← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36157

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ

شحاتة صقر

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الشبهة الخامسة: من الشبهات أن الدولة الإسلامية أو الشرعية أو الدينية يترتب عليها ظلم المخالفين في الدين. الجواب: هذا مجرد ادعاء عارٍ عن الدليل كما أن التاريخ والسيرة العملية التي درج عليها المسلمون في تعاملهم مع المقيمين بينهم من أهل الديانات المغايرة لدين الإسلام، تدحض ذلك. أما إذا كانت هناك حالات فردية يقع فيها بعض الناس في ذلك، فلا يَسْلَم مِن ذلك أحد سواء في معاملته مع هو من أهل دينه أو مع من يختلف معه، وإنما الشأن أن يكون النظام العام هو الذي يشرع ذلك أو يقبله. الشبهة السادسة: من الشبهات: أن يقال أن الدولة الإسلامية أو الدينية تحمل المخالفين على تغيير دينهم: وهذا أيضًا ادعاء لا يعضده نصوص شرعية أو واقع تاريخي، والغريب أن هؤلاء الذين أهمهم هذا الأمر، لم يهمهم أمر الأمة كلها، فهم من أجل ألا يحمل المخالفون على تغيير دينهم بزعمهم، يطالبون الأمة بأن تتخلى عن التمسك بدينها في السياسة والاقتصاد والقضاء والمعاملات، والرجوع في ذلك كله إلى عقول الناس وخبرتهم. وهذا من أغرب أنواع الظلم؛ إذ بزعم العدل مع المقيمين من غير المسلمين في بلاد المسلمين، يُظلم المسلمون أنفسهم في بلادهم، وهل هناك ظلم أشد من أن يُحمل المسلمون على ترك الكثير من أمور دينهم.

стр. 1052

٧٠ - شبهات داحضة حول تطبيق الشريعة الشبهة السابعة: أن العقوبات الشرعية تتسم بالقسوة والهمجية التي تبعث على الاشمئزاز ولا تتناسب وروح هذا العصر، وإنسانيته، وحمايته لحقوق الإنسان وكرامته. الجواب: هذه شبهة داحضة من وجوه: أولًا: أن العقوبة ليست مكافأة على عمل مبرور، وإنما هي جزاء مقرر على ارتكاب جريمة، يقصد به الإيلام والردع، وإذا لم تكن العقوبة مؤلمة؛ فليس لتطبيقها أي أثر في الزجر والردع. حتى تأديب الرجل ولده؛ لا بد أن يكون فيه شيء من الإيلام والقسوة، ليتأتى تأديبه وإصلاحه. وقديمًا قال الشاعر الحكيم: فقسا ليزدجروا، ومَنْ يَكُ حازمًا ... فليَقْسُ أحيانًا على مَنْ يرحمُ ولا شك أن الإنسان يتمنى ألا توجد في المجتمع جريمة أبدًا، حتى لا توجد عقوبات أصلًا؛ بحيث يفهم كل فرد ما له فيقتصر عليه، وما عليه فيؤديه عن طواعية واختيار. ولكن هذا حُلم لا يمكن أن يتحقق، ورغبة خيالية تصطدم بالواقع المعاش. فهناك نفوس جاهلة حمقاء لا تلتزم بما لها وما عليها، ونفوس شريرة ظالمة قد تأصّل فيها الإجرام والإفساد، وسعت للإضرار بالآخرين وبخسهم حقوقهم. والحياة لا يمكن أن تستقيم وتنتظم إلا بالالتزام، واحترام حقوق الآخرين، وعدم المضارة بهم. فمن خرج عن هذا الالتزام، وسعى للإضرار بنفسه وبغيره، كان ردعه واجبًا عقلًا وشرعًا، ولا ردع إلا بقسوة وإيلام. واسم العقوبة مشتق من العقاب، ولا يكون العقاب عقابًا إذا كان موسومًا بالرخاوة والضعف.

стр. 1053

فعنصر القسوة - إذًا - يمثل الركن الأساسي لمعنى العقوبة، فلو فُقدت القسوة فُقدت معها العقوبة بدون شك. ولكن ما هي الدرجة التي يجب أن تقف عندها قسوة العقوبة على جريمة ما؟ إن الذي يحدد هذه الدرجة هو تصور مدى خطورة الجريمة التي استلزمتها؛ أي أن القسوة يجب أن تكون ملائمة للجريمة، فتزيد بزيادة خطورتها وشدة آثارها، وتنقص بنقص ذلك. وهذه الحقيقة محل وفاق عند جميع المشتغلين بالتشريع والتقنين، مهما اختلفوا في تحليل فلسفة العقاب. وإن اختلاف القوانين العقابية الوضعية أكبر شاهد على ذلك. فإذا كان في الناس من يصف العقوبات الشرعية بقسوة زائدة على مقتضى هذه القاعدة التي لا خلاف فيها؛ فسبب ذلك أنهم يخطئون في تقويم خطورة الجرائم التي رتبت عليها هذه العقوبات، دون أن يعتبروا في ذلك نظرة المشرِّع لها، وتقويمه لخطورتها. والعجيب أن خصوم الشريعة الإسلامية يدركون هذه الحقيقة، ويفقهون هذا المعنى، عندما يكون البحث متعلقًا بقانون من القوانين الوضعية. فرُبَّ كلمة لا نرى بها بأسًا، يتفوه بها فرد من رعايا دولة تطبق قانونًا وضعيًا؛ تواجهه بسببها عقوبة الإعدام. ورُبَّ فاحشة عظمى يجب مكافحتها، تشيع بين رعايا تلك الدولة؛ فلا يُؤْبَهُ بها، ولا يلتفت إليها بأي نقد أو استنكار! وليس أيسر على خصوم الشريعة الإسلامية من أن يدافعوا عن كلا المذهبين؛ بأن كل أمة إنما تسن قوانينها حسب مبادئها وفلسفتها التي تنظر بها إلى الإنسان والكون والحياة. أفيحق لكل أمة أن تسن ما تشاء من قوانين الردع والزجر، حسب نظرتها إلى الكون والإنسان والحياة - خطأ كانت النظرة أم صوابًا -، ثم لا يحق لخالق الكون والإنسان والحياة أن يشرع هو الآخر قوانين الردع والزجر بما يتفق مع مقاصد شريعته، ويتسق مع نظام كونه، ويحقق مصالح عباده؟!!

стр. 1054

والحكمة في تغليظ العقوبات الشرعية التي توصف بالوحشية والهمجية، من قتل القاتل، ورجم الزاني، وقطع السارق، وغيرها من العقوبات المقدرة؛ ظاهرة جلية؛ فإن هذه الجرائم هي أمهات المفاسد، وكل واحدة منها تتضمن اعتداء على واحدة أو أكثر من المصالح الخمس الكبرى، والتي أجمعت الشرائع والعقلاء في كل زمان على وجوب حفظها وصيانتها؛ لأنها لا يمكن أن تستقيم الحياة بدونها. ولأجل هذا كان المرتكب لشيء منها جديرًا بأن تغلّظ عليه العقوبة، حتى تكون زاجرة له، ورادعة لغيره. وها هي ذي الجرائم الكبرى تعصف بكثير من الدول التي لا تطبق الشريعة الإسلامية، مع كل ما توفر لها من إمكانيات وقدرات، وتقدم مادي وتقني، وأجهزة أمنية وإدارية واستخبارية. ثانيًا: أن هؤلاء الطاعنين في هذه العقوبات قد اعتبروا مصلحة المجرم، ونسوا مصلحة المجتمع، وأشفقوا على الجاني، وأهملوا الضحية، واستكثروا العقوبة، وغفلوا عن قسوة الجريمة. ولو أنهم قرنوا العقوبة بالجريمة، ولاحظوا الاثنتين معًا، لخرجوا موقنين بالعدالة في العقوبات الشرعية، ومساواتها لجرائمها. فإذا استحضرنا مثلًا فعل السارق وهو يسير في جنح الظلام متخفيًا، ينقب الجدار، ويكسر القفل، ويُشهر السلاح، ويروّع الآمنين، هاتكًا حرمة البيوت، وعازمًا على قَتْلِ مَن يقاومه، وكثيرًا ما تقع جريمة القتل كوسيلة يتذرع بها السارق إلى إتمام سرقته، أو الفرار من تبعاتها فيقتل من غير تمييز. وإذا تصورنا حالة النساء والأطفال في البيت وهم يستيقظون ويفتحون أعينهم على وجه السارق المرعب الشرس، وهو شاهرٌ سلاحَه يهدد من يواجهه. وتصورنا ما يُحدثه فعل السارق من قلق عند الناس جميعًا، وتعطيل لحركتهم، وبث للرعب في نفوسهم، وإذهاب لطاقاتهم في حماية أموالهم، وتأمينها بالمغاليق والأقفال؛ لأن السارق يبغي المال، وهو موجود عندهم جميعًا، فهم معَرّضون لإجرامه

