لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَأَقِلَّ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ». (صحيح رواه ابن ماجه).
ومن تسخط مِن رِزْقِه فإنما هو يسخط على مَن رَزَقَه، ومن شكا قلّته للخلق فإنما هو يشكو خالقه للخلق. وقد شكا رجل إلى قوم ضيقًا في رزقه فقال له بعضهم: «شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك».
٤ - الفلاح والبشرى لمن قنع: فعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﵌ قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ» (رواه مسلم).
(الْكَفَاف: الْكِفَايَة بِلَا زِيَادَة وَلَا نَقْص).
٥ - الوقاية من الذنوب التي تفتك بالقلب وتذهب الحسنات: كالحسد، والغيبة، والنميمة، والكذب، وغيرها من الخصال الذميمة والآثام العظيمة؛ ذلك أن الحامل على الوقوع في كثير من تلك الكبائر غالبًا ما يكون استجلاب دنيا أو دفع نقصها. فمن قنع برزقه لا يحتاج إلى ذلك الإثم، ولا يداخل قلبه حسد لإخوانه على ما أوتوا؛ لأنه رضي بما قسم له.
قال ابن مسعود ﵁: «اليقين ألا تُرضِي الناس بسخط الله؛ ولا تحسد أحدًا على رزق الله، ولا تلم أحدًا على ما لم يؤتك الله؛ فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يردّه كراهة كاره؛ فإن الله ﵎ بقسطه وعلمه وحكمته جعل الرَّوْح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط». (الرَّوْح: أي: الراحة).
قال بعض الحكماء: «وجدت أطول الناس غمًّا الحسود، وأهنأهم عيشًا القنوع».
٦ - حقيقة الغنى في القناعة: ولذا رزقها الله نبيه محمدًا ﵌ وامتن عليه بها فقال : ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (الضحى:٨).فقد نزَّلها بعض العلماء على غنى النفس؛ لأن الآية مكية، ولا يخفى ما كان فيه النبي ﵌ قبل أن تفتح عليه خيبر وغيرها من قلة المال.
وذهب بعض المفسرين إلى أن الله جمع له الغنائين: غنى القلب، وغنى المال بما
стр. 247
يسر له من تجارة خديجة ﵂.
وقد بين ﵌ أن حقيقة الغنى غنى القلب فقال ﵌: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ». (رواه مسلم).
(الْعَرَض هُوَ مَا يُنْتَفَع بِهِ مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا).
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﵌: «يَا أبَا ذَرٍّ، أتَرَى كَثْرَةَ المَالِ هُوَ الغِنَى؟». قلتُ: «نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ».
قال: «فَتَرَى قِلَّةَ المَالِ هُوَ الفَقْر؟».قلت: «نَعَمْ يا رَسُولَ اللهِ».
قال: «إنما الغِنَى غِنَى القَلْبِ، والفَقْرُ فقْرُ القَلْبِ». (صحيح رواه ابن حبان).
وتلك حقيقة لا مرية فيها؛ فكم من غني عنده من المال ما يكفيه وولدَه، ولو عُمِّر ألف سنة؛ يخاطر بدينه وصحته، ويضحي بوقته يريد المزيد! وكم من فقير يرى أنه أغنى الناس؛ وهو لا يجد قوت غدِه! فالعلة في القلوب: رضًى وجزعًا، واتساعًا وضيقًا، وليست في الفقر والغنى.
ولأهمية غنى القلب في صلاح العبد قام عمر بن الخطاب ﵁ خطيبًا في الناس على المنبر يقول: «إن الطمع فقر، لأن اليأس غنى، وإن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه».
وأوصى سعد بن أبي وقاص ﵁ ابنه فقال: «يا بني، إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة؛ فإنها مال لا ينفد».
رأيتُ القناعةَ رأسَ الغِنَى ... فصِرْتُ بأذيالِها ممتَسِكْ
فلا ذا يرانِي على بابِهِ ... ولا ذا يرانِي به منهَمِكْ
فصِرْتُ غنِيًّا بلا دِرْهَمٍ ... أمُرُّ علَى الناسِ شبهَ الملكْ
وسئل أبو حازم فقيل له: «ما مالك؟».
قال: «لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس».
وقيل لبعض الحكماء: «ما الغنى؟».قال: «قلة تمنِّيك، ورضاك بما يكفِيك».
стр. 248
٧ - العز في القناعة، والذل في الطمع: ذلك أن القانع لا يحتاج إلى الناس فلا يزال عزيزًا بينهم، والطماع يذل نفسه من أجل المزيد؛ ولذا قال ﵌: «أتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وّأحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتََ فَإِنّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَاعْلَمْ أنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَيْلِ وَعِزّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النّاسِِ». (حسن رواه الحاكم وغيره)
وكان محمد بن واسع ﵀ يبل الخبز اليابس بالماء ويأكله ويقول: «من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد».
وقال الحسن ﵀: «لا تزال كريمًا على الناس، ولا يزال الناس يكرمونك ما لم تَعَاطَ ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفوا بك وكرهوا حديثك وأبغضوك».
فمن سأل الناس ما بأيدهم كرهوه وأبغضوه؛ لأن المال محبوب لنفوس بني آم، فمن طلب منهم ما يحبونه كرهوه لذلك.
والإمامة في الدين، والسيادة والرفعة لا يحصلها المرء إلا إذا استغنى عن الناس، واحتاج الناس إليه في العلم والفتوى والوعظ.
قال أعرابي لأهل البصرة: «من سيد أهل هذه القرية؟».قالوا: «الحسن»، قال: «بِمَ سادهم؟» قالوا: «احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم».
٨ - القناعة والرضا بعطاء الله سبب للبركة: يقول النبي ﵌: «إِنَّ اللهَ ﵎ يَبْتَلِي عَبْدَهُ بِمَا أَعْطَاهُ، فَمَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ بَارَكَ اللهُ لَهُ فِيهِ وَوَسَّعَهُ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ لَمْ يُبَارِكْ لَهُ» (رواه الإمام أحمد وصححه الألباني).
• أسباب تحول دون القناعة:
١ - منازعة الشهوات التي لا تنال إلا بزيادة المال وكثرة المادة، فإذا نازعته الشهوة طلب من المال ما يوصله إليها، وليس للشهوات حد مُتَنَاهٍ، فيصير ذلك ذريعة إلى أن ما يطلبه من الزيادة غير متناه، ومن لم يتَناهَ طلبه، استدام كدّه وتعبه، فلم يفِ التذاذه بنيل شهواته بما يعانيه من استدامة كده وأتعابه، مع ما قد لزمه من ذم الانقياد لمغالبة
стр. 249
الشهوات، والتعرض لاكتساب التبعات، حتى يصير كالبهيمة التي قد انصرف طلبها إلى ما تدعو إليه شهوتها فلا تنزجر عنه بعقل، ولا تنكف عنه بقناعة.
٢ - أن يطلب الزيادة ويقتني الأموال ليدخرها لولده، ويخلفها لورثته، مع شدة ضنه على نفسه، وكفه عن صرف ذلك في حقه، وإشفاقًا عليهم من كدح الطلب، وسوء المنقلب، وهذا شقي بجمعها، مأخوذ بوزرها، قد استحق اللوم من وجوه لا تخفى على ذي لب، منها:
أ- سوء ظنه بخالقه: أنه لا يرزقهم إلا من جهته.
ب- الثقة ببقاء ذلك على ولده مع نوائب الزمان ومصائبه.
ج- ما حُرم من منافع ماله، وسلب من وفور حاله، وقد قيل: «إنما مالك لك أو للوارث أو للجائحة؛ فلا تكن أشقى الثلاثة».
د- ما لحقه من شقاء جمعه، وناله من عناء كده حتى صار ساعيًا محرومًا، وجاهدًا مذمومًا.
هـ- ما يؤاخذ به من وزره وآثامه، ويحاسب عليه من تبعاته وإجرامه.
قال رجل للحسن ﵀: «إني أخاف الموت وأكرهه»، فقال: «إنك خلفت مالك، ولو قدّمته لَسَرك اللحاق به».
٣ - أن يجمع المال ويطلب المكاثرة اسْتِحْلَالًا لِجَمْعِهِ، وَشَغَفًا بِاحْتِرَامِهِ، فهذا أسوأ الناس حالًا فيه، وأشدهم حرمانًا له، قد توجهت إليه سائر الملاوم، وفي مثله قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ (التوبة:٣٤).
• السبيل إلى القناعة:
إني رأيتُ الصبرَ خيرَ مِعْوَلٍ ... في النائباتِ لمنْ أرادَ مِعوَلَا
ورأيتُ أسبابَ القناعةِ أكِّدَّتْ بعُرَى الغِنَى فجعلتُها لي معْقِلَا
فإذا نَبَا بي منزلٌ جاوزْتُهُ وجعلتُ مِن غيرِهِ لي منزلَا
стр. 250
وإذا غلَا شيءٌ عليَّ تركْتُهُ فيكونَ أرخصَ ما يكونُ إذا غلَا
التزام القناعة عسير على بني آدم ـ إلا من وفقه الله للهدى وكفاه شر نفسه وشحها وطمعها ـ لأن بني آدم مفطورون على محبة التملك؛ ولكن مجاهدة النفس مطلوبة لتخفيف طمعها وتقريبها من الزهد والقناعة. ولذلك طرق إذا سلكها العبد مع إخلاصه تحققت له القناعة بإذن الله تعالى، فمن ذلك:
١ - تقوية الإيمان بالله تعالى، وترويض القلب على القناعة والغنى؛ فإن حقيقة الفقر والغنى تكون في القلب؛ فمن كان غني القلب نَعِمَ بالسعادة وتحلى بالرضى، وإن كان لا يجد قوت يومه، ومن كان فقير القلب؛ فإنه لو ملك الأرض ومن عليها إلا درهما واحدا لرأى أن غناه في ذلك الدرهم؛ فلا يزال فقيرًا حتى يناله.
فعن أبي ذر ﵁ قال: قال رَسُولُ اللهِ ﵌: «يَا أبَا ذَرٍّ، أتَرَى كَثْرَةَ المَالِ هُوَ الغِنَى؟». قلتُ: «نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ».
قال: «فَتَرَى قِلَّةَ المَالِ هُوَ الفَقْر؟».قلت: «نَعَمْ يا رَسُولَ اللهِ».
قال: «إنما الغِنَى غِنَى القَلْبِ، والفَقْرُ فقْرُ القَلْبِ». (صحيح رواه ابن حبان).
