← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36157

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ

شحاتة صقر

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

«صَدَقْتَ»، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ. فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلاَنًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلاَ، فَقُلْتُ: «كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا»، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: «كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا»، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا»، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: «وَاللهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ»، قَالَ: «هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟»، قَالَ: «أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ»، قَالَ: «فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا». (رواه البخاري). (الْتَمَسَ) طلب. (للْأَجَل) الزمن الذي حدده له للوفاء. (فنَقَرَهَا) حفرها. (صحيفة) رسالة مكتوبة. (زجَّجَ) سوى موضع النقر وأصلحه. (تسَلّفْت فلانًا) طلَبْت منه سلَفًا. (جَهَدْتُ) بذَلْتُ وسعيتُ. (وَلَجَتْ) دخَلَتْ في البحر. ٩ - لما ترك المهاجرون ﵃ ديارهم لله وأوطانهم التي هي أحبُّ شيء إليهم أعاضهم الله أنْ فتح عليهم الدُّنيا وملّكَهم شرق الأرض وغربَها: قال رَسُولَ اللهِ ﵌: “ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: «تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ»، فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ

стр. 1262

قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: «تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ»، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: «تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ»، فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» (رواه النسائي، وصححه الألباني). (قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ) جَمْعُ طَرِيقٍ، كَرَغِيفٍ وَأَرْغِفَةٍ. (كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ) الطِّوَلِ: الْحَبْلُ الطَّوِيلُ يُشَدُّ أَحَدُ طَرَفَيْهِ فِي وَتَدٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ فِي يَدِ الْفَرَسِ لِيَدُورَ فِيهِ ويرعى وَلَا يذهب لوجهه. وَهَذَا من كَلَام الشَّيْطَان ومقصوده أَن المُهَاجر يصير كالمقيد فِي بِلَاد الغربة لَا يَدُور الا فِي بَيته وَلَا يخالِطُه إلا بعضُ معارفه فَهُوَ كالفرس فِي طَوْل لَا يَدُور وَلَا يرْعَى الا بِقَدرِهِ، بِخِلَاف أهل الْبِلَاد فِي بِلَادهمْ فَإِنَّهُم مبسوطون لَا ضيق عَلَيْهِم فأحدهم كالفرس الْمُرْسل. (فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ) بِمَعْنى الْمَشَقَّة والتعب (وَالْمَالِ) الْمرَاد بِالْمَالِ الْجِمال وَالْعَبِيد وَنَحْوهمَا أَو المَال مُطلقًا. وقَالَ ﵌: «تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ» (رواه مسلم). وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: “ إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» (رواه مسلم). (زَوَىَ) جمع. ١٠ - ترك عقد اللؤلؤ في الحرام فناله بالحلال: في ذيل طبقات الحنابلة نقل الحافظ ابن رجب الحنبلي هذه القصة في ترجمة القاضي أبي بكر الأنصاري البزاز عنه أنه قال: «كنتُ مجاورًا بمكة - حرسها الله تعالى -

стр. 1263

فأصابني يومًا من الأيام جوعٌ شديدٌ لم أجد شيئًا أدفع به عني الجوع، فوجدتُ كيسًا من إبْرَيْسَم (١) مشدودًا بشرابة (٢) من إبريسم أيضًا فأَخذْتُه وجئتث به إلى بيتي، فحلَلْتُه فوجدتُ فيه عِقْدًا (٣) مِن لُؤلؤ لم أرَ مِثْله، فخرجْتُ فإذا الشيخ ينادي عليه، ومعَه خرقة فيها خمسمائة دينار، وهو يقول: «هذا لمن يَرُدّ علينا الكيس الذي فيه اللؤلؤ»، فقلت: «أنا محتاج، وأنا جائع، فآخذ هذا الذهب فأنتفع به، وأرُدُّ عليه الكيسَ». فقُلت له: «تعالَ إليَّ»، فأخذْتُه وجئتُ به إلى بيتي، فأعطاني علامة الكيس، وعلامة الشرابة، وعلامة اللؤلؤ وعَدَدَه، والخيط الذي هو مَشدُود به، فأخرجْتُه ودَفَعْتُه إليه. فسلم إليّ خمسمائة دينار، فما أخذتها، وقلت: «يجب عليَّ أنْ أعيده إليك ولا آخذَ له جزاء»، فقال لي: «لا بُدَّ أنْ تأخذ». ألح عليَّ كثيرًا، فلم أقبل ذلك منه، فتركني ومضى. وأما ما كان مِنّي فإني خرجتُ من مكة وركبتُ البحر، فانكسر المركب وغرق الناس، وهلكَت أموالهم، وسلِمْتُ أنا على قطعة من المركب، فبقيتُ مُدّةً في البحر لا أدري أين أذهب، فوصَلْتُ إلى جزيرة فيها قومٌ، فقعَدتُ في بعض المساجد، فسمعوني أقرأ، فلم يبق في تلك الجزيرة أحد إلا جاء إليّ وقال: «علِّمْني القرآن». فحصل لي من أولئك القوم شيء كثير من المال. ثم إني رأيتُ في ذلك المسجد أوراقًا من مصحف، فأخذتها أقرأ فيها فقالوا لي: «تُحْسِنُ تكتب؟». فقلت: نعم، فقالوا: «عَلِّمْنَا الخَطّ»، فجاءوا بأولادهم من الصبيان والشباب، فكنتُ أعَلّمُهم، فحصل لي أيضًا من ذلك شيء كثير فقالوا لي بعد ذلك: «

стр. 1264

عندنا صبيَّةً يتيمة، ولها شيء من الدُنيا نريد أن تتزوجَ بها»، فامتنعتُ، فقالوا: «لا»، بل وألزموني، فأجَبْتُهُم إلى ذلك. فلما زفُّوها إليَّ مدَدْتُ عيني أنظر إليها، فوجدت ذلك العقد بعينه معلقًا في عنقها، فما كان لي حينئذ شغل إلا النظر إليه. فقالوا: «يا شيخ، كسرتَ قلب هذه اليتيمة مِن نظرك إلى هذا العقد، ولم تنظر إليها»، فقصصتُ عليهم قصة العقد فصاحوا وصرخوا بالتهليل والتكبير، حتى بلغ إلى جميع أهل الجزيرة، فقلتُ: «ما بكم». فقالوا: «ذلك الشيخ الذي أخذ منك العقد أبو هذه الصبية، وكان يقول: «ما وجدتُ في الدنيا مسلمًا إلا هذا الذي ردَّ علَيَّ هذا العقد»، وكان يدعو ويقول: «اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزَوّجَه بابنتي»، والآن قد حصلَتْ». فبقيتُ معها مدة ورُزِقْتُ منها بولدَيْن، ثم إنها ماتت فورثْتُ العقد أنا وولداي، ثم مات الولدان فحصل العقد لي فبعته بمائة ألف دينار. ١١ - ثمرة الأمانة: عف عن الباذنجان فرزقه الله الباذنجان والمرأة صاحبة الباذنجان ودارها: كان في أحد مساجد دمشق طالب علم وكان مضرب المثل في فقره وفي إبائه وعزة نفسه وبذلها للآخرين. وكان يسكن في غرفة في المسجد، مر عليه يومان لم يأكل فيهما شيئًا وليس عنده ما يطعمه ولا ما يشتري به طعامًا، فلما جاء اليوم الثالث أحس كأنه مُشْرِفٌ على الموت، وفكر ماذا يصنع، فرأى أنه بلغ حد الإضرار الذي يجوز له أكل الميتة أو السرقة بمقدار الحاجة. وآثر أن يسرق ما يقيم صلبه - هذا ما رآه في حاله هذه. وكان المسجد يتصل سطحه ببعض البيوت، يستطيع المرء أن ينتقل من أولها إلى آخرها مشيًا على أسقفها، فصعد إلى سقف المسجد وانتقل منه إلى الدار التي تليه فلمح بها نساء فغض من بصره وابتعد، ونظر فرأى إلى جنبها دارًا خالية وشم رائحة الطبخ تصدر منها، وكانت البيوت من دور واحد، فقفز قفزتين من السقف إلى الشرفة فصار

стр. 1265

في الدار وأسرع إلى المطبخ فكشف غطاء القدر فرأى فيها باذنجانًا محشوًا، فأخذ واحدة ولم يُبَالِ مِن شدة جوعه بسخونتها وقضم منها قضمة. فما كاد يبتلعها حتى ارتد إليه عقله ودينه وقال لنفسه: «أعوذ بالله؛ أنا طالب علم مقيم في المسجد، ثم اقتحم المنازل وأسرق ما فيها؟»، وكَبُرَ عليه ما فعل وندم واستغفر، ورد الباذنجانة، وعاد من حيث جاء، فنزل إلى المسجد وقعد في حلقة الشيخ وهو لا يكاد من شدة الجوع يفهم ما يسمع. فلما انقضى الدرس وانصرف الناس جاءت امرأة مستترة - ولم يكن في تلك الأيام امرأة غير مستترة - فكلمَتْ الشيخ بكلام لم يسمعه فتلفت الشيخ حوله فلم يَرَ غيره فدعاه وقال له: «هل أنت متزوج؟»، قال: «لا». قال: «هل تريد الزواج؟»، فسكت، فأعاد عليه الشيخ سؤاله فقال: «يا شيخ ما عندي ثمن رغيف، والله، فلماذا أتزوج؟». قال الشيخ: «إن هذه المرأة أخبرتني أن زوجها توفي وأنها غريبة عن هذا لبلد ليس لها فيه ولا في الدنيا إلا عم عجوز فقير وقد جاءت به معها - وأشار إليه قاعدًا في ركن الحلقة - وقد ورثَتْ دار زوجها ومعاشه وهي تحب أن تجد رجلًا يتزوجها لئلا تبقى منفردة فيطمع بها». قال: «نعم»، وسألها الشيخ: «هل تقبلين به زوجًا؟»، قالت: «نعم». فدعا الشيخ عمها ودعا شاهدين وعقَدَا العقد، ودفع المهر عن التلميذ، وقال له: «خذ بيد زوجتك»، فأخذ بيدها فقادَتْه إلى بيتها، فلما أدخَلَتْه كشفت عن وجهها فرأى شبابًا وجمالًا، وإذا البيت هو البيت الذي اقتحمه، وسألَتْه: «هل تأكل؟»، قال: «نعم»، فكشفت غطاء القِدْر فرأت الباذنجانة فقالت: «عجبًا، مَن الذي دخل الدار فقضمها؟»، فبكى الرجل وقص عليها الخبر، فقالت له: «هذه ثمرة الأمانة، عفَفْتَ عن الباذنجانة الحرام، فأعطاك الله الدار كلها وصاحبتها بالحلال».

