قال الشيخ سيد سابق في (فقه السنة): «الأذان عبادة ومدار الأمر في العبادات على الاتباع فلا يجوز لنا أن نزيد شيئا أو ننقص شيئًا في ديننا. وفي الحديث الصحيح: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» أي باطل».
٥ - في كل مجلس: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً؛ فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» (صحيح رواه الترمذي).
(إِلَّا كَانَ) أَيْ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ.
(عَلَيْهِمْ تِرَةً) أَيْ تَبِعَةً وَمُعَاتَبَةً، أَوْ: نُقْصَانًا وَحَسْرَةً وَنَدَامَةً.
(فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ) أَيْ بِذُنُوبِهِمْ السَّابِقَةِ وَتَقْصِيرَاتِهِمْ اللَّاحِقَةِ.
(وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ) أَيْ فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً.
٦ - عند ذِكْرِه ﵌:فعن الحسين بن علي ﵁ عن النبي ﵌ قال: «البَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلّ عَلَيَّ» (صحيح رواه النسائي وابن حبان والحاكم).
وقد اختلف العلماء في وجوبها كلما ذكر اسمه ﵌، فقال أبو جعفر الطحاوي، وأبو عبيد الله الحليمي: تجب الصلاة عليه ﵌ كلما ذكر اسمه.
وقال غيرهما: إن ذلك مستحب، وليس بفرض يأثم تاركه.
٧ - عند دخول المسجد والخروج منه: قَالَ رَسُولُ الله ﵌: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﵌، ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، فَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ». (صحيح رواه أبو داود)
وعَنْ فَاطِمَةَ ﵂ ـ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﵌ ـ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَقُولُ: «بِسْمِ اللهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ الله، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ». وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ الله، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» (صحيح رواه ابن ماجه)
стр. 107
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﵌.وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﵌، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (صحيح رواه ابن ماجه).
٨ - عند الدعاء: قال ﵌: «كُلّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ حَتَّى يُصَلَّى على النَّبِي ﵌» (حسنه الألباني في صحيح الجامع).
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سدد خطاكم قَالَ: «إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ ﷺ » (رواه الترمذي وحسنه الألباني).
وعن عبد الله بن أبي بكر قال: كنا بالخيف ومعنا عبد الله ابن أبي عتبة: فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﵌، ودعا بدعوات ثم قام فصلى بنا» (صحيح رواه الجهضمي في فضل الصلاة على النبي ﵌)
٩ - في القنوت: عن قتادة عن عبد الله بن الحارث: أن أبا حليمة معاذ ﵁ كان يصلي على النبي ﵌ في القنوت» (صحيح رواه الجهضمي في فضل الصلاة على النبي ﵌).
١٠ - في الصباح والمساء: قال رسول الله ﵌: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ حِينَ يُصْبِحُ عَشْرًا، وحِينَ يُمْسِي عَشْرًا أَدْرَكَتْهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَة». (حسن رواه الطبراني)
صلى الإلهُ على النبيِّ محمدٍ ... ما ناح قُمْرِيٌّ على الأغصانِ
وعلى جميعِ بناتِه ونسائِهِ ... وعلى جميعِ الصحبِ والإخوانِ
стр. 108
٢ - التحذير من ترك الصلاة على النبي ﵌ -
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ صعد المنبر فقال: «آمِين، آمِين، آمِين».
قيل: يا رسول الله، إنك صَعَدتَ المنبر فقلتَ: آمين، آمين، آمين؟
فقال: «إنَّ جبريل ﵇ أتاني فقال: مَنْ أدْرَكَ شَهْرَ رمَضَانَ فَلَمْ يُغفَر له فدخلَ النارَ فأَبْعَدهُ الله، قُلْ: آمِين، فقلتُ: آمِين.
ومَن أَدْرَكَ أبَويْه أو أحدَهُما فلم يبرّهُما فمات، فدخلَ النارَ فأَبْعَدهُ الله، قُلْ: آمِين، فقلتُ: آمِين.
ومن ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فلم يُصَلّ عليكَ فماتَ، فدخلَ النارَ فأَبْعَدهُ الله، قُلْ: آمِين، فقلتُ: آمِين». (حسن صحيح رواه ابن حبان).
وتأمل: جبريل ﵇ يدعو ونبينا ﵌ يقول: آمين؛ فاحذر أخي المسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ» (حسن صحيح رواه الترمذي).
وعن حسين بن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: «من ذُكِرْتُ عنده فخَطِىءَ الصلاةَ عليَّ، خَطِىءَ طريقَ الجنّة» (صحيح رواه الطبراني).
وعن حسين ﵁ عن النبي ﵌ قال: «البخيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلّ عَلَيَّ» (صحيح رواه النسائي وابن حبان).
وعن أبي ذر ﵁ قال: «خرجت ذات يوم فأَتَيتْتُ رسولَ الله ﵌ قال: «ألَا أخْبِرُكُمْ بِأَبْخَلِ النَّاسِ؟» قالوا: «بلى يا رسول الله».قال: «مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلّ عَلَيَّ فَذّلِكَ أبخَلُ النَّاسِ» (صحيح رواه ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة).
صَلّى عليكَ إلهُ العرشِ خالقُنا ... في الليلِ والصبحِ والأبكارِ والأُصُلِ
واخصُصْ أبا بكرٍ ثم الحِقْ به عمرًا ... كذلك عثمانَ ذي النورَيْنِ ثم علِي ...
стр. 109
والآلِ والصحبِ والأتباعِ أجمعِهِم ... أولي النُّهى والفخَارِ السادة ِالنُجُلِ
والسابقينَ إلى الإسلامِ قاطِبَةً ... والتابعينَ بإحسانٍ وكلّ ولِى
(الأصيل):الوقت حين تصفر الشمس لمغربها. (الناجل):كريم النسل.
• الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة على النبي ﵌:
قد جاءت الأحاديث مستفيضة توضح فضل الصلاة على النبي ﵌، وتبين مكانة المكثر من الصلاة عليه، فمن ثمرات الصلاة على النبي ﵌:
١ - امتثال أمر الله وموافقته في الصلاة عليه ﵌:
وإن اختلفت الصلاتان: فصلاتنا عليه دعاء وسؤال، وصلاة الله تعالى عليه ثناء وتشريف.
وأيضًا موافقة الملائكة فيها؛ قال الله : ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:٥٦).
٢ - حصول عشر صلوات من الله ومن الملائكة على المصلي بالصلاة مرة واحدة على النبي ﵌ ولم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى على النبي ﵌:
قال ﵌: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» (رواه مسلم).
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَى الْبُشْرَى فِي وَجْهِكَ؟ فَقَالَ: «إِنَّهُ أَتَانِي الْمَلَكُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا». (صحيح رواه النسائي وغيره).
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ نَخْلًا فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى خِفْتُ أَوْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ تَوَفَّاهُ أَوْ قَبَضَهُ، فَجِئْتُ أَنْظُرُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «مَا لَكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟» فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ؛ قَالَ لِي أَلَا أُبَشِّرُكَ؟ إِنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ؛ فسَجَدْتُ للهِ شُكْرًا». (حسن رواه أحمد والحاكم).
стр. 110
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَليَّ يَوْمَ الْجُمُعَة؛ فَإِنَّهُ أتَانِي جِبْرِيلُ آنِفًا عَنْ رَبِّهِ فَقَالَ: «مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيْكَ مَرَّةً وَاحِدَةً إلّا صَلَّيْتُ أنَا وَمَلَائِكَتِي عَلَيْهِ عَشْرًا» (حسن رواه الطبراني).
وقال رسول الله ﵌: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا صَلَّى عَلَيَّ؛ فَلْيُقِلَّ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرْ». (حسن رواه ابن ماجه).
٣ - مَن صلّى على النبي ﵌ صلاة كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات:
عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ الله ﵌ يَوْمًا طَيِّبَ النَّفْسِ يُرَى فِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَصْبَحْتَ الْيَوْمَ طَيِّبَ النَّفْسِ يُرَى فِي وَجْهِكَ الْبِشْرُ؟».
قَالَ: «أَجَلْ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ مِنْ أُمَّتِكَ صَلَاةً كَتَبَ اللهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهَا». (صحيح رواه أحمد والنسائي).
٤ - الصلاة على النبي ﵌ سبب لعرض اسم المصلي على رسول الله ﵌، وكفى بالمرء نُبلًا أن يُذكر اسمه بين يدي رسول الله ﵌:
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﵌ قال: «إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» (صحيح رواه النسائي وابن حبان).
وعن الحسن بن علي ﵄ أن رسول الله ﵌ قال: «حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي». (صحيح رواه الطبراني).
٥ - الصلاة على النبي ﵌ سبب لرد النبي ﵌ الصلاة والسلام على المصلي والمُسَلّم عليه:
فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﵌ قال: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇» (حسن رواه أحمد وأبو داود).
стр. 111
٦ - الصلاة على النبي ﵌ سبب لزيادة محبته ﵌ والقرب منه:
فعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِي كُلّ يَوْمِ جُمُعَةٍ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ أمَّتِي تُعْرَضُ عَلَيَّ فِي كُلّ يَوْمِ جُمُعَةٍ؛ فَمَنْ كَانَ أكْثَرَهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً كَانَ أَقْرَبَهُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً» (حسن رواه البيهقي).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً». (حسن رواه الترمذي).
(أَوْلَى النَّاسِ بِي) أَيْ أَقْرَبُهُمْ بِي أَوْ أَحَقّهُمْ بِشَفَاعَتِي.
(أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً) لِأَنَّ كَثْرَةَ الصَّلَاةِ مُنْبِئَةٌ عَنْ التَّعْظِيمِ الْمُقْتَضِي لِلْمُتَابَعَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ الْمَحَبَّةِ الْكَامِلَةِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَيْهَا مَحَبَّةُ الله تَعَالَى؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران:٣١).
٧ - الصلاة على النبي ﵌ سبب لغفران الذنوب وسبب لكفاية العبد ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة:
فعن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ الله ﵌ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللهَ، اذْكُرُوا اللهَ، جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ».
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟
فَقَالَ: «مَا شِئْتَ».
قُلْتُ: الرُّبُعَ؟
قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ».
قُلْتُ: النِّصْفَ؟
قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ».
قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ؟
قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ».
стр. 112
قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟
قَالَ: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ». (حسن صحيح رواه والترمذي)
قول أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁: «أكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟» معناه: إني مَعْنَاهُ أُكْثِرُ الدُّعَاءَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَك مِنْ دُعَائِي صَلَاةً عَلَيْك.
(قُلْتُ أَجْعَلُ لَك صَلَاتِي كُلَّهَا) أَيْ أَصْرِفُ بِصَلَاتِي عَلَيْك جَمِيعَ الزَّمَنِ الَّذِي كُنْت أَدْعُو فِيهِ لِنَفْسِي.
(قَالَ إِذًا تُكْفَى هَمَّك) الْهَمُّ مَا يَقْصِدُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، يَعْنِي إِذَا صَرَفْت جَمِيعَ أَزْمَانِ دُعَائِك فِي الصَّلَاةِ عَلَيَّ أُعْطِيتَ مَرَامَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قال الإمام ابن القيم ﵀ في (جلاء الأفهام): «وسُئِل شيخنا أبو العباس (ابن تيمية)، عن تفسير هذا الحديث فقال: كان لأبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ دعاءٌ يدعو به لنفسه، فسأل النبي ﵌:هل يجعل له منه ربعه صلاةً عليه ﵌؟
فقال: إن زِدتَ فهو خير لك. فقال له: النصف؟ فقال: إن زدت فهو خير، إلى أن قَالَ: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ»؛ لأن من صلى على النبي ﵌ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا، ومن صلى الله عليه كفاه همه وغفر له ذنبه، هذا معنى كلامه ﵁».اهـ.
وفي رواية للإمام أحمد (إسنادها جيد) عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ جَعَلْتُ صَلَاتِي كُلَّهَا عَلَيْكَ؟
قَالَ: «إِذَنْ يَكْفِيَكَ اللهُ ﵎ مَا أَهَمَّكَ مِنْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ».
٨ - الصلاة على النبي ﵌ سبب لنَيْل شفاعته ﵌: فعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ أوْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَقَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه الجهضمي في فضل الصلاة على النبي ﵌ وصححه الألباني).
٩ - يُرجَى إجابة الدعاء إذا قدَّم الداعي الصلاةَ على النبي ﵌ أمامه: قال ﵌: «كُلّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ حَتَّى يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﵌». (حسنه الألباني في صحيح الجامع).
قال المناوي: (كلُّ دعاءٌ محجوبٌ) أي محجوب عن القبول (حتى يُصَلَّي) أي حتى يُصَلِّي الداعي (على النبي ﵌) يعني أنه لا يرفع إلى الله حتى يستصحب الرافع معه الصلاة عليه؛ إذ هي الوسيلة إلى الإجابة».
١٠ - الصلاة على النبي ﵌ سبب لطِيبِ المجلس، وأن لا يعود حسرة على أهله يوم القيامة. وتنجي من نتن المجلس الذي لا يذكر فيه الله ويحمد ويثنى عليه فيه، ويصلى على رسوله ﵌.
١١ - الصلاة على النبي ﵌ تنفي عن العبد اسم البخل إذا صلى عليه عند ذكره ﵌، ويخرج بها العبد عن الجفاء.
١٢ - الصلاة على النبي ﵌ ترمي صاحبها على طريق الجنة، وتخطئ بتاركها عن طريقها.
١٣ - الصلاة على النبي ﵌ سبب لإبقاء الله سبحانه الثناء الحسن للمصلي عليه بين أهل السماء والأرض: لأن المصَلِّي طالبٌ من الله أن يثني على رسوله ويكرمه ويشرفه، والجزاء من جنس العمل، فلا بد أن يحصل للمصلي نوع من ذلك.
١٤ - الصلاة على النبي ﵌ سبب للبركة في ذات المصلي وعمله وعمره، وأسباب مصالحه: لأن المصلي داعٍ ربه أن يبارك علي النبي ﵌ وعلى آله، وهذا الدعاء مستجاب، والجزاء من جنسه.
١٥ - الصلاة على النبي ﵌ سبب لنَيْل رحمة الله للمصلي؛ لأن الرحمة ـ كما قال ابن القيم ﵀ ـ إما بمعنى الصلاة كما قاله طائفة، وإما من لوازمها وموجباتها على القول الصحيح، فلا بد للمصلي عليه من رحمة تناله.
١٦ - الصلاة على النبي ﵌ سبب لدوام محبته للرسول ﵌ وزيادتها وتضاعفها: وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأن العبد كلما أكثر من ذكر
стр. 113
المحبوب، واستحضاره في قلبه، واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه، تضاعف حبه له وتزايد شوقه إليه، واستولى على جميع قلبه.
وإذا أعرض عن ذكره وإحضار محاسنه بقلبه، نقص حبه من قلبه، ولا شيء أقَرَّ لعين المحب من رؤية محبوبه، ولا أقر لقلبه من ذكره وذكر محاسنه، وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه، والحس شاهد بذلك.
١٧ - الصلاة على النبي ﵌ سبب لمحبته للعبد: فإنها إذا كانت سببًا لزيادة محبة المصَلِّى عليه له، فكذلك هي سبب لمحبته هو ﵌ للمصَلِّي عليه.
١٨ - الصلاة على النبي ﵌ سبب لهداية العبد وحياة قلبه: فإنه كلما أكثر الصلاة عليه وذكره، استولت محبته على قلبه، حتى لا يبقى في قلبه معارضةٌ لشيء من أوامره، ولا شكٌ في شيءٍ مما جاء به، بل يصير ما جاء به مكتوبًا مسطورًا في قلبه، لا يزال يقرؤه على تعاقب أحواله، ويقتبس الهدى والفلاح وأنواع العلوم منه، وكلما ازداد في ذلك بصيرةً وقوةً ومعرفةً، ازدادَتْ صلاتُه عليه ﵌.
١٩ - الصلاة على النبي ﵌ أداء لأقل القليل من حقه ﵌.
٢٠ - الصلاة على النبي ﵌ متضمنة لذكر الله وشكره، ومعرفة إنعامه على عبيده بإرساله: فالمصَلِّي عليه ﵌ قد تضمنتْ صلاتُه عليه ذكر الله وذكر رسوله، وسؤاله أن يجزيه بصلاته عليه ما هو أهله، كما عرفنا ربنا وأسماءه وصفاته، وهدانا إلى طريق مرضاته، وعرفنا ما لنا بعد الوصول إليه، والقدوم عليه.
فهي متضمنة لكل الإيمان، بل هي متضمنة للإقرار بوجود الرب المدعو وعلمه وسمعه وقدرته وإرادته وصفاته وكلامه، وإرسال رسوله، وتصديقه في أخباره كلها، وكمال محبته، ولا ريب أن هذه هي أصول الإيمان، فالصلاة عليه ﵌ متضمنة لعلم العبد ذلك، وتصديقه به، ومحبته له فكانت من أفضل الأعمال.
стр. 114
٣ - كيفية الصلاة على النبي ﵌ ومعناها
هذه الصلاة تؤدَّى بأية صيغة كانت، وأفضلها ـ كما قال كثير من العلماء ـ هي الصلاة الإبراهيميّة التي تُقال بعد التشهد الأخير في الصلاة؛ لأن الأحاديث الصحيحة وردت في أنها هي التي علَّمها النبي ﵌ لأصحابه.
• بعض الأحاديث الواردة في كيفية الصلاة عليه ﵌:
١ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ الله ﵌ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟
فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﵌ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه مسلم).
ورواه الترمذي ولفظه: ... قَالَ رَسُولُ الله ﵌: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (صحيح).
٢ - عن أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ﵁ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﵌: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه البخاري).
٣ - عن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنْ النَّبِيِّ ﵌؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَأَهْدِهَا لِي. فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﵌، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى
стр. 115
آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». (رواه البخاري).
قَوْلهم: (كَيْف نُسَلِّم عَلَيْك) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيهِ إِشَارَة إِلَى السَّلَام الَّذِي فِي التَّشَهُّد وَهُوَ قَوْل: «السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللهِ وَبَرَكَاته»؛ فَيَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِمْ: «َكَيْف نُصَلِّي عَلَيْك» أَيْ بَعْد التَّشَهُّد.
٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، هَذَا التَّسْلِيمُ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» (رواه البخاري).
٥ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ» (رواه البخاري).
٦ - عن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟
قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه البخاري ومسلم).
• وقد ذكر الشيخ الألباني ﵀ ما ثبت من صيغ الصلاة عليه ﵌، وذلك في كتابه (صفة صلاة النبي ﵌):
١ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه أحمد والطحاوي بسند صحيح).
قال الشيخ الألباني: وهذا كان يدعو به هو نفسه ﵌.
٢ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه البخاري ومسلم).