اذا ما كنتَ ذا قلبٍ قنُوعٍ فأنتَ ومالكُ الدنيا سواءُ
ومَنْ نَزَلَتْ بساحتِه المنايَا فلا أرضٌ تقِيهِ ولا سماءُ
وأرضُ اللهِ واسعةٌ ولكنْ ... إذا نزلَ القضَا ضاق الفضاءُ
٢ - اليقين بأن الرزق مكتوب والإنسان في رحم أمه، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» (رواه البخاري ومسلم).
فالعبد مأمور بالسعي والاكتساب مع اليقين بأن الله هو الرازق وأن رزقه مكتوب.
стр. 251
٣ - تدبر آيات القرآن العظيم ولا سيما الآيات التي تتحدث عن قضية الرزق والاكتساب: ومن ذلك قول الله : ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (فاطر:٣٥)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (يونس:١٠٧)، وقوله تعالي: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (هود:٦) وقوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (الطلاق:٧)
٤ - معرفة حكمة الله في تفاوت الأرزاق والمراتب بين العباد؛ حتى تحصل عمارة الأرض، ويتبادل الناس المنافع والتجارات، ويخدم بعضهم بعضًا. قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (الزخرف٣٢).
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الأنعام:١٦٥).
٥ - الإكثار من سؤال الله القناعة، والإلحاح بالدعاء في ذلك فنبينا محمد ﵌ وهو أكثر الناس قناعة وزهدًا ورضى، وأقواهم إيمانًا ويقينًا؛ كان يسأل ربه القناعة.
فعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵌ كان يدعو: «اللهُمَّ قَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي، وبَارِكْ لِي فِيهِ، واخْلُفْ عَلَى كُلِّ غَائِبَةٍ لِي بِخَيْرٍ» (رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
ولأجل قناعته ﵌ فإنه ما كان يسأل ربه إلا الكفاف من العيش، والقليل من الدنيا كما قال ﵌: «اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتًا» (رواه البخاري ومسلم).
(الْقُوت مَا يَسُدّ الرَّمَق، وَفِي الحديث فَضِيلَة التَّقَلُّل مِنْ الدُّنْيَا وَالِاقْتِصَار عَلَى الْقُوت مِنْهَا وَالدُّعَاء بِذَلِكَ).
стр. 252
وقال الشافعي ﵀:
قنعتُ بالقوتِ مِنْ زمانِي ... وصُنْتُ نفْسِي عن الهوانِ
خَوفًا مِن الناسِ أنْ يقولُوا ... فضلُ فلانٍ علَى فلانِ
مَن كنتُ عن مالِه غَنيًّا ... فلا أبَالِي إذَا جَفَانِي
٦ - العلم بأن الرزق لا يخضع لمقاييس البشر من قوة الذكاء، وكثرة الحركة، وسعة المعارف، وإن كان بعضها أسبابًا؛ إلا أن الرزق ليس معلقًا بها بالضرورة.
وهذا يجعل العبد أكثر قناعة خاصة عندما يرى من هو أقل منه خبرة وذكاء أو غير ذلك وأكثر منه رزقا فلا يحسده ولا يتبرم من رزقه.
٧ - النظر إلى حال من هو أقل منك في أمور الدنيا، وعدم النظر إلى من هو فوقك فيها؛ ولذا قال النبي ﵌: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ» (رواه مسلم).
مَعْنَى (أَجْدَر) أَحَقّ، و (تَزْدَرُوا) تُحَقِّرُوا.
قَالَ اِبْن جَرِير وَغَيْره: هَذَا حَدِيث جَامِع لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْخَيْر؛ لِأَنَّ الْإِنْسَان إِذَا رَأَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا طَلَبَتْ نَفْسه مِثْل ذَلِكَ، وَاسْتَصْغَرَ مَا عِنْده مِنْ نِعْمَة اللهُ تَعَالَى، وَحَرَصَ عَلَى الِازْدِيَاد لِيَلْحَق بِذَلِكَ أَوْ يُقَارِبهُ. هَذَا هُوَ الْمَوْجُود فِي غَالِب النَّاس. وَأَمَّا إِذَا نَظَرَ فِي أُمُور الدُّنْيَا إِلَى مَنْ هُوَ دُونه فِيهَا ظَهَرَتْ لَهُ نِعْمَة اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَشَكَرَهَا، وَتَوَاضَعَ، وَفَعَلَ فِيهِ الْخَيْر.
وليس في الدنيا أحد لا يجد من هو أفضل منه في شيء، ومن هو أقل منه في أشياء؛ فإن كنت فقيرا ففي الناس من هو أفقر منك! وإن كنت مريضًا أو معذبا ففيهم من هو أشد منك مرضًا وأكثر تعذيبًا، فلماذا ترفع رأسك لتنظر من هو فوقك، ولا تخفضه لتبصر من هو تحتك؟!
إن كنت تعرف من نال من المال والجاه ما لم تنله أنت وهو دونك ذكاءً ومعرفة وخلقًا، فلم لا تذكر من أنت دونه أو مثله في ذلك كله وهو لم ينل بعض ما نلت؟!
стр. 253
لله دَرُّّ القَنُوعِ مِنْ خُلُقٍ! كَمْ مِنْ وَضِيعٍ بِه ارْتَفَعَا؟!
يضيق صدرالفتى بحاجته ومَن تأسَّى بدونِه اتَّسَعَا
٨ - قراءة سير السلف الصالح وأحوالهم مع الدنيا، وزهدهم فيها، وقناعتهم بالقليل منها، وهم قد أدركوا الكثير منها فرفضوه إيثارا للباقية على العاجلة. وعلى رأسهم محمد ﵌ وإخوانه من الأنبياء ﵈ ثم الصحابة الكرام ﵃ والتابعون لهم بإحسان؛ فإن معرفة أحوالهم، وكيف كانت حياتهم ومعيشتهم تحفز العبد إلى التأسي بهم، وترغبه في الآخرة، وتقلل عنده زخرف الحياة الدنيا ومُتَعِها الزائلة.
٩ - العلم بأن عاقبة الغنى شر ووبال على صاحبه إذا لم يكن الاكتساب والصرف منه بالطرق المشروعة، وقد قال النبي ﵌: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» (صحيح رواه أبو داود).
(وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ: كَانَ الشَّبَابُ فِي قُوَّتِهِ كَالثَّوْبِ الْجَدِيدِ فَلَمَّا وَلَّى الشَّبَابُ وَضَعُفَ الْبَدَنُ فَكَأَنَّمَا بَلِيَ).
فمشكلة المال أن الحساب عليه من جهتين: جهة الاكتساب ثم جهة الإنفاق، وهذا ما يجعل تبعته عظيمة، وعاقبته وخيمة إلا من اتقى الله فيه وراعى حدود الله اكتسابًا وإنفاقًا.
ثم ليتفكر في أنه كلما تَخفف من هذا المال وكان أقل كان حسابه أيسر، وأسرع، وذلك كمن سافر في الطائرة وحمل متاعا كثيرًا؛ فإنه إذا بلغ مقصده احتاج وقتًا طويلًا لاستلامه وتفتيشه بخلاف من كان خفيفًا ليس معه شيء، وحساب الآخرة أعسر، والوقوف فيها أطول.
ولينظر أيضا إلى من كان المال والجاه سبب شقائه وأمراضه وهمومه وغمومه؛ فهو يشقى ويتعب في جمع المال ونيل المناصب، ثم يحمل هم الحفاظ على المال والمنصب فيقضي عمره مهتمًا مغتما.
стр. 254
ثم انظر ماذا يحدث له إذا خسر ماله أو أقيل من منصبه! وكم من شخص كان ذلك سببا في هلاكه وعطبه! نسأل الله العافية.
١٠ - النظر في التفاوت البسيط بين الغني والفقير على وجه التحقيق؛ فالغني لا ينتفع إلا بالقليل من ماله، وهو ما يسد حاجته. وما فَضَلَ عن ذلك فليس له، وإن كان يملكه. فلو نظرنا إلى أغنى رجل في العالم لا نجد أنه يستطيع أن يأكل من الطعام أكثر مما يأكل متوسط الحال أو الفقير؛ بل ربما كان الفقير أكثر منه!!
وبعبارة أخرى: هل يستطيع الغني أن يشتري مائة وجبة فيأكلها في آن واحد، أو مائة ثوب فيلبسها في آن واحد؛ أو ألف مركبة فيركبها في آن واحد؛ أو مائة دار فيسكنها في وقت واحد؟! كلا؛ بل له من الطعام في اليوم ثلاث وجبات تزيد قليلًا أو تنقص، وللمستور كذلك مثله، وله من اللباس ثلاث قطع تزيد قليلًا أو تنقص، ولا يستهلك من الأرض في وقت واحد إلا مترا في مترين سواء كان قائمًا أم قاعدًا أم مضطجعًا، فعَلامَ يحسد وهو سيحاسب على كل ما يملك؟!
وقد فهم هذا المعنى حكيم هذه الأمة أبو الدرداء ﵁ حينما قال: «أهل الأموال يأكلون ونأكل، ويشربون ونشرب، ويلبسون ونلبس، ويركبون ونركب، ولهم فضول أموال ينظرون إليها وننظر إليها معهم، وحسابهم عليها ونحن منها برَاء».وقال أيضًا: «الحمد لله الذي جعل الأغنياء يتمنون أنهم مثلنا عند الموت، ولا نتمنى أننا مثلهم حينئذ».
بل جاء هذا المعنى في السنة النبوية، قال عبد الله بن الشخير ﵁:أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ قَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي»، قَالَ: «وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ» (رواه مسلم).
إن القانع قد لا ينال من الطعام أطيبه، ولا من اللباس أحسنه، ولا من العيش أرغده؛ ولكنه ينعم بالرضى أكثر من الطماع وإن كان الطماع أرغد عيشا منه؛ لأن القانع
стр. 255
ينظر إلى الموسر وما يملك، فيراه لا ينتفع إلا بقليل مما يملك؛ لكنه سيحاسب عن كل ما يملك.
ثم ليعلم العاقل أن كل حال إلى زوال، فلا يفرح غني حتى يطغى ويبطر، ولا ييأس فقير حتى يعصي ويكفر، فإنه لا فقر يدوم ولا غنى يدوم!! وكم من رجال نشؤوا على فرش حرير وشربوا بكؤوس الذهب، وورثوا كنوز المال، وأذلوا أعناق الرجال، وتعبدوا الأحرار! فما ماتوا حتى اشتهوا فراشًا خشنا يقي الجنب عض الأرض، ورغيفًا من خبز يحمي البطن من قرص الجوع!!
وآخرون قاسوا المحن البلايا، وذاقوا الألم والحرمان، وطووا الليالي بلا طعام! فما ماتوا حتى ازدحمت عليهم النعم، وتكاثرت الخيرات، وصاروا من سراة الناس!!