стр. 1055

دون تمييز. لو تصورنا هذا أو بعضه مما يحدثه فعل السارق، ثم قارناه بقطع يده الآثمة الظالمة؛ لَمَا قلنا عن عقوبته: إنها قاسية ظالمة. وهكذا الشأن في بقية العقوبات، علينا أن نستحضر جرائمها، وما فيها من أخطار وأضرار، وظلم واعتداء، حتى نستيقن أن الله تعالى قد شرع لكل جريمة ما يناسبها، وجعل الجزاء من جنس العمل، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: ٤٦). ثالثًا: أن الله تعالى أراد للناس أن يعيشوا آمنين مطمئنين، ولن يتيسر لهم ذلك إلا ببتر الفاسدين وقطع دابرهم. وهذه سنة الله في خلقه: فإن الإنسان إذا كان فيه عضو فاسد، لا علاج له إلا بقطعه كله أو بعضه، فلا مناص من الإقدام على ذلك. وهذا الطبيب الذي يستأصل بمبضعه المرهف هذا العضو الفاسد من جسم أخيه؛ أليس ضربه المبضع في لحمه، وقطعه الجزء الفاسد من جسمه مظهرًا من مظاهر القسوة؟! ولكن هذه القسوة هي عين الحكمة والرحمة والمصلحة، بخاصة إذا قيست بما يترتب على تركها من هلاك وتلف، وما ينشأ عنها من آلام وأوجاع تفوق مصلحة بقائها. والمجتمع هو الجسم كله، وما الفرد الفاسد إلا عضو من أعضائه. فهي تحفظ للمجتمع حقه، ولا تضحي به في سبيل الأفراد الخارجين عليه. والعقوبة التي تحابي هؤلاء الأفراد على حساب الجماعة؛ إنما تضيع مصلحة الفرد والجماعة معًا؛ لأنها تؤدي إلى ازدياد الجرائم واختلال الأمن، وانحلال المجتمع، وإذا دبَّ الانحلال في مجتمع، فقُلْ على الأفراد وعلى المجتمع العفاء. قال عز الدين بن عبد السلام: «وربما كانت أسباب المصالح مفاسد، فيؤمر بها أو تباح؛ لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى المصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظًا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد. وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد، بل لأدائها إلى المصالح المقصودة من شرعها، كقطع

стр. 1056

السارق، وقطّاع الطريق، وقتل الجناة، ورجم الزناة وجلدهم وتغريبهم، وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية» (١). رابعًا: أن الإسلام قبل أن يستأصل هؤلاء المجرمين، ويقرر عليهم العقوبات الرادعة؛ قد أعذر إليهم: حيث قدم لهم من وسائل التربية والوقاية ما كان يكفي لإبعادهم عن الجريمة التي اقترفوها؛ لو كانت لهم قلوب تعقل، أو نفوس ترحم. ثم إنه لا يطبقها أبدًا حتى يضمن أن الفرد الذي ارتكب الجريمة قد ارتكبها دون مسوّغ ولا شبهة اضطرار. فوقوعه فيها بعد كل هذا دليل على فساده وشذوذه، واستحقاقه للعقوبات الرادعة المؤلمة. فهو مثلًا لا يقطع يد السارق إلا بعد توفير الوسائل التي تمنع من السرقة، فقد عمل على توزيع الثروة توزيعًا عادلًا، وجعل في أموال الأغنياء حقًا معلومًا للفقراء، وأوجب النفقة على الزوج والأقارب، وأمر بإكرام الضيف والإحسان إلى الجار، وجعل الدولة مسؤولة عن كفالة أفرادها بتوفير تمام الكفاية لهم في الحاجات الضرورية من مطعم وملبس ومسكن وغيرها، بحيث يعيشون حياة لائقة كريمة. كما أنها تكفل أفرادها بفتح أبواب العمل الكريم لمن يستطيعه، وتمكين كل قادر من أن يعمل بمقدار طاقته، وتهيئة الفرص المتساوية للجميع. وبذلك يمنع الإسلام الدوافع المعقولة للسرقة، فإن وقعت بعد ذلك؛ فإنه يتحقق من ثبوتها، وانتفاء موانعها، وعدم وجود شبهة تسقطها، كأن يرتكبها بدافع الحاجة والاضطرار.

стр. 1057

وهو يعترف بقوة الدافع الجنسي، وعنف إلحاحه على البشر، ولكنه يعمل على إشباع هذا الدافع بالطريق المشروع: طريق الزواج، فيدعو إلى الزواج المبكر، ويعين العاجز عن تكاليفه المادية بوسائل كثيرة، من الزكاة والصدقات، والنفقة، وبيت المال. كما أنه يحرص على تنظيف المجتمع من كل وسائل الإغراء والإثارة التي تؤجج الغريزة، وتحرك كوامن الشهوة. كما أنه يأمر بغض البصر، وحفظ الفرج، والاستعفاف، ومجاهدة النفس والتسامي بها. ويحرص كذلك على شغل أوقات الفراغ، واستنفاد الطاقة الحيوية الفائضة بالتقرب إلى الله، والمسارعة إلى الخير، وفعل كل ما من شأنه أن يحقق لصاحبه النفع في الدنيا والآخرة. وبذلك كله يمنع الدوافع التي تسوِّغ الجريمة. ثم إذا وقعت فإنه يحتاط احتياطًا شديدًا في إثباتها، فلا يقيمها إلا على مَنْ أقَرّ بها إقرارًا صريحًا أربع مرات، وطلب تطهيره بالحد، ولم يتراجع عن إقراره حتى تنفيذ الحد عليه، أو يكون قد تبجح بارتكابها، حتى يراه أربعة شهود وهو على هذه الحال. وهكذا شأن الإسلام في بقية العقوبات، يعمل على وقاية المجتمع أولًا من دوافع الجريمة، ثم يدرأ الحدود بالشبهات زيادة في الاحتياط. فليست العقوبة هي الوسيلة الأولى أو الوحيدة للإصلاح والتقويم، ولكن حين يأتي دورها في التطبيق، فإنها تمثل مواجهة حاسمة للظاهرة الإجرامية. فهل يبقى بعد ذلك مجال للطعن في عدالة هذه العقوبات ومناسبتها؟!! خامسًا: أن الغاية الكبرى من هذه العقوبات هو التخويف والردع الذي يمنع وقوعها ابتداء، ولا يُحْوِج إلى اللجوء إليها إلا في أضيق الحدود؛ فإن هؤلاء الذين يشنعون بهذه العقوبات يتصورون خطًا أنها كالعقوبات الوضعية، ستطبق كل يوم، وعلى أعداد غفيرة من الناس، فيتصورون في المجتمع الإسلامي مجزرة هائلة: هذا يُجلد، وهذا يُقطع، وهذا يُرجم.

стр. 1058

ولكن الواقع أن هذه العقوبات الرادعة؛ لا تكاد تنفذ إلا في نطاق محدود، وعلى أعداد يسيرة غارقة في الفساد، ومتأصلة في الشر والإفساد، وفي إيذاء الأمة، وزعزعة أمنها واستقرارها. الشبهة الثامنة: العقوبات الشرعية قديمة وجامدة قد عفّى عليها الزمان، وتجاوزتها الحضارة، ولم تعد ملائمة لهذا العصر، عصر التقدم والمدنية، والتحضر التقني والصناعي. فالأخذ بها تقهقر للإنسانية الراقية، ورجعة بها إلى عهود الظلام الدامس، والقرون الوسطى. ولئن كانت هذه العقوبات صالحة للبيئة البدوية التي نزل فيها القرآن، ومناسبة لأولئك الحفاة الجفاة من الأعراب قبل ألف وأربعمائة عام؛ فإنها لا تصلح للعالم المتحضر الحديث، ولا تناسب المتحضرين المتمدينين في القرن العشرين، وكيف يليق بهم أن يخضعوا لقانون نشأ بين جبال مكة والمدينة، وجلاميد الصحراء، وأحراش الجزيرة. الجواب: هذا قول متهافت ساقط من وجوه: ١ - أن العاقل المنصف لا يزن الأحكام والتشريعات بالزمان الذي صدرت فيه أو نُقلت منه، ولا بالبقعة التي جاءت منها أو كانت فيها، ولكن الميزان الذي تُقَوّم به هو مدى صلاحيتها، وتحقيقها للغاية المبتغاة منها. فالعاقل نصير الحق، وناشد الحكمة أنَّى وجدها، ومن أي شخص جاء بها، وفي أي زمان أو مكان وقعت فيه. وهو عدو الباطل، بصرف النظر عن مصدره وعن زمانه ومكانه، ومن دعا إليه وعمل به. وعليه؛ فليس كل قديم مردودًا، ولا كل جديد مقبولًا، ولا كل ما نشأ في البادية فاسدًا، ولا كل ما نشأ في الحضر صالحًا.

