فلْيَعْلم المهموم أن ما يصيبه من الأذى النفسي نتيجةً للهمّ لا يذهب سُدًى بل هو مفيد في تكثير حسناته وتكفير سيئاته، ولْيَعْلم المسلم أنه لولا المصائب لوَرَدْنا يوم القيامة مفاليس كما ذكر بعض السلف؛ ولذلك كان أحدهم يفرح بالبلاء كما يفرح أحدنا بالرخاء.
وإذا علم العبْدُ أن ما يصيبه من المصائب يكفّر عنه سيئاته فرح واستبشر، وخصوصًا إذا عُوجِل بشيء بعد الذنب مباشرة، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
(إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ) أَيْ أَسْرَعَ (لَهُ الْعُقُوبَةَ) أَيِ الِابْتِلَاءَ بِالْمَكَارِهِ (فِي الدُّنْيَا) لِيَخْرُجَ مِنْهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ، وَمَنْ فُعِلَ ذَلِكَ مَعَهُ فَقَدْ أَعْظَمَ اللُّطْفَ بِهِ وَالْمِنَّةَ عَلَيْهِ (أَمْسَكَ) أَيْ أَخَّرَ (عَنْهُ) مَا تَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ (بِذَنْبِهِ) أَيْ بِسَبَبِهِ (حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ حَتَّى يَأْتِيَ الْعَبْدُ بِذَنْبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَعْنِي لَا يُجَازِيهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يَجِيءَ فِي الْآخِرَةِ مُتَوَفِّرَ الذُّنُوبِ وَافِيهَا فَيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنَ الْعِقَابِ.
ثالثًا: معرفة حقيقة الدنيا:
فإذا علم المؤمن أن الدنيا فانية، ومتاعَها قليل، وما فيها من لذة فهي مكدّرة ولا تصفو لأحد. إن أضحكت قليلًا أبكت طويلًا، وإن أعطت يسيرًا منعت كثيرًا، والمؤمن فيها محبوس كما قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» (رواه مسلم).
وهي كذلك نَصَبٌ وأذى وشقاء وعناء؛ ولذلك يستريح المؤمن إذا فارقها كما جاء عن أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ»، قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ»، قَالَ: «الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ» (رواه البخاري).
стр. 1227
وموت المؤمن راحة له من غموم دار الدنيا وهمومها وآلامها كما في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم عَنِ النَّبِيِّ ﵌: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا قُبِضَ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ، فَتَقُولُ: «اخْرُجِي إِلَى رَوْحِ اللهِ»، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ مِسْكٍ حَتَّى إِنَّهُمْ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَشُمُّونَهُ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: «مَا هَذِهِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي جَاءَتْ مِنَ الْأَرْضِ؟»، وَلَا يَأْتُونَ سَمَاءً إِلَّا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَهْلِ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ، فَيَقُولُونَ: «مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟»، فَيَقُولُونَ: «دَعُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا» (رواه ابن حبان وغيره، وصححه الألباني).
إن هذا المعنى الذي يدركه المؤمن لحقيقة الدنيا يُهوّن عليه كثيرًا من وقع المصاب وألم الغمّ ونكد الهمّ؛ لأنه يعلم أنه أمر لا بدّ منه فهو من طبيعة هذه الحياة الدنيا.
رابعًا: ابتغاء الأسوة بالرسل ﵈ وبالصالحين واتخاذهم مَثلا وقدوة:
وهم أشد الناس بلاءً في الدنيا، والمرء يبتلى على قدر دينه، والله إذا أحب عبدًا ابتلاه، وقد سأل سعد سدد خطاكم النبي ﵌ فقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً»، قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
خامسًا: أن يجعل العبد الآخرة همه لكي يجمع الله له شمله لما رواه أنس سدد خطاكم قال: قال رسول الله ﵌: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ. وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
стр. 1228
(مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ) أَيْ قَصْدُهُ وَنِيَّتُهُ، (جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ) أَيْ جَعَلَهُ قَانِعًا بالكفاف والكِفَاية كَيْلَا يَتْعَبَ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ (وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ) أَيْ أُمُورَهُ الْمُتَفَرِّقَةَ بِأَنْ جَعَلَهُ مَجْمُوعَ الْخَاطِرِ بِتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ (وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا) أَيْ مَا قُدِّرَ وَقُسِمَ لَهُ مِنْهَا (وَهِيَ رَاغِمَةٌ) أَيْ ذَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ تَابِعَةٌ لَهُ لَا يَحْتَاجُ فِي طَلَبِهَا إِلَى سَعْيٍ كَثِيرٍ بَلْ تَأْتِيهِ هَيِّنَةً لَيِّنَةً عَلَى رَغْمِ أَنْفِهَا وَأَنْفِ أَرْبَابِهَا (وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ) أَيْ جِنْسَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْخَلْقِ كَالْأَمْرِ المحسوس مَنْصُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ (وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ) أَيْ أُمُورَهُ الْمُجْتَمَعَةَ (وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ) أَيْ وَهُوَ رَاغِمٌ فَلَا يَأْتِيهِ مَا يَطْلُبُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِهِ وَأَنْفِ أَصْحَابِهِ.
قال ابن القيم ﵀: «إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده تحمّل الله عنه سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كلّ ما أهمّه، وفرّغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمّله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكَلَه إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم، فهو يكدح كدح الوحوش في خدمة غيره. فكلّ من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلِيَ بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (الزخرف: ٣٦)».
سادسًا: ذكر الموت:
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» يَعْنِي الْمَوْتَ. (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وعَن أَنَسسدد خطاكم أَن رَسولَ اللهِ ﵌ مَرَّ بِمَجْلِسٍ وَهُمْ يَضْحَكُونَ فَقَالَ: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي ضِيقٍ مِنَ الْعَيْشِ إلاَّ وَسَّعَهُ عَلَيْهِ، ولَا فِي سَعَةٍ إلاَّ ضَيَّقَهُ عَلَيْهِ» (رواه البزار، وحسنه الألباني).
стр. 1229
(هَاذِمِ اللَّذَّاتِ) بالذال المُعْجَمَة أي قاطعها. ويجتمل أن يكون بالدال المهملة، والمراد على التقديرين الموت فإنه يقطع لذات الدنيا قطعًا.
(أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ) أَي نغصوا بِذكرِهِ لَذَّاتِكُم حَتَّى يَنْقَطِع رُكُونَكُم إِلَيْهَا فتُقْبِلوا على الله . والإكثار من ذكر الموت عَظِيم النَّفْع؛ إِذْ بِهِ ينقص حبّ الدُّنْيَا وتنقطع علاقَة الْقلب عَنْهَا، ولو فكر البُلَغاءُ في قول المصطفى ﵌ ذلك لَعَلموا أنه أتى بهذا القليل على كل ما قيل في ذكر الموت ووُصِفَ به نظمًا ونثرًا.
