وهذا يزيد ثقتك بنفسك ويخلصك من الارتباك والتوتر كما أنه يفيدك في معرفة ردود فعل المستمعين وانطباعاتهم لتجري على موضوعك أو طريقة إلقائه التعديل المناسب.
١٣ - التمهل في الإلقاء:
الإلقاء السريع المتعجل يفقد المتابعة كما أنه قد يشوه إخراج الحروف فيختلط بعضها ببعض وتتداخل المعاني وتلتبس العبارات وقد يؤدي التعجل إلى إهمال الوقوف عند المقاطع ورعاية الفواصل.
وهذا التمهل الذي ندعو إليه لا ينبغي أن يقود إلى هدوء بارد وتثاقل مميت.
١٤ - تجنُب الألفاظ العامية الساقطة، والكلمات المرذولة، فإن مقام المنبر ينبغي أن ينزه عن كلام السوقة، والأسواق.
١٥ - أن يختار الأسلوب السهل الواضح ما أمكن مع القوة والجزالة، وذلك لأن أكثر مستمعيه هم من العامة، أو من متوسطي الثقافة غالبًا.
١٦ - وضوح الصوت، وعلوه في اعتدال:
عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» (رواه مسلم). والضَّمِير فِي قَوْله: (يَقُول صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ) عَائِد عَلَى مُنْذِر جَيْش.
فعلى الخطيب مراعاة الاعتدال في علو صوته، ومراعاة حاجة المكان والجمع مع عدم الإسراع في إلقائه.
١٧ - إثارة العواطف:
الخطيب المؤثر إذا حدَّث الناس عن الجنة فكأنما بجناحيه فيها يطير، وحول أنهارها يسير، وبين يدي حُورها يميل، وإذا حدَّثهم عن النار فكأنه في بركانها يصطلي، كلامه عنها يفتت الأكباد، ويذهل الألباب، ويقطع الآمال.
стр. 72
١٨ - إثارة انتباه الجماهير: أثِر انتباه الجماهير بالآتي:
أ-قصة مثيرة: إنها بداية مثيرة جدًا، فالنفوس تحب الاستماع إلى القصص والروايات ومتابعة أحداثها أكثر من الكلام النظري المجرد.
ب- سؤال يحرك الأذهان: من الافتتاحيات المميزة أن يبدأ الخطيب بطرح سؤال لاستدراج الجمهور إلى التفكير، والتعاون معه.
إن استخدام هذا السؤال الافتتاحي هو واحد من أبسط وأضمن الطرق لفتح أذهان جمهورك والدخول إليها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟».
قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلم.
قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ».
قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟
قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَه، وَإِنْ لم يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ»
(رواه مسلم).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا المفْلِسُ؟».
قَالُوا: المفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ.
فَقَالَ: «إِنَّ المفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَن يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّار» (رواه مسلم).
جـ- ضرب الأمثال: يصعب على المستمع العادي أن يتتبع العبارات المجردة طويلًا، لكن من السهل عليه الاستماع إلى الأمثلة، لماذا إذن لا تبدأ بواحد منها؟ افتتح بمَثَل، أَثِر الاهتمام، ثم تابع تقديم ملاحظاتك العامة.
стр. 73
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ. هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟»
قَالُوا: لا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ.
قَال: َ «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» (رواه البخاري).
وعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوْءِ كَحَامِلِ المسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ المسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَة» (رواه البخاري).
د-الاستعراض: من الطرق السهلة لجذب الانتباه استعراض شيء يتطلع إليه المخاطبون.
فعن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قال: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﵌ حَرِيرًا بِشِمَالِهِ وَذَهَبًا بِيَمِينِهِ ثُمَّ رَفَعَ بِهِمَا يَدَيْهِ فَقَالَ: «إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ» (صحيح رواه ابن ماجه).
هـ- موجز الخطبة (الإجمال قبل التفصيل):
من المقدمات الناجحة أن يقدم الخطيب لمستمعيه عرضًا مجملًا لعناصر الخطبة، ثم يشرع في تفاصيل الخطبة. إن هذه المقدمة ستكون مفتاحًا لأذهان المستمعين، ومعينًا لهم على فهم الخطبة ومتابعة أجزائها.
١٩ - كيف تختم خطبتك:
بعد أن يفرغ الخطيب من عرض موضوعه، وسَوْق أدلته، وضرب أمثلته، وبيان دروسه، وعبره، وترهيبه، يحسن أن يُنهي خطبته بخاتمة مناسبة تكون قوية في تعبيرها وتأثيرها، لأنها آخر ما يطرق سمع السامع ويبقى في ذهنه. وليس كل كلام يصلح أن يكون خاتمة للخطبة، ولا كل عبارة تصلح أن تكون نهاية للكلام، بل ينبغي
стр. 74
أن تكون الخاتمة بأقوى العبارات وأجزلها، وأعظمها أثرًا فهي آخر ما يطرق آذان المخاطبين، ويعلق بأذهانهم.
فيحسن في الخاتمة أن تجمع الصفات التالية:
• قوة العبارة وقصرها.
• الاختلاف في ألفاظها عما سبق في الخطبة، فلا تكون تكرارًا لما تقدم.
• خلوها من أي خطأ علمي، أو لُغوي، فإنها تعطي الانطباع الأخير عن الخطبة.
• وقوعها في قمة حماسة الناس وتأثرهم.
مقترحات للخاتمة:
أ- آيات كريمة أو حديث نبوي:
يمكن أن يختم الخطيب بآيات قرآنية لم يسُقها من قبل تجمع موضوعه في الترغيب والترهيب أو التدليل والإثبات، وقد تكون حديثًا نبويًا مناسبًا.
ب- دعاء: بين يدي الخطيب طائفة من الأدعية القرآنية أو النبوية المأثورة، يمكن أن يختار منها ما يناسب الموضوع، ويجعله خاتمة لخطبته. كما يمكن أن ينشئ من دعائه الخاص ما يدعم الهدف المراد من الخطبة ويقويه في نفوس المستمعين.
ولقد اختلف الفقهاء في حكم دعاء الخطيب للمسلمين في الخطبة الثانية من خطبتي الجمعة، وذلك على قولين:
القول الأول: أنه سنة.
القول الثاني: أنه ركن من أركان الخطبة الثانية.
والأرجح هو سنية الدعاء في خطبة الجمعة فعَنْ حُصَيْن بن عبد الرحمن أن عُمَارَةَ بْنَ رُؤَيْبَةَ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى المنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ فَقَالَ: «قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ؛ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ المسَبِّحَةِ». (رواه مسلم).
стр. 75
فهذا الصحابي عُمَارَةَ بْنَ رُؤَيْبَةَ سدد خطاكم لم ينكر على بشر بن مروان الدعاء، وإنما أنكر عليه رفع اليدين وذكر أن النبي ﵌ لم يكن يرفع يديه في الدعاء.
فهذا إقرار من هذا الصحابي سدد خطاكم على هذا الأمر (١).
جـ- تلخيص الأفكار:
وتغطية أفكار كثيرة في خطاب قصير تتراوح مدته بين ثلاث أو خمس دقائق. وقد قيل: أخبرهم أولًا بما تنوي إخبارهم به، ثم أخبرهم، ثم أخبرهم بما أخبرتهم.
د- مقتطفات شعرية:
وإذا استطعت الحصول على قطعة شعرية ملائمة لنهايتك، يكون الأمر طيبًا.
٢٠ - فصاحة اللسان:
إن فصاحة اللسان وسلامة مخارج الحروف أمر مهم للخطيب وكذلك مراعاة حسن الإلقاء، قوةً ولينًا، فلا يكون الإلقاء على وتيرة واحدة، حتى لا يمل السامع، أو يعتمد أسلوب السجع الممقوت، فإن من شأن ذلك إضاعة المعنى، والتركيز على اللفظ. مع ضرورة مراعاة قواعد اللغة العربية، لأن عدم مراعاتها يحدِث خللًا في المعنى.
٢١ - المقارنة بين الواقع والمأمول:
في نقد الأخطاء، وتقويم السلوكيات قد يسأم الناس إذا اقتصر الناقد على الأفكار النظرية فقط. لكن قَلّما يفشل في جذب انتباههم والتأثير في نفوسهم إذا عرض بعض المشاهد من أحوالهم الملموسة، وقارن بين هذه المشاهد ومشاهد من الأحوال الصحيحة المأمولة.
وإن أكثر الأشياء إثارة لاهتمامنا هي أحوالنا التي نقع فيها. إذ كل واحد منا يشعر في هذه الحالة بأنه معني بهذا الكلام دون سواه.
стр. 76
وهذا مثال تطبيقي:
عرض مَشاهد من الأحوال الملموسة ... مقارنة بمشاهد من الأحوال المأمولة (أحوال السلف)
١ - رجل يسهر مع رفاقه، ثم ينام عن صلاة الفجر. ... كان المريض في عهد الصحابة يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف.
٢ - شاب يبكي لهزيمة فريقه. ... سعيد بن عبد العزيز يبكي لما فاتته صلاة الجماعة.
٣ - تساهل بعض نسائنا في الحجاب. ... خروج نِسَاءِ الْأَنْصَارِ عندما نزل الأمر بالحجاب كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ مِنْ الْأَكْسِيَةِ
إن مثل هذه المقارنات سيكون أثرها في نفوس السامعين أبلغ من النقد المباشر.
