بدع محدثة، وأنها مشابهة للكافرين، وكل واحد من الوصفين موجب للنهي، إذ المشابهة منهي عنها في الجملة ولو كانت في السلف!
стр. 68
والبدع منهي عنها في الجملة، ولو لم يفعلها الكفار، فإذا اجتمع الوصفان صارا علتين مستقلتين في القبح والنهي.
الأعياد
إذا تقرر هذا الأصل في مشابهتهم فنقول: موافقتهم في أعيادهم لا تجوز من طريقين:
الطريق الأول: هو ما تقدم من أن هذا موافقة لأهل الكتاب فيما ليس في ديننا ، ولا عادة سلفنا، فيكون فيه مفسدة موافقتهم، وفي تركه مصلحة مخالفتهم، حتى لو كان موافقتهم في ذلك أمراً اتفاقياً، ليس مأخوذاً عنهم لكان المشروع لنا مخالفتهم، لما في مخالفتهم من المصلحة، فمن وافقهم فوّت على نفسه هذه المصلحة، وإن لم يكن قد أتى بمفسده، فكيف إذا جمعهما؟
ومن جهة أنه من البدع المحدثة، وهذه الطريق لا ريب أنها تدل على كراهة التشبه بهم في ذلك، فإن أقل أحوال التشبه بهم: أن يكون مكروهاً، وكذلك أقل أحوال البدع: أن تكون مكروهة (١)،
стр. 69
ويدل كثير منها على تحريم التشبه بهم في العيد، مثل قوله ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» [أبو داود ٤٠٣١،وقال الألباني: حسن صحيح] فإن موجب هذا: تحريم التشبه بهم مطلقاً.
وكذلك قوله: «خالفوا المشركين» [البخاري٥٨٩٣، مسلم٢٥٩] ونحو ذلك، ومثل ما ذكرنا من دلالة الكتاب والسنة على تحريم سبيل المغضوب عليهم والضالين، وأعيادهم من سبيلهم، إلى غير ذلك من الدلائل.
فمن انعطف (١) على ما تقدم من الدلائل العامة: نصاً وإجماعاً وقياساً، تبين له دخول هذه المسألة، في كثير مما تقدم من الدلائل، وتبين له أن هذا من جنس أعمالهم، التي هي دينهم، أو شعار دينهم الباطل، وأن هذا محرم كله بخلاف ما لم يكن من خصائص دينهم، ولا شعاراً له، مثل نزع النعلين في الصلاة فإنه جائز، كما أن لبسهما
стр. 70
جائز، وتبين له أيضاً: الفرق بين ما بقينا فيه على عادتنا، لم نُحدِث شيئاً نكون به موافقين لهم فيه، وبين أن نحدث أعمالاً أصلها مأخوذ عنهم، قصدنا موافقتهم، أو لم نقصد.
وأما الطريق الثاني ـ الخاص ـ في نفس أعياد الكفار: فالكتاب والسنة والإجماع والاعتبار .
أولاً: الكتاب: ما تأوله غير واحد من التابعين وغيرهم، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢] عن محمد بن سيرين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قال: هو الشعانين.
عن مجاهد قال: هو أعياد المشركين وعن الربيع بن أنس قال: أعياد المشركين.
وعن عطاء بن يسار قال: قال عمر: إياكم ورطانة الأعاجم وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم.
وقول هؤلاء التابعين: إنه أعياد الكفار ليس مخالفاً لقول بعضهم: إنه الشرك أو صنم كان في الجاهلية، ولقول بعضهم: إنه مجالس الخنا (١)، وقول بعضهم: إنه الغناء؛ لأن عادة السلف في
стр. 71
تفسيرها هكذا، يذكر الرجل نوعاً من أنواع المسمى لحاجة المستمع إليه، أو لينبِّه به على الجنس، كما لو قال العجمي: ما الخبز؟ فيعطى رغيفاً ويقال له: هذا، بالإشارة إلى الجنس، لا إلى عين الرغيف.
ولكن قد قال قوم: إن المراد: شهادة الزور التي هي الكذب، وهذا فيه نظر، فإنه تعالى قال: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ولم يقل: لا يشهدون بالزور.
والعرب تقول: شهدت كذا: إذا حضرته، كقول ابن عباس: شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [البخاري٩٦٢] وأما (شهدت بكذا) فمعناه: أخبرت به.