وقال أبو حمزة الخراساني: «من أكثر ذكر الموت حُبِّبَ إليه كلُّ باق، وبُغِّضَ إليه كلُّ فانٍ». وقال القرطبي: «ذِكْرُ الموت يُورِثُ استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية والتوجه في كل لحظة إلى الآخرة الباقية ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالين: ضيق وسعة ونعمة ومحنة؛ فإن كان في حال ضيق ومحنة فذكر الموت يسهل عليه ما هو فيه من الاغترار بها والركون إليها». وقيل: «لا يدخل ذِكْرُ الموتِ بيتًا إلا رَضِيَ أهلُه بما قُسِمَ لهم».
أخي ما بالُ قلبِكَ ليسَ يَنْقَى ... كأنّكَ لا تظنُ الموتَ حقّا
ألَا يا ابْنَ الذينَ فَنَوْا وماتُوا ... أمَا واللهِ ما ذهبُوا لِتَبْقَى
سابعًا: دعاء الله تعالى:
ومنه ما هو وقاية ومنه ما هو علاج، فأما الوقاية فإن على المسلم أن يلجأ إلى الله ويدعوه متضرعًا إليه بأن يعيذه من الهموم ويباعد بينه وبينها، كما كان يفعل النبي ﵌؛ فقد قال خادمه أنس بن مالك سدد خطاكم واصفًا حال النبي ﵌: «كُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (رواه البخاري). (ضَلَع الدَّيْن) ثقله وشدته. (غَلَبَة الرِّجَال) قَهْرهم.
وهذا الدعاء مفيد لدَفْع الهَمّ قبل وقوعه، والدفع أسهل من الرفع.
стр. 1230
ومن أنفع ما يكون في ملاحظة مستقبل الأمور استعمال هذا الدعاء الذي كان النبي ﵌ يدعو به؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» (رواه مسلم).
فإذا وقع الهم وألمّ بالمرء، فباب الدعاء مفتوح غير مغلق، والكريم إن طُرِق بابه وسُئِل أعطَى وأجاب. قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦).
ومن أعظم الأدعية في إذهاب الهمّ والغم والإتيان بعده بالفرج: الدعاء العظيم المشهور الذي حثّ النبي ﵌ كلّ من سمعه أن يتعلّمه ويحفظه، فقد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرحًا»، قَالَ: فَقِيلَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا نَتَعَلَّمُهَا؟»، فَقَالَ: «بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا» (رواه الإمام أحمد في المسند، وصححه الألباني، وقال أحمد شاكر: «إسناده صحيح»).
هذا الحديث العظيم فيه اعترافُ العبد أنه مملوك لله وأنه لا غِنَى له عنه، وليس له سيد سواه، والتزامٌ بعبوديته وإعلانُ الخضوعِ والامتثالِ لأمْره ونهْيِه، وأن الله يصرّفه ويتحكّم فيه كيف يشاء، وإذعانٌ لحكم الله ورِضًى بقضائه، وتوسُّلٌ إلى الله بجميع أسمائه قاطبة، ثم سؤالُ المطلوب ونُشْدَانُ المرغوب.
(وابْنُ أمَتِكَ) أي ابن جاريتك وهو اعتراف بالعبودية. (نَاصِيَتِي بِيَدِكَ) أي لا حول ولا قوة إلا بك، وهذا يدل على كمال قدرته تعالى على التصرف فيه، كما قال تعالى:
стр. 1231
﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (هود: ٥٦).
(مَاضٍ) أي ثابت ونافذ (فِيَّ) أي في حقي (حُكْمُك) أي الأمري أو الكوني كإهلاك وإحياء ومنع وعطاء، فلا رَادّ لما قضيت.
(عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ) أي ما قَدَّرْتَه عليَّ لأنك تصرفتَ في ملكك على وفق حكمتك؛ لأنك المالك من كل الوجوه، فلا يُتَصَوَّر الظلمُ في قضائك.
(أوْ أنْزَلْتَه فِي كِتَابِكَ) أي: من الكتب السماوية، أي في جنس الكتب المنزلة.
(اسْتَأثَرْتَ) أي تفرَّدْتَ به. واخترته واصطفيته في علمك مخزونًا عندك.
(أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي) رَبِيعَ قَلْبِي: أي: متنزهه، ومكان رَعْيِه وانتفاعه بأنواره وأزهاره وأشجاره وثماره، المشبه بها أنواع العلوم والمعارف وأصناف الحكم والأحكام واللطائف.
والربيع المطر الذي يحيى الأرض، شَبَّه القرآن به لحياة القلوب به، فتضمن الدعاء أن يُحْيِيَ قَلْبَه بربيع القرآن وأن يُنَوِّرَ به صدره فتجتمع له الحياة والنور، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ١٢٢).
ولما كان الصدر أوسع من القلب كان النور الحاصل له يسري منه الى القلب لأنه قد حصل لما هو أوسع منه، ولما كانت حياة البدن والجوارح كلها بحياة القلب تسري الحياة منه الي الصدر ثم الى الجوارح سأل الحياة له بالربيع الذي هو مادتها، ولما كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته سأل أن يكون ذهابها بالقرآن؛ فإنها أحْرَى أن لا تعود، وأما إذا ذهبت بغير القرآن من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد فإنها تعود بذهاب ذلك. (جِلاءَ حُزْنِي) أي: إزالة حزني.
وقد ورد في السنّة النبوية أدعية أخرى بشأن الغم والهم والكرب ومنها:
стр. 1232
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: «لَا إِلَهَ إِلّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» (رواه البخاري).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ سدد خطاكم قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﵌ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ». (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَلا أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ أَوْ فِي الْكَرْبِ: اللهُ اللهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا». (رواه أبو داود، وصححه الألباني). ومن الأدعية النافعة في هذا الباب أيضًا ما علَّمَنَاه رسول الله ﵌ بقوله: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو؛ فَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ؛ لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ» (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).
فإذا لهج العبد بهذه الأدعية بقلبٍ حاضر، ونية صادقة، مع اجتهاده في تحصيل أسباب الإجابة، حقق الله له ما دعاه ورجاه وعمل له، وانقلب همه فرحًا وسرورًا.
وكمْ للهِ منْ تدبيرِ أمْرٍ ... طَوَتْهُ عنِ المشاهدة ِالغُيوبُ
وكمْ في الغيبِ مِنْ تيسيرِ عُسْرٍ ... ومِنْ تفْريجِ نائبةٍ ٍ تنوبُ
ومِنْ كَرَمٍ ومِنْ لُطفٍ خَفِيٍّ ... ومِنْ فَرَجٍ تَزولُ بهِ الكُروبُ
ومَاليَ غيرُ بابِ اللهِ بابٌ ... ولا مَوْلَى سِواهُ ولا حَبيبُ
كريمٌ مُنعمٌ برٌّ لطيفٌ ... جميلُ السِّترِ للدّاعِي مُجيبُ
حليمٌ لا يُعاجِلُ بالخطايَا ... رَحيمٌ غيثُ رحمتِهِ يَصُوبُ
نائبة: نازلة أو مصيبة. يَصُوبُ: ينصبّ وينزل.