وسيسوي الموت بين الأحياء جميعا: الغني والفقير؛ فدود الأرض لا يفرق بين المالك والأجير، ولا بين الصعلوك والأمير، ولا بين الكبير والصغير، فلا يجزع فقير بفقره، ولا يبطر غني بغناه.
وما أجمل القناعة! من التزمها نال السعادة، ولو تحلى بها الناس لزالت منهم الضغائن والأحقاد، وحلّت بينهم الألفة والمودة؛ إذ أكثر أسباب الخلاف والشقاق بين الناس بسبب الدنيا والتنافس عليها، وما ضعف الدين في القلوب إلا من مزاحمة الدنيا له، وصدق رسول الله ﵌ حينما قال: «وَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» (رواه البخاري ومسلم).
فهل من مدّكر؟ وهل من معتبر يجعل ما يملك من دنيا في يديه، ويحاذر أن تقترب إلى قلبه فتفسده؟
قال ﵌: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (رواه البخاري ومسلم).
стр. 256
١٧ - الإصلاح بين الناس
• عبادة فرطنا فيها:
إن إصلاح ذات البين والإصلاح بين المتخاصمين عبادة عظيمة جدًا فرط فيها الكثير، ولذلك عمت الفرقة والشتات في كثيرٍ من طبقات المجتمع ونواحيه، وتفككت كثيرٌ من الأسر، ولو أن المسلمين تدخلوا كما أمر الله لَتَفادَيْنا كثيرًا من الشر.
كونُوا جميعًا يا بَنِيَّ إذا اعْتَرَى خَطْبٌ ولا تتفرقُوا آحَادَا
تأبَى الرماحُ إذا اجْتَمَعْنَ تكسُّرًا وإذا افترقْنَ تكسَّرتْ أفرادَا
• الضغينة حرمان من المغفرة:
إن الشريعة الإسلامية قد جعلت أمر مصارمة المسلم لأخيه أمرًا خطيرًا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» (رواه مسلم).فيحرم المتصارمان من مغفرة الله تعالى بسبب الشقاق الذي قام بينهما وبسبب الهجران الذي حل بينهما.
• لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ؛ فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ» (صحيح رواه أبو داود).
(فَمَاتَ): أَيْ عَلَى تِلْكَ الْحَالَة مِنْ غَيْر تَوْبَة. (دَخَلَ النَّار): أَيْ اِسْتَوْجَبَ دُخُول النَّار.
وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ؛ يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (صحيح رواه الترمذي).
(أَخَاهُ) أَيْ الْمُسْلِمَ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أُخُوَّةِ الْقَرَابَةِ وَالصَّحَابَةِ.
(فَوْقَ ثَلَاثٍ) فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ: «فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ» وَالْمُرَادُ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ الْهَجْرِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَإِبَاحَتُهَا فِي الثَّلَاثِ الْأُوَلُ بِنَصِّ الْحَدِيثِ، قَالُوا: «وَإِنَّمَا عَفَا عَنْهَا فِي الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ مَجْبُولٌ مِنْ الْغَضَبِ وَسُوءِ الْخُلُقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَعَفَا عَنْ الْهَجْرِ الثَّلَاثَ لِيَذْهَبَ ذَلِكَ الْعَارِضُ».
(يَلْتَقِيَانِ) أَيْ يَتَلَاقَيَانِ.
(فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا) مَعْنَى يَصُدُّ يُعْرِضُ أَيْ يُوَلِّيهِ عُرْضَهُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَهُوَ جَانِبُهُ، وَالصُّدُّ بِضَمِّ الصَّادِ، وَهُوَ أَيْضًا الْجَانِبُ وَالنَّاحِيَةُ.
(وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ) أَيْ هُوَ أَفْضَلُهُمَا.
• الخصومة من سعي الشيطان:
والشيطان أيس أن يعبده المسلمون في جزيرة العرب، ولكنه رضي بالتحريش فيما بينهم وبما يحقرون من الأمور المنكرة، قال رسول الله ﵌: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (رواه مسلم).
وَمَعْنَاهُ: أَيِس أَنْ يَعْبُدهُ أَهْل جَزِيرَة الْعَرَب، وَلَكِنَّهُ سَعَى فِي التَّحْرِيش بَيْنهمْ بِالْخُصُومَاتِ وَالشَّحْنَاء وَالْحُرُوب وَالْفِتَن وَنَحْوهَا.
وذلك هو واقع كثير من المسلمين اليوم عندما ابتعدوا عن الكتاب والسنة وتحكيمهما في حياتهم في كل صغيرة وكبيرة، فلعدم الإنصاف بين المتخاصمين وظلمهم لبعضهم، ولعدم تدخل المصلحين بينهم امتلأت المحاكم بالخصومات والدعاوى الكيدية، وفشا الظلم وانتشر.
وساعدهم على ذلك المماطلة وعدم معرفة الحق ودراسته ومعرفة الحق من الباطل، أو الوقوف بجانب الباطل من قبل ضعاف النفوس، وتدخل جهات للفصل في الخصومات ليس لها علاقة شرعية، حيث تعددت الاختصاصات وتباينت، والمعروف في الإسلام والواجب الذي يجب أن يكون التحاكم إليه هو الكتاب والسنة.
стр. 257
كُلٌ يرَى رأيًا وينصرُ قولَه وله يعادِي سائرَ الإخوانِ
ولو أنهم عند التنازعِ وُفِّقُوا ... لَتَحاكموا للهِ دونَ توانِ
ولَأصبحوا بعد الخصامِ أحِبَّةً غيظَ العِدَا ومذَلّةَ الشيطانِ
• الإصلاح بين الناس:
إن الإصلاح بين الناس واجب، قال الله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (الأنفال:١) وهذا أمرٌ لابد منه، أصلحوا ما بينكم وبين إخوانكم، أصلحوا بين النفوس، قربوا بينها، أزيلوا أسباب العداوة.
والصلح يكون بين متغاضبين كالزوجين، ويكون في الجراحات كالعفو على مال، ويكون لقطع الخصومة، كما إذا وقعت المزاحمة في الأملاك أو المشتركات، وقد كان النبي ﵌ يقوم بذلك، وقد دلَّ الكتاب والسنة على فضل الإصلاح بين الناس.
• حث الكتاب والسنة وترغيبهما في الإصلاح بين الناس:
وإصلاح ذات البين من العبادات الجليلة التي رغب عنها الكثير من الناس، مع ما فيها من الأجر الجزيل والخير العميم؛ فإن من مقاصد التشريع تحقيق المودة والألفة بين الناس، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال:١).
فقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي واتقوا الله في أموركم وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا، فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي في قسمه بينكم على ما أراده الله فإنه إنما يقسمه كما أمره الله من العدل والإنصاف.
وقال ابن عباس ﵄: «هذا تحريض من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم»، وكذا قال مجاهد.
وقال الله تعالى في فضل الإصلاح: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ
стр. 258
نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء:١١٤) إن كثيرًا من الناس الذين يتسارون ويتناجون ليس في نجواهم خير إلا من قام بالتناجي في الخير وإصلاح ذات البين، فإن هذا مأجور ونجواه مأجورٌ عليها، وقد قال الله تعالى في أجر المصلح بين الناس: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء:١١٤) أي ثوابا جزيلًا كثيرًا واسعًا.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» (رواه البخاري ومسلم).
فالشاهد من الحديث قوله: «يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ» حينما قال بأن على كل مفصل في الجسم صدقة في كل يوم تطلع فيه الشمس، وذلك شكرًا لله على نعمه التي لا تعدّ ولا تحصى.
فجعل الله طرق الخير متعددة وكثيرة من أجل كسب الحسنات بالأعمال الصالحة التي تُنال بها الدرجات الرفيعة. فمن الأشياء التي ذكرها الرسول من الصدقات التي يُزكّي بها الإنسان عن مفاصله وعظامه وجسمه كله، ويحمد بها ربّه لأداء كل عضو من أعضائه وظيفته، ذلك هو الإصلاح بين الاثنين والحكم بالعدل لا بالجور والظلم، وكان البدء به في أول الصدقات والحسنات وعمل الخيرات لأهميته.
• إصلاح ذات البين أعلى درجة من الصلاة والصيام والصدقة، وفساد ذات البين تحلق الدين:
وقد أخبر الرسول ﵌ أن إصلاح ذات البين أعلى درجة من الصلاة والصيام والصدقة. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟»
قَالُوا: «بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ».
قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ، لَاأقُولُ إنَّها تحلِقُ الشَّعْرَ ولَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» (صحيح رواه الترمذي وأبو داود وابن حبان وأحمد).
стр. 259
نعم، إنها تحلق الدين وتذهب به؛ لأن العناد والخصومة قد يؤديان إلى الكفر، وهذا أمر مشاهَد وواقع في مجتمعات المسلمين عندما يذهب لبّ الخصم ولا يردعه إيمانه فهو يُجانب الحق والعدل والإنصاف، ولا يقول كلمة الحق في الغضب والرضا، بل يتكلم في خصمه بما يسوغ له من إلحاق التّهم به والكذب والبهتان وقول الزور والفحش والبذاءة وسلاطة اللسان ونشر قالة السوء بين الناس كذبًا وزورًا، وتحريض العامة والتحرش بالمسلم لتدعيم باطله، ليخرج ذلك الباطل أمام الناس لابسًا ثوب الحق.
ومِن جهل أو تجاهل الظالم لنفسه وغيره استطالته في عرض أخيه المسلم، وتدبير المكائد، ونصب شباك الباطل في الخفاء، وما يبيّته ويضمره هو وأهل الباطل الذين يدفعونه إلى الشر دفعًا ليكون هو المنتصر، وليظهر أمام الناس بأنه صاحب الحق، ولو أدى ذلك إلى ارتكاب ما حرم الله.
كل ذلك جعله يقدم على هذه الأفعال المشينة لما غاب عنه الخوف من الله ومن أليم عقابه، وما علم أنه وأعوانه الخاسرون في الدنيا والآخرة، وأن الله لهم بالمرصاد، هذا شأن من يبيّت سوءًا، ويضمر عداوة، ويحمل بين جنبيه قلبًا أسود لاختلال إيمانه وضعف عقيدته وقلة حظه من الفقه في دينه.
وهذه العلاقة والصفة عدها رسول الله ﵌ من علامات النفاق حين عدّد صفات المنافق فقال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (رواه البخاري). «وَإِذا خَاصَمَ فَجَرَ» أَيْ مَال عَنْ الْحَقّ، وَقَالَ الْبَاطِل وَالْكَذِب.