٣ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه أحمد والنسائي وأبو يعلى).
٤ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه مسلم وأبو عوانة).
٥ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى ِإبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» (رواه البخاري والنسائي والطحاوي وأحمد)
٦ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه البخاري ومسلم).
٧ - «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه النسائي والطحاوي).
• حكم كتابة (ص) و (صلعم) إذا ذُكِرَ النبي ﵌، بدلًا من كتابتها كاملة:
الذي ينبغي أن نعمله هو أن نصلي عليه ﵌ لفظًا كاملًا ونكتب ذلك كاملًا.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: « ... وبما أن الصلاة على النبي ﵌ مشروعة في الصلوات في التشهد، ومشروعة في الخطب والأدعية والاستغفار، وبعد الأذان، وعند دخول المسجد، والخروج منه، وعند ذكره، وفي مواضع أخرى، فهي تتأكد عند كتابة اسمه في كتاب، أو مؤلَّف، أو رسالة، أو مقال، أو نحو ذلك.
стр. 116
والمشروع أن تكتب كاملةً تحقيقًا لما أمرنا الله تعالى به، ولِيَتَذَكّرها القارئ عند مروره عليها، ولا ينبغي عند الكتابة الاقتصار في الصلاة على رسول الله على كلمة (ص) أو (صلعم) وما أشبهها من الرموز التي قد يستعملها بعض الكتبة والمؤلفين؛ لما في ذلك من مخالفة أمر الله في كتابه العزيز بقوله:
﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:٥٦).
مع أنه لا يتم بها المقصود وتنعدم الأفضلية الموجودة في كتابة ﷺ كاملة. وقد لا ينتبه لها القارئ أو لا يفهم المراد بها، علمًا بأن الرمز لها قد كرهه أهل العلم وحذروا منه». (مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٩).
• معنى الصلاة على النبي ﵌:
معنى (اللهم):لا خلاف أن لفظة (اللهم) معناها: يا الله؛ ولهذا لا تستعمل إلا في الطلب، فلا يقال: اللهم غفور رحيم؛ بل يقال: اللهم اغفر لي وارحمني.
معنى الصلاة على النبي ﵌:مَعْنَى صَلَاة اللهِ عَلَى نَبِيّه: ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَتَعْظِيمه.
وَصَلَاة الْمَلَائِكَة وَغَيْرهمْ عَلَيْهِ: طَلَب ذَلِكَ لَهُ مِنْ اللهِ تَعَالَى، وَالْمُرَاد طَلَب الزِّيَادَة لَا طَلَب أَصْل الصَّلَاة.
وَقِيلَ: صَلَاة اللهِ عَلَى خَلْقه تَكُون خَاصَّة وَتَكُون عَامَّة فَصَلَاتُه عَلَى أَنْبِيَائِهِ: هِيَ الثَّنَاء وَالتَّعْظِيم.
وَصَلَاتُه عَلَى غَيْرهمْ: الرَّحْمَة؛ فَهِيَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْء.
معنى (آل النبي ﵌):ذكر الإمام ابن القيم في (جلاء الأفهام) أن الناس اختلفوا في آل النبي ﵌ على أربعة أقوال:
القول الأول: هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء:
١ - أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب.
٢ - أنهم بنو هاشم خاصة.
٣ - أنهم بنو هاشم ومَن فوقَهم إلى بني غالب.
стр. 117
القول الثاني: أن آل النبي ﵌ هم ذريته وأزواجه خاصة.
القول الثالث: أن آله ﵌ أتباعه إلى يوم القيامة.
القول الرابع: أن آله ﵌ هم الأتقياء من أمته.
ثم ذكر حجج هذه الأقوال، ثم قال: «والصحيح القول الأول ويليه القول الثاني. وأما الثالث والرابع فضعيفان».
• معنى اسم النبي محمد ﵌ واشتقاقه:
هذا الاسم هو أشهر أسمائه ﵌، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمن الثناء على المحمود ومحبته وإجلاله وتعظيمه.
هذا هو حقيقة الحمد وبُني على زنة مُفَعَّل مثل مُعَظَّم، ومُحَبَّب، ومبجَّل، ونظائرها؛ لأن هذا البناء موضوع للتكثير.
فإن اشتق منه اسم فاعل، فمعناه من كثر صدور الفعل منه مرة بعد مرة، كمعلِّم، ومفهِّم، ومبيِّن، ومخلِّص، ونحوها، وإن اشتُقَّ منه اسم مفعول فمعناه من كثر تكرر وقوع الفعل عليه مرة بعد أخرى إما استحقاقًا أو وقوعًا.
فـ (محمَّد) هو الذي كثر حمد الحامدين له مرةً بعد أخرى، أوالذي يستحق أن يحمد مرة بعد أخرى.
فتسميته ﵌ بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مسماه وهو الحمد، فإنه ﵌ محمودٌ عند الله، ومحمودٌ عند ملائكته، ومحمودٌ عند إخوانه من المرسلين، ومحمودٌ عند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم.
فإن ما فيه من صفات الكمال محمودٌ عند كل عاقل، وإن كابَرَ عقله جُحُودًا، أو عِنَادًا، أو جَهْلًا باتصافه بها، ولو عَلِمَ اتصافه بها لَحَمِدَهُ؛ فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال، ويجهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامدٌ له.
وهو ﵌ اختُصَّ من مُسَمَّى الحمْد بما لم يجتمع لغيره؛ فإنه اسمه محمَّد وأحمد، وأمته الحمَّادون، يحمدون الله في السراء والضراء، وصلاتُه وصلاةُ أمَّتِه مفتَتَحة بالحمد
стр. 118
، وخطبته مفتَتَحة بالحمد، وكتابه ـ أي القرآن الكريم ـ مفتَتَح بالحمد، هكذا عند الله في اللوح المحفوظ أن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحًا بالحمد.
* وبيده ﵌ لواء الحمد (١) يوم القيامة، ولما يسجد بين يدي ربه للشفاعة، ويُؤْذَنُ له فيها، يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (الإسراء:٧٩).وإذا قام في ذلك المقام حَمِدَه حينئذ أهل الموقف كلهم مسلمُهم وكافرُهم أولهم وآخرهم.
* وهو محمود ﵌ بما ملأ الأرض من الهدى والإيمان والعلم النافع والعمل الصالح، وفتح به القلوب، وكشف به الظُلمة عن أهل الأرض، واستنقذهم من أسر الشياطين، ومن الشرك بالله والكفر به والجهل به، حتى نال به أتباعه شرف الدنيا والآخرة، فإن رسالته وافت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها، فإنهم كانوا بين عُبَّادِ أوْثان وعُبَّادِ صُلْبَان وعُبَّادِ نيران وعُبَّاد الكواكب، ومغضوبٍ عليهم قد باؤوا بغضب، وحَيران لا يعرف ربًا يعبده، ولا بماذا يعبده، والناس يأكلُ بعضُهم بعضًا، مَنْ استحسن شيئًا دعا إليه، وقاتل مَن خالَفه، وليس في الأرض موضع قدم مُشرقٌ بنورِ الرسالة.
وقد نظر الله سبحانه حينئذٍ إلى أهل الأرض، فمقَتَهم عرَبَهم وعَجَمَهم إلا بقايا على آثار مِن دينٍ صحيح، فأغاث الله به البلاد والعباد، وكشف به تلك الظُلَم، وأحيا به من الجهالة، وكثر بعد القلة، وأعز به بعد الذلة، وأغنى به بعد العَيْلة، وفتح به أعينًا عُميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، فعرف الناس ربهم ومعبودهم.
وعرَّفهم الطريق الموصل لهم إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدَعْ حسنًا إلا أمرهم به، ولا قبيحًا إلا نهى عنه، كما قال ﵌: «إنَّه لَيْسَ شَيْءٌ يقرِّبُكُمْ إلى الجنَّة إلا قَدْ أمَرْتُكُمْ بِهِ، ولَيْسَ شيءٌ يقرِّبُكُمْ إلى النَّارِ إلا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْه» (حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة).
وعرَّفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم يدَعْ بابًا من العلمِ النافع للعباد المقرِّبِ لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مشكلًا إلا بينه وشرحه، حتى هدى الله به القلوب من ضلالها وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منه ﵌ وجزاه عن أمته أفضل الجزاء.
* ومما يحمد عليه ﵌ ما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشيم، فإن من نظر في أخلاقه وشيمه ﵌ علم أنها خيرُ أخلاق، فإنه ﵌ كان أعلم الخلق،
معنى قول: اللَّهم بارك على محمّد وعلى آل محمّد:
البركة: النماء والزيادة.
والتبريك: الدعاء بذلك. ويقال: باركه الله وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له.
وفي القرآن الكريم: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاق﴾ (الصافات:١١٣)، وفيه:
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (الأنبياء:٧١).
وقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄:عَلَّمَنِي رَسُولُ الله ﵌ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». (صحيح رواه أصحاب السنن).
والْمُبَارَك: الذي قد بارَكه الله سبحانه، كما قال المسيح ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (مريم:٣٠ - ٣١).
وكتاب الله مبارَك، قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (الأنبياء:٥٠)، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص:٢٩)، وهو أحق أن يسمى مباركا من كل شيء؛ لكثرة خيره ومنافعه، ووجوه البركة فيه.
والرب تعالي يقال في حقه: «تبارك»، ولا يقال: مبارك.
وقال الحسن: «تبارك»:تجيء البركة من قِبَله.
وقال الضحاك: تبارك: تعاظم. وقال الخليل بن أحمد: تمجد.