стр. 1059

٢ - أن مصدر هذا التشريع ليس بقعة من بقاع الأرض، ولا اجتهادًا بشريًا قاصرًا، وإنما هو شريعة الله التي أنزلها هدى ورحمة للعالمين. فهو لم ينبع من أرض عربية أو أعجمية، ولا اخترعته أدمغة بشرية، وإنما هو حكم الله الذي أوحى به إلى عبده ورسوله محمد ﵌ ليبلغه للناس، وليحملهم تبعة تطبيقه والعمل به. ٣ - أن تعلق هؤلاء بالجديد ونبذهم للقديم؛ ليس مبنيًا على منطق عقلي سليم وإنما هو استجابة لوهم من الأوهام النفسية التي تتعلق بالجديد أيًا كان نوعه، ظنًا منها بأنه لا يزال يحتفظ بذخره ومكنون خيراته، وتعاف القديم مهما كان نوعه أيضًا لتبرمها به وتوهمها بأن الزمن قد استحلب خيراته، وقضى على فوائده، وأن العقل البشري لا بد أن يكون قد تجاوزه إلى ما هو أجدى وأنفع. ولا يجوز لعاقل يحترم عقله أن يستجيب لهذه الإيحاءات النفسية الخاطئة، ويلغي ما يقتضيه العقل السليم، والمنطق الصحيح. ولئن كانت النفس البشرية تخيل لصاحبها أن القديم قد زال نفعه، وجنيت ثماره، فإن العقل السديد يقرر أن قيمة كل قديم وجديد بجدواه وآثاره، وتحقيقه للثمرة المرجوة منه. ورُبّ جديد كان مبعث شقاء ودمار على الإنسان، ورب قديم شهد له العقلاء، والتاريخ الغابر، والواقع المعاصر، على أنه كان ولا يزال مصدر خير وسعادة لكل من ظفر به. ولقد علم كل إنسان أن مقومات الحياة في هذه الدنيا، من شمس وهواء، وأرض وماء، وزرع وضرع؛ لم يُخْلِقْها تعاقب الزمان، وكَرُّ الليالي والأيام! فهل قاطع أصحاب النفوس التي تشمئز من القديم هذه المقومات الأساسية لقِدَمِها؟ وهل تحولوا ساعة عن التعامل معها؟

стр. 1060

والعقوبات المقدرة في الشريعة؛ إنما هي عقوبات على جرائم ثابتة لا يتبدل وجه المفسدة فيها مهما اختلفت الأزمان والأماكن، وتطورت الحياة والنظم. ولهذا فإنها لا تزال صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان. ٤ - أن هذه الشبهة جاءت من قياس العقوبات الشرعية على العقوبات الوضعية التي تتطور مع الزمن، ويحصل فيها التغيير والتبديل بين الحين والحين، تلافيًا لما فيها من الأخطاء، وتحقيقًا لما هو أجدى وأكمل. فقالوا إنه ما دامت القوانين تُلغى أو تُعدل؛ فلم لا نفعل مثل ذلك في العقوبات الشرعية؟!! وهذه نظرة خاطئة إلى الشريعة الإسلامية، ومكمن الخطأ فيها قياس شريعة الله العادلة المحكمة، على الاجتهادات البشرية القاصرة التي تتأثر بما حولها من مؤثرات شخصية أو اجتماعية أو بيئية، أو غيرها. ٥ - أن تحقيق هذه العقوبات الشرعية للأمن، وحمايتها لمصالح الناس، ومكافحتها للجرائم، على مدى القرون الماضية التي طبقت فيها، مع اختلاف البيئات والثقافات والأجناس؛ دليل على أنها تشريع من حكيم خبير، وأنه لا يمكن أن يقوم غيرُها مقامها، ولا أن يحقق الثمرة التي تتحقق من خلالها. الشبهة التاسعة: شبهة في قالب شعري: قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٨). هناك قصة تناقلها أهل التاريخ والأدب، والله أعلم بصحتها حتى لا نتهم أحدًا بما هو منه بريء، فلم ترد بسندٍ صحيح، ولكن نذْكُرُها لنأخذ منها العبرة بغض النظر عن أشخاصها، فقد رُوِيَ أن أبا العلاء المعري، (أو آخر يحمل نفس اللقب، الله أعلم) سأل: «كم دية اليد؟»، فقالوا: «ديتها خمسمائة دينار من الذهب»، فقال: «في كم تُقْطع؟»، فقالوا: «إذا سرقت ربع دينار قُطِعَت». فقال:

стр. 1061

يَدٌ بخمْسِ مِئِينٍ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ (١) ... ما بالُهَا قُطعَتْ في رُبْعِ دينار تناقضٌ ما لنا إلا السكوت له ... ونستعيذُ بمولانا من النار وهو بكلامه هذا يعترض على الله وكتابه، وقد رد عليه عبد الوهاب المالكي ﵀ فقال: قُل للمعري عارٌ أيُّما عارِ جهْلُ ... الفتَى وهو عن ثوبِ التُقَى عاري لا تَقْدَحَنَّ بنودَ الشرعِ عنْ شُبَهٍ ... شعائرُ الدينِ لم تُقْدَح بأشعار يَدٌ بخمسِ مِئِينٍ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ... ما بالُهَا قُطعَتْ في رُبْعِ دينار عِزُّ الأمانةِ أغْلاها وأرخَصَها ... ذُلُّ الخيانةِ فافْهَمْ حكمةَ البارِي

стр. 1062

٧١ - الاختلاط بين الرجال والنساء (١) لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ: الحمد لله العليم بخلقه، القائل في محكم كتابه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (الملك: ١٤)، الرحيم بهم، ومن رحمته أنزل شريعته ناصحة لهم، ومُصلحة لمفاسدهم، ومُقوّمة لاعوجاجهم، ومن ذلك ما شرع من التدابير الوقائية، والإجراءات العلاجية التي تقطع دابر الفتنة بين الرجال والنساء، وتُعين على اجتناب المُوبقات رحمةً بهم، وصيانة لأعراضهم، وحماية لهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. وبيَّن لهم أن غايةَ الشيطان في هذا الباب أن يُوقع النوعين في حضيض الفحشاء!! لكنه يسلك في تزيينها، والإغراء بها مسلك التدرج , عن طريق خطوات يقود بعضها إلى بعض، وتُسلم الواحدة منها إلى الأخرى، وهي المعنيَّة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (النور: ٢١). والصلاة والسلام على الصادق الأمين , المبعوث رحمةً للعالمين ـ القائل: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِى فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (رواه البخاري ومسلم). والقائل: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِى النِّسَاءِ» (رواه البخاري ومسلم).

стр. 1063

والذي حذرنا من خطوات الشيطان إلى إشاعة الفساد , خصوصًا ما أضلَّ به كثيرًا من العباد من تزيين التبرج، وإشاعة الفاحشة، وإطلاق البصر إلى ما حرَّم الله، ومصافحة النساء الأجنبيات، وسفر المرأة بدون مَحرَم، وخروجها متطيبة متعطرة , وخضوعها بالقول للرجال، وخلوتها بهم واختلاطها معهم. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾. (النساء: ٢٧).وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾. (النور: ١٩). قال الشاعر: لا تَأْمَنَنَّ على النساءِ ولو أخًا ... ما في الِرجالِ على النساءِ أمينُ إنَّ الأمِينَ وإنْ تَعَفَّفَ جهْدَهُ ... لابُدَّ أنْ بِنَظْرَةٍ سَيَخُونُ الْقَبْرُ أوْفَي مَن وَثِقْتَ بعَهْدِهِ ... ما للنساءِ سِوَى الْقُبُورِ حُصونُ ويقول البروفيسور الألماني (يودفو ليفيلتز) كبير علماء الجنس في جامعة برلين في إحدى دراساته الجنسية بأنه درس علوم الجنس وأدوار الجنس وأدوية الجنس فلم يجد علاجًا أنجح ولا أنجع من قول الكتاب الذي نُزِّل على محمد: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: ٣٠ - ٣١). فتاةُ اليومِ ضيَّعتِ الصوابَا ... وألقَتْ عن مفاتِنِها الحجابَا فلنْ تخشَى حياءً مِن رقيبٍ ... ولم تخْشَ من الله الحسابَا بِرَبِّكِ هلْ سألتِ العقلَ يومًا ... أهذَا طبْعُ مَن رامَ الصوابَا أهذَا طبْعُ طالبةٍ لعِلْمٍ إلَى ... الإسلامِ تنتسِبُ انتِسابَا

стр. 1064

ما كانَ التقدمُ صبْغُ وجْهٍ ... وما كانَ السفورُ إليه بابَا شبابُ اليومِ يا أختِي ذئابٌ ... وطبعُ الحَملِِ أن يخشَ الذئابَا قرار المرأة في بيتها هو الأصل: إن قرار المرأة في بيتها هو الأصل، فهو عزيمة شرعية في حقهن، وخروجهن من البيوت رخصة لا تكون إلا لضرورة أو حاجة، بضوابط الخروج الشرعية؛ قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣). فقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ليس مقصورًا على نساء النبي ﵌ وهو قول جمهور المفسرين منهم: ١ - القرطبي ﵀، قال: «مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة الْأَمْر بِلُزُومِ الْبَيْت , وَإِنْ كَانَ الْخِطَاب لِنِسَاءِ النَّبِيّ ﵌ فَقَدْ دَخَلَ غَيْرهنَّ فِيهِ بِالْمَعْنَى. هَذَا لَوْ لَمْ يَرِد دَلِيل يَخُصّ جَمِيع النِّسَاء , كَيْف وَالشَّرِيعَة طَافِحَة بِلُزُومِ النِّسَاء بُيُوتهنَّ , وَالِانْكِفَاف عَنْ الْخُرُوج مِنْهَا إِلَّا لِضَرُورَةٍ» (١). ٢ - ابن كثير ﵀، قال في تفسيره لهذه الآية: «هذه آداب أمر الله - تعالى - بها نساء النبي ﵌، ونساء الأمة تبعٌ لهن في ذلك» (٢). ٣ - العلامة الآلوسي البغدادي ﵀، قال: «والمراد - على جميع القراءات - أمرهن ﵅ بملازمة البيوت، وهو أمر مطلوب من معاشر النساء» (٣).