أما المؤمن الحق فهو على العكس من ذلك؛ لا يحمل الغل والحقد والبغضاء لسلامة صدره من ذلك، قلبه أبيض ناصع، لا يبيت وفي قلبه على مسلم شيء مما يجده الأعداء محترقًا متغلغلًا في سويداء قلوبهم، لا يطيش به عقله، ولا يخرج عن العدل
стр. 260
وقول الحق قدر أنملة، منصف فيما يقول ويدلي به، سواء كان الخصم غائبًا أو حاضرًا، يخشى الله في سره وعلنه، لا يهمه أمر البشر؛ لأن إيمانه وخوفه من الله يردعه عن الوقوع فيما حرم الله، فهو ينتصب للدفاع عن نفسه ودفع الظلم عنه بالكلمة الصادقة والقول الحق العدل السديد.
وما المرءُ إلا بإخوانِه كما يَقبِضُ الكفُّ بالمعصمِ
ولا خيرَ في الكفِّ مقطوعةً ولا خيرَ في الساعدِ الأجْذَمِ
• الإنسان لو حلف على ما فيه إفساد ذات البين فعليه أن يُكَفّر عن يمينه ويأت الذي هو خير:
قال تعالى: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٢٤)
المعنى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور: ٢٢).
قالت عائشة ﵂ ـ في أثناء حديثها عن حادثة الإفك ـ: « ... فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسِبُوهُ﴾ الْعَشْرَ الْآيَاتِ كُلَّهَا، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ ـ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ ـ: «وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ».
فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «بَلَى وَاللهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي»، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «وَاللهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا» (رواه البخاري).
فالاستمرار على اليمين آثَم (أي أكثر إثمًا) لصاحبها من الخروج منها بالتكفير كما روى البخاري عن النبي ﵌ قال: «وَاللهِ لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ
١٨ - الإصلاح بتن الناس وآداب المصلح
• التدخل الحكيم من أهل الزوجين وذِكر ما يدل على التعامل بحكمة مع الخلافات الزوجية وغيرها من الخلافات بين الناس:
ومن أنواع الإصلاح الإصلاح بين الزوجين المختلفين؛ لأن الإصلاح بين الزوجين تبنى عليه البيوت، وتترابط به الأسر التي هي أسس المجتمعات البشرية، وفساد ما بين الزوجين يترتب عليه فساد البيوت وتفكك الأسر وتشتتها، قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء:١٢٨)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء:١٢٩).
وفي أي خصومة بين الزوجين ينبغي أن لا تخرج المرأة من بيت زوجها لئلا يدخل شياطين الإنس والجن ويفسدون العلاقة بين الزوجين بإلقاء العداوة بينهما بما يزينونه من الباطل من القول لكل منهما لكي يفرقوا بينهما، والإفساد بين الزوجين أو المتخاصمين هو شأن شياطين الإنس والجن في كل زمان ومكان، وذلك بالإيحاء بزخرف القول غرورًا.
ولا يجوز للمرأة أن تخرج من بيت الزوجية، ولا أن يُخرجها زوجها عندما يطلقها الطلقة الأولى أو الثانية؛ لئلا تتسع الشُّقّة والخلاف بينهما، ولئلا يجد المغرضون والمفسدون مدخلًا لإفساد العلاقة الزوجية بينهما، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا يحبانه ويرتاحان له بدخولهما وخروجهما ولقائهما ببعض خلال العدة، فيرجع إليها ويراجعها، هذا إذا كان في الطلاق فما بالنا في غيره من الأمور الأخرى التي لا يخلو منها بيت من البيوت؟!
وهذا أمر يغفل عنه كثير من المسلمين، فيقع الشقاق والخلافات والخصومات، وهذا ما يسعى إليه الشيطان وجنوده كل ليلة وهو على عرشه في البحر، حيث ينتشرون
стр. 263
للفتنة بين الناس، ويكون أقربهم وأحبهم إليه من سعى بالتحريش بين المرء وزوجه حتى يقع الطلاق والفراق بين الزوجين.
فعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: «فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا» فَيَقُولُ: «مَا صَنَعْتَ شَيْئًا».
قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: «مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ».
قَالَ: «فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ».
قَالَ الْأَعْمَشُ: «أُرَاهُ قَالَ: فَيَلْتَزِمُهُ» (رواه مسلم).
قَوْله: (فَيُدْنِيه مِنْهُ وَيَقُول: نِعْمَ أَنْتَ) هُوَ بِكَسْرِ النُّون وَإِسْكَان الْعَيْن وَهِيَ نِعْمَ الْمَوْضُوعَة لِلْمَدْحِ، فَيَمْدَحهُ لِإِعْجَابِهِ بِصُنْعِهِ، وَبُلُوغه الْغَايَة الَّتِي أَرَادَهَا.
قَوْله: (فَيَلْتَزِمهُ) أَيْ: يَضُمّهُ إِلَى نَفْسه وَيُعَانِقهُ.
• ولْنتأمل هذا الموقف:
فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا ﵁ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ عَمِّك؟ ِ قَالَت: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي. فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﵌ لإِنْسَان: انْظُرْ أَيْنَ هُوَ فَجَاءَ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ وَأَصَابَهُ تُرَابٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: قُمْ أَبَا تُرَابٍ. قُمْ أَبَا تُرَابٍ». (رواه البخاري ومسلم).
(فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي: مِنْ الْقَيْلُولَة، وَهُوَ نَوْم نِصْف النَّهَار).
قوله ﵌: «أَيْنَ ابْنُ عَمِّك؟ ِ» فيه إطلاق ابن العم على أقارب الأب لأنه ابن عم أبيها لا ابن عمها وفيه إرشادها إلى أن تخاطبه بذلك لما فيه من الاستعطاف بذكر القرابة وكأنه ﵌ فهم ما وقع بينهما فأراد استعطافها عليه بذكر القرابة القريبة التي بينهما.
стр. 264
وفي هذا الحديث: أن أهل الفضل قد يقع بين الكبير منهم وبين زوجته ما طبع عليه البشر من الغضب وقد يدعوه ذلك إلى الخروج من بيته ولا يعاب عليه.
ويحتمل أن يكون سبب خروج عليٍّ ﵁ خشية أن يبدو منه في حالة الغضب ما لا يليق بجناب فاطمة ﵂، فحسم مادة الكلام بذلك إلى أن تسكن فورة الغضب من كل منهما.
وفيه كرم خلق النبي ﵌ لأنه توجه نحو عليٍّ سدد خطاكم ليترضاه ومسح التراب عن ظهره ليبسطه وداعبه بالكنية المذكورة المأخوذة من حالته ولم يعاتبه على مغاضبته لابنته مع رفيع منزلتها عنده ﵌؛ فيؤخذ منه استحباب الرفق بالأصهار وترك معاتبتهم إبقاء لمودتهم لأن العتاب إنما يخشى ممن يخشى منه الحقد لا ممن هو منزه عن ذلك.
• التحكيم بين الزوجين من أجل الإصلاح:
والصلح بين الزوجين المتخاصمين من أعظم أنواع الصلح؛ فإن الأسر تقوم على المحبة والألفة وتدوم بدوامها، فإذا انتهت المحبة والألفة وحل الشقاق، صار الفراق، ولابد للمصلحين من القيام بواجبهم تجاه الأسر المتفككة والسعي في الإصلاح بين الأزواج.
وقد قال الله عند حصول الشقاق: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا﴾ (النساء:٣٥).إذا كانت النية طيبة جاءت النتيجة طيبة: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا﴾ (النساء:٣٥).
فماذا يفعل الحكمان؟ يقوم كل واحدٍ منهما بالالتقاء بوكيله أو مندوبه الذي انتدبه، أو طرفه الذي ينوب عنه ـ وإذا قلنا: إنه حاكم، فإن كلام الحكمين معتمد ـ ويسمع منه سبب الشقاق والخلاف، ثم يجتمع الحكمان فيعتمدان أمورًا، ويتوصلان إلى صاحب الخطأ، من هو الطرف المخطئ لأجل وعظه ونصحه، أو وعظ الطرفين إذا كان كلاهما مخطئ، والسعي في تقريب وجهات النظر.
стр. 265
ولذلك فإن من الحكمة أن يذكّر الحكمان الزوج بوصية رسول الله ﵌ بالنساء، وبقوله ﵌ في الوصية بالزوجة: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (صحيح رواه الترمذي وابن ماجه).
ويقولان له: إن عليك يا أيها الزوج أن تعامل زوجتك بالفضل لا بالعدل؛ الواحدة بواحدة، وإذا فعلت ترد عليها، وإنما تتعامل معها بالفضل وبالمسامحة وبالزيادة منك والتغاضي، لأن أهلها استودعوها عندك، وائتمنوك عليها، ووثقوا أنك لن تسبب لهم المتاعب بسببها، وأنها أم أولادك، أو أنها ستكون كذلك مستقبلًا، والولد الصالح مما ينتفع به أبوه في الحياة وبالدعاء له بعد الممات.
ويذكرونه بأن الزوجة كالأسيرة بيد زوجها، وليس من الإسلام ولا من المروءة ولا من الشجاعة التي جاء بها الإسلام أن يسيء المسلم إلى أسيرته، أو أسيره، فكيف إذا كانت الأسيرة الزوجة؟ وأن الزوج الكريم هو الذي لا يستغل قوته وبطشه ولا يتعسف باستعمال سلطته على زوجته على نحوٍ يلحق بها الضرر.
فهذه المعاني إذا قدمها الحكمان إلى الزوج بأسلوبٍ لطيف وقولٍ لين، فالغالب أنها ستؤثر في نفس الزوج، وسيقلع عما أدى إلى الشقاق.
وكذلك ينبغي للحكم من أهل الزوجة أن يكلم الزوجة بمعاني الإسلام، ويذكرها بأحكامه المتعلقة بالزوجة في علاقتها بزوجها، وأن يذكرها بعظيم حق الزوج عليها، وأن من حسن معاشرتها له بالمعروف أن تُسمعه الكلمة الطيبة اللينة، وأن تسارع إلى طاعته فيما أوجبه الشرع عليها من طاعته، وفيما يأمرها به زوجها من المباحات، وألا تثقل عليه بطلباتها الكثيرة، وأن تتحمل عبوسه وصدوده وإساءته وأن تقابل ذلك بابتسامتها وإحسانها وخدمتها.
فإن الزوج إذا رأى ذلك منها، فسرعان ما يزول عنه العبوس والصدود ويكف عن الإساءة، وعليها ألا تستقصي في طلب الحقوق، وإذا أحست بكراهتها له، فلتطرد
стр. 266
هذا الإحساس، ولتذكر نفسها بأنه قد يجعل الله لها فيما تكرهه الخير الكثير، فيرزقها الله منه ولدًا تقر به عينها، ويزول عن قلبها ما تحسه من كراهة لزوجها.