وقال الحسين بن الفضل: تبارك في ذاته، وبارك فيمن شاء من خلقه.
قال الإمام ابن القيم: وهذا أحسن الأقوال.
стр. 123
ولا يوصف بهذه اللفظة إلا الله ، ولا تتصرف هذه اللفظة في لغة العرب، لا يستعمل منها مضارع ولا أمر.
وقول: «وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»:هذا الدعاء يتضمن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته وثبوته له، ومضاعفته له وزيادته، هذا حقيقة البركة.
وقد قال تعالى في إبراهيم وآله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (الصافات:١١٢ - ١١٣)، وقال تعالى فيه وفي أهل بيته: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (هود:٧٣).
وتأمل كيف جاء في القرآن: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ (الصافات:١١٣) ولم يذكر إسماعيل؛ إيذانًا بما حصل لبَنِيهِ من الخير والبركة، لا سيما خاتمة بركتهم وأعظمها وأجلها برسول الله ﵌، فنبهَهُم بذلك على ما يكون في بنيه من هذه البركة العظيمة الموافية على لسان المبارك ﵌.
• اختتام الصلاة على النبي ﵌ باسْمَيْن من أسماء الرب ـ وهما: الحميد والمجيد:
وذكر هذين الاسمين: الحميد والمجيد عقب الصلاة على النبي ﵌ مطابق لقوله تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (هود:٧٣).
ولما كانت الصلاة على النبي ﵌ ـ وهي ثناء الله تعالى عليه وتكريمه والتنويه به، ورفع ذكره، وزيادة حبه وتقريبه ـ كانت مشتملة على الحمد والمجد، فكأن المصلي طلب من الله تعالى أن يزيد في حمده ومجده، فإن الصلاة عليه هي نوع حمد له وتمجيد، هذا حقيقتها، فذكر في هذا المطلوب الاسمين المناسبين له، وهما اسما الحميد والمجيد.
والداعي يُشرَع له أن يختم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب لمطلوبه، أو يفتتح دعاءه به، وهذا من قوله : ﴿وَلِلهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
(الأعراف:١٨٠)، وقال سليمان؛ في دعائه: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي
стр. 124
لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (ص:٣٥)، وقال الخليل وابنه إسماعيل سدد خطاكم في دعائهما: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:١٢٨).
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كَانَ يُعَدُّ لِرَسُولِ الله ﵌ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةُ مَرَّةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُومَ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ» (صحيح رواه الترمذي).
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (صحيح رواه الترمذي).
ولما كان المطلوب للرسول ﵌ حمدًا ومجدًا بصلاة الله عليه، ختم هذا السؤال باسمي الحميد والمجيد.
وأيضًا فإنه لما كان المطلوب للرسول ﵌ حمدًا ومجدًا، وكان ذلك حاصلًا له، ختم ذلك بالإخبار عن ثبوت هذين الوصفين للرب بطريق الأولى، وكل كمال في العبد غير مستلزم للنقص، فالرب أحق به.
وأيضًا فإنه لما طلب للرسول ﵌ حمدًا ومجدًا بالصلاة عليه ـ وذلك يستلزم الثناء عليه ـ خُتِمَ هذا المطلوب بالثناء على مُرسِله بالحمد والمجد، فيكون هذا الدعاء متضمنًا لطلب الحمد والمجد للرسول ﵌، والإخبار عن ثبوته للرب .
стр. 125
٤ - اتباع النبي ﵌ دليل محبة الله -
من يَدَّعِ حُبَّ النبى ولم يَفِدْ ... مِن هَدْيِه فَسَفَاهَةُُ وهُراءُ
فالحبُّ أولُ شَرطِه وفروضِه ... ـ إنْ كان صادقًا ـ طاعةُُ ووفاءُ
• محبة الرسول ﵌ تكون باتباع سنته والامتثال لأوامره:
قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ٣١ - ٣٢).
دلت هذه الآية الكريمة على أن كل من ادعى محبة الله ، وليس متبعًا لهدي النبي ﵌ فإنه كاذب في دعواه، حتى يتبع سنة النبي ﵌ في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﵌ أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم)؛ ولهذا قال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ.
وقال الحسن البصري وغيره من السلف: «زعم قوم أنهم يحبون اللهَ فابتلاهم اللهُ بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾».
ثم قال : ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: باتباعكم للرسول ﵌ يحصل لكم هذا كله.
ثم قال آمرًا لكل أحد من خاص وعام: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: خالفوا عن أمره ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر،
стр. 126
والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب الله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء ـ بل المرسلون، بل أولو العزم منهم ـ في زمانه لما وَسِعَهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته ﵌.
أتُحِبُّ أعداءَ الحبيبِ وتدَّعِي ... حُبًا له، ما ذاك فى الإمكانِ
وكذا تُعادِي جاهدًا أحبابَه ... أينَ المحبةُ يا أخَا الشيطانِ؟!
إنَّ المحبةَ أنْ توافقَ مَنْ ... تُحِبُّ علَى محبَّتِه بلا نُقْصانِ
فإن ادَّعيْتَ له المحبةَ مع خلافِ ... ما يحبُّ فأنتَ ذو بهتانِ
• الوصايا العشر:
إن الله ﵎ أنزل في كتابه الكريم آياتٍ في آخر سورة الأنعام، هذه الآيات هي الوصايا العشر، التي قال عنها عبد الله بن مسعود ﵁: «من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﵌ التي عليها خاتمه ـ أي التي كأنه ﵌ كتبها وختمها، وبعث بها إلى كل واحد منا كأنها رسالة خاصة مختومة من النبي ﵌ ـ فليقرأ هذه الآيات:
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:١٥١ - ١٥٣)
هذه الوصايا العشر بدأها الله ﵎ بالوصية الأولى، وهي الوصية العظمى، وهي توحيد الله وعدم الشرك به ، فهذه أول ما يجب علينا أن
стр. 127
نعلمه من ديننا، وأول ما يجب أن نتمسك به، وأول ما يجب أن ندعوا إليه، كما بعث النبي ﵌ معاذًا بن جبل إلى اليمن فقال له:
«إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (رواه البخاري).فهذا أول ما يجب.
ثم بعد ذلك آخر الوصية التي كأنها وصية النبي ﵌ التي عليها خاتمه، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام:١٥٣) أي: التمسك بهذا الهدي، والسير عليه، وعدم الالتفات يمينًا أو يسارًا، فهذه الوصية الخاتمة الأخيرة من الوصايا العشر، وهي التي تضبط كل الوصايا، فكل عملٍ لله لا بد أن يكون وفق ما شرع رسول الله ﵌.
فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام:١٥٣)، فذكر تعالى أن له سبيلًا واحدًا سماه صراطًا مستقيمًا لأنه أقرب طريق إلى الحق والخير والسلام، وأن هناك سبلًا متعددة يتفرق متبعوها عن ذلك الصراط، وهي طرق الشيطان، وحث سبحانه على اتباع سبيله الذي هو الكتاب والسنة حثًا مقرونًا بالنهي عن اتباع السبل مبينًا أن ذلك سبب للتفرق، ولذا ترى المسلمين العاملين قد لزموا سبيلًا واحدًا أمِروا بسلوكه، وأما أهل البدع والأهواء فقد افترقوا في سبلهم على حسب معتقداتهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة.
• الدين اتباع وليس ابتداعًا:
ولكون هذا الدين اتباعًا وليس ابتداعًا ولا يخضع للهوى ـ لأهميته ولعظم شأنه ـ جعله الله ﵎ في كل ركعةٍ من ركعات الصلاة، فكل مسلم يقرأ في كل ركعة
стр. 128
من صلاته سورة الفاتحة، التي هي أم القرآن، والتي هي أفضل سورة في كتاب الله تعالى فهذه فاتحة الكتاب تضمنت هذا المعنى وهو أن الدين اتباع وليس ابتداعًا.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة:٦) فهذا هو طلبنا الذي نطلبه من الله في كل ركعة أن يهدينا الصراط المستقيم، فما هو الصراط المستقيم؟
الصراط المستقيم هو مضمون قولنا: «إن الدين اتباع»، فالصراط المستقيم هو الإسلام، وهو هدي النبي ﵌، وهو طاعة الله ﵎ دون أن يحيد الإنسان عنها لا ذات اليمين ولا ذات الشمال، حتى قال مَن قال من السلف: «إن الصراط المستقيم أبو بكر وعمر ﵄»؛ أي الطريق الذي كان عليه أبو بكر وعمر، والسلف الصالح، فإذا قلنا القرآن، أو الإسلام، أو الدين، أو السنة، أو الخلفاء الراشدين، كل ذلك يدخل في أنه هو الصراط المستقيم الذي ندعو الله أن يهدينا إليه.
عَنْ جَابِرٍ بن عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﵌ فَخَطَّ خَطًّا هَكَذَا أَمَامَهُ فَقَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللهِ » وخَطّ خطًّا عن يَمِينِه وخَطَّ خَطًّا عن شِمَالِه وقَالَ: «هَذِهِ سُبُلُ الشَّيْطَانِ» ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الْأََوْسَط ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. (صحيح رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة).
فالنبي ﵌ مثَّل هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (الأنعام:١٥٣) مثلها عمَليًا مِثل وسائل الإيضاح التي تعرض على الطلبة في المدارس لتتضح لهم بعض المعالم الجغرافية أو الرياضية.
فهذا الصراط هو الإسلام وهو السنة، وهذه الخطوط: هي الأهواء والبدع والضلالات التي كثرت، والتي تكثر في كل زمان ومكان تصديقًا لما قاله الرسول ﵌: «افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتْ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً
стр. 129
، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ»
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ». (صحيح رواه ابن ماجه).