стр. 1266

١٣ - تركا الحرام فرزقهما الله الحلال: كان في طريقه إلى الجامعة، فركب سيارة أجرة وجلس بجواره طالب في المدرسة الفنية الصناعية، وفي أثناء الطريق نزل السائق إلى حديقة جوافة فانتزع بعض الثمار، وعرض عليهما بعضها فرفضا قائلَيْن إن هذا حرام ولا يجوز أكْلُه، وإنه لم يستأذن أصحاب الحديقة، فسكت السائق. وفي الطريق وبعد مسافة يسيرة قابلَتْه سيارة نقل محمّلة بثمار الجوافة، فأعطاهُ سائقُها بعض الثمار التي كانت أمامه في التابلوه (١)، وعندما أخذها السائق عرض عليهما بعض تلك الثمار قائلًا: «كُلَا مِن هذه؛ فهي حلال». فأكلا منها، وكان جزاء صبرهما عن الحرام أن رزقهما الله من نفس الثمار ولكن بالطريق الحلال.

стр. 1267

٩٠ - المسجد الأقصى في قلب كل مسلم عجبًا أذَلُّ الناسِ تَغْصبُ أرضَنا ... وتَعِيثُ في حُرُمَاتِنا استِهْتَارَا في المسجدِ الأقصَى تُدار رُؤوسُهم ... ويُدَنّسُون رِحابَه اسْتِحْقَارَا قُولُوا بربّي كيفَ يهدأُ بالُنا ... والقُدسُ خلّفْنا عليها العَارَا والقدسُ تصرخُ أنقذوني فالعِدَا ... رامُوا بإسراءِ النبيِّ دمَارَا ها هُم بَنُو صهيونَ داسُوا حُرْمَتِي ... جعَلُوا الغوايةَ والفسادِ شعارَا إسلامُنا بالأمسِ أنشأَ أمَّةً ... كانَتْ تعيشُ مذلةً وصَغَارَا فغَدَتْ بفضلِ اللهِ أعظمَ أمَّةٍ ... كانَتْ لكُلّ الحائرينَ مَنَارَا وإذا اتخَذْنا دينَنَا مِنْهاجَنا ... فبِهِ نُرَبِّي صفوةً أبرارَا يشدَّ المسلمون رحالهم إلى المسجد الحرام لأداء مناسك الحج، ويشدُّون رحالهم إلى المسجد النبوي، ولو أنهم استطاعوا لشدُّوا رحالهم إلى المسجد الأقصى، ولكنَّه تحت غصب وعدوان اليهود، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وما دمنا لا نستطيع في هذه الحال شدَّ الرحال إلى المسجد الأقصى بالأجساد فهيا نشدُّ إليه الرحال بالأرواح والفؤاد، فنتجول في تاريخه وفضائله وبركاته وشيء من أحكامه. أمَّا حدوده فكل ما كان داخل السور فهو من المسجد الأقصى وما لا فلا. وأمَّا تاريخ بناء المسجد الأقصى فقد أخبر الصادق الصدوق بأنَّه ثاني مسجد وُضِعَ على ظهر الأرض، فعن أَبي ذَرٍّ سدد خطاكم عَنْهُ قَالَ قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟»، قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ». قَالَ: قُلْتُ: «ثُمَّ أَيٌّ؟»، قَالَ:

стр. 1268

«الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى»، قُلْتُ: «كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟»، قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ» (رواه البخاري). (أَيّ مَسْجِد وُضِعَ فِي الْأَرْض أَوَّلُ) بِضَمِّ اللَّام، مِثْل قَبْلُ وَبَعْدُ، وَالتَّقْدِير أَوَّل كُلّ شَيْء. (الْمَسْجِد الْأَقْصَى) يَعْنِي مَسْجِد بَيْت الْمَقْدِس، وَقِيلَ لَهُ الْأَقْصَى لِبُعْدِ الْمَسَافَة بَيْنه وَبَيْن الْكَعْبَة، وَقِيلَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ مَوْضِع عِبَادَة، وَقِيلَ لِبُعْدِهِ عَنْ الْأَقْذَار وَالْخَبَائِث، وَالْمَقْدِس الْمُطَهَّر عَنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ ﵌: (أَرْبَعُونَ سَنَة) فِيهِ إِشْكَال، لِأَنَّ إِبْرَاهِيم بَنَى الْكَعْبَة، وَسُلَيْمَان ﵇ هُوَ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى (١) وَبَيْنهمَا أَكْثَر مِنْ أَلْف سَنَة. وَالجَوَاب أَنَّ الْإِشَارَة إِلَى أَوَّل الْبِنَاء وَوَضْع أَسَاس الْمَسْجِد وَلَيْسَ إِبْرَاهِيم أَوَّل مَنْ بَنَى الْكَعْبَة وَلَا سُلَيْمَان أَوَّل مَنْ بَنَى بَيْت الْمَقْدِس، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: «إِنَّ الْحَدِيث لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيم وَسُلَيْمَان لَمَّا بَنَيَا الْمَسْجِدَيْنِ اِبْتَدَآ وَضْعهمَا لَهُمَا، بَلْ ذَلِكَ تَجْدِيد لِمَا كَانَ أَسَّسَهُ غَيْرهمَا». قَوْلُهُ: (فَصَلِّهْ) بِهَاءٍ سَاكِنَة وَهِيَ هَاء السَّكْت. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْفَضْل فِيهِ) أَيْ فِي فِعْل الصَّلَاة إِذَا حَضَرَ وَقْتهَا.

стр. 1269

في الحديث السابق ما يدل على أن سليمان ﵇ بنى مسجدًا ولم يبن هيكلًا كما تزعمه اليهود، كما يدل الحديث السابق على أن بناء سليمان ﵇ لم يكن بناء ابتداءٍ وتأسيس، وإنما كان بناء تجديد للمسجد. من فضائل المسجد الأقصى: ١ - من فضائل المسجد الأقصى إخبار الله تعالى في كتابه بأن البركة حوله؛ قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء: ١). ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ أي: بكثرة الأشجار والأنهار والخصب الدائم. ومن بركته تفضيله على غيره من المساجد سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة، وأنه يطلب شد الرحل إليه للعبادة والصلاة فيه. ٢ - ومن فضائل المسجد الأقصى استحباب شدّ الرحال إليه على وجه العبادة، وهذا باتفاق العلماء، وذلك لقول رسول الله ﵌: “ لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا» (رواه البخاري ومسلم)؛ ولهذا فقد أجمع العلماء على استحباب السفر إلى بيت المقدس للعبادة المشروعة فيه كالصلاة والدعاء والذكر وقراءة القرآن والاعتكاف وغيرها. ٣ - ومن فضائل المسجد الأقصى وبركاته أن الصلاة فيه بمئتي صلاة وخمسين صلاة؛ لأن الصلاة في مسجده ﵌ بألف صلاة، وصلاة في مسجده ﵌ أفضل من أربع صلوات في المسجد الأقصى. عَنْ أَبِي ذَرٍّ سدد خطاكم قَالَ: تَذَاكَرْنَا وَنَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﵌، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ: مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﵌، أَوْ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا، أَفْضَلُ مِنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فِيهِ، وَلَنِعْمَ الْمُصَلَّى، وَلَيُوشِكَنَّ أَنْ لاَ يَكُونَ لِلرَّجُلِ مِثْلُ شَطَنِ فَرَسِهِ مِنَ الأَرْضِ، حَيْثُ يَرَى مِنْهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ خَيْرٌ لَهُ

стр. 1270

مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا، أَوْ قَالَ: خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (رواه الحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي والألباني). الشطن: هو الحبل. ٤ - ومن فضائل المسجد الأقصى أن رسول الله ﵌ أسري إليه وصلى بالأنبياء هناك، ومنه عرج به إلى السماء حيث وصل إلى السماوات العلى، إلى سدرة المنتهى، وفُرِضَتْ عليه الصلوات الخمس التي يؤديها المسلمون كل يوم وليلة، والتي راجع فيها ربنا حتى وصلت إلى هذا العدد بعد أن كانت خمسين صلاة فبقيت خمسين في الميزان وخمسًا في الأداء والأفعال، ثم عاد إليه ثم رجع إلى مكة في نفس الليلة ﵌. ٥ - ومن فضائل المسجد الأقصى أن الدجال لا يدخله، فقد روى جُنَادَةُ بْنُ أَبِى أُمَيَّةَ فَقَالَ: «أَتَيْنَا رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﵌ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَلاَ تُحَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّاسِ»، فَشَدَّدْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِينَا فَقَالَ: «أَنْذَرْتُكُمُ الْمَسِيحَ وَهُوَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ - قَالَ أَحْسَبُهُ قَالَ: الْيُسْرَى - يَسِيرُ مَعَهُ جِبَالُ الْخُبْزِ وَأَنْهَارُ الْمَاءِ، عَلاَمَتُهُ يَمْكُثُ فِى الأَرْضِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، يَبْلُغُ سُلْطَانُهُ كُلَّ مَنْهَلٍ لاَ يَأْتِى أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ الْكَعْبَةَ وَمَسْجِدَ الرَّسُولِ والْمَسْجِدَ الأَقْصَى وَالطُّورَ». (رواه الإمام أحمد وصححه الأرنؤوط). ٦ - ومن فضائل المسجد الأقصى أن نبي الله محمدًا ﵌ وأصحابه ﵃ كانوا يصلون وقبلتهم المسجد الأقصى في ابتداء فرضية الصلاة، ثم تحولت القبلة إلى الكعبة بعد الهجرة بستة أو سبعة عشر شهرًا فعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ سدد خطاكم، أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ «صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا» (رواه البخاري).