ثامنًا: الصلاة على النبي ﵌:
وهي من أعظم ما يفرج الله به الهموم؛ فالصلاة على النبي ﵌ سبب لغفران الذنوب وسبب لكفاية العبد ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة؛ فعن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ سدد خطاكم
٨٧ - من وسائل علاج الهموم (١)
تاسعًا: التوكل على الله وتفويض الأمر إليه:
فمن علم أن الله على كل شيء قدير، وأنه المتفرد بالاختيار والتدبير. وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه وأنه أعلم بمصلحة العبد من العبد، وأقْدَر على جلبها وتحصيلها منه، وأنصح للعبد لنفسه وأرحم به منه بنفسه، وأبرّ به منه بنفسه. وعلم مع ذلك أنه لا يستطيع أن يتقدم بين يدَيْ تدبيره خطوة واحدة ولا يتأخر عن تدبيره له خطوة واحدة، فلا متقدم له بين يدي قضائه وقدره ولا متأخر.
فألقى نفسه بين يديه وسلّم الأمر كله إليه، وانطرح بين يديه انطراح عبد مملوك ضعيف بين يدي ملك عزيز قاهر له التصرف في عبده بما شاء، وليس للعبد التصرف فيه بوجه من الوجوه، فاستراح حينئذ من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات. وحمَّل كل حوائجه ومصالحه مَن لا يبالي بحملها ولا يثقله ولا يكترث بها.
فتولاها دونه وأرَاهُ لطفَه وبِرَّه ورحمته وإحسانه فيها من غير تعب من العبد ولا نصب، ولا اهتمام منه؛ لأنه قد صرف اهتمامه كله إليه وجعله وحدَه هَمَّه. فصَرَف عنه اهتمامه بحوائجه ومصالح دنياه، وفرَّغ قلبه منها، فما أطيبَ عيشه وما أنعم قلبه وأعظم سروره وفرحه.
وأما مَن أبَى إلا تدبيره لنفسه واختياره لها واهتمامه بحظه دون حق ربه، خلاه وما اختاره وولاه ما تولى فحضره الهم والغم والحزن والنكد والخوف والتعب، وكسف البال وسوء الحال، فلا قلب يصفو، ولا عمل يزكو، ولا أمل يحصل، ولا
стр. 1235
راحة يفوز بها، ولا لذة يتهنى بها، بل قد حِيلَ بينه وبين مسرته وفرحه وقرة عينه. فهو يكدح في الدنيا كدح الوحش ولا يظفر منها بأمل ولا يتزود منها لمعاد.
ومتى اعتمد القلب على الله، وتوكل عليه، ولم يستسلم للأوهام ولا ملكته الخيالات السيئة، ووثق بالله وطمع في فضله، اندفعت عنه بذلك الهموم والغموم، وزالت عنه كثير من الأسقام القلبية والبدنية، وحصل للقلب من القوة والانشراح والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، والمعافَى من عافاه الله ووفقه لجهاد نفسه لتحصيل الأسبابِ النافعةِ المقويةِ للقلبِ، الدافعةِ لقلقه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: ٣) أي كافِيهِ جميع ما يهمه من أمر دينه ودنياه.
فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام، ولا تزعجه الحوادث لعلمه أن ذلك من ضعف النفس ومن الخور والخوف الذي لا حقيقة له، ويعلم مع ذلك أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة، فيثق بالله ويطمئن لوعده، فيزول همه وقلقه، ويتبدل عسره يسرا، وتَرَحَه فرحًا، وخوفه أمنا فنسأله تعالى العافية وأن يتفضل علينا بقوة القلب وثباته بالتوكل الكامل الذي تكفل الله لأهله بكل خير، ودفع كل مكروه وضَيْر.
عاشرًا: الحرص على ما ينفع والاهتمام بعمل اليوم الحاضر:
ومما يدفع الهم والقلق الحرص على ما ينفع واجتماع الفكر كله على الاهتمام بعمل اليوم الحاضر، وقطعه عن الاهتمام في الوقت المستقبل، وعن الحزن على الوقت الماضي. ولهذا استعاذ النبي ﵌ من الهم والحزن، فالحزن على الأمور الماضية التي لا يمكن ردها ولا استدراكها والهم الذي يحدث بسببه الخوف من المستقبل، فيكون العبد ابن يومه، يجمع جده واجتهاده في إصلاح يومه ووقته الحاضر، فإن جمع القلب على ذلك يوجب تكميل الأعمال، ويتسلى به العبد عن الهم والحزن.
стр. 1236
والنبي ﵌ إذا دعا بدعاء أو أرشد أمته إلى دعاء فهو يحث مع الاستعانة بالله والطمع في فضله على الجد والاجتهاد في التحقق لحصول ما يدعو لدفعه؛ لأن الدعاء مقارِن للعمل، فالعبد يجتهد فيما ينفعه في الدين والدنيا، ويسأل ربه نجاح مقصده. ويستعينه على ذلك كما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: «لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا»، وَلَكِنْ قُلْ: «قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ»، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (رواه مسلم).
فجمع ﵌ بين الأمر بالحرص على الأمور النافعة في كل حال، والاستعانة بالله، وعدم الانقياد للعجز الذي هو الكسل الضار، وبين الاستسلام للأمور الماضية النافذة، ومشاهدة قضاء الله وقدره، وجعل الأمور قسمين:
١ - قسمًا يمكن للعبد السعي في تحصيله أو تحصيل ما يمكن منه، أو دَفْعه أو تخفيفه، فهذا يُبْدِي فيه العبد مجهوده ويستعين بمعبوده.
٢ - وقسمًا لا يمكن فيه ذلك، فهذا يطمئن له العبد ويرضى ويسلم، ولا ريب أن مراعاة هذا الأصل سبب للسرور وزوال الهم والغم.
والحديث المذكور يدلّ على السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم وفي تحصيل الأسباب الجالبة للسرور، وذلك بنسيان ما مضى عليه من المكاره التي لا يمكنه ردها، ومعرفته أن اشتغال فكره فيها من باب العبث والمحال، وأن ذلك حمق وجنون، فيجاهد قلبه عن التفكر فيها وكذلك يجاهد قلبه عن قلقه لما يستقبله، مما يتوهمه من فقر أو خوف أو غيرهما من المكاره التي يتخيلها في مستقبل حياته.
فيعلم أن الأمور المستقبلة مجهولٌ ما يقعُ فيها من خير وشر وآمال وآلام، وأنها بيد العزيز الحكيم، ليس بيد العباد منها شيء إلا السعي في تحصيل خيراتها، ودَفْع
стр. 1237
مضراتها ويعلم العبد أنه إذا صرف فكره عن قلقه من أجل مستقبل أمره، واتكل على ربه في إصلاحه، واطمأن إليه في ذلك صلحت أحوالُه، وزال عنه همُّه وقلقُه.