(الْجَمَاعَة) أَيْ الْمُوَافِقُونَ لِجَمَاعَةِ الصَّحَابَة الْآخِذُونَ بِعَقَائِدِهِمْ الْمُتَمَسِّكُونَ بِرَأْيِهِمْ. ويوضح ذلك قول النبي ﵌ في رواية الترمذي «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» (حديث حسن).
فهذه السبل التي على جنبات الصراط هي هذه الفرق والأهواء، وهي الضلالات التي ندعو الله أن يجنِّبَنا إياها، وندعوه أن يثبتنا على الصراط المستقيم، وهو اتباع دين محمدٍ ﵌ وسنته.
• ولابد في العمل الصالح من شرطين:
الأول: أن يكون العمل خالصًا لوجه الله ، فإذا لم يكن العمل خالصًا لوجه الله فإنه لا يقبله، كإنسان يريد بعمله الدنيا.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «قَالَ اللهُ ﵎: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (رواه مسلم).
مَعْنَى الحديث: أَنَا غَنِيّ عَنْ الْمُشَارَكَة وَغَيْرهَا، فَمَنْ عَمِلَ شَيْئًا لِي وَلِغَيْرِي لَمْ أَقْبَلهُ، بَلْ أَتْرُكهُ لِذَلِكَ الْغَيْر. وَالْمُرَاد أَنَّ عَمَل الْمُرَائِي بَاطِل لَا ثَوَاب فِيهِ، وَيَأْثَم بِهِ.
لماذا يشرك بالله وهو غني عن جميع الأعمال التي يعملها؟!
حاله مثل من يهدي إلى تاجر غني هدية ـ والله هو الغني وله المثل الأعلى ـ، ويقول: هذا لك، وأعط فلانًا منها قليلًا، فيقول له: أعطها كلها لفلان فأنا لست محتاجًا لها، فكيف والله الغني العظيم الذي يقول ـ فيما يرويه عنه حبيبنا ﵌:
«يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا.
стр. 130
يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا.
يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ». (رواه مسلم) (الْمِخْيَط ـ بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْيَاء ـ هُوَ الْإِبْرَة).
يقول الله ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (محمد:٣٨)، فيجب أن يكون العمل خالصًا لوجه الله .
والشرط الثاني: أن يكون صوابًا وفق سنة رسول الله ﵌، كيف يكون العمل صوابًا، وبماذا؟ بالعلم ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأنبياء:٧) بعض الناس يصلي عمره خمسين سنة، لكن لو أتينا ونظرنا إلى هذه الصلاة هل هي كما أمر رسول الله ﵌، وهل هي كما قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»؟ (رواه البخاري).
* قال ﵌: «إنِّي قَدْ تَرَكْتُُ فِيكُم شَيْئَينِ لَنْ تَضِلّوا بَعدَهُما: كَتَابَ اللهِ وسُنَّتِي، ولَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا علَيّ الحَوْضَ» (صحيح رواه الحاكم).
فهما الأصلان اللذان لا عدول عنهما ولا هدى إلا منهما، والعصمة والنجاة لمن تمسك بهما واعتصم بحبلهما، وهما الفرقان الواضح والبرهان اللائح بين المحق إذا اقتفاهما والمبطل إذا خلاهما، فوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة متعين معلوم من الدين بالضرورة.
وقال رسول الله ﵌: «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». (صحيح رواه أبو داود وروى مسلم لفظة: «كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»).
عضوا عليها بالنواجذ: كناية عن شدة التمسك بها، والنواجذ: الأضراس.
стр. 131
* قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء:٥٩) قال العلماء: معناه: إلى الكتاب والسنة، فأمر سبحانه برد الأمر في حالة النزاع إلى كتابه العزيز وسنة نبيه ﵌ ففي حالة الوفاق أولى.
فإذًا الواجب علينا معاشر المسلمين اتباعه ﵌ في جميع أقواله وأفعاله والتأسي به في سائر أحواله، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر:٧)، وما أخبث رجلًا ترك سبيل السُنة الشارحة للكتاب، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور:٦٣).
* قال الحافظ ابن كثير: «﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمر رسول الله ﵌، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وشريعته فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبِل وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله، كائنًا من كان كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﵌ أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم).
أي: فليحذر ولْيَخْش من خالف شريعة الرسول باطنًا أو ظاهرًا ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الدنيا، بقتل أو حد أو حبس، أو نحو ذلك».
* قال رسول الله ﵌: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم).
قال الإمام النوويُّ: «قَالَ أَهْل الْعَرَبِيَّة: (الرَّدّ) هُنَا بِمَعْنَى الْمَرْدُود، وَمَعْنَاهُ: فَهُوَ بَاطِل غَيْر مُعْتَدّ بِهِ. وَهَذَا الْحَدِيث قَاعِدَة عَظِيمَة مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام، وَهُوَ مِنْ جَوَامِع كَلِمه ﵌ فَإِنَّهُ صَرِيح فِي رَدّ كُلّ الْبِدَع وَالْمُخْتَرَعَات ... وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا يَنْبَغِي حِفْظه وَاسْتِعْمَاله فِي إِبْطَال الْمُنْكَرَات، وَإِشَاعَة الِاسْتِدْلَال بِهِ».
قال الحافظ ابن رجب: «فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله
стр. 132
فعمله باطل مردود».
وقال الحافظ ابن حجر: «وَهَذَا الْحَدِيث مَعْدُود مِنْ أُصُول الْإِسْلَام وَقَاعِدَة مِنْ قَوَاعِده».
وقال رسول الله ﵌: «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْزَارُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِهَا شَيْئًا» (صحيح رواه ابن ماجه).
* وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم».
* وقال الإمام مالك ﵀: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﵌ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة:٣)، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا».
* قال الإمام الزهري ﵀: «الاعتصام بالسنة نجاة؛ لأن السنة ـ كما قال مالك ـ مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك».
إذًا لا بد من وجود شرطين في أي عمل حتى يتقبله الله، وهما:
• أن يكون خالصًا لوجه الله .
• وأن يكون صوابًا وفق ما أنزل الله تعالى.
قال الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:١١٠).
قال الحافظ ابن كثير: «﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: ثوابه وجزاءه الصالح، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا﴾، ما كان موافقًا لشرع الله ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتَقَبَّل».اهـ.
•
стр. 133
إن الشرك والضلال والانحراف الذي وقع في الجاهلية الأولى، ومن بعدهم إنما وقع نتيجة الابتداع في دين الله تعالى.
كانت العرب على دين التوحيد منذ أن بنَََى إبراهيم الخليل وإسماعيل سدد خطاكم البيت الحرام، حتى ظهر رجل يقال له: عمرو بن لُحَيّ الخُزاعي، هذا الرجل ذهب في رحلة إلى الشام، فوجد أُمّةً متحضرة ليست مثل العرب تسكن الخيام وترعى الغنم والإبل، وجد هناك حضارة، وأنظمةً، وملكًا، وأبهةً، فغَرَّتْه تلك المظاهر، ثم تأمل في دينهم فوجدهم يعبدون الأصنام، إذ أنهم يصورون الصور، ويضعونها في الكنائس كصورة عيسى ﵇، وصورة مريم العذراء، وغيرها من الأنصاب والتماثيل، ثم يعبدونها من دون الله، فاستحسن هذا الأمر، لأنه صادر عن أمة متحضرة وليست كالعرب.
فأخذ هذه الصور وجاء بها إلى مكة ووضعها العرب بالكعبة فكان هذا الرجل أول من غير ملة إبراهيم ﵇ من التوحيد إلى الشرك.
بل جاءت رسالة محمد ﵌ تصحيحًا للشرك الذي وقع فيه العرب بعد أن كانوا على ملة التوحيد، فمن جاء ليصرفنا عن ملة التوحيد، التي وحّدنا الله ﵎ بها بعد الفرقة، وجمعنا بها بعد الشتات، وأنار بها قلوبنا بعد الظلمة، فلا طاعة له، لأن محمدًا ﵌ ليس إمامه وقدوته، وإنما إمامه وقدوته عمرو بن لحي.
• التوحيد التوحيد! والسنة السنة! من تمسك بهما نجا:
سنة النبي ﵌ هي سفينة نوح، من تمسك بها نجا، ومن حاد عنها غرق وهلك، وإن زعم أنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء، لا عاصم أبدًا من عذاب الله، إلا باتباع سنة رسول الله ﵌، ولا طريق إلى الله إلا باتباع سنة محمد ﵌، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران: ٣١).
стр. 134
هذا هو الطريق الوحيد، فمن كان يَدَّعِيْ محبة الله، ومحبة رسوله ﵌، فليتبع رسول الله ﵌، وليقدم حبه على نفسه، وأهله، وماله، وولده، كما قال رسول الله ﵌: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (رواه البخاري ومسلم)؛ فلا بد أن تكون محبة الرسول ﵌ بهذه الدرجة.
والمحبة تتمثل في حب سنته وهديه، فمن والى الكفار، فهذا لا يحب رسول الله ﵌، هل يمكن أن يزعم أحدٌ أنه يحب أحدًا ما وهو يخالف طريقته، ويرد أمره، وينقض قوله؟ هذا لا يحبه، وهذه دعوى كاذبة، ولهذا قال تعالى في الآية التي تسمى آية المحنة، أو الفتنة، أو الابتلاء: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ (آل عمران:٣١).