стр. 1271

تنبيه: برغم بركات المسجد الأقصى وفضائله ومزاياه، فإن المسجد الأقصى ليس حَرَمًا بإجماع العلماء، ومن الخطأ وصفه بالحرم أو ثالث الحرمين كما هو شائع، فإن الحرم ما حرم الله صيده ونباته، ولم يحرم الله صيدًا ونباتًا إلا في مكة والمدينة. من أبرز علامات الإيمان الحب في الله والبغض في الله: إن من أبرز علامات الإيمان الحب في الله والبغض في الله والمولاة والمعاداة من أجل العقيدة الحقة , ومن أجل دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه , ولا يرضى من الأديان غيره , فكل دين غير دين الإسلام فهو باطل وغير مقبول عند الله , قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥)، فدين الإسلام هو الحق وما سواه فهو باطل وضلال، قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (يونس:٣٢). إن عداوة الدين هي أقصى العداوات وأشدها, وهي التي لا هوادة في عداوتها, فكل العداوات قد يرجى زوالها إلا عداوة من يعاديك من أجل عقيدتك ودينك, إلا أن تتبعه وتسير معه على دينه، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة:١٢٠) , وكل من كان أبعد عن الحق وأعتق للباطل كانت عداوته لهل الحق أشد وأبشع, ولهذا كانت عداوة اليهود وعداوة المشركين أشد العداوات للإسلام وأهله , لا يألون جهدًا في الوقيعة بالمسلمين في دمائهم وأعراضهم وأموالهم قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: ٨٢). فهؤلاء اليهود الذين لعنهم الله وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت , ووصفهم بأنهم سماعون للكذب آكالون للسحت , وأنهم قالوا العزير ابن الله , وقالوا يد الله مغلولة , وقالوا إن الله فقير ونحن أغنياء , تعالى الله وتقدس عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

стр. 1272

إن هؤلاء اليهود هذا دأبهم في دابر الأزمان , وهذا ديدنهم مع سائر الأنبياء والمرسلين وأولياء الله المتقين , إنهم أعداء الإسلام , أعداء العدل والوئام , أعداء المرسلين وعباد الله المؤمنين , لا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمّة وأولئك هو المعتدون. كم تكرر منهم العداء على العاملين , وكم تجبروا على المستضعفين , وكم نكثوا أيمانهم , وكم نبذوا مواعيد ومواثيق , أو كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم، لقد استمرؤوا إزهاق الأرواح واغتصاب الأموال وانتهاك الحرمات , لقد تجرأوا على حرق المسجد الأقصى والاستهانة به وبشعائر دين الإسلام، ويحاولون هدمه ونسفه بين حين وآخر على عباد الله القانتين والقائمين والرُكّع السجود. لقد هتكوا بالمسلمين العاملين بغيًا وعدوانًا واستهانة بالمسلمين واحتقارًا لهم وجرحًا لشعور عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. اليهود ومراحل الصراع: إن الصراع بين الحق والباطل صراع قديم قدم الحياة على ظهر هذه الأرض، والأيام دُول كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: ١٤). ولا شك أننا نعيش مرحلة من مراحل الدولة للباطل وأهله، يوم أن انشغل عن الحق أهله حيث تمكن أخس وأحقر وأذل أمم الأرض من أبناء يهود من إقامة دولتهم اللعينة الحقيرة على الثرى الطاهر في الأرض المباركة وسيطروا على مسرى الحبيب محمد ﵌ وحرقوا منبر صلاح الدين، بل وهم يقومون الآن بحفريات خطيرة في المسجد الأقصى لهدمه وتدميره وإقامة ما يسمونه بالهيكل المزعوم!! وقد صرح أكبر حاخاماتهم في القدس بأنه لابد من هدم المسجد الأقصى لإقامة ما يسمونه بالهيكل المزعوم ثم قال: «إن العرب سيغضبون أول الأمر لكن سيصبح الأمر عاديًا بعد ذلك»!!

стр. 1273

جريمة حرق المسجد الأقصى: احترق المسجد الأقصى المبارك بِيَد الغدر ونار الحقد، بجريمة بشعة خُطِّط لها بليل ودُبِّر لها بإحكام، ونُفِّذت في ظلّ الاحتلال أول جريمةِ حرقٍ للمسجد الأقصى في تاريخه. لقد استيقظ أهل القدس ورأوا المسجد صباح يوم الحادي والعشرين من شهر أغسطس لعام ألف وتسعمائة وتسع وستين، استيقظوا على استغاثات المسجد، تنطلق من حناجر المرابطين الذين هبّوا لإطفاء الحريق بنور إيمانهم وصدق عزيمتهم وثبات موقفهم الذي لا يرضخ لمخطّطات العدوان ولا يستكين لجرائم المحتلين. ولقد شاهد العالم ألسنة النيران التي علت قبّة المسجد تشكو إلى الله ظلمَ الظالمين واعتداء المعتدين الذين لا يرعَون للمقدسات حُرْمةَ، ولا يَرْقُبُون في مؤمنٍ إلًا ولا ذمة. إنّ الحريق الذي استهدف المسجد الأقصى وجودًا وحضارة لم يتوقّف عند إحراق منبر صلاح الدين الأيوبي والأجزاء التي تمثّل فنّ الحضارة والعمارة الإسلامية على امتداد التاريخ الإسلامي في المسجد الأقصى، بل امتدّ هذا الحريق وانتشر في ربوع أرضنا المباركة بأشكال متعدّدة؛ في محاولات لطمس معالم هذه الديار وفرض التهويد على الأرض والمقدسات، وفي الطليعة وبؤرة الصراع تأتي مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك. لقد زحف ويزحف التهويد على هذه المدينة من خلال المستعمرات والمستوطنات التي تتطوَّقها من جميع جهاتها، بل امتدّت هذه المستوطنات إلى أحيائها العربية، ومن شأنها تقطيع أوصال هذه الأحياء وفصلها عن بعضها البعض. كما انتشر سرطان الاستيطان في الأراضي الفلسطينية من خلال مصادرات الأراضي من أصحابها الشرعيين لإقامة المستوطنات وابتلاع أكبر قدر من الأرض في بناء وإقامة الطرق والشوارع الالتفافية، مما أحرق مقوّمات الاقتصاد لأبناء شعبنا الذي يعتمد على

стр. 1274

الزراعة واستغلال الأرض التي جُرّفَتْ من قبل الاحتلال ودمّرت مزارعها وقطعت الملايين من أشجارها. لم يكن الحريق المشؤوم للمسجد الأقصى المبارك الاعتداءَ الوحيد على هذا المسجد، بل تعددت أشكال العدوان التي استهدفت وتستهدف المسجد من خلال الحفريات التي جرت وتجري خاصّة في الجهة الجنوبيّة الشرقية من جدران المسجد، ومن الجهة الغربية التي كان من أخطرها نفق البراق الذي يمتدّ من ساحة البراق بمحاذاة الجدار الغربي للمسجد الأقصى وأسفل الأروقة والمدارس الإسلامية التي تعود إلى فترات متقدمة من العصر الأمويّ والعباسي والمملوكي، وصولًا إلى العهد العثماني. هذا النفق الذي أثر وما يزال يؤثِّر على العمائر الإسلامية والأملاك الوقفية الواقعة فوقه بالتصدع والتشقق، ويعرضها لخطر الانهيار. كما نفذ المعتدون من خلال هذا النفق إلى (بئر قايتباي) الواقع في مواجهة قبة الصخرة المشرفة، إلا أن الأوقاف الإسلامية استطاعت وبوقفة شجاعة من أبناء هذه الديار إعادة الأمور إلى سابق عهدها، وتجنيب أرض المسجد الأقصى دنس هذا العدوان. إن المسجد الأقصى المبارك الذي تعرض لاعتداءات كثيرة في ظل الاحتلال من الحرق إلى الحفريات، إلى إطلاق النار في ساحاته وفي أروقته وتحت قبابه، ومقتل الأبرياء من المصلين في رحابه الطاهرة، وهم يذودون عنه بصدورهم العارية إلا من وهج الإيمان وقوّة الإرادة والعقيدة في ردّ العدوان، وإفشال أهداف المعتدين في فرض الأمر الواقع على المسجد ومرافقه والتدخل في شؤونه، في هجمة تستهدف السيطرة عليه لتنفيذ أحلام الحالمين بهيكل مزعوم على أنقاضه، لا سمح الله. وفي الوقت الذي تشتدّ فيه وطأة الاحتلال على شعبنا وأرضنا بقصف الأبرياء في المدن والقرى والمخيمات وسقوط القتلى على ثرى هذه الأرض الطاهرة التي أبت وأبى شعبها المرابط أن يركع إلا لله وحده، فلن تلين قناة هذا الشعب للحصار

стр. 1275

والإغلاق والحواجز، ولا لجدران الفصل العنصرية التي تمزق أوصال الوطن في محاولات يائسة للنيل من شعبنا والقفز عن تضحياته لتمرير مخططات الاحتلال وتنفيذ أهدافه التي ما عادت خافية على أبناء شعبنا وعلى أبناء الشعوب الإسلامية. أسئلة مريرة: لماذا نسيت أو تناست الأمة تاريخ اليهود؟!! لماذا يا قوم والتاريخ بين أيدينا مسطور؟!! لماذا يا قوم والحقائق معلومة للأحياء، بل وللأموات داخل القبور؟!! لماذا نسيت الأمة تاريخ اليهود؟!! سؤال يحتاج إلى جواب، والجواب في كلمات قاطعة لأن المؤامرة على هذا الدين وعلى هذه الأمة قد حبكت تعليميًا وإعلاميًا حبكًا دقيقًا محكمًا!! وضعوا المناهج الدراسية لنا ولأبنائنا وضعًا دقيقًا فشوهوا العقيدة وشوهوا مفهوم لا إله إلا الله، ونَحَّوْا عن الحكم شريعة الله وشوهوا التاريخ الإسلامي، ومجَدوا المناهج الجاهلية الأرضية. مجدوا جاهلية (حورس)!! وجاهلية (مينا)!! وجاهلية (خوفو)!! علمونا في المناهج أن (ماجلان) عبقري وبطل كل زمان!! ولم يعلمونا أنه هو الذي أضرم في المسلمين النيران!! علمونا أن الدين هو الرجعية والتخلف!! علّمونا أن الحملة الفرنسية كانت فتحًا لمصر ولم تكن غزوًا ولم يخبرونا أن نابليون قد دخل الجامع الأزهر بخيوله لحرق قلوب العلماء والمسلمين!! علمونا أن العلمانية هى الصراط المستقيم!! ومن يعرض عنها فإن له معيشة ضنكا!! علمونا أن التمسك بالدين رجعية، وأن التمسك بالدين تخلف، وأن خليفة المسلمين هو الرجل المريض!! علمونا منذ اللحظات الأولى في هذه المناهج الدراسية حب جبران، والسوبر مان وشكسبير وسارتر وسيمون ديبوفوار وكل الوجوديات وما بها من أفكار وأن هؤلاء هم الذين يقولون الحق ويعدلون به!!!