فتذكير الطرفين بحق كل واحدٍ منهما على الآخر وبالمعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها، مما يجعل أمرهما لينًا سهلًا، والصلح بينهما وشيكًا.
• الإصلاح بين الجماعات والقبائل:
ومن أنواع الإصلاح بين الناس الإصلاح بين الطوائف المقتتلة من المسلمين صغرت أم كبرت في داخل الدولة الواحدة أو على مستوى الدول، واجب المسلمين السعي للإصلاح بين المتقاتلين من أجل القضاء على أسباب الفتنة بالعدل الذي يعطي كل ذي حق حقه؛ لكي يستتبّ الأمن، وتُحقن الدماء، ويؤخذ على يد المعتدي، ويكف عن الظلم والتعدي على غيره فيما بعد، ويتم إنصاف المُعْتَدَى عليه، ولئلا تضعف شوكة المسلمين أمام أعدائهم، وعندها يتربصون بهم الدوائر.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات:٩، ١٠).
وعن أَنَس ﵁ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﵌: «لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ؟»، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﵌ وَرَكِبَ حِمَارًا فَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ﵌ فَقَالَ: «إِلَيْكَ عَنِّي وَاللهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِك».َ
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأنْصَارِ مِنْهُم: وَاللهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللهِ ﵌ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْك. فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَشَتَمَه، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالأيْدِي وَالنِّعَالِ فَبَلَغَنَا أَنَّهَا أُنْزِلَتْ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾» (رواه البخاري ومسلم).
سَبِخَةٌ أَيْ ذَات سِبَاخ، وَهِيَ الْأَرْض الَّتِي لَا تُنْبِت.
стр. 267
وَفِي الْحَدِيث بَيَان مَا كَانَ النَّبِيّ ﵌ عَلَيْهِ مِنْ الصَّفْح وَالْحِلْم وَالصَّبْر عَلَى الْأَذَى فِي اللهُ وَالدُّعَاء إِلَى اللهُ وَتَأْلِيف الْقُلُوب عَلَى ذَلِكَ.
وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيم رَسُول اللهُ ﵌ وَالْأَدَب مِنْهُ وَالْمَحَبَّة الشَّدِيدَة.
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِذَلِكَ فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ». (رواه البخاري).
وعن أَبَي بَكْرَةَ ﵁ قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (رواه البخاري).
سَلَّمَ الْحَسَن ﵁ لِمُعَاوِيَةَ ﵁ الْأَمْر وَبَايَعَهُ عَلَى إِقَامَة كِتَاب اللهُ وَسُنَّة نَبِيّه، وَدَخَلَ مُعَاوِيَة الْكُوفَة وَبَايَعَهُ النَّاس فَسُمِّيَتْ سَنَة الْجَمَاعَة لِاجْتِمَاعِ النَّاس وَانْقِطَاع الْحَرْب.
العيدُ يومَ نعودُ قلبًا واحدًا والحب يَعْمُرُه معَ التوحيدِ
حُبٌ لغيرِ مصالحٍ تُرجَى به حبٌ لوجهِ إلهِنا المعبودِ
• جواز الكذب للإصلاح:
قال ﵌: «لَيْسَ الْكَذابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا» (رواه البخاري ومسلم).
نَمَيْت الحديث إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نمَّيته بالتشديد.
قال العلماء: المراد هنا أنه يخبر بما علمه من الخير ويسكت عما علمه من الشر ولا يكون ذلك كذبًا؛ لأن الكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به وهذا ساكت ولا ينسب لساكت قول.
стр. 268
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا». (رواه مسلم).
قال بعض العلماء: لَا يَجُوز الْكَذِب فِي شَيْء أَصْلًا. قَالُوا: وَمَا جَاءَ مِنْ الْإِبَاحَة فِي هَذَا الْمُرَاد بِهِ التَّوْرِيَة، وَاسْتِعْمَال الْمَعَارِيض، لَا صَرِيح الْكَذِب، مِثْل أَنْ يَعِد زَوْجَته أَنْ يُحْسِن إِلَيْهَا وَيَكْسُوهَا كَذَا، وَيَنْوِي إِنْ قَدَّرَ اللهُ ذَلِكَ. وَحَاصِله أَنْ يَأْتِي بِكَلِمَاتٍ مُحْتَمَلَة، يَفْهَم الْمُخَاطَب مِنْهَا مَا يُطَيِّب قَلْبه.
وَإِذَا سَعَى فِي الْإِصْلَاح نَقَلَ عَنْ هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ كَلَامًا جَمِيلًا، وَمِنْ هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ وَوَرَّى، وَكَذَا فِي الْحَرْب بِأَنْ يَقُول لِعَدُوِّهِ: مَاتَ إِمَامكُمْ الْأَعْظَم، وَيَنْوِي إِمَامهمْ فِي الْأَزْمَان الْمَاضِيَة: أَوْ غَدًا يَأْتِينَا مَدَد أَيْ طَعَام وَنَحْوه.
هَذَا مِنْ الْمَعَارِيض الْمُبَاحَة.
وَأَمَّا كَذِبه لِزَوْجَتِهِ وَكَذِبهَا لَهُ فَالْمُرَاد بِهِ فِي إِظْهَار الْوُدّ وَالْوَعْد بِمَا لَا يَلْزَم وَنَحْو ذَلِكَ، فَأَمَّا الْمُخَادَعَة فِي مَنْع مَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا، أَوْ أَخْذ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ لَهَا فَهُوَ حَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وذهبت طائفة من العلماء إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح وقالوا: إن الثلاث المذكورة كالمثال وقالوا: الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة أو ما ليس فيه مصلحة.
واتفق العلماء على جواز الكذب عند الاضطرار كما لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختَفٍ عنده فله أن ينفيَ كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم.
• ثمرات الصلح بين المسلمين:
إن فوائد الصلح كثيرة، فإنه يثمر إحلال الألفة مكان الفرقة، واستئصال داء النزاع قبل أن يستفحل، وحقن الدماء التي تراق، وتوفير الأموال التي تنفق للمحامين بالحق وبالباطل، والحماية من شهادة الزور، وتجنب المشاجرات والاعتداءات على الحقوق والنفوس، بل إن الشريعة جعلت للمُصلِح حقًا من الزكاة أو من بيت المال،
стр. 269
لأداء ما تحمله من الديون بسبب الإصلاح، وإن كان قادرًا على أدائها من ماله، فقال الله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ (التوبة:٦٠) وهم من تحملوا الديات لأجل الإصلاح بين الناس، وكف بعضهم عن قتل بعض.
• المصلح بين الناس .. وآدابه:
إذا كان المتدخل في الخصومة غير عاقل لا يحسن التصرف، فإن إفساده أكثر من إصلاحه، وهذا أمرٌ مشاهد، فإن عددًا من الناس يتدخل في القضية لأجل الإصلاح ـ بزعمه ـ، فإذا به يباعد الشُقّة، ويتسبب في مزيدٍ من الفرقة، ويحصل الكثير من الخلاف بعد أن كان شيئًا محدودًا، فإذا به يستشري وينتشر.
فنذكّر المصلحين الذين يريدون التدخل للإصلاح:
أولًا: أن يبتغوا وجه الله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا﴾ (النساء:٣٥) أي: إذا كانت النية صافية ومُخْلَصَةً لله كانت النتيجة طيبة ﴿يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا﴾ (النساء:٣٥).
ثانيًا: الحكمة في التعامل في الأمور، فإن في كثيرٍ من الأشياء بين المتخاصمين حساسيات.
ثالثًا: التكتم: النبي ﵌، «اسْتَعِينُوا على إنْجَاحِ الحَوَائِجِ بالكِتْمَانِ» (صحيح رواه البيهقي والطبراني وغيرهما) فلكي تنجح القضية، لابد من التكتم وعدم نشر التفاصيل بين الناس.
رابعًا: أن يذكر كل واحد من المتخاصمين بالله ، وبحق الآخر عليه، إن كان أخًا في الله يذكر بحقوق الأخوة، وإن كان زوجًا يذكر بحقوق الزوجة، وإن كانت زوجة تذكر بحقوق الزوج.
وكذلك فإنه لا بأس أن تنقل إليه كلمات من الخير على لسان الطرف الآخر، وتكتم عنه أمورًا من الشر جاءت على لسان الطرف الآخر، هذا من الحكمة والسياسة في الإصلاح بين المتخاصمين.
стр. 270
١٩ - الأمانة
• عناية القرآن الكريم ببيان صفات المؤمنين وصفات غيرهم:
في كتاب ربِّنا بيانٌ لأخلاق المؤمنين، بيانٌ لصفاتِهم الحميدة وأخلاقِهم الكريمة، وذاك دعوةٌ للأمّة المؤمنة أن تأخذَ بتلكم الأخلاق وتتَّصف بتلكم الصفات؛ فيذكُر الله أهلَ الإيمان، يذكر أخلاقَهم وأعمالهم، وهو حثٌّ لنا جميعًا على الأخذ بها والعمل بمقتضاها، كما يذكر أخلاقَ المنافقين وصفاتِهم وأخلاقَ الكافرين، ليكونَ المسلم على علمٍ بتلكم الصفات والأخلاق، فيبتعد كلَّ البُعد عنها.
• خلق رعاية الأمانة:
أيّها المسلم، وأنت تقرأ كتابَ الله تمرُّ بك آية، وهي قول الله ﷻ في صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ (المؤمنون:٨).
لقد وصف الله أهلَ الإيمان بأنّهم راعون لأماناتهم، حافظون لأماناتهم، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾، فهم يرعَون الأمانَة حقَّ الرعاية، ويقومون بمقتضاها حقَّ القيام.
• الخيانة من صفات المنافقين:
إنّ من خصال المنافق خيانةَ الأمانة، ولذا يقول ﵌: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (رواه البخاري ومسلم)، فلمّا فقد الإيمانَ كان خائنًا لأمانته فيما بينَه وبين الله، وفيما بينه وبين عباد الله. كم خان المنافقون أماناتِهم، وكم شمَتوا بالمسلمين، وكم أرجفوا برسول الله وصحابتِه الكرام، وكم قالوا وافترَوا، ولكنّ الله لهم بالمرصاد؛ لأنّهم أظهَروا الإيمانَ وأبطنوا الكفرَ المحض، فالخيانة من أخلاقهم، أمّا المؤمنُ فبعكس ذلكَ، الأمانة خلقُه، والخيانة بعيدٌ عنها كلَّ البعد، فلنتّق الله فيما اؤتمنَّا عليه.
• خطر الأمانة وفضل حفظها:
стр. 271
قال : ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء:٥٨) والآية في كل أمانة فعلى كل مؤتمن على شىء أن يحفظه ويرعاه حتى يؤديه إلى صاحبه.