فاتباع رسول الله ﵌ هو الصراط المستقيم الذي ندعوا الله في كل ركعة من فريضة أو نافلة أن يثبتنا عليه، قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة:٦ - ٧).
• الابتداع في الدين سبب للطرد عن حوض النبي ﵌:
عن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا» (رواه البخاري).
عن أَنَس بْنِ مَالِكٍ سدد خطاكم عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ» (رواه مسلم).
وقال ﵌: «أَلاَ لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِى كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: «أَلاَ هَلُمَّ». فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا». (رواه مسلم).
(أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ) مَعْنَاهُ: تَعَالَوْا. فَأَقُول سُحْقًا سُحْقًا) مَعْنَاهُ (بُعْدًا بُعْدًا).
стр. 135
٥ - التواضع وذم الكبر
• الكبرياء صفة لا تنبغي إلا لله :
من نبذ خلق التواضع وتعالى وتكَبَّر إنما هو في الحقيقة معتد على مقام الألوهية؛ لأن الكبرياء والعظمة لله وحده، ولا يجوز للعبد أن يتصف بهما أو بأحدهما.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «قَالَ اللهُ : الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» (صحيح رواه أبو داود).
فليسَ بغريب إذًا أن نجد التواضع من صفات الصالحين. ومن أخص خصال المؤمنين المتقين ومن كريم سجايا العاملين. قال الله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَـ?فِرِينَ﴾ (المائدة:٥٤).
وقال الله لنبيه والخطاب عام له ولأمته: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء ٢١٥) وقال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِى الأرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (لقمان:١٨).وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ: أي ولا تُعرض بوجهك عمن تكلمه تكبرًا. مَرَحًا: أي مختالًا تمشي خيلاء. مُخْتَالٍ فَخُورٍ: أي متبختر فخور كثير الفخر مما أعطاه الله ولا يشكر.
وقال : ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى? كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر:٣٥).
«كَذَلِكَ» أي: كما طبع على قلوب آل فرعون «يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» متكبر في نفسه على الحق برده، وعلى الخلق باحتقارهم، جبار بكثرة ظلمه وعدوانه.
واعلم أخي المسلم: أن الكبر من أخلاق الكفار الفراعنة، والتواضع من أخلاق الأنبياء والصالحين لأن الله تعالى وصف الكفار بالكبر فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـ?هَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات:٣٥).وقال: ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (النحل:٢٣).
•
стр. 136
صور من تواضع النبي ﵌:
يا من تحبون رسول الله ﵌، يا من تعتقدون أن لا سعادة ولا عزة ولا طريق إلى الجنة إلا باتباع رسول الله ﵌ وإلا بأن تكون محبته مقدمة على كل محبوب من البشر. ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاْخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:٢١).
إنه ﵌ سيد ولد آدم، ليس فوقه أحد من البشر ـ حاشاه ﵌ ـ إنه أحب الخلق إلى الله وأعظمهم جاهًا وقدرًا عند رب العالمين. إنه صاحب الوسيلة وهي أعلى درجة في الجنة، منزلةٌ واحدةٌ ليست إلا له ﵌.إن الأرض ما وطئ عليها ولن يطأ عليها إلى يوم القيامة أكرم ولا أجل ولا أرفع منه ﵌.
ومع ذلك تأمل أخي المؤمن تواضعه العجيب ﵌.
أ- عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ حَتَّى وَارَى التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ ـ وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعَرِ ـ وَهُوَ يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عَبْدِ اللهِ
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الْأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا»
يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ» (رواه البخاري).
ب- رعيُهُ ﵌ الغنم وتحدثه بذلك:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ»، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: «وَأَنْتَ»، فَقَالَ: «نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ» (رواه البخاري)
قَوْله: (عَلَى قَرَارِيط لِأَهْلِ مَكَّة) الْقِيرَاط: جُزْء مِنْ الدِّينَار أَوْ الدِّرْهَم.
وَفِي ذِكْر النَّبِيّ ﵌ لِذَلِكَ ـ بَعْد أَنْ عُلِمَ كَوْنه أَكْرَم الْخَلْق عَلَى اللهِ ـ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَظِيم التَّوَاضُع لِرَبِّهِ وَالتَّصْرِيح بِمِنَّتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَانه مِنْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللهِ وَسَلَامه عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِر الْأَنْبِيَاء.
قَالَ الْعُلَمَاء: الْحِكْمَة فِي إِلْهَام الْأَنْبِيَاء مِنْ رَعْي الْغَنَم قَبْل النُّبُوَّة أَنْ يَحْصُل لَهُمْ التَّمَرُّن بِرَعْيِهَا عَلَى مَا يُكَلَّفُونَهُ مِنْ الْقِيَام بِأَمْرِ أُمَّتهمْ، وَلِأَنَّ فِي مُخَالَطَتهَا مَا يُحَصِّل لَهُمْ الْحِلْم وَالشَّفَقَة لِأَنَّهُمْ إِذَا صَبَرُوا عَلَى رَعْيهَا وَجَمْعهَا بَعْد تَفَرُّقهَا فِي الْمَرْعَى وَنَقْلهَا مِنْ مَسْرَح إِلَى مَسْرَح وَدَفْع عَدُوّهَا ـ مِنْ سَبُع وَغَيْره كَالسَّارِقِ ـ وَعَلِمُوا اِخْتِلَاف طِبَاعهَا وَشِدَّة تَفَرُّقهَا مَعَ ضَعْفهَا وَاحْتِيَاجهَا إِلَى الْمُعَاهَدَة؛ أَلِفُوا مِنْ ذَلِكَ الصَّبْر عَلَى الْأُمَّة وَعَرَفُوا اِخْتِلَاف طِبَاعهَا وَتَفَاوُت عُقُولهَا فَجَبَرُوا كَسْرهَا وَرَفَقُوا بِضَعِيفِهَا وَأَحْسَنُوا التَّعَاهُد لَهَا؛ فَيَكُون تَحَمُّلهمْ لِمَشَقَّةِ ذَلِكَ أَسْهَل مِمَّا لَوْ كُلِّفُوا الْقِيَام بِذَلِكَ مِنْ أَوَّل وَهْلَة لِمَا يَحْصُل لَهُمْ مِنْ التَّدْرِيج عَلَى ذَلِكَ بِرَعْيِ الْغَنَم.
وَخُصَّتْ الْغَنَم بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا أَضْعَف مِنْ غَيْرهَا، وَلِأَنَّ تَفَرُّقهَا أَكْثَر مِنْ تَفَرُّق الْإِبِل وَالْبَقَر لِإِمْكَانِ ضَبْط الْإِبِل وَالْبَقَر بِالرَّبْطِ دُونهَا فِي الْعَادَة الْمَأْلُوفَة، وَمَعَ أَكْثَرِيَّة تَفَرُّقهَا فَهِيَ أَسْرَع اِنْقِيَادًا مِنْ غَيْرهَا.
جـ ـ تواضعه ﵌ مع الضعفاء والأرامل والمساكين والصبيان.
عن سهل بن حنيف ﵁:أن رسول الله ﵌: «كَانَ يأتِي ضُعَفَاءَ المسْلِمِينَ ويَزُورُهُمْ، ويَعُودُ مَرْضَاهُمْ، ويَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ» (صحيح رواه الطبراني وغيره).
يأتي ضعفاء المسلمين، فلم تشغله النبوة عن ذلك. ولم تمنعه مسؤولية أمته، ولا كثرة الأعمال: أن يجعل للضعفاء والمرضى نصيبًا من الزيارة والعبادة واللقاء.
ولقد كان ﵌ يمر بالصبيان فيسلم عليهم. وفي رواية: «كَانَ يَزُورُ الأنْصَارَ ويُسَلّمُ عَلَى صِبْيَانِهِمْ ويَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ». (صحيح رواه النسائي).
إنك ترى ـ في عصرنا هذا ـ بعض الناس يترفع عن المتقين من الرجال فكيف يكون شأنه مع الصبيان والصغار؟
إنك لتجد بعض ضعفاء الإيمان يأنف أن يسلم على من يرى أنه أقل منه درجة أو منصبًا، ولعل ما بينهما عند الله كما بين السماء والأرض! ألا فليعلم أولئك أنهم على غير هدي رسول الله ﵌.
стр. 137
فقد كان ﵌ يركب الحمار ويخصف النعل ويرفَع القميص ويلبس الصوف ويقول: «مَنْ رَغِبَ عَنْ ُسنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». (حسن رواه ابن عساكر). (خَصَفَ النعْلَ: خاطَهُ بالِمخْرَز).
د - تواضع النبي ﵌ مع أهله: أخي المسلم تأمل في هذه الأحاديث:
سُئِلَتْ عَائِشَةَ ﵂:مَا كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ ـ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ ـ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ» (رواه البخاري).
(فِي مَهْنَةِ أَهْله) قَدْ فَسَّرَهَا فِي الْحَدِيث بِالْخِدْمَةِ، وَهِيَ مِنْ تَفْسِير آدَم بْن أَبِي إِيَاس شَيْخ البخاري. وَقَدْ وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي (الشَّمَائِل) لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيق عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَة بِلَفْظِ: «مَا كَانَ إِلَّا بَشَرًا مِنْ الْبَشَر: يُفَلِّي ثَوْبه، وَيَحْلُبُ شَاتَه، وَيَخْدُم نَفْسه» (صحيح).
وَفِي الحديث التَّرْغِيب فِي التَّوَاضُع وَتَرْك التَّكَبُّر وَخِدْمَة الرَّجُل أَهْله.