وتأمل في هذا الدرس النبوي الذي يعتمد على أسلوب المقارنة التي تحث على الاقتداء.
فعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ﵁ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلا تَدْعُو لَنَا؟!
فَقَال: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالمنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُون» (رواه البخاري).
стр. 77
همسات في أذن خطيب الجمعة
• أخي الخطيب:
إن من يقوم بعمل يهدف من ورائه إلى أن يصل إلى شيء ما؛ فاجعل لك هدفًا عاليًا في خطبتك فأنت تهدف في صعودك المنبر في السنة اثنتين وخمسين مرة تقريبًا إلى أن تصحح مفاهيم الناس وبخاصة حول معتقداتهم وترشدهم إلى المعتقد الصحيح.
وأنت تهدف في صعودك المنبر إلى أن تقرب الناس من ربهم وأن تحبب الدين وأحكامه إليهم، فعليك بما يقوي فيهم الإيمان ويزرع فيهم الخير والنفع والرحمة والشفقة.
وأنت تهدف إلى تصحيح أوضاع اجتماعية تَعَارف عليها الناس وقد يكون الصواب في غيرها فاجتهد في توجيه الناس إلى الصواب، وحذار من السخرية والاستفزاز والإعجاب وسرعة الوصول إلى النتائج.
إنك تهدف إلى إصلاح المجتمع ولن يتأتى هذا العلاج بخطبة أو خطبتين فوطّن نفسك على الرفق وحب الخير للناس ونصحهم وتوجيههم في كل قول تقوله.
• أخي الخطيب:
أحكام الإسلام متفاوتة في أهميتها فأعط كل حكم ما يستحقه من الاهتمام، والحكمة ضالة المؤمن، قال : ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة:٢٦٩).
• أخي الخطيب:
سائل نفسك باستمرار ماذا حققت من خُطَبك المتكررة؟ هل شاركت في تربية المجتمع على الخلق الفاضل والأدب الحسن؟ هل أسهمت في تعليم الناس أمور دينهم؟ إنك تحملت أمانة عظيمة اسألِ اللهَ أن يعينك على أدائها.
• أخي الخطيب:
احرص على التواضع وعدم التعالي على السامعين.
стр. 78
فإن من الأمور التي ينبغي على الخطيب أن يفطن لها أن يكون ذا تواضع ينظر إلى الناس بعين الرحمة والشفقة يوقر الكبير ويرحم الصغير، يُذكر عن بكر بن عبد الله المزني أنه قال: «ما رأيت أكبر مني إلا قلتُ: هو خير مني سبقني إلى الطاعة، ولا رأيت أصغر مني إلا قلتُ: هو خير مني سبقتُه إلى المعصية».
إن السامعين ينفرون ممن يتعالى عليهم ويظهر أنه أعلى وأرفع منهم، وبالمقابل فإنهم يحبون المتواضعين الذي يحترمون الناس ويرحمونهم فعلى الخطيب الكريم أن يكون قدوة فيما يدعو الناس إليه، وليتذكر قول الشاعر:
وقفتُ للتذكيرِ ولو كنتُ منصفًا ... لذكّرْتُ نفسي فهي أحوجُ للذكرَى
إذا لم يكنْ منِّي لنفسي واعظٌ ... فيا ليتَ شعري كيف أفعلُ في الأخرَى
• أخي الخطيب:
إن إثارة الحمية الدينية لدى السامعين من الأمور الهامة في الخطبة فاعلم أن الخطيب الذي يثير السامعين بأسلوبه، ويهز مشاعرهم بخطابه، ويرجع ما يصيب الناس من المصائب والكوارث والابتلاء إلى ضعف الإيمان وانتهاك ما حرم الله ـ خطيب ناجح.
كما أن الخطيب الموفق هو الذي يثير حمية السامعين الدينية ويلفت انتباههم بأن ما يحصل للمسلمين من انحراف وتفرق وشرود عن النهج الصحيح يفرح أعداء الإسلام ويسرهم كثيرًا؛ وقد قال الله : ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ (أل عمران:١٢٠)، وأي سيئة أعظم من تخلخل ارتباط المسلمين بإسلامهم، وأي سيئة أعظم من أن يتفرق المسلمون ويفسد ما بينهم إن هذا مما يبهج الأعداء ويفرحهم.
• الخطيب ووحدة الأمة:
الخطيب يجب أن يكون حريصًا على تآلف القلوب، ووحدة الأمة، واجتماع الكلمة، وعليه أن يبتعد عن كل ما مِن شأنه أن يفرق وحدة المسلمين، حتى ولو كان ما يقوله حقًا.
стр. 79
وكل إخلال بهذه الحقيقة إنما هو إخلال، وتقصير في فريضة، فكيف يأتي هذا التقصير من قبل الخطيب، وهو يعلم أن هذا من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة.
لذا فإن على الخطيب أن يحذر من كل سبب يؤدي إلى اهتزاز هذه الحقيقة في النفوس، وأن يجتنب كل عبارة أو فكرة تؤدي إلى زعزعتها، ومن ذلك:
١ - تخصيص شخص معين بالنقد.
٢ - تخصيص جماعة معينة بذلك.
٣ - تخصيص بلد أو جنسية معينة بالفساد وسوء الأحوال.
وهذا لا يقلل من شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يقصد به مداراة الفساد والمفسدين أيًا كانوا، فمما لا يخفى أن هذه المحاذير لا تحول بين الخطيب وبين الصدع بالحق، وهتك أستار الباطل، وتعرية المفسدين دون الحاجة إلى التعيين والتخصيص.
فهدي النبي ﵌ خير الهدي، وأكمله، وأنفعه، وقد كان من هديه ﵌ عدم التخصيص إلا عندما تدعو مصلحة شرعية راجحة لذلك.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة ليس هنا مجال ذكرها، وهي دالة على أن هدي النبي ﵌ الحفاظ على مشاعر المسلمين، وعدم مواجهتهم باللوم، وعدم مجابهتهم بالتعنيف.
فتوسع بعض الخطباء في هذا المجال من منطلق الصدع بالحق، وعدم المداهنة فيه، لا يخلو من مخالفة لهدي النبي ﵌ في النصح، وعدم إحكام لفقه الموازنات، وترجيح المصلحة الشرعية، ودرء المفاسد.
• المبالغة في ذم الدنيا:
من الأساليب التي يلجأ إليها بعض الخطباء المبالغة والإفراط في ذم الدنيا مما يصور الإسلام بأنه يحارب العمل، والتجديد في الوسائل، ويحذر من الغنى، ويكره
стр. 80
للمسلم الاتساع في المكاسب، وهذا فهم خاطئ للإسلام، وإلا فكيف يحث الإسلام المسلم على الإنفاق، والبذل ويجعل يد الباذل هي العليا، ويحثه على تفريج الكربات، وعلى العمل الشريف إذا كان يذم هذا الأمر ويمقته.
إن الإسلام لا يذم الدنيا، بل يذم التكالب عليها، والغفلة بها عن الآخرة، ولا يذم المال بل يذم كسبه من الحرام، وتبذيره في الحرام، وإضاعته فيما لا يحل، ويذم الشح به، والحرص الشديد عليه، حتى يصبح المرء عبدًا له، كما قال ﵌: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ» (رواه البخاري).
فعلى الخطيب حين يعرض للكلام عن الدنيا، والغنى، والمال، أن يعرض موقف الإسلام من ذلك عرضًا كاملًا، مبينًا متى تُذم الدنيا، ومتى لا تُذم، ثم لا تكون كل خطبة مركزة على ذم الدنيا، والمال، وعلى الترغيب في الزهد، والحث عليه، بل يعطي كل ذي حق حقه، فقد قال النبي ﵌ حين قيل له: «ذهب أهل الدثور بالأجور ... » «ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» (رواه البخاري ومسلم).
• التهويل في تصوير الواقع والإخبار عن الأحوال والأحداث المتعلقة بالأمة:
فيكبرها أحيانًا مئات المرات، ويصغرها أحيانًا أخرى مئات المرات، وتبرز مظاهر هذا التهويل في أمور منها:
١ - التهويل في وصف حال المسلمين ومدى ضعفهم، فيصل إلى حكم قاطع بأن الأمة لا شفاء لها من أمراضها، ولا يقظة لها من رقدتها، أو يحكم على المجتمعات عامة بالكفر أو الضلال ومحاربة الإسلام، وليستحضر قول النبي ﵌ في هذا «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ» (رواه البخاري ومسلم).
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ: لَا يَزَال الرَّجُل يَعِيب النَّاس، وَيَذْكُر مَسَاوِيَهُمْ، وَيَقُول: فَسَدَ النَّاس، وَهَلَكُوا، وَنَحْو ذَلِكَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ أَيْ أَسْوَأ حَالًا مِنْهُمْ بِمَا يَلْحَقهُ مِنْ الْإِثْم فِي عَيْبهمْ، وَالْوَقِيعَة فِيهِمْ، وَرُبَّمَا أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى الْعُجْب بِنَفْسِهِ، وَرُؤْيَته أَنَّهُ خَيْر مِنْهُمْ. (اهـ من شرح صحيح مسلم للإمام النووي).