إذَا أصبَحْتُ عندِي قوتُ يومِي ... فَخَلِّ الهَمَّ عنِّي يا سعيدُ
ولا تُخْطَرْ همُومُ غَدٍ بِبالي ... فإنَّ غدًا له رزقٌ جديدُ
أُسَلِّمُ إنْ أرادَ اللهُ أمْرًا ... فأتْرُكُ ما أريدُ لِمَا يريدُ
الحادي عشر: الإكثار من ذكر الله:
ومن أكبر الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينته الإكثار من ذكر الله؛ فإن لذلك تأثيرًا عجيبًا في انشراح الصدر وطمأنينته، وزوال همه وغمه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ (الرعد:٢٨).
ذكر علامة المؤمنين فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها.
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: حقيق بها وحريٌّ أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب ولا أشهى ولا أحلَى من محبة خالقها، والأنْسَ به ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله ومحبتها له، يكون ذِكْرُها له.
وأعظم الأذكار لعلاج الهمّ العظيم الحاصل عند نزول الموت: لا إله إلا الله.
الثاني عشر: اللجوء إلى الصلاة:
قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة:٤٥)، وعَنْ حُذَيْفَةَ سدد خطاكم قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﵌ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى» (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).
(إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ) أَيْ نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ مُهِمٌّ أَوْ أَصَابَهُ غَمٌّ.
стр. 1238
الثالث عشر: الجهاد في سبيل الله:
ومما يفرج الهم أيضا الجهاد في سبيل الله، كما قال ﵌: “ عَلَيْكُمْ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ ﵎ فَإِنَّهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، يُذْهِبُ اللهُ بِهِ الْهَمَّ وَالْغَمَّ “ (رواه الإمام أحمد في المسند، وصححه الألباني).
الرابع عشر: التحدث بنعم الله الظاهرة والباطنة:
فإن معرفتها والتحدث بها يدفع الهم والغم، ويحث العبد على الشكر الذي هو أرفع المراتب وأعلاها حتى ولو كان العبد في حالة فقر أو مرض أو غيرهما من أنواع البلايا.
فإنه إذا قابل بين نعم الله عليه التي لا تُحْصَى ولا تُعَدّ وبين ما أصابه من مكروه، لم يكن للمكروه إلى النعم نسبة، بل المكروه والمصائب إذا ابتلى الله بها العبد، وأدى فيها وظيفة الصبر والرِّضَى والتسليم، هانَتْ وطْأتُها، وخفَّتْ مُؤْنَتُها، وكان تأميل العبد لأجرها وثوابها والتعبد لله بالقيام بوظيفة الصبر والرضا، يدع الأشياء المرة حلوة فتنسيه حلاوةُ أجرِها مرارةَ صبرِها.
ومن أنفع الأشياء في هذا الموضع استعمال ما أرشد إليه النبي ﵌، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ» (رواه مسلم).
مَعْنَى (أَجْدَر) أَحَقّ، و (تَزْدَرُوا) تُحَقِّرُوا.
هَذَا حَدِيث جَامِع لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْخَيْر؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إِذَا رَأَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا طَلَبَتْ نَفْسه مِثْل ذَلِكَ، وَاسْتَصْغَرَ مَا عِنْده مِنْ نِعْمَة اللهُ تَعَالَى، وَحَرَصَ عَلَى الِازْدِيَاد لِيَلْحَق بِذَلِكَ أَوْ يُقَارِبهُ. هَذَا هُوَ الْمَوْجُود فِي غَالِب النَّاس. وَأَمَّا إِذَا نَظَرَ فِي أُمُور الدُّنْيَا إِلَى مَنْ هُوَ دُونه فِيهَا ظَهَرَتْ لَهُ نِعْمَة اللهُ عَلَيْهِ، فَشَكَرَهَا، وَتَوَاضَعَ، وَفَعَلَ فِيهِ الْخَيْر.
стр. 1239
وليس في الدنيا أحد لا يجد من هو أفضل منه في شيء، ومن هو أقل منه في أشياء؛ فإن كنت فقيرًا ففي الناس مَن هو أفقر منك! وإن كنت مريضًا أو معذبًا ففيهم مَن هو أشد منك مرضًا وأكثر تعذيبًا، فلماذا ترفعُ رأسك لتنظرَ من هو فوقك، ولا تُخْفِضُه لتُبْصِرَ مَن هو تحتك؟! إن كنت تعرف مَن نال من المال والجاه ما لم تَنَلْه أنت وهو دونك ذكاءً ومعرفة وخلقًا، فلِمَ لا تذكر مَن أنت دونه أو مثله في ذلك كله وهو لم يَنَلْ بعض ما نِلْتَ؟!
وإن العبد إذا نصب بين عينيه هذا الملحظ الجليل، رأى نفسه يفوق قطعًا كثيرًا من الخلق في العافية وتوابعها، وفي الرزق وتوابعه مهما بلغت به الحال، فيزول قلقه وهمه وغمه، ويزداد سروره واغتباطه بنعم الله التي فاق فيها غيره ممن هو دونه فيها.
وكلما طال تأمُّلُ العبدِ في نِعمِ الله الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، رأى ربَّه قد أعطاه خيرًا كثيرًا ودفع عنه شرورًا متعددة، ولا شك أن هذا يدفع الهموم والغموم، ويوجب الفرح والسرور.
الخامس عشر: الانشغال بعمل من الأعمال أو علم من العلوم النافعة:
فإنها تلهي القلب عن اشتغاله بذلك الأمر الذي أقلقه. وربما نسي بسبب ذلك الأسباب التي أوجبت له الهم والغم، ففرحَتْ نفْسُه، وازداد نشاطُه، وهذا السبب أيضا مشترك بين المؤمن وغيره. ولكن المؤمن يمتاز بإيمانه وإخلاصه واحتسابه في اشتغاله بذلك العلم الذي يتعلمه أو يعلمه، ويعمل الخير الذي يعمله، إن كان عبادة فهو عبادة وإن كان شغله دنيويًا أو عادة دنيوية أصحَبَها النية الصالحة، وقصَدَ الاستعانة بذلك على طاعة الله، فلذلك أثره الفعال في دفع الهموم والغموم والأحزان.
فكم من إنسان ابتلي بالقلق وملازمة الأكدار، فحلت به الأمراض المتنوعة فصار دواءه الناجح: نسيانه السبب الذي كدره وأقلقه، واشتغاله بعمل من مهماته.
стр. 1240
وينبغي أن يكون الشغل الذي يشتغل فيه مما تأنس به النفس وتشتاقه؛ فإن هذا أدعَى لحصول هذا المقصود النافع.
السادس عشر: النظر إلى الجوانب الإيجابية للأحداث التي يظهر منها بعض ما يُكره:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (رواه مسلم).