وأعياد المشركين إذا كان الله قد مدح ترك شهودها، الذي هو مجرد الحضور، برؤية أو سماع، فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك، من العمل الذي هو عمل الزور، لا مجرد شهوده؟
ثانيًا: السنة
الوجه الأول: روى أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان
стр. 72
اليومان؟» قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر» [أبو داود١١٣٤، وصححه الألباني]
فوجه الدلالة: أن العيدين الجاهليين لم يقرُّهما رسول الله ﷺ ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: «إن الله قد أبدلكم بهما يومين آخرين»، والإبدال من الشيء، يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه، ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما، كقوله سبحانه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف:٥٠] وقوله: ﴿وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦]
فقوله ﷺ : «إن الله قد أبدلَكم بهما خيراً منهما» يقتضي ترك الجمع بينهما لا سيما وقوله: «خيراً منهما» يقتضي الاعتياض بما شرع لنا، عما كان في الجاهلية.
وأيضاً ـ فقوله لهم: «إن الله قد أبدلكم»، لما سألهم عن اليومين فأجابوه: بأنهما يومان كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية، دليل
стр. 73
على أنه نهاهم عنهما اعتياضاً بيومي الإسلام، إذ لو لم يقصد النهي لم يكن ذكر هذا الإبدال مناسباً، إذ أصل شرع اليومين الإسلاميين كانوا يعلمونه، ولم يكونوا ليتركوه لأجل يومي الجاهلية.
وفي قول أنس: ولهم يومان يلعبون فيهما وقول النبي ﷺ : «إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيراً منهما» دليل على أن أنساً ﵁ فهم من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أبدلكم بهما» تعويضاً باليومين المبدلين.
وأيضاً ـ فإن ذينك اليومين الجاهليين قد ماتا في الإسلام، فلم يبق لهما أثر على عهد رسول الله ﷺ ، ولا عهد خلفائه ولو لم يكن قد نهى الناس عن اللعب فيهما، ونحوه مما كانوا يفعلونه لكانوا قد بقوا على العادة، إذ العادات لا تغيَّر إلا بمغيِّر يزيلها، ولاسيما وطباع النساء والصبيان، وكثير من الناس متشوفة إلى اليوم الذي يتخذونه عيداً للبطالة واللعب، ولهذا قد يعجز كثير من الملوك والرؤساء عن نقل الناس عن عاداتهم في أعيادهم، لقوة مقتضيها من نفوسهم، وتوفر همم الجماهير على اتخاذها، فلولا قوة المانع من رسول الله ﷺ لكانت باقية، ولو على وجه ضعيف، فعلم أن المانع القوي منه كان
стр. 74
ثابتاً، وكل ما منع النبي منعاً قوياً كان محرماً إذ لا يعني بالمحرم إلا هذا.
وهذا أمر بيِّن لا شبهة فيه؛ فإن مثل ذينك العيدين، لو عاد الناس إليهما بنوع مما كان يفعل فيهما ـ إن رخص فيه ـ كان مراغمة بينه وبين ما نهى عنه، فهو المطلوب.
والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها، أشد من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها، فإن الأمة قد حذروا مشابهة اليهود والنصارى، وأخبروا أن سيفعل قوم منهم هذا المحذور، بخلاف دين الجاهلية، فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر، عند اخترام أنفس المؤمنين عموماً، ولو لم يكن أشد منه، فإنه مثله على ما لا يخفى، إذ الشر الذي له فاعل موجود، يخاف على الناس منه أكثر من شر لا مقتضى له قوي.
الوجه الثاني: عن ثابت بن الضحاك قال: «نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ : أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى رسول الله ﷺ : «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟» قالوا: لا، قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ : «أَوْفِ
стр. 75
بنَذْرك، فإنه لا وفاءَ لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملكُ ابنُ آدم» [أبو داود٣٣١٣ وصححه الألباني]
فوجه الدلالة: أن هذا الناذر كان قد نذر أن يذبح نعما: إما إبلا، وإما غنما، وإما كانت قضيتين، بمكان سماه، فسأله النبي ﷺ : هل كان بها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قال: لا، قال: فهل كان بها عيد من أعيادهم؟ قال: لا، فقال: أوف بنذرك، ثم قال: لا وفاء لنذر في معصية الله».وهذا يدل على أن الذبح بمكان عيدهم ومحل أوثانهم ـ معصية لله، وإذا كان الذبح بمكان عيدهم منهياً عنه، فكيف بالموافقة في نفس العيد بفعل بعض الأعمال التي تعمل بسبب عيدهم؟
يوضح ذلك: أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائد: إما بعود السنة، أما بعود الأسبوع، أو الشهر، أو نحو ذلك. فالعيد: يجمع أموراً:
* منها: يوم عائد، كيوم الفطر، ويوم الجمعة.
* ومنها: اجتماع فيه.
* ومنها: أعمال تتبع ذلك: من العبادات والعادات، وقد