стр. 81
٢ - التهويل في وصف حال غير المسلمين، وتصوير تلك المجتمعات بأنها تخلو من أي خير، وأنها مجتمعاتُ غابٍ، وأنها في غضون بضعة سنوات ستسقط وتدمر، والعدل يقتضي أن يذكر مفاسد هذه المجتمعات، وما آلت إليه دون أن يتجاوز الحقيقة في ذلك.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة- ٨).
٣ - التهويل في جعل بعض الأمور عليها مدار عزة الأمة، وتركها هو السبب في ذل الأمة، ولا يعني هذا إهمال هذه الأمور، وعدم الاهتمام بها، لكن يجب أن نضع الأشياء حيث وضعها الشرع، ونحكم عليها بحكمه، فللإسلام أركان، وهناك واجبات، وسنن، وآداب، ومروءات، فالجهاد ليس كقص الشارب، والصلاة ليست كإعفاء اللحية، مع أن الكل من الدين.
لكن بعض الخطباء يجعل موضوع خطبته سنة من سنن النبي ﵌، أو يكون موضوع خطبته حول خُلُق من الأخلاق الإسلامية، فيسوق كل ما يستطيع من الأدلة، والقصص والأشعار وغير ذلك، ثم يربطه ربطًا غير موزون بحال الأمة، وأسباب هزائمها، وتأخرها عن ركب الأمم مما يرسخ في ذهن السامعين أن أسباب ذلك كله تنحصر في هذا الأمر بعينه، بل ربما قال ذلك صراحة.
٤ - التهويل في الربط بين الأحداث، بحيث يجعل كل مؤتمر وراءه مؤامرة، وكل خبر وراءه مكيدة، وكل جديد قصد به المكر والإفساد، وهكذا يتم الربط عشوائيًا، ودون مستند بين الأحداث صغيرها وكبيرها.
نعم لا ينكَر أن يكون المسلمون دائمي الحذر واليقظة، وأن لا يحسنوا الظن بعدوهم، وأن يكونوا على قدْر كبير من الوعي بالعالم من حولهم، والنظرة الثاقبة للأساليب الخفية التي تحاك لتدمير الأخلاق، وشيوع الفساد، لكن تهويل الأمور والوسوسة بكل شيء حوله ليس من الوعي في شيء، ولا من اليقظة في شيء.
стр. 82
٥ - التهويل في الحكم على الأشخاص كالحكم على ظالم معين بأنه من أهل النار، أو أنه ملعون، أو أكفر من فرعون وهامان، أو الحكم لشخص معين بأنه شهيد قطعًا، أو أنه يتقلب في الجنة، ونحو ذلك من الأحكام القاطعة التي تتنافى مع عقيدة المسلم وثوابته، وتتعارض مع منهج الإسلام الذي يوجب العدل في الرضا والغضب، والقصد في الحب والبغض، وأن لا يجزم لأحد بجنة أو نار إلا من ثبت فيه نص.
ومن هذا التهويل المبادرة إلى التكفير، والتفسيق، والتسرع في التبديع والتأثيم، وقول: «والله لا يغفر الله لفلان، وفلان لا يشم رائحة الجنة»، ونحو ذلك من الألفاظ والأحكام التي فيها تألّ على الله تعالى، وقولٌ عليه بغير علم، ومنه كذلك اعتماد أسلوب التهييج، والتحميس الزائد عن الحد لقضية لا تستحق مثل هذا.
• تجنب التيئيس وما يولد الإحباط عند المخاطبين:
الخطابة من المهام القيادية في الناس، والخطيب قائد بهذا المعنى لفصيل من فصائل المجتمع يعده ويوجهه، ولا يصح أن يفتّ في عضده، فيملأ نفوس أفراده بالوهن واليأس، ويقتل فيهم الثقة والطموح، والتطلع إلى التغيير والإصلاح.
ولا يصح أن يخاطبهم بروح المهزوم المُحبط، فإن الخطيب إذا سرَتْ إلى نفسه روح اليأس سرتْ إلى مستمعيه، وإلى مجتمعه، فكان خاذلًا متخاذلًا، وما زال للخطباء البارعين دور كبير في إيقاظ الأمة، وفي رفع الهمم، ودرء الفتن، وكم من خطبة حولت الهزيمة إلى نصر، والضعف إلى قوة، والقلة إلى كثرة، وإنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان.
واليأس إذا استولى على فرد أحاله إلى عضو مشلول في مجتمعه لا يصنع خيرًا، ولا يدفع ضرًا، وإذا استولى على أمة من الأمم أحالها إلى أمة واهنة خائرة تستسهل الهوان، وتألف الذل، وتستمرئ التقليد، وتكون نهبًا لأعدائها، وقصعة مباحة لآكليها.
ومن هنا فقد حذر الإسلام من اليأس، وجعله على النقيض من الإيمان فلا يلتقيان في قلب، إيمان كامل ويأس مطبق.
стр. 83
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف ٨٧).
قال الطبري في تأويلها: لا يقنط من فرجه ورحمته، ويقطع رجاءه منه ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ يعني القوم الذين يجحدون قدرته على ما شاء تكوينه.
• البدع الميّتة:
البدعة تشوه جمال الإسلام، وتطمس معالمه، وتذهب بضيائه، ولذا فإن موقف الإسلام حاسم واضح صريح من البدع. قال رسول الله ﵌: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» وفي رواية «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم).
«فَهُوَ رَدٌّ» أي: مردود على صاحبه.
والخطيب ينبغي أن يكون له دور في إماتة البدعة، وفي هتك سترها ومحاربة المنكر، ولو أطبق على ذلك الناس، أو معظمهم في حيِّه وفي غير حيِّه.
لكن مما ينبغي أن يتنبه له الحذر من أن يحيي بدعة ميتة دون أن يشعر، وذلك بأن تكون البدعة لا أتباع لها، أو لا تكاد تُعرف بين الناس، فيكرر الخطب بالتحذير منها، أو يركز الخطبة بالكلام عليها، وقد كانت نائمة فأيقظها، مغمورة فشهرها، ميتة فأحياها، وجعل الناس يسأل بعضهم بعضًا عنها، وبعضهم يسعى للتعرف عليها، وبعضهم يدفعهم الفضول لأن يقرأ حولها، ويجادل عن فكرتها، وهكذا تصبح حديث المجالس، ويغدو الناس بين مؤيد لها، ومنظر لفكرتها، ومعارض لأصلها.
إن المنهج الصحيح في التعامل مع مثل هذه البدع والمحدثات، والمنكرات هو دفنها بتركها، وعدم التحدث عنها.
وليس المقصود بهذا أن نتركها ونهملها حتى تحيا وتنتشر، بل لا بد من الإنكار على صاحبها في السر لمن علم به، وزجْره، وردْعه، وتخويفه، حتى تموت فتنته في مهدها.
стр. 84
وليس في دفن البدعة، وعدم التحدث عنها ستر على المبتدع، بل طمس على البدعة، وتضييق عليها لئلا تنتشر، ومن التضييق على البدعة أيضًا أن نقوم بنشر السنة، وبيان الحق، وبيان الأدلة على وجوب الاتباع وفضله، والتحذير من مخالفة السنة.
أما إذا كانت البدعة قد انتشرت، أو اغتر بها فئات من الناس، وضل بها آخرون، فلا تهاون أبدًا في إنكارها وإبطالها، وحشْد أهل العلم للرد عليها ومحاربتها، ولا يصلح السكوت عنها.
ومما يحذر منه في هذا المجال الإخبار عن كتاب مغمور محدود النشر يحتوي على آراء ضالة وأفكار هدامة، بقصد الرد عليه فيحصل بذلك إشهاره وتوجيه الأنظار إليه دون قصد من الخطيب.
ومن هذا القبيل أيضًا ذكر رأي أو فتوى شاذة لعالم مشهور من أجل الرد عليها، فتكون النتيجة عكس ما قصد إليه الخطيب، وكأنه يقول للناس: إن هذا العالم الكبير يقول بمثل هذا الرأي فلا حرج على من ذهب إلى مثل ما ذهب إليه.
فعلى الخطيب أن يكون ذا بصيرة في الموازنة بين المصالح والمفاسد، وتقويم النتائج المترتبة على كلامه، فرب خطبة أيقظت فتنة.
стр. 85
عيوب الخطبة
هناك أمور سلبية يحسن بالخطباء الأفاضل أن ينتبهوا إليها:
أولا: عيوب في أصل الخطبة
١ ـ الطول الممل والقصر المخل:
إن المقصود من الخطبة هو إفهام المخاطبين وإقناعهم بمضمون الكلام الموجه إليهم، فكل ما يحول دون ذلك عيب يجب اجتنابه، وأعظم ذلك الإطالة التي هي أدعى لسقطات اللسان، وتبعث الملل والسآمة في الإنسان.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن من المستحسن أن تكون الخطبة في الأحوال العادية في حدود عشرين دقيقة، ومن المهم مراعاة الحاضرين فقد يكون بعض المسلمين في برد شديد خارج المكان الدافئ، كما أنهم قد يكونون في حر شديد خارج المكان المكيف كما أن بعضهم قد يجيء مبكرًا إلى المسجد وقد يضايقه البول إذا ما أطيلت الخطبة.