стр. 1065

٤ - الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية السابق، وعضو جماعة كبار العلماء بالأزهر الشريف ﵀، قال في تفسيره لقوله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾: «الزمنها! فلا تخرجن لغير حاجة مشروعة، ومثلهن في ذلك سائر نساء المؤمنين» (١). ومن نظر في آيات القرآن الكريم، وجد أن البيوت مضافة إلى النساء في ثلاث آيات من كتاب الله تعالى، مع أن البيوت للأزواج أو لأوليائهن، وإنما حصلت هذه الإضافة - والله أعلم - مراعاةً لاستمرار لزوم النساء للبيوت، فهي إضافة إسكان ولزوم للمسكن والتصاق به، لا إضافة تمليك، قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (الأحزاب: ٣٤)، وقال عز شأنه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (الطلاق: ١). ومع ذلك قد تقتضي الحاجة خروج النساء، وعندها فلا حرج في خروجهن إذا أمِنَتْ الفتنة، وكان خروجها منضبطًا بضوابط الشريعة، فلا تخرج متطيبة ولا متزينة، أو متبرجة ولا سافرة، ولاتزاحم الرجال في وسط الطرقات، بل تلتزم حافتها، وإذا احتاجت إلى الكلام مع الأجانب فلا تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، فمتى انقضت الحاجة أو ارتفعت الضرورة عاد كلٌ إلى أصله. أما إذا لم تكن هناك حاجة فقد قال الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، ومع هذا الأمر بالقرار وحذرًا من مغبة الاختلاط منع من الدخول على النساء، وكل ذلك لعِظَمِ فتنة النساء؛ قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ (آل عمران: ١٤)، فجعلهن مِن عين الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع، إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك».

стр. 1066

ومما سبق نخلص إلى أن الأصل أمْر النساء بلزوم البيوت ونهيهن عن الخروج منها، أما عند الحاجة فيجوز لها أن تخرج ومن ذلك خروجها للعبادة، كالصلاة في المسجد رغم أن صلاتها في بيتها خير لها من صلاتها في المسجد، وكصلاة العيدين، ويجوز للمرأة أن تخرج للحج على أن تكون مع محرم، ويجوز لها الخروج لزيارة الآباء , والأمهات , وذوي المحارم , وشهود مَوْت مَن ذُكِر , وحضور عُرسه وقضاء حاجة لا غَناء للمرأة عنها ولا تجد من يقوم بها، كل ذلك مع مراعاة الضوابط الشرعية. والدليل على ذلك قول النبي ﵌: «قَدْ أَذِنَ اللهُ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ» (رواه البخاري ومسلم). فللمرأة أن تخرج من بيتها، ويكون هذا الخروج ممثلًا لحركة طارئة من حيث الأصل، ومنضبطًا بالشرع من حيث الممارسة، وبما لا يخل بقاعدة «القرار»، ومن ذلك: ١ - أن تكون المرأة غير مخشية الفتنة , أما التي يخشى الافتتان بها فلا تخرج أصلًا. ٢ - أن تكون الطريق مأمونة من تَوَقُّعِ المفسدة وإلا حَرُمَ خروجُها. ٣ - أن يكون خروجها في زمن أمن الرجال، ولا يفضي إلى خلوتها أو اختلاطها بهم؛ لأن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر. ٤ - الالتزام بالحجاب فيكون خروجها في تستر تام، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ (الأحزاب: ٥٩). ٥ - عدم التبرج: لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣). ٦ - أن يكون الخروج بإذن الزوج , فلا يجوز لها الخروج إلا بإذنه.

стр. 1067

٦ ـ أن لا يؤدي خروجها إلى خلل في أداء واجباتها الأصلية في مقرها وهو المنزل. ٧ ـ الالتزام بغض البصر؛ قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: ٣١). ٨ ـ عدم التعطر أو إصابة البخور؛ لقوله ﵌: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ بِقَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ» (رواه الإمام أحمد والنسائي، وحسنه الألباني). ٩ - عدم الخضوع بالقول إذا كان هناك حاجة إلى مخاطبة الرجال. معنى الخضوع بالقول: قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ (الأحزاب: ٣٢). قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي ﵌، ونساء الأمة تبعٌ لهن في ذلك، فقال مخاطبًا لنساء النبي ﵌ بأنهن إذا اتقين الله كما أمرهن، فإنه لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة». ثم قال: «﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ قال السُّدِّي وغيره: «يعني بذلك: ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال»؛ ولهذا قال: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: دَغَل، ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن زيد: «قولًا حسنًا جميلًا معروفًا في الخير». ومعنى هذا: أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها» (١).

стр. 1068

قال البغوي: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ لَا تَلِنَّ بِالْقَوْلِ لِلرِّجَالِ وَلَا تُرَقِّقْنَ الْكَلَامَ؛ ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أَيْ: فُجُورٌ وَشَهْوَةٌ، وَقِيلَ: نِفَاقٌ، وَالْمَعْنَى: لَا تَقُلْنَ قَوْلًا يَجِدُ مُنَافِقٌ أَوْ فَاجِرٌ بِهِ سَبِيلًا إِلَى الطَّمَعِ فِيكُنَّ. وَالْمَرْأَةُ مَنْدُوبَةٌ إِلَى الْغِلْظَةِ فِي الْمَقَالَةِ إِذَا خَاطَبَتِ الْأَجَانِبَ لِقَطْعِ الْأَطْمَاعِ» (١). وقال القرطبي: «أَمَرَهُنَّ اللهُ أَنْ يَكُون قَوْلهنَّ جَزْلًا وَكَلَامهنَّ فَصْلًا , وَلَا يَكُون عَلَى وَجْه يُظْهِر فِي الْقَلْب عَلَاقَة بِمَا يَظْهَر عَلَيْهِ مِنْ اللِّين , كَمَا كَانَتْ الْحَال عَلَيْهِ فِي نِسَاء الْعَرَب مِنْ مُكَالَمَة الرِّجَال بِتَرْخِيمِ الصَّوْت وَلِينه , مِثْل كَلَام الْمُرِيبَات وَالْمُومِسَات. فَنَهَاهُنَّ عَنْ مِثْل هَذَا. ﴿مَرَضٌ﴾ أَيْ شَكّ وَنِفَاق , عَنْ قَتَادَة وَالسُّدِّيّ. وَقِيلَ: تَشَوُّف الْفُجُور , وَهُوَ الْفِسْق وَالْغَزَل , قَالَهُ عِكْرِمَة. وَهَذَا أَصْوَبُ , وَلَيْسَ لِلنِّفَاقِ مَدْخَل فِي هَذِهِ الْآيَة. وَالْمَرْأَة تُنْدَب إِذَا خَاطَبَتْ الْأَجَانِب وَكَذَا الْمُحَرَّمَات عَلَيْهَا بِالْمُصَاهَرَةِ إِلَى الْغِلْظَة فِي الْقَوْل , مِنْ غَيْر رَفْع صَوْت , فَإِنَّ الْمَرْأَة مَأْمُورَة بِخَفْضِ الْكَلَام. وَعَلَى الْجُمْلَة فَالْقَوْل الْمَعْرُوف: هُوَ الصَّوَاب الَّذِي لَا تُنْكِرهُ الشَّرِيعَة وَلَا النُّفُوس» (٢). وخضوع المرأة بالقول يفتح باب زنا الأذن، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﵌ قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَى مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ». (رواه مسلم).

стр. 1069

وقد يفتح باب العشق وإن لم يرها الرجل كما أنشد أعمى: يا قومِ أذْنِي لبعضِ الحيِّ عاشقةٌ ... والأذْنُ تعشقُ قبلَ العينِ أحيانَا كُلُّ الحوادثِ مبدؤُها مِن النظرِ: كُلُّ الحوادثِ مبدؤُها مِن النظرِ ... ومعظمُ النارِ مِن مُستصغَرِ الشرر كمْ نظرةٌ بلغتْ في قلبِ صاحبِها ... كمَبلَغِ السهمِ بينَ القوسِ والوتر والعبدُ ما دامَ ذا طرْفٍ يقلّبُهُ ... في أعيُنِ الْغِيْدِ مَوْقُوفٌ عَلْى الْخَطَر يَسُرُّ مُقْلَتَهُ ما ضَرَّ مُهْجَتَهُ ... لا مرحبًا بسرورٍ عادَ بالضررِ (١) اتِّفَقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ الْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ. والشَّهْوَةُ لُغَةً: اشْتِيَاقُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ، وَالْجَمْعُ: شَهَوَاتٌ. وَاشْتَهَاهُ وَتَشَهَّاهُ: أَحَبَّهُ وَرَغِبَ فِيهِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَوَقَانُ النَّفْسِ إِلَى الْمُسْتَلَذَّاتِ. ومن النظر بشهوة تكرار النظر وإمعانه وهذا لا يجوز؛ فالمسلم ليس له إلا النظرة الأولى ـ وهي نظرة الفجأة ـ فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِى أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِى» (رواه مسلم)، وقال النبي ﵌ لعليِّ ابن أبي طالب ﵁: «يَا عَلِىُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ». (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (النور: ٣٠)، وَِقال ﵌: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ: فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ» (رواه البخاري ومسلم).