وقال : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب:٧٣).
يعظم شأن الأمانة، التي ائتمن الله عليها المكلفين، والتي هي امتثال الأوامر، واجتناب المحارم، في حال السر والخفية، كحال العلانية، وأنه عرضها على المخلوقات العظيمة، السماوات والأرض والجبال، عرض تخيير لا تحتيم، وأنك إن قمتِ بها وأدَّيتِهَا على وجهها، فلك الثواب، وإن لم تقومي بها، ولم تؤديها فعليكِ العقاب.
﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ أي: خوفًا أن لا يقُمْنَ بما حُمِّلْنَ، لا عصيانًا لربهن، ولا زهدًا في ثوابه، وعرضها الله على الإنسان، على ذلك الشرط المذكور، فقبلها، وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل
فانقسم الناس ـ بحسب قيامهم بها وعدمه ـ إلى ثلاثة أقسام:
منافقون، أظهروا أنهم قاموا بها ظاهرًا لا باطنًا، ومشركون، تركوها ظاهرًا وباطنًا، ومؤمنون، قائمون بها ظاهرًا وباطنًا، فذكر الله تعالى أعمال هؤلاء الأقسام الثلاثة، وما لهم من الثواب والعقاب فقال: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقال ﵌: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ». (صحيح رواه الإمام أحمد وابن حبان).
стр. 272
«لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» أي لا إيمان كامل؛ فالأمانة لب الإيمان، وهي منه بمنزلة القلب من البدن، والأمانة الجوارح السبع العين والسمع واللسان واليد والرجل والبطن والفرج فمن ضيع جزءا منها سقم إيمانه وضعف بقدره.
ومعنى (وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ) أن من جرى بينه وبين أحد عهد ثم غدر لغير عذر شرعي فدينه ناقص.
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنْ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُهْرٍ» (صحيح رواه أحمد).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: «القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، قال: يؤتى العبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله فيقال: أدِّ أمانتك، فيقول: أيْ رب، كيف وقد ذهبَت الدنيا؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فيُنطَلق به إلى الهاوية وتُمَثَّل له أمانته كهيئتها يوم دُفعت إليه، فيراها فيعرفها فيهوي في أثرها حتى يدركها فيحملها على منكبيه حتى إذا ظن أنه خارج زَلَّتْ عن منكبيه فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة والوضوء أمانة والوزن أمانة والكيل أمانة وأشياء عددها وأشد ذلك الودائع».
قال زاذان: فأتيت البراء بن عازب ﵁ فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود ﵁ قال كذا؟»، قال: صدق، أما سمعت الله يقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء:٥٨)»
(رواه أحمد والبيهقي موقوفًا، وذكر عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب الزهد أنه سأل أباه عنه فقال إسناده جيد، وحسنه الألباني).
أيّها المسلم، الأمانةُ التي كُلِّفتَ بها والتي طُلِبَ منك رعايتُها أمانةٌ عامّة فيما بينك وبين الله، وفيما بينك وبين نفسك، وفيما بينك وبين عباد الله، أمانةٌ شاملةٌ لخيرَي الدنيا
стр. 273
والآخرة، شاملة لمصالح الدين والدنيا معًا، فالمؤمن في هذه الحياة يحمِل أعباءَ هذه الأمانة، ويرعاها حقَّ الرّعاية، ويقوم بها خيرَ قيام، طاعةً لله وتقرّبًا إلى الله.
أدِّ الأمانةَ، والخيانةَ فاجتنبْ ... واعدِلْ ولا تظلمْ يطيبُ المكسبُ
واحذَرْ من المظلومِ سهمًا صائبًا ... واعلمْ بأنَّ دعاءَه لا يُحْجَبُ
• أداء أمانة التوحيد:
أيّها المسلم، العباداتُ الشرعيّة أمانةٌ عندك بأن تؤدِّيها إخلاصًا لله، وموافقةً لشرع الله، لا تبتدِعُ فيها، لا تزيدُ فيها، ولا تنقصُ منها، وإنما تؤدّيها على وفقِِ ما شرع الله ورسوله، فأنت مخلِصٌ لله في عبادتك، في توحيدِك لله مخلصٌ في ذلك، معتقد حقًا أنّ الله المعبودُ بحقّ، وأنّ ما سواه معبودٌ بالباطل، معتقدٌ اتباعَ سنّة محمّد ﵌، وأنّه عبد الله ورسوله الذي أرسله الله ليقيمَ حجَّته على العباد، وأنَّ الواجبَ اتباعُه والعمل بشريعته.
فأنت مؤتَمَنٌ على هذا الأصل العظيم، فأنت تؤمِن بذلك إيمانًا ظاهرًا وباطنًا، تنطِق بكلمةِ التوحيد «لا إله إلا الله»، تنطق بها بلسانك، معتقِدًا معناها بقلبك، عاملًا بمقتضى ما دلَّت عليه، تنطِق شهادةَ أنَّ محمدًا رسول الله مخلِصًا لله في ذلك، قولًا وعملًا واعتقادًا، تعتقِد أنّه رسول الله حقًا، فتتبع سنّتَه، وتسير على نهجه ظاهرًا وباطنًا، تؤدِّي عبادةَ الله من صلاةٍ وزكاةٍ وصوم وحجٍّ وبرّ وصِلة، وكلّ الواجبات الشرعيّة تؤدّيها بإخلاصٍ لله، واتّباع لشريعة محمّد ﵌، فإنّ الله لا يقبَل العملَ إلا إذا كان خالصًا له وكان على وفق ما شرع الله، ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا﴾ (الكهف:١١٠).
أيّها المسلم، ففيما بينك وبين الله في عبادتِه الإخلاصُ والاتّباع.
• أداء الأمانة في العبادات الشرعية:
إنّك تتوضّأ للصلاة، والوضوء الذي هو شرطٌ لصحّة الصلاة أنتَ مؤتمنٌ عليه في إسباغ الوضوء وإتمامِه وعدمِ الإخلال بشيء منه، رأى النبيّ ﵌:بعضَ أصحابه
стр. 274
وقد تركُوا غسلَ بعض القدم، فنادى فيهم: «وَيْلٌٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (رواه البخاري ومسلم).
(وَالْعَقِب: مُؤَخَّر الْقَدَم)، ومَعْنَى الحديث: وَيْل لِأَصْحَابِ الْأَعْقَاب الْمُقَصِّرِينَ فِي غَسْلهَا.
وقال ﵌: «أسْبِغِ الوُضُوءَ، وخَلِّلْ بَيْنَ الأصَابِعْ، وبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إلَّا أنْ تَكُونَ صَائِمًا» (صحيح رواه أبو داود والترمذي).
فالوضوء أمانةٌ تؤدِّيه كما أمرَ الله صادقًا مخلصًا.
والغسل من الجنابة قد ورد أنَّه أداء الأمانة؛ فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ مَعَ إِيمَانٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ: مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى وُضُوئِهِنَّ وَرُكُوعِهِنَّ وَسُجُودِهِنَّ وَمَوَاقِيتِهِنَّ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَأَعْطَى الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ» قَالُوا: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، وَمَا أَدَاءُ الْأَمَانَةِ؟» قَالَ: «الْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ». (حسن، رواه أبو داود).
تؤدّي الصلواتِ الخمس بأمانة، بأن تؤدِّيَها في الوقت الذي عيَّنه الله لأدائها، تؤدّيها في وقتِها، فأنت مؤتمنٌ على وقتِها، فلا تؤخِّرها عن وقتها بلا عذر شرعيّ، فإنّ الله وقَّتها بأوقات، طالبنا بأن نوقعَها فيها، ﴿إِنَّ الصَّلَو?ةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَـ?بًا مَّوْقُوتًا﴾ (النساء:١٠٣).تؤدّيها بأمانة، فلا تخِلُّ بأركانها ولا بواجباتها ولا بشيء مطلوبٍ فيها، ولذا لمّا رأى النبيّ المسيءَ في صلاته الذي لا يُتمّ الركوعَ والسجود قال له: «صَلِّ فإِنّكَ لَمْ تُصَلِِّّ»، فلمّا قال الرّجل ثلاثَ مرّات: «يا رسول الله، والذي بعثك بالحقّ نبيًّا ما أحسنُ غيرَ هذا فعلِّمني»، فعلّمه رسول الله ﵌ صفةَ أداء الصلاة، وأمره بالطّمأنينة في كلِّ أركانها وواجباتها. (رواه البخاري ومسلم).
أيّها المسلم، وأنت مؤتمَنٌ على زكاةِ مالك، فالله سيحاسبك على ذلك، فاتّق الله في أدائها وإخراجها على وفق ما شرع الله، على وفق ما أمرك الله به، وأحصِها وأخرِج
стр. 275
زكاتها طيِّبة بذلك نفسُك، فإنّك أمين، والله يعلم خائنةَ الأعين وما تخفي الصدور،
﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:١٤).
أيّها المسلم، والصومُ أمانةٌ والحجّ أمانة، كلّ هذه الأركان الإسلاميّة أمانةٌ عند المسلم، يؤدّيها كما شرع الله.
البرّ والصّلة والواجبات الشرعيّة كلّها يؤدّيها المسلم؛ لأنّه مؤتمنٌ على أدائها، فلا بدّ من الأداء.
أيّها المسلم، واعلم أنّ الله مطَّلع عليك وعالم بسرِّك وعلانيتك، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْو?هُم بَلَى? وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (الزخرف:٨٠).
تتركُ المحرّمَات طاعةً لله في موضع لا يراك إلا الله، إنّما ذلك خشية من الله،
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الملك:١٣).
• أداء الأمانة فيما بينك وبين الخلق:
وإنَّ أمانتك فيما بينك وبين الخلق أن تعاملُهم بما تحبّ أن يعاملوكَ به، تعاملهم بالصِّدق والأمانة كما تحبُّ أن يعاملوك به، فقد قال ﵌: «لا يؤمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». (رواه البخاري ومسلم)، فلا تكن غاشًا لهم، ولا خائنًا لهم، ولا ساعيًا في المكائد لهم، وإنما تعاملهم بمثل ما تحبُّ أن يعاملوك به، فتلك الأمانة في التعامل مع العِباد.
أيّها المسلم، إنّك مؤتمنٌ في أحوالك كلِّها، ففي البَيع والشّراء مؤتمنٌ على بيعك، بأن يكون بيعك بيعًا صادقًا، لا غشَّ ولا خيانة، لا تدليسَ ولا خِداع، ولكن بيعُ المؤمن الصادِق، يعرض سلعتَه فلا كذب ولا أيْمان فاجِرة يروّج بها سلعتَه، ولكن الصدق والبرّ خلقُ المؤمن. وأنت ـ أيّها المشتري ـ أمين أيضًا في إعطاء الناس حقوقَهم وعدم المماطلة وعدم الكذب والغشّ والخداع.