لكن ينبغي للخطيب وهو يراعي مجانبة هذا العيب أن يجانب أيضًا الوقوع في ضدّه وهو القِصر المخلّ، وخير الأمور الوسط، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا» (رواه مسلم).
٢ ـ خلوها من نصوص الكتاب والسنة:
وقد عد بعض الفقهاء من أركان الخطبة ذكر آية من كتاب الله تعالى، فلا يَحْسُن بالخطيب أن يخلي خطبته من القرآن الكريم، وكذا من سنة المصطفى ﵌؛ فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار.
٣ ـ كثرة الشعر فيها: وقد يصل الحد ببعض الخطباء إلى أن يُنزل الشعر منزلة الكتاب والسنة، فيستدل به كما يستدل بالكتاب والسنة، بل بعضهم قد لا يستدل إلا به، وهذا عيب كبير وطريق إلى تقرير الباطل إذا كان ذلك الشعر مشتملًا على باطل.
стр. 86
على أن الاستشهاد بالشعر الذي له وقع في النفس، ويؤيد المعنى الذي نسج له الكلام لا بأس به إذا كان بقدر وناسب المقام.
٤ ـ اشتمالها على ألفاظ منكرة شرعًا أو عرفًا:
مثال الألفاظ المنكرة شرعًا أن يقول: «ما شاء الله وشاء فلان»، أو يقسم بغير الله تعالى أو غير ذلك من الألفاظ المنهية.
والمراد بالألفاظ المنكرة عرفًا ما اتفقت طباع القوم على استقباحه واستهجانه، فعلى الخطيب أن يتجنبه وأن يعدل عنه إلى بديل يعرفه القوم ولا ينكرونه، وهذا يختلف باختلاف البقاع والأصقاع، فربّ لفظ حسن شريف عند قوم قبيح هجين عند آخرين، وعليه يلزم من أراد أن يخطب في قوم أن يعرف لسانهم وعاداتهم وأعرافهم حتى لا يقع فيما يصدهم عنه ويسقطه في أعينهم.
٥ ـ اشتمالها على باطل:
وهذا من أخطر العيوب وأشدها ضررًا على الناس، وبخاصة إذا كان الخطيب مفوهًا، فيتوصل بحسن كلامه وتنميق عباراته إلى تقرير باطل كعقيدة فاسدة، أو بدعة محدثة، أو معاملة محرمة، أو معصية لله ورسوله ﵌.
٦ ـ اشتمالها على أحاديث ضعيفة أو موضوعة:
وهذا العيب سببه عدم التحرّي والتثبت من صحة الحديث، ويخشى على من وقع في مثل هذا أن يتناوله الوعيد الذي ذكره رسول الله ﵌ في قوله: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» (رواه مسلم).
قال الإمام النووي ﵀: ضَبَطْنَاهُ: (يُرَى) بِضَمِّ الْيَاءِ وَالْكَاذِبِينَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ عَلَى الْجَمْع وَهَذَا هُوَ المشْهُور فِي اللَّفْظَتَيْنِ. وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابِهِ المسْتَخْرَجِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلم حَدِيثُ سَمُرَةَ (الْكَاذِبَيْنِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ عَلَى التَّثْنِيَة».
стр. 87
ويشتد هذا العيب ويتفاقم إذا كان موضوع الخطبة كله مبنيًا على حديث ضعيف أو موضوع، كمن يخطب في قصة ثعلبة بن حاطب ويستخرج منها العبر والعظات، وهي غير ثابتة، أو يخطب في قصة الغرانيق وهي أيضًا لا تثبت.
٧ ـ طغيان الأسلوب العلمي على الأسلوب الأدبي:
من مظاهر هذا العيب أن يستعمل الخطيب مصطلحات علمية دقيقة لا يدركها عامة الناس. ومن مظاهره أيضًا التوسع في تخريج الأحاديث وعزوها والكلام على طرقها وعللها. ومن مظاهره أيضًا خلو الخطبة من الأساليب الإنشائية كالأمر والنهي والاستفهام والتعجب والدعاء وغير ذلك، مما يخرجها من حد الخطابة إلى حد المقالة.
٨ ـ عدم إيفاء الموضوع حقه: وذلك بأن لا يتناول جميع عناصره، أو أن يستطرد ويفرع حتى يخرج عن الموضوع الذي يخطب من أجله، أو أن يشتت الموضوع ويبعثر الأفكار ولا يربط بينها.
٩ ـ خلوها من الإرشاد والتوجيه الفوري: وذلك بأن يغض الطرف عمن يتخطى رقاب الناس، فلا ينهاه عن ذلك، ويسكت عمن جلس دون أن يركع ركعتين فلا يأمره بهما، ويحصل بين يديه منكر فلا ينهى عنه.
١١ ـ اشتمالها على ألفاظ ثابتة لا تتغير، يفتتح بها ويختم بها وكأنها سنة ماضية:
وذلك كقولهم: «أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ... »، وقولهم: «بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ... » وقولهم: «فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له ... » وقولهم: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة لله»، وقولهم: «فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾»، وغيرها من العبارات التي يلتزم بها بعض الخطباء كأنها ركن من أركان الخطبة، وواجب من واجباتها، حتى صار عند الناس كالفرض ينكرون على تاركه.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن المداومة على ذلك من البدع.
ولكن لا بأس إن قاله الخطيب في بعض الأحيان لا على أنه سنة يقوم بتطبيقها.
стр. 88
١٢ ـ غلبة الترخيص عليها:
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وَفِي الْحَدِيث (أي حديث صلاة الاستسقاء) تَرْجِيح التَّخْوِيف فِي الْخُطْبَة عَلَى التَّوَسُّع فِي التَّرْخِيص لِمَا فِي ذِكْر الرُّخَص مِنْ مُلَاءَمَة النُّفُوس لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّهْوَة، وَالطَّبِيب الْحَاذِق يُقَابِل الْعِلَّة بِمَا يُضَادّهَا لَا بِمَا يَزِيدهَا» (١).
١٣ - عدم الاهتمام بالخطبة الثانية:
بعض الخطباء الخطبة الثانية لديه كلمات معدودة تتكرر كل جمعة، وأصبح يحفظها الصغير والكبير ممن يؤم مسجده.
وينبغي على الخطيب الاهتمام بالخطبة الثانية مثلما يهتم بالخطبة الأولى، فلا يقتصر على شيء معين لا يزيد فيه ولا ينقص منه؛ فإن ذلك مدعاة للملل، وله أن يجعل الثانية امتدادًا لموضوع الأولى كما أن له أن يجعل الأولى تهتم بموضوع معين والثانية يجعلها علاجًا لمشكلة معينة أو توضيحًا لمسألة فقهية أو حديثًا عن أحوال المسلمين وما يتجدد في المجتمع الإسلامي مما هو بحاجة إلى طرق وبيان وتوضيح.
ومن المستحسن أن يغير الخطيب في نمط الخطبة الثانية فتارة يجعل الثانية مكملة للأولى، وتارة يتحدث في الثانية عن مسألة فقهية، أو يتحدث عن بعض أحوال المسلمين مما يحتاج إلى معالجة ونحو ذلك؛ لأن التغيير ضمن الحدود الشرعية أدعى لتقبل الناس وارتياحهم وشعورهم بأن خطيبهم حريص على إفادتهم فوائد متنوعة.
تنبيه:
في بعض الأماكن ينتشر الجهل ولا يعرف كثير من المسلمين أحكام الإسلام الأساسية من التوحيد والطهارة والصلاة والصيام؛ فيمكن أن تكون الخطبة الثانية فرصة لتعليمهم ذلك. ولن يجتمع أمام الخطيب في درس الفقه مثلًا عددٌ من الحاضرين كعددهم في صلاة الجمعة.
стр. 89
ثانيًا: عيوب في الخطيب
١ - عدم العناية باللغة العربية: فمن العيوب المستهجنة لدى العلماء اللحن، وأفحشه ما كان في آيةٍ أو حديث، ثم ما غيّر المعنى، ثم ما كان في كلام الغير.
وإن أعظم أسبابِ اللحنِ الجهلُ بعلمَي النحو والصرف. وعلاجه التعرف على اللغة العربية وقراءة الخطبة قبل إلقائها أكثر من مرة وضبط الحروف التي تحتاج إلى ضبط بالشكل. ولذا ينبغي للخطيب أن يتعلم من النحو واللغة ما يقوّم به لسانه، ويَسلم به من هذه الآفة.
٢ ـ التصحيف: وأكثر ما يقع لمن يقرأ من كتاب، فيصحف نظره بسبب رداءة الخط أو ضعف البصر أو عدم استيعاب ما يقرأ أو عدم التركيز فيه أو غير ذلك من الأسباب، وقد حصل لبعض الفضلاء أن قال في خطبته وهو يقرأ من ورقة: «ومن ترك واجبًا من واجبات الحج متعمدًا يأثم ويَكْفُر» بتخفيف الفاء (من الكفر)، فنبّهه بعض الناس بعد قضاء صلاته، فبادر إلى تصحيح خطئه، وقال: «الصواب: يأثم ويُكَفّر» أي من الكفارة.