стр. 1070

والْوَجْهُ والكَفَّانِ مِنْ عَوْرَةِ المرْأةِ، فَيَحْرُمُ نَظَرُ الرَّجُل بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا، سَوَاءٌ أَخَافَ الْفِتْنَةَ مِنَ النَّظَرِ أَمْ لَمْ يَخَفْ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهِ تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (الأحزاب: ٥٣). فَلَوْ كَانَ النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مُبَاحًا لَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَسْأَلُوا نِسَاءَ النَبِيِّ ﵌ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَلأَبَاحَ لَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوهُنَّ مُوَاجَهَةً، قَال الْقُرْطُبِيُّ: «فِي هَذِهِ الآْيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَذِنَ فِي مَسْأَلَتِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فِي حَاجَةٍ تَعْرِضُ، أَوْ مَسْأَلَةٍ يُسْتَفْتِينَ بِهَا، وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ جَمِيعُ النِّسَاءِ بِالْمَعْنَى، وَبِمَا تَضَمَّنَتْهُ أُصُول الشَّرِيعَةِ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ، بَدَنَهَا وَصَوْتَهَا، فَلاَ يَجُوزُ كَشْفُ ذَلِكَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهَا أَوْ دَاءٍ يَكُونُ بِبَدَنِهَا، أَوْ سُؤَالِهَا عَمَّا يَعْرِضُ وَتَعَيَّنَ عِنْدَهَ» (١). والأَخْبَارُ الَّتِي جَاءَتْ تَنْهَى عَنِ النَّظَرِ الْمُتَعَمَّدِ، وَالزِّيَادَةِ عَلَى النَّظْرَةِ الْأُولَى - وَهِيَ نَظَرُ الْفُجَاءَةِ - قَدْ جَاءَتْ عَامَّةً تَشْمَل جَمِيعَ بَدَنِ الْمَرْأَةِ، وَكُل مَا وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأْخْبَارِ مِنْ جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ حَالَةُ الضَّرُورَةِ أَوِ الْحَاجَةِ. وإِنَّ إِبَاحَةَ نَظَرِ الْخَاطِبِ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَخْطُبَهَا يَدُل عَلَى التَّحْرِيمِ عِنْدَ عَدَمِ إِرَادَةِ خِطْبَتِهَا، إِذْ لَوْ كَانَ مُبَاحًا عَلَى الإِْطْلاَقِ، فَمَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ (٢). إنَّ الرجالَ الناظرينَ إلى النِّسَا ... مِثْلُ السباعِ تطوفُ باللحمان إنْ لم تَصُنْ تلكَ اللحومَ أسُودُها ... أُكِلَتْ بِلا عِوَضٍ ولا أثمان

стр. 1071

نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُل الأَجْنَبِيِّ: نَظَرَ الْمَرْأَةِ إِلَى أَيِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الرَّجُل الأَجْنَبِيِّ يَكُونُ حَرَامًا إِذَا قَصَدَتْ بِهِ التَّلَذُّذَ أَوْ عَلِمَتْ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا وُقُوعُ الشَّهْوَةِ أَوْ شَكَّتْ فِي ذَلِكَ، بِأَنْ كَانَ احْتِمَال حُدُوثِ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِ حُدُوثِهَا مُتَسَاوِيَيْنِ، لأَنَّ النَّظَرَ بِشَهْوَةٍ إِلَى مَنْ لاَ يَحِل بِزَوْجِيَّةٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ نَوْعُ زِنًا، وَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ. أَمَّا إِذَا كَانَ نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى الأَْجْنَبِيِّ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ يَقِينًا فالرَّاجِحُ أنَّه لَا يجُوز أيضًا أَنْ تَنْظُرَ إلى أَيَّ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِه، وهو قول جمهور العلماء وأكثر الصحابة لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (النور: ٣١)، وَلِأَنَّ النِّسَاءَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْآدَمِيِّينَ فَحُرِّمَ عَلَيْهِنَّ النَّظَرُ إلَى النَّوْعِ الْآخَرِ قِيَاسًا عَلَى الرِّجَالِ وَيُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُحَرِّمَ لِلنَّظَرِ هُوَ خَوْفُ الْفِتْنَةِ، وَهَذَا فِي الْمَرْأَةِ أَبْلَغُ فَإِنَّهَا أَشَدُّ شَهْوَةً وَأَقَلُّ عَقْلًا، فَتُسَارِعُ إلَيْهَا الْفِتْنَةُ أَكْثَرَ مِنْ الرَّجُلِ. وَممَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أيْضًا حَدِيث نَبْهَان مَوْلَى أُمّ سَلَمَة عَنْ أُمّ سَلَمَة أَنَّهَا كَانَتْ هِيَ وَمَيْمُونَة عِنْد النَّبِيّ ﵌ فَدَخَلَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم فَقَالَ النَّبِيّ ﵌: «اِحْتَجِبَا مِنْهُ»، فَقَالَتَا: «إِنَّهُ أَعْمَى لَا يُبْصِر»، فَقَالَ النَّبِيّ ﵌: «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا فَلَيْسَ تُبْصِرَانِهِ؟» (١).

стр. 1072

نظر النساء إلى الرجال على شاشات التلفاز والحاسوب: لا فرق بين نظر المرأة إلى الرجل في الحقيقة وبين نظرها إليه على الشاشة لِمَا في النظر إلى صورهم من خشية الفتنة؛ فينبغي على النسوة المسلمات اجتناب صور المشايخ فى دروس أقراص الحاسوب المدمجة (أي ما يُسمى بالكمبيوتر)، وما يشابهها بالفيديو والقنوات الفضائية، وأن يُكتفى بسماع الصوت. وقد وقع من بعض النسوة ما ينْدَى له الحبين، فواحدة تقول: يا محْلَى الشيخ، يا عيون الشيخ، يا جمال الشيخ»، وأخرى تقول: «الشيخ الفلاني أجمل»، وثالثة تقول: «عيون الشيخ الفلانى لونها كذا»، ورابعة تقول: «يد الشيخ الفلانى بيضاء للغاية»، بل قد صارت بعض النسوة ترى أن الأجمل من المشايخ هو الأكثر علمًا، وهذا رجل يجلس مع زوجته فظهر الشيخ على الشاشة فقالت زوجته: «ها هم الرجال لا غيرهم» قالت هذه الجملة بالعامية، كل هذه الأخبار عن ثقة سواء كانت أقوال الرجال أو النساء.

стр. 1073

٧٢ - الفرق بين الخلوة والاختلاط مراعاة المنع من الاختلاط في التشريع: إذا عرضت للمرأة حاجة تسوغ خروجها فلا حرج عليها إن خرجت وفقًا لما سبق بيانه، غير أن تلك الحاجة لاتسوغ اختلاطها بالرجال إلاّ أن تكون ضرورة، وذلك لحرمة الاختلاط وإن من أقوى الأدلة على تحريم الاختلاط، رعاية الشارع للنساء، وصيانته لهن من الاختلاط في سائر أحكام التشريع. إن العِفَّة حجاب يُمَزِّقه الاختلاط، ولهذا صار طريق الإسلام التفريق والمباعدة بين المرأة والرجل الأجنبي عنها، فالمجتمع الإسلامي مجتمع فردي لا زوجي فللرجال مجتمعاتهم، وللنساء مجتمعاتهن، ولا تخرج المرأة إلى مجتمع الرجال إلا لضرورة أو حاجة بضوابط الخروج الشرعية. كل هذا لحفظ الأعراض والأنساب، وحراسة الفضائل، والبعد عن الرِّيب والرذائل، وعدم إشغال المرأة عن وظائفها الأساس في بيتها، ولذا حُرِّم الاختلاط، سواء في التعليم، أم العمل، والمؤتمرات، والندوات، والاجتماعات العامة والخاصة، وغيرها؛ لما يترتب عليه من هتك الأعراض ومرض القلوب، وخطرات النفس، وخنوثة الرجال، واسترجال النساء، وزوال الحياء، وتقلص العفة والحشمة، وانعدام الغَيْرَة. ولهذا فأهل الإسلام لا عهد لهم باختلاط نسائهم بالرجال الأجانب عنهن، بل إن علماء الحملة الصليبية الفرنسية أشاروا إلى ذلك في كتابهم (وصف مصر) الذي ذكروا فيه أحوال المجتمع المصري في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر فقالوا: «النساء في كل الظروف لا يخرُجْن مطلقًا سافراتِ الوجوه، بل يغطين وجوههن بالبرقع ... ولا يدخل الرجال مطلقًا - فيما عدا بعض الأهل الأقربين - إلى

стр. 1074

مسكن السيدات ... ولم يستطع الرحالة السابقون على الغزو أن يتعرفوا على أحوال سيدات الطبقة المسيطرة، وذهبت أدراجَ الرياحِ كلُّ توسلاتهم اللحوح؛ فلم يكن عظماء مصر ليسمحوا لأحد بأن يتطلع إلى جمال زوجاتهم» (١). وإنما حصلت أول شرارة قدحت للاختلاط على أرض الإسلام من خلال المدارس الاستعمارية الأجنبية والعالمية، التي فتحت أول ما فتحت في بلاد الإسلام في (لبنان)، وقد علم تاريخيًا أن ذلك من أقوى الوسائل لإذلال الرعايا وإخضاعها، بتضييع مقومات كرامتها، وتجريدها من الفضائل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. كما عُلِم تاريخيًا أن التبذل والاختلاط من أعظم أسباب انهيار الحضارات، وزوال الدول، كما كان ذلك لحضارة اليونان والرومان. ولهذا حُرِّمَتْ الأسباب المفضية إلى الاختلاط - هتك سنة المباعدة بين الرجال والنساء - ومنها: (تحريم الدخول على الأجنبية والخلوة بها، للأحاديث المستفيضة كثرة وصحة، ومنها: خلوة السائق، والخادم، والطبيب وغيرهم بالمرأة، وقد تنتقل من خلوة إلى أخرى، فيخلو بها الخادم في البيت، والسائق في السيارة، والطبيب في العيادة وهكذا!!. (تحريم سفر المرأة بلا محرم، والأحاديث فيه متواترة معلومة. (تحريم النظر العمد من أي منهما إلى الآخر، بنص القرآن والسنة. (تحريم دخول الرجال على النساء، حتى الأحماء - وهم أقارب الزوج - فكيف بالجلسات العائلية المختلطة، مع ما هن عليه من الزينة، وإبراز المفاتن، والخضوع بالقول، والضحك ... ؟!!