وأنت ـ أيّها المؤمن ـ مؤتمنٌ فيما تعامِل به النّاس، فيما اؤتمِنتَ عليه، فأنت ـ أيها المستأجِر للدّور ـ مؤتَمن على ما استأجرتَه بأن تسلِّم ما استأجرتَه من غير إخلال ولا
стр. 276
إلحاق ضرَر بما استلمتَه من ذلك العقار، استأجرتَ مسكنا تسكنه فأدِّ أمانتَه بأن تسلِّمه لمؤجِّره من غير نقصٍ لحِق به، من غير إخلال بذلك.
• أداء أمانة العمل والوظيفة:
أيّها المسلم، أنتَ مؤتمنٌ على ما وُكِل إليك من أعمال، فاحرص على أكل الحلال وأداء العمل الذي أخذتَ الأجر عليه كما يجب وهذا من أسباب البركة.
يقول النبي ﵌: «إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، مَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ فِيمَا شَاءَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ مَالِ اللهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا النَّارُ» (رواه الترمذي وصححه الألباني).
يعنى أن الذي يأخذها بغير حقها لن يبارك له فيها، سواءً كانت وظيفة أو صنعة أو غيرها.
وقَوْلُهُ: (الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) لَيْسَ هُوَ صِفَةَ الْمَالِ وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّشْبِيهِ كَأَنَّهُ قَالَ الْمَالُ كَالْبَقْلَةِ الْخَضْرَاءِ الْحُلْوَةِ.
• من الأمانة أن يحافظ المسلم على زوجته ويمنعها من الاختلاط بالرجال غير المحارم:
أيّها المسلم، أنت مُؤتمنٌ على زوجتِك من حيث النصيحة، من حيث التوجيهِ والقيام بالواجب وإعطائها حقَّها المشروع وعدم الإضرار والمماطلة بذلك، كما أنتَ مؤتمنٌ على أخلاقِها وأعمالِها لأنّك راعٍ والله سائلك عن رعيّتك، كما أنَّ المرأةَ المؤمنةَ مؤتمنةٌ على بيتها ومال زوجها وفراش زوجها، فتؤدِّي أمانتَها على الوجه المرضيّ.
فقد أمر الله زوجات النبي بالحجاب فقال تعالى آمرًا أصحاب النبي ﵌: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَالِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. (الأحزاب:٥٣).
وهذه الآية ليست خاصة بأزواج النبي ﵌، فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: ﴿ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ﴾ قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقُلْ أحدٌ
стр. 277
من جميع المسلمين، إن غير أزواج النبي ﵌ لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن.
ولا يستطيع أحد اليوم أن يزعم أن قلبه أو قلب غيره أطهر من قلوب الصحابة ﵃، ولا أن قلب امرأته أو قلب غيرها أطهر من قلوب نساء النبي ﵌ ورضي الله عنهن.
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: «يَا رَسُولَ اللهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟»، قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (رواه البخاري ومسلم)
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وَتَقْدِير الْكَلَام اِتَّقُوا أَنْفُسكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاء وَالنِّسَاء أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْكُمْ ... وَتَضَمَّنَ مَنْعَ الدُّخُول مَنْع الْخَلْوَة بِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى».اهـ.
الْحَمو أَخُو الزَّوْج، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِب الزَّوْج: اِبْن الْعَمّ وَنَحْوه.
(الْحَمو الْمَوْت) مَعْنَاهُ أَنَّ الْخَوْف مِنْهُ أَكْثَر مِنْ غَيْره، وَالشَّرّ يُتَوَقَّع مِنْهُ، وَالْفِتْنَة أَكْثَر لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْوُصُول إِلَى الْمَرْأَة وَالْخَلْوَة مِنْ غَيْر أَنْ يُنْكِر عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيّ. وَالْمُرَاد بِالْحَمْوِ هُنَا أَقَارِب الزَّوْج غَيْر آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ. فَأَمَّا الْآبَاء وَالْأَبْنَاء فَمَحَارِم لِزَوْجَتِهِ تَجُوز لَهُمْ الْخَلْوَة بِهَا، وَلَا يُوصَفُونَ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْأَخ، وَابْن الْأَخ، وَالْعَمّ، وَابْنه، وَنَحْوهمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ. وَعَادَة النَّاس الْمُسَاهَلَة فِيهِ، وَيَخْلُو بِامْرَأَةِ أَخِيهِ، فَهَذَا هُوَ الْمَوْت، وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيّ.
لا تأمنَنَّ على النساءِ ولو أخًا ... ما في الرجالِ علَى النساءِ أمينُ
إنّ الأمينَ وإن تحفّظَ جهدَهُ ... لا بد أنْ بنَظْرةٍ سيخُونُ
• أداء أمانة الأولاد:
أيّها المسلم، أمانتُك تصحبُك أيضًا في أولادك من بنين وبنات، أنت مؤتمنٌ على الأولاد من بنين وبنات، تربيةً وتعليمًا وتوجيهًا وحملًا على الخير وتحذيرًا من أسبابِ
стр. 278
الشّرّ، ﴿ي?أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم:٦)، فإنّك مؤتمَن على أولادك، أن تربِّيَهم التربية الإسلامية، أن تكون قدوةً لهم في الخير وأسوةً لهم في الهدى ليقتدوا بك ويتأسَّوا بك في أعمالِك الطيّبة، فما مِن مولود إلا يولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه.
أنت مؤتمنٌ عليهم في تأليف قلوبِهم وإصلاح ذاتِ بينهم، فلا تفضِّل أحدًا على أحد، ولا تجعَل لأحدٍ فضلًا على أحَد، بل اتَّق الله واعدِل في أولادك في العطاء والهبات، حتى يكونوا لك قلبًا واحدًا، واحذَر أن توقِد بينهم نارَ العداوة والبغضاء بأن تفضِّل بعضًا على بعض، تُقرِّب ذا وتُقصي ذا، وتترك النّار تشتعل في نفوسهم، فتكون سببًا للقطيعة بينهم والعياذ بالله.
أنت مؤتمنٌ فيما توصي به من وصايا، فلا تكُن وصيتُك وصية جَور وظلم، بل تكون وصيةً عادلة، متَّقيًا الله فيها، ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فاللهُ أَوْلَى? بِهِمَا﴾ (النساء:١٣٥)، لا تحابِ ولا تجُر ولا تفضِّل أحدًا بأيّ طريقة سلكتَ، فإنّ الله مطّلع عليك وعالم بسرّك ونجواك.
أنت مؤتمَن على البنات فتختار لهنّ مَن فيه خير لهنّ في أمرِ الدين والدنيا، لا تردَّ كُفئًا تقدَّم إليك تعلم خيرَه وصلاحَه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» (حسن رواه ابن ماجه).
وكم من معوِّق لزواج الفتيات لمصالحَ يريدها منهم، إمّا اكتسابٌ من راتبهنَ أو طمعًا في خدمتهنَ أو نحو ذلك، ويردّ الكفءَ في الصلاح والدين لمصلحة دنيويّة حقيرة، فتلك خيانة لأمانتِك أيها المسلم.
• أمانة الشهادة والولاية:
أيّها المسلم، إنَّ الشهادةَ التي تؤدّيها أنت مؤتمن عليها، فتتَّقي الله، وتصدق في شهادتك، وتؤدِّي الشهادةَ على علم وبصيرة، لا على ظنٍّ ومجاملة، قال الله جلّ وعلا
стр. 279
في كتابه العزيز: ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف:٨٦)، وحذَّرنا من كتمان الشهادة، ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَـ?دَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة:٢٨٣).فلا تشهَد إلا بما تعلم، ولا تشهَد بلا علم ولا لمجاملة، فإنّ الشهادة أمانة عند الشاهد، أن ينطق بالحقّ لا يخاف في الله لومةَ لائم.
• السر أمانة:
السرُّ بينك وبين من ائتمنك على سرِّه أمانةٌ فلا تفشِ ذلك، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ» (صحيح رواه أبوداود).
«إِذَا حَدَّثَ الرَّجُل»:أَيْ عِنْد أَحَد «بِالْحَدِيثِ»:أَيْ الَّذِي يُرِيد إِخْفَاءَهُ «ثُمَّ اِلْتَفَتَ»:أَيْ يَمِينًا وَشِمَالًا اِحْتِيَاطًا «فَهِيَ»:أَيْ ذَلِكَ الْحَدِيث «أَمَانَة»:أَيْ عِنْد مَنْ حَدَّثَهُ أَيْ حُكْمه حُكْم الْأَمَانَة فَلَا يَجُوز إِضَاعَتهَا بِإِشَاعَتِهَا؛ لِأَنَّ اِلْتِفَاته إِعْلَام لِمَنْ يُحَدِّثهُ أَنَّهُ يَخَاف أَنْ يَسْمَع حَدِيثه أَحَد وَأَنَّهُ قَدْ خَصَّهُ سِرّه، فَكَانَ الِالْتِفَات قَائِمًا مَقَام (اُكْتُمْ هَذَا عَنِّي) أَيْ خُذْهُ عَنِّي وَاكْتُمْهُ وَهُوَ عِنْدك أَمَانَة.
وما بين الرّجل وبين امرأتِه فيما يجري بينهما أمانة، حرامٌ عليها أن تفضيَ للناس ما بينها وبين زوجها، أو أن يفضيَ هو للناسَ ما بينه وبين امرأته مِنْ أُمُور الِاسْتِمْتَاع، وَوَصْف تَفَاصِيل ذَلِكَ وَمَا يَجْرِي فِيهِ مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل وَنَحْوه؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» (رواه مسلم)
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» (رواه مسلم)
وقال ﵌: «عسَى رَجُلٌ يُحَدِّثُ بِمَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أهْلِهِ، أوْ عَسَى امْرَأةٌ تُحَدِّثُ بِمَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، فَلَا تَفْعَلُوا؛ فإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلُ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيْطَانَةٍ فِي ظَهْرِ الطَرِيقِ فَغَشِيَهَا وَالنَاسُ يَنْظُرُونَ». (حسن رواه الطبراني).
• أمانة الأبوين:
стр. 280
الأبوان أمانة عند الأولاد لا سيّما في كبر سنِّهما وضعفِهما، فالأبناء مسئولون جميعًا عن آبائهم وأمّهاتهم، البرّ والإحسان والقيام بالواجب، فإنّ الأبوين أمانةٌ عند الأبناء؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ» قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ» (رواه مسلم).