стр. 1276

علمونا كيف يكون الإستسلام بذلٍ وعار؟ بل وكيف يكون القبول للخروج من الأرض والديار؟! ولا زال مسلسل خروج المسلمين من الأرض مستمرًا إلى هذا النهار!! بدأت أولى حلقات (مسلسل خروج المسلمين من الآرض) في بلاد الأندلس. ثم في بلاد مورو في الفلبين، في بخاري، وفي طشقند، وفي طجكستان، وفي تركستان، في كشمير، في الصومال، وفي البوسنة، وفي الشيشان، وفي فلسطين، ولا زال المسلسل مستمرًا حتى الآن!! وسؤال مرير آخر: لماذا انتصر اليهود وانهزم المسلمون؟! لماذا انتصر اليهود وهم لا يزيدون عن بضعة ملايين، وانهزم المسلمون وهم يزيدون على ألف مليون؟!! والجواب في آية واحدة محكمة من الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد ١١). فلما غيرت الأمة دين ربها وشريعة نبيها وتخلت عن أصل عِزِّها أذلها الله. إنه الذل لليهود الذين يتلاعبون بالعالم الإسلامي!! بل بالعالم كله!! فاستوى المسلمون مع اليهود في المعاصي والبعد عن الملك، فترك الله المسلمين لليهود فذل اليهود المسلمين. سُنَةُ ثابتة ... إن الله لا يحابي أحدًا من الخلق بحال مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباة. سُننُ ربانية في الكون لا تتغير ولا تتبدل لابد أن يعيها المسلمون من جديد. ما السبيل؟! بعد هذا العرض المر المؤلم لهذا التاريخ المسطور المعلوم يتساءل الشباب بل والمسلمون: ما السبيل؟! ما الحل؟! ما الطريق؟! في نقاط محددة نقدم مشروع الخلاص من هذا المأزق الحرج والواقع المر الأليم: أولًا: أن ترجع الأمة إلى الله - جل وعلا - بتصحيح العقيدة والعبادة وتحكيم الشريعة وتقويم الأخلاق تحويل الإسلام إلى منهج عملي وواقع حياة.

стр. 1277

ثانيًا: أن تصطلح الأمة مع شبابها الطاهر المتوضئ، المؤمن الذي تصب الأمة الآن علي رأسه جام غضبها في الوقت الذي تكرم فيه الساقطين والتافهين ممن سيكونون أول من يفر ساعة الجد كفرار الفئران لابد أن تعرف الأمة قدر الشباب الطاهر الذي سيقف في الميدان إذا جد الجد وحمي الوطيس. لابد من الصلح معه فإن أمة تتحدى شبابها الطاهر أمة خاسرة لا كيان لها ولا بقاء. هذا الشباب هو مصدر القلق والفزع والرعب لأعداء الله - جل وعلا - بل وقد صرح اليهود بذلك فقالوا: «لقد استطعنا بجهودنا وجهود أصدقائنا في المنطقة أن يظل الإسلام بعيدًا عن حلقة الصراع، ولابد أن يبقى الإسلام بعيدًا عن حلبة الصراع»!!! إن الصراع بيننا وبين اليهود ليس صراع أرض وحدود ولكن صراع عقيدة ووجود. ثالثًا: رفع راية الجهاد في سبيل الله، فلا عِزَّ للأمة إلا بالجهاد. فما ذلت الأمة وهانت إلا يوم أن ضيعت الجهاد، الذي جعله رسول الله ﵌ ذروة سنام هذا الدين. ولقد حرص أعداؤنا على أن يحُولُوا بين الأمة وبين الجهاد وحاولوا بشتى الطرق ألا تربى الأجيال المسلمة على روح الجهاد وسير الأبطال الفاتحين!! وها هو الواقع يصرخ في وجوه المخمورين الغافلين أن مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة وجميع المحافل الدولية لن تعيد للأمة المكلومة أراضيها أو دمائها أو كراماتها، بل ولا سبيل لذلك مطلقًا إلا برفع راية الحهاد في سبيل الله. فالعالم اليوم لا يحترم إلا الأقوياء!! كما قال الإرهابي الكبير (مناحم بيجن): «إننا نحارب إذن نحن موجودون»!!! ويجب أن نكون على يقين أن المستقبل لهذا الدين رغم كيد اليهود المجرمين والمنافقين. وقد أخبر النبي ﵌ أنه في آخر الزمان ستقاتل أمته اليهود فعن أبي هريرة سدد خطاكم أنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا الْيَهُودَ حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ وَرَاءَهُ الْيَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ» (رواه البخاري) وفي رواية

стр. 1278

للبخاري أيضًا: «تُقَاتِلُكُمْ الْيَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَقُولُ الْحَجَرُ: يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ» (رواه البخاري ومسلم). وفي رواية لمسلم أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ» (رواه مسلم). (الْغَرْقَد نَوْع مِنْ شَجَر الشَّوْك مَعْرُوف بِبِلَادِ بَيْت الْمَقْدِس). يا أُمتي وجبَ الكفاحْ ... فدعي التشدق والصياحْ ودَعِي التقاعُسَ ليسَ يُنْصَرُ ... مَن تقاعسَ واسْتراحْ غصَبوا فلسطينًا وقالوا ... ما لنا عنها بَراحْ ما عاد يُجدينا البُكاءُ ... على الطُلُولِ ولا النُّواحْ يا قومْ إن الأمرَ جِدٌّ ... قد مضى زمنُ المِزاحْ سقَط القِناعُ عن الوُجوهِ ... وفِعْلُهم بالسرِّ بَاحْ عادَ الصليبيّونَ ثانيةً ... وجالوا في البِطاحْ عادُوا وما في الشَّرقِ (نور ... الدين) يحكُمُ أو (صلاحْ) عاثوا فسادًا في الدِيَار ... كأنها كلْاٌ مُباحْ لم يخجَلوا من ذبْحِ شيخٍ ... لو مشَى في الريح طاحْ أو صِبْيَةٍ كالزهْرِ لم ... يَنْبٌتْ لهم ريشُ الجناحْ ذبحُوا الصبيَّ وأمَّهُ ... وفَتَاتَها ذاتَ الوِشاحْ عبثوا بأجسادِ الضحايا ... في إنتِشاءٍ وانشِراحْ لم يَشْفِ حِقدهمُ دمٌ ... سفحوه في صَلَفٍ وَقَاحْ

стр. 1279

فغَدوا علَى الأعراضِ لم ... يَخْشَوا قِصَاصًا أو جُناحْ لم يعبَأوا بقرار أمنٍ ... داَنَهُم أو باقِتراحْ يا أمَّةَ الإسلامِ هُبُّوا ... واعْمَلوا فالوقتُ راحْ الكفْرُ جَمَّعَ شَمْلَهُ ... فلِمَ النِّزاعُ والانْتِطاحْ فتجمَّعُوا وتَجَهَّزوا ... بالمُستطاعِ وبالمُتاحْ يا ألفِ مِليونٍ وأينَ ... هُمُو إذا دَعَتِ الجِراحْ هاتُوا من المليارِ ملْيونًا ... صِحاحًا من صِحاحْ من كُلِّ ألفٍ واحدًا ... أغْزُو بِهِم في كُلِّ سَاحْ لا بُدّ من صُنْعِ الرجالِ ... ومِثْلُه صُنْعُ السلاحْ وصِناعةُ الأبطالِ عِلمٌ ... قد دَارَه أُولو الصلاحْ مَنْ لمْ يُلَقَّنْ أصْلَهُ ... مِن أهِلهِ فَقَدَ النجاحْ لا يُصْنَع الأبطالُ إلا ... في مساجِدِنا الفِساحْ في رَوْضَةِ القُرْآنِ في ... ظِلِّ الأحاديثِ الصِحاحْ لا يستوِي في منطِق ... إلايمان سكرانٌ وصاحْ مَنْ همُّه التَّقْوَى وآخرُ ... همُّهُ كأسٌ ورَاحْ شَعْبٌ بغَيرِ عقيدةٍ ... وَرَقٌ تُذَرِّيهِ الريَاحْ من خانَ (حيَّ على الصلاةِ) ... يخُونُ حيَّ على الكِفاحْ (براح): مُتّسع من الأرض لا نباتَ فيه ولا عمرانَ ولا ماء. (طاح): سقط (الصَلَف): التَّكبُّر والعُجب. (وَقَاحْ): وقُحَ الشَّخصُ: قلَّ حياؤُه واجترأ على فعل القبائح ولم يعبأ بها. (رَاحْ): خمر.

стр. 1280

٩١ - لا يضر السحابَ نبحُ الكلاب إمامَ المرسلينَ فِداكَ رُوحي ... وأرواحُ الأئمةِ والدعاةْ رسُولَ العالمينَ فِداكَ عِرضِي ... وأعراضُ الأحبةِ والتقاة جريمة الاستهزاء بالنبي ﵌: هزّت العالمَ الإسلاميَّ أجمع تلك الحملات المشينة التي تهدف إلى الإساءة إلى البشير النذير رسول الله محمد ﵌، وكم آلمت كل مسلم غيورٍ على دينه بما فيها من استهزاء وسخرية بمعتقدات أمتنا الإسلامية. هجوتَ محمدًا، فأجبتُ عنهُ ... وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ أتَهْجُوهُ، وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ ... فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُمَا الفِداءُ هجوتَ مباركًا، برًّا، حنيفًا ... أمينَ اللهِ، شيمتهُ الوفاءُ فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ ... ويمدحهُ، وينصرهُ سواءُ فَإنّ أبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضي ... لعِرْضِ محمدٍ منكمْ وقاءُ هل تطفئ البصقة ضوء الشمس؟ «لا يضر السحابَ نبحُ الكلاب، ولن يَضِيرَ السماءَ نقيقُ الضفادع». يا نَاطِحَ الجَبَلَ العالي ليَكْلِمَه ... أَشفِقْ على الرّأسِ لا تُشْفِقْ على الجَبَلِ قال بيير فوجل (أبو حمزة): «حالُ مَن يَسُبُّ النبي ﵌ كالباصق على الشمس ... لن تجاوزَ البصقةُ رأسَه ثم تهوِي على وجهِه، ولا يضرُّ الشمسَ شيءٌ».