ومن فوائد هذا الحديث: زوال الهم والقلق وبقاء الصفاء، والمداومة على القيام بالحقوق الواجبة والمستحبة وحصول الراحة بين الطرفين، ومن لم يسترشد بهذا الذي ذكَره النبيُّ ﵌ بل عكَسَ القضية فلحظ المساوىء، وعَمِيَ عن المحاسن، فلا بد أن يقلق، ولابد أن يتكدر ما بينه وبين من يتصل به من المحبة، ويخلّ بكثير من الحقوق التي على كُل منهما المحافظة عليها.
السابع عشر: معرفة القيمة الحقيقية للحياة وأنها قصيرة وأنّ الوقت أغلى من أن يذهب في الهمّ والغمّ:
فالعاقل يعلم أن حياته الصحيحة حياة السعادة والطمأنينة وأنها قصيرة جدًا، فلا ينبغي له أن يقصرها بالهم والاسترسال مع الأكدار فإن ذلك ضد الحياة الصحيحة، فيشح بحياته أن يذهب كثير منها نهبًا للهموم والأكدار ولا فرق في هذا بين البَرّ والفاجر، ولكن المؤمن له من التحقق بهذا الوصف الحظ الأوفر، والنصيب النافع العاجل والآجل.
وينبغي أيضًا إذا أصابه مكروه أو خاف منه أن يقارن بين النعم الحاصلة له - دينية أو دنيوية - وبين ما أصابه من مكروه، فعند المقارنة يتضح كثرة ما هو فيه من النعم، واضمحلال ما أصابه من المكاره.
стр. 1241
فاجعل الأمور النافعة نصب عينيك واعمل على تحقيقها، ولا تلتفت إلى الأمور الضارة لتلهو بذلك عن الأسباب الجالبة للهم والحزن واستعن بالراحة وإجماع النفس على الأعمال المهمة.
الثامن عشر: عدم السماح بتراكم الأعمال والواجبات:
ومن الأمور النافعة عدم السماح بتراكم الأعمال والواجبات، وذلك بحسمها في الحال والتفرغ للمستقبل؛ لأن الأعمال إذا لم تُحسم اجتمع عليك بقية الأعمال السابقة وانضافت إليها الأعمال اللاحقة، فتشتد وطأتها، فإذا حَسَمْتَ كُلَّ شيء في وقته تفّرغْتَ للأمور المستقبَلَة بقوة تفكير وقوة عمل.
وينبغي أن تتخير من الأعمال النافعة الأهم فالأهم، ومَيِّزْ بين ما تميل نفسك إليه وتشتد رغبتُك فيه، فإن ضده يُحْدِثُ السآمة والملل والكدر، واستعن على ذلك بالفكر الصحيح والمشاورة، فما ندم من استشار، وادرس ما تريد فعله درسًا دقيقًا، فإذا تحققت المصلحة وعزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين.
التاسع عشر: التوقع المستمر والاستعداد النفسي لجميع الاحتمالات:
فإن الإنسان إذا استحضر في نفسه فَقْدَ عزيز أو مرض قريب أو وقوعًا في دين أو قهر عدو أو أي احتمال سيئ مما لم يحدث بعد - مع استعاذته بالله من ذلك ورجاء السلامة - فإنه لو وقع له شيء من ذلك حقيقة سيكون أهون عليه وأخف وطأة لتوقعه المسبق.
ومما ينبغي التنبّه له أن كثيرًا من الناس من ذوي الهمم العالية يوطنون أنفسهم عند وقوع الكوارث والمزعجات على الصبر والطمأنينة. لكن عند الأمور التافهة البسيطة يقلقون، ويتكدر الصفاء، والسبب في هذا أنهم وطّنُوا نفوسهم عند الأمور الكبار، وتركوها عند الأمور الصغار فضَرَّتْهُم وأثرت في راحتهم. فالحازم يُوَطّن نفسه على الأمور الصغيرة والكبيرة ويسأل الله الإعانة عليها، وأن لا يَكِلَه إلى نفسه طرفة
стр. 1242
عين. فعند ذلك يسهل عليه الصغير، كما سهل عليه الكبير ويبقى مطمئن النفس ساكن القلب مستريحًا.
العشرون: الشكوى إلى أهل العلم والدين:
ومن العلاجات أيضا الشكوى إلى أهل العلم والدين وطلب النصح والمشورة منهم، فإن نصائحهم وآراءهم من أعظم المُثَبِّتَات في المصائب. فيسمع المسلم من أهل العلم والقدوة ما يسليه ويخفف عنه آلام غمومه وهمومه.
وقد شكى الصحابة لرسول الله ﵌ ما كانوا يلقون من تعذيب، فهذا خَبَّاب ابْن الأَرَتِّ سدد خطاكم يقول: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ: «أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلا تَدْعُو اللهَ لَنَا»، قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (رواه البخاري).
وكذلك شكى التابعون إلى صحابة رسول الله ﵌، يقول الزبير بن عدي: «أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: «اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ﵌» (رواه البخاري).
الحادي والعشرون: أن يعلم المهموم والمغموم أن بعد العسر يسرًا، وأن بعد الضيق فرجًا:
فليحسن الظن بالله فإنه جاعل له فرجًا ومخرجًا. وكلما استحكم الضيق وازدادت الكربة قرب الفرج والمخرج. وقد قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ (الشرح: ٥ – ٦)، فذكر عسرًا واحدًا ويسرين، فالعسر المقترن بأل في الآية
стр. 1243
الأولى هو العسر في الآية الثانية، أما اليسر في الآية الثانية فهو يسر آخر غير الذي في الآية الأولى.
وقال النبي ﵌ في وصيته لابن عباس ﵄: «وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» (رواه الإمام أحمد في المسند، وصححه الألباني).
الثاني والعشرون: ومن علاجات الهموم ما يكون بالأطعمة:
فعن عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ بِالتَّلْبِينِ لِلْمَرِيضِ وَلِلْمَحْزُونِ عَلَى الْهَالِكِ، وَكَانَتْ تَقُولُ: «إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «إِنَّ التَّلْبِينَةَ تُجِمُّ فُؤَادَ الْمَرِيضِ وَتَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ». (رواه البخاري). وعَنْها أيضًا ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا، أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتِ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: «كُلْنَ مِنْهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ».
والتلبينة: هي حساء يعمل من دقيق أو نخالة ويجعل فيه عسل وسميت تلبينة لشبهها باللبن، وهي تطبخ من الشعير مطحونًا. ومعنى مُجِمَّة: أي تريح وتنشط وتزيل الهمّ. وهذا الأمر - وإن استغربه بعض الناس - هو حق وصدق ما دام قد ثبت من طريق الوحي عن المعصوم ﵌، والله خلق الأطعمة وهو أعلم بخصائصها.
هموم الآخرة أعظم وغمومها وكروبها أشدّ:
إأن هموم الآخرة أعظم وغمومها وكروبها أشدّ، ومن أمثلة ذلك ما يُصيب الناس في أرض المحشر فقد روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لا يُطِيقُونَ وَلا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: «أَلا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ، أَلا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ»، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: «عَلَيْكُمْ بِآدَمَ ... ». (رواه البخاري).