و (رَغِمَ أَنْفُهُ):ذَلَّ وَقِيلَ: كُرِهَ وَخُزِيَ، وَفِي الحديث الْحَثّ عَلَى بِرّ الْوَالِدَيْنِ، وَعِظَم ثَوَابه. وَمَعْنَاهُ أَنَّ بِرّهمَا عِنْد كِبَرهمَا وَضَعْفهمَا بِالْخِدْمَةِ، أَوْ النَّفَقَة، أَوْ غَيْر ذَلِكَ سَبَب لِدُخُولِ الْجَنَّة، فَمَنْ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ فَاتَهُ دُخُول الْجَنَّة وَأَرْغَمَ اللهُ أَنْفه.
• أمانة التعليم:
أيّها المعلّم، إنّك أمين على ما تقول، وعلى ما تلقِي من دروس، وعلى ما توجِّه به النشء، فالمعلم والمعلّمة أمناء على التلاميذ جميعًا بالتّوجيه والقيام بالواجب والدّعوة إلى الخير والطّريق المستقيم، ليكن المعلّم ولتكن المعلّمة كلّ منهما حريصًا على الخير وساعيًا في تثقيف الأمّة وتوجيهها وإبعادها عن كلِّ ما يخالِف شرعَ الله، من غلوّ غالٍ وجفاء جافٍ وإفراط مفرّط وبعدِ من بَعُدَ عن الهدى.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» (رواه مسلم).
• أمانة المال:
أيّها المسلم، إنّ نبيّنا ﵌ قال: «الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الْأَمِينُ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبًا بِهِ نَفْسُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ» (رواه البخاري)، فجعل ﵌ الأمانة مع القيام بالواجب نوعٌ من الصّدقة وإن كان ذلك عملَه، وتلك وظيفته، لكن لمّا اتقى الله وأدّى الأمانة التي حُمِّلها ودفع ما أُمِر بدفعِه طيّبةً بذلك نفسه صار أحدَ المتصدّقَين، فالحمد لله على فضله.
стр. 281
فاتّق الله فيما اؤتُمنت عليه من قليل أو كثير، اتّق الله في أمورك كلّها، فإنّك حامل لتلك الأمانة، فاسعَ في حفظِها، لتلقى الله وأنت من المحافظين عليها، لتلقى الله وأنت من أهل الأمانة الصّادقة.
• أمانة أداء حقوق العمال:
أيّها المسلم، إنَّ مِن الأمانة إعطاءَ العمّال حقوقَهم، وعدمَ التلاعب والتهاون بذلك، فالعمّال الأجراء عندك هم (أمانة) تحت يدك، أنت مسؤول عن حقوقهم وواجباتِهم، فإن أخللتَ بشيء أو ماطلت بشيء أو حاولتَ التهرُّب أو النقص أو الإساءة فاعلم أن الله قادر عليك، واتق الله، ولا تبخَس الناسَ أشياءهم، وأعطِ الناسَ حقوقَهم، أعطِ العامل أجرَه، أعطه حقوقه وإيّاك والتهاونَ وعدم المبالاة بحجّة ضعفه وقدرتِك على التهرّب، اتّق الله في نفسك، وأعطِ الناس حقوقهم، فتلك أمانة اللهُ سائلك عنها، ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمَـ?نَـ?تِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء:٥٨).
قال ﵌: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ». (حسن رواه ابن ماجه).
(أَعْطُوا الْأَجِير) أَيْ يَنْبَغِي الْمُبَادَرَةُ فِي إِعْطَاء حَقّه بَعْد الْفَرَاغ مِنْ الْحَاجَة.
(قَبْل أَنْ يَجِفَّ عَرَقه) الْحَاصِل بِالِاشْتِغَالِ بِالْحَاجَةِ؛ لأن أجره عمالة جسده وقد عجل منفعته فإذا عجلها استحق التعجيل، ومن شأن الباعة إذا سلموا قبضوا الثمن عند التسليم فهو أحق وأولى؛ إذ كان ثمن مهجته لا ثمن سلعته فيحرم مَطْلُه والتسويف به مع القدرة، فالأمر بإعطائه قبل جفاف عرقه إنما هو كناية عن وجوب المبادرة عقب فراغ العمل إذا طلب وإن لم يعرق، أو عرق وجف.
• أمانة حفظ الدِين:
إنّ الأمة المسلمة قد كلّفها الله وشرفها بحفظ هذا الدين، والقيام بواجب هذا الدين، وذلك بتطبيق شرع الله ، والدعوة إلى الله، والنصيحة للأمة والأخذ على أيدي السفهاء وأطرهم على الحقّ أطرًا، فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانةٌ في أعناق الأمّة، قال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (آل عمران:١١٠).
٢٠ - السعادة الوهمية (١)
• هل السعادة وهم أم حقيقة؟
إن كل إنسان على وجه البسيطة يسعى إلى السعادة. قد يختلف الناس في مذاهبهم، يختلفون في أعراقهم، يختلفون في مشاربهم، بل قد يختلفون في مبادئهم، وغاياتهم، ومقاصدهم، إلا غاية واحدة ربما اتفقوا عليها، من أولهم إلى آخرهم، إنها: طلب السعادة.
المؤمن والكافر، البر والفاجر، كل واحد منهم يريد السعادة لو سألته: لِمَ تعمل هذا؟ ولأي شيء تفعل ذاك؟ لقال: أريد السعادة!! سواء أقالها بحروفها أم بمعناها، بمدلولها أم بحقيقتها.
وإن كثيرًا من الناس يخطئ طريق السعادة، كل الناس يريدون السعادة، ولكن كثيرا منهم يخطئ هذا الطريق، بل إن القلة القليلة هي التي تسلك سبيل السعادة الحقيقية.
• تعريف السعادة:
السعادة هي ذلك الشعور المستمر بالغبطة، والطمأنينة، والأرْيَحِيَّة، والبهجة، وهذا الشعور السعيد يأتي نتيجة للإحساس الدائم بخيرية الذات، وخيرية الحياة، وخيرية المصير.
إن هناك سعادة وهمية، وسعادة حقيقية.
• أوهام السعادة: السعادة في المال:
هل السعادة في تكديس المال؟ وفي جمع الثروات، وبناء العقارات والقصور؟ هل هذه هي السعادة؟ كثير من الناس يتوهم ذلك، فهذا سعيد لأنه يملك الأرصدة في البنوك.
стр. 284
وفلان سعيد لأنه يملك كذا من الأراضي، وكذا من العمارات. فلان سعيد لأنه يملك كذا وكذا.
كثير من الناس يطلق هذا الوهم بلسانه، وكثير منهم يعتقده بقلبه، فيتصرف من هذا المنطلق الخاطئ. أقول: ليست السعادة في جمع المال، على حد قول الشاعر:
ولَسْتُ أرَى السَّعَادةَ جَمْعَ مَالٍ ... ولَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ
وتقوَى اللهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْرًا ... وعِنْدَ اللهِ للأتْقَى مَزِيدُ
أخي المسلم: أقف معك حول هذه القضية - أعني قضية أن السعادة في المال - لأنها من أهم القضايا في أوهام السعادة.
وجملة القول: «ليس كل صاحب مالٍ سعيدًا».
فكثير من أرباب المال وأصحاب الثروات يعيشون في شقاء وتعاسة دائمة في حياتهم الدنيا قبل الآخرة لماذا؟ لأنهم يتعبون في:١ - جمع المال.٢ - حفظه واستثماره. ٣ - القلق والخوف من فوات هذا المال وزواله.
كم من إنسان يملك المليارات ولكنه خائف! قلق! لماذا كل هذا الخوف!؟ ولم كل هذا القلق!؟ إنه يخاف على هذا المال، يخاف أن تأتي هزة سياسية، أو يأتي لصوص فيسرقون هذا المال؛ فهو يعيش في شقاء، خوف، قلق، هم، غم، بل إنه لا ينام الليل، وهذا أمر مجرب، مشاهَد، ترونه بأعينكم، بل قد يكون المال سبب هلاكه ومماته!!
كم من غني خطف أو قتل بسبب تجارته، بل كم من غني حُرم من لذاته بسبب أمواله، تجده لا يمشي طليقا، لا يمشي حرًا، لا يسافر كما يريد، لا ينام كما يريد، كل هذا بسبب أمواله!! ثم كم من إنسان صاحب مال زال ماله، وزالت ثرواته بسبب أو بآخر فعاش بقية حياته في تعاسة وشقاء. وإليكم هذه النماذج الناطقة:
١ - قصة قارون:
تلك القصة التي أوردها القرآن الكريم عن قارون، حيث قال : ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ (القصص: من الآية٧٩) في قمة سعادته، حتى إن قائلهم يقول: ﴿إِنَّهُ لَذُو
стр. 285
حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (القصص: من الآية٧٩).خرج في زينته فهو ذو حظ عظيم، كل هذا من أوهام السعادة، والنتيجة لكفره بأنعم الله كما يقول الله : ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ (القصص:٨١).أي سعادة هذه وأي نهاية!؟
٢ - قصة كرستينا أوناسيس: تلك القصة العجيبة، التي تؤكد أن المال مهما زاد وكثر، لا يمكن أن يكون - وحده - سببا للسعادة.
«كرستينا أوناسيس» تلك الفتاة اليونانية، ابنة المليونير المالي المشهور «أوناسيس» ذلك الذي يملك المليارات، يملك الجزر، يملك الأساطيل.
هذه الفتاة مات أبوها، وقبل ذلك ماتت أمها، وبينهما مات أخوها، وبقيت هي الوريثة الوحيدة - مع زوجة أبيها - لهذه الثروات الطائلة.
أتدري كم ورثت؟ لقد ورثت من أبيها ما يزيد على خمسة آلاف مليون ريال!!! فتاة تملك أسطولًا بحريًا ضخمًا!! تملك جزرًا كاملة!!! تملك شركات طيران!!
أخي الكريم: امرأة تملك أكثر من خمسة آلاف مليون ريال، بقصورها وسفنها، وطائراتها، أليست ـ في مقاييس كثير من الناس ـ أسعد امرأة في العالم؟؟
السؤال هو: هل هذه المرأة سعيدة؟
أما أمها: فقد ماتت بعد حياة مأساوية، كان آخر فصولها الطلاق.
وأما أخوها: فقد هلك بعدما سقطت به طائرته، التي كان يلعب بها.
وأما أبوها: فقد اختلف مع زوجته الجديدة التي هي «جاكلين كندي» زوجة الرئيس الأمريكي السابق «كندي»، تلك الزوجة التي تزوجها بملايين الدولارات، يبحث عن الشهرة فقط، ليقال: إنه تزوج بزوجة الرئيس الأمريكي «جون كندي».
ومع ذلك فقد عاش معها في شقاء دائم.