٣ ـ اللّفف والعجلة: والمراد باللّفف التباطؤ في الكلام حتى كأن لسانه قد الْتفَّ، والمراد بالعجلة السرعة في الإلقاء، فكما أن الإسراع مذموم لما فيه من تفويت الفهم على السامع، فكذلك التباطؤ مذموم لما فيه من بعث الملل والضجر في قلوب السامعين، والسنة الاقتصاد في ذلك، فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ هَذَا» (حسن رواه الترمذي)
(يَسْرُدُ) السَّرْدُ هُوَ الْإِتْيَانُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْوَلَاءِ وَالِاسْتِعْجَالُ فِيهِ.
(سَرْدَكُمْ) أَيْ كَسَرْدِكُمْ، وَالمعْنَى لم يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﵌ يُتَابِعُ الْحَدِيثَ اِسْتِعْجَالًا بَعْضَهُ إِثْرَ بَعْضٍ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ عَلَى المسْتَمِعِ.
وقد تكون سرعة الإلقاء طبعًا في الخطيب وقد يكون سببها طول موضوع الخطبة، أو القراءة من كتاب.
стр. 90
٤ ـ كثرة الحركة: وذلك كالعبث باللحية أو الخاتم أو الساعة أو النظارات أو الثوب أو العمامة، فإنها منقصة من هيبة الخطيب، ومدعاة للازدراء والاحتقار.
فينبغي للخطيب أن يستشعر حرمة المقام ويراعي لحظ المخاطبين فيلزم السمت والسكون والوقار.
٥ ـ الارتعاش والرّعدة والعرق:
وهذا العيب من أشد العيوب وطأة على الخطباء، لأنه يعتري الخطيب قسرًا، ويغلبه قهرًا، فإذا اعتراه أفقده توازنه، وأوقعه في الاضطراب الشديد، وقد يصل به الأمر إلى أن يضطر إلى قطع خطبته فلا يستطيع إكمالها مهما حاول، حتى إن بعضهم لا يقوى على القيام.
وهذا العيب غالبًا ما يعتري المبتدئين الذين لم يستعدوا نفسيًا ولم يتدربوا لهذا المقام، وقد يعتري غير المبتدئين وذلك إذا علم أن من بين الحضور أناسًا يوقّرهم ويعظمهم ويُكبِرُهم.
٦ ـ عدم التفاعل مع الخطبة: لا يخفى أن الخطبة قد تشتمل على فنون شتى متغايرة؛ فقد تشتمل على الترغيب والترهيب، وعلى التحذير والتبشير، وقد تشتمل على ما يقتضي الحزن أو الفرح، أو الغضب أو الخوف، والخطيب الموفق يعطي كل مقام حقه من الانفعال والتغيّر.
وسبب هذا العيب في الغالب هو خروج الكلام من اللسان دون القلب، ومتى حصل ذلك لم تُؤتِ الخطبة ثمارها.
٧ ـ استغلال المنبر لأغراض شخصية:
وهذا العيب من أخسّ العيوب، ويقع فيه بعض الخطباء لقلّة دينه وضعف إيمانه، أو لضعف شخصيته، ومن صوره أن ينتقم الخطيب لنفسه، أو يدافع على نفسه، أو يدعو إلى نفسه، وهذا من أكبر العدوان على المخاطبين.
قال بعض الفضلاء: «إن شرّ السُرَّاق الخطباء الذين يستغلون المنبر لأغراضهم الشخصية؛ لأنهم يسرقون أعمار الناس، فهم شر ممن يسرق أموالهم».
стр. 91
ومن مضار هذا العيب:
- الإضرار بالدعوة.
- عدم أداء الواجب الشرعي.
- المساس بقيمة الخطيب ومكانته.
- انتهاك حرمة المنبر وتعطيل مهمته.
٨ ـ استغلال المنبر لأغراض حزبية أو طائفية أو عصبية:
وذلك بنشر أهداف ومبادئ حزب ما، أو فرقة ما من خلال المنبر، وهذا كله على حساب الدين والدعوة، فهو منَافٍ للغرض الذي أسس من أجله المنبر، بل هو مناف كذلك لرسالة الإمام الشرعية.
٩ ـ محاكاة غيره من الخطباء في طريقة الإلقاء، وفي النبرات والسكتات، وفي الحركات والسكنات:
ومن أسباب هذا العيب ضعف شخصية الخطيب أو ولوعه بمن يحاكي ويقلد، ومن أضراره خروج الخطبة من كونها حقيقية إلى الصورية، فيصير الخطيب كأنه ممثل.
وقد عاب المتقدمون الخطابة بخطب الغير، فكيف بمن يحاكي غيره من الخطباء.
١٠ - تتبع الغريب:
من العيوب التي يقع فيها بعض الخطباء تتبع الغريب من الألفاظ، فإن هذا منافٍ للمقصود من الخطبة فإن مدارَ أمرِ الخطابة على البيان والتبيين وعلى الإفهام والتفهيم فكلما كان اللسان أبْيَنَ كان أحسن، ولا يعني هذا أن يستعمل الهجين العامي، والساقط السوقي، وإنما يستعمل ما يوصل إلى المطلوب، ويختار للمعاني الجليلة الألفاظ النبيلة.
١١ ـ الجفاء والغلظة والقسوة على المخاطبين:
وذلك بتوجيه الألفاظ النابية وأصناف الشتائم وألوان السباب إليهم وتنزيل نصوص الوعيد عليهم، واحتقارهم والتكبر والتعالي عليهم، وجرح مشاعرهم، من
стр. 92
ذلك مثلًا أن يقول: «إن أبناءكم قد بلغوا منتهى سوء التربية والخلق وإن أزواجكم قد خرجن عن حدود الأدب ... ».
وينبغي له إذا اضطر إلى مثل هذا الكلام أن يدخل نفسه في جماعتهم، وأن يشعرهم بأنه فرد من أفرادهم، فيقول: «إن أبناءنا ... وإن نساءنا ... ».
ومن مساوئ هذه الآفة أن يمقت الناسُ الخطيبَ فلا يُصغُون إلى كلامه ولا يستفيدون من وعظه، بالإضافة إلى ما يلزم من ذلك من تزكية الخطيب لنفسه وإعجابه بها، واغتراره وكبره.
١٢ ـ عدم الاعتناء بالهيئة:
وهذا خلاف السنة فإذا كان من السنة لعموم الناس يوم الجمعة أن يغتسلوا وأن يتسوَّكوا وأن يتطيبّوا وأن يلبسوا من جميل الثياب، فكيف بالخطيب الذي ترمقه الأبصار وتتجه إليه الأنظار؟!
وإن الخطيب إذا ابتذل في مظهره احتقره الناس، وربما أهانوه، وصُرفوا عن الاشتغال بالإنصات إليه إلى الاشتغال بالنظر إلى هيئته.
وكما أن الابتذال في الهيئة عيب ومذموم فكذلك الاعتناء الزائد على المشروع والخارج عن العرف، والذي ينبغي للخطيب الاعتدال في ذلك وأن لا يخرج عن المعروف المألوف.
١٣ ـ الصوت النمطي المطرد على وتيرة واحدة:
وذلك كأن يستوي عنده الاستفهام والتعجب والإنكار والإخبار والأمر وغير ذلك، ويستوي عنده أيضًا مقام الغضب ومقام الرضا، ومقام الفرح ومقام الحزن، ومن أسباب هذا العيب عدم تفاعله مع الموضوع أو عدم استيعابه له.
ومن أضراره أنه يصعب بسببه فهم كلامه، ويبعث الملل في نفوس السامعين ويقذف فيهم النعاس، وتشرد أذهانهم لأنه ليس في طريقة الإلقاء ما يشدهم ويلفت انتباههم.
стр. 93
١٤ ـ مناقضةُ لسانِه لحالِه:
وهذا من أعظم العيوب وأخطرها، وأشدها ضررًا على الخطيب وعلى الدعوة، وما أكثر الآيات والأحاديث التي تذم الذي يقول ما لا يفعل، وتبين ما له من الوعيد يوم القيامة.
ثم إن ضررها على الدعوة محقق لأن الناس ينظرون إلى الأفعال أكثر من نظرهم إلى الأقوال. فإذا وجدوا تنافرًا بينهما كان ذلك فتنة لهم.
١٥ ـ النحنحة والسعلة: وهذه الآفة تكون عيبًا إذا تكرر صدورها من الخطيب؛ بحيث تقطع كلامه، وتقلل الفائدة من خطبته.
١٦ - التركيز على السلبيات عند المصلين وكثرة الحديث حولها:
إن ترديد السلبيات وتكرارها يحطم جوانب الأمل لدى الفرد السامع حيث يتصور نفسه أنه كتلة من الأخطاء والعيوب والنقص، وقد تكون نظرته إلى الخطيب الذي يسمع خطبته نظرة غير مقبولة فينصرف عن سماع ما يقول ولا يحاول الاستفادة، ولقد جاءت النصوص الشرعية ناهية عن اليأس والقنوط والتيئيس والتقنيط وآمرة بالتيسير والتبشير. إن التنبيه على الأخطاء والعيوب مطلوب ولكن ليكن بطريقة لبقة لا سخرية فيها ولا استفزاز.
١٧ - الاقتصار على بعض الجوانب في الإسلام حيث يكون الخطيب ذا اهتمام بشيء معين مثلا بحيث يكثر الحديث حوله دائمًا.
١٨ - تجريح الناس وتفسيقهم ووصفهم بالخطأ:
إن مما لا شك فيه أن النفوس تشمئز من النَّيْل من الأشخاص المعينين، وأن الولوغ في أعراض الناس أمر قبيح لا يقرّه من عنده دين أو خلق، وكان هدي النبي ﵌ إذا رأى من أحد شيئًا يكره يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا».
إن التلميح يغني عن التصريح وإن الإشارة تغني عن العبارة، وإن آداب الإسلام يجب أن يراعيها المسلمون لا سيما من يعلون المنابر فهم أولى بتطبيق تعاليم الشريعة.
стр. 94
ثالثًا: عيوب نسبية
قد يكون الخطيب متوفرًا فيه جميع شروط الخطابة وخاليًا من العيوب، وتكون خطبته بالغة الغاية في الجودة مبنى ومعنى، ولكن خطبته لا تناسب المكان الذي هو فيه، أو الزمان الذي هو فيه، أو الناس الذين يخطب فيهم، هذا ما نعني بالعيوب النسبية. وهذا يجعل الخطيب في واد والسامعين في وادٍ آخر.
١ ـ عدم مناسبة الخطبة للمخاطبين:
وسبب هذا العيب في الغالب هو الجهل بواقع المخاطبين وأحوالهم ومستوياتهم وأعرافهم، فلا يراعي في خطبته المستوى العلمي واللغوي لدى المخاطبين، فيتناول موضوعًا يفوق أفهامهم، ويستعمل ألفاظًا لا يدركها أكثرهم، ولتحاشي هذه الآفة على الخطيب أن ينوع في استعمال المرادفات حتى يقع على اللفظ الذي يفهمه السامع ويصل به إلى المعنى الذي يريد أن يبلغه.
٢ ـ عدم مناسبة الخطبة للمكان:
وذلك كأن يتناول في قلب الصحراء موضوع المنكرات التي تحصل في شواطئ البحار، أو يتكلم عن أحكام زكاة الزروع في مكان ليس فيه زرع، أو غير ذلك، فعلى الخطيب أن يراعي المكان الذي هو فيه، وأن تكون خطبته مواتية للظرف الذي يخطب فيه.
٣ ـ عدم مناسبة الخطبة للزمان:
وذلك كأن يتبيِّن فضل الجهاد وبعض أحكامه في زمان فتنة، أو يتكلم عن فضل العشر الأواخر من رمضان في أشهر الحج، أو يتناول فضل الحج في شهر رمضان، أو غير ذلك من نظائرها مما يقع فيه الخطباء كعدم مراعاة الأحداث، والمناسبات الشرعية ذات الشأن.
* اللَّهُمَّ إِنّا نعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ.
* اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ؛ اهْدِنا لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
*اللهم ثبِّتنا على الإيمان والعمل الصالح وأحْيِنا حياةً طيبة وألحِقْنا بالصالحين.
* ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وأغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.
*اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم انصر عبادك الموحدين.
* اللهم مَن أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميره، واجعل الدائرة عليه، واجعل كيده في نحره، وزلزل الأرض من تحت قدميه.
اللهم لا ترفع له راية واجعله لمن خلفه آية يا قوي يا جبار.
* اللهم برحمتك اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم واغسلهم بالثلج والماء والبرد.
* اللهم ارحمنا برحمتك إذا ما صرنا إلى ما صاروا إليه، اللهم آنس وحشتنا في القبور، وآمن فزعنا يوم البعث والنشور.
* اللهم إنا نسألك بأنَّا نشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، نسألك بكل اسم هو لك، ونسألك باسمك الأعظم الذي إذا سُئلت به أعطيتَ، وإذا دُعيت به أجبتَ، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، أن تعز الإسلام والمسلمين، وأن تدمر أعداء الدين، وأن تنصر المجاهدين، وأن تصلح من في صلاحه صلاح الإسلام والمسلمين، وأن تهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين.
* اللهم ثبِّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
стр. 98
* اللهم إنا نسألك أن تجعل قلوبنا عامرةً بذكرك، وأن تطهر قلوبنا من الشرك والنفاق، وأن تطهر ألسنتنا من الكذب.
* اللهم إنا نسألك أن تجعلنا إخوةً متحابين في سبيلك، قائمين بحقوقك، عاملين بدينك.
* اللهم ارفع راية الدين، واقمع أهل النفاق والشرك يا رب العالمين.
* اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت.
* اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها دقها وجلها أولها وآخرها، ما علمنا منها وما لم نعلم. اللهم ارحم موتانا، واهد ضالنا، ورد غائبنا، واشف مرضانا، واقض عنا ديننا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
* اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا أعداء ولا حاسدين، واجعلنا هداةً مهتدين.
* اللهم عليك بالمنافقين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، اللهم اهتك سترهم، وافضح سرهم، وأبطل كيدهم، وفرق كلمتهم، اللهم لا تحقق لهم غاية، ولا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم اكبتهم واخذلهم، واجعل كيدهم في نحورهم، وقِ المسلمين شرورهم.
* اللهم إنا نسألك نصرًا مؤزرًا للإسلام والمسلمين.
* اللهم انصر إخواننا المسلمين المجاهدين في فلسطين وأفغانستان والعراق والشيشان، وانصر سائر المجاهدين الذين يجاهدون لإعلاء كلمتك يا أرحم الراحمين. اللهم ثبت أقدامهم وانصرهم وسدد آراءهم.
* اللهم وفق المسلمين للحكم بكتابك وبسنة نبيك محمد ﵌.
* اللهم إنا نسألك الهداية إلى طريقك المستقيم. اللهم إنا نسألك الثبات على الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين،
стр. 99
ونعوذ بك من طريق أهل الجحيم، من طريق المغضوب عليهم ـ اليهود ـ وطريق الضالين ـ النصارى ـ.
*اللهم إنا نسألك أن تثبت قلوبنا على دينك. اللهم ثبتنا على الإسلام، وزدنا من الإيمان، وانصرنا على الشيطان وعلى أعوان الشيطان، واجعل لنا من لدنك سلطانًا نصيرًا.
* اللهم إنا نسألك العافية والمعافاة في ديننا ودنيانا.
* اللهم يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض، نسألك أن تهيِّء لهذه الأمة أمر رشد، يُعَزُّ فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، وترفع فيه راية الجهاد.
* اللهم أيقِظ قلوبنا من الغفلات، وطهر جوارحنا من المعاصي والسيئات، ونقِّ سرائرنا من الشرور والبليات.
* اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، وثبتنا على الصراط المستقيم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم اجعلنا من المتقين الذاكرين الذين إذا أساؤوا استغفروا، وإذا أحسنوا استبشروا.
*اللهم مجري السحاب ومنزل الكتاب وهازم الأحزاب، اهزم اليهود وأعوانهم من الكفار وانصرنا عليهم، اللهم خالف بين كلمتهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم.
* اللهم أمِتْنا على الإسلام والسُنَّة.
* اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين.
* اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت، رب كل شيء ومليكه، نعوذ بك من شرور أنفسنا، ومن شر الشيطان وشركه، وأن نقترف على أنفسنا سوءًا، أو نجرّه إلى مسلم.
* اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين.
стр. 100
موضوعات عامة
١ - الصلاة والسلام على رسول الله ﵌ -
• الصلاة والسلام على رسول الله ﵌ من أعظم العبادات:
إن أعظم النعم التي تفضل الله بها علينا أنْ جعلنا من أمة الإسلام، ومن أمة هذه الحبيب ﵌، فهو ﵌ البشير النذير، والسراج المنير، والرءوف الرحيم بأمته، العطوف بهم، الحريص عليهم.
والحديث عنه ﵌ مفتاح القلوب وبهجة النفوس، وأسعدُ الناس من يُوَفَّق في عبادته لله بالصلاة على النبي ﵌، فإنها من أجَلّ العبادات التي يتقرب بها العبد إلى مولاه ، وينال بها مناه في الدنيا والآخرة.
وإن أولى الناس بشفاعة النبي ﵌ يوم القيامة أكثرهم صلاة عليه ﵌، وعملًا بشريعته، وتمسكًا بسنته ﵌.
والمُكْثِرُ من الصلاة والسلام على رسول الله ﵌ يضرب البرهان الساطع والدليل القاطع على محبته لرسول الله ﵌، والرسول ﵌ يبشره بأنه مع من أحب.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﵌ فقال:
يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحبَّ قومًا، ولم يلحق بهم؟
فقال رسول الله ﵌: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ». (رواه البخاري ومسلم).
стр. 101
• أَمْرُ الله بالصلاة والسلام على نبينا ﵌:
قال الله : ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:٥٦).
قال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء. وقال ابن عباس: يصلون: يبرِّكون. (رواه البخاري)
يُبَرِّكُونَ عَلَى النَّبِيّ ﵌:أَيْ يَدْعُونَ لَهُ بِالْبَرَكَةِ.
وقال الإمام الترمذي ﵀:ورُوِيَ عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار.