стр. 1244
ولا علاج لغموم وكربات ذلك اليوم - يوم الجزاء - إلا بالإقبال على الله في هذا اليوم – يوم العمل. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ سدد خطاكم: «ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلاَ عَمَلٌ» (رواه البخاري).
مَن ذَا الذِي قد نالَ راحةَ فِكْرِه ... في عُسره مِن عُمْرِه أو يُسْرِهِ؟
واللهِ لوْ عاشَ الفتَى مِن عُمْرِهِ ... ألفًا مِن الأعوامِ مالكَ أمْرِه
مُتَنَعِّمًا فيها بكل لذيذةٍ ... متنعمًا فيها بسُكْنى قَصْرِه
لا يعتريه السُقمُ فيها مَرةً ... كلّا ولا تَرِدُ الهمُومُ ببالِه
ما كان ذلك كُلُّه في أنْ يَفِي ... بمَبِيتِ أوَّلِ ليلةٍ في قبرِه
صبرًا فغمسة في الجنة تُنْسي كل شقاء وبؤس وبلاء، وغمسَةٌ في النار - عياذًا بالله - تُنْسِي كل لذة ونعيم. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: «يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟»، فَيَقُولُ: «لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ»، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: «يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟»، فَيَقُولُ: «لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ». (رواه مسلم). (فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً): أي يُغْمَسُ غَمْسَةً.
ورواه ابن ماجه بلفظ: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْكُفَّارِ، فَيُقَالُ: «اغْمِسُوهُ فِي النَّارِ غَمْسَةً»، فَيُغْمَسُ فِيهَا، ثُمَّ يُخْرَجُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: «أَيْ فُلَانُ، هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟»، فَيَقُولُ: «لَا، مَا أَصَابَنِي نَعِيمٌ قَطُّ»، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الْمُؤْمِنِينَ ضُرًّا وَبَلَاءً، فَيُقَالُ: «اغْمِسُوهُ غَمْسَةً فِي الْجَنَّةِ»، فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً، فَيُقَالُ لَهُ: «أَيْ فُلَانُ هَلْ أَصَابَكَ ضُرٌّ قَطُّ، أَوْ بَلَاءٌ»، فَيَقُولُ: «مَا أَصَابَنِي قَطُّ ضُرٌّ، وَلَا بَلَاءٌ». (صححه الألباني).
стр. 1245
٨٨ - مَن ترك لله عوضه الله (١)
نَسألُ اللهَ بِما يَقضِي الرّضَى ... حَسْبَيَ اللهُ بِمَا شاءَ قَضَى
رُبَّ أمرٍ بِتُّ قدْ أبرَمْتُهُ ... ثُمَّ مَا أصْبَحْتُ إلاَّ فانقَضَى
شَرُّ أيّامي هوَ اليَوْمُ الذي ... أقْبَلُ الدّنْيَا بدِينِي عِوَضَا
قال ﵌: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا للهِ إِلَّا بَدَّلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ». (رواه الإمام أحمد، وقال الألباني: «سنده صحيح على شرط مسلم») (٢).
(إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا للهِ) أي امتثالًا لأمره وابتغاءً لرضاه بغير مشاركة غرض من الأغراض معه. وهذا التعويض من الله تعالى، ليس هو التعويض المادي فقط، بل تلك الراحة والاطمئنان والسعادة، والتوفيق إلى الأعمال الصالحة، كل ذلك قد يكون من ذلك التعويض الرباني.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: ٢ - ٣). أمر الله بتقواه، ومن اتقاه فإن الله يجعل له فرجًا ومخرجًا.
فكل من اتقى الله تعالى، ولازم مرضاة الله في جميع أحواله، فإن الله يثيبه في الدنيا والآخرة. ومن جملة ثوابه أن يجعل له فرجًا ومخرجًا من كل شدة ومشقة، وكما أن
стр. 1246
من اتقى الله جعل له فرجًا ومخرجًا، فمن لم يتق الله، وقع في الشدائد والآصار والأغلال، التي لا يقدر على التخلص منها والخروج من تبعتها.
وقوله تعالى: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ أي: يسُوقُ الله الرزق للمتقي، من وجه لا يحتسبه ولا يشعر به.
وعن أبَيّ بن كعب سدد خطاكم قال: «ما من عبد ترك شيئًا لله إلا أبدله الله به ما هو خير منه من حيث لا يحتسب، ولا تهاون به عبد فأخذ من حيث لا يصلح إلا أتاه الله بما هو أشد عليه».
وقال قتادة بن دعامة السدوسي التابعي الجليل: «لا يقْدِرُ رَجلٌ على حَرَامٍ ثم يَدَعه ليس به إلا مخافة الله إلا أبْدَله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خيرٌ له من ذلك».
وإني لأدعو اللهَ والأمْرُ ضيّقٌ ... عليَّ فما ينفك أن يتفرّجا
وربَّ فتىً ضاقتْ عليه وجوهُهُ ... أصاب له في دعوة الله مَخْرَجا
ما حرّم الله على عبادة شيئًا إلا عوضهم خيرًا منه:
فقد حرّم عليهم الربا وعوّضهم منه التجارة الرابحة، وحرّم عليهم القمار، وحرّم عليهم الحرير وأعاضهم منه أنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن وغيرها، وحرّم عليهم الزنا واللواط وأعاضهم منه النكاح بالنساء الحسان، وحرّم عليهم شُرْبَ المسْكِر وأعاضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن، وحرّم عليهم سماع آلات اللهو من المعازف وغيرها وأعاضهم عنها بسماع القرآن العظيم، وحرّم عليهم الخبائث من المطعومات وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات.
ومن عجائب حكمة الله، أنه جعل مع الفضيلة ثوابها وهو الصحة والنشاط
وجعل مع الرذيلة عقابها، وهو الانحطاط والمرض.
стр. 1247
قال عبد الله بن عباس ﵄: «إن للحسنة ضياءً في الوجه ونورًا في القلب، وسعةً في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمةً في القبر، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق».
مَنْ تَرَكَ لُبْسَ الثِّيَابِ الْمُرْتَفِعَةِ الْقِيمَةِ تَوَاضُعًا لِلهِ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ تَوَاضُعًا لِلهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ دَعَاهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الإِيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا». (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
(مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ) أَيْ لُبْسَ الثِّيَابِ الْحَسَنَةِ الْمُرْتَفِعَةِ الْقِيمَةِ (تَوَاضُعًا لِلهِ) أَيْ لَا لِيُقَالَ إِنَّهُ مُتَوَاضِعٌ أَوْ زَاهِدٌ وَنَحْوُهُ وَالنَّاقِدُ بصير، (دَعَاهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ) أَيْ يُشَهِّرُهُ وَيُنَادِيهِ (مِنْ أَيِّ حُلَلِ الْإِيمَانِ) أَيْ مِنْ أَيِّ حُلَلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ.
والحُلَّة: ثوب جيّد جديد، غليظًا كان أو رقيقًا، والجمع حِلالٌ وحُلَلٌ.