стр. 1075

(تحريم مَسّ الرجل بدن الأجنبية، حتى المصافحة للسلام. (تحريم تَشَبُّه أحدهما بالآخر. (وشرع لها صلاتها في بيتها، فهي من شعائر البيوت الإسلامية، وصلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في مسجد قومها، وصلاتها في مسجد قومها خير من صلاتها في مسجد رسول الله ﵌، كما ثبت الحديث بذلك. (ولهذا سقط عنها وجوب الجمعة، وأُذن لها بالخروج للمسجد وفق الأحكام التالية: ١ - أن تؤمن الفتنة بها وعليها. ٢ - أن لا يترتب على حضورها محذور شرعي. ٣ - أن لا تزاحم الرجال في الطريق ولا في الجامع. ٤ - أن تخرج تَفِلةً غير متطيبة. ٥ - أن تخرج متحجبة غير متبرجة بزينة. ٦ - إفراد باب خاص للنساء في المساجد، يكون دخولها وخروجها معه، كما ثبت الحديث بذلك في سنن أبي داود وغيره. ٧ - تكون صفوف النساء خلف الرجال. ٨ - خير صفوف النساء آخرها بخلاف الرجال. ٩ - إذا نابَ الإمامَ شيء في صلاته سَبَّح رجل، وصفقت امرأة. ١٠ - تخرج النساء من المسجد قبل الرجال، وعلى الرجال الانتظار حتى انصرافهن إلى دُورهن، كما في حديث أم سلمة ﵂ في صحيح البخاري وغيره. إلى غير ذلك من الأحكام التي تباعد بين أنفاس النساء والرجال.

стр. 1076

الفرق بين الخلوة والاختلاط: الخلوة المحرمة: هي أن ينفرد رجل بامرأة أجنبية عنه، في غيبة عن أعين الناس، وهي من أفعال الجاهلية , وكبائر الذنوب. والمرأة الأجنبية: هي غير المَحرمَ , والمَحْرمَ: كل من حَرُم تزوجها على التأبيد , وتحريمها إما بالنسب , أو بالرضاع , أو بالمصاهرة , فالمحرمات بالنسب: الأمهات , ثم البنات , ثم الأخوات , ثم العمات , والخالات , ثم بنات الأخ , وبنات الأخت , ويحرم من الرضاع كل ما يحرم من النسب. أما المحرمات بسبب المصاهرة: فزوجة الأب , وزوجة الابن , وأمّ الزوجة (وهذه تحرُم بمجرد العقد على ابنتها) , وبنت الزوجة (وهذه لا تحرم إلا بالدخول بالأم). وعلى هذا من الأجنبيات على الرجل ابنة كل من: عمه , وعمته , وخاله , وخالته، وزوجة كل من: عمه , وخاله , وابن أخيه , وابن أخته , وكذا أخت زوجته وابنة الصديق والجار , وهكذا. الدليل على تحريم الخلوة: ١ - قول النبي ﵌: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» (رواه البخاري ومسلم). ٢ - قول النبي ﵌: «لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ؛ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» (رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني والأرنؤوط). وهذا يعم جميع الرجال , ولو كانوا صالحين أو مُسِنِّين, وجميع النساء , ولو كنَّ صالحات أو عجائز. تعريف الاختلاط: الاختلاط هو امتزاج الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم - أي التي يباح له زواجها - اجتماعًا يؤدي إلى ريبة.

стр. 1077

أو هو اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمَحْرَم له اجتماعًا يؤدي إلى ريبة. أو هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد , يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر , أو الإشارة , أو الكلام , أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد. فدخول الأجنبي على النساء اختلاط بهن، ودخول الأجنبية على الرجال اختلاط بهم، ودخول بعضهم على بعضهم اختلاط، وأما دخول أحدهما على الآخر في رقعة ليس فيها سواهما ممن يعقل، أو كان فيها ولكن قام فاصل معتبر حال بينه وبينهم فتلك خلوة، وهي صورة خاصة من الاختلاط. ويمكن تقسيم الاختلاط إلى قسمين: القسم الأول: اختلاط محرم: وهو كل ما كان في مكان خاص, أو موطن يدعو إلى الفساد والريبة أو اشتمل على محظور شرعي. وحقيقته أن يخالط الرجل المرأة ويجلس إليها كما يجلس إلى امرأته أو إحدى محارمه بحيث يرتفع الحاجز بينهما , ويتمكن من التأثير عليها لو أراد. ويزداد الضرر من الاختلاط كلما طالت مدته وكثر تكراره، أو عند حدوثه مع الشَوَابّ، أو عند فقد المَحْرَم. ويزداد الأمر سوءًا إذا كان ملازمًا لها كالاختلاط في التعليم , أو مجال العمل، وكل من ابْتُلِيَ بذلك علم أنه لابد أن يطلع على خصوصيات المرأة , ولا بد أن يخلو بها. ومما يُعْرَفُ به الاختلاط المحرم: - أنه يؤدي إلى زوال الكلفة بين الرجال والنساء. - أنه يكثر من خلاله العلاقات المحرمة. - أنه قد يؤدي إلى الخلوة بالمرأة الأجنبية. - أنه قد يؤدي إلى تلاصق وتزاحم بالأجساد.

стр. 1078

من صور الاختلاط المحرم: ١ - اختلاط الأولاد الذكور والإناث - ولو كانوا إخوة - بعد التمييز في المضاجع؛ وقد أمر النبي ﵌ بالتفريق بينهم في المضاجع. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ». (رواه أبو داود، وصححه الألباني). ولما كان النوم مظنة انكشاف العورة، وثوران الشهوة جاءت الشريعة الكاملة المطهرة بالأمر بالتفريق بين الأولاد في المضاجع، وقد ذُكِر أن التساهل في عدم التفريق بين الأولاد أثناء النوم أحد أسباب زنا المحارم، والعياذ بالله. ٢ - السماح للخطيبين بالمصاحبة والمخالطة التي تجر إلى الخلوة، ثم إلى ما لا تحمد عقباه، فيقع العبث بأعراض الناس بحجة التعارف ومدارسة بعضهم بعضًا. ٣ - استقبال المرأة أقارب زوجها الأجانب، أو أصدقاءه في حال غيابه. ٤ - الاختلاط في دور التعليم كالمدارس والجامعات والمعاهد، والدروس الخصوصية. ٥ - الاختلاط في الوظائف، والأندية، والمستشفيات، والزيارات بين الجيران، والأعراس، والحفلات. ٦ - الخلوة في أي مكان ولو بصفة مؤقتة كالمصاعد، والمكاتب، والعيادات، وغيرها. ٧ - ومن الصور المحرّمة أيضًا اجتماع رجل بامرأة، ولو كان ذلك في مكانٍ عامٍ إذا ترتّبت عليه ريبةٌ أو سوء ظنّ فيهما، ما لم يُزِل اللبس الذي قد يقَع في نفس من رآه ظنًّا أو يقينًا؛ لما رواه البخاري ومسلم أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﵌ جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﵌ تَزُورُهُ فِى اعْتِكَافِهِ فِى الْمَسْجِدِ، فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِىُّ ﵌ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ

стр. 1079

أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِىُّ ﵌: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِىَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ». فَقَالاَ: «سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ». وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ﵌: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُمَا شَيْئًا». وهناك صور أظهر في تحريم الاختلاط من غيرها: كإِذَا كَانَ فِيهِ: - الْخَلْوَةُ بِالأَجْنَبِيَّةِ، وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةٍ إِلَيْهَا. - تَبَذُّل الْمَرْأَةِ وَعَدَمُ احْتِشَامِهَا. - عَبَثٌ وَلَهْوٌ وَمُلاَمَسَةٌ لَلأَبْدَانِ كَالاِخْتِلاَطِ فِي الأَفْرَاحِ وَالْمَوَالِدِ وَالأَعْيَادِ. فَالاِخْتِلاَطُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِثْل هَذِهِ الأُمُورِ وَاضِحُ التَّحْرِيمِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ. القسم الثاني: اختلاط جائز: وهو كل ما كان في الأماكن العامة وتدعو الحاجة إليه ويشق التحرز عنه , ولا محظور فيه كاختلاط النساء بالرجال في الأسواق والطرقات لقضاء حاجة سريعة كسؤال عن متاع أو استفتاء وسؤال عن حاجة وبيع وشراء ونحوه، إذ يسعى الجميع في حاجته ذهابًا وجيئةً، ويبيعون ويشترون، فلا بأس في هذا ما لم يتلبّس من وَقع فيه بمحرّم خارجٍ عنه، فما هو إلا لقاء عابر , واللقاء العابر لقاء محدود لا تزول به الكلفة، وتلتزم فيه المرأة بالضوابط الشرعية في التعامل مع الرجال الأجانب. فالاختلاط العابر، في موضع لايخشى منه الفتنة - في الغالب - ليس من الصور المحرّمة، بل هو مما تعمّ به البلوى، ويضطر إليه الناس لمعاشهم في كلّ زمانٍ ومكان.