وعَنْ عُرْوَةَ بن الزبير قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَائِشَةَ ﵂ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: «نَعَمْ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ» (صحيح رواه الإمام أحمد).
وقِيلَ لِعَائِشَةَ ﵂:مَا كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَمَا يَصْنَعُ أَحَدُكُمْ يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيُرَقِّعُ ثَوْبَهُ» (إسناده صحيح رواه الإمام أحمد).
ماذا يقال عمن يفعل مثل هذا اليوم؟ محكوم للمرأة!! ولكنه النور الذي جعله الله في قلب رسول الله ﵌ فظهر في سلوكه وفعاله وتواضعه وخدمة أهله. وبه كانت تسمو نفسه ﵌ وتعلو، فليقل السفهاء ما يحلو لهم أن يقولوا.
ولم يكن رسول الله ﵌ يفعل هذا من فراغ في وقته ولكنه كان يحقق العبودية لله سبحانه بجميع أنواعها وأشكالها وصورها.
•
قال الحسن سدد خطاكم: «هل تدرون ما التواضع؟ التواضع: أن تخرج من منزلك فلا تلقى مسلمًا إلا رأيت له عليك فضلًا».
ومن منا الآن يطبق هذا القول على نفسه، وينزلها تلك المنزلة؟ بل البعض يأخذه العجب والتيه والتكبر على عباد الله لدنيا أو منصب أو علم أوجاه .. وكلها منح وعطايا من الله .ومثلما أعطاها إياه فهو سبحانه قادر على أن يسلبها منه في طرفة عين.
قال سفيان بن عيينة: «من كانت معصيته في شهوة فارْجُ له التوبة؛ فإن آدم ﵇ عصي مشتهيًا فاستغفر فغُفر له، فإذا كانت معصيته من كبر فاخْشَ عليه اللعنة. فإن إبليس عصى مستكبرًا فلُعن».
أخي المسلم: من اتقى الله تعالى تواضَعَ له، ومن تكبر كان فاقدًا لتقواه، ركيكًا في دينه مشتغلًا بدنياه؛ فالمتكبر وضيع وإن رأى نفسه مرتفعًا على الخلق، والمتواضع وإن رؤي وضيعًا فهو رفيع القدر.
تواضَعْ تَكُنْ كالنجمِ لاحَ لِنَاظرٍ ... على صَفْحَاتِ الماءِ وهو رَفِيعُ
ولا تكُ كالدّخَانِ يعْلُو بنَفْسِه إلى طبَقَاتِ الجوِّ وهو وَضِيعُ
وتأمل في حال من تلبسه الشيطان في حالة واحدة من حالات الكبر يظنها بعض الناس يسيرة وهي عند الله عظيمة؛ فقد قال رسول الله ﵌: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ اللهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (رواه مسلم). (يَتَجَلْجَل: يَتَحَرَّك وَيَنْزِل مُضْطَرِبًا).
مر بعض المتكبرين على مالك بن دينار، وكان هذا المتكبر يتبختر في مشيته فقال له مالك: أما علمت أنها مشية يكرها الله إلا بين الصفين؟ (أي عند قتال الكفار) فقال المتكبر: أما تعرفني؟ قال مالك: بلى، أوّلُك نطفة مَذِِرة (أي فاسدة)، وآخرك جيفة قذرة (أي تموت ويأكلك الدود)، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة (يعني البراز)، فانكسر وقال: «الآن عرفتني حق المعرفة».
أخي الحبيب: كل ما تراه من مباهج الدنيا وزينتها إنما هو ظل زائل وراكب مرتحل.
أحلامُ ليلٍ أو كَظِلٍ زَائلِِِ ... إنَّ اللبيبَ بمِثلِها لا يُخْدَعُ
عن ابن شهاب قال: «خرج عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة، فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة.
فقال أبو عبيدة: «يا أمير المؤمنين، أأنت تفعل هذا؟! تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟!
ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك!».
فقال عمر: أَوَّهْ، لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة، جعلته نكالًا لأمة محمد ﵁! إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله».
(رواه الحاكم وقال: «صحيح على شرط الشيخين». ووافقه الذهبي، والألباني).
(استشرفوك):رفعوا أبصارهم ينظرون إليك. (أَوَّهْ) كَلِمَة تُقَال عِنْد التَّوَجُّع.
قال الشاعر:
تواضَعْ إذا ما نِلتَ في الناسِ رفعةً ... فإنّ رفِيعَ القومِ مَن يَتَوَاضَعُ
ولا تمشِ فوقَ الأرضِ إلا تواضعًا ... فكمْ تحتَها قومٌ هُمُوا مِنْكَ أرفَعُ
وإنْ كُنْتَ في عِزٍ رَفيعٍ ومَنْعَةٍ ... فكمْ مَاتَ مِن قومٍ هُمُوا منكَ أمْنَعُ
أيها الناس: اعلموا أن الزمان لا يثبت على حال كما قال : ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران:١٣٩).فتارة فقر، وتارة غِنَى، وتارة عز، وتارة ذُل، وتارة منصب، وهكذا؛ فالسعيد من لازم أصلًا واحدًا على كل حال، وهو تقوى الله والتواضع على كل حال، وهذا الذي يزينه ويبقى معه.
стр. 141
٦ - فضائل الصحابة ﵃ -
قال الله : ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (الحج:٣٨).يخبر أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، ومن هؤلاء الأشرار الفجار الشيعة الاثنى عشرية الموجودون في إيران والعراق ولبنان وغيرهم، أولئك الذين يزعمون أن الصحابة ﵃ ارتدوا عن الإسلام إلا ثلاثة أو أربعة أو سبعة، على اختلاف أساطيرهم.
وكيف يقال مثل هذا القول في أشرف جيل عرفته الإنسانية، وأفضل قرن عرفته البشرية، في قوم نقلوا لنا الدين، وشهدت بفضلهم آيات القرآن العظيمة، ونصوص السّنة المطهّرة، ووقائع التاريخ الصادقة.
• يباهي الله بهم ملائكته:
وتأمل كيف يباهي الله بهم ملائكته، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ.
قَالَ: آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟
قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ.
قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟».
قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا.
قَالَ: «آللهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟»
قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ.
قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللهَ يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ» (رواه مسلم).
فطوبى لمن أحبهم، وسلك سبيلهم، وترضى عنهم، ويا ويل من أبغضهم أو أبغض بعضهم، وذلك من علامات الخذلان، وأمارات الخيبة والخسران. ومبغضهم ومنتقدهم نابح الكواكب النيِّرات وناطح الجبال الثابتات.
فالسعيد من تولى جملتهم، واهتدى بهديهم، وتمسك بحبلهم، والشقى من تعرض للخوض فيما شجر بينهم، واقتحم خطر التفريق بينهم، وأتبع نفسه هواها فى سب أحد منهم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» (رواه البخاري).
قال الحافظ ابن حجر: قَوْله (مِنْ عَادَى لِي وَلِيًّا) الْمُرَاد بِوَلِيِّ اللهِ الْعَالِم بِاللهِ الْمُوَاظِب عَلَى طَاعَته الْمُخْلِص فِي عِبَادَته. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ وُجُود أَحَدٍ يُعَادِيهِ لِأَنَّ الْمُعَادَاةَ إِنَّمَا تَقَعُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَمَنْ شَأْن الْوَلِيِّ الْحِلْم وَالصَّفْح عَمَّنْ يَجْهَل عَلَيْهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُعَادَاةَ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي الْخُصُومَةِ وَالْمُعَامَلَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَثَلًا بَلْ قَدْ تَقَع عَنْ بُغْضٍ يَنْشَأُ عَنْ التَّعَصُّبِ كَالرَّافِضِيِّ (١) فِي بُغْضِهِ لِأَبِي بَكْرٍ، وَالْمُبْتَدِع فِي بُغْضِهِ لِلسُّنِّيِّ، فَتَقَعُ الْمُعَادَاةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، أَمَّا مِنْ جَانِب الْوَلِيِّ فَللهِ تَعَالَى وَفِي اللهِ، وَأَمَّا مِنْ جَانِب الْآخَر فَلِمَا تَقَدَّمَ. اهـ من (فتح الباري).
وهؤلاء الشيعة الاثنا عشرية يعادون أولياء الله من الصحابة ﵃ ـ فمن دونهم ـ فكيف يواليهم مسلم؟ وكيف تنطلي عليه خدعتهم وكيف يركن إليهم؟ والله تعالى يقول ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (هود:١١٣).
стр. 142
وهؤلاء الشيعة ظالمون ومن بعض ظلمهم أنهم يظلمون أبا بكر وعمر ﵄، فكيف يواليهم مسلم والله تعالى يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام:١٢٩)، إنه لا يواليهم إلا ظالم، ومن يرضى أن يكون ظالمًا لأبي بكر وعمر وعثمان وأبي عبيدة وطلحة والزبير؟ ومَن يرضَى أن يكون في الصف المقابل للصحابة وأئمة الاجتهاد من هذه الأمة؟ ومن يرضى أن يكون أداة بيد الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم؟
تقوم عقيدة الشيعة الإثنى عشرية على سب وشتم وتكفير الصحابة ﵃.ذكر الكليني في (فروع الكافي) (كذبًا) عن جعفر: «كان الناس أهل ردة بعد النبي ﵌ إلا ثلاثة، فقلت: من الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي».
وذكر المجلسي في (حق اليقين) أنه قال لعلي بن الحسين مولى له: «لي عليك حق الخدمة فأخبرني عن أبي بكر وعمر؟ فقال: إنهما كانا كافرين، الذي يحبهما فهو كافر أيضًا».