من ترك الكذب والمراء:
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).
(أَنَا زَعِيمٌ) أَيْ ضَامِنٌ وَكَفِيلٌ (ببيت) البيت ها هنا الْقَصْرُ يُقَالُ هَذَا بَيْتُ فُلَانٍ أَيْ قَصْرُهُ (فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ) أَيْ مَا حَوْلَهَا خَارِجًا عَنْهَا تَشْبِيهًا بِالْأَبْنِيَةِ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الْمُدُنِ وَتَحْتَ الْقِلَاعِ (الْمِرَاءَ) أَيِ الْجِدَالَ؛ كَسْرًا لِنَفْسِهِ كَيْلَا يَرْفَعَ نَفْسَهُ عَلَى خَصْمِهِ بِظُهُورِ فَضْلِهِ.
стр. 1248
نماذج لمن ترك لله فأبدله الله خيرًا منه:
قد جرت سنة الله في خلقه أن من آثَرَ الألم العاجل على الوصال الحرام أعقبه ذلك في الدنيا المسرّة التامة، وإن هلك فالفوز العظيم، والله لا يضيع ما تحمّل عبدُه لأجله. وكل مَن خرج عن شيء مِنه لله حفظه الله عليه أو أعاضه الله ما هو أجَلّ منه.
١ - ترك يوسف الصديق ﵇ امرأة العزيز لله واختار السجن على الفاحشة فكانت النتيجة أنْ عوّضه الله بأنْ مكّنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء:
هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف ﵇ مِن محنة إخوته، وصَبْرُه عليها أعظمُ أجرًا، لأنه صبْرُ اختيار مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوع الفعل، فقدَّم محبة الله عليها، وذلك أن يوسف ﵇ بَقِيَ مُكْرَمًا في بيت العزيز، وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك، أنْ ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: هو غلامها، وتحت تدبيرها، والمسكن واحد، يتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحد، ولا إحساس بشر.
وزادت المصيبة، بأن ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ وصار المحل خالِيًا، وهما آمنان من دُخُول أحد عليهما، بسبب تغليق الأبواب، وقد دعته إلى نفسها ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ ... أي: افعل الأمر المكروه وأقبل إليَّ، ومع هذا فهو غريب، لا يحتشم مثلُه ما يحتشمه إذا كان في وطنه وبين معارفه، وهو أسيرٌ تحت يدها، وهي سيدَتُه، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وهو شاب عَزَبٌ، وقد توعَّدَتْه، إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن، أو العذاب الأليم.
فصبر عن معصية الله، مع وجود الداعي القوي فيه، وقدم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء، ورأى من برهان ربه - وهو ما معه من العلم والإيمان، الموجب لترك كل ما حَرَّم الله - ما أوجب له البُعد والانكفاف، عن هذه المعصية الكبيرة،
الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ (ص: ٣٠ - ٤٠).
﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ سليمان ﵇ من فضائل داود، ومن منن الله عليه حيث وهبه له، فإن من أكبر نعم الله على عبده، أن يهب له ولدًا صالحًا، فإنْ كان عالمًا، كان نورًا على نور.
﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ سليمان ﵇، فإنه اتصف بما يوجب المدح، وهو ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي: رجَّاع إلى الله في جميع أحواله، بالتأله والإنابة، والمحبة والذكر والدعاء والتضرع، والاجتهاد في مرضاة الله، وتقديمها على كل شيء.
ولهذا ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾، لما عرضت عليه الخيل الجياد السبق الصافنات أي: التي مِنْ وَصْفِهَا الصُّفُون، وهو رَفْعُ إحدى قوائمها عند الوقوف، وكان لها منظر رائق، وجمال معجب، خصوصًا للمُحتاج إليها كالملوك، فما زالت تُعْرَض عليه حتى غابت الشمس في الحجاب، فألْهَتْهُ عن صلاة المساء وذِكْرِه.
فقال ندمًا على ما مضى منه، وتقربا إلى الله بما ألهاه عن ذكره، وتقديما لحب الله على حب غيره: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي: آثرت حُب الخير، الذي هو المال عمومًا، وفي هذا الموضع المراد الخيل ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾.
﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ فرَدُّوهَا ﴿فَطَفِقَ﴾ فيها ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ أي: جعل يعْقِرُها بسيفه، في سُوقِها وأعناقها.
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي: ابتليناه واختبرناه بذهاب ملكه وانفصاله عنه بسبب خلل اقتضته الطبيعة البشرية، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ أي: شيطانًا قضى الله وقدَّرَ أن يجلس على كرسِيِّ ملكه، ويتصرف في الملك في مدة فتنة سليمان، ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ سليمان إلى الله وتاب.
стр. 1254
فـ ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ فاستجاب الله له وغفر له، ورد عليه ملكه، وزاده ملكًا لم يحصل لأحد من بعده، وهو تسخير الشياطين له، يبنون ما يريد، ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدُرّ والحلي، ومَن عصاه منهم قَرّنه في الأصفاد وأوْثَقَه.
﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. وقلنا له: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ فَقَرَّ به عيْنًا ﴿فَامْنُنْ﴾ على مَن شئت، ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عن مَن شئت ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حساب، لعلمه بكمال عدله، وحسن أحكامه، ولا تحسبن هذا لسليمان في الدنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خير عظيم.
ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: هو من المقربين عند الله المكرمين بأنواع الكرامات لله.
ومن فوائد هذه الآيات تقديم سليمان محبة الله تعالى على محبة كل شيء. وأن كل ما أشغل العبد عن الله، فإنه مشئوم مذموم، فَلْيُفَارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفع له.
ومن فوائدها القاعدة المشهورة أن «من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه»؛ فسليمان ﵇ عقر الجياد الصافنات المحبوبة للنفوس، تقديمًا لمحبة الله، فعوضه الله خيرًا من ذلك، بأن سخر له الريح الرخاء اللينة، التي تجري بأمره إلى حيث أراد وقصد، غدوها شهر، ورواحها شهر، وسخر له الشياطين، أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدر عليها الآدميون.
فأصابني يومًا من الأيام جوعٌ شديدٌ لم أجد شيئًا أدفع به عني الجوع، فوجدتُ كيسًا من إبْرَيْسَم (١) مشدودًا بشرابة (٢) من إبريسم أيضًا فأَخذْتُه وجئتث به إلى بيتي، فحلَلْتُه فوجدتُ فيه عِقْدًا (٣) مِن لُؤلؤ لم أرَ مِثْله، فخرجْتُ فإذا الشيخ ينادي عليه، ومعَه خرقة فيها خمسمائة دينار، وهو يقول: «هذا لمن يَرُدّ علينا الكيس الذي فيه اللؤلؤ»، فقلت: «أنا محتاج، وأنا جائع، فآخذ هذا الذهب فأنتفع به، وأرُدُّ عليه الكيسَ».