стр. 1080

ومن الصوَر التي لا حَرجَ فيها: ١ - الأصل جواز اختلاط النساء بمحارمهن، وكذلك الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء (١)، ومن كان نحوهم، ما دام جانب الفتنة مأمونًا. ٢ - اجتماع الرجال والنساء في المسجد الواحد لأداء فريضة أو عبادة، كما هو الحال منذ صدْرِ الإسلام وحتى يومنا هذا، في المساجد الثلاثة التي تُشدّ إليها الرحال وغيرِها، وقد كانت النساء يشهدن الصلاة مع النبيّ ﵌ في المسجد، ولم يَنْهَ عن ذلك، كما لم يأمر بضرب حاجزٍ بين صفوف الرجال وصفوف النساء. ٣ - الدخول على المخطوبة ورؤيتها مع وجود المحرم , فقد رخص الإسلام في ذلك. ٤ - ما يكون من وراء حجاب كما هو الحال في الدائرة التلفزيونية المعمول به في جامعات وكليات البنات في السعودية. ٥ - إذا بعدت أنظار الرجال عن النساء والعكس، وصعب التحرز مما فوق ذلك. ٦ - الاختلاط مع وجود فاصل معتبر وإن كان فضاءً. ٧ - يجوز اختلاط النساء بالرجال غير المحارم لحاجة مع وجود محرم، وفق ضوابط تُؤمن معها الفتنة، تختلف باختلاف الحال والمقام. ويشترط لجواز الاختلاط على هذا النحو شروط: - أن لا تكون هناك خلوة بين الرجل والمرأة.

стр. 1081

- استفراغ الجهد في المباعدة بين الرجال والنساء قدر الإمكان، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك. - أن يكون حضور المرأة لحاجة يشق عليها تركها وتكون الحاجة طارئة ينتهي الحضور بزوالها. - أن تكون المرأة مستترة بالحجاب الشرعي الساتر لجميع جسدها، ومنه الوجه والكفان. ومن أوضح الأدلة على وجوب ستر المرأة المسلمة لوجهها وكفيها عند الرجال الأجانب: الرخصة للقواعد من النساء بوضع الحجاب، وأن يستعففن خير لهن؛ قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ (النور: ٦٠). فقد رخَّص الله للقواعد من النساء، أي: العجائز، اللائي تقدم بهن السنّ، فقَعَدْنَ عن الحيض والحمل ويئِسْنَ من الولد أن يضعن ثيابهن الظاهرة من الجلباب والخمار، التي ذكرها الله سبحانه في آيات ضرب الحجاب على نساء المؤمنين، فيكشفن عن الوجه والكفين، ورفع تعالى الإثم والجناح عنهن في ذلك بشرطين: الشرط الأول: أن يَكُنَّ من اللاتي لم يبق فيهن زينة ولا هن محل للشهوة، وهن اللائي لا يرجون نكاحًا، فلا يَطْمَعْنَ فيه، ولا يُطْمَع فيهن أنْ يُنْكَحْنَ؛ لأنهن عجائز لا يَشتَهين ولا يُشتَهَيْن، أما من بقيت فيها بقية من جمال ومحل للشهوة، فلا يجوز لها ذلك. الشرط الثاني: أن يكن غير متبرجات بزينة، وهذا يتكون من أمرين: أحدهما: أن يَكُنَّ غير قاصدات بوضع الثياب التبرج، ولكن التخفيف إذا احتجن إليه.

стр. 1082

وثانيهما: أن يكن غير متبرجات بزينة من حلي وكحل وأصباغ وتجمل بثياب ظاهرة، إلى غير ذلك من الزينة التي يفتن بها. فلتحذر المؤمنة التعسف في استعمال هذه الرخصة، بأن تدعي بأنها من القواعد، وليست كذلك، أو تبرز متزينة بأيٍّ من أنواع الزينة. ثم قال ربُنَا جل وعلا: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾، وهذا تحريض للقواعد على الاستعفاف وأنه خير لهن وأفضل، وإن لم يحصل تبرج منهن بزينة. فدلَّت هذه الآية على فرض الحجاب على نساء المؤمنين لوجوههن وسائر أبدانهن وزينتهن؛ لأن هذه الرخصة للقواعد، اللاتي رُفع الإثم والجناح عنهن، إذ التهمة في حقهن مرتفعة، وقد بلغن هذا المبلغ من السن والإياس، والرخصة لا تكون إلا من عزيمة، والعزيمة فرض الحجاب في الآيات السابقة. وبدلالة أن استعفاف القواعد خير لهن من الترخص بوضع الثياب عن الوجه والكفين، فوجب ذلك في حق من لم تبلغ سن القواعد من نساء المؤمنين، وهو أولى في حقهن، وأبعد لهن عن أسباب الفتنة والوقوع في الفاحشة، وإن فعلن فالإثم والحرج والجناح. ولذا فإن هذه الآية من أقوى الأدلة على فرض الحجاب للوجه والكفين وسائر البدن، والزينة بالجلباب والخمار. ومن أقوى الأدلة كذلك قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٩)، والقائلون بكشف وجه المرأة متفقون على أن الواجب على نساء النبي ﵌ أن يستُرْن وجوههن للأدلة الكثيرة على هذا، ولكنهم يرونه خاصًا بهن! فكيف يكون ذلك والخطاب في هذه الآية للجميع؟! ولماذا أدخلهن الله في هذه الآية وهي - حسب زعمهم - لا تدل على وجوب ستر الوجه؟؟!! أليس هذا من التناقض الذي ينزه عنه كتاب الله؟!

стр. 1083

في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ وجوب حجب أزواجه ﵌ وستر وجوههن، لا نزاع فيه بين أحد من المسلمين، وفي هذه الآية ذكر أزواجه ﵌ مع بناته ونساء المؤمنين، وهو ظاهر الدلالة على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب على جميع المؤمنات. الضرورة إذا اقتضت اختلاطًا: تقرر أن الاختلاط محرم، ولا يدخل في ذلك ما تدعو إليه الضرورة وتشتد الحاجة إليه ويكون في مواضع العبادة كما يقع في الحرم المكي والحرم المدني. ومن حالات الاضطرار إسعاف غريق ونحوه، أو مداواة مريض عند فقدان المماثل في الجنس، أو إن احتاج القاضي اللقاء بالنساء. ومن المقرر أن الضرورات تبيح المحظورات، بَيْدَ أن الضرورة تقدر بقدرها، فيتقي المرءُ ربَّه ويتحرز عما نهاه عنه ما استطاع. فإذا اقتضت الضرورة اختلاطًا، كما في الحج - على سبيل المثال - فإن الحج ركن من أركان الإسلام وهو فعل مأمور مقدم على ترك المحظور، فإن اشتد الزحام ولم يمكن تجنبه كالحال في هذه الأزمنة، فتؤدي المرأة فرضها، متقيدة بضوابط الشرع. ومثل الحج سائر الضرورات التي تبيح المحظورات، فينبغي أن تقدر بقدرها، ولايتعدى قدر الاضطرار فيها، وهذا يقدره ويقرره أهل العلم والشأن فهم أعلم بضابط الضروريات وأجدر بعرض الوقائع على الأحاديث والآيات، فإن وجدت ضرورة لا تكون إلاّ مع الاختلاط فكشأن سائر المحظورات تباح بقدر الحاجة، وبعد انتهائها يعود كل حكم إلى أصله. ويشترط في حالات الاضطرار ألا يبغى فيها ولا يعتدى كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ (البقرة:١٧٣).

стр. 1084

٧٣ - الأدلة على تحريم اختلاط المرأة بالرجال الأجانب اختلاط الرجال بالنساء له ثلاث حالات: الأولى: اختلاط النساء بمحارمهن من الرجال وهذا لا إشكال في جوازه. الثانية: اختلاط النساء بالأجانب لغرض الفساد، وهذا لا إشكال في تحريمه. الثالثة: اختلاط النساء بالأجانب في دور العلم، والحوانيت، والمكاتب، والمستشفيات، والحفلات، ونحو ذلك، فهذا في الحقيقة قد يظن السائل في باديء الأمر أنه لا يؤدي إلى افتتان كل واحد من النوعين بالأخر، ولكشف حقيقة هذا القسم فإنا نجيب عنه من طريق مجمل ومفصل: أما المجمل: فهو أن الله - تعالى - جَبَلَ الرجال على القوة والميل إلى النساء، وجبل النساء على الميل إلى الرجال مع وجود ضعف ولين، فإذا حصل الاختلاط نشأ عنه آثار تؤدي إلى حصول الغرض السيء؛ لأن النفوس أمارة بالسوء، والهوى يعمى ويُصِمّ، والشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر. وأما المفصل: فالشريعة مبنية على المقاصد ووسائلها، ووسائل المقصود الموصلة إليه لها حكمه، فالنساء مواضع قضاء وطر الرجال. وقد سَدَّ الشارع الأبواب المُفضية إلى تعلق كل فرد من أفراد النوعين بالآخر. بعض الأدلة على تحريم اختلاط المرأة بالرجال الأجانب: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٣).