стр. 1281

كناطحٍ صخرةً يومًا لِيُوهِنَها ... فلم يَضِرْها وأوْهَى قرنَه الوعِلُ و (بيير فوجل) هو أحد المسلمين الألمان، وأحد الدعاة إلى الإسلام في ألمانيا، وكان نصرانيًا بروتستانتيًا، أسلم على يديه في يوم واحد ١٢٥٠ شخصًا بعد محاضرة ألقاها عن الإسلام. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ (الصف: ٧ - ٩). ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ والحال أنه لا عذر له، وقد انقطعت حجته؛ لأنه ﴿يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾ ويُبَيَّن له ببراهينه وبيناته، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الذين لا يزالون على ظلمهم مستقيمين، لا تردهم عنه موعظة، ولا يزجرهم بيان ولا برهان، خصوصًا هؤلاء الظلمة القائمين بمقابلة الحق ليردوه، ولينصروا الباطل، ولهذا قال الله عنهم: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: بما يصدر منهم من المقالات الفاسدة، التي يرُدُّون بها الحق، وهي لا حقيقة لها، بل تزيد البصير معرفة بما هم عليه من الباطل، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أي: قد تكفل الله بنَصْر دينه، وإتمام الحق الذي أرسل به رسله، وإشاعة نوره على سائر الأقطار، ولو كره الكافرون، وبذلوا بسبب كراهتهم كل سبب يتوصلون به إلى إطفاء نور الله فإنهم مغلوبون. وصاروا بمنزلة من ينفخ عين الشمس بفمه ليطفئها، فلا على مرادهم حصلوا ولا سَلِمَتْ عقولهم من النقص والقدح فيها. فنور الله لا يمكن أن تطفئه الأفواه، ولا أن تطمسه كذلك النار والحديد، في أيدي العبيد! وإن خُيِّلَ للطغاة الجبارين، وللأبطال المصنوعين على أعين الصليبيين واليهود أنهم بالغو هذا الهدف البعيد! ثم ذكر سبب الظهور والانتصار للدين الإسلامي، الحسي والمعنوي، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ أي: بالعلم النافع والعمل الصالح. بالعلم الذي يهدي إلى

стр. 1282

الله وإلى دار كرامته، ويهدي لأحسن الأعمال والأخلاق، ويهدي إلى مصالح الدنيا والآخرة. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ أي: الدين الذي يدان به، ويتعبد لرب العالمين الذي هو حق وصدق، لا نقص فيه، ولا خلل يعتريه، بل أوامره غذاء القلوب والأرواح، وراحة الأبدان، وترك نواهيه سلامة من الشر والفساد فما بعث به النبي ﵌ من الهدى ودين الحق، أكبر دليل وبرهان على صدقه، وهو برهان باق ما بقي الدهر، كلما ازداد العاقل تفكرًا، ازداد به فرحًا وتبصرًا. ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: ليعليه على سائر الأديان، بالحجة والبرهان، ويظهر أهله القائمين به بالسيف والسنان، فأما نفس الدين، فهذا الوصف ملازم له في كل وقت، فلا يمكن أن يغالبه مغالب، أو يخاصمه مخاصم إلا فلجه وبلسه، وصار له الظهور والقهر، وأما المنتسبون إليه، فإنهم إذا قاموا به، واستناروا بنوره، واهتدوا بهديه، في مصالح دينهم ودنياهم، فكذلك لا يقوم لهم أحد، ولا بد أن يظهروا على أهل الأديان، وإذا ضيعوه واكتفوا منه بمجرد الانتساب إليه، لم ينفعهم ذلك، وصار إهمالهم له سبب تسليط الأعداء عليهم، ويعرف هذا، من استقرأ الأحوال ونظر في أول المسلمين وآخرهم. إنا أعطيناك الكوثر: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ (الكوثر: ١ – ٣). يقول الله لنبيه محمد ﵌ ممتنا عليه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ أي: الخير الكثير، والفضل الغزير، الذي من جملته، ما يعطيه الله لنبيه ﵌ يوم القيامة، من النهر الذي يُقالُ له ﴿الْكَوْثَرَ﴾ ومن الحوض. طوله شهر، وعرضه شهر، ماؤه أشد

стр. 1283

بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته كنجوم السماء في كثرتها واستنارتها، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا. والكوثر صيغة من الكثرة وهو مطلق غير محدود. يشير إلى عكس المعنى الذي أطلقه هؤلاء السفهاء. إنا أعطيناك ما هو كثر فائض غزير. غير ممنوع ولا مبتور. فإذا أراد أحد أن يتتبع هذا الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه فهو واجده حيثما نظر أو تصور. هو واجِدُه في النبوة. وهو واجده في هذا القرآن الذي نزل عليه. وسورة واحدة منه كوثر لا نهاية لكثرته، وينبوع لا نهاية لفيضه وغزارته! وهو واجده في الملأ الأعلى الذي يصلي عليه، ويصلي على من يصلي عليه في الأرض، حيث يقترن اسمه باسم الله في الأرض والسماء. وهو واجده في سنته الممتدة على مدار القرون، في أرجاء الأرض، وفي الملايين بعْدَ الملايين السائرة على أثره، وملايين الملايين من الألسنة والشفاه الهاتفة باسمه، وملايين الملايين من القلوب المحبة لسيرته وذكراه إلى يوم القيامة. وهو واجِدُه في الخير الذي فاض على البشرية في جميع أجيالها بسببه وعن طريقه. سواء من عرفوا هذا الخير فآمنوا به، ومن لم يعرفوه ولكنه فاض عليهم فيما فَاض! وهو واجده في مظاهر شتى، محاولة إحصائها ضرب من تقليلها وتصغيرها! إنه الكوثر، الذي لا نهاية لفيضه، ولا إحصاء لعوارفه، ولا حد لمدلوله. ومِن ثَمَّ ترَكه النص بلا تحديد، يشمل كل ما يكثر من الخير ويزيد. ولما ذكر الله مِنَّتَه عليه، أمره بشكرها فقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ خص هاتين العبادتين بالذكر؛ لأنهما من أفضل العبادات وأجل القربات. فعلى غير ما أرجف المرجفون وقال الكائدون، وجه الرسول ﵌ إلى شكر النعمة بحقها الأول. حق الإخلاص والتجرد لله في العبادة وفي الاتجاه. في الصلاة وفي

стр. 1284

ذبح النسك خالصاً لله غير ملق بالًا إلى شرك المشركين، وغير مشارك لهم في عبادتهم أو في ذكر غير اسم الله على ذبائحهم. والصلاة تتضمن الخضوع في القلب والجوارح لله، وتنقلها في أنواع العبودية، وفي النحر تقرب إلى الله بأفضل ما عند العبد من الذبائح، وإخراج للمال الذي جبلت النفوس على محبته والشح به. ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ أي: مبغِضُك وذامُّك ومنتقصك ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ أي: المقطوع من كل خير، مقطوع العمل، مقطوع الذكر. وأما محمد ﵌، فهو الكامل حقًا، الذي له الكمال الممكن في حق المخلوق، من رَفْع الذكر، وكثرة الأنصار والأتباع ﵌. في الآية الأولى قرر أنه ليس أبتر بل هو صاحب الكوثر. وفي هذه الآية يرد الكيد على كائديه، ويؤكد سبحانه أن الأبتر ليس هو محمد، إنما هم شانئوه وكارهوه. ولقد صدق فيهم وعيد الله. فقد انقطع ذكرهم وانطوى. بينما امتد ذكر محمد وعلا. ونحن نشهد اليوم مصداق هذا القول الكريم، في صورة باهرة واسعة المدى كما لم يشهده سامعوه الأولون! إن الإيمان والحق والخير لا يمكن أن يكون أبتر. فهو ممتد الفروع عميق الجذور. وإنما الكفر والباطل والشر هو الأبتر مهما ترعرع وزها وتجبر. إن مقاييس الله غير مقاييس البشر. ولكن البشر ينخدعون ويغترون فيحسبون مقاييسهم هي التي تقرر حقائق الأمور! وأمامنا هذا المثل الناطق الخالد. فأين الذين كانوا يقولون عن محمد ﵌ قولتهم اللئيمة، وينالون بها من قلوب الجماهير، ويحسبون حينئذ أنهم قد قضوا على محمد وقطعوا عليه الطريق؟ أين هم؟ وأين ذِكْراهم، وأين آثارهم؟ إلى جوار الكوثر من كل شيء، ذلك الذي أوتيه من كانوا يقولون عنه: الأبتر؟!

стр. 1285

إن الدعوة إلى الله والحق والخير لا يمكن أن تكون بتراء ولا أن يكون صاحبها أبتر، وكيف وهي موصولة بالله الحي القيوم؟ إنما يُبْتَر الكفر والباطل والشر، ويُبْتَرُ أهله، مهما بدا في لحظة من اللحظات أنه طويل ممتد الجذور. وصدق الله العظيم. وكذب الكائدون الماكرون. أيُّها الشَّانِئُ أَقْصِرْ ... إِنَّمَا جِئْتُ لِأَفْخَرْ أَيُّهَا الشَّانِي تَدَبَّرْ ... فِي جَزَاءِ مَنْ تَجَبَّرْ عِنْدَ رَبِّ الْعَرْشِ تَلْقَى ... كُلَّ مَا تَجْنِي مُسَطَّرْ هل يَضِيرُ الشَّمْسَ يَوْمًا ... جَحْدُ مَنْ لِلنُّورِ أَنْكَرْ هَلْ يُمِيطُ الضَّوْءَ عَنْهَا ... أمْ بِنُورِ الْحَقِّ يُقْهَرْ أَيُّ وَجْهٍ لِقِرَانٍ؟ ... ذَاكَ نَجْمٌ لَسْتَ تُذْكَرْ أَنْتَ لَا تَسْمُو لِتُرْبٍ ... دَاسَهُ الْهادي الْمُظَفَّرْ شَادَ فِي الْآفَاقِ عِزًّا ... أُسُّهُ الدِّينُ الْمُطَهَّرْ أَيُّهَا الْفُجَّارُ مَهْلًا ... إِنَّنَا يَوْمًا سَنَثْأَرْ إِنْ أَقَمْنَا الشَّرْعَ فِينَا ... إِنَّنَا حَتْمًا سَنُنْصَرْ (الشانئ): المبغِض. (قِران): مقارنة. (تُرْب): تراب. من عادى لله وليًا فإن الله يحاربه فكيف بمن عادى نبيَّ الله محمدًا خليل الله ﵌: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ اللهَ قَالَ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ» (رواه البخاري).

стр. 1286

(مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا) الْمُرَادُ بِوَلِيِّ اللهِ الْعَالِمُ بِاللهِ الْمُوَاظِبُ عَلَى طَاعَتِهِ الْمُخْلِصُ فِي عِبَادَتِهِ. (فَقَدْ آذَنْتُهُ) أَيْ أَعْلَمْتُهُ، وَالْإِيذَانُ الْإِعْلَامُ، (بِالْحَرْبِ) فَكَأَنَّ الْمَعْنَى فَقَدْ تَعَرَّضَ لِإِهْلَاكِي إِيَّاهُ، فَأَطْلَقَ الْحَرْبَ وَأَرَادَ لَازِمَهُ أَيْ أَعْمَلُ بِهِ مَا يَعْمَلُهُ الْعَدُوُّ الْمُحَارَبُ، وفِي هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِأَنَّ مَنْ حَارَبَهُ اللهُ أَهْلَكَهُ. الذين يؤذون رسول الله ﵌ ملعونون في الدنيا والآخرة: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ (الأحزاب: ٥٦ – ٥٨). صلاة الله على النبي ﵌ ذِكْرُه بالثناء في الملأ الأعلى؛ وصلاة ملائكته دعاؤهم له عند الله ، وهذا فيه تنبيه على كمال رسول اللهِ ﵌ ورفعة درجته، وعلو منزلته عند اللهِ وعند خلقه، ورفع ذِكْرِه. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اقتداءً باللهِ وملائكته، وجزاءً له على بعض حقوقه عليكم، وتكميلا لإيمانكم، وتعظيمًا له ﵌، ومحبة وإكرامًا، وزيادة في حسناتكم، وتكفيرًا من سيئاتكم. وأين تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العلي ، وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى؛ واقتران صلاة المؤمنين بصلاة الله واقتران تسليمهم بتسليمه فيه تشريف لهم. وهذا الأمر بالصلاة والسلام عليه ﵌ مشروع في جميع الأوقات، وأوجبه كثير من العلماء في الصلاة. وأفضل هيئات الصلاة عليه ﵌ ما علم به أصحابه: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (رواه البخاري). أو «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ

стр. 1287

عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ؛ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». (رواه الترمذي، وصححه الألباني). ولما أمر الله بتعظيم رسوله ﵌، والصلاة والسلام عليه، نهى عن أذيته، وتوعد عليها فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وهذا يشمل كل أذية، قولية أو فعلية، من سب وشتم، أو تَنَقّصٍ له، أو لدينه، أو ما يعود إليه بالأذى. ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: أبعدهم وطردهم، ومِن لَعْنِهِم في الدنيا أنه يحتِّم قتل من شتم الرسول ﵌ وآذاه. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ جزاءً له على أذاه، أن يؤذَى بالعذاب الأليم، فأذِيَّةُ الرسول ﵌، ليست كأذِيَّةِ غيره، لأنه ﵌ لا يؤمن العبد بالله حتى يؤمن برسوله ﵌، وله من التعظيم، الذي هو من لوازم الإيمان، ما يقتضي ذلك، أن لا يكون مثل غيره، وإن كانت أذية المؤمنين عظيمة، وإثمها عظيمًا، ولهذا قال فيها: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ أي: بغير جناية منهم موجبة للأذى ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا﴾ على ظهورهم ﴿بُهْتَانًا﴾ حيث آذوهم بغير سبب ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ حيث تَعَدَّوْا عليهم، وانتهكوا حرمة أمر اللهِ باحترامها. إنا كفيناك المستهزئين: قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر:٩٥ - ٩٩). في هذه الآيات أمر الله رسوله ﵌ أن لا يبالي بالمشركين ولا بغيرهم وأن يصدع بما أمَرَ الله ويعلن بذلك لكل أحد ولا يعوقنه عن أمره عائق ولا تصده أقوال

стр. 1288

المتهوكين، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا تبال بهم واترك مشاتمتهم ومسابتهم مقبلًا على شأنك، ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بك وبما جئت به، وهذا وعد من الله لرسوله ﵌، أن لا يضره المستهزئون، وأن يكفِيَه الله إياهم بما شاء من أنواع العقوبة. وقد فعل فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله ﵌ وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتَلَه شر قتلة. ثم ذكر وصفهم وأنهم كما يؤذونك يا رسول الله، فإنهم أيضًا يؤذون الله ويجعلُون معه ﴿إِلَهًا آخَرَ﴾ وهو ربهم وخالقهم ومدبرهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ غِبّ أفعالهم إذا وردوا القيامة، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ لك من التكذيب والاستهزاء، فنحن قادرون على استئصالهم بالعذاب، والتعجيل لهم بما يستحقون، ولكن الله يُمْهِلُهُم ولا يُهْمِلُهم. فأنت يا محمد ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ أي: أكْثِرْ مِنْ ذِكْر الله وتسبيحه وتحميده والصلاة فإن ذلك يوسع الصدر ويشرحه ويعينك على أمورك. ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي: الموت أي: استمر في جميع الأوقات على التقرب إلى الله بأنواع العبادات، فامتثل ﵌ أمر ربه، فلم يَزَل دائبًا في العبادة، حتى أتاه اليقين من ربه ﵌.

стр. 1289

٩٢ - الله يدافع عن خليله ﵌ - نماذج من عقاب الله للمستهزئين برسول الله ﵌: ١ - عن أبي هريرة سدد خطاكم أنه قال: «قال أبو جهل: «هل يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْن أَظهُرِكُم»، قَالَ: فَقِيلَ: «نَعَمْ»، فَقَالَ: «وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيتُهُ يَفعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ»، قَالَ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﵌ وَهُوَ يُصَلِّي - زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ - فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ: «مَا لَكَ؟» فَقَالَ: «إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ، وَهَوْلًا، وَأَجْنِحَةً»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا». (رواه مسلم). (يَنْكِصُ): يرَجعُ عَلَى عَقِبَيْهِ، يَمْشِي عَلَى وَرَائِهِ. (الهَوْل): فَزَع ورهبة. والجمع أهوال. ٢ - عن أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال: «كان لهب بن أبي لهب يسب النبي ﵌، فقال النبي ﵌: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ»، فخرج في قافلة يريد الشام فنزل منزلًا فقال: «إني أخاف دعوة محمد»، قالوا له: «كلا»، فحَطّوا مَتاعَهم حوله وقعدوا يحرسونه، فجاء الأسد فانتزعه فذهب به» (رواه الحاكم في المستدرك، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر العسقلاني). ٣ - عن أنس سدد خطاكم قال: «كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا، فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﵌، فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، فَانْطَلَقَ هَارِبًا حَتَّىَ لَحِقَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ. فَكَانَ يَقُولُ: «مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ»، قَالُوا: «هَذَا قَدْ كَانَ يَكْتُبُ لِمُحَمَّدٍ»، فَأُعْجِبُوا بِهِ، فَمَا لَبِثَ أَنْ قَصَمَ اللهُ عُنُقَهُ فِيهِمْ، فَأَمَاتَهُ اللهُ فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ، فَقَالُوا: «هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا

стр. 1290

فَأَلْقَوْهُ»، فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ فَقَالُوا: «هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ»، فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ فِي الْأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الْأَرْضُ؛ فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ، فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذا». (رواه البخاري ومسلم). فهذا الملعونُ الذي افترى على النبيِّ ﵌ أنه ما كان يدري إلا ما كتب له، قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دُفن مرارًا، وهذا أمرٌ خارجٌ عن العادة، يدلُ كلّ أحدٍ على أن هذا عقوبةً لما قالهُ، وأنه كان كاذبًا، إذ كان عامة الموتى لا يصيبهم مثل هذا، وأن هذا الجُرمَ أعظمُ من مجرد الارتداد، إذ كان عامةُ المرتدين يموتون ولا يصيبهم مثل هذا، وأن اللهَ منتقمٌ لرسولهِ ﵌ ممن طعن عليه وسَبّهُ، ومُظْهِرٌ لدينه، ولكذب الكاذب إذا لم يمكن للناس أن يقيموا عليه الحد. ٤ - عن ابْنَ عَبَّاسٍ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ» قال الزُّهْرِيُّ: «فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ الله ﵌ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ. (رواه البخاري). (يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ): أَيْ يَتَفَرَّقُوا وَيَتَقَطَّعُوا. وفي رواية أن عبد الله بن حذافة السهمي قال: «فدفَعْتُ إليه كتاب رسول الله ﵌، فَقُرِئَ عليه، ثم أخذه فمزقه، فلما بلغ ذلك رسول الله ﵌ قال: «اللهم مَزِّقْ مُلْكَهُ». وكتب كسرى إلى باذان - عامِلَه في اليمن - أنِ ابعثْ من عندك رجلين جَلْدَيْن إلى هذا الرجل الذي بالحجاز فلْيَأتِيَاني بخبره، فبعث باذان قهرمان ورجلًا آخر وكتب معهما كتابًا، فقدما المدينة، فدفعا كتاب باذان إلى النبي ﵌، فتبسم رسول الله ﵌ ودعاهما إلى الإسلام - وفرائصهما ترعد -، وقال: «ارجِعَا عَنّي يومَكُما هذا حتى تأتياني الغد فأخْبِركما بما أريد»، فجاءاه من الغد فقال لهما: «أبْلِغَا صَاحِبَكُما أنَّ

стр. 1291

رَبِّي قَدْ قَتَلَ رَبَّهُ كِسْرَى فِي هَذِهِ اللّيْلَة» (رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى وصححه الألباني). وكان هلاك كسرى بأنْ سلط الله عليه ابنه شيرويه فقتله. ٥ - ذكر الحافظ ابن حجر في كتابه (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) أن بعض أمراء المغول تنَصَّر فحضر عنده جماعة من كبار النصارى والمغول فجعل واحد منهم ينتقص النبي ﵌ وهناك كلب صيد مربوط فلما أكثر من ذلك وثب عليه الكلب فخمشه فخلصوه منه. وقال بعض من حضر: «هذا بكلامك في محمد ﵌». فقال: «كلا، بل هذا الكلب عزيز النفس، رآني أشير بيدي فظن أني أريد أن أضربه»، ثم عاد إلى ما كان فيه فأطال، فوثب الكلب مرة أخرى فقبض على زردمته فقلعها فمات من حينه، فأسلم بسبب ذلك نحو أربعين ألفا من المغول. (زَرْدَمَهُ زَرْدَمَة: أي خَنَقَه. (الزَّرْدَمَةُ): الابتلاعُ. و (الزّرْدَمةُ): موضعُ الازْدِرام في الحَلْق. وقيل: الزَّرْدَمَهُ من الإنسان تحت الحلقوم واللسانُ مركّب فيها. ٦ - أفتى فقهاءَ القيروانِ وأصحابَ سُحنُون بقتلِ إبراهيم الفزاري، وكان شاعرًا متفننًا في كثير من العلومِ، وكان يستهزىء باللهِ وأنبيائهِ ونبينا محمد ﵌، فأمر القاضي يحيى بن عمرَ بقتله وصلبه، فطُعن بالسكينِ وصُلب مُنكسًا، ثم أُنزل وأُحرق بالنارِ، وحكى بعضُ المؤرخين أنه لما رُفعت خشبته، وزالت عنها الأيدي استدارت وحولته عن القبلةِ فكان آيةً للجميعِ، وكبَّر الناسُ، وجاءَ كلبٌ فولغ في دمهِ. ٧ - في أحد ردوده على أحد الكُتّاب الَّذِيْ وصف الرَّسول ﵌ بوصفين لا يليقان به ذكر الشيخ أحمد شاكر ﵀ في كتابه (كلمة الحق) هذه القصة عن والده محمد شاكر، وكيل الأزهر في مصر سابقًا، أن خطيبًا مفوهًا فصيحًا كان يتوافد إليه الناس لسماع خطبه، حضر إليه ذات يوم في خطبته أحد أمراء مصر وهو، فأراد هذا الخطيب مدح هذا الأمير والثناء عليه، وكان هذا الأمير قد أكرم طه حسين الذي كان يطعن في القرآن وفي اللغة العربية، فلما حضر طه حسين والأمير في الخطبة، قام هذا الخطيب المفَوّه يمدح ذلك الأمير قائلًا له: «جاءه الأعمى فما عبس بوجهه وما تولى».