وفي تفسير القمي عند قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (النحل:٩٠) قالوا: الفحشاء أبو بكر، والمنكر عمر، والبغي عثمان.
ويقولون في كتابهم (مفتاح الجنان): «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد والعن صنمَيْ قريش وجِبتَيْهِما وطاغوتَيْهما وابنتيهما .. إلخ» ويعنون بذلك أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة ﵃.
وفي يوم عاشوراء يأتون بكلب ويسمونه عمر، ثم ينهالون عليه ضربا بالعصي ورجمًا بالحجارة حتى يموت، ثم يأتون بسخلة (١) ويسمونها عائشة، ثم يبدؤون بنتف شعرها وينهالون عليها ضربًا بالأحذية حتى تموت.
وللشيعة عيد يقيمونه في اليوم التاسع من ربيع الأول، يحتفلون فيه باليوم الذي قتل فيه الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، ويسمون قاتله أبا لؤلؤة المجوسي: بابا شجاع الدين.
اللهم ارض عن الصحابة أجمعين وعن أمهات المؤمنين.
قال الإمام مالك ﵀ عن الشيعة: «إنما هؤلاء قوم أرادوا القدح في النبي ﵌ فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء، ولو كان صالحًا كان أصحابه صالحين».
وقال الحافظ الكبير أبو زرعة الرازي ﵀: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب النبي ﵌ فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن القرآن حق، والرسول ﵌ حق، وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك كله إلا الصحابة. فمَن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة، فيكون الجرح به أليق، والحكم عليه بالزندقة والضلال أقْوَم وأحَق».
قال الإمام الطحاوي الحنفي في عقيدته المشهورة: «ونحب أصحاب الرسول ﵌ ولا نفرق في حب أحد منهم، ونبغض من أبغضهم وبغير الخير يذكرهم، محبتُهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان».
فهؤلاء الشيعة يريدون أن يهدموا الصحابة ليبطلوا القرآن والسنة ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف:٨).
لا تركنَنَّ إلى الروافِضِ إنَّهمْ ... شتَموا الصحابةَ دونَ مَا برهانِ
لعِنوا كما بَغَضُوا صحابةَ أحمدٍ ... ووِدَادُهُم فرضٌ على الإنسانِ
حُبُّ الصحابةِ والقرابةِ سُنَّةٌ ... ألقَى بها ربِّي إذا أحَياني
• من هو الصحابى؟
الصحابى مَن لقي النبي ﵌ مؤمنًا به، ومات على الإسلام، فيدخل في (من لقيه) مَن طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لَم يرو، ومن لَمْ يره لعارض كالعمى.
•
стр. 143
عدة الصحابة ﵃:
توفى رسول الله ﵌ وقد دخل فى الناس فى دين الله أفواجًا كما بشره الله بقوله: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا﴾ (النصر:١، ٢).
ونقل الإمام الشافعى ﵀ أن النبى ﵌ قبض والمسلمون ستون ألفًا: ثلاثون ألفًا بالمدينة، وثلاثون ألفا فى قبائل العرب غيرها.
وقد ذكر القرآن صحابيًا هو زيد بن حارثة ﵁، بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (الأحزاب:٣٧)، وأضمر صحابيًا آخر هو أبو بكر الصديق ﵁ بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (التوبة:٤٠).
وإذا ثبت لرجل أو لامرأة الصحبة فلا يمكن أن يخرج من حظيرتهم ولا يقبل لمزة بالنفاق إلا بإسناد صحيح كذلك، ولهذا لا يصح قول من قال: إن ثعلبة بن حاطب الأنصارى ـ وهو ممن شهد غزوة بدر ـ هو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (التوبة:٧٥).
وهذه القصة ـ التي يذكرها كثير من الخطباء أثناء حديثهم عن الزكاة ـ لا تصح سندًا ولا متنًا، أما سندًا فهى من طريق معان بن رفاعة عن على بن يزيد، وكلاهما لا يصح حديثهما.
وأما متنًا فالنبى ﵌ قرر أن مانع الزكاة تؤخذ منه قسرًا، وحارب أبو بكر الصديق ﵁ مانعى الزكاة، فكيف يرفض أخذها رسول الله ﵌ وأبو بكر وعمر؟
• عدالة الصحابة ﵃ ووجوب محبتهم ونصرتهم:
اتفق أهل السنة على أن جميع الصحابة عدول، وعدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران:١١٠).وقوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة:١٤٣).وقوله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
стр. 144
الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (الفتح:١٨).وقوله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ (التوبة:١٠٠).
ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﵌ كما وصفهم الله فى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر:١٠).
وطاعةً للنبى ﵌ فى قوله: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (رواه البخاري ومسلم).
ومَعْنَى الْحَدِيث: لَا يَنَال أَحَدكُمْ بِإِنْفَاقِ مِثْل أُحُد ذَهَبًا مِنْ الْفَضْل وَالْأَجْر مَا يَنَال أَحَدهمْ بِإِنْفَاقِ مُدّ طَعَام أَوْ نَصِيفه.
وأهل السنة والجماعة يقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، ويفضلون من أنفق من قبل الفتح ـ وهو صلح الحدييية ـ وقاتل، على من أنفق من بعدُ وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: «لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (رواه البخاري ومسلم).
ويؤمنون بأن النبي ﵌ قال: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» (صحيح رواه أبو داود)، بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة؛ قال الله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (الفتح:١٨، ١٩).
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﵌، كالعشرة وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة ﵃، ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين على بن
стр. 145
أبى طالب ﵁ وغيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بعثمان ويربعون بعلى ﵃.
وعَنْ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟
قَالَ: عَائِشَةُ.
قُلْتُ: مِنْ الرِّجَالِ؟
قَالَ: أَبُوهَا.
قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟
قَالَ: عُمَرُ، فَعَدَّ رِجَالًا». (رواه البخاري ومسلم).
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي (أي على بن أبى طالب ﵁):أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﵌؟
قَالَ: «أَبُو بَكْرٍ».
قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟
قَالَ: «ثُمَّ عُمَرُ»، وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ.
قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟
قَالَ: «مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (رواه البخاري).
قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): «وَهَذَا قَالَهُ عَلِيّ ﵁ تَوَاضُعًا مَعَ مَعْرِفَته حِين الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة أَنَّهُ خَيْر النَّاس يَوْمئِذٍ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْد قَتْل عُثْمَان، وَأَمَّا خَشْيَة مُحَمَّد اِبْن الْحَنَفِيَّة أَنْ يَقُول عُثْمَان فَلِأَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ يَعْتَقِد أَنَّ أَبَاهُ أَفْضَل، فَخَشِيَ أَنَّ عَلِيًّا يَقُول عُثْمَان عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع مِنْهُ وَالْهَضْم لِنَفْسِهِ فَيَضْطَرِب حَال اِعْتِقَاده وَلَا سِيَّمَا وَهُوَ فِي سِنّ الْحَدَاثَة ... وَقَدْ سَبَقَ بَيَان الِاخْتِلَاف فِي أَيّ الرَّجُلَيْنِ أَفْضَل بَعْد أَبِي بَكْر وَعُمَر: عُثْمَان أَوْ عَلِيّ؟ وَأَنَّ الْإِجْمَاع اِنْعَقَدَ بِآخِرِهِ بَيْن أَهْل السُّنَّة أَنَّ تَرْتِيبهمْ فِي الْفَضْل كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْخِلَافَة، ﵃ أَجْمَعِينَ».
ثم نقل عن الْقُرْطُبِيّ فِي (الْمُفْهِم شرح صحيح مسلم) أن الْمَقْطُوع بِهِ بَيْن أَهْل السُّنَّة بِأَفْضَلِيَّةِ أَبِي بَكْر ثُمَّ عُمَر، ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِيمَنْ بَعْدهمَا: فَالْجُمْهُور عَلَى تَقْدِيم عُثْمَان، وَعَنْ مَالِك التَّوَقُّف، وَالْمَسْأَلَة اِجْتِهَادِيَّة، وَمُسْتَنَدهَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة اِخْتَارَهُمْ اللهُ تَعَالَى لِخِلَافَةِ نَبِيّه وَإِقَامَة دِينه فَمَنْزِلَتهمْ عِنْده بِحَسَبِ تَرْتِيبهمْ فِي الْخِلَافَة».اهـ بتصرف من (الفتح).
بلّغ الأشواقَ والحُبَّ الصَّحَابَةْ سَادَةَ القومِ وأَرْبَابَ النَّجَابَةْ
هُمْ حُمَاةُ الدِّينِ أَبْطَالُ الرَّدَى بَلْ غُيُوثُ البَذْلِ بَلْ آسَادُ غابَةْ
حُبُّهُمْ دِينٌ ومَنْ يُبْغِضْهُمُوا ربُّنا في نارِهِ الأخْرَى أذَابهَْ
(غُيُوثُ جمع: غيث: وهو المطر، والمعنى أنهم كثيرو البذل).
• فضائل الصحابة من كتاب الله :
١ - قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة:١٤٣).
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: عدلًا خيارًا، فجعل الله هذه الأمة، وسطًا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء، بين من غلا فيهم، كالنصارى، وبين من جفاهم، كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك.
ووسطًا في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى.
وفي باب الطهارة والمطاعم طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم الطيبات، عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئًا، ولا يحرمون شيئًا.
فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها.