والعامة، لا فصل بين العلم والعمل، ولا يصح أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر بالبعض الآخر؛ قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ٨٥).
وإن وجود بعض الهفوات أو الجنايات من الدول التي تطبق الإسلام أو من حكام المسلمين لا يقدح في مرجعيةِ الشريعة، ووجوبِ إقامةِ الدين، وسياسةِ الدنيا به؛ فكل إنسان يؤخذ منه ويترك إلا رسول الله ﵌، والحق مقبول من كل من جاء به والباطل مردود على صاحبه كائنًا من كان، والطبيب والمهندس قد يخطئ ولا نطالب بإلغاء مهنة الطب والهندسة؛ فكذلك الأمر هنا.
الإسلام المنزل من عند الله هو دين الفطرة:
والإسلام المنزل من عند الله هو دين الفطرة، الدين الذي يعرف أسرار الفطرة فيقدم لها ما يصلح لها وما يصلحها. الدين الذي يعالج الفطرة على أحسن وجه وأنسب طريقة، ليخرج منها بأقصى ما تستطيع أن تمنحه من الخير. الدين الذي يتلبس بالفطرة فيملؤها كلها ولا يترك فراغًا واحدًا لا ينفذ إليه.
الدين الذي يأخذ الفطرة كما هي كلًا واحدًا لا يتجزأ، كلًا يشمل الجسم والعقل والروح، فيعالجها العلاج الشامل الذي يأخذ في حسابه الجوانب كلها. ويأخذها مرتبطًا بعضها ببعض في نظام وثيق. ومن ثم لا يأخذ شعور الإنسان ويترك سلوكه. لا يأخذ آخرته ويدع دنياه. وإنما يعمل حساب ذلك كله في توجيهاته وتشريعاته سواء.
إن الإسلام يتناول الحياة كلها، بكل ما تشتمل عليه من تنظيمات. ويرسم للبشر صورة كاملة لما ينبغي أن تكون عليه حياتهم في هذه الأرض. إنه يتناول الإنسان من يقظته في الصباح الباكر حتى يسلم جنبه للنوم في آخر المساء. يعلمه ويلقنه ماذا
стр. 1017
يصنع وماذا يقول أول مايفتح عينيه، ثم حين يقوم، ثم حين يقضي ضرورته، ثم حين يؤدي صلاته، ثم حين يضرب في مناكب الأرض باحثًا عن رزقه: زارعًا أو صانعًا أو عاملًا أو بائعًا أو شاريًا .. ثم حين يتناول طعامه، ثم حين يستريح من القيلولة، ثم حين يعود في آخر اليوم، ثم حين يلقى زوجه وأطفاله، ثم حين يضع جنبه، ثم حين يأخذ في النوم. بل إذا صحا كذلك في وسط النوم فزعًا أو غير مفزّع!
وكما تناول الإنسان فردًا في جميع أحواله، فقد تناوله كذلك وهو يعيش في المجتمع مع غيره من الأفراد. فعلم المجتمع ولقنه كيف تكون الصلات بين أفراده، وكيف تكون العلاقات. وكيف ينشئ تقاليده على المودة والإخاء والحب، والتكافل والتعاون. وكيف يشتري وكيف يبيع. وكيف يزرع وكيف يجني. وكيف يملك وكيف يوزع الثروة بين الأفراد.
وكما تناول الفرد والمجتمع تناول كذلك الدولة ممثلة المجتمع. فأعطى ولي الأمر حقوقًا وأوجب عليه واجبات. وعلمه ولقنه كيف يحكم الناس، وكيف يقيم بينهم العدل، وكيف يوزع المال بينهم، بأي نسب وعلى أي الفئات ومن أي الموارد. وكيف يعلن الحرب وكيف يقيم السلم، وكيف يتعامل مع الدول والجماعات والأفراد.
الحياة كلها بجميع دقائقها وتفصيلاتها. الحياة المادية والفكرية والروحية. الحياة الفردية والاجتماعية. الحياة بكل ما تشمله من مفاهيم. وكانت تلك هي طريقة الإسلام الفذة في إصلاح البشرية.
إن الإسلام به نظام اقتصادي عادل، ونظام اجتماعي متوازن، ونظام سياسي راشد محكم الرباط؟
هل البشر الذين يشرعون ما يخالف شرع الله يحسبون أنهم أدرى من الله الذي خلق الخلق ؟ سبحانه وتعالى عما يصفونه علوًا كبيرًا.
стр. 1018
إن الإسلام قد بيَّن أن الحياة السليمة النظيفة المتكاملة لا يمكن أن تتم في داخل القلب معزولة عن واقع الحياة. لا يمكن أن تتم في الوجدان والمشاعر إن لم يكن لها رصيد مواز لها من العمل والسلوك. ومن ثم لم يجعل الدين عقيدة كامنة في الضمير. وإنما جعلها نظامًا قائمًا على عقيدة، ومجتمعًا قائمًا على هذا النظام.
إن الإسلام دين الفطرة وكلمة الله، ومن ثم يجعل في حسابه الباطن والظاهر، والشعور والعمل، والوجدان والسلوك. من أجل ذلك يحرص الإسلام على واقع المجتمع أن يكون نظيفًا ليعاون الفرد على نظافة الضمير. ولن تكون نظافة المجتمع إلا بنظام اقتصادي عادل، ونظام اجتماعي متوازن، ونظام سياسي راشد محكم الرباط بالعقيدة الصحيحة والإيمان الصحيح.
التغيير الذي ننشده
شرع الله، لا شرع البشر
شرع الخالق، لا شرع المخلوق
الشريعة الإسلامية لا العَلَمانية الوضعية
نريد خلافة على منهاج النبي ﵌ تسود فيها شريعة الله ـ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ (الحج: ٤١).
ويجب على كل مسلم أن يعلم أن مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية ليست مسألة هينة، بل هي من أصول التوحيد؛ فالله هو الذي خلق وبالتالي هو الذي يشرع، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ (الأعراف: ٥٤).
والذي يشرع من دون الله يزعم أنه شريك لله في الأمر والنهي والتحليل
стр. 1019
والتحريم؛ قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: ٢١). وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٤٠). وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (النساء: ٦٥). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (النساء: ٥٩). وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾ (النساء: ٦٦).
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (المائدة: ٤٨ - ٥٠).
يقول الأستاذ سيد قطب ﵀:
«يقف الإنسان أمام هذه النصاعة في التعبير، وهذا الحسم في التقرير، وهذا الاحتياط البالغ لكل ما قد يهجس في الخاطر من مبررات لِتَرْك شيء ـ ولو قليل ـ من هذه الشريعة في بعض الملابسات والظروف.
يقف الإنسان أمام هذا كله، فيعجب كيف ساغ لمسلم - يَدّعِي الإسلام - أن يترك شريعة الله كلها، بدعوى الملابسات والظروف! وكيف ساغ له أن يظل يَدّعِي
стр. 1020
الإسلام بعد هذا التَرْك الكُلّي لشريعة الله؟! وكيف لا يزال الناس يسمون أنفسهم «مسلمين» وقد خلعوا ربقة الإسلام من رقابهم، وهم يخلعون شريعة الله كلها؛ ويرفضون الإقرار له بالإلوهية، في صورة رفضهم الإقرار بشريعته، وبصلاحية هذه الشريعة في جميع الملابسات والظروف، وبضرورة تطبيقها كلها في جميع الملابسات والظروف؟!!
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾. يتمثل الحق في صدوره من جهة الألوهية، وهي الجهة التي تملك حق تنزيل الشرائع، وفرض القوانين، ويتمثل الحق في محتوياته، وفي كل ما يعرض له من شئون العقيدة والشريعة، وفي كل ما يقصه من خبر، وما يحمله من توجيه.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.
فهو الصوره الأخيره لدين الله، وهو المرجع الأخير في هذا الشأن، والمرجع الأخير في منهج الحياة وشرائع الناس، ونظام حياتهم، بلا تعديل بعد ذلك ولا تبديل.
ومِن ثَمّ فكل اختلاف يجب أن يُرَدَّ إلى هذا الكتاب ليفصل فيه، سواء كان هذا الاختلاف في التصور الاعتقادي بين أصحاب الشرائع السماوية، أو في الشريعة التي جاء هذا الكتاب بصورتها الأخيرة، أو كان هذا الاختلاف بين المسلمين أنفسهم، فالمرجع الذي يعودون إليه بآرائهم في شأن الحياة كله هو هذا الكتاب، ولا قيمه لآراء الرجال ما لم يكن لها أصل تستند إليه من هذا المرجع الأخير.
وتترتب على هذه الحقيقه مقتضياتها المباشره:
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾.
والأمر موجه ابتداء إلى رسول الله ﵌ فيما كان فيه من أمر أهل الكتاب الذين يجيئون إليه متحاكمين، ولكنه ليس خاصًا بهذا السبب، بل هو عام، وإلى آخر الزمان،
стр. 1021
طالما أنه ليس هناك رسول جديد، ولا رسالة جديدة، لتعديل شيءٍ ما في هذا المرجع الأخير!
لقد كمل هذا الدين، وتمت به نعمة الله على المسلمين، ورَضِيَهُ الله لهم منهج حياه للناس أجمعين، ولم يعد هنالك من سبيل لتعديل شيء فيه أو تبديله، ولا لترك شيء من حكمه إلى حكم آخر، ولا شيء من شريعته إلى شريعة أخرى.
وقد علم الله حين رضيه للناس، أنه يسع الناس جميعًا، وعلم الله حين رضيه مرجعًا أخيرًا أنه يحقق الخير للناس جميعًا، وأنه يسع حياة الناس جميعًا، إلى يوم الدين.
وأي تعديل في هذا المنهج - ودَعْكَ مِن العدول عنه - هو إنكار لهذا المعلوم من الدين بالضرورة، يُخْرِجُ صاحبه من هذا الدين، ولو قال باللسان ألف مرة: إنه من المسلمين!
وقد علم الله أن معاذير كثيرة يمكن أن تقوم وأن يبرر بها العدول عن شيء مما أنزل الله واتباع أهواء المحكومين المتحاكمين، وأن هواجس قد تتسرب في ضرورة الحكم بما أنزل الله كله بلا عدول عن شيء فيه، في بعض الملابسات والظروف، فحَذّر الله نبيه ﵌ في هذه الآيات مرتين من اتباع أهواء المتحاكمين، ومن فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه.
وأولى هذه الهواجس: الرغبة البشرية الخفية في تأليف القلوب بين الطوائف المتعددة، والاتجاهات والعقائد المتجمعة في بلد واحد، ومسايرة بعض رغباتهم عند ما تصطدم ببعض أحكام الشريعة، والميل إلى التساهل في الأمور الطفيفة، أو التي يبدو أنها ليست من أساسيات الشريعة!
وقد شاء الله أن يحسم في هذا الأمر، وأن يقطع الطريق على الرغبة البشرية الخفية في التساهل مراعاة للاعتبارات والظروف، وتأليفًا للقلوب حين تختلف الرغبات والأهواء فقال لنبيه ﵌: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ
стр. 1022
لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
إن الله لو شاء لجعل الناس أمة واحدة؛ ولكنه جعل لكل منهم طريقًا ومنهاجًا، وجعلهم مبتلين مختبرين فيما آتاهم من الدين والشريعة، وما آتاهم في الحياة كلها من عطايا، وأن كلًا منهم يسلك طريقه؛ ثم يرجعون كلهم إلى الله، فينبئهم بالحقيقة، ويحاسبهم على ما اتخذوا من منهج وطريق.
إذن لا يجوز أن يفكر في التساهل في شيء من الشريعة لتجميع المختلفين في المشارب والمناهج؛ فهم لا يتجمعون: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
بذلك أغلق الله مداخل الشيطان كلها، وبخاصة ما يبدو منها خيرًا وتأليفًا للقلوب وتجميعًا للصفوف؛ بالتساهل في شيء من شريعة الله؛ في مقابل إرضاء الجميع! أو في مقابل ما يسمونه وحدة الصفوف!
إن شريعة الله أبقى وأغلى من أن يُضَحَّى بجزء منها في مقابل شيء قَدَّر الله ألا يكون! فالناس قد خُلِقوا ولكل منهم استعداد، ولكل منهم مشرب، ولكل منهم منهج، ولكل منهم طريق.
ولحكمة من حكم الله خُلِقوا هكذا مختلفين، وقد عرض الله عليهم الهدى وتركهم يستبقون، وجعل هذا ابتلاء لهم يقوم عليه جزاؤهم يوم يرجعون إليه، وهم إليه راجعون.
стр. 1023
وإنها لتَعِلّة باطلة (١) إذن، ومحاولة فاشلة، أن يحاول أحد تجميعهم على حساب شريعة الله، أو بتعبير آخر على حساب صلاح الحياة البشرية وفلاحها؛ فالعدول أو التعديل في شريعة الله لا يعني شيئًا إلا الفساد في الأرض، وإلا الانحراف عن المنهج الوحيد القويم، وإلا انتفاء العدالة في حياة البشر، وإلا عبودية الناس بعضهم لبعض، واتخاذ بعضهم لبعض أربابًا من دون الله.
وهو شر عظيم وفساد عظيم، لا يجوز ارتكابه في محاولة عقيمة لا تكون؛ لأنها غير ما قدره الله في طبيعة البشر؛ ولأنها مضادة للحكمة التي من أجلها قدر ما قدر من اختلاف المناهج والمشارع، والاتجاهات والمشارب، وهو خالق الخلق وصاحب الأمر الأول فيهم والأخير، وإليه المرجع والمصير.
إن محاولة التساهل في شيء من شريعة الله، لمثل هذا الغرض، تبدو - في ظل هذا النص الصادق الذي يبدو مصداقه في واقع الحياة البشرية في كل ناحية - محاولة سخيفة لا مبرر لها من الواقع، ولا سند لها من إرادة الله، ولا قبول لها في حس المسلم، الذي لا يحاول إلا تحقيق مشيئة الله. فكيف وبعض من يسمون أنفسهم «مسلمين» يقولون: إنه لا يجوز تطبيق الشريعة حتى لا نخسر «السائحين»؟!!!
ويعود السياق فيؤكد هذه الحقيقة، ويزيدها وضوحًا؛ فالنص الأول: ... ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ قد يعني النهي عن ترك شريعة الله كلها إلى أهوائهم! فالآن يحذره من فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. فالتحذير هنا أشد وأدق؛ وهو تصوير للأمر على حقيقته؛ فهي فتنة
стр. 1024
يجب أن تُحْذَر، والأمر في هذا المجال لا يعدو أن يكون حكمًا بما أنزل الله كاملًا؛ أو أن يكون اتباعًا للهوى وفتنة يحذر الله منها.
ثم يستمر السياق في تتبع الهواجس والخواطر؛ فيُهَوّن على رسول الله ﵌ أمرهم إذا لم يعجبهم هذا الاستمساك الكامل بالصغيرة قبل الكبيرة في هذه الشريعة، وإذا هم تولوا فلم يختاروا الإسلام دينًا؛ أو تولوا عن الاحتكام إلى شريعة الله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾. فإن تولوا فلا عليك منهم؛ ولا يفْتِنك هذا عن الاستمساك الكامل بحكم الله وشريعته. ولا تجعل إعراضهم يفت في عضدك أو يحولك عن موقفك.
فإنهم إنما يتولون ويعرضون لأن الله يريد أن يجزيهم على بعض ذنوبهم، فهم الذين سيصيبهم السوء بهذا الإعراض، لا أنت ولا شريعة الله ودينه، ولا الصف المسلم المستمسك بدينه.
ثم إنها طبيعة البشر: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ فهم يخرجون وينحرفون لأنهم هكذا، ولا حيلة لك في هذا الأمر، ولا ذنب للشريعة، ولا سبيل لاستقامتهم على الطريق!
وبذلك يغلق كل منافذ الشيطان ومداخله إلى النفس المؤمنة؛ ويأخذ الطريق على كل حجة وكل ذريعة لترك شيء من أحكام هذه الشريعة؛ لغرض من الأغراض، في ظرف من الظروف.
ثم يقفهم على مفرق الطريق: فإنه إما حكم الله، وإما حكم الجاهلية. ولا وسط بين الطرفين ولا بديل. حكم الله يقوم في الأرض، وشريعة الله تُنَفّذ في حياة الناس، ومنهج الله يقود حياة البشر. أو أنه حكم الجاهلية، وشريعة الهوى، ومنهج العبودية. فأيهما يريدون؟ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
стр. 1025
إن معنى الجاهلية يتحدد بهذا النص؛ فالجاهلية - كما يصفها الله ويحددها قرآنه - هي حكم البشر للبشر، لأنها هي عبودية البشر للبشر، والخروج من عبودية الله ورفض ألوهية الله، والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر وبالعبودية لهم من دون الله.
إن الجاهلية - في ضوء هذا النص - ليست فترة من الزمان، ولكنها وضْعٌ من الأوضاع. هذا الوضع يوجد بالأمس، ويوجد اليوم، ويوجد غدًا، فيأخذ صفة الجاهلية، المقابلة للإسلام، والمناقضة للإسلام.
والذي لا يبتغي حكم الله يبتغي حكم الجاهلية، والذي يرفض شريعة الله يقبل شريعة الجاهلية، ويعيش في الجاهلية. وهذا مفرق الطريق، يقف الله الناس عليه. وهم بعد ذلك بالخيار! ثم يسألهم سؤال استنكار لابتغائهم حكم الجاهلية؛ وسؤال تقرير لأفضلية حكم الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.أجل! فمن أحسن من الله حكمًا؟ ومن ذا الذي يجرؤ على ادعاء أنه يشرع للناس، ويحكم فيهم، خيرًا مما يشرع الله لهم ويحكم فيهم؟ وأية حجة يملك أن يسوقها بين يدي هذا الادعاء العريض؟
أيستطيع أن يقول: إنه أعلم بالناس من خالق الناس؟ أيستطيع أن يقول: إنه أرحم بالناس من رب الناس؟ أيستطيع أن يقول: إنه أعْرَفُ بمصالح الناس من إله الناس؟ أيستطيع أن يقول: إن الله وهو يشرع شريعته الأخيرة، ويرسل رسوله الأخير؛ ويجعل رسوله ﵌ خاتم النبيين، ويجعل رسالته خاتمة الرسالات، ويجعل شريعته شريعة الأبد - كان يجهل أن أحوالًا ستطرأ وأن حاجات ستستجد، وأن ملابساتٍ ستقع، فلم يحسب حسابها في شريعته لأنها كانت خافية عليه، حتى انكشفت للناس في آخر الزمان؟!
ما الذي يستطيع أن يقوله من يُنَحِّي شريعة الله عن حكم الحياة، ويستبدل بها شريعة الجاهلية وحكم الجاهلية، ويجعل هواه هو أو هوى شعب من الشعوب، أو هوى جيل من أجيال البشر، فوق حكم الله، وفوق شريعة الله؟
стр. 1026
ما الذي يستطيع أن يقوله، وبخاصة إذا كان يدعي أنه من المسلمين؟!
الظروف؟ الملابسات؟ عدم رغبة الناس؟ الخوف من الأعداء؟!! ألم يكن هذا كله في علم الله وهو يأمر المسلمين أن يقيموا بينهم شريعته، وأن يسيروا على منهجه وألا يُفْتَنوا عن بعض ما أنزله؟
ألم يكن ذلك في علم الله وهو يشدد هذا التشديد، ويحذر هذا التحذير؟
يستطيع غير المسلم أن يقول ما يشاء. ولكن المسلم - أو من يدّعون الإسلام - ما الذي يقولونه من هذا كله، ثم يبقون على شيء من الإسلام؟ أو يبقى لهم شيء من الإسلام؟ إنه مفرق الطريق، إما إسلام وإما جاهلية. إما إيمان وإما كفر. إما حكم الله وإما حكم الجاهلية. والذين لا يحكمون بما أنزل الله هم الكافرون الظالمون الفاسقون. والذين لا يقبلون حكم الله من المحكومين ما هم بمؤمنين.
إن هذه القضية يجب أن تكون واضحة وحاسمة في ضمير المسلم، وألا يتردد في تطبيقها على واقع الناس في زمانه، والتسليم بمقتضى هذه الحقيقة ونتيجة هذا التطبيق على الأعداء والأصدقاء! وما لم يحسم ضمير المسلم في هذه القضية، فلن يستقيم له ميزان، ولن يتضح له منهج، ولن يفرق في ضميره بين الحق والباطل، ولن يخطو خطوة واحدة في الطريق الصحيح. وإذا جاز أن تبقى هذه القضية غامضة أو مائعة في نفوس الجماهير من الناس، فما يجوز أن تبقى غامضة ولا مائعة في نفوس من يريدون أن يكونوا «المسلمين» وأن يحققوا لأنفسهم هذا الوصف العظيم» (١).
стр. 1027
حتى لا تنحرف صحوة الشعب في مصر عن مسارها الصحيح:
وحتى لا تنحرف صحوة الشعب في مصر عن مسارها الصحيح يجب التأكيد على هُويَّة مِصرَ الإسلاميةِ؛ كدَولةٍ إسلاميةٍ مرجعيةُ التشريع فيها إلى الشريعة الإسلامية، وكُلُّ ما يخالفها يُعَدُّ باطلًا، وهذا في الحقيقة هو الضمان الحقيقي لحماية غير المسلمين واستمرارِ السلام والتسامح في المجتمع.
ويجب تفعيل المادة الثانية مِن الدُّستور، ومراجعةِ كافَّة التشريعات المخالفةِ للشريعة، وصياغتِها مِن جديد بصورةٍ تُوافِق الشريعةَ؛ فإن الأُمَّةَ لم تَخترْ هذه المادةَ لتَبقى حَبيسةَ الأوراقِ لمُدَّةِ أكثر مِن ثلاثين سنة! وهذا مِن شأنه أن يُزيلَ التناقضَ الواقعَ في التشريعات والقوانين، كما يرفع الإثمَ عن أجهزة الدَّولة المختلِفة في مخالفة شَرْع الله والحُكْمِ بغير ما أَنزل اللهُ، وهو أعظم سببٍ لحصول النِّقَم والبلاءِ بالأُمَّة.
في حماك ربنا، في سبيل ديننا.
لا يَرُوعُنا الفَنَا، فتَوَلّ نصْرَنا، واهدِنا إلى السَّنن.
نحن عُصبةُ الإلهْ، دينُه لنا وطنْ.
نحنُ جُنْدُ مصطفاهْ، نستخف بالمحنْ.
ولنا الكتاب جاهْ، شرعُه هو السَّننْ.
فلنعشْ على هداهْ، سادة أعزةً، أو نَمُتْ له فدىً.
الكفوف بالكفوفْ، فاشهدوا عهودنَا.
الثباتُ في الصفوفْ، والمضاءُ والفَنَا.
المِئُونَ والألُوفْ فديةٌ لديننا.
وعلى شفا السيوفِ نستردّ مجدنا.
بالكتاب شِرْعةً، والرسول قدوةً، واليقين عُدّةً.
стр. 1028
٦٨ - الشريعة خيرٌ كلها
إن الشريعة الإسلامية ما شُرِعَتْ إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، أي في الدنيا والآخرة، ودرء المفاسد والأضرار عنهم في العاجل والآجل أيضًا، حتى إن بعض الفقهاء، قال - وقوله حق -: «إن الشريعة كلها مصالح، إما درء مفاسد أو جلب مصالح».
ودَرْءُ المفسدة لا شك في أنه وجه من وجوه المصلحة؛ لأن المصلحة لها وجه إيجابي وهو جلب نفع لم يكن، ووجه سلبي وهو دفع ضرر أو مفسدة. وجميع الأحكام بلا استثناء مصالح لا يخرج منها أي حكم كان سواء أكان من أحكام الاعتقادات أو العبادات أو غير ذلك.
نعم، قد يجهل البعض تفاصيل المصلحة في حكم من الأحكام، ولكن هذا الجهل ليس بحجة على انتفاء المصلحة، فإن الانسان قد يجهل تفاصيل منفعة دواء ولكن جهله به لا يمنع من تحقيق المصحلة فيه، فإذا كان هذا واقعيًا فيما يضعه إنسان فكيف لا يكون فيما يضعه خالق الانسان؟ هذه واحدة.
والثانية أن المصلحة المقصودة في التشريع الإسلامي لا تقتصر على مصالح الدنيا وإنما تتجاوزها الى مصالح الآخرة أي إلى إعداد الانسان للظفر بالسعادة الدائمة بالجنة.
ونكتفي هنا بذكر بعض الأدلة الجزئية على هذه الحقيقة:
١ - قال تعالى في تعليل رسالة محمد ﵌ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧)، والرحمة تتضمن قطعًا رعاية مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، ولا يمكن أن تكون رحمة إذا أغفلت هذه المصالح.
стр. 1029
٢ - قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٩ (، فالقصاص شُرِعَ لتحقيق هذه المصلحة - وهي الحياة للناس، أي الأمن والاستقرار والاطمئنان وحقن الدماء - بزَجْر مَن تُسَوّلُ له نفسه الاعتداء على أرواح الناس.
٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ (المائدة: ٩٠ - ٩١).
يذم تعالى هذه الأشياء القبيحة، ويخبر أنها من عمل الشيطان، وأنها رجس.
﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي: اتركوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فإن الفلاح لا يتم إلا بترك ما حرم الله، خصوصًا هذه الفواحش المذكورة، وهي الخمر وهي: كل ما خامر العقل أي: غطاه بسُكْره، والميسر، وهو: جميع المغالبات التي فيها عِوَضٌ من الجانبين، كالمراهنة ونحوها، والأنصاب التي هي: الأصنام والأنداد ونحوها، مما يُنصب ويُعبد من دون الله، والأزلام التي يستقسمون بها، فهذه الأربعة نهى الله عنها وزجر، وأخبر عن مفاسدها الداعية إلى تركها واجتنابها. فمنها: أنها رجس، أي: خبث، نجس معنًى، وإن لم تكن نجسةً حسًّا. والأمور الخبيثة مما ينبغي اجتنابها وعدم التدنس بأوضارها.
ومنها: أنها من عمل الشيطان، الذي هو أعدى الأعداء للإنسان.
ومن المعلوم أن العدو يحذر منه، وتحذر مصايده وأعماله، خصوصًا الأعمال التي يعملها ليُوقِعَ فيها عدوه، فإنها فيها هلاكه، فالحزم كل الحزم البعد عن عمل العدو المبين، والحذر منها، والخوف من الوقوع فيها.
ومنها: أنه لا يمكن الفلاح للعبد إلا باجتنابها، فإن الفلاح هو: الفوز بالمطلوب المحبوب، والنجاة من المرهوب، وهذه الأمور مانعة من الفلاح ومُعَوّقَةٌ له.
стр. 1030
ومنها: أن هذه موجبة للعداوة والبغضاء بين الناس، والشيطان حريصٌ على بثّها، خصوصًا الخمر والميسر، ليُوقِع بين المؤمنين العداوة والبغضاء.
فإن في الخمر من انغلاب العقل وذهاب حجاه، ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين إخوانه المؤمنين، خصوصًا إذا اقترن بذلك من السباب ما هو من لوازم شارب الخمر، فإنه ربما أوصل إلى القتل. وما في الميسر من غلبة أحدهما للآخر، وأخذ ماله الكثير في غير مقابلة، ما هو من أكبر الأسباب للعداوة والبغضاء.
ومنها: أن هذه الأشياء تصد القلب، ويتبعه البدن عن ذكر الله وعن الصلاة، اللذين خلق لهما العبد، وبهما سعادته، فالخمر والميسر، يصدانه عن ذلك أعظم صد، ويشتغل قلبه، ويذهل لبه في الاشتغال بهما، حتى يمضي عليه مدة طويلة وهو لا يدري أين هو.
فأي معصية أعظم وأقبح من معصية تدنس صاحبها، وتجعله من أهل الخبث، وتوقعه في أعمال الشيطان وشباكه، فينقاد له كما تنقاد البهيمة الذليلة لراعيها، وتحُولُ بين العبد وبين فلاحه، وتوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ فهل فوق هذه المفاسد شيء أكبر منها؟!
ولهذا عرض تعالى على العقول السليمة النهي عنها، عرضا بقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ لأن العاقل - إذا نظر إلى بعض تلك المفاسد - انزجر عنها وكفت نفسه، ولم يحتجْ إلى وعظ كثير ولا زجر بليغ.
٤ - تشريع الرخص عند وجود المشقات في تطبيق الأحكام اذا كانت هذه المشقات فوق طاقة البشر المعتادة، من ذلك اباحة النطق بكلمة الكفر عند الإكراه عليها بالتهديد بالقتل ونحوه، وإباحة المحَرَّم عند الضرورة مثل أكل الميتة ولحم الخنزير عند التعرض للهلاك جوعًا، وإباحة الفطر في رمضان للمريض والمسافر. ولا شك أن دفع المشقة ضَرب من ضروب رعاية المصلحة ودرء المفسدة عن الناس.
стр. 1031
٥ - من محاسن الشريعة الإسلامية ملاءمتها لفطرة الإنسان وتلبيتها لحاجاته البدنية والعقلية والروحية، فمن محاسن الشريعة أنها حرمت كل ما يضر ببدن الإنسان وعقله، ومن ذلك تحريم المسكر لضرره، وتحريم قليله الذي لا يسكر لأنه سبيل إلى تناول كثيره، ولا يمكن لكل الناس التحكم في الكمية، والتشريع يكون للجميع، إلى غير ذلك من الحكم المعلومة والمجهولة.
٦ - بر الوالدين من محاسن الشريعة الإسلامية؛ ذلك أنه اعتراف بالجميل، وحفظ للفضل.
٧ - ويُعَدّ الوقف من محاسن الشريعة الإسلامية الغرّاء حيث أثبتت الدراسات الاقتصادية أنه أنجح وسيلة لاستمرار المؤسسات العلمية والاجتماعية في أداء وظيفتها ورسالتها.
٨ - من محاسن الشريعة الإسلامية، أنها لم تُحَرّم شيئًا إلا عَوّضَت خيرًا منه، مما يسد مسَدَّه، ويغني عنه، فالله ، لم يضيق على عباده من جانب، إلا وسَّع عليهم من جانب آخر، من جنسه، فإنه لا يُريد بعباده عنتًا، ولا إرهاقًا، بل يُريد بهم اليُسرَ والخير والهداية والرحمة، فقد حرم الله عباده، الاستقسام بالأزلام، وعوضهم عنه دعاء الاستخارة، حرم عليهم الزنا، وأعاضهم عنه الزواج الحلال، حرم عليهم شرب المسكرات، وأعاضهم عنها بالأشربة اللذيذة.
ليس في الدين حرمان، كما يتوهم الجهلة، فكل شهوة أودعها الله في الإنسان، جعل لها قناةً نظيفةً تتحرك من خلالها، وكل حاجة، ألجأ الله إليها عباده، جعل لهم، أكثر من سبب لتحقيقها، فالحلال يُغني عن الحرام، أيما غناء.
وهذا من محاسن الشريعة الإسلامية حيث أن البيوت المسلمة التي بُنيت على أساس الرضا والرغبة غالبًا ما تكون أكثر استقرارًا وطمأنينة.
стр. 1032
٩ - والإسلام بتشريعه للطلاق يكون منسجمًا مع نهج التوسط بين الإفراط والتفريط، بخلاف غيره من الشرائع، والتي منها ما تبيح الطلاق على إطلاقه بلا محاذير ولو بغير سبب، ومنها ما يجعل الزواج مؤبدًا ولا تبيح الطلاق مطلقًا كما هو الحال في الغرب حيث عمت الفوضى في الحياة الاجتماعية وشاع اتخاذ الأخدان والعشيقات، فجاء الإسلام وجعل الطلاق حاجة من حاجات البشر لا يتم اللجوء إليها إلا عند الضرورة ووجود المبرر القوي لها.
١٠ - ومن محاسن الشريعة الإسلامية أن جعلت الطلاق بيد الرجل، وذلك لأن المرأة سريعة الغضب شديدة التأثر وغالبًا تدفعها طبيعتها إلى الجري وراء عواطفها بلا تَرَوٍّ، ذلك لأنها خلقت على رقة في الطبع، وبها من الغرائز ما يصلح أن تكون مصدرًا للحنان والأمومة، إذ لو جعل الطلاق بيدها - وهي على ما أسلفنا من رقة العاطفة وسرعة الانفعال - لانهارت كثير من العلاقات الأسرية والزوجية في لحظة طائشة وبمجرد خصام عارض وهذا لا يمنع أن تكون هنالك نساء يتصفن بالحكمة والتروي ولكن أحكام الشرع تبنى على غالب الأحوال.
١١ - من محاسن الشريعة الإسلامية تحريم الكذب لما فيه من مضار ومفاسد على الفرد والمجتمع.
١٢ - مِنْ أَعْظَمِ مَحَاسِنَ الشَّرِيعَةِ إيجَابُ الْغُسْلَ مِنْ الْمَنِيِّ دُونَ الْبَوْلِ: فَإِنَّ الْمَنِيَّ يَخْرُجُ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ الله : «سُلَالَةً»؛ لِأَنَّهُ يَسِيلُ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَأَمَّا الْبَوْلُ فَإِنَّمَا هُوَ فَضْلَةُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْمُسْتَحِيلَةِ فِي الْمَعِدَةِ وَالْمَثَانَةِ؛ فَتَأَثُّرُ الْبَدَنِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ أَعْظَمُ مِنْ تَأَثُّرِهِ بِخُرُوجِ الْبَوْلِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاغْتِسَالَ مِنْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ أَنْفَعِ شَيْءٍ لِلْبَدَنِ وَالْقَلْبِ وَالرُّوحِ، بَلْ جَمِيعُ الْأَرْوَاحِ الْقَائِمَةِ بِالْبَدَنِ فَإِنَّهَا تَقْوَى بِالِاغْتِسَالِ، وَالْغُسْلُ يَخْلُفُ عَلَيْهِ مَا تَحَلَّلَ مِنْهُ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ، وَهَذَا أَمْرٌ يُعْرَفُ بِالْحِسِّ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجَنَابَةَ تُوجِبُ ثِقَلًا وَكَسَلًا وَالْغُسْلُ يُحْدِثُ لَهُ نَشَاطًا وَخِفَّةً.
стр. 1033
ولَوْ شُرِعَ الِاغْتِسَالُ مِنْ الْبَوْلِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ حَرَجٍ وَمَشَقَّةٍ عَلَى الْأُمَّةِ تَمْنَعُهُ حِكْمَةُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ وَإِحْسَانُهُ إلَى خَلْقِهِ.
١٣ - إن إباحة السَّلَم وتحريم الربا من محاسن الشريعة الكاملة، وقد أباح الله السَّلَمَ لحاجة العباد إليه, وشرط فيه شروطًا تخرجه عن المعاملات المحرمة , فهو عقد على موصوف في الذمة بصفات تميزه وتبعده عن الجهالة والغرر إلى أجل معلوم بثمن معجل في المجلس , يشترك فيه البائع والمشتري في المصلحة المترتبة على ذلك.
فالبائع ينتفع بالثمن في تأمين حاجاته الحاضرة والمشتري ينتفع بالمسلم فيه عند حلوله؛ لأنه اشتراه بأقل من ثمنه عند الحلول وذلك في الغالب , فحصل للمتعاملين في عقد السلم الفائدة من دون ضرر ولا غرر ولا جهالة ولا ربا.
أما المعاملات الربوية فهي مشتملة على زيادة معينة نص الشارع على تحريمها في بيع جنس بجنسه نقدا أو نسيئة , وجعله من أكبر الكبائر لما له في ذلك من الحكمة البالغة , ولما للعباد في ذلك من المصالح العظيمة والعواقب الحميدة التي منها سلامتهم من تراكم الديون عليهم , ومن تعطيلهم المشاريع النافعة والصناعات المفيدة اعتمادًا على فوائد الربا.
١٤ - تعدد الزوجات من محاسن الشريعة الإسلامية، ومن رعايتها لمصالح المجتمع وعلاج مشكلاته، وقد تنبه بعض أعداء الإسلام لهذا الأمر، واعترفوا بحسن ما جاءت به الشريعة في هذه المسألة، رغم عداوتهم لها، إقرارا بالحق واضطرارًا للاعتراف به، فمن ذلك ما نقله صاحب المنار في الجزء الرابع من تفسيره (ص ٣٦٠) عن جريدة (لندن ثروت) بقلم بعض الكاتبات ما ترجمته ملخصًا: «لقد كثرت الشاردات من بناتنا، رغم البلاء، وقَلّ الباحثون عن أسباب ذلك، وإذْ كنتُ امرأة، تراني أنظر إلى هاتيك البنات وقلبي يتقطع شفقةً عليهن وحزنًا، وماذا عسى يفيدهن بثي وحزني وتفجعي وإن شاركني فيه الناس جميعًا، إذْ لا فائدة إلا في العمل بما ينفع هذه الحالة الرجسة.
стр. 1034
ولله در العالم (توس) فإنه رأى الداء ووصف له الدواء الكافل للشفاء، وهو الإباحة للرجل التزويج بأكثر من واحدة، وبهذه الواسطة يزول البلاء لا محالة، وتصبح بناتنا ربات بيوت، فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوروبي على الاكتفاء بامرأة واحدة، فهذا التحديد هو الذي جعل بناتنا شوارد، وقذف بهن إلى التماس أعمال الرجل، ولا بد من تفاقم الشر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة، أيُّ ظن وخرص يحيط بعدد الرجال المتزوجين الذين لهم أولاد غير شرعيين، أصبحوا كَلّا وعالة على المجتمع الإنساني.
فلو كان تعدد الزوجات مباحًا لما حاق بأولئك الأولاد وأمهاتهم ما هم فيه من العذاب والهوان، ولَسلِمَ عِرضُهن وعِرْض أولادهن، فإن مزاحمة المرأة للرجل ستحل بنا الدمار، ألم تروا أن حال خلقتها تنادي بأن عليها ما ليس على الرجل، وعليه ما ليس عليها، وبإباحة تعدد الزوجات تصبح كل امرأة ربة بيت وأم أولاد شرعيين».
وقال جوستاف لوبون: «إن نظام تعدد الزوجات نظام حسن يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تمارسه، ويزيد الأسر ارتباطًا , ويمنح المرأة احترامًا وسعادة لا تجدهما في أوروبا».
١٥ - ومن محاسن الشريعة أن الأصل الشرعي هو: الحل في المعاملات والشروط.
١٦ - ومن محاسن الشريعة أَنَّ الْوَالِيَ وَالْقَاضِيَ وَالشَّافِعَ مَمْنُوعٌ مِنْ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ (١) وَهُوَ أَصْلُ فَسَادِ الْعَالَمِ، وَإِسْنَادُ الْأَمْرِ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، وَتَوْلِيَةُ الْخَوَنَةِ وَالضُّعَفَاءِ وَالْعَاجِزِينَ، وَقَدْ دَخَلَ بِذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا الله، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ لَمْ
البخاري). وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ سَدٌّ لِلذَّرِيعَةِ وَحِمَايَةٌ عَنْ مُفْسِدَةِ وُقُوعِهَا فِي قَلْبِهِ وَمَيْلِهِ إلَيْهَا بِحُضُورِ صُورَتِهَا فِي نَفْسِهِ، وَكَمْ مِمَّنْ أَحَبَّ غَيْرَهُ بِالْوَصْفِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ.
قال الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الصويان: «كنت في زيارة لأحد المراكز الإسلامية في ألمانيا فرأيت فتاة متحجبة حجابًا شرعيًا ساترًا قلَّ أن يوجد مثله في ديار الغرب؛ فحمدتُ الله على ذلك، فأشار عليَّ أحد الإخوة أن أسمع قصة إسلامها مباشرة من زوجها، فلما جلستُ مع زوجها قال:
«زوجتي ألمانية أبًا لجدٍّ، وهي طبيبة متخصصة في أمراض النساء والولادة، وكان لها عناية خاصة بالأمراض الجنسية التي تصيب النساء، فأجْرَت عددًا من الأبحاث على كثير من المريضات اللاتي كُنَّ يأتين إلى عيادتها، ثم أشار عليها أحد الأطباء المتخصصين أن تذهب إلى دولة أخرى لإتمام أبحاثها في بيئة مختلفة نسبيًا، فذهَبَتْ إلى النرويج، ومكثت فيها ثلاثة أشهر، فلم تجد شيئًا يختلف عمَّا رأتْهُ في ألمانيا، فقررَتْ السفر للعمل لمدة سنة في السعودية.
تقول الطبيبة: «فلما عزمتُ على ذلك أخَذْتُ أقرأ عن المنطقة وتاريخها وحضارتها، فشعَرْتُ بازدراء شديد للمرأة المسلمة، وعجبتُ منها كيف ترضى بذُلِّ الحجاب وقيوده، وكيف تصبر وهي تُمتهَن كل هذا الامتهان؟!
ولمَّا وصلتُ إلى السعودية علِمْتُ أنني ملزمة بوضع عباءة سوداء على كتفيَّ، فأحسست بضيق شديد وكأنني أضع إسارًا من حديد يقيدني ويشلُّ من حريتي وكرامتي (!!)، ولكني آثرت الاحتمال رغبة في إتمام أبحاثي العلمية.
لبِثْتُ أعمل في العيادة أربعة أشهر متواصلة، ورأيت عددًا كبيرًا من النسوة، ولكني لم أقف على مرض جنسي واحد على الإطلاق؛ فبدأتُ أشعر بالملل والقلق، ثم مضت الأيام حتى أتمَمْتُ الشهر السابع، وأنا على هذه الحالة، حتى خرجْتُ ذات يوم من العيادة مغضَبة ومتوترة. فسألتني إحدى الممرضات المسلمات عن سبب ذلك، فأخبرتها الخبر، فابتسمت وتمتمت بكلام عربي لم أفهمْه، فسألْتُها: «ماذا تقولين؟!»،
стр. 1038
فقالت: «إن ذلك ثمرة الفضيلة، وثمرة الالتزام بقول الله تعالى في القرآن الكريم: ... ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾» (الأحزاب: ٣٥).
هزتني هذه الآية وعرّفتْني بحقيقة غائبة عندي، وكانت تلك بداية الطريق للتعرف الصحيح على الإسلام، فأخذْتُ أقرأ القرآن العظيم والسنة النبوية، حتى شرح الله صدري للإسلام، وأيقنْتُ أنَّ كرامة المرأة وشرفها إنما هو في حجابها وعفتها، وأدركت أن أكثر ما كُتب في الغرب عن الحجاب والمرأة المسلمة إنما كتب بروح غربية مستعلية لم تعرف طعم الشرف والحياء!».
إن الفضيلة لا يعدلها شيء، ولا طريق لها إلا الالتزام الجاد بهدي الكتاب والسنة، وما ضاعت الفضيلة إلا عندما استُخدمت المرأة ألعوبة بأيدي المستغربين وأباطرة الإعلام (١).
دعوات غربية لتطبيق الشريعة الإسلامية كحلٍ للأزمة المالية:
نشر موقع (الإسلام اليوم) أن كبرى الصحف الاقتصادية الغربية دعت إلى تطبيق الشريعة الإسلامية كحل مؤكد للخروج من الأزمة المالية العالمية التي تهدد بانهيار أسواق المال العالمية، بعد الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي هزت أمريكا وأوروبا.
فقد كتب (بوفيس فانسون) رئيس تحرير مجلة تشالينجز موضوعا بعنوان (البابا أو القرآن) تساءل الكاتب فيه عن أخلاقية الرأسمالية؟ ودور (المسيحية) كديانة، والكنيسة الكاثوليكية بالذات في تكريس هذا المنزع والتساهل في تبرير الفائدة، مشيرًا إلى أن هذا النسل الاقتصادي السيئ أودى بالبشرية إلى الهاوية.
وتساءل الكاتب بأسلوب يقترب من التهكم من موقف الكنيسة قائلًا: «أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلًا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا
стр. 1039
وبمصارفنا (١) لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري؛ لأن النقود لا تلد النقود».
بدوره، طالب (رولان لاسكين) - رئيس تحرير صحيفة (لوجُورنال دِ فَيْنَانْس) - بوضوح أكثر بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة.
وعرض لاسكين في مقاله بافتتاحية الصحيفة التي يرأس تحريرها والذي جاء بعنوان: «هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟»، المخاطر التي تحدق بالرأسمالية وضرورة الإسراع بالبحث عن خيارات بديلة لإنقاذ الوضع، وقدم سلسلة من المقترحات المثيرة في مقدمتها تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية برغم تعارضها مع التقاليد الغربية ومعتقداتها الدينية.
ومن ناحيتها , أصدرت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية - وهي أعلى هيئة رسمية تعنى بمراقبة نشاطات البنوك - في وقت سابق قرارًا يقضي بمنع تداول الصفقات الوهمية والبيوع الرمزية التي يتميز بها النظام الرأسمالي، وهو ما يتطابق مع أحكام الفقه الإسلامي.
كما أصدرت نفس الهيئة قرارًا يسمح للمؤسسات والمتعاملين في الأسواق المالية بالتعامل مع نظام الصكوك الإسلامي في السوق المنظمة الفرنسية.
والصكوك الإسلامية هي عبارة عن سندات إسلامية مرتبطة بأصول ضامنة بطرق متنوعة تتلاءم مع مقتضيات الشريعة الإسلامية.
стр. 1040
كما أكد تقرير صادر عن مجلس الشيوخ الفرنسي أن النظام المصرفي الإسلامي مريح للجميع مسلمين وغير مسلمين ويمكن تطبيقه في جميع البلاد فضلًا عن كونه يلبي رغبات كونية.
وكانت لجنة المالية ومراقبة الميزانية والحسابات الاقتصادية للدولة بمجلس الشيوخ الفرنسي قد نظمت طاولتين مستديرتين في منتصف مايو ٢٠٠٨ حول النظام المصرفي الإسلامي لتقييم الفرص والوسائل التي تسمح لفرنسا بولوج هذا النظام الذي يعيش ازدهارًا واضحًا وجمعت أعمال الطاولتين في تقرير واحد.
وتظهر منافسة النظام المصرفي الإسلامي للنظام المصرفي الغربي في كون معدل النمو السنوي للأنشطة الإسلامية يتراوح ما بين ١٠ إلى ١٥%. كما بلغ مجموع الأنشطة المسيرة من قبل المصارف ومؤسسات التأمين الإسلامية ٥٠٠ مليار دولار نهاية عام ٢٠٠٧، وتبلغ قيمة الأصول المتداولة التي تراعي أحكام الشريعة والمعلن عنها وغير المعلن حدود ٧٠٠ مليار دولار في الوقت الراهن.
стр. 1041
٦٩ - شبهات داحضة حول تطبيق الشريعة
قبل الرد:
قبل الرد على الشبهات المتهافتة لأعداء الإسلام وشرعه المُحْكَم من الكفار، ومن المنافقين - الذين يحملون أسماء إسلامية ولكنهم في الحقيقة حرب على الإسلام وأهله - يجب أن يُعلم أنه ليست هناك مقارنة بين شرع الله وشرع البشر، فالأمر كما قال الشاعر:
ألمْ ترَ أن السيفَ ينقصُ قدرُه إذَا ... قِيلَ إنَّ السيفَ أمْضَى من العصَا
وهذه الردود إنما هي بيان لشبهات ثُلة من الجهال ظنوا أنفسهم عقلاء بينما هم في الحقيقة لا يعرفون الفرق بين السيف والعصا، وإلا فالمسلم يكفيه أن يعلم أن هذا الحكم حكم الله فلا يَرُدّ على الله حكمه بل يسلم تسليمًا، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (النساء: ٦٥). وكما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (الأحزاب: ٣٦).
وشريعة الله صالحة لكل زمان ومكان ويكفي أنها من عند الله، وهذا الأمر واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، ولكن العالمانيين وأساتذتهم من اليهود والنصارى يتجاهلون هذه الحقيقة الواضحة؛ فهم كما قال المتنبي:
وَلَيسَ يَصِحُّ في الأَفهامِ شَيءٌ ... إِذا اِحتاجَ النَهارُ إِلى دَليلِ
وكانت هذه الردود حتى لا ينخدع السُذّج من المسلمين بباطل العَلَمانيين الذي يلبسونه ثوب الحق خداعًا وتمويهًا:
إنّ الأفاعِي وإنْ لانَتْ ملامِسُها ... عندَ التقلّبِ في أنيابِها العطبُ
стр. 1042
الشبهة الأولى: أنتم أعلم بأمر دنياكم:
عَنْ أَنَسٍ سدد خطاكم أَنَّ النَّبِىَّ ﵌ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ «لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ». قَالَ فَخَرَجَ شِيصًا فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: «مَا لِنَخْلِكُمْ». قَالُوا: «قُلْتَ كَذَا وَكَذَا»، قَالَ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ». (رواه مسلم).
قصة هذا الحديث أن الرسول ﵌ مَرَّ في المدينة على قوم يؤبرون النخل - أي يلقحونه - فقال: «لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ»، فامتنع القوم عن تلقيح النخل في ذلك العام ظنًا منهم أن ذلك من أمر الوحي، فلم ينتج النخل إلا شيصًا (أي بلحًا غير ملقح، وهو مُرٌّ لا يُؤْكَل)، فلما رآه النبي ﵌ على هذه الصورة سأل عما حدث له، فقَالُوا: «قُلْتَ كَذَا وَكَذَا»، فقَالَ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ».
وفي صحيح مسلم أيضًا عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ: «مَا يَصْنَعُ هَؤُلاَءِ». فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِى الأُنْثَى فَيَلْقَحُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَا أَظُنُّ يُغْنِى ذَلِكَ شَيْئًا». قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِذَلِكَ فَقَالَ: «إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّى إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلاَ تُؤَاخِذُونِى بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّى لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ ».
الجواب:
قصة الحديث واضحة الدلالة فيما تركه الرسول ﵌ للناس من أمور يتصرفون فيها بمعرفتهم، لأنهم أعلم بها وأخبر بدقائقها، إنها المسائل العلمية الفنية التطبيقية التي تتناولها خبرة الناس في الأرض، منقطعة عن كل عقيدة أو تنظيم سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، وهي في الوقت ذاته تصلح للتطبيق مع كل عقيدة وكل تنظيم، لأنها ليست جزءًا من أي عقيدة أو أي تنظيم.
بل إنها حقائق علمية مجردة عن وجود الإنسان ذاته بكل عقائده وكل تنظيماته. كحقيقة اتحاد الأكسجين والهيدروجين لتكوين الماء، وحقيقة انصهار الحديد في درجة
стр. 1043
كذا مئوية. هي حقائق ليسن ناشئة عن وجود الإنسان. وإنما هي سابقة له، موجودة منذ وجدت هذه العناصر في الكون. وقصارى تدخل الإنسان فيها أن يكتشفها ويعرفها، ثم يستغلها لصالحه، ويطبقها في حياته العملية.
وقصة النخل لا تخرج عن كونها حقيقة علمية اكتشفها الإنسان فطبقها في حياته العملية: حقيقة التلقيح والإخصاب في عالم النبات. وهي عملية لا يتم بدونها تكون الثمرة ونضجها على النحو المعروف.
والرسول ﵌ لم يقطع فيها برأي - كما هو ظاهر من الحديث - وإنما قال: «إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا» ولعل الشك الذي ساوره ﵌ قد جاء من اعتقاده بأن الله لا بد أن يكون قد أودع فطرة الحياة ما تتم به عملياتها البيولوجية دون حاجة إلى تدخل الإنسان. هي إذن المسائل التكنيكية البحتة بتعبيرنا العلمي الحديث، المسائل التي يتحصل عليها المؤمنون والكفار سواء، ولا تؤثر بذاتها في عقيدة القلب أو اتجاه الشعور.
ومع ذلك فإن فريقًا من الناس يريدون أن يفهموا منها غير ما قصده الرسول ﵌ وحدده. يريدون أن يبسطوها حتى تشمل الحياة الدنيا كلها، بتشريعاتها وتطبيقاتها، باقتصادياتها واجتماعياتها، بسياساتها وتنظيماتها. فلا يدَعُون لدين الله ولا لرسول الله ﵌ مهمة غير «تنظيف القلب البشري وهدايته» بالمعنى الروحي الخالص، الذي لا شأن له بواقع الحياة اليومي، ولا شأن له بتنظيم المجتمع وسياسة الأمور فيه. ثم يسندون هذا اللون من التفكير للرسول ﵌، ويجعلونه هو ﵌ شاهدًا عليه!!
ولكن قليلًا من النظر كان جديرًا أن يردهم إلى التفكير الصائب والتقدير الصحيح، ويرفع عنهم هذه الذِلة الفكرية التي يعانونها إزاء الغرب، فتلوي أفكارهم - بوعي أو بغير وعي - وتفسد مشاعرهم فينحرفون عن السبيل.
стр. 1044
لو كان الإسلام رسالة روحية بالمعنى المفهوم لهذا اللفظ - المعنى الوجداني الخالص الذي لا شأن له بواقع الحياة اليومي - ففيم إذن كان هذا الحشد الهائل من التشريعات والتوجيهات في القرآن والحديث؟!! وفيم إذن يقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، ثم يعقب في نفس الآية بالتهديد للمخالفين: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
فيم هذا كله إذا كانت المسألة هي «تنظيف القلب» ليس غير؟!
إن تنظيف القلب البشري مهمة ضخمة دون شك. مهمة تحتاج إلى رسول. وإنها - حين تنجح - هي الضمان الأول لسلامة الحياة كلها واستقامتها ونظافتها. فإن أخفقت، فلا ضمان! والإسلام يوجه لهذا القلب أكبر عناية يمكن أن يوجهها إليه نظام أو دين. فهو يربطه دائما بالله، ويوجهه دائمًا لخشيته وتقواه والعمل على رضاه. ثم هو يتتبع هذا القلب في كل نزعة من نزعاته، وكل ميل من ميوله، في الأعمال الظاهرة والمشاعر المستترة، في السر الذي يخفى على الناس ولا يخفى على الله، بل فيما هو أخفى من السر، من المشاعر الساربة في حنايا الضمير.
يتتبعه في كل ذلك، عملًا عملًا وخاطرًا خاطرًا وفكرة فكرة، فينظفها بخشية الله، والحياء من رقابته الدائمة التي لايغيب عنها شيء في الأرض ولا في السماء، ويوجهه إلى صفحة الكون الواسعة، وما فيها من آيات الله ، ليَمْسَح عنه الغلظة التي تحجر المشاعر، والغبش الذي يحجب عنه النور، ويطلقه من إسار الشهوات والضرورات التي تُثْقِله وتشده إلى الأرض، لينطلق خفيفًا صافيًا شفيفًا يسبح الله ويفرح بهداه.
نعم، يبذل الإسلام ذلك الجهد الضخم كله «لتنظيف القلب»، ومن صميم مهمة الدين إذن في تنظيف القلب كانت هذه التشريعات وهذه التوجيهات التي تتناول الأسرة والمجتمع، وسياسة الحكم، وسياسة المال.
стр. 1045
يستوي في ذلك التشريع الاقتصادي، والتشريع السياسي، والتشريع الجنائي، والتشريع المدني، والتشريع الدولي، والتوجيهات العديدة المتعلقة بكل هذه الشئون.
ولم يكن الإسلام - وهو جاد في تناول الإنسان والحياة البشرية بالتنظيم والتنظيف - لِيغفل هذه الشئون الواقعية كلها، وينصرف إلى تهذيب الضمير في عالم المثل والأحلام.
ولم يكن رسول الإسلام ﵌ ليتخلى عن مهمته الهائلة في ذلك الشأن، وينفض يديه منها، ويقول للناس: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ»، أي تصرفوا أنتم في تشريعاتكم وتنظيماتكم، في سياسة المال وفي سياسة الحكم، في علاقات المجتمع، وفي القوانين التي تنظم الحياة.
كلا! لم يكن ليفعل ذلك. ولو فعل فما أدى إذن رسالة الله. والله هو الذي يقول له في مجال التكليف: قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ (الجاثية: ١٨).
الشبهة الثانية:
أثر عمر ﵁ في عدم قطع يد السارق في عام المجاعة:
الجواب:
هذا الأثر لم يثبت عن عمر ﵁ فقد رواه ابن أبي شيبة في (المصنف ١٠/ ٢٨) بإسناد فيه مجهولان كما قال الشيخ الألباني في (إرواء الغليل)، برقم (٢٤٢٨).
وقد رواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٧)، وعبد الرزاق في (المصنف) برقم (١٨٩٩٠) وفيه تدليس ابن جريج، وانقطاع بين يحيى بن أبي كثير وبين عمر؛ على أنه يدور على نفس السند الأول فإن الرجلين المجهولين هما الساقطان بين يحيى وبين عمر. ثم رواه عبد الرزاق برقم (١٨٩٩١) لكن فيه أبان، وهو ابن أبي عياش: ضعيف الحديث جدًا؛ فلا يُعْتَد بهذا الطريق، على أنها منقطعة بين أبان وبين عمر أيضًا!
стр. 1046
والخلاصة:
لم يصح هذا عن عمر؛ ولو صح فلا علاقة له بما يقوله أعداء الشريعة؛ لأن هذا ليس بإسقاط لحد؛ بل هو درءٌ لحد القطع بسبب الشبهة، وهي المجاعة ها هنا.
حتى وإن صحت الروايه فإن عمر سدد خطاكم حين أسقط القطع عن السارق في عام المجاعة، لم يشرع عقوبة جديدة للسارق، وإنما رأى أن هناك شبهات تدرأ الحدّ؛ فإن السَنة إذا كانت سَنة مجاعة وشدة غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج.
وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون ولا يتميز المستغنى منهم والسارق لغير حاجة من غيره فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه، فدُرِئ، نعم إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغن عن السرقة قُطِع» (١).
فكل ما فعله الخليفة الراشد أنه أسقط الحد لقيام مانع أو عدم توافر شرط، ولذلك ذكر ابن القيم أنه إذا بان أن السارق لا حاجة به حتى في عام المجاعة، فلابد من إقامة الحد عليه، فأين هذا مما هو حادث الآن من التشريع من دون الله ؟!
الشبهة الثالثة:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ (التوبة:٦٠). فهل أبطل عمر سدد خطاكم سهم المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة؟
стр. 1047
الجواب:
أولًا: لم أجد بعد بحثي القاصر مَن صحح هذه الرواية عن عمر سدد خطاكم، بل وجدت الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية قد ذكرها بصيغة التمريض التي توحي بضعف الرواية، فقال: «وهل تعطى المؤلفة على الإسلام بعد النبي ﵌؟ فيه خلاف، فرُوِيَ عن عمر، وعامر الشعبي وجماعة: أنهم لا يُعطَون بعده؛ لأن الله قد أعز الإسلام وأهله، ومَكَّن لهم في البلاد، وأذل لهم رقاب العباد.
وقال آخرون: بل يُعطَون؛ لأنه ﵊ قد أعطاهم بعد فتح مكة وكسر هَوازن، وهذا أمر قد يُحْتَاجُ إليه فيصرف إليهم.
ثانيًا: هل أبطل عمر سدد خطاكم شرع الله؟ أم إنه نظر في دواعي التطبيق، فوجد - باجتهاده - أن الداعي لتأليف القلوب لم يَعُدْ قائمًا بعد أن أعز الله الإسلام، فلم يَعْدْ لهذا السهم باب للإنفاق فيه في تلك الحالة، وهي عزة الإسلام، ودخول الناس فيه طواعية أو خضوعًا للغالب المنتصر، وفي كلتا الحالتين لا يحتاج الأمر إلى تأليف القلوب، فالذي دخل طواعية مؤمن صادق قد استقر الإيمان في قلبه، والذي دخل خضوعًا للغالب المنتصر قد وجد السبب الذي يدعوه للإسلام فدخل فيه استجابة لذلك السبب، وهو كافٍ عنده للدخول فيه.
لو قال عمر سدد خطاكم: إن هناك من نحتاج إلى تأليف قلبه للإسلام، لأن الإسلام لم يتمكن في الأرض بعد، ولكني أرى مع ذلك ألا أنفق هذا السهم من الزكاة لتأليف القلوب. لو قال ذلك - وحاشا لعمر المؤمن التَقِيّ أن يقوله - لَوَقَعَتْ عندئذ المخالفة التي لا تُقْبَل من عمر ولا غير عمر، لأنها تكون عندئذ تغييرًا وتبديلًا في شرع الله.
أما قيام حالة لا يكون النص منطبقًا فيها، فلا يطبق النص لعدم انطباقه على الحالة القائمة، فتصرُفٌ أبعد ما يكون عن التغيير أو التبديل في شرع الله. ونأخذ مثالًا من حالة أخرى للتوضيح.
стр. 1048
يقول يحيى بن سعيد: «بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية فاقتضَيْتُها، فطلبْتُ فقراء أعطيها لهم فلم أجد، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس. فاشتريت بها رقيقًا فأعتقْتُهم». فهل نقول إن عمر بن عبد العزيز ﵀ أبطل الشريعة أو عدَّل فيها لأنه لم ينفق سهم الفقراء من أموال الزكاة؟ أم نقول إنه وجدت حالة لم ينطبق فيها النص فلم يطبق؟
وكذلك تصرف عمر بن الخطاب سدد خطاكم، سواء في عدم تطبيق حد السرقة عام الرمادة، أو وقف إنفاق السهم الخاص بالمؤلفة قلوبهم من أموال الزكاة.
فأين من هذا دعوة الداعين إلى إعطاء (أولياء الأمور) حق إبطال الشريعة بكاملها والاستعاضة عنها بالشرائع الجاهلية بحجة عدم مناسبة الأحوال؟!
إن (ولي الأمر) في الإسلام يكون شرط تَوْلِيَتِه، الذي يعطيه شرعية تولي الأمر، والذي بدونه لا تكون له شرعية، هذه الشرط هو تطبيق شريعة الله ، فكيف يكون من حقه إبطال شرط توليته ومصدر شرعيته؟!
وولي الأمر له على رعيته حق السمع والطاعة، ولكن في حدود طاعته هو لله ورسوله، فإن عصى الله ورسوله - بتعطيل شيء من شرع الله - فلا طاعة له على الناس.
ثم كيف يتصور أحد حين يخرج ولي الأمر عن طاعة الله ورسوله بإبطال شريعة الله، يكون له حق السمع والطاعة على رعيته، ورسول الله ﵌ يقرر أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ؟ وقد قال ﵌: «لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ» (رواه البخاري ومسلم).
فليس لولي الأمر أن يتصرف في الشريعة بالإبطال أو التعديل أو الاستبدال؛ لأن هذا الحق ليس لأحد على الإطلاق، لا الحاكم ولا المحكوم. ولا يوجد سبب واحد في الأرض يبرر لولي الأمر أن يفعل ذلك. لا الله أذِنَ له، ولا السوابق التي يتصيدونها من تصرفات عمر سدد خطاكم – إن صحت عنه - تؤيدهم فيما يذهبون إليه. ومحك الإيمان،
стр. 1049
الذي بينه الله في كتابه المنزل هو التحاكم إلى شرع الله أو الإعراض عنه؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾ (النور: ٤٦ – ٥٠).
فهؤلاء يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾، ثم يزيدون على ذلك فيزعمون أنهم مطيعون لله ورسوله، والله يقول عنهم ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ فينفي عنهم ما زعموه من دعوى الإيمان، ويبين أن السبب في نفي الإيمان عنهم أنهم إذا دُعُوا إلى شريعة الله أعرضوا عنها، إلا حين يكون لهم مصلحة ذاتية في تطبيقها! ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ويبين تعالى موقف المؤمنين الحقيقيين إذا دعوا إلى شريعة الله فإنهم على الفور يقولون سمعنا وأطعنا، بصرف النظر عما يصيب ذواتهم من تطبيقها، إنما هي الطاعة المطلقة لله ورسوله، هي صفة المؤمنين، وهي سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ (النور: ٥١).
والخلاصة أن عمر بن الخطاب ما أسقط سهم المؤلفة قلوبهم وما كان في استطاعته أن يسقط نصًّا قرآنيًّا، ولكن عمر منع إعطاء أناس كانوا يأخذون في عهد الرسول ﵌ وعهد الصديق سدد خطاكم كالزبرقان بن بدر وغيره، فهو ما اعتبر إعطاءهم حقهما مكتسبًا، بل اعتبر مثل هذا العطاء موقوفًا بحال الشخص وحال المسلمين.
وقد يقول: ولكنه لم يعط غيره، ونقول: إنه رأى أنه لا موضع لتطبيق النص؛ لعدم حاجة المسلمين إليه، ومثل ذلك سهم المَدِينِين، فهل يُعَدّ إسقاطًا للسهم إذا لم
стр. 1050
يجد مدينًا يُسَدّ عنه، وكذلك سهم الرقاب فهل يعد إسقاطًا للسهم إذا لم يوجد عبد مسلم يُعْتَق.
فعمر سدد خطاكم استغنى في زمنه عن إعطاء المؤلفة قلوبهم فترك ذلك لعدم الحاجة إليه لا لنسخه كما لو فُرض أنه عُدم في بعض الأوقات ابن السبيل، والغارم ونحو ذلك.
الشبهة الرابعة:
من الشبهات التي يعترض بها البعض أن القول بإسلامية الدولة يعني عدم إمكانية سؤال الحاكم أو محاسبته فيقولون: كَوْن الدولة إسلامية أو شرعية أو دينية يمنع من نقد الحكام عند وقوعهم في الخطأ، ويجعلهم في مكانة عالية لا يقدر أحد على حسابهم، إذ كل ما يقولونه فهو تعبير عن الإرادة الإلهية.
الجواب:
أنتم تتحدثون عن دين غير دين الإسلام، وإلا فَأْتُوا لنا بآية أو حديث يدل على هذا الزعم، أو يمكن أن يستفاد منه هذا الزعم، ثم هذا تاريخ المسلمين مَنْ مِن الحكام ادعى هذه المنزلة؟ ومَنْ مِن أهل العلم قال بشيء مثل ذلك؟
وأمامكم سِيَرُ الخلفاء حيث كانت رعيتهم تنصحهم وتنتقد عليهم ما يرونه خطأ من تصرفاتهم، والأمثلة كثيرة وهي معلومة لكثير من الناس ومعلومة لكم أيضا، بل حتى في أشد المواقف حُلكة كان الناس يراجعون ولاة أمورهم أو يعترضون عليهم، فهذا أبو بكر ﵁ عندما أراد قتال مانعي الزكاة، بعد وفاة الرسول ﵁ عارضه عمر ﵁، فلم يمنعه أبو بكر من ذلك، بل بَيَّن له بالدليل صواب موقفه، حتى اقتنع عمر ﵄ بذلك.
ولو قُدِّر أن هناك أحدًا من الولاة منع من ذلك لَعُدَّ عند الناس ظالمًا مما يعني أن الثقافة الشعبية لا تقبل مثل هذا الادعاء.
стр. 1051
الشبهة الخامسة:
من الشبهات أن الدولة الإسلامية أو الشرعية أو الدينية يترتب عليها ظلم المخالفين في الدين.
الجواب:
هذا مجرد ادعاء عارٍ عن الدليل كما أن التاريخ والسيرة العملية التي درج عليها المسلمون في تعاملهم مع المقيمين بينهم من أهل الديانات المغايرة لدين الإسلام، تدحض ذلك.
أما إذا كانت هناك حالات فردية يقع فيها بعض الناس في ذلك، فلا يَسْلَم مِن ذلك أحد سواء في معاملته مع هو من أهل دينه أو مع من يختلف معه، وإنما الشأن أن يكون النظام العام هو الذي يشرع ذلك أو يقبله.
الشبهة السادسة:
من الشبهات: أن يقال أن الدولة الإسلامية أو الدينية تحمل المخالفين على تغيير دينهم: وهذا أيضًا ادعاء لا يعضده نصوص شرعية أو واقع تاريخي، والغريب أن هؤلاء الذين أهمهم هذا الأمر، لم يهمهم أمر الأمة كلها، فهم من أجل ألا يحمل المخالفون على تغيير دينهم بزعمهم، يطالبون الأمة بأن تتخلى عن التمسك بدينها في السياسة والاقتصاد والقضاء والمعاملات، والرجوع في ذلك كله إلى عقول الناس وخبرتهم.
وهذا من أغرب أنواع الظلم؛ إذ بزعم العدل مع المقيمين من غير المسلمين في بلاد المسلمين، يُظلم المسلمون أنفسهم في بلادهم، وهل هناك ظلم أشد من أن يُحمل المسلمون على ترك الكثير من أمور دينهم.
стр. 1052
٧٠ - شبهات داحضة حول تطبيق الشريعة
الشبهة السابعة:
أن العقوبات الشرعية تتسم بالقسوة والهمجية التي تبعث على الاشمئزاز ولا تتناسب وروح هذا العصر، وإنسانيته، وحمايته لحقوق الإنسان وكرامته.
الجواب: هذه شبهة داحضة من وجوه:
أولًا: أن العقوبة ليست مكافأة على عمل مبرور، وإنما هي جزاء مقرر على ارتكاب جريمة، يقصد به الإيلام والردع، وإذا لم تكن العقوبة مؤلمة؛ فليس لتطبيقها أي أثر في الزجر والردع. حتى تأديب الرجل ولده؛ لا بد أن يكون فيه شيء من الإيلام والقسوة، ليتأتى تأديبه وإصلاحه.
وقديمًا قال الشاعر الحكيم:
فقسا ليزدجروا، ومَنْ يَكُ حازمًا ... فليَقْسُ أحيانًا على مَنْ يرحمُ
ولا شك أن الإنسان يتمنى ألا توجد في المجتمع جريمة أبدًا، حتى لا توجد عقوبات أصلًا؛ بحيث يفهم كل فرد ما له فيقتصر عليه، وما عليه فيؤديه عن طواعية واختيار. ولكن هذا حُلم لا يمكن أن يتحقق، ورغبة خيالية تصطدم بالواقع
المعاش. فهناك نفوس جاهلة حمقاء لا تلتزم بما لها وما عليها، ونفوس شريرة ظالمة قد تأصّل فيها الإجرام والإفساد، وسعت للإضرار بالآخرين وبخسهم حقوقهم.
والحياة لا يمكن أن تستقيم وتنتظم إلا بالالتزام، واحترام حقوق الآخرين، وعدم المضارة بهم. فمن خرج عن هذا الالتزام، وسعى للإضرار بنفسه وبغيره، كان ردعه واجبًا عقلًا وشرعًا، ولا ردع إلا بقسوة وإيلام. واسم العقوبة مشتق من
العقاب، ولا يكون العقاب عقابًا إذا كان موسومًا بالرخاوة والضعف.
стр. 1053
فعنصر القسوة - إذًا - يمثل الركن الأساسي لمعنى العقوبة، فلو فُقدت القسوة فُقدت معها العقوبة بدون شك.
ولكن ما هي الدرجة التي يجب أن تقف عندها قسوة العقوبة على جريمة ما؟ إن الذي يحدد هذه الدرجة هو تصور مدى خطورة الجريمة التي استلزمتها؛ أي أن القسوة يجب أن تكون ملائمة للجريمة، فتزيد بزيادة خطورتها وشدة آثارها، وتنقص بنقص ذلك.
وهذه الحقيقة محل وفاق عند جميع المشتغلين بالتشريع والتقنين، مهما اختلفوا في تحليل فلسفة العقاب. وإن اختلاف القوانين العقابية الوضعية أكبر شاهد على ذلك.
فإذا كان في الناس من يصف العقوبات الشرعية بقسوة زائدة على مقتضى هذه القاعدة التي لا خلاف فيها؛ فسبب ذلك أنهم يخطئون في تقويم خطورة الجرائم التي رتبت عليها هذه العقوبات، دون أن يعتبروا في ذلك نظرة المشرِّع لها، وتقويمه لخطورتها.
والعجيب أن خصوم الشريعة الإسلامية يدركون هذه الحقيقة، ويفقهون هذا المعنى، عندما يكون البحث متعلقًا بقانون من القوانين الوضعية. فرُبَّ كلمة لا نرى بها بأسًا، يتفوه بها فرد من رعايا دولة تطبق قانونًا وضعيًا؛ تواجهه بسببها عقوبة الإعدام. ورُبَّ فاحشة عظمى يجب مكافحتها، تشيع بين رعايا تلك الدولة؛ فلا يُؤْبَهُ بها، ولا يلتفت إليها بأي نقد أو استنكار! وليس أيسر على خصوم الشريعة الإسلامية من أن يدافعوا عن كلا المذهبين؛ بأن كل أمة إنما تسن قوانينها حسب مبادئها وفلسفتها التي تنظر بها إلى الإنسان والكون والحياة.
أفيحق لكل أمة أن تسن ما تشاء من قوانين الردع والزجر، حسب نظرتها إلى الكون والإنسان والحياة - خطأ كانت النظرة أم صوابًا -، ثم لا يحق لخالق الكون والإنسان والحياة أن يشرع هو الآخر قوانين الردع والزجر بما يتفق مع مقاصد شريعته، ويتسق مع نظام كونه، ويحقق مصالح عباده؟!!
стр. 1054
والحكمة في تغليظ العقوبات الشرعية التي توصف بالوحشية والهمجية، من قتل القاتل، ورجم الزاني، وقطع السارق، وغيرها من العقوبات المقدرة؛ ظاهرة جلية؛ فإن هذه الجرائم هي أمهات المفاسد، وكل واحدة منها تتضمن اعتداء على واحدة أو أكثر من المصالح الخمس الكبرى، والتي أجمعت الشرائع والعقلاء في كل زمان على وجوب حفظها وصيانتها؛ لأنها لا يمكن أن تستقيم الحياة بدونها. ولأجل هذا كان المرتكب لشيء منها جديرًا بأن تغلّظ عليه العقوبة، حتى تكون زاجرة له، ورادعة لغيره.
وها هي ذي الجرائم الكبرى تعصف بكثير من الدول التي لا تطبق الشريعة الإسلامية، مع كل ما توفر لها من إمكانيات وقدرات، وتقدم مادي وتقني، وأجهزة أمنية وإدارية واستخبارية.
ثانيًا: أن هؤلاء الطاعنين في هذه العقوبات قد اعتبروا مصلحة المجرم، ونسوا مصلحة المجتمع، وأشفقوا على الجاني، وأهملوا الضحية، واستكثروا العقوبة، وغفلوا عن قسوة الجريمة. ولو أنهم قرنوا العقوبة بالجريمة، ولاحظوا الاثنتين معًا، لخرجوا موقنين بالعدالة في العقوبات الشرعية، ومساواتها لجرائمها.
فإذا استحضرنا مثلًا فعل السارق وهو يسير في جنح الظلام متخفيًا، ينقب الجدار، ويكسر القفل، ويُشهر السلاح، ويروّع الآمنين، هاتكًا حرمة البيوت، وعازمًا على قَتْلِ مَن يقاومه، وكثيرًا ما تقع جريمة القتل كوسيلة يتذرع بها السارق
إلى إتمام سرقته، أو الفرار من تبعاتها فيقتل من غير تمييز.
وإذا تصورنا حالة النساء والأطفال في البيت وهم يستيقظون ويفتحون أعينهم على وجه السارق المرعب الشرس، وهو شاهرٌ سلاحَه يهدد من يواجهه.
وتصورنا ما يُحدثه فعل السارق من قلق عند الناس جميعًا، وتعطيل لحركتهم، وبث للرعب في نفوسهم، وإذهاب لطاقاتهم في حماية أموالهم، وتأمينها بالمغاليق والأقفال؛ لأن السارق يبغي المال، وهو موجود عندهم جميعًا، فهم معَرّضون لإجرامه
стр. 1055
دون تمييز. لو تصورنا هذا أو بعضه مما يحدثه فعل السارق، ثم قارناه بقطع يده الآثمة الظالمة؛ لَمَا قلنا عن عقوبته: إنها قاسية ظالمة.
وهكذا الشأن في بقية العقوبات، علينا أن نستحضر جرائمها، وما فيها من أخطار وأضرار، وظلم واعتداء، حتى نستيقن أن الله تعالى قد شرع لكل جريمة ما يناسبها، وجعل الجزاء من جنس العمل، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: ٤٦).
ثالثًا: أن الله تعالى أراد للناس أن يعيشوا آمنين مطمئنين، ولن يتيسر لهم ذلك إلا ببتر الفاسدين وقطع دابرهم. وهذه سنة الله في خلقه: فإن الإنسان إذا كان فيه عضو فاسد، لا علاج له إلا بقطعه كله أو بعضه، فلا مناص من الإقدام على ذلك. وهذا الطبيب الذي يستأصل بمبضعه المرهف هذا العضو الفاسد من جسم أخيه؛ أليس ضربه المبضع في لحمه، وقطعه الجزء الفاسد من جسمه مظهرًا من مظاهر القسوة؟!
ولكن هذه القسوة هي عين الحكمة والرحمة والمصلحة، بخاصة إذا قيست بما يترتب على تركها من هلاك وتلف، وما ينشأ عنها من آلام وأوجاع تفوق مصلحة بقائها.
والمجتمع هو الجسم كله، وما الفرد الفاسد إلا عضو من أعضائه. فهي تحفظ للمجتمع حقه، ولا تضحي به في سبيل الأفراد الخارجين عليه.
والعقوبة التي تحابي هؤلاء الأفراد على حساب الجماعة؛ إنما تضيع مصلحة الفرد والجماعة معًا؛ لأنها تؤدي إلى ازدياد الجرائم واختلال الأمن، وانحلال المجتمع، وإذا دبَّ الانحلال في مجتمع، فقُلْ على الأفراد وعلى المجتمع العفاء.
قال عز الدين بن عبد السلام: «وربما كانت أسباب المصالح مفاسد، فيؤمر بها أو تباح؛ لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى المصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظًا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد. وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد، بل لأدائها إلى المصالح المقصودة من شرعها، كقطع