стр. 1292

وفي كلامه هذا إساءة إلى النبي ﵌؛ لأن الله قال عن قصته ﵌ مع ابن أم مكتوم سدد خطاكم: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ (عبس: ١ – ٢ (، فلما صلى الخطيب بالناس قام الشيخ محمد شاكر والد الشيخ أحمد شاكر O ، بعد الصلاة يعلن الناس في المسجد أن صلاتهم باطلة , وأمرهم أن يعيدوا صلاة الظهر , فأعادوها، ذلك بأن الخطيب كَفَرَ بما شتم رسول الله ﵌ تعريضًا لا تصريحًا. فالله سبحانه عتب على رسوله ﵌ حين جاءه ابنُ أم مكتوم الأعمى , وهو يحدث صناديد قريش يدعوهم إلى الإسلام , فأعرض عن الأعمى قليلًا حتى يفرغ من حديثه , فأنزل الله عتاب رسوله ﵌ في سورة كريمة، ثمّ جاء هذا الخطيب الأحمق الجاهل , يريد أن يتملق الأمير، فمدحه بما يوهم السامع أنه يريد إظهار منقبة لعظمته , بالقياس إلى ما عاتب الله عليه رسوله ﵌، فكان صنع الخطيب المسكين تعريضًا برسول الله ﵌ لا يرضى به مسلم. يعلق الشيخ أحمد شاكر قائلًا: «ولم يَدَع الله لهذا المجرم جُرْمه في الدنيا قبل أن يجزيه جزاءه في الأخرى، فأقسمُ بالله لقد رأيته بعيني رأسي بعد بضع سنين، وبعد أن كان عاليًا منتفخًا، مستعزًا بمَن لاذ بهم من العظماء والكبراء، رأيْتُه مهينًا ذليلًا، خادمًا على باب مسجد من مساجد القاهرة، يتلقى نعال المصلين يحفظها في ذلة وصغار، حتى لقد خجلت أن يراني، وأنا أعرفه وهو يعرفني، لا شفقة عليه؛ فما كان موضعًا للشفقة، ولا شماتة فيه؛ فالرجل النبيل يسمو على الشماتة، ولكن لما رأيت من عبرة وعظة». ٨ - ذكره الشيخ محمد صالح المنجد أن أحدهم ذهب لنيل شهادة الدكتوراه خارج بلده، فلما أتم دراسته وكانت تتعلق بسيرة النبي ﵌، طلب منه أستاذه النصرانى أن يسجل في رسالته ما فيه انتقاص للنبي ﵌ وتعريض له، فتردد الرجل بين القبول والرفض، واختار في نهاية الأمر دنياه على آخرته، وأجابه إلى ما أراد طمعًا في تلك الشهادة، فما أن عاد إلى بلده حتى فوجئ بهلاك جميع أولاده وأهله في حادث مروع، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى.

стр. 1293

٩ - في اليوم الأول من أغسطس ١٩٩٣م، الساعة الثانية ظهرًا، وفي (ركن الخطباء) فى حديقة (هايد بارك) الشهيرة بوسط العاصمة البريطانية (لندن) اعتاد بعض المسلمين الإنجليز المؤهلين لدعوة بنى جلدتهم إلى الاسلام أن يتواجدوا بصفة أسبوعية فى (ركن الخطباء) بالحديقة المذكورة، ليتناوبوا على الخطابة داعين إلى توحيد الله ، وموضحين حقائق الإسلام، ومفندين شبهات أعدائه، وفى اليوم المذكور وقف الأخ أبو سفيان داعيًا إلى الله ، فانْبَرَى له رجل بريطانى نصرانى فأخذ يقاطعه ويشوش عليه، ثم تدني إلى ما هو أشنع من ذلك، فطوَّعَتْ له نفسه أن يلعن ويسب الله ، والرسول ﵌، والاسلام. فلم يُمْهِلْه الله طرفة عين، وإذا بالخبيث يخر فى الحال على وجهه صريعًا لليدين وللفم بعد أن بال على نفسه، وأخذت الرغوة الكريهة المقززة تنبعث من فمه، وفشلت كل محاولات إسعافه إذ كان قد نفق فى الحال، وأفضى إلى جبَّار السموات والأرض - جل وعلا -، وكان أحد رجال الشرطة البريطانية المخصصين لحفظ الأمن والنظام يراقب الموقف برمته مع الحاضرين عن كثب، فلما نفضوا أيديهم منه، وأيسوا من حياته أقبل الشرطى نحو أخينا (أبى سفيان) قائلًا له: «هذا ربك قد انتقم منه فى الحال؟»، فأجابه (أبو سفيان): «نعم هو الله الذى فعل ذلك، فادعوا الروح القدس كي تعيده إلى الحياة إن استطعتم». الله ينتقمٌ لرسوله ﵌ ممن طعن عليه وسَبَّه: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وإنَّ الله منتقمٌ لرسوله ﵌ ممن طعن عليه وسَبَّه، ومُظْهِرٌ لِدِينِهِ ولِكَذِبِ الكاذب إذا لم يُمْكِن الناس أن يقيموا عليه الحدّ، ونظير هذا ما حَدَّثَنَاه أعدادٌ من المسلمين العُدُول، أهل الفقه والخبرة، عمَّا جربوه مراتٍ متعددةٍ في حَصْرِ الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا.

стр. 1294

قالوا: «كنا نحن نَحْصُرُ الحِصْنَ أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنعٌ علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهلُهُ لِسَبِّ رسولِ الله ﵌ والوقيعةِ في عرضِه تَعَجَّلنا فتحه وتيَسَّر، ولم يكد يتأخر إلا يومًا أو يومين أو نحو ذلك، ثم يُفتَح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة»، قالوا: «حتى إن كنا لَنَتَبَاشَرُ بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظًا عليهم بما قالوا فيه». (الصارم المسلول على شاتم الرسول ﵌، ص١١٦ - ١١٧). يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؛ يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ». (رواه البخاري). كَانَ الْكُفَّارُ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ شِدَّةِ كَرَاهَتِهِمْ للنَّبِيِّ ﵌ لَا يُسَمُّونَهُ بِاسْمِهِ الدَّالِّ عَلَى الْمَدْحِ فَيَعْدِلُونَ إِلَى ضِدِّهِ فَيَقُولُونَ: «مُذَمَّمٌ»، وَإِذَا ذَكَرُوهُ بِسُوءٍ قَالُوا: «فَعَلَ اللهُ بِمُذَمَّمٍ»، وَمُذَمَّمٌ لَيْسَ هُوَ اسْمُهُ، وَلَا يُعْرَفُ بِهِ؛ فَكَانَ الَّذِي يَقَعُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَصْرُوفًا إِلَى غَيْرِهِ. وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: «لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ (المسد: ١) أقبلت العوراء أمُّ جميل بنت حرب ولها وَلْوَلَة وفي يدها فهر وهي تقول: «مذممًا أبَيْنَا، ودِينَهُ قَلَيْنَا، وأمْرَه عصَيْنَا»، والنبي ﵌ جالس في المسجد ومعه أبو بكر فلما رآها أبو بكر قال: «يا رسولَ الله، قد أقبلَتْ، وأنا أخافُ أن تَرَاكَ». فقال رسول الله ﵌: «إنَّهَا لَنْ تَرَانِي»، وقرأ قرآنًا فاعتصم به كما قال، وقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (الإسراء: ٤٥). فوقفَتْ على أبي بكر ولم تَرَ رسول الله ﵌ فقالت: «يا أبا بكر إني أخْبِرْتُ أن صاحبَك هَجَاني»، فقال: «لا، ورَبّ هذا البيت، ما هجاكِ»، فوَلَّتْ وهي تقول:

стр. 1295

«قد علمَتْ قريش أني بِنتُ سيدِها». (رواه الحاكم في المستدرك، وصححه، ووافقه الذهبي). (وَلْوَلَة) وَلْوَلَت المرأَةُ: دَعَتْ بالوَيْل، ورفعت صوتها بالبكاء والصِّياح (الفِهْرُ): الحَجَر قدر ما يكسر به جَوْزٌ، أو يُدَقُّ به شيءٌ. أتباع النبي ﵌ ينصرون حبيبهم ﵌: ١ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سدد خطاكم أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: «يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟»، قُلْتُ: «نَعَمْ، وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي». قَالَ: «أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ ﵌، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا». فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ فَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ فَقُلْتُ: «أَلَا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ». فَابْتَدَرَاهُ، فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ»، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: «أَنَا قَتَلْتُ»، فَقَالَ: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟»، قَالَا: «لَا»، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَالرَّجُلَانِ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ» (رواه مسلم). (تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَع مِنْهُمَا) مَعْنَى أَضْلَعَ: أَقْوَى. (لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ) أَيْ شَخْصِي شَخْصَهُ. (حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا) أَيْ لَا أُفَارِقُهُ حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُنَا وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَجَلًا. (فَلَمْ أَنْشَبْ) مَعْنَاهُ لَمْ أَلْبَثْ. ٢ - عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ»، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ»، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا»، قَالَ: «قُلْ»، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا، وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ

стр. 1296

أَسْتَسْلِفُكَ»، قَالَ: «وَأَيْضًا وَاللهِ لَتَمَلُّنَّهُ»، قَالَ: «إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ». فَقَالَ: «نَعَمِ، ارْهَنُونِي». قَالُوا: «أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟»، قَالَ: «ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ»، قَالُوا: «كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ»، قَالَ: «فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ»، قَالُوا: «كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ، هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ - يَعْنِي السِّلَاحَ -». فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ - وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ - فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحِصْنِ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: «أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟». ِفَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ». قَالَتْ: «أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ»، قَالَ: «إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ». قَالَ: «وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ: «إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ». وَقَالَ مَرَّةً: «ثُمَّ أُشِمُّكُمْ»، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ: «مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا» - أَيْ أَطْيَبَ – قَالَ: «عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَأَكْمَلُ الْعَرَبِ»، فَقَالَ: «أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ؟»، قَالَ: «نَعَمْ»، فَشَمَّهُ، ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَتَأْذَنُ لِي»، قَالَ: «نَعَمْ»، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ: «دُونَكُمْ»، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيَّ ﵌ فَأَخْبَرُوهُ. (رواه البخاري ومسلم). (كَعْب بْنِ الْأَشْرَفِ) أَيِ الْيَهُودِيّ. وكَانَ شَاعِرًا وَكَانَ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ ﵌ وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفَّارَ قُرَيْشٌ. (فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا) كَأَنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ أَنْ يَفْتَعِلَ شَيْئًا يَحْتَالُ بِهِ، وَقد ظهر من السِيَاق أَنَّهُمُ اسْتَأْذَنُوا أَنْ يَشْكُوا مِنْهُ وَيَعِيبُوا رَأْيَهُ. (إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ) يَعْنِي النَّبِيّ ﵌. (قَدْ عَنَّانَا) مِنَ الْعَنَاءِ وَهُوَ التَّعَبُ.