فقُلت له: «تعالَ إليَّ»، فأخذْتُه وجئتُ به إلى بيتي، فأعطاني علامة الكيس، وعلامة الشرابة، وعلامة اللؤلؤ وعَدَدَه، والخيط الذي هو مَشدُود به، فأخرجْتُه ودَفَعْتُه إليه. فسلم إليّ خمسمائة دينار، فما أخذتها، وقلت: «يجب عليَّ أنْ أعيده إليك ولا آخذَ له جزاء»، فقال لي: «لا بُدَّ أنْ تأخذ». ألح عليَّ كثيرًا، فلم أقبل ذلك منه، فتركني ومضى.
وأما ما كان مِنّي فإني خرجتُ من مكة وركبتُ البحر، فانكسر المركب وغرق الناس، وهلكَت أموالهم، وسلِمْتُ أنا على قطعة من المركب، فبقيتُ مُدّةً في البحر لا أدري أين أذهب، فوصَلْتُ إلى جزيرة فيها قومٌ، فقعَدتُ في بعض المساجد، فسمعوني أقرأ، فلم يبق في تلك الجزيرة أحد إلا جاء إليّ وقال: «علِّمْني القرآن». فحصل لي من أولئك القوم شيء كثير من المال.
ثم إني رأيتُ في ذلك المسجد أوراقًا من مصحف، فأخذتها أقرأ فيها فقالوا لي: «تُحْسِنُ تكتب؟». فقلت: نعم، فقالوا: «عَلِّمْنَا الخَطّ»، فجاءوا بأولادهم من الصبيان والشباب، فكنتُ أعَلّمُهم، فحصل لي أيضًا من ذلك شيء كثير فقالوا لي بعد ذلك: «
стр. 1264
عندنا صبيَّةً يتيمة، ولها شيء من الدُنيا نريد أن تتزوجَ بها»، فامتنعتُ، فقالوا: «لا»، بل وألزموني، فأجَبْتُهُم إلى ذلك.
فلما زفُّوها إليَّ مدَدْتُ عيني أنظر إليها، فوجدت ذلك العقد بعينه معلقًا في عنقها، فما كان لي حينئذ شغل إلا النظر إليه. فقالوا: «يا شيخ، كسرتَ قلب هذه اليتيمة مِن نظرك إلى هذا العقد، ولم تنظر إليها»، فقصصتُ عليهم قصة العقد فصاحوا وصرخوا بالتهليل والتكبير، حتى بلغ إلى جميع أهل الجزيرة، فقلتُ: «ما بكم». فقالوا: «ذلك الشيخ الذي أخذ منك العقد أبو هذه الصبية، وكان يقول: «ما وجدتُ في الدنيا مسلمًا إلا هذا الذي ردَّ علَيَّ هذا العقد»، وكان يدعو ويقول: «اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزَوّجَه بابنتي»، والآن قد حصلَتْ».
فبقيتُ معها مدة ورُزِقْتُ منها بولدَيْن، ثم إنها ماتت فورثْتُ العقد أنا وولداي، ثم مات الولدان فحصل العقد لي فبعته بمائة ألف دينار.
١١ - ثمرة الأمانة: عف عن الباذنجان فرزقه الله الباذنجان والمرأة صاحبة الباذنجان ودارها:
كان في أحد مساجد دمشق طالب علم وكان مضرب المثل في فقره وفي إبائه وعزة نفسه وبذلها للآخرين. وكان يسكن في غرفة في المسجد، مر عليه يومان لم يأكل فيهما شيئًا وليس عنده ما يطعمه ولا ما يشتري به طعامًا، فلما جاء اليوم الثالث أحس كأنه مُشْرِفٌ على الموت، وفكر ماذا يصنع، فرأى أنه بلغ حد الإضرار الذي يجوز له أكل الميتة أو السرقة بمقدار الحاجة. وآثر أن يسرق ما يقيم صلبه - هذا ما رآه في حاله هذه.
وكان المسجد يتصل سطحه ببعض البيوت، يستطيع المرء أن ينتقل من أولها إلى آخرها مشيًا على أسقفها، فصعد إلى سقف المسجد وانتقل منه إلى الدار التي تليه فلمح بها نساء فغض من بصره وابتعد، ونظر فرأى إلى جنبها دارًا خالية وشم رائحة الطبخ تصدر منها، وكانت البيوت من دور واحد، فقفز قفزتين من السقف إلى الشرفة فصار
стр. 1265
في الدار وأسرع إلى المطبخ فكشف غطاء القدر فرأى فيها باذنجانًا محشوًا، فأخذ واحدة ولم يُبَالِ مِن شدة جوعه بسخونتها وقضم منها قضمة.
فما كاد يبتلعها حتى ارتد إليه عقله ودينه وقال لنفسه: «أعوذ بالله؛ أنا طالب علم مقيم في المسجد، ثم اقتحم المنازل وأسرق ما فيها؟»، وكَبُرَ عليه ما فعل وندم واستغفر، ورد الباذنجانة، وعاد من حيث جاء، فنزل إلى المسجد وقعد في حلقة الشيخ وهو لا يكاد من شدة الجوع يفهم ما يسمع.
فلما انقضى الدرس وانصرف الناس جاءت امرأة مستترة - ولم يكن في تلك الأيام امرأة غير مستترة - فكلمَتْ الشيخ بكلام لم يسمعه فتلفت الشيخ حوله فلم يَرَ غيره فدعاه وقال له: «هل أنت متزوج؟»، قال: «لا».
قال: «هل تريد الزواج؟»، فسكت، فأعاد عليه الشيخ سؤاله فقال: «يا شيخ ما عندي ثمن رغيف، والله، فلماذا أتزوج؟». قال الشيخ: «إن هذه المرأة أخبرتني أن زوجها توفي وأنها غريبة عن هذا لبلد ليس لها فيه ولا في الدنيا إلا عم عجوز فقير وقد جاءت به معها - وأشار إليه قاعدًا في ركن الحلقة - وقد ورثَتْ دار زوجها ومعاشه وهي تحب أن تجد رجلًا يتزوجها لئلا تبقى منفردة فيطمع بها». قال: «نعم»، وسألها الشيخ: «هل تقبلين به زوجًا؟»، قالت: «نعم».
فدعا الشيخ عمها ودعا شاهدين وعقَدَا العقد، ودفع المهر عن التلميذ، وقال له: «خذ بيد زوجتك»، فأخذ بيدها فقادَتْه إلى بيتها، فلما أدخَلَتْه كشفت عن وجهها فرأى شبابًا وجمالًا، وإذا البيت هو البيت الذي اقتحمه، وسألَتْه: «هل تأكل؟»، قال: «نعم»، فكشفت غطاء القِدْر فرأت الباذنجانة فقالت: «عجبًا، مَن الذي دخل الدار فقضمها؟»، فبكى الرجل وقص عليها الخبر، فقالت له: «هذه ثمرة الأمانة، عفَفْتَ عن الباذنجانة الحرام، فأعطاك الله الدار كلها وصاحبتها بالحلال».