والمقصود من هذه الآية: أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه.
ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعًا.
فإذا كان مولانا في عظمته وكبريائه، وملائكته في أرضه وسمائه يُصَلّون على النبي الأمي ﵌ إجلالًا لقَدْره، وتعظيمًا لشأنه، وإظهارًا لفضله، وإشارة إلى قُربه من ربه، فما أحرانا نحن المؤمنين أن نُكثِر من الصلاة والسلام عليه امتثالًا لأمر الله ، وقضاءً لبعض حقه ﵌؛ فقد أخرجَنا الله به من الظلمات إلى النور، وهدانا به إلى الصراط المستقيم، وجعلَنا به من خير الأمم، وفضَّلنا به على سائر الناس أجمعين، وكتب لنا به الرحمة التي وسعت كل شيء.
قال : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (الأعراف:١٥٦ - ١٥٧). فالحمد لله الذي هدانا للإسلام، والحمد لله أن جعلنا من أمة محمد ﵌.
فالحمدُ للهِ مولانا ونسألُهُ ... غُفْرَانَ ما قَلَّ مِنْ ذَنْبٍ ومَا كَثُرَا
ثم الصلاةُ على مَن عَمَّ بعثتُه ... فأنذرَ الثقلَيْنِ الجِنَّ والبَشرَا
стр. 102
محمدٍ خيرِ كلِّ العالمينَ بهِ ... خَتْمُ النبيِّينَ والرُّسْلِ الكرامِ جَرَا
والآلِ والصَّحْبِِ ما ناحَتْ على فَنَنٍ ... ورْقَا وما غَرَّدَتْ قُمْرِيَّةٌ سَحَرَا
(الفَنَنُ: الغُصْنُ، والوَرْقاءُ: الحَمامةُ، والقُمْرِيَّةُ: نوع من الحَمَام. والسَّحَرُ: قُبَيْلَ الصُّبْحِ).
• حُكم الصلاة على النبي ﵌:
في مدى مشروعيّة هذه الصلاة أقوال:
أحدها: تجب في العمر مرة، في الصلاة أو في غيرها، ككلمة التوحيد؛ لأن الأمر مطلق لا يقتضي تكرارًا. والماهية تحصل بمرة.
قال القاضي عياض وابن عبد البر: وهو قول جمهور الأمة.
والثاني: أنه يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد.
والثالث: تجب كلما ذُكر.
والرابع: تجب في كل صلاة في تشهدها الأخير.
والخامس: إنها مستحَبّة وليست واجبة. وهناك أقوال غيرها.
• من مواطن الصلاة على النبي ﵌:
١ - في الصلاة في آخر التشهد: وقد أجمع المسلمون على مشروعية الصلاة على النبي ﵌ في هذا الموضع واختلفوا في وجوبها فيه.
وقد استدل من قال بوجوب الصلاة على النبي ﵌ بأن رَسُولُ اللهِ ﵌ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدْ اللهَ تَعَالَى وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ رَسُولُ الله ﵌: «عَجِلَ هَذَا» ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ ـ جَلَّ وَعَزَّ ـ وَالثّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﵌ ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ». (صحيح رواه أبو داود).
стр. 103
وسمع رسول الله ﵌ رجلا يصلي فمجَّد الله وحمِدَه وصلى على النبي ﵌؛ فقال ﵌: «ادْعُ تُجَبْ، وسَلْ تُعْطَ» (رواه النسائي بسند صحيح)
٢ - في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية: لحديث أبي أمامة ﵁ أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﵌: «أن السُّنَّة في الصَّلَاةِ علَى الجنَازةِ أنْ يُكَبِّر الإمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأَ بفَاتِحَةِ الكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبيرة الأولَى سِرًّا في نفْسِه، ثم يُصَلِّي على النَّبي ﵌ ... » (صحيح رواه النسائي وغيره)
٣ - يوم الجمعة: فعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ؛ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»
قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ؟ ـ يَقُولُونَ: بَلِيتَ ـ فَقَالَ: «إِنَّ الله حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ» (صحيح رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه).
(فِيهِ النَّفْخَة):أَيْ النَّفْخَة الثَّانِيَة الَّتِي تُوصِل الْأَبْرَار إِلَى النِّعَم الْبَاقِيَة.
(وَفِيهِ الصَّعْقَة):أَيْ الصَّيْحَة وَالْمُرَاد بِهَا الصَّوْت الْهَائِل الَّذِي يَمُوت الْإِنْسَان مِنْ هَوْله وَهِيَ النَّفْخَة الْأُولَى.
(فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاة فِيهِ):أَيْ فِي يَوْم الْجُمُعَة لِكَوْنِ إشْغَال الْوَقْت الْأَفْضَل بِالْعَمَلِ الْأَفْضَل هُوَ الْأَكْمَل وَالْأَجْمَل وَلِكَوْنِهِ سَيِّد الْأَيَّام فَيُصْرَف فِي الصلاة على سَيِّد الْأَنَام ﵌.
(فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَة عَلَيَّ) أَيْ هِيَ مَعْرُوضَة عَلَىَّ كَعَرْضِ الْهَدَايَا عَلَى مَنْ أهْدِيَتْ إِلَيْهِ؛ فَهِيَ مِنْ الْأَعْمَال الْفَاضِلَة وَمُقَرِّبَة لَكُمْ إِلَيَّ كَمَا تُقَرِّبُ الْهَدِيَّة الْمُهْدِي إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ.
(قَالَ):أَيْ أَوْس الرَّاوِي (يَقُولُونَ):أَيْ الصَّحَابَة.
стр. 104
(حَرَّمَ عَلَى الْأَرْض أَجْسَاد الْأَنْبِيَاء):أَيْ مَنَعَهَا مِنْ أَنْ تَأْكُلهَا فَإِنَّ الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهمْ أَحْيَاء.
وقال ﵌: «الأنْبِيَاءُ أحْيَاءٌ في قُبُورِهِمْ يُصَلّونَ». (صحيح رواه أبو يعلى والبزار).
والحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء ﵈ إنما هي حياة برزخية، ليست من حياة الدنيا في شيء، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها ومحاولة تكييفها وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة الدنيا.
هذا هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الأمر: الإيمان بما جاء في الحديث دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادعاء أن حياته ﵌ في قبره حياة حقيقية!! فقالوا: إنه يأكل ويشرب ويجامع نساءه!!! ويستقبل الزائرين ويصافحهم!!! ونحو ذلك.
فحياة الأنبياء في قبورهم إنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله .
وقد قال الله لنبيه ﵌: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (الزمر:٣٠)، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾. (الأنبياء:٣٤) مع يقيننا الصادق أن روحه ﵌ في أعلى الجنان، وأن الله حرَّم على الأرض أجساد الأنبياء، وأن الحياة البرزخية تختلف عن الحياة الدنيا وعن الحياة الآخرة.
فإن بين الأحياء والأموات حاجزًا يمنع الاتصال فيما بينهم قطعيًا؛ وعلى هذا فيستحيل الاتصال بينهم لا ذاتًا ولا صفات.
والله يقول: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون:١٠٠) والبرزخ معناه: الحاجز الذي يحول دون اتصال هؤلاء بهؤلاء.
٤ - بعد سماع الأذان: فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﵌ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا الله لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا
стр. 105
لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ؛ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» (رواه مسلم).
(الْوَسِيلَة) قَدْ فَسَّرَهَا ﵌ بِأَنَّهَا مَنْزِلَة فِي الْجَنَّة.
وَقَوْله ﵌: (حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَة) أَيْ وَجَبَتْ، وَقِيلَ: نَالَتْهُ.
تنبيه: هذا أمر من النبي ﵌ بالصلاة عليه بعد الأذان، وهذا عام يشمل المؤذن وغيره؛ قال النبي ﵌ «إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ» وكلمة (ثم) فيها دليل على أن الصلاة على النبي ﵌ ليست من ألفاظ الأذان؛ لأن الصلاة على النبي ﵌ تكون بعد ترديد ما يقوله المؤذن، فدل ذلك على أن المؤذن لا يرفع الصوت بالصلاة على النبي ﵌ بعد الأذان.
فهل كان بلال أو ابن أم مكتوم وكل من أذَّن للرسول ﵌ و ﵃ يفعلون ما يفعله بعض المؤذنين في هذا الزمان مِن رفع الصوت بالصلاة على النبي ﵌ بعد الأذان؟ وهل فُعِل ذلك في عهد الخلفاء الراشدين ﵃ الذين أُمِرْنا بالاقتداء بسنتهم وكذلك في عهد الأئمة الأربعة وأتباع التابعين أو أحد القرون الثلاثة المفضَّلة؟
اللهم لا. ومن قال بخلاف هذا فقد افترى على الإسلام ودعاته الأوائل.
قال ﵌: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (متفق عليه).وكل بدعة في الدين ضلالة في النار. فكل ما لم يَرِدْ فِعْلُه عن النبي ﵌ ولا خلفائه الراشدين فهو مردود على صاحبه كائنًا من كان. ولا توجد بدعة حسنة وأخرى سيئة في الإسلام.
فالجهر بالصلاة والسلام على رسول الله ﵌ عقب الأذان غير مشروع. قال ابن حجر في (الفتاوى الكبرى): «الأصل سنة والكيفية بدعة».
وكذلك قول المؤذن حين الأذان أو الإقامة: أشهد أن سيدنا محمدًا رسول الله. قال الحافظ ابن حجر: «إنه لا يزاد ذلك في الكلمات المأثورة».
стр. 106
قال الشيخ سيد سابق في (فقه السنة): «الأذان عبادة ومدار الأمر في العبادات على الاتباع فلا يجوز لنا أن نزيد شيئا أو ننقص شيئًا في ديننا. وفي الحديث الصحيح: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» أي باطل».
٥ - في كل مجلس: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً؛ فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» (صحيح رواه الترمذي).
(إِلَّا كَانَ) أَيْ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ.
(عَلَيْهِمْ تِرَةً) أَيْ تَبِعَةً وَمُعَاتَبَةً، أَوْ: نُقْصَانًا وَحَسْرَةً وَنَدَامَةً.
(فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ) أَيْ بِذُنُوبِهِمْ السَّابِقَةِ وَتَقْصِيرَاتِهِمْ اللَّاحِقَةِ.
(وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ) أَيْ فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً.
٦ - عند ذِكْرِه ﵌:فعن الحسين بن علي ﵁ عن النبي ﵌ قال: «البَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلّ عَلَيَّ» (صحيح رواه النسائي وابن حبان والحاكم).
وقد اختلف العلماء في وجوبها كلما ذكر اسمه ﵌، فقال أبو جعفر الطحاوي، وأبو عبيد الله الحليمي: تجب الصلاة عليه ﵌ كلما ذكر اسمه.
وقال غيرهما: إن ذلك مستحب، وليس بفرض يأثم تاركه.
٧ - عند دخول المسجد والخروج منه: قَالَ رَسُولُ الله ﵌: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﵌، ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، فَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ». (صحيح رواه أبو داود)
وعَنْ فَاطِمَةَ ﵂ ـ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﵌ ـ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَقُولُ: «بِسْمِ اللهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ الله، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ». وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ الله، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ» (صحيح رواه ابن ماجه)
стр. 107
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﵌.وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﵌، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (صحيح رواه ابن ماجه).
٨ - عند الدعاء: قال ﵌: «كُلّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ حَتَّى يُصَلَّى على النَّبِي ﵌» (حسنه الألباني في صحيح الجامع).
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سدد خطاكم قَالَ: «إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ ﷺ » (رواه الترمذي وحسنه الألباني).
وعن عبد الله بن أبي بكر قال: كنا بالخيف ومعنا عبد الله ابن أبي عتبة: فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﵌، ودعا بدعوات ثم قام فصلى بنا» (صحيح رواه الجهضمي في فضل الصلاة على النبي ﵌)
٩ - في القنوت: عن قتادة عن عبد الله بن الحارث: أن أبا حليمة معاذ ﵁ كان يصلي على النبي ﵌ في القنوت» (صحيح رواه الجهضمي في فضل الصلاة على النبي ﵌).
١٠ - في الصباح والمساء: قال رسول الله ﵌: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ حِينَ يُصْبِحُ عَشْرًا، وحِينَ يُمْسِي عَشْرًا أَدْرَكَتْهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَة». (حسن رواه الطبراني)
صلى الإلهُ على النبيِّ محمدٍ ... ما ناح قُمْرِيٌّ على الأغصانِ
وعلى جميعِ بناتِه ونسائِهِ ... وعلى جميعِ الصحبِ والإخوانِ
стр. 108
٢ - التحذير من ترك الصلاة على النبي ﵌ -
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ صعد المنبر فقال: «آمِين، آمِين، آمِين».
قيل: يا رسول الله، إنك صَعَدتَ المنبر فقلتَ: آمين، آمين، آمين؟
فقال: «إنَّ جبريل ﵇ أتاني فقال: مَنْ أدْرَكَ شَهْرَ رمَضَانَ فَلَمْ يُغفَر له فدخلَ النارَ فأَبْعَدهُ الله، قُلْ: آمِين، فقلتُ: آمِين.
ومَن أَدْرَكَ أبَويْه أو أحدَهُما فلم يبرّهُما فمات، فدخلَ النارَ فأَبْعَدهُ الله، قُلْ: آمِين، فقلتُ: آمِين.
ومن ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فلم يُصَلّ عليكَ فماتَ، فدخلَ النارَ فأَبْعَدهُ الله، قُلْ: آمِين، فقلتُ: آمِين». (حسن صحيح رواه ابن حبان).
وتأمل: جبريل ﵇ يدعو ونبينا ﵌ يقول: آمين؛ فاحذر أخي المسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ» (حسن صحيح رواه الترمذي).
وعن حسين بن علي ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: «من ذُكِرْتُ عنده فخَطِىءَ الصلاةَ عليَّ، خَطِىءَ طريقَ الجنّة» (صحيح رواه الطبراني).
وعن حسين ﵁ عن النبي ﵌ قال: «البخيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلّ عَلَيَّ» (صحيح رواه النسائي وابن حبان).
وعن أبي ذر ﵁ قال: «خرجت ذات يوم فأَتَيتْتُ رسولَ الله ﵌ قال: «ألَا أخْبِرُكُمْ بِأَبْخَلِ النَّاسِ؟» قالوا: «بلى يا رسول الله».قال: «مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلّ عَلَيَّ فَذّلِكَ أبخَلُ النَّاسِ» (صحيح رواه ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة).
صَلّى عليكَ إلهُ العرشِ خالقُنا ... في الليلِ والصبحِ والأبكارِ والأُصُلِ
واخصُصْ أبا بكرٍ ثم الحِقْ به عمرًا ... كذلك عثمانَ ذي النورَيْنِ ثم علِي ...
стр. 109
والآلِ والصحبِ والأتباعِ أجمعِهِم ... أولي النُّهى والفخَارِ السادة ِالنُجُلِ
والسابقينَ إلى الإسلامِ قاطِبَةً ... والتابعينَ بإحسانٍ وكلّ ولِى
(الأصيل):الوقت حين تصفر الشمس لمغربها. (الناجل):كريم النسل.
• الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة على النبي ﵌:
قد جاءت الأحاديث مستفيضة توضح فضل الصلاة على النبي ﵌، وتبين مكانة المكثر من الصلاة عليه، فمن ثمرات الصلاة على النبي ﵌:
١ - امتثال أمر الله وموافقته في الصلاة عليه ﵌:
وإن اختلفت الصلاتان: فصلاتنا عليه دعاء وسؤال، وصلاة الله تعالى عليه ثناء وتشريف.
وأيضًا موافقة الملائكة فيها؛ قال الله : ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:٥٦).
٢ - حصول عشر صلوات من الله ومن الملائكة على المصلي بالصلاة مرة واحدة على النبي ﵌ ولم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى على النبي ﵌:
قال ﵌: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» (رواه مسلم).
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَى الْبُشْرَى فِي وَجْهِكَ؟ فَقَالَ: «إِنَّهُ أَتَانِي الْمَلَكُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا». (صحيح رواه النسائي وغيره).
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ نَخْلًا فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى خِفْتُ أَوْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ تَوَفَّاهُ أَوْ قَبَضَهُ، فَجِئْتُ أَنْظُرُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «مَا لَكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟» فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ؛ قَالَ لِي أَلَا أُبَشِّرُكَ؟ إِنَّ اللهَ يَقُولُ لَكَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ؛ فسَجَدْتُ للهِ شُكْرًا». (حسن رواه أحمد والحاكم).
стр. 110
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَليَّ يَوْمَ الْجُمُعَة؛ فَإِنَّهُ أتَانِي جِبْرِيلُ آنِفًا عَنْ رَبِّهِ فَقَالَ: «مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيْكَ مَرَّةً وَاحِدَةً إلّا صَلَّيْتُ أنَا وَمَلَائِكَتِي عَلَيْهِ عَشْرًا» (حسن رواه الطبراني).
وقال رسول الله ﵌: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا صَلَّى عَلَيَّ؛ فَلْيُقِلَّ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرْ». (حسن رواه ابن ماجه).
٣ - مَن صلّى على النبي ﵌ صلاة كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات:
عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ الله ﵌ يَوْمًا طَيِّبَ النَّفْسِ يُرَى فِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَصْبَحْتَ الْيَوْمَ طَيِّبَ النَّفْسِ يُرَى فِي وَجْهِكَ الْبِشْرُ؟».
قَالَ: «أَجَلْ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ مِنْ أُمَّتِكَ صَلَاةً كَتَبَ اللهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهَا». (صحيح رواه أحمد والنسائي).
٤ - الصلاة على النبي ﵌ سبب لعرض اسم المصلي على رسول الله ﵌، وكفى بالمرء نُبلًا أن يُذكر اسمه بين يدي رسول الله ﵌:
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﵌ قال: «إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» (صحيح رواه النسائي وابن حبان).
وعن الحسن بن علي ﵄ أن رسول الله ﵌ قال: «حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي». (صحيح رواه الطبراني).
٥ - الصلاة على النبي ﵌ سبب لرد النبي ﵌ الصلاة والسلام على المصلي والمُسَلّم عليه:
فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﵌ قال: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇» (حسن رواه أحمد وأبو داود).