стр. 1297

(قَالَ: وَأَيْضًا) أَيْ وَزِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ) مِنَ الْمَلَالِ. (ارْهَنُونِي) أَيِ ادْفَعُوا لِي شَيْئًا يَكُونُ رَهْنًا عَلَى التَّمْرِ الَّذِي تُرِيدُونَهُ. (وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ) لَعَلَّهُمْ قَالُوا لَهُ ذَلِكَ تَهَكُّمًا، وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ كَانَ جَمِيلًا. (وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ) قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي السِّلَاحَ كَذَا قَالَ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: اللَّأْمَةُ الدِّرْعُ، فَعَلَى هَذَا إِطْلَاقُ السِّلَاحِ عَلَيْهَا مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ. وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِئَلَّا يُنْكِرَ مَجِيئَهُمْ إِلَيْهِ بِالسِّلَاحِ. (وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ) يَعْنِي كَانَ أَبُو نَائِلَةَ أَخَا كَعْبٍ بن الأشرف. (فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعْرِهِ فَأَشُمُّهُ) وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ. (وَقَالَ مَرَّةً: فَأُشِمُّكُمْ) أَيْ أُمَكِّنُكُمْ مِنَ الشَّمِّ. وفي الحديث جواز الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، وَفِيهِ جَوَازُ قَتْلِ الْمُشْرِكِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ الْعَامَّةُ قَدْ بَلَغَتْهُ، وَفِيهِ جَوَازُ الْكَلَامِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْحَرْبِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ قَائِلُهُ إِلَى حَقِيقَتِهِ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى قُوَّةِ فِطْنَةِ امْرَأَته الْمَذْكُورَة وَصِحَّة حَدِيثهَا وَبَلَاغَتِهَا فِي إِطْلَاقِهَا أَنَّ الصَّوْتَ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّم. ٣ - عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ سدد خطاكم قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَتِيكٍ وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﵌ وَيُعِينُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ وَقَدْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ لِأَصْحَابِهِ: «اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ». فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنْ الْبَابِ ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ: «يَا عَبْدَ اللهِ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ، فَادْخُلْ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ». فَدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ الْبَابَ ثُمَّ عَلَّقَ الْأَغَالِيقَ عَلَى وَتَدٍ. فَقُمْتُ إِلَى الْأَقَالِيدِ فَأَخَذْتُهَا فَفَتَحْتُ الْبَابَ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ، وَكَانَ فِي عَلَالِيَّ لَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ

стр. 1298

عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ. قُلْتُ: «إِنْ الْقَوْمُ نَذِرُوا بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ»، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنْ الْبَيْتِ. فَقُلْتُ: «يَا أَبَا رَافِعٍ»، قَالَ: «مَنْ هَذَا؟»، فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ ِالصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ، فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا وَصَاحَ، فَخَرَجْتُ مِنْ الْبَيْتِ فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: «مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ»، فَقَالَ: «لِأُمِّكَ الْوَيْلُ؛ إِنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ ضَرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ». فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ ظُبَّةَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ؛ فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الْأَبْوَابَ بَابًا بَابًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي، وَأَنَا أُرَى أَنِّي قَدْ انْتَهَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَانْكَسَرَتْ سَاقِي، فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ، فَقُلْتُ: «لَا أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ»، فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ فَقَالَ: «أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ»، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ: «النَّجَاءَ فَقَدْ قَتَلَ اللهُ أَبَا رَافِعٍ»، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: «ابْسُطْ رِجْلَكَ»، فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ. (رواه البخاري). (وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ) أَيْ رَجَعُوا بِمَوَاشِيهِمُ الَّتِي تَرْعَى. (تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ) أَيْ تَغَطَّى بِهِ لِيُخْفِيَ شَخْصَهُ لِئَلَّا يُعْرَفَ. (فَهَتَفَ بِهِ) أَيْ نَادَاهُ. (فَكَمَنْتُ) أَيِ اخْتَبَأْتُ. (ثُمَّ عَلَّقَ الْأَغَالِيقَ) الْأَغَالِيقُ جَمْعُ غَلَقٍ: مَا يُغْلَقُ بِهِ الْبَابُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمَفَاتِيحُ، كَأَنَّهُ كَانَ يَغْلِقُ بِهَا وَيَفْتَحُ بِهَا. (يُسْمَرُ عِنْدَهُ) أَيْ يَتَحَدَّثُونَ لَيْلًا. (فِي عَلَالِيٍّ لَهُ) جَمْعُ عَلِيَّةٍ، وَهِيَ الْغُرْفَةُ. (نَذِرُوا بِي) أَي علمُوا وأصْلُهُ مِنَ الْإِنْذَارِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُحْذَرُ مِنْهُ. (فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ) أَيْ قَصَدْتُ نَحْوَ صَاحِبِ الصَّوْتِ. (وَأَنَا دَهِشٌ) مُتَحَيِّرٌ مَدْهُوشٌ. (فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا) أَيْ لَمْ أَقْتُلْهُ. (هَدَأتْ الْأَصْوَات) أَي سَكَنَتْ. (فَأَضْرِبُهُ) ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَةً لِاسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ مَضَى.

стр. 1299

(فَلَمْ يُغْنِ) أَيْ لَمْ يَنْفَعْ. (ظُبَّةُ السَّيْف) حَرْفُ حَدّ السَّيْفِ. (فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أُرَى) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّ. (أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ) النَّعْيُ خَبَرُ الْمَوْتِ، وَالِاسْمُ النَّاعِي. (فَقُلْتُ النَّجَاء) أَيْ أَسْرِعُوا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ اغْتِيَالِ الْمُشْرِكِ الَّذِي بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَأَصَرَّ، وَقَتْلُ مَنْ أَعَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ بِيَدِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ لِسَانِهِ، وَجَوَازُ التَّجسِيسِ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ وَتَطَلُّبُ غِرَّتِهِمْ، وَالْأَخْذُ بِالشِّدَّةِ فِي مُحَارَبَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَجَوَازُ إِبْهَامِ الْقَوْلِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَتَعَرُّضِ الْقَلِيلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلْكَثِيرِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَالْحكم بِالدَّلِيلِ والعلامة لاستدلال بن عَتِيكٍ عَلَى أَبِي رَافِعٍ بِصَوْتِهِ، وَاعْتِمَادِهِ عَلَى صَوت الناعي بِمَوْتِهِ. ٤ - عن ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﵌ وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ﵌ وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: «أَنْشُدُ اللهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ»، فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا صَاحِبُهَا كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا» فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ». (رواه أبو داود، وصححه الألباني). (أُمُّ وَلَدٍ) أَيْ غَيْرُ مسلمة ولذلك كانت تجترىء عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الشَّنِيعِ. والجَارِيَةُ إِذَا وَلَدَتِ لِسَيِّدِهَا اسْتَحَقَّتِ الْعِتْقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا بِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَتُسَمَّى حِينَئِذٍ (أُمَّ وَلَدٍ) وَلاَ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنَ اسْتِمْرَارِ تَسَرِّي سَيِّدِهَا بِهَا إِلَى أَنْ يَمُوتَ أَحَدُهُمَا، وَلاَ تُبَاعُ، وَلَهَا أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ.

стр. 1300

(وَتَقَعُ فِيهِ) يُقَالُ وَقَعَ فِيهِ إِذَا عَابَهُ وَذَمَّهُ (وَيَزْجُرُهَا) أَيْ يَمْنَعُهَا (فَلَا تَنْزَجِرُ) أَيْ فَلَا تَمْتَنِعُ (فَأَخَذَ) أَيِ الْأَعْمَى (الْمِغْوَلَ) مِثْلَ سَيْفٍ قَصِيرٍ يَشْتَمِلُ بِهِ الرَّجُلُ تَحْتَ ثِيَابِهِ فَيُغَطِّيهِ، وَقِيلَ حَدِيدَةٌ دَقِيقَةٌ لَهَا حَدٌّ مَاضٍ، وَقِيلَ هُوَ سَوْطٌ فِي جَوْفِهِ سَيْفٌ دَقِيقٌ يَشُدُّهُ الْفَاتِكُ عَلَى وَسَطَهِ لِيَغْتَالَ بِهِ النَّاسَ. (وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا) أَيْ تَحَامَلَ عَلَيْهَا (فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ) لَعَلَّهُ كَانَ وَلَدًا لَهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ. (فَلَطَّخَتْ) أَيْ لَوَّثَتْ (مَا هُنَاكَ) مِنَ الْفِرَاشِ. (فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ) أَيِ الْقَتْلُ. (فَقَالَ: أَنْشُدُ اللهَ رَجُلًا) أَيْ أَسْأَلُهُ بِاللَّهِ وَأُقْسِمُ عَلَيْهِ. (فَعَلَ مَا فَعَلَ) مَا مَوْصُولَةٌ، أي فَعَلَ الذي فَعَلَ. (لِي عَلَيْهِ حَقٌّ) أَيْ مُسْلِمًا يَجِبُ عَلَيْهِ طَاعَتِي وَإِجَابَةُ دَعْوَتِي. (يَتَزَلْزَلُ) أَيْ يَتَحَرَّكُ. (بَيْنَ يَدَي النَّبِيّ) أَيْ قُدَّامَهُ ﵌. (مِثْلَ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ) أَيْ فِي الْحُسْنِ وَالْبَهَاءِ وَصَفَاءِ اللَّوْنِ. (أَلَا) بِالتَّخْفِيفِ (إِنَّ دَمَهَا هَدَرٌ) لَعَلَّهُ ﵌ عَلِمَ بِالْوَحْيِ صِدْقَ قَوْلِهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا لَمْ يَكُفَّ لِسَانَهُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﵌ فَلَا ذِمَّةَ لَهُ فَيَحِلُّ قَتْلُهُ. وفِيهِ أَنَّ سَابَّ رَسُولِ اللهِ ﵌ يُقْتَلُ. ٥ - عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قُالُ: «كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: «يَالَلْمُهَاجِرِينَ»، وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: «يَالَلْأَنْصَارِ» فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﵌ فَقَالَ: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»، قَالُوا: «رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَسَعَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»، فَسَمِعَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولٍ، فَقَالَ: «أَوَقَدْ فَعَلُوهَا، وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ»، فَقَالَ عُمَرُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «دَعْهُ؛ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ: «وَاللهِ لَا تَنْقَلِبُ حَتَّى تُقِرَّ أَنَّكَ الذَّلِيلُ وَرَسُولُ اللهِ ﵌ الْعَزِيزُ»، فَفَعَلَ. (رواه الترمذي، وصححه الألباني). (فَكَسَعَ) كَسَعَهُ: ضَرَبَ دُبُرَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِصَدْرِ قَدَمِهِ. (يَا لَلْمُهَاجِرِينَ) أَيْ أَغِيثُونِي، وَكَذَا قَوْلُ الْآخَرِ (يَا لَلْأَنْصَارِ). (مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ مَا شَأْنُهَا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ
следующие страницы →