стр. 1085

فلا يقل أحد غير ما قال الله، لا يقل أحد إن الاختلاط، وإزالة الحجب، والترخص في الحديث واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب، وأعف للضمائر، وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة، وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك ... إلى آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف والمهازيل الجهال المحجوبين، لا يقل أحد شيئًا من هذا ... يقول الله هذا عن نساء النبي الطاهرات، أمهات المؤمنين، وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول الله ﵌ ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق. وإذا كانت هذه الآية نزلت في أمهات المؤمنين فالعبرة - كما يقول الأصوليون - بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذا كانت أمهات المؤمنين المقطوع بعفتهن وطهارتهن مأمورات بالحجاب، وعدم الظهور أمام الأجانب فالنساء المسلمات بشكل عام مأمورات بالستر وعدم الظهور من باب أولى. الدليل الثاني: الأمر بغض البصر دليل على المنع من الاختلاط: أمر الله الرجال بغض البصر، وأمر النساء بذلك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ ... (النور: ٣٠ - ٣١). فلو كان الاختلاط سائغًا في الشرع لكان في هذه الأوامر الربانية تكليف بما لا يطاق؛ إذ كيف تختلط المرأة بالرجل، وتجلس بجواره في العمل أو الدراسة، ولا ينظر كل واحد منهما للآخر وهما يتبادلان الأعمال والأوراق والدروس؟! كيف نتصور غض البصر لكل من الرجل والمرأة وهما مجتمعان في مكان واحد؛ فالآية إذن في مدلولها تنهى عن الاختلاط وتحرمه.

стр. 1086

إن غض البصر من الرجال عن محاسن المرأة؛ سواء البشرة إذا انكشفت، أو تقاسيم البدن إذا بدت من وراء الحجاب: مأمور به. وسواء قيل بوجوب تغطية الوجه والكفين أم لا، فإن غض البصر واجب عن سائر البدن. وغض البصر متعذر بل ممتنع في الاختلاط المنظم؛ لطول المكث في مجلس واحد، فصَرْفُ البصر من كليهما غير ممكن، وتحوط المرأة في حجابها شاق؛ إذ طول المقام يلجؤها إلى تغيير أوضاعها، مما سيبدي حتما ما يجب ستره. فما كان الشارع ليأمر بغض البصر من كليهما، ثم يبيح اختلاطهما على هذه الصورة، فإن في الإباحة تحريضًا وتيسيرًا للنظر، وإتْبَاعه بنظرة أخرى، وقد قال النبي ﵌ لعليِّ ﵁: «يَا عَلِىُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ». (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). فالمختلط إذا قدر على الغض في الأولى، فهل سيصمد في الثانية، أو الثالثة إلى المائة، وهي كذلك، هما كل يوم في لقاءات مستمرة لساعات طويلة، قد تبلغ الثمان والعشر؟. قال ﵌: «الْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا» (رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم). وإنما كان زنًا لأنه تمتع بالنظر إلى محاسن المرأة ومُؤَدٍّ إلى دخولها في قلب ناظرها، فتعلق في قلبه، فيسعى إلى إيقاع الفاحشة بها. فإذا نهى الشارع عن النظر إليهن لما يؤدي إليه من المفسدة وهو حاصل في الاختلاط، فكذلك الاختلاط يُنهى عنه لأنه وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه من التمتع بالنظر والسعي إلى ما هو أسوأ منه. وقد ذكر النبي ﵌ أن من حق الطريق: «غَضّ البَصَر» (رواه البخاري ومسلم). فإذا كان غض البصر واجبًا على الرجال إذا مرت بمجلسهم في الطريق امرأة مرورًا عابرًا، فكيف يسوغ لبعض الناس أن يزعموا أن شريعة الله تعالى لا تُمانع من اختلاط الرجال بالنساء يوميًا في مكان مغلق الساعات الطوال؟!

стр. 1087

وإذا كان استراق النظر خيانة كما في قول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر: ١٩)؛ فكيف تكون المخالطة؟ وإذا نهى الشارع عن النظر إلى النساء بسبب ما يؤدي إليه من المفسدة وهو حاصل في الاختلاط، فكذلك الاختلاط ينهى عنه لأنه وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه من التمتع بالنظر والسعي إلى ما هو أسوأ منه، وواقع الناس اليوم يبين أن الاختلاط يفضي لزامًا لوقوع البصر فيما أمر الله بحفظه عنه. الدليل الثالث: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: «يَا رَسُولَ اللهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟»، قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (رواه البخاري ومسلم). وجه الاستدلال: أنه حذّر من الدخول على النساء باسم فعل الأمر (إيَّاك)، والمعنى احفظوا أنفسكم واتقوا الدخول على النساء، فهو أمرٌ باتِّقَاء الدخول على النساء والأمر يفيد الوجوب، ونهي عن الدخول عليهن؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضدّه، والنهي يفيد التحريم. وسمى ﵌ دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير مَحْرَم لها باسم الموت، ولا شك أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير، وهذا دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (الأحزاب: ٥٣) عام في جميع النساء؛ إذ لو كان حكمه خاصًا بأزواجه ﵌ لَمَا حذر الرجالَ هذا التحذير البالغ العام من الدخول على النساء. وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهن ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن والخلوة بهن كلاهما محرم تحريمًا شديدًا بانفراده.

стр. 1088

فتأملوا قوله ﵌ في دخول قريب الزوج على زوجته «الْحَمْوُ الْمَوْتُ»؛ لتدركوا أن اختلاط الرجال الأجانب بالنساء الأجنبيات أنه هو الموت.

стр. 1089

الدليل الرابع: عن أَبِى أُسَيْدٍ الأَنْصَارِىِّ سدد خطاكم أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ - وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِى الطَّرِيقِ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِلنِّسَاءِ: «اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ». فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ. (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). (وَهُوَ خَارِج): أَيْ النَّبِيّ ﵌، (أَنْ تَحْقُقْنَ) هُوَ أَنْ يَرْكَبْنَ حُقّهَا وَهُوَ وَسَطهَا، أَيْ ابْعُدْنَ عَنْ الطَّرِيق، وَالْمَعْنَى أَنْ لَيْسَ لَهُنَّ أَنْ يَذْهَبْنَ فِي وَسَط الطَّرِيق. (بِحَافَّاتِ): جَمْع حَافَّة وَهِيَ النَّاحِيَة. (ثَوْبهَا): أَيْ الْمَرْأَة (مِنْ لُصُوقهَا): أَيْ الْمَرْأَة (بِهِ): بِالْجِدَارِ. ووجه الدلالة: أن رسول الله ﵌ إذا منع الاختلاط في الطريق لأنه يؤدى إلى الافتتان، فكيف يقال بجواز الاختلاط في غير ذلك؟!. الدليل الخامس: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؛ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ». (رواه مسلم). ووجه الدلالة أن النبي ﵌ أمر باتقاء النساء، وهو يقتضي الوجوب، فكيف يحصل الامتثال مع الاختلاط؟!! الدليل السادس: قول رسول الله ﵌: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ» (رواه البخاري ومسلم). ووجه الدلالة: أنه وصَفَهُنَّ بأنهن فتنة فكيف يُجمع بين الفاتن والمفتون؟ هذا لا يجوز. الدليل السابع: قول رسول الله ﵌: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

стр. 1090

(فَإِذَا خَرَجَتْ اِسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ) أَيْ زَيَّنَهَا فِي نَظَرِ الرِّجَالِ، وَقِيلَ أَيْ نَظَرَ إِلَيْهَا لِيُغْوِيَهَا وَيُغْوِيَ بِهَا. وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِشْرَافِ رَفْعُ الْبَصَرِ لِلنَّظَرِ إِلَى الشَّيْءِ وَبَسْطُ الْكَفِّ فَوْقَ الْحَاجِبِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ يُسْتَقْبَحُ بُرُوزُهَا وَظُهُورُهَا فَإِذَا خَرَجَتْ أَمْعَنَ النَّظَرَ إِلَيْهَا لِيُغْوِيَهَا بِغَيْرِهَا، وَيُغْوِيَ غَيْرَهَا بِهَا لِيُوقِعَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا فِي الْفِتْنَةِ. أَوْ يُرِيدَ بِالشَّيْطَانِ شَيْطَانُ الْإِنْسِ مِنْ أَهْلِ الْفِسْقِ سَمَّاهُ بِهِ عَلَى التَّشْبِيهِ. والاختلاط وسيلة إلى تسهيل هذا التزيين والإغواء. دَعِي عنكِ قومًا زاحمَتْهُم نساؤُهم ... فكانوا كما حفَّ الشرابَ ذبابُ تساوَوا فهذا بينهم مثلُ هذهِ ... وسِيَّانُ معنىً يافعٌ وكَعَابُ وما عجبي أنَّ النساءَ ترجَّلَتْ ... لكنَّ تأنيثَ الرجالِ عُجَاب الغُلامُ إذا كادَ يَبْلُغُ الحُلُمَ أوْ بَلَغَهُ فهو يافِع وَمُرَاهِق، والكَعَاب: المرأة حين يَبْدُو ثَدْيُها للنّهود، والمعنى: لا فرق عندهم بين ذكر وأنثى، فالرجال مثل النساء. الدليل الثامن: قول رسول الله ﵌ «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (رواه مسلم). ووجه الدلالة أن الرسول ﵌ شرع للنساء إذا أتَيْن إلى المسجد فإنهن ينفصلن عن الجماعة على حدة، ثم وصف أول صفوفهن بالشر، والمؤخر منهن بالخير، وما ذلك إلا لبُعد المتأخرات عن الرجال عن مخالطتهم ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم، وذمّ أول صفوفهن لحصول عكس ذلك، ووصف آخر صفوف الرجال بالشر إذا كان معهم نساء في المسجد؛ لفوات التقدم والقُرْب من الإمام وقربه من النساء اللاتى يشغلن البال، وربما أفسدن به العبادة وشوشن النية والخشوع. فإذا كان الشارع توقع حصول ذلك في مواطن العبادة مع أنه لم يحصل اختلاط فحصول ذلك إذا وقع اختلاط من باب أولى فيمنع الاختلاط من باب أولى.
следующие страницы →